نَرَى) بفتح النون، نعتقدُ (سَالِمًا وَلَدًا) بالتَّبنِّي (وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ (١) مَا قَدْ عَلِمْتَ) من قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ … (فَذَكَرَ) أبو اليمان الحكَمُ بن نَافعٍ شيخ البخاري (الحَدِيثَ) وتمامُه -كما عند أبي داود (٢) والبرقانيِّ-: فكيفَ ترى؟ فقال رسول الله ﷺ : «أَرضِعيهِ» فأرضعتهُ خمسَ رضعاتٍ، فكان بمنزلةِ ولدِهَا من الرَّضاعةِ؛ فبذلكَ كانت عائشة تأمرُ بناتَ إخوتها وبنات أخواتها (٣) أن يرضعْنَ من أحبَّت عائشة أن يَراها ويدخُلَ عليها -وإن كان كبيرًا- خمس رضعاتٍ، ثمَّ يدخلُ عليها، وأبَتْ أمُّ سلمةَ وسائرُ أزواجِ النَّبيِّ ﷺ أن يدخلنَ عليهنَّ بتلك الرَّضاعةِ أحدًا من النَّاسِ حتى يرضعَ في المهدِ، وقلنَ لعائشةَ: والله ما ندرِي لعلَّها رخصةٌ من رسول الله ﷺ لسالمٍ (٤) دونَ النَّاسِ. وقد أخرج مسلم هذا الحديث من طريق القاسم بن محمد، عن عائشةَ. ومن طريق زينبَ، عن أمِّ سلمة، ففي روايةِ القاسمِ عنده (٥): جاءتْ سهلةُ بنت سُهيل بن عَمرو فقالتْ: يا رسولَ الله، إنَّ في وجهِ أبي حذيفةَ من (٦) دخولِ سالمٍ وهو حليفهُ، فقال: «أرضعيهِ». قالتْ: وكيف أرضعُهُ وهو رجلٌ كبيرٌ؟ فتبسَّمَ رسولُ الله ﷺ وقال: «قَد علمتُ أنَّهُ رجلٌ كبيرٌ». وفي لفظ: فقالتْ: إنَّ سالمًا قد بلغَ ما يبلغُ الرِّجالُ، وإنَّه يدخلُ علينَا، وإنِّي أظنُّ أنَّ في نفسِ أبي حذيفةَ شيئًا من ذلك، فقال: «أرضعيهِ تحرمِي عليهِ» فرجعتْ إليه فقالت: إنِّي قد أرضعتُهُ فذهبَ الذي في نفسِ أبي حذيفةَ، وهذا مختصٌّ بسهلةَ وسالم، أو منسوخٌ، والجمهور (٧) على خلافهِ، كما يأتي إن شاء الله تعالى بعونِ اللهِ وقوَّتِه في «أبوابِ الرَّضاعِ» (٨).
ومطابقة الحديث للترجمةِ من تزويجِ أبي حذيفةَ سالمًا الَّذي تبنَّاهُ، وهو مولى لامرأةٍ من الأنصارِ بنتَ أخيهِ هندَ، ولم يعتبِرْ فيه الكفاءَة إلَّا في الدِّين.
стр. 9452
والحديثُ أخرجهُ النَّسائيُّ أيضًا في «النِّكاح».
٥٠٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) اسمهُ: عبد الله، أبو محمد الهباريُّ القرشيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّادُ بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بن الزُّبيرِ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ) بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة المخففة (بِنْتِ الزُّبَيْرِ) بن عبد المطلب الهاشميَّة بنت عمِّ النَّبيِّ ﷺ (فَقَالَ لَهَا: لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الحَجَّ. قَالَتْ: واللهِ لَا) ولأبي ذرٍّ: «مَا» (أَجِدُنِي) أي: ما أجدُ نَفسي (إِلَّا وَجِعَةً).
واتِّحادُ الفاعلِ والمفعولِ مع كونهما ضميرين لشيءٍ واحدٍ من خصائصِ أفعالِ القلوبِ، وقوله: «وَجِعةً» -بفتح الواو وكسر الجيم- أي: ذات مرضٍ (فَقَالَ) ﷺ (لَهَا: حُجِّي وَاشْتَرِطِي) أنَّك حيثُ عجزت عن الإتيانِ بالمناسكِ وانحبست (١) عنها بحسبِ قوَّةِ المرضِ تحلَّلت (قُولِي) ولأبي ذرٍّ (٢): «وقُولِي»: (اللَّهُمَّ مَحِلِّي) بفتح الميم وكسر الحاء، ولأبي ذرٍّ بفتحها، أي: مكان تحلُّلِي من الإحرامِ (حَيْثُ حَبَسْتَنِي) فيه عن النُّسك بعلَّة المرضِ.
ومباحثُ ذلك سبقَتْ في «الحجِّ» في «أبواب المحصَر» (وَكَانَتْ) ضباعةُ (تَحْتَ المِقْدَادِ ابْنِ الأَسْوَدِ) هو ابنُ عَمرو بن ثعلبةَ بن مالكٍ الكنديِّ، ونسب إلى الأسودِ بن عبدِ يغوثَ بنِ وهب بنِ عبد منافِ بنِ زهرةَ لكونه تبنَّاهُ، فكان من حلفاءِ قريشٍ، وتزوَّجَ ضُبَاعةَ وهي هاشميَّةٌ، ففيه أنَّ النَّسبَ لا يعتبرُ في الكفاءةِ، وإلَّا لما جازَ له أن يتزوَّجها لأنَّها فوقهُ في النَّسبِ. وأُجيب باحتمالِ أنَّها وأولياءهَا أسقطُوا حقَّهُم من الكفاءةِ.
стр. 9453
٥٠٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرهِدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابنِ عمر العمريِّ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) كيسانَ (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: تُنْكَحُ المَرْأَةُ (١)) بضم التاء وفتح الكاف مبنيًّا للمفعول، و «المرأةُ» رفع به (لأَرْبَعٍ) من الخصالِ (لِمَالِهَا) بدل من السَّابقِ بإعادةِ العاملِ لأنَّها إذا كانَت ذاتَ مالٍ لا (٢) تكلِّفُه (٣) في الإنفاقِ وغيرِه فوقَ طاقتهِ. وقول المهلَّبِ: إنَّ في الحديثِ دليلًا على أنَّ للزَّوجِ الاستمتاعَ بمالِ زوجتهِ، فإن طابَت نفسُها بذلك حلَّ له، وإلَّا فلهُ من ذلك قدر ما بذلَ لها من الصَّداقِ. تُعقِّب بأنَّه ليسَ في الحديثِ ما ذكره من التَّفصيلِ، ولم ينحصِر قصدُه في الاستمتاعِ بمالِها، فقد يقصدُ ترجِّي حصولِ ولدٍ منها، فيعودُ إليه مالها بالإرثِ، أو أن تستغنِي عنه بمالِها عن مطالبتِهِ بما يحتاجُ إليه غيرُها من النِّساء كما مرَّ، وأما استدلالُ بعض المالكيَّة به على أنَّ للرَّجلُ أن يحجرَ على زوجتهِ في مالِها معلِّلًا بأنَّه إنَّما تزوَّجها لمَالِها فليسَ لها تفويتُهُ؛ ففيهِ نظرٌ لا يخفى (وَ) تنكحُ المرأةُ أيضًا (لِحَسَبِهَا) بإعادةِ الجارِ أيضًا، وفتح الحاء (٤) والسين المهملتين ثم موحدةٌ، أي: لشرفِها، والحسبُ في الأصلِ الشَّرفُ بالآباءِ وبالأقاربِ، مأخوذٌ من الحسابِ لأنَّهم كانُوا إذا تفاخرُوا عدُّوا مناقِبَهم ومآثر آبائهِم وقومِهِم وحسبُوها، فيُحكم لمن زادَ عددُه على غيرِه، وقد (٥) قال أكثَم بن صيفيٍّ: يا بني تميم، لا يغلبنَّكُم جمالُ النِّساءِ على صراحةِ الحسبِ (٦)، فإنَّ المناكحَ الكريمةَ مدرجةٌ للشَّرفِ.
وقال بكيرٌ الأسديُّ:
وأوَّلُ خُبْثِ المرءِ خُبْثُ تُرابِهِ … وأوَّلُ لُؤمِ المرْءِ لُؤمُ المَنَاكحِ
стр. 9454
وقال آخرُ:
إِذَا كنْتَ تَبْغي أيِّمًا بجَهَالةٍ … منَ النَّاسِ فانظُرْ مَنْ أَبُوها وخَالُها
فإنَّهُمَا مِنْها كمَا هيَ (١) مِنْهُما … كَقَدِّكَ نَعْلًا إنْ أُرِيد مِثَالُها
ولَا تَطْلبِ البيْتَ الدَّنِيءَ فِعَالُه … ولَا يَدْعُ ذَا عَقْلٍ لوَرْهَاء مَالُها
فإنَّ الَّذِي تَرْجو منَ المَالِ عِنْدَها … سَيأتي عَلَيه شُؤمُها وخَبَالُها
وقيل: المراد بالحسبِ المالُ، ورُدَّ بذكرِ المالِ قبله وعطفه عليهِ، وعند النَّسائيِّ وصحَّحه ابن حبَّان والحاكمُ من حديث بريدةَ رفعه: «إنَّ أحسابَ أهلِ الدُّنيا الَّذي يذهبونَ إليهِ المالُ». وفي حديث ميمونة المرفوع -ممَّا صحَّحه التِّرمذي والحاكم-: «الحسَبُ المالُ، والكَرَمُ التَّقوَى» وحملَ على أنَّ المرادَ أنَّ المالَ حسبُ من لا حسبَ له. وروى الحاكمُ حديث: «تخيَّرُوا لنُطفِكُم» فيكرهُ نكاح بنت الزِّنا، وبنتِ الفاسقِ.
قال الأذرعيُّ: ويشبهُ أن تلحقَ بهما اللَّقيطةُ ومن لا يعرفُ أبوهَا (وَ) تُنكحُ أيضًا لأجلِ (جَمَالِهَا) ولم يعدِ العامل في هذهِ (٢)، والجمالُ مطلوبٌ في كلِّ شيءٍ، لاسيَّما في المرأةِ التي تكونُ قرينةً وضجيعةً، وعند الحاكمِ حديث: «خيرُ النِّساءِ من تُسَرُّ إذا نظرْتَ، وتُطيعُ إذا أمَرْتَ».
قال الماورديُّ: لكنَّهم كَرِهوا ذاتَ الجمالِ الباهرِ فإنَّها تزهُو بجَمَالها.
(وَ) تنكحُ (٣) (لِدِينِهَا) بإعادة اللَّام، وفي مسلمٍ بإعادتها في الأربعِ، وحذفت هنا في قوله: «وجمالها» فقط (فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ) ولمسلمٍ من حديث جابرٍ: «فعليكَ بذاتِ الدِّينِ»، والمعنى -كما قال القاضِي ناصر الدِّين (٤) البيضاويُّ-: إنَّ اللائِقَ بذوي المروءاتِ وأربابِ
стр. 9455
الدِّياناتِ أن يكون الدِّينُ مطمح نظرِهِم في كلِّ شيءٍ، لاسيَّما فيما يدومُ (١) أمرهُ ويعظُمُ خطرهُ، فلذا اختارهُ ﷺ بآكد وجه وأبلغه، فأمرَ بالظَّفر الَّذي هو غايةُ البغيةِ، ومُنتهى الاختيارِ والطَّلبِ، الدَّال على تضمُّنِ المطلوبِ لنعمةٍ عظيمةٍ وفائدةٍ جليلةٍ.
وقال في «شرح المشكاة»: قوله: «فاظفَرْ» جزاء شرط محذوفٍ، أي: إذا تحقَّقتَ ما فصَّلْتُ لك تفصيلًا بيِّنًا فاظفَر أيُّها المسترشِدُ بذاتِ الدِّينِ فإنَّها تكسبكُ منافعَ الدَّارينِ، قال: واللَّاماتُ المكرَّرةُ مؤذنةٌ بأنَّ كلًّا منهنَّ مستقلَّة في الغرضِ. وروى ابن ماجه حديثَ ابن عمر مرفوعًا: «لا تزوَّجُوا النِّساء لحُسْنِهنَّ، فعَسَى حُسْنهنَّ أنْ يُرْدِيَهنَّ -أي (٢): يهلكهُنَّ- ولا تزوَّجُوهنَّ لأموالِهِنَّ، فعَسَى أموالهنَّ أن تطغيهُنَّ (٣)، ولكن تزوَّجُوهنَّ على الدِّينِ، ولأمةٌ سوداءُ ذاتُ دينٍ أفضَلُ» (٤).
(تَرِبَتْ يَدَاكَ) أي: افتقرتَا إن خالفْتَ ما أمرتُكَ به، يقال: تربَ الرَّجلُ إذا افتقرَ، وهي كلمةٌ جاريةٌ على ألسِنَتِهم لا يريدونَ بها حقيقَتَها (٥). وقيل: فيه تقديرُ شرطٍ كما مرَّ، ورجَّحه ابن العربيِّ لتَعَدِّيهِ ذواتِ الدِّين إلى ذواتِ الجمالِ والمالِ، ورجِّح عدمُ إرادةِ الدُّعاءِ عليه، وذلك لأنُّهم كانُوا إذا (٦) رَأوا مِقدَامًا في الحربِ أَبلى بلاءً حسنًا يقولون: قاتلَهُ اللهُ ما أشجَعهُ! وإنَّما يريدونَ به ما يزيدُ قوَّتهُ وشجاعتَهُ، وكذلك ما نحنُ فيه، فإنَّ الرجلَ إنَّما يؤثرُ تلكَ الثَّلاثة على ذاتِ الدِّينِ لإعدامها مالًا وجمالًا وحسبًا، فينبغي أن يحملَ الدُّعاء على ما يجبرُ عليه من الفقرِ، أي: عليكَ بذاتِ الدِّينِ يُغنك الله، فيوافقُ معنَى الحديثِ النَّصَّ التَّنزيليَّ: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] والصالحُ هو صاحبُ الدِّينِ، قاله في «شرح المشكاة».
стр. 9456
وفي الحديث -كما قال النَّوويُّ - الحثُّ على مصاحبةِ أهلِ الصَّلاحِ في كل شيءٍ لأنَّ من صاحبَهُم استفادَ من أخلاقِهِم وبركتِهِم وحسنِ طرائقِهِم، ويأمنُ المفسدةَ (١) من جهتِهِم.
وحكى محيي السُّنَّة: أنَّ رجلًا قال للحسنِ (٢): إن لِي بنتًا أحبُّها، وقد خَطبها غيرُ واحدٍ، فمَن ترى أن أزوِّجَها؟ قال: زوِّجهَا رجلًا يتَّقِي الله؛ فإنَّه إن أحبَّها أكرَمَها، وإن أبغَضَها لم يظلِمْها.
قال الغزاليُّ في «الإحياء»: وليسَ أمرهُ ﷺ بمراعاةِ الدِّينِ نهيًا عن مراعاةِ الجمالِ (٣)، ولا أمرًا بالإضرابِ عنهُ، وإنما هو نهيٌ عن مراعاتهِ مجرَّدًا عن الدِّين، فإنَّ الجمالَ في غالبِ الأمرِ يرغبُ الجاهلَ في النِّكاح، دونَ التفاتٍ إلى الدِّينِ ولا نظرٍ إليهِ، فوقعَ النَّهيُ عن هذا. قال: وأمرُ النَّبيِّ ﷺ لمن يريدُ التَّزوج بالنَّظرِ إلى المخطوبةِ يدلُّ على مراعاةِ الجمالِ، إذ النَّظرُ لا يفيدُ معرفةَ الدِّين، وإنَّما يعرفُ به الجمالُ أو القبحُ.
وممَّا يُسْتحبُّ في المرأةِ أيضًا أن تكون بالغةً -كما نصَّ عليه الشَّافعيُّ- إلَّا لحاجةٍ، كأنْ لا يعفُّهُ (٤) غيرُها، أو مَصْلحةٍ كتزوُّجه ﷺ عائشةَ.
وأن تكون عاقلةً. قال في «المهمات»: ويتَّجهُ أن يرادَ بالعقلِ هنا العقلُ العرفيُّ، وهو زيادةُ علَّة مناطِ التَّكليفِ. انتهى. والمتَّجهُ أن يرادَ أعمُّ من ذلك.
وأن تكون قرابةً غير قريبةٍ لقوله ﷺ : «لا تنكِحُوا القرابَةَ القريبَةَ فإنَّ الولدَ يخلَقُ ضَاوِيًا» ذكره في «الإحياء». وقوله: ضَاويًا، أي: نحيفًا لضعفِ الشَّهوة. قال الزَّنجانيُّ: ولأنَّ من مقاصدِ النِّكاحِ اشتباكُ القبائلِ لأجلِ التَّعاضُد واجتماعِ الكلمةِ، وهو مفقودٌ في نكاحِ القريبة. وتوقَّف السُّبكيُّ في هذا الحكمِ لعدم صحَّةِ الحديثِ الدَّال عليه، فقد قال ابنُ الصَّلاح: لم أجدْ له أصلًا معتمدًا (٥). قال السُّبكيُّ: فلا ينبغِي إثباتهُ لعدمِ الدَّليل. انتهى. وقال الحافظ زينُ الدِّين العراقيُّ: والحديثُ المذكورُ إنَّما يعرفُ من قولِ عمر أنَّه قال لآلِ السَّائبِ: قد أضويتُم، فانكحوا في الغرائب.
стр. 9457
قال الشَّاعر:
تَخيَّرتُها للنَّسْلِ وهْيَ غَرِيبةٌ … فقَدْ أَنْجَبتْ، والمُنْجِباتُ الغَرَائبُ
وما ذكر (١) في «الروضة» من أنَّ القريبةَ أَولى من الأجنبيَّةِ هو مقتَضَى كلام الجماعةِ، ولكن ذكر صاحب «البحر» و «البيان» أن الشَّافعيَّ نصَّ على أنَّه يستحبُّ أن لا يتزوَّجَ من عشيرتهِ. ولا يشكلُ ما ذُكر بتزوُّجِ (٢) النَّبيِّ ﷺ زينبَ مع أنَّها بنتُ عمَّته لأنَّه تزوَّجها بيانًا للجوازِ، ولا بتزوُّجِ عليٍّ فاطمةَ لأنَّها بعيدةٌ في الجملة؛ إذ هي بنتُ ابن عمِّه لا بنت عمِّه، وأن لا تكون ذات ولدٍ لغيرهِ إلَّا لمَصْلحةٍ، كما تزوَّج النَّبيُّ ﷺ أمَّ سلمةَ ومعها ولدُ أبي سلمةَ للمصلحةِ، وأن لا يكون لها مطلِّقٌ يرغبُ في نكاحِهَا، وأن لا تكونَ شقراءَ؛ فقد أمرَ الشَّافعيُّ الرَّبيعَ أن يردَّ الغلامَ الأشقرَ الَّذي اشتراهُ له، وقال: ما لقيتُ من أشقرَ خيرًا.
وحديث الباب أخرجهُ مسلمٌ أيضًا في «النِّكاح»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.
٥٠٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي، أبو إسحاقَ الزُّبيريُّ الأسديُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) عبد العزيزِ (عَنْ أَبِيهِ) أبي حازمٍ سلمةَ بن دينار (عَنْ سَهْلٍ) أي: ابن سعدٍ السَّاعديِّ الأنصاريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ) غنيٌّ، لم يقفِ الحافظُ ابن حجرٍ على اسمه (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ) للحاضرين من أصحابِه: (مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟ قَالُوا: حَرِيٌّ) بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وتشديد التحتية، أي: حقيقٌ (إِنْ خَطَبَ) امرأةً (أَنْ يُنْكَحَ) بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (وَإِنْ شَفَعَ) في أحدٍ (أَنْ يُشَفَّعَ) بضم أوله وتشديد
стр. 9458
الفاء المفتوحة، أي: أن تقبل شفاعتَهُ (وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ) قوله (قَالَ) سهلٌ: (ثُمَّ سَكَتَ) رسولُ الله ﷺ (فَمَرَّ رَجُلٌ) آخرُ، قيل: إنَّه جعيلُ بن سراقةَ كما في «مسند الرُّوياني»، و «فتوح مصر» لابنِ عبد الحكم، وغيرهما (مِنَ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ) ﷺ : (مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا) الفقير المارِّ؟ (قَالُوا): هو (حَرِيٌّ) حقيقٌ (إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْتَمَعَ) لقوله لفقرهِ، وكان صالحًا دميمًا قبيحًا (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَذَا) الفقيرُ (خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَِ هَذَا) الغنيِّ، وإطلاقُهُ التَّفضيل على الغنيِّ المذكورِ لا يلزمُ منه تفضيلُ كلِّ فقيرٍ على كلِّ غنيٍّ كما لا يخفَى. نعم فيه تفضيلهُ مطلقًا في الدِّينِ، فيطابقُ التَّرجمة، وقولهُ: «ملء» بالهمز، و «مثلَِ» بالنَّصب والجرِّ.
وهذا الحديث أخرجهُ البخاريُّ أيضًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٤٧] وابن ماجه في «الزُّهد».
(١٦) (بابُ) حكمِ (الأَكْفَاءِ فِي المَالِ) واختلفَ فيه، والأشهرُ عند الشافعيَّة أنَّه لا أثرَ له في الكفاءَةِ، فالمعسرُ كفءٌ للموسرَةِ لأنَّ المال غادٍ ورائحٌ، ولا يفتخرُ به أهلُ (١) المروءاتِ والبصائرِ. نعم لو زَوَّجَ الوليُّ بالإجبارِ مولِّيَتهُ مُعسرًا بغيرِ رضاها بمهرِ المثلِ لم يصحَّ النِّكاحُ لأنَّه بخَسَ حقَّها، كتَزْويجها (٢) بغيرِ كفءٍ. نقله في «الروضة» عن فتاوى القاضي، ومنعه البُلقينيُّ، وقال الزَّركشيُّ (٣): هو مبنيٌّ على اعتبارِ اليسارِ، مع أنَّه نقلَ عن عامَّة الأصحابِ عدم اعتبارهِ. انتهى.
ونقلَ صاحبُ «الإفصاحِ» -فيما حكاه في «الفتح» - عن الشَّافعيِّ أنَّه قال: الكفاءةُ في الدِّينِ والمالِ والنَّسبِ، وجزم باعتبارهِ أبو الطَّيبِ والصَّيمريُّ (٤) وجماعةٌ، واعتبرهُ الماورديُّ في أهلِ الأمصارِ، وخصَّ (٥) الخلافَ بأهلِ البوادِي والقُرى المتفاخرين بالنَّسب دون المالِ. انتهى.
(وَتَزْوِيجِ المُقِلِّ) بالجرِّ عطفًا على سابقه، والمُقِلُّ: بضم الميم وكسر القاف وتشديد اللام،
стр. 9459
الفقيرُ (المُثْرِيَةَ) بضم الميم وسكون المثلثة وفتح التحتية: الَّتي لها ثَرَاء -بفتح المثلثة (١) والراء والمد- (٢) هو الغِنَى.
٥٠٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة وفتح الكاف، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابن خالد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلمٍ الزهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير: (أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂¬) عن تفسيرِ قوله تعالى: (﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾) وللأربعةِ: «فإِن خِفتُم» (﴿أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣] قَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي) أسماءَ (هَذِهِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «هي» (اليَتِيمَةُ) التي مات أبوهَا (تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا) القائم بأمورِها (فَيَرْغَبُ فِي جَمَالِهَا وَمَالِهَا، وَيُرِيدُ أَنْ يَنْتَقِصَ صَدَاقَهَا) عن (٣) مهرِ مثلِها (فَنُهُوا) بضم النون والهاء (عَنْ نِكَاحِهِنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا) بضم أوله وكسر ثالثه (٤)، يعدِلُوا (فِي إِكْمَالِ الصَّدَاقِ) على عادتِهن في ذلك (وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ) أي: من النِّساءِ كما في الرِّواية (٥) الأخرى (قَالَتْ) أي: عائشةُ: (وَاسْتَفْتَى النَّاسُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾) سقطت الواو «﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾» الأَولى عند الأربعةِ (﴿فِي النِّسَاء﴾
стр. 9460
إِلَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]) لجمالِهنَّ، أو عن أن تنكحوهُنَّ لدَمَامتهِنَّ (فَأَنْزَلَ اللهُ لَهُمْ أَنَّ اليَتِيمَةَ إِذَا كَانَتْ ذَاتَ جَمَالٍ وَمَالٍ رَغِبُوا فِي نِكَاحِهَا وَنَسَبِهَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وسنَّتها» (فِي إِكْمَالِ الصَّدَاقِ، وَإِذَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ (١): «وإنْ» (كَانَتْ مَرْغُوبَةً عَنْهَا فِي قِلَّةِ المَالِ وَالجَمَالِ تَرَكُوهَا، وَأَخَذُوا غَيْرَهَا مِنَ النِّسَاءِ، قَالَتْ: فَكَمَا يَتْرُكُونَهَا حِينَ يَرْغَبُونَ عَنْهَا فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَنْكِحُوهَا إِذَا رَغِبُوا فِيهَا إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهَا وَيُعْطُوهَا حَقَّهَا الأَوْفَى فِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «مِن» (الصَّدَاقِ) وكان عمرُ بن الخطَّابِ إذا جاءهُ وليُّ اليتيمةِ نظر، فإن كانَت جميلةً غنيَّةً قال: زوِّجها غيركَ، والتَمِس لها من هو خيرٌ منكَ، وإن كانَتْ دميمةً ولا مالَ لها قال: تزوَّجهَا، فأنتَ أحقُّ بها.
وحديثُ الباب مرَّ في «التَّفسير» [خ¦٤٥٧٤].
(١٧) (بابُ مَا يُتَّقَى مِنْ شُؤْمِ المَرْأَةِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ﴾ [التغابن: ١٤]).
قدَّم الأزواجَ لأنَّ المقصودَ الإخبارُ بأنَّ منهم أعداء، ووقوعُ ذلك في الأزواجِ أكثر منه في الأولادِ، فكان أقعدَ في المعنى المراد، فكان تقديمُه أولَى، وأشارَ البخاريُّ بإيرادِ ذلك إلى اختصاصِ الشُّؤمِ ببعضِ الأزواجِ دونَ بعضٍ لما دلَّت عليه الآيةُ من التَّبعيض.
٥٠٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويسٍ (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمامُ الأعظمُ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي (وَسَالِمٍ ابْنَيْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (عَنْ) أبيهما (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيَّ» (¬ ﷺ قَالَ:
стр. 9461
الشُّؤْمُ) الَّذي هو ضدُّ اليُمن، يقال (١): تشاءَمْت بكذا، وتيمَّنْت بكذا. وواوُ «الشُّومِ» همزةٌ، لكنَّها خُفِّفت فصارَت واوًا، غلبَ عليها التَّخفيفُ حتَّى لم يُنطَقْ بها مهموزة (فِي المَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالفَرَسِ) ونقلَ الحافظُ أبو ذرٍّ الهرويُّ عن البخاريِّ: أن شؤمَ الفرسِ إذا كان حَرُونًا، وشؤمَ المرأةِ سوءُ خُلقها، وشؤمَ الدَّارِ سوءُ جارها. وقال غيره: شؤمُ الفرسِ أن لا يُغزَى عليها، وشؤمُ المرأةِ أن لا تلدَ، وشؤمُ الدَّارِ ضيقُها. وقيل: شؤمُ المرأةِ غلاءُ مهرِها. وللطَّبرانيِّ من حديثِ أسماء: «إنَّ من شقاءِ المرءِ في الدُّنيا سوءَ الدَّارِ والمرأةِ والدَّابةِ»، وفيه: سوءُ الدَّارِ ضيقُ ساحتها وخبثُ جيرانها، وسوءُ الدَّابةِ منعُها ظهرها، وسوءُ المرأةِ عقمُ رحمِها وسوءُ خلقها. وفي حديث سعد بن أبي وقاصٍ مرفوعًا عند أحمدَ، وصحَّحه ابن حبَّان والحاكم: «من سعادةِ ابن آدمَ ثلاثةٌ: المرأةُ الصَّالحةُ، والمسكنُ الصالِحُ، والمركبُ الصَّالِحُ، ومن شقاوةِ ابن آدمَ ثلاثةٌ: المرأَةُ السُّوءُ، والمسكَنُ السُّوءُ، والمركبُ السُّوءُ». وفي رواية لابن حبَّان: «المركَبُ الهنيءُ، والمسكَنُ الواسِعُ»، وفي روايةٍ للحاكم (٢): «وثَلاثٌ من الشَّقاءِ: المرأةُ تَرَاها فتسُوءكَ، وتحملُ لِسَانها عليكِ، والدَّابَّةُ تكون قَطُوفًا، فإن ضَربتَهَا أَتعبَتْك (٣)، وإن تَرْكتَها لم تلحَقْ أصحابَكَ، والدَّارُ تكونُ ضيِّقةً قليلةَ المرافِقِ».
وحديث الباب سبق في «الجهاد» [خ¦٢٨٥٨].
٥٠٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ) البصريُّ، ولأبي ذرٍّ: «المنهَال» قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضم الزاي وفتح الراء، قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بضم العين (العَسْقَلَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ) محمد بن زيد بنِ عبد اللهِ بنِ عمر بنِ الخطَّاب (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ أنَّه (قَالَ: ذَكَرُوا الشُّؤْمَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ) حاصلًا (فَفِي الدَّارِ وَالمَرْأَةِ
стр. 9462
وَالفَرَسِ) يعني: أنَّ الشُّؤمَ لو كان له وجودٌ في شيءٍ لكانَ في هذه الأشياءِ، فإنَّها أقبلُ الأشياءِ له، لكن لا وجودَ له فيها أصلًا. وعلى هذا فالشُّؤمُ في الحديثِ السَّابقِ وغيره محمولٌ على الإرشادِ منه ﷺ ؛ يعني: إن كانَت له دارٌ يكرهُ سُكْناها، أو امرأةٌ يكرهُ صُحْبتها، أو فرسٌ لا تعجِبُه فليفارِق بالانتقالِ من الدَّارِ، ويطلقُ المرأةَ، ويبيعُ الفرس، حتَّى يزولَ عنه ما يجدهُ في نفسهِ من الكراهَةِ.
٥٠٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بنِ دينار (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنْ كَانَ) أي: الشُّؤمُ حاصلًا (فِي شَيْءٍ فَفِي الفَرَسِ وَالمَرْأَةِ وَالمَسْكَنِ) زاد مالكٌ في «الموطأ» في آخره: «يعني: الشُّؤم». واتَّفقتْ نُسخ البُخاريِّ كلُّها على إسقاط: «الشُّؤمِ» في هذه الرواية.
وسبقَ هذا الحديثُ في «الجهاد» [خ¦٢٨٥٩] وفي (١) ذكر هذين الحديثينِ بعد الآية السَّابقة -كما قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ- إشارةٌ إلى تخصيصِ الشُّؤمِ بمَن تحصُلُ منها العداوةُ والفتنةُ، لا كما يفهمهُ بعضُ النَّاسِ من التَّشاؤمِ بكعبِها، وأنَّ لها تأثيرًا في ذلك، وهو شيءٌ لا يقولُ به أحدٌ من العلماء، ومن قال: إنَّها سببُ ذلك فهو جاهلٌ، وقد أطلقَ الشَّارعُ على من ينسبُ المطرَ إلى النَّوءِ الكفرَ، فكيف بمَن ينسبُ ما يقعُ من الشَّرِّ إلى المرأةِ ممَّا ليس لها فيه مدخلٌ؟ وإنَّما يتَّفقُ موافقةَ قضاءٍ وقدرٍ، فتنفرُ النَّفسُ من ذلك، فمَن وقع له ذلك فلا يضرُّهُ أن يتركها، من غيرِ أن يعتقدَ نسبةَ الفعلِ إليها.
٥٠٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن طرخانَ (التَّيْمِيِّ) البصريِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن مُلٍّ (النَّهْدِيَّ) بفتح
стр. 9463
النون وسكون الهاء وكسر الدال المهملة (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ) فالفتنةُ بهنَّ أشدُّ من الفتنةِ بغيرهنَّ، ويشهدُ لذلكَ قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء﴾ [آل عمران: ١٤] فجعلَ الأعيانَ التي ذكرَها شهوات، حين أوقعَ الشَّهواتِ أولًا مُبهمًا ثمَّ بيَّنها بالمذكوراتِ، فعلمَ أنَّ الأعيانَ هي عينُ الشَّهواتِ، فكأنَّه قيل: زيِّنَ حبُّ الشَّهواتِ الَّتي هي النِّساءُ، فَجُرِّدَ من النِّساءِ شيءٌ يسمَّى شهوات، وهي نفسُ الشَّهواتِ، كأنَّه قيل: هذه الأشياءُ خلقَتْ للشَّهواتِ والاستمتاعِ (١) بها لا غير، لكنَّ المقامَ يقتضِي الذَّمَّ، ولفظ الشَّهوةِ عند العارفينَ مسترذلٌ، والتَّمتُّعُ بالشَّهوةِ نصيبُ البهائمِ، وبدأَ بالنِّساءِ قبلَ بقيَّةِ الأنواعِ إشارة إلى أنهنَّ الأصلُ في ذلك، وتحقيقُ كون الفتنة بهنَّ أشدَّ: أنَّ الرَّجل يحبُّ الولدَ لأجلِ المرأةِ، وكذا يحبُّ الولد الَّذي أمهُ في عصمتهِ، ويرجِّحهُ على الولدِ الذي فارقَ أمَّه بطلاقٍ أو وفاةٍ غالبًا، وقد قال مجاهدٌ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] قال: تحمِلُ الرَّجلَ على قطيعةِ الرَّحمِ، أو معصيةِ ربِّهِ، فلا يستطيعُ مع حبِّهِ إلَّا الطَّاعة، وقال بعضُ الحُكماء: النِّساءُ شرٌّ كلُّهنَّ، وأشرُّ ما فيهن عدمُ الاستغناءِ عنهنَّ، ومع أنهنَّ ناقصاتُ عقلٍ ودينٍ يحملنَ الرَّجلَ على تعاطِي ما فيه نقصُ العقلِ والدِّينِ، كشغلهِ عن طلبِ أمورِ الدِّينِ، وحمله على التَّهالُكِ على طلبِ الدُّنيا، وذلك أشدُّ الفسادِ.
(١٨) (بابُ) جواز كونِ (الحُرَّةِ تَحْتَ العَبْدِ) زوجةً له إذا رضيَتْ بذلك.
٥٠٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ
стр. 9464
أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) المشهور بربيعة الرَّأي (عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي: ابن أبي بكر الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ) بفتح الموحدة وكسر الراء الأولى، عتيقةُ عائشة (١) (ثَلَاثُ سُنَنٍ) بضم السين وفتح النون الأولى، أي: طرق، جمعُ سُنَّة، وهي الطَّريقةُ، وإذا أطلقَتْ في الشَّرعِ فالمراد بها: ما أمرَ به النَّبيُّ ﷺ ونهى عنهُ وندبَ إليه قولًا وفعلًا، ممَّا لم ينطِقْ به الكتابُ العزيزُ، ولذا (٢) يقال في أدلَّة الشَّرع: الكتاب والسُّنَّة.
إحداها: أنَّها (عَتَقَتْ) بفتحات، عتقتها (٣) عائشة (فَخُيِّرَتْ) بضم الخاء المعجمة مبنيًّا للمفعول، خيَّرها ﷺ في فسخِ نكاحِها من زوجِهَا مغيث وبين المقامِ معه -وكان عبدًا- فاختارَتْ نفسَها. وفي مرسل عامرٍ الشَّعبيِّ عند ابنِ سعدٍ في «طبقاته»: أنَّه ﷺ قال لها لما أعتقَتْ: «قد عتقَ بضعُكِ معكِ فاختارِي» وهذا مذهبُ المالكيَّة والشَّافعيَّة لتضرُّرها بالمُقَام تحتَه من جهةِ أنَّها تتعيَّر (٤) به، وأنَّ لسيدِهِ منعهُ عنها، وأنَّه (٥) لا ولايةَ له على ولدِهِ، وغير ذلك، وهذا بخلافِ ما إذا عتقَتْ تحت حرٍّ لأنَّ الكمالَ الحادِثَ لها حاصلٌ له، فأشبه ما إذا أسلمَتْ كتابيةٌ تحت مسلمٍ، ولو عتقَ بعضُها فلا خيارَ لبقاءِ النُّقصانِ وأحكام الرِّقِّ، ويُستثنى من ذلك ما إذا أعتقَهَا مريضٌ قبل الدُّخولِ، وهي (٦) لا تخرُجُ من ثلثه إلَّا بالصَّداق (٧) فلا خيارَ لها لأنَّها لو فسخَت سقطَ مهرُها، وهو من جملةِ المالِ، فيضيقُ الثُّلث عن الوفاءِ بها، فلا
стр. 9465
تعتقُ كلُّها، فلا يثبتُ الخيارُ، وكلُّ ما أدَّى ثبوتهُ إلى عدمِه استحال ثبوتهُ، وهذهِ من صورِ الدَّورِ الحكميِّ (١)، وليس في هذا الحديثِ التَّصريح بكون زوجِ بريرةَ عبدًا ولا حرًّا، لكنَّ صنيعَ البخاريِّ يدلُّ على أنَّه يميلُ إلى أنَّه كان حين عتقتْ عبدًا، وعنده في «الطَّلاقِ» من حديث عكرمةَ عن ابن عبَّاس: أنَّه كان عبدًا [خ¦٥٢٨٢] وعند أبي داود والتِّرمذيِّ والنَّسائيِّ وابن ماجه من حديث الأسود عن عائشةَ: أنَّه كان حرًّا، وحملهُ بعض الحنفيَّةِ على أنَّهُ كان حُرًّا عندما خيِّرت، وعبدًا قبل. قال: الحريَّة تعقب الرِّقَّ، ولا ينعكسُ، فمن أخبرَ بعبوديَّته لم يعلَم بحريَّته، ولم يخيِّرها ﷺ لأنَّه كان عبدًا ولا لأنَّه كان حرًّا، وإنَّما خيَّرها للعتقِ لأنَّ الأمةَ إذا أعتقَتْ لها الخيارُ في نفسِها، سواءٌ كان زوجُها حرًّا أم عبدًا. وقد (٢) أفرد ابن جريرٍ الطَّبريُّ وابنُ خزيمة مؤلَّفًا في الاختلاف: هل كان مغيثٌ حرًّا أم عبدًا؟
وبقيَّةُ مباحثِ هذا يأتي إن شاء الله تعالى في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٧٩].
(وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) في شأنِ بريرةَ، لما أرادَتْ عائشة أن تشتريَها وتُعتقها، وشرط مواليها أن يكون الولاءُ لهم: (الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) الجار والمجرور خبر المبتدأ الَّذي هو الولاءُ، أي: كائنٌ أو مستقرٌّ لمن أعتقَ؛ وبه يتعلَّق حرف الجرِّ، و «مَن»: موصول، و «أعتقَ»: في موضع الصِّلة، والعائد ضميرُ الفاعل.
وسبق في «العتقِ» [خ¦٢٥٦٠] ما في الحديث من المباحث.
(وَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَبُرْمَةٌ عَلَى النَّارِ) بضم الموحدة وسكون الراء. قال ابن الأثيرِ: هي القِدْرُ مطلقًا، وجمعها: بِرام، وهي في الأصل المتَّخذةُ من الحجرِ المعروفِ بالحجازِ، والواو في قوله: «وبرمةٌ» للحالِ (فَقُرِّبَ إِلَيْهِ) بضم القاف وتشديد الراء المكسورة (خُبْزٌ وَأُدْمٌ مِنْ أُدْمِ البَيْتِ) جمع إدام؛ كإزارٍ وأُزر، وهو ما يؤكلُ مع الخبزِ أيَّ شيءٍ كان، والإضافةُ إضافة تخصيصٍ (فَقَالَ) ﷺ : (لَمْ) وللأربعة: «ألم» (أَرَ البُرْمَةَ) أي: على النَّارِ فيها لحمٌ؟ والهمزة للتقرير، والفعلُ مجزومٌ بحذف الألف المنقلبة عن الياء (فَقِيلَ) له ﵊: هوَ (لَحْمٌ تُصُدِّقَ
стр. 9466
بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ) بضم التاء والصاد وكسر الدال المشددة مبنيًّا لما لم يُسمَّ فاعله، جملةٌ في محلِّ رفع صفةٍ لـ «اللحْم»، وسقط لغير أبي ذرٍّ لفظ «بِه» (وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ) لحرمتها عليك (١) (قَالَ) ﵊: (هُوَ) أي: اللَّحمُ (عَلَيْهَا) أي: على بريرةَ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «لَها» (صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ) والفرقُ بينهما أنَّ الصَّدقةَ إعطاءٌ للثَّوابِ، والهديَّةَ للإكرامِ.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الطلاق» [خ¦٥٢٧٩] و «الأطعمة» [خ¦٥٤٣٠]، وأخرجه مسلمٌ في «الزَّكاة» و «العتق»، والنَّسائيُّ في «الطَّلاق».
(١٩) هذا (بابٌ) بالتنوين: (لَا يَتَزَوَّجُ) الرَّجلُ (أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ) من النِّساء كما اتَّفق عليه الأربعة وجمهور المسلمين (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]) وأجازَ الرَّوافضُ تسعًا من الحرائرِ، ونُقل عن النَّخعيِّ وابنِ أبي ليلى لأنَّه بيَّن العددَ المحلَّلَ بمثنى وثلاثَ ورباع، وكذا المدبَّرةُ وأمُّ الولدِ بحرفِ الجمع (٢)، والحاصلُ عن ذلك تسعٌ. وقد تزوَّج ﵊ تسعًا، والأصل عدم الخصوصيَّة إلَّا بدليلٍ. وأجاز الخوارجُ ثمان عشرة لأنَّ المثنَّى وثلاثَ ورباعَ معدولٌ عن عددٍ مكرَّرٍ على ما عرفَ في العربيَّةِ، فيصير الحاصلُ ثمانية عشر، وحُكي عن بعضِ النَّاسِ إباحةُ أي عددٍ شاءَ بلا حصرٍ للعموماتِ من نحوِ: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ [النساء: ٣] ولفظُ مثنى … إلى آخره تعدادٌ عرفيٌّ لا قيد، كما يقال: خُذ من البحرِ ما شئتَ قربةً وقربتينِ وثلاثًا، والحجَّةُ عليهم أنَّ الإحلالَ، وهو قوله تعالى: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ لم يُسَق إلَّا لبيانِ العدد المحلَّل، لا لبيانِ نفسِ الحلِّ لأنَّهُ عرفَ من غيرِها قبلَ نُزولها كتابًا وسنَّةً، فكان ذكرهُ هنا معقبًا (٣) بالعددِ ليس إلَّا لبيانِ قصرِ الحلِّ عليه، أو هي لبيانِ الحلِّ المقيَّد بالعددِ لا مطلقًا، كيف وهو حالٌ من ﴿مَا طَابَ﴾ فيكونُ قيدًا في العاملِ وهو الإحلالُ المفهومُ من ﴿فَانكِحُواْ﴾ ثمَّ إن مَثْنَى معدولٌ عن عددٍ مكرَّرٍ لا يقفُ عندَ حدٍّ، هو اثنان اثنان هكذا إلى ما لا
стр. 9467
يقفُ، وكذا ثلاثٌ في ثلاثةٍ ثلاثةٍ، ومثلهُ رُبَاع في أربعةٍ أربعةٍ، فمؤدَّى التَّركيبِ على هذا: ما طابَ لكم ثنتينِ ثنتينِ جمعًا في العقدِ أو على التَّفريقِ، وثلاثًا ثلاثًا جمعًا أو تفريقًا، وأربعًا أربعًا كذلك، ثمَّ هو قيدٌ في الحِلِّ على ما ذكر، فانتهى الحلُّ إلى أربعٍ مخيَّرٌ فيهنَّ بين الجمعِ والتَّفريقِ، وأما حِلُّ الواحدةِ فقد كان ثابتًا قبلَ هذه الآية بحلِّ النِّكاحِ لأنَّه أقلُّ ما يتصوَّرُ بالواحدة، فحاصلُ الحال أنَّ حِلَّ الواحدةِ كان معلومًا، وهذا لبيان حِلِّ الزَّائدِ عليها إلى حدٍّ معيَّنٍ، مع بيانِ التَّخيير بين الجمعِ والتَّفريقِ في ذلك، وبه يتمُّ جوابُ الفريقين. قاله في «فتح القدير».
قال في «الكشاف»: معدولةٌ عن أعدادٍ مكررةٍ، أي: فانكحُوا الطَّيبات لكم معدوداتٍ هذا العدد ثنتين ثنتين (١)، وثلاثًا ثلاثًا، وأربعًا أربعًا، ولما كان الخطابُ للجميعِ وجبَ التَّكريرُ ليصيبَ كلَّ ناكحٍ يريدُ الجمعَ ما أرادَ من العددِ الَّذي أطلقَ له، كما تقولُ للجماعة: اقتسموا هذا المالَ وهو (٢) ألفُ درهمٍ درهمين درهمين، وثلاثةً ثلاثةً، وأربعةً أربعةً، ولو أفردْتَ لم يكن له معنى.
(وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ) بن عليِّ بن أبي طالبٍ (عَلَيْهِمَا) وعلى أبيهما (السَّلَامُ: يَعْنِي: مَثْنَى أَوْ ثُلَاثَ أَوْ رُبَاعَ. وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ) في سورة فاطر: (﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١]) (يَعْنِي: مَثْنَى أَوْ ثُلَاثَ أَوْ رُبَاعَ) أرادَ أن الواو بمعنى «أو» فهي للتنويعِ، أو هي عاطفةٌ على العاملِ، والتَّقديرُ: فانكحوا ما طابَ لكم من النِّساءِ مثنَى، وانكِحُوا ما طابَ لكم من النِّساءِ ثُلَاث، وانكِحُوا ما طابَ لكم من النِّساءِ رُبَاعَ. قال (٣) في «الفتح»: وهذا من أحسنِ الأدلَّةِ في الردِّ على الرافضةِ لكونهِ من تفسيرِ زين العابدينَ، وهو من أئمتهم الَّذين يرجعونَ إلى قولهِم ويعتقدونَ عصمتَهُم. انتهى.
وقال حمزةُ بن الحسينِ الأصفهانيُّ في «رسالته المعربة عن شرف الإعراب»: القولُ بأنَّ الواو بمعنَى «أو» عجزٌ عن درْكِ الحقِّ، واعلَمْ أنَّ الأعدادَ الَّتي تجتمعُ قسمانِ: قسمٌ يؤتَى به ليضمَّ بعضهُ إلى بعضٍ، وهو الأعدادُ الأصولُ نحو: ﴿ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]
стр. 9468
و ﴿ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] وقسمٌ يؤتَى بهِ لا ليضمَّ بعضه إلى بعضٍ، وإنما يرادُ به الانفرادُ لا الاجتماعُ، وهو الأعدادُ المعدولةُ، كهذه الآية وآيةِ فاطرٍ، أي: منهم جماعةٌ ذوو جناحينِ جناحينِ، وجماعةٌ ذوو ثلاثةٍ ثلاثةٍ، وجماعةٌ ذوو أربعةٍ أربعةٍ، فكل جنسٍ مفرد بعددٍ، وقال:
ولَكِنَّما أَهْلِي بوَادٍ أَنِيسُه … ذِئَابٌ تَبَغَّى النَّاسَ مَثْنى ومَوْحَد
ولم يقولُوا: ثُلاثٌ وخُماسٌ ويريدونَ ثمانية، كما قال تعالى: ﴿ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ وللجهلِ بموقعِ هذه الألفاظِ استعملها المتنبِّي في غير موضعِ التَّقسيمِ، فقال:
أُحَادٌ أَمْ سُدَاسٌ فِي أُحَادِ … لُيَيْلَتُنا المَنُوطةُ بالتَّنادِ
٥٠٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سلامٍ البيكنديُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ) بسكون الموحدة، ابنُ سليمان (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بن الزُّبيرِ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها قالت في قوله تعالى: (﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فإن خِفتُم» (﴿أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣]) أي: أن لا تعدِلُوا فيهم (قَالَ) أي: عروة عن عائشة، ولأبي ذرٍّ: «قالتْ)»: هي (اليَتِيمَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ) سقط لفظ «تكونُ» لأبي ذرٍّ (وَهْوَ وَلِيُّهَا) القائم بأمورها (فَيَتَزَوَّجُهَا عَلَى مَالِهَا، وَيُسِيءُ صُحْبَتَهَا) بضم الياء من الإساءةِ (وَلَا يَعْدِلُ فِي مَالِهَا، فَلْيَتَزَوَّجْ مَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من» (طَابَ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهَا مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) والإجماعُ على أنَّه لا يجوزُ للحرِّ أن ينكحَ أكثرَ من أربعٍ لما سبق، إلَّا قول رافضِي ونحوه ممَّن لا يعتدُّ بخلافهِ، فإنْ احتجُّوا بأنَّه ﷺ توفِّي عن تسعٍ ولنَا به أسوةٌ قلنَا: هذا من خصائصِهِ ﷺ كغيره من الأنبياء (١) فلا دليلَ فيه، وهو معارضٌ بقولهِ ﷺ لغيلانَ وقد أسلمَ وتحتهُ عشرُ نسوةٍ: «أَمْسِك أَربَعًا وفَارِق
стр. 9469
سَائِرهنُّ». رواه ابن حبَّان والحاكمُ وغيرهما وصحَّحوهُ، وهو يدلُّ على تخصيصِهِ ﷺ بذلكَ، فلو جمعَ الرَّجلُ خمسًا في عقدٍ واحدٍ لم يصحَّ نكاحهُنَّ إذ لا أولويَّةَ لإحداهنَّ على الباقياتِ، فإن كانَ فيهنَّ أختانِ اختصَّتَا بالبُطْلانِ دون غيرهما عملًا بتفريقِ الصَّفْقةِ، وإنَّما بطلَ فيهما معًا لأنَّه لا يمكنُ الجمعُ بينهما، ولا أولويَّةَ لإحداهُمَا على الأُخرى، أو مرتبًا فالخامسةُ.
وهذا الحديثُ قد سبقَ غير مرَّة [خ¦٢٤٩٤] [خ¦٢٧٦٣] [خ¦٥٠٩٢].
(٢٠) هذا (بابٌ) بالتنوينِ: في حكمِ الرَّضاعِ لقوله تعالى: (﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾) هو معطوفٌ على قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] قال في «الفتح»: ووقعَ هنا في بعضِ الشُّروحِ: «كتاب الرضاع» ولم أرهُ في شيءٍ من الأصولِ. انتهى. والرَّضَاع بفتح الراء وكسرها اسمٌ لمصِّ الثَّديِ وشربِ لبنهِ، وهذا جَرى على الغالبِ الموافق للُّغةِ، وإلَّا فهو اسمٌ لحصولِ لبنِ امرأةٍ، أو ما حصلَ منه في جوفِ طفلٍ، والأصلُ في تحريمهِ قبلَ الإجماعِ هذه الآية (وَ) حديث: (يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَة) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من الرَّضاعِ» (مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ) وهو مرويٌّ في «الصحيحين» [خ¦٢٦٤٥] وجعلَ سببًا للتَّحريمِ لأنَّ جزءًا من المرضعةِ -وهو اللَّبنُ- صار جزءًا للرَّضيعِ باغتذائِهِ به (١)، فأشبهَ منيَّها وحيضَهَا، وأركانهُ ثلاثةٌ: المرضعِ، فيشترطُ كونُها امرأةً حيَّةً بلغَت سنَّ الحيضِ، وإن لم تلِدْ، فلا تحريمَ بلبن رجلٍ وخنثَى، ولا لبن بهيمةٍ، ولا لبنٍ انفصلَ عن ميتةٍ. والثَّاني: اللَّبنُ، فيثبتُ به التَّحريمُ وإن تغيَّرَ كالجبْنِ والزُّبْدِ، أو عجنَ به دقيقٌ، أو خالطهُ ماءٌ، أو مائعٌ وغلبَ اللَّبنُ على الخليطِ، وكذا لو كان مغلوبًا بحيثُ لم يبقَ من صفاتِهِ الثَّلاثِ -الطَّعم واللَّون والرِّيح- حسًّا وتقديرًا شيءٌ، فإنَّه يثبتُ به التَّحريمُ، لكن يشترطُ شربُ الجميعِ وكون اللَّبن المخلوط مقدار ما لو كان منفردًا (٢) أثَّر في التَّحريم بأن يمكن أن يُسقى منه خمس دفعاتٍ، والثَّالثُ: المحلُّ، وهي معدةُ الطِّفلِ الحيِّ أو دماغهُ لا ابنَ حولينِ، ولا أثرَ له عند الشَّافعيَّة دونَ خمسِ رضعاتٍ، إلَّا إن حكمَ به حاكمٌ يراهُ فلا ينقضُ حكمهُ.
стр. 9470
٥٠٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) إمام الأئمةِ ودارِ الهجرةِ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) أي: ابن محمد بنِ عَمرو بن حزمٍ الأنصاريِّ (عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ﵂ (أَخْبَرَتْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ عِنْدَهَا) في حُجرتِها (وَأَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ) لم يقفْ الحافظ ابنُ حجرٍ على اسمه (يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ) أمِّ المؤمنينَ (قَالَتْ) عائشةُ: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ) على حفصةَ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أُرَاهُ) بضم الهمزة، أي: أظنُّهُ، وفي «اليونينية» بفتحها (١) (فُلَانًا، لِعَمِّ حَفْصَةَ) أي: عن عمِّ حفصةَ، أو اللَّام للتَّعليل، أي: قال: لأجلِ عمِّ (٢) حفصةَ (مِنَ الرَّضَاعَةِ. قَالَتْ عَائِشَةُ) كان السِّياق يقتضي أن تقول: قلت: لكنَّه من باب الالتفات: (لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا -لِعَمِّهَا) أي: لعمِّ عائشةَ (مِنَ الرَّضَاعَةِ- دَخَلَ عَلَيَّ؟) قال الحافظ ابنُ حجر: لم أقفْ على اسمهِ أيضًا، ووهمَ من فسَّرهُ بأفلحَ أخي أبي القُعَيسِ لأنَّ أبا القعيسَ والدُ عائشةَ من الرَّضاعةِ، وأما أفلحُ فهو أخوهُ وهو عمها من الرَّضاعةِ، كما سيأتي أنَّه عاشَ حتَّى جاء يستأذنُ على عائشةَ، فأمرَها ﷺ أن تأذنَ له بعد أن امتنعَتْ [خ¦٥١٠٣] وقولها هنا: «لو كانَ حيًّا» يدلُّ على أنَّهُ كان مات، فيحتملُ أن يكون أخًا لها (٣) آخر، ويحتملُ أن تكون ظنَّت أنَّه ماتَ لبعدِ عهدها به، ثمَّ قدمَ بعد ذلك فاستأذنَ (فَقَالَ) ﷺ : (نَعَمْ) كان له أن يدخلَ عليك
стр. 9471
(الرَّضَاعَةُ) المعتبرة (تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الوِلَادَةُ) من تحريم النِّكاحِ ابتداءً ودوامًا وانتشارًا لحرمةٍ بين الرَّضيعِ وأولادِ المرضعةِ، فيحرمُ عليها هو ويحرمُ عليها فروعهُ من النَّسبِ والرَّضاعِ، ولا يسرِي التَّحريمُ من الرَّضيعِ إلى آبائهِ وأمَّهاتهِ وإخوتهِ وأخواتهِ، فلأبيهِ أن ينكحَ المرضعةَ إذ لا منعَ من نكاحِ أم الابنِ، وأن ينكحَ ابنتها، وكما صارَ الرَّضيعُ ابن المرضعةِ تصيرُ هي أمَّه، فتحرُمُ عليه هي وأصولها من النَّسبِ والرَّضاعِ وفروعها من النَّسب والرَّضاع، وإخوتها وأخواتها من النَّسب والرَّضاع (١) فهم أخوالهُ وخالاتهُ، وإن ثارَ اللَّبنُ من حمل الزَّوج (٢) صارَ الرَّضيعُ ابنًا للزَّوجِ، فيحرمُ عليه الرَّضيعُ، ولا يثبتُ التَّحريمُ من الرَّضيعِ بالنِّسبةِ إلى صاحب اللَّبنِ إلى أصولهِ وحواشيهِ، فلأم الرَّضيعِ أن تنكحَ صاحب اللَّبنِ، وصارَ الزَّوجُ أباهُ، فيحرمُ على الرَّضيعِ هو وأصولهُ وفروعهُ (٣) من النَّسبِ والرَّضاعِ، فهم أعمامهُ وعمَّاتهُ، ويحرمُ إخوتهُ وأخواته من النَّسبِ والرَّضاعِ إذ هم أعمامُه وعمَّاتُه، وتنزيلُهُم منزلتهم في جوازِ النَّظرِ -وعدمِ نقضِ الطَّهارةِ باللَّمسِ- والخلوةِ، والمسافرَةِ، دونَ سائرِ أحكامِ النَّسب كالميراثِ، والنَّفقةِ، والعتقِ بالملكِ، وسقوطِ القَصاصِ، وردِّ الشَّهادةِ.
وهذا الحديثُ قد سبق في «باب الشَّهادة على الأنسابِ» من «كتاب الشَّهادات» [خ¦٢٦٤٦].
٥١٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بالسين وتشديد الدال الأولى المهملات، ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بنِ دِعَامة (عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ) هو أبو (٤) الشَّعثاء البصريُّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه (قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬) قال في «الفتح»: القائلُ عليُّ بن أبي طالبٍ، كما في «مسلمٍ»: (أَلَا تَزَوَّجُ) بحذف إحدى التاءين، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ:
стр. 9472
«ألا تتزوَّج» بإثبات التاءين (ابْنَةَ حَمْزَةَ) عمِّكَ، زاد سعيدُ بن منصورٍ: «فإنَّها مِن أحسنِ فتاةٍ في قريشٍ» (قَالَ) ﵊: (إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ) ولعلَّ عليًّا لم يكُن علمَ أنَّ حمزةَ رضيعُ النَّبيِّ ﷺ ، أو جوَّز الخصوصيَّةَ.
(وَقَالَ بِشْرُ بْنُ عُمَرَ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، الزَّهرانيُّ، ممَّا وصله مسلمٌ: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاجِ قال: (سَمِعْتُ قَتَادَةَ) قال: (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ مِثْلَهُ) أي: مثل الحديثِ السَّابق، ومرادُ البُخاريِّ بسياقِ هذا التَّعليقِ بيانُ سماعِ قتادة من جابرِ بن زيدٍ لأنَّه مدلِّسٌ، والله أعلم.
٥١٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ) قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو: ابنُ أبي حمزةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بنِ مسلم ابنِ شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنتَ» (أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) رملة (بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ) صخر بن حربٍ (أَخْبَرَتْهَا: أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، انْكِحْ) بكسر الهمزة لأنَّه من نكحَ ينكحُ، فثالث المضارع مكسورٌ، ومتى كُسِر ثالثه أو فتح كسر الأمرُ منه، ومتى ضم ثالثه ضم الأمر منه، كقَتَلَ يَقتلُ، الأمر منه اُقتُل بضم الهمزة، أي: تزوَّج (أُخْتِي) ولمسلم: «أُختي عزَّة». وعند أبي موسى في «الدلائل»: «دُرَّة». وعند الطَّبرانيِّ: «قلت: يا رسولَ الله، هل لك في حَمْنَة؟»
стр. 9473
(بِنْتَ) ولأبي ذرٍّ: «ابنةَ» (١) (أَبِي سُفْيَانَ) وجزم المنذريُّ بأن اسمها حمْنَة، وقال القاضي عياضٌ: لا نعلمُ لعزَّة ذكرًا في بنات أبي سفيان، إلَّا في رواية يزيد بن أبي حبيبٍ. وقال أبو موسى: الأشهرُ أنَّها (٢) عزَّة (فَقَالَ) ﵊: (أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكَ؟!) الهمزة للاستفهام، والواو عاطفةٌ على ما قبل الهمزةِ عند سيبويه، وعلى مقدَّرٍ عند الزَّمخشريِّ وموافقيه، فعلى مذهبِ سيبويه معطوفٌ على «انكِح أختي»، وعلى مذهبِ الزَّمخشريِّ «أأنكحُها» و «تحبِّين ذلك»، وهو استفهام تعجُّب من كونها تطلبُ أن يتزوَّج غيرها مع ما طُبع عليه النِّساءُ من الغيرةِ (فَقُلْتُ: نَعَمْ) حرف جوابٍ مقرِّرٌ (٣) لما سبقَ نفيًا أو إثباتًا (لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ) بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وكسر اللام، والباء زائدة في النفي، أي: لست خاليةً من ضرَّةِ غيرِي. قال في «النهاية»: المخلِيَة الَّتي تخلُو بزوجِها وتنفردُ به، أي: لست لك بمتروكةٍ لدوامِ الخلوةِ به، وهذا البناءُ إنما يكون من أخليْتُ، ويقال: أخلَتِ المرأةُ، فهي مخلِيَةٌ، فأمَّا من خلوت فلا، وقد جاءَ أخليْتُ بمعنى: أخلوتُ. وقال ابنُ الأثيرِ -في موضعٍ آخر-: أي: لم أجدْكَ خاليًا من الزَّوجات غيري، وليس من قولهم: امرأةٌ مخلِيَة إذا خلَت من الزَّوج (وَأَحَبُّ) بفتح الهمزة والمهملة (مَنْ شَارَكَنِي) بألف بعد الشين (فِي خَيْرٍ أُخْتِي) «أحبُّ» مبتدأ، وهو أفعلُ تفضيل مضافٌ إلى «مَن»، و «مَن»: نكرةٌ موصوفةٌ، أي: وأحبُّ شخصٍ شَارَكني، فجملةُ «شاركني» في محلِّ جرٍّ (٤) صفةٌ لـ «مَن»، ويحتملُ أن تكون موصولة والجملةُ صلتُها، والتَّقديرُ: أحبُّ المشاركينَ لي في خيرٍ أختي. و «في خيرٍ» يتعلَّقُ (٥) بـ «شاركني»، و «أختي» الخبر، ويجوز أن تكونَ «أختي» المبتدأ، و «أحبُّ» خبرٌ مقدَّم لأنَّ أُختي معرفةٌ بالإضافةِ، وأفعلُ لا يتعرَّفُ بها في المعروف (٦). قيل: والمرادُ بالخير صحبةُ النَّبيِّ ﷺ المتضمِّنة لسعادَةِ (٧) الدَّارينِ، السَّاترةُ لما
стр. 9474
لعلَّه يعرض من الغيرةِ الَّتي جرت بها العادةُ بين الزَّوجاتِ. وفي رواية هشامٍ الآتية إن شاء الله تعالى: «وأحبُّ من شَرَكني فيكَ أُختي» [خ¦٥١٠٦].
قال في «الفتح»: فعرفَ (١) أنَّ المرادَ بالخيرِ ذاتُه ﷺ .
(فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ ذَلِكِ) بكسر الكاف خطابٌ لمؤنَّث (لَا يَحِلُّ لِي) لأنَّ فيه الجمع بين الأختينِ (قُلْتُ: فَإِنَّا نُحَدَّثُ) بضم النون وفتح الحاء والدال (أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ) دُرَّة -بضم الدال المهملة وتشديد الراء- (قَالَ) ﵊: (بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟) مفعولٌ بفعلٍ مقدرٌ، أي: أأنكِح (٢) بنت أمِّ سلمةَ، أو: تعنينَ (قُلْتُ: نَعَمْ) وعدل عن قوله: أبي سلمةَ إلى قوله: أمِّ سلمةَ توطئةً لقوله: (فَقَالَ: لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَِجْرِي) بفتح الحاء وقد تكسر، واسم كان ضميرُ بنت أمِّ سلمةَ، و «ربيبتِي» خبرُهَا، وربيبةٌ فعيلةٌ بمعنى مفعول لأنَّ زوجَ الأمِّ يَرُبُّها (٣). وقال القاضي عياض: الرَّبيبةُ مشتقَّةٌ من الرَّبِّ -وهو الإصلاحُ- لأنَّه يَرُبُّها ويقومُ بأمورِها وإصلاحِ حالها، ومن ظنَّ من الفقهاءِ أنَّه مشتقٌّ من التَّربيةِ فقد غلطَ لأنَّ شرطَ الاشتقاقِ الاتِّفاق في الحروفِ الأصليَّةِ (٤) والاشتراكُ فيها، فإنَّ آخر رَبَّ باء موحدة، وآخر ربي ياء مثنَّاة تحتيَّة، وجواب «لو» قوله: (مَا حَلَّتْ لِي) يعني: لو كان بها مانعٌ واحدٌ لكفى في التَّحريمِ، فكيف وبها مانعانِ؟! وقوله: «في حجرِي» تأكيدٌ، وراعى فيه لفظ الآية، ولا مفهومَ له عند الجمهورِ بل خرجَ مخرجَ الغالبِ، وقد تمسَّك بظاهرهِ داود الظَّاهري فأحلَّ الرَّبيبَةَ البعيدَة الَّتي لم تكن في الحجرِ (إِنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ) اللام في قوله: «لابنة» هي الداخلةُ في خبر «إنَّ» (أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ) بضم المثلثة وفتح الواو وبعد التحتية الساكنة موحَّدة، والجملةُ مفسِّرة لا محلَّ لها من الإعراب، ولا يجوزُ أن تكون بدلًا من خبر إنَّ، ولا خبرًا بعد الخبرِ لعدم الضَّميرِ. وأبا (٥) سلمة: معطوفٌ على المفعولِ، أو مفعول معه (فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ) بتشديد الياء
стр. 9475
(بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ) لا: ناهيةٌ، وتعرضْنَ: فعل مضارعٌ، والنون الخفيفة نون جماعة النِّسوة، والفعلُ معها مبنيٌّ، ومع أختيها الشَّديدة والخفيفة، وشرطَ ابن مالك أن تكون مباشرةً مثل ﴿لَيُنبَذَنَّ﴾ [الهمزة: ٤] فإن لم تكن مباشرةً نحو: ﴿وَلَا تَتَّبِعَآنِّ﴾ [يونس: ٨٩] ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ [مريم: ٢٦] و ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥] فهو مُعربٌ، والأكثرون على أنَّ المؤكَّد بالنون مبنيٌّ مطلقًا، باشرتهُ النون أمْ لم تباشرهُ (١)، وزعمَ آخرون (٢) أنَّه معربٌ مطلقًا، باشرتهُ أم لم تباشرهُ، والصَّحيح التَّفصيل الذي اختاره ابن مالك من جهةِ القياسِ. و «تَعْرِضْنَ» بفتح الفوقية وسكون العين والضاد المعجمة بينهما راء مكسورة وآخره نون خفيفة، كذا في الفرع بناء على أنَّه لم يتصل به نونُ تأكيدٍ، وإنَّما اتصل بالفعل نون جماعة المؤنَّث، فإن روي: فلا تعرضُن -بضم الضاد- فالخطاب (٣) للمذكرين لأنَّهُ لو كانَ لمؤنثات لكان: فلا تعرضنَانِّ؛ لأنه يجتمعُ ثلاثُ نونات فيفرَّقُ بينهنَّ (٤) بالألفِ، ومتى قدِّرَ أنَّه اتصلَ به ضميرُ جماعة المذكَّرين فتغليبًا لهم في الخطابِ على المؤنَّثات الحاضراتِ (٥)، فأصلهُ: لا تعرضونَنَّ، فاستثقلَ اجتماع ثلاث نوناتٍ، فحذف نون الرفع فالتقى ساكنان، فحذفت الواو لاعتلالها، وبقي النون المشدَّدة لصحَّتها (٦)، وإن كان الخطابُ لأم حبيبةَ وحدها فبكسر الضاد وتشديد النون. وقال القرطبيُّ: جاء بلفظ الجمع، وإن كانتِ القصَّةُ لاثنتين وهما أمُّ حبيبة وأمُّ سلمة رَدعًا وزَجرًا أن تعودَ واحدةٌ منهما أو غيرهما إلى مثل هذا.
و (قَالَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير -بالإسناد السَّابق-: (وَثُوَيْبَةُ) المذكورة (مَوْلَاةٌ لأَبِي لَهَبٍ) واختلفَ في إسلامِها. قال أبو نُعيم: لا نعلمُ أحدًا ذكر إسلامَها غير ابن مَنْده (كَانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَهَا، فَأَرْضَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ ¬) معطوف على «أعتقها»، وظاهرهُ أنَّ عتقهُ لها كان قبل إرضاعَها، والَّذي في السِّير: أنَّ أبا لهب أعتقها قبيلَ الهجرةِ، وذلك بعد الإرضاعِ بدهرٍ طويلٍ
стр. 9476
(فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ) في المنامِ. قيل: هو العباس (بِشَرِّ حِيْبَةٍ) بكسر الحاء المهملة وبعد التحتية الساكنة موحدة، والباء في «بِشَرِّ» باء المصاحبةِ، وهي باء الحال، أي: متلبِّسًا بسوءِ حالٍ أو كائنًا (١) به، وهذه الرؤيةُ حلميَّةٌ فتتعدَّى إلى مفعولين كالعلميَّة عند ابن مالكٍ وموافقيه، فبعض المرفوع قائم (٢) مقام المفعول الأول، والثاني المتَّصل به. وقيل: يتعدَّى لواحدٍ، فيكون تعدِّيه هنا إلى اثنين بالنَّقل بالهمزة، ولا بدَّ من تقدير: في المنام، وحُذفَ للعلمِ به، والجملةُ معترضةٌ لا محلَّ لها من الإعرابِ، وعند المُستملي -كما قال في «الفتح» -: «خَيبة» بفتح الخاء المعجمة، أي: في حالةٍ خائبةٍ من كلِّ خيرٍ، وعزاها في الفرع -كأصله (٣) - لغير الحَمُّويي والمُستملي: (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقالَ» (لَهُ) الرَّائي: (مَاذَا لَقِيتَ) بعد الموتِ: (قَالَ أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ خيرًا) كذا في الفرع بإثبات المفعول. وقال في «الفتح»: إنَّه بحذفه في الأصول. قلتُ: والذي في «اليونينية» هو الحذفُ (٤). وقال ابن بطَّال: سقط المفعولُ من رواية البخاريِّ، ولا يستقيمُ الكلامُ إلَّا به، وفي رواية الإسماعيليِّ: «لم ألقَ بعدَكم رخاءً» ولعبد الرَّزَّاق عن معمرٍ، عن الزُهريِّ: «لم ألقَ بعدكُم راحةً» (غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ) بضم السين مبنيًّا للمفعول (فِي هَذِهِ) زاد عبد الرَّزَّاق: «وأشارَ إلى النُّقرةِ التي تحتَ إبهامه» و «غيرَ»: نصب على الاستثناء (بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ) بفتح العين مصدر عَتق، يقال: عَتق يعتِقُ -بالكسر- عِتْقًا وعَتَاقًا وعَتَاقةً، والمصدر هنا مضافٌ إلى الفاعل، و «ثويبةَ» مفعولٌ للمصدرِ، وفي رواية عبد الرَّزَّاق: «بعِتقِي». قال في «الفتح»: وهو أوجهُ، والوجه أن يقولَ:
стр. 9477
بإعتاقِي؛ لأنَّ المراد التخلُّص من الرقِّ. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ فقال: هذا أخذه من كلام الكِرْمانيِّ؛ فإنَّه قال: معناهُ التَّخلص من الرِّقِّيَّة، فالصَّحيح أن يقالَ: بإعتاقِي. قال: وكلٌّ منهما لم يحرِّر كلامهُ، فإنَّ العتقَ والعَتَاقةَ والعَتَاق كلَّها مصادر من عَتَقَ العبد. وقوله: «وهو أوجه» غيرُ موجَّهٍ لأنَّ العتقَ والعَتَاقة واحدٌ في المعنى، فكيف يقول: العتقُ أوجه؟ ثمَّ قولهُ: «والوجه أن يقول: بإعتاقِي» لأنَّ المراد التخلُّص من الرِّقِّ، كلامُ من ليس له وقوفٌ على كلام القومِ، فإنَّ صاحبَ «المغرب» قال: العتقُ الخروجُ من المملوكيَّةِ، وهو التَّخلُّص من الرِّقيَّةِ، وقد تقدَّم أن العتقَ يقوم مقامَ الإعتاقِ الَّذي هو مصدرُ أعتقهُ مولاه. انتهى. واستُدل بهذا على أنَّ الكافرَ قد ينفعهُ العملُ الصَّالح في الآخرةِ، وهو مردوٌد بظاهر قوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] لاسيَّما والخبرُ مرسل، أرسله عروةُ ولم يذكر من حدَّثه به، وعلى تقدير أن يكون موصولًا فلا يحتجُّ به إذ هو رؤيا منامٍ لا يثبتُ به حكمٌ شرعيٌّ، لكن يحتملُ أن يكون ما يتعلَّق بالنَّبيِّ ﷺ مخصوصًا من ذلك بدليل التَّخفيفِ عن أبي طالبٍ المروي في الصَّحيح، والله أعلم.
(٢١) (بابُ مَنْ قَالَ: لَا رَضَاعَ بَعْدَ حَوْلَيْنِ (١) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]) قال في «الكشاف»: فإن قلتَ: كيف اتصل قوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ﴾ بما قبلهُ؟ قلتُ: هو بيانٌ لمن توجَّه إليه الحكمُ، كقوله تعالى: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] بيانٌ للمهيت به (٢)، أي:
стр. 9478
هذا الحكمُ (١) لمن أراد إتمام الرَّضاعِ، وعن قتادة: حولينِ كاملينِ، ثمَّ أنزلَ الله اليُسر والتَّخفيفَ فقال: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ أراد أنَّه يجوز النُّقصان. وعن الحسن: ليس ذلك بوقتٍ لا ينقصُ منه بعد أن لا يكون في الفطامِ ضررٌ، وقيل: اللَّام متعلِّقةٌ بيرضعنَ، كما تقول: أرضعتُ فلانة لفلانٍ ولده، أي: يرضعنَ حولينِ لمن أراد أن يتمَّ الرَّضاعةَ من الآباءِ لأنَّ الأبَ يجبُ عليه إرضاع الولدِ دون الأمِّ، وعليه أن يتَّخذَ له (٢) ظِئرًا إلَّا إذا تطوَّعتِ الأمُّ بإرضاعهِ، وهي مندوبةٌ إلى ذلك ولا تجبرُ عليه. انتهى.
فقد جعلَ الله تعالى تمام الرَّضاعةِ في الحولينِ، فأشعر بأن الحكمَ بعدهما بخلافهِ لأنَّ الولدَ يستغنِي غالبًا بغير اللَّبنِ، ولا يشبعهُ بعد ذلك إلَّا اللَّحم والخبز ونحوهما. وفي حديثِ ابن مسعودٍ عند أبي داود: «لا رضاعَ إلَّا ما شدَّ العظمَ وأنبتَ اللَّحم» وهو عنده أيضًا مرفوعٌ بمعناه، وقال: «أنشزَ العظمَ».
وقد ورد ظواهرُ أحاديث تمسَّك بها العلماء، فذهب الشَّافعيُّ والجمهور إلى إناطةِ الحكمِ بالحولين بالأهلَّة من تمام انفصالِ الولد. وعن أبي حنيفة إناطتُهُ بحولينِ ونصفٍ. وعن (٣) زفر بثلاثةٍ، وعن مالكٍ بزيادة أيَّام بعد الحولين، وعنه بزيادة شهرٍ وشهرين، ورواية بثلاثةِ أشهرٍ؛ لأنَّه يغتفرُ بعد الحولينِ مدَّة يدمنُ فيها الطِّفلُ على الفِطامِ (٤) لأنَّ العادةَ أنَّ الطِّفلَ لا يفطمُ دفعةً واحدةً بل على التَّدريجِ، وقيل: لا يزادُ على الحولينِ، وهو رواية ابنِ وهبٍ عن مالك، وبه قال الجمهورُ لحديث ابن عبَّاسٍ عند الدَّارقطنيِّ مرفوعًا: «لا رضاعَ إلَّا ما كانَ في الحولينِ»، وللتِّرمذيِّ وحسَّنه: «لا رضاعَ إلَّا ما فتقَ الأمعَاءَ وكان قبلَ الحولينِ».
وأما حديث سَهلة السَّابق بعضهُ في «باب الأكفاءِ في الدِّين» [خ¦٥٠٨٨] أنَّها قالت: يا رسولَ الله، إنَّا كنَّا نرى سالمًا ولدًا، وقد أنزلَ الله فيه ما قد علمتَ، فماذا تأمُرني (٥)؟ فقال: «أرضعِيهِ خمسَ رضعاتٍ يحرمُ بهنَّ عليكَ» ففعلتْ، فكانت تراهُ ابنًا فأجابَ عنه الشَّافعيُّ وغيره بأنَّه
стр. 9479
مخصوصٌ بسالمٍ. قال القاضِي: ولعلَّ سهلةَ حلبَت لبنَها فشربهُ (١) من غيرِ أن يمصَّ ثديَها، ولا التقَت بشرتاهُما. قال النَّوويُّ: وهو حسنٌ، ويحتملُ أنَّه عفيَ عن مسِّهِ للحاجةِ، كما خصَّ بالرَّضاعة مع الكبرِ (٢). انتهى.
وظاهر قوله ﷺ : «أرضعيه» يقتضي ذلك لا الحلبَ، وقد نقل التَّاج ابن السُّبكي: أنَّ والدهُ قال لامرأةٍ أرادَتْ أن تحجَّ مع كبيرٍ أجنبيٍّ: أرضعيهِ تحرمِي عليهِ. وفيه دلالةٌ على أنَّه كان يرى مذهبَ عائشة، فإنَّها كانت تأمرُ بناتِ إخوتِها وأخواتِها أن يرضعنَ من أحبَّت عائشةُ أن يَراها ويدخلَ عليها -وإن كان كبيرًا- خمسَ رضعاتٍ، ثمَّ يدخلُ عليها. وقال ابنُ المنذرِ: لا يخلو أن يكون حديث سهلةَ منسوخًا.
(وَمَا يُحَرِّمُ مِنْ قَلِيلِ الرَّضَاعِ وَكَثِيرِهِ) تمسُّكًا (٣) بعموماتِ أحاديث كحديث الباب، وهو قول مالك وأبي حنيفةَ ومشهورُ مذهب أحمد، وذهب آخرون إلى أنَّ الَّذي يحرِّمُ ما زادَ على رضعةٍ، وورد عن عائشةَ: عشرُ رضعاتٍ. أخرجه مالك في «الموطأ»، وعنها أيضًا: سبعٌ. أخرجه ابنُ أبي خيثمة بإسنادٍ صحيحٍ، وعنها أيضًا كما في مسلمٍ: كان فيمَا أنزلَ من القرآنِ: عشرُ رَضعاتٍ معلوماتٍ، ثمَّ نسخنَ (٤) بخمسِ رضعاتٍ محرِّمات، ثمَّ توفِّي رسولُ الله ﷺ وهنَّ ممَّا يقرأُ. وإلى هذا ذهبَ إمامُنا الشَّافعيُّ رحمه الله تعالى.
٥١٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشامُ بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاجِ (عَنِ الأَشْعَثِ) بالشين المعجمة والعين المهملة والمثلثة (عَنْ أَبِيهِ) أبي الشَّعثاءِ، سليم بن الأسودِ المحاربيِّ الكوفيِّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) أي: ابن الأجدعِ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ
стр. 9480
دَخَلَ عَلَيْهَا) حجرَتَها (وَعِنْدَهَا رَجُلٌ) قال في «الفتح»: لم أقفْ على اسمهِ، وأظنُّه ابنًا لأبي القعيسِ، وغلطَ من قال: إنَّه عبد (١) الله بن يزيد رضيعُ عائشةَ؛ لأنَّ عبد الله هذا تابعيٌّ باتِّفاق الأئمَّةِ، وكأنَّ أمَّه التي أرضعَتْ عائشة عاشت بعد النَّبيِّ ﷺ فولدته (٢)، فلذا قيل له: رضيعُ عائشة (فَكَأَنَّهُ) ﷺ (تَغَيَّرَ وَجْهُهُ، كَأَنَّهُ (٣) كَرِهَ ذَلِكَ) ولمسلم: «فاشتدَّ عليه ذلك، ورأيتُ الغضبَ في وجههِ» (فَقَالَتْ) عائشة: (إِنَّهُ) أي: الرَّجلُ (أَخِي) من الرَّضاعةِ (فَقَالَ) ﵊: (انْظُرْنَ) أي: اعرفْنَ وتأمَّلْنَ (مَنْ إِخْوَانُكُنَّ؟) و «من»: استفهامية مفعول به، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ما إِخوانُكنَّ» إيقاعًا لـ «مَا» موقع «مَن»، والأوَّلُ أوجهُ، والإخوانُ: جمعُ أخٍ، لكنَّه أكثرُ ما يستعملُ لغةً في الأصدقاءِ، بخلافِ غيرهم ممَّن هو بالولادةِ، فيقال فيهم: إخوةٌ، وكذا الرَّضاع كما في هذا الحديث (فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ) تعليلٌ للحثِّ على إمعانِ النَّظرِ والتَّفكيرِ (٤)، فإنَّ الرَّضاعةَ تجعلُ الرَّضيعَ محرَّمًا كالنَّسبِ، ولا يثبتُ ذلك إلَّا بإنباتِ اللَّحمِ وتقويةِ العظمِ، فلا يكفِي مصَّةٌ ولا مصَّتانِ، بل أن تكون الرَّضاعةُ من المجاعةِ فيشبعُ الولدُ بذلك، ويكون ذلك في الصِّغرِ ومعدتهُ ضعيفةٌ يكفيه اللَّبنُ (٥) ويشبعهُ، ولا يحتاجُ إلى طعامٍ آخر.
وهذا الحديث سبقَ في «باب الشَّهادة على الأنساب» من «كتاب الشَّهادة» [خ¦٢٦٤٧].
(٢٢) (بابُ لَبَنِ الفَحْلِ) بفتح الفاء وسكون الحاء المهملة، الرَّجلُ هل يثبتُ حرمة الرَّضاعِ بينه وبين الرَّضيعِ ويصيرُ ولدًا (٦) له أم لا؟ ونسبةُ اللَّبنِ إليه مجازٌ لكونهِ سببًا فيه.
стр. 9481
٥١٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بنِ مسلم الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂: (أَنَّ أَفْلَحَ) بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح اللام بعدها حاء مهملة (أَخَا أَبِي القُعَيْسِ) بضم القاف وفتح العين المهملة وسكون التحتية بعدها سين مهملة، و «أَخَا»: نصب بدلًا من «أفلحَ»، وعلامة نصبه الألف، و «أبي»: مضافٌ إليه. و «القعيس»: مضافٌ إليه، وهذا هو المشهورُ؛ أنَّ أفلح أخو أبي القعيسِ، واسم أبي القعيسِ وائل بن أفلح الأشعريُّ كما عند الدَّارقطنيِّ (جَاءَ) حال كونه (يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا -وَهْوَ) أي: أفلح (عَمُّهَا) أي: عمُّ عائشة (مِنَ الرَّضَاعَةِ-) وكان مقتضى السِّياق أن تقول: وهو عمِّي، لكنه من باب الالتفات، وفي رواية معمرٍ عن الزُّهريِّ: «وكان أبو القعيسِ زوجَ المرأةِ التي أرضَعَت عائشة» رواه مسلم، وأفلح أخو أبي القعيسِ، فصار عمَّها من الرَّضاعةِ، وكان استئذانهُ عليها (بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الحِجَابُ) أي: آيةُ الحجابِ أو حكمهُ، آخر سنة خمسٍ (فَأَبَيْتُ) فامتنعتُ (أَنْ آذَنَ لَهُ) بالمدِّ؛ للتردُّدِ هل هو مَحرمٌ؟ وغَلَّبت التَّحريم على الإباحةِ، وزاد في رواية عراك السَّابقة في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٤٤]: «فقال: أتحتجبينَ منِّي وأنا عمُّك؟» (فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَخْبَرْتُهُ (١) بِالَّذِي صَنَعْتُ، فَأَمَرَنِي) ﷺ (أَنْ آذَنَ لَهُ) بالمد أيضًا. وفيه دليلٌ على أنَّ لبنَ الفحلِ يحرِّمُ، حتى تثبتَ الحرمةُ في جهة صاحبِ اللَّبنِ، كما تثبتُ في جانبِ المرضعةِ، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ أثبتَ له (٢) عمومةَ الرَّضاعِ، وألحَقَها بالنَّسبِ لأنَّ سبب اللَّبن هو ماء الرَّجل والمرأة معًا فوجب أن يكون الرضاع منهما ولذا أشار ابن عباس بقوله المرويِّ عند ابنِ أبي شيبةَ: «اللِّقاحُ واحدٌ». وهذا مذهب الشَّافعيِّ وأبي حنيفة وصاحبيهِ ومالك وأحمد، كجمهور الصَّحابة والتَّابعين وفقهاء الأمصارِ. وقال قوم منهم ربيعة الرَّأي وابن عُليَّة وابن بنت الشَّافعي وداود وأتباعه: الرَّضاعةُ من قبلِ الرَّجلِ لا تحرِّمُ شيئًا (٣)، واحتجَّ بعضهم لذلك بأنَّ اللَّبنَ لا ينفصلُ من الرَّجلِ وإنَّما ينفصلُ من المرأةِ، فكيفَ تنتشرُ الحرمةُ إلى الرَّجلِ؟! وأُجيب بأنَّه قياسٌ في مقابل (٤) النَّص، فلا يلتفتُ إليه.
стр. 9482
وهذا الحديث قد (١) سبق في «كتاب الشَّهادات» [خ¦٢٦٤٤].
(٢٣) (بابُ) حكم (شَهَادَةِ المُرْضِعَةِ) وَحْدَها بالرَّضاعة.
٥١٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروفُ بأمِّه (٢) عُليَّةَ قال: (أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيانيُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) (٣) بضم الميم وفتح اللام وسكون التحتية، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) المكيُّ، ذكره ابن حبَّان في ثقات التَّابعين، وليس له في الصَّحيح سوى هذا الحديث (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ) القرشيِّ المكيِّ الصحابيِّ (قَالَ) عبد الله ابن أبي مليكةَ: (وَقَدْ سَمِعْتُهُ) أي: هذا (٤) الحديث (مِنْ عُقْبَةَ) بن الحارثِ. قال الحافظ ابنُ حجر: والعمدةُ فيه على سماعِ ابن أبي مُليكة من (٥) عقبة نفسه (لَكِنِّي لِحَدِيثِ عُبَيْدٍ أَحْفَظُ. قَالَ) عقبة بن الحارثِ: (تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً) هي أمُّ يحيى بنت أبي إهاب (فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ) لم تسمَّ (فَقَالَتْ) لنا: قد (أَرْضَعْتُكُمَا) قال عقبة: (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ): يا رسول الله (تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ، فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ) وفي بعض الطُّرق: «أَمَةٌ» (سَوْدَاءُ فَقَالَتْ لِي: إِنِّي قَدْ) ولأبي ذرٍّ: «لَقد» (أَرْضَعْتُكُمَا، وَهْيَ كَاذِبَةٌ) في قولها
стр. 9483
(فَأَعْرَضَ عَنْهُ) (١) من باب الالتفات، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «عَنِّي» (فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: من جهةِ وجههِ (قُلْتُ (٢): إِنَّهَا كَاذِبَةٌ. قَالَ) ﷺ : (كَيْفَ) تصنعُ (بِهَا) أي: بالَّتي تزوَّجتها؟ أو أي فعلٍ تفعلُ بها (وَقَدْ زَعَمَتْ) أي: المرأةُ السَّوداءُ (أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا؟ دَعْهَا) اترُكها (عَنْكَ) أي: على سبيلِ الاحتياطِ والورعِ، لا الحكم بثبوتِ (٣) الرَّضاعِ وفسادِ النِّكاحِ بمجرد قولِ المرضعةِ؛ إذ لم يجرِ بحضرتهِ ﷺ ترافعٌ وأداءُ شهادةٍ، بل كان ذلك مجرَّد إخبارٍ واستفتاءٍ. نعم لو شهدتِ المرضعةُ عند حاكم قبلتْ، ولو قالت: أرضعتهُ. لأنَّها لم تجرَّ بشهادتِها نفعًا، ولم تدفَع بها ضررًا، بخلافِ شهادتِها بولادتِها لجرِّها نفعَ النَّفقةِ والإرث وغيرهما، ولا نظرَ إلى ما يتعلَّقُ بشهادتِها من ثبوتِ الحرمةِ وحِلِّ الخلوةِ، فإنَّ الشَّهادةَ لا تردُّ بمثل ذلك بدليل قبول شهادة الطَّلاق، وإن استفيدَ بها حِلُّ المناكحة، وليس المراد قبول شهادتِها وحدَها، بل لا تقبل عند الشَّافعيِّ إلَّا مع ثلاثِ نسوةٍ أخرى، وأن لا تكون طالبةَ أجرةٍ على الرَّضاعِ، فإن طلبتها فلا تقبلُ لاتِّهامها بذلك، واستدلَّ به الشَّافعيَّة على أنَّه لو شهدَت واحدةٌ أو أكثر ولم يتمَّ النِّصابُ بالرَّضاعِ فالورعُ للرَّجلِ أن يجتنبها بأن لا ينكِحها إن لم ينكحْها، وأن (٤) يُطلِّقها إن نَكَحها لتحلَّ لغيرهِ، ويكرهُ له المُقامُ معها، وتقبلُ في الرَّضاعِ شهادة أمِّ الزَّوجةِ وبنتها مع غيرِهِما حِسْبةً بلا تقدُّمِ دعوى، وإِنْ احتملَ كون الزَّوجةِ مدَّعيةً لأنَّ الرَّضاعَ تقبل فيه شهادةُ الحسبةِ.
قال عليُّ بنُ عبد الله المدينيُّ: (وَأَشَارَ إِسْمَاعِيلُ) ابن عُليَّةَ (بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى؛ يَحْكِي) إشارة (أَيُّوبَ) السَّخْتِيانيِّ، حيث يحكي فعلَ النَّبيِّ ﷺ ، حيث أشارَ بيده وقال بلسانهِ: (دَعْهَا عَنْكَ) فحكى ذلك كلُّ راوٍ لمن دونهُ.
وسبقَ الحديث في «كتاب العلم» في «باب الرِّحلة» [خ¦٨٨] وفي «باب شهادة الإماء والعبيد» في «كتاب الشَّهادات» [خ¦٢٦٥٩].
стр. 9484
(٢٤) (بابُ مَا يَحِلُّ مِنَ النِّسَاءِ وَمَا يَحْرُمُ) منهنَّ (وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾) أي: نكاحُ أمَّهاتِكم فهو من مجازِ الحذفِ الَّذي دلَّ العقلُ على حذفهِ (﴿وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣] إِلَى آخِرِ الآية) وساق في روايةِ كريمةَ إلى قوله: «﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾» وقال: «الآيتين إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾» والأمَّهاتُ: كلُّ أنثى ولدتكَ أو ولدَت مَنْ وَلَدَكَ (١)، ذكرًا كان أو أنثى، بواسطةٍ أو بغيرها. والبناتُ: كلُّ أنثَى ولدْتَها أو وَلَدْتَ مَنْ وَلَدَهَا، ذَكرًا كانَ أو أنثى، بواسطةٍ أو بغيرها (٢). والأخواتُ: كلُّ أُنثى وَلَدَهَا أبواكَ (٣) أو أحدُهما. والعمَّاتُ: كلُّ أختِ ذكرٍ وَلَدَكَ بواسطةٍ وبغيرها (٤). والخالاتُ: كلُّ أختِ أنثى وَلَدَتْكَ بواسطةٍ أو بغيرها، فأختُ أبي الأمِّ عمَّةٌ لأنَّها أختُ ذكرٍ ولدك بواسطةٍ، وأختُ أمِّ الأبِ خالةٌ لأنَّها أختُ أنثى ولدتك بواسطةٍ، وبناتُ الأخِ وبناتُ الأختِ وإن بعدنَ، لا من دخلَت في اسمِ ولد العمومةِ والخؤولةِ فلا تحرمُ.
(وَقَالَ أَنَسٌ) أي: ابنُ مالك ممَّا وَصلهُ إسماعيل القاضِي في كتابه «أحكام القرآن» بإسنادٍ صحيحٍ من طريق سليمان التَّيميِّ، عن أبي مجلزٍ، عن أنسِ بن مالك أنَّه قال في قوله تعالى: (﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء﴾ [النساء: ٢٤]) أي: (ذَوَاتُ الأَزْوَاجِ) لأنَّهن (٥) أحصنَّ فروجهنَّ بالتَّزويج (الحَرَائِرُ حَرَامٌ) نكاحهنَّ، إلَّا بعد طلاقِ أزواجهنَّ وانقضاءِ عدَّتهنَّ (﴿إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] لَا يَرَى) بها (بَأْسًا) حَرجًا (أَنْ يَنْزِعَ الرَّجُلُ) وفي نسخةٍ: «أن يزوِّج الرَّجلُ» (٦) (جَارِيَتَهُ)
стр. 9485
وللكُشمِيهنيِّ: «جارية» (مِنْ) تحتِ (عَبْدِهِ) فيطَأَها، والأكثرون على أنَّ المرادَ بـ ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) اللَّاتي سُبينَ ولهنَّ أزواجٌ في دار الكفرِ، فهنَّ حلالٌ لغزاةِ المسلمين، وإن كنَّ محصناتٍ.
(وَقَالَ) الله تعالى: (﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ﴾) أي: لا تتزوجوهنَّ أو (٢) لا تزوجوهنَّ (﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]) أي: المشركاتُ، فمِن موانعِ النِّكاحِ الكفر، فيحرمُ مناكحةُ غير أهل الكتابين -التوراةِ والإنجيلِ- من المجوس، وإن كان لهم شبهة كتابٍ إذ لا كتابَ بأيديهِم، وكذا من المتمسِّكينَ (٣) بصحفِ شيث وإدريس وإبراهيم وزبور داودَ لأنَّها لم تنزِل بنظمٍ (٤) يدرسُ ويتلَى، وإنَّما أوحَى إليهم معانيهَا، أو أنَّها لم تتضمَّن أحكامًا وشرائعَ بل كانت حِكمًا ومواعظَ. وكذا يحرمُ نكاحُ سائرِ الكفَّارِ، كعبدةِ الشَّمسِ والقمرِ والصُّورِ والنُّجومِ، والمعطلةِ والزَّنادقةِ والباطنيَّةِ، بخلافِ أهلِ الكتابينِ. وفرَّقَ القفَّالُ بين الكتابيَّة وغيرها بأنَّ غيرها اجتمعَ فيه نقصان الكفرِ في الحالِ، وفساد الدِّينِ في الأصلِ، والكتابيَّة فيها نقصٌ واحدٌ وهو كفرها في الحال.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا وصله الفريابيُّ وعبدُ بن حُميدٍ بإسنادٍ صحيحٍ عنه أنَّه قال في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (مَا زَادَ عَلَى أَرْبَعٍ) من الزَّوجات (فَهْوَ حَرَامٌ، كَأُمِّهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ) أمَّا العبدُ فيحرمُ عليهِ ما زاد على ثنتين. قاله البخاريُّ بالسَّند إليه.
стр. 9486
٥١٠٥ - (وَقَالَ لَنَا أَحْمَدُ ابْنُ حَنْبَلٍ) الإمامُ الأعظمُ في المذاكرَةِ أو الإجازَةِ، وليس للبخاريِّ عنه في هذا الكتاب إلَّا هذا، وحديثٌ في «آخر المغازِي» [خ¦٤٤٧٣] بواسطةٍ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (حَبِيبٌ) هو: ابنُ أبي ثابتٍ (عَنْ سَعِيدٍ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «بنِ جُبير» (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه قال: (حَرُمَ) عليكُم (مِنَ النَّسَبِ سَبْعٌ) من النِّساءِ (وَمِنَ الصِّهْرِ) منهنَّ (سَبْعٌ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ … الآيَةَ [النساء: ٢٣]) والتَّحريم يطلقُ بمعنى التَّأثيم وعدمِ الصِّحة، وهو المرادُ هنا، ويُطلق بمعنى التَّأثيمِ فقط فيجامعُ الصِّحة، كما في نكاحِ مخطوبةِ الغيرِ مع بَقاء خِطبتهِ، وزادَ (١) الطَّبرانيُّ من طريقِ عميرٍ مولى ابنِ عبَّاس، عن ابن عبَّاس في آخر الحديث: ثمَّ قرأ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ حتَّى بلغ: ﴿وَبَنَاتُ الأَخِ﴾ ثمَّ قال: هذا النَّسب، ثمَّ قرأ: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ حتَّى بلغ: ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ وقرأ: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ [النساء: ٢٢] فقال: هذا الصِّهر. وفي تسميةِ ما هو بالرَّضاع صهرًا تجوُّز، وكذلك امرأة الغير.
والموانع قسمان: مؤبَّدٌ وغيرُ مؤبَّدٍ، والمؤبَّدُ له أسبابٌ: قرابةٌ، ورضاعٌ، ومصاهرةٌ. فيحرمُ بالمصاهرَةِ أمهاتُ الزَّوجةِ وإن علونَ لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. وأزواجُ آبائهِ
стр. 9487
وإنْ عَلوا (١)، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ [النساء: ٢٢]. وأزواجُ أبنائهِ (٢) وإن سَفَلوا (٣)، لقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ وقوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ لإخراجِ زوجةِ من تبنَّاهُ، لا زوجة (٤) ابن الرَّضاع لتَحريمها بما سبقَ، وقدِّم على مفهومِ الآية لتقدُّمِ المنطوقِ على المفهومِ حيثُ لا مانعَ، وكلٌّ من هؤلاءِ المحرَّماتِ من النَّوعينِ يحرمْنَ بمجرَّد العقدِ الصَّحيحِ دونَ الفاسدِ إذ لا يفيدُ الحلَّ في المنكوحةِ، والحرمةُ في غيرها فرعُ الحلِّ فيها، وأما بنتُ زوجتهِ وإن سفلَتْ فلا تحرمُ إلَّا بالدُّخولِ بالأمِّ، كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
(وَجَمَعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ) أي: ابنِ أبي طالبٍ (بَيْنَ ابْنَةِ عَلِيٍّ) زينب (وَ) بين (امْرَأَةِ عَلِيٍّ) ليلى بنت مسعودٍ، فجمعَ بين المرأةِ وبنت زوجها، وهذا وصلهُ البغويُّ في «الجعديَّات». (وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ) محمدٌ فيما وصلهُ سعيد بنُ منصور بسندٍ صحيحٍ لمَّا قيل له: إنَّ عبد الله بنَ صفوانَ تزوَّج امرأةَ رجلٍ من ثقيفٍ وابنتَه من غيرها: (لَا بَأْسَ بِهِ، وَكَرِهَهُ) أي: الجمع بين المرأةِ وبنتِ زوجها (الحَسَنُ) البصريُّ (مَرَّةً، ثُمَّ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ) وهذا وصله الدَّارقطنيُّ.
(وَجَمَعَ الحَسَنُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ) أي: ابنِ أبي طالبٍ، فيما وصلهُ عبد الرَّزَّاق وأبو عُبيد ابن سلام (بَيْنَ ابْنَتَيْ عَمٍّ فِي لَيْلَةٍ) واحدةٍ، وهما بنت محمد بن عليٍّ، وبنت عمر بن علي، فقال محمد بن علي: هو أحبُّ إلينا منهما. وزاد عبدُ الرَّزَّاق والشَّافعيُّ من وجهٍ آخر عن عَمرو بن دينارٍ، عن الحسن بن محمد بن عليٍّ ابن الحنفيَّة: فأصبحَ النِّساءُ لا يدرينَ أين يذهبْنَ.
(وَكَرِهَهُ (٥)) أي: الجمعَ المذكورَ (جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ) أبو الشَّعثاء البصريُّ التَّابعيُّ (لِلْقَطِيعَةِ)
стр. 9488
أي: لوقوعِ التَّنافسِ بينهما في الحظوةِ عند الزَّوج، فيؤدِّي ذلك إلى القطيعةِ. وقد أخرج أبو داود وابنُ أبي شيبةَ من مرسلِ عيسى بنِ طلحة: نهى رسولُ الله ﷺ أن تنكحَ المرأةُ على قرابتِها مخافةَ القطيعةِ. وأخرج الخلَّال من طريق إسحاق بنِ عبد الله بنِ أبي طلحة، عن أبيهِ، عن أبي بكر وعمر وعثمان: أنَّهم كانوا يكرهون الجمعَ بين القرابةِ مخافةَ الضَّغائنِ. قال البخاريُّ تفقهًا: (وَلَيْسَ فِيهِ تَحْرِيمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]) وانعقد الإجماعُ عليه.
(وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ عبد الرَّزَّاق عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عبَّاس: (إِذَا زَنَى بِأُخْتِ امْرَأَتِهِ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ) لأنَّ النَّهيَ عن الجمعِ بين الأختينِ إنَّما هو إذا كان بعقدِ التَّزويجِ.
(وَيُرْوَى عَنْ يَحْيَى) بن قيسٍ (الكِنْدِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامرِ بن شراحيلَ (وَأَبِي جَعْفَرٍ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «وابن جعفَر». قال في «الفتح»: والأوَّلُ هو المعتمدُ. أنَّهما قالا (فِيمَنْ يَلْعَبُ بِالصَّبِيِّ: إِنْ أَدْخَلَهُ فِيهِ) يعني: لاطَ به (فَلَا يَتَزَوَّجَنَّ أُمَّهُ) وهذا مذهب الحنابلةِ، وعبارةُ «التَّنقيح»: ومن تلوَّطَ بغلامٍ أو بالغٍ حرمُ على كلِّ واحدٍ منهما أمُّ الآخر وابنتُه نصًّا. والجمهور على خلافهِ.
قال البخاريُّ: (وَيَحْيَى) الكنديُّ (هَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ) أي: غيرُ معروفِ العدالة، وقد ذكره المؤلِّف في «تاريخه»، وابن أبي حاتمٍ، ولم يذكر فيه جرحًا، وذكره ابن حبَّان في «الثقات»، وقد ارتفعَ عنه الجهالةُ بروايةِ مَن ذكرَ (وَلَمْ يُتَابَعْ) بفتح الموحدة (عَلَيْهِ) أي: على ما رواه هنا، وقوله: «ويروى عن يحيى … » إلى آخره ثابت في رواية الكُشمِيهنيِّ والمُستملي.
قال ابن الملقن في «عجالته»: وهذه مقالةٌ عجيبةٌ، لو نزَّه البخاري عنها كتابهُ لكان أولى (١).
(وَقَالَ عِكْرِمَةُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) فيما وصله البيهقيُّ: (إِذَا زَنَى بِهَا) أي: بأمِّ امرأتهِ (لَا تَحْرُمْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ) لأنَّ الحرام لا يحرِّم الحلالَ، وكذا لا يحرمُ عليه بنتُ من زنى بها، ولو كانت من مئة إذ لا حرمةَ لماءِ الزِّنا، فهي أجنبيةٌ عنه شرعًا بدليل انتفاءِ سائرِ أحكامِ النَّسب عنها، سواء
стр. 9489
طاوعتهُ أمها على الزِّنا أم لا، ولو أرضعت المرأةُ بلبنِ الزَّانِي صغيرةً فكبنته. قاله المتولِّي، أما المرأةُ فيحرمُ عليها وعلى سائرِ محارِمِها نكاحُ ابنها من الزِّنا لعمومِ الآية ولثبوتِ النَّسب والإرثِ بينهما، والفرقُ: أنَّ الابنَ كعضوٍ منها وانفصلَ منها إنسانًا، ولا كذلك النُّطفةُ التي خُلِقَت منها البنتُ. نعم يكره نكاحُ المخلوقةِ من زناهُ خروجًا من خلافِ من حرَّمها عليه. قال المرداويُّ من الحنابلة: وتحرمُ بناتُه من حلالٍ، أو حرامٍ، أو شهوةٍ (١).
(وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي نَصْرٍ) الأسديِّ الثِّقةِ -فيما قاله أبو زُرعة- فيما وصلهُ الثَّوريُّ في «جامعه»: (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَرَّمَهُ) ولفظ الثوريِّ: أنَّ رجلًا قال: إنَّه أصابَ أمَّ امرأتهِ، أي: زنَى بها، فقال له ابنُ عبَّاس: حرمتْ عليكَ امرأتكَ. وذلك بعد أن ولدَتْ منه سبعةَ أولادٍ كلٌّ بلغَ مبلغَ (٢) الرِّجالِ.
قال البخاري: (وَأَبُو نَصْرٍ هَذَا لَمْ يُعْرَفْ) مبنيًّا للمفعول (سَمَاعُهِ) رفع مفعول نائب (٣) عن فاعله، والذي في «اليونينية»: «بِسمَاعِه» (٤) (مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) وعدمُ معرفة المؤلِّف ذلك لا يستلزم نفي معرفةِ غيره به، لا سيَّما وقد وصفهُ أبو زرعةَ بالثِّقة.
(وَيُرْوَى عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين الصَّحابي، فيما وصلهُ عبد الرَّزَّاق بإسنادٍ لا بأسَ به (وَ) عن (جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ) التَّابعيِّ (وَالحَسَنِ) البصريِّ فيما وصلهُ ابنُ أبي شيبةَ من طريق قتادة عنهما (وَ) عن (بَعْضِ أَهْلِ العِرَاقِ) ومنهم الثوريُّ (قَالَ) سقط قوله: «قال» من «اليونينية» و «آل ملك» (٥) كلٌّ منهم: (يحْرُمُ عَلَيْهِ) نكاح امرأتهِ، والذي في «اليونينية»: «تحرم» بالفوقية، وسقوط لفظ: «عليه» أي: تحرمُ المرأة -أي: نكاحها- (٦) إذا فجَرَ بأمِّها وكذا
стр. 9490
هي، وبه قال أبو حنيفةَ وصاحباه خلافًا للجمهورِ لأنَّ النِّكاح في الشَّرع إنَّما يُطلق على المعقودِ عليها لا على مجرَّدِ الوطءِ.
(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا يحْرُمُ عَلَيْهِ) نكاحُ البنتِ (حَتَّى يُلْزِقَ) بضم التحتية وكسر الزاي (بِالأَرْضِ؛ يَعْنِي: يُجَامِعَ) الأم، خلافًا للحنفيَّة، فإنَّهم قالوا: إذا مسَّ أمَّ زوجتهِ، أو نظرَ إلى داخلِ فرجِها -وهو ما يُرى منها عند استلقائهَا- بشهوةٍ وجدها حرمتْ عليه (١) زوجتُه. وحدُّ الشَّهوةِ إن كانَ شابًّا أن تنتشرَ آلتهُ بها (٢)، أو تزدادَ انتشارًا إن كانتْ منتشرةً قبلهُ، وإن كان شيخًا أو عِنِّينًا فحدُّها أنْ يتحرَّك قلبُهُ، أو يزدادَ تحرُّكه، ولا يعرفُ ذلك إلَّا بقولهِ. وفي «التَّبيين»: وجود الشَّهوة من أحدهما يكفِي، ولو رأى فرجَها من وراءِ الزُّجاجِ ثبتتِ الحرمةُ، ولو رآهُ في المرآةِ لا تثبتُ، ولو مسَّها بحائلٍ إن وصلَ حرارةَ البدنِ إلى يدهِ ثبتتِ الحرمةُ، وإلَّا فلا. ولا فرقَ بين أن يكون المسُّ عمدًا، أو خطأً، أو ناسيًا، أو مكرهًا، وشرطهُ أن لا ينزلَ، فلو أنزلَ عند اللَّمسِ أو النَّظر لم تثبتْ به حرمةٌ لأنَّه ليس مفضيًا (٣) إلى الوطءِ؛ لانقضاءِ الشَّهوة. انتهى.
(وَجَوَّزَهُ) أي: المُقامُ مع الزَّوجةِ وإنْ زنى بأمِّها (ابْنُ المُسَيَّبِ) سعيد (وَعُرْوَةُ) بن الزُّبير (وَالزُّهْرِيُّ) محمد بنُ مسلمِ ابنِ شهابٍ لما مرَّ قريبًا. (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمد بنُ مسلم، فيما وصله البيهقيُّ: (قَالَ عَلِيٌّ) هو: ابنُ أبي طالبٍ في رجلٍ وطئَ أمَّ امرأتهِ: (لَا يحْرُمُ) المَقامُ مع امرأتهِ. ولفظ البيهقيِّ: «لا يحرِّمُ الحرامُ الحلالَ». قال البخاريُّ: (وَهَذَا … ) الحديث، ولأبي ذرٍّ: «وهو» (مُرْسَلٌ) أي: منقطعٌ، فأطلقَ المرسل (٤) على المنقطعِ.