من الشَّهوةِ، إن حصلت لك مؤنة (١) النِّكاحِ فتزوَّج وإلَّا فصُمْ، ولذا خصَّ الشَّباب (فَإِنَّهُ) أي: التَّزوُّج (أَغَضُّ لِلْبَصَرِ) لأنَّ بعد حصول التَّزويجِ يضعُفُ فيكونُ أغضَّ وأحصنَ ممَّا لم يكن؛ لأنَّ وقوعَ الفعلِ مع ضعفِ الدَّاعِي أندَرُ من وقوعِه مع وجودِ الدَّاعي. أفعلُ (٢) التَّفضيل بمعنى غاضٍّ، أو التَّفضيلُ على بابهِ من غضَّ طرفَهُ إذا خفضَهُ وأغمضَهُ، وكلُّ شيءٍ كففتهُ فقد غضَضتهُ، والمراد بالبصرِ هنا الطَّرفُ المشتملُ عليه لأنَّه الَّذي يضافُ إليه الغضُّ حقيقةً، وللنَّسائيِّ: «فإنَّه أغضُّ للطرفِ» فصرَّح به (وَأَحْصَنُ) أي: أعفُّ (لِلْفَرْجِ) ولم يردْ به أفعل التَّفضيلِ؛ لأنَّه لا يكونُ من رباعيٍّ، كما نبَّه عليه ابنُ فَرْحون، واللَّام في «للبصرِ» و «للفرجِ» للتعديةِ، كما قرَّروه في أفعلِ التَّعجُّبِ؛ نحوَ: ما أضرَبَ زيدًا لعمرو، ولا فرقَ بين البابينِ. قاله في «العدة (٣)». ولم يقلْ في الرِّوايةِ السَّابقة [خ¦٥٠٦٥]: «فإنَّه … » إلى آخرهِ، وهي ثابتةٌ عندَ جميعِ من أخرج الحديث من طريق (٤) الأعمش بهذا الإسناد.
قال في «الفتح»: ويغلبُ على ظنِّي أنَّ حذفها من قِبَلِ حفصِ بن غياثٍ شيخ شيخ البخاريِّ (٥)، وإنَّما آثرَ البخاريُّ روايته على روايةِ غيره لوقوعِ التَّصريحِ فيها من الأعمشِ بالتَّحديثِ، فاغتفرَ له باختصارِ المتنِ لهذه المصلحةِ. انتهى.
(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ) ذهب ابنُ عصفور إلى أنَّ الباءَ زائدةٌ في المبتدأ، والتقديرُ: فعليه الصَّومُ، وضعِّفَ باقتضائهِ حينئذٍ الوجوبُ لأنَّ ذلك ظاهرٌ في هذهِ الصِّيغة ولا قائل به (فَإِنَّهُ) أي: الصَّوم (لَهُ وِجَاءٌ) وعند ابن حبَّان زيادة وهي: «وهو الإخصاءُ» وهي مدرجةٌ لم تقَعْ إلَّا في طريقِ زيد بن أبي أنيسةَ، وفي تفسير الوِجاء بالإخصاء نظرٌ لأنَّ الوِجاءَ -كما مرَّ- رضُّ الأُنثيين، والإخصاءَ سلُّهما، فيحملُ على المجازِ والمسامحةِ لتقاربهما في المعنى.
стр. 9417
(٤) (بابُ كَثْرَةِ النِّسَاءِ) لمن قدرَ على العدلِ بينهنَّ.
٥٠٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاءُ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) أبو عبدِ الرَّحمن قاضي صنعاء (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بنَ عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح (قَالَ: حَضَرْنَا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (جَنَازَةَ مَيْمُونَةَ) أمِّ المؤمنينَ بنت الحارث الهلاليَّة (بِسَرِفَ) بفتح السين وكسر الراء المهملتين بعدها فاء، موضعٌ بينهُ وبينَ مكَّةَ اثنَا عشرَ ميلًا، وكان النَّبيُّ ﷺ بنَى بها فيهِ، وعندَ (١) ابن سعدٍ بإسنادٍ صحيحٍ عن يزيد بن الأصمِّ قال: دفنَّا ميمونةَ بسرفَ في الظُّلَّةِ الَّتي بنَى بها فيها رسول الله ﷺ (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ زَوْجَةُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا) بالعين المهملة والشين المعجمة، سَريْرَهَا الذي وُضِعت عليه وهي ميتةٌ (فَلَا تُزَعْزِعُوهَا) بزايين معجمتين وعينين مهملتين (وَلَا تُزَلْزِلُوهَا) أي: لا تحرِّكوها حركةً شديدةً، بل سيرُوا بها سيرًا وسطًا معتدلًا؛ فإنَّ حُرمتها بعد مَوتها باقيةٌ كحُرمتها في حياتها، وللحَمُّويي «فَلا (٢) تُزعِجُوها» بدل «فلا تزعزعوها» (٣) (وَارْفُقُوا) أي: بها (فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) عند موتِه (تِسْعٌ) من الزَّوجاتِ في عصمتِهِ: سودةُ بنت زمعةَ، وعائشةُ، وحفصةُ، وأمُّ سلمةَ، وزينبُ بنت جحشٍ، وأمُّ حبيبةَ، وجويريةُ، وصفيَّةُ، وميمونةُ (كَانَ يَقْسِمُ لِثَمَانٍ) منهنَّ من المبيتِ عندهنَّ (وَلَا يَقْسِمُ لِوَاحِدَةٍ) منهنَّ، وهي سودةُ وهبَتْ ليلَتَها لعائشةَ.
стр. 9418
ومطابقةُ الحديثِ للتَّرجمةِ ظاهرةٌ، ووجهُ تعليلِ ابن عبَّاسٍ الرِّفق بميمونَةَ بأنَّه كان يقسمُ لثمانٍ ولا يقسمُ لواحدةٍ، التَّنبيهُ على مكانةِ ميمونة من وجهينِ: كونُها زوجَتَه ﷺ ، وأنَّها كانت عنده غير مرغوبٍ عنها؛ لأنها كانَتْ من اللَّاتِي يقسمُ لهنَّ ﵅، وقد كانت سودةُ آخر أمَّهاتِ المؤمنين موتًا.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في «النِّكاح»، والنَّسائيُّ فيه، وفي «عِشرة النِّساء».
٥٠٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) الحنَّاط أبو معاويةَ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) بكسر العين، ابنُ أبي عروبةَ مهران اليشكريُّ البصريُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بنِ دِعامة السَّدوسيِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ (١) عَلَى نِسَائِهِ) أي: يجامعُهنَّ (فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَهُ) يومئذٍ (تِسْعُ نِسْوَةٍ) وفي «كتاب الغسلِ»: «وهنَّ إحدى عشرةَ» [خ¦٢٦٨] لكن قال ابنُ خزيمة: تفرَّد بذلك معاذُ بن هشامٍ عن أبيه، وجمعَ ابنُ حبَّان في «صحيحه» بين الرِّوايتين بحملِ ذلك على حالتينِ.
واختلفَ في ريحانة هل كانَتْ زوجةً أو (٢) سُرِّيَّةً؟ وجزمَ ابن إسحاقَ بأنَّها اختارَتِ البقاءَ في مُلكه، وهل ماتتْ قبلَه ﵊؟ فالأكثرُ على أنَّها ماتت قبلَهُ في (٣) سنة عشر (٤)، وكذا ماتت زينبُ بنتُ خزيمةَ بعد دُخولها عليه بقليلٍ. قال ابنُ عبد البرِّ: مكَثَتْ عندَه شهرَين أو ثلاثَة. قال الحافظُ ابنُ حجر: فعلى هذا لم يجتمعْ (٥) عندهُ من الزَّوجاتِ أكثرُ من تسعٍ، مع أنَّ سودةَ وهبَتْ نوبَتَها لعائشةَ، فرَجَحت روايةُ سعيدٍ -يعني: رواية البابِ- لكن تحملُ رواية هشامٍ على أنَّه
стр. 9419
ضمَّ ماريةَ وريحانةَ إليهنَّ، وأطلق عليهنَّ لفظ نسائهِ تغليبًا.
وبه قال: (وقَالَ لِي خَلِيفَةُ) بن خيَّاط بن خليفةَ، أبو عَمرو العصفريُّ البصريُّ، صاحِب «الطَّبقات» و «التاريخ» أحدُ شُيوخ المؤلِّف: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابنُ أبي عروبةَ (عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وغرضُ المؤلِّف بسياقِه بيانُ تصريحِ قتادةَ بتحديث أنسٍ له بذلك.
٥٠٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحَكَمِ) بفتح الحاء المهملة والكاف (الأَنْصَارِيُّ) المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ رَقَبَةَ) بالراء والقاف والموحدة المفتوحات، ابن مَصْقَلَة، بالميم المفتوحة والصاد المهملة الساكنة والقاف واللام المفتوحين (عَنْ طَلْحَةَ) بن مصرفٍ (اليَامِيِّ) بالتحتية وبعد الألف ميم مخففة (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أنَّه (قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَتَزَوَّجْ، فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ) أي: أمته (١) ﷺ (أَكْثَرُهَا نِسَاءً) لأنَّه كانَ له تسعُ نسوة، والتَّقييدُ بهذه الأمَّةِ ليخرج مثل سليمانَ ﵇ لأنَّه كان أكثرَ نساء. وقيل: المعنى خير أمَّة محمَّدٍ من كان أكثرَ نساءً من غيرهِ، ممَّن يتساوى معهُ فيما عدَا ذلك من الفضائلِ.
(٥) هذا (بابٌ) بالتنوين: (مَنْ هَاجَرَ) إلى دار الإسلامِ (أَوْ عَمِلَ خَيْرًا) كصلاةٍ، أو حجٍّ، أو صدقةٍ، أو هجرةٍ (لِتَزْوِيجِ امْرَأَةٍ) قال الكِرْمانيُّ: ليجعلها زوجةَ نفسهِ، أو التَّفعيل بمعنى التَّفعُّل، واللَّام للتَّعليل (٢) (فَلَهُ مَا نَوَى).
стр. 9420
٥٠٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزاي والعين المهملة، الحجازيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الحَارِثِ) التَّيميِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ) اللَّيثيِّ (عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ (١) النَّبِيُّ ﷺ : العَمَلُ) صحيحٌ، أو صحَّةُ العمل (بِالنِّيَّةِ) بالإفراد فيهما، فـ «العملُ» مبتدأٌ، والخبرُ الاستقرارُ الَّذي يتعلَّقُ به حرفُ الجرِّ، فإن قلتَ: العاملُ المقدَّرُ في المجرورِ يقتضِي النَّصبَ، وقد قيل: إنَّه الخبرُ، فكيف يكونُ في محلِّ نصبٍ؟ وأُجيب بأنَّ الَّذي في موضعِ النَّصب قوله: «بالنيَّة (٢)» لأنَّه المفعولُ الَّذي وصلَ إليه العاملُ بواسطةِ الباءِ، والَّذي في موضعِ الرَّفع مجموعٌ بالنيَّةِ لأنَّه الَّذي نابَ عن الاستقرارِ، وكذلك القول في كلِّ مبتدأ خبرُه ظرفٌ أو مجرورٌ، نحو قولك: زيدٌ في الدَّارِ، وزيدٌ عندكَ، ولفظُ «إنَّما» ساقطٌ (٣) هنا، والباءُ في «بالنيَّة» للإلصاقِ لأنَّ كلَّ عملٍ تلصقُ (٤) به نيَّتُه (٥)، أو للسببيَّةِ بمعنى: أنَّها مقوِّمةٌ للعملِ، فكأنَّها سببٌ في إيجادِه، وسبقَ مزيدُ بحث في ذلك أوَّل الكتابِ [خ¦١] (وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ) رجلٍ أو امرأةٍ (مَا نَوَى) هذه الجملةُ مؤكِّدةٌ للسَّابقةِ، أو مفيدةٌ غير ما أفادتهُ الأُولى لأنَّ الأُولى نبَّهت على أنَّ العمل يتبعُ النيَّة ويُصاحبُها، فيترتَّب الحكمُ على ذلك، والثَّانيةُ أفادَتْ أنَّ العاملَ لا يحصلُ له إلَّا ما نَواه. وقال ابنُ عبد السَّلام: الأولى لبيان ما يعتبرُ من الأعمالِ، والثَّانيةُ لبيانِ ما يترتَّبُ عليها، وأفادَتْ أنَّ النيَّة إنَّما تشترطُ في العباداتِ الَّتي لا تتميَّزُ بنفسِها، وأمَّا ما يتميَّزُ بنفسهِ فإنَّه ينصرفُ بصورتهِ إلى ما وُضع له، كالأذكارِ والأدعيةِ والتلاوةِ لأنَّها لا تتردَّدُ بين العبادَةِ
стр. 9421
والعادة، ولا يخفى أنَّ ذلك إنَّما هو بالنَّظر إلى أصلِ الوضعِ، أمَّا ما حدثَ فيه عُرْف كالتَّسبيحِ لمتعجِّبٍ فلا، ومع ذلك فلو قصدَ بالذِّكرِ القربة إلى اللهِ تعالى لكانَ أكثر ثوابًا، ولذا قال في «الإحياء»: حركةُ اللِّسان بالذِّكر معَ الغفلةِ عنه يحصلُ الثَّوابُ؛ لأنَّه (١) خيرٌ من حركةِ اللِّسان بالغيبةِ، بل هو (٢) خيرٌ من السُّكوت مُطلقًا، أي: المجرَّد عن التفكُّرِ. قال: وإنَّما هو ناقصٌ بالنِّسبة إلى عملِ القلبِ (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) أي: إلى طاعةِ اللهِ، أو إلى عبادةِ الله، من مكَّة إلى المدينةِ قبل الفتحِ (فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) جواب الشَّرط (٣)، وجوابُ الشَّرط إذا كان جملةً اسميَّةً فلا بدَّ من «الفاء» أو «إذا» كقوله تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] والفاء في جوابِ الشَّرط للسببيَّةِ أو التَّعقيب، وظاهره اتِّحاد الشَّرط مع الجزاءِ، والقاعدةُ اختلافهما، نحو: من أطاعَ اللهَ أثيبَ، ومن عصاهُ عوقبَ، واتِّحادُهما غيرُ مفيدٍ لأنَّه من تحصيلِ الحاصلِ، وأجابَ ابنُ دقيق العيد بأنَّ التقديرَ: فمن كانَت هجرتُه إلى الله ورسولهِ نيَّةً وقصدًا فهجرتُهُ إلى الله ورسوله ثوابًا وأجرًا، حكمًا وشرعًا.
قال ابنُ مالك: من ذلك قوله ﷺ في حديث حذيفةَ: «ولو مُتَّ متَّ على غيرِ الفِطرةِ» [خ¦٧٩١] وجازَ ذلك لتوقُّفِ الفائدةِ على الفضلةِ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] فلولا قوله في الأوَّل: «على غيرِ الفِطرةِ» وفي الثَّاني: ﴿لِأَنفُسِكُمْ﴾ ما صحَّ، ولم يكُن في الكلامِ فائدةٌ.
قال في «العدَّة» (٤): وإعرابُ «قصدًا ونيَّةً» يصحُّ أن يكون خبر كان، أي: ذات قصدٍ وذات نيَّةٍ، وتتعلَّقُ «إلى» بالمصدرِ، ويصحُّ أن يكون: «إلى اللهِ» الخبر، و «قصدًا» مصدر في موضع الحالِ، وأما قوله: «ثوابًا» فلا يصحُّ فيهِ إلَّا الحال من الضَّمير في الخبرِ. انتهى.
وأعادَ المجرور ظاهرًا لا مضمرًا لأنَّه لم يقل: فهجرتُه إليهما، ولم يذكُره بلفظِ الموصول
стр. 9422
كالَّذي بعدَهُ لقصدِ الاستلذَاذِ بذكرِ الله ورسولهِ، بخلافِ الدُّنيا والمرأة فإنَّ الاحتقارَ والإبهامَ فيهما أولى.
(وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا) يحصِّلها، استعارةٌ من إصابَةِ الغرضِ، والدُّنيا عند المتكلِّمينَ ما على الأرضِ والهواء، والأظهرُ أنَّها كلُّ مخلوقٍ من الجواهِر والأعراض الموجودة قبلَ الدَّار الآخرةِ، وقيل (١): المرادُ بها في الحديثِ المال ونحوهُ بدليلِ ذكرِ المرأةِ في قوله: (أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا) وإفرادُهَا بعدَ دخولهَا (٢) في لفظِ «دنيَا» من باب ذكر الخاصِّ بعد العامِّ؛ لأنَّ الواقعةَ المذكورة في قصَّةِ المهاجر لتزويجِ امرأةٍ، فذكرتِ الدُّنيا مع القصَّةِ زيادة في التَّحذير. قالوا: وفيه ردٌّ على ابن مالك حيث زعمَ في «شرح عمدته»: أنَّ عطفَ الخاصِّ على العامِّ لا يكون إلَّا بالواوِ، والقصَّةُ المذكورةُ رواها سعيدُ بن منصور بإسنادٍ صحيحٍ على شرط الشَّيخين. قال: حدثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن شقيقٍ (٣)، عن عبدِ الله -هو ابنُ مسعودٍ- قال: من هاجرَ يبتغِي شيئًا فإنَّما له ذلك. هاجَرَ رجلٌ ليتزوَّجَ امرأةً يقال لها: أمُّ قيسٍ، فكان يقال له: مهاجر أمِّ قيسٍ. وليس فيه أنَّ حديث الأعمال سيقَ بسبب (٤) ذلك (فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) من الدُّنيا والمرأة حكمًا وشرعًا، كما مرَّ بما فيه من البحثِ أوَّلًا، أو الخبرُ محذوفٌ في الثَّاني، والتَّقديرُ: فهجرتُه إلى ما هاجر إليهِ من الدُّنيا والمرأة قبيحةٌ غيرُ صحيحةٍ، أو غيرُ مقبولةٍ، ولا نصيبَ له في الآخرةِ، وعورضَ بأنَّه يقتضِي أن تكون الهجرةُ مذمومةً مطلقًا، وليس كذلك، فإنَّ (٥) من ينوِي (٦) بهجرتهِ مفارقةَ دارِ الكفرِ وتزوُّج المرأةِ معًا فلا تكونُ قبيحةً ولا غيرَ
стр. 9423
صحيحةٍ بل هي ناقصةٌ بالنِّسبةِ إلى من كانَت هجرتُهُ خالصةً، وإنَّما أشعَرَ السِّياقُ بذمِّ من فعلَ ذلك بالنِّسبةِ إلى من طلبَ المرأةَ بصورةِ الهجرةِ الخالصةِ، فأمَّا من طلبَها مضمومةً إلى الهجرةِ فإنَّه يثابُ، لكن دونَ ثوابِ من أخلصَ، وكذا من طلبَ التَّزويجَ فقط لا على صورةِ الهجرةِ إلى اللهِ لأنَّه من الأمر المباحِ الَّذي قد يُثابُ فاعلهُ إذا قصدَ به القربةَ كالإعفافِ، كما وقع في قصَّة إسلام أبي طلحةَ المرويَّةِ عند النَّسائيِّ عن أنسٍ قال: تزوَّجَ أبو طلحةَ أمَّ سليم، فكان صداقَ ما بينهما الإسلامُ. أسلمَت أمُّ سليمٍ قبل أبي طلحةَ، فخطَبها فقالتْ: إنِّي قد أسلمتُ، فإن أسلمتَ تزوجتُكَ، فأسلمَ فتزوَّجتهُ.
قال في «الفتح»: وهو محمولٌ على أنَّهُ رغبَ في الإسلامِ ودخلهُ من وجههِ، وضمَّ إلى ذلكَ إرادة التَّزويجِ المباحِ، فصارَ كمَن نَوى بصومهِ العبادة والحميةَ، وأمَّا إذا نَوى العبادةَ وخالطها شيءٌ ممَّا يغايرُ الإخلاصَ فقد نقلَ أبو جعفر بن جريرٍ الطَّبريُّ عن جمهورِ السَّلف أنَّ الاعتبارَ بالابتداءِ، فإن كان في ابتدائهِ للهِ خالصًا لم يضرُّهُ ما عرضَ له بعد ذلكَ من إعجابٍ وغيرهِ، والله أعلم.
(٦) (باب تَزْوِيجِ المُعْسِرِ) الَّذي ليس معهُ شيءٌ من المالِ (الَّذِي مَعَهُ القُرْآنُ وَالإِسْلَامُ، فِيهِ) أي: في البابِ (سَهْلٌ) السَّاعديُّ الأنصاريُّ، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرٍ: «سهلُ بن سعدٍ ﵁» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) السَّابق موصولًا في «بابِ القراءةِ عن ظهرِ قلبٍ». في قصَّةِ الواهبَةِ نفسَها [خ¦٥٠٣٠] وقوله ﵊ للرَّجل الَّذي قال: يا رسولَ الله، إن لم يكُن لكَ بها حاجة فزوِّجنيهَا: «اذهَبْ إلى أهلِكَ فانظُر هل تجدُ شيئًا» فذهبَ ثمَّ رجعَ، فقال: لا واللهِ يا رسولَ الله، ولا خَاتمًا من حديدٍ، وقوله ﵇ له: «ماذا معَكَ من القرآنِ؟» قال: مَعي سورةُ كذا وكذا -لسورٍ عدَّها- قال: «أتقرأَهُنَّ عن ظهرِ قلبِكَ؟» قال: نعم، قال: «اذهَبْ فقدْ مَلَّكتُكَها بما معَكَ من القرآنِ» [خ¦٥١٢٦].
стр. 9424
٥٠٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العنزيُّ الحافظُ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي خالد سعدٍ البجليُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (قَيْسٌ) هو ابن أبي حازمٍ عوفٍ (١) الأحمسيُّ (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام (نَسْتَخْصِي) لتزولَ عنَّا شهوةُ الجماعِ (فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ) لما فيه من ضررِ النَّفسِ، وقطعِ النَّسلِ المقصودِ بالنِّكاحِ شرعًا.
ومطابقةُ الحديثِ للتَّرجمة -كما قال ابنُ المنيِّر-: أنَّه ﵊ نهاهُم عن الاستخصَاءِ ووكلهُم إلى النِّكاحِ، فلو كان المعسرُ لا ينكحُ -وهو ممنوعٌ من الاستخصَاءِ- لكلِّفَ شَطَطًا، وكان كلٌّ منهم لا بدَّ وأن يحفظَ شيئًا من القرآنِ، فتعيَّنَ التَّزويجُ بما معهُم من القرآنِ، فحكم التَّرجمةِ من حديثِ سهل بالتَّنصيصِ، ومن حديثِ ابن مسعودٍ بالاستدلالِ.
وهذا الحديثُ قد سبق في «التفسير» [خ¦٤٦١٥].
(٧) (بابُ قَوْلِ الرَّجُلِ لأَخِيهِ: انْظُرْ أَيَّ زَوْجَتَيَّ) بتشديد الياء (شِئْتَ حَتَّى أَنْزِلَ لَكَ عَنْهَا) بفتح الهمزة وكسر الزاي، أي: أطلِّقها، فإذا انقضَت عدَّتُها تزوَّجَها (رَوَاهُ) أي: المذكورُ في التَّرجمة (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) كما سبق موصولًا في «البيع» [خ¦٢٠٤٨].
стр. 9425
٥٠٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلثة (١) العبديُّ (٢) (عَنْ سُفْيَانَ) الثوريِّ (عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) من مكَّةَ إلى المدينة مُهاجرًا (فَآخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ) بسكون عين سعد (وَعِنْدَ الأَنْصَارِيِّ امْرَأَتَانِ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ) أي: على عبد الرَّحمن (أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، فَقَالَ) له عبدُ الرَّحمن: (بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي (٣) عَلَى السُّوقِ، فَأَتَى السُّوقَ فَرَبِحَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَشَيْئًا مِنْ سَمْنٍ، فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ أَيَّامٍ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ) بفتح الواو والضاد المعجمة وبالراء، لطخٌ من خلوقٍ (٤) (مِنْ صُفْرَةٍ، فَقَالَ) ﵊ (٥): (مَهْيَمْ) بفتح الميم وسكون الهاء وفتح الياء بعدها ميم ساكنة، أي: ما حالُكَ وما شأنُكَ (يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالَ: تَزَوَّجْتُ) يا رسول الله (أَنْصَارِيَّةً. قَالَ: فَمَا سُقْتَ؟) زاد أبو ذرٍّ عن المُستملي: «إليهَا» (قَالَ): سقتُ إليها (وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ) خمسة دراهم (قَالَ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ).
وهذا الحديث قد مرَّ في «البيع» [خ¦٢٠٤٩].
(٨) (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّبَتُّلِ) بموحدة بين فوقيتين ثانيتهما مشدودة، أي: الانقطاعُ عن النِّساءِ وتركُ التَّزويجِ للعبادةِ (وَالخِصَاءِ) بكسر الخاء (٦) المعجمة والمد؛ وهو الشَّقُّ على الأُنثيين وانتزَاعُهما.
стр. 9426
٥٠٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) التَّميميُّ (١) اليربوعيُّ الكوفيُّ (٢) قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بنِ عبد الرَّحمن بن عوفٍ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمد بنُ مسلمٍ أنَّه (سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ يَقُولُ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: رَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ) بالظاء المعجمة الساكنة (التَّبَتُّلَ) أي: ردَّ عليه اعتقادَ مشروعيَّةِ التبتُّلِ، كأنَّه لمَّا رآه عبادةً وليس كذلك ردَّهُ عليه لأنَّ كلَّ ما يفعلهُ العبدُ تقرُّبًا إلى الله تعالى بقصدِ أن يتوصَّل به إلى رضَا الله ورسولهِ وليس من الشَّرعِ فهو مردودٌ، فردَّ ﷺ ما كان من ذلك خارجًا عن شرعِهِ وسنَّتِه، ولم يأذَن له (وَلَوْ أَذِنَ) ﷺ (لَهُ) أي: لابن مظعونٍ في ترك النِّكاح (لَاخْتَصَيْنَا) افتعالٌ من خصيته، سللتُ خصيتَهُ فهو خصيٌّ -بفتح أوَّلهِ- ومخصيٌّ، أي: لفعلنَا فعلَ من يختصِي بأن نفعلَ ما يزيلُ الشَّهوةَ، وليس المرادُ إخراجُ الخصيتينِ لأنَّهُ حرامٌ، أو هو على ظاهرِهِ، وكان قبلَ النَّهي عن الاختصَاءِ.
التبتُّل: تركُ نكاحِ النِّساءِ للانقطاعِ لعبادةِ الله (٣).
قال في «الفتح»: ويؤيِّدهُ تواردُ استئذانِ جماعةٍ من الصَّحابةِ النَّبيَّ ﷺ في ذلك، كأبي هريرةَ وابنِ مسعودٍ وغيرهما. قال في «شرح المشكاة»: وكان من حقِّ الظَّاهرِ أن يقال: لو أذِنَ له (٤) لتبتَّلنَا، فعدلَ إلى قوله: اختصينا؛ إرادةً للمبالغةِ، أي: لو أذنَ لنا بالغنا في التَّبتُّلِ حتى يفضِي بنا الأمرُ إلى الاختصاءِ، ولم يُردْ حقيقةَ الاختصاءِ لأنَّه غيرُ جائزٍ. قال في «الفتح»: وإنَّما كان التَّعبيرُ بالخصاءِ أبلغَ من التَّعبيرِ بالتَّبتُّلِ لأنَّ وجودَ الآلةِ يقتضِي استمرارَ وجودِ الشَّهوةِ، ووجودُ الشَّهوةِ ينافي المراد من التَّبتُّلِ، فيتعيَّنُ الخصاءُ طريقًا إلى تحصيلِ المطلوبِ، وغايتُه أنَّ فيه ألمًا عظيمًا في العاجِل، يغتفرُ في جنبِ ما يندفعُ به في الآجلِ، فهو كقطعِ الأصبعِ إذا وقعَت في اليدِ المتأكلَةُ (٥) صيانةً لبقيَّةِ اليدِ، وليسَ الهلاكُ بالخصاءِ محقَّقًا بل هو نادرٌ.
стр. 9427
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «النِّكاح».
٥٠٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلمِ ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: لَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ) أي: اعتقادُ مشروعيَّةِ التبتُّل (-يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ على عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُون) ثبت «ابن مظعونٍ» لأبي الوقتِ (وَلَوْ أَجَازَ) ﷺ (لَهُ التَّبَتُّلَ لَاخْتَصَيْنَا) لدفعِ شهوةِ النِّساءِ ليُمكننا التَّبتُّل حينئذٍ، ولعلَّهُم كانوا يظنُّونَ جوازَهُ، ولم يكُن هذا الظنُّ مُوافقًا، فإنَّ الاختصاءَ حرامٌ في الآدميِّ وغيره من الحيواناتِ إلَّا المأكولُ، فيجوزُ في صغرهِ ويحرُمُ في كبرِه.
٥٠٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميدِ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ البجليِّ (عَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازمٍ أنَّه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁: (كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَيْسَ لَنَا شَيْءٌ) من المالِ (فَقُلْنَا) أي: لرسول الله ﷺ : (أَلَا نَسْتَخْصِي) أي: ألا نستدعِي من يفعلُ بنا الخصَاء، أو نعالجُ ذلك بأنفُسِنا؟ (فَنَهَانَا) ﷺ (عَنْ ذَلِكَ) نهي تحريمٍ لِمَا فيه من تعذيبِ النَّفسِ، والتَّشويهِ، وإبطالِ معنى الرُّجوليَّةِ، وتغيير خلقِ الله، وكفر النِّعمةِ لأنَّ خلقَ الشَّخصِ رجلًا من النِّعمِ العظيمةِ، فإذا أزالَ ذلك فقد تشبَّه بالمرأةِ، واختارَ النَّقصَ على الكمالِ (ثُمَّ رَخَّصَ) ﵊ (لَنَا) بعد ذلك (أَنْ نَنْكِحَ المَرْأَةَ بِالثَّوْبِ) أي: إلى أجلٍ في نكاحِ المتعةِ (ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا) أي: عبد الله بن مسعودٍ كما في روايةِ مسلمٍ، وكذا الإسماعيليُّ في تفسير المائدة: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ﴾)
стр. 9428
ما طابَ ولذَّ من الحلالِ، ومعنى ﴿لَا تُحَرِّمُواْ﴾ لا تمنَعُوها (١) أنفسكُم كمنعِ التَّحريمِ، أو (٢) لا تقولوا: حرَّمناها على أنفُسنا مبالغة منكُم في العزمِ على تركِها تزهُّدًا منكُم وتقشُّفًا. وعن ابن مسعودٍ أنَّ رجلًا قال له: إنِّي حرَّمتُ الفراشَ، فتلا هذه الآية، وقال: نَم على فراشكَ، وكفِّر عن يمينكَ. ودُعيَ الحسنُ إلى طعامٍ ومعهُ فَرْقدٌ السَّبخيُّ وأصحابه (٣) فقعدُوا على المائدةِ وعليها ألوانٌ من الدَّجاجِ المسمَّنِ والفالوذَج وغير ذلك، فاعتزَلَ فرقدٌ ناحيةً، فسألَ الحسنُ: أهو صائمٌ؟ قالوا: لا، ولكنَّه يكرهُ هذه الألوانَ، فأقبلَ الحسنُ عليه وقال: يا فُريقِد (٤)، أترى لُعابَ النَّحلِ بلبابِ البرِّ بخالصِ السَّمنِ يعيبُهُ مسلمٌ؟ (﴿وَلَا تَعْتَدُواْ﴾) أي: لا تَتجاوزُوا الحدَّ الذي حدَّ عليكُم في تحريمٍ أو تحليلٍ، أو ولا تتعدوا حدودَ ما أحلَّ لكُم إلى ما حرَّمَ عليكُم (﴿إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧]) حدُودَه. قال الرَّاغب: لمَّا ذكر الله تعالى حالَ الَّذين قالُوا: إنَّا نَصارى، ذكر أنَّ منهم قسِّيسينَ ورُهبانًا، فمدحَهم بذلك، وكانَت الرُّهبان (٥) قد حرَّمُوا على أنفُسهم طيِّباتِ ما أحلَّ اللهُ لهم، ورأى الله تعالى قومًا تشوَّفُوا إلى حالِهِم وهمُّوا أن يقتدُوا بهم نهاهُم عن ذلك.
فإن قلتَ: لِمَ لم يقل: واللهُ يبغضُ المعتدينَ ليكونَ أبلغَ (٦)؟ أُجيب بل (٧) المذكورُ أبلغُ لأنَّ من المعتدينَ من لا يوصفُ بأنَّ اللهَ يبغضهُ، ويوصفُ بأنَّ اللهَ لا يحبُّهُ، وهو من لم يكُن اعتداؤهُ (٨)
стр. 9429
كثيرًا. قال في «الفتح»: فظاهِرُ (١) استشهادِ ابن مسعودٍ بهذه الآية هنا يشعرُ بأنَّه كانَ يرى جواز (٢) المتعةِ، ويأتي إن شاء الله تعالى البحثُ في ذلك بعونِ الله تعالى وقوَّته.
٥٠٧٦ - (وَقَالَ أَصْبَغُ) بن الفرَجِ، ورَّاقُ عبدِ الله بن وهبٍ، فيما وصلهُ جعفرُ الفريابيُّ في «كتاب القدر»، والجوزقيُّ في «الجمع بين الصحيحين»: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبدُ الله (عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ) الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمنِ بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ، وَأَنَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وإنِّي» (أَخَافُ عَلَى نَفْسِي العَنَتَ) بفتح العين المهملة والنون الفوقية، أي: الزِّنَا (وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ) زاد في روايةِ حرملةَ: «فائذَنْ لي أختَصِي» (فَسَكَتَ) ﷺ (عَنِّي، ثُمَّ (٣) قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، جَفَّ القَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ) أي: نفذَ المقدورُ بما كُتبَ في اللَّوحِ المحفوظِ، فبقيَ القلَمُ الَّذي كتبَ به جافًّا لا مدادَ فيه لفراغِ ما كتبَ به (فَاخْتَصِ) بكسر الصاد المهملة المخففة، أمرٌ من الاختصاءِ (عَلَى ذَلِكَ) أي: فاختصِ حال استعلائكَ على العلمِ (٤) بأنَّ كلَّ شيءٍ بقضاءِ اللهِ وقدرهِ، فالجار والمجرور متعلِّقٌ بمحذوفٍ (أَوْ ذَرْ) أي: اتركْ، وفي روايةِ الطَّبري: «فاقتصر» بالراء بعد الصاد، ومعناه -كما في «شرح المشكاة» -: اقتصِرْ على الَّذي أمرتُكَ به، أو اتركهُ وافعَلْ ما ذكرتَ (٥) من
стр. 9430
الخصاءِ، وعلى الرِّوايتين فليسَ الأمرُ فيه لطلبِ الفعلِ، بل هو للتَّهديدِ كقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
(٩) (بابُ نِكَاحِ الأَبْكَارِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبدُ الله بن عبيدِ الله بن أبي مليكةَ، واسمهُ: زُهير الأحولُ المكيُّ، فيما وصلهُ المؤلِّف في «تفسير سورة النور» [خ¦٤٧٥٣]: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِعَائِشَةَ) ﵃: (لَمْ يَنْكِحِ النَّبِيُّ ﷺ بِكْرًا غَيْرَكِ) والبكرُ: هي الَّتي لم تُوطأْ.
٥٠٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) هو: ابنُ أبي أويسٍ القُرَشيُّ (١) التَّيميُّ، ابن أختِ الإمام مالكِ بن أنسٍ، وصهرُهُ على ابنتِه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) عبدُ الحميد بن أبي بكرٍ الأعشَى (٢) (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن بلالٍ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني (لَوْ نَزَلْتَ وَادِيًا وَفِيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْهَا) بضم الهمزة وكسر الكاف (وَوَجَدْتَ شَجَرةً لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهَا) بالإفراد في «شجرة» في الموضعين. وقال في «الفتح»: وفي رواية أبي ذرٍّ: «وفيهِ شجرةٌ قد أكلَ منها، ووجدتَ شجرًا» يعني: بالإفرادِ في الأُولى والجمع في الثانية. قلتُ: وهو الَّذي في «اليونينية»
стр. 9431
من غير عزوٍ لروايةٍ (١). وذكره الحميديُّ بلفظ: «فيهِ شجرٌ قد أكلَ منهَا» وكذا (٢) في «مستخرج أبي نُعيم» بلفظ الجمع، وهو أصوبُ لقولها: (فِي أَيِّهَا) أي: في أي الشَّجرِ (كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَكَ؟) بضم أوَّله وكسر ثالثهِ، ولو أرادَتِ الموضعينِ لقالت: في أيِّهما (٣) (قَالَ) ﷺ : أرتَع (فِي) الشَّجر (الَّتِي لَمْ يُرْتَعْ مِنْهَا) بضم التحتية وفتح الفوقية والراء بينهما ساكنة، وزاد أبو نُعيم: «فأَنَا هِيَه» بكسر الهاء وفتح التحتية وسكون الهاء، وهي للسَّكت (يَعْنِي) بالتحتية في الفرع، وبالفوقية في غيره وهو الذي في «اليونينية» (٤) أي: عائشة (٥) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا) وهذا فيه غايةُ بلاغةِ عائشةَ وحسنِ تأنِّيها في الأمورِ كما قاله في «الفتح»، وما أحسن قول الحريريِّ في تفضيل البكرِ حيث قال: أمَّا البِكرُ فالدُّرَّةُ المخزونَةُ، والبيضَةُ المكنونَةُ، والثَّمرةُ الباكورَةُ، والسُّلافةُ المدخورَةُ، والرَّوضةُ الأُنُفُ، والطَّوقُ الذي ثمُنَ وشرُفَ، لم يدنِّسهَا لامسٌ، ولا استغشَاهَا لابسٌ، ولا مارسَها عابِثٌ، ولا واكسَهَا (٦) طامِثٌ، لها الوجهُ الحييُّ (٧)، والطَّرفُ الخفيُّ، والغزالَةُ المغازلةُ، والملْحَةُ الكاملةُ، والوشَاحُ الطَّاهرُ القشيبُ، والضَّجيعُ الَّذي يشبُّ ولا يشيبُ.
٥٠٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) القرشِيُّ الهباريُّ، من ولدِ هبَّارِ بن الأسودِ الكوفيُّ، وكان اسمه: عبد الله، وعبيدٌ لقبٌ غلبَ عليه وعرف به، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّادُ بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بن الزُّبيرِ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
стр. 9432
أُرِيتُكِ) بضم الهمزة وكسر الراء والكاف (فِي المَنَامِ مَرَّتَيْنِ إِذَا رَجُلٌ) ملكٌ في صورةِ رجل، وفي التِّرمذيِّ: أنَّه جبريلُ (يَحْمِلُكِ) أي: صورتكِ (فِي سَرَقَةِ حَرِيرٍ) بفتح السين والراء المهملتين ثم قاف، أي: قطعة حريرٍ (فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ) زاد ابن حبَّان: «في الدُّنيا والآخرة» (فَأَكْشِفُهَا) أي: السَّرَقةُ (فَإِذَا هِيَ) أي: الصُّورةُ الَّتي في السَّرقةِ (أَنْتِ، فَأَقُولُ: إِنْ يَكُنْ هَذَا) الَّذي رأيتُهُ (مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ) بضم أوله مِنَ الإمضَاءِ، وهو الإنفاذُ (١).
فإن قلتَ: رؤيَا الأنبياءِ وحيٌ، فما معنى قوله: إن يكُن؟ أُجيب باحتمالِ أن تكونَ هذه الرُّؤيَا قبلَ النبوَّةِ وبعدَها، فعلى الأوَّل لا إشكالَ، وعلى الثَّاني فلها (٢) ثلاثةُ أوجهٍ: أن (٣) تكونَ على ظاهرِهَا فلا تحتاجُ إلى تعبيرٍ (٤)، فسيُمضيها الله تعالى ويُنجِزُها، أو تحتاجُ إلى تعبيرٍ وتفسيرٍ وصرفٍ عن ظاهرها، كأن يخرجَ على مثالِها كأُختِها أو قريبَتِها أو سميَّتها، فالشكُّ عائدٌ إلى أنَّها على ظاهرها أو تحتاجُ إلى تعبيرٍ. أو المراد إن كانت هذهِ الزوجيَّةُ في الدُّنيا أو (٥) في الآخرةِ. أو لم يَشُكَّ (٦)، ولكن أخبرَ على التَّحقيقِ وأتَى بصورةِ الشَّك، وهذا نوعٌ من أنواعِ البلاغةِ يسمَّى: مزج الشَّكِّ باليقينِ، قاله القاضي عياضٌ.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التعبير» [خ¦٧٠١١]، ومسلم في «الفضائل»، ونقل في «المصابيح» عن ابن المنيِّرِ: أنَّ من خصائصِ عائشةَ ﵂ أنَّها وُلدَت مسلمةً بإسلامِ أبيها قبل ولادَتِها. قال: وهذا لازمٌ لأهلِ السِّير والتَّواريخ فيما ينقلونَهُ، ولم أرَ أحدًا انتزعهُ قبلَ ذلك، والله أعلم.
(١٠) (بابُ الثَّيِّبَاتِ) اللَّاتي تزوَّجنَ، ولأبي ذرٍّ: «باب تَزويجِ الثَّيباتِ» (وَقَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ) أمُّ المؤمنينَ رملةُ بنتُ أبي سفيانَ الأمويُّ، ممَّا وصله في: «باب ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]»
стр. 9433
الآتي إن شاء الله تعالى [خ¦٥١٠١] (قَالَ النَّبِيُّ) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ والأَصيليِّ وابنِ عساكرٍ: «قالَ لِي النَّبيُّ» (¬ ﷺ ¬) مُخاطبًا لأزواجِهِ: (لَا تَعْرِضْنَ) بفتح التاء وسكون العين المهملة وكسر الراء وسكون الضاد المعجمة (١) مصحَّحًا عليها في الفرع (عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ) لحرمتهنَّ لأنَّهنَّ ربائِبُه، وهو يحقِّقُ أنَّه ﵊ تزوَّجَ الثَّيبَ ذاتَ البنتِ من غيرهِ، فحصلتِ المطابقةُ بين الحديث والتَّرجمة.
٥٠٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمد بن الفضلِ السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة، ابنُ بُشَير -بضم الموحدة وفتح الشين المعجمة- قال: (حَدَّثَنَا سَيَّارٌ) بفتح السين المهملة وتشديد التحتية، ابنُ أبي سيارٍ (٢)، واسمهُ: وردان العنزيُّ الواسطيُّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامرِ بن شراحيلَ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ ﵄ أنَّه (قَالَ: قَفَلْنَا) رجعنا (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ (٣) مِنْ غَزْوَةٍ) هي غزوةُ تبوكَ (فَتَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ لِي قَطُوفٍ) بفتح القاف، أي: بطيءٍ (فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ مِنْ خَلْفِي، فَنَخَسَ بَعِيرِي بِعَنَزَةٍ) عصًا طويلةٌ أقصرُ من الرُّمحِ (كَانَتْ مَعَهُ، فَانْطَلَقَ بَعِيرِي كَأَجْوَدِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ الإِبِلِ) بتنوين راءٍ (فَإِذَا) هو (النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ) لي: (مَا يُعْجِلُكَ؟) بضم التحتية وسكون العين وكسر الجيم، أي: ما سبَبُ إسراعِكَ (قُلْتُ: كُنْتُ حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرُسٍ) بضم العين والراء المهملتين في الفرع كأصله، وفي نسخةٍ بسكون الراء، أي: قريب البناءِ بامرأةٍ (قَالَ) ﷺ : أتزوَّجتَ (بِكْرًا) ولأبي ذرٍّ: «أبِكرًا» بإثبات همزة الاستفهام (أَمْ) تزوَّجتَ (ثَيِّبًا؟ قُلْتُ): هي (ثَيِّبٌ) ولأبي ذرٍّ: «ثيِّبًا» بتقديرِ: تزوَّجتَ
стр. 9434
(قَالَ) ﵊: (فَهَلَّا) تزوَّجتَ (جَارِيَةً) بكرًا (تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ) وعند الطَّبرانيِّ من حديث كعبِ بن عجرةَ: أنَّهُ ﷺ قال لرجلٍ … فذكر الحديثَ نحو حديثِ جابرٍ، وفيه: «تَعضُّهَا وتَعضُّك» وكلمةُ هلَّا للتَّحضِيضِ (قَالَ) جابرٌ: (فَلَمَّا ذَهَبْنَا لندخُلَ) المدينةَ (قَالَ) ﵊: (أَمْهِلُوا) بهمزة قطع (١) (حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا -أَيْ: عِشَاءً-) قال الحافظُ ابن حجرٍ: وهذا يعارضُهُ الحديثُ الآخرُ الآتي قبيلَ «أبوابِ الطَّلاق»: «لا يطرقْ أحدُكُم أهلَهُ ليلًا» [خ¦٥٢٤٤] وهو من طريق الشَّعبي عن جابرٍ أيضًا، ويُجْمَعُ بينهما بأنَّ الَّذي في البابِ لمَن علمَ خبر مجيئِهِ، والعلمُ بوصوله، والآتي لمن قدمَ بغتةً (لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ) بفتح الشين المعجمة وكسر العين المهملة وفتح المثلثة، المنتشرةُ الشَّعر، المغبرةُ الرَّأسِ الغيرُ متزيِّنةِ (وَتَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ) بضم الميم وكسر الغين المعجمة وسكون التحتية بعدها موحدة، أي: تستعملُ الحديدةَ -وهي الموسى- في إزالَةِ (٢) الشَّعرِ، من غَابَ عنها زوجُها، أي: لأن تتهيَّأَ وتتزيَّنَ لزوجِهَا بامتشَاطِ الشَّعرِ (٣) وتنظيف البدنِ.
وهذا الحديث قد سبق مطوَّلًا ومختصرًا في «البيوع» [خ¦٢٠٩٧] و «الاستقراض» [خ¦٢٣٨٥] و «الشروط» [خ¦٢٧١٨] و «الجهاد» [خ¦٢٩٦٧].
٥٠٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاجِ قال: (حَدَّثَنَا مُحَارِبٌ) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وبعد الألف راء مكسورة فموحدة، ابن دِثَار -بكسر الدال
стр. 9435
المهملة وفتح المثلثة آخره راء- السَّدوسيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يَقُولُ: تَزَوَّجْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا تَزَوَّجْتَ؟ فَقُلْتُ): يا رسول الله (تَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا. فَقَالَ) ﷺ : (مَا لَكَ وَلِلْعَذَارَى) بالذال المعجمة، أي: الأبكارُ (وَلِعَابِهَا؟) بكسر اللام مصدرٌ من الملاعَبةِ، يقالُ: لاعبَ لِعَابًا ومُلاعبةً. قال في «الفتح»: وفي رواية المُستملي: «ولُعَابها» بضم اللام، والمراد به الرِّيقُ، وفيه إشارة إلى مصِّ لسَانِها ورَشفِ شَفَتِها، وذلك يقعُ عند الملاعَبةِ والتَّقبيل، وليس ببعيدٍ كما قاله القرطبيُّ، يؤيِّدهُ أنَّه بمعنى آخر غير المعنى الأول، وعند ابن ماجه: «عَليكُم بالأبكَارِ، فإنَّهنَّ أعذَبُ أفواهًا، وأَنتقُ أَرحَامًا» بنون وفوقية، أي: أكثرُ حركةً. قال محارب: (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) وهو قوله: «ما لكَ وللعَذَارَى» (لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، فَقَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ) تعليل لتزويجِ البكرِ لما فيهِ من الإلفَةِ التَّامَّةِ، فإنَّ الثيِّبَ قد تكونُ متعلِّقةَ القلبِ بالزَّوجِ الأوَّلِ، فلم تكُن محبَّتها كاملةً بخلافِ البكرِ. وذكر ابنُ سعدٍ: أنَّ اسمَ امرأةِ جابرٍ المذكورة سهلةُ بنت مسعودِ بنِ أوسِ بنِ مالكٍ الأنصاريَّةُ الأوسيَّةُ، وقد كان بين تزويجِ جابرٍ لهذهِ (١) المرأةِ وسؤالِ رسولِ الله (٢) ﷺ له عن ذلكَ مدَّة طويلة.
(١١) (بابُ) حكم (تَزْوِيجِ الصِّغَارِ مِنَ الكِبَارِ) في السنِّ.
٥٠٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعد الإمامُ (عَنْ يَزِيدَ) بن أبي حَبِيبٍ؛ بفتح المهملة وكسر الموحدة (عَنْ عِرَاكٍ) بكسر العين المهملة وتخفيف الراء، ابن مالكٍ الغفارِيِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبيرِ (أَنَّ النَّبِيَّ (٣) ﷺ خَطَبَ عَائِشَةَ) فأنهَى
стр. 9436
خطبَتَها (إِلَى أَبِي بَكْرٍ) ﵄، أو «إلى» بمعنى «من»، والأول كقوله: أحمدُ إليكَ الله، أي: أنهِي حمدهُ إليكَ (فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا أَنَا أَخُوكَ) حصرٌ مخصوصٌ بالنِّسبة إلى تحريمِ نكاحِ بنتِ الأخِ (فَقَالَ) ﷺ له: (أَنْتَ أَخِي فِي دِينِ اللهِ وَكِتَابِهِ) أشارَ إلى نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] (وَهيَ) أي: عائشةُ (لِي حَلَالٌ) نكاحُها لأنَّ الأخوَّةَ المانعةَ من ذلك أخوَّةُ النَّسبِ والرَّضاعِ، لا أخوَّةُ الدِّين.
وهذا الحديثُ صورتُهُ صورةُ المرسلِ، ويحتملُ أنَّه حملَهُ عن خالتهِ عائشةَ، أو عن أمِّه أسماء بنت أبي بكرٍ. وقال أبو عمر بن عبدِ البرِّ: إذا عُلمَ لقاءُ الرَّاوي لمن أخبرَ عنه ولم يكن مدلِّسًا حُملَ ذلك على سماعهِ ممَّن أخبر عنه، ولو لم يأتِ بصيغةٍ تدلُّ على ذلك.
(١٢) هذا (بابٌ) بالتنوين: إذا أرادَ أن يتزوَّجَ ينتَهِي أمرُهُ (إِلَى مَنْ يَنْكِحُ) من النِّساءِ؟ بفتح التحتية وكسر الكاف، أو بضم ثمَّ فتح، أي: إلى (١) من (٢) يعقدُ (وَأَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟ وَمَا يُسْتَحَبُّ) للرَّجل (أَنْ يَتَخَيَّرَ) من النِّساءِ (لِنُطَفِهِ، مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ) في الأنواعِ الثَّلاثة.
٥٠٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو: ابنُ أبي حمزةَ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبدُ الله بن ذكوانَ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبدِ الرحمن بن هرمُزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ) إشارةٌ إلى العربِ لأنَّهم الَّذين يَكثرُ منهم ركوبُ الإبلِ، والعربُ خيرٌ من غيرِهم مُطلقًا في الجملةِ، فيستفادُ منه تفضيلُ نسائِهم مطلقًا على نساءِ غيرهم مطلقًا (صَالِحُو نِسَاءِ قُرَيْشٍ) أي: في الدِّين وحُسنِ المخالَطةِ (٣) للزَّوجِ، وأصلهُ:
стр. 9437
صالحونَ، فسقطت النون للإضافة، ولابنِ عساكرٍ وأبوي الوقتِ وذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ (١): «صالحُ» بالإفراد، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «صُلَّح» -بضم الصاد وتشديد اللام المفتوحة- جمع صالح (أَحْنَاهُ) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح النون، أكثرهنَّ شفقةً (عَلَى وَلَدٍ) نكَّرَ الولدَ إشارة إلى أنَّها تحنُو على أيِّ ولدٍ كان، وإن كان ولدُ زوجِها من غيرِها، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «على ولَدِه» بإثبات الضَّمير (فِي صِغَرِهِ) قال الهرويُّ: والحانيةُ على ولدهَا هي الَّتي تقومُ عليهم في حالِ يتمهم فلا تتزوَّجُ فإن تزوَّجتْ فليسَتْ بحانيةٍ، وذكَّر الضَّمير في قوله: «أحنَاهُ»، و «صالح»، وكان القياسُ: أحناهُنَّ وصالحةٌ باعتِبارِ اللَّفظِ، أو الجنسِ، أو الشَّخصِ، أو الإنسانِ (وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ) أي: أحفظُهُ، وأصونُ لمالِه بالأمانةِ فيه والصِّيانة له (فِي ذَاتِ يَدِهِ) أي: مالهِ المضاف له.
وفي الحديث: فضيلة الحنوِّ على الأولادِ، والشَّفقة عليهم، وحسنِ تربيتهم، والقيامِ عليهم (٢)، ومراعاةِ حقِّ الزَّوجِ في مالهِ والأمانة فيه، وتدبيرهِ في النَّفقةِ وغيرها، وخرجَ بقوله: ركبنَ الإبلَ مريمَ ﵍، وقد سبقَ في أواخر «أحاديث الأنبياء» في ذكر مريم قولُ أبي هريرة: «ولَم تركَب مريمُ بَعيرًا قَط» [خ¦٣٤٣٤] وكأنَّه أرادَ إخراجَ مريمَ من هذا التَّفضيلِ، فلا يكون فيه تفضيلُ نساءِ قريشٍ عليها.
ومطابقة الحديثِ للترجمةِ ظاهرة (٣) في النَّوع الأول والثَّاني، وأما الثَّالثُ فبطريق اللُّزومِ
стр. 9438
لأنَّه إذا ثبتَ أن نساءَ قريشٍ خيرُ النِّساءِ فالمتزوِّجُ منهنَّ قد تخيَّر لنطفهِ.
(١٣) (بابُ اتِّخَاذِ السَّرَارِيِّ) جمع: سُرِّيَّةٍ -بضم السين وتشديد الراء المكسورة وتحتية مشدودة- وهي الأَمَةُ المتَّخذة للوطءِ، واشترطَ الفقهاءُ في صدقِ هذه التَّسميةِ حصولُ الوطءِ (١) ولو مرَّةً، وتظهرُ فائدة ذلك فيمَن جعلَ بيدِ زوجتهِ عتقَ السُّرِّيَّة التي يتَّخذُها عليها، فإن لم يطأهَا لم تعتِق، ولفظُ السُّرِّيَّة مأخوذٌ من التَّسَرُّرِ، وأصله من السِّرِّ، وهو من أسماءِ الجماعِ.
قال في «القاموس»: السِّرُّ -بالكسر- ما يكتمُ كالسَّريرةِ، الجمعُ: أسرَار وسَرائر، والجماعُ، والذَّكرُ، والإفصاحُ به، والزِّنا، وفرجُ المرأة. انتهى. وسمِّيت بذلك لأنَّها يُكْتَم أمرُها عن الزَّوجةِ غالبًا، وإنَّما ضمَّت سينها جريًا على المعتادَ من تغيير النِّسبِ، كما قالوا في النِّسبةِ إلى الدَّهرِ: دُهرِي، وإلى السَّهلِ: سُهلِي. وعن الأصمعي: أنَّها مشتقَّةٌ من السُّرورِ، فيقال: تسرَّرْتُ سريَّة وتسرَّيْتُ -بالياء- فالأُولى على الأصلِ والثَّانية على البدلِ، كما يقال: تَظنَّيتُ. وروى أبو داود في «مراسيله» عن الزُّبير بن سعيدٍ الهاشميِّ، عن أشياخهِ رَفَعَهُ قال: «عليكُم بأُمَّهاتِ الأولادِ، فإنَّهنَّ مباركاتُ الأرحامِ». وفي رواية: «عليكُم بالسَّرَارِي». وفي «الكامل» لأبي العباس: قال عمرُ بن الخطَّاب ﵁: «ليسَ قومٌ أكيسَ من أولادِ السَّرَارِي لأنَّهم يجمعون عزَّ العربِ، ودهاءَ (٢) العجمِ». يريد: إذا كنَّ من العجمِ (وَ) ثوابُ (مَنْ أَعْتَقَ جَارِيةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا).
стр. 9439
٥٠٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذَكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ قال: (حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ صَالِحٍ) أي: ابن حيٍّ (الهَمْدَانِيُّ) بسكون الميم والدال المهملة المفتوحة، قال: (حَدَّثَني) بالإفراد، والذي في «اليونينية» بالجمع (١) (الشَّعْبِيُّ) عامرُ بنُ شراحيلَ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو بُرْدَةَ) بضم الموحدة وسكون الراء، عامر (عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى عبدِ الله ابن قيسٍ الأشعريِّ أنَّهُ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ عِنْدَهُ وَلِيدَةٌ) أي: أمةٌ (فَعَلَّمَهَا) ما يجب تعليمهُ من الدِّين (فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، وَأَدَّبَهَا) لتتخلَّقَ بالأخلاقِ الحميدةِ (فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا) برفقٍ ولطف من غير عنفٍ (ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا) بعد أن أصدَقَها (فَلَهُ أَجْرَانِ) أجرُ العتقِ، وأجرُ التَّزويجِ (وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ) التَّوراة والإنجيل، أو الإنجيل فقط على القولِ بأنَّ النَّصرانيةَ ناسخةٌ لليهوديَّةِ، حالَ كونه قد (آمَنَ بِنَبِيِّهِ) قال الدَّاوديُّ: يعني كان على دينِ عيسى، وأمَّا اليهودُ وكثيرٌ من النَّصارَى فليسوا من ذلك لأنَّه لا يُجازَى على الكفرِ بالخيرِ. قال في «المصابيح»: وهذا ظاهرٌ من الحديث، فإنَّ اليهودَ الَّذين بقُوا على يهوديَّتهم بعد إرسالِ عيسى ﵇ لا يصدُقُ عليهم أنَّهم آمنُوا بنبيِّهم. قال: فإذَن هاتانِ الطَّائفتانِ خارجتانِ عن معنى الحديثِ (٢)، فتأمَّلهُ (وَآمَنَ بِي) ولأبي ذرٍّ والوقتِ: «وآمنَ يعنِي: بي» (فَلَهُ أَجْرَانِ، وَأَيُّمَا مَمْلُوكٍ أَدَّى حَقَّ مَوَالِيهِ) بلفظ الجمع ليدخُلَ ما لو كان مُشترِكًا بين موالٍ، والمراد من حقِّهِم خدمتُهُم (وَحَقَّ رَبِّهِ) تعالى كالصَّلاة والصَّوم (فَلَهُ أَجْرَانِ).
ومباحث الحديث سبقت في «العلم» [خ¦٩٧] و «الجهاد» [خ¦٣٠١١].
و (قَالَ الشَّعْبِيُّ) عامرٌ، لراويه صالح بن صالحٍ، أو لرجُلٍ من خراسانَ، ففي روايةِ هشيمٍ، عن صالح بن صالحٍ المذكور، قال: رأيتُ رجلًا من أهلِ خراسانَ سألَ الشَّعبيَّ، فقال:
стр. 9440
إنَّ مَن قبلَنَا من أهلِ خُراسانَ (١) يقولون في الرَّجُل إذا أعتقَ أمَتَه ثمَّ تزوَّجَها، فهو كالرَّاكِبِ بدنتهُ، فقال الشَّعبيُّ: … فذكر الحديث إلى أن قال له: (خُذْهَا) أي: المسألة (بِغَيْرِ شَيْءٍ) من أجرةٍ، بل بثوابِ التَّعليم (قَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِيمَا دُونَهُ) أي: المذكور، ولأبي ذرٍّ: «دُونَها» أي: المسألةِ المذكورةِ (إِلَى المَدِينَةِ) النَّبويَّة. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) بسكون الكاف، شعبةُ بن عيَّاش -بالتحتية آخره شين معجمة- القارئُ، ممَّا وصله أبو داود الطَّيالسيُّ في «مسنده»: (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، عثمانُ بن عاصم (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) عامر (عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى الأشعريِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ … ) الحديثَ. وقال فيه: (أَعْتَقَهَا ثُمَّ أَصْدَقَهَا). فصرَّحَ بثبوتِ الصَّداقِ هنا بخلافِ الرِّوايةِ السَّابقةِ، فإن ظاهِرَها أن يكونَ العتقُ نفسَ المهر.
٥٠٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ تَلِيدٍ) بفتح (٢) الفوقية وكسر اللام المخففة وسكون التحتية بعدها دال مهملة، المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبوي ذرٍّ والوقتِ: «أخبرَنَا» (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو: ابنُ سيرين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (٣) ﷺ ¬).
وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن حربٍ (عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) أي: ابنِ سيرين، ولأبي ذرٍّ: «عن مجاهدٍ» بدل: «عن محمد (٤)». قال الحافظُ ابن حجرٍ -وتبعه العينيُّ-: وهو خطأ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁.
стр. 9441
(لَمْ يَكْذِبْ) كذا ورد موقوفًا لكريمةَ والنَّسفيِّ (١)، وكذا عند أبي نُعيم، وجزمَ به الحميديُّ. قال الحافظُ ابن حجرٍ: وأظنُّهُ الصَّواب في روايةِ حمَّادٍ عن أيوب، وأن ذلك هو (٢) السِّرُّ في إيرادِ رواية جريرِ بن حازمٍ مع كونِها نازلةً، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرٍ: «قال: قال النَّبيُّ ﷺ : لم يكذب» (إِبْرَاهِيمُ) كذا في هامش الفرع كأصله، وزاد في «الفتح»: وكذا في رواية أبي الوقتِ والنَّسفيِّ، وأفادَ أنَّ ابن سيرين كان يقفُ كثيرًا من حديث أبي هريرةَ تخفيفًا، أي: لا يرفعه إلى النَّبيِّ ﷺ (إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ) بفتح الذال المعجمة، وعند ابنِ الحُطَيَّة عن أبي ذرٍّ بسكونِها، وليس هذا من الكذبِ الحقيقيِّ المذمومِ، بل هو من باب المعاريضِ المحتملةِ للأمرينِ لقصدٍ شرعيٍّ دينيٍّ (بَيْنَمَا) بالميم (إِبْرَاهِيمُ مَرَّ بِجَبَّارٍ) اسمه: صادوقٌ، كما قاله ابنُ قتيبة، أو غير ذلك، وكان على مصر فيما ذكره السُّهيليُّ (وَمَعَهُ سَارَةُ) زوجتُهُ (-فَذَكَرَ الحَدِيثَ-) ولفظه كما في «أحاديثِ الأنبياء»: فقيل له: إن ههنا رجلًا معهُ امرأةٌ من أحسنِ النَّاسِ، فأرسلَ إليه فسألهُ عنها، فقال: من هذهِ؟ قال: أختِي، فأتى سارة، قال: يا سارَة ليسَ على وجهِ الأرضِ مؤمنٌ غيرِي وغيركِ، وإنَّ هذا سألنِي فأخبرتُهُ أنَّك أختِي، فلا تكذِّبينِي، فأرسلَ إليها، فلما دخلتْ عليه ذهب يتناوَلها بيدِه فأُخِذَ، فقال: ادعِي اللهَ لي (٣) لا أضرُّك، فدعَتْ فأُطلقَ، ثمَّ تناولها الثَّانية فأُخذ مثلها أو أشدَّ، فقال: ادعي الله لي، ولا أضرُّك فدعت فأطلق، فدعا بعضَ حجبتهِ، فقال: إنَّكم لم تأتوني بإنسانٍ، إنَّما أتيتموني بشيطانٍ [خ¦٣٣٥٨] (فَأَعْطَاهَا هَاجَرَ) أمَّ إسماعيل (قَالَتْ) للخليلِ: (كَفَّ اللهُ يَدَ الكَافِرِ) الجبَّار عنِّي (وَأَخْدَمَنِي آجَرَ) بالهمزة الممدودة بدل الهاء (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) بالسَّند السَّابق يخاطِبُ العربَ: (فَتِلْكَ) يعني: هاجرَ (أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ) لكثرةِ ملازمتِهِم الفلواتَ التي بها مواقع المطرِ لرعيِ (٤) دوابِّهم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمَة -كما قال (٥) ابن المنيِّر- من جهةِ أنَّ هاجر كانت مملوكةً، وقد صحَّ أنَّ إبراهيمَ أولدَها بعد أن ملكها، فهي سُرِّيَّةٌ. انتهى.
стр. 9442
وتعقَّبهُ في «الفتح» فقال: إن أراد أنَّ ذلكَ وقع صريحًا في الصَّحيحِ فليس بصحيحٍ، وإنَّما الَّذي وقع (١) في الصَّحيح أنَّ سارةَ ملكتها، وأنَّ إبراهيمَ أولدَها إسماعيل، وكونه ما كان بالَّذي يستولِدُ أمةَ امرأتهِ إلَّا بملكٍ مأخوذٍ من خارجِ حديثِ الصَّحيح، وفي «مسند أبي يعلى»: «فاستوهَبَها إبراهيمُ من سارةَ فوهبتْهَا له».
٥٠٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) المدنيُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ خَيْبَرَ وَالمَدِينَةِ) بسدِّ الصَّهباء (ثَلَاثًا (٢) يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ) بعد أن دَفعها لأمِّ سليمٍ حتَّى تُهيئها (٣) له، و «يُبْنَى» بضم التحتية وسكون الموحدة وفتح النون مبنيًّا للمفعول، من البناء وهو الدُّخول بالزَّوجة. قال في «المصابيح»: وفيه ردٌّ على الجوهريِّ حيثُ خطَّأ من قال: بنى الرَّجُلُ بأهلِه (فَدَعَوْتُ المُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ) ﷺ (فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ) وسقطتْ «مِن» لأبي ذرٍّ (٤) (أُمِرَ) بضم الهمزة وكسر الميم، ولأبي ذرٍّ بفتحهما، وفي أصل «اليونينية»: «أَمَر بِلالًا» (٥) (بِالأَنْطَاعِ، فَأَلْقَى) بفتح الهمزة والقاف (٦) (فِيهَا (٧) مِنَ التَّمْرِ وَالأَقِطِ وَالسَّمْنِ، فَكَانَتْ وَلِيمَتَهُ) ﷺ عليها (فَقَالَ المُسْلِمُونَ: إِحْدَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، أَوْ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ؟) وعند مسلمٍ: فقال
стр. 9443
النَّاس: لا ندرِي أتزَّوجها أم اتَّخذَها أمَّ ولدٍ؟ (فَقَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا فَهْيَ مِنْ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهْيَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَلَمَّا ارْتَحَلَ وَطَّا) أي: هيَّأ (لَهَا) شيئًا تقعد عليهِ (خَلْفَهُ) أي: على الرَّاحلةِ (وَمَدَّ الحِجَابَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ).
قيل: ومطابقةُ الحديث للترجمةِ من تردُّدِ الصَّحابة هل صفيَّة زوجةٌ أو سُرِّيَّةٌ؟
(١٣ م) (بابُ مَنْ جَعَلَ عِتْقَ الأَمَةِ صَدَاقَهَا) هل يصحُّ أم لا؟
٥٠٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البَغْلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) بن زيدٍ (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (وَشُعَيْبِ بْنِ الحَبْحَابِ) بحاءين مهملتين مفتوحتين بينهما موحدة ساكنة وبعد الألف موحدة ثانية، البصريِّ، كلاهما (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ) بنتَ حييٍّ (وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا) أي: أعتَقَها بشرطِ أن يتزوَّجَها، فوجب لهُ عليها قيمَتُها، وكانت معلومةً فتزوَّجها بها. وفي رواية حمادٍ، عن ثابتٍ وعبد العزيزِ، عن أنسٍ قال: وصارت صفيَّةُ لرسول الله ﷺ ، ثمَّ تزوَّجها وجعلَ عِتقها صَدَاقها. فقال عبدُ العزيز لثابتٍ: يا أبا محمد، أنتَ سألتَ أنسًا ما أمهرهَا؟ قال: أمهرَها نفسهَا، فتبسَّمَ [خ¦٩٤٧]. فهو ظاهرٌ جدًّا في أنَّ المجعولَ مهرًا هو نفسُ العتقِ، وقد تمسَّكَ بظاهرهِ أبو يوسف وأحمد، فقالا: إذا أعتقَ أمتهُ على أن يجعلَ عتقَهَا صَدَاقها صحَّ العقدُ والعتقُ والمهرُ على ظاهرِ الحديث، وعبارةُ المرداويِّ من الحنابلةِ في «تنقيحه»: وإذا قال لأمتِهِ -القِن، أو المدَبَّرةِ، أو المكاتبةِ، أو أمِّ ولدِهِ، أو المعلَّقِ عتقها على صفةٍ-: أعتقتُكِ وجعلتُ عتقَكِ صداقَكِ صحَّ إن كان مُتَّصلًا بحضرةِ شاهدين، ويصحُّ جعلُ صداقِ مَن بعضُها رقيقٌ عتقَ ذلك البعضِ صداقًا (١). انتهى.
стр. 9444
ومنهم من جعلَهُ من خصائصِهِ ﷺ ، وممَّن جزمَ بذلك الماورديُّ ويحيى بن أكثَم، ونقلهُ المزنيُّ عن الشَّافعيِّ. قال: وموضعُ الخصوصيَّةِ أنَّه أعتَقَها مطلقًا، وتزوَّجَها بغير مهرٍ ولا وليٍّ ولا شهودٍ، وهذا بخلافِ غيره، وقيل: المعنى أعتقها ثمَّ تزوَّجها، فلمَّا لم يعلَمْ أنسٌ أنَّه ساقَ لها صداقًا قال: أصدَقها نفسَها، أي: لم يصدقْها شيئًا فيما أعلمُ، فلم ينفِ أصل الصَّداقِ، ولهذا قال الطَّبريُّ من الشَّافعيَّةِ، وابنُ المرابطِ من المالكيَّةِ، ومن تبعهما: إنُّه -قولُ أنسٍ- قاله ظنًّا من قبلِ نفسِهِ، ولم يرفعْهُ، وعورضَ بما أخرجه الطَّبرانيُّ وأبو الشَّيخ من حديثِ صفيَّةَ نفسِها أنَّها قالت: «أَعتقني النَّبيُّ ﷺ وجعلَ عِتقي صَدَاقي». فيردُّ على القائلِ بأنَّ أنسًا قاله من قبلِ نفسهِ.
وهذا الحديث سبقَ في «غزوة خيبر» [خ¦٤٢٠٠].
(١٤) (بابُ) جوازِ (تَزْوِيجِ المُعْسِرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء﴾) من المالِ (﴿يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]) فالإعسارُ في الحالِ لا يمنَعُ التَّزويجَ (١) لاحتمالِ حصولِ المالِ في المآلِ، وعن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عبَّاس أنَّه قال: رغَّبَهم الله تعالى في التَّزويجِ، وأمرَ به الأحرارَ والعبيدَ. يعني: في قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ ووعدَهُم عليه الغِنَى فقال: ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] وعن سعيد بن عبد العزيزِ قال: بلغني أنَّ أبا بكر الصِّدِّيق ﵁ قال: أطيعُوا اللهَ فيما أَمَركم به من النِّكاح، ينجِز لكُم ما وعدَكُم من الغِنَى، قال: ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ رواهُ ابنُ أبي حاتم، وعن ابنِ مسعود أنَّهُ قال: «التَمِسُوا الرِّزقَ في النِّكاحِ بقول الله: ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾» رواه ابنُ جرير. وذكرَ البغويُّ عن عمر (٢) نحوه. وفي حديثِ أبي هُريرة عند أحمدَ والتِّرمذيِّ والنَّسائيِّ وابنِ ماجه: قال رسولُ الله ﷺ : «ثلاثةٌ حقٌّ على اللهِ عونهُم: النَّاكِحُ يريدُ العفافَ … » الحديثَ.
стр. 9445
وقال في «مصابيح الجامع»: وظاهرُ الآية وعْدُ كلِّ فقيرٍ تزوَّجَ بالغِنىَ، ووعدُ اللهِ واجبٌ، فإذا رأينَا فقيرًا تزوَّج فلم (١) يستغنِ فليسَ ذلك لإخلافِ الوعدِ، حاشَ للهِ، ولكن لإخلالِهِ هو بالقصدِ؛ لأنَّ الله تعالى إنَّما وعدَ على حسنِ القصدِ، فمَن لم يستغنِ فليرجِع باللَّومِ على نفسهِ. وقال ابنُ كثير: والمعهودُ من كرمِ اللهِ ولطفهِ رزقُهُ وإيَّاهَا بما فيه كفايةٌ له ولها. وأما حديثُ: «تزوَّجُوا فقرَاءَ يغنِكُم اللهُ» فلا أصلَ له، ولم أرَهُ بإسناد قويٍّ ولا ضعيفٍ، وفي القرآنِ غنيةٌ عنه.
٥٠٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) أبي حازمٍ سلمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ) أنَّه (قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ) قال في «المقدمة»: يقال: إنَّها خولةُ بنت حكيمٍ، وقيل: أمُّ شريكٍ، ولا يثبتُ شيءٌ من ذلك (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي) أي: أكونُ لكَ زوجةً بلا مهرٍ، وهو من الخصائصِ، أو التَّقديرُ: وهبتُ أمرَ نفسِي لكَ، فاللَّام لامُ التَّمليكِ، استعملت هنا في تمليكِ المنافعِ (قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَعَّدَ النَّظَرَ) بتشديد العين، أي: رفعهُ (فِيهَا وَصَوَّبَهُ) بتشديد
стр. 9446
الواو، أي: خفضهُ (ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «ثم طَأطَأ لها رسولُ الله» (¬ ﷺ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ المَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) لم يسمَّ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي (١): «فِيهَا» (حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا. فَقَالَ) ﷺ له: (وَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ) تصدقها إيَّاهُ؟ (قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ، مَا وَجَدْتُ شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : انْظُرْ وَلَوْ) كان الَّذي تجدهُ (خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ) فأصدقها إيَّاهُ، ففيه حذف كان واسمها، وجوابُ لو، وفيه دَلالةٌ على جواز التَّختُّم بالحديدِ، وفيه خلافٌ، فقيل: يكرهُ لأنَّه من لباسِ أهلِ النَّارِ، والأصحُّ عند الشَّافعيَّة: لا يكرهُ (فَذَهَبَ) إلى أهلهِ (ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي. -قَالَ سَهْلٌ) السَّاعديُّ ممَّا أدرجهُ في الحديث: (مَا لَهُ رِدَاءٌ- فَلَهَا نِصْفُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا تَصْنَعُ) أي: المرأةُ (بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ) أنت (لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ) هي (لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ) وللأَصيليِّ وأبوي الوقتِ وذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لم يكُن عليكَ منهُ شيءٌ» (فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ) بكسر (٢) اللام (قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُوَلِّيًا) مدبرًا (فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ) بضم (٣) الدال وكسر العين (فَلَمَّا جَاءَ قَالَ) له: (مَاذَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا؛ عَدَّدَهَا) عيَّن النَّسائيُّ في روايته، وكذا أبو داود من حديث عطاء، عن أبي هُريرة: «البقرَةُ والَّتي (٤) تَليها». وفي الدَّارقطني عن ابنِ مسعودٍ: «البقرةُ وسورٌ من المفصَّلِ». ولتمَّام الرَّازيِّ عن أبي أمامة قال: «زوَّج النَّبيُّ ﷺ رجلًا من الأنصارِ على
стр. 9447
سبعِ سور» (١) (فَقَالَ) ﷺ : (تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟) أي: من حفظِكَ (قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ) بفتح الميم. قال الدَّارقطنيُّ: هذه وهمٌ، والصَّوابُ «زوَّجتُكَها» وهي روايةُ الأكثرين.
قال النَّوويُّ: يحتملُّ صحَّةَ الوجهينِ بأن يكون جرى لفظُ التَّزويجِ أولًا، ثمَّ لفظُ التَّمليكِ ثانيًا، أي: لأنَّهُ ملكَ عصمَتها بالتَّزويجِ السَّابق. زادَ البيهقيُّ في «المعرفة» من طريق زائدةَ عن أبي حازمٍ، عن سهل: «انطَلِق فقد زوَّجتُكَها بما تعلِّمُها من القُرآنِ»، وفي حديثِ أبي هُريرة عنده أيضًا قال: «ما تحفظُ من القُرآنِ» قال: سورة البقرَةِ والَّتي تَلِيها. قال: «قُم فعلِّمها عشرينَ آيةً وهي امرأتكُ»، وفي تعليمها القرآن منفعةٌ تعودُ إليها، وهو عملٌ من أعمالِ البدنِ الَّتي لها أجرةٌ، والباءُ في: «بما معكَ» باء المقابلة، و «ما»: موصولةٌ، وصلتهَا الظَّرفُ، والعائدُ ضميرُ الاستقرارِ، وقيل: الباء سببيَّةٌ، أي: بسببِ ما معكَ من القرآنِ. قيل: ويرجعُ إلى صداقِ المثلِ، وهذا مذهبُ الحنفيَّة. قالوا: لأنَّ المسمَّى ليسَ بمالٍ (٢)، والشَّارعُ إنَّما شرعَ ابتغاءَ النِّكاحِ للمالِ بقوله: ﴿أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم﴾ [النساء: ٢٤] وتعليمُ (٣) القرآنِ ليسَ بمالٍ، فيجبُ مهر المثلِ، وليس في قوله: «زوجتُكَها بما معَكَ من القرآنِ» أنَّه جعلهُ (٤) مهرًا، و «مِن» للبيان أو للتبعيضِ.
(١٥) (بابُ الأَكْفَاءِ فِي الدِّينِ) بفتح الهمزة الأولى، جمع: كُفءٍ -بضم الكاف وسكون تاليها آخره همزة-: المثلُ والنَّظيرُ، يقال: كافأَهُ، أي: ساواهُ، ومنه قوله ﵊: «المؤمِنونَ تتكافَأُ دِمَاؤُهُم، ويسعى بذمَّتِهم (٥) أَدنَاهُم» فالكفاءَةُ معتبرةٌ في النِّكاحِ لِمَا روى جابرٌ أنَّه ﷺ قال: «ألَّا لا يزوِّجُ النِّساءَ إلَّا الأولياءَ، ولا يُزَوَّجْنَّ من غيرِ الأكفاءِ» ولأنَّ النِّكاحَ يعقدُ (٦) للعمرِ، ويشتملُ على
стр. 9448
أغراضٍ ومقاصدَ، كالازدواجِ والصُّحبةِ والألفَةِ وتأسيسِ القراباتِ، ولا ينتظِمُ ذلك عادةً إلَّا بينَ الأكفاءِ، وقد جزمَ مالكٌ ﵀ بأنَّ اعتبارَ الكفاءةِ مختصٌّ بالدِّينِ لقوله ﵊: «النَّاسُ سواءٌ، لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، إنَّما الفضلُ بالتَّقوى»، وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وأُجيب بأنَّ المرادَ به في حكمِ الآخرةِ، وكلامُنَا في الدُّنيا. وقال الشَّيخ خليل في «مختصره»: والكفاءةُ الدِّينُ والحالُ. قال شارحُهُ: واعتبر فيها خمسة أوصافٍ (١):
الدِّينُ: وهو متَّفق عليه، وظاهرُ قولِ «المدوَّنة»: المسلمون بعضُهم لبعضٍ أكفاءٌ، أنَّ الرقيقَ كفءٌ، ونقلهُ عبد الوهاب نصًّا، وعن المغيرة أنَّه يفسخُ، وصحَّحه هو وغيرهُ.
والنَّسبُ: وفي «المدونة»: المولَى كفءٌ للعربيَّةِ، وقيل: ليسَ بكفءٍ.
والحالُ: وهو أن يكون الزَّوجُ سالِمًا من العيوبِ الفاحِشةِ.
والمالُ: فالعجزُ عن حقوقِهَا يوجبُ مقالَها. وقيل: المعتبرُ من ذلكَ كله عند مالكٍ: الدِّينُ والحالُ. وعند ابن القاسم: الدِّينُ والمالُ. وعندهما: المالُ والحالُ. انتهى.
وخصالُ الكفاءةِ عندَ الشَّافعيَّةِ خمسة: سلامةٌ من عيبِ نكاحٍ: كجنونٍ وجذامٍ وبرصٍ.
وحرِّيَّة: فمن مسَّهُ أو مسَّ أبًا له أقرب رقٌّ ليس كفءَ سليمةٍ من ذلك لأنَّها تعيَّرُ به، وَخَرَجَ بالآباءِ الأمهاتُ، فلا يؤثِّرُ فيهنَّ مسُّ الرِّقِّ.
ونَسَبٌ: ولو في العجَمِ لأنَّه من المفاخرِ، فعجميٌّ أبًا وإن كانت أمُّه عربيةً ليسَ كفءَ عربيَّةٍ أبًا وإن كانَت أمُّها أعجميَّة، ولا غيرُ قرشيٍّ من العربِ كفؤًا لقرشيَّةٍ لحديثِ: «قدِّمُوا قريشًا ولا تقدَّمُوها» رواه الشَّافعيُّ بلاغًا، ولا غيرُ هاشميٍّ ومطَّلِبيٍّ كفؤًا لهُما لحديث مسلمٍ: «إنَّ اللهَ اصطفَى كنانَةَ من ولدِ إسماعيلَ، واصطفَى قُريشًا من كنانَةَ، واصطَفَى من قريشٍ بني هاشمٍ واصْطَفاني من بني هاشمٍ (٢)» فبنُو هاشمٍ وبنو المطَّلبِ أكفاءٌ لحديث البخاريِّ: «نحنُ وبنُو المطَّلب شيءٌ واحدٌ» [خ¦٣١٤٠].
стр. 9449
وعفَّةٌ: بدينٍ وصلاحٍ، فليسَ فاسقٌ كفءَ عفيفةٍ.
وحرفةٌ: فليسَ ذو حرفةٍ دنيئةٍ كفءَ أرفعَ منه، فنحُو كنَّاس ليس كفءَ بنتِ خيَّاطٍ، ولا خيَّاط بنت تاجرٍ، ولا تاجر بنت عالمٍ، ولا يعتبرُ في خصالِ الكفاءةِ اليسارُ لأنَّ المال غادٍ ورائحٍ، ولا يفتخِرُ به أهلُ (١) المروءاتِ والبصائر. وقال الحنابلة -واللَّفظُ للمرداويِّ في «تنقيحه» -: والكفاءةُ في زوجٍ شرطٌ لصحَّةِ النِّكاحِ عند الأكثرِ، فهي حقٌّ للهِ والمرأةِ والأولياءِ كلِّهم، حتَّى مَن يَحْدُث، ولو زالَتْ بعد العقدِ فلها الفسخُ فقط، وعنه ليست بشرطٍ بل للُّزومِ، واختارَهُ أكثرُ المتأخِّرينَ، وهو أظهرُ، ولمن (٢) لم يرضَ الفسخُ من المرأةِ والأولياءِ جميعِهم فورًا وتراخيًا، فهي حقٌّ للأولياءِ والمرأةِ، وهي: دينٌ، ومنصبٌ -وهو النَّسَب-، وحرِّيَّةٌ، وصناعَةٌ غيرُ زريَّةٍ، ويسارٌ بمالٍ بحسبِ ما يجبُ لها.
وقال الشَّافعيُّ: ليسَ نكاحُ غيرِ الأكفاءِ حرامًا فأردُّ به النِّكاحَ، وإنَّما هو تقصيرٌ بالمرأةِ والأولياءِ، فإذا رضُوا صحَّ، ويكون حقًّا لهم تركُوه، فلو رضُوا إلَّا واحدًا فلهُ فسخُهُ.
(وَقَوْلِهِ) : (﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء﴾) أي: النُّطفة (﴿بَشَرًا﴾) إنسانًا (﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾) يريدُ: فقسَّمَ البشرَ قسمين: ذوي نسبٍ، أي: ذكورًا ينسبُ إليهم، فقال: فلانُ ابن فلان وفلانةُ بنت فلان، وذوات صهرٍ، أي: إناثًا يُصاهرُ بهنَّ، وهو كقوله: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾ [القيامة: ٣٩] (﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]) حيث خلقَ من النُّطفةِ الواحدةِ بشرًا نوعَين ذكرًا وأنثى، وقيل: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا﴾ قرابةً ﴿وَصِهْرًا﴾ أي: مصاهرةً، يعني: الوصلة بالنِّكاحِ من بالأنسابِ (٣) لأنَّ التواصُلَ يقع بها وبالمصاهرةِ لأنَّ التوالد يكونُ بها، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾» وقال بعد ﴿وَصِهْرًا﴾: «الآيةَ».
ومرادُ المؤلِّف ﵀ من سياقِ هذه الآية: الإشارةُ إلى أنَّ النَّسبَ والصِّهرَ ممَّا يتعلَّقُ به حكمُ الكفاءةِ، ونقلَ العينيُّ عن ابنِ سيرين أنَّ هذه الآية نزلتْ في النَّبيِّ ﷺ وعليٍّ، وزوَّج ﵊ فاطمةَ عليًّا، وهو ابنُ عمِّه وزوجُ ابنتِهِ، فكانَ نسبًا وكان صهرًا.
نَرَى) بفتح النون، نعتقدُ (سَالِمًا وَلَدًا) بالتَّبنِّي (وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ (١) مَا قَدْ عَلِمْتَ) من قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ … (فَذَكَرَ) أبو اليمان الحكَمُ بن نَافعٍ شيخ البخاري (الحَدِيثَ) وتمامُه -كما عند أبي داود (٢) والبرقانيِّ-: فكيفَ ترى؟ فقال رسول الله ﷺ : «أَرضِعيهِ» فأرضعتهُ خمسَ رضعاتٍ، فكان بمنزلةِ ولدِهَا من الرَّضاعةِ؛ فبذلكَ كانت عائشة تأمرُ بناتَ إخوتها وبنات أخواتها (٣) أن يرضعْنَ من أحبَّت عائشة أن يَراها ويدخُلَ عليها -وإن كان كبيرًا- خمس رضعاتٍ، ثمَّ يدخلُ عليها، وأبَتْ أمُّ سلمةَ وسائرُ أزواجِ النَّبيِّ ﷺ أن يدخلنَ عليهنَّ بتلك الرَّضاعةِ أحدًا من النَّاسِ حتى يرضعَ في المهدِ، وقلنَ لعائشةَ: والله ما ندرِي لعلَّها رخصةٌ من رسول الله ﷺ لسالمٍ (٤) دونَ النَّاسِ. وقد أخرج مسلم هذا الحديث من طريق القاسم بن محمد، عن عائشةَ. ومن طريق زينبَ، عن أمِّ سلمة، ففي روايةِ القاسمِ عنده (٥): جاءتْ سهلةُ بنت سُهيل بن عَمرو فقالتْ: يا رسولَ الله، إنَّ في وجهِ أبي حذيفةَ من (٦) دخولِ سالمٍ وهو حليفهُ، فقال: «أرضعيهِ». قالتْ: وكيف أرضعُهُ وهو رجلٌ كبيرٌ؟ فتبسَّمَ رسولُ الله ﷺ وقال: «قَد علمتُ أنَّهُ رجلٌ كبيرٌ». وفي لفظ: فقالتْ: إنَّ سالمًا قد بلغَ ما يبلغُ الرِّجالُ، وإنَّه يدخلُ علينَا، وإنِّي أظنُّ أنَّ في نفسِ أبي حذيفةَ شيئًا من ذلك، فقال: «أرضعيهِ تحرمِي عليهِ» فرجعتْ إليه فقالت: إنِّي قد أرضعتُهُ فذهبَ الذي في نفسِ أبي حذيفةَ، وهذا مختصٌّ بسهلةَ وسالم، أو منسوخٌ، والجمهور (٧) على خلافهِ، كما يأتي إن شاء الله تعالى بعونِ اللهِ وقوَّتِه في «أبوابِ الرَّضاعِ» (٨).
ومطابقة الحديث للترجمةِ من تزويجِ أبي حذيفةَ سالمًا الَّذي تبنَّاهُ، وهو مولى لامرأةٍ من الأنصارِ بنتَ أخيهِ هندَ، ولم يعتبِرْ فيه الكفاءَة إلَّا في الدِّين.
стр. 9452
والحديثُ أخرجهُ النَّسائيُّ أيضًا في «النِّكاح».
٥٠٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) اسمهُ: عبد الله، أبو محمد الهباريُّ القرشيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّادُ بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بن الزُّبيرِ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ) بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة المخففة (بِنْتِ الزُّبَيْرِ) بن عبد المطلب الهاشميَّة بنت عمِّ النَّبيِّ ﷺ (فَقَالَ لَهَا: لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الحَجَّ. قَالَتْ: واللهِ لَا) ولأبي ذرٍّ: «مَا» (أَجِدُنِي) أي: ما أجدُ نَفسي (إِلَّا وَجِعَةً).
واتِّحادُ الفاعلِ والمفعولِ مع كونهما ضميرين لشيءٍ واحدٍ من خصائصِ أفعالِ القلوبِ، وقوله: «وَجِعةً» -بفتح الواو وكسر الجيم- أي: ذات مرضٍ (فَقَالَ) ﷺ (لَهَا: حُجِّي وَاشْتَرِطِي) أنَّك حيثُ عجزت عن الإتيانِ بالمناسكِ وانحبست (١) عنها بحسبِ قوَّةِ المرضِ تحلَّلت (قُولِي) ولأبي ذرٍّ (٢): «وقُولِي»: (اللَّهُمَّ مَحِلِّي) بفتح الميم وكسر الحاء، ولأبي ذرٍّ بفتحها، أي: مكان تحلُّلِي من الإحرامِ (حَيْثُ حَبَسْتَنِي) فيه عن النُّسك بعلَّة المرضِ.
ومباحثُ ذلك سبقَتْ في «الحجِّ» في «أبواب المحصَر» (وَكَانَتْ) ضباعةُ (تَحْتَ المِقْدَادِ ابْنِ الأَسْوَدِ) هو ابنُ عَمرو بن ثعلبةَ بن مالكٍ الكنديِّ، ونسب إلى الأسودِ بن عبدِ يغوثَ بنِ وهب بنِ عبد منافِ بنِ زهرةَ لكونه تبنَّاهُ، فكان من حلفاءِ قريشٍ، وتزوَّجَ ضُبَاعةَ وهي هاشميَّةٌ، ففيه أنَّ النَّسبَ لا يعتبرُ في الكفاءةِ، وإلَّا لما جازَ له أن يتزوَّجها لأنَّها فوقهُ في النَّسبِ. وأُجيب باحتمالِ أنَّها وأولياءهَا أسقطُوا حقَّهُم من الكفاءةِ.
стр. 9453
٥٠٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرهِدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابنِ عمر العمريِّ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) كيسانَ (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: تُنْكَحُ المَرْأَةُ (١)) بضم التاء وفتح الكاف مبنيًّا للمفعول، و «المرأةُ» رفع به (لأَرْبَعٍ) من الخصالِ (لِمَالِهَا) بدل من السَّابقِ بإعادةِ العاملِ لأنَّها إذا كانَت ذاتَ مالٍ لا (٢) تكلِّفُه (٣) في الإنفاقِ وغيرِه فوقَ طاقتهِ. وقول المهلَّبِ: إنَّ في الحديثِ دليلًا على أنَّ للزَّوجِ الاستمتاعَ بمالِ زوجتهِ، فإن طابَت نفسُها بذلك حلَّ له، وإلَّا فلهُ من ذلك قدر ما بذلَ لها من الصَّداقِ. تُعقِّب بأنَّه ليسَ في الحديثِ ما ذكره من التَّفصيلِ، ولم ينحصِر قصدُه في الاستمتاعِ بمالِها، فقد يقصدُ ترجِّي حصولِ ولدٍ منها، فيعودُ إليه مالها بالإرثِ، أو أن تستغنِي عنه بمالِها عن مطالبتِهِ بما يحتاجُ إليه غيرُها من النِّساء كما مرَّ، وأما استدلالُ بعض المالكيَّة به على أنَّ للرَّجلُ أن يحجرَ على زوجتهِ في مالِها معلِّلًا بأنَّه إنَّما تزوَّجها لمَالِها فليسَ لها تفويتُهُ؛ ففيهِ نظرٌ لا يخفى (وَ) تنكحُ المرأةُ أيضًا (لِحَسَبِهَا) بإعادةِ الجارِ أيضًا، وفتح الحاء (٤) والسين المهملتين ثم موحدةٌ، أي: لشرفِها، والحسبُ في الأصلِ الشَّرفُ بالآباءِ وبالأقاربِ، مأخوذٌ من الحسابِ لأنَّهم كانُوا إذا تفاخرُوا عدُّوا مناقِبَهم ومآثر آبائهِم وقومِهِم وحسبُوها، فيُحكم لمن زادَ عددُه على غيرِه، وقد (٥) قال أكثَم بن صيفيٍّ: يا بني تميم، لا يغلبنَّكُم جمالُ النِّساءِ على صراحةِ الحسبِ (٦)، فإنَّ المناكحَ الكريمةَ مدرجةٌ للشَّرفِ.
وقال بكيرٌ الأسديُّ:
وأوَّلُ خُبْثِ المرءِ خُبْثُ تُرابِهِ … وأوَّلُ لُؤمِ المرْءِ لُؤمُ المَنَاكحِ
стр. 9454
وقال آخرُ:
إِذَا كنْتَ تَبْغي أيِّمًا بجَهَالةٍ … منَ النَّاسِ فانظُرْ مَنْ أَبُوها وخَالُها
فإنَّهُمَا مِنْها كمَا هيَ (١) مِنْهُما … كَقَدِّكَ نَعْلًا إنْ أُرِيد مِثَالُها
ولَا تَطْلبِ البيْتَ الدَّنِيءَ فِعَالُه … ولَا يَدْعُ ذَا عَقْلٍ لوَرْهَاء مَالُها
فإنَّ الَّذِي تَرْجو منَ المَالِ عِنْدَها … سَيأتي عَلَيه شُؤمُها وخَبَالُها
وقيل: المراد بالحسبِ المالُ، ورُدَّ بذكرِ المالِ قبله وعطفه عليهِ، وعند النَّسائيِّ وصحَّحه ابن حبَّان والحاكمُ من حديث بريدةَ رفعه: «إنَّ أحسابَ أهلِ الدُّنيا الَّذي يذهبونَ إليهِ المالُ». وفي حديث ميمونة المرفوع -ممَّا صحَّحه التِّرمذي والحاكم-: «الحسَبُ المالُ، والكَرَمُ التَّقوَى» وحملَ على أنَّ المرادَ أنَّ المالَ حسبُ من لا حسبَ له. وروى الحاكمُ حديث: «تخيَّرُوا لنُطفِكُم» فيكرهُ نكاح بنت الزِّنا، وبنتِ الفاسقِ.
قال الأذرعيُّ: ويشبهُ أن تلحقَ بهما اللَّقيطةُ ومن لا يعرفُ أبوهَا (وَ) تُنكحُ أيضًا لأجلِ (جَمَالِهَا) ولم يعدِ العامل في هذهِ (٢)، والجمالُ مطلوبٌ في كلِّ شيءٍ، لاسيَّما في المرأةِ التي تكونُ قرينةً وضجيعةً، وعند الحاكمِ حديث: «خيرُ النِّساءِ من تُسَرُّ إذا نظرْتَ، وتُطيعُ إذا أمَرْتَ».
قال الماورديُّ: لكنَّهم كَرِهوا ذاتَ الجمالِ الباهرِ فإنَّها تزهُو بجَمَالها.
(وَ) تنكحُ (٣) (لِدِينِهَا) بإعادة اللَّام، وفي مسلمٍ بإعادتها في الأربعِ، وحذفت هنا في قوله: «وجمالها» فقط (فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ) ولمسلمٍ من حديث جابرٍ: «فعليكَ بذاتِ الدِّينِ»، والمعنى -كما قال القاضِي ناصر الدِّين (٤) البيضاويُّ-: إنَّ اللائِقَ بذوي المروءاتِ وأربابِ
стр. 9455
الدِّياناتِ أن يكون الدِّينُ مطمح نظرِهِم في كلِّ شيءٍ، لاسيَّما فيما يدومُ (١) أمرهُ ويعظُمُ خطرهُ، فلذا اختارهُ ﷺ بآكد وجه وأبلغه، فأمرَ بالظَّفر الَّذي هو غايةُ البغيةِ، ومُنتهى الاختيارِ والطَّلبِ، الدَّال على تضمُّنِ المطلوبِ لنعمةٍ عظيمةٍ وفائدةٍ جليلةٍ.
وقال في «شرح المشكاة»: قوله: «فاظفَرْ» جزاء شرط محذوفٍ، أي: إذا تحقَّقتَ ما فصَّلْتُ لك تفصيلًا بيِّنًا فاظفَر أيُّها المسترشِدُ بذاتِ الدِّينِ فإنَّها تكسبكُ منافعَ الدَّارينِ، قال: واللَّاماتُ المكرَّرةُ مؤذنةٌ بأنَّ كلًّا منهنَّ مستقلَّة في الغرضِ. وروى ابن ماجه حديثَ ابن عمر مرفوعًا: «لا تزوَّجُوا النِّساء لحُسْنِهنَّ، فعَسَى حُسْنهنَّ أنْ يُرْدِيَهنَّ -أي (٢): يهلكهُنَّ- ولا تزوَّجُوهنَّ لأموالِهِنَّ، فعَسَى أموالهنَّ أن تطغيهُنَّ (٣)، ولكن تزوَّجُوهنَّ على الدِّينِ، ولأمةٌ سوداءُ ذاتُ دينٍ أفضَلُ» (٤).
(تَرِبَتْ يَدَاكَ) أي: افتقرتَا إن خالفْتَ ما أمرتُكَ به، يقال: تربَ الرَّجلُ إذا افتقرَ، وهي كلمةٌ جاريةٌ على ألسِنَتِهم لا يريدونَ بها حقيقَتَها (٥). وقيل: فيه تقديرُ شرطٍ كما مرَّ، ورجَّحه ابن العربيِّ لتَعَدِّيهِ ذواتِ الدِّين إلى ذواتِ الجمالِ والمالِ، ورجِّح عدمُ إرادةِ الدُّعاءِ عليه، وذلك لأنُّهم كانُوا إذا (٦) رَأوا مِقدَامًا في الحربِ أَبلى بلاءً حسنًا يقولون: قاتلَهُ اللهُ ما أشجَعهُ! وإنَّما يريدونَ به ما يزيدُ قوَّتهُ وشجاعتَهُ، وكذلك ما نحنُ فيه، فإنَّ الرجلَ إنَّما يؤثرُ تلكَ الثَّلاثة على ذاتِ الدِّينِ لإعدامها مالًا وجمالًا وحسبًا، فينبغي أن يحملَ الدُّعاء على ما يجبرُ عليه من الفقرِ، أي: عليكَ بذاتِ الدِّينِ يُغنك الله، فيوافقُ معنَى الحديثِ النَّصَّ التَّنزيليَّ: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] والصالحُ هو صاحبُ الدِّينِ، قاله في «شرح المشكاة».