← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 9766–9805 · переход к 9771.

стр. 9766

الخُلق لكنَّها ما تعيبُه بذلك بل بشيءٍ غيره. وعند ابن ماجه من حديث عمرو بن شُعيبٍ عن أبيه (١)، عن جدِّه: أنَّه كان رجلًا دميمًا. وفي رواية معتمر بن سليمان، عن فُضيل، عن أبي جَرير، عن عِكرمة، عن ابن عبَّاسٍ: أوَّل خُلع كان في الإسلام امرأة ثابتِ بن قيسٍ، أتتِ النَّبيَّ ﷺ فقالت: يا رسولَ الله لا يجتمع رأسِي ورأسُ ثابتٍ أبدًا، إنِّي رفعتُ جانبَ الخِباء، فرأيتُه أقبلَ في عدَّة فإذا هو أشدُّهم سوادًا، وأقصرُهم قامةً، وأقبحُهم وجهًا، فقال: «أترُدِّينَ علَيهِ حديقَتَهُ؟» قالت: نعم، وإن شاء زِدتُه ففرَّق بينهما. والحاصل: أنَّها لم تشكُ سوءَ خلقه، ولا دينه، بل ممَّا ذكرت من سوءِ خِلقته الموجب لبُغضها له بحيث لا تطيق عِشرته، كما قالت (وَلَكِنِّي) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي و (٢) المُستملي: «ولكن» (لَا أُطِيقُهُ) لكراهتِي له بسبب ما ذُكر، وعند ابن ماجه: «لا أطيقه بُغضًا» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لها: (فَتَرُدِّينَ) بالفاء العاطفة على مقدَّر (عَلَيْهِ حَدِيقَتَه؟ قَالَتْ: نَعَمْ) زاد في حديث عُمر: فقال ثابتٌ: أيطيبُ ذلك يا رسولَ الله؟ قال: «نَعم»، ورواية ابن طَهمان هذه وصلَها الإسماعيليُّ. ٥٢٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُبَارَكِ المُخَرِّمِيُّ) بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وكسر الراء المشددة، الحافظ قاضي حلوان قال: (حَدَّثَنَا قُرَادٌ) بضم القاف وفتح الراء المخففة، لقب عبد الرَّحمن بن غَزوان، وكُنيته (أَبُو نُوحٍ) من كبار الحفَّاظ، له ما ينكر لكنَّهم وثَّقوه، وليس له في البخاريِّ سوى هذا الموضع (٣) قال:

стр. 9767

(حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتيانيِّ (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ) بفتح الشين المعجمة والميم المشدّدة وبعد الألف سين مهملة، وسقط «بن شمَّاسٍ» لابن عساكرَ (إِلَى النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «إلى رسولِ الله» (¬ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَنْقِمُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلَا خُلُقٍ، إِلَّا أَنِّي أَخَافُ الكُفْر) إن أقمتُ عنده، لعلَّها تعني أنَّها لشدَّة كراهتها له تكفر العِشرة في تقصيرها لحقِّه، وغير ذلك ممَّا يتوقع من الشَّابة الجميلةِ المبغضة لزوجها، أو خشيتْ أن تحملَها شدَّة كراهتها له على إظهارِ الكفر لينفسخَ نكاحها منه (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟) ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «تردِّين» استفهامٌ محذوفُ الأداة، وفي حديث عمر: «وكان تزوَّجها على حديقةِ نخلٍ» (فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَرَدَّتـ) ها (عَلَيْهِ وَأَمَرَهُ) ﷺ بفراقها (فَفَارَقَهَا) ولم يكن أمره ﷺ بفراقها أمر إيجابٍ وإلزامٍ بالطَّلاق، بل أمرَ إرشادٍ إلى ما هو الأصوبُ. ٥٢٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن حربٍ الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ زيدٍ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مرسلًا (أَنَّ جَمِيلَةَ … ) فَذَكَرَ الحَدِيثَ كما مرَّ، واختلف فيه على أيُّوب، فاتَّفق ابنُ طهمانَ وجريرٌ على الوصل، وخالفهما حمَّاد، فقال: عن أيُّوب عن عِكرمة مرسلًا. ولم تسمَّ امرأة ثابتٍ إلَّا في هذه الرِّواية. نعم قال في الثَّانية: إنَّ أخت عبد الله بن أُبيٍّ، ويؤيِّده ما عند ابن ماجه والبيهقيِّ من رواية قتادة، عن عِكرمة، عن ابن عبَّاسٍ: «أنَّ جميلةَ بنتَ سلول جاءت … » الحديث. واختلف في سلولٍ هل هي أمُّ أُبيٍّ أو امرأته؟ وعند النَّسائيِّ والطَّبرانيِّ من حديث الرُّبيِّع بنت معوِّذٍ: «أنَّ ثابت بن قيسٍ ضربَ امرأتَه فكسرَ يدها، وهي جميلةُ بنت عبد الله بن أُبيٍّ، فأتى أخوها يشتكِي إلى رسول الله ﷺ ». وقال ابن سعدٍ أيضًا: جميلةُ بنت عبد الله بن أُبيٍّ. وعند الدَّارقطنيِّ والبيهقيِّ بسندٍ قويٍّ عن ابن جُريج، قال: أخبرني أبو الزُّبير أنَّ ثابت بنَ قيس بنَ شمَّاسٍ كانت عندَه زينبُ بنتُ عبد الله بن أُبيِّ ابن سلول … الحديث، فيُحتمل أن يكون (١) اسمها زينبَ ولقبُها جميلةً، وإن لم يعملْ بهذا الاحتمال فالموصولُ المعتضد بقول أهل النَّسب أنَّ اسمها جميلة أصحُّ، وبه جزم الدِّمياطيُّ، وقال: إنَّها كانت أخت عبد الله بن (٢) عبد الله بن أُبيٍّ شقيقته، أمُّهما خولة بنتُ المنذر بن

стр. 9768

حَرام (١)، قال: وما وقع في البخاريِّ من أنَّها بنت أُبيٍّ وهمٌ. وأُجيب بأنَّ الذي وقع في البخاريِّ أنَّها أخت عبد الله بن أُبيٍّ، وهي أخت عبد الله بلا شكٍّ لكن نُسِبَ أخوها في هذه الرِّواية إلى جدِّه، كما نُسبت هي في رواية قَتادة إلى جدِّتها سلول، ورُوي في اسم امرأةِ ثابتٍ أنَّها مريمُ المَغَاليَّة، رواه النَّسائيُّ وابن ماجه -بفتح الميم وتخفيف الغين المعجمة- نسبةً إلى مَغالة امرأة من الخزرج وُلدت لعمرو (٢) بن مالكِ بن النَّجار ولده عديًّا، فبنو عديِّ بن النَّجار يُعرفون كلُّهم ببني مَغالة، وقيل: اسمها حَبيبة بنت سهلٍ، أخرجه مالك في «الموطَّأ» وأصحاب «السُّنن» وصحَّحه ابنا خُزيمة وحبَّان، فيُحمل على التَّعدُّد، وأنَّهما قصَّتان وقعتا لامرأتين لشهرة الخبرين وصحَّة الطَّريقين واختلاف السِّياقين، وعند البزَّار من حديث عمر: «أنَّ أوَّل مُختلعة في الإسلام حبيبةُ بنت سهلٍ كانت تحت ثابتِ بن قيس» ومُقتضاه: أنَّ ثابتًا تزوَّج حبيبةَ قبل جميلة، وذكر أبو بكرِ بن دريدٍ في «أماليه»: أنَّ أوَّل خُلع كان في الدُّنيا أنَّ عامر بن الظَّرِب -بفتح الظاء المعجمة وكسر الراء ثمَّ موحدة- زوَّج ابنته من ابنِ أخيه عامر بن الحارث بن الظَّرب، فلمَّا دخلت عليه نفرتْ منه فشكا إلى أبيها، فقال: لا أجمعُ عليك فراقَ أهلك ومالكَ، وقد خلعتُها منكَ بما أعطيتَها. قال: فزعمَ العلماءُ أنَّ هذا كان أوَّل خُلعٍ في العرب. انتهى ملخصًا من «الفتح». (١٣) (بابُ الشِّقَاقِ) بكسر المعجمة (وَهَلْ يُشِيرُ) الحكم، أو الوليُّ، أو الحاكم إذا ترافعا إليه (بِالخُلْعِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ؟) في ذلك، ولابنِ عساكرَ: «عند الضَّرر» أي: الحاصل لأحد الزَّوجين، أو لهما معًا (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «وقول الله» ولابن عساكرَ: «وفي قوله»: (﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾) أصله: شقاقًا بينهما، فأضيف الشِّقاق إلى الظَّرف على سبيل الاتِّساع كقوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣] أصله بل مكرٌ في اللَّيل والنَّهار، والشِّقاق: العداوةُ والخلاف لأنَّ كلًّا منهما يفعلُ ما يشقُّ على صاحبهِ أو يميل إلى شقٍّ، أي: ناحيةٍ غير شقِّ صاحبهِ

стр. 9769

والضَّمير للزَّوجين، وإن لم يجر لهما ذكرٌ لذكر ما يدلُّ عليهما، وهو الرِّجال والنِّساء (﴿فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ﴾) رجلًا يصلحُ للحكومةِ والإصلاح بينهما (﴿وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ الاية [النساء: ٣٥]) وإنَّما كان بعث الحَكمين من أهلهما لأنَّ الأقاربَ أعرف ببواطنِ الأحوال، وأطلبُ للإصلاح، ونفوس الزَّوجين أسكنُ إليهما، فيُبرزان ما في ضمائرهما من الحبِّ والبُغض، وإرادة الصُّحبة والفرقة، ويخلو كلُّ حَكَمٍ منهما بصاحبه، أي: موكِّله ويفهم مرادهُ، ولا يخفي حَكَمٌ عن حَكَمٍ شيئًا إذا اجتمعا، وهما وكيلان لهما لا حاكمان لأنَّ الحال قد يؤدِّي إلى الفراق، والبُضعُ حقُّ الزَّوج، والمال حقُّ الزَّوجة، وهما رشيدان فلا يولَّى عليهما في حقِّهما، فيوكِّل هو حَكَمَهُ في الطَّلاق أو الخُلع، وتوكِّل هي حَكَمَهَا في بذلِ (١) العوضِ وقبول الطَّلاق به، ويفرِّقان بينهما إن رأياه صوابًا. وقال المالكيَّة: إذا اتَّفق الحكمان على الفرقةِ ينفذ من غير توكيلٍ ولا إذنٍ من الزَّوجين، واقتصرَ في رواية أبي ذرٍّ على قوله: «﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾» وقال بعدها: «الآيةَ» وزاد في غير روايةِ ابن عساكرَ فقال: «إِلَى قَوْلِهِ: ﴿خَبِيرًا﴾». ٥٢٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بنُ عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو عبدُ الله بن عبيد الله (٢) بن أبي مُليكة، واسمه زهير المكيُّ (عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ الزُّهْرِيِّ) وسقط لغير أبي ذرٍّ: «الزُّهريِّ» أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ بَنِي المُغِيرَةِ) في «باب ذبِّ الرَّجل عن ابنته في الغيرة» مِنْ «كتاب النكاح» [خ¦٥٢٣٠]: «إنَّ بني هشام بنِ المغيرة (٣)» (اسْتَأْذَنُوا) وفي رواية: «استَأْذنوني» (فِي أَنْ يَنْكِحَ) بفتح أوَّله من نَكح (عَلِيٌّ) أي ابن أبي طالبٍ (ابْنَتَهُمْ) جميلة، أو جويرية، أو العوراء بنت أبي جهلٍ (فَلَا آذَنُ) زاد في الباب المذكورِ: «إلَّا أَن يُرِيدَ ابنُ أَبي طالِبٍ أَن يُطلِّقَ ابنَتِي وينكِحَ ابنتَهُم، فإنَّما هيَ بَضعَةٌ منِّي يُرِيبُنِي مَا أَرَابَها ويُؤذِينِي مَا آذَاهَا». وفي رواية الزُّهريِّ في الخمس [خ¦٣١١٠]: «وأنا أتخوَّف أن تُفتن في دينها».

стр. 9770

واستُشْكل وجه المطابقةِ بين الحديث والتَّرجمة. وأجاب في «الكواكب» فأجاد بأنَّ كون فاطمة ما كانت ترضى بذلك، فكان الشِّقاق بينها وبين عليٍّ مُتوقَّعًا، فأراد النَّبيُّ ﷺ دفع (١) وقوعهِ بمنع عليٍّ من ذلك بطريقِ الإيماء والإشارة، وقيل غير ذلك ممَّا فيه من تكلُّف وتعسُّف. وهذا الحديث قد مرَّ. (١٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا يَكُونُ بَيْعُ الأَمَةِ) المزوَّجة (طَلَاقًا) عند الجمهور، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «طلاقها». ٥٢٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) فقيه المدينةِ، صاحب الرَّأي (عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ) بفتح الموحدة وكسر الراء بعدها تحتية ساكنة فراء أخرى، بوزن فعيلة، من البَرِير، وهو ثمر الأَرَاك. قيل: اسم أبيها صفوان، وإنَّ له صُحبة، وقيل: إنَّها كانت نبطيَّةً، وقيل: قبطيَّةً (ثَلَاثُ سُنَنٍ) بضم السين وفتح النون الأولى، قال في «الكواكب»: أي: عُلِمَ بسببها ثلاثة أحكامٍ من الشَّريعة. (إِحْدَى السُّنَنِ) الثَّلاث (أَنَّهَا أُعْتِقَتْ) بضم الهمزة وكسر التاء الفوقية، وسقط لابن عساكرَ الهمزة من «أعتقت» (فَخُيِّرَتْ) بضم الخاء (فِي) فسخِ نكاح (زَوْجِهَا) مُغيث، أو تدوم عنده في

стр. 9771

عِصمته، وفي رواية الدَّارقطنيِّ من طريق أبان بنِ صالحٍ، عن هشام بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لبَرِيرةَ: «اذهَبِي فقدْ عَتَقَ معكَ بُضْعُكَ» وزادَ ابن سعدٍ من طريق الشَّعبيِّ مُرسلًا: «فاختاري». وهذا موضع التَّرجمة لأنَّها لو طُلِّقت بمجرَّد البيعِ لم يكن للتَّخيير فائدة وهذا قولُ الجمهور، وقال ابنُ مسعودٍ وابنُ عبَّاسٍ وأُبيُّ بن كعبٍ فيما أخرجَه ابن أبي شيبة بأسانيد فيها انقطاعٌ: يكون بيعها طلاقًا، وكذا قال سعيدُ بن المسيَّب والحسن ومجاهد فيما رُوي بأسانيدَ صحيحةٍ، وأخرجَه سعيدُ بن منصورٍ بسندٍ صحيحٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، واحتجُّوا لذلك بظاهرِ قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] واحتجَّ الجمهور بحديثِ الباب، ومن حيث النَّظر أنَّه عقد على منفعةٍ فلا يُبطله بيع الرَّقبة كما في العين المؤجَّرة، والآية نزلتْ في المسبيَّات فهي المرادُ بملك اليمين على ما ثبتَ في «الصحيح» من سببِ نزولها. (وَ) الثَّانية (١) من السُّنن (قَالَ) فيها (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لمَّا أرادتْ عائشة أن تشتريهَا، فقال أهلُها: ويكون ولاؤها لنا: (الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) وفي روايةٍ: «إنَّما الولاء لمن أَعتق» بصيغةِ الحصر. (وَ) الثَّالثة (٢) من السُّنن (دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) حُجرة عائشة ﵂ (وَالبُرْمَةُ تَفُورُ) بالفاء (بِلَحْمٍ فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ مِنْ أُدْمِ البَيْتِ) بضم القاف مبنيًّا للمفعول، وخبزٌ: مفعولٌ ناب عن الفاعلِ، وأُدْم: بضم الهمزة وسكون المهملة عطفٌ عليه (فَقَالَ) رسولُ الله ﷺ : (أَلَمْ أَرَ البُرْمَةَ) ولابن عساكرَ: «برمة» (فِيهَا لَحْمٌ؟ قَالُوا: بَلَى، وَلَكِنْ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَة) بضم التاء الفوقية والصاد (وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، قَالَ) ﷺ : هو (عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ) أي: حيثُ أهدته بريرة لنا لأنَّ الصَّدقة يسوغُ للفقيرِ التَّصرُّف فيها بالبيعِ وغيره، كتصرفِ (٣) سائر الملَّاك في أملاكهِمْ، ومفهومُه: أنَّ التَّحريم إنَّما هو على الصِّفة لا على العينِ. (١٥) (بابُ خِيَارِ الأَمَةِ) إذا عَتقت وهي (تَحْتَ العَبْدِ) أو المُبَعَّضِ قبل الدُّخول أو بعده،

стр. 9772

ومفهومه: أنَّ الأمة إذا كانت تحت حرٍّ فعتقتْ لم يكن لها خيارٌ. وهذا مذهب الشَّافعيَّة والمالكيَّة والجمهور لتضرُّرها بالمقام تحتَه (١) من جهة أنَّها تتعيَّر به لأنَّ العبدَ غير مكافئٍ للحرَّة في أكثر الأحكام، فإذا عتقتْ ثبتَ لها الخيار من البقاء في عِصمته أو المفارقة لأنَّها في وقتِ العقد عليها لم تكنْ من أهل الاختيار. وأُجيب بأنَّ الكفاءة إنَّما تعتبر في الابتداءِ لا في البقاء. وقال الحنفيَّة: يثبتُ لها الخيار إذا عتقتْ سواءٌ كانت تحت حرٍّ أم عبدٍ لأنَّها عند التَّزويج لم يكن لها رأيٌ لاتِّفاقهم على أنَّ لمولاها أن يزوِّجها بغيرِ رضاها، فإذا عتقتْ تجدَّدُ لها حال لم تكن قبل ذلك. وأُجيب بأنَّ ذلك لو كان مؤثِّرًا لثبتَ الخيار للبكر إذا زوَّجها أبوها ثمَّ بلغت رشيدةً وليس كذلك، فكذلك الأمة تحت الحرِّ فإنَّه لم يحدث لها بالعتقِ حال ترتفع به عن الحرِّ، ومنشأُ الخلاف الاختلاف في ترجيحِ إحدى الرِّوايتين المتعارضتين في زوج بريرة، هل كان حين أعتقتْ حرًّا أو عبدًا؟ وفي ترجيحِ المعنى المعلَّل به، ففي حديثِ الباب وغيره من «الصَّحيحين» من حديث ابن عبَّاسٍ أنَّه كان عبدًا، ولم تختلفْ الرِّوايات عنه، وتمسَّك الحنفيَّة بحديث عائشة المرويِّ في «الصَّحيحين» و «السُّنن الأربعة» وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. قال الشَّيخ كمال الدِّين بن الهمام: والتَّرجيح يقتضِي في حديثِ عائشة ترجيحَ أنَّه كان حرًّا، وذلك أنَّ رُواة هذا الحديث عن عائشةَ ثلاثة: الأسود وعروة والقاسم، فأمَّا الأسود فلم يختلف فيه عن عائشة أنَّه كان حرًّا، وأمَّا عروة فعنه روايتان صحيحتان إحدَاهما أنَّه كان حرًّا والأخرى أنه كان عبدًا وأما عبد الرحمن بن القاسم فعنه أيضًا روايتان صحيحتان إحداهما أنه كان حرًّا (٢) والأُخرى بالشَّكِّ، ووجه آخر من التَّرجيح مُطلقٌ لا يختصُّ بالمرويِّ فيه عن عائشة، وهو أنَّ رواية: خيَّرَها ﷺ وكان زوجها عبدًا، يحتملُ كون الواو فيه للعطف لا للحال، وحاصله: أنَّه إخبارٌ بالأمرين، وكونه اتَّصف بالرِّقِّ لا يستلزم كون ذلك كان حالَ عتقها، هذا بعدَ احتمال أن يرادَ بالعبدِ العتيق مجازًا باعتبارِ ما كان، وهو شائعٌ في العُرف، والَّذي لا مردَّ له من التَّرجيح أنَّ رواية كان حرًّا أنص (٣) مِن كان عبدًا، وتُثْبِت (٤) زيادةً فهي أولى، وأيضًا فهي مُثبتةٌ، وتلك كانت

стр. 9773

نافيةً للعلم بأنَّه كان حالتُه الأصليَّة الرِّقَّ، والنَّافي هو المُبقيها، والمثبتُ هو المُخْرِجُ عنها. انتهى. وحديث الأسود كما في «الفتح» اختلف فيه على راويه هل هو من قولِ الأسود؟ أو رواهُ عن عائشة؟ أو هو قول غيره؟ قال إبراهيمُ بن أبي طالبٍ أحد حُفَّاظ الحديث، وهو من أقرانِ مسلمٍ فيما أخرجَه البيهقيُّ عنه: خالفَ الأسودُ النَّاس في زوج بَرِيْرة، وقال الإمام أحمد: إنَّما يصحُّ أنَّه كان حرًّا عن (١) الأسود وحدَه، وصحَّ عن ابن عبَّاسٍ وغيره أنَّه كان عبدًا، ورواه علماءُ المدينة -وإذا روى علماء المدينة شيئًا وعملوا به فهو أصحُّ شيء-: وإذا عُتقت الأمَة تحتَ الحرِّ فعَقْدُها المتَّفق على صحَّته لا يفسخُ بأمرٍ مختلفٍ فيه. ٥٢٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشامُ بنُ عبد الملك قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (وَهَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى، ابن يحيى البصريُّ، كلاهما (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُهُ عَبْدًا؛ يَعْنِي): مُغيثًا (زَوْجَ بَرِيرَةَ) تمسَّك به بعضُ الحنفيَّة فقال: إنَّه لا يدلُّ على أنَّه كان عبدًا حين أعتقتْ بريرة، فلا يتمُّ الاستبدال بهِ، والاختلافُ وقعَ في صِفَتين لا يجتمعان في حالةٍ واحدةٍ فنجعلهُمَا في حالتين فنقولُ: كان عبدًا في حالةٍ حرًّا في أُخْرى، فبالضَّرورة تكون إحدى الحالتين متأخِّرةً عن الأُخرى، وقد علم أنَّ الرِّقَّ تعقُبه الحرِّيَّة لا العكس، وحينئذٍ فثبتَ أنَّه كان حرًّا في الوقت الذي خُيِّرت فيه وعبدًا قبل ذلك، وتعقِّب بأنَّ محل طريق الجمعِ المذكور إذا تساوتِ الرِّوايتان في القوَّة، أمَّا مع التَّفرُّد (٢) في مقابلةِ الاجتماع فتكون الرِّوايةُ المنفردة شاذَّةً، والشَّاذُّ مردودٌ، ولهذا لم يعتبرِ الجمهورُ طريق الجمعِ بين (٣) الرِّوايتين مع قولهم: إنَّه لا يصارُ إلى التَّرجيح مع إمكانِ الجمع، والَّذي يتحصَّل من كلام محقِّقيهِم -وقد أكثرَ منه الشَّافعيُّ وأتباعه- أنَّ محلَّ الجمع إذا لم يظهر الغلطُ في إحدى الرِّوايتين، ومنهم من شرطَ التَّساوي في القوَّة. وعند التِّرمذيِّ: أنَّه كان عبدًا أسود يوم

стр. 9774

أُعتقت، وهذا يردُّ قول مَن قال: كان (١) عبدًا قبل العتق، حرًّا بعدَهُ. وقد أخرجَ المؤلِّف هذا الحديث مُختصرًا من هذا الوجهِ بلفظ شُعبة، وزاد الإسماعيليُّ من طريقِ عبد الصَّمد، عن شُعبة: «رأيتهُ يبكِي» وأمَّا لفظ همَّام فأخرجَه أبو داود من طريقِ عفَّان عنه بلفظ: «أنَّ زوج بريرة كان عبدًا أسود يسمَّى مُغيثًا، فخيَّرها النَّبيُّ ﷺ وأمرها أن تعتدَّ». وقال أحمد: عدَّة الحرَّة. ٥٢٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ) النَّرسيُّ الباهليُّ مولاهم، البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو، ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتيانيُّ، ولابن عساكرَ: «عن أيُّوب» (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه (قَالَ: ذَاكَ مُغِيْثٌ) بضم الميم وكسر الغين المعجمة وسكون التحتية بعدها مثلثة (عَبْدُ بَنِي فُلَانٍ) وعند التِّرمذيِّ: كان عبدًا أسود لبني المُغيرة (-يَعْنِي: زَوْجَ بَرِيرَةَ- كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتْبَعُهَا) بسكون الفوقية وفتح الموحدة (فِي سِكَكِ المَدِينَةِ) بكسر السين المهملة، أزقَّتها حال كونه (يَبْكِي عَلَيْهَا) لمَّا اختارتْ فراقه. ٥٢٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البَغْلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) الثَّقفيُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانيِّ (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَسْوَدَ، يُقَالُ لَهُ: مُغِيثٌ) بضم الميم وكسر المعجمة وبعد التحتية الساكنة مثلثة، كما مرَّ، وعند العَسكريِّ بفتح العين المهملة وتشديد التحتية آخره (٢) موحدة. قال في «الفتح»: والأوَّل أثبتُ، وبه جزمَ ابنُ ماكولا وغيره، وكان (عَبْدًا لِبَنِي فُلَانٍ) وعند سعيد بن منصورٍ: «وكان عبدًا لآل المغيرة من بني مخزومٍ» (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ وَرَاءَهَا فِي سِكَكِ المَدِينَةِ) وليس في هذه الرِّواية قوله في

стр. 9775

الأولى: «يبكي عليها». وليس فيما ساقه في هذا الباب تصريحٌ بالتَّخيير الذي تَرجم له، لكنَّه جرى على عادتهِ من الإشارةِ إلى ما في بعضِ طرق الحديث الَّذي يسوقه في الباب، وظاهرُ صنيعه يقتضي ترجيح رواية من روى أنَّه كان عبدًا، كما جزم به في أوائل «النِّكاح» حيث قال: «باب الحرَّة تحت العبد» وساق الحديث (١). وأمَّا ما ساقه في «الفرائض» [خ¦٦٧٥١]: عن حفص بنِ عمر، عن شُعبة، وزاد في آخرهِ: «قال الحكمُ: وكان زوجُها حرًّا»، ثمَّ أوردَ بعدهُ [خ¦٦٧٥٤] طريق منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسود: أنَّ عائشة … الحديثَ، وزاد فيه: «وخُيِّرت فاختارتْ نفسَها، وقالت: لو أَعْطاني كذا وكذا ما كنتُ معه. قال الأسودُ: وكان زوجها حرًّا»، فقال البخاريُّ: قول الأسود منقطعٌ، وقول ابن عبَّاسٍ: «رأيتُه عبدًا» أصحُّ. وقال في الَّذي قبلَه في قولِ الحكمِ نحو ذلك، وقد قالَ الدَّارقطنيُّ في «العلل»: لم يختلفْ على عروة عن عائشة أنَّه كان عبدًا. وكذا قال جعفرُ بن محمَّد بن عليٍّ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، وأبو الأسود وأسامة بن زيدٍ عن القاسم. وأمَّا ما أخرجَه القاسمُ بنُ أَصْبغ في «تصنيفه» وابنُ حزمٍ من طريقهِ، قال: أَخْبرنا أحمدُ بن يزيد المعلِّم: حدَّثنا موسى بنُ معاويةَ، عن جريرٍ، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشة: «كان زوج بريرة حرًّا» فهو وهمٌ من موسى أو من أحمد، فإنَّ الحفَّاظ من أصحابِ هشام ثمَّ أصحاب جريرٍ، قالوا: كان عبدًا. منهم: إسحاقُ بن رَاهُوْيَه، رواه النَّسائيُّ، وعثمانُ ابن أبي شَيبة، رواه أبو داود. وعليُّ بن حجر رواهُ التِّرمذيُّ، وأصله عند مسلمٍ، وأحالَ به على روايةِ أبي أسامةَ عن هشام، وفيها: أنَّه كان عبدًا، ولم يختلفْ على ابن عبَّاسٍ في أنَّه كانَ عبدًا، وجزمَ به التِّرمذيُّ عن ابنِ عمر، وحديثُه عند الشَّافعيِّ والدَّارقطنيِّ وغيرهما. وأخرجَ النَّسائيُّ بسندٍ صحيحٍ من حديث صفيَّة بنت أبي (٢) عُبيد، قالتْ: كان زوجُ بريرةَ عبدًا. وقال النَّوويُّ: ويؤيِّد ذلك قول عائشة: «كان عبدًا، ولو كان حرًّا لم يخيِّرها». فأخبرتْ وهي صاحبة القصَّة بأنَّه كانَ عبدًا، ثمَّ علَّلت بقولها: «ولو كان حرًّا لم يخيِّرها» ومثل هذا لا يكادُ أحدٌ يقوله إلَّا توقيفًا. انتهى ملخصًا من «الفتح».

стр. 9776

(١٦) (بابُ شَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ) لترجعَ إلى عصمتهِ. ٥٢٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (١) (مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سلامٍ البِيْكَنديُّ قال: (أَخْبَرَنَا (٢) عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ: مُغِيثٌ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي، وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ) يترضَّاها لتختاره (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبَّاسٍ) عمِّه: (يَا عَبَّاسُ أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ، وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا) لأنَّ الغالب أنَّ المحبَّ لا يكون إلَّا حبيبًا. وعند سعيدِ بن منصورٍ: أنَّ العبَّاس كان كلَّم النَّبيَّ ﷺ أن يطلبَ إليها في ذلك، وفي «مسند» الإمام أحمد: أنَّ مُغيثًا توسَّل بالعبَّاس في سؤالِ النِّبيِّ ﷺ في ذلك، وظاهره: أنَّ قصَّة بَريرة كانت متأخِّرةً في السَّنة التَّاسعة أو العاشرةِ لأنَّ العبَّاس إنَّما سكنَ المدينة بعد رجوعِهِم من غزوةِ الطَّائف وذلك أواخر سنة ثمانٍ، ويدلُّ له أيضًا قول ابن عبَّاس أنَّه شاهد ذلك وهو إنَّما قدمَ المدينةَ مع أبويهِ، وهذا يردُّ قولَ من قال: إنَّها كانت قبلَ الإفك، وجوَّز الشَّيخ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ: أنَّ بريرة كانت تخدمُ عائشةَ قبل شِرَائها، أو اشترتها وأخَّرت عِتْقها إلى ما بعدَ الفتح، أو دامَ حُزْن زوجهَا عليها مدَّةً طويلةً، أو حصلَ لها الفسخُ وطلبَ (٣) أن تردَّه بعقدٍ جديدٍ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لها: (لَوْ رَاجَعْتِيْهِ) بمثناة تحتيَّة بعد الفوقيَّة في الفرع مصحَّحًا عليها، وقال الحافظُ ابن حجرٍ -وتبعه العينيُّ- بمثنَّاةٍ واحدةٍ، قال: ووقعَ في روايةِ ابن ماجه: «لو راجعتيهِ» بإثبات تحتيَّةٍ ساكنةٍ بعد المثنَّاة، وهي

стр. 9777

لغةٌ ضعيفةٌ. وتعقَّبه العينيُّ فقال: إن صحَّ هذا (١) في الرِّواية فهي لغةٌ فصيحةٌ لأنَّها صادرةٌ (٢) من أفصحِ الخلق. انتهى. والَّذي في «اليونينيَّة» بحذف التَّحتية مصحَّحًا عليه. (قَالَتْ) ولابن عساكرَ: «فقالتْ»: (يَا رَسُولَ اللهِ، تَأْمُرُنِي) بذلك؟ (قَالَ): لا (إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ) فيه لا على سبيلِ الحتمِ فلا يجبُ عليك، وسقط لابن عساكرَ لفظ «أنا» (قَالَتْ) ولأبي ذرٍّ: «فقالتْ»: (٣) (لَا) ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «فلا» (حَاجَةَ لِي فِيهِ). وفي هذا الحديث: جوازُ الشَّفاعة من الحاكمِ عند الخصمِ في خصمهِ إذا ظهرَ حقُّه، وإشارته عليه بالصُّلح أو التَّرك، وحبُّ المسلم للمسلمةِ، وإن أفرطَ فيه ما لم يأتِ محرَّمًا، وغير ذلك من فرائدِ الفوائد حتَّى قيل: إنَّها تزيدُ على الأربع مئة. (١٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين بغير (٤) ترجمةٍ. ٥٢٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ) الغُدَانيُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بفتحتين، ابن عُتيبة، بضم العين المهملة وفتح الفوقية وسكون التحتية بعدها موحدة (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ، فَأَبَى مَوَالِيهَا) ملَّاكُها الَّذين باعوها (إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطُوا الوَلَاءَ) عليها لهم (فَذَكَرَتْ) عائشة (لِلنَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «فذكرتْ ذلك للنَّبيِّ» (¬ ﷺ فَقَالَ) لها: (اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ) على العتيقِ (لِمَنْ أَعْتَقَ) لا لمن اشترطَ شرطًا ليس في كتاب الله (وَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ ¬)

стр. 9778

بضم همزة «أُتي» (بِلَحْمٍ فَقِيلَ) له ﵊: (إِنَّ هَذَا مَا (١) تُصُدِّقَ عَلَى) بضم الفوقية والصاد، ولأبي ذرٍّ: «تصدِّق به على» (بَرِيرَةَ فَقَالَ) ﵊: (هُوَ لَهَا) أي: لبريرةَ (صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ) حيث أهدتْهُ لنا. وهذا الحديثُ صورته صورةُ الإرسال حيث قالَ الأسود: إنَّ عائشة، لكنَّ المؤلِّف في «كفَّارة الأيمان» ذكره عن سُليمان بن حربٍ، عن شُعبة، فقال فيه: عن الأسود، عن عائشةَ [خ¦٦٧١٧]. وبه قال: (حدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بسنده السَّابق (وَزَادَ) فقال: (فَخُيِّرَتْ) بضم الخاء المعجمة وكسر التحتية المشددة (مِنْ زَوْجِهَا) كذا أورده مُختصرًا لم يذكرْ لفظه، وذكره في «الزَّكاة» عن آدمَ بهذا الإسناد فلم يذكرْ هذهِ؛ أي (٢): قوله: «فخُيِّرت (٣) من زوجها» [خ¦١٤٩٣] وأخرجه البيهقيُّ من وجهٍ آخر عن آدم شيخ البخاريِّ فيه، فجعل ذلك من قول إبراهيم ولفظه في آخرهِ: قال الحكم: وقال إبراهيمُ: وكان زوجها حرًّا فخيِّرت من زوجها. قال في «الفتح» -بعد سياقه لما مرَّ-: فظهر أنَّ هذه الزِّيادة مدرجة، وحذفها في «الزَّكاة» لذلك، وإنَّما أوردها هنا مشيرًا إلى أنَّ أصل التَّخيير في قصَّة بريرة ثابتٌ من طريقٍ أُخرى. (١٨) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ﴾) أي: لا تتزوَّجوهنَّ (﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]) ولو كان الحال أنَّ المشركة تعجبُكم وتحبونها لجمالها ومالها. روى البغويُّ في «تفسيره»: أنَّ سبب نزولها أنَّ مرثد بن أبي مرثد الغنويَّ بعثه رسولُ الله ﷺ إلى مكَّة ليُخْرِجَ منها ناسًا من المسلمين سرًّا، فلمَّا قدمها سمعتِ امرأةٌ مشركةٌ يقال لها: عَنَاق، وكانت جليلةً في الجاهليَّة فأتتْه، وقالت: يا أبا مرثد ألا تخلو؟ فقالَ لها: ويحك يا عَنَاق إنَّ الإسلام قد حالَ بيننا وبين ذلك، قالتْ: فهلْ لك أن تتزوَّج بي؟ قال:

стр. 9779

نعم، ولكن أَرْجِعُ إلى رسول الله ﷺ فأستأمرْهُ، فقالت: أَبِي تتبرَّم؟ ثمَّ استغاثتْ عليه، فضربوهُ ضربًا شديدًا ثمَّ خلوا سبيله، فلمَّا قضَى حاجته بمكَّة وانصرفَ إلى رسولِ الله ﷺ فأعلمه الَّذي كان من أمرهِ وأمر عَنَاق، وقال: يا رسول الله، أيحلُّ لي أن أتزوَّجها؟ فأنزلَ الله تعالى الآية. ٥٢٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) ولأبي ذرٍّ: «اللَّيث» هو ابنُ سعدٍ الإمام (عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) ﵄ (كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ نِكَاحِ النَّصْرَانِيَّةِ وَاليَهُودِيَّةِ، قَالَ: إِنَّ اللهَ حَرَّمَ المُشْرِكَاتِ عَلَى المُؤْمِنِينَ، وَلَا أَعْلَمُ مِنَ الإِشْرَاكِ شَيْئًا أَكْبَرَ) بالموحدة، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «أكثر» بالمثلثة بدل الموحدة (مِنْ أَنْ تَقُولَ المَرْأَةُ رَبُّهَا عِيسَى) إشارة إلى قول النَّصارى: المسيحُ ابن الله، واليهود: عزيرٌ ابن الله (وَهْوَ) أي: عيسى (عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللهِ) وهذا مصيرٌ من ابن عمر إلى استمرارِ حُكم عمومِ آية البقرة السَّابقة، ولعلَّه كان يرى أنَّ آية المائدة منسوخة، وبه جزمَ إبراهيمُ الحربيُّ. والجمهورُ على أنَّ عموم آية البقرة خُصَّ بآية المائدة وهي قوله (١) تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] أي: التَّوراة والإنجيل، وعن بعض السَّلف: أنَّ المرادَ بالمشركات عبدةُ الأوثانِ والمجوس، وقد قيل: إنَّ القائلَ من اليهود والنَّصارى العزير ابن الله، والمسيح ابن الله طائفتان انقرضُوا لا كلهم، ويهود ديار مصر مصرِّحون بالتَّنزيه عن ذلك وبالتَّوحيد، وروى ابن المنذر: أنَّ ابن عمر شذَّ بذلك، فقال: لا يحفظُ عن أحدٍ من الأوائلِ أنَّه حرَّم ذلك. لكن روى ابنُ أبي شيبة بسندٍ حسنٍ عن عطاء: كراهيةَ نكاحِ اليهوديَّة والنَّصرانيَّة، وروي عن عمر أنَّه كان يأمرُ بالتَّنزُّه عنهنَّ من غيرِ أن يحرِّمهنَّ لخلطة الكافرةِ وخوف الفتنةِ على الولد؛ لأنَّه في صغرهِ ألزم لأمِّه، ومثلُه قول مالكٍ ﵀: تصير تشربُ الخمر وهو يقبِّلُ ويُضاجع لا لعدم الحلِّ، ويدلُّ على الحلِّ تزوُّج بعض الصَّحابة منهم وخطبة بعضهم، فمن المتزوِّجين: حُذيفة، وطلحةُ، وكعبُ بن مالك، وقد خطب المغيرةُ بن شُعبة

стр. 9780

هند ابنة النُّعمان بن المنذر، وكانت تنصَّرت وديرُها باقٍ إلى اليوم بظاهرِ الكوفة، وكانتْ قد عميتْ فأبت، وقالت: أيُّ رغبةٍ لشيخٍ أعور في عجوزٍ عمياءَ، ولكن أردتَ أن تفخرَ بنِكاحي، فتقول: تزوَّجتُ بنتَ النُّعمان بن المنذر. فقال: صدقتِ، وأنشدَ: أَدْرَكْتِ مَا مَنَّيْتُ نَفْسِي خَالِيًا … للهِ دَرُّكِ يَا ابْنَةَ النُّعْمَانِ فَلَقَدْ رَدَدْتِ عَلَى المُغِيْرَةِ ذِهْنَهُ … إِنَّ المُلُوكَ ذَكِيَّةُ الأَذْهَانِ في أبياتٍ. والأئمَّة الأربعة على حلِّ الكتابيَّة الحرَّة، وعلى المنعِ من غير أهلِ الكتابين من المجوسِ وإن كان لهم شبهةُ كتابٍ؛ إذ لا كتابَ بأيديهِم، وكذا المتمسِّكُون بصحفِ شيث وإدريس وإبراهيم وزبور داود لأنَّها لم تتنزَّل (١) بنظم يُدْرَسُ ويُتلى، وإنَّما أوحي إليهم مَعانيها وسائر الكفَّار، كعبدةِ الشَّمس والقمر والصُّور والنُّجوم والمعطِّلة والزَّنادقة والباطنيَّة، وفرَّق القفَّال بين الكتابيَّة وغيرها بأنَّ غيرها اجتمعَ فيه نقصان الكفْرِ في الحالِ، وفساد الدِّين في الأصل، والكتابيَّة فيها نقصٌ واحدٌ، وهو كفرها في الحالِ، وشرط أصحابنا الشَّافعيَّة في حلِّ نكاحِ الكتابيَّة؛ في إسرائيليَّةٍ: أن لا يعلم دخول أوَّل آبائها في ذلك الدِّين بعد بعثةٍ تنسخُهُ، وهي بعثةُ عيسى أو نبيِّنا، وذلك بأنْ عُلِمَ دخولُه فيه قبلَها أو شُكَّ، وإنْ عُلِمَ دخولُه فيه بعدَ تحريفِهِ، أو بعدَ بعثةٍ لا تنسخُهُ، كبعثةِ مَنْ بين موسى وعيسى؛ لشرفِ نسبهم بخلافِ ما إذا عُلِمَ دخولُه فيه بعدَها لسقوطِ فضيلتهِ بها، فإن لم تكن الكتابيَّة إسرائيليَّة فالأظهرُ حلُّها إن عُلِمَ دخولُ أوَّل (٢) آبائها في ذلكَ الدِّين قبلَ نسخهِ وتحريفهِ، أو بعدَ تحريفِه إنْ تجنَّبوا المحرَّف. (١٩) (بابُ) حكم (نِكَاحِ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ المُشْرِكَاتِ وَ) حكم (عِدَّتِهِنَّ).

стр. 9781

٥٢٨٦ - ٥٢٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) أبو عبد الرَّحمن بن يوسف الصَّنعانيُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (وَقَالَ عَطَاءٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: معطوفٌ على محذوفٍ كأنَّه كان في جملة أحاديثَ حدَّث بها ابن جريحٍ عن عطاءٍ، ثمَّ قال: وقال عطاء، أي: الخراسانيُّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (كَانَ المُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَ) من (المُؤْمِنِينَ) الأولى: (كَانُوا مُشْرِكِي أَهْلِ حَرْبٍ يُقَاتِلُهُمْ) النَّبيُّ ﷺ (وَيُقَاتِلُونَهُ وَ) الثَّانية: كانوا (مُشْرِكِي أَهْلِ عَهْدٍ) ولابنِ عساكرَ: «عقد» بالقاف بدل: عهدٍ، بالهاء (لَا يُقَاتِلُهُمْ) صلواتُ الله عليه وسلامه (وَلَا يُقَاتِلُونَهُ، وَكَانَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فكان» (إِذَا هَاجَرَتِ امْرَأَةٌ مِنْ) دار (١) (أَهْلِ الحَرْبِ) إلى المدينة مسلمةً (لَمْ تُخْطَبْ) بضم أوله وفتح الطاء مبنيًّا للمفعول (حَتَّى تَحِيضَ) ثلاث حيضٍ (وَتَطْهُرَ) لأنَّها صارتْ بإسلامها وهجرتها من الحرائرِ، وقال الحنفيَّة: إذا خرجتِ المرأة إلينا مهاجرةً وقعتِ الفرقة اتِّفاقًا، وهل عليها عدَّة؟ فيها خلافٌ. عند أبي حنيفةَ: لا، فتتزوَّج (٢) في الحال إلَّا أن تكون حاملًا لا على وجهِ العدَّة بل ليرتفعَ المانعُ بالوضعِ، وعند أبي يوسف ومحمَّد: عليها العدَّة، ووجه قول أبي حنيفة: أنَّ العدَّة إنَّما وجبتْ إظهارًا لحظر النِّكاح المتقدِّم ولا حظر لملك الحربيِّ، بل أسقطَه الشَّرع بالآيةِ في المهاجرات: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] جمع كافرةٍ، فلو شرطنَا العدَّة لزمَ التَّمسُّك بعُقدة نكاحِهنَّ الموجودة (٣) في حالِ كُفرهنَّ (فَإِذَا (٤) طَهُرَتْ) بضم الهاء (حَلَّ لَهُ النِّكَاحُ، فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ)

стр. 9782

تتزوَّج غيره (رُدَّتْ إِلَيْهِ) بالنِّكاح الأوَّل (وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ مِنْهُمْ) من أهل الحرب (أَوْ أَمَةٌ فَهُمَا حُرَّانِ وَلَهُمَا مَا لِلْمُهَاجِرِينَ) من مكَّة إلى المدينة من تمام حرمةِ الإسلام والحريَّة (ثُمَّ ذَكَرَ) عطاء (مِنْ) قصَّة (أَهْلِ العَهْدِ مِثْلَ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ) وهو قوله: (وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ) من (١) (أَهْلِ العَهْدِ لَمْ يُرَدُّوا) إليهم (وَرُدَّتْ أَثْمَانُهُمْ) إليهم، وهذا من باب فداء أَسرى المسلمين، ولم يجزْ تملُّكهم لارتفاعِ علَّة الاسترقاقِ الَّتي هي الكفر فيهم. (وَقَالَ عَطَاءٌ) بالإسناد السَّابق (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (كَانَتْ قُرَيبَةُ) بضم القاف مصغَّرًا لأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ، ولغيرهما: «قَرِيبَة» بفتح القاف وكسر الراء وكذا ضبطه الدِّمياطيُّ، و (٢) في «القاموس» الوجهان، وعبارته بالتَّصغير وقد تُفتح (بِنْتُ) ولأبي ذرٍّ: «ابنة» (أَبِي أُمَيَّةَ) ابن المغيرة بن عبد الله بن عَمرو بن مخزومٍ، أخت أمِّ سلمة زوج النَّبيِّ ﷺ (عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) ﵁ (فَطَلَّقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) وظاهرُ هذا كما في «الفتح»: أنَّها لم تكن أسلمت في هذا الوقت، وهو ما بين عمرة الحديبية وفتح مكَّة، وفيه نظرٌ، فقد ثبتَ بسندٍ

стр. 9783

صحيحٍ عند النَّسائيِّ ما يقتضي أنَّها هاجرت قديمًا، لكن يحتمل أنَّها جاءت إلى المدينة زائرةً لأختها قبل أن تُسلِم، أو كانت مقيمةً عند زوجها عمر على دينها قبل أن تنزلَ الآية، لكن هذا يردُّه ما روى عبد الرَّزَّاق عن مَعمر، عن الزُّهريِّ لمَّا نزلت: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فذكر القصَّة، وفيها: فطلَّق عمرُ امرأتين كانتا له بمكَّة، فهذا يردُّ أنَّها كانت مقيمة، ولا يردُّ أنَّها جاءت زائرةً، ويحتمل أن يكون لأمِّ سلمة أختان، كلٌّ منهما تسمَّى قريبة تقدَّم إسلام إحداهما، وتأخَّر إسلامُ الأخرى وهي المذكورة هنا، ويؤيِّده أنَّ عند ابن سعد في «طبقاته»: قريبة (١) الصُّغرى بنت أبي أميَّة (٢) أخت أمِّ سلمة تزوَّجها عبد الرَّحمن بن أبي بكر الصِّدِّيق (وَكَانَتْ أُمُّ الحَكَمِ ابْنَةُ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سُفْيَانَ) أخت معاوية، وأمِّ حَبيبة لأبيها (تَحْتَ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ) بفتح الغين المعجمة وسكون النون (الفِهْرِيِّ) بكسر الفاء وسكون الهاء (فَطَلَّقَهَا) حينئذٍ (فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ الثَّقَفِي) بالمثلثة. واستُشْكل ترك ردِّ النِّساء إلى أهل مكَّة مع وقوع الصُّلح بينهم وبين المسلمين في الحديبية: على أنَّ من جاءَ منهم إلى المسلمين ردُّوه، ومن جاءَ من المسلمين إليهم لم يردُّوه. وأُجيب بأنَّ حكم النِّساء منسوخٌ بآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ إذ فيها ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ ثمَّ قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] أي: في الصُّلح، واستثنى النِّساء منه، والأمر بهذا كلِّه هو حكمُ الله بين خلقه، والله عليمٌ بما يُصلح عباده، أو أنَّ النِّساء لم يدخلنَ في أصل الصُّلح، ويؤيِّده ما في بعض طرقِ الحديث: «على أنَّ لا يأتيك منَّا رجلٌ إلَّا رددتَّه». إذ مفهومُه عدمُ دخول النِّساء.

стр. 9784

(٢٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا أَسْلَمَتِ المُشْرِكَةُ) كوثنيَّةٍ (أَوِ النَّصْرَانِيَّةُ) أو اليهوديَّة (تَحْتَ الذِّمِّيِّ أَوِ الحَرْبِيِّ) قبل أن يُسلِم، هل تحصل الفرقة بينهما بمجرَّد إسلامها؟ أو يثبتُ لها الخيارُ أو يوقف في العدَّة؟ فإن أسلم استمرَّ النِّكاح وإلَّا وقعتِ الفرقة بينهما. قال الشَّافعيَّة: إذا أسلمَ مشركٌ ولو غير كتابيٍّ، كوثنيٍّ ومجوسيٍّ وتحته حرَّةٌ كتابيَّةٌ تحلُّ له ابتداءً استمرَّ نكاحه لجواز نكاحِ المسلم لها، أو كان تحته حرَّةٌ غير كتابيَّة كوثنيَّة وكتابيَّة لا تحلُّ له ابتداءً، أو (١) تخلَّفت عنه بأن لم تسلِم معه، أو أسلمتْ هي وتخلَّف هو، فإن كانَ قبل الدُّخول تنجَّزت الفُرقة، أو بعده وأسلمَ الآخر في العدَّة استمرَّ نكاحُه، وإلَّا فالفرقةُ من الإسلام، والفرقةُ فيما ذكر فسخٌ لا طلاق، ولو أسلما معًا قبل الدُّخول أو بعدَه استمرَّ نكاحهما لتساويهمَا في الإسلام، والمعيَّةُ في الإسلام بآخر لفظٍ لأنَّ به يحصل الإسلام لا بأوَّله ولا بأثنائهِ، وقد جنحَ البخاريُّ إلى أنَّ الفرقةَ بمجرَّد الإسلام وَشَرَعَ يستدلُّ لذلك فقال: (وَقَالَ عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ (عَنْ خَالِدٍ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (إِذَا أَسْلَمَتِ النَّصْرَانِيَّةُ قَبْلَ زَوْجِهَا بِسَاعَةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ) سواءٌ دخلَ عليها أم لا، وهذا التَّعليقُ وصلَه ابنُ أبي شيبة، عن عبَّاد بن العوَّام، عن خالد الحذَّاء، بنحوه. (وَقَالَ دَاوُدُ) بن أبي الفُرَات؛ بالفاء المضمومة والراء المخففة (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بنِ ميمون (الصَّائِغِ) المروزيِّ أنَّه قال: (سُئِلَ عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباحٍ (عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِ العَهْدِ) أي: الذِّمَّة (أَسْلَمَتْ ثُمَّ أَسْلَمَ زَوْجُهَا) بعدها وهي (فِي العِدَّةِ أَهِيَ امْرَأَتُهُ؟ قَالَ: لَا، إلَا أَنْ تَشَاءَ هِيَ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَصَدَاقٍ) جديد أيضًا لأنَّ الإسلام فرَّق بينهما، وهذا وصله ابنُ أبي شيبة من وجهٍ آخر، عن عطاءٍ بمعناه. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) هو ابنُ جبر، فيما وصلَه الطَّبريُّ من طريق ابنِ أبي نجيح، عنه: (إِذَا) أسلمتِ الزَّوجة ثمَّ (أَسْلَمَ) الزَّوج وهي (فِي العِدَّةِ يَتَزَوَّجُهَا) ثمَّ استدلَّ المؤلِّف لتقويةِ قول عطاء المذكور هنا بقوله: (وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]) أي: لا حلَّ بين

стр. 9785

المؤمنة والمشرك لوقوع الفرقةِ بينهما بخروجها مسلمةً. (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ، ولابن عساكرَ: «بابٌ» بالتَّنوين «وقال الحسن» (وَقَتَادَةُ) بن دعامةَ فيما أخرجه ابنُ أبي شيبة (فِي مَجُوسِيَّيْنِ) امرأة وزوجها (أسْلَمَا: هُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَإِذَا) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فإذا» (سَبَقَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ) بالإسلام (وَأَبَى الآخَرُ) أن يُسلم (بَانَتْ) منه وحينئذٍ (لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا) إلَّا بخطبةٍ. (وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بنُ عبد العزيز فيما وصلَه عبد الرَّزَّاق: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ: امْرَأَةٌ مِنَ المُشْرِكِينَ جَاءَتْ إِلَى المُسْلِمِينَ أَيُعَاوَضُ) بفتح الواو مبنيًّا للمفعول مِنَ المعاوضة، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «أيعاض» بإسقاط الواو مِنَ العِوضِ، أي: أيعطى (زَوْجُهَا) المشرك (مِنْهَا) عوضَ صداقها (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠]) المفسَّر بأعطوا أزواجهنَّ مثل ما دَفعوا إليهنَّ من المهورِ (قَالَ) عطاء: (لَا) يُعاوض (إِنَّمَا كَانَ ذَاكَ) المذكور في الآيةِ من الإعطاءِ (بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ أَهْلِ العَهْدِ) من المشركين حين انعقدَ العهدُ بينهم عليه، وأمَّا اليوم فلا. (وَقَالَ) بالواو، ولابنِ عساكرَ بإسقاطها (١) (مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه ابنُ أبي حاتمٍ من طريق ابنِ أبي نجيحٍ، عنه، في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] من ذَهَبَ من أزواجِ المسلمين إلى الكفَّار فليعطِهِم الكفَّار صداقهُنَّ وليمسكوهُنَّ، ومن ذَهَبَ من أزواجِ الكفَّار إلى أصحابِ محمَّدٍ ﷺ فكذلك (هَذَا كُلُّهُ فِي صُلْحٍ) كان (بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ) ثمَّ انقطعَ ذلك يوم (٢) الفتحِ.

стр. 9786

٥٢٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بنُ عبد الله بنِ بكيرٍ المخزوميُّ المصريُّ، وسقطَ لغير أبي ذرٍّ لفظ «يحيى» قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابن خالدٍ الأمويِّ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ، ولفظ رواية عقيل هذه سبق أوَّل «الشُّروط» [خ¦٢٧١١] (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) فيما وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريات»: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا، ولابن عساكرَ: «حَدَّثنا» (١) (يُونُسُ) بن (٢) يزيدَ الأَيْليُّ، واللَّفظ لروايةِ يونس (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ: (أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (٣) (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَتِ) ولابن عساكرَ: «كان» (المُؤْمِنَاتُ إِذَا هَاجَرْنَ) من مكَّة (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) قبل عام الفتح (يَمْتَحِنُهُنَّ) يختبرهنَّ فيما يتعلَّق بالإيمان فيما يرجعُ إلى الظَّاهر (بِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾) نصبٌ على الحالِ (﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] … إِلَى آخِرِ الآيَةِ). وقوله: «إلى آخر الآية» ساقط لابن عساكرَ. (قَالَتْ عَائِشَةُ) بالإسناد السَّابق: (فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا الشَّرْطِ) المذكور في آية الممتحنة، وهو أنْ لا يشركن بالله … إلى آخرهِ، (مِنَ المُؤْمِنَاتِ) وعند الطَّبريِّ من طريق العوفيِّ، عن ابن عبَّاس، قال: «كانَ امتحانهنَّ أن (٤) يشهدنَ أنَّ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله» (فَقَدْ أَقَرَّ بِالمِحْنَةِ) أي: الامتحان الَّذي هو الإقرارُ بما ذكر (فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِنَّ، قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ : انْطَلِقْنَ فَقَدْ) أقررتنَّ و (بَايَعْتُكُنَّ. لَا وَاللهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ) في المبايعة (قَطُّ، غَيْرَ أَنَّهُ بَايَعَهُنَّ (٥) بِالكَلَامِ، وَاللهِ مَا أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى النِّسَاءِ إِلَّا بِمَا أَمَرَهُ اللهُ يَقُولُ لَهُنَّ إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ) عهد المبايعة:

стр. 9787

(قَدْ بَايَعْتُكُنَّ) على أن لا تشركنَ بالله شيئًا إلى آخره (كَلَامًا) من غير أن يضربَ يده على يدهنَّ كما كان يبايع الرِّجال. (٢١) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾) يقسمون، وهي قراءةُ ابن عبَّاسٍ ﵄، و ﴿مِن﴾ في (﴿مِن نِّسَآئِهِمْ﴾) متعلِّق بالجار والمجرور، أي: للَّذين، كما تقول: لك منِّي نصرةٌ، ولك منِّي معونةٌ، أي: للمولين من نسائهم (﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾) أي: استقرَّ للمولين ترقُّب أربعة أشهرٍ، لا بـ ﴿يُؤْلُونَ﴾ (١) لأن آلى يعدَّى (٢) بعلى، يقال: آلى فلانٌ على امرأتهِ، ويجوزُ أن يقال: عدِّي بمن لما في هذا القسم من مَعنى البعدِ، فكأنَّه قيل: يبعدونَ من نسائهم مولين، و ﴿تَرَبُّصُ﴾ مبتدأ خبره ﴿لِّلَّذِينَ﴾ وآلى أصله: إئلاء، فأُبدلت الثَّانية ياء (٣) لسكونها وانكسار (٤) ما قبلها نحو إيمان (٥)، وإضافة التربُّص اللَّاحقة من إضافة المصدر لمفعوله على الاتِّساع في الظَّرف حتَّى صار مفعولًا به. وكان الإيلاء في الجاهليَّة طلاقًا، فغيَّر الشَّرع حكمه وخصَّه بالحلف على الامتناعِ من وطء الزَّوجة مطلقًا، أو أكثر من أربعة أشهرٍ، وهو حرامٌ لما فيه من منعِ حقِّ الزَّوجة في الوطء. وأركانُه حالفٌ، ومحلوفٌ به، ومحلوفٌ عليه، ومدَّةٌ، وصيغةٌ، وزوجةٌ. فالحالف (٦) شرطه زوجٌ مكلَّفٌ مختارٌ يتصوَّر منه الجماع، فلا يصحُّ من أجنبيٍّ كسيِّدٍ، ولا من غير مكلَّفٍ إلَّا السَّكران، ولا من مكرهٍ، ولا ممَّن لم يُتصوَّر منه الجماع كمجبوبٍ. وشرطه في المحلوفِ به كونه اسمًا أو صفةً لله تعالى، كقوله: والله أو والرَّحمن (٧) لا أطؤكِ،

стр. 9788

أو كونه التزام ما يلزم بنذرٍ، أو تعليق طلاقٍ، أو عتقٍ، كقوله: إن وطئتكِ فللَّه عليَّ صلاةٌ، أو حجٌّ، أو صومٌ، أو عتقٌ، أو إن وطئتكِ فضرَّتك طالقٌ، أو فعبدي حرٌّ. وشرطه في المحلوف عليه ترك وطءٍ شرعيٍّ، فلا إيلاءَ بحلفهِ على امتناعه من تمتُّعه بها بغير وطءٍ. وفي المدَّة زيادة على أربعة أشهرٍ بأن يُطْلِق كأن يقول: والله لا أطؤكِ، أو يؤبِّد كقوله: واللهِ لا أطؤكِ أبدًا (١)، أو يقيَّد بزيادةٍ على أربعةِ (٢) أشهرٍ (٣)، كقوله: واللهِ لا أطؤك خمسةَ أشهرٍ، أو يقيِّد بمستبعدِ الحصول فيها، كقولهِ: واللهِ لا أطؤك حتَّى ينزلَ عيسى ابن مريم ﵊، أو حتَّى أموت، فلو قُيِّد بالأربعة أو نقص عنها لا يكون إيلاءً بل مجرَّد حلفٍ لأنَّ المرأة تصبر عن الزَّوج أربعة أشهرٍ، وبعدها يفنى صبرها أو يقلُّ. وفي الصِّيغة لفظٌ يُشعر بالإيلاء، إمَّا صريحٌ كتغييبِ حشفةٍ بفرجٍ وجماعٍ، كقوله: والله لا أُغيِّب حشفتِي بفرجكِ، أو لا أطؤكِ، أو كنايةٌ كملامسةٍ ومباضعةٍ، كقوله: والله لا أُلامسكِ، أو لا أباضعُكِ. وفي الزَّوجة تصوُّر وطءٍ، فلا يصحُّ من رتقاء وقَرْناء (﴿فَإِنْ فَآؤُوا﴾) أي: (رَجَعُوا) إلى الوطء عن الإصرار بتركه (﴿فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾) حيث شرع الكفَّارة (﴿وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَاقَ﴾) بترك الفيءِ (﴿فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ﴾) لإيلائه (﴿عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]) بنيَّته، وهو وعيدٌ على إصرارهِم وتركهم الفيئة، والمعنى عند إمامنا الشَّافعيِّ رحمة الله عليه: فإن فاؤوا وإن عزموا بعد مضيِّ المدَّة لأنَّ الفاء للتَّعقيب، فيكون الفيءُ قبل مضيِّ المدَّة وبعدها، وعند مضيِّها يوقف إلى أن يفيءَ أو يطلِّق، وعبارته كما في «المعرفة» للبيهقيِّ: ظاهرُ كتاب الله يدلُّ على أنَّ له أربعة أشهرٍ، ومن كانت له أربعة أشهرٍ أجلًا له، فلا سبيلَ عليه فيها، حتَّى تنقضيَ الأربعة الأشهر كما لو أجلتني أربعةَ أشهرٍ لم يكن لك أخذ حقِّك منِّي حتَّى تنقضيَ الأربعة الأشهر (٤)، ودلَّ على أنَّ عليه إذا

стр. 9789

مضتِ الأربعة الأشهر واحدًا من حكمين إمَّا أن يفيءَ أو يطلِّق، فقلنا بهذا، وقلنَا: لا يلزمُه طلاقٌ بمضيِّ أربعة أشهرٍ حتَّى يحدثَ فيئةً أو طلاقًا. قال: والفيئةُ الجماعُ إلَّا من عُذرٍ. انتهى. وعند الحنفيَّة: الفيء في المدَّة لا غير. وأجاب الشَّيخ كمال الدِّين بأنَّ الفاء لتعقيب المعنى في الزَّمان في عطف المفرد كجاء زيدٌ فعمرٌو، وتدخل الجمل لتفصيل مجملٍ قبلها وغيره (١)، فإن كانت للأوَّل نحو: ﴿فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] ونحو: «توضَّأ فغسل وجهه ويديه ورجليه ومسح رأسه» فلا يفيدُ ذلك التَّعقيب، بل التَّعقيب الذِّكري بأنْ ذكر التَّفصيل بعد الإجمال وإن كانت لغيره فكالأوَّل، كجاء زيدٌ فقام عمرٌو، فكلٌّ من التَّعقيبين جائزُ الإرادةِ في الآية: المعنويِّ بالنِّسبة إلى الإيلاءِ ﴿فَإِنْ فَآؤُوا﴾ بعد الإيلاء، والذِّكري فإنَّه لمَّا ذكر تعالى أنَّ لهم من نسائهم أن يتربَّصوا أربعة أشهرٍ من غير بينونةٍ مع عدم الوطء كان موضعُ تفصيل الحالِ في الأمرين، فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَآؤُوا﴾ إلى قوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ واقعٌ (٢) لهذا الغرض، فيصحُّ كون المراد ﴿فَإِنْ فَآؤُوا﴾، أي: رجعوا عمَّا استمرُّوا عليه بالوطءِ في المدَّة تعقيبًا على الإيلاء التَّعقيب الذِّكري، أو بعدها تعقيبًا على التَّربُّص ﴿فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لِمَا حدث منهم من اليمين على الظُّلم وعَقْدِ القلب. انتهى. وسياق الآية كلِّها لابنِ عساكرَ، وقال في «الفتح»: لكريمة. ولغيرهما (٣) بعد قوله: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾: «إلى قوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾» لكنَّه في الفرع رقمَ عليه علامةَ السُّقوط لأبي ذرٍّ. ٥٢٨٩ - وبه قال (٤): (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) ابن أخت إمام دارِ الهجرةِ مالك بن أنسٍ (عَنْ

стр. 9790

أَخِيهِ) عبد الحميدِ بنِ أبي أويس (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن بلالٍ (عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁، وسقط لابنِ عساكرَ «بن مالكٍ» (يَقُولُ: آلَى) بمدِّ الهمزة حلف (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أي: شهرًا (مِنْ نِسَائِهِ). وفي حديث ابن عبَّاسٍ: «أقسمَ أن لا يدخلَ عليهنَّ شهرًا». وعند التِّرمذيِّ برجالٍ موثَّقين عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: «آلى رسول الله ﷺ من نسائهِ وحرَّم، فجعلَ الحرامَ حلالًا (١)». لكن رجَّح التِّرمذيُّ إرساله على وصلهِ، وقد يتمسَّك بقوله فيه: «حرَّم» مَن ادَّعى أنَّه ﷺ امتنع من جماعهنَّ، وبه جزمَ ابن بطَّالٍ وجماعةٌ، لكنَّه مردودٌ بأنَّ المراد بالتحريم: تحريم شربِ العسلِ أو تحريمُ وطءِ مارية. قال في «الفتح»: ولم أقفْ على نقلٍ صريحٍ أنَّه ﷺ امتنعَ من جماعِ نسائهِ وليس هذا من الإيلاءِ المقرَّر كما مرَّ، ولذا (٢) استُشْكلَ إيرادُ المصنِّف لهذا الحديث هنا إذ إنَّه ليس من هذا الباب وقوَّى ذلك ما أبداهُ البلقينيُّ في «تدريبه» بأنَّ الإيلاءَ المعقود له الباب حرامٌ يأثم به من علمَ حاله، فلا تجوزُ نسبته إلى النَّبيِّ ﷺ . وأُجيب بأنَّه مبنيٌّ على اشتراط ترك (٣) الجماع فيه، وقد روي عن حمَّاد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة عدم اشتراطِ ترك الجماعِ (وَكَانَتِ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ) ﷺ (فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ) بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وضم الراء بعدها موحدة، في غرفةٍ (لَهُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ) ليلةً (ثُمَّ نَزَلَ) من الغُرْفة ودخلَ على أزواجهِ (٤) (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، آلَيْتَ) حلفت (شَهْرًا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «ألبِثت» بهمزة الاستفهام وبعد اللام موحدة مكسورة فمثلثة ففوقية، من اللُّبث (فَقَالَ) ﷺ : (الشَّهْرُ) المعهود (تِسْعٌ وَعِشْرُونَ). ٥٢٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَقُولُ فِي الإِيلَاءِ الَّذِي سَمَّى اللهُ) تعالى في الآية السَّابقة: (لَا يَحِلُّ

стр. 9791

لأَحَدٍ بَعْدَ الأَجَلِ إِلَّا أَنْ يُمْسِكَ بِالمَعْرُوفِ) بأن يطأَ (أَوْ يَعْزِمَ بِالطَّلَاقِ) ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «الطَّلاقَ» بإسقاط الجار (كَمَا أَمَرَ اللهُ بقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧] فإن امتنعَ من الفيئة والطَّلاق طلَّق عليه القاضي نيابةً عنه على الأظهرِ، والثَّاني لا يطلِّق عليه (١) لأنَّ الطَّلاق في الآية مضافٌ إليه بل يكرهه ليفيءَ أو يطلِّق، وقال الحنفيَّة: إن فاءَ بالجماعِ قبل انقضاءِ المدَّة استمرَّت عصمتُه، وإن مضتِ المدَّة وقع الطَّلاقُ بنفس مضيِّ المدَّة. ٥٢٩١ - قال المؤلِّف: (وَقَالَ لِي إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ المذكور: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ أنَّه قال: (إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ) من حين الإيلاءِ (يُوقَفُ) الحكم، وللكُشميهنيِّ: «يوقفه» (حَتَّى) يفيء أو (يُطَلِّقَ) بنفسه (وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ) بانقضاءِ المدَّة (حَتَّى يُطَلِّقَ) هو (وَيُذْكَرُ) بضم أوله وفتح الكاف (ذَلِكَ) المذكور من الوقفِ حتى يطلِّق (عَنْ عُثْمَانَ) فيما وصلَه الشَّافعيُّ وابن أبي شيبة من طريقِ طاوس عنه، لكن في سماعِ طاوس من عثمان نظرٌ. نعم وردَ ما يعضدهُ إلَّا أنَّه جاءَ عن عثمان خلافه عند عبدِ الرَّزَّاقِ والدَّارقطنيِّ (وَعَلِيٍّ) فيما وصله الشَّافعيُّ وابن أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ (وَأَبِي الدَّرْدَاءِ) فيما وصله ابن أبي شيبة، وإسماعيلُ القاضي بسندٍ صحيحٍ إن ثبت سماعُ سعيد بن المسيَّب من أبي الدَّرداء (وَعَائِشَةَ) فيما أخرجه سعيد بنُ منصور بسندٍ صحيحٍ (وَاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فيما أخرجه المؤلِّف في «تاريخه»، وهو قول مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمدَ وسائر أصحابِ الحديث. وأجاب الشَّيخ كمال الدِّين عن حديثي الباب بما أخرجه ابنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن حبيبٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عبَّاسٍ وابن عمر، قالا: «إذا آلى فلم يفئْ حتَّى مضت أربعة أشهرٍ فهي تطليقةٌ بائنةٌ». قال: ورجال هذا السَّند كلُّهم أخرج لهم الشَّيخان فهم رجال الصَّحيح، فينتهض معارضًا ولم يبقَ إلَّا قول مَن قال بأنَّ أصحَّ

стр. 9792

الحديث ما في «الصَّحيحين»، ثمَّ ما كان على شرطهما إلى آخر ما عُرِف. قال: وهذا تحكُّمٌ محضٌّ لأنَّه إذا كان الفرض أنَّ المرويَّ على نفس الشَّرط المعتبر عندهما فلم يَفُته إلَّا كونه لم يكتب في خصوص أوراقٍ معيَّنةٍ ولا أثر لذلك، وقول البخاريِّ: أصحُّ الأسانيد مالكٌ عن نافعٍ عن ابن عمر، لم يُوافق عليه فقد قال غيرُه غيرَه، وقال المحقِّقون: إنَّ ذلك يتعذَّر الحكم به، وإنَّما يمكن بالنِّسبة إلى صحابيٍّ وبلدٍ، فيقال: أصَّحُها عن ابن عمر: مالكٌ عن نافعٍ عنه، وعن أبي هريرة: الزُّهريُّ عن سعيد بن المسيَّب عنه، وأصحُّ أسانيد الشَّاميين: الأوزاعيُّ عن حسَّان بن عطيَّةَ، عن الصَّحابة. ونحو ذلك، وأحسنُ من هذا الوقوف عن اقتحامِ هذه، فإنَّ في خصوصِ (١) الموارد ما قد يُلْزِمُ الوقوفَ عن ذلك. نعم قد يكون الرَّاوي المعيَّن أكثر ملازمةً لمعيَّنٍ من غيره، فيصيرُ أدرى بحديثهِ وأحفظ له منه على معنى أنَّه (٢) أكثرُ إحاطةً بأفرادِ متونهِ، وأعلمُ بعادتهِ في تحديثهِ، وعند تدليسهِ إن كان، وبقصدهِ (٣) عند إبهامهِ وإرساله، ممَّن لم يلازمْه تلك الملازمة، أمَّا في فردٍ معيَّنٍ فُرِضَ أنَّ غيرَه ممَّن هو مثلُه في ملكةِ النَّفس من (٤) الضَّبط أو أرفع، سَمِعَهُ منه فأتقنَهُ وحافظَ عليه كما حافظَ على سائر محفوظاتهِ، يكون (٥) ذلك مقدَّمًا عليه في روايتهِ بمعارضهِ (٦) فما (٧) هو إلَّا مَحضُ تحكُّمٍ، فإنْ بَعُد هذا الفرضُ لم تبقَ زيادة الآخر إلَّا بالملازمةِ، وأثرُها الَّذي يزيدُ به على الآخر، إنَّما هو بالنِّسبة إلى مجموعِ متونهِ لا بالنِّسبة إلى خصوص متنٍ. انتهى. وقد سبق ما احتجَّ به الإمام الشَّافعيُّ من ظاهر الآية مع قول أكثرِ الصَّحابة، والتَّرجيح يقعُ بالأكثر مع مُوافقة ظاهر القرآن، وقد نقل ابنُ المنذر عن بعضِ الأئمة، قال: لم نجدْ في شيءٍ من الأدلَّة أنَّ العزيمة على الطَّلاق تكون طلاقًا، ولو جاز لكان العزم على الفيء يكون فيئًا ولا قائل به، وليس في شيءٍ من اللُّغة أنَّ اليمين الَّتي لا يُنْوَى بها الطَّلاق تقتضي طلاقًا،

стр. 9793

والعطف بالفاء على الأربعةِ الأشهر يدلُّ على أنَّ التَّخيير بعد مضيِّ المدَّة، وحينئذٍ فلا يتَّجه وقوع الطَّلاق بمجرَّد مضيِّ المدَّة، والجواب السَّابق عن ذلك وإن كان بديعًا لكنَّه لا يخلو عن شيءٍ من التَّعسُّف، ولئن سلَّمنا انتهاضَ حديث ابن أبي شيبة السَّابق لحديثي الباب، فيبقى النَّظر في هل يستدلُّ بذلك؟ والآية أظهرُ في الدَّلالة لنا على ما لا يخفى. (٢٢) (بابُ حُكْمِ المَفْقُودِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَقَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ) سعيدٌ، ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق: (إِذَا فُقِدَ) الرَّجل (فِي الصَّفِّ عِنْدَ القِتَالِ) في سبيل الله (تَرَبَّصُ) بفتح الفوقية وضم الصاد المهملة، أصله: تتربَّص فحذفت إحدى التَّاءين؛ يعني: تنتظر (امْرَأَتُهُ سَنَةً) وإلى هذا ذهب مالكٌ، لكنَّه فرَّق بين ما إذا وقع القتال بدارِ الحرب، أو دار الإسلام. (وَاشْتَرَى ابْنُ مَسْعُودٍ) عبد الله، فيما وصلَه سفيانُ بن عيينة في «جامعه» وسعيدُ بن منصور (جَارِيَةً) بسبع مئة (١) درهمٍ (وَالتَمَسَ) بالواو، أي: طلب، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «فالتمس» (صَاحِبَهَا سَنَةً) ليدفع له ثمنها إذ غاب عنه (فَلَمْ يَجِدْهُ) وللكُشمِيهنيِّ: «فلم يوجد» (وَفُقِدَ) بضم الفاء وكسر القاف، فخرج بها إلى المساكين (فَأَخَذَ يُعْطِيـ) هم من ثمنها (الدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَيْنِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ) تقبَّله (عَنْ فُلَانٍ) صاحبها (فَإِنْ أَبَى) بالموحدة، امتنع كذا (٢) للكُشمِيهنيِّ، ولغيره (٣): «فإن أتى» بالفوقية بدل الموحدة (٤)، أي: فإن جاء (فُلَانٌ فَلِي) الثَّواب (وَعَلَيَّ) أن أقضيهُ ثمنها (وَقَالَ) أي: ابنُ مسعودٍ: (هَكَذَا فَافْعَلُوا) ولأبي ذرٍّ: «افعلوا» بإسقاطِ الفاء (بِاللُّقَطَةِ) بعد تعريفها.

стр. 9794

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله سعيدُ بن منصور (نَحْوَهُ) أي: نحو قولِ ابن مسعودٍ، وهذا المذكور (١) من قوله: «واشترى … » إلى آخره ثابتٌ في رواية المُستملي والكُشميهنيِّ. (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمِ ابن شهاب ممَّا وصله ابنُ أبي شيبة: (فِي الأَسِيرِ) في أرض العدوِّ (يُعْلَمُ مَكَانُهُ: لَا تَتَزَوَّجُ) بتاءين، ولابنِ عساكرَ: «تزوَّج» (٢) (امْرَأَتُهُ وَلَا يُقْسَمُ مَالُهُ، فَإِذَا انْقَطَعَ خَبَرُهُ، فَسُنَّتُهُ سُنَّةُ المَفْقُودِ) فحكمه حكم المفقود، ومذهب الزُّهريِّ في امرأة المفقودِ: التَّربُّص أربع (٣) سنينٍ، ومذهب الشَّافعيَّة إن قامت بيِّنةٌ بموته، أو حكم قاضٍ به بمضيِّ مدَّةٍ من ولادتهِ لا يعيشُ فوقها ظنًّا قسِّمت تركتُه حينئذٍ ثمَّ تعتدُّ زوجتُه. ٥٢٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ يَزِيدَ) من الزِّيادة (مَوْلَى المُنْبَعِثِ) بضم الميم وسكون النون وفتح الموحدة وكسر العين المهملة بعدها مثلثة، التَّابعيِّ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ) بضم السين وكسر الهمزة (عَنْ ضَالَّةِ الغَنَمِ، فَقَالَ) ولابن عساكرَ: «قال»: (خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ) إن أخذتَهَا وعرَّفتها سنةً ولم تجدْ صاحبَها (أَوْ لأَخِيكَ) في الدِّين ملتقطٌ آخر (أَوْ لِلذِّئْبِ) إن تركتَها ولم يأخذْهَا غيرك لأنَّها لا تحمِي نفسها (وَسُئِلَ) ﷺ (عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ) ما حكمُها (فَغَضِبَ

стр. 9795

وَاحْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ) من الغضب (وَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا) استفهامٌ إنكاريٌّ (مَعَهَا الحِذَاءُ) بكسر الحاء المهملة وبالذال المعجمة ممدودًا، خفٌّ تقوى به على السَّير (وَالسِّقَاءُ) بكسر السين المهملة، الجوف (١) (تَشْرَبُ المَاءَ) قدر ما يكفيها حتَّى تردَ ماءً آخر (وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا) مالكها (وَسُئِلَ) ﷺ (عَنِ اللُّقَطَةِ) بفتح القاف على المشهور، والفرق بينها وبين الضَّالَّة: أنَّ الضَّالَّةَ مختصَّةٌ بالحيوان (فَقَالَ) ﵊: (اعْرِفْ وِكَاءَهَا) بكسر الواو والمد، الخيطُ المشدودة به (وَعِفَاصَهَا) بكسر العين المهملة بعدها فاء فألف فصاد مهملة، وعاءها الَّتي هي فيه (وَعَرِّفْهَا) إذا كانت كثيرةً (سَنَةً) لا قليلةً، والتَّخصيص بذلك من باب استنباط معنى من النَّصِّ العامِّ يُخصِّصه (فَإِنْ جَاءَ مَنْ يَعْرِفُهَا) بسكون العين، عددًا، وصفةً، ووعاءً، ووكاءً، فادفعها إليه (وَإِلَّا فَاخْلِطْهَا) بهمزة وصلٍ (بِمَالِكَ) وتصرَّف فيها على جهة الضَّمان. (قَالَ سُفْيَانُ) بن عُيينة: (فَلَقِيتُ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) المشهور بالرَّأي (وَلَمْ أَحْفَظْ عَنْهُ شَيْئًا غَيْرَ هَذَا فَقُلْتُ) له: (أَرَأَيْتَ حَدِيثَ يَزِيدَ) أي: أخبرني عن حديث يزيد (مَوْلَى المُنْبَعِثِ فِي أَمْرِ الضَّالَّةِ، هُوَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ؟) استفهامٌ محذوفُ الأداة (قَالَ: نَعَمْ) عنه. قال سفيان: (قَالَ يَحْيَى) يعني: ابن سعيدٍ الذي حدَّثني به مرسلًا: (وَيَقُولُ رَبِيعَةُ) الرَّأي الذي (٢) حدَّث به (عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ. قَالَ سُفْيَانُ: فَلَقِيتُ رَبِيعَةَ) الرَّأي (فَقُلْتُ لَهُ) القول السَّابق: أرأيت حديث يزيدَ … إلى آخره. والحاصل كما في «الفتح»: أنَّ يحيى بن سعيدٍ حدَّث به عن يزيدَ مولى المُنبعِثِ مرسلًا، ثمَّ ذكر لسفيانَ أنَّ ربيعةَ يحدِّث به عن يزيدَ مولى المُنبعِث، عن زيدِ بن خالدٍ فيوصله، فحملَ ذلك سفيان على (٣) أن لقيَ ربيعةَ فسأله عن ذلك فأقرَّ به. قيل (٤): ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ الضَّالَّة كالمفقود، فكما لم يزلْ ملك المالك فيها، فكذلك يجب أن يكون النِّكاح باقيًا بينهما. وقد سبق الحديث مرَّاتٍ في «اللُّقطة» [خ¦٢٤٢٧] [خ¦٢٤٢٨] [خ¦٢٤٣٨].

стр. 9796

(٢٣) (بابُ الظِّهَارِ) بكسر المعجمة. قال الشَّيخ كمال الدِّين: هو لغة: مصدر ظاهر، وهو مفاعلةٌ من الظَّهر، فيصحُّ أن يُراد به معانٍ مختلفةٌ ترجع إلى الظَّهر معنًى ولفظًا بحسب اختلافِ الأغراض، فيقال: ظاهرتُ، أي: قابلتَ ظهركَ بظهرهِ حقيقةً، وإذا غايظته أيضًا، وإن لم تدابره حقيقةً، باعتبار أنَّ المغايظةَ تقتضي هذه المقابلة، وظاهرتَه إذا نصرتَه، باعتبار أنَّه يُقال: قوَّى ظهرَه إذا نصرَه، وظاهرَ من امرأتهِ وأظهرَ وتظاهرَ واظَّاهر وظَهَّر وتَظَهَّر، إذا قال لها: أنتِ عليَّ كظهرِ أمِّي، وظاهرَ بين ثوبين إذا لبسَ أحدَهما فوقَ الآخر على اعتبار جعلِ ما يلي به كلٌّ منهما الآخرَ ظهرًا للثَّوب، وغاية ما يلزم كون لفظ الظَّهر في بعض هذه التَّراكيب مجازًا، وكونه مجازًا لا يمنع الاشتقاقَ منه، ويكون المشتقُّ مجازًا أيضًا، وقد قيل: الظَّهر هنا مجازٌ عن (١) البطنِ لأنَّه إنَّما يركب البطن، فكظهر أمِّي، أي: كبطنها بعلاقةِ المجاورة، ولأنَّه عمودُه لكن لا يظهر ما هو الصَّارف عن الحقيقةِ من النِّكات، وقيل: خصَّ الظَّهر لأنَّ إتيانَ المرأة من ظهرِهَا كان حرامًا، فإتيان أمِّه من ظهرِهَا أحرمُ فكثرَ التَّغليظ. وفي الشَّرع: هو تشبيه الزَّوجة في الحرمةِ بمحرمه. (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾) أي: تحاورك (﴿فِي زَوْجِهَا﴾) في شأنه (إِلَى قَوْلِهِ) تعالى: (﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ١ - ٤]) كذا لأبي ذرٍّ، وعند ابنِ عساكرَ بعد قوله: ﴿زَوْجِهَا﴾: «الآيةَ» وحُذف ما بعدها. وعن عائشة فيما رواهُ الإمامُ أحمد، أنَّها قالت: «الحمدُ لله الَّذي وسِعَ سمعُه (٢) الأصوات؛ لقد جاءت المجادِلة إلى النَّبيِّ ﷺ تكلِّمه وأنا في جانب البيتِ ما أسمعُ ما تقول، فأنزلَ الله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ … » إلى آخر الآية. وكذا رواه البخاريُّ في

стр. 9797

«كتاب التوحيد» [خ¦٩٧/ ٩ - ١٠٩٢٠] معلَّقًا. وعند النَّسائيِّ، وابن ماجه عن عائشة أيضًا: «تبارك الَّذي أوعى سمعه كلَّ شيءٍ، إنِّي أسمعُ كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفَى عليَّ بعضه وهي تشتكِي زوجها إلى رسولِ الله ﷺ ، وهي تقول: يا رسولَ الله أكلَ شبابِي ونثرتُ له بطنِي حتَّى إذا كبرَتْ (١) سنِّي، وانقطعَ ولدِي ظاهرَ منِّي، اللَّهمَّ إنِّي أشكو إليكَ. قالت: فما برحت حتَّى نزل جبريلُ بهذه الآية: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ … » إلى آخر الآية، وزوجها هو أوسُ بن الصَّامت. قال في «النهاية»: وفي أسماء الله تعالى السَّميع، وهو الَّذي لا يغيبُ عن إدراكه مسموعٌ وإن خفي، فهو يسمعُ بغير جارحةٍ. وقال الرَّاغب: السَّمع قوَّةٌ في الأُذن بها تدركُ الأصوات، فإذا وُصِفَ الله تعالى بالسَّمع فالمراد علمُه بالمسموعات، وروي أنَّها قالت: إنَّ لي صبيةً صغارًا إن ضممتُهم إليه ضاعُوا، وإن ضممتُهم إليَّ جاعُوا، فقال لها ﷺ : «مَا عندِي فِي أمرِكَ شيءٌ» وروي أنَّه قال لها: «حرُمتِ عليهِ» فقالت: أشكُو إلى الله فاقتِي ووجدِي كلَّما قال رسول الله ﷺ : «حرُمتِ عليهِ» هتفتْ وشكتْ فهذا هو جدالها. وفي الطَّبرانيِّ من حديثِ ابن عبَّاسٍ، قال: «كان الظِّهار في الجاهليَّة يحرِّم النِّساء، فكان أوَّل من ظاهرَ في الإسلام أوسُ ابن الصَّامت، وكانت امرأته خولة (٢) … » الحديث. وأركان الظِّهار: زوجان ومشبَّهٌ به وصيغةٌ. فشرط الزَّوج صحَّة طلاقه ولو عبدًا، أو كافرًا، أو خصيًّا، أو سكران. والمشبَّه (٣) به كلُّ أنثى محرمٌ، أو جزءُ أنثى محرم بنسبٍ، أو رضاعٍ، أو مصاهرةٍ لم تكن حلًّا للزَّوج. والصِّيغة (٤) لفظ يُشعِر بالظِّهار صريحٌ كأنت أو رأسك عليَّ كظهر أمِّي، أو كجسمها، أو كنايةٌ كأنت أمِّي، وتلزمه الكفَّارة بالعود للآية، وهو أن يمسكها بعد الظِّهار مع إمكان فراقها.

стр. 9798

قال البخاريُّ: (وَقَالَ لِي (١) إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويسٍ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريَّ (عَنْ) حُكم (ظِهَارِ العَبْدِ، فَقَالَ: نَحْوَ ظِهَارِ الحُرِّ) كالطَّلاق. (قَالَ مَالِكٌ: وَصِيَامُ العَبْدِ) في كفَّارة الظِّهار (شَهْرَانِ) كالحرِّ، واختلف في الإطعام والعتق، فذهب الحنفيَّة والشَّافعيَّة إلى أنَّه لا يجزئه إلَّا الصِّيام فقط، وقال ابن القاسم عن مالكٍ: إن أطعم بإذن سيِّده أجزأه (وَقَالَ الحَسَنُ بْنُ الحُرِّ) بضم الحاء المهملة وتشديد الراء، ابن الحكم النَّخعيُّ الكوفيُّ، نزيل دمشق، وليس له في البخاريِّ إلَّا هذا، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي كما في «الفتح»: «ابن حَيٍّ» بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية، نسبةً لجدِّ أبيه، وهو الحسن بن صالح بن حيٍّ الهَمْدانيُّ الثَّوريُّ الفقيه، أحد الأعلام، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي ممَّا في الفرع كأصله (٢): «الحسن» فقط من غير نسبةٍ، فيحتملهما (ظِهَارُ الحُرِّ وَالعَبْدِ مِنَ الحُرَّةِ وَالأَمَةِ سَوَاءٌ) إذا كانت الأمَة زوجةً، فلو قال السَّيِّد لأمتهِ: أنت عليَّ كظهر أمِّي لم يصحَّ عند الشَّافعيَّة لاشتراطهم الزَّوجيَّة خلافًا للمالكيَّة، واحتجُّوا بأنَّه فرجٌ حلالٌ فيحرم بالتَّحريم، ومنشأُ الخلاف هل تدخلُ الأمَة في قوله تعالى: ﴿مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم﴾ [المجادلة: ٢] قال في «التوضيح»: ولا شكَّ أنَّها من النِّساء لغةً، لكن العُرف خَصَّصَ (٣) هذا اللَّفظَ بالزَّوجات، وقد أخرجَ ابن الأعرابيِّ في «معجمه» من طريق همَّام: سئل قتادةُ عن رجلٍ ظاهر من سرِّيَّته، فقال: قال الحسن وابن المسيَّب وعطاء، وسليمان بن يسار: مثل ظهار الحرَّة (وَقَالَ عِكْرِمَةُ) فيما وصله إسماعيلُ القاضي بسندٍ لا بأس به: (إِنْ ظَاهَرَ) الرَّجل (مِنْ أَمَتِهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ إِنَّمَا الظِّهَارُ مِنَ النِّسَاءِ) الحرائر، وهذا مذهب الحنفيَّة والشَّافعيَّة،

стр. 9799

لقوله: ﴿مِن نِّسَائِهِم﴾ وليست الأمَة من النِّساء، ولقول ابن عبَّاسٍ: إنَّ الظِّهار كان طلاقًا ثمَّ أحلَّ بالكفَّارة، فكما لا حظَّ للأمَة في الطَّلاق لا حظَّ لها في الظِّهار. واعلم أنَّه يحرُم بالظِّهار قبل التَّكفير الوطء والاستمتاعُ بما بين السُّرَّة والرُّكبة فقط كالحيض لأنَّ الظِّهار معنى لا يخلُّ بالملك، ولأنَّه تعالى أوجب التَّكفير في الآية قبل التَّماس، حيث قال في الإعتاق والصَّوم: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] ويقدَّر مثله في الإطعام حملًا للمطلق على المقيَّد، وروى أبو داود وغيره من حديث … (١) أنَّه ﷺ قال لرجلٍ ظاهرَ من امرأته وواقعها: «لَا تقرَبْهَا حتَّى تُكفِّرَ» وتجب الكفَّارة بالعودِ، وهو أن يمسكَها زمانًا يُمْكِنُه مفارقتها فيه فلم يفعلْ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] لأنَّ دخول الفاء في خبر المبتدأ الموصول دليلٌ على الشَّرطيَّة، كقوله: الَّذي يأتيني فله درهمٌ (٢). ومقصودُ الظِّهار وصف المرأة بالتَّحريم وإمساكها يخالفُه، وهل وجبتِ الكفَّارة بالظِّهار والعود، أو بالظِّهار والعود شرطٌ، أو بالعودِ؟ لأنَّه الجزءُ الأخير. أوجهٌ ذكرها في «الرَّوضة» من غير ترجيحٍ، والأوَّل هو ظاهرُ الآية الموافق لترجيحهم أنَّ كفَّارة اليمين تجب باليمين والحنث جميعًا، ولأنَّ الظِّهار -كما قاله الشَّيخ كمال الدِّين- كبيرةٌ فلا يصلحُ سببًا للكفَّارة لأنَّها عبادةٌ، أو المغلب فيها معنى العبادة، ولا يكون المحظورُ سببًا للعبادةِ، فتعلَّق (٣) وجوبها بهما ليخفَّ معنى الحرمة باعتبار العَود الَّذي (٤) هو إمساكٌ بمعروفٌ، فيكون دائرًا بين الحظرِ والإباحةِ، فيصبح (٥) سببًا للكفَّارة الدَّائرة بين العبادة والعقوبةِ.

стр. 9800

ثمَّ إنَّ اللَّام في قوله تعالى: ﴿لِمَا قَالُوا﴾ متعلِّقةٌ بيعودون قاله (١) مكِّيٌّ، وزاد: وما والفعل مصدرٌ -أي: لقولهم- والمصدر في موضع المفعول به، نحو: هذا درهمٌ ضرب الأمير، أي: مضروبه، على أنَّ ذلك يجوزُ وإن كانت غير مصدريَّةٍ، بل لكونها بمعنى الَّذي أو نكرةٌ موصوفةٌ، بل جعلها (٢) غير مصدريَّةٍ أولى لأنَّ المصدر المؤوَّل فرعُ المصدر الصَّريح، ووضع المصدرِ مَوضع اسم المفعول خلاف الأصل، فيلزم الخروجُ عن (٣) الأصلِ بشيئين بالمصدرِ المؤوَّل ثمَّ وقوعه موقعَ اسم المفعول، والمحفوظُ إنَّما هو وضع المصدر الصَّريح موضع المفعول لا المصدر المؤوَّل، وقيل: اللَّام تتعلَّق بـ ﴿فَتَحْرِيرُ﴾ وفي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، والتَّقدير: والَّذين يُظاهرون من نسائهم فعليهم تحريرُ رقبةٍ لما نطقوا به من الظِّهار، ثمَّ يعودون للوطءِ بعد ذلك، والعود الصَّيرورة ابتداءً أو بناءً، فمن الأوَّل قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] ومن الثَّاني: ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨] ويعدَّى (٤) بنفسه، كقوله: عدْتُه إذا أتيته وصِرت إليه، أو بحرف الجرِّ بإلى وعلى وفي، واللَّام كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] ومنه: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] أي: لنقض ما قالوا، أو لتداركهِ على حذفِ المضاف، وعن ثعلب (٥): يعودون لتحليل ما حَرَّموا على حذفِ المضاف أيضًا، غير أنَّه أرادَ بما قالوا ما حرَّموه على أنفسِهِم بلفظ الظِّهار تنزيلًا للقولِ منزلةَ المقول فيه، كقوله: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠] أراد المقولَ فيه وهو المالُ والولد، وقال بعضُهم: العَودُ للقول عودٌ بالتَّدارك لا بالتِّكرار، وتدارُكُه نقضُه بنقيضِه الَّذي هو العزمُ على الوطءِ، ومَن حملهُ على الوطءِ قال: لأنَّه المقصودُ بالمنعِ، ويحملُ قوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ أي: مرَّةً ثانيةً. ورأى أكثرُ العلماء قوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ منعًا من الوطءِ قبل التَّكفير حتَّى كأنَّه قال: لا تماسَّ حتَّى تُكفِّر.

стр. 9801

والحاصل: أَنَّ ﴿يَعُودُونَ﴾ إمَّا أن يجري على حقيقتهِ، أو محمولٌ على التَّدارك مجازًا إطلاقًا لاسم المسبَّب على السَّبب لأنَّ المتدارك للأمر عائدٌ إليه، وأَنَّ «ما قالوا» إمَّا عبارة عن القول السَّابق، أو عن مسمَّاه وهو تحريم الاستمتاعِ، وقال ابن عبَّاسٍ: يعودون يندمون فيرجعون إلى الألفةِ لأنَّ النَّادم والتَّائب متداركٌ لما صدر عنه بالتَّوبة والكفَّارة، وأقرب الأقوالِ إلى هذا ما ذهبَ إليه الشَّافعيُّ، وذلك أنَّ (١) القصدَ بالظِّهار التَّحريم، فإذا أمسكَها على النِّكاح فقد خالفَ قوله ورجع عمَّا قاله، فكأنَّه قيل (٢): والَّذين يعزمون على المفارقةِ والتَّحريم ويتكلَّمون بذلك القول الشَّنيع، ثمَّ يمسكون عنه زمانًا أمارةً على العودِ إلى ما كانوا عليه قبل الظِّهار، فكفَّارة ذلك كذا. وقال داود وأتباعُه: المراد: يعودون إلى اللَّفظ الَّذي سبق منهم، وهو قول الرَّجل ثانيًا: أنت عليَّ كظهر أمِّي، فلا تلزم الكفَّارة بالقول الأوَّل، وإنَّما تلزم بالثَّاني، وقال بهذا أبو العالية، وبكير ابنُ الأشج من التَّابعين وكذا الفرَّاء، وقد ردَّه البخاريُّ، فقال: (وفِي العَرَبِيَّةِ) تستعملُ اللَّام في نحو قوله تعالى: (﴿لِمَا قَالُوا﴾) بمعنى: في (أَيْ: فِيمَا قَالُوا، وَفِي بَعْضِ) بالموحدة المفتوحة وسكون العين المهملة، ولابنِ عساكرَ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «في نقضِ» بالنون والقاف والضاد المعجمة فيهما (مَا قَالُوا) والثَّانية أوجهُ وأصحُّ، أي: إنَّه يأتي بفعلٍ ينقض قولَه الأوَّل، وهو العزمُ على الإمساك المناقض للظِّهار. قال المؤلِّف: (وَهَذَا أَوْلَى) من قول داود الأصبهانيِّ الظَّاهريِّ: إنَّ المراد من الآية ظاهرها، وهو أن يقع العَود بالقول بأن يعيد لفظ الظِّهار، فلا تجب الكفَّارة إلَّا به (لأَنَّ اللهَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى المُنْكَرِ) المحرَّم (وَقَوْلِ الزُّورِ) ولابنِ عساكرَ: «وعلى قول الزُّور» المشار إليه في الآية بقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ﴾ أي: تنكرهُ الحقيقةُ والأحكام الشَّرعيَّة ﴿وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] كذبًا باطلًا منحرفًا عن الحقِّ، فكيف يقال: إِنَّه إذا أعاد هذا اللَّفظ الموصوف بما ذكر يجبُ عليه أن يكفِّر ثمَّ تحلُّ له المرأة، وإنَّما المراد: وقوع ضدِّ ما وقعَ منه من المظاهرةِ. وفي الظِّهار أحاديث في أبي داود، والتِّرمذيِّ، والنَّسائيِّ لم يذكرْهَا المؤلِّف لأنَّها ليستْ على شرطهِ، والله الموفِّق والمعين.

стр. 9802

(٢٤) (بابُ) حكمِ (الإِشَارَةِ) المفهمة للأصلِ والعدد من الأخرسِ وغيره (فِي الطَّلَاقِ وَ) غيره من (الأُمُورِ) الشَّرعيَّة، وقد ذهبَ الجمهور إلى أنَّ الإشارة إذا (١) كانت مُفهمةً تقومُ مقام النُّطق، فلو قال لزوجتهِ: أنت طالقٌ، وأشار بأصبعين أو ثلاثٍ لم يقع عددٌ إلَّا مع نيَّته عند قوله: طالقٌ، ولا اعتبارَ بالإشارة هنا، ولا بقوله: أنت هكذا، وأشار بما ذكر، أو مع قوله هكذا وإن لم ينوِ عددًا، فتطلَّق في إصبعين طلقتين وفي ثلاث ثلاثًا لأنَّ ذلك صريحٌ فيه، ولا بدَّ أن تكون الإشارةُ مفهمةً لذلك -كما نقله في «الروضة» عن الإمام وأقرَّه- فلو قالت له: طلِّقني فأشارَ بيدهِ أن اذهبِي وكان غير أخرسٍ فالإشارة لغوٌ لأنَّ عُدولَه إليها عن العبارة يُفهم أنَّه غير قاصدٍ للطَّلاق، وإن قصده بها فهي لا تقصد للإفهام إلَّا نادرًا ولا هي موضوعةٌ له، بخلاف الكتابة فإنَّها حروفٌ موضوعةٌ للإفهام كالعبارة، ويعتدُّ بإشارة الأخرس، وإنْ قدر على الكتابة في طلاقٍ وغيره كبيعٍ ونكاحٍ وإقرارٍ ودعوى وعتقٍ لأنَّ إشارتَهُ قامتْ مقام عبارتهِ إلَا في الصَّلاة فلا تبطل بها، ولا (٢) في الشَّهادة فلا تصحُّ بها، ولا حنث (٣) بها فلا يحصلُ في الحلف على عدمِ الكلام، فإن فَهِمَها كلُّ أحدٍ فصريحةٌ، وإن اختصَّ بها فَطِنُون، فكنايةٌ تحتاج إلى النِّيَّة. ثمَّ أخذ المؤلِّف يذكرُ آثارًا وأحاديث تتضمَّن ذكر إشاراتٍ لأحكامٍ مختلفة تنبيهًا منه على أنَّ الإشارةَ بالطَّلاق وغيره قائمةٌ مقامَ النُّطق، وأنَّه إذا اكتفَى بها عن النُّطق مع القدرةِ عليه فمع عدم القدرةِ عليه أَولى، فقال ﵀: (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ فيما وصله في «الجنائز» مطولًا [خ¦١٣٠٤]: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا يُعَذِّبُ اللهُ بِدَمْعِ العَيْنِ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا، فَأَشَارَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ

стр. 9803

وابن عساكرَ: «وأشار» (إِلَى لِسَانِهِ) فيه: أنَّ الإشارة المفهمة كنطق اللِّسان. (وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ) فيما وصله في «الملازمة» [خ¦٢٤٢٤]: (أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيَّ) في دَينٍ كان لي على عبد الله بن أبي حَدْرد الأسلميِّ بيده (أَيْ) وللكُشميهنيِّ: «أن» (خُذِ النِّصْفَ) أي: واتركْ ما عداهُ (وَقَالَتْ أَسْمَاءُ) بنت أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵄ فيما وصله في «الكسوف» [خ¦١٠٥٣]: (صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي الكُسُوفِ) فأطال القيام (فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ) وهي قائمة تصلِّي مع النَّاس: (مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَوْمَأَتْ) وللكشميهنيِّ (١): «فأشارتْ» (بِرَأْسِهَا إِلَى الشَّمْسِ، فَقُلْتُ) لها: (آيَةٌ؟ فَأَوْمَأَتْ) وللكُشميهنيِّ: «فأشارت» (بِرَأْسِهَا وَهِيَ تُصَلِّي (٢) أَنْ) ولأبي ذرٍّ: «أي» (نَعَمْ) آيةٌ (وَقَالَ أَنَسٌ) ممَّا سبق موصولًا في «باب أهل العلم والفضل أحقُّ بالإمامة» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٦٨١]: (أَوْمَأَ) أي: أشار (النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ) إلى الصَّفِّ في الصَّلاة … الحديثَ إلى آخره، (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله في «كتاب العلم» في «باب الفتيا بإشارة اليد والرَّأس» [خ¦٨٤]: (أَوْمَأَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لمَّا سُئل في حجَّته عن (٣) الذَّبح قبل الرَّمي (بِيَدِهِ لَا حَرَجَ) في التَّقديم ولا في التَّأخير (وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ) فيما سبق موصولًا في «الحج» في «باب لا يشير المحرم إلى الصَّيد» [خ¦١٨٢٤]: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لأصحابه (فِي الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ) لمَّا رأوا حُمرَ وحشٍ في مسيرهم لحجَّة الوداع، وحمل عليها أبو قتادة فعقرها: هل (أَحَدٌ مِنْكُمْ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، وأَشَارَ إِلَيْهَا) وفي «اليونينيَّة»: «آحد (٤)» بمد فوق الهمزة للاستفهام (قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكُلُوا) ما بقي من لحمها.

стр. 9804

٥٢٩٣ - وبه قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسْنَدِيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين، العَقَديُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) هو ابنُ طَهمان فيما جزم به المِزِّيُّ، وقيل: أبو إسحاق الفزاريُّ (عَنْ خَالِدٍ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه (قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللهِ (١) ﷺ ¬) حال كونه راكبًا (عَلَى بَعِيرِهِ، وَكَانَ كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ) الَّذي فيه الحجر الأسود (أَشَارَ إِلَيْهِ) للاستلام بشيءٍ في يده (وَكَبَّرَ … ) الحديث إلى آخره. (وَقَالَتْ زَيْنَبُ) بنت جحشٍ فيما سبق موصولًا في «باب علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٩٨]: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فُتِحَ) بضم الفاء وكسر الفوقية اليوم (مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) وسقط لأبي ذرٍّ «من ردمِ» (٢) (مِثْلُ هَذِهِ وَهَذِهِ. وَعَقَدَ تِسْعِينَ) بتقديم الفوقيَّة على السِّين، وعقدُ الأصابع نوعٌ من الإشارة المفهمةِ. ٥٢٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّد) هو ابنُ مسرهدٍ، قال (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، والمُفضَّل -بضم الميم وفتح الضاد المعجمة- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ابْنُ عَلْقَمَةَ) التَّميميُّ، بغير ميمٍ في أوَّل «سلمة» (٣) (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) وسقط لابن عساكرَ لفظ «محمَّد» (٤) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ أَبُو القَاسِمِ ﷺ : فِي الجُمُعَةِ (٥) سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ) ولأبي ذرٍّ: «عبدٌ مسلمٌ» (قَائِمٌ يُصَلِّي يَسَأَلُ اللهَ) تعالى (خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ) ما لم يسألْ حرامًا، وفي روايةٍ لغير أبي ذرٍّ: «فسأل الله» بالفاء بلفظ الماضي، وقوله: قائمٌ وتالييه صفاتٌ لمسلمٍ، أو يصلِّي حالٌ من مسلمٍ لاتِّصافه بقائمٍ، ويسأل إمَّا حال مترادفةٌ أو متداخلةٌ

стр. 9805

(وَقَالَ) أي: أشار ﷺ (بِيَدِهِ) الشَّريفة (وَوَضَعَ أَنْمَلَتَهُ عَلَى بَطْنِ) أصبعه (الوُسْطَى و) بطنِ (الخِنْصَرِ) بكسر الصاد في «اليونينيَّة» (١) (قُلْنَا يُزَهِّدُهَا) بضم التحتية وفتح الزاي وتشديد الهاء الأولى مكسورة، أي: يقلِّلها. قال ابن المنيِّر: الإشارة لتقليلهَا للتَّرغيب فيها والحضِّ عليها ليسارةِ وقتها وغزارةِ فضلهَا، وقد قيل: إنَّ المرادَ بوضع (٢) الأنملة في وسط الكفِّ: الإشارة (٣) إلى أنَّ ساعةَ الجمعة في وسطِ يومها، وبوضعهَا على الخنصرِ الإشارة إلى أنَّها في آخرِ النَّهار لأنَّ الخنصرَ آخر الأصابع، وفيه: إشارةٌ إلى أنَّها تنتقلُ ما بين وسط النَّهار إلى قربِ آخره، واختلفَ في تعيينها على نيِّفٍ وأربعين قولًا ليجتهدَ المرء في العبادةِ بخلاف ما لو عيِّنت، وقد بيَّن أبو مسلم الكجِّيُّ أنَّ الَّذي وضع هو بشرُ بن المفضل راويهِ عن سلمةَ بن علقمةَ، ففي سياق البخاريِّ إدراج. ٥٢٩٥ - (قَالَ (٤): وَقَالَ الأُوَيْسِيُّ) عبد العزيز بنُ عبد الله شيخُ المؤلِّف: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، القرشيُّ (عَنْ (٥) شُعْبَةَ بْنِ الحَجَّاجِ) الحافظِ أبي بسطامٍ العتكيِّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ) أي: ابن أنس بن مالكٍ (عَنْ) جدِّه (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: عَدَا) بالمهملتين، تعدَّى (يَهُودِيٌّ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) في زمنه وأيَّامه (عَلَى جَارِيَةٍ) لم تُسمَّ (فَأَخَذَ أَوْضَاحًا) بفتح الهمزة والضاد المعجمة والحاء المهملة، حُليًّا من الدَّراهم الصِّحاح سمِّيت
следующие страницы →