← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 9521–9560 · переход к 9526.

стр. 9521

يكون يتِمُّ به له نكاحُها من الأولياءِ. قال: وهذا أبينُ ما في القرآنِ من أنَّ للوليِّ مع المرأةِ في نفسها حقًّا، وأنَّ على الوليِّ أن لا يعضُلها إذا رضيَتْ أن تنكحَ بالمعروفِ. انتهى. وقال البخاريُّ: (فَدَخَلَ (١) فِيهِ) في النَّهي عن العضلِ (الثَّيِّبُ، وَكَذَلِكَ البِكْرُ) لعموم لفظ النِّساء (وَقَالَ) تعالى مخاطبًا للرِّجال: (﴿وَلَا تَنكِحُواْ﴾) أي: أيُّها الأولياءُ مولِّياتكم (﴿الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ﴾ [البقرة: ٢٢١] وَقَالَ) : (﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى﴾) جمع: أَيِّم (﴿مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢]) ولم يخاطبِ النِّساء، فلا تعقد امرأةٌ نكاحًا لنفسها ولا لغيرها بولايةٍ؛ إذ لا يليق بمحاسنِ العاداتِ دخولها فيه لما قُصد منها من الحياءِ وعدم ذكره أصلًا، وفي حديث ابن ماجه المرفوع: «لا تزوِّج المرأةُ المرأةَ، ولا المرأةُ نفسَها». وأخرجه الدَّارقطنيُّ بإسنادٍ على شرط الشَّيخين، واستنبطَ المؤلِّف الحكم من الآياتِ والأحاديث الآتية لكون الحديث الواردِ بلفظ التَّرجمة ليس على شرطهِ، وقد رواهُ أبو داود والتِّرمذيُّ وابنُ ماجه والحاكم من حديث أبي مُوسى. فلو وطئَ في نكاحٍ بلا وليٍّ بأن زوَّجت نفسها، ولم يحكم حاكمٌ بصحَّته ولا ببطلانهِ لزمهُ مهرُ المثلِ دون المسمَّى لفسادِ النِّكاح، ولحديث التِّرمذيِّ وحسَّنه، وابن حبَّان والحاكم وصحَّحاه: «أيُّما امرأةٍ نكحَت بغيرِ إذنِ وليِّها فنكاحُها باطلٌ، ثلاثًا، فإن دخلَ بها فلها المهرُ بما استحلَّ من فرجِها … » الحديثَ، ويسقطُ عنه الحدُّ لشبهةِ اختلافِ العلماءِ في صحَّته. نعم يعزَّر معتقدُ تحريمهِ لارتكابهِ محرَّمًا، ولا حدَّ فيه ولا كفَّارة. وقال أبو حنيفةَ: لو زوَّجت نفسَها وهي حرَّةٌ عاقلةٌ بالغةٌ، أو وكَّلت غيرها أو توكَّلت به (٢) جاز بلا وليٍّ، وكان أبو يوسف أوَّلًا يقول: لا ينعقِدُ إلَّا بوليٍّ إذا كان لها وليٌّ، ثمَّ رجع وقال: إن كان الزَّوج كفؤًا لها جازَ وإلَّا فلا. ثمَّ رجع وقال: جاز سواءٌ كان الزَّوج كفؤًا لها أو لم يكن. وعند محمد ينعقدُ موقوفًا على إجازةِ الوليِّ سواءٌ كان الزَّوج كفؤًا لها (٣) أو لم يكن، ويروى رجوعهُ إلى قولهما. واستدلَّ لذلك بقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٣٢] وقوله تعالى: ﴿حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فهذه الآياتُ تصرِّح بأنَّ النِّكاح ينعقِدُ بعبارة النِّساء لأنَّ النِّكاح المذكور منسوبٌ إلى المرأة من قوله: ﴿أَن يَنكِحْنَ﴾ و ﴿حَتَّىَ تَنكِحَ﴾. وهذا

стр. 9522

صريحٌ بأنَّ النِّكاح صادرٌ منها، وكذا قوله: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] صرَّح بأنَّها هي الَّتي تفعل (١) وهي الَّتي ترجعُ، ومن قال: لا ينعقدُ بعبارةِ النِّساء فقد ردَّ النَّص، وقوله ﷺ : «الأَيِّمُ أحقُّ بنفسِها من ولِيِّها» متَّفقٌ على صحَّته، واستدلالُهُم بالنَّهي عن العضلِ لا يستقيمُ لأنَّه نهيٌ عن المنعِ عن مباشرتِهَا العقد، فليس له أن يمنعَها المباشرةَ بعدما نهى عنه. وقد قال البخاريُّ: لم يصحَّ في باب النِّكاح حديثٌ دلَّ على اشتراطِ الوليِّ في جوازهِ، ولئن سلِّم يكون محمولًا على الأمة والصَّغيرة. انتهى. ٥١٢٧ - وبه قال: (حدّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) بنِ يحيى بنِ سعيدِ بنِ مسلم بنِ عُبيد بنِ مسلمٍ شيخ المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبدُ الله (عَنْ يُونُسَ) بنِ يزيدَ الأيليِّ فيما أخرجه الدَّارقطنيُّ من طريق أَصبغ، وأبو نُعيمٍ في «مستخرجه» من طريق أحمد بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ وهبٍ، والإسماعيليُّ والجوزقيُّ من طريق عثمانَ بنِ صالحٍ، عن ابنِ وهبٍ.

стр. 9523

قال المؤلِّف: (حَدَّثَنَا) (١) ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثنا» (أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفرٍ المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ) بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح الموحدة والسين المهملة، ابنُ خالدٍ، ابنُ أخي يونُس، واللَّفظ المسوق له، قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ النِّكَاحَ فِي) زمنِ (الجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ) بالحاء المهملة، أي: أنواع: (فَنِكَاحٌ مِنْهَا) وهو الأوَّل: (نِكَاحُ النَّاسِ اليَوْمَ، يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ) كابنةِ أخيه (أَوِ ابْنَتَهُ) «أو» للتَّنويع لا للشَّكِّ، وثبت: «وليَّته» لأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ (٢) (فَيُصْدِقُهَا) بضم الياء وسكون الصاد، أي: يعيِّنُ صَدَاقها، ويُسمِّي مقداره (ثُمَّ يَنْكِحُهَا) أي: يعقدُ عليها. (وَنِكَاحٌ آخَرُ) وهو الثَّاني: (كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لاِمْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَتْ) بفتح الطاء المهملة وضم الهاء (مِنْ طَمْثِهَا) بفتح الطاء المهملة وسكون الميم بعدها مثلثة، أي: حيضها ليسرع عُلُوقُها: (أَرْسِلِي إِلَى فُلَانٍ) رجل من أشرافهم (فَاسْتَبْضِعِي) أي: اطلُبي (مِنْهُ) المباضعةَ وهي (٣) الجماعُ لتحملِي منه (وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا وَلَا يَمَسُّهَا أَبَدًا، حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا) جامَعَها (زَوْجُهَا إِذَا أَحَبَّ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ) الزَّوج (ذَلِكَ) الاستبضاعَ (رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الوَلَدِ، فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الاِسْتِبْضَاعِ). (وَنِكَاحٌ آخَرُ) وهو الثَّالث: (يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ العَشَرَةِ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى المَرْأَةِ كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا) يطؤُها (فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ وَمَرَّ لَيَالِيَ) ولغير أبي ذرٍّ: «ومرَّ عليها لَيَالي» (بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنِعَ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا، تَقُولُ لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُمُ) بلفظ الجمع، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «عَرَفْتَ» تخاطبُ الواحدَ (٤) (الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ، وَقَدْ وَلَدْتُ) بتاء المتكلِّمة (٥) (فَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلَانُ، تُسَمِّي مَنْ أَحَبَّتْ بِاسْمِهِ فَيَلْحَقُ بِهِ) بفتح الياء والحاء، أي: بالرَّجل الَّذي تسمِّيه (وَلَدُهَا) رفع بـ «يلحق» (لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ

стр. 9524

يَمْتَنِعَ بِهِ) ولابنِ عساكرٍ وأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «مِنهُ» (الرَّجُلُ) الَّذي تسمِّيه. (وَنِكَاحُ الرَّابِعِ) بالإضافة، أي: ونكاحُ النَّوع الرَّابع؛ وهو من إضافةِ الشَّيء لنفسه على رأي الكوفيِّين: (يَجْتَمِعُ النَّاسُ الكَثِيرُ فَيَدْخُلُونَ عَلَى المَرْأَةِ) يطؤونَها (لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ) ولأبي ذرٍّ: «لا تمنعُ من» (جَاءَهَا) من وَطئها (وَهُنَّ البَغَايَا) جمع بَغِيٍّ؛ وهي: الزَّانية (كُنَّ يَنْصِبْنَ) بكسر الصاد (عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ تَكُونُ عَلَمًا) بفتح اللام، عَلامة (فَمَنْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «لمن» (أَرَادَهُنَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ) فيطؤهنَّ (فَإِذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُنَّ وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا جُمِعُوا) بضم الجيم وكسر الميم (١) (لَهَا) أي: جَمَعوا لها (٢) النَّاس (وَدَعَوْا لَهُمُ القَافَةَ) بالقاف وتخفيف الفاء، الَّذين يُلحقون الولدَ بالوالدِ بالآثارِ الخفيَّة (ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِالَّذِي يَرَوْنَ فَالتَاطَ بِهِ) بفوقية بعدها ألف فطاء (٣) مهملة، أي: التصقَ به، ولابنِ عساكرٍ وأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فالتاطتْهُ» ألحقته به (٤) (وَدُعِيَ ابْنَهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِالحَقِّ هَدَمَ نِكَاحَ) أهل (الجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ) ما ذكرته وغيره (إِلَّا نِكَاحَ النَّاسِ اليَوْمَ) وهو أن يخطبَ إلى الوليِّ ويزوِّجه، كما سبق. وهذا الحديث أخرجه أبو داود في «النِّكاح». ٥١٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابنُ موسى المشهور بخَتٍّ، أو ابنُ جعفر البخاريُّ البِيْكَندِيُّ قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ في تفسير قوله تعالى: (﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]

стр. 9525

قَالَتْ: هَذَا فِي اليَتِيمَةِ الَّتِي تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ) وفي تفسير النساء: «هو وليُّها ووارثُها» [خ¦٤٦٠٠] (لَعَلَّهَا أَنْ تَكُونَ شَرِيكَتَهُ فِي مَالِهِ وَهْوَ أَوْلَى بِهَا، فَيَرْغَبُ) عن (١) (أَنْ) ولأبي ذرٍّ: «عنها أن» (٢) (يَنْكِحَهَا) بفتح الياء، أي: يتزوَّج بها (فَيَعْضُلَهَا) بضم الضاد المعجمة، أي: يمنعها أن تتزوَّج غيره (لِمَالِهَا، وَلَا يُنْكِحَهَا غَيْرَهُ) بضم الياء (كَرَاهِيَةَ) نصب على التَّعليل مضاف إلى المصدرِ؛ وهو قوله: (أَنْ يَشْرَكَهُ أَحَدٌ) ممَّن يتزوَّجها (فِي مَالِهَا) زاد في «سورة النِّساء»: «فنزلت هذه الآية» [خ¦٤٦٠٠]. ٥١٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ يوسف الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ قال: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمد بنُ مسلم ابنِ شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (سَالِمٌ أَنَّ) أباه (ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ) أباه (عُمَرَ) بنَ الخطَّاب ﵁ (حِينَ تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنِ ابْنِ حُذَافَةَ) خُنَيس (السَّهْمِيِّ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، تُوُفِّي بِالمَدِينَةِ-) من جِراحٍ نالَته في سبيل الله (فَقَالَ (٣) عُمَرُ: لَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ) تزويج حفصةَ (فَقُلْتُ (٤): إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ، فَقَالَ: سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي) أتفكَّر فيه (فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، ثُمَّ لَقِيَنِي فَقَالَ: بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا. قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ … ) الحديثَ. و (٥) تقدَّم بتمامه قريبًا [خ¦٥١٢٢] والمراد منه هنا هو قوله: إنْ شئتَ أنكحتُكَ حفصةَ.

стр. 9526

٥١٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عَمْرٍو) حفصٍ النَّيسابوريُّ قاضيها (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (أَبِي) حفصُ بنُ عبدِ الله بنِ راشدٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتوحيد أيضًا (إِبْرَاهِيمُ) بنُ طَهْمَان (عَنْ يُونُسَ) بنِ عبيدٍ البصريِّ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ أنَّه (قَالَ) في تفسير قوله تعالى: (﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ) بالسين المهملة المخففة، المزنيُّ (أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ. قَالَ: زَوَّجْتُ (١) أُخْتًا لِي) اسمها: جُمَيل -بضم الجيم وفتح الميم (٢) - بنت يسارِ بنِ عبد الله المزنيِّ، وقيل: اسمها: ليلى. قاله المنذريُّ تبعًا للسُّهيلي في «مبهمات (٣) القرآن»، وعند ابنِ إسحاقَ: فاطمة. فيكون لها اسمان ولقب، أو لقبان واسم (مِنْ رَجُلٍ) اسمه أبو البدَّاح -بفتح الموحدة والدال المهملة المشددة وبعد الألف حاء مهملة- ابن عاصمِ بنِ عدي (٤)، حليفُ الأنصار، كما في «أحكام القرآن» لإسماعيل القاضي، واستشكله الذَّهبيُّ بأنَّ أبا البَدَّاح تابعيٌّ على الصَّواب، قال في «الفتح»: فيحتمل أن يكون آخر، فقد جزم بعض المتأخِّرين بأنَّه البدَّاح بنُ عاصمٍ (فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا) منه (جَاءَ يَخْطُبُهَا) من أخيها (فَقُلْتُ لَهُ زَوَّجْتُكـ) ها (وَفَرَشْتُكَ) ولأبي ذرٍّ: «وأفرشتُكَ» أي: جعلتُها لك فراشًا (وَأَكْرَمْتُكَ) بذلك (فَطَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا، لَا وَاللهِ لَا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا. وَكَانَ رَجُلًا لَا بَأْسَ بِهِ) أي: جيدًا (وَكَانَتِ المَرْأَةُ) جُمَيل (٥) (تُرِيدُ أَنَّ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (هَذِهِ الآيَةَ ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]) الآية (٦). وهو ظاهر أنَّ العضل يتعلَّق

стр. 9527

بالأولياء (فَقُلْتُ: الآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ) بعقدٍ جديدٍ. وفي رواية الثَّعلبي: «فإنِّي أؤمنُ باللهِ، فأنكحتُها إيَّاه وكفَّر عن يمينه». وهذا الحديث من أقوى الأدلَّة وأصرحها على اعتبار الوليِّ، وإلَّا لما كان لعَضلِه معنى، ولأنَّها لو كان لها أن (١) تزوِّج نفسها لم تحتجْ إلى أخيها، ومن كان أمرُه إليه لا يقال: إنَّ غيره منعهُ منه، قال ابنُ المنذر: لا أعرفُ عن أحدٍ من الصَّحابة خلاف ذلك. (٣٧) هذا (بابٌ) بالتنوين: (إِذَا كَانَ الوَلِيُّ) في النِّكاح (هُوَ الخَاطِبُ) كابن العمِّ، هل يزوِّجُ نفسه أو يزوِّجه وليٌّ غيرهُ؟ اختُلف في ذلك؛ فقال الشَّافعيَّة: إذا أراد الوليُّ تزويجها كابن العمِّ لم يتولَّ الطَّرفين، فيزوِّجه من في درجته كابن عمٍّ آخر، فإن لم يكن زوَّجه القاضي، فإن أرادَ القاضي تزوجها (٢) زوَّجه قاضٍ آخر بمحلِّ ولايته إذا كانت المرأة في عملهِ (٣)، أو يستخلفُ من يزوِّجَه إن كان له الاستخلافُ. (وَخَطَبَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) بن مسعودٍ بنِ مُعتِّب، من ولد عوف بن ثقيف (امْرَأَةً) هي: ابنة عمِّه عروة بن مسعودٍ (هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِهَا) في ولاية النِّكاح (٤) (فَأَمَرَ رَجُلًا) هو: عثمانُ (٥) بنُ أبي العاص (فَزَوَّجَهُ) إيَّاها لأنَّه ابن عمٍّ أعلى؛ لأنَّه (٦) لا يجتمع معهم إلَّا في جدِّهم الأعلى ثقيفٍ لأنَّه من ولد جُشم بنِ ثَقِيف، وهذا الأثرُ وصله وكيعٌ في «مصنفه» والبيهقيُّ من طريقه، وكذا سعيدُ بنُ منصورٍ.

стр. 9528

(وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) فيما وصله ابنُ سعدٍ (لأُمِّ حَكِيمٍ) بفتح الحاء المهملة (بِنْتِ قَارِظٍ) بالقاف وبعد الألف راء مكسورة فظاء معجمة، ابن خالد بن عُبيدٍ، حليف بني زُهْرة، وكانتْ (١) قالت له: قد خطبني غَيْرُ واحدٍ، فزوِّجني أيَّهم رأيتَ: (أَتَجْعَلِينَ أَمْرَكِ إِلَيَّ؟) بتشديد الياء (قَالَتْ: نَعَمْ. فَقَالَ: قَدْ تَزَوَّجْتُكِ (٢)) قال ابنُ أبي ذئبٍ: فجاز نكاحه. (وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباحٍ، فيما وصله عبدُ الرَّزَّاق عن ابن جريج: قال: قلتُ لعطاء: امرأةٌ خطبها ابنُ عمٍّ لها لا رجلَ لها غيره، قال: (لِيُشْهِدْ) بالتحتية والجزم على الأمر: (أَنِّي قَدْ نَكَحْتُكِ، أَوْ لِيَأْمُرْ رَجُلًا مِنْ عَشِيرَتِهَا) أن يزوِّجها له مع كونه أبعد، ولفظ عبد الرَّزَّاق قال: فلتُشْهَد أنَّ فلانًا خطبَها، وأنِّي أشهِدُكُم أنِّي قد نكحتُهُ. (وَقَالَ سَهْلٌ) فيما سبق موصولًا [خ¦٥٠٣٠]: (قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَهَبُ لَكَ نَفْسِي، فَقَالَ رَجُلٌ (٣): يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ لَمْ تَكُنْ) بالمثناة الفوقية (لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا) فزوَّجها له ﵊، وكان خطبها له. ٥١٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ) محمد قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازمٍ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي) تفسير (قَوْلِهِ) : (﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ. قَالَ) عروةُ: قالت عائشة، والذي في «اليونينية» (٤): «قالت» أي (٥) عائشة: (هِيَ اليَتِيمَةُ) الَّتي مات أبوها (تَكُونُ فِي حَجْرِ الرَّجُلِ) بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم (قَدْ شَرِكَتْهُ) بفتح المعجمة وكسر الراء (فِي مَالِهِ، فَيَرْغَبُ

стр. 9529

عَنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ فَيَدْخُلَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ فَيَحْبِسُهَا، فَنَهَاهُمُ اللهُ عَنْ ذَلِكَ) فإن قلت: ما وجه المطابقة؟ أُجيب: في قوله: فيرغب عنها أن يتزوَّجها لأنَّه أعمُّ من أن يتولَّى ذلك بنفسه، أو يأمر غيره فيزوِّجه، وبه احتجَّ محمد بنُ الحسنِ على الحوار (١) لأنَّ الله لمَّا عاتب الأولياءَ في تزويجِ من كانت من أهل الجمالِ والمال بدون سنَّتها من الصَّداق، وعاتبهم على تركِ تزويجِ من كانت قليلةَ المال والجمالِ دلَّ على أنَّ الوليَّ يصحُّ منه تزويجُها من نفسه؛ إذ لا يُعاتَبُ أحدٌ على تركِ ما هو حرامٌ عليه. انتهى من «الفتح». ٥١٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ المِقْدَامِ) بميمين الأولى مكسورة، ابنِ مسلمٍ العجليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ) سلمةُ بنُ دينارٍ قال: (حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ) السَّاعديُّ (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ جُلُوسًا، فَجَاءَتْهُ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «فَجَاءَتْ» (٢) (امْرَأَةٌ تَعْرِضُ نَفْسَهَا عَلَيْهِ) ﷺ (فَخَفَّضَ فِيهَا النَّظَرَ) بتشديد الفاء، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «البصَرَ» بالموحدة والصاد المهملة بدل النون والظاء المعجمة (وَرَفَعَهُ، فَلَمْ يُرِدْهَا) بضم الياء وكسر الراء وسكون الدال (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: زَوِّجْنِيهَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: أَعِنْدَكَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «هل عندَكَ» (مِنْ شَيْءٍ) تمهرُها إيَّاه؟ و «هل» حرف استفهام موضوعٌ لطلب التَّصديق الإيجابيِّ دون التَّصوُّر ودون التَّصديق السَّلبيِّ. قال ابن هشامٍ في «مغنيه»:

стр. 9530

فيمتنع نحو: هل زيدًا ضرَبْتَ؟ لأنَّ تقديم الاسمِ يشعرُ بحصول التَّصديقِ بنفس النِّسبةِ، فيمتنعُ (١) نحو: هل زيدٌ قائمٌ أم عَمرو؟ إذا أُريد بـ «أم» المتَّصلة، ويمتنعُ نحو: هل لم يقم زيدٌ؟ و «مِن» في قوله: مِن شيءٍ، زائدة في المبتدأ، والخبر متعلَّق الظَّرف (٢) (قَالَ: مَا عِنْدِي مِنْ (٣) شَيْءٍ. قَالَ: وَلَا) تجدُ (خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ؟) ولأبي ذرٍّ: «ولا خاتمٌ» بالرفع، أي: ولا عندك خاتمٌ من حديدٍ (قَالَ) الرَّجل: (وَلَا) أجد (خَاتَمًا) ولأبي ذرٍّ: «ولا خاتمٌ» (مِنَ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ أَشُقُّ بُرْدَتِي هَذِهِ فَأُعْطِيهَا) بضم الهمزة (النِّصْفَ) منها (٤) (وَآخُذُ النِّصْفَ (٥). قَالَ: لَا) وفي الرِّواية السَّابقة: «ما تصنعُ بإزارِكَ؟ إن لبستَه لم يكن عليها منه شيءٌ، وإن لبسَتْهُ لم يكن عليكَ منه شيءٌ» [خ¦٥٠٣٠] قَالَ: (هَلْ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اذْهَبْ، فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ). قال في «فتح الباري»: ووجه الأخذ (٦) من هذا الحديث -يعني لمناسبة الترجمة- الإطلاق أيضًا، لكن انفصل من منع ذلك بأنَّه معدودٌ من خصائصهِ أن يزوِّج نفسَه، وبغير وليٍّ ولا شهودٍ ولا استئذان وبلفظ الهبةِ. (٣٨) (بابُ) جواز (إِنْكَاحِ الرَّجُلِ وَلَدَهُ الصِّغَارَ) بفتح الواو واللام، اسم جنسٍ شاملٍ للذَّكر والأنثى (لِقَوْلِهِ) ولأبي ذرٍّ: «لقولِ الله» (تَعَالَى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]) أي: من الصِّغار

стр. 9531

(فَجَعَلَ عِدَّتَهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ قَبْلَ البُلُوغِ (١)) فدلَّ على أنَّ نكاحها قبل البلوغ جائزٌ، وحذف في الآية قوله: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ لدَلالة المذكور عليه. قاله في «الكشاف»، وهذا من مواطن حذف الخبر، واختُلف في تقديره؛ فقدَّره الزُّمخشريُّ وابن مالكٍ جملةً، وقدَّره آخرون مفردًا أي: كذلك، وهو أحسن لأنَّ أصل الخبر أن يكون مفردًا، والأكثرون على تقديره مؤخَّرًا مفردًا، وقدَّره ابنُ عبدِ السَّلام مفردًا مقدَّمًا، أي: وكذلك اللَّائي لم يحِضن، وجعل منه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [المائدة: ٥] أي: حِلٌّ لكم، وكذلك المحصناتُ من المؤمنات. وقيل: إنَّ هذه الآية لا حذف فيها، والتَّقدير: واللَّائي يئسنَ من الحيضِ من نسائكم إنْ ارتبتم واللَّائي لم يحضنَ فعدَّتهنَّ ثلاثة أشهرٍ، فقدَّم وأخَّر. ٥١٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البِيْكندِيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عيينةَ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بنِ الزُّبيرِ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا) من أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ (وَهْيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (وَهْيَ بِنْتُ تِسْعٍ) من السِّنين (وَمَكَُثَتْ) بفتح الكاف وضمِّها (عِنْدَهُ تِسْعًا) فتوفِّي ﷺ وعمرها ثمانية (٢) عشرة سنةً. (٣٩) (بابُ تَزْوِيجِ الأَبِ ابْنَتَهُ مِنَ الإِمَامِ) أي: إلى الإمام (٣) الأعظمِ (وَقَالَ عُمَرُ) بنُ الخطَّاب ﵁ ممَّا سبق موصولًا [خ¦٥١٢٢]: (خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيَّ حَفْصَةَ فَأَنْكَحْتُهُ) إيَّاها.

стр. 9532

٥١٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) بتشديد اللام المفتوحة، العمِّيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو مصغَّرًا، ابنُ خالدٍ البصريُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ) ﵂: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهْيَ بِنْتُ سِتَّ سِنِينَ) كذا بفتح «ستَّ» في الفرع، وفي الأصل بالجر (١)، والواو للحال (وَبَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ). قال الجوهريُّ: بنى على أهله بناءً، أي: زفَّها، والعامَّة تقول: بنى بأهله، وهو خطأٌ، وكان الأصل فيه أنَّ الدَّاخل بأهله يضرب عليها قبَّةً عند دخولهِ بها، فقيل لكلِّ داخلٍ على أهله: بانٍ، وعليه كلام التُّورِبِشتيُّ والقاضي، وبالغا في التَّخطئة حتَّى تجاوزا إلى تخطئة الرَّاوي. وأجاب الطِّيبيُّ بعد أن ذكر ذلك بأنَّ استعمال بَنى عليها بمعنى: زفَّها في بدء الأمر كنايةً، فلمَّا كثر استعمالهُ في الزِّفاف فُهم منه معنى الزِّفاف، وإن لم يكن ثمَّة بناءٌ، فأيُّ بُعد في أن ينتقل من المعنى الثَّاني إلى ثالثٍ، فيكون بمعنى: أعرس بها؟ قال: ويوضح هذا ما قاله صاحب «المغرب»: أصله أنَّ المعرِّسَ (٢) كان يبني على أهله ليلةَ الزِّفاف خباءً، ثمَّ كثر حتَّى كني به عن الوطءِ، وعن ابن دريدٍ: بنى بامرأتهِ بالباء كأعرس بها. (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (هِشَامٌ) أي: ابن عروةَ -بالسَّند السَّابق-: (وَأُنْبِئْتُ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (أَنَّهَا) أي: عائشة (كَانَتْ عِنْدَهُ) ﷺ (تِسْعَ سِنِينَ) ثمَّ توفي ﷺ ، والله أعلم. (٤٠) هذا (بابٌ) بالتنوين: (السُّلْطَانُ وَلِيٌّ) لمن لا وليَّ لها (٣) (بِقَوْلِ النَّبِيِّ) أي: بسبب قول النَّبيِّ، ولأبي ذرٍّ: «لقولِ النَّبيِّ ﷺ » باللام بدل: الموحدة، أي: لأجلِ قول (٤) النَّبيِّ (¬ ﷺ زَوَّجْنَاكَهَا) بنون العظمةِ (بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ).

стр. 9533

٥١٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي وَهَبْتُ مِنْ نَفْسِي) أي: وهبتُ نفسي، فـ «مِن» زائدة، ولأبي الوقتِ: «وهبتُ منكَ نفسِي» وفي رواية: «لكَ نفسِي» [خ¦٥١٢٦] بلام التَّمليك، استُعملت هنا في تمليك (١) المنافع، أي: وهبتُ أمر نفسِي لك (فَقَامَتْ) قيامًا (طَوِيلًا) فـ «طويلًا» نعت لمصدر محذوف، وسمِّي مصدرًا لأنَّ المصدر هو اسم الفعل، أو عدده، أو ما قام مقامَه، أو ما أضيفَ إليه، وهذا قام مقام المصدرِ فسمِّيَ باسم ما وقع موقعهُ، وقوله: «فقامَت» عطفٌ على «وَهبت» (فَقَالَ رَجُلٌ): يا رسول الله (زَوِّجْنِيهَا، إِنْ لَمْ تَكُنْ) بالفوقية (لَكَ بِهَا حَاجَةٌ. قَالَ) ﵊، ولأبي ذرٍّ: «فقالَ»: (هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا) إيَّاه؟ و «مِن»: زائدة في المبتدأ، والخبر متعلَّق الظَّرف، وجملة «تُصْدِقها» في موضع رفع صفة لـ «شيءٍ»، ويجوز فيه الجزمُ على جواب الاستفهام، وتصدِقها يتعدَّى لمفعولين الثَّاني محذوفٌ، أي: إيَّاه، وهو العائد من الصِّفة على الموصوف (قَالَ) الرَّجل: (مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي. فَقَالَ) النَّبيُّ ﷺ له: (إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِيَّاهُ جَلَسْتَ لَا إِزَارَ لَكَ) جواب الشَّرط، و «لا» نافيةٌ، و «إزارٌ» اسم نكرةٍ مبنيٌّ مع لا، و «لك» يتعلق بالخبر، أي: ولا إزار كائنٌ لك (فَالتَمِسْ شَيْئًا. فَقَالَ: مَا أَجِدُ شَيْئًا. فَقَالَ) ﵊: (التَمِسْ وَلَوْ) كان الملتمَس (خَاتَمًا مِنْ حَدِيدِ) فطلب (فَلَمْ يَجِدْ) ذلك (فَقَالَ) ﷺ له: (أَمَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ) معي (سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا) بالتَّكرار مرَّتين (٢)، وفيما سبقَ تكرار ذلك ثلاثًا [خ¦٥١٢٦] (لِسُوَرٍ سَمَّاهَا) في «فوائد تمَّام»: أنَّها تسعٌ من المفصَّل، وقيل غير ذلك ممَّا سبق ذكره (فَقَالَ: زَوَّجْنَاكَهَا) بنون العظمة، ولأبي ذرٍّ: «قَد زوَّجناكها» (٣) (بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ).

стр. 9534

والمطابقة بين التَّرجمة والحديث ظاهرة. وفي حديث عائشة عند أبي داود والتِّرمذي، وحسَّنه وصحَّحه أبو عَوانة وابن خزيمة وابن حبَّان والحاكم مرفوعًا: «أيُّما امرأةٍ نكحتْ بغيرِ إذن وليِّها فنكاحُها باطلٌ … » الحديث. وفيه: «السُّلطانُ وليُّ من لا وليَّ له» (١) لكنَّه لمَّا لم يكن على شرطِ المؤلِّف استنبط الحُكم من قصَّة الواهبة، ولا يزوِّج السُّلطان إلَّا بالغةً بكفءٍ عند عدم وليِّها الخاص، أو غيبةِ الأقرب مسافة القصرِ، وهل يزوِّج بالولاية العامَّة أو النيابة الشَّرعيَّة؟ وجهان حكاهما الإمامُ، وأفتى البغويُّ منهما بالأول. قال: لأنَّه لو كان بالنِّيابة لما زوَّج مولِّية الرَّجل منه، ومن فوائد الخلاف: أنَّه لو أراد القاضي نكاحَ من غاب وليها؛ إن قلنا بالولايةِ زوَّجه أحد نوَّابه أو قاضٍ آخر، أو بالنِّيابة لم يجزْ ذلك. (٤١) هذا (بابٌ) بالتنوين: (لَا يُنْكِحُ الأَبُ) بضم التحتية وكسر الكاف من الإنكاحِ (وَغَيْرُهُ) من الأولياء (البِكْرَ وَالثَّيِّبَ إِلَّا بِرِضَاهمَا (٢)) سواءٌ كانتا كبيرتين أو صغيرتين، كما هو ظاهر حديث الباب. ٥١٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ (٣) بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء وتخفيف المعجمة، قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ (عَنْ يَحْيَى) بنِ أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ عوفٍ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ) بضم الفوقية وفتح الكاف، مبنيًّا للمفعول،

стр. 9535

ورفع الحاء على أنَّ «لا» نافية، خبرٌ بمعنى النَّهي، وبالجزم وكسرها لالتقاءِ السَّاكنين على أنَّها ناهيةٌ، والأول (١) أبلغُ، والأيِّمُ بتشديد التحتية المكسورة في الأصلِ الَّتي لا زوجَ لها بكرًا كانت أو ثيِّبًا، مطلَّقة أو متوفَّى عنها، والمراد بها هنا: الَّتي زالت بكارتها بأيِّ وجهٍ كان، سواءٌ زالت بنكاحٍ صحيحٍ، أو شبهةٍ، أو فاسدٍ، أو زنا، أو بوثبةٍ، أو بأصبعٍ، أو غير ذلك؛ لأنَّها جعلت مقابلةً للبكر (حَتَّى تُسْتَأْمَرَ) بضم الفوقية وفتح الميم، أي: يطلبُ أمرها (وَلَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ) أي: يطلبُ إذنها، وفرق بينهما بأن (٢) الأمر لا بدَّ فيه من لفظ، والإذن يكون بلفظ وغيره (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟) أي: البكرِ (قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ) لأنَّها قد تستحي أن تُفصِح، واختلف فيما إذا سكتَتْ وظهرتْ منها قرينةُ السُّخط كالبكاءِ، أو الرِّضا كالتَّبسُّم؛ فعند المالكيَّة: إن ظهرتْ منها قرينةُ الكراهة لم تزوَّج، وعند الشَّافعيَّة: لا يؤثِّر ذلك إلَّا إن وقعَ مع البُكاء صياحٌ ونحوه. وهذا الحديث أخرجهُ أيضًا في «ترك الحيل» [خ¦٦٩٧٠]، ومسلم في «النِّكاح» وكذا النَّسائي (٣). ٥١٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ) بفتح العين وسكون الميم، الهلاليُّ المصريُّ قال (٤): (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «حدَّثنا» (اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (عَنْ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين، ذَكوان (مَوْلَى عَائِشَةَ، عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ البِكْرَ تَسْتَحِي) أن تفصِح به، ولأبي ذرٍّ: «تَستحيِي» بياءين (قَالَ) ﵊: (رِضَاهَا صَمْتُهَا) أي: سكوتها. وظاهر الحديث أنَّه ليس للوليِّ تزويج مولِّيته من غير استئذانٍ ومراجعةٍ، واطِّلاعٍ على أنَّها راضيةٌ، بصريح الإذن أو سكوتٍ من البكر، وللعلماء في

стр. 9536

هذا المقام تفصيلٌ واختلافٌ، فاتَّفقوا (١) على أنَّه لا يجوز تزويجُ الثَّيِّب البالغة العاقلة إلَّا بإذنها، والبكرُ الصَّغيرةُ يزوِّجها أبوها اتِّفاقًا أيضًا. وأمَّا الثَّيِّب غير البالغ فاختلف فيها؛ فقال مالكٌ وأبو حنيفة: يزوِّجها أبوها كما يزوِّج البكر، وقال إمامنا الشَّافعيُّ وأبو يوسف ومحمد: لا يزوِّجها إذا زالَت البكارة بالوطء لا بغيره لأنَّ إزالة البكارة تُزيل الحياء الَّذي في البكرِ. وأما البكرُ البالغُ فيزوِّجها أبوها، وكذا غيره (٢) من الأولياء. واختُلف في استئمارها، والحديث يدلُّ على أنَّه لا إجبار عليها للأبِ إذا امتنعتْ، وهو مذهب الحنفيَّة. وقال مالكٌ والشَّافعيُّ وأحمد: يزوِّجها. واحتجَّ بمفهوم حديث الباب لأنَّه جعل الثَّيِّب أحقَّ بنفسها من وليِّها، فدلَّ على أنَّ وليَّ البكر أحقُّ بها منها، وألحق الشَّافعيُّ الجدَّ بالأب. وقال (٣) أبو حنيفة في الثَّيِّب الصَّغيرة: يزوِّجها كلُّ وليٍّ، فإذا بلغت ثبتَ لها الخيار. وعن مالكٍ يلتحق بالأب في ذلك وصيُّ الأب دون بقيَّة الأولياء لأنَّه أقامه مُقامه، وقال الحنابلةُ: وللأب إجبارُ بناته الأبكار مطلقًا، وثيِّبٍ لها دون تسع سنين، لا مَن لها تسعٌ وأكثر (٤). (٤٢) هذا (بابٌ) بالتنوين: (إِذَا زَوَّجَ) الرَّجل (ابْنَتَهُ وَهْيَ كَارِهَةٌ، فَنِكَاحُهُ مَرْدُودٌ) إذا كانت ثيِّبًا، اتِّفاقًا من الأئمَّة الأربعة.

стр. 9537

٥١٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابنُ أنسٍ الإمام الأعظم (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَ) أخيه (مُجَمِّعٍ) بضم الميم الأولى وكسر الثانية مشددة بينهما جيم مفتوحة آخره عين مهملة (ابْنَيْ يَزِيدَ) من الزِّيادةِ (ابْنِ جَارِيَةَ) بالجيم الأنصاريِّ، ابنُ أخي مجمِّع بنِ جاريةَ (١) الصَّحابيِّ (عَنْ خَنْسَاءَ) بفتح الخاء المعجمة وبعد النون الساكنة سين مهملة مهموز ممدود (بِنْتِ خِذَامٍ) بكسر الخاء وتخفيف الذال المعجمتين. وفي «الفتح»: وبالدال المهملة (الأَنْصَارِيَّةِ) الأويسيَّة: (أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهْيَ ثَيِّبٌ) وكان زوجها الأول اسمه: أُنَيس بنُ قتادةَ كما عند الواقديِّ، وقيل: أُسَير، كما في «المبهمات» للقطب ابن القسطلانيِّ، وأنَّه مات ببدرٍ، وعند عبد الرَّزَّاق: «أنَّ رجلًا من الأنصار تزوَّج خنساءَ بنت خذَامٍ، فقتل عنها يوم أحد، فأنكحها أبوها رجلًا» (فَكَرِهَتْ ذَلِكَ) ولم يقف الحافظ ابن حجرٍ على اسم الزَّوج الثاني. نعم قال الواقديُّ: إنَّه من بني مُزينة، وعند ابن إسحاق أنَّه من بني عَمرو بن عوف (فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) زاد الإسماعيليُّ: «أنَّها قالت: أنا أريد أن أتزوَّج عمَّ ولدي» وعند عبد الرَّزَّاق: «إنَّ أبي أنكحني، وإنَّ عمَّ ولدي أحبُّ إليَّ» (فَرَدَّ) ﵊ له (٢) (نِكَاحَهُ). وأمَّا ما رواه النَّسائي من طريق الأوزاعيِّ، عن عطاء، عن جابرٍ: «أنَّ رجلًا زوَّج ابنته وهي بكرٌ من غير أمرها، فأتت النَّبيَّ ﷺ ففرَّق بينهما». فحمله البيهقيُّ على أنَّه كان زوَّجها من غير كفءٍ، وأمَّا إذا زوجها بكفءٍ فإنَّه ينفذ، ولو طلبتْ هي كفؤًا غيره لأنَّها مجبرةٌ فليس (٣) لها اختيار الأزواج، وهو أكملُ نظرًا منها، بخلاف غير المجبرة (٤)، فإنَّه لا يزوِّجها إلَّا ممَّن عينتْهُ، لأنَّ إذنها شرطٌ في أصل تزويجها، فاعتبر تعيينُها. ٥١٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بنُ رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا يَزِيدُ) بنُ هارونَ قال: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى) بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ: (أَنَّ القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ) بنَ أبي بكرٍ الصِّدِّيق (حَدَّثَهُ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ، وَ) أخاه (مُجَمِّعَ بْنَ يَزِيدَ حَدَّثَاهُ: أَنَّ رَجُلًا يُدْعَى خِذَامًا) بالخاء والذال المعجمتين في

стр. 9538

الفرع (أَنْكَحَ ابْنَةً لَهُ نَحْوَهُ) أي: نحو الحديث السَّابق. قال في «الفتح»: وقد ساق أحمد لفظه عن يزيدَ بنِ هارون بهذا الإسناد: أنَّ رجلًا منهم يدعى: خذامًا أنكح ابنتهُ، فكرهت نكاحَ أبيها، فأتتِ النَّبيَّ ﷺ فذكرت ذلك له، فردَّ نكاح أبيها، فتزوَّجت أبا لبابةَ بن عبد المنذر، فذكر يحيى بن سعيد أنَّه بلغه أنَّها كانت ثيِّبًا. (٤٣) (بابُ تَزْوِيجِ اليَتِيمَةِ) الَّتي مات أبوها ولم تبلُغ (لِقَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَإِنْ﴾) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فإن» (﴿خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى﴾) الَّذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم، واليُتْم: الانفراد (﴿فَانكِحُواْ﴾ [النساء: ٣]) الآية. قال في «الكشاف»: فإن قلتَ: كيف جمع اليتيم -وهو: فعيلٌ كمريض- على يتامى؟ قلتُ: فيه وجهان: أنْ يجمعَ على يَتْمى كأَسْرى؛ لأنَّ اليُتم من وادِي الآفات والأوجاع، ثمَّ يجمع فعلى على فعالى كأسارى، ويجوز أن يجمع على فعائل لجري اليتيم مجرى الأسماء؛ نحو صاحب وفارس، فيقال: يتائم، ثمَّ يتامى على القلبِ، وحقُّ هذا الاسم أن يقع على الصِّغار والكبار لبقاء معنى الانفراد عن الآباء، إلَّا أنَّه قد غلب أن يسمَّوا به قبل أن يبلغوا مبلغ الرِّجال، فإذا استغنوا بأنفسهم عن قائمٍ عليهم، وانتصبوا كفاةً يكفلون غيرهم ويقومون عليهم زال عنهم هذا الاسم، وأمَّا قوله ﵊: «لا يتمَ بعد الحلم» فما هو إلَّا تعليم شريعة لا لغة؛ يعني: إذا احتلم لم (١) تجر عليه أحكام الصِّغار. انتهى. (إِذَا قَالَ) الخاطبُ (لِلْوَلِيِّ: زَوِّجْنِي) مُولِّيتك (فُلَانَةَ. فَمَكَُثَ سَاعَةً) بضم الكاف وفتحها، ثم زوجه (٢) (أَوْ قَالَ) الوليُّ للخاطب: (مَا مَعَكَ) تُمهرها إيَّاه؟ (فَقَالَ: مَعِي كَذَا وَكَذَا) أو

стр. 9539

تخلل كلام نحو ذلك بين الإيجاب والقبول (أَوْ لَبِثَا) كلاهما بعد قوله للوليِّ (١): زوِّجني (ثُمَّ قَالَ) الوليُّ: (زَوَّجْتُكَهَا؛ فَهْوَ جَائِزٌ) في الصُّور الثَّلاث، ولا يضرُّ ذلك لاتِّحاد المجلس. (فِيهِ سَهْلٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) يعني: في قصَّة الواهبة السَّابقة مرارًا [خ¦٥١٢٦] لكن في استخراج الحكم المذكور منها (٢) نظرٌ لأنَّها واقعةُ عين يطرقها احتمالُ أن يكون قَبِلَ عَقِب الإيجاب، ومذهب الشَّافعيَّة اشتراط القبول فورًا، فلا يضير فصلٌ يسير، فلو حمدَ الله، وصلى على النَّبيِّ ﷺ ، وأوصى بتقوى الله، ثمَّ قال: زوَّجتك فلانةً، فقال الزَّوج: الحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وأوصى بتقوى الله (٣) ثمَّ قَبِلَ النكاح صَحَّ، ولا يضرُّ هذا الفصل لأنَّ المتخلِّل مقدِّمة القبول فلا يقطعُ الموالاة بينهما، والخطبة من الأجنبيِّ كهي ممَّن (٤) ذكر فيحصل بها الاستحباب ويصحُّ معها العقدُ، فإن طال الذِّكر الفاصل بين القبولِ والإيجاب، أو تخلَّل بينهما كلام يسيرٌ أجنبيٌّ عن العقد لم يتعلَّق به ولم يُستَحَب بطلَ العقدُ لإشعاره بالإعراض. ٥١٤٠ - به قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو: ابنُ أبي حمزةَ (عَنِ

стр. 9540

الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلمٍ (وَقَالَ اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام فيما سبق موصولًا في: «باب الأكفاء في المال» [خ¦٥٠٩٢]: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضم العين مصغَّرًا (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂ قَالَ لَهَا: يَا أُمَّتَاهْ ﴿وَإِنْ﴾) بالواو ولأبي ذرٍّ: «فإن» (﴿خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى﴾ … إِلَى: ﴿مَا﴾) ولأبي ذرٍّ: «إلى قوله: ﴿مَا﴾» (﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا ابْنَ أُخْتِي) أسماءَ بنت أبي بكرٍ (هَذِهِ اليَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا) زاد في «التفسير»: «تشركهُ في ماله» [خ¦٤٥٧٤] (فَيَرْغَبُ فِي جَمَالِهَا وَمَالِهَا، وَيُرِيدُ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «في» (صَدَاقِهَا، فَنُهُوا) بضم النون والهاء (عَنْ نِكَاحِهِنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ فِي إِكْمَالِ الصَّدَاقِ) أسوة أمثالهنَّ (وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ) من سوى اليتامى (مِنَ النِّسَاءِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: اسْتَفْتَى) ولأبي ذرٍّ: «فاستفتى» (النَّاسُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ) أي: بعدَ نزولِ آيةِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء﴾ … إِلَى ﴿وَتَرْغَبُونَ﴾) ولأبي ذرٍّ: «إلى قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ﴾» (﴿أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]) سقط «﴿أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾» لغير أبي ذرٍّ (فَأَنْزَلَ اللهُ لَهُمْ فِي هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ اليَتِيمَةَ إِذَا (١) كَانَتْ ذَاتَ مَالٍ وَجَمَالٍ رَغِبُوا فِي نِكَاحِهَا وَنَسَبِهَا وَالصَّدَاقِ) الَّذي هو غير صدَاقِ مثلها (وَإِذَا (٢) كَانَتْ مَرْغُوبًا عَنْهَا فِي قِلَّةِ المَالِ وَالجَمَالِ تَرَكُوهَا) فلم يتزوَّجوها (وَأَخَذُوا غَيْرَهَا مِنَ النِّسَاءِ، قَالَتْ) عائشةُ: (فَكَمَا يَتْرُكُونَهَا) أي: اليتيمة (٣) (حِينَ يَرْغَبُونَ عَنْهَا فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَنْكِحُوهَا إِذَا رَغِبُوا فِيهَا إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهَا وَيُعْطُوهَا حَقَّهَا الأَوْفَى مِنَ الصَّدَاقِ). وهذا المتن لفظ روايةِ شعيبٍ، وفيه دَلالةٌ على أنَّ للوليِّ غير الأب أن يزوِّج الَّتي دون البلوغِ، بكرًا كانت أو ثيِّبًا لأنَّ اليتيمةَ هي الَّتي دون البلوغِ ولا أب لها، بكرًا كانت أو ثيِّبًا، وقد أذن في نكاحها بشرط أن لا يبخسَ من صدَاقِها، وقد اختلف في ذلك فقال أصحاب أبي حنيفةَ: يصحُّ النِّكاح، ولها الخيار إذا بلغت في فسخ النِّكاح وإجازته. وقال الشَّافعيُّ: باطلٌ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «اليتيمةُ تُستَأمر» واليتيمة كما مرَّ اسم للصَّغيرة الَّتي لا أب لها، وهي

стр. 9541

قبل البلوغ لا عبرةَ بإذنها، وكأنَّه ﷺ شرط بلوغها، فمعناه: لا تنكح حتَّى تبلغَ فتُستأمر. وعند التِّرمذيِّ وقال: حسنٌ صحيحٌ: «لا تنكِحُوا اليتامى حتى تستأمروهُنَّ» والله أعلم (١). (٤٤) هذا (بابٌ) بالتنوين (إِذَا قَالَ الخَاطِبُ لِلْوَلِيِّ: زَوِّجْنِي) مُولِّيتك (فُلَانَةَ) وثبت قوله: «للوليِّ» لأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ (٢) (فَقَالَ) الوليُّ: (قَدْ زَوَّجْتُكَ) ها (بِكَذَا وَكَذَا جَازَ النِّكَاحُ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لِلزَّوْجِ: أَرَضِيتَ أَوْ قَبِلْتَ؟) ويقبل هو، وهذا مذهب الشَّافعيَّة لوجود الاستدعاء الجازم، ولقوله في حديث الباب: زوِّجنيها، فقال: «زوَّجتكها بما معَكَ من القُرآن» ولم ينقل أنَّه قال بعد ذلك: قبلتُ نكاحَهَا. ٥١٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمد بنُ الفضلِ السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلٍ) السَّاعديِّ، ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن سعدٍ» ﵁ (أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا) لينكحها (فَقَالَ: مَا لِي اليَوْمَ فِي النِّسَاءِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «بالنِّساء» (مِنْ حَاجَةٍ. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ زَوِّجْنِيهَا. قَالَ: مَا عِنْدَكَ) تُصْدِقها؟ (قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ. قَالَ) ﵊: (أَعْطِهَا) صدَاقًا (وَلَوْ) كان (خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ. قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ) وهذه الجملة من قوله: «أعطها … » إلى هنا ثابتةٌ في رواية أبي ذرٍّ (قَالَ) ﷺ : (فَمَا عِنْدَكَ (٣) مِنَ القُرْآنِ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا. قَالَ) ﵊: (فَقَدْ) ولأبي ذرٍّ: «فقال: قد» (مَلَّكْتُكَهَا)

стр. 9542

وللأكثرين: «زوَّجتكها» (بِمَا) أي: بتعليمك إيَّاها ما (١) (مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ) ولم يرد أنَّه قال: قبلت بعد ذلك، اكتفاءً بقوله أولًا: «زوِّجنيها» [خ¦٥٠٢٩] [خ¦٥١٣٢] كما مرَّ، ومثله في الانعقاد بصيغةِ الأمر لو قال: تزوَّج ابنتي، فيقول الخاطبُ: تَزَوَّجْتها، فلو قال: زَوَّجْتَني ابنتَك أو تُزوِّجنيها، أو أَتَتَزوَّج (٢) ابنتي أو تَزَوَّجُها (٣) لا ينعقد؛ لأنَّه استفهامٌ. (٤٥) هذا (بابٌ) بالتنوين: (لَا يَخْطُبُ) الرَّجل (عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ) بكسر الخاء المعجمة (حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَدَعَ). ٥١٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليُّ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبدُ الملك بنُ عبد العزيز، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «عن ابن جريجٍ» (قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يُحَدِّثُ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَقُولُ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ ¬) نهي تحريمٍ (أَنْ يَبِيعَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ) بالرفع على النَّفي (عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ) المسلم -وكذا الذِّمي- إذا صرَّح له بالإجابة (حَتَّى يَتْرُكَ الخَاطِبُ قَبْلَهُ) التَّزويج (أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الخَاطِبُ) الأول، سواءٌ كان الأول مسلمًا أو كافرًا محترمًا، وذِكْر الأخ جرى على الغالبِ، ولأنَّه أسرع امتثالًا، والمعنى في ذلك: ما فيه الإيذاء والتَّقاطع. وفي معنى الإذن: ما لو تركَ أو طال الزَّمان بعد إجابته بحيث يعدُّ معرضًا. أو غاب زمنًا يحصل به الضَّرر، أو رجعوا عن إجابتهِ، والمعتبر في التَّحريم إجابتها إن كانت غير (٤) مجبرةٍ، أو إجابة الوليِّ المجبر إن كانت مجبرةً، أو إجابتهما معًا إن كان الخاطب غير كفءٍ، أو (٥) إجابة السَّيِّد أو السُّلطان في الأمة غير المكاتبةِ كتابةً صحيحةً بالنِّسبة للسيِّد.

стр. 9543

٥١٤٣ - ٥١٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة مصغَّرًا، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بنِ هرمزٍ أنَّه (قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَأْثُرُ) بضم المثلثة، أي: يروي (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ) أي: احذروا الظنَّ السُّوء (فَإِنَّ الظَّنَّ) السَّيِّئَ (أَكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلَا تَجَسَّسُوا) بالجيم، لا تبحثوا عن العوراتِ (وَلَا تَحَسَّسُوا) بالحاء المهملة، لا تستمعوا (١) لحديثِ القوم (وَلَا تَبَاغَضُوا) بل تحابُّوا (وَكُونُوا إِخْوَانًا) كالإخوان في جلبِ المنفعة ودفع المضرَّة. (وَلَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ) امرأةً (عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ) إذا أجيب (حَتَّى يَنْكِحَ) المخطوبةَ (أَوْ يَتْرُكَ) تزويجها. قال «شارح المشكاة» رحمه الله تعالى: «حتى» غاية النَّهي، فتوهم أنَّ بعد النِّكاح لا تكون الخطبة منهيًّا عنها، وبعد النِّكاح لا تتصوَّر الخطبة فكيف معنى «حتَّى»؟ وأجاب بأنَّه من باب التَّعليق بالمُحال؛ يعني: إذا استقام أن يخطب بعد النِّكاح جاز، وقد علم (٢) أنَّه لا يستقيم فلا يجوز، ويجوز أن تكون «حتَّى» بمعنى: كي، و «أو» بمعنى: إلى، وضمير «يَنْكح» راجع إلى الرَّجل، وفي «يَتْرك» إلى أخيه، والمعنى: لا يخطب الرَّجل على خطبةِ أخيه لكي ينكحها إلى أن يتركها أخوه. انتهى. وإذا عقد الثَّاني صحَّ مع الحرمة. وقال الشَّيخ خليل من المالكيَّة: تحرمُ خطبة راكنةٍ لغير فاسقٍ، ولو لم يقدر صَداق. وقال «شارحه»: وتفسير ذلك فيما يُرى أن يخطبَ الرَّجل المرأةَ، فتركنُ إليه ويتَّفقان (٣) على صَداق وقد تراضيا، فتلك الَّتي نهى أن يخطبها الرَّجل على خطبةِ أخيه، ولم يعنِ بذلك إذا خطب ولم يوافقها أمره ولم تركن إليه. وقوله: لغير فاسقٍ، احترازٌ ممَّا إذا ركنتْ لفاسقٍ، فإنَّ خطبتها لا تحرمُ، وإن خطب ولم يدخلْ فسخ، وهو المشهورُ عن مالكٍ، فإنْ دخلَ مضى النِّكاح، وبئس ما صنعَ. وقال ابنُ زرقون: وعنه أنَّه يفسخ على كلِّ حالٍ، وعنه أنَّه لا يفسخ أصلًا وإن كان

стр. 9544

عاصيًا. وقال ابن القاسم: ويؤدَّب من خطب على خطبةِ أخيهِ. حكاه في «النَّوادر» و «العتبية». (٤٦) (بابُ تَفْسِيرِ تَرْكِ الخِطْبَةِ) بكسر الخاء. ٥١٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافعٍ، قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو: ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلمٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ يُحَدِّثُ أَنَّ) أباه (عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ حِينَ تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ) بنتُ عمر من خنيس بنِ حذافةَ السَّهميِّ (قَالَ عُمَرُ: لَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق (فَقُلْتُ) له: (إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ. فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ فِيمَا عَرَضْتَ) عليَّ (إِلَّا أَنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ ذَكَرَهَا، فَلَمْ أَكُنْ لأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَوْ تَرَكَهَا لَقَبِلْتُهَا). قال ابن بطَّال: تقدَّم في الباب السَّابق تفسير تركِ الخطبة صريحًا في قوله: «حتى ينكحَ أو يترك». وحديث هذا الباب في قصة حفصة لا يظهر منه تفسير ترك الخطبة لأنَّ عمر لم يكن علم أنَّ النَّبيَّ ﷺ خطب حفصةَ، فضلًا عن التَّراكن، فكيف توقَّف أبو بكرٍ عن الخطبةِ أو (١) قبولها من الوليِّ؟ ولكنه قصدَ معنًى دقيقًا يدلُّ على ثقوبِ (٢) ذهنه ورسوخه في الاستنباط؛ وذلك أنَّ أبا بكرٍ علم أنَّ النَّبيَّ ﷺ إذا خطب إلى عمر أنَّه لا يردُّه، بل يرغب فيه ويشكرُ الله

стр. 9545

على ما أنعمَ عليه به من ذلك. فقام علمُ أبي بكرٍ بهذا الحال مقام الرُّكون والتَّراضي، فكأنَّه يقول: كلُّ من علم أنَّه لا يصرفُ إذا خطبَ لا ينبغي لأحدٍ أن يخطبَ على خطبته. (تَابَعَهُ) أي: تابع شعيبَ بن أبي حمزةَ (يُونُسُ) بنُ يزيدٍ فيما وصله الدَّارقطني في «العلل» (وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) فيما وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريات» (وَابْنُ أَبِي عَتِيقٍ) هو محمد بنُ عبد الله بنِ أبي عتيقٍ الصدِّيقيُّ القرشيُّ فيما وصله الذُّهليُّ أيضًا (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم ابنِ شهابٍ. وسبق حديث الباب بأتمَّ من هذا في «باب عرض الإنسان ابنته» [خ¦٥١٢٢]. (٤٧) (بابُ) استح باب (الخُطْبَةِ) بضم الخاء، قبل العقد. ٥١٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف، ابنُ عقبةَ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ أو ابنُ عيينةَ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلَانِ مِنَ المَشْرِقِ) مشرق المدينة؛ وهما الزِّبرقان بن بدرٍ التَّميميُّ وعَمرو بنُ الأهيمِ، سنة تسعٍ من الهجرةِ وأسلما (فَخَطَبَا) خطبتين بليغتين، يأتيان في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٦٧] إن شاء الله تعالى، بعون الله تعالى (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْرًا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لسحرًا» بزيادة اللام للتَّأكيد، والبيان نوعان: ما تحصل به الإبانةُ عن المراد، والآخر (١) تحسينُ اللَّفظ بحيث يستميلُ قلب السَّامع، وهو الَّذي يشبَّه بالسِّحر إذا جلبَ القلوب، وغلب على النُّفوس، وهو عبارةٌ عن تصنُّعٍ في الكلام، وتكلُّفِ تحسينه، وصرف الشَّيء عن حقيقتهِ كالسِّحر الَّذي هو تخييلٌ بلا (٢) حقيقة، المذمومُ منه ما يقصدُ به الباطل.

стр. 9546

قال في «فتح الباري»: وجه مناسبةِ الحديث للتَّرجمة كأنَّه أشار إلى أنَّ الخطبة وإن كانت مشروعة في النِّكاح فينبغي أن لا يكون فيها ما يقتضي صرفَ الحقِّ إلى الباطل بتحسينِ الكلام. وقال المهلَّب: الخطبةُ في النِّكاح إنَّما شرعت للخاطبِ ليسهِّل أمره، فَشُبِّه حسن التَّوصُّل إلى الحاجة بحسن الكلام فيها باستنزالِ المرغوبِ إليه بالبيان بالسِّحر؛ وإنَّما كان كذلك لأنَّ النُّفوس طُبعت على الأَنَفة من ذكر المَوْلَيَات في أمر النِّكاح، فكان حسن التَّوصُّل لدفع تلك الأنفةِ وجهًا من وجوه السِّحر الذي يصرف الشَّيء إلى غيره. انتهى. المستحبُّ في النِّكاح أربع خطب: خُطبةٌ من الخاطب قبل الخِطبة -بكسر الخاء-، وخطبة من المجيب قبل الإجابةِ، وخطبتان قبل النِّكاح إحداهما (١) من الولي قبل الإيجاب، والأخرى من الخاطب قبل القَبول لحديث: «كلُّ أمرٍ ذي بالٍ … » وأخرج أصحاب السُّنن، وصحَّحه أبو عَوانةَ وابنُ حبَّان مرفوعًا عن ابن مسعود: «إذا أرادَ أحدكُم أنْ يخطبَ لحاجةٍ من نكاحٍ أو غيره فليقل: إنَّ الحمد لله نحمدهُ ونستعينه ونستغفرُه، ونعوذ بالله من شُرور أنفُسنا وسيِّئات أعمالِنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عبده ورسولهِ ﷺ وعلى آلهِ وصحبهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم﴾ … إلى قوله: ﴿رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ … إلى قوله: ﴿عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]». وحديث الباب أخرجه أيضًا في «الطِّب» [خ¦٥٧٦٧] وأبو داود في «الأدب»، والتِّرمذيُّ في البرِّ. (٤٨) (بابُ) إباحة (٢) (ضَرْبِ الدَُّفِّ فِي النِّكَاحِ) بضم الدال في الفرع كأصله على الأفصح، وقد تفتح (وَ) ضرب الدُّفِّ في (الوَلِيمَةِ) من عطف العام على الخاص، ويأتي إن شاء الله تعالى «باب الوليمةُ حقٌّ» [خ¦٥١٦٦].

стр. 9547

٥١٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة، ابن لاحقٍ البصرِيُّ، وفي نسخة بـ «اليونينية»: «عن بشر بن المفضَّل» قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ) أبو الحسنِ المدنيُّ (قَالَ: قَالَتِ (١) الرُّبَيِّعُ) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية المكسورة (بِنْتُ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ) بكسر الواو المشددة بعدها ذال معجمة، والعَفْراءُ بفتح العين المهملة وسكون الفاء ممدودًا: (جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَدَخَلَ) وللحَمُّويي والكُشمِيهنيِّ: «يدخلُ» بصيغة المضارع (حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ) وفي رواية حمَّاد بنِ سلمةَ عند ابن ماجه: «صبيحة عرسي» وكانت تزوَّجت إيَاس بن البكير اللَّيثيَّ (فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي) بكسر اللام، أي: مكانك، وقد كان من خصائصهِ ﷺ جواز النَّظر للأجنبيَّة والخلوةِ بها (فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا) لم يقفْ الحافظ ابنُ حجر على تسميتهنَّ (يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَيَنْدُبْنَ) أي: يذكرنَ أوصاف (مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ) بالثَّناء عليهم، وتعديدِ محاسنهِم بالكرم والشَّجاعة ونحوهما، وكان الَّذي قتل يوم بدرٍ معوِّذ ابن عفراء وعوف ومعاذ، أحدهم أبوها، والآخران عمَّاها، فأُطلقت الأبوَّة عليهما تغليبًا (إِذْ) وثبت لفظ: «إذ» للكُشمِيهنيِّ (٢)، وفي «المغازي»: «حتَّى» [خ¦٤٠٠١] (قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ) إحدى الجواري: (وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا) يكون (فِي غَدٍْ) بالسكون في «اليونينية» وفرعها، وبالخفض منونًا في غيرهما (٣) (فَقَالَ) لها النَّبيُّ ﷺ : (دَعِي هَذِهِ) المقالة، فإنَّ مفاتيح الغيب عند الله لا يعلمها إلَّا هو، وأيضًا يحتمل أن يكون المنع (٤) أن يوصفَ ﷺ (٥) في أثناء اللَّعب واللَّهو؛ إذ منصبه أجلُّ وأشرفُ من أن يذكر إلَّا في مجالس الجدِّ (وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ) من المدحِ والثَّناء، ففيه: جواز ذلك ما لم يفضِ إلى الغلوِّ.

стр. 9548

وفي هذا الحديث: جواز ضربِ الدُّفِّ في النِّكاح، وقد قال الشَّافعيَّة بجوازِ اليراع والدُّفِّ، وإن كان فيه جلاجلُ في الإملاك والختان وغيرهما، وقيل: يحرم اليراعُ وهو المزمار العراقي، ويحرم الغناء مع الآلات ممَّا هو من شعارِ شاربي الخمر، كالطُّنبور وسائر المعازف، أي: الملاهي من الأوتارِ والمزامير، فيحرمُ استعماله واستماعهُ قصدًا، فلو لم يقصدْ لم يحرم، ولا يحرم الطَّبل إلَّا الكُوبة؛ وهو طبلٌ طويل متَّسع الطَّرفين ضيِّق الوسط، يعتادُ ضربه المخنَّثون، ولا يحرمُ ضرب الكفِّ بالكفِّ كما صرَّح به في «الإرشادِ» وغيره، ولا الرَّقص إلَّا أن يكون فيه تكسُّرٌ وتثنٍّ. وهذا الحديث قد سبق في «غزوة بدرٍ» [خ¦٤٠٠١]. (٤٩) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: « »: (﴿وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ﴾) مهورهنَّ (﴿نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]) من نحله كذا إذا أعطاهُ إيَّاهُ ووهبهُ له عن طيبةٍ من نفسهِ نحلة ونحلًا، وانتصابها على المصدرِ لأنَّ النِّحلةَ والإيتاء بمعنى الإعطاءِ، فكأنَّه قال: وانحلوا النِّساءَ صدقاتهنَّ نحلةً، أي: أعطوهنَّ مهورهنَّ (١) عن طيبةِ أنفسكم، قيل: النحلةُ لغة: الهبة من غير عوضٍ، والصَّداقُ تستحقُّهُ المرأةُ اتفاقًا لا على وجهِ التَّبرع من الزَّوج، وأُجيب بأنَّ أبا (٢) عبيدة قال: عن طيب نفسٍ بالفريضةِ. وتابعهُ ابن قُتيبةَ. وقال إِلكيا: الخطابُ في ﴿فَانكِحُواْ﴾ للأزواجِ، وإذا كان خطابًا لهم فإنَّما سماهُ عطيَّة ترغيبًا في إيفاءِ صداقِها، وقال بعضُهم: نحلةً اسمُ الصَّداقِ نفسه. وقال آخر: لأنَّ استمتاعه يقابلُ استمتاعَها به، فكان الصَّداقُ (٣) من هذه الجهةِ لا مقابل له ولذا لم يكن ركنًا في العقدِ (وَكَثْرَةِ المَهْرِ) بالجر عطفًا على سابقه (وَأَدْنَى) أقل (مَا يَجُوزُ مِنَ الصَّدَاقِ،

стр. 9549

وَقَوْلِهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: « »: (﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا﴾) قال في «الكشاف»: هو المالُ العظيمُ، من قنطرتُ الشَّيءَ إذا رفعتَهُ (﴿فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]) وقد روي أنَّ عمر قامَ خطيبًا فقال: أيُّها النَّاس، لا تغالُوا بصداقِ النِّساء، فلو كان مكرمةً في الدُّنيا أو تقوى (١) عند الله لكانَ أولاكم بها رسول الله ﷺ ، ما أصدق امرأةً من نسائهِ أكثر من اثنتي عشرةَ أوقيَّةً، فقامتْ إليه امرأةٌ فقالتْ له: يا أميرَ المؤمنين، لمَ تمنعنا حقًّا جعلهُ اللهُ لنا، واللهُ يقولُ: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا﴾ فقال عمر: كلُّ أحدٍ أعلمُ من عمرَ، ثمَّ قال لأصحابه: تسمعونَني أقولُ مثل هذا فلا تنكرونهُ (٢) عليَّ حتى تردَّهُ عليَّ امرأةٌ ليست من أعلمِ النِّساءِ. ذكره الزَّمخشريُّ، ورواه عبد الرَّزَّاق من طريق أبي (٣) عبد الرَّحمن السُّلميِّ بلفظ: قال عمر: لا تغالُوا في مهورِ النِّساءِ، فقالت امرأةٌ: ليس ذلكَ لك يا عمر، إنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا﴾ (من ذهبٍ) قالوا: فكذلك هي (٤) في (٥) قراءةِ ابن مسعود، فقال عمر: امرأةٌ خاصمَت عمر فخصمتهُ (وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]) وزادَ أبو ذرٍّ: «﴿فَرِيضَةً﴾». (وَقَالَ سَهْلٌ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) في قصَّة الواهبةِ لمريدِ (٦) تزويجها: التمسْ (وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ) والآية الأولى دالَّةٌ لأكثرِ الصَّداقِ، والحديثُ لأدناه، وهل يتقدَّر أدناهُ أم لا؟ فمذهب الشَّافعيَّة والحنابلةِ أدنَى متموَّل لقوله ﷺ : «التمِس ولَو خاتَمًا مِن حَدِيدٍ» والضَّابط: كل ما جازَ أن يكون ثمنًا، وعند الحنفيَّة عشرةُ دراهِمَ، والمالكيَّة ربعُ دينارٍ، فيستحبُّ عند الشَّافعيَّة والحنابلة أن لا ينقص عن عشرة دراهمَ خروجًا من خلاف أبي حنيفة، وأن لا يزيد على خمس مئةِ درهمٍ، كأصدقةِ بناتِ النَّبيِّ ﷺ وزوجاتهِ، وأما إصداقُ (٧) أم حبيبةَ أربع مئة دينارٍ فكان من النَّجاشيِّ إكرامًا له ﷺ ، ويستحبُّ أن يذكرَ المهرَ في العقدِ

стр. 9550

لأنَّه ﷺ لم يُخْلِ نكاحًا عنه، ولأنَّه أدفعُ للخصومةِ، وعلمَ (١) من استحباب ذكره في العقدِ جوازُ إخلاء النِّكاح عن ذكره. للصَّداق أسماء ثمانية مشهورة جمعت في قوله: صَدَاقٌ ومَهْرٌ نِحْلَةٌ وفَرِيضةٌ … حِبْاءٌ وأَجْرٌ ثمَّ عَقْرٌ عَلَائقُ وقيل: الصَّداقُ ما وجب بتسميةٍ (٢) في العقدِ، والمهرُ ما وجب بغير ذلك، وسمِّي صداقًا لإشعارهِ بصدقِ رغبةِ باذله في النِّكاحِ، وفي حديث أبي داود: «أدُّوا العَلائقَ». قيل: ما (٣) العلائقُ؟ قال: «ما تَراضى عليه (٤) الأهلونَ». وقال ابنُ الأثير: واحدُ العلائقِ عِلاقة -بكسر العين- المهرُ لأنَّهم يتعلَّقون به على الزَّوجِ، والعُقْر -بضم العين وسكون القاف- لغةً: أصلُ الشَّيء ومكانهُ، فكأنَّ المهرَ أصلٌ في تملُّك عصمةِ الزَّوجةِ، والحِباءُ -بكسر الحاء المهملة بعدها موحدة- العطيَّةُ، وفي الشَّرعِ: الصَّداق هو ما وجبَ بنكاحٍ، أو وطءٍ، أو تفويتِ بضع قهرًا كرضاعٍ، ورجوع شهود. ٥١٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاجِ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ) بضم الصاد وفتح الهاء (عَنْ أَنَسٍ) ﵁: (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً) هي بنت أبي (٥) الحيسر أنس بن رافعِ بن امرئِ القيس بن زيدِ بن عبدِ الأشهلِ، كما جزم به الزُّبير بن بكَّارٍ أو غيره، ممَّا سيأتي إن شاء الله تعالى (عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ، فَرَأَى النَّبِيُّ ﷺ بَشَاشَةً)

стр. 9551

بفتح الموحدة والمعجمتين بينهما ألف، أي: فرح (العُرْسِ) وللأربعة: «العَروسُ» بالجمع، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «شيئًا شبيهَ العُرسِ» قال ابن قُرْقُول: وهو تصحيفٌ (فَسَأَلَهُ) ﷺ (فَقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ. وَعَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة، عطفٌ على قوله: عن عبد العزيز، وهو من رواية شعبة عنهما (عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ) فزاد: «من ذَهَبٍ». واختلف في المراد بالنَّواةِ؛ فقيل: واحدةُ نوى التَّمرِ، كما يوزنُ بنوى الخروبِ، وأنَّ القيمةَ عنها يومئذٍ خمسةُ دراهم، وقيل: ربعُ دينار، وضعِّفَ بأنَّ نوى التَّمرِ يختلف في الوزنِ، فكيف يجعلُ معيارًا؟ أو أنَّ لفظَ النَّواة من الذَّهبِ خمسة دراهم من الورقِ، وجزمَ به الخطَّابيُّ، ويشهدُ له رواية البيهقيِّ عن قتادة: «وزنُ نواةٍ من ذهبٍ، قوِّمت خمسةَ دراهم» أو وزنها من الذَّهب خمسة دراهمَ. حكاهُ ابن قُتيبة، وجزم به ابنُ فارس، واستُبعِدَ لأنَّه يستلزمُ أن يكون ثلاثَة مثاقيلَ ونِصفًا. وعن بعض (١) المالكيَّة: النَّواةُ عند أهل المدينةِ ربعُ دينارٍ، ويشهد له قولُ أنس عند الطَّبرانيِّ في «الأوسط»: حَزرناها ربع دينار. وعن الشَّافعيِّ: النَّواةُ ربعُ النَّشِّ، والنَّشُّ نصفُ أوقيَّةٍ، والأوقيَّةُ أربعون درهمًا، فتكون خمسةَ دراهمَ. (٥٠) (بابُ التَّزْوِيجِ عَلَى) تعليم (القُرْآنِ وَبِغَيْرِ) ذكر (صَدَاقٍ).

стр. 9552

٥١٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينةَ قال: (سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ) سلمة بن دينار (يَقُولُ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ) ﵁ (يَقُولُ: إِنِّي لَفِي القَوْمِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ قَامَتِ امْرَأَةٌ) لم يقف الحافظ ابنُ حجر على اسمها. قال: وقولُ ابن القطَّاع في «الأحكام» إنَّها خولةُ بنت حكيمٍ أو أمُّ شريك. نقلٌ من اسم الواهبةِ الواردةِ في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وفي رواية فضيلِ بن سليمان: «كنَّا عند النَّبيِّ ﷺ جلوسًا، فجاءتهُ امرأةٌ» [خ¦٥١٣٢] فليس المراد من قوله: «إذ قامَت امرأةٌ» أنَّها كانت جالسةً في المجلسِ فقامت. وعند الإسماعيليِّ: أنَّه كانَ في المسجدِ (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ) أي: أَمْرَ نفسها أو نحو ذلك، وإلَّا فالحقيقةُ غير مرادةٍ لأنَّ رقبةَ الحرِّ لا تملكُ، فكأنَّها قالت: أتزوَّجُكَ بغير صداقٍ، وكان الأصلُ أن يقال: إنِّي وهبتُ نفسي لك، لكنَّه عن طريق الالتفاتِ، وفيه: أنَّ الهبةَ في النِّكاح من الخصائصِ لقولها ذلك، وسكوته ﵊ عليه، فدلَّ جوازهُ له خاصَّةً لقول الرَّجل بعدُ: «زوِّجنيها» ولم يقُل: هَبها لي، مع قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥] (فَرَ فِيهَا رَأْيَكَ) براء مفتوحة بغير همز، أمر على وزن «فَ» لأنَّ عين الفعل ولامه حذفا لأنَّ أصله ارأى على وزن افعل، حذفت لام الفعل للجزمِ؛ لأنَّ الأمر مجزومٌ، ثمَّ نقلت حركة الهمزة إلى الراء للتَّخفيف، فاستغني عن همزة الوصل، فحذفتْ فبقيَ على وزن «فَ» ولبعضهم بالهمزة السَّاكنة بعد الراء، وكلٌّ سائغٍ (فَلَمْ يُجِبْهَا) ﷺ (شَيْئًا، ثُمَّ قَامَتْ) أي: الثَّانيةَ (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ فَرَ فِيهَا رَأْيَكَ، فَلَمْ يُجِبْهَا) ﵊ (شَيْئًا، ثُمَّ قَامَت الثَّالِثَةَ فَقَالَتْ: إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ فَرَ فِيهَا رَأْيَكَ) سقط للحَمُّويي من قوله «فَلم يُجِبها الثَّانية … » إلى هنا، وسكوتهُ ﵊ إمَّا حياءً أو انتظارًا للوحي (فَقَامَ رَجُلٌ) من الأنصارِ لم يقفْ الحافظ ابن حجر على تسميتهِ. وفي حديث ابن مسعود عند الدَّارقطنيِّ: فقال رسول الله ﷺ : «من ينكِحُ هذه؟» فقام رجلٌ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْكِحْنِيهَا). وعند النَّسائيِّ من حديث أبي هريرة: جاءَت امرأةٌ إلى رسولِ الله ﷺ فعرضَتْ نفسها عليه، فقال لها: «اجلِسِي» فجلست ساعةً ثمَّ قامت، فقال: «اجلِسِي بارَكَ اللهُ فيكِ، أمَّا نحنُ فلا حاجةَ لنا فيكِ، ولكن تُملِّكينِي أمركِ؟» قالت: نعم، فنظرَ في وجوهِ القومِ فدعَا رجلًا فقال: «إنِّي أريدُ أن أزوِّجكِ هذا (١) إن

стр. 9553

رضيتِ» قالت: ما رضيتَ لي فقد رضيتُ. (قَالَ: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ) تصدقها؟ فيه: أنَّ النِّكاح لابدَّ فيه من الصَّداقِ، وقد اتُّفق على أنَّه لا يجوزُ لأحدٍ أن يطأَ فرجًا وُهب له دون الرَّقبةِ بغير صداقٍ، وفيه أيضًا: أنَّ الأولى ذكر الصَّداق في العقدِ لأنَّه أقطعُ للنِّزاعِ وأنفعُ للمرأةِ؛ لأنَّه (١) يثبتُ لها نصف المسمَّى إن طلِّقت قبل الدُّخول (قَالَ: لَا) زاد في رواية هشام بن سعدٍ: قال: «فلا بدَّ لها من شيءٍ» (قَالَ) ﵊: (اذْهَبْ فَاطْلُبْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ) قال عياض: «لو» تقليليةٌ، ووهم من زعمَ خلافَ ذلك. قال: والإجماعُ على أنَّ مثلَ الشَّيءِ الَّذي لا يتموَّلُ ولا له قيمةٌ لا يكونُ صداقًا، ولا يحلُّ به النِّكاحُ. قال في «الفتح»: فإن ثبتَ هذا فقدْ خرقَ هذا الإجماع ابنُ حزمٍ حيث قال: يجوزُ بكلِّ ما يُسمَّى شيئًا ولو كان حبةَ شعيرٍ، ويؤيِّد ما ذهبَ إليه الكافَّة قوله ﷺ : «ولو خَاتمًا من حديدٍ» لأنَّه أورده مورد التَّقليل (٢) بالنِّسبة لما فوقه، وفيه: أنَّه لا حدَّ لأقل المهر، وردَّ على من قال: إنَّ أقلَّه عشرةُ دراهم، ومن قال ربعَ دينارٍ لأنَّ خاتَم الحديدِ لا يساوِي ذلك، قاله ابنُ المنذر (٣). (فَذَهَبَ فَطَلَبَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ) زاد في رواية أبي غسان هنا: «فجلسَ الرَّجلُ حتَّى إذا طالَ مجلسهُ قامَ، فرآه النَّبيُّ ﷺ فدعاهُ أو دُعيَ له» [خ¦٥١٢١] (فَقَالَ) ﵊ له، ولأبي ذرٍّ: «قالَ»: (هَلْ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ؟) تحفظهُ عن ظهرِ قلبٍ (قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا) وفي حديث أبي هريرة أنَّه قال: «سورةُ البقرةِ، أو الَّتي تليها». كذا بـ «أو» في رواية أبي داود والنَّسائيِّ. وفي حديث ابن مسعود: «سورةُ البقرةِ، وسورةُ المفصَّل». (قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ). وفي حديث ابن عبَّاس عند أبي عُمر بن حَيَّويه (٤) في «فوائده» قال: «هل تقرأُ من القُرآنِ شَيئًا؟» قال: نعم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]. قال: «أصدقها إيَّاها» والظَّاهر أنَّ بعض الرُّواة حفظ ما لم يحفظْهُ (٥) الآخرُ أو القصَّةُ متعدِّدةٌ. وفي حديث ابنِ مسعودٍ: «قد أنكَحتُها على أن تُقْرِئها وتُعَلِّمها، وإذا رزقَكَ اللهُ عوَّضْتَها» فتزوَّجها الرَّجلُ على ذلك.

стр. 9554

وفيه: أنَّ كلَّ عملٍ يُستأجرُ عليه كتعليمِ قرآنٍ وخياطةٍ وخدمةٍ صداقٌ (١)، فإنْ أَصْدَقها تعليمَ سورٍ من القرآن، أو جزء منه بنفسهِ اشتُرطَ تعيينه، واشْتُرطَ علمُ الزَّوجِ والوليِّ بالمشروطِ تعليمُه بأن يَعْلَما (٢) عينَهُ وسهولتَهُ أو صعوبتَهُ، وإلَّا وكَّلا أو أحدهما مَن يعلمهُ، ولا يشترطُ تعيين الحرفِ الَّذي يعلِّمه لها (٣)، كقراءةِ نافعٍ أو أبي عمرٍو مثلًا، فيعلِّمها ما شاءَ، فإن عيَّنهُ كلٌّ منهما كحرف نافعٍ تعيَّن عملًا بالشَّرط، فلو خالف وعلَّمها حرف أبي عمرو فمتطوِّعٌ به، ويلزمهُ تعليم الحرف المُعَيَّن عملًا بالشَّرطِ، فلو لم يحسن الزَّوجُ التَّعليمَ لما شرطَ تعليمهُ لم يصح (٤) إصداقهُ إلَّا في الذِّمَّةِ لعجزهِ في الأوَّل دون الثَّاني، فيأمرُ فيه غيرَه بتعليمِها، أو يتعلَّم هو ثمَّ يعلِّمها، وإذا تعذَّر التَّعليم لبلادَةٍ نادرةٍ أو ماتَت أو ماتَ والشَّرط أن يعلِّمَ بنفسهِ وجبَ مهرُ المثلِ، فإن طلَّقها بعد أن علَّمها أو (٥) قبل الدُّخولِ رجعَ عليها بنصفِ الأجرةِ. وقال الحنفيَّة: الباء في قوله: «بما معكَ من القرآنِ» للسببيَّة، كما وهبَت نفسها منه ﷺ وهبت صداقَها لذلك الرَّجل. وقال ابن المنيِّر: لما تحقَّق ﷺ عجزَ الرَّجلُ سأله: «هل معكَ من القرآنِ من (٦) شيءٍ؟» لأنَّ القرآنَ هو الغنَى الأكبرُ، فلمَّا ثبتَ له حظٌّ منه ثبتَ له حظٌّ من النَّبيِّ ﷺ فزوَّجه، وليس في الحديث إسقاط الصَّداقِ، فلعلَّه زوَّجهُ إيَّاها بصداقٍ وجدت مظنَّتهُ وإن لم توجد حقيقتهُ، وإذا وجدَتْ مظنَّتهُ أَوْشَكَ أن يحصلَ بفضلِ الله، وإنَّما استفسرهُ عن جهدهِ نصحًا للمرأةِ فلمَّا أخبرهُ أنَّه يحفظُ شيئًا من القرآنِ علمَ أنَّ الله لا يضيِّعهما. قال: ولو فرضْنَا امرأةً فوَّضت أمرَها في التَّزويجِ (٧) لرجلٍ، فخَطبها منه من لا مالَ له ولكنَّه حاملٌ للقرآنِ، فزوَّجها منه ثقةً بوعد الله لحاملِ كتابه بالغِنى، واقتداءً بهذا الحديث لكان جديرًا بالصَّواب، ويجعلُ

стр. 9555

الصَّداق في ذمَّتهِ ويكونُ تفويضًا، ولا معنى للتَّفويضِ إلَّا ما وقعَ في الحديث. انتهى. (٥١) (بابُ المَهْرِ بِالعُرُوضِ) بضم العين والراء، جمع عَرْضٍ -بفتح ثمَّ (١) سكون- وهو ما يقابلُ النَّقدَ (وَخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ) من عطفِ الخاصِّ على العامِّ. ٥١٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابنُ موسى البلخيُّ المعروف بخَتٍّ، كما صرَّح به ابن السَّكن قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) هو ابنُ الجرَّاح (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمةَ بن دينار (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ) من الأنصارِ -قال له: يا رسول الله، زوِّجنِي تلكَ المرأةَ الواهبة نفسها-: (تَزَوَّجْ وَلَوْ بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ). وهذا الحديثُ ساقه مختصرًا من رواية الثَّوريِّ، وأخرجه ابن ماجه من روايتهِ أيضًا أتمَّ منه، وللإسماعيليِّ أتمَّ من ابن ماجه، والطَّبرانيُّ مقرونًا براوية معمر، وفيه: «فصمتَ». بدل قوله في روايةِ الباب السَّابق [خ¦٥١٤٩]: «فلم يجبها شيئًا». وفيه عند الطَّبرانيِّ: «فصمتَ (٢)، ثمَّ عرضَت نفسَها عليهِ، فصمتَ، فلقد رأيتُها قائمةً مليًّا تعرضُ نفسَها عليهِ، وهو صامتٌ، فقامَ رجلٌ أحسبهُ من الأنصارِ». وعند الإسماعيليِّ: «أعندَكَ شيءٌ؟» قال: لا، قال (٣) إنَّه لا يصلحُ. وفيه غير ذلك ممَّا يطولُ ذكره. (٥٢) (بابُ الشُّرُوطِ) الَّتي تحلُّ (فِي النِّكَاحِ، وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁: (مَقَاطِعُ الحُقُوقِ عِنْدَ

стр. 9556

الشُّرُوطِ) وصله سعيدُ بن منصورٍ عن عبد الرَّحمن بن غَنْمٍ، بلفظ: قال: كنتُ مع عمر حيثُ تمسُّ ركبتي ركبتَهُ، فجاءه رجلٌ فقال: يا أمير المؤمنينَ، تزوَّجت امرأةً وشرطتُ لها دارها، وإنِّي أجمعُ (١) لأمرِي أو لشأنِي أن أنتقلَ إلى أرضِ كذا وكذا، فقال: لها شرطُها، فقال الرَّجل: هلكَ الرِّجالُ إذًا، لا تشاءُ امرأةٌ أن تطلِّق زوجَها إلَّا طلَّقتْ، فقال عمر: المسلمونَ (٢) على شُرُوطهم عند مقاطِعِ حُقُوقهم. (وَقَالَ المِسْوَرُ) ولأبي ذرٍّ: «المسوَر (٣) بن مخرمةَ» ممَّا وصله في «المناقب» [خ¦٣٧٢٩]: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ) هو أبو العاصِ بن الرَّبيعِ (فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ فَأَحْسَنَ) الثَّناء (قَالَ: حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي) بتخفيف الدال، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وصدقني» «بالواو» بدل: «الفاء»، (وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فوفانِي» «بالنون» بدل: «اللام». ٥١٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ) الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) هو ابنُ سعد الإمامُ، ولأبي ذرٍّ: «اللَّيثُ» (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ) المصريِّ (عَنْ أَبِي الخَيْرِ) مرثد بن عبد الله اليزنيِّ (عَنْ عُقْبَةَ) بن عامرٍ الجهنيِّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: أَحَقُّ مَا أَوْفَيْتُمْ مِنَ الشُّرُوطِ) الَّتي أمر الله بها من المهرِ المشروطِ (٤) في مقابلةِ البضعِ (أَنْ تُوفُوا بِهِ) وخبر المبتدأ الَّذي هو «أحقُّ» (٥) قوله: (مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ) وقوله: «أن توفوا» بدلٌ من الشُّروطِ (٦)،

стр. 9557

وقيل: المراد جميعُ ما تستحقُّه المرأةُ بمقتضى الزَّوجيَّةِ من المهرِ والنَّفقةِ وحسنِ العشرةِ، فإن الزَّوجَ التزمها بالعقدِ، فكأنَّها شرطَت فيه، ثمَّ إنَّ الشَّرطَ إن لم يتعلَّق به غرضٌ، كشرطِ أن لا تأكلَ إلَّا كذا، أو تعلَّق به غرضٌ (١) لكنَّه يوافقُ مقتضى النِّكاحِ، كشرطِ أن ينفقَ عليها أو يقسم لها لم يؤثِّر في النِّكاحِ ولا في الصَّداقِ وإن لم يوافق مقتضى النِّكاح، فإن لم يخل بمقصودِ العقدِ كشرطِ أن لا ينفقَ أو لا يتزوَّجَ عليها، أو لا يسافر بها، أو لا يقسم لها، أو أن يسكنها مع ضرَّتها صحَّ النِّكاحُ لعدم الإخلالِ بمقصودهِ، ولأنَّه لا يتأثَّرُ بفسادِ العوضِ، فبفسادِ الشَّرط أولى، لكن لها مهر المثلِ لا المسمَّى لفسادِ الشَّرط؛ لأنَّه إن كان لها فلم ترضَ بالمسمَّى وحدهُ وإن كان عليها فلم يرضَ الزَّوج ببذلِ المسمَّى إلَّا عند سلامة ما شرطهُ، فإذا فسدَ الشَّرط وليس له قيمة يرجعُ إليها وجبَ الرُّجوعُ إلى مهرِ المثلِ، وإن أخلَّ به كشرطِ أن يطلِّقها ولو بعدَ الوطءِ، أو أنَّ له الخيار في النِّكاحِ. قال الحنَّاطيُّ: ولو شرطَ أنَّها لا ترثهُ، أو أنَّه لا يرثُها، أو أنَّهما لا يتوارثانِ، أو على أنَّ النَّفقةَ على غيرِ الزَّوج بطل للإخلال المذكورِ، وفي قول: يصحُّ ويبطل الشَّرط. قال البلقينيُّ وغيره: وهذا هو الأصحُّ، ووجهه أنَّ الشَّرط المذكور لا يخلُّ بمقصودِ العقد. ولو شرط الزَّوج أن لا يَطأها فلا يبطلُ. وقال أحمد: يجبُ الوفاءُ بالشَّرطِ مطلقًا. وأمَّا الشَّرط الَّذي يشترطهُ الوليُّ لنفسه فقال الشَّافعيُّ: إن وقعَ في نفسِ العقدِ وجب للمرأةِ مهرُ مثلها، وإن وقعَ خارجًا عنه لم يجبْ. وقال مالكٌ: إن وقعَ في حالِ العقدِ فهو من جملةِ المهرِ، أو خارجًا عنه فهو لمن وهبَ له. وفي حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أيُّما امرأةٍ نكحَتْ على صداقٍ، أو حباءٍ، أو عِدَةٍ قبل عصمةِ النِّكاحِ فهو لها، فما كانَ بعد عصمةِ النِّكاحِ فهو لمن أُعْطيه … » الحديثَ. (٥٣) (بابُ الشُّرُوطِ الَّتِي لَا تَحِلُّ فِي النِّكَاحِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) عبد الله: (لَا تَشْتَرِطِ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا). قال في «الفتح»: هذا اللَّفظ وقع في بعضِ طرق الحديثِ المرفوعِ عن أبي هريرة.

стр. 9558

٥١٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بضم العين، ابن باذامَ العبسيُّ الكوفيُّ قال: (عَنْ زَكَرِيَّاءَ -هو: ابنُ أَبِي زَائِدَةَ-) خالدٌ أبو هبيرةَ (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن ِبن عوف (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمنِ بن عوف (١) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تَسْأَلُ طَلَاقَ أُخْتِهَا) في النَّسب، أو الرَّضاعِ، أو في (٢) الدِّينِ، أو في البشريَّةِ لتدخل الكافرة، أو المرادُ الضَّرَّةُ، ولفظ: «لا يحلُّ» ظاهرٌ في التَّحريمِ، لكن حُملَ على ما إذا لم يكن هناكَ سببٌ مجوِّز كرِيبةٍ في المرأةِ لا يسوَّغُ معها الاستمرار في العصمةِ، وقصدتِ النَّصيحةَ المحضَّةَ إلى غير ذلك من المقاصدِ الصَّحيحةِ، وحملُه على النَّدبِ مع التَّصريحِ بالتَّحريم بعيدٌ. وفي «مستخرج أبي نُعيم»: «لا يصلحُ لامرأةٍ أن تشترطَ طلاقَ أُختِها» وبلفظ الاشتراطِ تحصل المطابقةُ بين الحديث والتَّرجمة، وظاهرُ هذه الرِّواية التي فيها لفظ الشَّرط أنَّ المرادَ الأجنبيَّة، فتكون الأخوَّةُ في الدِّين، ويؤيدُه ما في حديثِ أبي هُريرة عند ابن حبَّان: «لا تَسألُ المرأةُ طلاقَ أُختِها، فإنَّ المسلمةَ أختُ المسلمة» (لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا (٣)) أي: تجعَلها فارغةً لتفوزَ بحظِّها من النَّفقةِ والمعروفِ والمعاشرةِ، وهذه استعارةٌ مستملحةٌ تمثيليَّةٌ، شبَّه النَّصيب والبخت بالصَّحفةِ، وحظوظَها وتمتُّعَها بما يوضعُ في الصَّحفةِ من الأطعمةِ اللَّذيذةِ، وشبَّه الافتراقَ المسبَّب عن الطَّلاق باستفراغِ الصَّحفةِ عن تلكَ الأطعمةِ، ثمَّ أدخلَ المشبَّه في جنسِ المشبَّه به، واستعمل في المشبَّه ما كان مستعملًا في المشبَّه به من الألفاظِ. قاله في «شرح المشكاة» فيما قرأتهُ فيه. وفي حديث أبي هُريرة عند البيهقيِّ: «لا تَسألُ المرأةُ طلاقَ أُختِها لتستفرِغَ إنَاء أُختِها، ولتَنكِحْ» -أي: ولتتزوَّج (٤) الزَّوجَ المذكورَ- من غير أن تشترطَ طلاقَ الَّتي قبلها (فَإِنَّمَا لَهَا) أي للمرأةِ التي تسألُ طلاقَ أختِها (مَا قُدِّرَ لَهَا) في الأزلِ، وقد اختُلف في حكم ذلك؛ فقال الحنابلةُ: إن شرطَ لها طلاق ضرَّتها صحَّ، وقيل: لا، وهو الأظهرُ،

стр. 9559

واختاره جماعةٌ، وكذا حكم بيع أمته، وعلى القولِ بالصِّحَّة فإن لم يفِ (١) فلها الفسخُ. وقال الشَّافعيُّ: يصحُّ ولها مهرُ المثلِ، وفى لها أو لم يفِ. والحديث يأتي في «القدر» [خ¦٦٦٠٠] إن شاء الله تعالى بعون الله وقوته، والله أعلم (٢). (٥٤) (بابُ) حكمِ (الصُّفْرَةِ لِلْمُتَزَوِّجِ. ورَوَاهُ) ولأبي ذرٍّ: «رواه» (٣) (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فيما وصله أول البيوع [خ¦٢٠٤٨]. ٥١٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ) من خَلُوقٍ؛ وهو طيبٌ من زعفران وغيره تعلَّقَ به من زوجتهِ، فهو غير مقصودٍ، وإلَّا فالتَّزعفر منهيٌّ عنه عند الشَّافعيَّة والحنفية. وقال المالكيَّةُ: يجوزُ في الثَّوب دونَ البدنِ. ونقله إمامهم ﵀ عن علماء المدينة، وفيه حديثُ أبي موسى مرفوعًا: «لا يقبلُ اللهُ صلاةَ رجلٍ في جسدِه شيءٌ من خَلُوقٍ» (فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) عن ذلك (فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ) هي بنتُ أبي (٤) الحَيْسَر، بفتح المهملتين بينهما تحتية ساكنة وآخره راء، واسمه أنس بن رافعٍ الأنصاريُّ كما جزم به الزُّبير بن بكَّار (قَالَ) ﵊ له: (كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا) مهرًا؟ (قَالَ) عبد الرَّحمن: سقتُ إليها (زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ) صفة لـ «نواةٍ». قال ابنُ دقيق العيد: في معنى ذلك قولان: أحدهما: أنَّ المرادَ نواةٌ مِن نوى التَّمر، وهو قولٌ مرجوحٌ. والثَّاني: أنَّه عبارةٌ عن قدرٍ معلومٍ عندهم؛ وهو

стр. 9560

وزن (١) خمسةِ دراهم. قال: ثمَّ في المعنى وجهان: أحدهما: أن يكون المُصْدَقُ ذهبًا وزنُه خمسةُ دراهم، والثَّاني: أن يكون المُصْدقُ دراهمَ بوزن نواةٍ من ذهب. قال: وعلى الأوَّل يتعلَّقُ قوله: «من ذهبٍ» بلفظ: «زِنَة» وعلى الثَّاني يتعلَّق بـ «نواةٍ». قال ابن فَرْحون: أمَّا تعلُّقه بـ «زنةٍ» (٢) فلأنَّه مصدر وزن، وأمَّا تعلُّقهُ بـ «نواةٍ» فيصحُّ أن يكون من باب تعلُّق الصِّفة بالموصوف، أي: نواة كائنة من ذهبٍ، ويكون المراد إمَّا عدلها دراهم، أو تكون هي الموزونَ بها. (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) له: (أَوْلِمْ) أمرٌ للاستحبابِ من أَوْلَمَ، واللَّفظةُ مشتقَّةٌ من الوَلْمِ وهو الجمعُ لأنَّ الزَّوجين يجتمعانِ (وَلَوْ بِشَاةٍ) ليست «لو» هذه الامتناعيَّة، وإنَّما هي للتَّقليلِ (٣) أي: أن (٤) أقلَّها للموسرِ شاةٌ، ولغيرِه ما قدرَ عليه، فقد أَولم ﷺ على بعضِ نسائهِ بمدَّينَ من شعيرٍ، وعلى صفيَّةَ بتمرٍ وسمنٍ وأقطٍ، والحديث مرَّ مرارًا [خ¦٢٠٤٨] [خ¦٣٧٨١]. وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ في «النِّكاح». (٥٥) هذا (بابٌ) بالتنوين بغير ترجمة، وسقط لفظ «باب» للنَّسفيِّ. ٥١٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدِ بن مسربلٍ الأسديُّ، أبو الحسن البصريُّ الحافظُ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ) أنَّه (قَالَ: أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِزَيْنَبَ) بنت جحشٍ (فَأَوْسَعَ) على (المُسْلِمِينَ خَيْرًا) بتحتية ساكنة بعد المعجمة المفتوحة،
следующие страницы →