أو لعلَّ السِّرَّ في تقديمِ النَّفث على القراءةِ مخالفة السَّحرة البَطَلة، على أنَّ أسرارَ الكلامِ النَّبويِّ جلَّت عن أن تكون مَشْرِعَ كل واردٍ، وبعضُ من لا يدَ لهُ في علم المعاني لمَّا أرادَ التَّقصي عن الشُّبهة تشبَّث بأنَّه جاء في «صحيح البخاري» بالواو، وهي تقتضِي الجمعيَّة لا التَّرتيب، وهو زورٌ وبهتانٌ؛ حيث لم أجدْ (١) فيهِ، وفي كتابِ الحميدي، و «جامع الأصول» إلَّا بالفاء. انتهى.
وقد ثبت في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «يقرأ» بلا فاء ولا واو فيهما (﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا) أي: يبدأ بالمسح بيديه (عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ).
قال في «شرح المشكاة»: قوله: يبدأ، بيان لجملةِ قوله: يمسحُ بهما ما استطاعَ، لكن قوله: «ما استطاعَ من جسدهِ»، وقوله: «يبدأ»، يقتضيانِ أن يقدِّر يبدأ بهما على رأسهِ ووجههِ وما أقبلَ من جسدهِ، ثمَّ ينتهي إلى ما أدبرَ من جسدهِ، وروايةُ عقيلٍ، عن ابنِ شهاب هذه، وإن اتَّحد سندها بالسَّابقة [خ¦٥٠١٦] لكن فيها أنَّه كان يقرأ بالمعوِّذات عند النَّوم، فهي مغايرةٌ لحديثِ مالك السَّابق [خ¦٥٠١٦] فالَّذي يترجَّح أنَّهما حديثانِ عن ابنِ شهابٍ بسندٍ واحدٍ. قاله في «الفتح».
(١٥) (باب نُزُولِ السَّكِينَةِ وَالمَلَائِكَةِ عِنْدَ قِرَاءَةِ القُرْآنِ) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «قراءة» وله في روايةٍ: «عند القراءةِ».
стр. 9347
٥٠١٨ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام، فيما وصلهُ أبو عُبيد في «فضائل القرآن» عن يحيى ابنِ بكيرٍ، عن اللَّيث بالإسنادين الآتيين قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَزِيدُ ابْنُ الهَادِ) بلا ياء، هو: ابنُ أسامةَ بنِ عبدِ الله بنِ شدَّادِ بنِ الهادِ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) التَّيميِّ، التَّابعيِّ الصَّغير (عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ) بضم الهمزة، و «حُضَيْر»: بالحاء المهملة والضاد المعجمة وتصغيرهما، ومحمد بن إبراهيم (١) لم يدركْ أسيدًا، فروايتهُ عنهُ (٢) منقطعةٌ، لكن الاعتمادَ في وصلِ الحديثِ على السَّند الآخر (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (هُوَ) أي: أُسيد (يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ البَقَرَةِ) في السَّابقة [خ¦٥٠١١]: سورة الكهف، فيحتملُ التَّعدد (وَفَرَسُهُ مَرْبُوطٌ) بالتَّذكير، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «مربوطةٌ» (عِنْدَهُ) بالتأنيث، والقياسُ الأوَّل لأنَّه مذكَّر (إِذْ جَالَتِ الفَرَسُ) بالجيم؛ أي: اضطربتْ شديدًا (فَسَكَتَ) عن القراءةِ (فَسَكَنَتْ) أي: الفرسُ عن الاضطرابِ (فَقَرَأَ فَجَالَتِ الفَرَسُ) (٣) سقطَ لفظ «الفرسُ» لأبي ذرٍّ (فَسَكَتَ، وَسَكَنَتِ الفَرَسُ، ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتِ الفَرَسُ، فَانْصَرَفَ) أُسَيدٌ (وَكَانَ ابْنُهُ يَحْيَى) في ذلك الوقت (قَرِيبًا مِنْهَا) من الفرسِ (فَأَشْفَقَ) خافَ أُسَيدٌ (أَنْ تُصِيبَهُ) أي: ابنَه يحيى (فَلَمَّا اجْتَرَّهُ) بالجيم وتشديد الراء؛ أي: اجترَّ أسيدٌ ابنه يحيى من المكانِ الَّذي هو فيه حتَّى لا يصيبَهُ الفرس (رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى مَا يَرَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ) أسيد (حَدَّثَ النَّبِيَّ ﷺ ¬) بذلك (فَقَالَ لهُ) ﵊: (اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ، اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ) مرَّتين، وليس أمرًا بالقراءةِ حالة التَّحديث، بل المعنى: كان ينبغِي لكَ أن تستمرَّ على قراءتكَ، وتغتنمَ ما حصلَ لك من نزولِ السَّكينة والملائكة، وتستكثِرَ من القراءةِ الَّتي هي سببُ بقائها، قاله النَّوويُّ.
قال الطِّيبي: يريدُ: أن «اقرأ»، لفظه أمرٌ وطلبٌ للقراءةِ في الحالِ، ومعناه تحضيضٌ وطلبٌ للاستزادةِ في الزَّمان الماضي؛ أي: هلَّا زدت (٤)، وكأنَّه ﷺ استحضرَ تلكَ الحالة العجيبةِ الشَّأن، فأمره تحريضًا عليه، والدَّليل على أنَّ المرادَ من الأمرِ الاستزادةُ وطلبُ دوامِ القراءة،
стр. 9348
والنَّهيُ عن قطعها قوله: (قَالَ: فَأَشْفَقْتُ) أي: خفتُ (يَا رَسُولَ اللهِ) إن دمتُ على القراءةِ (أَنْ تَطَأَ) الفرسُ ابني (يَحْيَى، وَكَانَ مِنْهَا) أي: من الفرسِ (قَرِيبًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَانْصَرَفْتُ) وللأَصيليِّ: «وانصرفتُ» (إِلَيْهِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ) بضم الظاء المعجمة وتشديد اللام، قال ابنُ بطَّال: هي السَّحابة كانت فيها الملائكة ومعها السَّكينة، فإنَّها تنزلُ أبدًا مع الملائكة.
(فِيهَا) في الظُّلَّة (أَمْثَالُ المَصَابِيحِ) وفي روايةِ إبراهيمَ بنِ سعدٍ: «أمثال السُّرُج» (فَخَرَجَتْ) بالخاء والجيم كذا لجميعهم، قال عياضٌ: وصوابهُ: فعرجت -بالعين- (حَتَّى لَا أَرَاهَا) وعند أبي (١) عبيد: عرجَتْ إلى السَّماء حتَّى ما يَراها (قَالَ) ﵊: (وَتَدْرِي مَا ذَاكَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: تِلْكَ المَلَائِكَةُ دَنَتْ) أي: قربت (لِصَوْتِكَ) وكان أسيدٌ حسنَ الصَّوت، وفي روايةِ يحيى ابن أيوبٍ، عن يزيدَ بنِ الهادِ عند (٢) الإسماعيليِّ: «اقرأْ أُسيد، فقد أوتيتَ من مزاميرِ آل داود» ففيه إشارةٌ إلى الباعثِ على استماعِ الملائكة لقراءتهِ (وَلَوْ قَرَأْتَ) أي: ولو دمتَ على قراءتكَ (لأَصْبَحَتْ) أي: الملائكةُ (يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا لَا تَتَوَارَى) لا تستترُ (مِنْهُمْ) وعند أبي عُبيد من روايةِ ابنِ أبي ليلى عن أُسيدٍ: «لرأيتَ الأعاجيبَ».
(قَالَ ابْنُ الهَادِ) فيما وصلهُ أبو نُعيم عن أبي بكرِ بنِ خلَّادٍ، عن أحمدَ بنِ إبراهيمَ بنِ ملحانِ، عن يحيى ابنِ بكيرٍ، عن اللَّيثِ، عن ابنِ الهادِ: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (هَذَا الحَدِيثَ) السَّابق (عَبْدُ اللهِ بْنُ خَبَّابٍ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة الأولى، مولى بني عديِّ بن النَّجار (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ) بالحاء المهملة والضاد المعجمة، وهذا موصول فالاعتمادُ عليه.
قال في «الفتح»: وجاء عن اللَّيث فيه إسنادٌ ثالثٌ، أخرجه النَّسائيُّ من طريقِ شعيب بن اللَّيث وداود بن منصورٍ؛ كلاهما عن اللَّيث، عن خالدِ بنِ يزيد، عن سعيدِ بنِ أبي هلالٍ، عن يزيدَ ابنِ الهادِ بإسناده هذا السَّابق فقط.
стр. 9349
(١٦) (باب مَنْ قَالَ: لَمْ يَتْرُكِ النَّبِيُّ ﷺ ¬) شيئًا (١) (إِلَّا مَا) جمعهُ الصَّحابة من القرآنِ (بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ) بفتح الدال والفاء المشددة؛ أي: اللَّوحين، ولم يفتهُم منه شيءٌ بذهابِ حملتهِ، ولم يكتموا منه شيئًا، خلافًا لما ادَّعته الرَّوافض؛ لتصحيحِ دعواهمُ الباطلة: أنَّ التَّنصيص على إمامةِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، واستحقاقهِ للخلافةِ كان ثابتًا عند موتِ النَّبيِّ ﷺ في القرآنِ فكتموهُ.
٥٠١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عيينةَ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ) بضم الراء وفتح الفاء، الأسديِّ المكِّيِّ، أنَّه (قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَشَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ) بفتح الشين المعجمة وتشديد الدال الأولى المهملة، و «مَعْقِل»: بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف، الأسديُّ الكوفيُّ، التَّابعيُّ الكبير (عَلَى (٢) ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁¬) وعن أبيهِ (فَقَالَ لَهُ شَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ) مستفهمًا له (٣): (أَتَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بعد موتهِ (مِنْ شَيْءٍ؟) زاد الإسماعيليُّ: «سوى القرآن» (قَالَ) ابنُ عبَّاس مجيبًا له: (مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ) وللإسماعيليِّ: «اللَّوحين» بدل الدَّفَّتين؛ أي: لم يدع من القرآنِ إلا ما (٤) يُتلى (قَالَ) ابنُ رُفيعٍ: (وَدَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ فَسَأَلْنَاهُ) عن ذلك أيضًا (فَقَالَ: مَا تَرَكَ) ﵊ (إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ) ولا يردُ على هذا حديثُ عليٍّ السَّابق في «العلمِ»: ما عندنا إلَّا كتابُ الله، وما في هذه الصَّحِيفة [خ¦١١١] لأنَّه أراد الأحكامَ الَّتي كتبها عنه ﷺ ، ولم ينفِ أنَّ عندهُ أشياءَ أُخر من الأحكامِ لم يكن كتمَهَا (٥)، ونفي ابن عبَّاس وابن الحنفيَّة واردٌ على ما يتعلَّق بالنَّص في القرآن من إمامةِ عليٍّ، واستدلَّ المؤلِّف ﵀ على بطلانِ مذهبِ الرَّافضة بمحمَّد ابنِ الحنفيَّة أحدِ أئمتهم في دعواهُم وهو: ابنُ عليٍّ، وبابنِ
стр. 9350
عبَّاس ابن عمِّه وأشدُّ النَّاس له لزومًا، فلو كان شيءٌ ممَّا ادَّعوه لكانا أحقَّ النَّاس بالاطلاعِ عليه، ولما وسعهمَا كتمانه، فلِلَّهِ درُّ المؤلِّف ما أدقَّ نظرَه وألطفَ إشارتَه ﵀.
(١٧) (باب فَضْلِ القُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الكَلَامِ) هذه التَّرجمة -كما نبَّه عليه في «الفتح» - لفظُ حديث أخرج التِّرمذيُّ معناه بسندٍ رجالهُ ثقاتٌ إلَّا عطيَّة الكوفيَّ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقولُ الرَّب : من شغلهُ القرآنُ عن ذِكري ومسألتي أعطيتُهُ أفضلَ ما أُعْطي السَّائلين، وفضلُ كلامِ الله على سائرِ الكلامِ كفضلِ اللهِ على خلقهِ» أي: من شغلهُ القرآنُ عن الذِّكرِ والمسألة اللَّذين ليسا في القرآنِ كالدَّعوات، والدَّليل عليه التَّذييل بقولهِ: «وفضلُ كلامِ الله … » إلى آخره.
وقال المظهريُّ: ينبغي أن (١) لا يظنَّ القارئُ أنَّه إذا لم يطلُبْ من اللهِ حوائجهُ لا يعطيهِ أكمل الإعطاءِ؛ فإنَّه من كان لله كان اللهُ له.
وعن العارفِ أبي عبدِ اللهِ بن خفيف -قدَّس الله سرَّه-: شغلُ القرآنِ القيامُ بموجباتهِ من إقامةِ فرائضهِ والاجتنابِ عن محارمه، فإن الرَّجل إذا أطاعَ الله فقد ذكرهُ، وإن قلَّ صلاتَه وصومَه، وإن عصاهُ نسيهُ، وإن كثَّر صلاتَه وصومَه.
وعند ابن الضُّريس من طريقِ الجرَّاح بنِ الضَّحَّاك، عن علقمةَ بنِ مرثدٍ، عن أبي عبدِ الرَّحمن السُّلَمِيِّ (٢)، عن عثمان رفعهُ: «خيركُم من تعلَّم القرآنَ وعلَّمه» ثمَّ قال: «وفضلُ القرآنِ على سائرِ الكلامِ كفضلِ الله على خلقِهِ وذلك أنَّه منه»، وقد بيَّن العسكريُّ أنَّ هذه الزِّيادة من قولِ أبي عبدِ الرَّحمن السُّلَميِّ.
стр. 9351
٥٠٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) بضم الهاء وسكون الدال المهملة (أَبُو خَالِدٍ) وسقطت الكنية لأبي ذرٍّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى، ابنُ يحيى بنِ دينارٍ الشَّيبانيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بنُ دعامةَ السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ بْنُ مَالِكٍ) ثبت: «ابنُ مالكٍ» في رواية الأَصيليِّ (عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ) سقطَ قوله: «الأشعريِّ» لغير الأَصيليِّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ) ويعملُ به (كَالأُتْرُجَّةِ) بضم الهمزة وسكون الفوقية وضم الراء وفتح الجيم المشددة، وتخفَّف ويزادُ قبلها نون ساكنة، وتحذف الهمزة مع الوجهين، فهي أربعةٌ، ومع التخفيف ثمانٌ (طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ) ومنظرهَا حسنٌ، وملمسهَا ليِّن، فاقعٌ لونهَا تسرُّ النَّاظرينَ، تتشوَّقُ (١) إليها النَّفس (٢) قبل التَّناول، يفيدُ أكلُها -بعد الالتذاذِ بذوقها- طيبُ نكهةٍ، ودباغُ معدةٍ، وقوَّة هضمٍ، ويستخرجُ من حبِّها دهنٌ له منافع، وحامضهَا (٣) يسكِّن غلمةَ النِّساء، ويجلو اللَّون والكلَفَ، وقشرُها في الثِّياب يمنعُ السُّوس ويُتداوى بهِ، وهو مفرحٌ بالخاصيَّة. وقيل: إنَّ الجنَّ لا تقربُ البيتَ الذي فيه الأترجُّ، فناسبَ أن يمثَّل بهِ قارئُ القرآنِ (٤) الَّذي لا يقربهُ الشَّيطان (٥)، وغلافُ قلبهِ أبيضُ فيناسب قلبَ المؤمنِ (وَالَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَالتَّمْرَةِ) بالفوقية وسكون الميم (٦) (طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الفَاجِرِ) أي: المنافق (الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ) ونبَّه في «اليونينية» أنَّ قوله: «ومثلُ الفاجر … » إلى آخره ثابتٌ في أصل أبي الوقتِ، وأنَّ سقوطه
стр. 9352
غلطٌ (وَمَثَلُ الفَاجِرِ) أي: المنافق (الَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ: كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا).
قال شارحُ «مشكاة المصابيح»: إنَّ هذا التَّشبيه والتَّمثيل في الحقيقةِ وصفٌ لموصوف، اشتملَ على معنًى معقولٍ صِرْفٍ، لا يُبْرزهُ عن مكنونهِ إلَّا تصويرُهُ بالمحسوسِ المشاهَدِ، ثمَّ إنَّ كلامَ الله المجيد له تأثيرٌ في باطنِ العبدِ وظاهرِه، وإنَّ العبادَ متفاوتونَ في ذلك، فمنهم من له النَّصيبُ الأوفرُ من ذلك التَّأثير وهو المؤمنُ القارئُ، ومنهم من لا نصيبَ له البتَّةَ وهو المنافقُ الحقيقيُّ، ومنهم من تأثَّر ظاهرهُ دونَ باطنه وهو المُرائي، أو بالعكس، وهو المؤمنُ الَّذي لا يقرؤه، وإبرازُ هذه المعاني وتصويرُهَا في المحسوساتِ ما (١) هو مذكورٌ في الحديثِ، ولم يجد ما يُوافقها ويلائمُها أقرب ولا أحسن ولا أجمع من ذلك؛ لأنَّ المشبَّهاتِ والمشبَّه بها واردةٌ على التَّقسيم الحاصل؛ لأنَّ النَّاس إمَّا مؤمنٌ أو غيرُ مؤمنٍ، والثَّاني: إمَّا منافقٌ صِرْف أو ملحقٌ بهِ، والأوَّل: إمَّا مواظبٌ على القراءةِ أو غيرُ مواظبٍ عليها، فعلى هذا قس الأثمارَ المشبَّه بها، ووجه التَّشبيهِ في المذكوراتِ مركَّب منتزعٌ من أمرينِ محسوسينِ: طعمٌ وريحٌ.
ثمَّ إنَّ إثباتَ القراءةِ في قوله ﷺ : «يقرأُ القرآنَ» على صيغةِ المضارع، ونفيها (٢) في قوله: «لا يقرأ» ليسَ المرادُ منهما (٣) حصولها مرَّة ونفيها بالكلِّيَّة، بل المرادُ منهما الاستمرارُ والدَّوامُ عليها، وأنَّ القراءة دأبهُ وعادتُه، أو ليسَ ذلك من هجِّيراهُ، كقولك (٤): فلانٌ يَقْري الضَّيف ويحمِي الحريم. انتهى.
وفي هذا الحديثِ فضيلةُ حاملِ القرآنِ، ومطابقتهُ للتَّرجمة من حيثُ ثبوتُ فضلِ قارئ القرآن على غيرهِ، فيستلزمُ فضلَ القرآنِ على سائرِ الكلامِ، كما فُضِّلَ الأترجُّ على سائرِ الفواكهِ، وفيه روايةُ تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وصحابيٍّ عن صحابيٍّ، وهي روايةُ قتادةَ، عن أنسٍ، عن أبي موسَى، وأخرجهُ أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٥٦٠]، ومسلم في «الصَّلاة»، وأبو داود في
стр. 9353
«الأدبِ»، والتِّرمذيُّ في «الأمثالِ»، والنَّسائيُّ في «الوليمةِ».
٥٠٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مسرهدٍ (عَنْ يَحْيَى) بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ) وللأَصيليِّ: «ما» (خَلَا) مضى (مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ) أجزاء وقتِ (صَلَاةِ العَصْرِ وَمَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَمَثَلُكُمْ) مع نبيِّكم (وَمَثَلُ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى) مع أنبيائهم (كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟) مرَّتين لأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ، ولغيرهِ مرَّة واحدة (١) (فَعَمِلَتِ اليَهُودُ) إلى نصفِ النَّهار (فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى العَصْرِ؟) وزاد الأَصيليُّ: «على قيراطٍ» (فَعَمِلَتِ النَّصَارَى) إلى العصرِ (ثُمَّ أَنْتُمْ) أيُّها المسلمونَ (تَعْمَلُونَ مِنَ العَصْرِ إِلَى المَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ) بالتِّكرار مرَّتين، واستكملوا أجرَ الفريقينِ (قَالُوا) أي: اليهود والنَّصارى: (نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا) لأنَّ الوقت من الصُّبح إلى العصرِ أكثرُ من وقتِ العصرِ إلى الغروبِ (وَأَقَلُّ عَطَاءً. قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ) أي: نقصتكُم (مِنْ حَقِّكُمْ؟) أي: الَّذي شرطتُهُ لكم (قَالُوا: لَا) لم تنقصنَا من أجرنا شيئًا (قَالَ: فَذَاكَ) ولأبي ذرٍّ: «فذلك» باللام (فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ).
ومطابقةُ هذا الحديثِ من جهةِ ثبوتِ فضلِ هذه الأمَّة على غيرهَا من الأممِ، وثبوتِ الفضلِ لها بما ثبتَ من فضلِ كتابها الَّذي أمرتْ بالعملِ به، وهذا الحديثُ سبقَ في: «باب من أدركَ ركعةً من العصرِ»، من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٥٥٧].
стр. 9354
(١٨) (باب الوَصَاةِ) بألف بعد الصاد، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «الوصيَّة» بالتحتية المشددة بدل الألف (بِكِتَابِ اللهِ .
٥٠٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) بنِ واقدِ الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ) بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وبعد الواو المفتوحة لام، البجليُّ قال: (حَدَّثَنَا طَلْحَةُ) بنُ مصرِّف -بكسر الراء- بوزن الفاعلِ، اليامِيّ -بالتحتية والميم- (قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى) بفتح الهمزة والفاء بينهما واو ساكنة علقمة: (آوْصَى) بمد الهمزة وسكون الواو (النَّبِيُّ ﷺ ¬) بالإمارةِ لأحدٍ أو بالمال؟ (فَقَالَ: لَا) لم يوص. قال طلحة: (فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ) بضم الكاف (عَلَى النَّاسِ الوَصِيَّةُ) في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] (أُمِرُوا بِهَا وَلَمْ يُوصِ) ﷺ ؟ (قَالَ) ابنُ أبي أوفى: (أَوْصَى) ﵊ (بِكِتَابِ اللهِ) أي: التمسُّك بهِ والعمل بمقتضاه، وحفظه حسًّا ومعنى، فيكرم ويصانُ ولا يسافرُ بهِ إلى أرضِ العدوِّ، ويداومُ على تلاوتهِ وتعلُّمه وتعليمهِ.
وهذا الحديثُ قد مرَّ في «الوصايا» [خ¦٢٧٤٠].
(١٩) (بابٌ مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ) أي: يستغن (بِالقُرْآنِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾) آيةً (﴿أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾) القرآنَ العظيم الَّذي فيه خبرُ ما قبلهم، ونبأُ ما بعدهم، وحكمُ ما بينهم
стр. 9355
(﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]) في كلِّ مكانٍ وزمانٍ، فلا تزالُ معهم آيةٌ ثابتةٌ لا تزولُ.
وقال أحمدُ: عن وكيعٍ: أي: يستغنى بهِ عن أخبارِ الأمم الماضيةِ، فليسَ المرادُ بالاستغناء في الآيةِ الاستغناء الَّذي هو ضدُّ الفقرِ، وقد أخرجَ الطَّبريُّ وغيره -كما قال (١) في «الفتح» - من طريقِ عمرو بنِ دينارٍ، عن يحيى بن جَعْدَةَ (٢) قال: جاءَ ناس من المسلمين بكتبٍ قد كتبُوا فيها بعضَ ما سمعوهُ من اليهودِ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «كَفَى بقومٍ ضلالةً أن يرغبُوا عمَّا جاءَ بهِ نبيُّهم إليهم (٣) إلى ما جاءَ بهِ غيره إلى غيرهم» فنزلت: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ الاية [العنكبوت: ٥١] وفي ذكر المؤلِّف هذه الآية عقبَ التَّرجمة إشارةٌ إلى أنَّ معنى التَّغني الاستغناء، وسقطَ «﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾» لغير أبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ (٤).
٥٠٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابنِ خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بنِ مسلمٍ الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بنِ عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَمْ يَأْذَنِ اللهُ) بفتح المعجمة، لم يستمع (لِشَيْءٍ) بالشين المعجمة (مَا أَذِنَ) بكسر المعجمة، ما استمع؛ أي: كاستماعهِ (لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: «لنبيٍّ» ورقم في الفرع على الَّذي بـ «أل» علامة السُّقوط لابنِ عساكرٍ وأبي الوقتِ (٥) (يَتَغَنَّى بِالقُرْآنِ) يحسِّن صوتَه بهِ أو يستغني به (وَقَالَ صَاحِبٌ لَهُ) أي: لأبي سلمةَ (٦) (يُرِيدُ) بقوله: يتغنَّى بهِ (يَجْهَرُ بِهِ)
стр. 9356
والصَّاحب المذكور هو: عبدُ الحميدِ بنُ عبدِ الرَّحمنِ بن زيدِ (١) بنِ الخطَّابِ، كما بيَّنه الزُّبيديُّ عن ابنِ شهابٍ في هذا الحديثِ، فيما أخرجه ابنُ أبي داود عن محمَّد بنِ يحيى الذُّهليِّ في «الزُّهريَّات».
وحديثُ الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٨٢].
٥٠٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عيينةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) سقطَ لفظ «ابنِ عبدِ الرَّحمن» لغير أبي ذرٍّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ) بالمعجمة وبعد التحتية الساكنة همزة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «لنبيٍّ» (مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬) بزيادة لام، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ (٢): «لنبيٍّ (٣)» بإسقاطها، وقولُ الحافظ ابن حجرٍ: إن كانت رواية زيادة اللَّام محفوظة فهي للجنسِ، ووهمَ من ظنَّها للعهدِ، وتوهَّم أنَّ المرادَ نبيُّنا ﷺ وشرحهُ على ذلك؛ تعقَّبه (٤) العينيُّ فقال: هذا الَّذي ذكرهُ عين الوهمِ، والأصلُ في الألف (٥) واللام أن تكون للعهدِ خصوصًا في المفردِ، وعلى ما ذكرهُ يفسدُ (٦) المعنى؛ لأنَّه يكون على هذهِ الصُّورة لم يأذنِ الله لنبيٍّ من الأنبياءِ ما أذنَ لجنسِ النَّبيِّ وهذا فاسدٌ. انتهى.
وأجابَ في «انتقاضِ الاعتراض» بأنَّه إنَّما شرحهُ على روايةِ الأكثرِ، وهي: «ما أذنَ لشيءٍ» بشين معجمة وياء مهموزةٍ، ولا فساد فيه. انتهى.
وثبتتِ التَّصليةُ لأبي الوقتِ (٧)، وقوله: «أَذِنَ» -بفتح الهمزة وكسر الذال المعجمة- في
стр. 9357
الماضي وكذا في المضارع مُشْتركٌ بين الإطلاقِ والاستماعِ، تقول: أَذِنْتُ (١) آذَنُ بالمدِّ، فإن أردتَ الإطلاقَ فالمصدر بكسرٍ ثمَّ سكون، وإن أردتَ الاستماعَ (٢) فالمصدر بفتحتين؛ أي: ما استمعَ كاستماعهِ لصوتِ نبيٍّ.
(أَنْ يَتَغَنَّى بِالقُرْآنِ) وسقطَ لفظ «أنْ»، عند أبي نُعيم من وجهٍ آخرَ، وصوَّبه ابنُ الجوزيُّ، وقال: إنَّ إثباتها وهمٌ من بعضِ الرُّواة لروايتهم بالمعنَى، فظنَّ المثبِتُ المساواةَ، فوقعَ في الخطأ؛ لأنَّ الحديثَ لو كان بإثباتِ «أنْ» لكان من الإِذْن -بكسر الهمزة وسكون الذال- بمعنى: الإباحةِ والإطلاقِ، وليس مرادًا هنا، وإنَّما هو من الأَذَن -بفتحتين- وهو (٣) الاستماعُ، والمرادُ بهِ هنا: إجزالُ مثوبةِ القارئ وإكرامهِ، لا حقيقته الَّتي هي أن يميلَ المستمعُ بأُذُنه إلى جهةِ من يسمعهُ؛ إذ هو محالٌ في حقِّه تعالى، فالمرادُ ثمرةُ ذلك على ما لا يخفى.
(قَالَ (٤) سُفْيَانُ) بنُ عيينة -بالسَّند السَّابق-: (تَفْسِيرُهُ) أي: قوله: يتغنَّى (يَسْتَغْنِي بِهِ) عن غيرهِ من الكتب السَّالفة (٥)، أو من الإكثارِ من الدُّنيا، وارتضَى ذلكَ أبو عُبيد في «تفسيره»، وقال: إنَّه جائزٌ في كلامِ العربِ، واحتجَّ بقولِ ابنِ مسعودٍ: من قرأ آل عمران فهو غنيٌّ، وقيل: المرادُ به الغنَى المعنوي؛ وهو غنى النَّفس، وهو القناعة، لا المحسوس الَّذي هو ضدُّ الفقر، فإنَّ ذلك لا يحصلُ بمجرَّد ملازمةِ القرآن.
وقال النَّوويُّ: معناه عند الشَّافعيِّ وأصحابهِ وأكثرِ العلماءِ تحسين الصَّوت به. انتهى.
ويؤيِّده قوله في الرِّواية السَّابقة [خ¦٥٠٢٣]: وقال صاحب له: يجهرُ بهِ.
قال الطِّيبي: لأنَّها جملة مبيِّنة لقوله: «يتغنَّى بالقرآن»، وإلا (٦) يكن المبيَّن على خلاف البيان، كذلك «يتغنَّى بالقرآن» في الرِّواية الأولى بيان لقوله: «ما أذنَ لنبيٍّ»؛ أي: صوته،
стр. 9358
فكيف يحملُ على غير حسنِ الصَّوت على أنَّ الاستماعَ ينبو عن الاستغناءِ، وينصرُه الحديثُ المرويُّ بلفظ: «ما أذنَ لنبيٍّ حسنِ الصَّوت بالقرآنِ يجهرُ بهِ».
قال الشَّافعيُّ: ولو كان معنى «يتغنَّى بالقرآنِ» على الاستغناء لكان يتغانى (١)، وتحسينُ الصَّوت هو يتغنَّى. وتعقَّبه بعضهم فقال: إنَّ في صدقِ (٢) الملازمةِ نظرًا إذا ثبت أنَّ «تغنَّى» بمعنى استغنى، وصرَّح بعضهُم بصحَّته كما مرَّ، واستشهدَ بقوله ﷺ في الخيلِ: «ورجلٌ ربطها تغنِّيًا وتعفُّفًا» [خ¦٢٣٧١] ولا خلافَ في هذا أنَّه مصدرُ تغنَّى، بمعنى: استغنى وتعفَّف، ونقل ابنُ الجوزيُّ عن الشَّافعيِّ: أنَّ المراد به التحزُّن، قال في «الفتح»: ولم أرهُ صريحًا، إنَّما قال في «مختصر المزني»: وأحبُّ أن يقرأَ حدرًا وتحزينًا. انتهى.
والحدرُ: الإدراجُ من غير تمطيطٍ، والتَّحزين: رقَّة الصَّوت وتصييره كصوتِ الحزين. وقال ابنُ الأنباريِّ في «الزَّاهر»: المراد بالتَّغني التلذُّذ به، كما يستلذُّ أهل الطَّرب بالغناءِ، فأطلق عليه تغنِّيًا من حيثُ إنَّه يفعل عنده كما يفعلُ عندَ الغناء، وقيل: المرادُ التَّرنُّم به؛ لحديثِ ابن (٣) أبي داود والطَّحاوي عن أبي هُريرة: «حسنُ التَّرنُّم بالقرآنِ».
قال الطَّبريُّ: والترنُّم لا يكون إلَّا بالصَّوت إذا حسَّنه القارئُ وطرب به، قال: ولو كانَ معناه الاستغناءَ لما كان لذكرِ الصَّوت ولا لذكرِ الجهر معنى. انتهى.
ويمكن -كما في «الفتح» - الجمع بين أكثرِ التَّأويلاتِ المذكورةِ، وهو أنَّه يحسِّن به صوته جاهرًا به مترنِّمًا على طريق التحزُّن، مستغنيًا به عن غيرهِ، طالبًا بهِ غنى النَّفس، راجيًا به غنَى اليد.
ومباحثُ تحسين الصَّوتِ، وحكمِ القراءةِ بالألحان، تأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
стр. 9359
(٢٠) (باب اغْتِبَاطِ صَاحِبِ القُرْآنِ) أي: تمنِّي مثلَ ما لهُ من نعمةِ القرآن من غيرِ أن تتحوَّل عنه.
٥٠٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو: ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلمِ ابن شهابٍ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: لَا حَسَدَ) أي: لا غبطةَ جائزة (١) في شيءٍ (إِلَّا عَلَى) وجودِ (اثْنَتَيْنِ) أي: خصلتين؛ إحداهما: (رَجُلٌ) أي: خصلةُ رجلٍ (آتَاهُ اللهُ الكِتَابَ) أي: القرآنَ (وَقَامَ بِهِ) تلاوةً وعملًا (آنَاءَ اللَّيْلِ) أي: في (٢) ساعاتهِ، وزاد أبو نُعيم في «مستخرجه»: «وآناءَ النَّهار» (وَ) ثانيهما: (رَجُلٌ) أي: خصلةٌ (أَعْطَاهُ اللهُ مَالًا فَهْوَ يَتَصَدَّقُ بِهِ) على المحتاجِ (آنَاءَ اللَّيْلِ وآنَاءَ النَّهَارِ) أي: ساعاتهما، بإثبات (٣): «آناءَ النَّهار» هنا، وحذفها في الأوَّل، كما مرَّ. وقيل: إنَّ فيه تخصيصًا لإباحةِ نوعٍ من الحسدِ، وإن كانت جملتهُ محظورة، وإنَّما رخَّص فيه لما يتضمَّن (٤) مصلحةً في الدِّين. قال أبو تمَّام:
وما حاسِدٌ في المَكْرُماتِ بحاسِدِ
وكما رخَّص في الكذبِ لتضمُّن فائدةٍ هي فوقَ آفةِ الكذبِ.
وقال في «شرح المشكاة»: أثبتَ الحسدَ لإرادةِ المبالغة في تحصيلِ النِّعمتين الخطيرتين، يعني: ولو حصلتا (٥) بهذا الطَّريق المذمومِ فينبغي أن يتحرَّى ويجتهد في تحصيلهما، فكيف بالطَّريق المحمودِ، لا سيَّما وكل واحدةٍ من الخصلتينِ بلغت غايةً لا أمدَ فوقها، ولو اجتمعتَا في امرئٍ بلغَ من العلياءِ كلَّ مكان (٦).
стр. 9360
٥٠٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بنِ عبدِ المجيدِ اليشكريُّ الواسطيُّ، أو هو عليُّ بنُ الحسينِ بنِ إبراهيمَ بنِ إشْكَاب، نسبه إلى جدِّه، أو هو عليُّ بنُ عبدِ اللهِ بنِ إبراهيمَ، والأوَّل قولُ الأكثر، والثَّاني جزمَ بهِ ابن عديٍّ، والثَّالث قول الدَّارقطني وابن مَنْده. قال: (حَدَّثَنَا رَوْحٌ) بفتح الراء وبعد الواو الساكنة حاء مهملة، ابنُ عبادةَ (١) قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بنِ مهرانَ الأعمش، أنَّه قال: (سَمِعْتُ ذَكْوَانَ) أبا صالحٍ السَّمان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا حَسَدَ) أي: لا غبطةَ (٢) جائزة في شيءٍ (إِلَّا فِي) خصلتينِ (اثْنَتَيْنِ): خصلةٌ (رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللهُ القُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ) ساعاتهما (فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ، فَقَالَ): يا (٣) (لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ) من القرآن (فَعَمِلْتُ) به (مِثْلَ مَا يَعْمَلُ) من تلاوتهِ آناءَ اللَّيل وآناءَ النَّهار (وَ) خصلةٌ (رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَهْوَ يُهْلِكُهُ) بضم الياء وكسر اللام، وفيهِ مبالغةٌ؛ لأنَّه يدلُّ على أنَّه لا يبقَى من المالِ بقيَّة، ولمَّا أوهم الإسراف والتَّبذير كمَّله بقوله: (فِي الحَقِّ) كما قيل: لا سرفَ في الخيرِ (فَقَالَ رَجُلٌ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ) من المالِ (فَعَمِلْتُ) فيه (مِثْلَ مَا يَعْمَلُ) منِ إهلاكهِ في الحقِّ.
وهذا الحديثُ أخرجَه النَّسائيُّ في «الفضائل».
(٢١) هذا (بابٌ) بالتنوين: (خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ).
стр. 9361
٥٠٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم وسكون النون، الأنماطيُّ، السُّلَمِيُّ، البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ) بفتح الميم والمثلثة بينهما راء ساكنة، الحضرميُّ الكوفيُّ قال: (سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ) بضم العين، مصغَّرًا، وسكون عين «سعد»، الكوفيَّ أبا حمزة (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبدِ الله بنِ حبيبٍ (١) (السُّلَمِيِّ) بضم السين المهملة وفتح اللام (عَنْ عُثْمَانَ) بنِ عفَّان (¬﵁¬) واختلفَ في سماعِ أبي عبدِ الرَّحمن من عثمانَ، ووقعَ التَّصريح بتحديثِ عثمان لأبي عبدِ الرَّحمن عند ابنِ عديٍّ بلفظ: عن عبدِ الكريمِ، عن أبي عبدِ الرَّحمن: حدَّثني عثمان، لكن في إسنادهِ مقالٌ (٢): (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) مخلصًا فيهما، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أو علمه» بـ «أو» التي للتَّنويع لا للشَّك (قَالَ) سعدُ بنُ عبيدة: (وَأَقْرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) السُّلَمِيُّ النَّاس القرآن (فِي إِمْرَةِ عُثْمَانَ) بنِ عفَّان ﵁ (حَتَّى كَانَ الحَجَّاجُ) بنُ يوسفَ أميرًا على العراقِ (قَالَ) أبو عبدِ الرَّحمن: (وَذَاكَ) الحديثُ (٣) المرفوع في أفضليَّة القرآن هو (الَّذِي أَقْعَدَنِي مَقْعَدِي هَذَا) الَّذي أقرئُ النَّاس فيه، وهذا يدلُّ على أنَّ أبا عبدِ الرَّحمن سمعَ الحديث المذكور في ذلكَ الزَّمان، وإذا سمعهُ فيه ولم يوصَف بالتَّدليس اقتضَى سماعه ممَّن عنعنه وهو عثمان، ولا سيَّما مع ما اشتهرَ عند القرَّاء أنَّه قرأ على عثمان، وأسندوا ذلك عنهُ من روايةِ عاصمِ بنِ أبي النَّجود، فكان ذلك أولى من قولِ من قال: إنَّه لم يسمعْ منه.
٥٠٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بنُ دكينٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عيينة (٤) (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ) بالمثلَّثة، بوزن جعفر (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁¬) أنَّه
стр. 9362
(قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) بالواو، وللأربعة: «أو علَّمه» والأول أظهر في المعنى؛ لأنَّ الَّتي بـ «أو» تقتضي إثبات الأفضليَّة المذكورة لمن فعلَ أحد الأمرينِ، فيلزمُ أنَّ من تعلَّم القرآنَ ولو لم يعلِّمه غيره أن يكون خيرًا ممَّن عملَ بما فيه (١)، وإن لم يتعلَّمه، ولا ريبَ أنَّ الجامع بينَ تعلُّم القرآنِ وتعليمهِ مكمِّلٌ لنفسهِ ولغيرهِ، جامعٌ بين النَّفع القاصِر والنَّفع المتعدي، ولا يقال: إنَّ مِن لازم هذا أفضليَّة المقرئِ على الفقيهِ؛ لأنَّ المخاطبين بذلك كانوا فقهاءَ النُّفوس؛ إذ كانوا يدرون مَعاني القرآن بالسَّليقة (٢) أكثر من درايةِ من بعدهم بالاكتسابِ.
فإن قلتَ: المقرئُ أفضل ممَّن هو أعظمُ غناء في الإسلامِ بالمجاهدةِ والرِّباط والأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِّ عن المنكرِ؟ أُجيب بأنَّ ذلك دائرٌ على النَّفع المتعدِّي، فمن كان حصولهُ عندهُ أكثر كان أفضل، فلعلَّ «من» مضمرة في الحديثِ بعد «إن»، وفي الحديث الحثُّ على تعليمِ القرآنِ، وقد سُئل الثَّوريُّ عن الجهادِ وإقراءِ القرآن فرجَّح الثَّاني، واحتجَّ بهذا الحديث، أخرجَه ابنُ أبي داود، قاله في «الفتح».
٥٠٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ) بفتح العين فيهما وآخر الثاني نون (٣)، ابنِ أوسٍ الواسطيُّ، نزيل البصرةِ، قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ زيدٍ (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة
стр. 9363
والزاي، سلمةَ بنِ دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون الهاء والعين، السَّاعديِّ الأنصاريِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأَةٌ) قيل: هي خولةُ بنتُ حكيمٍ، وقيل: أمُّ شريكٍ، وقيل: ميمونة، ولا يصحُّ ذلك؛ لأنَّ الأوليان لم تتزوَّجا، وأمَّا ميمونة فهي إحدى زوجاتهِ ﷺ ولم يزوِّجها لغيرهِ (فَقَالَتْ: إِنَّهَا قَدْ (١) وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِه) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «وللرَّسولِ» (¬ ﷺ ، فَقَالَ) ﷺ لها: (مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَالَ رَجُلٌ) لم يسمَّ: (زَوِّجْنِيهَا) يا رسولَ الله (قَالَ) ﵊: (أَعْطِهَا ثَوْبًا) صداقًا (قَالَ) الرَّجل: (لَا أَجِدُ) ثوبًا (قَالَ: أَعْطِهَا وَلَوْ) كان الَّذي تعطيها (خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ) كلمة «مِنْ» بيانيَّة (فَاعْتَلَّ) قال الكِرْمانيُّ: أي: حزنَ وتضجَّر (لَهُ) أي: لأجلِ ذلك (فَقَالَ) ﵊ له، ولأبوي الوقتِ وذرٍّ: «قالَ»: (مَا مَعَكَ) أي: أيَّ شيءٍ تحفظهُ (مِنَ القُرْآنِ؟ قَالَ): معي سورة (كَذَا وَكَذَا) في روايةِ أبي داود عن أبي هُريرة: سورة البقرة والَّتي تليها، وعندَ الدَّارقطنيِّ عن ابنِ مسعودٍ: البقرة وسور من المفصَّل، ولتمَّام الرَّازي عن أبي أُمامة: زوَّج النَّبيُّ ﷺ رجلًا من الأنصارِ على سبعِ سورٍ (قَالَ) ﵊: (فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ) الباء في «بما» للتَّعويض، وتسمَّى باء المقابلة على تقدير مضاف؛ أي: زوَّجتكهَا بتعليمكَ إيَّاها ما معكَ من القرآنِ. وقال الحنفيَّةُ: بل للسَّببية، والمعنى: زوَّجتكها بسببِ ما معكَ من القرآنِ (٢). ومباحثُ ذلك تأتي في موضعها إن شاء الله تعالى في «كتاب النِّكاح» [خ¦٥٠٨٧].
(٢٢) (باب) استحباب (القِرَاءَةِ) للقرآن (عَنْ ظَهْرِ القَلْبِ) من غير نظرٍ في المصحفِ؛ لأنَّ ذلك أمكن في التوصُّل إلى التعليم.
стр. 9364
٥٠٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البلخيُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) القاريُّ المدنيُّ، نزيلُ الإسكندريَّة (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمةَ بنِ دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ ﵁: (أَنَّ امْرَأَةً) خولة، أو غيرها، كما مرَّ قريبًا [خ¦٥٠٢٩] (جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْتُ لأَهَبَ لَكَ نَفْسِي) أي: أكونَ لك زوجة بلا مهرٍ، وفيه: أنَّه ينعقدُ نكاحه ﷺ بلفظِ الهبةِ خصوصيَّة له، وليس المرادُ حقيقة الهبة؛ لأنَّ الحرَّ لا يملكُ نفسه، وليسَ له تصرُّف فيها ببيعٍ ولا هبةٍ في شريعتنا (فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَعَّدَ النَّظَرَ) بتشديد العين، رفعه (إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ) بتشديد الواو وبعدها بموحدة، خفضهُ (ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ) خفضه (فَلَمَّا رَأَتِ المَرْأَةُ أَنَّهُ) ﷺ (لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) لم يسمَّ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) وللأربعة: «أي رسول الله» (إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا) ولم يقل: هبنيهَا؛ لأنَّ لفظ الهبةِ من خصائصهِ ﷺ ، و «إن» بمعنى: إذ؛ لأنَّه لا يظنُّ بالصَّحابيِّ أن يسأل في مثلِ هذا إلَّا بعدَ (٢) أن يعلمَ بقرينةِ الحالِ أنَّه لا حاجةَ لهُ ﷺ بها (فَقَالَ) ﵊ له: (هَلْ عِنْدَكَ (٣) مِنْ شَيْءٍ) تُصدقها؟ (فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ) ما عندي شيء (قَالَ) ﵊ له: (اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا) عندهم تصدقها إيَّاه؟ (فَذَهَبَ) الرَّجل (ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا. قَالَ: انْظُرْ وَلَوْ) كان الَّذي تجده (خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ) ولأبي ذرٍّ: «خاتمٌ» بالرَّفع على أنَّ كان المقدَّرة تامَّة (فَذَهَبَ)
стр. 9365
إلى أهلهِ (ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ وَلَا) وجدت (خَاتَمًا) ولأبي ذرٍّ: «ولا خاتم» (١) (مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي) أصدقها إيَّاه (-قَالَ) ولأبي الوقتِ: «فقال» (سَهْلٌ) السَّاعديُّ مدرجًا في الحديثِ: (مَا لَهُ رِدَاءٌ- فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؛ إِنْ لَبِسْتَهُ) بسكون السين (لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ) بسكون الفوقية (لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ) أي: منه (فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ، ثُمَّ قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُوَلِّيًا) مدبرًا ذاهبًا معرضًا (فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ) بضم الدال وكسر العين (فَلَمَّا جَاءَ قَالَ) ﵊ له: (مَاذَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا) بالتكرار ثلاثًا (عَدَّهَا) ولأبي ذرٍّ: «وعدَّها» وقد سبق قريبًا تفسيرهنَّ [خ¦٥٠٢٩] (قَالَ) ﵊: (أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ قَالَ) ولأبي الوقتِ: «فقال»: (نَعَمْ. قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ) كذا وقع هنا «ملَّكتُكها»، ورواية الأكثرينَ بلفظِ: «زوَّجتكها». قال الدَّارقطنيُّ: وهو الصَّواب، وجمع النَّوويُّ بأنَّه يحتملُ صحَّة اللَّفظين، ويكون جرى لفظ التَّزويج أولًا، ثمَّ لفظ التَّمليك ثانيًا؛ أي: لأنَّه ملك عصمتَها بالتَّزويج السَّابق.
وفي هذا (٢) الحديثِ فضيلةُ قراءةِ القرآنِ عن ظهرِ قلبٍ، وقد صرَّح كثيرٌ بأنَّ القراءة من المصحفِ نظرًا أفضلُ من القراءةِ عن ظهرِ القلبِ (٣)، واستدلَّ له بحديثٍ عند أبي عبيدٍ في «فضائلِ القرآن» عن بعضِ أصحاب النَّبيِّ ﷺ رفعه: «فضلُ قراءةِ القرآنِ نظرًا على من يقرؤهُ ظهرًا (٤) كفضلِ الفريضةِ على النَّافلةِ» وإسنادهُ ضعيفٌ، وعن ابنِ مسعودٍ موقوفًا بإسنادٍ صحيحٍ: أديموا النَّظر في المصحفِ. والأولى أنَّ ذلك يختلفُ باختلافِ الأحوالِ والأشخاصِ.
стр. 9366
(٢٣) (باب اسْتِذْكَارِ القُرْآنِ) أي: طلبُ ذكرهِ، بضم المعجمة (وَتَعَاهُدِهِ) أي: تجديدُ العهدِ به بملازمةِ تلاوته.
٥٠٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ الأعظمُ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابنِ عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ القُرْآنِ) أي: الَّذي ألِفَ تلاوتهُ مع القرآنِ (كَمَثَلِ صَاحِبِ الإِبِلِ المُعْقَلَةِ) بضم الميم وسكون العين المهملة وفتح القاف أو بتشديد (١) القاف مع (٢) فتح العين المهملة؛ أي: المشدودة بالعقالِ؛ وهو الحبلُ الَّذي يشدُّ في ركبةِ البعيرِ (إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا) أي: استمرَّ إمساكه لها (٣) (وَإِنْ أَطْلَقَهَا) من عقلهَا (ذَهَبَتْ) أي: انفلتَتْ، والحصرُ في قولهِ: «إنَّما» هو حصرٌ مخصوصٌ بالنِّسبة إلى الحفظِ والنِّسيان بالتِّلاوة والتَّرك، وشبَّه درسَ القرآنِ واستمرارَ تلاوتِه بربطِ البعيرِ الَّذي يخشى منهُ أن يشردَ، فما دام التَّعاهد موجودًا فالحفظُ موجود (٤)، كما أنَّ البعيرَ ما دامَ مشدودًا بالعقالِ فهو محفوظٌ، وخصَّ الإبل بالذِّكر لأنَّها أشدُّ الحيوانِ الإنسيِّ نفورًا.
وهذا الحديثُ أخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة»، والنَّسائي في «الفضائل» و «الصَّلاة».
стр. 9367
٥٠٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) السَّاميُّ -بالمهملة- القرشيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ مَنْصُورٍ) هو: ابنُ المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقِ بنِ سلمةَ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) ابنِ مسعودٍ ﵁ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بِئْسَ مَا لأَحَدِهِمْ) «ما» نكرة موصوفة مفسرة لفاعل «بئس»؛ أي: بئس شيئًا، وقوله: (أَنْ يَقُولَ) مخصوصٌ بالذَّم؛ أي: بئس شيئًا كائنًا للرَّجل قوله: (نَسِيتُ) بفتح النون وكسر السين مخففة (آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ) كلمتانِ يعبَّر بهما عن الجملِ الكثيرةِ، والحديثِ الطَّويلِ، وسببُ الذَّم ما في ذلكَ من الإشعارِ بعدمِ الاعتناءِ بالقرآنِ؛ إذ لا يقعُ النِّسيانُ إلَّا بتركِ التَّعاهد وكثرةِ الغفلةِ، فلو تعاهدهُ بتلاوتهِ والقيامِ بهِ في الصَّلاة لدامَ حفظهُ وتذكُّره، فكأنَّه إذا قال: نسيتُ الآية الفلانيَّة فكأنَّه شهد على نفسهِ بالتَّفريط، فيكون متعلَّق (١) الذَّم ترك الاستذكارِ والتَّعاهد؛ لأنَّه يورِث النِّسيان (بَلْ نُسِّيَ) بضم النون وتشديد السِّين المكسورة في جميع الرِّوايات في «البخاريِّ» وأكثرُ الرِّوايات في غيره، و «بَلْ» إضرابٌ عن القولِ بنسبةِ النِّسيان إلى النَّفس المسبب عن عدمِ التَّعاهد إلى القولِ بالإنساءِ الَّذي لا صنعَ له فيه، فإذا نسبهُ إلى نفسهِ أوهم أنَّه انفردَ بفعلهِ، فالَّذي ينبغي أن يقول: أُنْسيت أو نُسِّيت، مبنيًّا للمفعول فيهما؛ أي: إنَّ الله هو الَّذي أَنْساني، فينسبُ الأفعال إلى خالقِها لما فيه من الإقرارِ بالعبوديَّة والاستسلامِ لقدرةِ الرُّبوبيَّة. نعم، يجوز نسبةُ الأفعالِ إلى مكتسبها بدليلِ الكتاب والسُّنة كما لا يخفى.
стр. 9368
وقيل: معنى «نُسِّي» عوقبَ بالنِّسيان لتفريطهِ في تعاهدهِ واستذكارهِ، وقيل: إنَّ فاعل «نسيتُ» النَّبيُّ ﷺ ، كأنَّه قال: لا يقل أحدٌ عنِّي أنِّي نسيتُ آية كذا، فإنَّ الله هو الَّذي أنساني لذلك لحكمةِ نسخهِ ورفعِ تلاوتهِ، وليس لي في ذلك صنيع (١).
(وَاسْتَذْكِرُوا القُرْآنَ) السين للمبالغة؛ أي: اطلبوا من أنفسِكُم مذاكرته والمحافظة على قراءتهِ، والواو في قوله: واستذكروا -كما قال في «شرح المشكاة» - عطف من حيثُ المعنى على قوله: «بئسَ ما لأحدهِم» (٢)؛ أي: لا تقصِّروا في معاهدتهِ واستذكارهِ (فَإِنَّهُ أَشَدُّ تَفَصِّيًا) بفتح الفاء وكسر الصاد المهملة (٣) المشددة وتخفيف التحتية بعدها، منصوبٌ على التَّمييز؛ أي: تفلُّتًا (مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ) وهي الإبلُ، لا واحدَ لهُ من لفظه؛ لأنَّ شأن الإبل طلبُ التَّفلُّت ما أمكنهَا، فمتى لم يتعاهدهَا صاحبهَا بربطها تفلَّتت، فكذلك حافظُ القرآنِ إذا (٤) لم يتعاهدهُ تفلَّت، بل هو أشدُّ، وإنَّما كان ذلك؛ لأنَّ القرآن ليس من كلامِ البشرِ، بل هو من كلامِ خالق القِوى والقدر، وليس بينه وبين البشرِ مناسبةٌ قريبةٌ؛ لأنَّه حادثٌ وهو قديمٌ، لكنَّ الله بلطفهِ العَميم وكرمهِ القديم منَّ عليهم ومنحهُم هذه النِّعمة العظيمةَ، فينبغي أن يُتَعاهدَ بالحفظِ والمواظبةِ ما أمكن، فقد يسَّره تعالى للذِّكر، وإلَّا فالطَّاقة البشريَّة تعجزُ قواهَا عن حفظهِ وحملهِ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧] ﴿الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: ١ - ٢] ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ الاية [الحشر: ٢١].
وهذا الحديث أخرجه (٥) مسلم في «الصَّلاة»، والتِّرمذيُّ في «القراءات»، والنَّسائي في «الصَّلاة» و «فضائلِ القرآن».
وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ) بنُ أبي شيبةَ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو: ابنُ عبدِ الحميدِ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو: ابنُ المعتمر (مِثْلَهُ) أي: الحديث السَّابق، وهذه الطَّريق (٦) ثابتةٌ عند الكُشمِيهنيِّ
стр. 9369
والنَّسفي، ساقطة لغيرهما (تَابَعَهُ) أي: تابع محمَّد بن عرعرةَ (بِشْرٌ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، ابنُ عبد الله (١) المَرْوزيُّ شيخُ المصنِّف (عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ) عبدِ الله المروزيِّ (عَنْ شُعْبَةَ) بنِ الحجَّاج، وليس بشرٌ بمنفردٍ بهذه المتابعة، بل رواها (٢) الإسماعيليُّ من طريق حبَّان ابن موسَى، عن ابنِ المبارك (وَتَابَعَهُ) أي: تابعَ ابنَ عرعرة (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبدُ الملكِ بنُ عبد العزيزِ، فيما وصله مسلمٌ (عَنْ عَبْدَةَ) بسكون الموحدة، ابنِ أبي لُبَابَة -بضم اللام وتخفيف الموحدتين- (عَنْ شَقِيقٍ) أبي وائلِ بنِ سلمةَ، أنَّه قال: (سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ) بنَ مسعودٍ ﵁ يقول: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) … فذكره، ولم يقل في روايةِ مسلمٍ ما بعد قوله: بل نُسِّيَ.
٥٠٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) الهمدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّادُ بنُ أسامةَ (عَنْ بُرَيْدٍ) بضم الموحدة وفتح الراء، ابنِ عبدِ اللهِ (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة وسكون الراء، عامر (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبدِ الله بن قيسٍ الأشعريِّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: تَعَاهَدُوا القُرْآنَ) بالحفظِ والتِّردادِ (فَوَ (٣) الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ) أي: القرآنُ (أَشَدُّ تَفَصِّيًا) وفي حديثِ عقبةَ بنِ عامرٍ بلفظِ: «أشدُّ تفلُّتًا» (مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُْلِهَا) بضم العين والقاف وتسكن، وللكُشمِيهنيِّ: «من عُقُلها» بدل: «في عقلها» (٤)، وهي تكون بمعنى: مِن ومَع. والعُقُل: جمع عقالٍ، مثل كِتَاب وكُتُب، يقال: عقلتُ البعيرَ أعقلهُ عقلًا، وهو أن يَثني وظيفَه مع ذراعه فيشدَّهما (٥) جميعًا في وسطِ الذِّراع، وذلك الحبلُ هو العقالُ.
стр. 9370
(٢٤) (باب) جواز (القِرَاءَةِ) للرَّاكب (عَلَى الدَّابَّةِ).
٥٠٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم، الأنماطيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية، معاويةُ بنُ قرَّةَ المزنيُّ البصريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُغَفَّلٍ) بالغين المعجمة والفاء المشددة المفتوحتين، المزنيَّ نسبةً (١) إلى أمِّه مزينةَ (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهْوَ يَقْرَأُ عَلَى رَاحِلَتِهِ) ناقتهِ (سُورَةَ الفَتْحِ) زادَ المؤلِّف من طريقِ مسلمِ بنِ إبراهيمَ، عن شعبةَ في «تفسير الفتح»: «فرجَّعَ فيها» [خ¦٤٨٣٥] أي: ردَّد صوتَه بالقراءةِ، وفي «التَّوحيد» من طريقٍ أخرى: كيف ترجيعه؟ قال: (آآآ) ثلاث مرَّات. [خ¦٧٥٤٠] وأرادَ المؤلِّف بهذا الحديثِ -كما قيل- الردَّ على من كرهَ القراءةَ على الدَّابَّة، المنقول عن بعضِ السَّلفِ فيما نقلهُ ابنُ أبي داود.
(٢٥) (باب تَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ القُرْآنَ) لأنَّه أدعى إلى ثبوتهِ ورسوخهِ عندهم (٢)، كما قيل: التَّعليم في الصِّغر كالنَّقش في الحجَرِ. وقال بعضُهُم -ممَّا ذكرهُ ابنُ الجوزيِّ في «تنبيه الغمر بمواسم العمر» -:
إنَّ الغُصُونَ إذا قوَّمتَها اعتدَلَتْ … ولَا يلِينُ إذَا قوَّمتَه الخشَبُ
قد ينْفَعُ الأدَبُ الأحدَاثَ في مَهَلٍ … وليْسَ (٣) ينفْعُ في ذِي الشَّيبةِ الأدَبُ
وعند ابنِ سعدٍ (٤) بإسنادٍ صحيح أنَّ ابنَ عبَّاس قال: سلوني عن التَّفسير؛ فإني حفظتُ القرآنَ وأنا صغيرٌ.
стр. 9371
وفي «تهذيب النَّوويِّ»: أنَّ سفيانَ بنَ عيينةَ حفظَ القرآن وهو ابنُ أربعِ سنينٍ، وقد جاءَ كراهيةُ تعليمِ الصِّبيان القرآنَ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، وإبراهيمَ النَّخعيِّ من جهةِ حصولِ الملال له، والحقُّ أنَّ ذلك يختلفُ باختلافِ الأشخاصِ.
٥٠٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بنُ عبدِ الله اليشكريُّ قال: (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، جعفرِ بنِ أبي وحشيَّة إياس اليشكريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ المُفَصَّلَ) بفتح الصاد المهملة المشددة، الَّذي كثرت فصوله من السُّور، وهو من الحجراتِ إلى آخرِ القرآنِ على الصَّحيح من (١) عشرةِ أقوالٍ (هُوَ المُحْكَمُ) الَّذي ليس بمنسوخٍ (قَالَ) سعيدُ بنُ جبيرٍ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (تُوُفِّي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ وَقَدْ قَرَأْتُ المُحْكَمَ).
واستشكلَ القاضِي عياض: وأنا ابنُ عشر -بما مرَّ في «الصَّلاة» من وجهٍ آخر- أنَّه كان [خ¦٧٦] [خ¦٤٩٣] في حجَّة الوداعِ ناهزَ الاحتلام، وعنه: أنَّه كان عندَ الوفاةِ النَّبويَّة ابن خمس عشرةَ سنةً (٢). وقال الفلَّاس (٣): ابنُ ثلاثَ عشرة. وعندَ البيهقيِّ: أربعَ عشرة، وحكى الشَّافعيُّ: ستَّ عشرة، وعند البيهقيِّ أيضًا عنه أنَّه قال: قرأتُ المحكم على عهدهِ (٤) ﷺ وأنا ابنُ ثنتي عشرةَ (٥). وأجابَ عياضٌ: باحتمالِ أن يكونَ قوله: وأنا ابنُ عشرِ سنين راجعًا إلى حفظِ (٦) القرآنِ لا إلى
стр. 9372
الوفاةِ النَّبويَّة. فالتَّقدير (١): توفِّي النَّبيُّ ﷺ وقد جمعتُ المحكم وأنا ابن عشرِ سنين، ففيهِ تقديمٌ وتأخيرٌ. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ الجملتين -يعني (٢) قوله: وأنا ابن عشرِ سنين. وقوله: وقد قرأتُ المحكم-. وقعتَا حالين، والحالُ قيدٌ، فكيف يقال: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ؟ انتهى.
وأجابَ في «الفتح» بأنَّه يمكنُ الجمعُ بين مختلفِ (٣) الرِّواياتِ بأنَّه كان حينَ الوفاةِ النَّبويَّة ابنَ ثلاث عشرة، ودخلَ في الَّتي بعدها، فمن قالَ: خمسَ عشرةَ جبر الكسرينِ، ومن قال: ثلاثَ عشرة ألغى الكسرَ في الَّتي بعدها، ومن قال: عشرًا ألغى الكسرَ أصلًا. انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ فقال: لا كسرَ هنا حتَّى يجبر أو يلغَى؛ لأنَّ الكسر على نوعينِ: أصمَّ وهو الذي لا يمكنُ أن ينطقَ به إلَّا بالجزئيَّة، كجزءٍ من أحد عشر، وجزءٍ من تسعةٍ وعشرينَ (٤).
ومنطقٍ: وهو على أربعةِ أقسام: مُفرد: وهو من النِّصف إلى العُشر، وهي الكسور التِّسعة. ومكرَّر: كثلاثة أسباعٍ وثمانيةِ أتساع (٥). ومركَّب: وهو الَّذي يذكر بالواو العاطفة، كنصف وثلث وكربع وتسع. ومضاف: كنصف عشر، وثلث سبع وثمن تسع. وقد يتركَّب من المنطقِ والأصمِّ كنصفِ جزءٍ من أحدَ عُشر، والظَّاهر أنَّ الصَّواب مع الدَّاودي؛ أنَّ (٦) رواية البابِ وهمٌ. انتهى.
стр. 9373
وأجابَ في «الانتقاض» بأنَّ المرادَ بجبرِ الكسر وإلغائهِ في عبارةِ أهلِ الحديثِ ما زادَ على السَّنةِ من الشُّهور، وما زادَ على عقدِ العشرةِ وغيرها من السِّنين، فلمَّا لم يعرف العينيُّ هذا الاصطلاح جنحَ لمحبَّته في الاعتراضِ إلى تفسيرِ الكسرِ في اصطلاحِ أهلِ الحساب، وعلى تقديرِ تسليمِ (١) ما صوَّبه من كلامِ الدَّاودي من أنَّ روايةَ عشر سنين وهمٌ، فماذا يصنعُ في بقيةِ الاختلاف؟ انتهى.
٥٠٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي الوقتِ: «حَدَّثني» بالإفراد (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بنِ كثيرٍ الدَّورقيُّ البغداديُّ الحافظُ قال: (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضم الهاء وفتح المعجمة، ابنُ بشيرٍ، بوزن عظيمٍ، أبو معاويةَ السُّلَمِيُّ الواسطيُّ، حافظ بغداد، قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ) جعفرُ بنُ أبي وحشيَّة (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه قال: (جَمَعْتُ المُحْكَمَ) الَّذي ليس بمنسوخٍ (فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) قال ابنُ جبيرٍ: (فَقُلْتُ لَهُ) لابنِ عبَّاس: (وَمَا المُحْكَمُ؟ قَالَ: المُفَصَّلُ) بالصاد المهملة (٢)، السُّور التي كثُرت فصولها، وفي الرِّواية الأولى: أنَّ تفسيرَ المفصَّل بالمحكمِ من كلامِ ابن جبير.
قال الحافظُ ابن حجرٍ: وهو دالٌّ على أنَّ الضَّمير في قولهِ في الرِّواية الأخرى: فقلتُ له: وما المحكم؟ لسعيدِ بنِ جبيرٍ، وفاعل «قلتُ» هو أبو بشرٍ، بخلافِ ما يتبادرُ أنَّ الضَّمير لابنِ عبَّاس، وفاعل «قلتُ» سعيدُ بنُ جبيرٍ. انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ فقال: هذا تصرُّف واهٍ؛ لأنَّ الظَّاهر من السِّياق أنَّ السَّائلَ سعيدٌ والمجيبَ ابنُ عبَّاس، ولا يستلزمُ (٣) كون سعيد فسَّر المفصَّل في تلك الرِّواية أن يكون هو الَّذي فسَّره في هذه الرِّواية. انتهى.
وأجابَ في «انتقاض الاعتراض» بأنَّ الحديثَ واحدٌ جاء من طريقينِ مجملًا ومبيَّنًا، فمن الَّذي يتوقف أن يفسِّر المجمل بالمبيَّن.
(٢٦) (باب نِسْيَانِ القُرْآنِ) لعدمِ تعاهدهِ (وَهَلْ يَقُولُ) الرَّجل: (نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا)؟ نعم، لا يمتنع (٤)
стр. 9374
ذلك إن كانَ نسيانهُ عن أمرٍ ديني كالجهاد (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) مخاطبًا لنبيِّه ﷺ : (﴿سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى﴾) أي: سنعلِّمك القرآنَ حتَّى لا تنساهُ (﴿إِلَّا مَا شَاء اللهُ﴾ [الأعلى: ٦ - ٧]) أن ينسخَه (١)، وهذا بشارةٌ من اللهِ لنبيِّه أن يحفظَ عليه الوحي حتَّى لا يتفلَّت منهُ شيءٌ، إلَّا ما شاءَ الله أن ينسخَه فيذهب بهِ (٢) عن حفظهِ برفعِ حكمهِ وتلاوتهِ. وسأل ابنُ كيسانَ النَّحوي جُنيدًا عنه فقال: فلا تنسَى العملَ بهِ، فقال: مثلُكَ يُصدَّر. وقيل: قوله: ﴿فَلَا تَنسَى﴾ على النَّهي، والألف مزيدةٌ للفاصلة، كقوله: ﴿السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧] فلا تُغْفل قراءتَهُ وتكريرَهُ فتنساهُ، إلَّا ما شاء الله أنْ يُنْسيكه برفع تلاوتهِ.
واختلفَ في نسيانِ القرآن؛ فصرَّح النَّوويُّ في «الرَّوضة» بأنَّ نسيانه أو شيء منه كبيرةٌ؛ لحديثِ أبي داود: «عُرضَتْ عليَّ ذنوبُ أمَّتي، فلم أرَ ذنبًا أعظمَ من سورةٍ أو آيةٍ أُوتيها رجلٌ ثمَّ نَسِيها».
وأخرج أبو داود من طريق أبي العالية موقوفًا: «كنَّا نعدُّ من أعظمِ الذُّنوب أن يتعلَّم الرَّجل القرآن، ثمَّ ينام عنهُ حتَّى ينساهُ»، واحتجَّ الرُّوياني لذلك بأنَّ الإعراضَ عن التِّلاوة يتسبَّبُ عنه نسيان القرآنِ، ونسيانه يدلُّ على عدمِ الاعتناءِ به والتَّهاون بأمرهِ.
стр. 9375
٥٠٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا رَبِيعُ بْنُ يَحْيَى) أبو الفضلِ الأشنانيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) بنُ قدامةَ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ) ولأبي الوقتِ: «رسول الله» (¬ ﷺ رَجُلًا) اسمهُ عبدُ الله بنُ يزيدَ الأنصاريُّ؛ أي: سمعَ صوت رجلٍ حال كونه (يَقْرَأُ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ) ﵊: (يَرْحَمُهُ اللهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً مِنْ سُورَةِ كَذَا) قال الحافظُ ابنُ حجرٍ: لم أقفْ على تعيينِ الآياتِ المذكورة. انتهى.
ويجوزُ النِّسيان عليه ﷺ فيمَا ليسَ طريقه البلاغَ والتَّعليم، وهذا الحديثُ من أفرادهِ.
وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ) قال: (حَدَّثَنَا عِيْسَى) بنُ يونسَ بنِ أبي إسحاقَ (عَنْ هِشَامٍ) هو: ابنُ عروة؛ يعني: عن أبيهِ، عن عائشةَ بالمتنِ المذكورِ (وَقَالَ) زيادة عليه: (أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا) أي: بالنِّسيان (تَابَعَهُ) أي: تابعَ محمَّد بنَ عُبيد (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضم الميم وسكون المهملة (وَعَبْدَةُ) بنُ سليمانَ، بواو العطف على السَّابق، وللكُشمِيهنيِّ: «عن عَبدة»، قال الحافظُ ابن حجرٍ: وهو غلطٌ؛ لأنَّ عبدةَ رفيقُ عليِّ بنِ مُسهرٍ لا شيخه (عَنْ هِشَامٍ) أي: ابن عروةَ.
٥٠٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي الوقتِ: «حَدَّثني» (أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) عبدِ اللهِ بنِ أيُّوب، زاد أبو ذرٍّ: «هو أبو الوليد الهرويُّ» قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّادُ بنُ أسامة (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنَّها (قَالَتْ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ (١) ﷺ رَجُلًا) هو عبدُ اللهِ بنُ يزيدَ الأنصاريُّ (٢) (يَقْرَأُ فِي سُورَةٍ بِاللَّيْلِ) بتنوين «سورةٍ»، و «باللَّيل» بالموحدة أوَّله ظرف (فَقَالَ) ﵇: (يَرْحَمُهُ اللهُ، لَقَدْ) ولابنِ عساكرٍ وأبي الوقتِ (٣): «قد» (أَذْكَرَنِي آيَةَ كَذَا وَكَذَا كُنْتُ أُنْسِيتُهَا) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا) وفي «اليونينية»: «أَذْكَرني اللهُ آيةَ كذَا»
стр. 9376
بإثبات الجلالة بعد: أَذْكَرني، ألحقها بالحمرة (١). قال في «الفتح»: وهي مفسِّرة لقولهِ في الرِّواية الأولى [خ¦٥٠٣٧]: «أسقطتها»، فكأنَّه قال: أسقطتُها نسيانًا لا عمدًا.
٥٠٣٩ - وبه قال (٢): (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بنُ دكينٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عيينةَ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمةَ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) أي: ابنِ مسعودٍ ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بِئْسَ مَا لأَحَدِهِمْ) «بئس»: كلمةُ ذمٍّ، و «ما»: نكرة موصوفة، والمخصوص بالذَّم (يَقُولُ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ) كلمةٌ يعبَّر بها عن الحديثِ الطَّويلِ، ومثلها: ذَيْت وذَيْت. قال ثعلبٌ: كَيْتَ للأفعالِ، وذَيْتَ للأسماءِ (بَلْ هُوَ نُسِّيَ) بتشديد السين، ورواهُ بعضُ رواة مسلم مخفَّفًا، وسبقَ قريبًا معنى المشدَّد [خ¦٥٠٣٢] وليس النِّسيان من فعل النَّاسي بل من فعلِ الله يحدثه عندَ إهمالِ تكريره ومراعاتهِ، وأمَّا المخفَّف فمعناه: أنَّ الرَّجل تركه (٣) غير ملتفتٍ إليه، فهو كقوله تعالى: ﴿نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] أي: تركهُم في العذابِ، أو تركهم من الرَّحمةِ.
(٢٧) (باب مَنْ لَمْ يَرَ بَأْسًا أَنْ يَقُولَ) المرء: (سُورَةُ البَقَرَةِ، وَسُورَةُ كَذَا، وَ) سورة (٤) (كَذَا) خلافًا لمن قال: لا يقالُ إلَّا السُّورة الَّتي يذكر فيهَا كذا، واحتجَّ لذلك بحديثِ أنسٍ رفعه: «لا تقُولُوا سورةَ البقرةِ، ولا سورةَ آلِ عمران، ولا سورةَ النِّساء، وكذا القرآنُ كلُّه، ولكن قولوا: السُّورة الَّتي تذكرُ فيها البقرة، وكذلك القرآنُ كلُّه» (٥) أخرجه ابنُ قانعٍ في «فوائده»، والطَّبرانيُّ في «الأوسط»، وفي سندهِ عُبَيْس (٦) بنُ ميمون العطَّار، وهو ضعيفٌ، وأوردهُ ابنُ الجوزيِّ في
стр. 9377
«الموضوعات»، وفي حديثِ «تأليفِ القرآنِ»: أنَّه ﷺ كان يقول: «ضَعُوها في السُّورة الَّتي يذكر فيهَا كذا»، قال الحافظُ ابن كثيرٍ في «تفسيره»: ولا شكَّ أنَّ ذلك أحوطُ، لكن استقرَّ الإجماعُ على الجوازِ في المصاحفِ والتَّفاسير.
٥٠٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بنُ غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بنُ مهران قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بنِ قيسٍ (وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبةَ بنِ عَمرٍو البدريِّ (الأَنْصَارِيِّ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ) وهما: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى آخرها (مَنْ قَرَأَ بِهِمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ) عن قيامِ اللَّيل، أو من الشَّيطان، وقيل غير ذلك ممَّا سبقَ.
وهذا الحديث سبق (١) في «فضلِ سورة البقرةِ» [خ¦٥٠٠٩].
٥٠٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو: ابنُ أبي حمزة (عَنِ
٥٠٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، أبو عبدِ اللهِ الضَّرير البغداديُّ قال: (أَخْبَرَنَا (١) عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) أبو الحسنِ الكوفيُّ الحافظُ قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بنِ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ قَارِئًا) اسمهُ: عبدُ الله ابنُ يزيد (يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ فِي المَسْجِدِ) أي: سورة (فَقَالَ) ﵊: (يَرْحَمُهُ اللهُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يرحمُ الله» بحذف المفعول، والله (لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً أَسْقَطْتُهَا) نسيانًا لا عمدًا (مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا) قال في «القاموس»: كذا كنايةٌ عن الشَّيء، الكاف حرف التَّشبيه، وذا: للإشارةِ. وقال في المغني: إنَّها تردُ على ثلاثةِ أوجهٍ: أن تكونَ كلمتينِ باقيتينِ على أصلهما (٢)، وهما: كاف التَّشبيه وذا الإشاريَّة (٣) كقولك: رأيتُ زيدًا فاضلًا، ورأيتُ عمرًا كذا. وتكون (٤) كلمةً واحدة مركَّبة من كلمتينِ مُكنِّيًا بها عن غيرِ عددٍ، كما في الحديثِ: أنَّه يقالُ للعبدِ يوم القيامة: «أتذكر يومَ كذا وكذا؟». وتكون كلمةً واحدة مركَّبة مُكنِّيًا بها عن العددِ، كقولهِ: كذا وكذا درهمًا.
(٢٨) (باب التَّرْتِيلِ) أي: التأنِّي (فِي القِرَاءَةِ) للقرآنِ (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) لنبيِّه ﷺ : (﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ﴾) أي: بيِّن وفصِّل، من الثَّغر المُرَتَّل؛ أي: المفلَّج. قال الجوهريُّ: الفلجُ في الأسنانِ تباعدُ ما بين الثَّنايا والرَّبَاعيَّات، وثغرٌ رَتِلٌ إذا كان مستوي النَّبات. وقال الرَّاغبُ: الرَّتل اتِّساق الشَّيء
стр. 9380
وانتظامهُ على استقامةٍ، يقال: رجل رَتِلُ الأسنان، والتَّرتيل: إرسالُ الكلمة من الفمِ بسهولةٍ واستقامةٍ، أو اقرأْ على تؤدةٍ بتبيينِ الحروفِ وحفظِ الوقوف (﴿تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]) تأكيدٌ في إيجابِ الأمرِ به، وأنَّه لا بدَّ للقارئ منه؛ إذ هو عونٌ على فهمِ القرآنِ وتدبُّره (وَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَقُرْآناً﴾) نصب بفعل يفسِّره: (﴿فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦]) على تؤدةٍ وتثبُّتٍ (وَمَا يُكْرَهُ) بضم الياء وفتح الراء (أَنْ يُهَذَّ) بضم الياء وفتح الهاء والذَّال المعجمة المشددة؛ أي: وبيان كراهةِ الهذِّ (كَهَذِّ الشِّعْرِ) من الإسراعِ المفرطِ؛ بحيثُ يخفى كثيرٌ من الحروفِ (﴿فِيهَا﴾) في ليلةِ القدر (﴿يُفْرَقُ﴾ [الدخان: ٤]) أي: (يُفَصَّلُ) وهذا تفسيرُ أبي عبيدة، وثبتَ قوله: «فيها» في روايةِ أبوي ذرٍّ والوقتِ وابنِ عساكرٍ.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، فيما رواهُ ابنُ المنذر، وابنُ جرير في «تفسيره»: (﴿فَرَقْنَا﴾ [الإسراء: ١٠٦]) السَّابق ذكره (١) (فَصَّلْنَاهُ).
٥٠٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّدُ بنُ الفضلِ السَّدوسيُّ، عارِمٌ قال: (حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديُّ المِعْوَلي -بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا وَاصِلٌ) الأحدبُ بنُ حَيَّان -بفتح المهملة والتحتية المشددة- الكوفيُّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقُ بنُ سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ (قَالَ: غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللهِ) يعني: ابنَ مسعودٍ. زاد مسلمٌ من (٢) هذا الوجهِ: يومًا بعدما صلَّينا الغداةَ، فسلَّمنا بالبابِ فأذن لنا فمكثنَا بالبابِ هُنَيهةً، فخرجَتِ الجاريةُ، فقالت: ألا تدخلونَ؟ فدخلنا فإذا هو جالسٌ يسبِّح، فقال: ما منعكُم أن تدخلوا وقد
стр. 9381
أُذنَ لكم؟ قلنا: ظنَنَّا أنَّ بعضَ أهلِ البيتِ نائمٌ، قال: ظننتُم بآل ابن (١) أمَّ عبدٍ غَفْلَةً (فَقَالَ رَجُلٌ) من القومِ، اسمه: نُهيك بنُ سنانَ، كما في «مسلمٍ» (قَرَأْتُ المُفَصَّلَ البَارِحَةَ) كلَّه (فَقَالَ) ولأبي الوقتِ: «قال» هذذتَ (هَذًّا) بفتح الهاء والذال المعجمة المنوَّنة (كَهَذِّ الشِّعْرِ) قال الخطَّابيُّ: معناه سرعةُ القراءةِ بغيرِ تأمُّلٍ، كما ينشدُ الشِّعر (إِنَّا) بكسر الهمزة وتشديد النون (قَدْ سَمِعْنَا القِرَاءَةَ) قال الكِرْمانيُّ: بلفظ المصدرِ، ويروى «القرَّاء» جمع القارئ (وَإِنِّي لأَحْفَظُ القُرَنَاءَ) النَّظائر في الطُّول والقصر (الَّتِي كَانَ يَقْرَأُ بِهِنَّ النَّبِيُّ ﷺ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ) بإثبات التحتية بعد نون، ولأبوي ذرٍّ والوقتِ وابنِ عساكرٍ: «ثمانِ عشرةَ» (سُورَةً مِنَ المُفَصَّلِ، وَسُورَتَيْنِ (٢) مِنْ آلِ حم) أي: السُّور (٣) التي أوَّلها حم.
واستشكلَ بما سبقَ في «بابِ تأليفِ القرآنِ»، من طريقِ الأعمش، عن شقيقٍ حيث قالَ هناك: عشرون من أول المفصَّل على تأليفِ ابنِ مسعودٍ، آخرهن من الحواميم ﴿حم﴾ الدُّخان و ﴿عَمَّ يَتَسَاءلُونَ﴾ [خ¦٤٩٩٦] فعدَّ حم (٤) من المفصَّل وهنا أخرجها.
وأجيب بأنَّ الثَّماني عشرةَ غير سورة الدُّخان والَّتي معها، وإطلاقُ المفصَّل على الجميعِ تغليبٌ، وإلَّا فالدُّخان ليست من المفصَّل على الرَّاجح، لكن يحتمل أن يكون تأليفُ مصحفِ ابنِ مسعودٍ على خلافِ تأليفِ مصحفِ غيرهِ، فيكون أوَّل المفصَّل عند ابنِ مسعودٍ أوَّل الجاثية، والدُّخان متأخِّرة في ترتيبهِ عن الجاثية.
وأجابَ النَّوويُّ على طريق التَّنزل بأنَّ المراد بقولهِ: عشرون من المفصَّل؛ أي: معظم العشرين.
وهذا الحديثُ قد سبقَ في «بابِ الجمع بين السُّورتين في الرَّكعة»، من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٧٧٥].
стр. 9382
٥٠٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو: ابنُ عبدِ الحميدِ (عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ) الهمدانيِّ الكوفيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أحدِ الأعلامِ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ) تعالى: (﴿لَا تُحَرِّكْ﴾) يا محمَّد (﴿بِهِ﴾) بالقرآنِ (﴿لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]) بالقرآنِ (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا نَزَلَ) عليه (جِبْرِيلُ بِالوَحْيِ، وَكَانَ مِمَّا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ممَّن» (يُحَرِّكُ بِهِ) بالوحي (لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ) بالتَّثنية، و «مِن» للتَّبعيض، و «مَنْ» موصولة (فَيَشْتَدُّ (١) عَلَيْهِ) لثقل القولِ (٢)، فكان يتعجَّل بأخذهِ لتزول المشقَّة سريعًا، أو خشية أن ينساهُ، أو من حبِّه إيَّاه (وَكَانَ يُعْرَفُ مِنْهُ) الاشتداد حالَ نزولِ الوحي (فَأَنْزَلَ اللهُ (٣)) تعالى بسببِ الاشتدادِ (الآيَةَ الَّتِي فِي) سورة: (﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾) وهي قوله : (﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾) (٤) اقتصر على اللِّسان؛ لأنَّه الأصل في النُّطق (﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٧]) أي: قراءته.
قال الرَّاغب: القرآنُ في الأصلِ مصدرٌ كرجحان، وقد خصَّ بالكتاب المنزَّل على نبيِّه ﷺ وصارَ له كالعلم، وقال بعضهُم: تسميةُ هذا الكتابِ قرآنًا من بينِ كتبِ الله؛ لكونه جامعًا لثمرةِ كتبه، بل لجمعه ثمرةَ جميعِ العلومِ (فَإِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ وَقُرْآنَهُ) وثبت قوله: «فإن علينا .. » إلى آخره (٥) في رواية أبوي ذرٍّ والوقتِ والأَصيليِّ وابنِ عساكرٍ
стр. 9383
(﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾) أي: قرأهُ جبريلُ عليك، فجعل قراءة (١) جبريل قراءته (﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]) أي: (فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ) وهذا تأويلٌ آخر، فقد (٢) سبقَ عنه في «سورة القيامة»: ﴿قُرْآنَهُ﴾ بيَّناه ﴿فَاتَّبِعْ﴾ اعمل به [خ¦٧٥/ ٢ - ٧٢٦٩]. فالحاصلُ أن لابنِ عبَّاس فيه تأويلينِ (﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] قَالَ: إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ. قَالَ) ابنُ عبَّاس: (وَكَانَ) رسولُ الله ﷺ بعدُ (إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ) بالوحي (أَطْرَقَ) عينيه وسكت (فَإِذَا ذَهَبَ) جبريلُ (قَرَأَهُ) النَّبيُّ ﷺ (كَمَا وَعَدَهُ اللهُ) في قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾.
وهذا الحديث قد مرَّ في «سورةِ القيامةِ» [خ¦٤٩٢٩].
(٢٩) (باب مَدِّ القِرَاءَةِ) في حروف المدِّ، وهي: و، ا، ي، المدُّ الأصلي: الَّذي لا تقوم ذواتُها إلَّا به (٣).
٥٠٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ -بالفاء- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي (الأَزْدِيُّ) بفتح الهمزة وسكون الزاي بعدها دال مهملة، البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بنُ دعامةَ السَّدوسيُّ (قَالَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (عَنْ) كيفيَّةِ (قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) القرآن (فَقَالَ: كَانَ يَمُدُّ مَدًّا) أي: يمدُّ الحرفَ الذي يستحقُّ المدَّ.
وهذا الحديثُ أخرجه أبو داود، والنَّسائي، وابن ماجه في «الصَّلاة».
٥٠٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ) بفتح العين وسكون الميم، ابنِ عبيدِ اللهِ القيسيُّ
стр. 9384
البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو: ابنُ يحيى (عَنْ قَتَادَةَ) بنِ دعامةَ، أنَّه (قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ) بضم السين مبنيًّا للمفعول، والسَّائل قتادة، كما في الرِّواية السَّابقة [خ¦٥٠٤٥]: (كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَقَالَ: كَانَتْ مَدًّا) بالتنوين من غير (١) همز؛ أي: ذات مدٍّ (ثُمَّ قَرَأَ بسم الله الرحمن الرحيم، يَمُدُّ بِبِسْمِ اللهِ) أي: اللام التي قبل هاء الجلالة الشَّريفة (وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ) أي: بالميم التي قبل النون (وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ) أي: بالحاء المدَّ الطَّبيعي الَّذي لا يمكن النُّطق بالحرف إلَّا به، من غير زيادةٍ عليه، لا كما يفعلُه بعضهم من الزِّيادة عليه. نعم، إذا (٢) كان بعد حرف المدِّ همز متَّصل بكلمتهِ، أو سكون لازمٌ كـ ﴿أُوْلَئِكَ﴾ و ﴿الْحَاقَّةُ﴾ وجبَ اصطلاحًا (٣) زيادة المدِّ، أو منفصلٌ عنها، أو سكون عارضٌ كـ ﴿يَا أَيُّهَا﴾ أو الوقف على ﴿الرَّحِيمُ﴾ جاز، وقد أخرجَ ابنُ أبي داود من طريقِ قطبةَ بنِ مالكٍ سمعتُ رسولَ الله ﷺ قرأَ في الفجر ﴿ق﴾ فمرَّ بهذا الحرف ﴿لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] فمدَّ ﴿نَّضِيدٌ﴾.
ومباحثُ مقاديرِ (٤) المدِّ للهمز للقرَّاء مذكورة في الدَّواوين المؤلَّفة في ذكر قراءاتهم.
(٣٠) (باب التَّرْجِيعِ) في القراءةِ، وهو تقاربُ ضروبِ حركاتها، وترديد الصَّوت في الحلقِ.
٥٠٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية، واسمهُ: عبدُ الرَّحمن بنُ محمَّد العسقلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِيَاسٍ) معاويةُ بنُ قرَّة بنِ (٥)
стр. 9385
إياسِ بنِ هلالٍ (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُغَفَّلٍ) بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء المشددة ﵁ (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ، وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (عَلَى نَاقَتِهِ -أَوْ: جَمَلِهِ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي (وَهْيَ) أي: والحال أنَّها (تَسِيرُ بِه، وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (يَقْرَأُ سُورَةَ الفَتْحِ -أَوْ: مِنْ سُورَةِ الفَتْحِ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي (قِرَاءَةً لَيِّنَةً يَقْرَأُ) وثبتَ قوله: «يقرأ» لأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ (١) (وَهْوَ يُرَجِّعُ) صوته بقراءته. زاد في «التَّوحيد» [خ¦٧٥٤٠]: قال (٢): آء آء آء، ثلاث مرَّات بهمزة مفتوحة بعدها ألف فهمزة أخرى، وهو محمول على إشباع في محلِّه، وإذا جمعتَ هذا إلى قوله ﵊: «زيِّنوا القرآنَ بأصواتكم» ظهرَ لك أنَّ هذا التَّرجيع منه ﵊ كان اختيارًا لا اضطرارًا لهزِّ النَّاقة له، فإنَّه لو كان لهزِّ النَّاقة لَمَا كان داخلًا تحتَ الاختيار، فلم يكن عبدُ الله بنُ مغفَّل يفعلُه ويحكيهِ اختيارًا ليتأسَّى به، وهو يراهُ من هزِّ النَّاقة له، ثمَّ يقول: كان يرجِّعُ في قراءتهِ، فنسب التَّرجيع إلى فعلهِ، وقد ثبت في روايةِ عليِّ بنِ الجعدِ، عن شعبةَ عند الإسماعيليِّ: فقال: لولا أن يجتمعَ النَّاسُ علينا لقرأتُ ذلك اللَّحن، أي: النَّغم.
وفي حديثِ أمِّ هانئ المرويِّ في «شمائل التِّرمذيِّ» و «سنن النَّسائي»، وابن ماجه، وابن أبي داود واللَّفظ له: كنتُ أسمعُ صوت النَّبيِّ ﷺ وهو يقرأ وأنا نائمةٌ على فراشِي، يرجِّعُ القرآن.
وليس المرادُ ترجيع الغناءِ، كما أحدثهُ قرَّاء زماننَا، عفا الله عنَّا وعنهم، ووفَّقنا أجمعينَ لتلاوةِ كتابهِ على النَّحو الَّذي يرضيهِ عنا بمنِّه وكرمهِ.
(٣١) (باب) استح باب (حُسْنِ الصَّوْتِ بِالقِرَاءَةِ) ولأبوي الوقتِ وذرٍّ: «بالقراءةِ للقرآن» ولا ريبَ أنَّه يستحبُّ تحسين الصَّوت بالقراءةِ.
وحكى النَّوويُّ الإجماع عليه؛ لكونه أوقع في القلبِ، وأشدَّ تأثيرًا، وأرقَّ لسامعهِ، فإنْ لم يكن القارئُ حسنَ الصَّوت فليحسِّنه ما استطاعَ، ومن جملةِ تحسينه أنْ يُراعي فيه قوانينَ النَّغم، فإن الحسنَ الصَّوت يزدادُ حسنًا بذلك، وهذا إذا لم يخرجْ عن التَّجويد المعتبرِ عند