محمولٌ على الكراهةِ كما قاله الرَّافعيُّ، واختلف في قوله: «يورثُ العمى» فقيل: في النَّاظر، وقيل: في الولد، وقيل: في القلبِ، والأَمَةُ كالزَّوجة. ولو نظر فرج صغيرة لا تُشتهى جاز لتسامحِ النَّاسِ بنظر فرج الصَّغيرةِ إلى بلوغها سنَّ التَّمييزِ ومصيرها بحيث يمكنها ستر عورتها عن النَّاس، وبه قطع القاضي، وجزمَ في «المنهاج» بالحرمة، لكن استثنى ابن القطَّان الأم زمن الرَّضاعِ والتَّربية للضَّرورة، أما فرج الصَّغير فيحل النَّظر إليه ما لم يميِّز، كما صحَّحه المتولِّي، وجزم به غيره ونقله السُّبكي عن الأصحاب. ويحرم اضطجاع رجلين أو امرأتين في ثوبٍ واحدٍ إذا كانا عاريينِ لما ذكر في الحديث السَّابق، لكن تستثنى المصافحة بل تستحبُّ لحديث أبي داود: «ما من مسلمينِ يلتقيان فيتصافحانِ إلَّا غفرَ لهما قبل أن يتفرَّقا» ويستثنى الأمرد الجميلُ الوجه (١) فتحرم مصافحته، ومن به عاهةٌ كالأبرص والأجذم فتكره مصافحتُه كما قاله العبَّاديُّ، وتكره المعانقةُ (٢) والتَّقبيل في الرَّأس والوجه، ولو كان المقبِّل أو المقبَّل صالحًا لحديث رواه التِّرمذيُّ وحسَّنه، ولفظه: قال رجل: يا رسول الله، الرَّجل منا يلقى أخاهُ أو صديقهُ أينحني لهُ؟ قال: «لا». قال: أفيلتزمهُ ويقبِّله؟ قال: «لا». قال: فيأخذُ بيده ويصافحهُ؟ قال: «نعم». نعم يستحبان (٣) لقادم لحديث التِّرمذيِّ وحسَّنه، كتقبيل الطِّفل ولو وَلَدَ غيره شفقةً لأنَّه ﷺ قبَّل ابنه إبراهيم والحسن بن عليٍّ، وكتقبيل يد الحيِّ (٤) لصلاح، كما كانت الصَّحابة تفعله مع النَّبيِّ ﷺ . نعم يكره ذلك لغناه ونحوه من الأمور الدنيويَّةِ، كشوكته ووجاهتهِ لحديث: «من تواضعَ لغني لغناه ذهب ثلثا دينهِ». وقد أورد البخاريُّ هذا الحديث من طريقين: الأولى بالعنعنة، والثَّانية بالسَّماع، والظَّاهر أنَّ قوله: «فتنعتها» من قوله ﷺ خلافًا لما ذُكِرَ عن الدَّاوديِّ أنَّه من كلام ابن مسعود.
(١١٩) (بابُ قَوْلِ الرَّجُلِ: لأَطُوفَنَّ) أي: لأدورنَّ (اللَّيْلَةَ عَلَى نِسَائِه) وفي نسخة: «على نسائِي»، أي: فأجامعهنَّ.
стр. 9697
٥٢٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَحْمُودٌ) هو ابنُ غيلانَ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ) بفتح الهمزة وضم الطاء بعدها واو ساكنة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لأُطِيْفنَّ» بضم الهمزة وكسر الطاء بعدها تحتية ساكنة (بِمِئَةِ امْرَأَةٍ) أي: أجامعهنَّ (تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ) منهنَّ (غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ) ، وفي «الجهاد»: «لأطوفنَّ اللَّيلة على مئة امرأة -أو: تسع وتسعين-» [خ¦٢٨١٩] بالشَّكِّ، ولا منافاةَ بين القليل والكثير إذ التَّخصيصُ بالعدد لا يمنع الزَّائد (فَقَالَ لَهُ المَلَكُ) جبريل أو غيره: (قُلْ) لكونه نسيَ: (إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمْ يَقُلْ): إن شاء الله (وَنَسِيَ) أن يقولها، أي: بلسانه، وإلَّا فلم يغفل عن التَّفويض إلى الله بقلبهِ، كما يقتضيه مقام النُّبوَّة (فَأَطَافَ بِهِنَّ) أي: جامعهنَّ (وَلَمْ) بالواو (تَلِدْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ نِصْفَ إِنْسَانٍ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ لَمْ يَحْنَثْ) قال السَّفاقِسيُّ: أي: لم يتخلَّف مرادهُ؛ لأنَّ الحنث لا يكون إلَّا عن يمين، ويحتملُ أن يكون حلف، أو نزل التَّأكيد المستفاد من قوله: لأطوفنَّ منزلة اليمينِ، وهذا الأخير قاله ابن حجرٍ. (وَكَانَ) قول إن شاء الله (أَرْجَى لِحَاجَتِهِ).
وهذا الحديث سبق في «الجهاد» [خ¦٢٨١٩].
(١٢٠) هذا (بابٌ) بالتنوين: (لَا يَطْرُقْ) أي: الرَّجل الغائبُ (أَهْلَهُ لَيْلًا) تأكيد لأنَّ الطُّروق لا يكون إلا ليلًا. نعم قيل: إنَّه يقال أيضًا في النَّهار (إِذَا أَطَالَ الغَيْبَةَ) قيد في الحكم المذكور (مَخَافَةَ أَنْ
стр. 9698
يُخَوِّنَهُمْ (١)) بضم الياء وفتح الخاء المعجمة وكسر الواو المشددة، أي: لأجل خوف تخوينه إيَّاهم، أي: بنسبهم إلى الخيانةِ، فنصب مخافة على التَّعليل، و «أن» مصدريَّة (أَوْ يَلْتَمِسَ) أي: يطلب (عَثَرَاتِهِمْ) بالمثلثة بعد العين، أي: زلَّاتهم. قال السَّفاقِسيُّ: الصَّواب: «يتخونهنَّ» (٢) و «زلاتهنَّ» بالنون فيهما. قال في «الفتح» بل ورد في الصَّحيح بالميم فيهما في «صحيح مسلم» وغيره، وتوجيهه ظاهر، كذا قال. ولم يبين وجهه إلَّا من جهة المرويِّ، وهو وإن كان قويًّا في الحُجَّة لكن يبقى الوجه في العربيَّة، ويحتملُ أن يكون المرادُ بالأهل أعمَّ من الزَّوجةِ، فيشملُ الأولاد مثلًا، فعبَّر بالميم تغليبًا.
٥٢٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ) بكسر الدال المهملة وتخفيف المثلثة، السَّدوسيُّ، قاضي الكوفة (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَكْرَهُ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ طُرُوقًا) بضم الطاء: إتيانًا في اللَّيل من سفرٍ أو غيره على غفلةٍ. وفي حديث أنس عند مسلم: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان لا يطرقُ أهله ليلًا، وكان يأتيهم غدوةً أو عشيَّةً، والعلَّةُ في ذلك أنَّه ربما يجد أهلهُ على غير أهبةٍ من التَّنظيفِ والتَّزيُّنِ المطلوب من المرأة، فيكون ذلك سببًا للنَّفرة بينهما، أو يجدُها على غير حالةٍ مرضيَّة، والسَّتر مطلوب بالشَّرع.
٥٢٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الأحول البصريُّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيلَ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ ﵄ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الغَيْبَةَ) عن أهله في سفرٍ أو غيره (فَلَا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلًا) سبق أنَّ «ليلًا» تأكيدٌ، والتَّقييد بطول الغيبةِ يفيد
стр. 9699
عدم النَّهي في قصيرها (١)، كمن يخرج (٢) لحاجةٍ مثلًا نهارًا ويرجع ليلًا؛ إذ لا يتأتَّى فيه ما في طويلها إذ هو مظنَّةُ وقوع المكروهِ فيما ذكرهُ غالبًا، وفي رواية وكيع عن سفيان الثَّوريِّ، عن محاربٍ، عن جابرٍ قال: «نهى رسولُ الله ﷺ أن يطرقَ الرَّجلُ أهلهُ ليلًا (٣)، يتخوَّنُهم أو يطلبُ عثراتِهم» رواه مسلم. لكن اختلف في هذه الزِّيادة هل هي مدرجةٌ؟ ومن ثمَّ اقتصر البخاريُّ على القدر المتَّفق على رفعه، وساق الباقي في التَّرجمة، وقد أخرجه بهذه الزِّيادة النَّسائيُّ من رواية أبي نُعيم، عن سفيان. ومسلم من رواية عبد الرَّحمن بن مهدي، عن سفيان به. لكنه قال في آخره: قال سفيان: لا أدري هذا في الحديث أم لا؟ والمعنى: أنَّه إذا طرقهم ليلًا، وهو وقت خلوة وانقطاع مراقبةِ النَّاس بعضهم لبعض كان ذلك سببًا لسوء ظنِّ أهله به، وكأنَّه إنَّما قصدَهم ليلًا ليجدهم على ريبةٍ حين (٤) توخَّى وقتَ غرَّتهم وغفلتِهم، وعندَ أحمد والتِّرمذيِّ من طريق أخرى عن الشَّعبي، عن جابرٍ: «لا تَلِجُوا على المغيباتِ فإنَّ الشَّيطان يجري من ابن آدمَ مجرى الدَّم». وعند أبي عَوَانة في «صحيحه» من (٥) حديث محاربٍ، عن جابرٍ: «أنَّ عبدَ الله بن رواحة أتى امرأته ليلًا وعندها امرأةٌ تمشِّطُها، فظنَّها رجلًا، فأشار إليها بالسَّيف، فلمَّا ذكر ذلك للنَّبيِّ ﷺ نهى أن يطرق الرَّجل أهله ليلًا». وأخرج ابنُ خزيمةَ عن ابن عمر قال: «نهى رسولُ الله ﷺ أن تطرقَ النِّساءُ ليلًا، فطرقَ رجلان كلاهما وجد مع امرأتهِ ما يكره». وأخرجه (٦) من حديث ابن عبَّاس نحوه وقال فيه: «فكلاهما وجدَ مع امرأتهِ رجلًا».
وفي الحديث فوائد لا تخفى على متأمِّلٍ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا ومسلم وأبو داود في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «عِشرة النِّساء».
(١٢١) (بابُ طَلَبِ) الرَّجل (الوَلَدِ) بالاستكثار من الجماع لقصد ذلك، لا الاقتصار على اللَّذة.
стр. 9700
٥٢٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهد (عَنْ هُشَيْمٍ) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة، ابن بشير الواسطيِّ البلخيِّ الأصل (عَنْ سَيَّارٍ) بفتح السين المهملة وتشديد التحتية وبعد الألف راء، ابن وردان أبي الحكم العنزيِّ الواسطيِّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامرِ بن شراحيل (عَنْ جَابِرٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ) هي غزوة تبوك (فَلَمَّا قَفَلْنَا) رجعنا (تَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ) لي (قَطُوفٍ) أي: بطيءٍ (فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ مِنْ خَلْفِي) زاد في الباب اللَّاحق [خ¦٥٢٤٧]: «فنخسَ بعيري بعنزةٍ كانت معه، فسارَ بعيري كأحسن ما أنت راءٍ من الإبل» (فَالتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ) لي: (مَا يُعْجِلُكَ؟) أي: ما سبب إسراعكَ؟ (قُلْتُ: إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ) أي: قريب بناء بامرأةٍ (قَالَ) ﵊: (فَبِكْرًا تَزَوَّجْتَ) بنصب: «فبكرًا» بـ «تزوجت» (أَمْ) تزوجتَ (ثَيِّبًا؟ قُلْتُ: بَلْ) تزوَّجت (ثَيِّبًا) وفي بعض الأصول: «قلت: لا بل ثيِّبًا» بزيادة: «لا»، وعليه شرح في «المصابيح» ثمَّ قال: فإن قلت: قول جابر: لا بل ثيِّبًا. ما وجهه ولم يتقدَّم له شيء يُضْرَبُ عنه؟ وأجاب بأنَّ معناه: لِم لا تزوَّجت بكرًا؟ وأضرب عنه وزاد «لا» توكيدًا لتقرير ما قبلها من النَّفي، فقال: لا بل ثيِّبًا. انتهى.
(قَالَ) ﵊: (فَهَلَّا) تزوَّجت (جَارِيَةً) بكرًا (تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ. قَالَ) جابر: (فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ) المدينة (فَقَالَ) ﵊: (أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا -أَيْ: عِشَاءً (١) -) وهذا محمولٌ على بلوغِ خبرهم بالوصول فاستعدوا ليجمع (٢) بينه وبين النَّهي عن الطُّروق ليلًا.
стр. 9701
(لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ) بالمثلثة: المنتشرةِ الشَّعر المغبَّرة الرَّأس (وَتَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ) بضم (١) الميم وكسر المعجمة، أي: تستعملُ الحديدة -وهي الموسى- في إزالةِ الشَّعر المشروعِ إزالته من غاب عنها زوجها.
(قَالَ) أي: هُشيم، كما قاله الإسماعيليُّ: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (الثِّقَةُ) قال الكِرمانيُّ: لم يصرِّح باسمه لأنَّه لعلَّه نسيه، وليس الجهلُ باسمه قادحًا لتصريحه بكونه ثقة (أَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا الحَدِيثِ: الكَيْسَ الكَيْسَ) بالتكرار مرَّتين، والنَّصبُ على الإغراءِ، أي: فعليك بالجماع، أو التَّحذير، أي: إيَّاكَ والعجزَ عن الجماع (يَا جَابِرُ) قال البخاريُّ: (يَعْنِي) ﷺ بقوله: الكيس (الوَلَدَ) فالمراد الحثُّ على ابتغاء الولد، يقال: أكيس الرَّجل إذا ولد له أولاد أكياسٌ. وقال ابن الأعرابيِّ: الكيسُ العقلُ، كأنَّه جعل طلبَ الولدِ عقلًا. وفي رواية محمَّد بن إسحاق عندَ ابن خُزيمة في «صحيحه»: «فإذا قدمتَ فاعملْ عملًا كيِّسًا» وفيه: «قال جابرٌ: فدخلنَا حين أمسينَا فقلتُ للمرأة: إنَّ رسول الله ﷺ أمرَني أن أعملَ عملًا كيسًا. قالت: سمعًا وطاعة، فدونَك، قال: فبتُّ معها حتى أصبحتُ».
٥٢٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الوَلِيدِ) بن عبد الحميد، الملقب بحمدان قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرٍ) غُندر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَيَّارٍ) أبي الحكم العنزيِّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيلَ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ) له لمَّا قفل من تبوك: (إِذَا دَخَلْتَ) المدينةَ (لَيْلًا فَلَا تَدْخُلْ عَلَى أَهْلِكَ حَتَّى تَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ) الَّتي غاب عنها زوجُها
стр. 9702
(وَتَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ) واستنبط منه كراهة مباشرةِ المرأة في الحالة الَّتي تكون فيها غير متنظِّفةٍ لئلَّا يطلع منها على ما يكونُ سببًا لنفرتهِ منها.
(قَالَ) جابر: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَعَلَيْكَ بِالكَيْسِ الكَيْسِ) أي: بطلب (١) الولد. وفي «كتاب معاشرة الأهلين» لأبي عمرو النَّوقانيِّ عن محارب رفعه: قال: «اطلُبوا الولدَ والتمسوهُ؛ فإنَّهم ثمراتُ القلوبِ، وقرَّة الأعينِ، وإيَّاكم والعاقر». قال (٢) في «الفتح»: وهو مرسلٌ قويُّ الإسناد (تَابَعَهُ) أي: تابع الشَّعبيَّ (عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين مصغَّرًا، ابن عمر العمريِّ، فيما سبق موصولًا في «أوائل البيوع» [خ¦٢٠٩٧] (عَنْ وَهْبٍ) هو ابنُ كيسانَ (عَنْ جَابِرٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الكَيْسِ) قال الحافظ ابن حجرٍ: والمتابعُ في الحقيقةِ هو وهب، لكنَّه نسب ذلك إلى عُبيد الله لتفرُّده بذلك عن وهب.
(١٢٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكر فيه: (تَسْتَحِدُّ المُغِيبَةُ وَتَمْتَشِطُ الشَّعِثَةُ) أي: تحلقُ الَّتي غاب عنها زوجُها بالحديدِ ما يشرعُ إزالتهُ من الشَّعر، وتسرِّح شعرَ رأسها الَّذي (٣) تغيَّر (٤) وتفرَّق، وترجِّله وتتزيَّن، وسقط «الشَّعثة» لغير أبي ذرٍّ.
стр. 9703
٥٢٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الدَّورقيُّ قال: (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة، ابن بشير، أبو معاوية السُّلميُّ الواسطيُّ، حافظ بغداد قال: (أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ) العنزيُّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ﵄ أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةٍ) أي: غزوة تبوك (فَلَمَّا قَفَلْنَا) بفتح القاف والفاء المخففة، أي: رجعنا (كُنَّا قَرِيبًا مِنَ المَدِينَةِ تَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ لِي قَطُوفٍ) بفتح القاف وضم الطاء المهملة وبعد الواو فاء، أي: بطيء السَّيرِ (فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ مِنْ خَلْفِي فَنَخَسَ بَعِيرِي بِعَنَزَةٍ) بفتح العين والنون والزاي: عصًا طويلةً أقصر من الرُّمح (كَانَتْ مَعَهُ، فَسَارَ بَعِيرِي كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ الإِبِلِ، فَالتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) زاد في «النِّكاح»: «فقال: مَا يُعْجِلك؟» [خ¦٥٠٧٩] (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرُْسٍ) بضم العين والراء وتُسكَّن، أي: قريب البناءِ بامرأةٍ (قَالَ) ﵊: (أَتَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَ) تزوَّجتَ (بِكْرًا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بكرًا» بإسقاط أداة الاستفهام (أَمْ) تزوَّجت (ثَيِّبًا؟ قَالَ) جابرٌ: (قُلْتُ): يا رسول الله (بَلْ) تزوَّجتُ (ثَيِّبًا. قَالَ) ﵊: (فَهَلَّا) تزوَّجت (بكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ، قَالَ) جابرٌ: (فَلَمَّا قَدِمْنَا) المدينة (ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ) منازلنا (فَقَالَ) ﵊: (أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا) على أهلِيكم (لَيْلًا -أي: عِشَاءً-) جمع بينه وبين النَّفي في قوله في الرِّوايات (١) السَّابقة: «لا يطرق أهله ليلًا» [خ¦١٨٠١] [خ¦٥٢٤٤] بأنَّ الأمر في أوَّل اللَّيل والنَّهي في أثنائهِ، أو الأمر لمن علم أهله بقدومهِ، والحكمة في الإمهالِ: (لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ) قال في «القاموس»: امرأة مُغِيبٌ ومُغِيْبَةٌ ومُغْيبٌ، كمُحْسنٍ، غابَ زوجُها.
(١٢٣) هذا (بابٌ) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿وَلَا يُبْدِينَ﴾) أي: لا يُظهِرن المؤمناتُ (﴿زِينَتَهُنَّ﴾) وهي ما تتزيَّن به المرأةُ من حليٍّ أو كحلٍ أو خضابٍ، والمعنى: ولا يظهرنَ مواضع الزِّينة؛ إذ إظهار عين الزِّينة وهي الكحل ونحوه مباحٌ، فالمراد بها (٢) مواضعها،
стр. 9704
أو إظهارُها وهي في مواضِعِها، ومواضعها: الرَّأس والأذنُ والعنقُ والصَّدرُ والعضدان والذِّراع، فهي (١) الإكليلُ والقرْطُ والقلادَةُ والوشاحُ والدُّملجُ والسِّوارُ والخلخالُ، أو المراد بهذه الآية مواضع الزِّينةِ الباطنةِ، كالصَّدر والسَّاق ونحوهما (﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾) أي: لأزواجهنَّ جمع بعلٍ (إِلَى قَوْلِهِ) تعالى: (﴿لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء﴾ [النور: ٣١]) أي: لم يطَّلعوا لعدم الشَّهوةِ، من ظهر على الشَّيء إذا اطَّلع عليه، وعبَّر بالجمع في قوله: ﴿لَمْ يَظْهَرُوا﴾ عن لفظ الطفل لأنَّه جنسٌ.
٥٢٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البغلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينار أنَّه (٢) (قَالَ: اخْتَلَفَ النَّاسُ بِأَيِّ شَيْءٍ دُووِيَ جُرْحُ رَسُولِ اللهِ) ولغير أبي ذرٍّ: «دوويَ رسول الله» (¬ ﷺ ¬) الَّذي جُرِحه بوجههِ الشَّريف (يَوْمَ) وقعةِ (أُحُدٍ، فَسَأَلُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ، وَكَانَ مِنْ آخِرِ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ) فيه احترازٌ عمَّن بقي من الصَّحابة بالمدينةِ كمحمودِ بن الرَّبيع ومحمود بن لبيدٍ، وبغير المدينةِ كأنسِ بن مالكٍ بالبصرة (فَقَالَ) سهل: (مَا (٣) بَقِيَ مِنَ النَّاسِ) ولأبي ذرٍّ: «ما بقيَ للنَّاسِ» (أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي) أي بالَّذي دووي به جرحه ﵊، وأكثر هذا التَّركيب يستعمل في نفي المثل أيضًا (كَانَتْ فَاطِمَةُ ﵍ تَغْسِلُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ) المقدَّس. فيه المطابقة بين الحديث والآية من جهة كون فاطمةَ ﵂ باشرتْ ذلك من أبيها صلوات الله عليه وسلامه، فيطابق الآية من حيث إبداء المرأةِ زينتها لأبويها (وَ) كان (عَلِيٌّ) ﵁ (يَأْتِي بِالمَاءِ عَلَى تُرْسِهِ، فَأُخِذَ حَصِيرٌ) بضم الهمزة وكسر الخاء المعجمة (فَحُرِّقَ) بضم الحاء المهملة وتشديد الراء المكسورة وتخفف (فَحُشِيَ بِهِ جُرْحُهُ).
وهذا الحديث قد مرَّ في «كتاب الطَّهارة» [خ¦٢٤٣].
стр. 9705
(١٢٤) هذا (بابٌ) بالتنوين يذكر فيه قوله تعالى: (﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ﴾ [النور: ٥٨]) والأطفال الَّذين لم يحتلموا من الأحرارِ، والمرادُ بيانُ حكمهم بالنِّسبة إلى الدُّخول على النِّساء ورؤيتهم إياهنَّ، وسقط «﴿مِنكُمْ﴾» لغير أبي ذرٍّ.
٥٢٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الملقَّب بمرْدَويه السِّمسارُ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ) بالعين المهملة وبعد الألف موحدة مكسورة فسين مهملة، النَّخعيِّ الكوفيِّ، أنَّه قال: (سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄¬) وقد (سَأَلَهُ رَجُلٌ: شَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ العِيدَ) استفهام محذوف الأداة (أَضْحًى) بفتح الهمزة وسكون الضاد والتنوين (أَوْ فِطْرًا؟ قَالَ) ابن عبَّاس: (نَعَمْ (١)، وَلَوْلَا مَكَانِي مِنْهُ) ﷺ (مَا شَهِدْتُهُ -يَعْنِي: مِنْ صِغَرِهِ-) فيه التفاتٌ، أو ليس هذا من كلام ابن عبَّاسٍ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «من صِغري» وهو على الأصل، أي: لولا منزلتي منه ﵊ ما حضرت معه لأجلِ صغري، وأرادَ بشهودِه ما وقع من وعظه للنِّساء لأنَّ الصَّغير (٢) يُغتفر له الحضورُ معهنَّ بخلاف الكبير. (قَالَ) ابن عبَّاس: (خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلَّى) بالنَّاس العيد (ثُمَّ خَطَبَ وَلَمْ يَذْكُرْ) أي: ابن عبَّاس (أَذَانًا وَلَا إِقَامَةً، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ) لأنهنَّ كنَّ في ناحية عن الرِّجالِ (فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ) بتشديد الكاف مِنَ التَّذكير، تفسيرٌ لسابقه أو تأكيدٌ له (وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُهُنَّ يَهْوِينَ) بفتح الياء مِنَ الثُّلاثي، ولأبي ذرٍّ بضمِّها من الرُّباعي.
стр. 9706
بأيديهنَّ (إِلَى آذَانِهِنَّ وَحُلُوقِهِنَّ يَدْفَعْنَ إِلَى بِلَالٍ) الخواتيم والفتخ (ثُمَّ ارْتَفَعَ) أي: رجع ﷺ (هُوَ وَبِلَالٌ إِلَى بَيْتِهِ) والغرض منه مشاهدةُ ابن عبَّاس ما وقع من النِّساءِ حينئذٍ، وكان صغيرًا فلم يحتجبنَ منه، وأمَّا بلالٌ فيحتملُ أن لا يكون إذ ذاكَ يشاهدهنَّ مسفرات.
(١٢٥) (بابُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ: هَلْ أَعْرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟) كذا في الفرع وأصله، لكن عليه علامة السُّقوط في رواية أبي ذرٍّ، وقال في «الفتح»: إنَّ ذلك زاده ابن بطَّالٍ في «شرحه»، ثمَّ قال الحافظ ابن حجرٍ: وقد وجدتُ هذه الزِّيادة في نسخةِ الصَّغاني مقدَّمة، ولفظه: باب قول الرَّجل … إلى آخره، وبعدَه: (وَطَعْنِ الرَّجُلِ ابْنَتَهُ فِي الخَاصِرَةِ عِنْدَ العِتَابِ) وهو عطفٌ على «قول الرَّجل»، مصدرٌ مضافٌ إلى فاعله، و «ابنته» مفعولُه.
٥٢٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابنُ أنس الإمام الأعظمُ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ) القاسم بن محمَّد بن أبي بكرٍ التَّيميِّ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتْ: عَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ) أي: في قصَّة ضياعِ العقدِ وحبس النَّاسِ، وليسوا على ماءٍ، وليس معهم ماء (وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي) بضم العين (بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي) فأدَّبها بالقول والفعل؛ ولذا قالت (١): أبو بكر، ولم تقل: أبِي لأنَّ منزلة الأبوَّةِ تقتضي الحنوَّ (فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي).
وهذا الحديث مطابقٌ للجزء الثَّاني من التَّرجمة على ما لا يخفى، ولم يذكر حديثًا يناسب الجزء الأول، فقال في «الفتح»: إنَّ الَّذي (٢) يظهر أنَّهُ أخلى بياضًا ليكتب فيه ما يناسبه. قال: وقد
стр. 9707
وقعَ في قصَّة أبي طلحةَ وأمِّ سليمٍ عند موت ولدهما (١) وكتمها ذلك عنه حتَّى تعشَّى وبات معها، فأخبرتْه بذلك، فأخبر بذلك أبو طلحة النَّبيَّ ﷺ ، فقال: «أعرَّستُم اللَّيلة؟» قال: نعم.
وسيأتي إن شاء الله تعالى في أوائل «العقيقة» [خ¦٥٤٧٠] بعون الله وقوَّته.
стр. 9708
((٦٨)) (كِتَابُ الطَّلَاقِ) هو في اللُّغة: رفعُ القيدِ، يقال: أطلقَ الفرسَ والأسير، وفي الشَّرع: رفعُ القيدِ الثَّابت شرعًا بالنِّكاح. فقوله: شرعًا يخرج به القيدُ الثَّابت حسًّا، وهو حلُّ الوثاقِ، وبالنِّكاح يخرج العتق لأنَّه رفع قيدٍ ثابتٍ شرعًا لكنَّه لا (١) يثبُت بالنِّكاح، واستعملَ في النِّكاح بلفظ التَّفعيل، وفي غيره بالإفعالِ، ولهذا لو قال لها: أنت مُطلَّقة بتشديد اللام لا يفتقرُ إلى نيَّةٍ ولو خفَّفها فلا بدَّ منها، ويقالُ: طَلُقت المرأةُ -بفتح الطاء وضم اللام، وبفتحها أيضًا- وعن الأخفشِ نفيُ الضَّمِّ. وفي «ديوان الأدب» أنَّه لغة، ويقال: طُلِّقت أيضًا -بضم أوله وكسر اللام المشددة- فإن خُفِّفت فهو خاصٌّ بالولادةِ، وفي مشروعيَّة النِّكاح مصالح العباد الدِّينيَّة والدُّنيويَّة، وفي الطَّلاق إكمالٌ لها إذ قد لا يوافقه النِّكاح فيطلب الخلاص عند تباين الأخلاق، وعروض البغضاءِ الموجبة عدم إقامة حدودِ الله، فمكَّن من ذلك رحمةً منه سبحانه، وفي جعله عددًا حكمةٌ لطيفةٌ لأنَّ النَّفس كذوبةٌ ربَّما تظهرُ عدمَ الحاجة إلى المرأة أو الحاجة إلى تركها وتُسوِّله له (٢)، فإذا وقع حصل النَّدم، وضاق الصَّدر به، وعيلَ الصَّبر، فشرعه ثلاثًا ليجرِّب نفسه في المرَّة الأولى، فإن كان الواقع صِدْقَها استمرَّ حتَّى تنقضيَ العدَّة، وإلَّا أمكنه التَّدارك بالرَّجعة، ثمَّ إذا عادت النَّفس لمثل الأوَّل وغلبته حتَّى عاد إلى طلاقِها نظر أيضًا فيما يحدثُ له، فما يُوقع الثَّالثة إلَّا وقد جرَّب وفَقِه في حال نفسه، ثمَّ حرَّمها عليه بعد انتهاء العددِ قبل أن تتزوَّج آخر ليُثاب بما فيه غيظهُ وهو الزَّوج الثَّاني على ما عليه من جبلَّة الفُحوليَّة بحكمتهِ ولطفه تعالى بعباده.
стр. 9709
(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وسقطتِ «الواو» لغيرِ أبي ذرٍّ: (﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء﴾) خصَّ النَّبيَّ ﷺ بالنِّداء وعمَّ بالخطابِ لأنَّه ﷺ إمامُ أمَّته وقدوتهم، كما يقال لرئيسِ القوم: يا فلان افعلوا كذا، إظهارًا لتقدُّمه فكأنَّه هو وحده في حكم كلِّهم وسادًّا مسدَّ جميعهم، أو التقدير: يا أيُّها النَّبيُّ وأمَّته (١)، أو هو على إضمار: قل، والتَّقدير: يا أيُّها النَّبيُّ قل لأمَّتك، ومعنى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء﴾ إذا أردتُم تطليقهنَّ على تنزيلِ المقبل على الأمر المشارف له منزلةَ الشَّارع فيه (﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾) أي: فطلِّقوهنَّ مستقبلاتٍ لعدَّتهنَّ، أي: عند ابتداءِ شروعهنَّ في العدَّة، واللَّام للتَّوقيت كقولك (٢): أتيتُه لليلةٍ بقيتْ من المحرَّم، أي: مستقبلًا لها، والمراد: أنْ يطلِّق المدخول بهنَّ من المعتدَّات بالحيض في طُهرٍ لم يجامعهُنَّ فيه، ثمَّ يُخَلَّين حتَّى تنقضي عدَّتهنَّ، وهذا أحسن الطَّلاق. وفي حديث ابن عُمر عند مسلمٍ: قرأ رسول الله ﷺ : «فطلِّقوهنَّ في قُبُلِ عدتهنَّ» (﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١]) واضبطوها بالحفظ، وأكملوها ثلاثةَ أقراءٍ مستقبلاتٍ كواملَ لا نقصانَ فيهنَّ. يقال: (﴿أحْصَيْنَاهُ﴾ [يس: ١٢]) أي: (حَفِظْنَاهُ وَعَدَدْنَاهُ) وهذا التَّفسير لأبي عُبيدة، وأخرج الطَّبريُّ معناه عن السُّدِّيِّ، والمراد بالأمر (٣) أن يحفظَ ابتداء وقت العدَّة؛ لئلَّا يلتبس الأمر فتطول المدَّة فتتأذَّى بذلك المرأةُ، وخوطب الأزواجُ بذلك لغفلةِ النِّساء.
ثمَّ إنَّ الطَّلاق يكون بدعيًّا وسنِّيًّا وواجبًا ومستحبًّا ومكروهًا: فأمَّا السُّنيُّ فأشار إليه (٤) البخاريُّ بقوله: (وَطَلَاقُ السُّنَّةِ: أَنْ يُطَلِّقَهَا) بعد الدُّخول بها حال كونها (طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ) في ذلك الطُّهر، ولا في حيضٍ قبله، وليست بحاملٍ، ولا صغيرةٍ، ولا آيسةٍ، وهي (٥) تعتدُّ بالأقراء، وذلك لاستعقابهِ الشُّروع في العدَّة (وَيُشْهِدُ شَاهِدَيْنِ) لقوله : ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وعن ابن عبَّاسٍ فيما أخرجه ابن مَرْدويه، قال: «كان نفرٌ من المهاجرين يطلِّقون لغير عدَّةٍ ويراجعون بغير شهودٍ فنزلت»، وأمَّا تسميتُه بالسُّنيِّ فقال الشَّيخ كمالُ الدِّين
стр. 9710
ابن الهُمام: الطَّلاقُ السُّنِّيُّ المسنونُ، وهو كالمندوبِ في استعقابِ الثَّواب، والمراد به هنا المباح لأنَّ الطَّلاق ليس عبادةً في نفسه ليثبت له ثوابٌ، فمعنى المسنون منه ما ثبتَ على وجهٍ لا يستوجب عِتابًا. نعم لو وقعت له داعيةٌ أن يطلِّقها (١) عقب جماعها أو حائضًا فمنع نفسه إلى الطُّهر الآخر فإنَّه يثاب، لكن لا على الطَّلاق في الطُّهر الخالي عن الحيض، بل على كفِّ نفسه عن ذلك الإيقاعِ على ذلك الوجهِ امتناعًا عن المعصية.
وأمَّا البدعيُّ فطلاق مدخولٍ بها بلا عوضٍ منها في حيضٍ أو نفاسٍ أو في عدَّة طلاقٍ رجعيٍّ، وهي تعتدُّ بالأقراءِ، وذلك لمخالفته (٢) قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وزمن الحيض والنِّفاس لا يحسب من العدَّة، والمعنى فيه تضرُّرها بطول مدَّة التَّربُّص أو في طهرٍ جامعها فيه، أو استدخلت ماءه فيه، ولو كان الجماعُ أو الاستدخال في حيضٍ قبله أو في الدُّبر إن لم يتبيَّن حملها، وكانت ممَّن يحبلُ لأدائه إلى النَّدم عند ظهورِ الحمل؛ لأنَّ الإنسان قد يطلق الحائلَ دونَ الحامل، وعند النَّدم قد لا يمكنه التَّدارك فيتضرَّر هو والولد، وألحقوا الجماعَ في الحيض بالجماعِ في الطُّهر لاحتمال العلُوق فيه، والجماعُ في الدُّبر كالجماعِ في القُبل لثبوت النَّسب ووجوب العدَّة به، وهذا الطَّلاق حرامٌ للنَّهي عنه، وقال النَّوويُّ: أجمعَـ[ت] الأمَّة على تحريمهِ بغير رضا المرأةِ، فإن طلَّقها أثِمَ ووَقَعَ طلاقُه.
٥٢٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأُويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابنُ أنسٍ الإمامُ (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ) هي آمِنةُ -بمدِّ الهمزة وكسر الميم- بنتُ غِفَارٍ -بكسر المعجمة وتخفيف الفاء-، أو بنتُ عَمَّارٍ -بعين مهملة مفتوحة ثم ميم مشددة-. قال ابن حجرٍ: والأوَّل أولى. وفي «مسند أحمد» أنَّ اسمها النَّوَار، ويمكن أن
стр. 9711
يكون اسمها آمنة ولقبها النَّوَار (وَهْيَ حَائِضٌ) جملةٌ حاليَّةٌ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁ (رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ) عن حكم طلاقِ ابنهِ على الصِّفة المذكورة. زادَ الزُّهريُّ -كما في «التفسير» - عن سالم: «أنَّ ابنَ عمر أخبره فتغيَّظ فيه رسول الله ﷺ » [خ¦٤٩٠٨] (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لعمر: (مُرْهُ) أصله: اُأْمره، بهمزتين الأولى للوصل مضمومة تبعًا للعين، مثل: اقتل، والثَّانية فاء الكلمة ساكنةٌ تبدَّل تخفيفًا من جنس حركةِ سابقتها، فتقول: أومر (١)، فإذا وصل الفعل بما قبله زالت همزةُ الوصل وسكِّنت الهمزةُ الأصليَّة كما في قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢]. لكن استعملها العربُ بلا همزةٍ (٢)، فقالوا: مُر (٣) لكثرة الدَّور، ولأنَّهم حذفوا أوَّلًا الهمزة الثَّانية تخفيفًا، ثمَّ حذفوا همزة الوصل استغناءً عنها لتحرُّك ما بعدها وكذا حكمُ أخذ وأكل، أي: مُر ابنك عبدَ الله (فَلْيُرَاجِعْهَا) والأمر للنَّدب عند الشَّافعيَّة والحنابلة والحنفيَّة. وقال المالكيَّة: وصحَّحه صاحبُ «الهداية» من الحنفيَّة للوجوب، ويجبر على مراجعتها ما بقي من العدَّة شيءٌ. قال ابنُ القاسم وأشهب وابنُ الموَّاز: يجبر عندنا بالضَّرب والسَّجن والتَّهديد. انتهى.
لنا: قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] وغيرها من الآياتِ المقتضية للتَّخيير بين الإمساكِ بالرَّجعة أو الفراق بتركِها، فجمع بين الآيات والحديث بحملِ الأمر على النَّدب، ولأنَّ المراجعة لاستدراكِ النِّكاح، وهو غيرُ واجبٍ في الابتداء. قال الإمامُ: ومع استحبابِ الرَّجعة لا نقول إنَّ تركها مكروهٌ، لكن قال في «الرَّوضة»: فيه نظرٌ، وينبغي كراهته لصحَّة الخبر فيه ولدفع الإيذاءِ، ويسقط الاستحباب بدخول الطُّهر الثَّاني. وقال ابنُ دقيق العيد: ويتعلَّق بالحديث مسألةٌ أصوليَّةٌ، وهي الأمر بالأمر بالشَّيء، هل هو أمرٌ بذلك الشَّيء أم لا؟ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لعمر: «مُرْهُ» فأَمره بأَمره، وقد أطال في «الفتح» البحث في هذه المسألة، والحاصلُ: أنَّ الخطاب إذا توجَّه لمكلَّفٍ أن يأمر مكلَّفًا آخر بفعل شيءٍ، كان المكلَّفُ الأوَّل مبلِّغًا محضًا، والثَّاني مأمورٌ من قبل الشَّارع كما هنا، وإن توجَّه من الشَّارع لمكلَّفٍ أن يأمرَ غير المكلَّف كحديث: «مُرُوا أَولَادَكُم بالصَّلَاةِ لِسَبعٍ» لم يكن الأمر بالأمر بالشَّيء أمرًا بالشَّيء لأنَّ الأولاد
стр. 9712
غير مكلَّفين، فلا يتَّجه عليهم الوجوب، وإن توجَّه الخطاب من غير الشَّارع بأمرِ مَن له عليه الأمر أن يأمرَ من لا أمر للأوَّل عليه، لم يكن الأمر بالأمر بالشَّيء أمرًا بالشَّيء أيضًا، بل هو مُتعدٍّ (١) بأمره للأوَّل أن يأمر الثَّاني.
(ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا) بإعادة اللَّام ويجوز تسكينها كقراءةِ ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] فالكسر على الأصل في لام الأمر فرقًا بينها (٢) وبين لام التَّأكيد، والسكون للتَّخفيف إجراءً للمنفصلِ مجرى المتَّصل، والمرادُ الأمرُ باستمرار الإمساكِ لها، وإلَّا فالرَّجعة إمساكٌ، وفي رواية عُبيد الله بنِ عمر، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ -عند مسلمٍ-: «ثمَّ ليدعها» (حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ) حيضةً أخرى (ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَـ) ها (بَعْدُ) أي بعد الطُّهر من الحيض الثَّاني (وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَـ) ها (قَبْلَ أَنْ يَمَسَّـ) ها، أي: يُجامعها.
واختلف في علَّة هذه الغاية، فقيل: لئلَّا تصير الرَّجعة لمجرَّد غرضِ الطَّلاق لو طلَّق في أوَّل الطُّهر؛ بخلاف الطُّهر الثَّاني، وكما (٣) ينهى عن النِّكاح لمجرد الطَّلاق ينهى عن الرَّجعة له، ولا يستحبُّ الوطء في الطُّهر الأوَّل اكتفاءً بإمكان التَّمتُّع، وقيل: عقوبة وتغليظ، وعورض بأنَّ ابنَ عمر لم يكن يعلم تحريمَه. وأُجيب بأنَّ تغيُّظه (٤) ﷺ دون أن يعذره يقتضي أنَّ ذلك في الظُّهور لا يكاد يخفى على أحدٍ. وفي مسلمٍ من روايةِ محمَّد بنِ عبدِ الرَّحمن، عن سالمٍ: «مُره فَليراجِعها، ثمَّ ليُطلِّقها طاهرًا أو حاملًا». قال الشَّافعي وابنُ عبدِ البرِّ: رواه جماعةٌ غير (٥) نافعٍ بلفظ: «حتَّى تطهُرَ منَ الحيضَةِ التِّي طلَّقَها فيها ثمَّ إنْ شَاءَ أمسَكَها» روايةُ يونس بن جبيرٍ وأنس بن سيرين وسالم، فلم يقولوا: ثمَّ تحيض ثمَّ تطهر. نعم رواية الزُّهريِّ عن سالمٍ موافقةٌ لرواية (٦) نافعٍ كما نبَّه عليه أبو داود، والزِّيادة من الثِّقة مقبولةٌ خصوصًا إذا كان حافظًا، واختلف في جواز تطليقها في الطُّهر الَّذي يلي الحَيضة التِّي وقع فيها الطَّلاق والرَّجعة، فقطع
стр. 9713
المتولِّي بالمنع، وهو الَّذي يقتضيه ظاهرُ الزِّيادة الَّتي في الحديث. وذكرَ الطَّحاويُّ أنَّه يطلِّقها في الطُّهر الَّذي يلي الحيضة. قال الكرخيُّ: وهو قول أبي حنيفة لروايةِ سالم، رواه مسلم وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه؛ لأنَّ أثر الطَّلاق قد انعدم بالمراجعة فصار كأنَّه لم يطلِّقها. وقال أبو يوسف ومحمَّد: في طُهرٍ ثانٍ، أي: إذا طهرتْ من تلك الحيضة الَّتي وقع فيها الطَّلاق ثمَّ حاضت ثمَّ طهُرت.
(فَتِلْكَ العِدَّةُ) أي: فتلك زمنُ العدَّة، وهي حالة الطُّهر (الَّتِي أَمَرَ اللهُ) أي: أذنَ (أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ) في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. واستُدلَّ به على أنَّ القرءَ المذكور في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] المراد به الطُّهر، كما ذهب إليه مالك والشَّافعيُّ.
وأمَّا الطَّلاق الواجب ففي الإيلاء على المُولِي لأنَّ المدَّة إذا انقضتْ وجب عليه الفيئةُ أو الطَّلاق. وفي الشِّقاق على الحكمين إذا أَمَرَا لِمَظْلومةٍ (١)، ولا بدعةَ فيه للحاجة إليه مع طلب الزَّوجة (٢).
وأمَّا المستحبُّ فعند خوف تقصيره في حقِّها لبُغضٍ أو غيره، أو بأن لا تكون عفيفةً لحديث الرَّجل الَّذي قال: يا رسول الله إنَّ امرأتي لا تردُّ يد لامسٍ. فقال رسول الله ﷺ (٣): «طلِّقْهَا» والأمر للاستحبابِ، يدلُّ عليه قوله ﵊ لمَّا أن قال له: إنِّي أحبُّها: «أَمْسِكْهَا» وألحق به ابنُ الرِّفعة طلاق الولد إذا أمره به والده لحديثِ الأربعةِ، وصحَّحه التِّرمذيُّ وابنُ حبَّان: أنَّ ابن عمر قال: كان تحتي امرأةٌ أحبُّها وكان عمر يكرهها، فقال: طلِّقْهَا، فأتيت النَّبيَّ ﷺ فقال: «أَطِعْ أَبَاكَ».
وأمَّا المكروهُ فعند سلامة الحال، لحديث: «ليسَ شَيءٌ مِن الحَلالِ أبغَضُ إِلى اللهِ مِن الطَّلاقِ».
стр. 9714
وأمَّا المباح فطلاقُ من أُلقي عليه عدم اشتهائها، بحيث يعجزُ أو يتضرَّر بإكراههِ نفسَه على جماعها، فهذا إذا وقع فإن كان قادرًا على طَول غيرها مع استبقائها ورضيتْ بإقامتها في عِصمته بلا وطءٍ أو بلا قسمٍ فيكره طلاقُها، كما كان بين رسول الله ﷺ وبين سودة، وإن لم يكن قادرًا على طَولها أو لم ترضَ هي بترك حقِّها فهو مباحٌ لأنَّ مقلِّب القلوب ربُّ العالمين.
وهذا الحديثُ أخرجه مسلم، وأبو داود، والنَّسائيُّ في «الطَّلاق».
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا طُلِّقَتِ) المرأة (الحَائِضُ) بضم الطاء مبنيًّا للمفعول (يُعْتَدُّ بِذَلِكَ الطَّلَاقِ) بضم التحتية مبنيًّا للمفعول وبفوقيَّة مفتوحة، أجمعَ على ذلك أئمَّة الفتوى خلافًا للظَّاهريَّة والخوارج والرَّافضة، حيث قالوا: لا يقعُ لأنَّه منهيٌّ عنه، فلا يكون مشروعًا. لنا: قوله ﵊ لعمر: «مُرْهُ فليُراجِعهَا» وكان طلَّقها في حالةِ الحيض كما مرَّ، والمراجعة بدون الطَّلاق محالٌ، ولا يقال: المراد بالرَّجعة: الرَّجعة اللُّغويَّة، وهي الرَّدُّ إلى حالها الأوَّل لا أنَّه يجب عليه طلقةً لأنَّ هذا غلطٌ؛ إذ (١) حمل اللَّفظ على الحقيقة الشَّرعية مقدَّمٌ على حمله على الحقيقة اللُّغويَّة كما تقرَّر في علم (٢) الأصول، ولأنَّ (٣) ابنَ عمر صرَّح في الحديث الآتي بأنَّه حسبَها عليه طلقةً.
٥٢٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَنَسِ
стр. 9715
ابْنِ سِيرِينَ) أخي محمَّد بن سيرين أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ) ﵄ (قَالَ: طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ) آمنة (وَهْيَ) أي: والحال أنَّها (حَائِضٌ) وسقط قوله: «قال: طلَّق ابن عمر» لأبي ذرٍّ، وفي نسخةٍ بدل السَّاقط أنَّه: «طلَّق امرأته» وقال الكِرمانيُّ: فإن قلت: أين المطابقةُ بين المبتدأ والخبر؟ وأجاب بأنَّ التاء للفرق بين المذكَّر والمؤنَّث، وإذا كانت الصِّفة خاصَّةً بالنِّساء فلا حاجة إليها (فَذَكَرَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬) ذلك (فَقَالَ) ﵊: (لِيُرَاجِعْهَا) إلى عصمته من الطَّلقة التي أوقعها بالصِّفة المذكورة. قال أنسُ بنُ سيرين: (قُلْتُ) لابن عمر: (أتُحْتَسَبُ) طلقةً بضم الفوقية الأولى وفتح الثانية؟ (قَالَ) ابنُ عمر: (فَمَهْ؟!) هي ما الاستفهامية أدخلَ عليها هاء السَّكت في الوقفِ مع أنَّها غير مجرورةٍ وهو قليلٌ، أي: فما يكون إن لم أحتسب (١)، أو هي كلمةُ كفٍّ وزجرٍ، أي: انزجر عنه، فإنَّه لا شكَّ في وقوع الطَّلاق وكونه محسوبًا في عدد الطَّلاق.
وهذا نصٌّ في موضع النِّزاع يردُّ على القائل بعدمِ الوقوع، فيجبُ المصير إليه، وعند الدَّارقطنيِّ من رواية شعبةَ، عن أنسِ بن سيرين، فقال عمرُ: يا رسول الله أفتحتسبُ بتلك الطَّلقة (٢)؟ قال: «نعم». وعنده أيضًا من طريق سعيدِ بن عبد الرَّحمن الجُمَحِيِّ، عن عُبيد الله ابن عمر، عن نافعٍ، عن ابنِ عمر: أنَّ رجلًا قال: إنِّي طلَّقت امرأتي البتَّة وهي حائضٌ، فقال: عصيتَ ربَّك وفارقتَ امرأتك، قال: فإنَّ رسولَ الله ﷺ أمر ابنَ عمر أن يُرَاجع امرأتَه. قال (٣): إنَّه أمرَ ابن عمرَ أن يراجعَها بطلاقٍ بقي له، وأنت لم يبقَ لك ما ترتجعُ به امرأتكَ. وقد وافقَ ابن حزمٍ من المتأخِّرين التَّقيُّ ابن تيميَّة، واحتجُّوا له بما عند مسلمٍ من حديث أبي الزُّبير، عن ابنِ عمر فقال رسولُ الله ﷺ : «ليُرَاجِعهَا» فردَّها، وقال: «إذَا طَهُرت فليُطلِّق أو لِيمسِك» وزاد النَّسائيُّ وأبو داودَ فيه: «ولم يرها شيئًا». لكن قال أبو داود: روى هذا الحديث عن ابنِ عمرَ جماعةٌ، وأحاديثهم كلُّها على خلافِ ما قال أبو الزُّبير، وقال أبو عمر ابن عبد البرِّ: لم يقلْها غير أبي الزُّبير، وليس بحجَّةٍ فيما خالفه فيه مثلُه، فكيف بمن هو أثبتُ منه، وقال الخطَّابيُّ: لم يرو أبو الزُّبير حديثًا أنكر من هذا. وقال الشَّافعيُّ فيما نقله البيهقيُّ في «المعرفة»: نافعٌ أثبتُ من أبي الزُّبير، والأثبتُ من الحديثين أولى أن يؤخذَ به إذا تخالَفا، وقد وافقَ نافعًا
стр. 9716
غيره من أهل الثَّبتِ، وحمل قوله: «لم يرها شيئًا» على أنَّه لم يعدَّها شيئًا صوابًا، فهو كما يقال للرَّجل إذا أخطأ في فعلهِ أو أخطأ في جوابه: لم تصنعْ شيئًا، أي: لم تصنع شيئًا صوابًا. وقال الخطَّابيُّ: لم يرها شيئًا تحرمُ معه المراجعة، وقد تابعَ أبا الزُّبير غيرُه، فعندَ سعيدِ بن منصور من طريق عبدِ الله بنِ مالكٍ، عن ابن عمرَ: أنَّه طلَّق امرأتَهُ وهي حائضٌ، فقال رسولُ الله ﷺ : «ليسَ ذلِكَ بشيءٍ» وكلُّ ذلك قابلٌ للتَّأويل، وهو أولى من تغليطِ بعض الثِّقات.
وقال (١) ابنُ القيِّم منتصرًا لشيخه ابن تيميَّة: الطَّلاق ينقسم إلى حلالٍ وحرامٍ، فالقياس أنَّ حرامه باطلٌ كالنِّكاح وسائر (٢) العقود، وأيضًا فكما أنَّ النَّهي يقتضي التَّحريم فكذلك يقتضِي الفساد، وأيضًا فهو طلاقٌ منع منه الشَّرع، فأفاد منعُه عدم جواز إيقاعهِ، فكذلك يفيدُ عدم نفوذِه، وإلَّا لم يكن للمنعِ فائدة؛ لأنَّ الزَّوج لو وكَّل رجلًا أن يطلِّق امرأتَه على وجهٍ، فطلَّقها على غيرِ الوجه المأذون فيه لم ينفُذ (٣)، فكذلك لم يأذن الشَّارع لمكلَّفٍ في الطَّلاق إلَّا إذا كان مباحًا، فإذا طلَّق طلاقًا محرَّمًا لم يصحَّ، وأيضًا فكلُّ ما (٤) حرَّمه الله من العقودِ مطلوب الإعدام (٥)، فالحكمُ ببطلان ما حرَّمه (٦) أقربُ إلى تحصيلِ هذا المطلوب من تصحيحهِ، ومعلومٌ أنَّ الحلالَ المأذون فيه ليس كالحرامِ الممنوع منه، ثمَّ ذكرَ معارضاتٍ (٧) أُخرى لا تنهضُ مع التَّنصيص على صريحِ الأمر بالرَّجعة، فإنَّها فرعُ وقوع الطَّلاق وعلى تصريحِ صاحب القصَّة بأنَّها حُسبتْ عليه تطليقة، والقياسُ في معارضةِ النَّص فاسدُ الاعتبارِ. انتهى ملخصًا من «الفتح».
وقد عطف المؤلِّف على قوله في السَّند (٨): عن أنسِ بن سيرين قولَه (٩): (وَعَنْ قَتَادَةَ) بن
стр. 9717
دِعامة (عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ) بضم الجيم وفتح الموحدة، الباهليِّ البصريِّ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) أنَّه (قَالَ): قال رسول الله ﷺ لعمر: (مُرْهُ) أي: مُر ابنك (فَلْيُرَاجِعْهَا) أي: امرأته التي طلَّقها في الحيض. قال يونسُ بن جبيرٍ: (قُلْتُ) لابن عمر: (تُحْتَسَبُ (١)) مبني للمفعول، التَّطليقة (قَالَ: أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أَرأيتهُ» (إِنْ عَجَزَ) عن فرضٍ فلم يُقمه (وَاسْتَحْمَقَ) فلم يأتِ به أيكون ذلك عُذرًا له، وقال النَّوويُّ: الهمزةُ في أرأيتَ للاستفهام الإنكاريِّ، أي: نعم يحتسب الطَّلاق، ولا يمنع احتسابه (٢) لعجزهِ وحماقتهِ. وقال غيرُه: استَحمَقَ -بفتح التاء والميم- مبنيًا للفاعل، أي: طلبَ الحُمق بما فعله من طلاقِ امرأتهِ وهي حائضٌ، أي: أرأيتَ إنْ عجزَ الزَّوج عن السُّنَّة، أو جهل السُّنَّة فطلَّق في الحيضِ، أيعذرُ لحمقهِ فلا يلزمُه طلاق استبعادًا من ابنِ عمر أن يعذرَ أحدٌ بالجهلِ بالشَّريعة، وهو القولُ الأشهر أنَّ الجاهلَ غير معذورٍ، وقال ابن الخشَّاب: أي فَعَلَ فعلًا يصيرُ به أحمق عاجزًا، فيسقطُ عنه حكمَ الطَّلاق عجزُه أو حُمقُه، والسين والتاء فيه إشارة إلى أنَّه تكلَّف الحمْقَ بما فعله من تطليقِ امرأتهِ وهي حائضٌ.
وقال الكِرمانيُّ: يحتملُ أن تكون «إنْ» نافيةً بمعنى: لم يعجز ابنُ عمر ولا استَحمق لأنَّه ليس بطفلٍ ولا مجنونٍ حتَّى لا يقع طلاقُه، والعجز لازم الطِّفل، والحمقُ لازم الجنون، فهو من إطلاقِ اللَّازم وإرادةِ الملزوم. انتهى.
قال النَّوويُّ: والقائلُ هذا الكلام ابن عمر يريدُ نفسه، وإن عاد الضَّمير بلفظ الغيبة، وقد جاءَ في مسلمٍ أنَّ ابنَ عمر قال: «ما لي لا أعتدُّ بها وإن كنتُ عجزتُ واستَحمقتُ».
٥٢٥٣ - (وَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (أَبُو مَعْمَرٍ) عبدُ الله بن عمرو المِنْقَريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بنُ سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتيانيُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) أنَّه (قَالَ: حُسِبَتْ) بضم الحاء مبنيًّا للمفعول (عَلَيَّ) بتشديد التحتية، الطَّلقة الَّتي طلَّقتها في الحيض (بِتَطْلِيقَةٍ) فيه ردٌّ على ما تمسَّك به الظَّاهريَّة ومن نحا نحوهم في قوله: إنَّه لم يعتدَّ بها ولم يرها شيئًا لأنَّه وإن لم يصرِّح برفع ذلك إلى النَّبيِّ ﷺ ، فإنَّ فيه تسليمًا أنَّ ابن عمر قال:
стр. 9718
إنَّها حُسبت عليه بتطليقةٍ، فكيف يجتمعُ هذا مع قوله: إنَّه لم يعتدَّ بها، ولم يرها شيئًا، على المعنى الَّذي ذهب إليه المُخالف لأنَّه إن جعل الضَّمير للنَّبيِّ ﷺ لزم منه أنَّ ابنَ عمر خالفَ ما حكمَ به النَّبيُّ ﷺ في هذه القصَّة بخصوصِها لأنَّه قال: إنَّها حُسبت عليه بتطليقةٍ، فيكون مَن حسبها عليه خالفَ كونه لم يرها شيئًا، أوَكيف يُظنُّ به ذلك مع اهتمامهِ واهتمام أبيه بسؤالِ النَّبيِّ ﷺ عن ذلك ليفعلَ ما يأمره به، وإن جعل الضَّمير في: «لم يعتدَّ بها» أو (١) «لم يرها» (٢) لابن عمر لزم منه التَّناقض في القصَّة الواحدة، فيفتقرُ إلى التَّرجيح، ولا شكَّ أنَّ الأخذَ بما رواه الأكثرُ والأحفظُ أولى من مُقابله عند تعذُّر الجمعِ عند الجمهور، وأمَّا قول ابن القيِّم في الانتصار لشيخه: لم يرد التَّصريح بأنَّ ابنَ عمر احتسبَ بتلك التَّطليقة إلَّا في رواية سعيدِ بن جُبير عنه عند البخاريِّ، وليس فيها التَّصريح بالرَّفع، قال: فانفراد سعيد بن جُبيرٍ بذلك كانفرادِ أبي الزُّبير بقوله: لم يرها شيئًا، فإمَّا أن يتساقطا، وإمَّا أن تُرجَّح رواية أبي الزُّبير لتصريحهَا بالرَّفع، وتحملُ رواية سعيد بن جُبيرٍ: على أنَّ أباه هو الذي حسبها عليه بعد موتِ النَّبيِّ ﷺ في الوقت الَّذي ألزمَ النَّاس فيه بالطَّلاق الثَّلاث بعد أن كانوا في زمنِ النَّبيِّ ﷺ لا يحتسب عليهم به ثلاثًا إذا كان بلفظٍ واحدٍ.
وأُجيب بأنَّه قد ثبت في مسلم من رواية أنس بنِ سيرين: سألتُ ابن عمر عن امرأتهِ الَّتي طلَّقها وهي حائضٌ، فذكر ذلك عمر للنَّبيِّ ﷺ فقال: «مُرهُ فليُراجعْهَا، فإذَا طهُرَتْ فليُطلِّقهَا لطُهْرهَا» قال: فَراجعتها ثمَّ طلَّقتها لطهرها، قلت: فاعتددت بتلك التَّطليقة وهي حائضٌ، فقال: ما لي لا أعتدُّ بها وإن كنتُ عجزتُ واستحمقتُ. وعند مسلمٍ أيضًا من طريق (٣) ابن أخي ابنِ شهابٍ، عن عمِّه، عن سالمٍ -في حديث الباب-: وكان (٤) ابنُ عمر طلَّقها تطليقةً فحُسبتْ من طلاقها، فراجعَها كما أمره رسول الله ﷺ . ففيه موافقةُ أنس بن سيرين سعيد ابن جُبيرٍ، وأنَّه راجعها في زمنه ﷺ ، قاله في «فتح الباري».
وما في الحديث من الفوائد لا يخفى على مُتأمِّلٍ، والله الموفِّق.
стр. 9719
(٣) (بابُ مَنْ طَلَّقَ) امرأته جاز له ذلك لأنَّ الله تعالى شرع الطَّلاق كما شرع النِّكاح، قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] و ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ [الطلاق: ١] وأمَّا حديثُ: «ليسَ شيءٌ منَ الحلالِ أبغَضَ إلى اللهِ منَ الطَّلاقِ» المرويُّ في «سنن أبي داود» بإسنادٍ صحيحٍ وصحَّحه الحاكم، وفي لفظ: «إنَّ أبغَضَ المباحَاتِ عندَ اللهِ الطَّلاق» فمحمولٌ على ما إذا وقعَ عن غير سببٍ مع كونه أُعلَّ بالإرسالِ، بل قال الشَّيخ كمال الدِّين ابنُ الهمام: إنَّه نصَّ على إباحتهِ وكونهِ مبغوضًا، وهو (١) لا يستلزمُ ترتُّب لازم المكروه الشَّرعيِّ إلَّا لو كان مكروهًا بالمعنى الاصطلاحيِّ، ولا يلزم ذلك من وصفه بالبُغض إلَّا لو لم يصفْه بالإباحة، لكنَّه وصفه بها؛ لأنَّ أفعل التَّفضيل بعض ما أُضيف إليه، وغاية ما فيه أنَّه مبغوضٌ إليه ، ولم يرتِّب عليه ما رتَّب على المكروهِ، ودليل نفي الكراهةِ قوله تعالى: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وطلاقهُ ﷺ حفصةَ (وَهَلْ يُوَاجِهُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بِالطَّلَاقِ؟) الأَولى ترك ذلك إلَّا إن احتيجَ إليه (٢).
٥٢٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبدُ الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ) بنُ مسلمٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرو (قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ) محمَّد بن مسلمٍ: (أَيُّ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ؟ قَالَ) مُجيبًا عن ذلك: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بنُ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ ابْنَةَ الجَوْنِ) بفتح الجيم وبعد الواو الساكنة نون، أميمةَ بنت النُّعمان بن شَراحيل على الصَّحيح، وقيل: أسماء (لَمَّا أُدْخِلَتْ) بضم الهمزة وكسر الخاء المعجمة (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَدَنَا) أي: قرُب (مِنْهَا) بعد أن تزوَّجها (قَالَتْ) لِما كتبه الله عليها من الشَّقاء: (أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ،
стр. 9720
فَقَالَ) ﷺ (لَهَا: لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ) وهو الله تعالى (الحَقِي بِأَهْلِكِ) بفتح الحاء وكسر الهمزة، وقيل بالعكسِ: كنايةٌ عن الطَّلاق، يُشترط فيها النِّية بالإجماع، والمعنى: الحقِي بأهلكِ لأنِّي طلَّقتك سواءٌ كان لها أهلٌ أم لا؟
وهذا الحديثُ أخرجه النَّسائيُّ في «النِّكاح» وابنُ ماجه.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: المؤلِّف، وسقط «قال أبو عبدِ الله» لأبي ذرٍّ: (رَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (حَجَّاجُ ابْنُ أَبِي مَنِيعٍ) بفتح الميم وكسر النون وبعد التحتية الساكنة عين مهملة، ونسبه لجدِّه، واسم أبيه يوسفُ الوَصَّافيُّ -بفتح الواو والصاد المهملة المشددة- فيما وصله يعقوبُ بن سُفيان في «تاريخه» (عَنْ جَدِّهِ) أبي مَنيعٍ عبيد (١) الله بن أبي زياد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (أَنَّ عُرْوَةَ) بنَ الزُّبير (أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ) فذكره، ووصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات»، ورواه ابنُ أبي ذئبٍ أيضًا نحوه، وزاد في آخرِهِ: قال الزُّهريُّ: «جعلَها تطليقةً». أخرجه البيهقيُّ.
٥٢٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بنُ دكينٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ غَسِيلٍ) هو عبد الرَّحمنِ بنُ سليمان بنِ عبد الله بنِ حنظلةَ الأنصاريُّ، وحنظلةُ هو غسيلُ الملائكة لمَّا استشهد بأُحدٍ وهو جُنب (عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ) بضم الهمزة وفتح السين المهملة (عَنْ) أبيه (أَبِي أُسَيْدٍ) مالكِ بن ربيعةَ الأنصاريِّ السَّاعديِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) من
стр. 9721
المسجد، أو من منزلهِ (حَتَّى انْطَلَقْنَا إِلَى حَائِطٍ) بستان عليه جدارٌ (يُقَالُ لَهُ: الشَّوْطُ) بفتح الشين المعجمة وبعد الواو الساكنة طاء مهملة (حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى حَائِطَيْنِ فَجَلَسْنَا) ولأبي ذرٍّ: «جَلسنا» (بَيْنَهُمَا) بإسقاط الفاء (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اجْلِسُوا هَهُنَا، وَدَخَلَ) إلى الحائط (وَقَدْ أُتِيَ بِالجَوْنِيَّةِ) بضم الهمزة وفتح الجيم فيهما، نسبة لقبيلةٍ من الأَزد، فيما قاله ابنُ الأثير، وقال الرُّشَاطيُّ: الجَوْن في كندة والأزد، فالَّذي في كندةِ الجون هو معاويةُ بن حجرٍ، آكلُ المِرَار، ثمَّ قال: ومنهم أسماء بنت النُّعمان بن الأسودِ بن الحارثِ بنِ شراحيل بنِ كِندةَ تزوَّج بها النَّبيُّ ﷺ ، فتعوَّذتْ منه فطلَّقها. وقال ابنُ حبيب: الجونيَّة امرأةٌ من كِندة وليست بأسماء، والذي في الأَزدِ الجَوْن بن عوف بن مالكٍ. وقال الكِرمانيُّ: وقيل: اسم الجَونية أمامة (فَأُنْزِلَتْ) بضم الهمزة (فِي بَيْتٍ فِي نَخْلٍ) بالتنوين فيهما، وسقط لفظ «في» لأبي ذرٍّ (فِي بَيْتِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ النُّعْمَانِ بْنِ شَرَاحِيلَ) بإضافة بيتٍ لأميمة، كذا في الفرع وأصله وغيرهما ممَّا رأيته في الأصول. وقال الحافظ ابن حجرٍ وتبعه العينيُّ -كالكِرمانيِّ- بالتَّنوين في الكلِّ، وأميمةُ بالرفع إمَّا بدلًا من (١) الجونيَّة، وإمَّا عطفُ بيانٍ، وزاد في «الفتح» فقال: وظنَّ بعض الشُّرَّاح أنَّه بالإضافة، فقال في الكلامِ على الرِّواية التِّي بعدها: «تزوَّج رسولُ الله ﷺ أميمةَ بنت شَرَاحيل»: لعلَّ الَّتي نزلتْ في بيتها بنت أخيها وهو مردودٌ، فإنَّ مخرج الطَّريقين واحدٌ، وإنَّما جاء الوهمُ من إعادةِ لفظ: «في بيت». وقد رواه أبو بكر ابنُ أبي شيبةَ في «مسنده»: عن (٢) أبي نعيمٍ شيخ البخاريِّ فيه: فقال: في بيتٍ في النَّخل أميمةَ … إلى آخره. انتهى. فليتأمَّل.
وعند ابن سعدٍ: أنَّ النُّعمان بن الجَوْن الكنديَّ أتى النَّبيَّ ﷺ فقال: أَلا أزوِّجكُ أجمل أيِّمٍ في العرب، فتزوَّجها وبعثَ معه أبا أسيد السَّاعديَّ، قال أبو أسيد: فأنزلتها في بني ساعدةَ، فدخلَ عليها نساء الحيِّ فرحينَ بها، وخرجنَ فذكرْنَ من جمالها.
(وَمَعَهَا دَايَتُهَا حَاضِنَةٌ لَهَا) بالرفع، ولأبي ذرٍّ بالنَّصب. قال في «الفتح» كـ «الكواكب»: الدَّاية الظِّئر المرضعُ وهي معرَّبةٌ. وقال العينيُّ: ليس كما قالا، وإنَّما الدَّاية: المرأة التي تولِّد
стр. 9722
الأولاد، وهي القابلةُ وهو لفظٌ معرَّبٌ، ولم يعرفْ اسمها الحافظ ابن حجرٍ (فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ قَالَ) لها: (هَبِي نَفْسَكِ لِي) أمرٌ للمؤنَّث، وأصلُه: أوهبِي، حذفت الواو تبعًا لمضارعِهِ واستُغني عن الهمزةِ فصارَ: هَبِي، بوزن علي، قالَ لها ذلك تطييبًا لقلبهَا واستمالةً لها، وإلَّا فقد كانَ له ﷺ أن يزوِّج من نفسهِ بغير إذنِ المرأة وبغير إذن وليِّها، وكان مجرَّد إرساله إليها وإحضارها ورغبته فيها كافيًا في ذلك (قَالَتْ) لسوء حظِّها وشقائهَا، وعدم معرفتهَا بجلالة قدره الرَّفيع: (وَهَلْ تَهَبُ المَلِكَةُ) بكسر اللام (نَفْسَهَا لِلسُّوقَةِ؟) بضم السين المهملة، لواحدٍ من الرَّعيَّة. وقال في «القاموس»: والسُّوقة: الرَّعيَّة، للواحد والجمع والمذكَّر والمؤنث، ولأبي ذرٍّ: «لسوقة» (قَالَ: فَأَهْوَى بِيَدِهِ) الشَّريفة، أي: أَمالها (يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهَا لِتَسْكُنَ، فَقَالَتْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ. فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قال»: (قَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ) بفتح الميم، أي بالذي يُستعاذ به. قال أبو أسيد: (ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا) ﷺ (فَقَالَ: يَا أَبَا أُسَيْدٍ، اُكْسُهَا) بضم السين، ثَوبين (رَازِقِيَّتَيْنِ) براء ثمَّ زاي فقاف مكسورتين بالتثنية، صفةُ موصوفٍ محذوفٍ للعلم به، والرَّازقيَّة: ثيابٌ من كتَّانٍ بيضٍ طوالٍ. قال السَّفاقسيُّ: أي: متِّعها بذلك إمَّا وجوبًا وإمَّا تفضُّلًا، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- بعون الله حُكم المتعة (وَأَلْحِقْهَا بِأَهْلِهَا) بهمزة قطع مفتوحة وكسر الحاء وسكون القاف، أي: ردَّها إليهم لأنَّه هو الذي كان أحضرها. وعند ابنِ سعدٍ: قال أبو أسيد: «فأمرني فرددتُها إلى قومها». وفي أخرى له: «فلمَّا وصلتُ بها تَصايحوا، وقالوا: إنَّكِ لغير مباركةٍ، فما دَهاكِ؟ قالت: خُدعتُ». قال: وحدَّثني هشام بن محمَّدٍ، عن (١) أبي خيثمةَ زُهير بن معاويةَ: أنَّها ماتت كمدًا.
٥٢٥٦ - ٥٢٥٧ - (وَقَالَ الحُسَيْنُ) بضم الحاء (بْنُ الوَلِيدِ النَّيْسَابُورِيُّ) الفقيهُ لم يدركْه البخاريُّ (عَنْ
стр. 9723
عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ابن غسيلٍ (عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ) سهل بن سعدٍ (وَأَبِي أُسَيْدٍ) كلاهما (قَالَا: تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَيْمَةَ بِنْتَ شَرَاحِيلَ) نسبها لجدِّها، واسم أبيها: النُّعمان، كما مرَّ (فَلَمَّا أُدْخِلَتْ (١) عَلَيْهِ) ﷺ (بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَكَأَنَّهَا كَرِهَتْ ذَلِكَ) لما أرادَ الله تعالى بها من المكروهِ (فَأَمَرَ) النَّبيُّ ﷺ (أَبَا أُسَيْدٍ أَنْ يُجَهِّزَهَا وَيَكْسُوَهَا ثَوْبَيْنِ رَازِقِيَّيْنِ).
وهذا التَّعليق وصله أبو نعيمٍ في «مستخرجه» من طريق أبي أحمدَ الفرَّاء، عن الحسين. ومراد المؤلِّف منه: أنَّ الحسين بن الوليدِ شارك أبا نُعيم الفضلَ بن دكين في روايتهِ لهذا الحديث، عن عبد الرَّحمن ابنِ الغسيلِ. لكن اختلفا في شيخِ عبد الرَّحمن، فقال أبو نُعيم: حمزة، وقال الحُسين: عبَّاس بن سَهلٍ.
وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسْنَدِيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الوَزِيرِ) عمر بن مطرف الحجازيُّ، أدركه المؤلِّف ولم يلقه، وليس له في البخاريِّ إلَّا هذا الحديث، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) ابن غسيلٍ (عَنْ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة (٢) (عَنْ أَبِيهِ) أبي أُسيدٍ (وَعَنْ) بالواو، أي: حمزةَ يروي عن أبيهِ، وعن (عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) سهل بن سعدٍ (بِهَذَا) الحديث المذكور.
٥٢٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم، قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى) بن دينار البصريُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَبِي غَلَّابٍ) بفتح الغين المعجمة وتشديد اللام آخره موحدة (يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ) الباهليِّ البصريِّ أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهْيَ حَائِضٌ، فَقَالَ) له: (تَعْرِفُ ابْنَ عُمَرَ) قال له ذلك لتقريره على اتِّباع السُّنَّة والقبول من ناقلِها، وأنَّه يلزم العامَّة الاقتداء بمشاهيرِ العلماء، لا أنَّه ظنَّ أنَّه لا يعرفه، كذا قاله الحافظ ابن حجرٍ،
стр. 9724
وتبعه العينيُّ (إِنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ) آمنةَ بنت غفارٍ (وَهْيَ حَائِضٌ فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ) الطَّلاق الصَّادر في الحيض (لَهُ فَأَمَرَهُ) أي: أمرَ ابن عمر (أَنْ يُرَاجِعَهَا) من التَّطليقة التي طلَّقها لها (فَإِذَا طَهُرَتْ) بضم الهاء (فَأَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا) في ذلك الطُّهر. قال يونس ابن جُبير: (قُلْتُ) لابن عمر: (فَهَلْ عَدَّ ذَلِكَ) ﵊ (طَلَاقًا؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني (إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ) قال المهلَّب: يعني: إن عجزَ عن المراجعةِ الَّتي أمرَ بها عن إيقاع الطَّلاق، أو فقد عقلَه فلم تكن منه الرَّجعة (١) أتبقَى المرأة مُعلَّقة؟ لا هي ذات بعلٍ ولا مطلَّقة، وقد نهى الله عن ذلك فلا بدَّ أن يحتسبَ بتلك التَّطليقة الَّتي أوقعَها على غيرِ وجهها، كما أنَّه لو عجزَ عن فرضٍ آخر فلم يقمْه واستحمقَ فلم يأتِ به ما كان يعذرُ بذلك ويسقطُ عنه.
(٤) (بابُ مَنْ أَجَازَ) ولأبي ذرٍّ: «مَن جوَّز» (طَلَاقَ الثَّلَاثِ) وفي نسخةٍ: «الطَّلاق الثَّلاث» أي: دفعةً واحدةً أو مفرَّقًا (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾) أي: تطليقة بعد تطليقةٍ على التَّفريق دون الجمعِ (٢) (﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾) برجعةٍ (﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]) وهذا عامٌّ يتناول إيقاع الثَّلاث دفعةً واحدةً، وقد دلَّت الآية على ذلك من غير نكيرٍ، خلافًا لمن لم يجزْ ذلك لحديثِ: «أبغَضُ الحلَالِ إلى اللهِ الطَّلاق». وعند سعيد بنِ منصورٍ بسندٍ صحيح: أنَّ عمرَ كان إذا أَتي برجلٍ طلَّق امرأتَه ثلاثًا أوجعَ ظهره. وقال الشِّيعة وبعضُ أهل الظَّاهر: لا يقعُ إذا أوقعَه دفعةً واحدةً. قالوا: لأنَّه خالفَ السُّنَّة فيُردُّ إلى السُّنَّة. وفي «الإشراف» عن بعض المبتدعةِ: أنَّه إنَّما يلزم بالثَّلاث إذا كانت مجموعةً واحدةً، وهو قول محمَّد بن إسحاق صاحبُ «المغازي» وحجَّاج بن
стр. 9725
أرطاةَ، وتمسَّكوا في ذلك بحديث ابن إسحاق، عن داودَ بن الحصينِ، عن عِكرمة، عن ابن عبَّاسٍ -المرويِّ عند أحمدَ وأبي يَعلى، وصحَّحه بعضهم- قال: طلَّق رُكَانةُ بن عبدِ يزيد امرأتَه ثلاثًا في مجلسٍ واحدٍ، فحزنَ عليها حزنًا شديدًا، فسأله النَّبيُّ ﷺ : «كيفَ طلَّقْتَها؟» قال: ثلاثًا في مجلسٍ واحدٍ. فقال النَّبيُّ ﷺ : «إنَّما تلكَ واحدَةٌ فارتَجِعْها إِن شئتَ فارتجعَهَا».
وأُجيب بأنَّ ابن إسحاقَ وشيخه مختلفٌ فيهما مع معارضتهِ بفتوى ابن عبَّاس بوقوع الثَّلاث، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- وبأنَّه مذهبٌ شاذٌّ فلا يعمل به إذ هو منكرٌ، والأصحُّ ما رواه أبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه: أنَّ رُكانة طلَّق زوجته البتَّة، فحلَّفه رسول الله ﷺ أنَّه ما أراد إلَّا واحدةً فردَّها إليه، فطلَّقها الثَّانية في زمن عمر، والثَّالثة في زمن عثمانَ. قال أبو داود: وهذا أصحُّ. وعُورض بأنَّه نقل عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وعبد الرَّحمن بن عوفٍ، والزُّبير، كما نقله ابن مُغيث في «كتاب الوثائق» له، ونقلَه ابنُ المنذر عن أصحاب ابنِ عبَّاسٍ كعطاء وطاوسَ وعَمرو بن دينارٍ. بل في مسلم من طريقِ عبد الرَّزَّاق، عن مَعمرٍ، عن عبدِ الله بن طاوس عن أبيه (١)، عن ابن عبَّاس، قال: «كان الطَّلاق على عهدِ رسولِ الله ﷺ وأبي بكرٍ وسنتين من خلافةِ عمرَ طلاق الثَّلاث واحدةً. فقال عمرُ: إنَّ النَّاس قد استعجلوا في أمرٍ كان لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناهُ عليهم فأمضاهُ عليهم»، وقال الشَّيخ خليلٌ من أئمَّة المالكيَّة في «توضيحه»: وحكى التَّلمسانيُّ عندنا قولًا بأنَّه إذا أوقعَ الثَّلاث في كلمةٍ (٢) إنَّما يلزمه واحدةً، وذكر أنَّه في «النوادر» قال: ولم أرهُ. انتهى.
والجمهور على وقوع الثَّلاث، فعند أبي داود بسندٍ صحيحٍ من طريقِ مجاهدٍ (٣)، قال: «كنتُ عند ابن عبَّاسٍ فجاءه رجلٌ، فقال: إنَّه طلَّق امرأتَه ثلاثًا، فسكت حتَّى ظننتُ (٤) أنَّه رادها إليه، ثمَّ قال: ينطلقُ أحدُكم فيركبُ الأحموقةَ، ثمَّ يقول: يا ابن عبَّاسٍ، يا ابن عبَّاسٍ، يا ابن عبَّاسٍ (٥) إنَّ الله قال: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] وأنت لم تتقِ الله فلم أجدْ لك مخرجًا، عصيتَ ربَّك، وبانتْ منك امرأتكَ». وقد رُوي عن ابنِ عبَّاس من غير طريقٍ: أنَّه أفتى
стр. 9726
بلزوم الثَّلاث لمن أوقعَها مجتمعةً. وفي «الموطأ» بلاغًا: قال رجلٌ (١) لابن عبَّاس: «إنِّي طلَّقت امرأتِي مئةَ طلقةٍ فماذا ترى؟ فقال ابنُ عبَّاس: طلقت منك ثلاثًا، وسبعٌ وتسعون اتَّخذت بها آياتِ الله هُزوًا». وقد أُجيب عن قوله: «كان طلاقُ الثَّلاث واحدةً» بأنَّ النَّاس كانوا في زمنهِ ﷺ يطلِّقون واحدةً، فلمَّا كانوا في زمان عُمر كانوا يطلِّقون ثلاثًا. ومحصله: أنَّ المعنى: أنَّ الطَّلاق الموقعَ في زمن عُمر ثلاثًا كان يوقع قبل ذلك واحدةً لأنَّهم كانوا لا يستعجلون (٢) الثَّلاث أصلًا، وكانوا يستعملونها (٣) نادرًا، وأمَّا في زمن عمر فكثُر استعمالهم لها. وأمَّا قوله: فأمضاهُ عليهم، فمعناه: أنَّه صنعَ فيه من الحكمِ بإيقاعِ الطَّلاق ما كانَ يصنعُ قبله. انتهى.
وقال الشَّيخُ كمال الدِّين بن الهمَّام: تأويلُه: أنَّ قول الرَّجل: أنت طالقٌ، أنت طالقٌ، أنت طالقٌ، كان واحدةً في الزَّمن الأوَّل لقصدهم التَّأكيد في ذلك الزَّمان، ثمَّ صاروا يقصدون التَّجديد، فألزمَهم عمر بذلك؛ لعِلمه بقصدِهم، قال: وما قيل في تأويلهِ: إنَّ الثَّلاث الَّتي يوقعونها الآن إنَّما كانت في الزَّمن الأوَّل واحدةً، تنبيه على تغيُّر الزَّمان ومخالفة السُّنَّة فيُشْكِل؛ إذ لا يتَّجه حينئذٍ قوله: فأمضاهُ عمرُ. واختلفوا مع الاتِّفاق على الوقوعِ ثلاثًا هل يُكره، أو يحرمُ، أو يباحُ، أو يكون بدعيًّا، أو لا؟ فقال الشَّافعيَّة: يجوزُ جمعها ولو دفعةً، وقال اللَّخميُّ من أئمةِ المالكيَّة: إيقاع الاثنتين مكروهٌ، والثَّلاث ممنوعٌ لقوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] أي: من (٤) الرَّغبة في المراجعةِ والنَّدم على الفُرْقة (٥). ولنا (٦): قوله تعالى: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء﴾ [البقرة: ٢٣٦] و ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وهذا يقتضِي الإباحة، وطلَّق رسول الله ﷺ حفصةَ، وكان الصَّحابة يطلِّقون (٧) من غير نكيرٍ حتَّى رُوي: أنَّ مغيرةَ بن شعبةَ كان له أربعُ نسوةٍ فأقامهنَّ بين يديه صفًّا، فقال: أنتنَّ حسناتُ الأخلاقِ،
стр. 9727
ناعماتُ الأرواقِ (١)، طويلاتُ الأعناقِ، اذهبنَ فأنتنَّ الطَّلاق. وهذا كلُّه (٢) يدلُّ على الإباحة. نعم الأفضلُ عندنا أن لا يطلِّق أكثر من واحدةٍ ليخرجَ من الخلافِ. وقال الحنفيَّة (٣): يكون بدعيًّا إذا أوقعَه بكلمةٍ لحديثِ ابن عُمر -عند الدَّارقطنيِّ-: قلتُ يا رسول الله: أرأيتَ لو طلَّقتها ثلاثًا؟ قال: «إذًا قَد عصيتَ ربَّكَ، وبانَتْ منكَ امرأتُكَ» ولأنَّ الطَّلاق إنَّما جُعل متعددًا ليمكنه التَّدارك عند النَّدم، فلا يحلُّ له تفويتُه.
وفي حديث محمود بن لبيدٍ -عند النَّسائيِّ بسندٍ رجالُه ثقاتٌ- قال: أُخْبِر النَّبيُّ ﷺ عن رجلٍ طلَّق امرأته ثلاثَ تطليقاتٍ جميعًا، فقامَ مُغْضبًا فقال: «أَيُلْعَبُ بكتَابِ اللهِ، وأنَا بينَ أظهُرِكُم» لكنَّ محمود بن لبيدٍ ولد في زمنه ﷺ ولم يثبُت له منه سماعٌ، وهو مع ذلك محتملٌ لإنكارهِ عليه إيقاعها مجموعة وغير ذلك.
(وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبدُ الله، فيما وصله الشَّافعيُّ وعبد الرَّزَّاق (فِي) رجلٍ (مَرِيضٍ طَلَّقَ) امرأتَه: (لَا أَرَى) بفتح الهمزة (أَنْ تَرِثَ مَبْتُوْتَةٌ) بالمثنَّاتين الفوقيَّتين بينهما واو ساكنة، وقبل أُوْلاهما موحدة، منصوبة في «اليونينيَّة»، مَن قيل لها: أنت طالقٌ البتَّة، ويُطلق (٤) على من انبتتْ بالثَّلاث، ولغير أبي (٥) ذرٍّ: «مبتوتَتُه» أي: مبتوتةَ المريضِ.
(وَقَالَ الشَّعْبِيُّ) عامرُ بن شَراحيل: (تَرِثُهُ) ما كانت في العدَّة، وهذا وصلَه سعيدُ بن منصورٍ.
(وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ) بضم الشين المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة، عبدُ الله قاضِي الكوفة، التَّابعيُّ للشَّعبيِّ: (تَزَوَّجُ) استفهامٌ حذفتْ منه الأداةُ، أي: هل تزوَّج؟ (إِذَا انْقَضَتِ العِدَّةُ؟ قَالَ) الشَّعبيُّ: (نَعَمْ) تزوَّج (قَالَ) ابن شُبرمة: (أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني (إِنْ مَاتَ الزَّوْجُ الآخَرُ) ترثه أيضًا، فيلزم إرثها من الزَّوجين معًا واحدة (فَرَجَعَ) الشَّعبيُّ (عَنْ ذَلِكَ) القول
стр. 9728
الَّذي قاله من أنَّها ترثهُ ما كانت في العدَّة، وهذا وصلَه سعيدُ بن منصورٍ، وساقه المؤلِّف مختصرًا استطرادًا.
٥٢٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ) ﵁ (أَخْبَرَهُ أَنَّ عُوَيْمِرًا) بضم العين مُصغَّرًا، ابن الحارث (العَجْلَانِيَّ) بفتح العين المهملة وسكون الجيم (جَاءَ إِلَى) ابن عمِّه (عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَاصِمُ أَرَأَيْتَ رَجُلًا) أي: أخبرني عن رجلٍ (وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا) على بطنهَا (أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ (١)) قِصاصًا لآية: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] (أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عَاصِمٌ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَسَائِلَ) المذكورةَ لما فيها من البشاعةِ والشَّناعة على المسلمين والمسلمات (وَعَابَهَا حَتَّى كَبُرَ) بضم الباء الموحدة، عَظُم وشقَّ (عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَ عُوَيْمِرٌ، فَقَالَ: يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَكَ
стр. 9729
رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ) له (عَاصِمٌ: لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا. قَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاللهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا، فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ وَسَطَ النَّاسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا) أي: أخبرنِي عن رجلٍ (وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قَدْ أَنْزَلَ اللهُ فِيكَ) ولأبي ذرٍّ: «قد أُنزل فيكَ» (وَفِي صَاحِبَتِكَ) زوجتك خولة بنت قيسٍ على المشهور آية اللِّعان (فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا. قَالَ سَهْلٌ: فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) زاد في «تفسير سورة النُّور» [خ¦٤٧٤٥]: «بما (١) سمَّى الله في كتابه» (فَلَمَّا فَرَغَا) من تلاعنهمَا (قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬).
قيل: المطابقةُ بين الحديث والتَّرجمة في قوله: فطلَّقها ثلاثًا لأنَّه ﷺ أمضاهُ ولم يُنكر عليه، وهذا فيه نظرٌ لأنَّ اللِّعان تعلَّق به انفساخُ النِّكاح ظاهرًا وباطنًا كالرَّضاع والحُرمة المؤبَّدة، لكن قد يقال: إنَّ ذكره للطَّلاق الثَّلاث مجموعة، ولم ينكره ﵊ عليه يدلُّ له، والظَّاهر: أنَّ عُويمرًا لم يظنَّ أنَّ اللِّعان يحرِّمها عليه، فأرادَ تحريمها بالطَّلاق الثَّلاث.
وهذا الحديث قد سبق في تفسير «سورة (٢) النُّور» [خ¦٤٧٤٥].
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ -بالسَّند السَّابق-: (فَكَانَتْ تِلْكَ) التَّفرقة (سُنَّةَ المُتَلَاعِنَيْنِ) فلا يجتمعان بعد المُلاعنة.
٥٢٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضم العين وفتح الفاء، وهو اسم جدِّه، واسم أبيه: كثير قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) بضم
стр. 9730
العين، ابن خالدٍ الأَيْليُّ، ولأبي ذرٍّ: «عن عقيلٍ» (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (أَخْبَرَتْهُ أَنَّ امْرَأَةَ رِفَاعَةَ) بكسر الراء وتخفيف الفاء (القُرَظِيِّ) بالقاف المضمومة والظاء المعجمة، من بني قُريظة، واسمها: تَميمة بنتُ وهبٍ، وقيل غير ذلك (جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي) بالموحدة المفتوحة والفوقية المشددة، أي: قطعَه قطعًا كلِّيًّا، وفي «كتاب الأدب» من وجهٍ آخر أنَّها «قالت: طلَّقني آخر ثلاثِ تطليقاتٍ» [خ¦٦٠٨٤] (وَإِنِّي نَكَحْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ) بفتح الزاي وكسر الموحدة، ابن بَاطا (القُرَظِيَّ وَإِنَّمَا مَعَهُ) أي: وإنَّ الَّذي معه، تعني: فرجه (مِثْلُ الهُدْبَةِ) بضم الهاء وسكون الدال المهملة، وفي روايةٍ: «مثل هدبة الثَّوب» أي: طرفه الَّذي لم ينسجْ شبَّهوه بهدب العين، وهو شعرُ جفنهَا، وشبَّهته بذلك إمَّا لصغرهِ أو لاسترخائهِ، والثَّاني أظهر؛ إذ يبعدُ أن يكون صغيرًا إلى حدٍّ لا يغيبُ معه مقدارُ الحشفةِ (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لها: (لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ، لَا) ترجعين إليه (١) (حَتَّى يَذُوقَ) عبد الرَّحمن (عُسَيْلَتَكِ، وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ) بضم العين على التَّصغير كناية عن الجماعِ، شبَّه لذَّته بلذَّة العسل وحلاوتهِ، وأنَّث في التَّصغير؛ لأنَّ العسل يذكَّر ويؤنَّث؛ لأنَّه تصغيرُ عَسَلةٍ، أي: قطعةٌ منَ العسل، أو على إرادة اللَّذَّة لتضمُّنه ذلك.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «فبتَّ طلاقي» إذ هو محتملٌ للثَّلاث دفعةً واحدةً ومتفرِّقةً.
٥٢٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُنْدار قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابن عمر العُمريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ:
стр. 9731
«امرأةً» (ثَلَاثًا، فَتَزَوَّجَتْ) زوجًا غيره (فَطَلَّقَ) الزَّوج الثَّاني قبل أن يُجامعها (فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بضم السين مبنيًّا للمفعول (أَتَحِلُّ لِلأَوَّلِ؟) الَّذي طلَّقها ثلاثًا (قَالَ: لَا) تحلُّ له (حَتَّى يَذُوقَ) الثَّاني (عُسَيْلَتَهَا كَمَا ذَاقَـ) ها (الأَوَّلُ) قال في «الفتح»: وهذا الحديث إن كان مختصرًا من قصَّة رِفاعة فقد سبق توجيهُه، وإن كان في أخرى فالمراد منه طلَّقها ثلاثًا، فإنَّه ظاهرٌ في كونها مجموعةً، ولا يبعد التَّعدُّد.
(٥) (بابُ مَنْ خَيَّرَ نِسَاءَهُ) وفي نسخة: «أزواجَه» أي: بين أن يطلِّقنَ أنفسهنَّ، أو يستمررنَ في العِصمة (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) لرسوله ﷺ : (﴿قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾) أي: السَّعة في الدُّنيا وزهرتها (﴿فَتَعَالَيْنَ﴾) أقبلنَ بإرادتكنَّ واختياركنَّ لأحد أمرين، ولم يردْ نهوضهنَّ إليه بأنفسهنَّ (﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾) أعطكنَّ مُتعة الطَّلاق (﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾) وأطلِّقكنَّ (﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]) لا ضررَ فيه، وهذا أمرٌ من الله تعالى لرسوله ﷺ أن يخيِّر نساءَه (١) بين (٢) أن يُفارقهنَّ فيذهبنَ إلى غيرهِ ممَّن يحصل لهنَّ عنده الدُّنيا وزُخرفها، وبين الصَّبر على (٣) ما عندهُ من ضيقِ الحالِ، ولهنَّ عند الله في ذلك الثَّواب الجزيل، فاخترنَ ﵅ رضا الله ورسولَه والدَّارَ الآخرة، فجمعَ الله تعالى لهنَّ بعد ذلك بين خيري (٤) الدُّنيا وسعادة الآخرة.
٥٢٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) (٥) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) أبو الضُّحى بنُ صبيحٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع
стр. 9732
(عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: خَيَّرَنَا) أي: أمَّهات المؤمنين (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بين الدُّنيا والآخرة، فإن اخترنَ الدُّنيا طلَّقهن طلاق السُّنَّة (فَاخْتَرْنَا اللهَ وَرَسُولَهُ فَلَمْ يُعَدَّ) بضم أوَّله وفتح العين والدال المهملة المشدَّدة (ذَلِكَ) التَّخيير (عَلَيْنَا شَيْئًا) من الطَّلاق.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الطَّلاق»، والتِّرمذيُّ في «النِّكاح»، والنَّسائيُّ فيه وفي «الطَّلاق»، وابن ماجه في «الطَّلاق».
٥٢٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَامِرٌ) هو ابنُ شراحيل الشَّعبيُّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ الخِيَرَةِ) بكسر الخاء المعجمة وفتح التحتية والراء، أي: تخيير الرَّجل زوجتَه في الطَّلاق وعدمهِ (١) (فَقَالَتْ): ليس طلاقًا، واستدلَّت لذلك بقولها: (خَيَّرَنَا النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: أزواجَهُ فاخترنَاهُ (أَفَكَانَ) تخييرهُ (طَلَاقًا؟!) استفهامٌ على سبيل الإنكار.
(قَالَ مَسْرُوقٌ) بالإسناد السَّابق: (لَا أُبَالِي أَخَيَّرْتُهَا وَاحِدَةً أَوْ مِئَةً بَعْدَ أَنْ تَخْتَارَنِي) واختُلف فيما إذا اختارتْ نفسها هل تقع طلقةً واحدةً رجعيَّةً، أم بائنًا، أو تقع ثلاثًا؟ فقال المالكيَّة: تقع ثلاثًا لأنَّ معنى الخيار بتُّ أحد الأمرين إمَّا الأخذ أو التَّرك، فلو قلنا: إذا اختارتْ نفسها تكون طلقةً رجعيَّةً لم يعمل بمقتضى اللَّفظ لأنَّها تكون بعده في أسر الزَّوج. وقال الحنفيَّة: واحدةٌ بائنةٌ. وقال الشَّافعيَّة: التَّخيير كنايةٌ، فإذا خيَّر الزَّوج امرأته وأرادَ بذلك تخييرها بين أن تَطْلُق منه، وبين أن تستمرَّ في عِصمتهِ، فاختارتْ نفسها وأرادت بذلك الطَّلاق، طَلُقَتْ لقول عائشة: فاخترناهُ فلم يكن ذلك طلاقًا؛ إذ مقتضاهُ أنَّها لو اختارتْ نفسها كان طلاقًا، لكن مفهوم قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] أي: بعد الاختيار أنَّ ذلك بمجرَّده لا يكون طلاقًا بل لا بدَّ من إنشاءِ الزَّوج الطَّلاق، فلو قالت: لم أرد باختيارِ نفسي الطَّلاق صدقتْ، فلو وقع التَّصريح بالتَّطليق يقع جزمًا. واختلفوا في التَّخييرِ هل هو بمعنى التَّمليك أو التَّوكيل؟ والصَّحيح عندنا أنَّه
стр. 9733
تمليكٌ، فلو قال الرَّجل لزوجته: طلِّقي نفسك إن شئتِ فتمليكٌ للطَّلاق لأنَّه يتعلَّق بغرضها فنزَل منزلةَ قوله: ملَّكتك طلاقَك، ويشترطُ أن يكون فورًا، لتضمُّنه القَبول وهو على الفورِ، فلو أخَّرت بقدر ما ينقطعُ به القبولُ عن الإيجاب ثمَّ طلَّقت لم يقع، إلَّا إن قال: طلِّقي نفسكِ متى شئتِ، فلا يشترطُ الفور، وللزَّوج الرُّجوع قبل التَّطليق ولا يصحُّ تعليقُه، فلو قال: إذا جاء الغد أو زيدٌ مثلًا فطلِّقي نفسك لغا. وقال المالكيَّة والحنفيَّة: لا يشترطُ الفور بل متى طلَّقت نفذَ.
(٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في كنايات الطَّلاق، وهي ما يحتملُ الطَّلاق وغيره، ولا يقع الطَّلاق بها إلَّا بالنِّيَّة لأنَّها غير موضوعةٍ للطَّلاق بل موضوعةٌ لما هو أعمُّ من حكمهِ، والأعمُّ في المادَّة الاستعماليَّة يحتمل كلًّا مِنْ مَاصَدَقاتِهِ (١)، ولا يتعيَّن أحدهما إلَّا بمعيِّن، والمعيِّن (٢) في نفس الأمر هو النِّيَّة، وما ذكره المصنِّف في قوله: (إِذَا قَالَ) أي: الرَّجل لامرأته: (فَارَقْتُكِ، أَوْ سَرَّحْتُكِ، أَوِ الخَلِيَّةُ) فعيلةٌ بمعنى فاعلة (٣)، أي: خليَّةٌ من الزَّوج، وهو خالٍ منها (أَوِ البَرِيَّةُ) من الزَّوج، مقتضاه: أنَّ لا صريح عنده إلَّا لفظ الطَّلاق وما تصرَّف منه، وهو قول الشَّافعيِّ في القديم، لكن نصَّ في الجديد على أنَّ الصَّريح لفظ الطَّلاق والفراق والسَّراح لورود ذلك في القرآن بمعنى الطَّلاق (أَوْ مَا عُنِيَ بِهِ الطَّلَاقُ) بضم العين، وغيره كاستبرِئي (٤) رحمكِ، أي: فقد طلَّقتُك فاعتدِّي، وحبلُك على غاربِك، أي: خلَّيتُ سبيلك كما يخلَّى البعير في الصَّحراء، أو يُترك زمامه على غاربِهِ، وهو ما تقدَّم من الظَّهر وارتفعَ من العنق، وودِّعيني، وبرئتُ منك (فَهُوَ عَلَى نِيَّتِهِ) إن نوى الطَّلاق وقع وإلَّا فلا، ويدلُّ لذلك (قَوْلُ اللهِ ولأبي ذرٍّ: «وقول الله»: (﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]) أي: بالمعروف، وكأنَّه يريد أنَّ التَّسريح
стр. 9734
هنا بمعنى الإرسال لا بمعنى الطَّلاق لأنَّه أمر مَن طلَّق قبل الدُّخول أن يمتِّع (١) ويسرِّح، وليس المرادُ من الآية تطليقها بعد التَّطليق قطعًا (وَقَالَ) تعالى: (﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]) فهو مجملٌ يحتملُ التَّطليق والإرسال، وإذا احتملَتْ الأمرين انتفى أن تكون صريحةً في الطَّلاق، كذا قرَّره في «الفتح»، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ معنى ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾: أطلِّقكُنَّ لأنَّه لم يسبق هنا طلاقٌ، فمن أين يأتي الاحتمال (وَقَالَ تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]) أي: إنَّ هذه الآية وردت بلفظ الفراق في موضعِ ورودها بالبقرة بلفظ السَّراح، والحكم فيهما واحدٌ لأنَّه وردَ في الموضعين بعد وقوعِ الطَّلاق، فالمرادُ به الإرسال (وَقَالَ) تعالى: (﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]) لأنَّ سياقها بعد وقوع الطَّلاق، فلا يراد بها الطَّلاق بل الإرسال، ومباحثُ هذا مقرَّرة في محاله (٢) من دواوين الفقه.
(وَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ ممَّا وصله في آخر حديث في «باب موعظةِ الرَّجل ابنتَه» من «كتاب النِّكاح» [خ¦٥١٩١]: (قَدْ عَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ).
(٧) (بابُ مَنْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ. وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ فيما (٣) وصله عبد الرَّزَّاق: (نِيَّتُهُ) أي: فإن نوى طلاقًا وإن تعدَّد أو ظهارًا وقع المنويُّ لأنَّ كلًّا منهما يقتضي التَّحريم، فجاز أن يُكنَّى عنه بالحرام أو نواهما معًا أو مرتبًا تخيَّر، وثبتَ ما اختارهُ منهما ولا يثبتان جميعًا لأنَّ الطَّلاق يزيلُ النِّكاح، والظِّهار يستدعِي بقاءه، هذا مذهبُ الشَّافعيَّة. وقال الحنفيَّة: إنْ نوى واحدةً فهي بائنٌ، وإن نوى ثنتين فهي واحدةٌ بائنةٌ، وإن لم ينوِ طلاقًا فهي يمينٌ ويصير مولِيًا. وقال المالكيَّة: يقع ثلاثًا ولا يسأل عن نيَّته، ولهم في ذلك تفاصيل يطولُ ذكرها.
(وَقَالَ أَهْلُ العِلْمِ: إِذَا طَلَّقَ ثلاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ) أي: حتَّى تنكِح زوجًا غيره (فَسَمَّوْهُ
стр. 9735
حَرَامًا) بالتَّصريح (بِالطَّلَاقِ وَالفِرَاقِ) بأن يتلفَّظ بأحدهما أو يقصدُه، فلو أطلق (١) أو نوى غير الطَّلاق فهو محلُّ النَّظر، وقال صاحب «المصابيح» من المالكيَّة: يعني: فإذا كانت الثَّلاث تحريمًا كان التَّحريم ثلاثًا. قال: وهذا غير ظاهرٍ لجواز أن يكون بينهما عمومٌ وخصوصٌ، كالحيوان والإنسان، وحاول ابن المنيِّر الجواب عن البخاريِّ بأنَّ الشَّرع عبَّر عن الغاية القصوى بالتَّحريم، وإنَّما يشبَّه (٢) الشَّيء بما هو أوضح منه، فدلَّ ذلك على أنَّ الَّذين كانوا لا يعلمون أنَّ الثَّلاث محرَّمة ولا أنَّها الغاية يعلمونَ أنَّ التَّحريم هو الغايةُ، ولهذا بيَّن لهم أنَّ الثَّلاث تحرِّم، فالمستدلُّ به في الحقيقة إنَّما هو الإطلاق مع السِّياق، وما من شأن العرب أن تعبِّر بالعامِّ عن الخاصِّ، ولو قال القائل لإنسانٍ بين يديه يُعَرِّف بشأنه، وينبِّه على قدرهِ: هذا حيوانٌ لكان متهكِّمًا مستخفًّا، فإذا عبَّر الشَّرع عن الثَّلاث بأنَّها محرَّمة، فلا يحمل على التَّعبير عن الخاصِّ بالعام لئلَّا يكون ركيكًا، والشَّرع منزَّهٌ عن ذلك، فإذن هما سواءٌ لا عمومَ بينهما، ويدلُّ هذا على أنَّ التَّحريم كان أشهرَ عندهم بالغلظِ والشِّدَّة مِن الثَّلاث، ولهذا فسَّره لهم به. قال: وهذا من لطيفِ الكلام، وأمَّا كون التَّحريم قد يقصرُ عن الثَّلاث فذلك تحريمٌ مقيَّدٌ، وأمَّا المطلق منه فللثلاث، وفرق بين ما يُفهم لدى الإطلاق وبين ما لا يُفهم إلَّا بقيدٍ. انتهى.
وتعقَّبه البدرُ فقال: قوله: وما من شأن العرب أن تعبِّر بالعامِّ عن الخاصِّ (٣) مشكلٌ، اللَّهمَّ إلَّا أن يريدَ في بعض المقاماتِ الخاصَّة فيمكن، وسياقُ كلامهِ يُفْهم ذلك عند التَّأمُّل. انتهى.
وقول (٤) ابن بطَّال: إنَّ البخاريَّ يرى أنَّ التَّحريم يُنَزَّلُ منزلة الطَّلاق الثَّلاث للإجماع على أنَّ من طلَّق امرأته ثلاثًا أنَّها (٥) تحرم عليه، فلمَّا كانت الثَّلاث تحرِّمها كان التَّحريم ثلاثًا، ومن ثمَّ أورد حديث رفاعة محتجًّا به، لذلك تعقَّبه في «الفتح» فقال: الَّذي يظهرُ من مذهب البخاريِّ أنَّ