أُذنَ لكم؟ قلنا: ظنَنَّا أنَّ بعضَ أهلِ البيتِ نائمٌ، قال: ظننتُم بآل ابن (١) أمَّ عبدٍ غَفْلَةً (فَقَالَ رَجُلٌ) من القومِ، اسمه: نُهيك بنُ سنانَ، كما في «مسلمٍ» (قَرَأْتُ المُفَصَّلَ البَارِحَةَ) كلَّه (فَقَالَ) ولأبي الوقتِ: «قال» هذذتَ (هَذًّا) بفتح الهاء والذال المعجمة المنوَّنة (كَهَذِّ الشِّعْرِ) قال الخطَّابيُّ: معناه سرعةُ القراءةِ بغيرِ تأمُّلٍ، كما ينشدُ الشِّعر (إِنَّا) بكسر الهمزة وتشديد النون (قَدْ سَمِعْنَا القِرَاءَةَ) قال الكِرْمانيُّ: بلفظ المصدرِ، ويروى «القرَّاء» جمع القارئ (وَإِنِّي لأَحْفَظُ القُرَنَاءَ) النَّظائر في الطُّول والقصر (الَّتِي كَانَ يَقْرَأُ بِهِنَّ النَّبِيُّ ﷺ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ) بإثبات التحتية بعد نون، ولأبوي ذرٍّ والوقتِ وابنِ عساكرٍ: «ثمانِ عشرةَ» (سُورَةً مِنَ المُفَصَّلِ، وَسُورَتَيْنِ (٢) مِنْ آلِ حم) أي: السُّور (٣) التي أوَّلها حم.
واستشكلَ بما سبقَ في «بابِ تأليفِ القرآنِ»، من طريقِ الأعمش، عن شقيقٍ حيث قالَ هناك: عشرون من أول المفصَّل على تأليفِ ابنِ مسعودٍ، آخرهن من الحواميم ﴿حم﴾ الدُّخان و ﴿عَمَّ يَتَسَاءلُونَ﴾ [خ¦٤٩٩٦] فعدَّ حم (٤) من المفصَّل وهنا أخرجها.
وأجيب بأنَّ الثَّماني عشرةَ غير سورة الدُّخان والَّتي معها، وإطلاقُ المفصَّل على الجميعِ تغليبٌ، وإلَّا فالدُّخان ليست من المفصَّل على الرَّاجح، لكن يحتمل أن يكون تأليفُ مصحفِ ابنِ مسعودٍ على خلافِ تأليفِ مصحفِ غيرهِ، فيكون أوَّل المفصَّل عند ابنِ مسعودٍ أوَّل الجاثية، والدُّخان متأخِّرة في ترتيبهِ عن الجاثية.
وأجابَ النَّوويُّ على طريق التَّنزل بأنَّ المراد بقولهِ: عشرون من المفصَّل؛ أي: معظم العشرين.
وهذا الحديثُ قد سبقَ في «بابِ الجمع بين السُّورتين في الرَّكعة»، من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٧٧٥].
стр. 9382
٥٠٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو: ابنُ عبدِ الحميدِ (عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ) الهمدانيِّ الكوفيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أحدِ الأعلامِ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ) تعالى: (﴿لَا تُحَرِّكْ﴾) يا محمَّد (﴿بِهِ﴾) بالقرآنِ (﴿لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]) بالقرآنِ (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا نَزَلَ) عليه (جِبْرِيلُ بِالوَحْيِ، وَكَانَ مِمَّا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ممَّن» (يُحَرِّكُ بِهِ) بالوحي (لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ) بالتَّثنية، و «مِن» للتَّبعيض، و «مَنْ» موصولة (فَيَشْتَدُّ (١) عَلَيْهِ) لثقل القولِ (٢)، فكان يتعجَّل بأخذهِ لتزول المشقَّة سريعًا، أو خشية أن ينساهُ، أو من حبِّه إيَّاه (وَكَانَ يُعْرَفُ مِنْهُ) الاشتداد حالَ نزولِ الوحي (فَأَنْزَلَ اللهُ (٣)) تعالى بسببِ الاشتدادِ (الآيَةَ الَّتِي فِي) سورة: (﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾) وهي قوله : (﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾) (٤) اقتصر على اللِّسان؛ لأنَّه الأصل في النُّطق (﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٧]) أي: قراءته.
قال الرَّاغب: القرآنُ في الأصلِ مصدرٌ كرجحان، وقد خصَّ بالكتاب المنزَّل على نبيِّه ﷺ وصارَ له كالعلم، وقال بعضهُم: تسميةُ هذا الكتابِ قرآنًا من بينِ كتبِ الله؛ لكونه جامعًا لثمرةِ كتبه، بل لجمعه ثمرةَ جميعِ العلومِ (فَإِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ وَقُرْآنَهُ) وثبت قوله: «فإن علينا .. » إلى آخره (٥) في رواية أبوي ذرٍّ والوقتِ والأَصيليِّ وابنِ عساكرٍ
стр. 9383
(﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾) أي: قرأهُ جبريلُ عليك، فجعل قراءة (١) جبريل قراءته (﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]) أي: (فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ) وهذا تأويلٌ آخر، فقد (٢) سبقَ عنه في «سورة القيامة»: ﴿قُرْآنَهُ﴾ بيَّناه ﴿فَاتَّبِعْ﴾ اعمل به [خ¦٧٥/ ٢ - ٧٢٦٩]. فالحاصلُ أن لابنِ عبَّاس فيه تأويلينِ (﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] قَالَ: إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ. قَالَ) ابنُ عبَّاس: (وَكَانَ) رسولُ الله ﷺ بعدُ (إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ) بالوحي (أَطْرَقَ) عينيه وسكت (فَإِذَا ذَهَبَ) جبريلُ (قَرَأَهُ) النَّبيُّ ﷺ (كَمَا وَعَدَهُ اللهُ) في قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾.
وهذا الحديث قد مرَّ في «سورةِ القيامةِ» [خ¦٤٩٢٩].
(٢٩) (باب مَدِّ القِرَاءَةِ) في حروف المدِّ، وهي: و، ا، ي، المدُّ الأصلي: الَّذي لا تقوم ذواتُها إلَّا به (٣).
٥٠٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ -بالفاء- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي (الأَزْدِيُّ) بفتح الهمزة وسكون الزاي بعدها دال مهملة، البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بنُ دعامةَ السَّدوسيُّ (قَالَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (عَنْ) كيفيَّةِ (قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) القرآن (فَقَالَ: كَانَ يَمُدُّ مَدًّا) أي: يمدُّ الحرفَ الذي يستحقُّ المدَّ.
وهذا الحديثُ أخرجه أبو داود، والنَّسائي، وابن ماجه في «الصَّلاة».
٥٠٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ) بفتح العين وسكون الميم، ابنِ عبيدِ اللهِ القيسيُّ
стр. 9384
البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو: ابنُ يحيى (عَنْ قَتَادَةَ) بنِ دعامةَ، أنَّه (قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ) بضم السين مبنيًّا للمفعول، والسَّائل قتادة، كما في الرِّواية السَّابقة [خ¦٥٠٤٥]: (كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَقَالَ: كَانَتْ مَدًّا) بالتنوين من غير (١) همز؛ أي: ذات مدٍّ (ثُمَّ قَرَأَ بسم الله الرحمن الرحيم، يَمُدُّ بِبِسْمِ اللهِ) أي: اللام التي قبل هاء الجلالة الشَّريفة (وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ) أي: بالميم التي قبل النون (وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ) أي: بالحاء المدَّ الطَّبيعي الَّذي لا يمكن النُّطق بالحرف إلَّا به، من غير زيادةٍ عليه، لا كما يفعلُه بعضهم من الزِّيادة عليه. نعم، إذا (٢) كان بعد حرف المدِّ همز متَّصل بكلمتهِ، أو سكون لازمٌ كـ ﴿أُوْلَئِكَ﴾ و ﴿الْحَاقَّةُ﴾ وجبَ اصطلاحًا (٣) زيادة المدِّ، أو منفصلٌ عنها، أو سكون عارضٌ كـ ﴿يَا أَيُّهَا﴾ أو الوقف على ﴿الرَّحِيمُ﴾ جاز، وقد أخرجَ ابنُ أبي داود من طريقِ قطبةَ بنِ مالكٍ سمعتُ رسولَ الله ﷺ قرأَ في الفجر ﴿ق﴾ فمرَّ بهذا الحرف ﴿لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] فمدَّ ﴿نَّضِيدٌ﴾.
ومباحثُ مقاديرِ (٤) المدِّ للهمز للقرَّاء مذكورة في الدَّواوين المؤلَّفة في ذكر قراءاتهم.
(٣٠) (باب التَّرْجِيعِ) في القراءةِ، وهو تقاربُ ضروبِ حركاتها، وترديد الصَّوت في الحلقِ.
٥٠٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية، واسمهُ: عبدُ الرَّحمن بنُ محمَّد العسقلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِيَاسٍ) معاويةُ بنُ قرَّة بنِ (٥)
стр. 9385
إياسِ بنِ هلالٍ (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُغَفَّلٍ) بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء المشددة ﵁ (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ، وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (عَلَى نَاقَتِهِ -أَوْ: جَمَلِهِ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي (وَهْيَ) أي: والحال أنَّها (تَسِيرُ بِه، وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (يَقْرَأُ سُورَةَ الفَتْحِ -أَوْ: مِنْ سُورَةِ الفَتْحِ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي (قِرَاءَةً لَيِّنَةً يَقْرَأُ) وثبتَ قوله: «يقرأ» لأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ (١) (وَهْوَ يُرَجِّعُ) صوته بقراءته. زاد في «التَّوحيد» [خ¦٧٥٤٠]: قال (٢): آء آء آء، ثلاث مرَّات بهمزة مفتوحة بعدها ألف فهمزة أخرى، وهو محمول على إشباع في محلِّه، وإذا جمعتَ هذا إلى قوله ﵊: «زيِّنوا القرآنَ بأصواتكم» ظهرَ لك أنَّ هذا التَّرجيع منه ﵊ كان اختيارًا لا اضطرارًا لهزِّ النَّاقة له، فإنَّه لو كان لهزِّ النَّاقة لَمَا كان داخلًا تحتَ الاختيار، فلم يكن عبدُ الله بنُ مغفَّل يفعلُه ويحكيهِ اختيارًا ليتأسَّى به، وهو يراهُ من هزِّ النَّاقة له، ثمَّ يقول: كان يرجِّعُ في قراءتهِ، فنسب التَّرجيع إلى فعلهِ، وقد ثبت في روايةِ عليِّ بنِ الجعدِ، عن شعبةَ عند الإسماعيليِّ: فقال: لولا أن يجتمعَ النَّاسُ علينا لقرأتُ ذلك اللَّحن، أي: النَّغم.
وفي حديثِ أمِّ هانئ المرويِّ في «شمائل التِّرمذيِّ» و «سنن النَّسائي»، وابن ماجه، وابن أبي داود واللَّفظ له: كنتُ أسمعُ صوت النَّبيِّ ﷺ وهو يقرأ وأنا نائمةٌ على فراشِي، يرجِّعُ القرآن.
وليس المرادُ ترجيع الغناءِ، كما أحدثهُ قرَّاء زماننَا، عفا الله عنَّا وعنهم، ووفَّقنا أجمعينَ لتلاوةِ كتابهِ على النَّحو الَّذي يرضيهِ عنا بمنِّه وكرمهِ.
(٣١) (باب) استح باب (حُسْنِ الصَّوْتِ بِالقِرَاءَةِ) ولأبوي الوقتِ وذرٍّ: «بالقراءةِ للقرآن» ولا ريبَ أنَّه يستحبُّ تحسين الصَّوت بالقراءةِ.
وحكى النَّوويُّ الإجماع عليه؛ لكونه أوقع في القلبِ، وأشدَّ تأثيرًا، وأرقَّ لسامعهِ، فإنْ لم يكن القارئُ حسنَ الصَّوت فليحسِّنه ما استطاعَ، ومن جملةِ تحسينه أنْ يُراعي فيه قوانينَ النَّغم، فإن الحسنَ الصَّوت يزدادُ حسنًا بذلك، وهذا إذا لم يخرجْ عن التَّجويد المعتبرِ عند
стр. 9386
أهلِ القراءاتِ، فإن خرجَ عنها لم يفِ تحسين الصَّوت بقبحِ الأداءِ. وقال في «الرَّوضة»: أمَّا القراءة بالألحانِ فقال الشَّافعيُّ في «المختصر»: لا بأسَ بها، وفي روايةٍ: مكروهة.
قال جمهورُ الأصحابِ: ليست على قولين، بل المكروه أن يفرِّط في المدِّ وفي إشباعِ الحركات حتى يتولَّد من الفتحة ألفٌ، ومن الضَّمَّة واوٌ، ومن الكسرة ياءٌ، أو يُدغم في غيرِ موضعِ الإدغام، فإن لم ينتهِ إلى هذا الحدِّ فلا كراهةَ.
قال النَّوويُّ ﵀: إذا أفرطَ على الوجهِ المذكورِ فهو حرامٌ، صرَّح به صاحبُ «الحاوي» فقال: حرامٌ، يفسَّقُ بهِ القارئ ويأثمُ به المستمعُ؛ لأنَّه عدلَ بهِ عن نهجهِ (١) القويم، وهذا مراد الشَّافعيِّ بالكراهةِ. انتهى.
وقد علم ممَّا ذكرناه أنَّ ما (٢) أحدثَهُ المتكلِّفون (٣) بمعرفةِ الأوزانِ والموسيقا في كلامِ الله من الألحانِ والتَّطريب والتَّغني، المستعمل في الغناءِ بالغزلِ على إيقاعاتٍ مخصوصةٍ وأوزانٍ مخترعةٍ أنَّ ذلك من أشنعِ البدعِ وأسوأ (٤)، وأنَّه يوجبُ على سامعهم النَّكير، وعلى التَّالي التَّعزير. نعم، إن كان التَّطريب والتَّغني ممَّا اقتضتهُ طبيعةُ القارئ، وسمحتْ بهِ من غيرِ تكلُّفٍ ولا تمرينٍ وتعليم، ولم يخرُج عن حدِّ القراءة؛ فهذا جائزٌ، وإن أعانتهُ طبيعته على فضلِ تحسينٍ، ويشهدُ لذلك حديثُ البابِ، وهو ما رويناهُ بالسَّند إلى المؤلِّف قال:
٥٠٤٨ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ أَبُو بَكْرٍ) العسقلانيُّ، المعروف بالحَدَّاديِّ -بالمهملات (٥) وفتح أوله وثانيه المشددة (٦) - سكن بغداد، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى) عبدُ الحميدِ بنُ عبدِ الرَّحمن،
стр. 9387
الملقَّب بَشْمِيْن -بفتح الموحدة وسكون الشين المعجمة وكسر الميم وبعد التحتية الساكنة نون- الكوفيُّ (الحِمَّانِيُّ) بكسر الحاء (١) المهملة وتشديد الميم وبعد الألف نون مكسورة، قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «حَدَّثني» بالإفراد (بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة وفتح الراء، مصغَّرًا في الأول، وبضم الموحدة وسكون الراء في الآخر، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «قال سمعتُ بريدًا» (عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ) عامر (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبدِ اللهِ بنِ قيسٍ الأشعريِّ ﵁ (أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا مُوسَى، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ) أي: في حسنِ الصَّوت، كقراءة (٢) داود نفسه؛ لأنَّه لم يذكر أنَّ أحدًا من آل داود أعطيَ من (٣) حسنِ الصَّوت ما أعطيَ داود، فـ «آل» مقحمةٌ، والمزامير: جمع مِزْمارٍ -بكسر الميم- الآلة المعروفة، أطلق اسمهَا على الصَّوت للمشابهةِ، وقد كان داود ﵇ -فيما رواه ابن عبَّاسٍ- يقرأ الزَّبور بسبعينَ لحنًا، ويقرأُ قراءة يطربُ منها المحموم، وإذا أرادَ أنْ يُبكي نفسهُ لم تبق دابةٌ في برٍّ ولا بحرٍ إلَّا أنصتتْ له واستمعَتْ وبكتْ.
وقد أوردَ المؤلِّف حديثَ البابِ مختصرًا، وأوردهُ مسلمٌ من طريقِ طلحةَ بنِ يحيى، عن أبي بُردةَ بلفظ: «لو رأيتني وأنا أستمعُ قراءتك البارحة» … الحديث، وزاد أبو يعلى من طريقِ سعيدِ بنِ أبي بردةَ، عن أبيهِ فقال: أما إنِّي لو علمتُ بمكانك لحبَّرته لك تحبيرًا، وللرُّوياني من طريق مالكِ بنِ مِغْول (٤)، عن عبدِ اللهِ بنِ بريدةَ، عن أبيهِ: لو علمتُ أنَّ رسول الله ﷺ يستمعُ قراءتي لحبَّرتها تحبيرًا، أي: حسَّنتها وزيَّنتها (٥) بصوتي تزيينًا، وهذا يدلُّ على أنَّ أبا موسَى كان يستطيعُ أن يتلو أشجى (٦) من المزاميرِ عند المبالغةِ في التَّحبير؛ لأنَّه قد تلا مثلها وما بلغَ حدَّ استطاعته، وأخرجَ ابن أبي داود بسندٍ صحيحٍ (٧) من طريقِ أبي عثمان النَّهديِّ قال: دخلتُ دارَ أبي موسى الأشعريِّ، فما سمعتُ صوتَ صَنْج،
стр. 9388
ولا بَرْبَط، ولا نايٍ أحسنَ من صوته. والصَّنْج -بفتح الصاد المهملة وبعد النون الساكنة جيم- آلة تتَّخذ من نحاسٍ كالطَّبقين يُضرب بأحدهما (١) على الآخر. والبَرْبَط -بموحدتين بينهما راء ساكنة آخره طاء مهملة- بوزن جَعْفَر، فارسيٌّ معرَّب؛ آلة كالعود. والنَّاي -بنون بغير همز- المِزْمار.
وحديث الباب أخرجه التِّرمذي أيضًا.
(٣٢) (باب مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَستْمَعَ القُرْآنَ مِنْ غَيْرِهِ) وللكُشمِيهنيِّ -كما في «الفتح» - «القراءة» بدل: «القرآن».
٥٠٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بنِ مهران، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين وكسر الموحدة، السَّلمانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) يعني: ابنَ مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : اقْرَأْ عَلَيَّ القُرْآنَ) أي: بعضه (قُلْتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ) بمد الهمزة للاستفهام، القرآن (وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟) بضم الهمزة (قَالَ) ﵊: (إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي) لأنَّ المستمع أقوى على التَّدبُّر، ونفسه أخلى وأنشط لذلك من القارئِ؛ لاشتغاله بالقراءةِ وأحكامها.
وهذا الحديثُ ساقهَ هنا مختصرًا، وفي الباب التالي مطوَّلًا وهو (٢).
(٣٣) (باب قَوْلِ المُقْرِئِ) الذي يُقرئ غيره (لِلْقَارِئِ) الذي يَقرأ عليه: (حَسْبُكَ) أي: يكفيكَ.
стр. 9389
٥٠٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البيكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينة (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بنِ مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبِيدَةَ) السَّلمانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : اقْرَأْ عَلَيَّ) بحذف المفعول في معظم الطُّرق ليس فيه لفظُ القرآن، فيصدق بالبعض (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، آقْرَأُ عَلَيْكَ) بمد الهمزة (وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟) بضم الهمزة (قَالَ: نَعَمْ) أي: اقرأ عليَّ (فَقَرَأْتُ) عليه (سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «على» (هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَكَيْفَ﴾) يصنع هؤلاء الكفرة من اليهودِ وغيرهم (﴿إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾) يشهدُ عليهم بما فعلوا وهو نبيُّهم (﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾) يا محمَّد (﴿عَلَى هَؤُلاء﴾) أي: أمَّتك (﴿شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]) حالٌ؛ أي: شاهدًا على من آمنَ بالإيمانِ، وعلى من كفرَ بالكفرِ، وعلى من نافقَ بالنِّفاقِ (قَالَ) ﵊: (حَسْبُكَ) يكفيك (الآنَ) تنبيهًا له على الموعظةِ والاعتبارِ في هذهِ الآية (فَالتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ) بسكون الذال المعجمة وكسر الراء؛ أي: سالَ دمعُهما (١)؛ لفرطِ رأفتهِ ومزيدِ شفقتهِ.
وفي الحديث -كما قال النَّوويُّ- استحبابُ استماع القراءة والإصغاءِ إليها، والبكاءِ عندها، والتدبُّر فيها، واستحبابُ طلبِ القراءةِ من الغيرِ ليستمعَ عليه، وهو أبلغُ في التَّدبُّر كما مرَّ.
وهذا الحديثُ سبقَ في «سورةِ النِّساء» [خ¦٤٥٨٣].
(٣٤) هذا (بابٌ) بالتنوين: (فِي كَمْ) مدَّة (يَقْرَأُ) القارئُ (القُرْآنَ) كلَّه فيها؟ وفي «اليونينية»: «يُقرأ» بضم أوله مبنيًّا للمفعول «القرآنُ» رفع نائب عن الفاعل (٢) (وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ﴾) عليكم (﴿مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]) من القرآن، استدلَّ بهِ على عدم التَّحديد في القراءةِ، خلافًا
стр. 9390
لما نقلَ عن إسحاقِ بن رَاهُوْيَه وغيره: إنَّ أقلَّ ما يجزئ من القراءةِ كلَّ يوم وليلة جزءٌ من أربعين جزءًا من القرآنِ، وفيه حديثٌ أخرجه أبو داود عن عبدِ الله بنِ عمرو بلفظ: في كمْ يقرأُ القرآن؟ قال: «في أربعينَ يومًا». ثمَّ قال: «في شهرٍ». ولا دَلالةَ فيه لذلك على ما لا يخفى.
٥٠٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو: ابنُ عبدِ اللهِ المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ (قَالَ لِي ابْنُ شُبْرُمَةَ) بضم الشين المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة، عبدُ الله، قاضي الكوفة (نَظَرْتُ كَمْ يَكْفِي الرَّجُلَ مِنَ القُرْآنِ) قال في «الفتح»: أي: في الصَّلاة، أو في اليوم واللَّيلة من قراءةِ القرآنِ مطلقًا (١) (فَلَمْ أَجِدْ سُورَةً أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ) وهي سورةُ الكوثر (فَقُلْتُ: لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ. قَالَ عَلِيٌّ) المدينيُّ، وهو موصول من تتمَّة الحديث المذكور: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ، ولغير أبي (٢) ذرٍّ: «قال سفيان» وحذفَ «عليٌّ» قال: (أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ) هو: ابنُ المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ) النَّخعي: أنَّه (أَخْبَرَهُ) عمُّه (عَلْقَمَةُ) بنُ قيسٍ (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبةَ بنِ عمرٍو البدريِّ (وَلَقِيتُهُ وَهْوَ يَطُوفُ بِالبَيْتِ) الحرام (فَذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ) ولأبي ذرٍّ: «فذكر قولَ النَّبيِّ ﷺ أنَّه»: (مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ) وهما: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] … إلى آخرها، (فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ) أي: عن قيام اللَّيلِ أو من آفاتِ تلك اللَّيلة، أو من الشَّيطان.
وهذا الحديث قد مرَّ في «باب فضل سورة البقرة» [خ¦٥٠٠٩].
стр. 9391
٥٠٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بنُ إسماعيلَ المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بنُ عبدِ اللهِ (١) اليشكريُّ (عَنْ مُغِيرَةَ) بنِ مِقسمٍ -بكسر الميم- الكوفيِّ (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو: ابنُ جبرٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين وسكون الميم، أنَّه (قَالَ: أَنْكَحَنِي أَبِي) عمرو بنُ العاص (امْرَأَةً) هي أمُّ محمَّد بنت محميَة بنِ جَزْءٍ الزُّبيديِّ، كما عندَ ابنِ سعدٍ (ذَاتَ حَسَبٍ) شرفٍ بالآباء، وعند أحمد: أنَّها من قريشٍ، ولعلَّه كان المشير عليه بتزويجهَا، وإلَّا فقد كان عبدُ الله رجلًا كاملًا، أو قامَ عنهُ بالصَّداق (فَكَانَ (٢)) عمرو (يَتَعَاهَدُ كَنَّتَهُ) بفتح الكاف والنون المشددة، زوجةَ ابنهِ (فَيَسْأَلُهَا عَنْ) شأنِ ابنه (بَعْلِهَا، فَتَقُولُ) في الجواب: (نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ، لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا) أي: لم يضاجعنَا حتَّى يطأَ لنا فراشًا (وَلَمْ يُفَتِّشْ) بفاء مفتوحة ففوقية مكسورة (٣) مشددة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «ولم يَغْش» بالغين المعجمة
стр. 9392
الساكنة بعد فتح (لَنَا كَنَفًا) بفتح الكاف والنون بعدها فاء؛ أي: ساترًا (مُذْ) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ والأَصيليِّ: «منذ» (أَتَيْنَاهُ) وكنَّت بذلكَ عن تركهِ لجماعِها؛ إذ عادةُ الرَّجل إدخال يدهِ في داخلِ ثوبِ زوجته. أو الكَنَف: الكنيف؛ أي: أنَّه لم يطعمْ عندها حتَّى يحتاجَ إلى موضعِ قضاءِ الحاجة، ففيه وصفها له بقيامِ اللَّيل وصومِ النَّهار مع الإشارةِ إلى عدمِ مضاجعتهَا وعدمِ أكلهِ عندها. زاد في رواية هُشيم عن مغيرة وحُصين عن مجاهد في هذا الحديث عند أحمد: فأقبلَ عليَّ يلومني، فقال: أنكحتكَ امرأةً من قريشٍ فعضلتَها؟ (فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ) أي: على عَمرو، وخافَ أن يلحقَ ابنَه إثمٌ بتضييعِ حقِّ الزَّوجة (ذَكَرَ) ذلك (لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ) ﷺ لعمرو: (القَنِي) بفتح القاف وكسرها (بِهِ) أي: بابنكَ عبد الله. قال عبدُ الله (١): (فَلَقِيتُهُ) بكسر القاف، ﵊ (بَعْدُ) بالبناء على الضم؛ أي: بعد ذلك (فَقَالَ) ولأبي الوقتِ: «قال»: (كَيْفَ تَصُومُ؟ قَالَ) أي: عبدُ اللهِ، ولأبي ذرٍّ: «قلتُ»: أصومُ (كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ) ﵊: (وَكَيْفَ (٢) تَخْتِمُ) القرآن؟ (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قلتُ»: أختمُ (كُلَّ لَيْلَة. قَالَ) ﵊: (صُمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةً) من الأيام (٣) (وَاقْرَأ القُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ) ختمة (قَالَ) عبدُ الله: (قُلْتُ): يا رسول الله (أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ) ﵊: (صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الجُمُعَةِ. قَالَ) عبد الله: (قُلْتُ): يا رسول الله (أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: أَفْطِرْ يَوْمَيْنِ وَصُمْ يَوْمًا، قَالَ: قُلْتُ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) استشكلهُ الدَّاوديُّ بأنَّ ثلاثةَ أيامٍ من الجمعةِ أكثر من فطرِ يومينِ وصيام يوم، وهو إنَّما يريد تدريجهُ من الصِّيام القليلِ إلى الصِّيام الكثيرِ، وأجاب الحافظُ ابن حجرٍ باحتمال أن يكونَ وقعَ من الرَّاوي فيه تقديمٌ وتأخيرٌ (قَالَ: صُمْ أَفْضَلَ الصَّوْمِ صَوْمِ دَاوُدَ) نبيَّ الله ﵇ (صِيَامَُ يَوْمٍ) نصب بتقدير: كان، أو رفع بتقدير: هو (وَإِفْطَارَُ يَوْمٍ) عطف عليه على الوجهين (وَاقْرَأْ) كلَّ القرآن (فِي كُلِّ سَبْعِ لَيَالٍ مَرَّةً).
قال عبدُ اللهِ: (فَلَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَذَاكَ أَنِّي كَبِرْتُ) بكسر الموحدة
стр. 9393
(وَضَعُفْتُ) قال مجاهد: (فَكَانَ) عبد الله (يَقْرَأُ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ) أي: من تيسَّر منهم (السُّبْعَ مِنَ القُرْآنِ بِالنَّهَارِ) بضم السين وسكون الموحدة (وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ) يريدُ أن يقرأه باللَّيل (١) (يَعْرِضُهُ مِنَ النَّهَارِ؛ لِيَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَقَوَّى) على الصِّيام (أَفْطَرَ أَيَّامًا وَأَحْصَى) عددَ أيَّام الإفطارِ (وَصَامَ) أيَّامًا (مِثْلَهُنَّ؛ كَرَاهِيةَ أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا فَارَقَ النَّبِيَّ ﷺ ¬) بنصب «كراهيةَ» على التَّعليل؛ أي: لأجلِ كراهةِ (٢) أن يترك شيئًا، و «أن» مصدريَّة.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريُّ، وسقط ذلك لأبوي الوقتِ وذرٍّ وابنِ عساكرٍ (وَقَالَ بَعْضُهُمْ) أي: بعض الرُّواة: اقرأه (فِي) كل (ثَلَاثٍ) من اللَّيالي (وَفِي خَمْسٍ) من اللَّيالي، ولأبي ذرٍّ: «أو في خمس» بزيادة ألف، ولأبي الوقتِ: «أو في سبع» ولعلَّ المؤلِّف أشارَ بالبعضِ إلى ما رواه شعبة عن مغيرة بهذا الإسناد: بلفظ فقال: «اقرأ القرآنَ في كلِّ شهرٍ». قال: إنِّي أطيقُ أكثرَ من ذلك، قال: فما زالَ حتَّى قال: «في ثلاثٍ». قال في «الفتح»: والخمسُ يؤخذ (٣) منه بطريقِ التَّضمن.
وفي «مسندِ الدَّارمي» من طريقِ أبي فروة عروةَ بنِ الحارثِ الجهنيِّ، عن عبدِ اللهِ بن عمرو قال: قلت: يا رسول الله، في كم أختمُ القرآن؟ قال: «اختمهُ في كلِّ (٤) شهر». قلتُ: إنِّي أطيقُ. قال: «اختمهُ في خمسٍ وعشرين». قلت: إنِّي أطيق. قال: «اختمه في عشرينَ». قلت: إنِّي أطيق. قال: «اختمه في خمسَ عشرة». قلت: إنِّي أطيق. قال: «اختمه في خمسٍ». قلت: إنِّي أطيق. قال: «لا».
وفي روايةِ هشيم المذكورة قال: «فاقرأه في كلِّ شهرٍ». قلت: إنِّي أجدني أقوى من ذلك (٥). قال: «فاقرأهُ في كلِّ عشرةِ أيَّام». قلت: إنِّي أجدني أقوى من ذلكَ. قال أحدهُما: إمَّا حصين وإمَّا مغيرة. قال: «فاقرأهُ في كلِّ ثلاث»، ولأبي داود والتِّرمذي مصححًا من طريقِ يزيدَ بنِ عبدِ الله بن الشِّخير، عن عبدِ اللهِ بن عَمرو مرفوعًا: «لا يفقهُ من قرأ القرآنَ في أقلَّ من ثلاثٍ».
стр. 9394
وعندَ سعيد بن منصور بإسنادٍ صحيحٍ من وجه آخر عن ابنِ مسعود: اقرؤوا القرآنَ في سبعٍ، ولا تقرؤوهُ في أقلَّ من ثلاث.
(وَأَكْثَرُهُمْ) أي: أكثر الرُّواة (عَلَى سَبْعٍ) ولعلَّه أشار بالأكثرِ إلى ما رواهُ أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمن، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو الآتية (١) إن شاء الله تعالى في الباب [خ¦٥٠٥٤]. قال: «فاقرأهُ في سبعٍ ولا تزد» وسقط لغير الكُشمِيهنيِّ: «وأكثرهم على سبعٍ» (٢).
٥٠٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ) بسكون العين، الطَّلحيُّ الكوفيُّ الضَّخم قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) أبو معاويةَ النَّحويُّ (عَنْ يَحْيَى) بنِ أبي كثيرٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) مولى بني زُهرة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ عوفٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) ﵄، أنَّه قال: (قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : فِي كَمْ) يوم (تَقْرَأُ القُرْآنَ؟).
٥٠٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) بنُ منصورٍ الكوسَج، المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ مُوسَى) العبسيُّ، مولاهم الكوفيُّ، شيخُ المصنِّف، روى عنه هنا بالواسطةِ، وثبتَ «ابنُ موسى» لأبي الوقتِ (عَنْ شَيْبَانَ) النَّحويِّ (عَنْ يَحْيَى) بنِ أبي كثيرٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ) بضم الزاي وسكون الهاء (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبدِ الرَّحمن (قَالَ) يحيى المذكور: (وَأَحْسِبُنِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَا) أي: وأظنُّ أنِّي أنا سمعتُهُ (٣) (مِنْ أَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبدِ الرَّحمن، ولعلَّه كان يتوقَّف في تحديثِ أبي سلمة له، ثمَّ تذكَّر أنَّه حدَّثه
стр. 9395
به، أو كان يصرِّح بتحديثهِ ثمَّ توقَّف (١)، وتحققَّ أنَّه سمعه بواسطة محمَّد بنِ عبدِ الرَّحمن المذكور (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) ﵄، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (٢) ﷺ : اقْرَإِ القُرْآنَ) كلَّه (فِي شَهْرٍ، قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً. حَتَّى قَالَ: فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ) أي: ما نزلَ منهُ إذ ذاك وما سينزلُ، سقطَ (٣) لفظ «حتَّى» لأبوي ذرٍّ والوقتِ (وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ) وليس النَّهي للتَّحريم، كما أنَّ الأمر في جميعِ ما مرَّ في الحديثِ ليس للوجوبِ، خلافًا لبعض الظَّاهريَّة حيث قالَ بحرمة قراءتهِ في أقلَّ من ثلاث، وأكثرُ العلماء -كما قاله النَّوويُّ- على عدمِ التَّقدير في ذلك، وإنَّما هو بحسبِ النَّشاط والقوَّة، فمن كان يظهر له بدقيقِ الفكرِ للَّطائف والمعارف؛ فليقتصر على قدرٍ يحصلُ له معه كمال فهم ما يقرؤه، ومن اشتغلَ بشيء من مهمَّات المسلمينَ كنشرِ العلمِ وفصل الخصوماتِ؛ فليقتصر على قدرٍ لا يمنعهُ من ذلك، ولا يخلُّ بما هو مترصِّد له، ومن لم يكن من هؤلاءِ فليستكثرْ ما أمكنهُ من غيرِ خروجٍ إلى حدِّ الملالِ أو الهَذْرمة، وقد كان بعضُهم يختم في اليوم واللَّيلة، وبعضهم ثلاثًا، وكان ابنُ الكاتبِ الصُّوفي يختم أربعًا بالنَّهار وأربعًا باللَّيل. انتهى.
وقد رأيتُ بالقدسِ (٤) الشَّريف في سنةِ سبع وستين وثمان مئة رجلًا يكنى بأبي الطَّاهر من أصحابِ الشَّيخ شهاب الدِّين بنِ رسلان ذكرَ لي (٥) أنَّه (٦) يقرأُ في اليوم واللَّيلة خمس عشرة ختمة. وثبَّتني في ذلك في هذا الزَّمنِ شيخُ الإسلامِ البرهان بن أبي شريف المقدسيُّ نفع الله بعلومه، وأمَّا الذين ختموا القرآن في ركعةٍ فلا يحصون كثرة؛ منهم: عثمان، وتميم الدَّاريُّ، وسعيدُ بنُ جبيرٍ، وأخبرني غيرُ واحد من الثِّقات عن صاحبنَا الفقيه رضيٍّ البكريِّ أنَّه كان أيضًا يقرؤه في ركعةٍ واحدةٍ، والله تعالى يهب ما يشاءُ لمن يشاءُ.
стр. 9396
(٣٥) (باب البُكَاءِ عِنْدَ قِرَاءَةِ القُرْآنِ).
٥٠٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) بنُ الفضلِ قال: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى) بنُ سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ سُلَيْمَانَ) الأعمشِ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبِيدَةَ) السَّلمانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ ﵁ (قَالَ يَحْيَى) القطَّان: (بَعْضُ الحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) قالَ ابنُ مسعودٍ: (قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ ¬).
وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مسرهدٍ، واللَّفظ له (عَنْ يَحْيَى) بنِ سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبِيدَةَ) السَّلمانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ (قَالَ الأَعْمَشُ) أيضًا: (وَبَعْضُ الحَدِيثِ) بالواو (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ، فيكون الأعمش سمع الحديثَ المذكور من إبراهيمَ النَّخعيِّ، وبعضَهُ من عمرو بن مرَّة، عن إبراهيم (عَنْ) ولأبي ذرٍّ: «وعن» (أَبِيهِ) بواو العطف عن الأعمشِ، والضَّمير لأبي سفيانَ، واسمُ أبيهِ: سعيدُ بن مسروقٍ الثَّوري، فيكون سفيان روى (١) الحديث عن الأعمش، وعن أبيهِ سعيد (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلمِ بنِ صبيحٍ الكوفيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ، لكن رواية أبي الضُّحى عن ابنِ مسعودٍ منقطعةٌ؛ لأنَّه لم يدركه (قَالَ: قَالَ) لي (رَسُولُ اللهِ ﷺ : اقْرَأْ عَلَيَّ. قَالَ) ابنُ مسعودٍ: (قُلْتُ): يا رسول الله (آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟) بضم الهمزة (قَالَ) ﵊: (إِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي. قَالَ: فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ:
стр. 9397
﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾) يشهد عليكم (﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء﴾) أي: أمَّتك (﴿شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] قَالَ لِي: كُفَّ) أي: عن القراءة (أَوْ أَمْسِكْ) بالشَّكِّ من الرَّاوي (فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَذْرِفَانِ) بالذال المعجمة والفاء، يقال: ذرفت العين تذرف إذا جرى دمعها.
وأخرجَ ابنُ المبارك في «الزُّهد» من مرسلِ سعيدِ بنِ المسيَّب قال: ليسَ من يومٍ إلَّا تعرضُ على النَّبيِّ ﷺ أمَّته غدوة وعشيَّة، فيعرفهُم بسيماهم وأعمالهم؛ فلذلك يشهد عليهم. وبكاؤه ﵊ رحمةً لأمَّته؛ لأنَّه علم أنَّه لا بدَّ أن يشهدَ عليهم بعملهم، وعملُهم قد لا يكون مستقيمًا فقد يفضِي إلى تعذيبهِم.
وقال في «فتوحُ الغيبِ» عن الزَّمخشريِّ: إنَّ هذا كان بكاءَ فرحٍ لا بكاءَ جزعٍ؛ لأنَّه تعالى جعل أمَّته شهداءَ على سائرِ الأمم، وقال الشَّاعر:
طَفَحَ السُّرورُ عليَّ حتَّى إنَّه … مِن فَرْطِ مَا قدْ سَرَّني أَبْكَاني
٥٠٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ) البصريُّ الدَّارميُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بنُ زيادٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ) بفتح اللام (١) (عَنْ عَبْدِ اللهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ وابنِ عساكرٍ زيادة: «ابن مسعود» (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : اقْرَأْ عَلَيّ. قُلْتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ) بالاستفهام (وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ) ﷺ : (إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي) قال ابنُ بطَّال: يحتمل أن يكون أحبَّ أن يسمعهُ من غيرهِ ليكون عرضُ القرآنِ (٢) سُنَّةً، ويحتمل أن يكون لكي يتدبَّره ويتفهَّمه؛ لأنَّ المستمعَ أقوى على التَّدبُّر (٣) من القارئِ؛ لاشتغالهِ بالقراءةِ وأحكامِها.
стр. 9398
(٣٦) (باب مَنْ رَايَا) بألف فتحتية، ولأبي ذرٍّ: «باب: إثم (١) من راءى» بهمزة ممدودةٍ بدل التحتية (بِقِرَاءَةِ القُرْآنِ، أَوْ تَأَكَّلَ) بتشديد الكاف؛ أي: طلبَ الأكل (بِهِ، أَوْ فَخَرَ بِهِ) بالخاء المعجمة في الفرع، وفي «الفتح» -كنسخة «آل ملك» (٢) -: «فجر» بالجيم للأكثر.
٥٠٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) العبديُّ البصريُّ، أخو سليمان بنِ كثيرٍ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان (عَنْ خَيْثَمَةَ) بفتح الخاء المعجمة وسكون التحتية وفتح المثلثة والميم، ابنِ عبدِ الرَّحمن الكوفيِّ (عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ) بفتح الغين المعجمة والفاء واللام، أنَّه (قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ) ﵁ (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ) صغارهَا (سُفَهَاءُ الأَحْلَامِ) أي: ضعفاءُ العقولِ (يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ) أي: من قولِ خير البريَّة ﷺ ، فهو من المقلوبِ، أو المراد من قولِ الله؛ ليناسب التَّرجمة. قال في «شرح المشكاة»: وهو أولى؛ لأنَّ «يقولون» هنا بمعنى: يتحدَّثون أو يأخذون؛ أي: يأخذون من خيرِ ما يتكلَّم به. قال: وينصرهُ ما روي في «شرح السُّنَّة»: وكان ابنُ عمر يرى الخوارجَ شرار (٣) خلقِ الله تعالى، وقال: إنَّهم انطلقوا إلى آياتٍ نزلت في الكفَّار فجعلوها على المؤمنينِ. وما ورد في حديثِ أبي سعيدٍ: «يدعونَ إلى كتابِ الله وليسوا منه في شيء» (يَمْرُقُونَ) يخرجون (مِنَ الإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) بكسر الميم وتشديد
стр. 9399
التحتية، فعيلة بمعنى مفعولة؛ أي: الصَّيد المرمي، يريد أنَّ دخولهم في الإسلام ثمَّ خروجهم منه ولم يتمسَّكوا منه بشيءٍ كالسَّهم الَّذي دخل في الرَّميَّة، ثمَّ يخرجُ منها ولم يعلقْ به شيءٌ منها (لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ) جمعُ حَنْجَرة، وهي الحلقومُ رأس الغَلْصَمة حيثُ تراه ناتئًا من خارجِ الحلقِ؛ أي: أنَّ الإيمان لم يرسخْ في قلوبهم؛ لأنَّ ما وقف عند الحلقومِ فلم يتجاوزهُ لم يصلْ إلى القلبِ، وفي حديث حذيفة: «لا يجاوزُ تراقِيَهم ولا تعيهِ قلوبُهم» (فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ) ظرف لـ «الأجرِ» لا لـ «القتل».
قال الخطَّابي: أجمعَ علماءُ المسلمينَ على أنَّ الخوارج على ضلالتِهم فرقةٌ من فرقِ المسلمينَ، وأجازوا مُناكحتهم، وأكلَ ذبائحهم، وقَبول شهادتهم، وسئل عليٌّ ﵁ عنهم: أكفَّارٌ هم؟ فقال: من الكفرِ فرُّوا. فقيلَ: منافقون هم؟ فقال: إنَّ المنافقينَ لا يذكرونَ اللهَ إلَّا قليلًا، وهؤلاء يذكرونَ الله بكرةً وأَصيلا. قيل: من هم؟ قال: قومٌ أصابتهم فتنةٌ فعَمُوا وصَمُّوا.
وقال الكرْمانيُّ: فإن قلتَ: من أين دلَّ الحديثُ على الجزءِ الثَّاني من التَّرجمة، وهو التأكلُ بالقرآن؟ قلتُ: لا شكَّ أنَّ القراءةَ إذا لم تكن للهِ فهي للمراياةِ (١) والتأكُّل ونحوهما.
وهذا الحديث قد سبق بأتم من هذا في «علاماتِ النُّبوَّة» بعينِ هذا الإسناد [خ¦٣٦١١].
стр. 9400
٥٠٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ الأعظمُ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بنِ عوفٍ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ) بكسرة القاف (مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ) من عطف العامِّ على الخاصِّ (وَيَقْرَؤُوْنَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ) أي: لا تفقهُه قلوبهُم، ولا ينتفعونَ بما يتلون (١) منه، و (٢) لا تصعدُ تلاوتهم في جملة الكَلِم (٣) الطَّيب إلى الله تعالى (يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينَ) أي: الإسلام، وبه يتمسَّك من يكفِّر الخوارج، أو المرادُ طاعة الإمام، فلا حجَّة فيه لتكفيرِهم (كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) شبَّه مروقهم من الدِّين بالسَّهم الَّذي يصيبُ الصَّيد فيدخلُ فيه ويخرجُ منه، والحالُ أنَّه لسرعةِ خروجهِ من شدَّة قوَّة الرَّامي لا يعلقُ من جسدِ الصَّيد بشيءٍ (يَنْظُرُ) الرَّامي (فِي النَّصْلِ) الَّذي هو حديد السَّهم هل يرى فيه شيئًا من أثر الصَّيد دمًا أو نحوه؟ (فَلَا يَرَى) فيه (شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي القِدْحِ) بكسر القاف، السَّهم قبل أن يُرَاش ويركَّب سهمه، أو ما بين الرِّيش والنَّصل؛ هل يرى فيه أثرًا؟ (فَلَا يَرَى) فيه (شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي الرِّيشِ) الَّذي على السَّهم (فَلَا يَرَى) فيه (شَيْئًا، وَيَتَمَارَى) بفتح التحتية والفوقية والراء؛ أي: يشكُّ الرَّامي (فِي الفُوقِ) وهو مدخلُ الوتر منه؛ هل فيه شيءٌ من أثر الصَّيد؟ يعني: نفذ السَّهم المرمي بحيث لم يتعلَّق به (٤) شيءٌ، ولم يظهرْ أثره فيه، فكذلك قراءتهم لا يحصل لهم منها فائدةٌ.
وهذا الحديث قد مرَّ في «علامات النُّبوَّة» أيضًا [خ¦٣٦١٠].
стр. 9401
٥٠٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بالسين المهملة، ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيدٍ القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) بنِ الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بنِ دعامةَ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريِّ ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: المُؤْمِنُ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالأُتْرُجَّة) بإدغام النون في الجيم (طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ) قال المظهريُّ: فالمؤمن الذي يقرأ القرآن هكذا من حيثُ الإيمان في قلبهِ ثابتٌ طيِّبُ الباطنِ، ومن حيثُ إنَّه يقرأُ القرآن، ويستريح النَّاس بصوته، ويُثابون بالاستماع إليه، ويتعلَّمون منه مثل الأترجَّة يستريح النَّاس بريحها (وَالمُؤْمِنُ الَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالتَّمْرَةِ) بالمثناة الفوقية وسكون الميم، «ويعمل» عطف على «لا يقرأ»، لا على «يقرأ» (طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَالرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَالحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ أَوْ خَبِيثٌ) بالشَّكِّ من الرَّاوي (وَرِيحُهَا مُرٌّ) كذا لجميع الرُّواة هنا.
واستشكلَ من حيثُ إنَّ المرارةَ من أوصافِ الطُّعوم (١)، فكيف يوصفُ بها الرِّيح؟ وأُجيب بأنَّ ريحها لمَّا كان كطعمها (٢) استعيرَ لهُ وصف المرارة. وقال الكِرْمانيُّ: المقصودُ منهما واحدٌ؛ وهو بيانُ عدمِ النَّفع لا لهُ ولا لغيرهِ. انتهى.
وفي الحديثِ: فضيلةُ قارئِ القرآن، وأنَّ المقصود من التِّلاوة العمل، كما دلَّ عليه زيادة «ويعمل بهِ»، وهي زيادة مفسِّرة للمرادِ من الرِّواية الَّتي لم يقلْ فيها: «ويعملُ به» [خ¦٥٠٢٠].
وهذا الحديثُ سبقَ في «باب فضلِ القرآنِ على سائرِ الكلام» [خ¦٥٠٢٠].
(٣٧) هذا (٣) (بابٌ) بالتنوين: (اقْرَؤوا القُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ) ما اجتمعتْ (قُلُوبُكُمْ) ولأبي ذرٍّ: «عليه قلوبكُم».
стр. 9402
٥٠٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّدُ بنُ الفضلِ السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ زيدٍ (عَنْ أَبِي عِمْرَانَ) عبدِ الملكِ بنِ حبيب (الجَوْنِيِّ) بفتح الجيم وسكون الواو بعدها نون مكسورة (عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: اقْرَؤُوْا القُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ) ما اجتمعتْ (قُلُوبُكُمْ) عليه (فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ) في فهمِ معانيهِ (فَقُومُوا) تفرَّقوا (عَنْهُ) لئلَّا يتمادى بكم الاختلافُ إلى الشَّرِّ، وحملهُ القاضي عياضٌ على الزَّمن النَّبويِّ خوفَ نزولِ ما يسوءُ.
وقال في «شرح المشكاةِ»: يعني: اقرؤوه على نشاطٍ منكم، وخواطركُم مجموعةٌ، فإذا حصلَ لكم ملالةٌ وتفرُّق القلوب فاتركوهُ؛ فإنَّه أعظم من أن يقرأهُ أحدٌ من غيرِ حضورِ القلبِ، يقال: قامَ بالأمرِ إذا جدَّ فيهِ ودام عليه، وقامَ عن الأمرِ إذا تركَهُ وتجاوزَهُ.
٥٠٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) أي: ابنِ بحرٍ الباهليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) قال: (حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ) بتشديد اللام (عَنْ أَبِي عِمْرَانَ) عبد الملك (الجَوْنِيِّ) بفتح الجيم وسكون الواو (عَنْ جُنْدَبٍ) ﵁، أنَّه قال: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اقْرَؤُوْا القُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ) زاد في هذه الطَّريق لفظة (١): «عليه» (فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ) وسقطَ لأبي الوقتِ وابنِ عساكرٍ لفظ «عنه» ويحتملُ -كما في «الفتح» - أن يكون المعنى: اقرؤوا والزمُوا الائتلافَ على ما دلَّ عليهِ وقاد إليهِ، فإذا وقعَ الاختلاف؛ أي: عرض عارضٌ بشبهةٍ (٢) تقتضي (٣)
стр. 9403
المنازعة الدَّاعية إلى الافتراقِ؛ فاتركوا القراءةَ، وتمسَّكوا بالمحكمِ الموجبِ للألفةِ، وأَعرضُوا عن المتشابهِ (١) المؤدِّي إلى الفرقة. قال: وهو كقوله ﷺ : «فإذا رأيتُم الَّذين يتَّبعون المتشابهَ منهُ فاحذَرُوهم». وقال ابنُ الجوزي: كان اختلاف الصَّحابة يقعُ في القراءاتِ واللُّغات، فأمروا بالقيامِ عند الاختلافِ؛ لئلَّا يجحدَ أحدُهم ما يقرؤه الآخر، فيكون جاحدًا لما أنزلهُ (٢) الله.
(تَابَعَهُ) أي: تابع سلَّام بنَ أبي مطيعٍ (الحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ) بضم العين، أبو قدامةَ الإياديُّ -بكسر الهمزة- البصريُّ، فيما رواه الدَّارميُّ (وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ) أخو حمَّاد بن زيدٍ، فيما رواه الحسنُ بن سفيانَ في «مسنده» كلاهما (عَنْ أَبِي عِمْرَانَ) الجَونيِّ (وَلَمْ يَرْفَعْهُ) أي: الحديث المذكور إلى النَّبيِّ ﷺ (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَأَبَانُ) بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة، ابنُ يزيدَ العطَّار. (وَقَالَ غُنْدَرٌ) محمَّدُ بنُ جعفر، فيمَا وصله الإسماعيليُّ: (عَنْ شُعْبَةَ) بنِ الحجَّاج (عَنْ أَبِي عِمْرَانَ) الجَونيِّ (سَمِعْتُ جُنْدَبًا قَوْلَهُ) أي: من قولهِ موقوفًا (٣) عليه لم يرفعْه (وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ) عبدُ اللهِ الإمام المشهور: (عَنْ أَبِي عِمْرَانَ) الجَونيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ عُمَرَ) بنِ الخطَّاب ﵁ (قَوْلَهُ) ولم يرفعْه، وروايةُ ابن عون هذه وصلهَا أبو عُبيد (٤) عن معاذٍ عنه، والنَّسائي من وجهٍ آخر عنه (وَجُنْدَبٌ) روايته (أَصَحُّ) إسنادًا (وَأَكْثَرُ) طرقًا في هذا الحديثِ، وأمَّا رواية ابنِ عون فشاذَّة لم يتابع عليها.
٥٠٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ) ضدُّ الميمنة (عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ) بفتح النون وتشديد الزاي، و «سَبْرَة»: بفتح السين المهملة وسكون الموحدة بعدها راء مفتوحة، الهلاليِّ التَّابعيِّ الكبير، وقيل: له
стр. 9404
صحبة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ ﵁ (أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا) قيل: إنَّه أُبيُّ بنُ كعبٍ (يَقْرَأُ آيَةً سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ خِلَافَهَا) أي: يقرأ خلافَها، وكان اختلافهما (١) في سورة من آل حم. قال ابنُ مسعودٍ: (فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) أي: فأخبرته بذلك (فَقَالَ: كِلَاكُمَا (٢) مُحْسِنٌ) فيمَا قرأهُ (فَاقْرَأْ) بهمزة ساكنة بصيغة الأمر للواحد في الفرع، وفي نسخة: «فاقرآ» بصيغة الأمر للاثنين، وهو الَّذي في «اليونينية». قال شعبةُ: (أَكْبَرُ عِلْمِي) بالموحدة بعد الكاف أنَّه ﷺ (قَالَ): أي: لا تختلفوا (فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَأَهْلَكَهُمْ) أي: الله (٣) بسببِ الاختلافِ، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي (٤): «فأُهلِكوا» بضم الهمزة وكسر اللام.
قال في «الفتح»: ووقعَ عند عبدِ اللهِ بن الإمام أحمد في «زيادات المسند» في هذا الحديث: أنَّ الاختلافَ كان في عددِ (٥) السُّورة؛ هل هي (٦) خمس وثلاثون آية أو ست وثلاثون؟
وهذا الحديثُ قد مرَّ في «الإشْخَاص» [خ¦٢٤١٠]
قال المؤلِّف: وقد فرغتُ من هذا الجزءِ بعد عصرِ يومِ الأربعاءِ ثالث عشر رجب الحرام سنة اثنتي عشرة وتسع مئة، أحسنَ الله عاقبتَها، وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم (٧).
стр. 9405
((٦٧)) (بسم الله الرحمن الرحيم كِتَابُ النِّكَاحِ): هو: لغةً الضَّمُّ والتَّداخُلُ. وقال المُطَرِّزِيُّ: وهو (١) الوطءُ حقيقةً، ومنه قول الفَرَزْدَقِ:
إذا سَقَى اللهُ قومًا صَوْبَ غادِيَةٍ … فلَا سَقَى اللهُ أرضَ الكوفَةِ المطَرَا
التَّاركينَ علَى طُهْرٍ نساءَهُم … والنَّاكِحينَ بِشَطَّيْ دِجْلةَ البقَرَا
وهو مجازٌ في العقدِ؛ لأنَّ العقدَ فيه ضمٌّ، والنِّكاحُ هو الضمُّ حقيقةً، قال:
ضمَمْتُ إِلى صَدْري مُعَطَّر صَدْرِها … كمَا نكحَتْ أمُّ العَلَاءِ صَبيَّها
أي: كما ضمَّتْ، أو لأنَّه سببه فجازتِ الاستعارةُ لذلك. وقال بعضهم: أصلهُ لزومُ شيءٍ لشيءٍ مُستعليًا عليه، ويكون في المحسوسَاتِ وفي المعانِي، قالوا: نكحَ المطرُ الأرضَ، ونكحَ النُّعاسُ عينيهِ، ونكحتُ القمحَ في الأرضِ، إذا حرثتَها وبذرتَهُ فيها، ونكحتِ الحصاةُ أخفافَ الإبلِ. قال المتنبِّي:
أنْكحْتُ صُمَّ حَصَاها خُفَّ يَعْمَلَةٍ … تَغَشْمَرَتْ بِي إليْكَ السَّهلَ والجَبَلا
يقال: أنكحُوا الحَصَى أخفافَ الإبلِ إذا سارُوا، واليَعْمَلة: النَّاقةُ النَّجيبَةُ المطبوعةُ على العملِ، والتَّغَشمُرُ: الأخذُ قَهرًا. وقال الفرَّاء: العربُ تقول: نُكْحُ (٢) المرأةِ -بضم النون- بُضْعُهَا، وهو كنايَةٌ عن الفرجِ، فإذا قالوا: نَكَحَها، أرادُوا أصَابَ نُكْحَها (٣).
стр. 9406
قال ابنُ جِنِّيٍّ: سألتُ أبا عليٍّ الفَارسيَّ عن قولهم: نَكَحَها؟ فقال: فرَّقتِ العربُ فرْقًا لطيفًا يعرفُ به موضعُ العقدِ من الوطءِ، فإذا قالوا: نكحَ فلانٌ فلانةً، أو بنتَ فلانٍ، أو أختهُ أرادوا تزوَّجَها وعقدَ عليها، وإذا (١) قالوا: نكحَ امرأتَهُ، أو زوجتَهُ لم يريدُوا إلَّا المجامعةَ لأنَّ بذكرِ المرأةِ أو الزَّوجةِ يُستغنَى عن العقدِ، واختلفَ أصحابُنَا في حقيقتهِ على ثلاثةِ أوجُهٍ حكاهَا القاضِي حسينٌ في «تعليقته» (٢) أصحُّها: أنَّه حقيقةٌ في العقدِ، مجازٌ في الوطءِ، وهو الَّذي صحَّحَه القاضِي أبو الطَّيِّبِ وقطع به المتولِّي وغيره، واحتجَّ له بكثرةِ ورودهِ في الكتابِ والسُّنَّة للعقدِ، حتَّى قيل: إنَّه لم يردْ في القرآنِ إلَّا للعقد، ولا يردُ مثل قوله: ﴿حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] لأنَّ شرطَ الوطءِ في التَّحليلِ إنَّما ثبتَ بالسُّنَّةِ، وإلَّا فالعقدُ لا بدَّ منه لأنَّ قوله تعالى: ﴿حَتَّىَ تَنكِحَ﴾ معناه حتَّى تتزوَّجَ، أي: يعقد عليها، ومفهومُه أنَّ ذلك كافٍ بمجرَّدهِ، لكن بيَّنتِ (٣) السُّنَّة أن لا عبرةَ بمفهومِ الغايةِ بل لا بدَّ بعد العقدِ من ذوقِ العُسَيلةِ. قال ابنُ فارسٍ: لم يردِ النِّكاحُ في القرآنِ إلَّا للتَّزويجِ (٤)، إلَّا قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦] فإنَّ المراد (٥) به الحُلم (٦). والثَّاني: أنَّه حقيقةٌ في الوطءِ مجازٌ في العقدِ، وهو مذهبُ الحنفية. والثَّالث: أنَّه حقيقةٌ فيهما بالاشتراكِ، ويتعيَّنُ المقصودُ بالقرينةِ، كما مرَّ عن أبي علي، وذكر ابن القطَّاعِ للنكاحِ أكثرَ من ألف اسمٍ، وفوائدُهُ (٧) كثيرةٌ منها: أنَّه سببٌ لوجودِ النَّوعِ الإنسانيِّ، ومنها: قضاءُ الوطرِ بنيلِ اللَّذَّةِ والتَّمتُّعِ بالنِّعمةِ، وهذه هي الفائدةُ (٨) الَّتي في الجنةِ؛ إذ لا تناسُلَ فيها، ومنها: غضُّ البصرِ وكفُّ النَّفسِ عن الحرامِ … إلى غيرِ ذلك.
стр. 9407
(١) (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا للنَّسفي تقديمُ البسملةِ، وعند رواة (١) الفَِرَبْريِّ تأخيرها، ولأبي ذرٍّ سقوطها. (التَّرْغِيبُ) ولأبي ذرٍّ: «بابُ التَّرغيب» (فِي النِّكَاحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «لقولِ اللهِ (٢)»: (﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ [النساء: ٣]) زاد أبو الوقتِ والأَصيليُّ: «الآيةَ» والأمرُ يقتضِي الطَّلب، وأقلُّ درجاتِهِ النَّدبُ، فثبتَ التَّرغيبُ، وقولُ داودَ وأتباعِهِ من أهلِ الظَّاهرِ: إنَّه فرضُ عينٍ على القادِرِ على الوطءِ والإنفاقِ، تمسُّكًا بالآية، وقوله ﵊ لعكَّافِ ابنِ وَدَاعَة الهلالي: «ألكَ زوجَةٌ يا عَكَّاف؟» قال: لا. قال: «ولا جَارِية؟» قال: لا. قال: «وأنت صحِيحٌ موسرٌ» قال: نعم، والحمد لله. قال: «فأنت إذًا من إخوانِ الشَّياطينِ، إمَّا أن تكونَ من رُهبانِ النَّصارى فأنتَ منهُم، وإمَّا أن تكون منَّا فاصنَع كما نصنَعُ، فإنَّ من سُنَّتنا النِّكاحُ، شِرارُكُم عُزَّابُكم، وأراذِلُ أمواتِكُم عُزَّابُكم، ويحكَ يا عَكَّاف تزوَّج» فقال عكَّاف: يا رسول الله، لا أتزوَّجُ حتى تزوِّجني من شئتَ. قال: فقال رسول الله ﷺ : «فقَد زوَّجتُك على اسمِ الله والبرَكةِ كريمةَ بنت (٣) كلثُومٍ الحميريِّ». رواه أبو يَعلى الموصليُّ في «مسنده» من طريق بقيَّة، فهو إيجابٌ على معيَّنٍ، فيجوز أن يكون سببُ الوجوبِ تحقَّق في حقِّه، والآيةُ لم تُسق إلَّا لبيانِ العددِ المحلَّلِ على ما عُرفَ في الأصولِ.
стр. 9408
٥٠٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيدُ بنُ الحكمِ بنِ محمد بنُ أبي مريمَ الجُمَحيُّ مولاهم البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) أي: ابن أبي كثيرٍ المدنيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي الوقتِ: «أَخْبرني» بالإفراد (حُمَيْدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ الطَّوِيلُ) اختُلِف في اسم أبيه على نحو عشرةِ أقوالٍ (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ) اسم جمع لا واحد له من لفظه، والثَّلاثةُ: عليُّ بن أبي طالبٍ، وعبدُ الله بن عَمرو بن العاصِ، وعثمانُ بن مظعونٍ كما في مرسل سعيدِ بن المسيَّب عند عبد الرَّزَّاقِ (إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا) بضم الهمزة وكسر الموحدة مبنيًّا للمفعول، بذلك (كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا) بتشديد اللام المضمومة، عدُّوها قليلةً (فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ) بضم الغين، ولابنِ عساكرٍ وأبوي الوقتِ وذرٍّ عن المُستملي: «قد غفرَ اللهُ لهُ» (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. قَالَ) ولأبوي الوقتِ وذرٍّ: «فقالَ» (أَحَدُهُمْ: أَمَّا) بفتح الهمزة وتشديد الميم، للتفصيلِ (أَنَا فَإِنِّي) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشمِيهنيِّ: «فأنَا» (أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا) قيدٌ «للَّيل» لا لقولهِ: «أصلِّي» (وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ) بالنَّهار، سوى العيدينِ وأيَّام التَّشريقِ، ولذا لم يقيِّدهُ بالتَّأبيد (وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا. فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) زاد الأربعةُ لفظ: «إليهِم» (فَقَالَ) لهم: (أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا. أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم، حرفُ تنبيه (وَاللهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ) قال في «الفتح»: فيه إشارةٌ إلى ردِّ ما بنوا عليه أمرهُم من أنَّ المغفورَ له لا يحتاجُ إلى مزيدٍ في العبادةِ بخلاف غيره، فأعلمهُم أنَّه مع كونه لا (١) يبالِغُ في التَّشديدِ في العبادةِ أخشَى للهِ وأتقَى من الَّذين يشدِّدون، وإنَّما كان كذلك لأنَّ المشدِّدَ لا يأمنُ من المللِ، بخلاف المقتصدِ فإنَّه أمكن لاستمرارِه، وخير العمل ما داومَ عليه صاحبهُ. انتهى.
فالنَّبيُّ ﷺ وإن أُعطِي قُوى الخلقِ في العباداتِ، لكن قصدهُ التَّشريعُ وتعليم أمَّته الطَّريق
стр. 9409
الَّتي لا يملُّ بها صاحبُها. وقال ابنُ المنيِّرِ: إنَّ هؤلاء بنوا على أنَّ الخوفَ الباعثَ على العبادةِ ينحصرُ في خوفِ العقوبةِ، فلمَّا علموا أنَّه ﷺ مغفورٌ له ظنُّوا أن لا خوفَ، وحملوا قلَّةَ العبادةِ على ذلك، فردَّ ﵊ عليهم ذلك، وبيَّن أنَّ خوفَ الإجلالِ أعظمُ من الإكثارِ المتحقَّقِ الانقطاع لأنَّ الدَّائمَ وإن قلَّ أكثرُ من الكثيرِ إذا انقطعَ، وفيه دليلٌ على صحَّةِ مذهبِ القاضي -وغيره (١) - حيث قالَ: لو أوجبَ الله شيئًا لوجبَ وإن لم يتوعَّد بعقوبةٍ على تركِه، وهو مقامُ الرَّسول ﷺ التَّعبُّدُ على الشُّكرِ وعلى الإجلالِ، لا على خوفِ العقوبةِ، فإنَّه منهُ في عصمةٍ.
(لَكِنِّي) استدراكٌ من شيء (٢) محذوفٌ دلَّ عليه السِّياقُ، تقديره: أنا وأنتُم بالنِّسبةِ إلى العبوديَّةِ سواءٌ، لكن أنا (أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ) أعرضَ (عَنْ سُنَّتِي) طريقتِي وتَركها (فَلَيْسَ مِنِّي) إذا كان غير معتقدٍ لها، والسُّنَّةُ مفردٌ مضافٌ يعمُّ على الأرجحِ فيشمل الشَّهادتين وسائر أركانِ الإسلامِ، فيكون المعرضُ عن ذلك مرتدًّا، وكذا إن كان الإعراضُ تنطُّعًا يفضِي إلى اعتقادِ أرجحيَّةِ عملهِ، وأمَّا إن كان ذلك بضربٍ من التَّأويلِ كالورعِ لقيامِ شبهةٍ في ذلك الوقتِ، أو عجزٍ عن القيامِ بذلك، أو لمقصودٍ صحيحٍ فيعذر صاحبهُ.
وفيه: التَّرغيب في النِّكاح، وقد اختلفَ هل هوَ من العباداتِ أو المباحاتِ (٣)، فقال الحنفيَّة: هو سُّنَّةٌ مؤكَّدةٌ على الأصحِّ. وقال الشافعيَّةُ: من المباحاتِ. قال القَمُوليُّ في «شرح الوسيط» المسمى بـ «البحر» في «باب النِّكاحِ»: فرعٌ: نصَّ الإمامُ على أنَّ النِّكاحَ من الشَّهواتِ لا من القُرباتِ، وإليه أشار الشَّافعيُّ في «الأمِّ» حيثُ قال: قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء﴾ [آل عمران: ١٤] وقال ﵊: «حبِّبَ إليَّ من دُنياكُم (٤) الطِّيبُ والنِّساءُ»، وابتغاءُ النَّسلِ به أمرٌ مظنونٌ، ثمَّ لا يدرى أصالحٌ أم طالحٌ (٥). انتهى.
стр. 9410
وقال النَّوويُّ: إن قصدَ به طاعةً كاتِّباع السُّنَّةِ، أو تحصيل ولدٍ صالحٍ، أو عفَّة فرجهِ أو عينهِ فهو من أعمالِ الآخرةِ يثابُ عليه، وهو للتَّائقِ -أي: المحتاج إليه (١) ولو خصِيًّا- القادرِ على مؤنهِ أفضلُ من التخلِّي للعبادةِ تحصِينًا للدِّين، ولما فيه من إبقاءِ النَّسلِ، والعاجزُ عن مؤنهِ يصومُ، والقادرُ غير التَّائقِ إن تخلَّى للعبادةِ فهو أفضلُ من النِّكاحِ، وإلا فالنِّكاحُ أفضلُ له من تركهِ لئلَّا تُفضي به البطالةُ إلى الفواحِش. انتهى.
وقد تعقَّبَ الشَّيخ كمال الدِّين ابنُ الهُمَام قولَهم: التَّخلِّي للعبادةِ أفضلُ، فقال: حقيقة «أفضل» تنفِي كونَه مُباحًا إذ لا فضلَ في المباحِ، والحقُّ أنَّه إن اقترن بنيَّةٍ كان ذا فضلٍ، والتَّجرُّد عند الشَّافعيِّ أفضلُ لقوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩] مدح يحيى ﵇ بعدمِ إتيانِ النِّساءِ مع القدرةِ عليهِ لأنَّ هذا معنَى الحَصورِ، وحينئذٍ فإذا استدلَّ عليه (٢) بمثل قولهِ ﵊: «أربَعٌ من سننِ المرسلينَ: الحياءُ، والتَّعطُّر، والسِّواك، والنِّكاح» رواه التِّرمذيُّ وقال: حسنٌ غريبٌ. فله (٣) أن يقول في الجوابِ: لا أنكِرُ الفضيلةَ مع حسن النيَّةِ، وإنَّما أقول: التَّخلِّي للعبادةِ أفضلُ، فالأولى في جوابهِ التَّمسكُ بحاله ﵊ في نفسهِ، وردُّهُ على من أرادَ من أمَّتهِ التَّخلِّي للعبادةِ فإنَّه صريحٌ في عين المتنازعِ فيه، يعني: حديث هذا الباب، فإنَّه ﵊ ردَّ هذا الحال ردًّا مؤكَّدًا حتى تبرَّأ منه، وبالجملةِ فالأفضليَّةُ في الاتِّباعِ لا فيما يُخيَّل للنَّفسِ أنَّه أفضلُ نظرًا إلى ظاهر (٤) عبادةٍ أو توجُّهٍ، ولم يكن الله يرضَى لأشرفِ أنبيائهِ إلَّا بأشرفِ الأحوالِ، وكان حالهُ إلى الوفاةِ النِّكاحَ، فيستحيل أن يقرَّهُ على تركِ الأفضلِ مدَّةَ حياته، وحالُ يحيى ﵇ كان أفضل في تلكَ الشَّريعةِ، وقد نُسخَتِ الرَّهبانيَّةُ في ملَّتِنا، ولو تعارضَا قدِّمَ التَّمسُّك بحالِ نبينا ﵊، ومن (٥) تأمَّل ما يشتملُ عليه النِّكاحُ من تهذيبِ الأخلاق، وتربيةِ الولدِ، والقيام بمصالحِ المسلمِ العاجزِ عن القيامِ بها، وإعفافِ الحُرَمِ ونفسهِ، ودفع الفتنةِ عنه وعنهنَّ إلى غير ذلك من الفرائضِ الكثيرةِ لم يكدْ يقف
стр. 9411
عن (١) الجزمِ بأنَّه أفضلُ من التَّخلِّي بخلافِ ما إذا عارضهُ خوفُ جورٍ، إذ الكلامُ ليس فيه بل في الاعتدالِ مع أداءِ الفرائضِ والسُّنن، وذكرنا أنَّه إذا لم تقترن به نيَّةٌ كان مباحًا لأنَّ المقصودَ منه حينئذٍ مجرَّدُ قضاءِ الشَّهوةِ، ومبنى العبادة على خلافهِ. ثمَّ قال: وأقولُ: بل فيه فضلٌ من جهةِ أنَّه كان متمكِّنًا من قضائِها بغيرِ الطَّريقِ المشروعِ، فالعدولُ إليهِ -مع ما يعلمهُ من أنَّه قد يستلزمُ أثقالًا- فيه قصد تركِ المعصيةِ، وعليه يثابُ. انتهى.
٥٠٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابنُ عبد اللهِ المدينيُّ كما جزمَ به المزيُّ كأبي مسعود (٢)، أنَّه (سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ) الكِرمانِيَّ العنزيَّ، قاضِي كرمان (عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ) الأيليِّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم ابنِ شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبيرِ بن العوَّامِ (أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى (٣): ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ﴾ [النساء: ٣]) أقرب من أن لا تميلُوا، من قولِهم: عالَ الميزانُ عَوْلًا (قَالَتْ) عائشة: (يَا ابْنَ أُخْتِي) أسماء، هي (اليَتِيمَةُ) التي ماتَ أبوها (تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا) القائمِ بأمورِها (فَيَرْغَبُ فِي مَالِهَا وَجَمَالِهَا، يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِأَدْنَى) أقلَّ (مِنْ سُنَّةِ صَدَاقِهَا) من مهرِ مثلها (فَنُهُوا) بضم النون والهاء (أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ فَيُكْمِلُوا الصَّدَاقَ) على عادتِهن في ذلك (وَأُمِرُوا) بالواو (بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ) أي: سوى اليَتامى (مِنَ النِّسَاءِ).
وهذا الحديثُ قد سبقَ في «تفسيرِ سورة النساء» [خ¦٤٥٧٤].
стр. 9412
(٢) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُم البَاءَةَ) بالموحدة والهمزة المفتوحتين وتاء التأنيث ممدودًا، وقد لا تهمز ولا تمدُّ، وقد تهمز وتمدُّ (١) من غير هاءٍ (فَلْيَتَزَوَّجْ لأَنَّهُ) أي: التزوُّج، ولأبوي الوقتِ وذرٍّ عن المُستملي والكُشمِيهنيِّ (٢): «فإنَّهُ» «بالفاء» بدل: «اللام»، وهو لفظ الحديث (أَغَضُّ لِلْبَصَرِ) بالغين والضاد المعجمتين (وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ) بالحاء والصاد المهملتين. (وَهَلْ يَتَزَوَّجُ مَنْ لَا أَرَبَ لَهُ) بفتح الهمزة والراء والموحدة، أي: من لا حاجَةَ له (فِي النِّكَاحِ) أم لا؟
٥٠٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ، أنَّه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (فَلَقِيَهُ عُثْمَانُ بِمِنًى، فَقَالَ) عثمانُ له: (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) وهي كنيةُ ابن مسعودٍ (إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً فَخَلَيَا) بالياء، وللأَصيليِّ -كما في «الفتح» و «اليونينية» (٣) - «فَخَلَوا» بالواو بدل الياء، كَدَعَوَا، وصوَّبها ابنُ التِّين لأنَّه واويٌّ، يعني: من الخلوَةِ، أي: دخَلا في موضعٍ خالٍ (فَقَالَ عُثْمَانُ) له: (هَلْ لَكَ -يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ- فِي أَنْ نُزَوِّجَكَ بِكْرًا تُذَكِّرُكَ مَا كُنْتَ تَعْهَدُ) من نشاطِكَ وقوَّةِ شبابِكَ؟ (فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ (أَنْ لَيْسَ لَهُ) لنفسِهِ (حَاجَةٌ إِلَى هَذَا) الَّذي ذكره عثمان من التَّزويجِ، ولأبوي الوقتِ
стр. 9413
وذرٍّ عن الحَمُّويي (١) والمُستملي: «أو ليسَ لهُ» أي: لعثمانَ «حاجةٌ إلَّا هذا» بتشديد اللَّام بدل إلى الجارَّةِ، أي: الترغيب في النِّكاحِ (أَشَارَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا عَلْقَمَةُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهْوَ) أي: والحالُ أنَّ ابن مسعود (يَقُولُ: أَمَا) بالتَّخفيف (لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ لَقَدْ قَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ) جمع شابٍّ، وهو من بلغَ إلى أن يكملَ ثلاثين عند الشَّافعيَّة. وفي «الجواهر» لابن شَاسٍ من المالكيَّة: إلى الأربعين (٢)، أي: يا (٣) طائفةَ الشَّبابِ (مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ) أي: الجماعَ، فهو محمولٌ على المعنى الأعمِّ بقدرتهِ على مؤنِ النِّكاحِ (فَلْيَتَزَوَّجْ) جواب الشَّرط، وعند النَّسائي من طريق أبي معشرٍ عن إبراهيمَ النَّخعيِّ: «مَن كانَ ذا طولٍ فلينكِح» (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) أي: الجماعَ لعجزِهِ عن مؤنهِ (فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ). قال أبو عُبيد: فعليهِ بالصَّومِ إغراءٌ لغائبٍ، ولا تكادُ العربُ تغري إلَّا لشاهدٍ، تقول: عليكَ زيدًا، ولا تقولُ: عليه زيدًا. وأُجيب بأنَّ الخطابَ للحاضرين الَّذين خاطبهُم أوَّلًا بقولهِ: «فَمَن استطاعَ منكُم» فالهاء في فعليهِ (٤) ليستْ لغائبٍ (٥) بل هي للحاضرِ المبهَمِ، إذ لا يصحُّ خطابه بالكاف، وهذا كما يقول الرَّجلُ: من قام الآنَ منكم فله درهمٌ، فهذه الهاءُ لمن قامَ من الحاضرينَ لا لغائبٍ (فَإِنَّهُ) أي: الصَّومُ (لَهُ وِجَاءٌ) بكسر الواو وبالجيم ممدودًا. وقيل بفتح الواو مع القصرِ، بوزن عَصَا، أي: التَّعبُ والجفاءُ، وذلك بعيدٌ إلَّا أن يرادَ منه (٦) معنَى الفتورِ؛ لأنَّه مِنْ وَجَى إذا فترَ عن المشي، فشبَّهَ الصَّوم في باب النِّكاح بالتَّعبِ في باب المشي، أي: قاطعٌ لشهوتِهِ، وأصله: رضُّ الأُنثيينِ لتذهبَ شهوةُ الجِماعِ، وإطلاقُ الصَّومِ على الوِجاءِ من مجازِ المشابهة لأنَّ الوجاءَ قطعُ النَّسلِ (٧)، وقطعُ الشَّهوة إعدامٌ له أيضًا، وخصَّ الشَّباب بالخطابِ لأنَّهم مَظِنَّةُ قوَّةِ الشَّهوةِ غالبًا بخلافِ الشُّيوخِ، وإن كان المعنَى معتبرًا إذا وجد السَّببَ في الكهولِ والشُّيوخِ أيضًا.
واستدل بالحديثِ على أنَّ من لم يستطعِ الجماع فالمطلوبُ منه ترك التَّزويج لأنَّه أرشدهُ
стр. 9414
إلى ما ينافيهِ ويضعفُ دواعيهِ، والأمرُ في قوله: فليتزوج، وفي قوله: ﴿فَانكِحُواْ﴾ وإن كان ظاهرُهُما الوجوبُ إلَّا أنَّ المراد بهما الإباحة.
قال في «الأم» بعد أن قال: قال الله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ﴾ … إلى قوله: ﴿يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] الأمرُ في الكتاب والسُّنَّة يحتملُ معانِي، أحدها (١): أن يكونَ اللهُ حرَّمَ شيئًا ثمَّ أباحهُ وكان (٢) أمرُهُ إحلالَ ما حرَّمَ. كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾ [المائدة: ٢] وكقوله (٣): ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الاية [الجمعة: ١٠] وذلك أنَّه حرَّمَ الصَّيدَ على المحرمِ، ونهى عن البيعِ عند النِّداءِ، ثمَّ أباحَهُما في وقتٍ غير الَّذي حرَّمهما فيه، كقوله تعالى: ﴿وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ إلى قوله: ﴿مَّرِيئًا﴾ [النساء: ٤]. وقوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ﴾ [الحج: ٣٦] قال: وأشباهُ ذلك كثيرٌ في كتابِ الله وسنَّة رسولهِ ﷺ ، ليسَ حتمًا أن يصطادُوا إذا حلُّوا، ولا ينتشرُوا لطلبِ التِّجارة إذا صلُّوا، ولا يأكلُ من صداقِ امرأتِهِ إذا طابَتْ به عنهُ نفسًا، ولا يأكلُ من بدنتهِ إذا نحرَهَا. قال: ويحتملُ أن يكون دلَّهم على ما فيه رشدهُم بالنِّكاح كقوله (٤): ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] يدلُّ على ما فيه سببُ الغنَى والنِّكاح، كقوله ﷺ : «سافِرُوا تَصحُّوا». انتهى.
وقد قسَّم بعضهم النِّكاحَ إلى الأحكامِ الخمسةِ: الوجوب، والنَّدب، والتَّحريم، والإباحة، والكراهة. فالوجوبُ فيما إذا خافَ العنتَ وقدرَ على النِّكاحِ، إلَّا أنَّه لا يتعيَّنُ واجبًا بل (٥) إمَّا هو وإما التسرِّي، فإن تعذَّرَ (٦) التَّسرِّي تعيَّن النِّكاحُ حينئذٍ للوجوب لا لأصلِ (٧) الشَّريعةِ. والنَّدبُ لتائقٍ يجدُ أهبتهُ. والكراهةُ لعِنِّينٍ وممسوحٍ وزمنٍ، ولو كانوا واجدين مؤنه، وعاجزٍ عن مؤنهِ غير تائقٍ له لانتفاءِ حاجتهم إليه، مع التزامِ العاجزِ ما لا يقدرُ عليه، وخطر القيام به
стр. 9415
فيمَن عداهُ. والتَّحريمُ إمَّا أن يكونَ لعينهِ كالسَّبعِ المذكوراتِ في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] أو غير ذلك ممَّا هو مذكورٌ في محلِّهِ.
(٣) (بابُ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ البَاءَةَ فَلْيَصُمْ).
٥٠٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) قال: (حَدَّثَنَا (١) أَبِي) قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بن مهرانَ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُمَارَةُ) بضم العين وتخفيف الميم، ابن عميرٍ التَّيميُّ الكوفيُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ) بن قيسٍ النَّخعيِّ أنَّه (قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ عَلْقَمَةَ) أي: عمِّه (وَالأَسْوَدِ) بن يزيد، أي: أخيهِ (عَلَى عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁ (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعود: (كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ شَبَابًا لَا نَجِدُ شَيْئًا، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهُ ﷺ : يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ) أي: طائفة الشَّبابِ (مَنِ اسْتَطَاعَ) استفعلَ من الطَّاعةِ، أصله استطوَعَ، استثقلتِ الحركةُ على الواو فنقلت إلى السَّاكنِ قبلها (٢)، ثمَّ قلبت الواو ألفًا، أي: أطاقَ (البَاءَةَ) المراد به هنا المعنى اللُّغويُّ وهو الجماعُ، مأخوذٌ من المباءَةِ وهي المنزلُ لأنَّ من تزوَّجَ امرأةً بوَّأها منزلًا، وإنَّما تتحقَّقُ قدرتُهُ بالقدرَةِ على مؤنهِ، ففيهِ حذفُ مضافٍ، أي: من استطاعَ منكُم أسبابَ النِّكاح ومؤنهِ (فَلْيَتَزَوَّجْ) وقيل: المرادُ بها نفسُ مؤنةِ (٣) النِّكاحِ، سمِّيت باسمِ ما يلازمُها، ولا بدَّ من أحدِ التَّأويلينِ لأنَّ قوله ﷺ : «ومَن لم يستطِعْ» عطفٌ على قوله: «من استَطاعَ» ولو حملَ الباءَةَ على الجماعِ لم يستقِمْ قولهُ بعد: «فإنَّ الصَّوم له» لأنَّه لا يقالُ للعاجزِ هذا، وإنَّما يستقيمُ إذا قيل: أيُّها القادرُ المتمكِّنُ
стр. 9416
من الشَّهوةِ، إن حصلت لك مؤنة (١) النِّكاحِ فتزوَّج وإلَّا فصُمْ، ولذا خصَّ الشَّباب (فَإِنَّهُ) أي: التَّزوُّج (أَغَضُّ لِلْبَصَرِ) لأنَّ بعد حصول التَّزويجِ يضعُفُ فيكونُ أغضَّ وأحصنَ ممَّا لم يكن؛ لأنَّ وقوعَ الفعلِ مع ضعفِ الدَّاعِي أندَرُ من وقوعِه مع وجودِ الدَّاعي. أفعلُ (٢) التَّفضيل بمعنى غاضٍّ، أو التَّفضيلُ على بابهِ من غضَّ طرفَهُ إذا خفضَهُ وأغمضَهُ، وكلُّ شيءٍ كففتهُ فقد غضَضتهُ، والمراد بالبصرِ هنا الطَّرفُ المشتملُ عليه لأنَّه الَّذي يضافُ إليه الغضُّ حقيقةً، وللنَّسائيِّ: «فإنَّه أغضُّ للطرفِ» فصرَّح به (وَأَحْصَنُ) أي: أعفُّ (لِلْفَرْجِ) ولم يردْ به أفعل التَّفضيلِ؛ لأنَّه لا يكونُ من رباعيٍّ، كما نبَّه عليه ابنُ فَرْحون، واللَّام في «للبصرِ» و «للفرجِ» للتعديةِ، كما قرَّروه في أفعلِ التَّعجُّبِ؛ نحوَ: ما أضرَبَ زيدًا لعمرو، ولا فرقَ بين البابينِ. قاله في «العدة (٣)». ولم يقلْ في الرِّوايةِ السَّابقة [خ¦٥٠٦٥]: «فإنَّه … » إلى آخرهِ، وهي ثابتةٌ عندَ جميعِ من أخرج الحديث من طريق (٤) الأعمش بهذا الإسناد.
قال في «الفتح»: ويغلبُ على ظنِّي أنَّ حذفها من قِبَلِ حفصِ بن غياثٍ شيخ شيخ البخاريِّ (٥)، وإنَّما آثرَ البخاريُّ روايته على روايةِ غيره لوقوعِ التَّصريحِ فيها من الأعمشِ بالتَّحديثِ، فاغتفرَ له باختصارِ المتنِ لهذه المصلحةِ. انتهى.
(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ) ذهب ابنُ عصفور إلى أنَّ الباءَ زائدةٌ في المبتدأ، والتقديرُ: فعليه الصَّومُ، وضعِّفَ باقتضائهِ حينئذٍ الوجوبُ لأنَّ ذلك ظاهرٌ في هذهِ الصِّيغة ولا قائل به (فَإِنَّهُ) أي: الصَّوم (لَهُ وِجَاءٌ) وعند ابن حبَّان زيادة وهي: «وهو الإخصاءُ» وهي مدرجةٌ لم تقَعْ إلَّا في طريقِ زيد بن أبي أنيسةَ، وفي تفسير الوِجاء بالإخصاء نظرٌ لأنَّ الوِجاءَ -كما مرَّ- رضُّ الأُنثيين، والإخصاءَ سلُّهما، فيحملُ على المجازِ والمسامحةِ لتقاربهما في المعنى.
стр. 9417
(٤) (بابُ كَثْرَةِ النِّسَاءِ) لمن قدرَ على العدلِ بينهنَّ.
٥٠٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاءُ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) أبو عبدِ الرَّحمن قاضي صنعاء (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بنَ عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح (قَالَ: حَضَرْنَا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (جَنَازَةَ مَيْمُونَةَ) أمِّ المؤمنينَ بنت الحارث الهلاليَّة (بِسَرِفَ) بفتح السين وكسر الراء المهملتين بعدها فاء، موضعٌ بينهُ وبينَ مكَّةَ اثنَا عشرَ ميلًا، وكان النَّبيُّ ﷺ بنَى بها فيهِ، وعندَ (١) ابن سعدٍ بإسنادٍ صحيحٍ عن يزيد بن الأصمِّ قال: دفنَّا ميمونةَ بسرفَ في الظُّلَّةِ الَّتي بنَى بها فيها رسول الله ﷺ (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ زَوْجَةُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا) بالعين المهملة والشين المعجمة، سَريْرَهَا الذي وُضِعت عليه وهي ميتةٌ (فَلَا تُزَعْزِعُوهَا) بزايين معجمتين وعينين مهملتين (وَلَا تُزَلْزِلُوهَا) أي: لا تحرِّكوها حركةً شديدةً، بل سيرُوا بها سيرًا وسطًا معتدلًا؛ فإنَّ حُرمتها بعد مَوتها باقيةٌ كحُرمتها في حياتها، وللحَمُّويي «فَلا (٢) تُزعِجُوها» بدل «فلا تزعزعوها» (٣) (وَارْفُقُوا) أي: بها (فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) عند موتِه (تِسْعٌ) من الزَّوجاتِ في عصمتِهِ: سودةُ بنت زمعةَ، وعائشةُ، وحفصةُ، وأمُّ سلمةَ، وزينبُ بنت جحشٍ، وأمُّ حبيبةَ، وجويريةُ، وصفيَّةُ، وميمونةُ (كَانَ يَقْسِمُ لِثَمَانٍ) منهنَّ من المبيتِ عندهنَّ (وَلَا يَقْسِمُ لِوَاحِدَةٍ) منهنَّ، وهي سودةُ وهبَتْ ليلَتَها لعائشةَ.
стр. 9418
ومطابقةُ الحديثِ للتَّرجمةِ ظاهرةٌ، ووجهُ تعليلِ ابن عبَّاسٍ الرِّفق بميمونَةَ بأنَّه كان يقسمُ لثمانٍ ولا يقسمُ لواحدةٍ، التَّنبيهُ على مكانةِ ميمونة من وجهينِ: كونُها زوجَتَه ﷺ ، وأنَّها كانت عنده غير مرغوبٍ عنها؛ لأنها كانَتْ من اللَّاتِي يقسمُ لهنَّ ﵅، وقد كانت سودةُ آخر أمَّهاتِ المؤمنين موتًا.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في «النِّكاح»، والنَّسائيُّ فيه، وفي «عِشرة النِّساء».
٥٠٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) الحنَّاط أبو معاويةَ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) بكسر العين، ابنُ أبي عروبةَ مهران اليشكريُّ البصريُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بنِ دِعامة السَّدوسيِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ (١) عَلَى نِسَائِهِ) أي: يجامعُهنَّ (فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَهُ) يومئذٍ (تِسْعُ نِسْوَةٍ) وفي «كتاب الغسلِ»: «وهنَّ إحدى عشرةَ» [خ¦٢٦٨] لكن قال ابنُ خزيمة: تفرَّد بذلك معاذُ بن هشامٍ عن أبيه، وجمعَ ابنُ حبَّان في «صحيحه» بين الرِّوايتين بحملِ ذلك على حالتينِ.
واختلفَ في ريحانة هل كانَتْ زوجةً أو (٢) سُرِّيَّةً؟ وجزمَ ابن إسحاقَ بأنَّها اختارَتِ البقاءَ في مُلكه، وهل ماتتْ قبلَه ﵊؟ فالأكثرُ على أنَّها ماتت قبلَهُ في (٣) سنة عشر (٤)، وكذا ماتت زينبُ بنتُ خزيمةَ بعد دُخولها عليه بقليلٍ. قال ابنُ عبد البرِّ: مكَثَتْ عندَه شهرَين أو ثلاثَة. قال الحافظُ ابنُ حجر: فعلى هذا لم يجتمعْ (٥) عندهُ من الزَّوجاتِ أكثرُ من تسعٍ، مع أنَّ سودةَ وهبَتْ نوبَتَها لعائشةَ، فرَجَحت روايةُ سعيدٍ -يعني: رواية البابِ- لكن تحملُ رواية هشامٍ على أنَّه
стр. 9419
ضمَّ ماريةَ وريحانةَ إليهنَّ، وأطلق عليهنَّ لفظ نسائهِ تغليبًا.
وبه قال: (وقَالَ لِي خَلِيفَةُ) بن خيَّاط بن خليفةَ، أبو عَمرو العصفريُّ البصريُّ، صاحِب «الطَّبقات» و «التاريخ» أحدُ شُيوخ المؤلِّف: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابنُ أبي عروبةَ (عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وغرضُ المؤلِّف بسياقِه بيانُ تصريحِ قتادةَ بتحديث أنسٍ له بذلك.
٥٠٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحَكَمِ) بفتح الحاء المهملة والكاف (الأَنْصَارِيُّ) المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ رَقَبَةَ) بالراء والقاف والموحدة المفتوحات، ابن مَصْقَلَة، بالميم المفتوحة والصاد المهملة الساكنة والقاف واللام المفتوحين (عَنْ طَلْحَةَ) بن مصرفٍ (اليَامِيِّ) بالتحتية وبعد الألف ميم مخففة (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أنَّه (قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَتَزَوَّجْ، فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ) أي: أمته (١) ﷺ (أَكْثَرُهَا نِسَاءً) لأنَّه كانَ له تسعُ نسوة، والتَّقييدُ بهذه الأمَّةِ ليخرج مثل سليمانَ ﵇ لأنَّه كان أكثرَ نساء. وقيل: المعنى خير أمَّة محمَّدٍ من كان أكثرَ نساءً من غيرهِ، ممَّن يتساوى معهُ فيما عدَا ذلك من الفضائلِ.
(٥) هذا (بابٌ) بالتنوين: (مَنْ هَاجَرَ) إلى دار الإسلامِ (أَوْ عَمِلَ خَيْرًا) كصلاةٍ، أو حجٍّ، أو صدقةٍ، أو هجرةٍ (لِتَزْوِيجِ امْرَأَةٍ) قال الكِرْمانيُّ: ليجعلها زوجةَ نفسهِ، أو التَّفعيل بمعنى التَّفعُّل، واللَّام للتَّعليل (٢) (فَلَهُ مَا نَوَى).
стр. 9420
٥٠٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزاي والعين المهملة، الحجازيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الحَارِثِ) التَّيميِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ) اللَّيثيِّ (عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ (١) النَّبِيُّ ﷺ : العَمَلُ) صحيحٌ، أو صحَّةُ العمل (بِالنِّيَّةِ) بالإفراد فيهما، فـ «العملُ» مبتدأٌ، والخبرُ الاستقرارُ الَّذي يتعلَّقُ به حرفُ الجرِّ، فإن قلتَ: العاملُ المقدَّرُ في المجرورِ يقتضِي النَّصبَ، وقد قيل: إنَّه الخبرُ، فكيف يكونُ في محلِّ نصبٍ؟ وأُجيب بأنَّ الَّذي في موضعِ النَّصب قوله: «بالنيَّة (٢)» لأنَّه المفعولُ الَّذي وصلَ إليه العاملُ بواسطةِ الباءِ، والَّذي في موضعِ الرَّفع مجموعٌ بالنيَّةِ لأنَّه الَّذي نابَ عن الاستقرارِ، وكذلك القول في كلِّ مبتدأ خبرُه ظرفٌ أو مجرورٌ، نحو قولك: زيدٌ في الدَّارِ، وزيدٌ عندكَ، ولفظُ «إنَّما» ساقطٌ (٣) هنا، والباءُ في «بالنيَّة» للإلصاقِ لأنَّ كلَّ عملٍ تلصقُ (٤) به نيَّتُه (٥)، أو للسببيَّةِ بمعنى: أنَّها مقوِّمةٌ للعملِ، فكأنَّها سببٌ في إيجادِه، وسبقَ مزيدُ بحث في ذلك أوَّل الكتابِ [خ¦١] (وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ) رجلٍ أو امرأةٍ (مَا نَوَى) هذه الجملةُ مؤكِّدةٌ للسَّابقةِ، أو مفيدةٌ غير ما أفادتهُ الأُولى لأنَّ الأُولى نبَّهت على أنَّ العمل يتبعُ النيَّة ويُصاحبُها، فيترتَّب الحكمُ على ذلك، والثَّانيةُ أفادَتْ أنَّ العاملَ لا يحصلُ له إلَّا ما نَواه. وقال ابنُ عبد السَّلام: الأولى لبيان ما يعتبرُ من الأعمالِ، والثَّانيةُ لبيانِ ما يترتَّبُ عليها، وأفادَتْ أنَّ النيَّة إنَّما تشترطُ في العباداتِ الَّتي لا تتميَّزُ بنفسِها، وأمَّا ما يتميَّزُ بنفسهِ فإنَّه ينصرفُ بصورتهِ إلى ما وُضع له، كالأذكارِ والأدعيةِ والتلاوةِ لأنَّها لا تتردَّدُ بين العبادَةِ