← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 9661–9700 · переход к 9666.

стр. 9661

قَالَ: السُّنَّةُ) أي: أنَّه مرفوعٌ بطريق اجتهادهِ، ولمسلمٍ وأبي داود في آخر الحديث قال خالدٌ: لو (١) شئتُ أن أقولَ رفعه لصدقْتُ، ولكنَّه قال: «السُّنَّةُ»، فبيَّن أنَّه قول خالدٍ لا شيخه (٢) أبي قلابة (إِذَا تَزَوَّجَ البِكْرَ) على الثَّيِّب (أَقَامَ عِنْدَهَا) وجوبًا (سَبْعًا) من اللَّيالي، وتدخُّل الأيَّام (وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ) على البكرِ (أَقَامَ عِنْدَهَا) وجوبًا (ثَلَاثًا) من اللَّيالي كذلك، والمعنى فيه: زوالُ الحشمةِ بينهما والائتلافُ، وزيد للبكرِ لأن حياءَها أكثر. وهذا الحديث أخرجه مسلم والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «النِّكاح». (١٠١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا تَزَوَّجَ) الرَّجل (الثَّيِّبَ عَلَى البِكْرِ). ٥٢١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ ابْنُ رَاشِدٍ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه موسى القطَّان الكوفيُّ، سكن بغداد، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامةَ (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيانيُّ (وَخَالِدٌ) الحذَّاء؛ كلاهما (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله بنِ زيدٍ الجرميِّ، والظَّاهر -كما قال الحافظُ ابن حجرٍ- أنَّ اللَّفظ لخالد (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ) النَّبويَّة (إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ البِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ) وجوبًا (عِنْدَهَا سَبْعًا) من اللَّيالي بأيَّامها متوالياتٍ، فلو فرَّقها لم تحسبْ وقضَاها لها متوالياتٍ، وقضى بعد ذلك للأخريات ما فرَّق (وَقَسَمَ) بالواو بعد ذلك لهما (وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلَى البِكْرِ أَقَامَ) وجوبًا (عِنْدَهَا ثَلَاثًا) من اللَّيالي بأيَّامها متوالياتٍ، وخُصَّت البكرُ بالسَّبع لما فيها من الحياء والخدرِ، فتحتاج إلى أفضلِ إمهالٍ وصبرٍ وتأنٍّ ورِفقٍ، والثَّيِّبُ قد جربت الرَّجل، إلَّا أنَّها من حيث استجدَّت الصُّحبةُ أُكرِمت بزيادة الوصلةِ

стр. 9662

وهي الثَّلاث (ثُمَّ قَسَمَ) بعد ذلك، ولا يحسب السَّبع ولا الثَّلاث عليهما، بل يستأنفُ القسمة. وعند الإسماعيليِّ وأبي نُعيمٍ بلفظ: «ثمَّ» في الموضعينِ، ولا يتخلَّفُ بسبب حقِّ الزِّفافِ عن الخروج للجماعاتِ ولسائر أعمال البرِّ -كعيادةِ مريضٍ- مدَّة الثَّلاث أو السَّبعِ، إلَّا ليلًا فله التَّخلُّفُ وجوبًا، تقديمًا للواجب على المندوبِ، لكن قال الأذرعيُّ: إنَّ نصوصَ الشَّافعيِّ أنَّ اللَّيلَ كالنَّهارِ في استحباب الخروج لذلك. (قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: وَلَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ إِنَّ أَنَسًا رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) أي: ولكنَّه تحرَّز عن التَّلفُّظِ به تورُّعًا. (وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ) ممَّا وصله مسلم: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانيِّ (وَخَالِدٍ) الحذَّاء؛ يعني بهذا الإسناد والمتن (قَالَ خَالِدٌ) الحذَّاءُ: (وَلَوْ شِئْتُ قُلْتُ: رَفَعَهُ) أي: الحديث (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) وقد أخرجه (١) الإسماعيليُّ من طريق أيُّوب من رواية عبد الوهَّاب الثَّقفيِّ عنه (٢) عن أبي قلابةَ، عن أنسٍ قال: قال رسول الله ﷺ … فصرَّح برفعه. (١٠٢) (بابُ مَنْ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ) جامعهنَّ (فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ). ٥٢١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ) أي: ابنُ نصرٍ البصريُّ، سكن بغداد، قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضم الزاي وفتح الراء مصغَّرًا، قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) أي: ابنُ أبي عروبةَ (عَنْ قَتَادَةَ) بنِ دعامةَ (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (حَدَّثَهُمْ: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ) يجامعهنَّ (فِي اللَّيْلَةِ الوَاحِدَةِ) بغسلٍ واحدٍ (وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ) وسُرِّيَّتان مارية وريحانَة لأنَّه كان أعطي قوَّةَ ثلاثين، كما في آخر هذا الحديث في: «باب إذا جامعَ ثمَّ عاد»، و «من دار على نسائهِ في غُسلٍ واحدٍ» مِنْ «كتاب الغسل» [خ¦٢٦٨] بل عند الإسماعيليِّ: «قوَّةَ أربعين». وزاد

стр. 9663

أبو نُعيمٍ عن مجاهدٍ: «كلُّ رجلٍ منهم (١) من أهل الجنَّة». وصحَّح التِّرمذيُّ حديث أنس مرفوعًا: «يعطَى المؤمنُ في الجنَّةِ قوَّة كذا وكذا» قيل: يا رسول الله، أو يطيقُ ذلك؟ قال: «يعطى قوَّةَ مئةٍ». وحينئذٍ فالحاصل من ضربها في مئة أربعةُ آلافٍ، وقد كانت العربُ تتباهَى بقوَّة النِّكاحِ، كما كانوا يمدحونَ قلَّة الطَّعامِ، والاجتزاء بالعلقةِ، فاختار الله تعالى لنبيِّه ﷺ الأمرين، فكان يطوي الأيَّام لا (٢) يأكل حتَّى يشدَّ الحجرَ على بطنهِ، ومع ذلك يطوفُ على نسائه في السَّاعة الواحدةِ، واحتجَّ به من قال: إنَّ القسم ما كان واجبًا عليه، وهو وجهٌ لأصحابنا الشَّافعيَّةِ أو أنَّ ذلك كان (٣) باستطَابتهنَّ، أو غير ذلك من الأجوبة السَّابقة في الغسل. فإن قلت: ليس في الحديث مطابقةٌ للتَّرجمة (٤). فالجواب: أنَّه أشارَ إلى ما روي في بعض طرقه: «أنَّه ﷺ كان يطوف على نسائهِ في غسلٍ واحدٍ». رواه التِّرمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ. (١٠٣) (بابُ) حكمِ (دُخُولِ الرَّجُلِ عَلَى نِسَائِهِ فِي اليَوْمِ) ليعلم أنَّ عماد القسم اللَّيل لأنَّه وقت السُّكون، والنَّهار تابعٌ له، إلَّا نحو الحارسِ والخفير فإنَّ نهارهُ ليله، فهو عمادُ قسمه لأنَّه وقت سكونهِ، فلو (٥) دخل مَن عِماد قسْمه اللَّيل على إحدى زوجاتهِ في ليلة غيرها ولو لحاجةٍ حرُمَ إلَّا لضرورة، كمرضها المخوِّفِ، ويقضي إن طال الزَّمنُ، وأمَّا النَّهارُ فلا يجوز دخوله فيه على الأخرى إلَّا لحاجةٍ، كعيادةٍ ووضع متاعٍ وتسليم نفقةٍ، ولو استمتعَ عند دخوله لحاجةٍ بغير الجماع جاز، ولا يخصُّ واحدةً بالدُّخول، فلو دخل عليها بلا حاجةٍ قضى لتعدِّيه.

стр. 9664

٥٢١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ «حَدَّثني» بالإفراد (فَرْوَةُ) بالفاء المفتوحة والراء الساكنة والواو المفتوحة، ابنُ أبي المَغراء الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عَلِيُّ ابْنُ مُسْهِرٍ) بضم الميم وسكون المهملة وكسر الهاء (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبيرِ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ العَصْرِ) أي: فرغ من صلاة العصرِ (دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ، فَيَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ) زاد ابن أبي الزِّنادِ (١) عن هشام بن عروة: «بغيرِ وقاعٍ» (فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ) بنت عمر ﵄ (فَاحْتَبَسَ) عندها (أَكْثَرَ مَا) ولأبي ذرٍّ: «أكثرَ ممَّا» (كَانَ يَحْتَبِسُ … ) الحديث. وتمامه يأتي -إن شاء الله تعالى- بمباحثهِ في: «باب ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾» [التحريم: ١] من «كتاب (٢) الطَّلاق» [خ¦٥٢٦٨] وعند الإمام أحمد عن عائشةَ: «كان النَّبيُّ ﷺ يطوف علينا جميعًا، فيدنُو من كلِّ امرأةٍ (٣) من غيرِ مسيسٍ، حتَّى يبلغَ إلى الَّتي في نوبتها فيبيتُ عندها» وصحَّحه الحاكم. (١٠٤) هذا (بابٌ) بالتنوين: (إِذَا اسْتَأْذَنَ الرَّجُلُ نِسَاءَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِ بَعْضِهِنَّ فَأَذِنَّ لَهُ) وأسقطن حقَّهنَّ، فكأنَّهنَّ وهبن أيامهنَّ لتلك. ٥٢١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبيرِ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ النَّبيَّ» (¬ ﷺ كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟) مرَّتين،

стр. 9665

استفهامُ استئذانٍ منهنَّ أن يكون عند عائشة، على القول بوجوبِ القسم عليه، أو لتطييبِ قلوبهنَّ ومراعاةً لخواطرهنَّ (يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ) بتخفيف النون، وفي نسخة: «فأذنَّ» (لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ) من بيوت أزواجهِ (فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَاتَ فِي اليَوْمِ الَّذِي كَانَ يَدُورُ عَلَيَّ فِيهِ فِي بَيْتِي، فَقَبَضَهُ اللهُ، وَإِنَّ رَأْسَهُ لَبَيْنَ نَحْرِي) بفتح النون، موضع القلادةِ (وَسَحْرِي) بفتح السين المهملة، الرِّئة، أي: أنَّه مات وهو مستندٌ إلى صدرِها وما يحاذي سحرَها منه، وقيل: السَّحر ما لصقَ بالحلقومِ من أعلى البطنِ، وحكى القُتيبيُّ عن بعضهم: أنَّه بالشين المعجمة والجيم، وأنُّه سُئِل عن ذلك فشبَّك بين أصابعه وقدَّمها عن صدره، كأنَّه يضمُّ شيئًا إليه، أي: أنَّه ماتَ وقد ضمَّتهُ بيديْها إلى نحرها (١) وصدرِها، والشَّجر: التَّشبيكُ، وهو الذَّقن أيضًا، قال ابن الأثير: والمحفوظ الأول (وَخَالَطَ رِيقُهُ رِيقِي) لأنَّها أخذت سواكًا وسوَّتهُ بأسنانها وأعطتْهُ له ﵊ فاستاكَ به، كما في آخر الحديث في: «باب الوفاة النَّبويَّة» [خ¦٤٤٥١]. (١٠٥) (بابُ) جوازِ (حُبِّ الرَّجُلِ بَعْضَ نِسَائِهِ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ) فلا يؤاخذُ بميل قلبه إلى بعضهنَّ، ولا بعدم التَّسوية في الجماع لأنَّ ذلك يتعلَّقُ بالنَّشاطِ والشَّهوةِ، وهو لا يملك ذلك. ٥٢١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) العامريُّ الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ (عَنْ يَحْيَى) بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ) بضم العين والحاء المهملتين فيهما مصغَّرين، مولى زيد بن الخطَّاب أنَّه (سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ) يحدِّث (عَنْ عُمَرَ ﵃¬) أنَّه: (دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ) ابنته، لمَّا قال له جارُه الأنصاريُّ: إنَّ رسول الله ﷺ طلَّق نساءه (فَقَالَ) لها: (يَا بُنَيَّةِ) بكسر التاء في الفرع كأصله (لَا يَغُرَّنَّكِ) بتشديد الراء والنون (٢) (هَذِهِ الَّتِي أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا حُبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِيَّاهَا -يُرِيدُ عَائِشَةَ-) ولمسلمٍ من رواية سليمان بن بلالٍ: وحبُّ. بواو

стр. 9666

العطف، وللطَّيالسيِّ: لا تغترِّي بحسن عائشةَ وحبِّ رسول الله ﷺ إيَّاها. وحينئذٍ فـ «حبُّ» هنا رفعُ عطفٍ على سابقه، وحذف حرف العطف، لكن قال السُّهيليُّ بعد أن حكى ذلك عن بعضهم: وليس كما قال، بل هو مرفوعٌ على البدل من الفاعل الَّذي في أوَّلِ الكلامِ؛ وهو: هذه، من قول عمر: لا يغرَّنَّكِ هذه. فهذه فاعلٌ، والَّتي: نعت، وحبُّ: بدل اشتمال، كما تقول: أعجبني يوم الجمعة صومٌ فيه، وسرَّني زيدٌ حبُّ النَّاس له. انتهى. قال الكِرمانيُّ: حبُّ بدون الواو إمَّا بدل أو عطف بتقدير حرف العطف، عند من جوَّز تقديره. قال العينيُّ: هذا بدل الغلطِ، ولا يقع هذا في القرآن ولا في الحديث الصَّحيح الفصيح، والصَّواب أنَّ «حب» رفع فاعل «أعجب»، وحسنها: منصوبٌ على التَّعليل، والتَّقدير أعجبها حبُّ رسول الله لأجل حسنها (١). قال الحافظُ ابن حجرٍ: وثبوت الواو يرد على ردِّه، وقال عياضٌ: يجوز في «حُبّ» الرَّفع على أنَّه عطف بيانٍ أو بدل اشتمالٍ، أو على حذف حرف العطف. قال: وضبطه بعضُهم بالنَّصب على نزعِ الخافض، وقال السَّفاقِسيُّ: «حبُّ» فاعل، و «حسنها» نصب مفعولٍ من أجله، والتَّقدير: أعجبها حبُّ رسول الله إيَّاها من أجل حُسنِها. قال: والضَّمير الَّذي يلي أعجبها منصوب، فلا يصحُّ إبدال (٢) الحُسن منه ولا الحبِّ. قال عمر: (فَقَصَصْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) القصَّة (فَتَبَسَّمَ … ) الحديثَ. وسبق بتمامه في «باب موعظة الرَّجل ابنته» [خ¦٥١٩١]. (١٠٦) (بابُ) ذمِّ (المُتَشَبِّعِ بِمَا لَمْ يَنَلْ) يتكثَّر بذلك ويتزيَّنُ بالباطلِ (ومَا يُنْهَى) بضم الياء وفتح الهاء (مِنِ افْتِخَارِ الضَّرَّةِ) بادِّعائها الحظوةَ عند زوجِها أكثر ممَّا لها عندهُ؛ تريد بذلك غيظَها.

стр. 9667

٥٢١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابنُ درهمٍ (عَنْ هِشَامٍ) هو: ابنُ عروةَ (عَنْ فَاطِمَةَ) بنت المنذر بن الزُّبيرِ (عَنْ أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر الصِّديق ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). قال المؤلِّف: (وحَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العنزيُّ الحافظُ، وسقط «واو» وحَدَّثني لغير أبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيد القطَّان (عَنْ هِشَامٍ) هو ابنُ عروة بن الزُّبيرِ قال: (حَدَّثَتْنِي) بالتاء والإفراد (فَاطِمَةُ) بنت المنذر (عَنْ أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر (أَنَّ امْرَأَةً) هي أسماء نفسها (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي ضَرَّةً) هي أمُّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيطٍ (فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ) إثمٌ (إِنْ تَشَبَّعْتُ مِنْ زَوْجِي) الزُّبير بن العوَّام كذا سمَّى المرأة وضرَّتها في «المقدِّمة» لكنَّه قال في «الفتح»: لم أقفْ على تعيين هذه المرأة ولا على تعيين زوجها (غَيْرَ الَّذِي يُعْطِينِي؟) ولمسلمٍ من حديث عائشة: أنَّ امرأةً قالت: يا رسول الله أقول: إنَّ زوجي أَعطاني ما لم يُعطني (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) وسقط قوله: «رسول (١) الله … » إلى آخره لأبي ذرٍّ (٢)، (المُتَشَبِّعُ) المتكثِّرُ (بِمَا لَمْ يُعْطَ) يتجمَّل بذلك، كالَّذي يري أنَّه شبعانُ وليس كذلك (كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ) قال السَّفاقِسيُّ: هو (٣) أن يلبسَ ثوبي وديعة أو عارية يظنُّ النَّاس أنَّهما له، ولباسهما لا يدومُ، فيُفتضح بكذبه، وأراد بذلك تنفير المرأة عمَّا ذكرت (٤) خوفًا من الفساد بين زوجها وضَرَّتها، فتورث بينهما البغضاء. وقال الخطَّابيُّ: هذا يتأوَّل على وجهين: أحدهما: أنَّ الثَّوب مثل المتشبِّعِ بما لم يعط

стр. 9668

كصاحب زورٍ وكذبٍ، كما يقال للرَّجُل إذا وصف بالبراءةِ عن العيوب: إنَّه طاهر الثَّوب، والمراد طهارة نفسه. والثَّاني: أن يراد به نفس الثَّوب. قالوا: كان في الحيِّ رجلٌ له هيئةٌ حسنةٌ، إذا احتاجوا إلى شهادة الزُّور شهد لهم، فيقبل لهيئته وحسن ثوبيهِ، وقيل: هو أن يلبس قميصًا يصل بكمِّه كمًّا آخر يرى أنَّه لابس قميصين، أو هو المرائِي يلبس ثياب الزُّهَّاد ليظنَّ أنَّه زاهدٌ وليس به. وفي «الفائق» للزَّمخشريِّ: المتشبِّع المتشبِّه بالشَّبعان وليس به، واستعير للمتحلِّي بفضيلة لم يرزقها، وشُبِّه بلابس ثوبي زورٍ، أي: ذي زور، وهو الَّذي يزور على النَّاس بأن يتزيَّا بزيِّ أهل الصَّلاح رياء، وأضاف الثَّوبين إليه لأنَّهما كانا ملبوسين لأجله، وهو المسوِّغ للإضافة، وأراد بالتَّثنية (١) أنَّ المتحلِّي بما ليس فيه كمن لبس ثوبي الزُّور، ارتدى بأحدهما واتَّزر بالآخر. وقال الكِرمانيُّ: معناه: المظهر للشِّبع وهو جائعٌ كالمزور الكاذبِ المتلبِّس بالباطل، وشبَّه الشِّبع بلبس الثَّوب بجامع أنَّهما يغشيان الشَّخص، تشبيهًا حقيقيًّا أو تخييليًّا، كما قرَّره السَّكَّاكيُّ في قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢]. فإن قلت: ما فائدة التَّثنيةِ؟ قلت: المبالغة إشعارًا بالاتِّزارِ (٢) والارتداءِ، يعني: هو زورٌ من رأسهِ إلى قدمه، أو الإعلامُ بأن في المتشبِّع (٣) حالتين مكروهتين، فقدانَُ ما تشبَّع به، وإظهارَُ الباطل. (١٠٧) (بابُ الغَيْرَةِ) بفتح الغين المعجمة وسكون التحتية، مشتقَّةٌ من تغيُّر القلب وهيجانِ الغضب بسبب المشاركة فيما به الاختصاص، وأشدُّ ذلك ما يكون بين الزَّوجين.

стр. 9669

(وَقَالَ وَرَّادٌ) بفتح الواو والراء المشددة وبعد الألف دال مهملة، مولى المغيرة وكاتبه، فيما وصله المؤلِّف مطوَّلًا في «الحدود» [خ¦٦٨٤٦] (عَنِ المُغِيرَةِ) بن شعبة أنَّهُ قال: (قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) الخزرجيُّ السَّاعديُّ: (لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفِحٍ) بضم الميم وسكون الصاد المهملة وفتح الفاء وكسرها، أي: غير ضاربٍ بعرضه، بل بحدِّه للقتلِ والإهلاكِ، لا بعرضه للزَّجر والإرهاب. قال القاضي عِياض: فمن فتح جعله وصفًا للسَّيف وحالًا منه، ومن كسر جعله وصفًا للضَّارب وحالًا منه، وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند أحمد -واللَّفظ له- وأبي داود والحاكم: لمَّا نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الاية [النور: ٤] قال سعد بن عبادةَ: هكذا أنزلت، فلو وجدتُ لَكاعِ يفتَخِذُها رجلٌ لم يكن لي أن أحرِّكه ولا أهيِّجه حتى آتي بأربعةِ شهداء، فوالله لا آتي بأربعةِ شهداء حتَّى يقضي حاجته، فقال رسول الله ﷺ : «يا معشر الأنصارِ، ألا تسمعونَ ما يقول سيِّدُكم؟» قالوا: يا رسول الله، لا تلمهُ فإنَّه رجلٌ غيورٌ، والله ما تزوَّج امرأةً قطُّ إلَّا عذراء، ولا طلَّق امرأة قطُّ فاجترأ رجلٌ منَّا أن يتزوَّجها من شدَّةِ غيرته، فقال سعدٌ: والله إنِّي لأعلم -يا رسول الله- إنَّه لحقٌّ، وإنَّها من عند الله، ولكنِّي عجبت (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ) بهمزة الاستفهام الاستخباري أو الإنكاري، أي: لا تعجبوا من غيرةِ سعدٍ (لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ) بلام التَّأكيد (وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي) وغيرته تعالى تحريمه الفواحشَ والزَّجرَ عنها والمنع منها لأنَّ الغيورَ هو الَّذي يزجرُ عمَّا يغارُ عليه. ٥٢٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) هو حفصُ بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ شَقِيْقٍ) أبي (١) وائل بن سلمةَ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرَُ مِنَ اللهِ) «ما» يجوز أن تكون حجازيَّة، فـ «أغير» منصوب على الخبر، وأن تكون تميميَّة، فأغيرُ مرفوع، و «مِن» زائدة على اللُّغتينِ للتَّأكيد،

стр. 9670

ويجوز إذا فتحت الراء من «أغيرَ» أن تكونَ في موضعِ خفضٍ على الصِّفة لأحدٍ على (١) اللَّفظ، وإذا رفعتَ أن تكون صفةً له على الموضعِ، وعليهما فالخبرُ محذوفٌ تقديره: موجودٌ، وقد أوَّلوا الغيرة من الله بالزَّجر والتَّحريمِ كما مرَّ؛ ولذا قال: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ) أي: من أجلِ أنَّ الله أغيرُ من كلِّ أحدٍ (حَرَّمَ الفَوَاحِشَ) كلُّ ما اشتدَّ قبحه من المعاصي. وقال ابنُ العربيِّ: التَّغيُّر مُحالٌ على الله تعالى بالدَّلالة القطعيَّةِ، فيجب تأويله كالوعيد (٢) وإيقاع العقوبةِ بالفاعل، ونحو ذلك. انتهى. (وَمَا أَحَدٌ أَحَبَُّ إِلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللهِ) برفع «أحدٌ» اسم «ما»، و «أحبَّ» بالنصب خبرها على الحجازيَّةِ، وبرفع «أحبّ» خبر لـ «أحدٍ» على التَّميميَّةِ، ومصلحة المدح عائدةٌ على المادحِ لما يناله من الثَّواب، والله غنيٌّ عن ذلك. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٠٣]، ومسلم في «التَّوبة»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير». ٥٢٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة ابن الزُّبيرِ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، مَا أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللهِ) بنصب «أغير» خبر «ما» الحجازيَّة (أَنْ يَرَى عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ تَزْنِي (٣)) بالتَّذكير للعبدِ، وبالتَّأنيث (٤) خبرًا للأَمَة، وهكذا مكتوبٌ في الفرع مصلَّح على كشطٍ، وهو موافقٌ لـ «اليونينيَّة» ولأصول معتمدةٍ، وفي (٥) غير ذلك من الأصول: «ما أحدٌ أغيرُ من اللهِ أن يزنيَ عبدُهُ أو أمتُهُ تَزني» وفي أخرى (٦): «أو

стр. 9671

تزنِيَ أمتُه» بالتَّقديم والتَّأخيرِ في هذه الأخيرة. وقال في «فتح الباري»: قوله: «يا أمَّة محمد، ما أحدٌ أغيرَُ من الله أن يزنيَ عبدُهُ أو أمته تزني (١)» كذا وقع عنده هنا عن عبد الله بن مَسلمة عن مالك، ووقع في سائر الرِّوايات عن مالك: «أو تزنِي أمتُهُ» على وزان (٢) الَّذي قبله، فيظهر أنَّه من سبق القلم هنا، أو لعلَّ لفظ «تزني» سقطت غلطًا من الأصل، ثمَّ أُلحقت فأخَّرها النَّاسخ عن محلِّها (يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ) من شؤم الزِّنا ووبالِ المعصيةِ، أو من أهوال القيامة (لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا) والقلَّة هنا بمعنى العدم، كقوله: قليل التَّشكِّي، أي: عديمهُ. وهذا الحديث سبق بأتم من هذا في «الكسوف» [خ¦١٠٤٤]. ٥٢٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابنُ يحيى بن دينار (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ: (أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ) بن العوَّامِ (حَدَّثَهُ عَنْ أُمِّهِ أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر الصِّدِّيق: (أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «سمعت (٣) النَّبيَّ» (¬ ﷺ يَقُولُ: لَا شَيْءَ أَغْيَرَُ مِنَ اللهِ) بنصبِ «أغيرَ» نعتًا لشيء المنصوب، ورفعِها على النَّعت لـ «شيءٍ» على الموضع قبل دخول «لا». ٥٢٢٣ - (وَعَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ، عطف على السَّند السَّابق، أي: وحَدَّثنا موسى: حَدَّثنا همام، عن يحيى: (أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ أبا سلمة حَدَّثه: أنَّه سمعَ أبا هريرة، عن النَّبيِّ» (¬ ﷺ ¬) ولم يسق المؤلِّف المتن من رواية همَّام، بل تحوَّل إلى رواية شيبان فساقهُ على روايتهِ، والَّذي يظهر -كما في «الفتح» - أنَّ

стр. 9672

لفظهما واحدٌ. فقال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن النَّحويُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثير (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن: (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللهَ) تعالى (يَغَارُ) بفتح التحتية والغين المعجمة (وَغَيْرَةُ اللهِ أَنْ يَأْتِيَ المُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللهُ) عليه، هذا الَّذي في الفرع كأصله. وقال الحافظ ابن حجرٍ: وفي رواية أبي ذرٍّ: «وغيرةُ اللهِ أن لا يأتي» بزيادة لا. قال: وكذا رأيتُها ثابتةً في رواية النَّسفيِّ، وأفرط الصَّغانيُّ فقال: كذا للجميع، والصَّواب حذف «لا». كذا (١) قال، وما أدري ما أراد بالجميع، بل أكثر رواة البخاريِّ على حذفها وفاقًا لمن رواه غير البخاريِّ كمسلم والتِّرمذيِّ وغيرهما، وقد وجَّهها الكِرمانيُّ وغيره بما حاصله: أنَّ غيرةَ الله ليست هي الإتيان ولا عدمهُ، فلا بدَّ من تقدير نحو: لئلَّا يأتي، أي: غيرةُ الله عن (٢) النَّهي عن الإتيانِ. وقال الطِّيبيُّ: التَّقدير: غيرةُ الله ثابتةٌ لأجل أن لا يأتي. قال الكِرمانيُّ: وعلى تقدير أن لا يستقيمُ المعنى بإثبات لا، فذلك دليلٌ على زيادتها، وقد عُهِدَتْ زيادتها في الكلامِ كثيرًا نحو قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ﴾ [الحديد: ٢٩]. انتهى. ٥٢٢٤ - وبه قال (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مَحْمُودٌ) هو ابنُ غيلانَ، بالغين المعجمة

стр. 9673

المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامةَ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبيرِ (عَنْ) أمِّه (أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄¬) أنَّها (قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ) بن العوَّام بمكَّة (وَمَا لَهُ فِي الأَرْضِ مِنْ مَالٍ) إبل أو أرض للزِّراعة (وَلَا مَمْلُوكٍ) عبدٍ ولا (١) أمةٍ (وَلَا شَيْءٍ) من عطف العام على الخاصِّ (غَيْرَ نَاضِحٍ) بعير يستقي عليه (وَغَيْرَ فَرَسِهِ) أي: وغير ما لا بدَّ له منه من مسكنٍ ونحوهما (فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ) زاد مسلم: «وأكفيهِ مؤونتهُ، وأسوسهُ، وأدقُّ النَّوى لناضحهِ، وأعلفهُ». وعنده أيضًا من طريق أخرى: «كنت أخدمُ الزُّبير خدمةَ البيت، وكان له فرسٌ وكنت أسوسه، فلم يكن من خدمتهِ (٢) شيءٌ أشد عليَّ (٣) من سياسة الفرسِ، كنت أحتشُّ له وأقوم عليه» (وَأَسْتَقِي) بالفوقية بعد السين المهملة، وللكُشمِيهنيِّ: «وأسقي» بإسقاطها، أي: وأسقي النَّاضح أو (٤) الفرس (المَاءَ) والرِّواية الأولى أشملُ معنى وأكثرُ فائدةً، ولم تستثنِ الأرضَ الَّتي كان أقطعها له النَّبيُّ ﷺ لأنَّه لم يكن يملك أصل الرَّقبة بل منفعتها فقط (وَأَخْرِزُ غَرْبَهُ) بخاء وزاي معجمتين بينهما راء، وغَرْبَه: بفتح الغين المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة، أي: وأخيطُ دلوهُ (وَأَعْجِنُ) دقيقه (وَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ أَخْبِزُ) بضم همزة أُحسن، وفتحها في أَخبز، مع كسر الموحدة (وَكَانَ) أي: لما قدمنا المدينة من مكَّة (يَخْبِزُ) خبزي (جَارَاتٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ، وَكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ) بإضافتهنَّ إلى الصِّدق مبالغةً في تلبُّسهنَّ به، وفي حسنِ العشرةِ والوفاءِ بالعهد (وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ) إيَّاها (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) ممَّا أفاءَ الله عليه ﷺ من أموال بني النَّضير (عَلَى رَأْسِي وَهْيَ مِنِّي) أي: من مكان سكني (عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ) بتثنية ثلث، والفرسخ: ثلاثة أميالٍ، وكلُّ ميلٍ أربعةُ آلاف خطوةٍ (فَجِئْتُ يَوْمًا وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي، فَلَقِيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَدَعَانِي ثُمَّ قَالَ: إِخْ إِخْ) بكسر الهمزة وسكون الخاء المعجمة، ينيخُ بعيرهُ (لِيَحْمِلَنِي) عليه (خَلْفَهُ، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسِيرَ مَعَ الرِّجَالِ، وَذَكَرْتُ الزُّبَيْرَ وَغَيْرَتَهُ، وَكَانَ أَغْيَرَ النَّاسِ) أي بالنِّسبة إلى علمها، أو إلى أبناءِ جنسهِ، وعند الإسماعيليِّ: «وكان من أغيرِ

стр. 9674

النَّاس» (فَعَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنِّي قَدِ اسْتَحْيَيْتُ فَمَضَى، فَجِئْتُ الزُّبَيْرَ فَقُلْتُ) له: (لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعَلَى رَأْسِي النَّوَى وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَنَاخَ) بعيره (لأَرْكَبَ) خلفهُ (فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ، فَقَالَ) لها الزُّبير: (وَاللهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى كَانَ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ) ﷺ إذ لا عار فيه، بخلاف حمل النَّوى فإنَّه ربَّما يتوهَّم منه خسة نفسهِ ودناءةَ همَّته، واللام في «لَحملك» للتأكيد، و «حملك»: مصدر مضاف لفاعله، و «النَّوى»: مفعوله، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أشدَّ عليك» بزيادة كاف (قَالَتْ): ولم أزل أخدمُ (حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَادِمٍ يَكْفِينِي) بالتحتية والفوقية المصحح عليها بالفرع كأصله (سِيَاسَةَ الفَرَسِ، فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَنِي) وفيه: أنَّ على المرأة القيامَ بخدمة ما يحتاج إليه بعلها، ويؤيِّده قصَّةُ فاطمةَ وشكواها ما تلقى من الرَّحى، والجمهور على أنَّها متطوِّعةٌ بذلك، أو يختلف باختلاف عوائد البلادِ. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الخمس» مقتصرًا على قصَّة النَّوى [خ¦٣١٥١]، ومسلم في «النِّكاح»، والنَّسائيُّ في «عشرة النِّساء». ٥٢٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابنُ عبد الله بن جعفر المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ) بضم العين وفتح اللام وتشديد التحتية، اسم أمِّ إسماعيل بن إبراهيم (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ) هي عائشة ﵂ (فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ) هي: زينب بنت جحشٍ أو صفيَّة أو غيرهما (بِصَحْفَةٍ) بفتح الصاد وسكون الحاء المهملتين، إناءٌ كالقصعةِ المبسوطةِ (فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتِ) المرأة (الَّتِي النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِهَا) وهي عائشة (يَدَ الخَادِم) الَّذي جاء بالصَّحفة (فَسَقَطَتِ الصَّحْفَةُ) من يده (فَانْفَلَقَتْ) أي: فانشقَّت (فَجَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ فِلَقَ الصَّحْفَةِ) بكسر الفاء وفتح اللام،

стр. 9675

جمع: فِلْقة؛ وهي القطعة، ككسرةٍ وكسر (ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ وَيَقُولُ) للحاضرين عنده: (غَارَتْ أُمُّكُمْ) عائشة، وفيه: إشارةٌ إلى عدم مؤاخذةِ الغيرى بما يصدر منها لأنَّها في تلك الحالة يكون عقلُها محجوبًا بشدَّةِ الغضبِ الَّذي أثارتهُ الغيرةُ، وفي حديث عائشة المرويِّ عند أبي يعلى بسندٍ لا بأس به مرفوعًا: «إنَّ الغَيْرى لا تبصرُ أسفلَ الوادِي من أَعْلاه». وعند البزَّار عن ابن مسعود رفعه: «إنَّ الله كتبَ الغيرةَ على النِّساءِ، فمن صبرَ منهنَّ كان لها أجرُ شهيدٍ» (ثُمَّ حَبَسَ) ﷺ (الخَادِمَ) عن الذَّهاب لصاحبة الصَّحفةِ (حَتَّى أُتِيَ) بضم الهمزة وكسر الفوقية (بِصَحْفَةٍ مِنْ (١) عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا) وهي عائشة (فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ) إلى الخادمِ يدفعها (إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ) بضم الكاف (صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ) ﵊ الصَّحفة (المَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «في البيتِ الَّتي» (٢) (كُسِرَتْ فِيْهِ) كذا في الفرع: «فيه» وسقطتْ من «اليونينية». قيل: وكانت القصعتانِ له ﷺ ، فله التَّصرُّف كما (٣) يشاءُ فيهما، وإلَّا فليست (٤) القصعةُ من المِثْليَّاتِ بل من (٥) المتقوِّمات، وإضافتهما إليهما (٦) باعتبارِ كونهما في منزلهما. ٥٢٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ) بفتح الدال المشددة، قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) هو ابنُ سليمانَ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابن عمر العمريِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄¬) وسقط لأبي ذرٍّ «ابن عبد الله»

стр. 9676

(عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ): أُريت (١) في المنام أنِّي (دَخَلْتُ الجَنَّةَ -أَوْ أَتَيْتُ الجَنَّةَ- فَأَبْصَرْتُ) فيها (قَصْرًا فَقُلْتُ) لجبريل وغيره (٢): (لِمَنْ هَذَا) القصر؟ (قَالُوا) أي: جبريلُ ومن معه من الملائكة: (لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَهُ فَلَمْ يَمْنَعْنَي) من دخوله (إِلَّا عِلْمِي بِغَيْرَتِكَ) يا عمر (قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: يَا رَسُولَ اللهِ) سقط لفظ «بن الخطَّاب يا رسول الله» لأبي ذرٍّ (بِأَبِي) أي: مفديٌّ (٣) بأبي (أَنْتَ وَأُمِّي يَا نَبِيَّ (٤) اللهِ، أَوَ عَلَيْكَ أَغَارُ؟) بهمزة الاستفهام والواو العاطفة على مقدَّر، كما في: «أوَمُخْرجيَّ هم» ونحوه. وهذا الحديث سبق في «مناقب عمر» [خ¦٣٦٧٩]. ٥٢٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمانَ بن جبلة المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم ابن شهابٍ، أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ المُسَيَّبِ) سعيد (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ جُلُوسٌ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بَيْنَمَا) بالميم، ولأبي ذرٍّ: «بينَا» (أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي) بضم الفوقية، والضَّمير للمتكلم، وهو من خصائص أفعال القلوبِ، أي: رأيت نفسي (فِي الجَنَّةِ فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ) وضوءًا شرعيًّا، وهو مؤوَّل بكونها كانت محافظةً في الدُّنيا على العبادةِ، ولا يلزم من كون الجنَّة ليست دار تكليفٍ أن لا (٥) يصدر من أحد فيها (٦) شيءٌ من العباداتِ باختياره (فَقُلْتُ) أي: لجبريلَ: (لِمَنْ هَذَا)

стр. 9677

القصر؟ (قَالَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «قالوا» أي: جبريلُ ومن معه: (هَذَا لِعُمَرَ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ) بضمير الغائب، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «غيرتَكَ» بكاف الخطاب (فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا، فَبَكَى عُمَرُ) ﵁ سُرورًا بما منحه الله تعالى أو (١) تشوُّقًا إليه (وَهْوَ فِي المَجْلِسِ، ثُمَّ قَالَ: أَوَعَلَيْكَ -يَا رَسُولَ اللهِ- أَغَارُ؟) وسقط لأبي ذرٍّ الهمزة والواو من قوله: «أو عليكَ». (١٠٨) (بابُ) حكمِ (غَيْرَةِ النِّسَاءِ) بفتح الغين المعجمة (وَوَجْدِهِنَّ) بفتح الواو وسكون الجيم، أي: وغضبهنَّ من أزواجهنَّ، فإن كان ذلك بسبب تحققهنَّ ارتكاب محرَّم كالزِّنا، أو انتقاصَ حقِّهن، أو جور (٢) عليهنَّ أو إيثار ضرَّةٍ فهي سائغةٌ، لا بتوهُّمٍ في غير ريبةٍ، ولا إن كان مقسطًا بينهنَّ، ويعذرنَ بما فيهنَّ ممَّا طبعنَ عليه منها ما (٣) لم يتجاوزنَ إلى ما يحرم عليهنَّ من قولٍ أو فعلٍ؛ فَيُلَمْنَ عليه. ٥٢٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الهباريُّ الكوفيُّ، واسمه في الأصل: عبد الله قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامةَ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبيرِ بن العوَّامِ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنِّي لأَعْلَمُ) شأنك (إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى) قال في «المصابيح»: هذا مما ادَّعى ابن مالك فيه أنَّ «إذا» (٤) خرجت من (٥) الظَّرفية وقعت مفعولًا (٦)، والجمهور على أنَّ

стр. 9678

«إذا» لا تخرج عن الظَّرفية، فهي في الحديث ظرف لمحذوف هو مفعول أعلمُ، وتقديره: شأنك ونحوه (قَالَتْ: فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ غَضْبَى) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وإذا كنتِ عليَّ غضبى» (قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ) فيه الحكم بالقرائنِ لأنَّه ﵊ حكم برضا عائشةَ وغضبها بمجرَّدِ ذكرها اسمه الشَّريفَ وسكوتها، واستدلَّ على كمال (١) فطنتها وقوَّةِ ذكائها بتخصيصها إبراهيم ﵊ دون غيره لأنَّه ﷺ أولى النَّاس به، كما في التَّنزيل، فلما لم يكن لها بدٌّ من هجر اسمه الشَّريف أبدلتْه بمن هو منه بسبيلِ (٢)، حتَّى لا تخرج عن دائرة التَّعلق في الجملة (قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ) نعم (وَاللهِ -يَا رَسُولَ اللهِ- مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ) بلفظي فقط، ولا يترك قلبي التَّعلق بذاتكَ الشَّريفةِ مودَّةً ومحبَّةً، كذا قرَّر معناه (٣) ابن المنيِّرِ. وقال في «شرح المشكاة»: هذا الحصر في غاية من اللُّطف في الجواب لأنَّها أخبرت أنَّها إذا كانت في غايةٍ من الغضب الَّذي يسلب العاقلَ اختياره لا يغيِّرها عن كمال المحبَّة المستغرقة ظاهرها وباطنها الممتزجةِ بروحها، وإنَّما عبَّرت عن التَّركِ بالهجران لتدلَّ به على أنَّها تتألَّم من هذا التَّرك الَّذي لا اختيار لها فيه، كما قال الشَّاعر: إِنِّي لأَمْنَحُكِ الصُّدُودَ وإِنَّنِي … قَسَمًا إِلَيكِ مَعَ الصُّدودِ لَأَمْيَلُ انتهى. واستدلَّ به على أنَّ الاسم غير المسمَّى إذ لو كان الاسم عين المسمَّى لكانت بهجرهِ تهجر ذاته الشَّريفة، وليس كذلك، ولهذه المسألة مبحثٌ يطول استيفاؤهُ، يأتي إن شاء الله تعالى بعون الله في «كتاب التَّوحيد»، إنَّه الجواد الكريم الرَّؤوف الرَّحيم. وهذا الحديث أخرجه مسلم في «فضل (٤) عائشة».

стр. 9679

٥٢٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَحْمَدُ (١) بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) عبد الله الحنفيُّ (٢) الهرويُّ قال: (حَدَّثَنَا النَّضْرُ) بنون مفتوحة وضاد معجمة ساكنة، ابن شُميل (عَنْ هِشَامٍ) أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ كَمَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ لِكَثْرَةِ) أي: لأجلِ كثرة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بكثرة» بالموحدة بدل اللام، أي: بسبب كثرة (ذِكْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِيَّاهَا وَثَنَائِهِ عَلَيْهَا) من عطف الخاصِّ على العامِّ (٣)، وكثرة الذِّكر تدلُّ على كثرةِ المحبَّة، وذلك موجبٌ للغيرةِ؛ إذ أصل غيرةِ المرأة من تخيل محبَّة زوجها لضرَّتها أكثر، وفيه: أنَّها كانت تغارُ من أمهات المؤمنين رضوان الله عليهنَّ، لكن من خديجةَ أكثر لما ذكر، وهي وإن لم تكن موجودة، وقد أمنت عائشةُ مشاركتها لها (٤) فيه ﵊، لكن ذلك يقتضي ترجيحها عنده ﵊، فهو الَّذي هيَّج الغضبَ المثير للغيرةِ؛ بحيث قالت -ما سبق في «مناقب خديجة» [خ¦٣٨٢١]-: قد (٥) أبدلكَ الله خيرًا منها، فقال ﵊: «ما أبدلَنِي اللهُ خيرًا مِنها» ومع ذلك فلم يؤاخذها لقيام معذرتها بالغيرةِ الَّتي جبل عليها النِّساء (وَقَدْ أُوحِيَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ يُبَشِّرَهَا)

стр. 9680

بصيغة المضارع، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أَنْ بشِّرْها» بصيغة الأمر (بِبَيْتٍ لَهَا فِي الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ) بفتح القاف والصاد المهملة بعدها موحدة. وعند الطَّبرانيِّ في «الأوسط»: يعني: قصبَ اللُّؤلؤِ، وفي «الكبير»: «بيت من لؤلؤةٍ مجوَّفة»، وفي «الأوسط»: «من القصبِ المنظوم بالدُّرِّ واللُّؤلؤ والياقُوت» وهذا أيضًا من جملة أسباب الغيرةِ لأنَّ اختصاصَها بهذه البُشرى يُشعِر بمزيد محبَّته ﵊ لها. وعند الإسماعيليِّ: «قالت: ما حسدتُ امرأةً قط ما حسدْتُ خديجةَ حين بشَّرها النَّبيُّ ﷺ ببيتٍ من قصبٍ». وفي الحديث: أنَّ الغيرةَ غير مستنكرٍ وقوعها من فاضلاتِ النِّساء فضلًا عمَّن دونهنَّ، وفيه: أفضليَّةُ خديجة. وروِّينا في «كتاب مكَّة» للفَاكِهيِّ، عن أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان عند أبي طالبٍ، فاستأذنه أن يتوجَّه إلى خديجةَ، فأذنَ له وبعث معه جاريةً له يقالُ لها: نبعةَ، فقال لها: انظرِي ما تقولُ له خديجة. قالت نبعة: فرأيت عجبًا، ما هو إلَّا أنْ سمعت به خديجة فخرجت إلى الباب، فأخذتْ بيده فضمَّتها (١) إلى صدرها ونحرها، ثمَّ قالت: بأبي وأمِّي، والله ما أفعلُ هذا لشيءٍ (٢)، ولكنِّي أرجو أن تكون النَّبيَّ الَّذي يبعثُ، فإن تكن هو فاعرف حقِّي ومَنْزلتي، وادعُ الإله الَّذي يبعثك (٣) لي. قالت: فقالَ لها: «والله لئن كنتُ أنا هو لقدْ اصطنعتِ عندِي ما لا أضيِّعهُ (٤) أبدًا، وإن يكن غيري فإنَّ الإلهَ الَّذي تصنعينَ هذا لأجلهِ لا يضيِّعك أبدًا» (٥). وهذا الحديث سبق في «باب تزويج النَّبيِّ ﷺ خديجة» [خ¦٣٨١٦]. (١٠٩) (بابُ ذَبِّ الرَّجُلِ) بالذال المعجمة، أي: دفعهُ (عَنِ ابْنَتِهِ فِي الغَيْرَةِ وَ) طلب (الإِنْصَافِ) لها.

стр. 9681

٥٢٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعد الإمامُ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله بن عبيد الله (١) (عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ) بن نوفل الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (عَلَى المِنْبَرِ: إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ المُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «استأذَنُوني» (فِي أَنْ يُنْكِحُوا) بضم أوَّله مِنْ أَنْكَحَ (ابْنَتَهُمْ) جويرية (٢)، أو العوراء، أو جميلة بنت أبي جهلٍ (عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) وبنو هشام هم أعمام بنت أبي جهلٍ؛ لأنَّه أبو الحكم عمرو بن هشام بن المغيرة، وقد أسلم أخواه الحارث بن هشام وسلمة بن هشام عام الفتح، وعند الحاكم بسندٍ صحيحٍ إلى سويدِ بن غَفَلة أحد المخضرمين، ممَّن أسلم في حياة النَّبيِّ ﷺ ولم يلْقه: قال: خطبَ عليٌّ بنتَ أبي جهلٍ إلى عمِّها الحارثِ، فاستشار النَّبيَّ ﷺ فقال: «أعن حسبها تسألني؟» فقال: لا، ولكن أتأمُرني بها؟ قال: «لا … » الحديث، (فَلَا آذَنُ) لهم في ذلك (ثُمَّ لَا آذَنُ) لهم في ذلك (ثُمَّ لَا آذَنُ) لهم. بالتَّكرير ثلاثًا. قال الكِرمانيُّ: فإن قلت: لا بدَّ في العطفِ من المغايرةِ بين المعطوفين. وأجاب (٣) بأنَّ الثَّاني فيه مغايرةٌ للأوَّل لأنَّ فيه تأكيدًا ليس في الأوَّل، وفيه إشارةٌ إلى تأبيدِ مدةِ منع الإذن، كأنَّه أرادَ رفعَ المجاز لاحتمال أن يحملَ النَّفي على مدَّةٍ بعينها، فقال: ثمَّ لا آذنُ، أي: ولو مضتِ المدَّة المفروضة تقديرًا لا آذن بعدها، ثمَّ كذلك أبدًا. (إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ) بفتح الياء من «يَنكح» (فَإِنَّمَا هِيَ) أي: فاطمة (بَضْعَةٌ) بفتح الموحدة وسكون المعجمة، وحكي ضم الموحدة وكسرها، أي: قطعة لحم (مِنِّي، يُرِيبُنِي) بضمِّ أوَّله (مَا أَرَابَهَا) تقول (٤): أَرَابني (٥) فلانٌ إذا رأيتَ منه

стр. 9682

ما تكره (١) (وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا). وحينئذٍ فمن آذى فاطمة فقد آذى النَّبيَّ ﷺ ، وأذاهُ حرام اتِّفاقًا. وزاد في رواية الزُّهريِّ في «الخُمس»: «وأنا أتخوَّف أن تُفْتن في دِينها، وإنِّي لست أحرِّمُ حلالًا، ولا أحلُّ حرامًا، ولكن والله لا تجتمِعُ بنتُ رسولِ الله وبنتُ عدوِّ الله أبدًا» [خ¦٣١١٠]. قال السَّفاقِسيُّ: أصحُّ ما تحمل عليه هذه القصَّة: أنَّه ﷺ حرَّم على عليٍّ أن يجمعَ بين ابنتهِ وبين (٢) ابنة أبي جهلٍ لأنَّه علَّل بأنَّ ذلك يؤذيه، وأذيَّته حرامٌ بالإجماع، ومعنى قوله: «لا أحرِّمُ حلالًا» أي: هي له حلالٌ لو لم تكن عنده فاطمة، وأمَّا (٣) الجمع بينهما المستلزم تأذِّيه لتأذِّي فاطمة به فلا. انتهى. ولا يبعد أن يكون من خصائصهِ ﷺ أن لا يتزوَّج على بناتهِ، أو هو خاصٌّ بفاطمة. وزاد في رواية غير أبي ذرٍّ: «هَكَذا قالَ». وهذا الحديث قد سبق في «مناقب فاطمة» [خ¦٣٧٦٧] ويأتي إن شاء الله تعالى في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٧٨]. (١١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (يَقِلُّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرُ النِّسَاءُ) أي: في آخر الزَّمان (وَقَالَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريُّ ﵁ فيما سبق موصولًا في «باب الصَّدقة قبل الرَّدِّ» من «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤١٤]: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه قال: (وَتَرَى الرَّجُلَ الوَاحِدَ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً) وللحَمُّويي والمُستملي: «نسوة» بدل: «امرأة»، وهو خلاف القياس (يَلُذْنَ) بضم اللام وسكون المعجمة، يستغثنَ (بِهِ) ويلتجئنَ (مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ).

стр. 9683

٥٢٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الحَوْضِيُّ) بفتح الحاء المهملة وسكون الواو بعدها ضاد معجمة مكسورة، قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامةَ (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ): والله (لأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا) ولأبي ذرٍّ: «بحديثٍ» (سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، لَا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ أَحَدٌ غَيْرِي) لأنَّه آخرُ من مات بالبصرةِ من الصَّحابة، أو كان إذ ذاك في آخرِ عمره حيث لم يبق بعدَه من الصَّحابة من ثبت سماعُه من النَّبيِّ ﷺ إلَّا النَّادر، ممَّن لم يكن هذا الحديث في (١) مرويِّه، وعند ابنِ ماجه: «لا يحدِّثكم به أحدٌ بعدي» (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ) أي: علاماتها (أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ) لكثرة قتل العلماء بسبب الفتنِ، وفي «كتاب العلم» [خ¦٨١]: «أن يقلَّ العلم» فيحتملُ أن يكون المراد بالقلَّة أولًا وبالرَّفع آخرًا، أو أطلقت القلَّة وأريدَ بها العدم كعكسه (وَيَكْثُرَ الجَهْلُ) بسبب رفعِ العلم (وَيَكْثُرَ الزِّنَا، وَيَكْثُرَ شُرْبُ الخَمْرِ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ) بسبب القتل في الرَّجلِ من كثرة الفتن دون النِّساء لأنهنَّ لسنَ من ذوات الحربِ، وقيل: بل هي علامة محضةٌ (٢) لا بسبب آخر، بل يقدِّر الله في آخرِ الزَّمان أن يقلَّ من يولد من الذُّكور، ويكثر من يولدُ من الإناث (حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً القَيِّمُ الوَاحِدُ) أي: من يقومُ بأمرهنَّ، واللام للعهد إشارةً إلى المعهود من كون الرِّجال قوَّامين (٣) على النِّساء، ويحتملُ أن يُكَنَّى بذلك عن اتِّباعهنَّ لطلب النِّكاح حلالًا أو حرامًا. وقوله: «لخمسينَ» لا يُنافي قوله في المعلَّق السَّابق [خ¦٦٧/ ١١٠ - ٧٧٧٢]: «أربعون» لأنَّ الأربعينَ داخلة في الخمسين، أو المراد المبالغةُ في كثرةِ النِّساء بالنِّسبة إلى الرِّجال، أو الأربعين عدد من يلذنَ به، والخمسين عدد من يتَّبعه، وهو أعمُّ من أن يلذنَ به، فلا منافاةَ. وقد روى عليُّ بن معبد (٤) في «كتاب الطَّاعة والمعصية» عن حذيفة قال: «إذا عمَّت الفتنةُ ميَّز الله أولياءهُ حتَّى يَتْبَع الرَّجل خمسونَ

стр. 9684

امرأة، تقول: يا عبدَ الله استُرني، يا عبد الله آوني». قال في «الفتح» (١): وكأن هذه الأمور الخمسة خصَّت بالذِّكر لإشعارها باختلافِ الأحوال الَّتي يحصل بحفظها صلاحُ (٢) المعاشِ والمعاد، وهي: الدِّين لأنَّ رفع العلمِ يخلُّ به، والعقلُ لأنَّ شربَ الخمر يخلُّ به، والنَّسب لأنَّ الزِّنا يخلُّ به، والنَّفس والمال لأنَّ كثرة الفتن تخلُّ بهما (٣). وفي الحديث الإخبار بما سيقعُ. وهذا الحديث قد سبق في «كتابة العلم» [خ¦٨٠]. (١١١) هذا (بابٌ) بالتنوين: (لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا ذُو مَحْرَمٍ) له بنسبٍ، أو رضاعٍ، أو مصاهرةٍ فيحلُّ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ الاية [النور: ٣١] ولأنَّ المحرميَّة معنى يمنع المناكحة أبدًا، فكانا كالرَّجلين والمرأتين، ولا فرقَ في المحرمِ بين الكافر وغيره، إلَّا إن (٤) كان الكافرُ من قومٍ يعتقدون حلَّ المحارم كالمجوسِ امتنع خلوته (وَ) كذا لا يجوز (الدُّخُولُِ عَلَى) المرأة (المُغِيْبَةِ) بضم الميم وكسر الغين المعجمة وبعد التحتية الساكنة موحدة، الَّتي غابَ عنها زوجها لسفرٍ أو غيره، ويجوز في «الدُّخول» الخفض عطفًا على «بامرأة». ٥٢٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البغلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) هو ابنُ سعد الإمامُ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ) سويد المصريِّ (عَنْ أَبِي الخَيْرِ) مرثد بن عبد الله اليزنيّ المصريّ (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) الجهنيّ ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ) بالنصب على التَّحذيرِ، وقال البَرماويُّ في «شرح العمدة»: «الدُّخولَ» منصوبٌ عطفًا على «إيَّا» المغرى بها، والعامل في «إيَّا» محذوفٌ، أي: باعدُوا أنفسكم، ثمَّ حذف المضاف فقيل: إيَّاكم، وعطف عليه

стр. 9685

الدُّخول، وفي رواية ابن وهبٍ عند أبي نُعيمٍ: «لا تدخُلُوا» (عَلَى النِّسَاءِ) ومنع الدُّخول مستلزمٌ لمنع الخلوة، وعند التِّرمذيِّ: «لا يخلونَّ رجلٌ بامرأةٍ فإنَّ الشَّيطانَ ثالثهما» (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) قال ابن حجرٍ: لم أقفْ على اسمه: (يَا رَسُولَ اللهِ أَفَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟) أي: أخبرني عن حكم دخولِ الحمو على المرأة (قَالَ) ﵊ مجيبًا له: (الحَمْوُ المَوْتُ) أي: لقاؤهُ مثل لقاء الموت، إذ الخلوةُ به تؤدِّي إلى هلاكِ الدِّين إن وقعت المعصيةُ، أو النَّفس إن وجب الرَّجمُ، أو هلاك المرأة بفراقِ زوجها إذا حملته الغيرةُ (١) على المرأة على طلاقها. والحمو: قال النَّوويُّ: المراد به هنا أقارب الزَّوج غير آبائهِ وأبنائهِ لأنَّهم محارمٌ للزَّوجة يجوز لهم الخلوة بها، ولا يوصفون بالموتِ، وإنَّما المراد الأخ وابن الأخِ ونحوهما ممَّن يحلُّ لها تزويجهُ لو لم تكن متزوِّجة (٢)، وقد جرت العادةُ بالتَّساهل فيه، فيخلو الأخُ بامرأة أخيهِ، فشبَّهه بالموتِ، وهو أولى بالمنع من الأجنبيِّ، فالشَّرُّ به أكثر من الأجنبيِّ، والفتنةُ به أمكن من الوصول إلى المرأةِ والخلوةُ بها من غير نكيرٍ عليه، بخلاف الأجنبيِّ. انتهى. والحَمْو بفتح الحاء المهملة وسكون الميم بعدها واو فيهما، ولأبي ذرٍّ: «الحمُ» بضم الميم وإسقاط الواو فيهما بوزن أخٍ. وقال القرطبيُّ: إنَّ الَّذي في الحديث الحمؤ بالهمزة. وقال الخطَّابيُّ: وزنه وزن دلو بغير همز، وهو الَّذي اقتصر عليه ابن الأثير وأبو عُبيد. قال الحافظ أبو الفضل ابن حجرٍ: والَّذي ثبتَ لنا في (٣) رواية (٤) البخاري «حمو» كدلو. وهذا الحديث أخرجه مسلم في «الاستئذان»، والتِّرمذيُّ في «النِّكاح»، والنَّسائيُّ في «عِشرة النِّساء».

стр. 9686

٥٢٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هو ابنُ دينار (عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ) بفتح الميم والموحدة بينهما عين مهملة ساكنة، نَافذ -بالنون والفاء والذال المعجمة- مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ) فإنَّ الشَّيطان ثالثهما (إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ) لها، فيجوزُ لانتفاء المحذورِ، وحينئذٍ (فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ امْرَأَتِي (١) خَرَجَتْ حَاجَّةً وَاكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا) أي: كتبتُ نفسي في أسماءِ من عُيِّن لتلك الغزاةِ، ولم أقف على تعيين هذه الغزوة، ولا على اسم الرَّجل ولا زوجتهِ (قَالَ) ﵊: (ارْجِعْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ) وظاهره الوجوب وبه قال أحمد، وهو وجهٌ للشَّافعيَّة، والمشهور أنَّه لا يلزمهُ الخروج، وفيه -كما قال النَّوويُّ- تقديم الأهمِّ من الأمور المتعارضةِ، فإنَّه لمَّا عَرَضَ له الغزوُ والحجُّ رجَّح الحجَّ لأنَّ امرأته لا يقوم غيره مقامه في السَّفر معها، بخلاف الغزو. ومطابقة التَّرجمة لما ساقه من الحديثين صريحةٌ في أحد الأمرين المترجم لهما، وأمَّا الثَّاني فبطريقِ الاستنباطِ. وفي حديث جابر المرويِّ عند التِّرمذيِّ مرفوعًا: «لا تدخُلُوا على المغيباتِ، فإنَّ الشَّيطان يجري من ابنِ آدمَ مَجرى الدَّم» وفي حديث ابن عمر مرفوعًا: «لا يدخلُ رجلٌ على مغيبةٍ إلَّا ومعهُ رجلٌ أو اثنان» رواه مسلم، والحديث الثَّاني من حديثي الباب سبق في «حجِّ النِّساء» من «كتاب الحجِّ» مطوَّلًا [خ¦١٨٦٢]. (١١٢) (بابُ مَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ الرَّجُلُ) الأمينُ (بِالمَرْأَةِ) الأجنبيَّة في ناحية (عِنْدَ النَّاسِ) لتسأله عن بواطنِ أمرها في دينها وغيره من أحوالها سرًّا، حتَّى لا يسمع النَّاس ذلك؛ إذ هو من الأمورِ الَّتي تستحيي المرأةُ من ذكرها (٢) بين النَّاس، وليس المراد أنَّه يخلو بها بحيث تحتجبُ أشخاصهما عنهم.

стр. 9687

٥٢٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحدة والشين المعجمة المشددة، ابن عثمان العبديُّ، الملقب ببندار قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمد بنُ جعفر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ هِشَامٍ) هو ابنُ زيد (١) بن أنسٍ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أعرفها. وزاد بهز في «فضائل الأنصار»: «ومعها صبيٌّ لها» [خ¦٣٧٨٦] (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَخَلَا بِهَا) رسول الله ﷺ بحيث لا يسمعُ من حضر شكواها، لا بحيث غابَ عن أبصار من كان معه، وفي مسلم: أنَّ امرأةً كان في عقلها شيءٌ قالت: يا رسول الله، إنَّ لي إليكَ (٢) حاجةً، فقال: «يا أمَّ فلانٍ، انظري أيَّ السِّككِ شئتِ حتَّى أقضي لك حاجتكِ» (فَقَالَ) لها ﵊: (وَاللهِ إِنَّكُنَّ) بِنون النِّسوة، ولأبي ذرٍّ: «إنَّكم» بالميم بدل (٣) النون (لأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ) يريد الأنصار. وفيه فضيلةٌ عظيمةٌ لهم، وأنَّ مفاوضة الأجنبيَّة سرًّا لا يقدَح (٤) في الدِّين عند أمن الفتنة، وسعةُ حلمه ﷺ وتواضعه. (١١٣) (بابُ مَا يُنْهَى مِنْ دُخُولِ) الرِّجال (المُتَشَبِّهِينَ بِالنِّسَاءِ) في أخلاقهنَّ (عَلَى المَرْأَةِ) بغير إذن زوجها، وحيث تكون مُسافرة في خلوةٍ وحدها. ٥٢٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) إبراهيمُ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ) بن سليمان (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أُمِّ سَلَمَةَ،

стр. 9688

عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) ﵂: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَهَا) في بيتها (وَفِي البَيْتِ) الَّذي هي فيه (مُخَنَّثٌ) بفتح النون المشددة وكسرها بعدها مثلثة، يشبه خلقةَ النِّساء في حركاتهنَّ وكلامهنَّ، اسمه: هِيْت -بكسر الهاء وسكون التحتية بعدها فوقية- وكان يدخل على أزواجِ النَّبيِّ ﷺ كما في «تاريخ الجوزجاني»، وذكر ابنُ إسحاق أنَّ اسمه ماتعٌ بفوقيَّة. وقيل بنون. وعند أبي موسى المدينيِّ: أنَّ ماتعًا -بالفوقية (١) - لقب هِيت، أو بالعكس، أو أنَّهما اثنان. خلاف، وقيل: إنَّ اسمه: أَنَّه -بفتح الهمزة وتشديد النون-. ورجَّح في «الفتح» أنَّ اسم المذكور في الباب: هيت (فَقَالَ المُخَنَّثُ) هِيت (لأَخِي أُمِّ سَلَمَةَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ) بن المغيرة بن عبد الله، وأمُّهُ عاتكةُ بنت عبد المطَّلب، أسلم قبل الفتح، وشهد حنينًا والفتح والطَّائف، فأصابه سهمٌ بالطَّائفِ ومات يومئذٍ، واسم أبي أمية حذيفة: (إِنْ فَتَحَ اللهُ لَكُمْ الطَّائِفَ غَدًا) وزاد في رواية أبي أسامة عن هشام -في «غزوة الطَّائف» -: وهو محاصرٌ الطَّائف يومئذٍ [خ¦٤٣٢٤] (أَدُلُّكَ عَلَى ابْنَةِ غَيْلَانَ) بفتح الغين المعجمة وسكون التحتية، ابن سلمة بن معتب بنِ مالكٍ، واسمها بادية -بالموحدة ثمَّ تحتية بعد الدال المهملة- وقيل بنون بدل التحتية، أسلمت وكذا أبوها، وكان تحتهُ عشرُ نسوةٍ، فأمره النَّبيُّ ﷺ أن يختار أربعًا، وعاش إلى أواخر خلافة عمر ﵁، ولأبي ذرٍّ: «على بنتِ غيلان» (فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ) من العُكن لسمنها (وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ) لأنَّ أعكانها تنعطفُ بعضها على بعض، وهي في طيِّها أربع طرائقٍ، وتبلغ أطرافُها إلى خاصرَتِها في كلِّ جانبٍ أربع، فإذا أدبَرت كانت أطرافُ هذا العُكن الأربع عند منقطع جنبيها ثمانيةً (٢)، وقال: بثمان، وكان الأصل ثمانية لأنَّ واحد الأطراف مذكر؛ لأنَّه لم يقل: ثمانية أطرافٍ، أو لأنَّ كلًّا من الأطراف عكنة، تسميةً للجزء باسم الكلِّ، فأنَّث بهذا الاعتبار. وأمَّا رواية من روى: إن أقبلتْ قلتَ: تمشي بستٍّ، وإن أدبرتْ قلتَ: تمشي بأربعٍ فكأنَّه يعني ثدييها (٣) ورجلَيها وطرفي ذلك منها مقبلةً، وردفيها مدبرةً، وإنَّما نقص إذا أدبرت لأنَّ الثَّديين يحتجبان حينئذٍ. وزاد ابن الكلبيِّ

стр. 9689

بعد قوله: وتدبرُ بثمان: بثغْرٍ كالأُقْحوانِ، إن قعدتْ تثنَّت، وإن تكلَّمت تغنَّت، وبين رجليها مثل الإناء المكفوءِ. وزاد المدينيُّ (١) من طريق يزيد بن رومان عن عروة مرسلًا: أسفلُها كَثِيب، وأعلاهَا عَسِيب (فَقَالَ النَّبِيُّ (٢) ﷺ : لَا يَدْخُلَنَّ) بفتح اللام وتشديد النون (٣) (هَذَا عَلَيْكُم) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «عليكنَّ» بالنون، وزاد أبو يعلى في روايته من طريق يونسَ، عن الزُّهريِّ في آخره: «وأخرجه، فكان بالبيداءِ يدخلُ كلَّ يوم جمعةٍ يستطعمُ». واستنبطَ منه حجب النِّساء عمَّن يفطن لمحاسنهنَّ، والحديث سبق في «باب غزوة الطَّائف» من «المغازي» [خ¦٤٣٢٤]. (١١٤) (بابُ نَظَرِ المَرْأَةِ إِلَى الحَبَشِ وَنَحْوِهِمْ) من الأجانبِ (مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ) أي: تهمةٍ. ٥٢٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ) بن رَاهُوْيَه المروزيُّ، سكن نيسابور وتوفِّي بها (عَنْ عِيسَى) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيِّ (عَنِ الأَوْزَاعِيِّ) عبد الرَّحمن بن عمرو (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ) فيه إشعارٌ بأنَّه كان بعد نزول الحجاب (وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ) أي: بحرابِهم ودرقهم (فِي المَسْجِدِ) النَّبويِّ (حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّذِي)

стр. 9690

ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «الَّتي» (أَسْأَمُ) أي: أَمَلُّ، واستدلَّ به على جواز رؤية المرأة إلى الأجنبيِّ (١) دون العكس، ويدلُّ له استمرار العملِ على جوازِ خروج النِّساء إلى المساجدِ والأسواقِ والأسفار (٢) متنقباتٌ لئلَّا يراهن الرِّجالُ، ولم يؤمر الرِّجال قطُّ بالانتقابِ لئلَّا يراهُم (٣) النِّساء، فدلَّ على اختلاف الحكم بين الفريقينِ، وبهذا احتجَّ الغزاليُّ للجواز فقال: لسنا نقول: إنَّ وجه الرَّجل في حقِّها عورة كوجه المرأةِ في حقِّه، فيحرم النَّظر عند خوف الفتنةِ فقط، وإن لم تكن فتنةٌ فلا، إذ لم تزل الرِّجال على ممرِّ الزَّمان مكشوفي الوجوهِ، والنِّساءُ يخرجنَ منتقبات، فلو استووا لأُمِر الرِّجال بالتَّنقُّب أو منعنَ من الخروج. انتهى. وقال النَّووي: نظرُ الوجهِ والكفَّين عند أمن الفتنة من المرأةِ إلى الرَّجلِ وعكسه جائزٌ، وإن كان مكروهًا لقوله تعالى في الثانية: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] وهو مفسَّر بالوجهِ والكفَّين، وقيس بها الأولى، وهذا ما في «الرَّوضة» عن أكثر الأصحابِ، والَّذي صحَّحه في «المنهاج» التَّحريم، وعليه الفتوى، وأمَّا نظرُ عائشة إلى الحبشةِ وهم يلعبون فليس فيه أنَّها نظرت إلى وجوههم وأبدانهم، وإنَّما نظرت إلى لعبِهم وحرابهم، ولا يلزم منه تعمُّد النَّظر إلى البدن، وإن وقع بلا قصدٍ صرفته في الحال، مع أنَّ ذلك كان مع أمن الفتنة، أو أنَّ عائشة كانت صغيرةً دون البلوغِ، ويدلُّ لها قولها: (فَاقْدُرُوا) بضم الدال المهملة، أي: فانظُروا وتدبَّرُوا (قَدْرَ الجَارِيَةِ الحَدِيثَةِ السِّنِّ) الغير البالغةِ (الحَرِيصَةِ عَلَى اللَّهْوِ) ومصابرة النَّبيِّ ﷺ معها على ذلك، لكن عورض بأنَّ في بعض طرقه أنَّ ذلك بعد قدوم وفد الحبشة، وأنَّ قدومهم كان سنة سبعٍ، ولعائشة يومئذ ستَّ عشرة سنةً، فكانت بالغةً. نعم، احتجَّ المانعون بحديث أمِّ سلمة المشهور حيث قال ﵊: «أفعمياوان أنتما؟» وهو حديث أخرجه أصحاب السُّنن من رواية الزُّهريِّ عن نبهان مولى أمِّ سلمة عنها، وإسناده قويٌّ. قال في «الفتح»: وأكثر ما علل به انفرادُ الزُّهريِّ بالرِّواية عن نبهان، وليست بعلةٍ قادحةٍ؛ فإنَّ من يعرفه الزُّهريُّ ويصفه بأنَّه مكاتبُ أمِّ سلمة ولم يجرحه أحد لا تردُّ روايته.

стр. 9691

(١١٥) (بابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ لِحَوَائِجِهِنَّ) قال في «القاموس»: الحاجة معروفةٌ، والجمع: حاجٌ وحاجاتٌ وحِوَجٌ، وحَوَائجُ غيرُ قياسيٍّ أو مُوَلَّدةٌ (١)، أو كأنَّهم جمعوا حائجَةً. زاد الجوهريُّ فقال: وكان الأصمعيُّ ينكره، وإنَّما أنكره لخروجه عن القياسِ، وإلا فهو كثيرٌ في كلام العرب، وينشد: نهَارُ المرْءِ أَمْثَلُ حِينَ يقْضِي … حوائِجَهُ مِنَ اللَّيلِ الطَّويلِ وحينئذٍ فقول الدَّاوديِّ: في هذا الجمع نظر لأنَّ جمع الحاجة: حاجات، وجمع الجمع: حاجٍ، ولا يقال: حوائج؛ لا يخفى ما فيه. ٥٢٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ) بالفاء والواو المفتوحتين بينهما راء ساكنة، وفتح ميم المغراء ورائها بينهما غين معجمة ساكنة ممدود، الكنديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بالسين المهملة، أبو الحسن الكوفيُّ الحافظ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتْ: خَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ) أمُّ المؤمنين ﵂ بعد الحجابِ (لَيْلًا) للبراز. زاد في «تفسير سورة (٢) الأحزاب»: «وكانت امرأةً جسيمةً لا تخفى على من يعرفها» [خ¦٤٧٩٥] (فَرَآهَا عُمَرُ) بن الخطاب (٣) ﵁ (فَعَرَفَهَا فَقَالَ: إِنَّكِ وَاللهِ -يَا سَوْدَةُ- مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا) حرصًا على أنَّ أمهات المؤمنين لا يبدين أشخاصهنَّ أصلًا، ولو كنَّ مستتراتٍ. وقالت عائشة: (فَرَجَعَتْ) سودةُ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ) الَّذي قاله لها عمر (لَهُ وَهْوَ فِي حُجْرَتِي يَتَعَشَّى، وَإِنَّ فِي يَدِهِ لَعَرْقًا) بفتح العين وسكون الراء بعدها قاف، عظمٌ عليه لحمٌ، واللام للتأكيد (فَأُنْزِلَ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ: «فأنزلَ الله»

стр. 9692

(عَلَيْهِ) الوحي (فَرُفِعَ عَنْهُ) ما كان فيه من الشِّدَّة بسبب نزول الوحي (وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ أَذِنَ اللهُ لَكُنَّ) أمَّهات المؤمنين (أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَوَائِجِكُنَّ) أي: للبراز؛ دفعًا للمشقَّة ورفعًا للحرج، وقد تمسَّك به القاضِي عياض فقال: فرض الحجاب ممَّا اختصصْنَ به، فهو فرضٌ عليهنَّ بلا خلاف في الوجه والكفَّينِ، فلا يجوز لهنَّ كشف ذلك في شهادةٍ ولا غيرها، ولا إظهار شخوصهنَّ وإن كنَّ مستتراتٍ إلَّا ما دعت إليه ضرورةٌ من براز، ثمَّ استدلَّ بما في «الموطأ»: أنَّ حفصة لمَّا توفي عمر سترها النِّساء عن أن يُرى شخصها، وأنَّ زينب بنت جحش جُعلتْ لها القبَّة فوق نعشها، وتعقَّبه في «الفتح» فقال: ليس فيما ذكره دليلٌ على ما ادَّعاه من فرض ذلك عليهن، وقد كنَّ يحججْنَ ويطفْنَ ويخرجْنَ إلى المساجد في عهد النَّبيِّ ﷺ وبعده، وكان الصَّحابةُ ومن بعدهم يسمعون منهنَّ الحديث وهنَّ مستتراتُ الأبدانِ لا الأشخاص. وهذا الحديث قد مرَّ في «سورة الأحزاب» من «التَّفسير» [خ¦٤٧٩٥]. (١١٦) (بابُ اسْتِئْذَانِ المَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي الخُرُوجِ إِلَى المَسْجِدِ وَغَيْرِهِ) من الضَّرورات الشَّرعيَّة. ٥٢٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّابِ ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه قال: (إِذَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ) في الخروج (إِلَى المَسْجِدِ) فحرف الجر متعلِّق بمقدَّر؛ وهو الخروج، وعليه المعنى لأنَّ استأذن (١) يتعدَّى بـ «في»، وخرجَ يتعدَّى بـ «إلى»، أو أنَّ «إلى» بمعنى «في» أي: استأذنَتْ في المسجد، كقوله: فلَا تَتْرُكَنِّي بالوَعِيْدِ كأَنَّنِي … إِلى النَّاسِ مَطْليٌّ بِهِ القَارُ أَجْربُ وهذا (٢) لا يراه سيبويه، أو «إلى» بمعنى «اللام» الَّتي للعلَّة، أي: لأجل المسجد، كقوله تعالى:

стр. 9693

﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ [التوبة: ٨٣] (فَلَا يَمْنَعُْهَا) بالجزم بـ «لا» النَّاهية، والفاء جواب «إذا»، والرَّفعِ على أنَّها نافية، والمعنى على المنهيِّ، والخبر بمعنى الأمر، أو النَّهي أبلغ من لفظهما لأنَّه بمنزلة المحكوم عليه بذلك مبالغة في الامتثال المقصود، كأنَّه لشدَّةِ المبادرةِ وقع، وذلك دليلُ تأكُّدهِ، ووقع عند المؤلِّف في «باب خروج النِّساء إلى المساجد بالليل والغلس» في «الصَّلاة» من طريق حنظلةَ، عن سالم: «إذا استأذنكم نساؤكم باللَّيل إلى المساجد فأذنوا لهنَّ» [خ¦٨٦٥] ولم يذكرْ أكثر الرُّواة عن حنظلة قوله: «باللَّيل» واختلف فيه عن الزُّهريِّ فأورده المصنِّف من رواية مَعمر عن الزُّهريِّ في «باب استئذان المرأة زوجها بالخروج إلى المسجد» من «أواخر الصلاة» [خ¦٨٧٥] وأحمد من رواية عقيل، والسَّرَّاج من رواية الأوزاعيِّ كلُّهم عن الزُّهريِّ عن سالمٍ بغير تقييدٍ، وفي «صحيح أبي عَوانة» عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن عُيينة مثله، لكنَّه (١) قال في آخره: «يعني: باللَّيل»، وكأنَّ اختصاص اللَّيل ذلك لكونه أسترَ، وقد ترجم المؤلِّف بالخروج إلى المسجد وغيره واقتصر على حديث المسجد، وأجاب الكِرمانيُّ بأنَّه قاسهُ عليه، والجامع بينهما ظاهر، ويشترطُ في الجميع أمن المفسدةِ منهنَّ وعليهنَّ، واستدلَّ به -كما قاله النَّوويُّ- على (٢) أنَّ المرأة لا تخرج من بيت زوجها إلَّا بإذنهِ لِتَوجُّه الأمر إلى الأزواجِ بالإذن، وتعقَّبه ابن دقيق العيد بأنَّه إذا أُخِذ من المفهوم فهو مفهومُ (٣) لقب، وهو ضعيف، لكن يتقوَّى بأن (٤) يقال: إنَّ منع الرِّجال نساءهم أمر مقرَّرٌ. (١١٧) (بابُ مَا يَحِلُّ مِنَ الدُّخُولِ وَالنَّظَرِ إِلَى النِّسَاءِ فِي) وجود (الرَّضَاعِ) بين الرَّجل الدَّاخلِ والمرأة المدخول عليها.

стр. 9694

٥٢٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام الأعظم (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ) وهو أفلح أخو أبي القعيس (فَاسْتَأْذَنَ) أن يدخل (عَلَيَّ) حجرتي (فَأَبَيْتُ) أي: فامتنعتُ (١) (أَنْ آذَنَ لَهُ حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّهُ عَمُّكِ) من الرَّضاعةِ، وعمُّ الرَّضاع كعمِّ النَّسب (فَأْذَنِي لَهُ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي المَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ) فكيف تنتشرُ الحرمةُ إلى الرَّجل؟ (قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّهُ عَمُّكِ) فألحق الرَّضاع بالنَّسب لأنَّ سبب اللَّبن هو ماءُ الرَّجل والمرأة معًا، فوجب أن يكون الرَّضاع منهما (فَلْيَلِجْ) بالجيم، فليدخل (عَلَيْكِ. قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ ضُرِبَ) بضم الضاد المعجمة وكسر الراء ماضٍ مبني للمفعول، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «أن يضربَ» (عَلَيْنَا الحِجَابُ) مضارعٌ مبنيٌّ للمفعول (قَالَتْ عَائِشَةُ: يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ) مثل (مَا يَحْرُمُ مِنَ الوِلَادَةِ) أي: من النَّسبِ. وهذا الحديث سبق في «أوائل النِّكاح» [خ¦٥٠٩٩]. (١١٨) هذا (بابٌ) بالتنوين (لَا تُبَاشِرُِ المَرْأَةُ المَرْأَةَ) بكسر راء «تباشر» مجزومًا على النَّهي كُسِرَ لالتقاء السَّاكنين، ويجوز الضم (فَتَنْعَتَهَا) أي: فتصفها (٢) (لِزَوْجِهَا).

стр. 9695

٥٢٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) بن واقدٍ الفريابيُّ، من أهل خراسان، سكن قيسَارِيَة من أرض الشَّام، قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ، أو هو ابنُ عُيينة، أو محمد بن يوسفَ هو البِيْكندِيُّ، وسفيان هو ابنُ عُيينة (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمةَ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تُبَاشِرِ المَرْأَةُ المَرْأَةَ) زاد النَّسائيُّ: «في الثَّوب الواحد» (فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا) خشيةَ أن تعجبهُ إن وصفتها بحسن، فيفضِي ذلك إلى تطليقِ الواصفةِ والافتتان بالموصوفةِ، أو بقبحٍ فيكون غِيبة. وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ في «عِشرة النِّساء». ٥٢٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (شَقِيقٌ) أبو وائل بن سلمة (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ) يعني: ابن مسعود (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تُبَاشِرِ المَرْأَةُ المَرْأَةَ) في ثوب واحدٍ (فَتَنْعَتَهَا) فتصفها (لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا) وزاد النَّسائيُّ من طريق مسروق عن ابن مسعودٍ: «ولا الرَّجل الرَّجل» وهذه الزِّيادة عند مسلم وأصحاب السُّنن من حديث أبي سعيد بأبسط من هذا، ولفظه: «لا ينظر الرَّجلُ إلى عورة الرَّجل، ولا تنظر المرأة إلى عورةِ المرأةِ، ولا يفضِي الرَّجل (١) إلى الرَّجلِ في الثَّوب الواحدِ، ولا تفضي المرأةُ إلى المرأة في الثَّوب الواحدِ» ففيه: أنَّه يحرم نظرُ الرَّجل إلى عورةِ الرَّجل والمرأةُ إلى عورةِ المرأةِ، والرَّجلُ إلى عورة المرأةِ، والمرأةُ إلى عورةِ الرَّجلِ بطريق الأولى. نعم يباح للزَّوجين أن ينظرَ كلٌّ منهما إلى عورة الآخرِ، ولو إلى الفرج ظاهرًا وباطنًا لأنَّه محلُّ تمتُّعه، لكن يكره نظر الفرجِ حتَّى من نفسه بلا حاجة، والنَّظر إلى باطنه أشدُّ كراهة. قالت عائشةُ ﵂: ما رأيتُ منه ولا رأى منِّي. أي: الفرج، وحديث: «النَّظر إلى الفرجِ يورثُ الطَّمسَ» أي: العمى. رواه ابن حبَّان وغيره في «الضُّعفاء»، وخالف ابن الصَّلاح فقال: إنَّه جيد الإسناد،

стр. 9696

محمولٌ على الكراهةِ كما قاله الرَّافعيُّ، واختلف في قوله: «يورثُ العمى» فقيل: في النَّاظر، وقيل: في الولد، وقيل: في القلبِ، والأَمَةُ كالزَّوجة. ولو نظر فرج صغيرة لا تُشتهى جاز لتسامحِ النَّاسِ بنظر فرج الصَّغيرةِ إلى بلوغها سنَّ التَّمييزِ ومصيرها بحيث يمكنها ستر عورتها عن النَّاس، وبه قطع القاضي، وجزمَ في «المنهاج» بالحرمة، لكن استثنى ابن القطَّان الأم زمن الرَّضاعِ والتَّربية للضَّرورة، أما فرج الصَّغير فيحل النَّظر إليه ما لم يميِّز، كما صحَّحه المتولِّي، وجزم به غيره ونقله السُّبكي عن الأصحاب. ويحرم اضطجاع رجلين أو امرأتين في ثوبٍ واحدٍ إذا كانا عاريينِ لما ذكر في الحديث السَّابق، لكن تستثنى المصافحة بل تستحبُّ لحديث أبي داود: «ما من مسلمينِ يلتقيان فيتصافحانِ إلَّا غفرَ لهما قبل أن يتفرَّقا» ويستثنى الأمرد الجميلُ الوجه (١) فتحرم مصافحته، ومن به عاهةٌ كالأبرص والأجذم فتكره مصافحتُه كما قاله العبَّاديُّ، وتكره المعانقةُ (٢) والتَّقبيل في الرَّأس والوجه، ولو كان المقبِّل أو المقبَّل صالحًا لحديث رواه التِّرمذيُّ وحسَّنه، ولفظه: قال رجل: يا رسول الله، الرَّجل منا يلقى أخاهُ أو صديقهُ أينحني لهُ؟ قال: «لا». قال: أفيلتزمهُ ويقبِّله؟ قال: «لا». قال: فيأخذُ بيده ويصافحهُ؟ قال: «نعم». نعم يستحبان (٣) لقادم لحديث التِّرمذيِّ وحسَّنه، كتقبيل الطِّفل ولو وَلَدَ غيره شفقةً لأنَّه ﷺ قبَّل ابنه إبراهيم والحسن بن عليٍّ، وكتقبيل يد الحيِّ (٤) لصلاح، كما كانت الصَّحابة تفعله مع النَّبيِّ ﷺ . نعم يكره ذلك لغناه ونحوه من الأمور الدنيويَّةِ، كشوكته ووجاهتهِ لحديث: «من تواضعَ لغني لغناه ذهب ثلثا دينهِ». وقد أورد البخاريُّ هذا الحديث من طريقين: الأولى بالعنعنة، والثَّانية بالسَّماع، والظَّاهر أنَّ قوله: «فتنعتها» من قوله ﷺ خلافًا لما ذُكِرَ عن الدَّاوديِّ أنَّه من كلام ابن مسعود. (١١٩) (بابُ قَوْلِ الرَّجُلِ: لأَطُوفَنَّ) أي: لأدورنَّ (اللَّيْلَةَ عَلَى نِسَائِه) وفي نسخة: «على نسائِي»، أي: فأجامعهنَّ.

стр. 9697

٥٢٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَحْمُودٌ) هو ابنُ غيلانَ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ) بفتح الهمزة وضم الطاء بعدها واو ساكنة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لأُطِيْفنَّ» بضم الهمزة وكسر الطاء بعدها تحتية ساكنة (بِمِئَةِ امْرَأَةٍ) أي: أجامعهنَّ (تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ) منهنَّ (غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ) ، وفي «الجهاد»: «لأطوفنَّ اللَّيلة على مئة امرأة -أو: تسع وتسعين-» [خ¦٢٨١٩] بالشَّكِّ، ولا منافاةَ بين القليل والكثير إذ التَّخصيصُ بالعدد لا يمنع الزَّائد (فَقَالَ لَهُ المَلَكُ) جبريل أو غيره: (قُلْ) لكونه نسيَ: (إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمْ يَقُلْ): إن شاء الله (وَنَسِيَ) أن يقولها، أي: بلسانه، وإلَّا فلم يغفل عن التَّفويض إلى الله بقلبهِ، كما يقتضيه مقام النُّبوَّة (فَأَطَافَ بِهِنَّ) أي: جامعهنَّ (وَلَمْ) بالواو (تَلِدْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ نِصْفَ إِنْسَانٍ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ لَمْ يَحْنَثْ) قال السَّفاقِسيُّ: أي: لم يتخلَّف مرادهُ؛ لأنَّ الحنث لا يكون إلَّا عن يمين، ويحتملُ أن يكون حلف، أو نزل التَّأكيد المستفاد من قوله: لأطوفنَّ منزلة اليمينِ، وهذا الأخير قاله ابن حجرٍ. (وَكَانَ) قول إن شاء الله (أَرْجَى لِحَاجَتِهِ). وهذا الحديث سبق في «الجهاد» [خ¦٢٨١٩]. (١٢٠) هذا (بابٌ) بالتنوين: (لَا يَطْرُقْ) أي: الرَّجل الغائبُ (أَهْلَهُ لَيْلًا) تأكيد لأنَّ الطُّروق لا يكون إلا ليلًا. نعم قيل: إنَّه يقال أيضًا في النَّهار (إِذَا أَطَالَ الغَيْبَةَ) قيد في الحكم المذكور (مَخَافَةَ أَنْ

стр. 9698

يُخَوِّنَهُمْ (١)) بضم الياء وفتح الخاء المعجمة وكسر الواو المشددة، أي: لأجل خوف تخوينه إيَّاهم، أي: بنسبهم إلى الخيانةِ، فنصب مخافة على التَّعليل، و «أن» مصدريَّة (أَوْ يَلْتَمِسَ) أي: يطلب (عَثَرَاتِهِمْ) بالمثلثة بعد العين، أي: زلَّاتهم. قال السَّفاقِسيُّ: الصَّواب: «يتخونهنَّ» (٢) و «زلاتهنَّ» بالنون فيهما. قال في «الفتح» بل ورد في الصَّحيح بالميم فيهما في «صحيح مسلم» وغيره، وتوجيهه ظاهر، كذا قال. ولم يبين وجهه إلَّا من جهة المرويِّ، وهو وإن كان قويًّا في الحُجَّة لكن يبقى الوجه في العربيَّة، ويحتملُ أن يكون المرادُ بالأهل أعمَّ من الزَّوجةِ، فيشملُ الأولاد مثلًا، فعبَّر بالميم تغليبًا. ٥٢٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ) بكسر الدال المهملة وتخفيف المثلثة، السَّدوسيُّ، قاضي الكوفة (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَكْرَهُ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ طُرُوقًا) بضم الطاء: إتيانًا في اللَّيل من سفرٍ أو غيره على غفلةٍ. وفي حديث أنس عند مسلم: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان لا يطرقُ أهله ليلًا، وكان يأتيهم غدوةً أو عشيَّةً، والعلَّةُ في ذلك أنَّه ربما يجد أهلهُ على غير أهبةٍ من التَّنظيفِ والتَّزيُّنِ المطلوب من المرأة، فيكون ذلك سببًا للنَّفرة بينهما، أو يجدُها على غير حالةٍ مرضيَّة، والسَّتر مطلوب بالشَّرع. ٥٢٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الأحول البصريُّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيلَ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ ﵄ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الغَيْبَةَ) عن أهله في سفرٍ أو غيره (فَلَا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلًا) سبق أنَّ «ليلًا» تأكيدٌ، والتَّقييد بطول الغيبةِ يفيد

стр. 9699

عدم النَّهي في قصيرها (١)، كمن يخرج (٢) لحاجةٍ مثلًا نهارًا ويرجع ليلًا؛ إذ لا يتأتَّى فيه ما في طويلها إذ هو مظنَّةُ وقوع المكروهِ فيما ذكرهُ غالبًا، وفي رواية وكيع عن سفيان الثَّوريِّ، عن محاربٍ، عن جابرٍ قال: «نهى رسولُ الله ﷺ أن يطرقَ الرَّجلُ أهلهُ ليلًا (٣)، يتخوَّنُهم أو يطلبُ عثراتِهم» رواه مسلم. لكن اختلف في هذه الزِّيادة هل هي مدرجةٌ؟ ومن ثمَّ اقتصر البخاريُّ على القدر المتَّفق على رفعه، وساق الباقي في التَّرجمة، وقد أخرجه بهذه الزِّيادة النَّسائيُّ من رواية أبي نُعيم، عن سفيان. ومسلم من رواية عبد الرَّحمن بن مهدي، عن سفيان به. لكنه قال في آخره: قال سفيان: لا أدري هذا في الحديث أم لا؟ والمعنى: أنَّه إذا طرقهم ليلًا، وهو وقت خلوة وانقطاع مراقبةِ النَّاس بعضهم لبعض كان ذلك سببًا لسوء ظنِّ أهله به، وكأنَّه إنَّما قصدَهم ليلًا ليجدهم على ريبةٍ حين (٤) توخَّى وقتَ غرَّتهم وغفلتِهم، وعندَ أحمد والتِّرمذيِّ من طريق أخرى عن الشَّعبي، عن جابرٍ: «لا تَلِجُوا على المغيباتِ فإنَّ الشَّيطان يجري من ابن آدمَ مجرى الدَّم». وعند أبي عَوَانة في «صحيحه» من (٥) حديث محاربٍ، عن جابرٍ: «أنَّ عبدَ الله بن رواحة أتى امرأته ليلًا وعندها امرأةٌ تمشِّطُها، فظنَّها رجلًا، فأشار إليها بالسَّيف، فلمَّا ذكر ذلك للنَّبيِّ ﷺ نهى أن يطرق الرَّجل أهله ليلًا». وأخرج ابنُ خزيمةَ عن ابن عمر قال: «نهى رسولُ الله ﷺ أن تطرقَ النِّساءُ ليلًا، فطرقَ رجلان كلاهما وجد مع امرأتهِ ما يكره». وأخرجه (٦) من حديث ابن عبَّاس نحوه وقال فيه: «فكلاهما وجدَ مع امرأتهِ رجلًا». وفي الحديث فوائد لا تخفى على متأمِّلٍ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا ومسلم وأبو داود في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «عِشرة النِّساء». (١٢١) (بابُ طَلَبِ) الرَّجل (الوَلَدِ) بالاستكثار من الجماع لقصد ذلك، لا الاقتصار على اللَّذة.

стр. 9700

٥٢٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهد (عَنْ هُشَيْمٍ) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة، ابن بشير الواسطيِّ البلخيِّ الأصل (عَنْ سَيَّارٍ) بفتح السين المهملة وتشديد التحتية وبعد الألف راء، ابن وردان أبي الحكم العنزيِّ الواسطيِّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامرِ بن شراحيل (عَنْ جَابِرٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ) هي غزوة تبوك (فَلَمَّا قَفَلْنَا) رجعنا (تَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ) لي (قَطُوفٍ) أي: بطيءٍ (فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ مِنْ خَلْفِي) زاد في الباب اللَّاحق [خ¦٥٢٤٧]: «فنخسَ بعيري بعنزةٍ كانت معه، فسارَ بعيري كأحسن ما أنت راءٍ من الإبل» (فَالتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ) لي: (مَا يُعْجِلُكَ؟) أي: ما سبب إسراعكَ؟ (قُلْتُ: إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ) أي: قريب بناء بامرأةٍ (قَالَ) ﵊: (فَبِكْرًا تَزَوَّجْتَ) بنصب: «فبكرًا» بـ «تزوجت» (أَمْ) تزوجتَ (ثَيِّبًا؟ قُلْتُ: بَلْ) تزوَّجت (ثَيِّبًا) وفي بعض الأصول: «قلت: لا بل ثيِّبًا» بزيادة: «لا»، وعليه شرح في «المصابيح» ثمَّ قال: فإن قلت: قول جابر: لا بل ثيِّبًا. ما وجهه ولم يتقدَّم له شيء يُضْرَبُ عنه؟ وأجاب بأنَّ معناه: لِم لا تزوَّجت بكرًا؟ وأضرب عنه وزاد «لا» توكيدًا لتقرير ما قبلها من النَّفي، فقال: لا بل ثيِّبًا. انتهى. (قَالَ) ﵊: (فَهَلَّا) تزوَّجت (جَارِيَةً) بكرًا (تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ. قَالَ) جابر: (فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ) المدينة (فَقَالَ) ﵊: (أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا -أَيْ: عِشَاءً (١) -) وهذا محمولٌ على بلوغِ خبرهم بالوصول فاستعدوا ليجمع (٢) بينه وبين النَّهي عن الطُّروق ليلًا.
следующие страницы →