← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 9486–9525 · переход к 9491.

стр. 9486

٥١٠٥ - (وَقَالَ لَنَا أَحْمَدُ ابْنُ حَنْبَلٍ) الإمامُ الأعظمُ في المذاكرَةِ أو الإجازَةِ، وليس للبخاريِّ عنه في هذا الكتاب إلَّا هذا، وحديثٌ في «آخر المغازِي» [خ¦٤٤٧٣] بواسطةٍ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (حَبِيبٌ) هو: ابنُ أبي ثابتٍ (عَنْ سَعِيدٍ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «بنِ جُبير» (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه قال: (حَرُمَ) عليكُم (مِنَ النَّسَبِ سَبْعٌ) من النِّساءِ (وَمِنَ الصِّهْرِ) منهنَّ (سَبْعٌ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ … الآيَةَ [النساء: ٢٣]) والتَّحريم يطلقُ بمعنى التَّأثيم وعدمِ الصِّحة، وهو المرادُ هنا، ويُطلق بمعنى التَّأثيمِ فقط فيجامعُ الصِّحة، كما في نكاحِ مخطوبةِ الغيرِ مع بَقاء خِطبتهِ، وزادَ (١) الطَّبرانيُّ من طريقِ عميرٍ مولى ابنِ عبَّاس، عن ابن عبَّاس في آخر الحديث: ثمَّ قرأ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ حتَّى بلغ: ﴿وَبَنَاتُ الأَخِ﴾ ثمَّ قال: هذا النَّسب، ثمَّ قرأ: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ حتَّى بلغ: ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ وقرأ: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ [النساء: ٢٢] فقال: هذا الصِّهر. وفي تسميةِ ما هو بالرَّضاع صهرًا تجوُّز، وكذلك امرأة الغير. والموانع قسمان: مؤبَّدٌ وغيرُ مؤبَّدٍ، والمؤبَّدُ له أسبابٌ: قرابةٌ، ورضاعٌ، ومصاهرةٌ. فيحرمُ بالمصاهرَةِ أمهاتُ الزَّوجةِ وإن علونَ لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. وأزواجُ آبائهِ

стр. 9487

وإنْ عَلوا (١)، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ [النساء: ٢٢]. وأزواجُ أبنائهِ (٢) وإن سَفَلوا (٣)، لقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ وقوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ لإخراجِ زوجةِ من تبنَّاهُ، لا زوجة (٤) ابن الرَّضاع لتَحريمها بما سبقَ، وقدِّم على مفهومِ الآية لتقدُّمِ المنطوقِ على المفهومِ حيثُ لا مانعَ، وكلٌّ من هؤلاءِ المحرَّماتِ من النَّوعينِ يحرمْنَ بمجرَّد العقدِ الصَّحيحِ دونَ الفاسدِ إذ لا يفيدُ الحلَّ في المنكوحةِ، والحرمةُ في غيرها فرعُ الحلِّ فيها، وأما بنتُ زوجتهِ وإن سفلَتْ فلا تحرمُ إلَّا بالدُّخولِ بالأمِّ، كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى. (وَجَمَعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ) أي: ابنِ أبي طالبٍ (بَيْنَ ابْنَةِ عَلِيٍّ) زينب (وَ) بين (امْرَأَةِ عَلِيٍّ) ليلى بنت مسعودٍ، فجمعَ بين المرأةِ وبنت زوجها، وهذا وصلهُ البغويُّ في «الجعديَّات». (وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ) محمدٌ فيما وصلهُ سعيد بنُ منصور بسندٍ صحيحٍ لمَّا قيل له: إنَّ عبد الله بنَ صفوانَ تزوَّج امرأةَ رجلٍ من ثقيفٍ وابنتَه من غيرها: (لَا بَأْسَ بِهِ، وَكَرِهَهُ) أي: الجمع بين المرأةِ وبنتِ زوجها (الحَسَنُ) البصريُّ (مَرَّةً، ثُمَّ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ) وهذا وصله الدَّارقطنيُّ. (وَجَمَعَ الحَسَنُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ) أي: ابنِ أبي طالبٍ، فيما وصلهُ عبد الرَّزَّاق وأبو عُبيد ابن سلام (بَيْنَ ابْنَتَيْ عَمٍّ فِي لَيْلَةٍ) واحدةٍ، وهما بنت محمد بن عليٍّ، وبنت عمر بن علي، فقال محمد بن علي: هو أحبُّ إلينا منهما. وزاد عبدُ الرَّزَّاق والشَّافعيُّ من وجهٍ آخر عن عَمرو بن دينارٍ، عن الحسن بن محمد بن عليٍّ ابن الحنفيَّة: فأصبحَ النِّساءُ لا يدرينَ أين يذهبْنَ. (وَكَرِهَهُ (٥)) أي: الجمعَ المذكورَ (جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ) أبو الشَّعثاء البصريُّ التَّابعيُّ (لِلْقَطِيعَةِ)

стр. 9488

أي: لوقوعِ التَّنافسِ بينهما في الحظوةِ عند الزَّوج، فيؤدِّي ذلك إلى القطيعةِ. وقد أخرج أبو داود وابنُ أبي شيبةَ من مرسلِ عيسى بنِ طلحة: نهى رسولُ الله ﷺ أن تنكحَ المرأةُ على قرابتِها مخافةَ القطيعةِ. وأخرج الخلَّال من طريق إسحاق بنِ عبد الله بنِ أبي طلحة، عن أبيهِ، عن أبي بكر وعمر وعثمان: أنَّهم كانوا يكرهون الجمعَ بين القرابةِ مخافةَ الضَّغائنِ. قال البخاريُّ تفقهًا: (وَلَيْسَ فِيهِ تَحْرِيمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]) وانعقد الإجماعُ عليه. (وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ عبد الرَّزَّاق عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عبَّاس: (إِذَا زَنَى بِأُخْتِ امْرَأَتِهِ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ) لأنَّ النَّهيَ عن الجمعِ بين الأختينِ إنَّما هو إذا كان بعقدِ التَّزويجِ. (وَيُرْوَى عَنْ يَحْيَى) بن قيسٍ (الكِنْدِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامرِ بن شراحيلَ (وَأَبِي جَعْفَرٍ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «وابن جعفَر». قال في «الفتح»: والأوَّلُ هو المعتمدُ. أنَّهما قالا (فِيمَنْ يَلْعَبُ بِالصَّبِيِّ: إِنْ أَدْخَلَهُ فِيهِ) يعني: لاطَ به (فَلَا يَتَزَوَّجَنَّ أُمَّهُ) وهذا مذهب الحنابلةِ، وعبارةُ «التَّنقيح»: ومن تلوَّطَ بغلامٍ أو بالغٍ حرمُ على كلِّ واحدٍ منهما أمُّ الآخر وابنتُه نصًّا. والجمهور على خلافهِ. قال البخاريُّ: (وَيَحْيَى) الكنديُّ (هَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ) أي: غيرُ معروفِ العدالة، وقد ذكره المؤلِّف في «تاريخه»، وابن أبي حاتمٍ، ولم يذكر فيه جرحًا، وذكره ابن حبَّان في «الثقات»، وقد ارتفعَ عنه الجهالةُ بروايةِ مَن ذكرَ (وَلَمْ يُتَابَعْ) بفتح الموحدة (عَلَيْهِ) أي: على ما رواه هنا، وقوله: «ويروى عن يحيى … » إلى آخره ثابت في رواية الكُشمِيهنيِّ والمُستملي. قال ابن الملقن في «عجالته»: وهذه مقالةٌ عجيبةٌ، لو نزَّه البخاري عنها كتابهُ لكان أولى (١). (وَقَالَ عِكْرِمَةُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) فيما وصله البيهقيُّ: (إِذَا زَنَى بِهَا) أي: بأمِّ امرأتهِ (لَا تَحْرُمْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ) لأنَّ الحرام لا يحرِّم الحلالَ، وكذا لا يحرمُ عليه بنتُ من زنى بها، ولو كانت من مئة إذ لا حرمةَ لماءِ الزِّنا، فهي أجنبيةٌ عنه شرعًا بدليل انتفاءِ سائرِ أحكامِ النَّسب عنها، سواء

стр. 9489

طاوعتهُ أمها على الزِّنا أم لا، ولو أرضعت المرأةُ بلبنِ الزَّانِي صغيرةً فكبنته. قاله المتولِّي، أما المرأةُ فيحرمُ عليها وعلى سائرِ محارِمِها نكاحُ ابنها من الزِّنا لعمومِ الآية ولثبوتِ النَّسب والإرثِ بينهما، والفرقُ: أنَّ الابنَ كعضوٍ منها وانفصلَ منها إنسانًا، ولا كذلك النُّطفةُ التي خُلِقَت منها البنتُ. نعم يكره نكاحُ المخلوقةِ من زناهُ خروجًا من خلافِ من حرَّمها عليه. قال المرداويُّ من الحنابلة: وتحرمُ بناتُه من حلالٍ، أو حرامٍ، أو شهوةٍ (١). (وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي نَصْرٍ) الأسديِّ الثِّقةِ -فيما قاله أبو زُرعة- فيما وصلهُ الثَّوريُّ في «جامعه»: (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَرَّمَهُ) ولفظ الثوريِّ: أنَّ رجلًا قال: إنَّه أصابَ أمَّ امرأتهِ، أي: زنَى بها، فقال له ابنُ عبَّاس: حرمتْ عليكَ امرأتكَ. وذلك بعد أن ولدَتْ منه سبعةَ أولادٍ كلٌّ بلغَ مبلغَ (٢) الرِّجالِ. قال البخاري: (وَأَبُو نَصْرٍ هَذَا لَمْ يُعْرَفْ) مبنيًّا للمفعول (سَمَاعُهِ) رفع مفعول نائب (٣) عن فاعله، والذي في «اليونينية»: «بِسمَاعِه» (٤) (مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) وعدمُ معرفة المؤلِّف ذلك لا يستلزم نفي معرفةِ غيره به، لا سيَّما وقد وصفهُ أبو زرعةَ بالثِّقة. (وَيُرْوَى عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين الصَّحابي، فيما وصلهُ عبد الرَّزَّاق بإسنادٍ لا بأسَ به (وَ) عن (جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ) التَّابعيِّ (وَالحَسَنِ) البصريِّ فيما وصلهُ ابنُ أبي شيبةَ من طريق قتادة عنهما (وَ) عن (بَعْضِ أَهْلِ العِرَاقِ) ومنهم الثوريُّ (قَالَ) سقط قوله: «قال» من «اليونينية» و «آل ملك» (٥) كلٌّ منهم: (يحْرُمُ عَلَيْهِ) نكاح امرأتهِ، والذي في «اليونينية»: «تحرم» بالفوقية، وسقوط لفظ: «عليه» أي: تحرمُ المرأة -أي: نكاحها- (٦) إذا فجَرَ بأمِّها وكذا

стр. 9490

هي، وبه قال أبو حنيفةَ وصاحباه خلافًا للجمهورِ لأنَّ النِّكاح في الشَّرع إنَّما يُطلق على المعقودِ عليها لا على مجرَّدِ الوطءِ. (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا يحْرُمُ عَلَيْهِ) نكاحُ البنتِ (حَتَّى يُلْزِقَ) بضم التحتية وكسر الزاي (بِالأَرْضِ؛ يَعْنِي: يُجَامِعَ) الأم، خلافًا للحنفيَّة، فإنَّهم قالوا: إذا مسَّ أمَّ زوجتهِ، أو نظرَ إلى داخلِ فرجِها -وهو ما يُرى منها عند استلقائهَا- بشهوةٍ وجدها حرمتْ عليه (١) زوجتُه. وحدُّ الشَّهوةِ إن كانَ شابًّا أن تنتشرَ آلتهُ بها (٢)، أو تزدادَ انتشارًا إن كانتْ منتشرةً قبلهُ، وإن كان شيخًا أو عِنِّينًا فحدُّها أنْ يتحرَّك قلبُهُ، أو يزدادَ تحرُّكه، ولا يعرفُ ذلك إلَّا بقولهِ. وفي «التَّبيين»: وجود الشَّهوة من أحدهما يكفِي، ولو رأى فرجَها من وراءِ الزُّجاجِ ثبتتِ الحرمةُ، ولو رآهُ في المرآةِ لا تثبتُ، ولو مسَّها بحائلٍ إن وصلَ حرارةَ البدنِ إلى يدهِ ثبتتِ الحرمةُ، وإلَّا فلا. ولا فرقَ بين أن يكون المسُّ عمدًا، أو خطأً، أو ناسيًا، أو مكرهًا، وشرطهُ أن لا ينزلَ، فلو أنزلَ عند اللَّمسِ أو النَّظر لم تثبتْ به حرمةٌ لأنَّه ليس مفضيًا (٣) إلى الوطءِ؛ لانقضاءِ الشَّهوة. انتهى. (وَجَوَّزَهُ) أي: المُقامُ مع الزَّوجةِ وإنْ زنى بأمِّها (ابْنُ المُسَيَّبِ) سعيد (وَعُرْوَةُ) بن الزُّبير (وَالزُّهْرِيُّ) محمد بنُ مسلمِ ابنِ شهابٍ لما مرَّ قريبًا. (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمد بنُ مسلم، فيما وصله البيهقيُّ: (قَالَ عَلِيٌّ) هو: ابنُ أبي طالبٍ في رجلٍ وطئَ أمَّ امرأتهِ: (لَا يحْرُمُ) المَقامُ مع امرأتهِ. ولفظ البيهقيِّ: «لا يحرِّمُ الحرامُ الحلالَ». قال البخاريُّ: (وَهَذَا … ) الحديث، ولأبي ذرٍّ: «وهو» (مُرْسَلٌ) أي: منقطعٌ، فأطلقَ المرسل (٤) على المنقطعِ.

стр. 9491

(٢٥) هذا (بابٌ) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]) قال الزَّمخشريُّ: ﴿مِّن نِّسَآئِكُمُ﴾ متعلِّقٌ بـ ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ ومعناه: أنَّ الرَّبيبةَ من المرأةِ المدخولِ بها محرَّمةٌ على الرَّجلِ، حلالٌ له إذا لم يدخُل بها. انتهى. وذِكر الحُجُور جرى على الغالبِ فلا مفهومَ له، ولا فرقَ بين أن يكون الدُّخول في عقدٍ صحيحٍ أو فاسدٍ، والمرادُ بالدُّخولِ الوطءُ على الأصحِّ من قولي الشِّافعيِّ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الدُّخُولُ، وَالمَسِيسُ، وَاللِّمَاسُ) بكسر اللام (هُوَ الجِمَاعُ) وهو الأصحُّ من قولي الشَّافعيِّ، وقاله أبو حنيفة (وَمَنْ قَالَ: بَنَاتُ وَلَدِهَا) أي: المرأة (مِنْ بَنَاتِهِ) وفي نسخة: «هنَّ من بَناتِها» أي: كحُكمِ بَناتِها (١) (فِي التَّحْرِيمِ) على الرَّجل (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) الآتي موصولًا [خ¦٥١٠٦] (لأُمِّ حَبِيبَةَ) رملةَ بنت أبي سفيانَ: (لَا تَعْرِضْنَ) بفتح الفوقية وسكون العين وكسر الراء وسكون الضاد لوقوعِها قبل نون النِّسوةِ، مثل: تضربْنَ، وخطابهُ لجمعِ النِّسوةِ وإن كانت القصَّةُ لامرأتينِ لأمِّ سلمةَ وأمِّ حبيبةَ ليعمَّ (٢) الحكمُ كلَّ امرأةٍ، وردعًا وزجرًا أن يعودَ له أحدٌ بمثلِ ذلك (عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ) وبنتُ الابنِ بنتٌ (وَلَا أَخْوَاتِكُنَّ. وَكَذَلِكَ حَلَائِلُ وَلَدِ الأَبْنَاءِ) أي: أزواجِهم (هُنَّ حَلَائِلُ الأَبْنَاءِ) أي: مثلهنَّ في التَّحريمِ، وهذا بالاتِّفاق، فكذلك بناتُ الأبناءِ وبناتُ البناتِ (وَهَلْ تُسَمَّى الرَّبِيبَةَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي حَجْرِهِ؟) الجمهور: تُسمَّى به (٣)، سواءٌ كانت في حَجْرهِ أم لا لأنَّ ذكر الحجرِ خرجَ مخرجَ العادةِ لا مخرجَ الشَّرطِ، فهو تقييدٌ عرفيٌّ لا تقييدٌ للحكمِ بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]

стр. 9492

علَّق الإباحةَ بعدمِ الدُّخولِ فقط، ولو كانت الحرمةُ مقيَّدةً بهما لتعلَّقتِ الإباحةُ بعدمِهما، وقال عليٌّ: لا تحرمُ الرَّبيبةُ إلَّا إذا كانت في حَجْرهِ لظاهرِ الآية، وقول عليٍّ هذا رواهُ عنه ابنُ أبي حاتم في «تفسيره»، وقال به أيضًا عمرُ بن الخطاب فيما رواه أبو عُبيد. (وَدَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَبِيبَةً لَهُ) هي زينبُ بنت أم سلمة (إِلَى مَنْ يَكْفُلُهَا) وهو نوفلٌ الأشجعيُّ وقال له: «إنَّما أنتَ ظِئرِي» رواه البزَّار والحاكم موصولًا (وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ ¬) فيما سبق موصولًا في «المناقب» [خ¦٣٧٤٦] (ابْنَ ابْنَتِهِ) الحسن بن علي (ابْنًا) حيث قال: «إنَّ ابني هذَا سيِّدٌ» وثبتَ قوله: «ومن قال … » (١) إلى هنا للمُستملي والكُشمِيهنيِّ (٢). ٥١٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبيرِ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينةَ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بن الزُّبير (عَنْ زَيْنَبَ) بنت أبي سلمةَ (عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ) بنت أبي سفيان أنَّها (قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ لَكَ فِي) تزويج أختِي عزَّة أو درَّة أو حَمْنة (بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ؟ قَالَ: فَأَفْعَلُ مَاذَا؟) قالتْ أمُّ حبيبةَ: (قُلْتُ): يا رسول الله (تَنْكِحُـ) ها (قَالَ: أَتُحِبِّينَ؟) أي: ذلك، وأرادَ بالاستفهامِ الاستثبات في شدَّةِ الرَّغبةِ ليتقرَّر الجوابُ بعد ذلك، وأيضًا ليعلمَ السَّبب في محبَّتها ذلك ليرتِّبَ (٣) عليه الحكمَ الشَّرعيَّ، ولذا قالت: (قُلْتُ: لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ) بضم الميم وسكون المعجمة، اسم فاعلٍ من أخلاهُ، وَجَدهُ خاليًا، فهو مخلٍ، والمرأةُ مخليةٌ، وهذا (٤) من مَعاني صيغةِ أفعلَ، كأحمدتهُ وجدتهُ حميدًا، أي: لستُ أجدكَ خاليًا من الزَّوجاتِ غيري

стр. 9493

(وَأَحَبُّ مَنْ شَرَِكَنِي) بفتح الشين وكسر الراء، وتفتح من غير ألفٍ (فِيكَ أُخْتِي. قَالَ) ﵊: (إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي) لما فيه من الجمعِ بين الأختينِ (قُلْتُ): يا رسول الله (بَلَغَنِي أَنَّكَ تَخْطُبُ) أي: بنت أبي سلمة درَّة (قَالَ: ابْنَةَ أُمِّ سَلَمَةَ؟) أي: أأنكحها (قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ) ﵊: (لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي مَا حَلَّتْ لِي؛ أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا) بفتح الهمزة والموحدة المخففة، أي: والد دُرَّة أبا سلمة (ثُوَيْبَةُ) رفع على الفاعليَّة، وقوله: «لو لم». قال في «المصابيح»: هذا مثلُ: «نعمَ العبدُ صهيبٌ، لو لم يخفِ اللهَ لم يعصهِ»، فإنَّ حِلَّها للنَّبيِّ ﷺ منتفٍ من جهتين: كونُها ربيبتَهُ، وكونُها ابنةَ أخيهِ من الرَّضاعةِ، كما أنَّ معصيةَ صهيبٍ منتفيةٌ من جهتِي المخافَةِ والإجلال (فَلَا تَعْرِضْنَ) بفتح التاء وكسر الراء وسكون الضاد، كيضربْنَ (عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ). (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعد الإمامُ: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي: ابنُ عروة، بالإسناد المذكورِ، فسمَّى بنت أبي سلمة فقال: هي (دُرَّةُ) بضم الدال المهملة وفتح الراء المشددة (بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ) ولأبي ذرٍّ: «أمُّ سلمَةَ» فوهم من سمَّاهَا زينب. (٢٦) هذا (بابٌ) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾) في موضعِ رفع عطفًا على المحرَّمات، أي: وحرَّمَ عليكُم الجمعَ بين الأختينِ لما فيه من قطيعةِ الرَّحمِ، وإن رضيتْ بذلك، فإنَّ الطبعَ يتغيَّرُ، وإليه أشارَ ﷺ بقوله: «إنَّكُم إذا فعلتُم ذلكَ قطَّعتُم أَرحامهنَّ» كما زاده (١) ابن حبَّان والطَّبرانيُّ وغيرهما، سواءٌ كانتا من الأبوينِ، أو من أحدِهما، من النَّسبِ أو الرَّضاعِ، وسواءٌ النِّكاح وملك اليمينِ، ولو اشتَرى زوجتهُ بأن كانتْ أمةً فلهُ أن يتزوَّجَ أُختها وأربعًا سِواها لأنَّ ذلك الفراش قد انقطعَ، ولو اشتَرى أختين صحَّ الشِّراءُ إجماعًا لأنَّه لا يتعيَّنُ الوطءُ، فلو وطئَ إحداهما -ولو في الدُّبرِ- حَرُمَتِ الأُخرى للجمعِ المنهيِّ عنه (﴿إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]) من الجمعِ بينهما، فمعفوٌّ عنه.

стр. 9494

٥١٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعد الإمامُ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بنِ مسلمٍ الزُّهريِّ (١) (أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ) بن العوَّامِ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) أمَّ المؤمنين رملةَ (قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، انْكِحْ أُخْتِي) عزَّة (بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: وَتُحِبِّينَ) ذلكَ؟ استفهامٌ سقطت منه الأداةُ (قُلْتُ: نَعَمْ) أحبُّ ذلك لأنِّي (لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ) بضم الميم وسكون المعجمة، أي: لستُ أجدكَ خاليًا من الزَّوجاتِ غيري كما مرَّ، وسقط «لَك» لغير أبي ذرٍّ (٢) (وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي) بألف بعد المعجمة، وسقطت واو «وأحب» لغير أبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ (٣)، ولأبي ذرٍّ: «مَن شَرِكَني» بغير ألف مع كسر الراء (فِي خَيْرٍ) في رواية الباب السَّابق [خ¦٥١٠٦]: «فيكَ» أي: في ذاتكَ (أُخْتِي) خبر المبتدأ الَّذي هو: «أحبُّ» (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ ذَلِكِ) بكسر الكاف خطابًا بالمفرد مُؤنثٌ (لَا يَحِلُّ لِي) لما فيه من الجمعِ بين الأختين (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَوَاللهِ إِنَّا لَنَتَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ. قَالَ) ﵊: (بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟) قال النَّوويُّ: هو سؤالُ استثباتٍ ونفي احتمال (٤) إرادةِ غيرها. وقال ابنُ دقيق العيد: يحتملُ أن يكون لإظهارِ جهة (٥) الإنكارِ عليها، أو على من قال ذلك (فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَوَاللهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ فِي حَجْرِي) بفتح الحاء وسكون الجيم، أي: ربيبتِي (مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ) اللَّام في «لَابْنةُ» هي الدَّاخلةُ في خبر «إنَّ»، ولأبي ذرٍّ: «ابنَة» بإسقاطها، أي: إنَّها حرامٌ لسببين (٦)، لو فقدَ أحدُهُما لم

стр. 9495

يحتج إليهِ لوجودِ الآخرِ (١) (أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ) والدَها (ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ) و «تعرضْنَ» كيضربْنَ بسكون الموحدة، ويجوز تشديد النون للتَّوكيد فتكسر الضاد حينئذٍ لالتقاءِ السَّاكنين، وأصله تعرضْنَنَّ بثلاث نونات: الأولى نون النِّسوة، والأخريان نون التَّوكيد المشدَّدة، فحذفت النون الأولى فالتقى ساكنان فكسر الأول. وهذا الحديث سبق غير مرَّة [خ¦٥١٠١] [خ¦٥١٠٦]. (٢٧) هذا (بابٌ) بالتنوين (لَا تُنْكَحُ المَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا) أي: ولا خالتِها. ٥١٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو: عبدُ الله بنُ عثمانَ بنِ جبلة المروزِيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) ابنُ المباركِ قال: (أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ) هو ابنُ سليمانَ الأحول (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامرِ بنِ شراحيلَ أنَّه (سَمِعَ جَابِرًا) الأنصاريَّ (¬﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُنْكَحَ المَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ) على (خَالَتِهَا) أي: أخت الأبِ، وأخت الأمِّ، وهذا حقيقةٌ، وفي معناهما: أختُ الجدِّ ولو من جهة الأمِّ، وأختُ أبيه وإن علا، وأختُ الجدَّة وأمُّها وإن علَتْ، ولو من قِبَل الأبِ. والضَّابطُ: أنَّه يحرمُ الجمع بين كلِّ امرأتين بينهما قرابةٌ، لو كانت إحداهما (٢) ذكرًا لحَرُمَتِ المناكحةُ بينهما، والمعنى في ذلك: ما فيه من قطيعةِ الرَّحم كما مرَّ، مع المنافسةِ القويَّةِ بين الضَّرَّتين، ولا يحرمُ الجمع بين المرأةِ وبنتِ خالها أو خالتها، ولا بينَ المرأةِ وبنت عمِّها أو عمَّتها لأنَّه لو قدِّرت إحداهما ذكرًا لم تحرُمِ الأخرى عليه. وهذا الحديثُ مخصِّصٌ لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. (وَقَالَ دَاوُدُ) بنُ أبي هندٍ -فيما وصله أبو داود والدَّارميُّ- (وَابْنُ عَوْنٍ) عبدُ الله البصرِيُّ

стр. 9496

-ممَّا وصله النَّسائيُّ- كلاهما: (عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) فلفظ (١) روايةِ الدَّارمي: أنَّ رسول الله ﷺ نهى أن تُنكح المرأةُ على عمَّتها أو المرأةُ على خالتها، والعمَّة على بنتِ أخيها والخالةُ على بنتِ أختها، لا الصُّغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصُّغرى. وهذا كالبيان والتَّأكيد لقوله: «نهى أن تُنكح المرأةُ على عمَّتها … » إلى آخره. ولذلك لم يجِئْ بينهما بالعاطف، والعمَّة والخالة هي الكُبرى، وبنتُ الأخ وبنتُ الأخت هي الصُّغرى، بحسب المزيَّة والرُّتبة، أو لأنَّهما أكبرُ سنًّا منهما غالبًا، ولفظ أبي داود: «لا تُنْكح المرأةُ على عمَّتها، ولا على خالتِها» ولفظ النَّسائي: «لا تزوَّج المرأةُ على عمَّتها، ولا على خَالتِها». ٥١٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابنُ أنسٍ إمامُ الأئمَّةِ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبدِ الله بنِ ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبدِ الرَّحمن بنِ هُرْمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا) في نكاحٍ واحدٍ، ولا بملكِ اليمين (وَلَا بَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا) نكاحًا وملكًا، وحيث حرَّم الجمع فلو نكحهما معًا بطلَ نكاحُهُما إذ ليس تخصيصُ إحداهما بالبُطلان أولى من الأُخرى، فإنْ نكحَهُما مرتِّبًا بطل نكاح الثَّانية لأنَّ الجمع بها حصل. ٥١١٠ - ٥١١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) عبدُ الله بنُ عثمانَ بنِ جبلةَ المروزِيُّ (٢) قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بنُ المباركِ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بنُ يزيدَ الأيلِيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بنِ مسلمٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ) بفتح القاف وكسر الموحدة، وبضم المعجمة وفتح

стр. 9497

الهمزة في الثَّاني مصغَّرًا، الخُزَاعِيُّ (أنَّه سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُنْكَحَ المَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَ) أن تُنكحَ (المَرْأَةُ وَ (١) خَالَتُهَا) قال الزُّهريُّ: (فَنُرَى) بضم النون، أي: نظنُّ (٢) (خَالَةَ أَبِيهَا بِتِلْكَ المَنْزِلَةِ) في التَّحريم، (لأَنَّ عُرْوَةَ) بنَ الزُّبيرِ (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنَّها (قَالَتْ: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ) قال (٣) في «الفتح»: كأنَّه أرادَ إلحاق ما يحرَّم بالصِّهر بما يحرَّمُ بالنَّسب، كما يحرَّم بالرَّضاع ما يحرَّمُ بالنَّسبِ، ولمَّا كانت خالةُ الأب من الرَّضاع لا يحلُّ نكاحُها فكذلك (٤) خالةُ الأب لا يجمعُ بينها وبين بنتِ ابن أخيها. (٢٨) (بابُ الشِّغَارِ) بمعجمتين الأولى مكسورة آخره راء، مصدر شاغَرَ يُشاغِرُ شِغَارًا ومُشاغَرَةً، وسمي شِغارًا إمَّا من قولهم: شغر البلد عن السُّلطان إذا خلا عنه؛ لخلوِّه عن المهرِ، وقيل: لخلوِّه عن بعض الشَّرائط. وقال ثعلب: هو من قولهم: شغرَ الكلبُ إذا رفع رجلهُ ليبولَ، وفي التَّشبيهِ بهذه الهيئةِ القبيحةِ تقبيحٌ (٥) للشِّغار وتغليظٌ على فاعلهِ، كأنَّ كلًّا من الوليَّين يقول للآخر: لا ترفعْ رجلَ ابنتي حتَّى أرفعَ رجلَ ابنتِك. ٥١١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى) نهيَ تحريمٍ (عَنِ الشِّغَارِ. وَالشِّغَارُ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ (٦)) أو مُولِّيته من أختٍ وغيرها (عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ) أو مُولِّيته (لَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ) بل

стр. 9498

بضعُ كلٍّ منهما صداقُ الأخرى، وقد اختلف الرُّواة عن مالكٍ فيمن ينسبُ إليه تفسير الشِّغار، فالأكثر (١) لم ينسبوه لأحدٍ، ولذا قال الشَّافعيُّ -فيما حكاه البيهقيُّ في «معرفة السنن» -: لا أدري التَّفسير عن النَّبي ﷺ ، أو عنِ ابن عمر، أو عن نافعٍ الرَّاوي عنه، أو عن مالك. وقال الخطيبُ: إنَّه قول مالك، وصلهُ بالمتن المرفوعِ، وفي «ترك الحِيَل» من البُخاريِّ [خ¦٦٩٦٠] أنَّه من قول نافعٍ. وقال الباجيُّ: هو من جملةِ الحديث. وبالجملة فإن كان مرفوعًا فهو المراد، وإن كان من قول الصَّحابيِّ فمقبولٌ لأنَّه أعلم بالمقال، والمعنِيُّ في البطلان التَّشريك في البضع حيث جُعِل موردًا للنِّكاح (٢) وصداقًا للأخرى، فأشبه تزويجَ واحدةٍ من اثنينِ. وقال القفَّالُ: العلَّة في البطلانِ التَّعليقُ والتَّوقيفُ، فكأنَّه يقول: لا ينعقد لك نكاح بنتي حتَّى ينعقدَ لي نكاح بنتكَ، وليس المقتضي للبطلان ترك ذكر الصَّداق لأنَّ النِّكاح يصحُّ بدون تسمية الصَّداق، لكن قال ابنُ دقيق العيد: إنَّ قوله في الحديث: «ليس بينهما صَداقٌ» يشعر بأنَّ جهة الفساد ترك ذكر الصَّداقِ. انتهى. وكذا لا يصحُّ لو ذكر مع البُضْع مالًا كقوله: زوَّجتك بنتي أو مولِّيتي بألفٍ على أن تزوِّجني بنتك أو مولِّيتك بألفٍ، وبضع كلٍّ منهما صَدَاقُ الأخرى لوجود التَّشريك المذكور، فلو أسقط في هذه وسابقتها «وبضع كل منهما صَدَاق الأخرى» صحَّ النِّكاح؛ إذ ليس فيه إلَّا شرط عقد في عقدٍ، وهو لا يفسد النِّكاح، ونصُّ الإمام الشَّافعيِّ في «الأم» على البطلان ليس فيه أنَّه مع إسقاط ذلك، فهو مقيَّدٌ بعدم إسقاطه، كما قيَّد به في بقيَّة نصوصه، فثبت أنَّه مع الإسقاط يصحُّ النِّكاحان بمهر المثلِ لفساد المسمَّى، ولو قال: بضعُ ابنتي صداقُ ابنتك، ولم يزدْ، فقبلَ الآخر على ذلك صحَّ الثَّاني فقط. وقال الحنفيَّة: يصحُّ نكاح الشِّغار ويجبُ مهر المثل على كلِّ واحدٍ منهما لأنَّ النِّكاح ممَّا لا يبطل بالشُّروط الفاسدة، وههنا شرطَ فيه ما لا يصلحُ مهرًا، فيبطل شرطُه ويصحُّ عقده، كما لو سمَّى خمرًا. وقال الحنابلةُ: إن سُمِّي المهر في الشِّغار صحَّ، وإن سمِّي لإحداهما ولم يسمَّ للأخرى صحَّ نكاح من سمِّي لها. وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في «النِّكاح»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.

стр. 9499

(٢٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (هَلْ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لأَحَدٍ؟) من الرِّجال على أن ينكحها من غير ذكر صداق، أو مع ذكرهِ؟ أجازهُ الحنفيَّة، لكن قالوا: يجب (١) مهرُ المثل لقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] عطفًا على المُحَلَّلَات في قوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وقوله ﵊: «ملَّكْتُكها بما معَكَ من القرآنِ» قالوا: ولا يقال: الانعقادُ بلفظ الهبة خاصٌّ به ﷺ بدليل قوله: ﴿خَالِصَةً لَّكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] لأنَّا نقول: الاختصاصُ والخلوصُ في سقوط المهر بدليل أنَّها مقابلةٌ بمَن آتى مهرها في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً﴾ وبدليل قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب: ٥٠] والحرج بلزومِ المهر دون لفظ التَّزويج فصار الحاصل: أحللنا لك الأزواج المؤتى مهورهنَّ، والَّتي وهبَتْ نفسها لك فلم تأخُذ مهرًا خالصةً، هذه الخصلةُ لك من دون المؤمنين، أمَّا هم فقد علمنَا ما فرضنَا عليهم في أزواجِهِم من المهر وغيره. وقال الشَّافعيَّة والجمهور: لا ينعقد إلَّا بلفظ التَّزويج أو الإنكاح، فلا ينعقدُ بلفظ البيع والتَّمليكِ والهبة لحديث مسلمٍ: «اتَّقوا الله في النِّساء، فإنَّكم أخذتموهُنَّ بأمانةِ الله واستحلَلْتم فروجهُنَّ بكلمةِ اللهَ»، ولأنَّ النِّكاح ينزعُ إلى العبادات لورود النَّدب فيه، والأذكار في العبادات تتلقَّى من الشَّرع، والشَّرع إنَّما ورد بلفظ التَّزويج والإنكاح، وتعقِّب بأنَّه لا حجَّة في قوله ﵊: «استحلَلتُم فروجهُنَّ بكلمةِ الله» فقد قال ابن الحاجبِ في «الأمالي»: على هذا لو كان المراد لفظ التَّزويج، ولفظ الإنكاح لكان الوجه أن يقال: بكلمتي الله؛ إذ لا يطلقُ المفرد على اثنين إلَّا فيما إذا كان معلومًا بالعادة، كقولهم: أبصرتُهُ بعيني وسمعتُه بأذُني. وأمَّا نحو: اشتريتُه بدرهمٍ، والمراد بدرهمين (٢)، فلا قائل به، ولو سلِّم صحَّة إطلاق المفردِ هنا على الاثنين لامتنعَ أيضًا من جهة أنَّه إذا كان المراد اللَّفظ فاللَّفظ الموجود في القرآن إنَّما هو: ﴿فَانكِحُوهُنَّ﴾ ونحو: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٤٩] و ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وقد علم أنَّه إذا أخبر عن الكلمةِ باعتبار أنَّه إنَّما يراد صورتها ولفظها مجرَّدة عن معناها أو مع معناها، وقد علم أنَّه لا يقع الإنكاحُ بهذه الألفاظ على صورتها لا بمجرَّدها ولَا بمعناها المراد بها، ولو سلِّم أنَّ الإنكاح

стр. 9500

يقعُ بهما، فليس في اللَّفظ ما يشعرُ أنَّه لا استحلالَ إلَّا بذلك، ولو سلِّم أنَّ في اللَّفظ ما يشعرُ بالحصرِ فعندنا ما يأباه وهو أنَّه قد ذكر لفظ المراجعة معبَّرًا به عن التَّزويج. قال الله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] والمعنى: فإن طلَّقها الزَّوج الثَّاني (١) ثلاثًا فلا جناحَ على الزَّوج الأوَّل، وعلى الزَّوجة المطلَّقة من هذا الثَّاني أن يتراجعَا، فقد عبَّر بالمراجعةِ عن التَّزويج، والمراد: أن يتناكحَا، وذلك يأبى الحصر المسلَّم فيه ظهوره (٢) تقديرًا. انتهى. وحديث أنَّه ﷺ زوَّج امرأةً فقال: «ملكتُكَها بما معَكَ من القرآنِ» قيل: إنَّه وهمٌ من الرَّاوي: وبتقدير (٣) صحَّته معارضٌ برواية الجمهور «زوَّجتُكها» قال البيهقيُّ: والجماعة أولى بالحفظِ من الواحد، ويحتملُ أنَّه ﷺ جمعَ بين اللَّفظين. ٥١١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللام، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ) بضم الفاء، محمدٌ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بنِ الزُّبير أنَّه (قَالَ: كَانَتْ خَوْلَةُ) بفتح الخاء المعجمة (بِنْتُ حَكِيمٍ) بفتح المهملة، ابنِ أميَّةَ السَّلَميَّة، وكانت امرأةَ عثمانَ بنِ مظعونَ، وكانت من السَّابقات إلى الإسلام (مِنَ اللَّائِي) بالهمزة (وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ) -فيه إشعارٌ بأنَّ عروة حمل الحديث عن عائشةَ، فلا يكون مرسلًا-: (أَمَا) بتخفيف الميم (تَسْتَحِي المَرْأَةُ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِلرَّجُلِ؟) زاد محمد بنُ سيرينَ: «بغير صَدَاق» (فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿تُرْجِي﴾) أي: تؤخِّر (﴿مَن تَشَاء مِنْهُنَّ﴾ (٤)) وفي رواية عبدةَ بنِ سليمانَ: فأنزل الله: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاء﴾ [الأحزاب: ٥١] وهي أظهرُ في أنَّ نزول هذه الآية بهذا السَّبب (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَرَى) بفتح

стр. 9501

الهمزة (رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ) أي: في رِضاك (رَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (أَبُو سَعِيدٍ) محمد بنُ مسلمِ بنِ أبي الوضَّاح (المُؤَدِّبُ) وكان مؤدِّبَ موسى الهادي، فيما وصله ابن مَرْدَويه في «تفسيره» من طريق منصور بنِ أبي مُزَاحم عنه (وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، العَبديُّ الكوفيُّ، فيما (١) وصله الإمام أحمد عنه بتمام الحديث (وَعَبْدَةُ) بنُ سليمانَ، فيما وصله مسلمٌ وابن ماجه؛ الثَّلاثة: (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بنِ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (يَزِيدُ بَعْضُهُمْ) في روايته (عَلَى بَعْضٍ) فأمَّا لفظ رواية ابن مَرْدَويه فهو: قالت الَّتي وهبَت نفسها للنَّبيِّ ﷺ خولةُ بنتُ حكيمٍ. وأمَّا روايةُ الإمام أحمد عنها فهو: كانَت تعيِّرُ اللَّاتي وهبنَ أنفسهنَّ، فلمَّا نزلت: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ﴾ قالتْ: إنِّي لأرى ربَّك يسارعُ لك في هواك. وأمَّا رواية مسلمٍ فلفظها أنَّها كانت تقول: أما تستَحي المرأةُ تهب نفسَها لرجلٍ؟ حتى أنزلَ الله: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء﴾ [الأحزاب: ٥١] فقلت: إنَّ ربَّك يسارعُ لك في هواك. وإنَّما قالت عائشةُ ذلك لما عندَها من الغيرةِ الَّتي طبعت عليها النِّساء، وإلَّا فقد علمت أنَّ الله تعالى قد أباح لنبيِّه ﷺ ذلك، وأنَّ جميع النِّساء لو ملَّكه الله رقَّهُنَّ لكان قليلًا، فيغتفرُ في الغيرةِ ما لا يُغتفر في غيرها من الحالاتِ، والله أعلم. (٣٠) (بابُ نِكَاحِ المُحْرِمِ) بالحجِّ أو العمرة أو بهما هل يجوز أم لا؟ والَّذي ذهب إليه الشَّافعيَّة (٢) الثَّاني، سواءٌ كان الإحرامُ صحيحًا أو (٣) فاسدًا لحديث مسلمٍ عن أبان بنِ عثمانَ ابنِ عفَّان، عن أبيه مرفوعًا: «المحرمُ لا ينكِحُ ولا يُنكح» فيبطلُ النِّكاح بإحرام أحد الزَّوجين، أو العاقدين من وليٍّ ولو حاكمًا، وتنتقلُ الولايةُ للحاكم لا للأبعدِ؛ إذ الإحرامُ لا يسلبُ الولاية لبقاء الرُّشد والنَّظر، وإنَّما يمنع النِّكاح كما يمنعه إحرامُ الزَّوج والزَّوجة، ولو أحرم الوليُّ أو الزَّوج فعقدَ وكيله الحلال لم يصحَّ لأنَّ الوكيل سفيرٌ (٤) محضٌ، فكان كالعاقد

стр. 9502

الموكَّل، ولو أحرمَ السُّلطان أو القاضي فلخلفائه أن يزوِّجوهُ لأنَّ تصرفهم بالولايةِ لا بالوكالةِ كما جزم به الخفَّاف وصحَّحه الرُّوياني، وقيل: هذا في السُّلطان لا في القاضي لأنَّ خلفاءه لا ينعزلون بموتهِ وانعزالهِ، بخلاف خلفاءِ القاضِي، ويصحُّ بشهادةِ المحرم لأنَّه ليس بعاقدٍ ولا معقودٍ، ولو راجعَ امرأتهُ وهو محرمٌ صحَّ لأنَّها استدامةٌ كالإمساكِ في دوام النِّكاح لا ابتداء عقد، وفي انعقادِ النِّكاح ابتداءً من المحرمِ بين التَّحلُّلين قولان صحَّح الرَّافعيُّ الصِّحَّة لأنَّه من المحرَّمات الَّتي لا توجب تعاطِيها إفسادًا، فأشبهَتِ الحلق، وصحَّح النَّوويُّ البطلان لأنَّه محرمٌ، وقال الحنفيَّةُ: يجوز تزويج المُحرِم والمُحرِمة حالةَ الإحرام دون الوطءِ، ولو كان المزوِّج لها مُحْرِمًا، قالوا: وهو قولُ ابن مسعود وابن عبَّاسٍ وأنسِ بنِ مالكٍ، وجمهور التَّابعين؛ إذ هو عقدُ معاوضةٍ، والمُحْرِم غير ممنوعٍ منه كشراء الجارية للتَّسري، ولو جعل عقد النِّكاح بمنزلةِ ما هو المقصود به وهو الوطء لكان تأثيرُه في إيجابِ الجزاء أو فسادِ الإحرامِ لا في بطلان النِّكاح، وحديث عثمان ضعيفٌ قاله البخاريُّ (١) لأنَّ في إسناده نُبَيْه (٢) بن وهبٍ، ولا يلزم حُجَّةً، ولئن صحَّ فهو محمولٌ على الوطء لأنَّه الحقيقةُ، أي: لا يطأُ المحرمُ، واستدلُّوا لذلك بحديث البابِ، وهو ما رويناه بالسَّند إلى البخاريِّ، قال: ٥١١٤ - (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بنِ زياد النَّهديُّ الكوفيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (٣) (ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ قال: (أَخْبَرَنَا عَمْرٌو) بفتح العين، ابنُ دينارٍ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنَا» (جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ) أبو الشَّعثاء (قَالَ: أَنْبَأَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنَا» (ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄¬) قال: (تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهْوَ) أي: والحالُ أنَّه (مُحْرِمٌ) بعمرةِ القضيَّةِ، وسبق في «أواخر (٤) الحجِّ» من طريق الأوزاعيِّ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاس: «تزوَّج ميمونة وهو محرمٌ» [خ¦١٨٣٧]

стр. 9503

وسبقَ أيضًا في «عمرة القضاءِ» من رواية عكرمةَ بلفظ حديثِ الأوزاعيِّ. وزاد (١): «وبنى بها وهو (٢) حلالٌ» [خ¦٤٢٥٨] وهذا قد عدَّ من خصائصهِ ﷺ ، على أنَّ أكثر الرِّوايات (٣) أنَّه تزوَّجها وهو حلالٌ، وعند مسلمٍ عن يزيد بن الأصمِّ، قال: «حدَّثتني ميمونة: أنَّ رسول الله ﷺ تزوَّجها وهو حلالٌ. قال: وكانت خالتي وخالة ابن عبَّاس». وعند التِّرمذي وابن خزيمةَ وابن حبَّان عن أبي رافعٍ في «صحيحهما»: «أنَّه ﷺ تزوج ميمونة وهو حلالٌ، وبنى بها وهو حلالٌ، وكنتُ أنا الرَّسول بينهما». وقرأت في كتاب «المعرفة» للبيهقيِّ بسنده إلى الشَّافعيِّ قال: أخبرنا مالكٌ، عن ربيعةَ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ: أنَّ رسول الله ﷺ بعث أبا رافعٍ مولاه ورجلًا من الأنصارِ، فزوَّجاه ميمونةَ بنت الحارث، وهو بالمدينةِ قبل أن يخرجَ. وقد ردَّ الشَّافعيُّ بذلك رواية ابن عبَّاس الأولى، واحتجَّ على المخالف بحديث عثمان السَّابق الثَّابت، وبأنَّ عثمان كان غير غائبٍ عن نكاح ميمونةَ، وبأنَّ ابن أختها يزيدَ بنَ الأصمِّ يقول: نكحها حلالًا. ومعه سليمانُ بنُ يسارٍ عتيقها أو (٤) ابن عتيقها، وخبر اثنين أكثر من خبر واحدٍ، مع روايةِ عثمان الَّتي هي أثبتُ من هذا كله، ولئن سلَّمنا أنَّ الخبرين تكافأا نظرنا فيما فعل أصحابُ رسول الله ﷺ بعده، وقد رأينا عمر وزيد (٥) بنَ ثابتٍ يردَّان نكاح المحرم، ويقول (٦) ابن عمر: إنَّ (٧) المحرمَ لا يَنكِح ولا يُنكِح. ولا أعلمُ من أصحاب رسولِ الله ﷺ مخالفًا لذلك، وقد روِّينا عن الحسنِ: أنَّ عليًّا قال: من تزوَّج وهو محرمٌ نزعنَا منه امرأتهُ ولم نُجِزْ نكاحه. انتهى ملخصًا من كتاب «المعرفة». وهذا الحديث سبق في «كتاب الحج» في «باب تزويج المحرم» [خ¦١٨٣٧] والظَّاهر من صنيع البخاري الجواز كالحنفية.

стр. 9504

(٣١) (بابُ نَهْيِ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيِّ» (¬ ﷺ ¬) نهي تحريمٍ (عَنْ نِكَاحِ المُتْعَةِ آخرًا) ولأبي ذرٍّ: «أخيرًا» (١) وهو المؤقَّت بمدَّةٍ معلومةٍ كسنةٍ، أو مجهولةٍ كقدوم زيدٍ، وسمِّي بذلك لأنَّ الغرض منه مجرَّد التَّمتُّع دون التَّوالد وسائر أغراض النِّكاح، وقد كان جائزًا في صدرِ الإسلام للمضطرِّ كأكل الميتة ثمَّ حرِّم، كما أفهمه قول المصنِّف، ويأتي إن شاء الله تعالى ما وردَ فيه. ٥١١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) النَّهديُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ (أنَّه سَمِعَ الزُّهْرِيَّ) محمد بن مسلمٍ (يَقُولُ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ) أي: ابن أبي طالبٍ (وَأَخُوهُ) أي: أخو الحسنِ (عَبْدُ اللهِ) أبو هاشمٍ، ولأبي ذرٍّ: «عبدُ الله بنُ محمد» كلاهما (عَنْ أَبِيهِمَا) محمد ابن الحنفيَّةِ (أَنَّ) أباه (عَلِيًّا ﵁ قَالَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ) لمَّا سمعه يفتي في متعةِ النِّساء أنَّه لا بأس بها: (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ المُتْعَةِ) في رواية أحمد عن سفيان: «عن نكاحِ المتعةِ» (وَعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ) ظرفٌ للاثنين. وفي «غزوة خيبرَ» من «كتاب المغازي»: «نهى رسول الله ﷺ يوم خيبرَ عن متعةِ النِّساء، وعن لحوم الحمُرِ الأهليَّة (٢)» [خ¦٤٢١٦]. لكن قال البيهقيُّ -فيما قرأته في كتاب «المعرفة» -: وكان ابنُ عُيينةَ يزعمُ أنَّ تاريخ خيبر في حديث عليٍّ إنَّما هو في النَّهي عن لحوم الحمُر الأهليَّة، لا في نكاح المتعةِ. قال البيهقيُّ: وهو يشبه أن يكون كما قال، فقد روي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه رخَّص فيه بعد ذلك ثمَّ نهى عنه، فيكون احتجاجُ عليٍّ بنهيه آخرًا حتَّى تقوم به الحجَّة على ابن عبَّاسٍ. وقال السُّهيليُّ: النَّهي عن نكاح المتعة يوم خيبر شيءٌ لا يعرفه أحدٌ من أهل السِّير ولا رواة أهل (٣) الأثرِ،

стр. 9505

فالَّذي يظهر أنَّه وقع تقديمٌ وتأخيرٌ في لفظ الزُّهريِّ. انتهى. واتَّفق أصحابُ الزُّهريِّ كلُّهم على خيبر بالخاء المعجمة والراء آخره، إلَّا ما رواه عبدُ الوهَّاب الثَّقفيُّ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن مالكٍ في هذا الحديث، فقال: «حنين» بالحاء المهملة والنونين، أخرجه النَّسائيُّ والدَّارقطنيُّ، وقالا: إنَّه وهمٌ تفرَّد به، وقد اختلف في وقتِ تحريم نكاح المتعة، والَّذي تحصَّل من ذلك أنَّ أوَّلها خيبر -ثمَّ عمرة القضاء- كما رواه عبدُ الرَّزَّاق من مرسلِ الحسنِ البصريِّ، ومراسيله ضعيفةٌ لأنَّه كان يأخذ عن كلِّ أحدٍ -ثمَّ الفتح- كما في مسلمٍ بلفظ: «إنَّها حرامٌ من يومكُم هذا إلى يومِ القيامة» -ثمَّ أوطاس- كما في مسلمٍ بلفظ: رخَّص لنا رسول الله ﷺ عام أوطاسٍ في المتعةِ ثلاثًا ثمَّ نهى عنها، لكن يحتمل أنَّه أطلق على عام الفتح عام أوطاسٍ لتقارُبِهما، لكن يبعدُ أن يقع الإذن في غزوة أوطاسٍ بعد أن يقع التَّصريح قبلها في الفتح: بأنَّها حرِّمت إلى يوم القيامةِ -ثمَّ تبوك- فيما أخرجه إسحاقُ بنُ رَاهُوْيَه، وابنُ حبَّان من طريقهِ من حديث أبي هريرةَ، وهو ضعيفٌ لأنَّه من رواية المؤمِّلِ بنِ إسماعيلَ، عن عكرمة بن عمَّارٍ، وفي كلٍّ منهما مقالٌ، وعلى تقدير صحَّته فليس فيه أنَّهم استمتعوا (١) في تلك الحالةِ، أو كان النَّهيُ قديمًا فلم يبلغ بعضهم، فاستمرَّ على الرُّخصة؛ ولذلك قرن النَّبيُّ ﷺ النَّهي بالغضبِ، كما في رواية الحازميِّ من حديث جابرٍ لتقدُّم النَّهي عنه -ثمَّ حجَّة الوداعِ- كما عند أبي داودٍ (٢)، لكن اختلف فيه على الرَّبيعِ ابنِ سَبْرَة، والرِّواية عنه بأنَّها في الفتح أصحُّ وأشهر، فإنْ كان حفظه فليس في سياقِ أبي داودٍ سوى مجرَّد النَّهي، فلعلَّه ﷺ أراد إعادةَ النَّهي ليسمعه من لم يسمعْه قبل، ويقوِّيه (٣) أنَّهم كانوا حجُّوا بنسائهم بعد أن وسَّع الله عليهم بفتح خيبر من المال والسَّبي، فلم يكونوا في شدَّةٍ ولا طولِ عُزوبةٍ (٤)، فلم يبق صحيحٌ صريح سوى خيبر والفتح، مع ما وقعَ في خيبر من الكلام، وأيَّده ابن القيَّم في «الهدي» بأنَّ الصَّحابة لم يكونوا يستمتعون باليهوديَّاتِ. وقال النَّوويُّ:

стр. 9506

الصَّواب والمختار أنَّ التَّحريم والإباحة كانا مرَّتين؛ فكانت حلالًا قبلَ خيبر، ثمَّ حرِّمت يوم خيبر (١)، ثمَّ أُبيحَت يومَ الفتح؛ وهو يومُ (٢) أوطاسٍ لاتِّصالها بها، ثمَّ حرِّمت يومئذٍ بعد ثلاثة أيَّامٍ تحريمًا مؤبَّدًا إلى يوم القيامة. وسبق هذا الحديث في «المغازي» في «غزوة خيبر» [خ¦٤٢١٦]. ٥١١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُنْدَار العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمد بنُ جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) بالجيم والراء، نصرُ بنُ عمرانَ الضُّبَعيُّ البصريُّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (سُئِلَ) بضم السين، ولأبي ذرٍّ: «يُسأل» بتحتية مضمومة بلفظ المضارع مبنيًّا للمفعول (٣) (عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ فَرَخَّصَ) فيها (فَقَالَ لَهُ مَوْلًى لَهُ) قيل: إنَّه عكرمةَ: (إِنَّمَا ذَلِكَ) التَّرخيص (فِي الحَالِ الشَّدِيدِ) من قوَّةِ الشَّهوة والعزوبةِ (وَفِي النِّسَاءِ قِلَّةٌ) وعند الإسماعيليِّ: «إنَّما كان ذلك في الجهاد والنِّساء قلائلُ» (أَوْ) قال (نَحْوَهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ) أي: صدق، إنَّما رخَّص فيها بسببِ العُزْبةِ (٤) في حال السَّفرِ. ٥١١٧ - ٥١١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابنُ عبد الله المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ (قَالَ عَمْرٌو) بفتح العين، ابنُ دينارٍ (عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي: ابنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ (عَنْ جَابِرِ بْنِ

стр. 9507

عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (وَسَلَمَةَ ابْنِ الأَكْوَعِ) ﵃ أنَّهما (قَالَا: كُنَّا فِي جَيْشٍ) بالجيم المفتوحة والتحتية الساكنة بعدها معجمة (فَأَتَانَا رَسُولُ (١) رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) قيل: إنَّه بلالٌ، وللكُشمِيهنيِّ ممَّا (٢) في «اليونينية»: «رسول الله (٣)» فلينظرْ (فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُمْ) بضم الهمزة (أَنْ تَسْتَمْتِعُوا) زاد شعبةُ عند مسلم: «يعني: متعةَ النِّساء» (فَاسْتَمْتَِعُوا) بفتح المثناة الفوقية بلفظ الماضي، وكسرها بلفظ الأمرِ (٤). وهذا الحديث أخرجه مسلم في «النِّكاح». ٥١١٩ - (وَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو: محمد بنُ عبدِ الرَّحمن بنِ المغيرةَ بنِ الحارثِ بنِ أبي ذئبٍ، فيما وصله الطَّبرانيُّ (٥) والإسماعيليُّ وغيرهما: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ ابْنِ الأَكْوَعِ) بكسر الهمزة وتخفيف الياء (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أنَّه قال: (أَيُّمَا رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ تَوَافَقَا) في النِّكاح بينهما مطلقًا من غير ذكر أجل (فَعِشْرَةُ مَا بَيْنَهُمَا ثَلَاثُ لَيَالٍ) بفاء مفتوحة فعين مكسورة فمعجمة ساكنة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بعِشرَةُ» بموحدة مكسورة بدل الفاء، قال في «الفتح»: وبالفاء أصح. والمعنى: أنَّ إطلاقَ الأجل محمولٌ على التَّقييد بثلاثةِ أيَّامٍ بلياليهنَّ (فَإِنْ أَحَبَّا) الرَّجل والمرأة بعد انقضاء الثَّلاث (أَنْ يَتَزَايَدَا) في المدَّة تزايَدا، أو أن (٦) يتناقصا تناقَصا (أَوْ) أحَبَّا أن (يَتَتَارَكَا) التَّوافق ويتفارَقا (تَتَارَكَا) قال سلمةُ ابنُ الأكوعِ: (فَمَا أَدْرِي أَشَيْءٌ كَانَ) الجواز (لَنَا) معشرَ الصَّحابةِ (خَاصَّةً أَمْ) كان (لِلنَّاسِ

стр. 9508

عَامَّةً؟) نعم وقع في حديثِ أبي ذرٍّ عند البيهقيِّ أنَّها أحلَّت للصَّحابة ثلاثة أيَّامٍ، ثمَّ نهى عنها. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (وَبَيَّنَهُ) ولأبي ذرٍّ: «وقد بيَّنَهُ» أي: حكم المتعة (عَلِيٌّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ) وقد وقعَ الإجماعُ على تحريمها إلَّا الرَّوافض، وقد نقل البيهقيُّ عن جعفرِ بنِ محمد أنَّه سُئل عن المتعةِ فقال: هي الزِّنا بعينهِ، واختُلفَ: هل يحدُّ ناكح المتعةِ أم لا؟ وهو مبنيٌّ على أنَّ الاتِّفاق بعد الخلافِ هل يرفعُ الخلاف المتقدِّم؟ ومذهب الشَّافعية سقوطُ الحدِّ، ولو عُلم فسادَه لشبهةِ اختلافِ العلماء، ولو قال: نكحتُها متعةً ولم يزِدْ عليه فباطلٌ، يسقطُ بالوطءِ فيه (١) الحدُّ، ويلزمُ بالوطءِ فيه المهرُ والنَّسب والعدَّة، وأمَّا نكاحُ المحلِّل فإن شرط في العقدِ أنَّه يحلِّلها للذي طلَّقها ثلاثًا، أو إذا وطئها لا نكاحَ بينهما، أو أنَّه إذا حلَّلها طلَّقها لا يصحُّ؛ لأنَّه قد شرط قطعه دونَ غايته، فيبطلُ كنكاحِ المتعةِ، فإن عقدَ النِّكاح ليحلَّها لكنَّه لم يشترطْه (٢) في صلبِ العقدِ صحَّ النِّكاح لخلوِّه عن المفسدةِ وَكُرِه (٣). (٣٢) (بابُ عَرْضِ المَرْأَةِ نَفْسَهَا عَلَى الرَّجُلِ الصَّالِحِ) لينكحها رغبةً في صلاحهِ. ٥١٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَرْحُومٌ) البصريُّ مولى آلِ أبي (٤) سفيانَ، ولأبي ذرٍّ: «مرحوم بنُ عبدِ العزيزِ بنِ مِهران» بكسر الميم (قَالَ: سَمِعْتُ ثَابِتًا البُنَانِيَّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَنَسٍ وَعِنْدَهُ ابْنَةٌ لَهُ) قال في «الفتح»: لم أقفْ على اسمها، وأظنُّها أُمَيْنة بالتَّصغير (قَالَ أَنَسٌ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ تَعْرِضُ عَلَيْهِ نَفْسَهَا) ليتزوَّجها

стр. 9509

(قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَكَ بِي حَاجَةٌ؟ فَقَالَتْ بِنْتُ) ولأبي ذرٍّ: «ابنة» (أَنَسٍ: مَا أَقَلَّ حَيَاءَهَا، وَاسَوْأَتَاهْ وَاسَوْأَتَاهْ) مرَّتين، وهي الفعلةُ القبيحةُ، والألف للنُّدبةِ، والهاء للسكت (قَالَ) أنسٌ لابنته: (هِيَ) أي: المرأةُ الَّتي عرضتْ نفسها عليه ﷺ (خَيْرٌ مِنْكِ، رَغِبَتْ فِي النَّبِيِّ ﷺ فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا) فيه: جوازُ عرضِ المرأة نفسها على الرَّجل الصَّالح، وأنَّه لا عارَ عليها في ذلك، بل فيه دَلالةٌ على فضيلَتها. نعم إن كان لغرضٍ دنيويٍّ فقبيحٌ. وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ في «النِّكاح». ٥١٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) الجُمحيُّ، نسبه لجدِّه الأعلى (١) لشهرته به، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة، محمد بنُ مطرِّف -بكسر الراء المشددة- اللَّيثيُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) سلمةُ بنُ دينار (عَنْ سَهْلٍ) ابنِ سعدٍ ثبت: «ابن سعدٍ» لأبي ذرٍّ، الأنصاريِّ ﵁: (أَنَّ امْرَأَةً عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَى النَّبيِّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، زَوِّجْنِيهَا) زاد في رواية: «إن لم يكُن لكَ بهَا حاجة» [خ¦٥٨٧١] (فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قال» ﵊ له: (مَا عِنْدَكَ) تصدقها؟ (قَالَ) الرَّجل: (مَا عِنْدِي شَيْءٌ) أصدقها إيَّاه (قَالَ) ﵊: (اذْهَبْ) إلى أهلكَ (٢) (فَالتَمِسْ (٣)) زاد في رواية: «شيئًا» [خ¦٥١٣٥] واستدلَّ بها على جواز كلِّ ما يتموَّل في الصَّداقِ من غير تحديدٍ، ولفظ: شيء، وإن

стр. 9510

كان يطلَقُ على غير المالِ لكنَّه مخصوصٌ بدليلٍ آخر، وذلك أنَّه عوض كالثَّمنِ في البيعِ، فاعتبر فيه ما يعتبرُ في الثَّمن ممَّا دلَّ الشَّرع على اعتباره فيه. والالتماسُ افتعالٌ من اللَّمسِ، فهو استعارةٌ، والمراد: الطَّلب والتَّحصيل لا حقيقة اللَّمس (وَلَوْ) كان الملتَمَس (خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ) فإنَّه جائزٌ (فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ، مَا وَجَدْتُ شَيْئًا وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي) لي نصفهُ (وَلَهَا نِصْفُهُ) صَداقًا (-قَالَ سَهْلٌ) ﵁: (وَمَا لَهُ رِدَاءٌ- فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَمَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ) ولأبي ذرٍّ: «إن لبسَت» بحذف الضمير المنصوب (لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْ (١) شَيْءٍ) كذا في الفرع، والذي في «اليونينية»: «لم يكُن عليها منه شيء (٢)» (وَإِنْ لَبِسَتْهُ) هي (لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ. فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلَسُهُ) بفتح اللام مصحَّحًا عليها في الفرع كأصله، وفي غيرهما بكسرها (٣)، أي: جلوسهُ (قَامَ) ليذهبَ (فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ فَدَعَاهُ -أَوْ: دُعِي لَهُ-) أي: دعاهُ بنفسهِ، أو أمرَ من دعاه، والشَّكُّ من الرَّاوي (فَقَالَ لَهُ: مَاذَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟) أي: ما (٤) تحفظُ منه؟ (فَقَالَ (٥): مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا) مرَّتين، وزاد أبو ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وسورة كذا» (لِسُوَرٍ يُعَدِّدُهَا) في «فوائد تمَّام»: أنَّها تسعُ (٦) سورٍ من المفصَّل، وقيل: كان معه إحدى وعشرون آيةً من البقرة وآل عمران. رواه أبو داود. (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَمْلَكْنَاكَهَا) ولأبي ذرٍّ: «أمكنَّاكها» من التَّمكين، والأولى من التَّمليكِ، وفي رواية: «زوَّجتكها» [خ¦٥٠٢٩] وهي رواية الأكثر، وصوَّبها الدَّارقطنيُّ، وجمع النَّوويُّ بأنَّه جرى لفظ التَّزويج أولًا، ثمَّ لفظ التَّمليك أو التَّمكين ثانيًا لأنَّه ملك عصمتها بالتَّزويج وتمكَّن به منها،

стр. 9511

والباء في قوله: (بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ) للمعاوضةِ (١) والمقابلةِ، على تقدير مضاف، أي: زوَّجتك إيَّاها بتعليمكَ إيَّاها ما معك من القرآن، ويؤيِّده أنَّ في مسلمٍ: «انطلق فقد زوَّجتكها، فعلِّمَها ما معكَ من القرآن (٢)»، أو هي للسببيَّة، أي: بسبب ما معَكَ من القرآن (٣) فيخلو النِّكاح عن المهرِ، فيكون خاصًّا بهذه القضيَّة، أو يرجعُ إلى مهرِ المثلِ، وبالأوَّل جزمَ الماورديُّ. (٣٣) (بابُ عَرْضِ الإِنْسَانِ ابْنَتَهُ أَوْ أُخْتَهُ عَلَى أَهْلِ الخَيْرِ) ليتزوَّجوا بها. ٥١٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأُويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيمَ بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ عوف (٤)، أبو إسحاقَ الزُّهريُّ (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ)

стр. 9512

أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ يُحَدِّثُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) ﵁ (حِينَ تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ) بفتح الهمزة والتحتية المشددة، أي: صارت أيِّمًا (مِنْ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ) بضم الخاء المعجمة وفتح النون وبعد التحتية الساكنة مهملة، وحُذَافة بالحاء المهملة المضمومة بعدها معجمة فألف ففاء (السَّهْمِيِّ) بالسين المهملة، البدريِّ (وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَتُوُفِّي بِالمَدِينَةِ) من جراحةٍ أصابته يومَ أُحُد، وجزم ابنُ سعدٍ بأنَّه مات عقبَ قدوم النَّبيِّ ﷺ من بدرٍ (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ) أن يتزوَّج (حَفْصَةَ، فَقَالَ: سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي) أي: أتفكَّر فيه (فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، ثُمَّ لَقِيَنِي) عثمان (فَقَالَ: قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا. قَالَ) وفي رواية «فقال» (١) (عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ) ﵁ (فَقُلْتُ) له: (إِنْ شِئْتَ زَوَّجْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، فَصَمَتَ) أي: سكتَ (أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا) بفتح الياء وكسر الجيم، وهذا تأكيدٌ لرفع المجاز لاحتمال أن يظنَّ أنَّه سكت زمانًا ثمَّ تكلَّم. قال عُمر: (وَكُنْتُ أَوْجَدَ) أي: أشدَّ موجدةً، أي: غضبًا (عَلَيْهِ) على أبي بكرٍ (مِنِّي) أي: من غضبي (عَلَى عُثْمَانَ) لقوَّة المودَّة بينه وبين أبي بكرٍ، ولأنَّ (٢) عثمان أجابه أولًا، ثمَّ اعتذر (فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: لَعَلَّكَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لقد» (وَجَدْتَ عَلَيَّ حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَفْصَةَ فَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْكَ شَيْئًا) بكسر الجيم، أي: لم أعدْ عليك (٣) جوابًا (قَالَ عُمَرُ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ فِيمَا عَرَضْتَ عَلَيَّ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ ذَكَرَهَا، فَلَمْ أَكُنْ لأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَوْ تَرَكَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبِلْتُهَا) فيه: كتمان السِّرِّ، فإن أفشاهُ صاحبه ساغَ للذي أسرَّ إليه إظهاره، فلو حلفَ لا يُفشي سرَّ فلانٍ فأفشى فلانٌ سرَّ نفسه، ثمَّ تحدَّث به الحالفُ لا يحنث؛ لأنَّ صاحب السِّرِّ هو الَّذي أفشاهُ.

стр. 9513

وهذا الحديث قد سبق في «المغازي» [خ¦٤٠٠٥]. ٥١٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بنُ سعيدٍ قال (١) (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ) بكسر العين المهملة: (أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنتَ» (أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) رملةَ بنتَ أبي سفيان (قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : إِنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّكَ نَاكِحٌ) أي: تريدُ أن تنكِح (دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَعَلَى أُمِّ سَلَمَةَ) أَتَزوَّجُها؟ استفهام إنكاريٌّ (لَوْ لَمْ أَنْكِحْ) أمَّها (أُمَّ سَلَمَةَ مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّ أَبَاهَا) أبا سلمةَ (أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ). فإن قلتَ: ما وجه المطابقة بين هذا الحديث والتَّرجمة؟ أُجيب بأنَّه طرفٌ من الحديث السَّابق في «باب: ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾» [خ¦٥١٠٧] وفيه: قالت أمُّ حبيبة: يا رسولَ الله، انكِح أختي. فعرضَتْ أختها عليه. (٣٤) (بابُ قَوْلِ اللهِ : ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء﴾) أي: في عدَّةٍ رجعيَّةٍ (٢) (﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللّهُ﴾ الآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥]) وسقط قوله: «﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ (٣)، (﴿أَكْنَنتُمْ﴾) أي: (أَضْمَرْتُمْ) (٤) وسترتُم (فِي أَنْفُسِكُمْ) في قلوبكم فلم تذكروهُ بألسنتِكُم، لا معرضينَ ولا مصرِّحين (وَكُلُّ شَيْءٍ صُنْتَهُ وَأَضْمَرْتَهُ فَهْوَ مَكْنُونٌ) قاله أبو عبيدةَ، وثبت لأبي ذرٍّ: «وأضمرتَهُ» (٥).

стр. 9514

٥١٢٤ - قال المؤلِّف: (وَقَالَ لِي طَلْقٌ) بفتح الطاء المهملة وسكون اللام بعدها قاف، ابنُ غَنَّام -بالمعجمة وتشديد النون- النَّخعيُّ الكوفيُّ، أحد مشايخ المؤلِّف: (حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) بنُ قدامةَ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو: ابنُ المعتمرِ (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو: ابنُ جبرٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) أنَّه قال في تفسير قوله تعالى: (﴿فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء﴾ [البقرة: ٢٣٥] يَقُولُ: إِنِّي أُرِيدُ التَّزْوِيجَ، وَلَوَدِدْتُ أنَّه تَيَسَّرَ لِي امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ) بفتح الفوقية والتحتية والسين المهملة المشددة في الفرع كأصله (١)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «يُسِّر» بضم الياء التحتية وكسر السين مبنيًّا للمفعول. (وَقَالَ القَاسِمُ) بنُ محمد بنِ أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵃ فيما وصله مالكٌ وابنُ أبي شيبة: (يَقُولُ) في التَّعريض: (إِنَّكِ عَلَيَّ كَرِيمَةٌ، وَإِنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ) وهذا يدلُّ على أنَّ التَّصريح بالرَّغبة فيها سائغٌ، وأنَّه لا يكون تصريحًا حتَّى يصرِّح بمتعلق الرَّغبة، كأن يقول: إنِّي في (٢) نكاحكِ لراغبٌ (وَ) من التَّعريض أيضًا قوله: (إِنَّ اللهَ لَسَائِقٌ إِلَيْكِ خَيْرًا … أَوْ نَحْوَ هَذَا) من ألفاظِ التَّعريض، كإذا حلَّلت فآذنيني، ومن يجِدْ مثلكَ؟ وفي حديث مسلمٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال لفاطمةَ بنتِ قيسٍ: «إذا حَلَلت فآذنِيني». (وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباحٍ، فيما (٣) وصله عبدُ الرَّزَّاق عن ابن جريجٍ عنه مفرقًا: (يُعَرِّضُ) بالخطبةِ (وَلَا يَبُوحُ) أي: ولا يصرِّحُ (يَقُولُ: إِنَّ لِي حَاجَةً، وَأَبْشِرِي) بقطع الهمزة

стр. 9515

(وَأَنْتِ بِحَمْدِ اللهِ نَافِقَةٌ). والحكمةُ في ذلك أنَّه إذا صرَّح تحقَّقت رغبتهُ فيها، فربَّما تكذبُ في انقضاءِ العدَّة، ويحرمُ التَّصريح بها لمعتدَّةٍ من غيره، رجعيَّةً كانت أو بائنًا بطلاقٍ أو فسخٍ أو موتٍ، أو معتدَّةٍ عن شُبهةٍ، لمفهوم هذه الآية والإجماعِ، والرَّجعيَّة في معنى المنكوحة. والتَّصريح: ما يقطعُ بالرَّغبة في النِّكاح، كإذا انقضَت عدَّتُك نكحتك (وَتَقُولُ هِيَ) في التَّعريض: (قدْ أَسْمَعُ مَا تَقُولُ، وَلَا تَعِدُ شَيْئًا) بكسر العين وتخفيف الدال المهملتين، أي: لا تعده بالعقد، وأنَّها لا تتزوَّج غيره مثلًا (وَلَا يُوَاعِدُ) أي: الرَّجل (وَلِيُّهَا) بالرفع فاعلًا (بِغَيْرِ عِلْمِهَا) كذا في الفرع، وفي «اليونينية»: «ولا يُواعدْ» بالجزم على النَّهي «وليَّها» بالنصب على المفعولية (١) (وَإِنْ وَاعَدَتْ) أي: المرأة (٢) (رَجُلًا فِي عِدَّتِهَا، ثُمَّ نَكَحَهَا) تزوَّجها (بَعْدُ) أي: بعد انقضاءِ عدَّتها (لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا) لأنَّ ذلك ليس قادحًا في صحَّة النِّكاح، وإن أثِما. قال في «الكشاف»: فإن قلت: أيُّ فَرْق بين الكنايةِ والتَّعريض؟ قلتُ: الكنايةُ أن تذكرَ الشَّيء بغير لفظهِ الموضوع له، والتَّعريض أن تذكرَ شيئًا تدلُّ به على شيءٍ لم تذكرْه، كما يقول المحتاجُ للمحتاجِ إليه جئتك لأسلِّم عليك، ولأنظرَ إلى وجهك الكريمِ؛ ولذلك قالوا: ....................... … وحسبُكَ بالتَّسليمِ مِنِّي تَقَاضِيَا وكأنَّه إمالةُ الكلام إلى عرض (٣) يدلُّ على الغرضِ، ويسمَّى التَّلويح لأنَّه يَلُوحُ منه ما يريدُه. انتهى. وقال بعضُ أئمَّة الشَّافعيَّة: ولا فرق -كما اقتضاهُ كلامهم؛ يعني: الفقهاء- بين الحقيقةِ

стр. 9516

والمجاز والكنايةِ، وهي ما يدلُّ على الشَّيء بذكرِ لوازمهِ، كقولك: فلانٌ طويلُ النِّجاد للطَّويل، وكثيرُ الرَّماد للمضيافِ، ومثالها هنا للتَّصريح: أريد أن أنفق عليك نفقةَ الزَّوجات، وأتلذَّذ بك. وللتَّعريض: أريد أن أنفق عليك نفقة الزَّوجات، فكلٌّ من الثَّلاثة إن أفادَ القطعَ بالرَّغبة في النِّكاح فهو تصريحٌ، أو الاحتمالَ لها فتعريضٌ، وكونُ الكنايةِ أبلغَ من التَّصريح المقرَّر في علمِ البيان لا ينافي ذلك، فمن قال هنا: الظَّاهر أنَّها كالتَّصريح لأنَّها أبلغ منه التبس عليه التَّصريح هنا بالتَّصريح ثمَّ. انتهى. (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ فيما وصله عبدُ بنُ حميد: (﴿لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥]) أي: (الزِّنَا. وَيُذْكَرُ) مبنيٌّ للمفعول (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله الطَّبريُّ من طريق عطاءٍ الخراسانيِّ عنه في قوله تعالى: (﴿حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]) ولأبي ذرٍّ ثبوت: «﴿حَتَّىَ يَبْلُغَ﴾» (١) أي: (تَنْقَضِي العِدَّةُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «انقضاءُ العدَّةِ». (٣٥) (بابُ) استحباب (النَّظَرِ إِلَى المَرْأَةِ) والمرأة إلى الرَّجل (قَبْلَ التَّزْوِيجِ) والخطبةِ لحديث المغيرة عند التِّرمذيِّ وحسَّنه، والحاكم وصحَّحه: أنَّه خطب امرأةً، فقال النَّبيُّ ﷺ : «انظُرْ إليها، فإنَّه أحرَى أن يؤدَمَ بينكُما» أي: تدومُ بينكما المودَّة والألفةُ، وأن يكونَ بعد العزمِ وقبل الخطبةِ لحديث أبي داود: «إذا ألفى امرؤٌ خطبةَ المرأةِ فلا بأس أن ينظُر إليها» وإنَّما اعتبرَ (٢) ذلك (٣) قبل الخطبةِ لأنَّه لو كان بَعْدُ فلربَّما أعرض عنها فيؤذيها. وقيَّد ابنُ

стр. 9517

عبدِ السَّلام استحباب النَّظر بمن يرجو رجاءً ظاهرًا أنَّه يُجاب إلى خطبتهِ دون غيره، ولكلٍّ أن ينظر إلى الآخر وإن لم يأذنْ له اكتفاءً بإذن الشَّارع، سواءً خشي فتنةً أم لا، والمنظورُ غير العورةِ المقرَّرة في شروطِ الصَّلاة، فينظرُ الرَّجل من الحرَّة الوجه والكفَّين لأنَّ الوجه يدلُّ على الجمالِ، والكفَّين على خصبِ البدَن، وينظرُ من الأمَة ما عدا ما بين السُّرَّة والرُّكبة، وهما ينظرانه (١) منه، والنَّوويُّ إنَّما حرَّم نظر (٢) ذلك بلا حاجةٍ مع أنَّه ليس بعورةٍ لخوف الفتنةِ، وهي غيرُ معتبرةٍ هنا، فإن لم يتيسَّر نظره إليها بعثَ امرأةً تتأمَّلها وتصفُها له لأنَّه ﷺ بعثَ أمَّ سليمٍ إلى امرأةٍ، وقال: «انظري عُرْقُوبَيها وشُمِّي عوارِضَها». رواه الحاكم وصحَّحه، والعوارضُ: الأسنانُ الَّتي في عرضِ الفم؛ وهي ما بين الثَّنايا والأضراسِ وذلك لاختبار النَّكهة، فإن لم تعجبْه سكتَ، ولا يقولُ: لا أريدها لأنَّه إيذاءٌ. ٥١٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مُسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بن الزُّبيرِ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: قَالَ لِي (٣) رَسُولُ اللهِ ﷺ : رَأَيْتُكِ فِي المَنَامِ) ولأبي ذرٍّ: «أُريتكِ في المنامِ» (٤) بتقديم الهمزة على الرَّاء المضمومة (يَجِيءُ بِكِ المَلَكُ) جبريلُ (فِي سَرَقَةٍ) بفتح الراء (٥)، أي: قطعة (مِنْ حَرِيرٍ، فَقَالَ لِي: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَكَشَفْتُ عَنْ وَجْهِكِ الثَّوْبَ) أي: عن وجهِ صورتكِ (فَإِذَا أَنْتِ هِيَ) أي: فإذا أنت الآن تلك الصُّورة، أو كشفتُ عن وجهك عندما شاهدتُك فإذا أنت مثل الصُّورة التي رأيتُها في المنامِ. وهو تشبيهٌ بليغٌ حيث حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مُقامهُ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فإذا هيَ أنت» (فَقُلْتُ: إِنْ يَكُ

стр. 9518

هَذَا) الَّذي رأيتُه (مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ) وزاد في روايةٍ في «أوائل النِّكاح» بعد قوله: «رأيتك في المنامِ»: «مرَّتين» [خ¦٥٠٧٨]. واستدلَّ به على تكرارِ النَّظرِ عند الحاجةِ إليه ليتبيَّن الهيئةَ فلا يندم بعد النِّكاحِ. قال الزَّركشِيُّ (١): ولم يتعرَّضوا لضبط التَّكرار، ويحتملُ تقديره بثلاثٍ. قال: وفي خبرِ عائشةَ الَّذي ترجمَ عليه البخاريُّ الرُّؤيا قبل الخطبة: «أُريتك ثلاثَ ليالٍ». وقال ابنُ المُنيِّر: الاستشهادُ بنظره ﵊ إلى عائشةَ قبل تزوُّجها لا يثبتُ لوجهين: أحدهما: أنَّ عائشةَ كانت حين الخطبةِ ممَّن يُنظر إليها لطفوليَّتها إذ كانت بنتَ خمس سنين وشيء، ومثلُ هذا السِّنِّ لا عورةَ فيه البتَّةَ. والثَّاني: أنَّ رؤيتهُ لها كانت منامًا، أتاهُ بها جبريل ﵇ في سَرَقةٍ من حريرٍ، أي: مثالِها، وحكمُ المنامِ غير حكمِ اليقظةِ. انتهى. وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: فيه نظرٌ، فتأمله. انتهى. ووجه النَّظر أنَّ رؤيته ﷺ في النَّوم كاليقظة، فإنَّ رؤيا الأنبياء وحيٌ. وقد سبق الحديث والجواب عن قوله: «إِنْ يكُ [هذا] من عند الله يُمْضِه» في «أوائل النِّكاح» في «باب نكاح الأبكار» [خ¦٥٠٧٨].

стр. 9519

٥١٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بنُ سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ) بنُ عبدِ الرَّحمن (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمَة بنِ دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون الهاء والعين: (أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «إلى رسولِ الله» (¬ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْتُ لأَهَبَ لَكَ نَفْسِي) أي: أن تتزوَّجني بلا مهرٍ، وقد عدَّ هذا من خصائصهِ ﷺ (فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَعَّدَ النَّظَرَ) بتشديد العين، أي: رفعهُ (إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ) بتشديد الواو، خفضهُ (ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي هنا: «وذكرَ الحديثَ كُلَّه» (١) (فَلَمَّا رَأَتِ المَرْأَةُ أَنَّهُ) ﵊ (لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَيْ رَسُولَ اللهِ، إِنْ لَمْ تَكُنْ) بالفوقية (لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا) لم يقلْ هبْنِيها لما ذكر أنَّ ذلك من خصائصهِ ﷺ ، وليس المرادُ حقيقة الهبةِ لأنَّ الحرَّ لا يملكُ نفسه (فَقَالَ) ﵊ له: (وهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ) تصدقها؟ (قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا؟ فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا وَجَدْتُ شَيْئًا. قَالَ: انْظُرْ وَلَوْ) كان الَّذي تجده (خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ) فأصدقْها (٢) إيَّاه فإنَّه سائغٌ (فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا) وجدتُ (خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ) ولأبي ذرٍّ: «ولا خاتمٌ» بالرفع، أي: ولا حضَر خاتمٌ من حديدٍ (وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي -قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ- فَلَهَا نِصْفُهُ) صدَاقًا (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا تَصْنَعُ) هي (بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ) أنت (٣) (لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ) هي (٤) (لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ) وللكُشمِيهنيِّ: «منهُ شيءٌ» (٥) (فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلَسُهُ) بفتح اللام مصحَّحًا عليها في الفرع كأصله (ثُمَّ قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ) له: (مَاذَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةَ كَذَا، وَسُورَةَ كَذَا، وَسُورَةَ كَذَا) ثلاثَ مرَّاتٍ. ونصب سورة في الثَّلاث (٦) في «اليونينية» وفرعها فقط، وبالرَّفع أيضًا في غيرهما (عَدَّدَهَا) ولأبي ذرٍّ: «عَادَّها» بألف (٧) بعد العين فدال مشددة فهاء، وسبق تعيينُها [خ¦٥٠٨٧] (قَالَ:

стр. 9520

أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟) أي: من حفظكَ (قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ) وفي رواية الأكثرين: «زوَّجتُكَها» [خ¦٥٠٢٩] [خ¦٥١٣٢] بدل: «ملَّكتُكهَا» وقال في «المصابيح»: الباء للسَّببيَّة، فيكون هذا نكاح تفويضٍ. انتهى. والتَّفويضُ ضربان: تفويض مهرٍ بأن تقول المرأةُ للوليِّ: زوِّجنيه بما شاءَ، أو بما شئت. وتفويض بُضْعٍ؛ وهو أن تقول: زوِّجنيه بلا مهرٍ، فزوَّجها نافيًا للمهرِ وساكتًا عنه (١) وجبَ لها مهر المثل بالوطءِ؛ لأنَّ الوطء لا يباحُ بالإباحةِ لما فيه من حقِّ الله تعالى، أو بموتِ أحدهما قبل الوطءِ والفرضِ لأنَّه كالوطءِ في تقرير المسمَّى، فكذا في إيجابِ مهر المثل في التَّفويض، ولأنَّ بَِروع بنت واشقٍ نكحتْ بلا مهرٍ، فمات زوجُها قبل أن يفرضَ لها، فقضى لها رسولُ الله ﷺ بمهر نسائها وبالميراثِ. رواه أبو داود، وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. وقال المالكيَّةُ: تستحقُّ المفوِّضة الصَّداق بالوطء، لا بالعقدِ، ولا بالموتِ أو الطَّلاقِ، سواءٌ مات هو أو هي، وهو المشهور، إلَّا أنَّ يفرض وترضى فيشطر المفروضُ بالطَّلاق قبل البناءِ. قال ابنُ عبد السَّلام: وهو ظاهرٌ إن فرض صداقَ المثلِ أو دونهُ ورضيَتْ به. وقال الحنابلةُ بالعقدِ. وسقط قوله: «فلمَّا رأتِ المرأةُ … » إلى آخره للحَمُّويي، وقال بعد قوله: «ثمَّ طأطأَ رأسَهُ»: «وذكر الحديث كله» (٢). (٣٦) (بابُ مَنْ قَالَ: لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]) أي: لا تحبسوهُنَّ. وقال إمامنا الشَّافعيُّ: إنَّ هذه الآية أصرحُ دليلٍ على اعتبار الوليِّ، وإلَّا لما كان لعضله معنى، وعبارته في «المعرفة» للبيهقيِّ: إنَّما يؤمر بأن لا يعضُلَ من له سببٌ إلى العضْلِ بأن

стр. 9521

يكون يتِمُّ به له نكاحُها من الأولياءِ. قال: وهذا أبينُ ما في القرآنِ من أنَّ للوليِّ مع المرأةِ في نفسها حقًّا، وأنَّ على الوليِّ أن لا يعضُلها إذا رضيَتْ أن تنكحَ بالمعروفِ. انتهى. وقال البخاريُّ: (فَدَخَلَ (١) فِيهِ) في النَّهي عن العضلِ (الثَّيِّبُ، وَكَذَلِكَ البِكْرُ) لعموم لفظ النِّساء (وَقَالَ) تعالى مخاطبًا للرِّجال: (﴿وَلَا تَنكِحُواْ﴾) أي: أيُّها الأولياءُ مولِّياتكم (﴿الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ﴾ [البقرة: ٢٢١] وَقَالَ) : (﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى﴾) جمع: أَيِّم (﴿مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢]) ولم يخاطبِ النِّساء، فلا تعقد امرأةٌ نكاحًا لنفسها ولا لغيرها بولايةٍ؛ إذ لا يليق بمحاسنِ العاداتِ دخولها فيه لما قُصد منها من الحياءِ وعدم ذكره أصلًا، وفي حديث ابن ماجه المرفوع: «لا تزوِّج المرأةُ المرأةَ، ولا المرأةُ نفسَها». وأخرجه الدَّارقطنيُّ بإسنادٍ على شرط الشَّيخين، واستنبطَ المؤلِّف الحكم من الآياتِ والأحاديث الآتية لكون الحديث الواردِ بلفظ التَّرجمة ليس على شرطهِ، وقد رواهُ أبو داود والتِّرمذيُّ وابنُ ماجه والحاكم من حديث أبي مُوسى. فلو وطئَ في نكاحٍ بلا وليٍّ بأن زوَّجت نفسها، ولم يحكم حاكمٌ بصحَّته ولا ببطلانهِ لزمهُ مهرُ المثلِ دون المسمَّى لفسادِ النِّكاح، ولحديث التِّرمذيِّ وحسَّنه، وابن حبَّان والحاكم وصحَّحاه: «أيُّما امرأةٍ نكحَت بغيرِ إذنِ وليِّها فنكاحُها باطلٌ، ثلاثًا، فإن دخلَ بها فلها المهرُ بما استحلَّ من فرجِها … » الحديثَ، ويسقطُ عنه الحدُّ لشبهةِ اختلافِ العلماءِ في صحَّته. نعم يعزَّر معتقدُ تحريمهِ لارتكابهِ محرَّمًا، ولا حدَّ فيه ولا كفَّارة. وقال أبو حنيفةَ: لو زوَّجت نفسَها وهي حرَّةٌ عاقلةٌ بالغةٌ، أو وكَّلت غيرها أو توكَّلت به (٢) جاز بلا وليٍّ، وكان أبو يوسف أوَّلًا يقول: لا ينعقِدُ إلَّا بوليٍّ إذا كان لها وليٌّ، ثمَّ رجع وقال: إن كان الزَّوج كفؤًا لها جازَ وإلَّا فلا. ثمَّ رجع وقال: جاز سواءٌ كان الزَّوج كفؤًا لها أو لم يكن. وعند محمد ينعقدُ موقوفًا على إجازةِ الوليِّ سواءٌ كان الزَّوج كفؤًا لها (٣) أو لم يكن، ويروى رجوعهُ إلى قولهما. واستدلَّ لذلك بقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٣٢] وقوله تعالى: ﴿حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فهذه الآياتُ تصرِّح بأنَّ النِّكاح ينعقِدُ بعبارة النِّساء لأنَّ النِّكاح المذكور منسوبٌ إلى المرأة من قوله: ﴿أَن يَنكِحْنَ﴾ و ﴿حَتَّىَ تَنكِحَ﴾. وهذا

стр. 9522

صريحٌ بأنَّ النِّكاح صادرٌ منها، وكذا قوله: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] صرَّح بأنَّها هي الَّتي تفعل (١) وهي الَّتي ترجعُ، ومن قال: لا ينعقدُ بعبارةِ النِّساء فقد ردَّ النَّص، وقوله ﷺ : «الأَيِّمُ أحقُّ بنفسِها من ولِيِّها» متَّفقٌ على صحَّته، واستدلالُهُم بالنَّهي عن العضلِ لا يستقيمُ لأنَّه نهيٌ عن المنعِ عن مباشرتِهَا العقد، فليس له أن يمنعَها المباشرةَ بعدما نهى عنه. وقد قال البخاريُّ: لم يصحَّ في باب النِّكاح حديثٌ دلَّ على اشتراطِ الوليِّ في جوازهِ، ولئن سلِّم يكون محمولًا على الأمة والصَّغيرة. انتهى. ٥١٢٧ - وبه قال: (حدّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) بنِ يحيى بنِ سعيدِ بنِ مسلم بنِ عُبيد بنِ مسلمٍ شيخ المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبدُ الله (عَنْ يُونُسَ) بنِ يزيدَ الأيليِّ فيما أخرجه الدَّارقطنيُّ من طريق أَصبغ، وأبو نُعيمٍ في «مستخرجه» من طريق أحمد بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ وهبٍ، والإسماعيليُّ والجوزقيُّ من طريق عثمانَ بنِ صالحٍ، عن ابنِ وهبٍ.

стр. 9523

قال المؤلِّف: (حَدَّثَنَا) (١) ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثنا» (أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفرٍ المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ) بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح الموحدة والسين المهملة، ابنُ خالدٍ، ابنُ أخي يونُس، واللَّفظ المسوق له، قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ النِّكَاحَ فِي) زمنِ (الجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ) بالحاء المهملة، أي: أنواع: (فَنِكَاحٌ مِنْهَا) وهو الأوَّل: (نِكَاحُ النَّاسِ اليَوْمَ، يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ) كابنةِ أخيه (أَوِ ابْنَتَهُ) «أو» للتَّنويع لا للشَّكِّ، وثبت: «وليَّته» لأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ (٢) (فَيُصْدِقُهَا) بضم الياء وسكون الصاد، أي: يعيِّنُ صَدَاقها، ويُسمِّي مقداره (ثُمَّ يَنْكِحُهَا) أي: يعقدُ عليها. (وَنِكَاحٌ آخَرُ) وهو الثَّاني: (كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لاِمْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَتْ) بفتح الطاء المهملة وضم الهاء (مِنْ طَمْثِهَا) بفتح الطاء المهملة وسكون الميم بعدها مثلثة، أي: حيضها ليسرع عُلُوقُها: (أَرْسِلِي إِلَى فُلَانٍ) رجل من أشرافهم (فَاسْتَبْضِعِي) أي: اطلُبي (مِنْهُ) المباضعةَ وهي (٣) الجماعُ لتحملِي منه (وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا وَلَا يَمَسُّهَا أَبَدًا، حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا) جامَعَها (زَوْجُهَا إِذَا أَحَبَّ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ) الزَّوج (ذَلِكَ) الاستبضاعَ (رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الوَلَدِ، فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الاِسْتِبْضَاعِ). (وَنِكَاحٌ آخَرُ) وهو الثَّالث: (يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ العَشَرَةِ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى المَرْأَةِ كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا) يطؤُها (فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ وَمَرَّ لَيَالِيَ) ولغير أبي ذرٍّ: «ومرَّ عليها لَيَالي» (بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنِعَ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا، تَقُولُ لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُمُ) بلفظ الجمع، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «عَرَفْتَ» تخاطبُ الواحدَ (٤) (الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ، وَقَدْ وَلَدْتُ) بتاء المتكلِّمة (٥) (فَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلَانُ، تُسَمِّي مَنْ أَحَبَّتْ بِاسْمِهِ فَيَلْحَقُ بِهِ) بفتح الياء والحاء، أي: بالرَّجل الَّذي تسمِّيه (وَلَدُهَا) رفع بـ «يلحق» (لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ

стр. 9524

يَمْتَنِعَ بِهِ) ولابنِ عساكرٍ وأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «مِنهُ» (الرَّجُلُ) الَّذي تسمِّيه. (وَنِكَاحُ الرَّابِعِ) بالإضافة، أي: ونكاحُ النَّوع الرَّابع؛ وهو من إضافةِ الشَّيء لنفسه على رأي الكوفيِّين: (يَجْتَمِعُ النَّاسُ الكَثِيرُ فَيَدْخُلُونَ عَلَى المَرْأَةِ) يطؤونَها (لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ) ولأبي ذرٍّ: «لا تمنعُ من» (جَاءَهَا) من وَطئها (وَهُنَّ البَغَايَا) جمع بَغِيٍّ؛ وهي: الزَّانية (كُنَّ يَنْصِبْنَ) بكسر الصاد (عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ تَكُونُ عَلَمًا) بفتح اللام، عَلامة (فَمَنْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «لمن» (أَرَادَهُنَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ) فيطؤهنَّ (فَإِذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُنَّ وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا جُمِعُوا) بضم الجيم وكسر الميم (١) (لَهَا) أي: جَمَعوا لها (٢) النَّاس (وَدَعَوْا لَهُمُ القَافَةَ) بالقاف وتخفيف الفاء، الَّذين يُلحقون الولدَ بالوالدِ بالآثارِ الخفيَّة (ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِالَّذِي يَرَوْنَ فَالتَاطَ بِهِ) بفوقية بعدها ألف فطاء (٣) مهملة، أي: التصقَ به، ولابنِ عساكرٍ وأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فالتاطتْهُ» ألحقته به (٤) (وَدُعِيَ ابْنَهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِالحَقِّ هَدَمَ نِكَاحَ) أهل (الجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ) ما ذكرته وغيره (إِلَّا نِكَاحَ النَّاسِ اليَوْمَ) وهو أن يخطبَ إلى الوليِّ ويزوِّجه، كما سبق. وهذا الحديث أخرجه أبو داود في «النِّكاح». ٥١٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابنُ موسى المشهور بخَتٍّ، أو ابنُ جعفر البخاريُّ البِيْكَندِيُّ قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ في تفسير قوله تعالى: (﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]

стр. 9525

قَالَتْ: هَذَا فِي اليَتِيمَةِ الَّتِي تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ) وفي تفسير النساء: «هو وليُّها ووارثُها» [خ¦٤٦٠٠] (لَعَلَّهَا أَنْ تَكُونَ شَرِيكَتَهُ فِي مَالِهِ وَهْوَ أَوْلَى بِهَا، فَيَرْغَبُ) عن (١) (أَنْ) ولأبي ذرٍّ: «عنها أن» (٢) (يَنْكِحَهَا) بفتح الياء، أي: يتزوَّج بها (فَيَعْضُلَهَا) بضم الضاد المعجمة، أي: يمنعها أن تتزوَّج غيره (لِمَالِهَا، وَلَا يُنْكِحَهَا غَيْرَهُ) بضم الياء (كَرَاهِيَةَ) نصب على التَّعليل مضاف إلى المصدرِ؛ وهو قوله: (أَنْ يَشْرَكَهُ أَحَدٌ) ممَّن يتزوَّجها (فِي مَالِهَا) زاد في «سورة النِّساء»: «فنزلت هذه الآية» [خ¦٤٦٠٠]. ٥١٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ يوسف الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ قال: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمد بنُ مسلم ابنِ شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (سَالِمٌ أَنَّ) أباه (ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ) أباه (عُمَرَ) بنَ الخطَّاب ﵁ (حِينَ تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنِ ابْنِ حُذَافَةَ) خُنَيس (السَّهْمِيِّ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، تُوُفِّي بِالمَدِينَةِ-) من جِراحٍ نالَته في سبيل الله (فَقَالَ (٣) عُمَرُ: لَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ) تزويج حفصةَ (فَقُلْتُ (٤): إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ، فَقَالَ: سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي) أتفكَّر فيه (فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، ثُمَّ لَقِيَنِي فَقَالَ: بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا. قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ … ) الحديثَ. و (٥) تقدَّم بتمامه قريبًا [خ¦٥١٢٢] والمراد منه هنا هو قوله: إنْ شئتَ أنكحتُكَ حفصةَ.
следующие страницы →