«امرأةً» (ثَلَاثًا، فَتَزَوَّجَتْ) زوجًا غيره (فَطَلَّقَ) الزَّوج الثَّاني قبل أن يُجامعها (فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بضم السين مبنيًّا للمفعول (أَتَحِلُّ لِلأَوَّلِ؟) الَّذي طلَّقها ثلاثًا (قَالَ: لَا) تحلُّ له (حَتَّى يَذُوقَ) الثَّاني (عُسَيْلَتَهَا كَمَا ذَاقَـ) ها (الأَوَّلُ) قال في «الفتح»: وهذا الحديث إن كان مختصرًا من قصَّة رِفاعة فقد سبق توجيهُه، وإن كان في أخرى فالمراد منه طلَّقها ثلاثًا، فإنَّه ظاهرٌ في كونها مجموعةً، ولا يبعد التَّعدُّد.
(٥) (بابُ مَنْ خَيَّرَ نِسَاءَهُ) وفي نسخة: «أزواجَه» أي: بين أن يطلِّقنَ أنفسهنَّ، أو يستمررنَ في العِصمة (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) لرسوله ﷺ : (﴿قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾) أي: السَّعة في الدُّنيا وزهرتها (﴿فَتَعَالَيْنَ﴾) أقبلنَ بإرادتكنَّ واختياركنَّ لأحد أمرين، ولم يردْ نهوضهنَّ إليه بأنفسهنَّ (﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾) أعطكنَّ مُتعة الطَّلاق (﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾) وأطلِّقكنَّ (﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]) لا ضررَ فيه، وهذا أمرٌ من الله تعالى لرسوله ﷺ أن يخيِّر نساءَه (١) بين (٢) أن يُفارقهنَّ فيذهبنَ إلى غيرهِ ممَّن يحصل لهنَّ عنده الدُّنيا وزُخرفها، وبين الصَّبر على (٣) ما عندهُ من ضيقِ الحالِ، ولهنَّ عند الله في ذلك الثَّواب الجزيل، فاخترنَ ﵅ رضا الله ورسولَه والدَّارَ الآخرة، فجمعَ الله تعالى لهنَّ بعد ذلك بين خيري (٤) الدُّنيا وسعادة الآخرة.
٥٢٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) (٥) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) أبو الضُّحى بنُ صبيحٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع
стр. 9732
(عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: خَيَّرَنَا) أي: أمَّهات المؤمنين (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بين الدُّنيا والآخرة، فإن اخترنَ الدُّنيا طلَّقهن طلاق السُّنَّة (فَاخْتَرْنَا اللهَ وَرَسُولَهُ فَلَمْ يُعَدَّ) بضم أوَّله وفتح العين والدال المهملة المشدَّدة (ذَلِكَ) التَّخيير (عَلَيْنَا شَيْئًا) من الطَّلاق.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الطَّلاق»، والتِّرمذيُّ في «النِّكاح»، والنَّسائيُّ فيه وفي «الطَّلاق»، وابن ماجه في «الطَّلاق».
٥٢٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَامِرٌ) هو ابنُ شراحيل الشَّعبيُّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ الخِيَرَةِ) بكسر الخاء المعجمة وفتح التحتية والراء، أي: تخيير الرَّجل زوجتَه في الطَّلاق وعدمهِ (١) (فَقَالَتْ): ليس طلاقًا، واستدلَّت لذلك بقولها: (خَيَّرَنَا النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: أزواجَهُ فاخترنَاهُ (أَفَكَانَ) تخييرهُ (طَلَاقًا؟!) استفهامٌ على سبيل الإنكار.
(قَالَ مَسْرُوقٌ) بالإسناد السَّابق: (لَا أُبَالِي أَخَيَّرْتُهَا وَاحِدَةً أَوْ مِئَةً بَعْدَ أَنْ تَخْتَارَنِي) واختُلف فيما إذا اختارتْ نفسها هل تقع طلقةً واحدةً رجعيَّةً، أم بائنًا، أو تقع ثلاثًا؟ فقال المالكيَّة: تقع ثلاثًا لأنَّ معنى الخيار بتُّ أحد الأمرين إمَّا الأخذ أو التَّرك، فلو قلنا: إذا اختارتْ نفسها تكون طلقةً رجعيَّةً لم يعمل بمقتضى اللَّفظ لأنَّها تكون بعده في أسر الزَّوج. وقال الحنفيَّة: واحدةٌ بائنةٌ. وقال الشَّافعيَّة: التَّخيير كنايةٌ، فإذا خيَّر الزَّوج امرأته وأرادَ بذلك تخييرها بين أن تَطْلُق منه، وبين أن تستمرَّ في عِصمتهِ، فاختارتْ نفسها وأرادت بذلك الطَّلاق، طَلُقَتْ لقول عائشة: فاخترناهُ فلم يكن ذلك طلاقًا؛ إذ مقتضاهُ أنَّها لو اختارتْ نفسها كان طلاقًا، لكن مفهوم قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] أي: بعد الاختيار أنَّ ذلك بمجرَّده لا يكون طلاقًا بل لا بدَّ من إنشاءِ الزَّوج الطَّلاق، فلو قالت: لم أرد باختيارِ نفسي الطَّلاق صدقتْ، فلو وقع التَّصريح بالتَّطليق يقع جزمًا. واختلفوا في التَّخييرِ هل هو بمعنى التَّمليك أو التَّوكيل؟ والصَّحيح عندنا أنَّه
стр. 9733
تمليكٌ، فلو قال الرَّجل لزوجته: طلِّقي نفسك إن شئتِ فتمليكٌ للطَّلاق لأنَّه يتعلَّق بغرضها فنزَل منزلةَ قوله: ملَّكتك طلاقَك، ويشترطُ أن يكون فورًا، لتضمُّنه القَبول وهو على الفورِ، فلو أخَّرت بقدر ما ينقطعُ به القبولُ عن الإيجاب ثمَّ طلَّقت لم يقع، إلَّا إن قال: طلِّقي نفسكِ متى شئتِ، فلا يشترطُ الفور، وللزَّوج الرُّجوع قبل التَّطليق ولا يصحُّ تعليقُه، فلو قال: إذا جاء الغد أو زيدٌ مثلًا فطلِّقي نفسك لغا. وقال المالكيَّة والحنفيَّة: لا يشترطُ الفور بل متى طلَّقت نفذَ.
(٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في كنايات الطَّلاق، وهي ما يحتملُ الطَّلاق وغيره، ولا يقع الطَّلاق بها إلَّا بالنِّيَّة لأنَّها غير موضوعةٍ للطَّلاق بل موضوعةٌ لما هو أعمُّ من حكمهِ، والأعمُّ في المادَّة الاستعماليَّة يحتمل كلًّا مِنْ مَاصَدَقاتِهِ (١)، ولا يتعيَّن أحدهما إلَّا بمعيِّن، والمعيِّن (٢) في نفس الأمر هو النِّيَّة، وما ذكره المصنِّف في قوله: (إِذَا قَالَ) أي: الرَّجل لامرأته: (فَارَقْتُكِ، أَوْ سَرَّحْتُكِ، أَوِ الخَلِيَّةُ) فعيلةٌ بمعنى فاعلة (٣)، أي: خليَّةٌ من الزَّوج، وهو خالٍ منها (أَوِ البَرِيَّةُ) من الزَّوج، مقتضاه: أنَّ لا صريح عنده إلَّا لفظ الطَّلاق وما تصرَّف منه، وهو قول الشَّافعيِّ في القديم، لكن نصَّ في الجديد على أنَّ الصَّريح لفظ الطَّلاق والفراق والسَّراح لورود ذلك في القرآن بمعنى الطَّلاق (أَوْ مَا عُنِيَ بِهِ الطَّلَاقُ) بضم العين، وغيره كاستبرِئي (٤) رحمكِ، أي: فقد طلَّقتُك فاعتدِّي، وحبلُك على غاربِك، أي: خلَّيتُ سبيلك كما يخلَّى البعير في الصَّحراء، أو يُترك زمامه على غاربِهِ، وهو ما تقدَّم من الظَّهر وارتفعَ من العنق، وودِّعيني، وبرئتُ منك (فَهُوَ عَلَى نِيَّتِهِ) إن نوى الطَّلاق وقع وإلَّا فلا، ويدلُّ لذلك (قَوْلُ اللهِ ولأبي ذرٍّ: «وقول الله»: (﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]) أي: بالمعروف، وكأنَّه يريد أنَّ التَّسريح
стр. 9734
هنا بمعنى الإرسال لا بمعنى الطَّلاق لأنَّه أمر مَن طلَّق قبل الدُّخول أن يمتِّع (١) ويسرِّح، وليس المرادُ من الآية تطليقها بعد التَّطليق قطعًا (وَقَالَ) تعالى: (﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]) فهو مجملٌ يحتملُ التَّطليق والإرسال، وإذا احتملَتْ الأمرين انتفى أن تكون صريحةً في الطَّلاق، كذا قرَّره في «الفتح»، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ معنى ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾: أطلِّقكُنَّ لأنَّه لم يسبق هنا طلاقٌ، فمن أين يأتي الاحتمال (وَقَالَ تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]) أي: إنَّ هذه الآية وردت بلفظ الفراق في موضعِ ورودها بالبقرة بلفظ السَّراح، والحكم فيهما واحدٌ لأنَّه وردَ في الموضعين بعد وقوعِ الطَّلاق، فالمرادُ به الإرسال (وَقَالَ) تعالى: (﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]) لأنَّ سياقها بعد وقوع الطَّلاق، فلا يراد بها الطَّلاق بل الإرسال، ومباحثُ هذا مقرَّرة في محاله (٢) من دواوين الفقه.
(وَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ ممَّا وصله في آخر حديث في «باب موعظةِ الرَّجل ابنتَه» من «كتاب النِّكاح» [خ¦٥١٩١]: (قَدْ عَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ).
(٧) (بابُ مَنْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ. وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ فيما (٣) وصله عبد الرَّزَّاق: (نِيَّتُهُ) أي: فإن نوى طلاقًا وإن تعدَّد أو ظهارًا وقع المنويُّ لأنَّ كلًّا منهما يقتضي التَّحريم، فجاز أن يُكنَّى عنه بالحرام أو نواهما معًا أو مرتبًا تخيَّر، وثبتَ ما اختارهُ منهما ولا يثبتان جميعًا لأنَّ الطَّلاق يزيلُ النِّكاح، والظِّهار يستدعِي بقاءه، هذا مذهبُ الشَّافعيَّة. وقال الحنفيَّة: إنْ نوى واحدةً فهي بائنٌ، وإن نوى ثنتين فهي واحدةٌ بائنةٌ، وإن لم ينوِ طلاقًا فهي يمينٌ ويصير مولِيًا. وقال المالكيَّة: يقع ثلاثًا ولا يسأل عن نيَّته، ولهم في ذلك تفاصيل يطولُ ذكرها.
(وَقَالَ أَهْلُ العِلْمِ: إِذَا طَلَّقَ ثلاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ) أي: حتَّى تنكِح زوجًا غيره (فَسَمَّوْهُ
стр. 9735
حَرَامًا) بالتَّصريح (بِالطَّلَاقِ وَالفِرَاقِ) بأن يتلفَّظ بأحدهما أو يقصدُه، فلو أطلق (١) أو نوى غير الطَّلاق فهو محلُّ النَّظر، وقال صاحب «المصابيح» من المالكيَّة: يعني: فإذا كانت الثَّلاث تحريمًا كان التَّحريم ثلاثًا. قال: وهذا غير ظاهرٍ لجواز أن يكون بينهما عمومٌ وخصوصٌ، كالحيوان والإنسان، وحاول ابن المنيِّر الجواب عن البخاريِّ بأنَّ الشَّرع عبَّر عن الغاية القصوى بالتَّحريم، وإنَّما يشبَّه (٢) الشَّيء بما هو أوضح منه، فدلَّ ذلك على أنَّ الَّذين كانوا لا يعلمون أنَّ الثَّلاث محرَّمة ولا أنَّها الغاية يعلمونَ أنَّ التَّحريم هو الغايةُ، ولهذا بيَّن لهم أنَّ الثَّلاث تحرِّم، فالمستدلُّ به في الحقيقة إنَّما هو الإطلاق مع السِّياق، وما من شأن العرب أن تعبِّر بالعامِّ عن الخاصِّ، ولو قال القائل لإنسانٍ بين يديه يُعَرِّف بشأنه، وينبِّه على قدرهِ: هذا حيوانٌ لكان متهكِّمًا مستخفًّا، فإذا عبَّر الشَّرع عن الثَّلاث بأنَّها محرَّمة، فلا يحمل على التَّعبير عن الخاصِّ بالعام لئلَّا يكون ركيكًا، والشَّرع منزَّهٌ عن ذلك، فإذن هما سواءٌ لا عمومَ بينهما، ويدلُّ هذا على أنَّ التَّحريم كان أشهرَ عندهم بالغلظِ والشِّدَّة مِن الثَّلاث، ولهذا فسَّره لهم به. قال: وهذا من لطيفِ الكلام، وأمَّا كون التَّحريم قد يقصرُ عن الثَّلاث فذلك تحريمٌ مقيَّدٌ، وأمَّا المطلق منه فللثلاث، وفرق بين ما يُفهم لدى الإطلاق وبين ما لا يُفهم إلَّا بقيدٍ. انتهى.
وتعقَّبه البدرُ فقال: قوله: وما من شأن العرب أن تعبِّر بالعامِّ عن الخاصِّ (٣) مشكلٌ، اللَّهمَّ إلَّا أن يريدَ في بعض المقاماتِ الخاصَّة فيمكن، وسياقُ كلامهِ يُفْهم ذلك عند التَّأمُّل. انتهى.
وقول (٤) ابن بطَّال: إنَّ البخاريَّ يرى أنَّ التَّحريم يُنَزَّلُ منزلة الطَّلاق الثَّلاث للإجماع على أنَّ من طلَّق امرأته ثلاثًا أنَّها (٥) تحرم عليه، فلمَّا كانت الثَّلاث تحرِّمها كان التَّحريم ثلاثًا، ومن ثمَّ أورد حديث رفاعة محتجًّا به، لذلك تعقَّبه في «الفتح» فقال: الَّذي يظهرُ من مذهب البخاريِّ أنَّ
стр. 9736
الحرام ينصرفُ إلى نيَّة القائل، ولذا (١) صدَّر الباب بقول الحسنِ، وهذه عادتُه في موضعِ الاختلاف مهما صدَّر به من النَّقل عن صحابيٍّ أو (٢) تابعيٍّ فهو اختيارهُ، وحاشا البخاريَّ أن يستدلَّ بكون الثَّلاث تحرِّم أنَّ كلَّ تحريمٍ له حكم الثَّلاث مع ظهورِ منع الحصر لأنَّ الطَّلقة الواحدة تحرِّم غير (٣) المدخولِ بها مطلقًا، والبائنُ تحرِّم المدخول (٤) بها إلَّا بعقدٍ جديدٍ، وكذا الرَّجعيَّة إذا انقضت عدَّتها فلم ينحصرِ التَّحريم في الثَّلاث، وأيضًا فالتَّحريم أعمُّ من التَّطليق ثلاثًا، فكيف يستدلُّ بالأعمِّ على الأخصِّ؟
(وَلَيْسَ هَذَا) التَّحريم المذكور في المرأة (كَالَّذِي يُحَرِّمُ الطَّعَامَ) على نفسه (لأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِطَعَامِ الحِلِّ) ولأبي ذرٍّ: «للطَّعام الحلِّ»: (حَرَامٌ) قال الشَّافعيُّ: وإن حرَّم طعامًا وشرابًا فلغوٌ (وَيُقَالُ لِلْمُطَلَّقَةِ: حَرَامٌ) خلافًا لما (٥) نُقل عن أصبغ وغيره ممَّن سوَّى بين الزَّوجة والطَّعام والشَّراب، وقد ظهرَ أنَّ الشَّيئين وإن (٦) استويا من جهةٍ فقد يفترقان من جهةٍ أخرى، فالزَّوجة إذا حرَّمها على نفسهِ وأراد بذلك تطليقَها حرمتْ عليه، والطَّعام و (٧) الشَّراب إذا حرَّمه على نفسه لم يحرَّم عليه ولا يلزمه كفَّارة لاختصاصِ الإبضاعِ بالاحتياط وشدَّة قبولها التَّحريم، ولذا احتجَّ باتِّفاقهم على أنَّ المرأةَ بالطَّلقة الثَّالثة تحرمُ على الزَّوج، فقال:
(وَقَالَ) تعالى: (فِي الطَّلَاقِ ثَلَاثٌ) بالرفع في الفرع، وفي «اليونينيَّة»: «ثلاثًا» بالنصبِ، ويشبه أن تكون الألف ملحقةً بعد المثلَّثة: (﴿لَا تَحِلُّ لَهُ﴾) من بعد (﴿حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]).
٥٢٦٤ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام ممَّا وصلَه أبو الجهم العلاءُ بن موسى الباهليُّ في «جزء» له (عَنْ
стр. 9737
نَافِعٍ) مولى ابنِ عمر أنَّه (قَالَ): ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد «نافعٌ قال»: (كَانَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ (إِذَا سُئِلَ عَمَّنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا قَالَ: لَوْ طَلَّقْتَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) لكان لك المراجعة (فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَنِي بِهَذَا) لمَّا طلَّقت امرأتي وهي حائضٌ، فقال لمَّا ذكر له عمر ذلك: «مُره فليراجعْهَا» فكأنَّه قال للسَّائل: إن طلَّقت طلقةً أو تطليقتين فأنت مأمورٌ بالمراجعةِ لأجل الحيض (فَإِنْ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا حَرُمَتْ) عليك (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فإن طلَّقها» بضمير الغيبةِ كقول غيره.
٥٢٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سلامٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن حازمٍ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتْ: طَلَّقَ رَجُلٌ) اسمه رِفاعة (امْرَأَتَهُ) تسمَّى تميمة بنت وهبٍ، ثلاثًا (فَتَزَوَّجَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ) اسمه عبد الرَّحمن بن الزَّبير (١) (فَطَلَّقَهَا وَكَانَتْ مَعَهُ) جارحة مُسترخية (مِثْلُ الهُدْبَةِ، فَلَمْ تَصِلْ مِنْهُ إِلَى شَيْءٍ تُرِيدُهُ) من الوطء التَّامِّ (فَلَمْ يَلْبَثْ) أي: الزَّوج الثَّاني (أَنْ طَلَّقَهَا فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ زَوْجِي) رِفاعة (طَلَّقَنِي) ثلاثًا (وَإِنِّي تَزَوَّجْتُ زَوْجًا غَيْرَهُ فَدَخَلَ بِي، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا مِثْلُ الهُدْبَةِ) في الارتخاءِ (فَلَمْ يَقْرَبْنِي إِلَّا هَنَةً وَاحِدَةً) بفتح الهاء والنون المخففة، وحُكي تشديدها.
قال السَّفاقسيُّ: أي (٢): لم يطأني إلَّا مرةً واحدةً. يقال: هنَّى امرأتهُ إذا غشيها. وفي رواية ابنِ السَّكن فيما ذكره في «المشارق»: «إلَّا هبَّةً» بالموحدة المشدَّدة، أي: مرةً، أو وقعةً واحدةً (لَمْ
стр. 9738
يَصِلْ مِنِّي إِلَى شَيْءٍ) قال (١) في «المصابيح»: قولها (٢): لم يصل منِّي إلى شيءٍ، صريحٌ في أنَّه لم يطأها أصلًا لا مرَّةً ولا فوقها، فيُحمل قولها: إلَّا هنةً واحدةً، على أنَّ معناه: فلم يرد أن يقربَ منِّي بقصد الوطء إلَّا مرةً واحدةً. انتهى. نعم إذا قلنا: المراد فلم تصل منه إلى شيءٍ تريدُه من الوطء التَّامِّ، أي: لارتخائهِ وعدمِ قدرتهِ انتظم الكلام (فَأَحِلُّ) بحذف همزة الاستفهام، ولأبي ذرٍّ: «أفأحلُّ» (لِزَوْجِي الأَوَّلِ؟) رِفاعة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَحِلِّينَ لِزَوْجِكِ الأَوَّلِ حَتَّى يَذُوقَ الآخَرُ) عبد الرَّحمن بن الزَّبير (عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي) ولأبي ذرٍّ: «أو تذوقي» (عُسَيْلَتَهُ) شبَّه ﵊ لذَّة الجماع بذوق العسلِ فاستعارَ لها ذوقًا، والعملُ على هذا عند عامَّة أهل العلمِ من الصَّحابة وغيرهم: أنَّه إذا طلَّق ثلاثًا لا تحلُّ له حتَّى تنكحَ غيره ويصيبها الثَّاني، ولا تحلُّ بإصابة شُبهةٍ ولا ملك يمينٍ، وكان ابنُ المنذر يقول: في الحديث دَلالةٌ على أنَّ الثَّاني إن واقعَها وهي نائمةٌ أو مُغمًى عليها لا تحسُّ (٣) باللَّذة أنَّها لا تحلُّ للأوَّل لأنَّ الذَّوق أن تحسَّ باللَّذة، وعامَّة أهلِ العلم على أنَّها تحلُّ، قال النَّوويُّ: اتَّفقوا على أنَّ تغييبَ الحشفةِ في قُبلها كافٍ في ذلك من غير إنزالٍ، وشَرَطَ الحسنُ الإنزال لقوله: «حتَّى تذوقِي (٤) عُسيلته» وهي النُّطفة. انتهى.
(٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: في قولهِ تعالى -مُخاطبًا لنبيِّه ﷺ : (﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]).
٥٢٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (الحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ) بالصاد المهملة والموحدة المشدَّدة
стр. 9739
المفتوحتين، البزَّار -بالزاي وبعد الألف راء- الواسطيُّ، نزلَ بغداد، وثَّقه الجمهورُ، وليَّنه النَّسائيُّ قليلًا، أنَّه (سَمِعَ الرَّبِيعَ بْنَ نَافِعٍ) الحلبيَّ، نزل طرطوس، وهو: أبو توبة -بالمثناة الفوقية وبعد الواو الساكنة موحدة- مشهورٌ بكنيتهِ أكثر من اسمه، قال: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ) بن سلَّامٍ، بتشديد اللام (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) الإمام أبي نصرٍ اليمانيِّ، أحد الأعلام (عَنْ يَعْلَى ابْنِ حَكِيمٍ) الثَّقفيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الوالبيِّ مولاهم، أحدُ الأعلام (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (يَقُولُ: إِذَا حَرَّمَ) الرَّجل (امْرَأَتَهُ) أي: عينها (لَيْسَ بِشَيْءٍ) أي: ليس بطلاقٍ لأنَّ الأعيان لا تُوصف بذلك، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ليست» أي: الكلمةُ، وهي (١) قوله: أنتِ عليَّ حرامٌ، المنويُّ بها عينها بطلاقٍ.
(وَقَالَ) ابن عبَّاسٍ مُستدلًّا على ما ذهبَ: (﴿لَكُمْ﴾) ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ﴾» (﴿فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ﴾) بضم الهمزة وكسرها، قدوةٌ (﴿حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]) وأشارَ بذلك إلى قصَّة مارية، وفي حديث أنسٍ عند النَّسائيِّ بسندٍ صحيح: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانت (٢) له أمةٌ يطؤها فلم تزلْ به حفصةُ وعائشةُ حتَّى حرَّمها، فأنزلَ الله تعالى هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]» قال في «الفتح»: وهذا أصحُّ طرق هذا السَّبب. نعم إذا أراد تحريمَ عينِهَا كُرهَ وعليه كفَّارة يمينٍ في الحال، وإن لم يطأها، وليس ذلك يمينًا لأنَّ اليمين إنَّما تنعقد بأسماء (٣) الله وصفاتهِ. وروى النَّسائيُّ عن سعيدِ بن جُبيرٍ: أنَّ رجلًا سأل ابنَ عبَّاسٍ، فقال: «إنِّي جعلتُ امرأتي عليَّ حرامًا. فقال: كذبتَ ليست عليك حرامًا، ثمَّ تلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾».
стр. 9740
٥٢٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَبَّاحٍ) ولأبي ذرٍّ: «صباح الزَّعفرانيُّ» الفقيه، قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هو ابنُ محمَّدٍ الأعورُ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بنِ عبد العزيز أنَّه (قَالَ: زَعَمَ عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباحٍ (أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْر) بضم العين فيهما مصغَّرين، اللَّيثيَّ المكيَّ، والزَّعم المرادُ به القول (يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂¬) تقول: (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (جَحْشٍ) ﵂ (وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا، فَتَوَاصَيْتُ) بالصاد المهملة (أَنَا وَحَفْصَةُ) بنت عمر (أَنَّ أَيَّتَنَا) ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «أنْ أيَّتُنا» بفتح الهمزة وتخفيف النون والرَّفع (دَخَلَ عَلَيْهَا (١) النَّبِيُّ ﷺ فَلْتَقُلْ) له: (إِنِّي أَجِدُ (٢) مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟) بالغين المعجمة والفاء بعدها تحتية ساكنة، جمع مُغفورٍ بضم أوَّله.
قال في «القاموس»: والمغافرُ والمغافيرُ: المغاثيرُ، يعني: بالمثلثة بدل الفاء، الواحد مِغفر كمِنبر، ومُغفر ومُغفور بضمِّهما (٣)، ومِغفار ومِغفير (٤) بكسرهما (٥). وقال في مادَّة «غ ث ر»: والمِغثر كمِنبر: شيءٌ ينضحه الثُّمام والعشر والرِّمث كالعسل، الجمع مَغاثير، وأغثر الرِّمث: سال منه، وتَمغثر: اجتناهُ. انتهى.
وقال ابنُ قتيبة: هو صمغٌ حلوٌ له رائحةٌ كريهةٌ، وذكر البخاريُّ أنَّه شبيهٌ بالصَّمغ يكون في الرِّمْث -بكسر الراء وسكون الميم بعدها مثلثة- من الشَّجر الَّتي ترعاها الإبلُ، وأكلت استفهامٌ محذوفُ (٦) الأداة.
стр. 9741
(فَدَخَلَ) ﷺ (عَلَى إِحْدَاهُمَا) قال ابن حجرٍ: لم أقف على تعيينهَا (١) وأظنُّها حفصة (فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ) القول الَّذي تواصيا عليه: أكلتَ مَغافير (فَقَالَ: لَا) لم آكل مَغافير (بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا) ولأبي ذرٍّ: «لا بأسَ شربتُ عسلًا» (عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ (٢) جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ لَهُ) للشُّرب، وزاد في روايةِ هشام بن يوسف (٣) في «تفسير سورة التَّحريم» [خ¦٤٩١٢]: «وقد حلفتُ لا تخبرِي بذلك أحدًا» (فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ إِلَى) قولهِ تعالى: (﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللهِ﴾ [التحريم: ١ - ٤]) أي: (لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ) وعند ابنِ عساكرَ هنا: «باب ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللهِ﴾ يعني: لعائشةَ وحفصةَ» (﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ لِقَوْلِهِ: بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا).
قال في «الفتح»: هذا القدر، أي: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ﴾ … إلى آخره بقيَّة الحديثِ، وكنتُ أظنُّه من ترجمةِ البخاريِّ حتَّى وجدتُه مذكورًا في آخرِ الحديث عند مسلمٍ، قال: وكأن المعنى: وأمَّا المراد بقولهِ تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣] فهو لأجل قولهِ: «بل شربتُ عسلًا».
стр. 9742
٥٢٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ) بالفاء المفتوحة والراء الساكنة، والمَغْرَاء -بفتح الميم والراء بينهما غين ساكنة ممدود- البِيْكنديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) الكوفيُّ الحافظ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ العَسَلَ وَالحَلْوَاءَ) بالهمز والمدِّ، ولأبي ذرٍّ: «والحلوى» بالقصرِ. قال في «القاموس»: والحلواء وتقصر. وعند الثَّعالبيِّ في «فقه اللُّغة»: أنَّ حلوى النَّبيِّ ﷺ الَّتي كان يحبُّها هي المَجِيْع -بالجيم- بوزن عظيمٍ. قال في «القاموس»: تمرٌ يُعجن بلبنٍ. وليس هذا من عطفِ العامِّ على الخاصِّ (١) وإنَّما العامُّ الَّذي يدخل فيه الحُلو (٢)؛ بضم أوَّله (وَكَانَ) ﷺ (إِذَا انْصَرَفَ مِنَ العَصْرِ) أي: من صلاة العصر (دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو) أي: يقرب (مِنْ إِحْدَاهُنَّ) بأن يقبِّلها ويباشرها من غير جماعٍ، كما في روايةٍ أخرى، وفي رواية حمَّاد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عند (٣) عبدِ بن حُميدٍ: أنَّ ذلك إذا انصرفَ من صلاةِ الفجر. لكنَّها كما في «الفتح» روايةٌ شاذَّةٌ، وعلى تسليمها فيُحتمل أنَّ الَّذي كان يفعلُه أوَّل النَّهار سلامٌ ودعاءٌ محضٌ، والَّذي في آخره معه جلوسٌ ومحادثةٌ (فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ فَاحْتَبَسَ) فأقام عندها (أَكْثَرَ مَا كَانَ يَحْتَبِسُ فَغِرْتُ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لِي) في حديث ابن عبَّاسٍ: «أنَّ عائشة قالت لجويريَّة حبشيَّةٌ عندها -يقال لها: خضراء-: إذا دخل على حفصةَ فادخلِي عليها فانظرِي ماذا (٤) يصنعُ»، فقالت: (أَهْدَتْ لَهَا) أي: لحفصةَ (امْرَأَةٌ (٥) مِنْ قَوْمِهَا) لم أعرف اسمها (عُكَّةً مِنْ عَسَلٍ) سقط الجار لأبي ذرٍّ، وزاد ابنُ عبَّاس: «مِن الطَّائف» (فَسَقَتِ النَّبِيَّ ﷺ مِنْهُ شَرْبَةً) وفي الرِّواية السَّابقة من هذا الباب أنَّ شربَ العسل كان عندَ زينب بنت جحشٍ، وفي هذه عند حفصةَ، وقد قدمنَا أنَّ روايةَ ابن عبَّاسٍ عند ابنِ مَرْدويه أنَّه كان عند سَوْدة، وأنَّ عائشةَ وحفصة هما اللَّتان تواطأتا (٦) كما في
стр. 9743
رواية عُبيد بن عُمير المرويَّة أوَّل هذا الباب، وإن اختلفتَا (١) في صاحبةِ العسل، وحمله على التَّعدُّد إذ لا يمتنعُ تعدُّد السَّبب للشَّيء الواحدِ، أو رواية عبيد أثبت لموافقةِ ابن عبَّاسٍ لها على أنَّ المتظاهرتين حفصة وعائشة على ما تقدَّم (٢) في «التَّفسير» [خ¦٤٩١٣] فلو كانت حفصةُ صاحبةَ العسل لم تقرنْ في المظاهرة بعائشة، لكن يمكنُ تعدُّد القصَّة التِّي في شرب العسلِ وتحريمه، واختصاص النُّزول بالقصَّة الَّتي فيها أنَّ عائشةَ وحفصة هما المتظاهرتان، ويمكنُ أن تكون القصَّة الَّتي وقع فيها الشُّرب عند حفصة كانت سابقةً، والرَّاجح أيضًا أنَّ صاحبةَ العسل زينب لا سودة؛ لأنَّ طريق عُبيد أثبتُ من طريقِ ابن أبي مُليكة، ويؤيِّده أنَّ (٣) في «الهبة» [خ¦٢٥٨١]: أنَّ نساءَ النَّبيِّ ﷺ كنَّ حزبين: عائشة، وسَودة، وحَفصة، وصفيَّة في حزبٍ، وزينب بنتُ جحشٍ، وأمُّ سلمة، والباقيات في حزبٍ، ولذا غارتْ عائشة منها لكونها من غيرِ حزبها، وممَّن ذهب إلى التَّرجيح عياضٌ، فقال: رواية عُبيد بن عُمير أولى لموافقتِها ظاهر القرآن لأنَّ فيه ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٤] فهما ثنتان (٤) لا أكثر، قال: فكأنَّ الأسماءَ انقلبتْ على راوي الرِّواية الأُخرى، لكن اعترضَه الكِرمانيُّ فقال: متى جوَّزنا هذا ارتفعَ الوثوقُ بأكثر الرِّوايات، وفي «تفسير السُّدِّيِّ»: أنَّ شرب العسل كان عند أمِّ سلمة. أخرجه الطَّبريُّ وغيره، وهو مرجوحٌ لإرسالهِ وشُذوذه. انتهى ملخَّصًا من «الفتح».
قالت عائشة: (فَقُلْتُ: أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم (وَاللهِ لَنَحْتَالَنَّ لَهُ) أي: لأجلهِ (فَقُلْتُ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ: إنَّهُ (٥)) ﷺ (سَيَدْنُو) أي: يقرب (مِنْكِ، فَإِذَا دَنَا مِنْكِ فَقُولِي) له: (أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: لَا، فَقُولِي لَهُ: مَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ مِنْكَ؟) وسقطَ لفظ «منك» لأبي ذرٍّ (فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فَقُولِي لَهُ: جَرَسَتْ) بفتح الجيم والراء والسين المهملة، أي: رَعَت (نَحْلُهُ) أي: نحل هذا العسل الَّذي شربتَهُ (العُرْفُطَ) بضم العين المهملة والفاء بينهما راء ساكنة آخره طاء مهملة، الشَّجر الَّذي صَمْغه المغافير (وَسَأَقُولُ)
стр. 9744
أنا له (ذَلِكَ وَقُولِي) له (أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ) بنت حُييٍّ (ذَاكِ) بكسر الكاف بلا لامٍ، ولأبي ذرٍّ: «ذلك» أي: قولي الكلام الَّذي علَّمته لسودةَ، زاد يزيدُ بن رومان، عن ابن عبَّاسٍ: «وكان رسولُ الله ﷺ أشدَّ عليه أن توجدَ منه ريحٌ كريهةٌ» لأنَّه يأتيهِ الملك (قَالَتْ) عائشة: (تَقُولُ سَوْدَةُ) لي (١): (فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ قَامَ) ﷺ (عَلَى البَابِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُبَادِئهُ) بالموحدة من المبادأة بالهمز، ولابنِ عساكرَ: «أناديه» بالنون بدل الموحدة (بِمَا أَمَرْتِنِي بِهِ) (٢) من أن أقولَ له: أكلتَ مَغافير (فَرَقًا) بفتح الفاء والراء، خوفًا (مِنْكِ، فَلَمَّا دَنَا) ﵊ (مِنْهَا قَالَتْ لَهُ سَوْدَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ قَالَ: لَا) ما أكلتُها (قَالَتْ) له: (فَمَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ) ها (مِنْكَ؟ قَالَ) ﵊: (سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ) وسقطَ لابن عساكرَ «عسل» (فَقَالَتْ) سودة: (جَرَسَتْ) رَعَت (نَحْلُهُ العُرْفُطَ) شجر المغافير، وقالتْ عائشة: (فَلَمَّا دَارَ إِلَيَّ) بتشديد الياء (قُلْتُ لَهُ) ﵊، وسقط لأبي ذرٍّ «له» (٣) (نَحْوَ ذَلِكَ) القول الَّذي قلت لسودةَ أن تقولَه له (فَلَمَّا دَارَ إِلَى صَفِيَّةَ، قَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ) عبَّر بقولهِ نحو ذلك في إسنادِ القول لعائشة، وبقولهِ مثل ذلك في إسنادهِ (٤) لصفيَّة لأنَّ عائشة لمَّا كانت المبتكرة لذلك عبَّرت عنه بأيِّ لفظ أرادت، وأمَّا صفيَّة فإنَّها مأمورةٌ بقول ذلك فليس لها أن تتصرَّف فيه، لكن وقع التَّعبير بلفظ «مثل» في الموضعين في رواية أبي أسامة [خ¦٦٩٧٢] فيُحتمل أن يكون ذلك من تصرُّف الرُّواة (فَلَمَّا دَارَ إِلَى حَفْصَة) في اليوم الآخر (قَالَتْ) له: (يَا رَسُولَ اللهِ أَلا) بالتَّخفيف (أَسْقِيكَ مِنْهُ؟) من العسل (قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ) لِما وقع من توارد النِّسوة الثَّلاث على أنَّه نشأت له من شربه ريحٌ كريهةٌ، فتركه حسمًا للمادَّة (قَالَتْ) عائشة: (تَقُولُ سَوْدَةُ: وَاللهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ) بتخفيف الراء، منعناه ﷺ من العسل. قالتْ عائشة: (قُلْتُ لَهَا) أي: لسودة: (اسْكُتِي) لئلَّا يفشو ذلك فيظهر ما دبَّرته لحفصة، وهذا منها على مقتضى طبيعة النِّساء في الغيرة، وليس بكبيرةٍ بل صغيرةٌ معفوٌّ عنها مكفَّرة.
стр. 9745
(٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ) لو (١) قال لأجنبيَّةٍ: إن تزوَّجتك فأنت طالقٌ فلغوٌ للحديث المرويِّ عند أبي داودَ وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيح: «لا طلاق إلَّا بعد نكاحٍ»، وللحاكم من رواية جابر: «لا طلاقَ لمن لا يملكُ» وقال: صحيحٌ على شرطهما، أي: لا طلاق واقعٌ (وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾) أي: تزوَّجتم، والنِّكاح هو الوطءُ في الأصل، وتسميةُ العقد نِكاحًا لملابسته (٢) له من حيث إنَّه طريقٌ له كتسميةِ الخمر إثمًا لأنَّها سببه، ولم يردْ لفظ النِّكاح في القرآنِ إلَّا في معنى العقدِ لأنَّه في معنى الوطءِ من باب التَّصريح به، ومنْ آداب القرآن الكناية عنه (﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]) فلا (٣) تمسكوهنَّ ضرارًا، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «باب» إلى آخر قوله: «وقول الله تعالى» وثبتَ عنده: «﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾» لكن قال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّ لفظ الباب أيضًا ثابتٌ عندهُ، وذكر الآية إلى قوله: «﴿مِنْ عِدَّةٍ﴾» وحذف الباقي وقال: «الآيةَ». قلت: وكذا هو ثابتٌ في «اليونينيَّة» (٤).
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما أخرجه أحمدُ: (جَعَلَ اللهُ الطَّلَاقَ بَعْدَ النِّكَاحِ) وروى ابنُ خُزيمة والبيهقيُّ من طريقهِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: «سئل ابنُ عبَّاسٍ عن الرَّجل يقول: إنْ تزوَّجت فلانة فهي طالقٌ، فقال: ليس بشيءٍ إنَّما الطَّلاق لما ملكَ (٥)، قالوا: فابن مسعودٍ كان يقول: إذا
стр. 9746
وقَّت وقتًا فهو كما قال، قال: يرحم الله أبا عبد الرَّحمن لو كان كما قال لقال الله: إذا طلَّقتم المؤمنات ثمَّ نكحتموهنَّ».
(وَيُرْوَى) ولابن عساكرَ: «ورُوي» (فِي ذَلِكَ) أي: في أنْ لا طلاق (١) قبل النِّكاح (عَنْ عَلِيٍّ) ﵁ فيما رواه عبد الرَّزَّاق برجالٍ ثقاتٍ من طريق الحسن البصريِّ قال: «سألَ رجلٌ عليًّا قال: قلت: إن تزوَّجتُ فلانة فهي طالقٌ، فقال عليٌّ: ليس بشيءٍ»، لكنَّ الحسن لم يسمع من عليٍّ، وقد روي مرفوعًا فيما أخرجه البيهقيُّ، وأبو داود عن عليٍّ، قال: حفظتُ من رسولِ الله ﷺ : «لا طلاقَ إلَّا مِن بعدِ نكَاحٍ، وَلا يُتم بعدَ احتلَامٍ» (وَ) عن (سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) فيما رواه عبدُ الرَّزَّاق بإسنادٍ صحيحٍ، عن ابن جُريجٍ، بلفظ: أخبرني عبدُ الكريم الجزريُّ أنَّه سأل سعيدَ بن المسيَّب وسعيدَ بن جُبير (٢) وعطاءَ بن أبي رباحٍ عن طلاق الرَّجل ما لم ينكح، فكلُّهم قال (٣): لا طلاقَ قبل أن ينكِح إن سمَّاها وإن لم يسمِّها (وَ) عن (عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام ممَّا (٤) رواه سعيد بنُ منصورٍ بسندٍ صحيح: حدَّثنا حمَّاد بن زيدٍ، عن هشام بنِ عروةَ: أنَّ أباه كان يقول: كلُّ طلاقٍ أو عتقٍ قبل المِلك فهو باطلٌ (وَ) عن (أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث بنِ هشامٍ (وَعُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعودٍ، فيما رواه يعقوبُ ابن سفيان والبيهقيُّ من طريقهِ من رواية ابن الهادِ، عن (٥) المنذرِ بن أبي (٦) عليِّ بنِ الحكم: أنَّ ابنَ أخيهِ خطبَ ابنة عمِّه، فتشاجروا في بعض الأمرِ، فقال الفتى: هي طالقٌ إنْ نكحتها حتَّى آكل الغضيضَ. قال: والغضيضُ: طلعُ النَّخل الذَّكرِ، ثمَّ ندموا على ما كان من الأمرِ، فقال المنذر: أنا آتيكُم بالبيانِ من ذلك، فانطلقَ إلى سعيد بن المسيَّب فذكرَ له، فقال ابنُ المسيَّب: ليس عليه شيءٌ طلَّق ما لا يملكُ. قال: ثمَّ إنِّي سألت عروةَ بن الزُّبير، فقال مثل ذلك، ثمَّ سألتُ أبا سلمة بن عبد الرَّحمن فقالَ مثل ذلك، ثمَّ سألتُ أبا بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشامٍ فقال مثل
стр. 9747
ذلك، ثمَّ سألتُ عُبيد الله بن عبد الله بنِ عُتبة بنِ مسعودٍ فقال مثلَ ذلك، ثمَّ سألتُ عمر بن عبد العزيز، فقال: هل سألتَ أحدًا؟ قلتُ: نعم، فسمَّاهم. قال: ثمَّ رجعتُ إلى القومِ فأخبرتهم.
(وَ) عن (أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ) لكن قال الحافظُ ابن حَجرٍ: لم أقفْ على إسناد إليه بذلك (وَ) عن (عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) المشهور بزين العابدين، ممَّا أخرجه في «الغيلانيات» بلفظ: «لا طلاقَ إلَّا بعد نكاحٍ».
(وَ) عن (شُرَيْحٍ) القاضي فيما رواه سعيد بن منصورٍ، وابنُ أبي شيبة من طريق سعيد بن جبيرٍ، عنه، قال: «لا طلاقَ قبل نكاحٍ» وسندهُ صحيحٌ.
(وَ) عن (سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر) ممَّا رواه ابنُ أبي شيبة: أنَّه قال في الرَّجل يقول: يوم أتزوَّج فلانة فهي طالقٌ، قال: ليس بشيءٍ إنَّما الطَّلاق بعد النِّكاح. ورواه الدَّارقطنيُّ مرفوعًا من طريق أبي هاشم الرُّمانيِّ عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابنِ عمر، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه سئل عن رجلٍ قال: يوم أتزوَّج فلانة فهي طالقٌ، فقال: «طلَّقَ مَا لَا يملِكُ» وفي سندهِ أبو خالدٍ الواسطيُّ، وهو واهٍ.
(وَ) عن (القَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكر الصِّدِّيق (وَسَالِمٍ) وهو: ابنُ عبد الله بن عمر، ممَّا رواه أبو عُبيد في «كتاب النِّكاح» له عن هُشيم، ويزيد بن هارون، كلاهما عن يحيى بن سعيدٍ، قال: كان القاسمُ بن محمَّدٍ، وسالمُ بن عبد الله، وعمرُ بن عبد العزيز، لا يرون الطَّلاق قبل النِّكاح. وهذا إسنادٌ صحيحٌ، وقد سقط لأبي ذرٍّ قوله: «والقاسم وسالم».
(وَ) عن (طَاوُسٍ) ممَّا أخرجه عبد الرَّزَّاق عن مَعمر، قال: كتبَ الوليدُ بن يزيد إلى أمراء الأمصار أن يكتبوا إليه بالطَّلاق قبل النِّكاح، وكان قد ابتُلي بذلك فكتب إلى عامله باليمن، فدعا ابن طاوس، وإسماعيل بن شَرُوس، وسماك بن الفضل، فأخبرهُم ابن طاوس، عن أبيه، وإسماعيل بن شَرُوس، عن عطاء، وسِمَاك بن الفضل، عن وهب بن منبِّه، أنَّهم قالوا: لا طلاقَ قبل نكاحٍ. قال سِمَاك من عنده: إنَّما النِّكاح عُقدةٌ تُعقد والطَّلاق يحلُّها، فكيف تحلُّ عقدةٌ قبل أن تُعقد (وَ) عن (الحَسَنِ) فيما رواه عبدُ الرَّزَّاق بلفظِ: «لا طلاق قبل النِّكاح، ولا عتقَ قبل المِلك» (وَ) عن (عِكْرِمَةَ) فيما رواهُ (١) الأثرمُ عن الفضل بنِ دكين، عن سويد بن نجيحٍ، قال:
стр. 9748
سألت عِكرمة مولى ابن عبَّاسٍ، قلت: رجل قالوا له: تزوَّج فلانةً، قال: هي يوم أتزوَّجها طالقٌ كذا وكذا، قال: إنَّما الطَّلاق بعد النِّكاح (وَ) عن (عَطَاءٍ) ممَّا رواه الطَّبرانيُّ (١) في «الأوسط» عنه: عن جابرٍ: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَا طلَاقَ إلَّا بعدَ نكَاحٍ، ولَا عتقَ إلَّا بعدَ مِلكٍ».
(وَ) عن (عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ (٢)) هو البجليُّ الكوفيُّ التَّابعيُّ كما قاله في «الفتح»، وجزم الكِرمانيُّ: أنَّه ابن سعد بن أبي وقَّاصٍ. قال ابن حجرٍ: وفيه نظرٌ، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ صاحب «رجال الصَّحيحين» لم يذكر عامرَ بن سعد البجليَّ، فالظَّاهر أنَّه ابنُ أبي وقَّاصٍ، ولم يقفْ على إسنادِ هذا الأثر.
(وَ) عن (جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ) أبي الشَّعثاء البصريِّ ممَّا رواه سعيدُ بن منصورٍ، وفي رواية أبي ذرٍّ هنا: «وسالم» أي: ابن عبد الله بن عمر، وقد سبق.
(وَ) عن (نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ) أي: ابن مُطعمٍ (وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ) القرظيِّ ممَّا وصلَه ابنُ أبي شيبةَ عنهما، أنَّهما قالا: لا طلاقَ إلَّا بعد نكاحٍ.
(وَ) عن (سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) ممَّا وصله سعيد بنُ منصور (وَ) عن (مُجَاهِدٍ) ممَّا وصله ابنُ أبي شيبة، عن الحسن بن الرَّمَّاح، سألت سعيد بن المسيَّب ومجاهدًا، وعطاءً عن (٣) رجلٍ قال: يوم أتزوَّج فلانةً فهي طالقٌ، فكلُّهم قال: ليس بشيءٍ. وزاد سعيدٌ: أيكون سيلٌ قبل مطرٍ.
(وَ) عن (القَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عبد الله بن مسعودٍ ممَّا رواه ابنُ أبي شيبة بلفظ: لا طلاقَ إلَّا بعد نكاحٍ.
(وَ) عن (عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ) بفتح العين في الأوَّل، والهاء وكسر الراء والصَّرف في الثاني، الأزديِّ، من أتباع التَّابعين ممَّا قال الحافظُ ابن حجرٍ: لم أقفْ على مقالتهِ موصولةً إلَّا في (٤) كلام بعضِ الشُّرَّاح: أنَّ أبا عُبيدٍ أخرجه من طريقهِ.
(وَ) عن (الشَّعْبِيِّ) عامر بن شُرَاحيل (أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ) لكن رواه وكيعٌ في «مصنفه» عن الشَّعبيِّ
стр. 9749
قال: إن قال: كلُّ امرأةٍ أتزوَّجها فهي طالقٌ فليس بشيءٍ فإذا وقَّت لزمه، وقال الكِرمانيُّ: ومقصودُ البخاريِّ من تعداد هذه الجماعة الثَّلاثة والعشرين من الفقهاء الأفاضل الإشعار بأنَّه يكاد أن يكون إجماعًا على أنَّه لا تُطلَّق المرأةُ قبل النِّكاح. وقال في «الفتح»: وقد تجوَّز البخاريُّ في نسبةِ جميع مَن (١) ذكر عنهم إلى القولِ بعدم الوقوعِ مطلقًا مع أنَّ بعضَهم يفصِّل وبعضهم يختلف عليه، ولعلَّ ذلك هو النُّكتةُ بتصديرهِ النَّقل عنهم بصيغةِ التَّمريض، والمسألة من الخِلافيَّات (٢) الشَّهيرة، وللعلماء فيها مذاهب: الوقوع مطلقًا، وعدم الوقوع مطلقًا، والتَّفصيل بين ما إذا عمَّم أو عيَّن، والجمهور -وهو قول الشَّافعيِّ- على عدمِ الوقوع. نعم حكى ابن الرِّفعة في «كفايته» (٣) عن «أمالي أبي الفرج» وكتاب الحنَّاطي: أنَّ منهم من أثبت وقوعَ الطَّلاق، قال: واعلم أنَّ بعض الشَّارحين للمسألةِ استدلَّ بقوله ﷺ : «لَا طلَاقَ قبلَ النِّكاحِ» مُقتصرًا على ذلك، وهو غير كافٍ لأنَّ مَن قال بوقوع الطَّلاق يقول بموجبهِ، فإنَّه يقول الطَّلاق إنَّما يقع بعد النِّكاح. انتهى.
وأبو حنيفة وأصحابه بالوقوع مطلقًا لأنَّ التَّعليق بالشَّرط يمينٌ، فلا تتوقَّف صحَّته على وجود مُلك المحلِّ كاليمين بالله تعالى، وهذا لأنَّ اليمين تصرُّفٌ من الحالف في ذمَّة نفسه لأنَّه يوجبُ البرَّ على نفسه والمحلوف به ليس بطلاقٍ؛ لأنَّه لا يكون طلاقًا إلَّا بعد الوصول إلى المحلِّ، وعند ذلك الملك واجبٌ، وقال بالتَّفصيل جمهور المالكيَّة: فإن سمَّى امرأةً، أو طائفةً، أو قبيلةً، أو مكانًا، أو زمانًا يمكن أن يعيشَ إليه لَزِمه، واحترزوا بذلك عمَّا لو قال: إلى مئتي سنةٍ لا (٤) يلزمه شيءٌ. وقال الشَّيخ خليلٌ في «توضيحه»: ولو قال لأجنبيةٍ: إن دخلتِ الدَّار فأنت طالقٌ، فلا (٥) شيءَ عليه لعدم عِصمتها، ولو قال: إن تزوَّجتُك فأنت طالقٌ، فالمشهورُ اعتباره. وروى ابن وهبٍ عن مالكٍ: أنَّه لا يلزمه. قال في «الاستذكار»: ورُوي على نحو هذا القول أحاديث إلَّا أنَّها عند أهل الحديث معلولةٌ، ومنهم من يصحِّح بعضها، وأحسنها ما خرَّج قاسمٌ: قال
стр. 9750
رسول الله ﷺ : «لَا طلَاقَ إلَّا بعدَ نكَاحٍ» ولأبي داود: «لَا طلَاقَ (١) إلَّا فيمَا يملِكُ».
قال البخاريُّ: وهو أصحُّ شيءٍ في الطَّلاق قبل النِّكاح. وأُجيب عنها بأنَّا نقول بموجبها لأنَّ الَّذي دلَّ عليه الحديث إنَّما هو انتفاءُ وقوع الطَّلاق قبل النِّكاح، ونحن نقول به، ومحلُّ النِّزاع إنَّما هو التزام الطَّلاق.
(١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا قَالَ لاِمْرَأَتِهِ وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (مُكْرَهٌ: هَذِهِ أُخْتِي، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) من طلاقٍ ولا ظهارٍ (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : قَالَ إِبْرَاهِيمُ) الخليل ﷺ (لِسَارَةَ) زوجته أمِّ إسحاقَ لمَّا طلبها ذلك الجبَّار وخاف أن يقتله (هَذِهِ أُخْتِي، وَذَلِكَ فِي ذَاتِ اللهِ وكان من شأنهم أن لا يقربوا الخليَّة إلَّا بخطبةٍ ورضا بخلاف المتزوِّجة، فكانوا يغتصِبُونها من زَوجها إذا (٢) أحبُّوا ذلك.
стр. 9751
(١١) (بابُ) بيان حكم (الطَّلَاقِ فِي الإِغْلَاقِ) بكسر الهمزة وسكون الغين المعجمة آخره قاف، وهو الإكراه، وسمِّي به لأنَّ المُكره كأنَّه يُغلق عليه الباب ويضيقُ عليه حتى يطلِّق، وقيل: العمل في الغضب، وتمسَّك بهذا التَّفسير بعضُ متأخِّري الحنابلةِ القائلين بأنَّ الطَّلاق في الغضبِ لا يقع، ولم يوجد عن أحدٍ من متقدِّميهم، لكن ردَّ هذا التَّفسير المطرِّزيُّ والفارسيُّ بأنَّ طلاق النَّاس غالبًا إنَّما هو في حالِ الغضب، ولو جاز عدم وقوع طلاقِ الغضبان لكان لكلِّ أحدٍ أن يقول: كنت غضبان، فلا يقع عليَّ طلاقٌ (وَ) حكم (المُكْرَهِ) بضم الميم وفتح الراء، وفي «اليونينيَّة»: «والكُرْه» بغير ميم وضم الكاف وسكون الراء (وَ) حكم (السَّكْرَانِ وَ) حكم (المَجْنُونِ وَأَمْرِهِمَا) هل هو واحدٌ أو مختلفٌ؟ (وَ) حكم (الغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ) الواقعين (فِي الطَّلَاقِ وَ) حكم (الشِّرْكِ) إذا وقع من المُكلَّف ما يقتضيهِ غلطًا أو نسيانًا هل يُحكم به أم لا؟ وإذا كان لا يحكم عليه به فالطَّلاق كذلك (وَغَيْرِهِ) أي: غير الشِّرك ممَّا هو دونه أو غير ما ذكر نحو الخطأ وسبق اللِّسان والهزل. وحكى ابن الملقِّن: أنَّ في بعض النُّسخ: «والشَّكِّ» بدل: والشِّرك. قال الزَّركشيُّ: وهو أَلْيَقُ. وقال ابن بطَّالٍ: وهو الصَّواب، لكن قالَ الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه لم يرها في شيءٍ من النُّسخ الَّتي وقف عليها (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ) بالإفراد (وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) فإنَّما يعتبرُ ما ذُكر من الإكراهِ وغيره ممَّا (١) سبق بالنِّية، وإنَّما يتوجَّه على العاقلِ المختار العامد الذَّاكر.
стр. 9752
(وَتَلَا الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحِيْل؛ قرأَ قوله تعالى مُستدلًّا لعدمِ وقوعِ طلاقِ المخطئ والنَّاسي: (﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]) وهذا وصلَه هَنَّادُ بنُ السَّريِّ الصَّغير في «فوائده» (وَ) بيان (مَا لَا يَجُوزُ مِنْ إِقْرَارِ المُوَسْوِسِ) بسينين مهملتين وفتح الواو الأولى وكسر الثانية.
(وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلَّذِي أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ) بالزِّنا: (أَبِكَ جُنُونٌ؟) فقال: لا، الحديث الآتي إن شاء الله تعالى في «الحدودِ» [خ¦٦٨١٥] بمباحثه بعون الله وفضلهِ.
(وَقَالَ عَلِيٌّ) ﵁: (بَقَرَ) بالموحدة والقاف المخففة، شقَّ (حَمْزَةُ) بن عبد المطَّلب (خَوَاصِرَ شَارِفَيَّ) بفتح الفاء وتشديد التحتية، تثنية شارفٍ: النَّاقة المسنَّة (فَطَفِقَ) شرعَ أو جعل (النَّبِيُّ ﷺ يَلُومُ حَمْزَةَ) على فعله ذلك (فَإِذَا حَمْزَةُ قَدْ ثَمِلَ) بفتح المثلثة وكسر الميم، سَكِر مبتدأ وخبر (مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ) خبرٌ بعد خبرٍ (ثُمَّ قَالَ حَمْزَةُ) ﵁: (هَلْ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «وهل» (أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لأَبِي؟! فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ قَدْ ثَمِلَ) سَكِر (فَخَرَجَ) ﷺ من عند حمزة (وَخَرَجْنَا مَعَهُ) أي: ولم يؤاخذهُ، فتمسَّك به من قال بعدمِ مؤاخذة السَّكران بما يقعُ منه حال سُكره من طلاقٍ وغيره.
وقد سبق هذا الحديث موصولًا في «غزوة بدرٍ» من «المغازي» [خ¦٤٠٠٣].
(وَقَالَ عُثْمَانُ) بن عفَّان ﵁: (لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلَا لِسَكْرَانَ طَلَاقٌ) وصلَه ابنُ أبي شيبة.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا وصله سعيد بنُ منصورٍ، وابنُ أبي شيبة بمعناه: (طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَالمُسْتَكْرَهِ لَيْسَ بِجَائِزٍ) أي: ليس بواقعٍ؛ إذ لا عقلَ للسَّكران المغلوب على عقلهِ، ولا اختيارَ للمستكرَه.
(وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ) الجهنيُّ: (لَا يَجُوزُ) أي: لا يقعُ (طَلَاقُ المُوَسْوِسِ) لأنَّ الوسوسةَ حديث النَّفس، ولا مؤاخذةَ (١) بما يقعُ في حديث النَّفس.
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح، ممَّا سبق في «الشُّروط في الطَّلاق» [خ¦٥٤/ ١١ - ٤٢٥٩] (إِذَا) أراد أن يطلِّق و (بَدَأ بِالطَّلَاقِ) قبل الشُّروط (٢) بأن قال: أنت طالقٌ إن دخلت الدَّار (فَلَهُ شَرْطُهُ) كما في العكس، بأن يقول: إن دخلتِ الدَّار فأنت طالقٌ، فلا يلزم تقديم الشَّرط على الإطلاقِ بل يصحُّ سابقًا ولاحقًا، وإن قال ابتداءً من غير ذكر شرطٍ مُقتصرًا عليه: فأنت طالقٌ، وقال: أردت الشَّرط فسبق لساني إلى الجزاء لم يُقبل منه ظاهرًا لأنَّه متَّهمٌ وقد خاطبها بصريحِ الطَّلاق، والفاء تُزاد في غيرِ الشَّرط، وإن قال: إن دخلتِ الدَّار أنت طالقٌ -بحذف الفاء- فهو تعليقٌ.
стр. 9753
(وَقَالَ نَافِعٌ) مولى ابنِ عمر لابن عمرَ: إذا (طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ البَتَّةَ (١)) نصبٌ على المصدرِ، أي: طلاقًا بائنًا (إِنْ خَرَجَتْ) أي: من الدَّار ما حُكمه (فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄: (إِنْ خَرَجَتْ) أي: من الدَّار (فَقَدْ بُتَّتْ مِنْهُ) بضم الموحدة وتشديد الفوقية الأولى، أي: انقطعتْ منه فلا رجعةَ له فيها، ولأبي ذرٍّ: «إن خرجْتِ فقد بِنْتِ» بموحدة مكسورة فنون ساكنة ففوقية مكسورة (وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ (٢)) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وإن لم تخرجي منها» (فَلَيْسَ بِشَيْءٍ) لعدمِ وجود الشَّرط.
(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ ابن شهابٍ (فِيمَنْ قَالَ: إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ثلاثًا يُسْألُ عَمَّا قَالَ، وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ حِينَ حَلَفَ بِتِلْكَ اليَمِينِ، فَإِنْ سَمَّى أَجَلًا أَرَادَهُ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ حِينَ حَلَفَ جُعِلَ) بضم الجيم وكسر العين (ذَلِكَ فِي دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ) أي: يدين فيما بينهُ وبين الله تعالى، قال في «الفتح»: أخرجَهُ عبد الرَّزَّاق عن مَعمر، عن الزُّهريِّ مختصرًا، ولفظه: في الرَّجلين يحلفان بالطَّلاق والعِتاق على أمرٍ يختلفان فيه، ولم تقمْ على واحدٍ منها (٣) بيِّنةٌ على قوله قال: يدينان ويحمَّلان من ذلك ما تحمَّلا.
(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ: (إِنْ قَالَ) لامرأته: (لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ) تعتبَر (نِيَّتُهُ) فإن نوى الطَّلاق طُلِّقت وإلَّا فلا، رواهُ ابنُ أبي شيبةَ (وَطَلَاقُ كُلِّ قَوْمٍ بِلِسَانِهِمْ) عجميًّا أو غيره، وهذا وصلَه ابن أبي شيبة أيضًا. وقال في «الروضة»: ترجمة لفظ الطَّلاق بالعجميَّة وسائر اللُّغات صريحٌ على المذهب لشهرةِ استعمالها في معناها عندَ أهل تلك اللُّغات كشهرة العربيَّة عند أهلها، وقيل: وجهان ثانيهما أنَّها كناية.
(وَقَالَ قَتَادَةُ) بن دعامة ممَّا وصله ابنُ أبي شيبة: (إِذَا قَالَ) الرَّجل لامرأتهِ: (إِذَا حَمَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، يَغْشَاهَا) أي: يجامعها (عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً) واحدةً (فَإِنِ اسْتَبَانَ) ظهر (حَمْلُهَا فَقَدْ بَانَتْ) طلِّقت (مِنْهُ) ثلاثًا وهو قول الجمهور، وقال المالكيَّة: يحنثُ بالوطء من (٤) بعد
стр. 9754
التَّعليق استبان بها حملٌ أم لا. رواه ابنُ القاسم لأنَّ الحملَ موقوفٌ على سببٍ، والسَّبب بيد الحالفِ إن شاء أوقعَهُ وإن شاءَ لم يوقعْه؛ وهو الوطءُ، واختلفَ بعد الوطء فقال في «المدوَّنة»: يعجَّل عليه الطَّلاق بأثرِ الوطء. وقال ابنُ الماجِشُون: لا يعجَّل عليه ويُنْتظر ثمَّ يطؤها في كلِّ طهرٍ مرَّةً، وقال أشهبُ: لا شيءَ عليه حتَّى يكون ما شرط، وقال ابنُ يونس: فوجه قول ابن القاسم أنَّه إذا وطِئها صار حملها مشكوكًا فيه، فيعجَّلُ الطَّلاق لأنَّ كلَّ مَن شكَّ هل حنثَ أم لا فهو حانثٌ (١)، وَوَجْهُ قولِ أشهبَ أنَّ مِنْ أصْلِه: أنَّه لا يطلِّق إلَّا على مَن علَّق على آتٍ لا بدَّ منه، ووجه قولِ ابن الماجِشُون أنَّه لا يحصلُ الحمل من كلِّ وطءٍ، فوجب أن لا تُطلَّق عليه حتَّى يختبر أمر هذا الوطءِ ويُمسك عن وطئها؛ إذ لا يدري هل حملتْ منه أم لا، وسقطَ لأبي ذرٍّ لفظ «منه» وهذا وصلَه ابنُ أبي شيبة.
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ فيما وصله عبد الرَّزَّاق: (إِذَا قَالَ) لامرأتهِ: (الحَقِي) بكسر أوله وفتح ثالثه، وقيل عكسه (بِأَهْلِكِ. نِيَّتُهُ) إن نوى الطَّلاق وقع، وإلَّا فلا.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (الطَّلَاقُ عَنْ وَطَرٍ) بفتحتين، حاجة، فلا يطلِّق الرَّجل إلَّا عند الحاجة كالنُّشوز (وَالعَتَاقُ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللهِ) فهو مطلوبٌ دائمًا.
(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم: (إِنْ قَالَ) لامرأته: (مَا أَنْتِ بِامْرَأَتِي) تعتبر (نِيَّتُهُ، وَإِنْ نَوَى طَلَاقًا فَهْوَ مَا نَوَى) وهذا وصله ابنُ أبي شيبة عن عبد الأعلى، عن مَعمر، عن الزُّهريِّ، وكذا من طريق قتادة لكنَّه قال: إذا واجهها (٢) به وأرادَ الطَّلاق فواحدة، وقال الحنفيَّة: إذا قال: لست لي بامرأةٍ، وما أنا لك بزوجٍ، ونوى الطَّلاق يقع عندَ أبي حنيفة. وقال صاحباهُ: لا لأنَّ نفيَ النِّكاح ليس بطلاقٍ (٣)، بل كذبٌ، فهو كقوله: واللهِ لم أتزوَّجك، أو والله ما أنت لي بامرأةٍ. وقال المالكيَّة: إن قال لامرأتهِ (٤): لست لي بامرأةٍ، أو ما أنت لي بامرأةٍ، أو لم أتزوَّجك فلا شيءَ عليه في ذلك (٥) إلَّا أن ينويَ به الطَّلاق.
стр. 9755
(وَقَالَ عَلِيٌّ) ﵁ فيما وصلَه البغويُّ في «الجعديَّات» عن عليِّ بن الجعدِ، عن شُعبة، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عبَّاس: أنَّ عمرَ أُتي بمجنونةٍ قد زنتْ وهي حُبلى، فأراد أن يرجمَها، فقال له عليٌّ: (أَلَمْ تَعْلَمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ألم ترَ» (أَنَّ القَلَمَ رُفِعَ (١)) وفي «الجعديَّات»: «أمَّا بلغك أنَّ القلم قد وُضع» (عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ) من جنونهِ (وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْرِكَ) الحُلُم (وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ) من نومه. ورواه جرير بن حازمٍ، عن الأعمش، فصرَّح فيه بالرَّفع، أخرجه أبو داود وابن حبَّان من طريقه، وأخرجه النَّسائيُّ من وجهين آخرين، عن أبي ظَبْيان، عن عليٍّ مرفوعًا وموقوفًا، ورُجِّح الموقوف على المرفوعِ، وقد أخذ بمقتضَى هذا الحديث الجمهورُ فشرطوا في المطلِّق -ولو بالتَّعليق- أن يكون مكلَّفًا فلا يصحُّ من غيرهِ.
(وَقَالَ عَلِيٌّ) ﵁ فيما وصله البغويُّ في «الجعديَّات» أيضًا: (وَكُلُّ الطَّلَاقِ) ولأبي ذرٍّ: «وكلُّ طلاقٍ» (جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ المَعْتُوهِ) بفتح الميم وسكون العين المهملة وضم الفوقية وبعد الواو هاء، وفيه حديثٌ مرفوعٌ عند التِّرمذيِّ من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «كلُّ طلاقٍ جائِزٌ إلَّا طلَاقَ المعتُوهِ المغلُوبِ علَى عقلِهِ» لكنَّه من رواية عطاء بن عجلانَ، وهو ضعيفٌ جدًا. والمعتوهُ كالمجنون في نقصِ العقل فمنه الطِّفل والمجنون والسَّكران، وقيل: المعتوهُ: القليلُ الفَهم، المختلطُ الكلام، الفاسدُ التَّدبير، فهو كالمجنون، لكنَّه لا يضربُ ولا يشتمُ بخلافِ المجنون. والعاقل: مَن يستقيمُ كلامه وأفعاله إلَّا نادرًا، والمجنون ضدُّه، والمعتوه من (٢) يكون ذلك منه على السَّواء. وهذا يؤدِّي إلى أن لا يحكم على أحدٍ بالعَتَهِ، والقول بأنَّه القليل الفَهم إلى آخره أولى، وقيل: من يفعلُ (٣) فعلَ المجانين عن قصدٍ مع ظهورِ الفساد، والمجنون بلا قصدٍ والعاقل خلافهما، وقد يفعلُ فعلَ المجانين على (٤) ظنِّ الصَّلاح أحيانًا، وقد علم أنَّ التَّصرُّفات لا تنفذُ إلَّا ممَّن له أهليَّة التَّصرُّف، ومدارها العقلُ والبلوغ، خصوصًا ما هو دائرٌ بين
стр. 9756
الضَّرر والنَّفع، خُصوصًا ما لا يحلُّ إلَّا لانتفاءِ مصلحةِ ضدِّهِ القائمِ كالطَّلاق فإنَّه يستدعي تمام العقل ليُحْكِمَ به التَّمييز في ذلك الأمر، ولم يكفِ (١) عقلُ الصَّبي العاقلِ لأنَّه لم يبلغِ الاعتدال، بخلافِ ما هو حسنٌ لذاتهِ بحيث لا يقبلُ حُسْنه السُّقوط وهو الإيمان، حتَّى صحَّ من الصَّبيِّ العاقل، ولو فُرض لبعض الصِّبيان المراهقين عقلٌ جيِّدٌ لا يعتبر في التَّصرفات لأنَّ المدارَ البلوغُ لانضباطهِ فتعلَّق به الحكم، وبهذا يبعدُ ما نُقل عن ابن المسيَّب أنَّه إذا عَقَل الصَّبيُّ الطَّلاق جازَ طلاقه، وعن ابنِ عمر جواز طلاق الصَّبيِّ ومرادُه العاقل، ومثلُه عن (٢) الإمامِ أحمد، والله أعلم بصحَّة هذه (٣) النُّقول، قاله الشَّيخ كمال الدِّين ابن الهمام رحمه الله تعالى.
وعن ابن عبَّاسٍ عند ابنِ أبي شَيبة: «لا يجوزُ طلاق الصَّبيِّ» وسبقَ في هذا الباب قول عثمان: «ليس لمجنونٍ، ولا لسكرانَ طلاقٌ». وزيادة ابن عبَّاسٍ: «المستكرَه». وفي مسألة السَّكران خلافٌ عالٍ (٤) بين التَّابعين ومَن بعدهم، فقال بوقوعهِ من التَّابعين: سعيد بن المسيَّب، وعطاء، والحسن البصريُّ، وإبراهيم النَّخعيُّ، وابنُ سيرين، ومجاهدٌ، بل قال به من الصَّحابة عثمانُ وابنُ عبَّاسٍ كما مرَّ، وبه قال مالك والشَّافعيُّ وأحمدُ في روايةٍ مشهورةٍ عنه والحنفيَّة، فيصحُّ منه مع أنَّه غير مكلَّفٍ تغليظًا عليه، ولأنَّ صحَّته من قبيلِ ربط الأحكامِ بالأسبابِ كما قاله الغزاليُّ في «المستصفى»، وأجابَ عن قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] الَّذي استندَ إليه الجُوينيُّ وغيره في تكليفِ السَّكران لأنَّ المرادَ به من هو في أوائل السُّكر، وهو المنتشِي لبقاءِ عقله، وانتفاءِ تكليف السَّكران (٥) لانتفاء الفَهم الَّذي هو شرط التَّكليف، والمراد بالسَّكران الَّذي يصحُّ طلاقُه ونكاحُه، ونحوهما من زالَ عقلهُ بما أثمَ به من شُربٍ مُسكرٍ متعدٍّ بشربه.
وقال ابن الهمام: وكونُ (٦) زوالِ عقلِه بسببٍ هو معصيةٌ لا أثرَ له، وإلَّا صحَّتْ ردَّتُه، ولا
стр. 9757
تصحُّ. قلنا: لمَّا خاطبه الشَّرع في حالِ سُكره بالأمر والنَّهي بحكمٍ فرعيٍّ عَرفنا أنَّه اعتبرهُ كقائم العقلِ تشديدًا عليه في الأحكامِ الفرعيَّة، وعقلنا أنَّ ذلك يناسبُ كونه تسبَّب في زوالِ عقله بسببٍ محظورٍ وهو مختارٌ فيه، وعلى هذا اتَّفق فتاوى مشايخ المذهبين من الشَّافعيَّة والحنفيَّة بوقوع طلاقِ من غابَ عقله بأكل الحشيشةِ وهي المسمَّاة (١) بورق القِنَّب لفتواهم بحرمتها (٢) بعد أن اختلفوا فيها، فأفتى المُزنيُّ بحرمتها، وأفتى أسد بن عَمرو بحلِّها لأنَّ المتقدِّمين لم يتكلَّموا فيها بشيءٍ لعدم ظهور شأنها فيهم، فلمَّا ظهر من أمرها (٣) من الفساد كثيرٌ (٤) وفشا عادَ مشايخُ المذهبين إلى حُرمتها، وأفتوا بوقوع الطَّلاق ممَّن زال عقلُه بها إذا استعملها مختارًا.
أمَّا إذا أُكره على شرب مُسكرٍ، ولم يعلم أنَّه مُسكرٌ فلا يقعُ طلاقه لعدم تعدِّيه، والرُّجوع في معرفة السُّكر إلى العُرف. ولو قال: إنَّما شربتُ الخمر مُكرهًا وثمَّ قرينة، أو لم أعلم أنَّ ما شربتُه مُسكرٌ صدِّق بيمينهِ، قاله الأذرعيُّ. وأمَّا المُكره فعند الشَّافعيَّة لا يصحُّ طلاقُه لحديث: «ومَا استكرهُوا عليهِ» وحديث: «لَا طلَاقَ فِي إغلَاقٍ» أي: إكراهٍ. رواه أبو داود والحاكمُ وصحَّح إسناده. وحدُّ الإكراهِ أن يُهدِّد المكرَه قادرٌ على الإكراهِ بولايةٍ أو تَغَلُّبٍ عاجلًا ظلمًا، وعجزَ المكرَه عن دفعهِ بهربٍ وغيرهِ كاستغاثةٍ بغيرهِ، وَظَنَّهُ أنَّه إن امتنعَ من فعلِ ما أُكره عليه حقَّق ما هدَّدهُ به، ويحصلُ بتخويفٍ بمحذورٍ كضربٍ شديدٍ، أو إتلافِ مالٍ، ويختلفُ باختلافِ طبقات النَّاس وأحوالهِم، فلا يحصلُ الإكراهُ بالتَّخويف بالعقوبةِ الآجلة، كقوله: لأضربنَّك غدًا، ولا بالتَّخويف المستحقِّ، كقوله لمَن له عليه قصاصٌ: طلِّقها وإلَّا اقتصصتُ منك، فإن ظهرَ من المكَرهِ قرينة اختيار منه للطَّلاق كأن أُكْره على ثلاثٍ من الطَّلْقات (٥)، أو على صريحٍ، أو تعليقٍ، أو طلاقِ مُبهمةٍ، فخالفَ بأن وحَّد، أو ثنَّى، أو كنَّى، أو نجَّز، أو طلَّق مُعيَّنةً وقعَ الطَّلاق، وقال الحنفيَّة: يقعُ طلاقُ المُكره لأنَّ المكره مختارٌ في التَّكلُّم اختيارًا كاملًا في السَّبب إلَّا أنَّه غير راضٍ بالحكمِ لأنَّه عرف الشَّرَّين فاختارَ أهونهما عليهِ.
стр. 9758
٥٢٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة (عَنْ زُرَارَةَ بْنِ (١) أَوْفَى) العامريِّ، قاضي البصرة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَُهَا) بالنَّصب على المفعوليَّة، يقال: حدَّثت نفسِي بكذا، أو بالرَّفع على الفاعلية، يُقال: حدَّثتني نفسي بكذا (مَا لَمْ تَعْمَلْ) في العمليَّات (أَوْ تَتَكَلَّمْ) في القوليَّات (وقَالَ قَتَادَةُ) فيما وصله عبد الرَّزَّاق: (إِذَا طَلَّقَ) امرأته سرًّا (فِي نَفْسِهِ فَلَيْسَ) طلاقه ذلك (بِشَيْءٍ).
٥٢٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ) بن الفرجِ -بالجيم- المصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرني» (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيدَ الأَيْليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ثبت: «ابن عبد الرَّحمن» في رواية أبي ذرٍّ (عَنْ جَابِرٍ) هو ابنُ عبد الله الأنصاريِّ ﵄ (أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ) اسمه ماعِزٌ -بكسر العين المهملة بعدها زاي- ابن مالك الأسلميُّ (أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ زَنَى. فَأَعْرَضَ عنه) ﷺ (فَتَنَحَّى) بالحاء المهملة المشددة، قصدَ (لِشِقِّهِ) بكسر الشين المعجمة (الَّذِي أَعْرَضَ) عنه بوجههِ الكريم إلى جهتهِ (فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ) أي: أقرَّ على نفسهِ أربع مرَّاتٍ بأنَّه (٢) زنى، وسقطَ لفظ (٣) «شهاداتٍ» لابن عساكرَ (فَدَعَاهُ) النَّبيُّ ﷺ
стр. 9759
(فَقَالَ) له: (هَلْ بِكَ جُنُونٌ؟) وهذا هو الغرضُ من هذا الحديث إذ مُقتضاه أنَّه (١) لو كان مجنونًا ما كان يعملُ بإقرارهِ، والمراد: هل كان بك جنونٌ؟ أو هل تُجنُّ تارةً وتفيقُ أخرى (٢)؟ لأنَّه لمَّا خاطبه كان مُفيقًا، أو الخطاب له والاستفهامُ للحاضرين (هَلْ أَُحْصَِنْتَ؟) بفتح الهمزة والصاد المهملة، أو بضم الهمزة وكسر الصاد، هل تزوَّجت قطُّ؟ (قَالَ: نَعَمْ) تزوَّجت (فَأَمَرَ بِهِ) ﷺ (أَنْ يُرْجَمَ بِالمُصَلَّى) بفتح اللام المشددة، الَّتي كان يصلِّي فيها العيد (فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ) بفتح الهمزة وسكون الذال المعجمة وفتح اللام والقاف وسكون الفوقية، أصابتهُ (الحِجَارَةُ) بحدِّها وآلمتْه (جَمَزَ) بالجيم والميم والزاي المفتوحات، أسرع هاربًا من القتلِ (حَتَّى أُدْرِكَ) بضم الهمزة وكسر الراء (بِالحَرَّةِ) بالحاء المهملة والراء المشددة المفتوحتين، أرضٌ ذاتُ حجارةٍ سودٍ خارج المدينة (فَقُتِلَ) بصيغة المجهول.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المحاربين» [خ¦٦٨٢٦] ومسلمٌ في «الحدود»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ، وأخرجه النَّسائيُّ في «الجنائز».
٥٢٧١ - ٥٢٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ
стр. 9760
(وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: أَتَى رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ) اسمه ماعزٌ، وأسلمُ قبيلتهُ (١) (رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْوَ فِي المَسْجِدِ) الواو للحال (فَنَادَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الأَخِرَ) بفتح الهمزة المقصورة وكسر الخاء المعجمة. قال عياضٌ: ومدُّ الهمزة خطأٌ، وكذا فتح الخاء، أي: المتأخِّر عن السَّعادة المدْبر، أو الأرذلُ، أو اللَّئيم (قَدْ زَنَى -يَعْنِي: نَفْسَهُ- فَأَعْرَضَ) ﷺ (عَنْهُ فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ) بكسر القاف وفتح الموحدة، جهته. قال الخطابيُّ: تنحَّى تفعَّل مِنْ نَحا إذا قصد، أي: قصدَ الجهة الَّتي إليها وجهه ونحا نحوها (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الأَخِرَ قَدْ زَنَى، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي) ولابن عساكرَ: «لشقِّه الَّذي» (أَعْرَضَ قِبَلَهُ، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ): إنَّ الأخر قد زنى (فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى) الرَّجل (لهُ الرَّابِعَةَ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ): بالزِّنا (أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ، فَقَالَ) له: (هَلْ بِكَ جُنُونٌ؟) قال النَّوويُّ: إنَّما قال: هل بك (٢) جنونٌ لتحقُّق حاله، فإنَّ (٣) الغالب أنَّ الإنسان لا يصرُّ على إقرارِ ما يقتضِي هلاكه، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ إقرارَ المجنون باطلٌ (قَالَ: لَا) ما بي جنونٌ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اذْهَبُوا بِهِ) الباء للتعدية، أو للحال، أي: اذهبوا مصاحبينَ له (فَارْجُمُوهُ، وَكَانَ قَدْ أُحْصِنَ) بضم الهمزة وكسر الصاد.
(وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) عطفٌ على قوله في السَّند السَّابق: شعيبٌ عن الزُّهريِّ … إلى آخره، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «فأَخْبرني» بالفاء والإفراد (مَنْ سَمِعَ جَابِرَ ابْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ) أبهم الرَّاوي عنه، فيحتملُ أنَّه أبو سلمة الَّذي روى عنه أوَّلًا، وأن يكون غيره روى عنه (قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ فَرَجَمْنَاهُ بِالمُصَلَّى بِالمَدِينَةِ) فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، أي: فرجمناهُ بالمصلَّى فكنتُ فيمن رجمَه، أو يقدَّر: فكنتُ فيمن أرادَ حضورَ رجمهِ فرَجمناه (فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ) أي: أقلقتْهُ وأوجعتْهُ، وجواب لمَّا قوله: ((٤) جَمَزَ) أسرعَ هاربًا من القتل (حَتَّى أَدْرَكْنَاهُ بِالحَرَّةِ، فَرَجَمْنَاهُ حَتَّى مَاتَ) وزاد أبو داود والحاكمُ من (٥) حديثِ (٦) نُعيمٍ أنَّه ﷺ
стр. 9761
قال: «هلَّا تركْتُمُوهُ لعلَّهُ يتُوبُ فيتُوبَ اللهُ عليهِ» وهو حجَّةٌ للشَّافعيِّ ومن وافقَه أنَّ الهارب من الرَّجم إذا كان بالإقرارِ يُكفُّ عنه في الحال، فإن رجعَ سقط عنه الحدُّ، وإلَّا حُدَّ (١).
وحديث الباب هذا أخرجه مسلمٌ في «الحدود»، والنَّسائيُّ في «الرَّجم».
(١٢) (بابُ الخُلْعِ) بضم الخاء المعجمة وسكون اللام، مأخوذٌ من الخَلع -بفتح الخاء- وهو النَّزع، سمِّي به لأنَّ كلًّا من الزَّوجين لباسُ الآخر في المعنى. قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] فكأنَّه بمفارقة الآخر نُزع لباسه، وضُمَّ مصدره تفرقةً بين الحسيِّ والمعنويِّ (وَكَيْفَ الطَّلَاقُ فِيهِ) أي: حكمه، هل يقع بمجرَّده، أو بذكرِ الطَّلاق باللَّفظ، أو بالنيَّة خلافٌ. وتعريف الخُلع: فِراقُ زوجٍ يصحُّ طلاقُه لزوجتهِ بعوضٍ يحصلُ لجهة الزَّوج بلفظِ طلاقٍ وخلعٍ، والمرادُ ما يشملهُما وغيرهما من ألفاظِ الطَّلاق، والخُلعُ صريحٌ وكنايةٌ كالفراق والإبانةِ والمفاداةِ، وخرج بجهةِ الزَّوج تعليقُ طلاقِهَا بالبراءةِ عمَّا لها (٢) على غيرهِ، فيقعُ الطَّلاق في ذلك رجعيًّا، فإن وقعَ بلفظ الخُلع ولم ينوِ به طلاقًا فالأظهرُ أنَّه (٣) طلاقٌ يُنقص العدد، وكذا إنْ وقعَ بلفظ الطَّلاق مقرونًا بالنِّيَّة، وقد نصَّ في «الإملاءِ» أنَّه من صرائحِ الطَّلاق، وفي قول: إنَّه فسخٌ وليس بطلاقٍ لأنَّه فراقٌ حصلَ بمعاوضةٍ فأشبَه ما لو اشترى زوجتَهُ، ونصَّ عليه في القديم، وصحَّ عن ابن عبَّاسٍ فيما أخرجه عبد الرَّزَّاق، وهو مشهورُ مذهبِ الإمام أحمد لحديث الدَّارقطنيِّ عن طاوس، عن ابن عبَّاسٍ: «الخُلعُ فرقَةٌ، وليسَ بطلَاقٍ» أمَّا إذا نوى به الطَّلاق فهو طلاقٌ قطعًا عملًا بنيَّته، فإن لم ينوِ به (٤) طلاقًا لا تقع به فرقةٌ أصلًا، كما نصَّ عليه في «الأمِّ» وقوّاه السُّبكيُّ، فإن وقعَ الخُلع بمسمًّى صحيحٍ لزمَ، أو بمسمًّى فاسدٍ كخمرٍ وجب مهرُ المثل.
стр. 9762
(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على الخلعِ المضاف إليه الباب، ولأبي ذرٍّ: «وقوله (١) »: (﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ﴾) أيُّها الأزواج أو الحكَّام لأنَّهم الآمرونَ بالأخذِ والإيتاءِ عند التَّرافع إليهم، فكأنَّهم الآخذونَ والمؤتون (﴿أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾) ممَّا أعطيتموهنَّ من المهورِ (٢) (﴿إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]) أي: إلَّا أن يعلمَ الزَّوجان تركَ إقامةِ حدودِ الله فيما يُلزمهما من مواجبِ الزَّوجيَّة، لِمَا يحدثُ من نشوزِ المرأةِ وسوء خُلقها، وسياقُ الآية إلى ﴿حُدُودَ اللّهِ﴾ لأبي ذرٍّ، ولغيرهِ إلى قوله: «﴿شَيْئًا﴾» ثمَّ قال: «إلى قوله: ﴿الظَّالِمُونَ﴾» وتمام المراد من الآية في قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: لا جناح على الرَّجل فيما أخذَ، ولا (٣) عليها فيما افتدتْ به نفسها واختلعتْ من بذلِ ما أوتيتْ من المهر، وفيه مشروعيَّة الخُلع، وقد أجمعَ عليه العلماء خلافًا لبكر بن عبدِ الله المُزنيِّ التَّابعيِّ، فإنَّه قال بعدمِ حلِّ أخذِ شيءٍ من الزَّوجة عوضًا عن فراقها مُحتجًّا بقولهِ تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] فأوردَ عليه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فأجاب بأنَّها منسوخةٌ بآية النِّساء، وأُجيب بقولهِ تعالى في سورة النِّساء أيضًا: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ [النساء: ٤] وبقولهِ تعالى (٤) فيها: ﴿فَلَا جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا﴾ الاية [النساء: ١٢٨] وقد انعقدَ الإجماع بعدَه على اعتبارهِ، وأنَّ آية النِّساء مخصوصةٌ بآية البقرةِ وبآيتي النِّساء الأُخريين، وقد تمسَّك بالشَّرط من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ من منع الخُلع إلَّا إن حصلَ الشِّقاق بين (٥) الزَّوجين معًا، والجمهورُ على الجواز على الصَّداق وغيره، ولو كان أكثر منه لكن تُكره الزِّيادة عليه كما في «الإحياء»، وعند الدَّارقطنيِّ، عن عطاء: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا يأخُذُ الرَّجلُ منَ المُخْتَلِعةِ أكثَرَ ممَّا أعطَاهَا» ويصحُّ في حالتي الشِّقاق والوِفاق، فذكرُ الخوف في قوله: ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَا﴾ جريٌ على الغالب، ولا يكره عند الشِّقاق أو عند كَراهتها له لسوءِ خُلقهِ، أو دينهِ، أو عند خوفِ تقصيرٍ منها في حقِّه، أو عند حلفهِ بالطَّلاق الثَّلاث من مدخولٍ بها على فعلِ ما لا بدَّ له من فعله، وإن أكرهها بالضَّرب، ونحوه على الخُلع
стр. 9763
فاختلعتْ لم يصحَّ للإكراهِ، ووقعَ الطَّلاق رجعيًّا إن لم يسمِّ المال، فإن سمَّاه أو قال: طلَّقتك بكذا، وضربها لتقبل فقبلتْ لم يقعِ الطَّلاق لأنَّها لم تقبلْ مختارةً، والله أعلم.
(وَأَجَازَ عُمَرُ) ﵁ (الخُلْعَ دُونَ) حضور (السُّلْطَانِ) الإمام الأعظم، أو نائبهِ، أو بغير إذنهِ، وصله ابنُ أبي شَيبة في «مصنفه» ولفظه -كما قرأته فيه-: أُتي بشر بن مروان في خُلعٍ كان بين رجلٍ وامرأتهِ فلم يُجزه، فقال له عبدُ الله بن شهابٍ الخولانيُّ: شهدتُ عمرَ بن الخطَّاب أُتي بخلعٍ كان بين رجلٍ وامرأتهِ فأجازه.
قال في «الفتح»: وأرادَ البخاريُّ بإيرادِ ذلك الإشارة إلى ما أخرجه سعيدُ بن منصورٍ: عن الحسن البصريِّ، قال: لا يجوزُ الخلع دون السُّلطان. ولفظ ابن أبي شيبة، قال: هو عند السُّلطان. واستدلَّ له أبو عُبيد بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وبقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥] قال: فجعلَ الخوف لغير الزَّوجين، ولم يقل: فإن خافا، قال: فالمراد الولاية (١). وردَّه النَّحَّاس بأنَّه قولٌ لا يساعده الإعرابُ ولا اللَّفظُ ولا المعنى، وإذا كان الطَّلاق جائزًا دون الحاكمِ فكذلك الخُلع، وأمَّا الآية فجرتْ على الغالب، كما مرَّ.
(وَأَجَازَ عُثْمَانُ) ﵁ (الخُلْعَ) ببذل كلِّ ما تملك (دُونَ عِقَاصِ رَأْسِهَا) بكسر العين وفتح القاف آخره صاد مهملة: الخيط الَّذي تَعقص به أطرافَ رأسها.
وهذا وصلَه أبو القاسم بن بِشران (٢) في «أماليه»: عن الرُّبيِّع بنت مُعَوِّذ، قالت: «اختلعتُ من زوجِي بما دونَ عِقاص رأسِي فأجازَ ذلك عثمان» وأخرجه البيهقيُّ وقال في آخره: فدفعتُ إليه كلَّ شيءٍ حتَّى غلَّقتُ (٣) البابَ بيني وبينه. وعند ابن سعدٍ: فقال عثمان -يعني: لزوج الرُّبيع-: خُذ كلَّ شيءٍ حتَّى عِقاصَ رأسها.
(وَقَالَ طَاوُسٌ) فيما وصلَه عبد الرَّزَّاق عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني ابنُ طاوس، وقلتُ له: ما كان أبوك يقول في الفِداء؟ قال: كان يقولُ ما قال الله تعالى: (﴿إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ﴾) أي: (فِيمَا افْتَرَضَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي العِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ) قال ابنُ
стр. 9764
طاوس: (وَلَمْ يَقُلْ) أي: طاوس (قَوْلَ السُّفَهَاءِ) القائلين أنَّه: (لَا يَحِلُّ) الخُلع (حَتَّى تَقُولَ) الزَّوجة: (لَا أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جَنَابَةٍ) تريدُ منعه مِن وطئها، فتكون حينئذٍ ناشزًا، بل أجازهُ إذا لم تقمْ بما افترضَ عليها لزوجها في العِشرة والصُّحبة، ولعلَّه أشار إلى نحو ما روي عن الحسن في الآية، قال: ذلك في الخُلع إذا قالت: لا أغتسلُ لك من جَنابةٍ. رواه ابن أبي شَيبة. وعن الشَّعبيِّ -فيما أخرجه سعيد بن منصورٍ-: أنَّ امرأةً قالتْ لزوجها: لا أطيعُ لك أمرًا، ولا أبرُّ لك قسمًا، ولا أغتسلُ لك من جنابةٍ، قال: إذا كرهتْه فليأخذْ منها وليخلِّ عنها.
٥٢٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (أَزْهَرُ بْنُ جَمِيلٍ) بفتح الجيم، أبو محمَّدٍ البصريُّ، لم يخرج عنه المؤلِّف سوى هذا، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد الحميد (١) (الثَّقَفِي) بالمثلثة، قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ) الأنصاريِّ، جميلةَ بنت أُبيٍّ ابن سلول، الآتي ذكرها في هذا الباب مع اختلافٍ يُذكر إن شاء الله تعالى (أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتُِبُ) بضم الفوقية وكسرها مِنَ العِتاب،
стр. 9765
وهو كما في «القاموس» وغيره: الخطاب بالإدلالِ. قال في «الفتح»: وفي روايةٍ: «مَا أَعيبُ» (عَلَيْهِ) بكسر العين وتحتية ساكنة بعدها (فِي خُلُقٍ) بضم الخاء واللام (وَلَا دِينٍ) أي: لا أريدُ فراقه لسوءِ خُلقه، ولا لنقصانِ دينه (وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ) أي: إن أقمتُ عنده ربَّما أقعُ فيما يقتضِي الكفر لا أنَّه يحملُها عليه (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لها: (أَتَرُدِّيَن عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟) أي: بستانه، وكان أَصْدَقَها إيَّاها (قالَتْ: نَعَمْ) أردُّها عليه (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لثابتٍ زوجها: (اقْبَلِ الحَدِيقَةَ، وَطَلِّقْها تَطْلِيقةً) أمرُ إرشادٍ وإصلاحٍ لا إيجاب (قالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) المؤلِّف: (لا يُتابَعُ) أزهرُ بن جميل (فِيهِ) أي: في الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) لأنَّ غيره أرسلَه، ولم يذكر ابن عبَّاسٍ، ومراده كما في «الفتح»: خصوصُ طريق خالد الحذَّاء، عن عكرمةَ، وقوله: «قال أبو عبد الله … » إلى آخره ثابتٌ في رواية المُستملي والكُشميهنيِّ فقط.
٥٢٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (إِسْحَاقُ) بن شاهين (الوَاسِطِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الطَّحانُ (عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ) بالذَّال المعجمة المشددة والمد (عَنْ عِكْرِمَةَ) مُرسلًا، لم يذكر ابن عبَّاسٍ (أَنَّ) جميلةَ (أُخْتَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ) رأس المنافقين، وظاهره: أنَّها بنت أُبيٍّ (بِهَذَا) الحديث (وَقَالَ) لها ﷺ مُستفهمًا: (تَرُدِّينَ) عليه (١) (حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ) أردُّها عليه (فَرَدَّتْهَا) عليه (وَأَمَرَهُ) ﵊ (يُطَلِّقْهَا) بالجزم، وأورد المؤلِّف هذا المرسل تقويةً لقوله: لا يُتابع فيه عنِ ابن عبَّاسٍ، مع التَّعريف بأنَّ امرأة ثابتٍ أخت عبد الله بن أُبيٍّ على ما لا يَخفى.
(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ) بفتح الطاء المهملة وسكون الهاء، الهرويُّ، فيما وصلَه الإسماعيليُّ (عَنْ خَالِدٍ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ) مرسلًا أيضًا (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَ) قال فيه: (طَلِّقْهَا) بالجزمِ، الحديثُ كما مرَّ.
٥٢٧٥ - (وَعَنِ ابْنِ أَبِي تَمِيمَةَ) أي: وقال ابنُ طهمانَ: عن أيُّوبَ. ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «وعن أيُّوب بن أبي تَميمةَ» أي: السَّخْتِيانيِّ (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّهُ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ) الخزرجيِّ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَا أَعْتُبُ عَلَى ثَابِتٍ) زوجي (فِي دِينٍ وَلَا خُلُقٍ) ظاهره: أنَّه لم يصنعْ بها شيئًا يقتضِي الشَّكوى منه بسببه، لكن في رواية النَّسائيِّ من حديث الرُّبيع بنت معوِّذٍ: أنَّه كسر يدها. فلعلَّها أرادتْ وإن كان سَيِّئَ
стр. 9766
الخُلق لكنَّها ما تعيبُه بذلك بل بشيءٍ غيره. وعند ابن ماجه من حديث عمرو بن شُعيبٍ عن أبيه (١)، عن جدِّه: أنَّه كان رجلًا دميمًا. وفي رواية معتمر بن سليمان، عن فُضيل، عن أبي جَرير، عن عِكرمة، عن ابن عبَّاسٍ: أوَّل خُلع كان في الإسلام امرأة ثابتِ بن قيسٍ، أتتِ النَّبيَّ ﷺ فقالت: يا رسولَ الله لا يجتمع رأسِي ورأسُ ثابتٍ أبدًا، إنِّي رفعتُ جانبَ الخِباء، فرأيتُه أقبلَ في عدَّة فإذا هو أشدُّهم سوادًا، وأقصرُهم قامةً، وأقبحُهم وجهًا، فقال: «أترُدِّينَ علَيهِ حديقَتَهُ؟» قالت: نعم، وإن شاء زِدتُه ففرَّق بينهما.
والحاصل: أنَّها لم تشكُ سوءَ خلقه، ولا دينه، بل ممَّا ذكرت من سوءِ خِلقته الموجب لبُغضها له بحيث لا تطيق عِشرته، كما قالت (وَلَكِنِّي) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي و (٢) المُستملي: «ولكن» (لَا أُطِيقُهُ) لكراهتِي له بسبب ما ذُكر، وعند ابن ماجه: «لا أطيقه بُغضًا» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لها: (فَتَرُدِّينَ) بالفاء العاطفة على مقدَّر (عَلَيْهِ حَدِيقَتَه؟ قَالَتْ: نَعَمْ) زاد في حديث عُمر: فقال ثابتٌ: أيطيبُ ذلك يا رسولَ الله؟ قال: «نَعم»، ورواية ابن طَهمان هذه وصلَها الإسماعيليُّ.
٥٢٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُبَارَكِ المُخَرِّمِيُّ) بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وكسر الراء المشددة، الحافظ قاضي حلوان قال: (حَدَّثَنَا قُرَادٌ) بضم القاف وفتح الراء المخففة، لقب عبد الرَّحمن بن غَزوان، وكُنيته (أَبُو نُوحٍ) من كبار الحفَّاظ، له ما ينكر لكنَّهم وثَّقوه، وليس له في البخاريِّ سوى هذا الموضع (٣) قال:
стр. 9767
(حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتيانيِّ (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ) بفتح الشين المعجمة والميم المشدّدة وبعد الألف سين مهملة، وسقط «بن شمَّاسٍ» لابن عساكرَ (إِلَى النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «إلى رسولِ الله» (¬ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَنْقِمُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلَا خُلُقٍ، إِلَّا أَنِّي أَخَافُ الكُفْر) إن أقمتُ عنده، لعلَّها تعني أنَّها لشدَّة كراهتها له تكفر العِشرة في تقصيرها لحقِّه، وغير ذلك ممَّا يتوقع من الشَّابة الجميلةِ المبغضة لزوجها، أو خشيتْ أن تحملَها شدَّة كراهتها له على إظهارِ الكفر لينفسخَ نكاحها منه (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟) ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «تردِّين» استفهامٌ محذوفُ الأداة، وفي حديث عمر: «وكان تزوَّجها على حديقةِ نخلٍ» (فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَرَدَّتـ) ها (عَلَيْهِ وَأَمَرَهُ) ﷺ بفراقها (فَفَارَقَهَا) ولم يكن أمره ﷺ بفراقها أمر إيجابٍ وإلزامٍ بالطَّلاق، بل أمرَ إرشادٍ إلى ما هو الأصوبُ.
٥٢٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن حربٍ الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ زيدٍ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مرسلًا (أَنَّ جَمِيلَةَ … ) فَذَكَرَ الحَدِيثَ كما مرَّ، واختلف فيه على أيُّوب، فاتَّفق ابنُ طهمانَ وجريرٌ على الوصل، وخالفهما حمَّاد، فقال: عن أيُّوب عن عِكرمة مرسلًا. ولم تسمَّ امرأة ثابتٍ إلَّا في هذه الرِّواية. نعم قال في الثَّانية: إنَّ أخت عبد الله بن أُبيٍّ، ويؤيِّده ما عند ابن ماجه والبيهقيِّ من رواية قتادة، عن عِكرمة، عن ابن عبَّاسٍ: «أنَّ جميلةَ بنتَ سلول جاءت … » الحديث. واختلف في سلولٍ هل هي أمُّ أُبيٍّ أو امرأته؟ وعند النَّسائيِّ والطَّبرانيِّ من حديث الرُّبيِّع بنت معوِّذٍ: «أنَّ ثابت بن قيسٍ ضربَ امرأتَه فكسرَ يدها، وهي جميلةُ بنت عبد الله بن أُبيٍّ، فأتى أخوها يشتكِي إلى رسول الله ﷺ ». وقال ابن سعدٍ أيضًا: جميلةُ بنت عبد الله بن أُبيٍّ. وعند الدَّارقطنيِّ والبيهقيِّ بسندٍ قويٍّ عن ابن جُريج، قال: أخبرني أبو الزُّبير أنَّ ثابت بنَ قيس بنَ شمَّاسٍ كانت عندَه زينبُ بنتُ عبد الله بن أُبيِّ ابن سلول … الحديث، فيُحتمل أن يكون (١) اسمها زينبَ ولقبُها جميلةً، وإن لم يعملْ بهذا الاحتمال فالموصولُ المعتضد بقول أهل النَّسب أنَّ اسمها جميلة أصحُّ، وبه جزم الدِّمياطيُّ، وقال: إنَّها كانت أخت عبد الله بن (٢) عبد الله بن أُبيٍّ شقيقته، أمُّهما خولة بنتُ المنذر بن
стр. 9768
حَرام (١)، قال: وما وقع في البخاريِّ من أنَّها بنت أُبيٍّ وهمٌ.
وأُجيب بأنَّ الذي وقع في البخاريِّ أنَّها أخت عبد الله بن أُبيٍّ، وهي أخت عبد الله بلا شكٍّ لكن نُسِبَ أخوها في هذه الرِّواية إلى جدِّه، كما نُسبت هي في رواية قَتادة إلى جدِّتها سلول، ورُوي في اسم امرأةِ ثابتٍ أنَّها مريمُ المَغَاليَّة، رواه النَّسائيُّ وابن ماجه -بفتح الميم وتخفيف الغين المعجمة- نسبةً إلى مَغالة امرأة من الخزرج وُلدت لعمرو (٢) بن مالكِ بن النَّجار ولده عديًّا، فبنو عديِّ بن النَّجار يُعرفون كلُّهم ببني مَغالة، وقيل: اسمها حَبيبة بنت سهلٍ، أخرجه مالك في «الموطَّأ» وأصحاب «السُّنن» وصحَّحه ابنا خُزيمة وحبَّان، فيُحمل على التَّعدُّد، وأنَّهما قصَّتان وقعتا لامرأتين لشهرة الخبرين وصحَّة الطَّريقين واختلاف السِّياقين، وعند البزَّار من حديث عمر: «أنَّ أوَّل مُختلعة في الإسلام حبيبةُ بنت سهلٍ كانت تحت ثابتِ بن قيس» ومُقتضاه: أنَّ ثابتًا تزوَّج حبيبةَ قبل جميلة، وذكر أبو بكرِ بن دريدٍ في «أماليه»: أنَّ أوَّل خُلع كان في الدُّنيا أنَّ عامر بن الظَّرِب -بفتح الظاء المعجمة وكسر الراء ثمَّ موحدة- زوَّج ابنته من ابنِ أخيه عامر بن الحارث بن الظَّرب، فلمَّا دخلت عليه نفرتْ منه فشكا إلى أبيها، فقال: لا أجمعُ عليك فراقَ أهلك ومالكَ، وقد خلعتُها منكَ بما أعطيتَها. قال: فزعمَ العلماءُ أنَّ هذا كان أوَّل خُلعٍ في العرب. انتهى ملخصًا من «الفتح».
(١٣) (بابُ الشِّقَاقِ) بكسر المعجمة (وَهَلْ يُشِيرُ) الحكم، أو الوليُّ، أو الحاكم إذا ترافعا إليه (بِالخُلْعِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ؟) في ذلك، ولابنِ عساكرَ: «عند الضَّرر» أي: الحاصل لأحد الزَّوجين، أو لهما معًا (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «وقول الله» ولابن عساكرَ: «وفي قوله»: (﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾) أصله: شقاقًا بينهما، فأضيف الشِّقاق إلى الظَّرف على سبيل الاتِّساع كقوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣] أصله بل مكرٌ في اللَّيل والنَّهار، والشِّقاق: العداوةُ والخلاف لأنَّ كلًّا منهما يفعلُ ما يشقُّ على صاحبهِ أو يميل إلى شقٍّ، أي: ناحيةٍ غير شقِّ صاحبهِ
стр. 9769
والضَّمير للزَّوجين، وإن لم يجر لهما ذكرٌ لذكر ما يدلُّ عليهما، وهو الرِّجال والنِّساء (﴿فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ﴾) رجلًا يصلحُ للحكومةِ والإصلاح بينهما (﴿وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ الاية [النساء: ٣٥]) وإنَّما كان بعث الحَكمين من أهلهما لأنَّ الأقاربَ أعرف ببواطنِ الأحوال، وأطلبُ للإصلاح، ونفوس الزَّوجين أسكنُ إليهما، فيُبرزان ما في ضمائرهما من الحبِّ والبُغض، وإرادة الصُّحبة والفرقة، ويخلو كلُّ حَكَمٍ منهما بصاحبه، أي: موكِّله ويفهم مرادهُ، ولا يخفي حَكَمٌ عن حَكَمٍ شيئًا إذا اجتمعا، وهما وكيلان لهما لا حاكمان لأنَّ الحال قد يؤدِّي إلى الفراق، والبُضعُ حقُّ الزَّوج، والمال حقُّ الزَّوجة، وهما رشيدان فلا يولَّى عليهما في حقِّهما، فيوكِّل هو حَكَمَهُ في الطَّلاق أو الخُلع، وتوكِّل هي حَكَمَهَا في بذلِ (١) العوضِ وقبول الطَّلاق به، ويفرِّقان بينهما إن رأياه صوابًا. وقال المالكيَّة: إذا اتَّفق الحكمان على الفرقةِ ينفذ من غير توكيلٍ ولا إذنٍ من الزَّوجين، واقتصرَ في رواية أبي ذرٍّ على قوله: «﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾» وقال بعدها: «الآيةَ» وزاد في غير روايةِ ابن عساكرَ فقال: «إِلَى قَوْلِهِ: ﴿خَبِيرًا﴾».
٥٢٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بنُ عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو عبدُ الله بن عبيد الله (٢) بن أبي مُليكة، واسمه زهير المكيُّ (عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ الزُّهْرِيِّ) وسقط لغير أبي ذرٍّ: «الزُّهريِّ» أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ بَنِي المُغِيرَةِ) في «باب ذبِّ الرَّجل عن ابنته في الغيرة» مِنْ «كتاب النكاح» [خ¦٥٢٣٠]: «إنَّ بني هشام بنِ المغيرة (٣)» (اسْتَأْذَنُوا) وفي رواية: «استَأْذنوني» (فِي أَنْ يَنْكِحَ) بفتح أوَّله من نَكح (عَلِيٌّ) أي ابن أبي طالبٍ (ابْنَتَهُمْ) جميلة، أو جويرية، أو العوراء بنت أبي جهلٍ (فَلَا آذَنُ) زاد في الباب المذكورِ: «إلَّا أَن يُرِيدَ ابنُ أَبي طالِبٍ أَن يُطلِّقَ ابنَتِي وينكِحَ ابنتَهُم، فإنَّما هيَ بَضعَةٌ منِّي يُرِيبُنِي مَا أَرَابَها ويُؤذِينِي مَا آذَاهَا». وفي رواية الزُّهريِّ في الخمس [خ¦٣١١٠]: «وأنا أتخوَّف أن تُفتن في دينها».
стр. 9770
واستُشْكل وجه المطابقةِ بين الحديث والتَّرجمة. وأجاب في «الكواكب» فأجاد بأنَّ كون فاطمة ما كانت ترضى بذلك، فكان الشِّقاق بينها وبين عليٍّ مُتوقَّعًا، فأراد النَّبيُّ ﷺ دفع (١) وقوعهِ بمنع عليٍّ من ذلك بطريقِ الإيماء والإشارة، وقيل غير ذلك ممَّا فيه من تكلُّف وتعسُّف.
وهذا الحديث قد مرَّ.
(١٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا يَكُونُ بَيْعُ الأَمَةِ) المزوَّجة (طَلَاقًا) عند الجمهور، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «طلاقها».
٥٢٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) فقيه المدينةِ، صاحب الرَّأي (عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ) بفتح الموحدة وكسر الراء بعدها تحتية ساكنة فراء أخرى، بوزن فعيلة، من البَرِير، وهو ثمر الأَرَاك. قيل: اسم أبيها صفوان، وإنَّ له صُحبة، وقيل: إنَّها كانت نبطيَّةً، وقيل: قبطيَّةً (ثَلَاثُ سُنَنٍ) بضم السين وفتح النون الأولى، قال في «الكواكب»: أي: عُلِمَ بسببها ثلاثة أحكامٍ من الشَّريعة.
(إِحْدَى السُّنَنِ) الثَّلاث (أَنَّهَا أُعْتِقَتْ) بضم الهمزة وكسر التاء الفوقية، وسقط لابن عساكرَ الهمزة من «أعتقت» (فَخُيِّرَتْ) بضم الخاء (فِي) فسخِ نكاح (زَوْجِهَا) مُغيث، أو تدوم عنده في