← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 9801–9840 · переход к 9806.

стр. 9801

والحاصل: أَنَّ ﴿يَعُودُونَ﴾ إمَّا أن يجري على حقيقتهِ، أو محمولٌ على التَّدارك مجازًا إطلاقًا لاسم المسبَّب على السَّبب لأنَّ المتدارك للأمر عائدٌ إليه، وأَنَّ «ما قالوا» إمَّا عبارة عن القول السَّابق، أو عن مسمَّاه وهو تحريم الاستمتاعِ، وقال ابن عبَّاسٍ: يعودون يندمون فيرجعون إلى الألفةِ لأنَّ النَّادم والتَّائب متداركٌ لما صدر عنه بالتَّوبة والكفَّارة، وأقرب الأقوالِ إلى هذا ما ذهبَ إليه الشَّافعيُّ، وذلك أنَّ (١) القصدَ بالظِّهار التَّحريم، فإذا أمسكَها على النِّكاح فقد خالفَ قوله ورجع عمَّا قاله، فكأنَّه قيل (٢): والَّذين يعزمون على المفارقةِ والتَّحريم ويتكلَّمون بذلك القول الشَّنيع، ثمَّ يمسكون عنه زمانًا أمارةً على العودِ إلى ما كانوا عليه قبل الظِّهار، فكفَّارة ذلك كذا. وقال داود وأتباعُه: المراد: يعودون إلى اللَّفظ الَّذي سبق منهم، وهو قول الرَّجل ثانيًا: أنت عليَّ كظهر أمِّي، فلا تلزم الكفَّارة بالقول الأوَّل، وإنَّما تلزم بالثَّاني، وقال بهذا أبو العالية، وبكير ابنُ الأشج من التَّابعين وكذا الفرَّاء، وقد ردَّه البخاريُّ، فقال: (وفِي العَرَبِيَّةِ) تستعملُ اللَّام في نحو قوله تعالى: (﴿لِمَا قَالُوا﴾) بمعنى: في (أَيْ: فِيمَا قَالُوا، وَفِي بَعْضِ) بالموحدة المفتوحة وسكون العين المهملة، ولابنِ عساكرَ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «في نقضِ» بالنون والقاف والضاد المعجمة فيهما (مَا قَالُوا) والثَّانية أوجهُ وأصحُّ، أي: إنَّه يأتي بفعلٍ ينقض قولَه الأوَّل، وهو العزمُ على الإمساك المناقض للظِّهار. قال المؤلِّف: (وَهَذَا أَوْلَى) من قول داود الأصبهانيِّ الظَّاهريِّ: إنَّ المراد من الآية ظاهرها، وهو أن يقع العَود بالقول بأن يعيد لفظ الظِّهار، فلا تجب الكفَّارة إلَّا به (لأَنَّ اللهَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى المُنْكَرِ) المحرَّم (وَقَوْلِ الزُّورِ) ولابنِ عساكرَ: «وعلى قول الزُّور» المشار إليه في الآية بقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ﴾ أي: تنكرهُ الحقيقةُ والأحكام الشَّرعيَّة ﴿وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] كذبًا باطلًا منحرفًا عن الحقِّ، فكيف يقال: إِنَّه إذا أعاد هذا اللَّفظ الموصوف بما ذكر يجبُ عليه أن يكفِّر ثمَّ تحلُّ له المرأة، وإنَّما المراد: وقوع ضدِّ ما وقعَ منه من المظاهرةِ. وفي الظِّهار أحاديث في أبي داود، والتِّرمذيِّ، والنَّسائيِّ لم يذكرْهَا المؤلِّف لأنَّها ليستْ على شرطهِ، والله الموفِّق والمعين.

стр. 9802

(٢٤) (بابُ) حكمِ (الإِشَارَةِ) المفهمة للأصلِ والعدد من الأخرسِ وغيره (فِي الطَّلَاقِ وَ) غيره من (الأُمُورِ) الشَّرعيَّة، وقد ذهبَ الجمهور إلى أنَّ الإشارة إذا (١) كانت مُفهمةً تقومُ مقام النُّطق، فلو قال لزوجتهِ: أنت طالقٌ، وأشار بأصبعين أو ثلاثٍ لم يقع عددٌ إلَّا مع نيَّته عند قوله: طالقٌ، ولا اعتبارَ بالإشارة هنا، ولا بقوله: أنت هكذا، وأشار بما ذكر، أو مع قوله هكذا وإن لم ينوِ عددًا، فتطلَّق في إصبعين طلقتين وفي ثلاث ثلاثًا لأنَّ ذلك صريحٌ فيه، ولا بدَّ أن تكون الإشارةُ مفهمةً لذلك -كما نقله في «الروضة» عن الإمام وأقرَّه- فلو قالت له: طلِّقني فأشارَ بيدهِ أن اذهبِي وكان غير أخرسٍ فالإشارة لغوٌ لأنَّ عُدولَه إليها عن العبارة يُفهم أنَّه غير قاصدٍ للطَّلاق، وإن قصده بها فهي لا تقصد للإفهام إلَّا نادرًا ولا هي موضوعةٌ له، بخلاف الكتابة فإنَّها حروفٌ موضوعةٌ للإفهام كالعبارة، ويعتدُّ بإشارة الأخرس، وإنْ قدر على الكتابة في طلاقٍ وغيره كبيعٍ ونكاحٍ وإقرارٍ ودعوى وعتقٍ لأنَّ إشارتَهُ قامتْ مقام عبارتهِ إلَا في الصَّلاة فلا تبطل بها، ولا (٢) في الشَّهادة فلا تصحُّ بها، ولا حنث (٣) بها فلا يحصلُ في الحلف على عدمِ الكلام، فإن فَهِمَها كلُّ أحدٍ فصريحةٌ، وإن اختصَّ بها فَطِنُون، فكنايةٌ تحتاج إلى النِّيَّة. ثمَّ أخذ المؤلِّف يذكرُ آثارًا وأحاديث تتضمَّن ذكر إشاراتٍ لأحكامٍ مختلفة تنبيهًا منه على أنَّ الإشارةَ بالطَّلاق وغيره قائمةٌ مقامَ النُّطق، وأنَّه إذا اكتفَى بها عن النُّطق مع القدرةِ عليه فمع عدم القدرةِ عليه أَولى، فقال ﵀: (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ فيما وصله في «الجنائز» مطولًا [خ¦١٣٠٤]: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا يُعَذِّبُ اللهُ بِدَمْعِ العَيْنِ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا، فَأَشَارَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ

стр. 9803

وابن عساكرَ: «وأشار» (إِلَى لِسَانِهِ) فيه: أنَّ الإشارة المفهمة كنطق اللِّسان. (وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ) فيما وصله في «الملازمة» [خ¦٢٤٢٤]: (أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيَّ) في دَينٍ كان لي على عبد الله بن أبي حَدْرد الأسلميِّ بيده (أَيْ) وللكُشميهنيِّ: «أن» (خُذِ النِّصْفَ) أي: واتركْ ما عداهُ (وَقَالَتْ أَسْمَاءُ) بنت أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵄ فيما وصله في «الكسوف» [خ¦١٠٥٣]: (صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي الكُسُوفِ) فأطال القيام (فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ) وهي قائمة تصلِّي مع النَّاس: (مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَوْمَأَتْ) وللكشميهنيِّ (١): «فأشارتْ» (بِرَأْسِهَا إِلَى الشَّمْسِ، فَقُلْتُ) لها: (آيَةٌ؟ فَأَوْمَأَتْ) وللكُشميهنيِّ: «فأشارت» (بِرَأْسِهَا وَهِيَ تُصَلِّي (٢) أَنْ) ولأبي ذرٍّ: «أي» (نَعَمْ) آيةٌ (وَقَالَ أَنَسٌ) ممَّا سبق موصولًا في «باب أهل العلم والفضل أحقُّ بالإمامة» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٦٨١]: (أَوْمَأَ) أي: أشار (النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ) إلى الصَّفِّ في الصَّلاة … الحديثَ إلى آخره، (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله في «كتاب العلم» في «باب الفتيا بإشارة اليد والرَّأس» [خ¦٨٤]: (أَوْمَأَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لمَّا سُئل في حجَّته عن (٣) الذَّبح قبل الرَّمي (بِيَدِهِ لَا حَرَجَ) في التَّقديم ولا في التَّأخير (وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ) فيما سبق موصولًا في «الحج» في «باب لا يشير المحرم إلى الصَّيد» [خ¦١٨٢٤]: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لأصحابه (فِي الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ) لمَّا رأوا حُمرَ وحشٍ في مسيرهم لحجَّة الوداع، وحمل عليها أبو قتادة فعقرها: هل (أَحَدٌ مِنْكُمْ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، وأَشَارَ إِلَيْهَا) وفي «اليونينيَّة»: «آحد (٤)» بمد فوق الهمزة للاستفهام (قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكُلُوا) ما بقي من لحمها.

стр. 9804

٥٢٩٣ - وبه قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسْنَدِيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين، العَقَديُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) هو ابنُ طَهمان فيما جزم به المِزِّيُّ، وقيل: أبو إسحاق الفزاريُّ (عَنْ خَالِدٍ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه (قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللهِ (١) ﷺ ¬) حال كونه راكبًا (عَلَى بَعِيرِهِ، وَكَانَ كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ) الَّذي فيه الحجر الأسود (أَشَارَ إِلَيْهِ) للاستلام بشيءٍ في يده (وَكَبَّرَ … ) الحديث إلى آخره. (وَقَالَتْ زَيْنَبُ) بنت جحشٍ فيما سبق موصولًا في «باب علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٩٨]: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فُتِحَ) بضم الفاء وكسر الفوقية اليوم (مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) وسقط لأبي ذرٍّ «من ردمِ» (٢) (مِثْلُ هَذِهِ وَهَذِهِ. وَعَقَدَ تِسْعِينَ) بتقديم الفوقيَّة على السِّين، وعقدُ الأصابع نوعٌ من الإشارة المفهمةِ. ٥٢٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّد) هو ابنُ مسرهدٍ، قال (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، والمُفضَّل -بضم الميم وفتح الضاد المعجمة- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ابْنُ عَلْقَمَةَ) التَّميميُّ، بغير ميمٍ في أوَّل «سلمة» (٣) (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) وسقط لابن عساكرَ لفظ «محمَّد» (٤) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ أَبُو القَاسِمِ ﷺ : فِي الجُمُعَةِ (٥) سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ) ولأبي ذرٍّ: «عبدٌ مسلمٌ» (قَائِمٌ يُصَلِّي يَسَأَلُ اللهَ) تعالى (خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ) ما لم يسألْ حرامًا، وفي روايةٍ لغير أبي ذرٍّ: «فسأل الله» بالفاء بلفظ الماضي، وقوله: قائمٌ وتالييه صفاتٌ لمسلمٍ، أو يصلِّي حالٌ من مسلمٍ لاتِّصافه بقائمٍ، ويسأل إمَّا حال مترادفةٌ أو متداخلةٌ

стр. 9805

(وَقَالَ) أي: أشار ﷺ (بِيَدِهِ) الشَّريفة (وَوَضَعَ أَنْمَلَتَهُ عَلَى بَطْنِ) أصبعه (الوُسْطَى و) بطنِ (الخِنْصَرِ) بكسر الصاد في «اليونينيَّة» (١) (قُلْنَا يُزَهِّدُهَا) بضم التحتية وفتح الزاي وتشديد الهاء الأولى مكسورة، أي: يقلِّلها. قال ابن المنيِّر: الإشارة لتقليلهَا للتَّرغيب فيها والحضِّ عليها ليسارةِ وقتها وغزارةِ فضلهَا، وقد قيل: إنَّ المرادَ بوضع (٢) الأنملة في وسط الكفِّ: الإشارة (٣) إلى أنَّ ساعةَ الجمعة في وسطِ يومها، وبوضعهَا على الخنصرِ الإشارة إلى أنَّها في آخرِ النَّهار لأنَّ الخنصرَ آخر الأصابع، وفيه: إشارةٌ إلى أنَّها تنتقلُ ما بين وسط النَّهار إلى قربِ آخره، واختلفَ في تعيينها على نيِّفٍ وأربعين قولًا ليجتهدَ المرء في العبادةِ بخلاف ما لو عيِّنت، وقد بيَّن أبو مسلم الكجِّيُّ أنَّ الَّذي وضع هو بشرُ بن المفضل راويهِ عن سلمةَ بن علقمةَ، ففي سياق البخاريِّ إدراج. ٥٢٩٥ - (قَالَ (٤): وَقَالَ الأُوَيْسِيُّ) عبد العزيز بنُ عبد الله شيخُ المؤلِّف: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، القرشيُّ (عَنْ (٥) شُعْبَةَ بْنِ الحَجَّاجِ) الحافظِ أبي بسطامٍ العتكيِّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ) أي: ابن أنس بن مالكٍ (عَنْ) جدِّه (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: عَدَا) بالمهملتين، تعدَّى (يَهُودِيٌّ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) في زمنه وأيَّامه (عَلَى جَارِيَةٍ) لم تُسمَّ (فَأَخَذَ أَوْضَاحًا) بفتح الهمزة والضاد المعجمة والحاء المهملة، حُليًّا من الدَّراهم الصِّحاح سمِّيت

стр. 9806

بذلك لوضوحِها وبياضِها وصفائها، أو هي حليٌّ من فضَّةٍ (كَانَتْ عَلَيْهَا وَرَضَخَ) بالراء والضاد والخاء المعجمتين المفتوحات، كسر (رَأْسَهَا فَأَتَى بِهَا) بالجارية (أَهْلُهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْيَ) أي: والحال أنَّها (فِي آخِرِ رَمَقٍ) أي: نَفَسٍ، وزنًا ومعنًى (وَقَدْ أُصْمِتَتْ) بضم الهمزة وسكون الصاد المهملة وكسر الميم بعدها فوقيتان، اعتقل لسانها فلم تستطيع النُّطق، لكن مع حضورِ عقلهَا (فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ قَتَلَكِ؟ فُلَانٌ؟ (١)) استفهامٌ محذوفُ الأداة (٢) (لِغَيْرِ الَّذِي قَتَلَهَا، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا) أي: ليس فلانٌ قتلنِي، وسقطت «أن» لأبي ذرٍّ (٣) (قَالَ: فَقَالَ) ﷺ (٤) ولأبي ذرٍّ: «ففلان» بدل: (٥) «فقال»، (لِرَجُلٍ) عن رجل (آخَرَ غَيْرِ الَّذِي قَتَلَهَا فَأَشَارَتْ) برأسهَا (أَنْ لَا، فَقَالَ) ﷺ لها (٦): (فَفُلَانٌ؟) قتلكِ (لِقَاتِلِهَا فَأَشَارَتْ) برأسهَا (أَنْ نَعَمْ) قتلنِي، وكلمة: «أن» في المواضع الثَّلاثة تفسيريَّة (فَأَمَرَ بِهِ) باليهوديِّ (رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرُضِخَ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ) بضم راء فرُضخ، واستدلَّ به الشَّافعيَّة والمالكيَّة والحنابلةُ على أنَّ القاتلَ يُقتل بما قتل به. وقال الحنفيَّة: لا يقتل إلَّا بالسَّيف لحديث: «لَا قَودَ إلَّا بالسَّيْفِ» وسيكون لنا عودةٌ إلى هذا المبحثِ إن شاء الله تعالى في موضعهِ بعون الله وقوَّته. وهذا الحديث أخرجهُ أيضًا في «الدِّيات» [خ¦٦٨٧٦]، ومسلمٌ في «الحدود»، وأبو داود والنَّسائيُّ (٧) وابن ماجه في «الدِّيات». ٥٢٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بن عقبة الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ

стр. 9807

دِينَارٍ) مولى ابنِ عمر المدنيِّ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: الفِتْنَةُ مِنْ هُنَا) بهاء واحدة مضمومةٍ، ولأبي ذرٍّ: «من ههنا» (وَأَشَارَ إِلَى المَشْرِقِ) ومباحث هذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «الفتن». ٥٢٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ) الضَّبيُّ القاضي (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) سليمان بنِ فيروز (الشَّيْبَانِيِّ) بالشين المعجمة والموحدة بينهما تحتية ساكنة وبعد الألف نون مكسورة فتحتية (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى) ﵁ أنَّه (قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) في شهر رمضان في غزوة الفتح (فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَالَ) ﷺ (لِرَجُلٍ) هو بلالُ: (انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي) بهمزة وصل وجيم ساكنة ودال مفتوحة فحاء مهملتين، أي: حرِّك السَّويق بالماء أو اللَّبن (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَمْسَيْتَ) بحذف جواب لو، أي: كنت مُتمًّا للصَّوم (ثُمَّ قَالَ) ﷺ : (انْزِلْ فَاجْدَحْ) أي: لي (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَمْسَيْتَ) (١) سقط «لو أمسيت» لابن عساكرَ (إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا) كأنَّه رأى كثرةَ الضَّوء من زيادةِ الصَّحو فظنَّ عدم غروبِ الشَّمس، وأرادَ الاستكشافَ عن حكم ذلك (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (انْزِلْ فَاجْدَحْ) لم يقلْ لي إلَّا في الأولى (فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ أَوْمَأَ) أشار (بِيَدِهِ) الشَّريفة (إِلَى) جهةِ (المَشْرِقِ، فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ) أي: ظلامه (قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَهُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) أي: دخلَ وقت فطرهِ، فصار مفطرًا حكمًا وإن لم يفطرْ حسًّا. وهذا الحديث قد سبق في «الصِّيام» [خ¦١٩٤١].

стр. 9808

٥٢٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم واللام بينهما سين مهملة ساكنة، ابن قعنبٍ الحارثيُّ، أحدُ الأعلام قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) أبو معاوية البصريُّ (عَنْ سُلَيْمَانَ) ابن طَرْخان (التَّيْميِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن مَُِلٍّ النَّهديِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁¬) سقط لابن عساكرَ لفظ «عبد الله» (١) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ نِدَاءُ بِلَالٍ -أَوْ قَالَ: أَذَانُهُ- مِنْ سَحُورِهِ) بفتح السين في الفرع اسم ما يتسحَّر به من الطَّعام والشَّراب، وبالضم المصدرُ وهو الفعلُ نفسه، وأكثر ما يروى بالفتح (فَإِنَّمَا يُنَادِي -أَوْ قَالَ: يُؤَذِّنُ-) بليلٍ (لِيَرْجِعَ) بفتح الياء وكسر الجيم (قَائِمَُكُمْ) بالرفع في الفرع كأصله على (٢) الفاعليَّة، أو بالنصب على المفعولية. قال الكِرمانيُّ: باعتبار أن يرجعَ مشتقٌّ من الرُّجوع أو الرَّجع. ولم يذكرْ في «الفتح» غير النَّصب، أي: يعود متهجِّدكم إلى الاستراحةِ بأن ينام ساعةً (٣) قبل الصُّبح (وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ) هو من إطلاقِ القول على الفعلِ (كَأَنَّهُ يَعْنِي: الصُّبْحَ -أَوِ: الفَجْرَ-) بالشَّكِّ كالسَّابق من الرَّاوي، والصُّبح خبر ليس، أي: ليس الصُّبح المعتبر أن يكون مستطيلًا من العلوِّ إلى السُّفل، بل المعتبر أن يكون مُعترضًا من اليمين إلى الشِّمال (وَأَظْهَرَ يَزِيدُ) بن زُريع راويهِ (يَدَيْهِ) بالتَّثنية، من الظُّهور، بمعنى العلوِّ، أي: أعلى يديهِ ورفعهما طويلًا، إشارةً إلى صورة الفجرِ الكاذبِ (ثُمَّ مَدَّ إِحْدَاهُمَا مِنَ الأُخْرَى) إشارةً إلى الفجر الصَّادق. وسبق هذا الحديث في «الصَّلاة» [خ¦٦٢١].

стр. 9809

٥٢٩٩ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ، أبو الحارث الإمام، صاحبُ المناقب الجمَّة، قيل: كان مَغلُّه في العامِّ ثمانين ألف دينارٍ فما وجبتْ عليه زكاةٌ، فيما وصلَه المؤلِّف في «باب مثل المتصدِّق» من «الزَّكاة» [خ¦١٤٤٣]: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) الكنديُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ) الأعرج، أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ يقول: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُنْفِقِ، كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ) بضم الجيم وتشديد الموحدة (مِنْ حَدِيدٍ مِنْ لَدُنْ) من عند (ثَدْيَيْهِمَا) بفتح المثلثة وسكون الدال بعدها تحتيتان (١) أولاهما مفتوحة والأخرى ساكنة، تثنية ثديٍ، ولغير أبي ذرٍّ -ممَّا في «الفتح» -: «ثديهما» بصيغة الجمع. وصوِّب إذ لكلِّ رجلٍ ثديان، فيكون لهما أربعةٌ. وأُجيب بأنَّ التَّثنية بالنَّظر لكلِّ رجلٍ (إِلَى تَرَاقِيهِمَا) بفتح المثناة الفوقية وكسر القاف جمع تَرْقوة، العظمان المشرفان في أعلَى الصَّدر من رأسِ المنكبين إلى طرف ثغرةِ النَّحر (فَأَمَّا المُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ شَيْئًا إِلَّا مَادَّتْ) بتشديد الدال من المدِّ، وأصلها: ماددت، بدالين فأدغمت الأولى في الثَّانية (عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُجِنَّ) بضم الفوقية وكسر الجيم وتشديد النون من الرُّباعي في أكثر الرِّوايات، أي: تستر (بَنَانَهُ) أي: أطرافَ أصابعه (وَ) حتَّى (تَعْفُوَ أَثَرَهُ) الحادث في الأرض من (٢) مشيهِ لسبوغهَا، كما يمحو الثَّوب الَّذي يجرُّ على الأرضِ أثرَ مشي لابسهِ بمرورِ الذَّيل عليه (وَأَمَّا البَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ يُنْفِقُ إِلَّا لَزِمَتْ) بفتح اللام وكسر الزاي، وللكُشميهنيِّ: «لزقت» «بالقاف» بدل: «الميم»، (كُلُّ حَلْقَةٍ) بسكون اللام (مَوْضِعَهَا فَهْوَ يُوسِعُهَا ولَا تَتَّسِعُ) ولغير ابنِ عساكرَ: «فلا» «بالفاء» بدل: «الواو»، (وَيُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ) وبالإفراد (إِلَى حَلْقِهِ) وهذا موضعُ التَّرجمة على ما لا يخفَى. وهذا الحديث سبق في «الزَّكاة» [خ¦١٤٤٣].

стр. 9810

(٢٥) (بابُ اللِّعَانِ) والقذف، واللِّعان: مصدر لَاعَنَ سماعيٌّ لا قياسيٌّ، والقياسُ الملاعنةُ، وهو من اللَّعن وهو الطَّرد والإبعادُ. يقال منه: التعَنَ، أي: لعنَ نفسَه، ولاعنَ إذا فَاعَلَ غيرَه منه، ورجل لُعَنة -بفتح العين وضم اللام- كهُمَزة، إذا كان كثير اللَّعن لغيره، وبسكون العين إذا لعنَه النَّاسُ كثيرًا، الجمع: لُعَن، كصُرَدٍ، ولاعنَ امرأتَه ملاعنةً ولعانًا، وتلاعنا والتعنَا: لعنَ بعضٌ بعضًا، ولاعنَ الحاكم بينهما لعانًا حكمَ. وفي الشَّرع: كلماتٌ معلوماتٌ جُعلت حجَّةً للمضطَر إلى قذفِ من لطَّخ فراشَه وألحقَ العارَ به، أو إلى نفي (١) ولدٍ، سُمِّيت لعانًا لاشتمالها على كلمة اللَّعن تسميةً للكلِّ باسم البعض، ولأنَّ كلًّا من المتلاعنين يبعدُ عن الآخر بها؛ إذ يحرم النِّكاح بها أبدًا، واختيرَ لفظ اللِّعان على لفظي الشَّهادة والغضبِ وإن اشتملتْ عليهما الكلمات أيضًا لأنَّ اللَّعن كلمةٌ غريبةٌ في قيام الحجج من الشَّهاداتِ والأيمان، والشَّيء يشهر بما يقعُ فيه من الغريب، وعليه جرتْ أسماء السُّور، ولأنَّ الغضبَ يقع في جانبِ المرأة، وجانب الرَّجل أقوى، ولأنَّ لعانه متقدِّمٌ (٢) على لعانها، والتَّقدم من أسباب التَّرجيح. (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقهِ المجرور بالإضافةِ: (﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾) يقذفونَ زوجاتهم بالزِّنا (﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء﴾) يشهدونَ على تصديقِ قولهم (﴿إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾) رفعٌ بدلٌ من «شهداء»، أو نعت له على أنَّ «إلَّا» بمعنى «غير» (إِلَى قَوْلِهِ) : (﴿إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩])

стр. 9811

وسقط لأبي ذرٍّ: «﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾» وساق في روايةِ كريمة الآيات كلَّها، ولمَّا كان قولُه: ﴿يَرْمُونَ﴾ أعمَّ من أن يكون باللَّفظ أو بالإشارةِ المفهمة قال: (فَإِذَا قَذَفَ الأَخْرَسُ امْرَأَتَهُ) رماها بالزِّنا في معرض التَّعيير (بِكِتَابَةٍ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «بكتاب» (أَوْ إِشَارَةٍ) مفهمةٍ باليد (أَوْ بِإِيمَاءٍ (١)) بالرَّأس أو الجفن (مَعْرُوفٍ فَهْوَ كَالمُتَكَلِّمِ) بالقذف فيترتَّب عليه اللِّعان (لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَجَازَ الإِشَارَةَ فِي الفَرَائِضِ) أي: في الأمورِ المفروضةِ، فإنَّ العاجز عن غيرِ الإشارة يصلِّي بالإشارةِ كالمصلوبِ (وَهْوَ) أي: العمل بالإشارةِ (قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الحِجَازِ وَأَهْلِ العِلْمِ) أي (٢): من غيرهِمْ كأبي ثورٍ (وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾) أي: أشارتْ مريمُ إلى عيسى أن يجيبهم، ولمَّا أشارت إليه غضبوا وتعجَّبوا (﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ﴾) حدث ووجد (﴿فِي الْمَهْدِ﴾) المعهود (﴿صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]) حال ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ﴾ لمَّا أسكتت بأمرِ الله لسانها النَّاطق أنطقَ الله لها اللِّسان السَّاكت حتَّى اعترفَ بالعبوديَّة، وهو ابنُ أربعين ليلةً أو ابن يومٍ، روي أنَّه أشار بسبَّابتيه، وقال بصوتٍ رفيعٍ: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ﴾. وأخرج ابنُ أبي حاتمٍ من طريق ميمون بن مهرانَ، قال: لمَّا قالوا لمريم: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] إلى آخره أشارتْ إلى عيسى أن كلِّموه، فقالوا: تأمرنا أن نكلِّم مَن هو (٣) في المهدِ زيادةً على ما جاءتْ به من الدَّاهية، ووجه الاستدلالِ به أنَّ مريمَ كانت نذرتْ أن لا تتكلَّم فكانت في حكمِ الأخرسِ، فأشارتْ إشارةً مفهمةً اكتفاءً بها عن معاودة سؤالها، وإن كانوا أنكروا عليها ما أشارتْ به. (وَقَالَ الضَّحَّاكُ) بن مزاحمٍ الهلاليُّ الخراسانيُّ، وقال في «الكواكب»: هو: الضَّحاكُ بن شراحيل، وتعقَّبه في «الفتح» بأنَّ المشهورَ بالتَّفسير إنَّما هو ابنُ مزاحمٍ مع وجودِ الأثر مصرِّحًا فيه بأنَّه ابن مزاحمٍ فيما وصله عبدُ بن حميدٍ عنه في قوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾

стр. 9812

(﴿إِلاَّ رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]) أي: (إِلَّا إِشَارَةً) وسقطَ لغير أبي ذرٍّ لفظ «إلَّا» واستثنى الرَّمز وهو ليس من جنسِ الكلام لأنَّه لمَّا أدَّى مؤدَّى الكلام وفهم منه ما يُفهم منه سمِّي كلامًا، وهو استثناءٌ منقطعٌ. (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) أي: الكوفيُّون مناسبةً لقوله وهو قول بعض أهلِ (١) الحجاز: (لَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ) بالإشارة من الأخرسِ وغيره إذا قذف زوجتَه وهو مذهبُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وهذا نقضه البخاريُّ بقوله: (ثُمَّ زَعَمَ) الكوفيُّون أو الحنفيَّة (أَنَّ الطَّلَاقَ) إن وقع (بِكِتَابٍ) من المطلِّق (أَوْ إِشَارَةٍ) منه بيده (أَوْ إِيمَاءٍ) بنحو رأسه من غير كلامٍ (جَائِزٌ) فأقام ذلك مقامَ العبارة (وَلَيْسَ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالقَذْفِ فَرْقٌ، فَإِنْ قَالَ) أي بعض النَّاس: (القَذْفُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِكَلَامٍ قِيلَ لَهُ: كَذَلِكَ الطَّلَاقُ لَا يَجُوزُ) لا يقع، ولأبي ذرٍّ: «لا يكون» (إِلَّا بِكَلَامٍ) وأنت وافقتَ على وقوعهِ بغير كلامٍ، فيلزمكَ مثله في اللِّعان والحدِّ (وَإِلَّا) بأن لم تعتبر الإشارة فيها كلِّها (بَطَلَ الطَّلَاقُ وَالقَذْفُ وَكَذَلِكَ العِتْقُ) بالإشارة، وحينئذٍ فالتَّفرقة بين القذف والطَّلاق بلا دليلٍ تحكُّم، وأجاب الحنفيَّة بأنَّ القذفَ بالإشارة ليس كالصَّريح بل فيه شبهةٌ والحدودُ تدرأُ بها، ولأنَّه لا بدَّ في اللِّعان من أن يأتِي بلفظ الشَّهادة حتَّى لو قال: أحلفُ مكان أشهدُ لا يجوزُ، وإشارته لا تكون شهادةً، وكذلك إذا كانت هي خرساء لأنَّ قذفَها لا يوجبُ الحدَّ لاحتمالِ أنَّها تصدِّقه (٢) لو كانت تنطقُ، ولا تقدرُ على إظهارِ هذا التَّصديق بإشارتها، فإقامةُ الحدِّ مع الشُّبهة لا يجوزُ (٣). انتهى. وأجابَ السَّفاقسيُّ بأنَّ المسألةَ مفروضةٌ فيما إذا كانت الإشارةُ مفهمةً إفهامًا واضحًا لا يبقى معه ريبةٌ (وَكَذَلِكَ الأَصَمُّ يُلَاعِنُ) إذا أشيرَ إليه وفهم (وَقَالَ الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل (وَقَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدوسيُّ فيما وصله ابنُ أبي شَيبة: (إِذَا قَالَ) الأخرسُ لامرأته: (أَنْتِ طَالِقٌ، فَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ تَبِينُ) تطلَّق (مِنْهُ) طلاقًا بائنًا (بِإِشَارَتِهِ) بأصابعهِ الثَّلاث البينونة الكبرى، وأرادَ بقوله: «إذا قال» القولَ باليدِ فأطلقَ القولَ على الإشارةِ، أو المراد قول النَّاطق: أنت طالقٌ، وإشارتُه للعددِ (٤) بالطَّلاق كما مرَّ تقريرهُ في أوَّل الباب الَّذي قبل هذا. (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ ممَّا وصله ابنُ أبي شيبة: (الأَخْرَسُ إِذَا كَتَبَ الطَّلَاقَ بِيَدِهِ لَزِمَهُ)

стр. 9813

وقال الشَّافعيُّ: إذا كتب الطَّلاق سواء كان ناطقًا أو أخرس ونواهُ لزمه (١)، فلو كتبَ ولم ينوِ أو نوى فقط فلا (وَقَالَ حَمَّادٌ) هو ابنُ أبي سليمانَ، شيخُ الإمام أبي حنيفةَ: (الأَخْرَسُ وَالأَصَمُّ إِنْ قَالَ) أي: إن أشارَ كلٌّ منهما (بِرَأْسِهِ) فيما يسأل عنه (جَازَ) أي: نفذَ ما أشارَ إليه وأقيمتِ الإشارةُ مقامَ العبارة. ٥٣٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد البغلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) هو ابنُ سعدٍ الإمام، ولأبي ذرٍّ: «اللَّيث» (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَلَا) بالتخفيف (أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ؟) أي: خير قبائلهم، من إطلاقِ المحلِّ وإرادةِ الحال (قَالُوا: بَلَى) أخبرنا (يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ): خيرهم (بَنُو النَّجَّارِ) تيم الله بن ثعلبة بنِ عَمرو بنِ الخزرج (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) وهم (بَنُو عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) وهم (بَنُو الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ) بن عَمرو بن مالك بنِ الأوس بنِ حارثة (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) وهم (بَنُو سَاعِدَةَ) بن كعب بنِ الخزرج الأكبر، وهو أخو الأوس، وهما ابنا حارثةَ بن ثعلبة (ثُمَّ قَالَ) أشار ﷺ (بِيَدِهِ، فَقَبَضَ أَصَابِعَهُ) كالَّذي يكون بيده شيءٌ فيضمُّ أصابعه عليه (ثُمَّ بَسَطَهُنَّ كَالرَّامِي بِيَدِهِ) لمَّا كان قبض عليه (ثُمَّ قَالَ: وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ) وإن تفاوتتْ مراتبه فخير الأولى أفعل تفضيل، وهذه اسم. ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة في قوله: «ثمَّ قال بيدهِ» على ما لا يخفى. وهذا الحديث سبقَ في «مناقب (٢) الأنصار» [خ¦٣٧٨٩] لكنَّه لم يقل فيه: «ثمَّ قال بيده، فقبض أصابعه، ثمَّ بسطهنَّ كالرَّامي بيده». وأوردهُ هنا عن أنسٍ بغير واسطةٍ، وهناكَ عنه عن أبي أسيدٍ السَّاعديِّ، وكلاهما صحيحٌ.

стр. 9814

٥٣٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينار الأعرج، وعند الإسماعيليِّ: «عن أبي حازمٍ» وصرَّح الحميديُّ فيما أخرجَه أبو نُعيم بالتَّحديث عن سفيان، فقال: حدَّثنا أبو حازم قال: (سَمِعْتُه (١) مِنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) فيه تنبيهٌ على تعظيمهِ بالصُّحبة (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بُعِثْتُ) بضم الموحدة وكسر العين (أَنَا وَالسَّاعَةَُ) بالرَّفع في الفرع، وبه وبالنَّصب معًا في «اليونينية»، لكن قال أبو البقاء العكبريُّ في «إعراب المسند»: لا يجوز إلَّا بالنَّصب على أنَّه مفعول معه. قال: ولو قرئ بالرفع لفسد المعنى إذ لا يقال: بعثتُ والسَّاعة، ولا هو في موضع المرفوع لأنَّها لم توجد بعد، وأجازَ غيره الوجهين. بل جزمَ القاضي عياض بأنَّ الرَّفع أحسن وهو عطفٌ على ضميرِ المجهول في «بُعثت». قال: ويجوزُ النَّصب، وذكر توجيه أبي البقاء وزاد: أو على إضمار فعلٍ يدلُّ عليه الحال، نحو: فانتظروا كما قدِّر في نحو: جاء البردُ والطَّيالسة فاستعدُّوا (٢)، وأُجيب عن الَّذي اعتلَّ به أبو البقاء، أوَّلًا: أن يُضمَّن بعثت معنى يجمع إرسال الرَّسول، ومجيءُ السَّاعة نحو جئت، وعن الثَّاني بأنَّها نُزِّلتْ منزلة الموجود مبالغةً في تحقُّق مجيئها، ويرجِّح النَّصب ما سبقَ في «تفسيرِ والنَّازعات» بلفظ: «بُعثت والسَّاعة» [خ¦٤٩٣٦] فإنَّه ظاهرٌ في المعيَّة، والمراد: بُعثت أنا والقيامة (كَهَذِهِ مِنْ هَذِهِ) أي: كقرب السَّبابة من الوسطى (أَوْ) قال: (كَهَاتَيْنِ) بالشَّكِّ من الرَّاوي (وَقَرَنَ بَيْنَ) أصبعه (السَّبَّابَةِ وَ) أصبعه (الوُسْطى) وزاد في روايةِ أبي ضمرةَ عند ابن جرير، وقال: «مَا مَثَلي ومَثَلُ السَّاعةِ إلَّا كفرَسَيْ رهَانٍ» وعند أحمد والطَّبرانيِّ وسنده جيِّدٌ في حديث بُريدة: «بعثتُ أَنا والسَّاعةُ إِنْ كادَتْ لتسْبِقنِي» وفي حديث المستورِد بن شدَّاد عند التِّرمذيِّ: «بعثتُ فِي نَفَسِ السَّاعةِ سبقتُهُا كمَا سبقَتْ هذِهِ لهذِهِ» لأصبعه السَّبَّابة والوُسطى، وقوله: نفَس -بفتح الفاء- وهو كنايةٌ عن

стр. 9815

القُرب، أي: بُعثت عند تنفُّسها. وعند الطَّبرانيِّ (١) من حديث جابر بنِ سَمُرة، أشار بالمسبحة والَّتي تليها وهو يقول: «بعثتُ أَنا والسَّاعةُ كهذِهِ مِن هذِهِ» قال القرطبيُّ في «المفهم»: ومعنى الحديث: تقريب أمر السَّاعة وسرعة مجيئها، فعلى النَّصب يكون وجه التَّشبيه انضمام السَّبَّابة والوسطى، وعلى الرَّفع يحتملُ هذا، ويحتملُ أن يكون وجه التَّشبيه هو التَّفاوت الَّذي بين الأصبعين المذكورتين في الطُّول، ولبعض السَّلف في تعيينِ ذلك كلام افتضح فيه بمرورِ زمانٍ طويلٍ بعده ولم يقعْ ما قاله، فالصَّواب الإعراضُ عن ذلك. وستكون لنا بقوَّة الله تعالى وفضله عودةٌ إلى البحثِ في ذلك في «كتاب الرِّقاق» مع فرائد الفوائد إن شاء الله تعالى. وقد مرَّ هذا الحديث في تفسير «سورة النازعات» [خ¦٤٩٣٦]. ٥٣٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ) بفتح الجيم والموحدة واللام، وسُحَيْمٍ - بضم السين وفتح الحاء المهملتين وسكون التحتية- الكوفيُّ قال: (سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ) ﵄ (يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) بالتَّكرار ثلاثًا. قال الرَّاوي: (يَعْنِي) ﷺ : (ثَلَاثِينَ) يومًا (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) ثلاثًا، وسقطتِ الثَّالثة لأبي ذرٍّ، وقال بعد الثَّانية: «ثلاثًا» (٢). قال الرَّاوي: (يَعْنِي) ﷺ : (تِسْعًا وَعِشْرِينَ) وعند مسلم: «الشَّهرُ هكَذَا وهكَذَا، وعَقَدَ الإبهَامَ فِي الثَّالثَةِ، والشَّهرُ هكَذَا وهَكَذَا وهَكَذا؛ يعنِي تمَامَ ثلاثينَ» أي: أشار أوَّلًا بأصابع يديه العشر جميعًا مرَّتين، وقبض الإبهام في الثَّالثة، وهذا هو المعبَّر عنه بتسعٍ وعشرين، وأشارَ بهما (٣) مرَّة أُخرى ثلاث مرَّات وهو (٤) المعبَّر

стр. 9816

عنه بثلاثين (يَقُولُ مَرَّةً ثَلَاثِينَ، وَمَرَّةً تِسْعًا وَعِشْرِينَ). وهذا الحديث سبق في «الصَّوم» [خ¦١٩١٣]. ٥٣٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ (عَنْ قَيْسٍ) هو ابنُ أبي حازمٍ (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو البدريِّ، ولأبي ذرٍّ: «عن ابن مسعودٍ». قال عياض: وهو وهمٌ. قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو كما قال فقد تقدَّم كذلك في «بدء الخلق» و «المناقب» و «المغازي» من طرقٍ عن إسماعيل بلفظ: حدَّثني قيس، عن عقبة بن عمرٍو أبي مسعودٍ أنَّه (قَالَ: وَأَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ نَحْوَ اليَمَنِ. الإِيمَانُ) في «باب خير مالِ المسلم غنمٌ»: نحو اليمن، فقال: «الإيمان» [خ¦٣٣٠٢] (هَهُنَا مَرَّتَيْنِ) لإذعان أهلهِ إلى الإيمان من غير كبير مشقَّة على المسلمين بخلافِ غيرهم، ومن اتَّصف بشيءٍ وقوِي إيمانه به نسب ذلك الشَّيء إليه إشعارًا بكمالِ حاله فيه، أو (١) المراد: مكَّة إذ هي من تهامةَ، وتهامة من (٢) أرض اليمن (أَلَا) بالتخفيف (وَإِنَّ القَسْوَةَ وَغِلَظَ القُلُوبِ) بكسر الغين المعجمة وفتح اللام وبالظاء المعجمة (فِي الفَدَّادِينَ) بفتح الفاء والدال المهملة المشددة وبعد الألف دالٌ أخرى مخففة، جمع فدَّاد: الشَّديد الصَّوت لاشتغالهم عن أمرِ الدِّين المفضي لقساوةِ القلب (حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ) جانبا رأسه لأنَّه ينتصب في محاذاةِ مطلع الشَّمس، فإذا طلعتْ كانت بين قرنيهِ فتقعُ سجدةُ عبدة الشَّمس له (رَبِيعَةَ وَمُضَرَ) بدلٌ من الفدَّادين. وفي «باب خير مال المسلم»: «في ربيعة ومضر» [خ¦٣٣٠٢] وهو متعلِّقٌ بالفدَّادين، أي: القسوةُ في ربيعة ومضر (٣)، وهما قبيلتان مشهورتان.

стр. 9817

٥٣٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ) بفتح العين في الأول، وضم الزاي وتخفيف الراءين بينهما ألف، النَّيسابوريُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ) هو ابنُ سعدٍ السَّاعديِّ، أنَّه قال: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَأَنَا) بإثبات الواو في: «وأنا» في «اليونينية» (وَكَافِلُ اليَتِيمِ) القائم بمصالحه (فِي الجَنَّةِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ) بتشديد الموحدة الأولى، وسمِّيت سبَّابةً لأنَّهم كانوا إذا تسابُّوا أشاروا بها، وهي الأصبعُ التَّي تلي الإبهام، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشميهنيِّ: «بالسَّبَّاحة» بالحاء المهملة بدل الموحدة الثانية لأنَّه يُشار بها عند التَّسبيح، وتُحرَّك في التَّشهد عند التَّهليل إشارةً إلى التَّوحيد (وَالوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا) قليلًا، إشارةً إلى أنَّ بين درجته ﷺ ودرجةِ كافل اليتيم قدر تفاوت ما بين السَّبَّابة والوسطى. وبقية مباحث هذا الحديثِ تأتي إن شاء الله تعالى بعونه. (٢٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا عَرَّضَ) الرَّجل (بِنَفْيِ الوَلَدِ) الَّذي تأتي به زوجته، والتَّعريض ذكر شيءٍ يُفهم منه شيءٌ آخر لم يُذكر، ويُفارق الكناية بأنَّها ذكر شيءٍ بغير لفظهِ الموضوع يقوم مقامه. ٥٣٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزاي والعين المهملة، المكيُّ المؤذِّن قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَجُلًا) وعند أبي داود من روايةِ ابن وهبٍ: «أنَّ أعرابيًّا من فزارةَ» وكذا عند مسلمٍ وأصحاب السُّنن من رواية سفيان بن عُيينة، عن ابن شهاب، واسمُ هذا الأعرابيِّ: ضمضم بن

стр. 9818

قَتادة كما عند عبدِ الغني بن سعيدٍ في «المبهمات» له (أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وُلِدَ لِي غُلَامٌ أَسْوَدُ) لم أعرفْ اسم المرأة ولا (١) الغلام، وزاد في «كتاب الاعتصام» من طريق ابن وهبٍ، عن يونس: «وإنِّي أنكرته» [خ¦٧٣١٤] أي: استنكرتُه بقلبي، ولم يرد أنَّه أنكره بلسانه، وإلَّا لكان صريحًا لا تعريضًا لأنَّه قال: غلامٌ أسودُ، أي: وأنا أبيضُ، أي: فكيف يكون منِّي (فَقَالَ) النَّبيُّ ﷺ له: (هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ) ﵊ له: (مَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ) ألوانها (حُمْرٌ) بضم الحاء المهملة وسكون الميم (قَالَ) ﷺ : (هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟) غير منصرفٍ للوصف ووزن الفعل كأحمر. قال في «القاموس»: ما في لونه بياضٌ إلى سوادٍ، وهو من أطيب الإبل لحمًا لا سيرًا وعملًا (٢)، وقال غيره: الَّذي فيه سوادٌ ليس بحالك بأن يميلَ إلى الغبرة، ومنه قيل للحمامة: ورقاء، ومِن في قوله: «من أورق» زائدة (قَالَ: نَعَمْ، قَالَ) ﵊ له: (فَأَنَّى ذَلِكَ؟) بفتح النون المشددة، أي: من أين أتاه (٣) اللَّون الَّذي ليس في أبويه (قَالَ) الرَّجل: (لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ) بكسر العين المهملة وسكون الراء بعدها قاف، ونزعه: بالنون والزاي والعين المهملة، أي: قلبه وأخرجه (٤) من ألوان فحله ولقاحه (٥)، وفي المثل: العرقُ نزَّاع. والعرق الأصل مأخوذٌ من عرق الشَّجرة، ومنه قولهم: فلانٌ عريقٌ في الأصالةِ؛ يعني: أنَّ لونه إنَّما جاء لأنَّه كان في (٦) أصولهِ البعيدة ما كان فيه هذا اللَّون، ولأَبَوَي ذرٍّ والوقتِ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ: «لعلَّ» بغير هاء (٧) «عِرقٌ» بالرفع، وقد جزم بعضُهم بأنَّ الصَّواب النَّصب، أي: لعلَّ عرقًا نزعه، وقال الصَّغاني: يحتملُ أن يكون بالهاء فسقطتْ، ووجَّهه ابن مالكٍ باحتمال أنَّه حذف منه ضمير الشَّأن، وقال في «المصابيح»: اسم لعلَّ ضميرُ نصبٍ محذوفٌ، ومثله عندهم قليل، بل صرَّح بعضُهم بضعفه (قَالَ) ﷺ : (فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ) أي: العرق.

стр. 9819

وفائدةُ الحديث: المنع عن نفِي الولد بمجرَّد الأمارات الضَّعيفة، بل لا بدَّ من تحقُّقٍ كأنْ رآها تزني، أو ظهور دليل قويٍّ كأن لم يكن وطئها، أو أتتْ بولدٍ قبل ستَّة أشهرٍ من مبدأ وطئها أو لأكثر من أربعِ سنين، بل يلزمه نفي الولد لأنَّ تركَ نفيه يتضمَّن استلحاقَهُ، واستلحاقُ مَن ليس منه حرامٌ، كما يحرُم نفي من هو منه. وفي حديث أبي داود وصحَّحه الحاكم على شرط مسلم: «أيُّما امرأةٍ أَدخلت على قومٍ مَن ليسَ منهم فليستْ من الله في شيءٍ ولم (١) يُدخلها جنَّته، وأيَّما رجل جحدَ ولدَه وهو ينظرُ إليه احتجبَ الله منه يوم القيامةِ وفضحَه على رؤوسِ الخلائقِ يوم القيامة» فنصَّ في الأوَّل على المرأةِ، وفي الثَّاني على الرَّجل، ومعلومٌ أنَّ كلًّا منهما في مَعنى الآخر، ولا يكفِي مجرَّد الشُّيوع لأنَّه قد يذكره غير ثقةٍ فيستفيضُ، فإن لم يكن ولد فالأَولى أن يسترَ عليها ويطلِّقها إن كرهها. وفي الحديث: أنَّ التَّعريض بالقذف ليس قذفًا، وبه قال الجمهور، واستدلَّ به إمامنا الشَّافعيُّ لذلك، وعن المالكيَّة: يجبُ به الحدُّ إذا كان مفهومًا. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المحاربين» [خ¦٦٨٤٧]. (٢٧) (بابُ إِحْلَافِ المُلَاعِنِ) بكسر العين. ٥٣٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة المِنْقَريُّ التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) بضم الجيم مصغَّرًا، ابن أسماء (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن عمر (¬﵁¬) وعن أبيه (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) هو عويمر العجلانيُّ (قَذَفَ امْرَأَتَهُ) بالزِّنا (فَأَحْلَفَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ ¬) الإحلاف المخصوص وهو اللِّعان، وهو دليلٌ على أنَّ اللِّعان يمينٌ، وهو قول مالك والشَّافعيِّ. وقال أبو حنيفة: اللِّعان شهادةٌ. فعلى الأوَّل كلُّ من صحَّ يمينه صحَّ لِعانه، فلا لعان بقذفِ صبيٍّ، ومجنونٍ، ومُكرهٍ، ولا عقوبة عليهم. نعم يعزَّر المميز من الصَّبيِّ والمجنون ويسقطُ عنه ببلوغه وإفاقتهِ لأنَّه كان للزَّجر عن سوءِ الأدب، وقد حدثَ له زاجرٌ أقوى من ذلك وهو

стр. 9820

التَّكليف ويُلاعن الذِّمِّي والرَّقيق، وعلى الثَّاني لا يصحُّ إلَّا من حرَّين مسلمين، واحتجَّ بعض الحنفيَّة بأنَّها لو كانت يمينًا لما تكرَّرت. وأُجيب بأنَّها خرجت عن القياس تغليظًا لحرمةِ الفروج، كما خرجتِ القسامة لحرمةِ الأنفس، وفي «محاسن الشَّريعة» للقفَّال: كُرِّرت أيمان اللِّعان لأنَّها أُقيمت مقام أربع شهودٍ في غيره ليقام عليها الحدُّ، ومن ثمَّ سمِّيتْ شهادةً (ثُمَّ فَرَّقَ) ﵊ (بَيْنَهُمَا) أي: بين المتحالفين المذكورين. (٢٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (يَبْدَأُ الرَّجُلُ بِالتَّلَاعُنِ) قبل المرأة. ٥٣٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المشددة، ابن عثمان، أبو بكر العبديُّ مولاهم، الحافظُ بُنْدار قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) محمَّد أبو عَمرو البصريُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ) الأزديُّ مولاهم الحافظ قال: (حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ) أحد الثَّلاثة الَّذين تخلَّفوا عن غزوةِ تبوك (قَذَفَ امْرَأَتَهُ) خولة بنت عاصمٍ بشريك بن سَحْماء (فَجَاءَ) إلى النَّبيِّ ﷺ (فَشَهِدَ) أربع شهاداتٍ بالله إنَّه لمن الصَّادقين فيما رماها به من الزِّنا (١)، والخامسة أنَّ لعنةَ الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به (وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ) ظاهره أنَّ قوله: أنَّ أحدَكما كاذبٌ صدر منه ﷺ في حال الملاعنة لتحقُّق الكذبِ حينئذٍ، وفي أحدكما تغليبُ المذكَّر على المؤنَّث (فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟) وزاد الطَّبريُّ والحاكم من رواية جريرِ بن حازمٍ، عن أيُّوب، عن عكرمةَ، فقال هلال: «والله إنِّي لصادقٌ» (ثُمَّ قَامَتْ) زوجته خولة (فَشَهِدَتْ) أربع شهاداتٍ بالله إنَّه لمن الكاذبين فيما رماها به … الحديثَ. وسبقَ بتمامه في «تفسير سورة النُّور» [خ¦٤٧٤٧] وهو ظاهرٌ في تقدُّم الرَّجل على المرأةِ في اللِّعان وهو مذهب الشَّافعيِّ وأشهب من المالكيَّة ورجَّحه ابن العربيِّ، وقال ابنُ القاسم: لو ابتدأتْ به المرأة صحَّ واعتدَّ به، وهو قولُ أبي حنيفة،

стр. 9821

واحتجَّ (١) لذلك بأنَّ الله عطفه بالواو وهي لا تقتضِي التَّرتيب، لنا أنَّ اللِّعان شرعَ لدفع الحدِّ عن الرَّجل، فلو بُدئ بالمرأةِ لكان دفعًا لأمرٍ لم يثبتْ، وبأنَّ الرَّجل يمكنه أن يرجعَ بعد أن يلتعنَ فيندفعَ عن المرأة، بخلاف ما لو بدأتْ به، فلو حكم حاكمٌ بتقديمِ لعانها نقضَ حكمُه. (٢٩) (بابُ اللِّعَانِ، وَمَنْ طَلَّقَ بَعْدَ اللِّعَانِ) وسقط (٢) لأبي ذرٍّ «بعد اللِّعان». ٥٣٠٨ - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهريِّ (أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عُوَيْمِرًا) بضم العين مصغَّر عامر (العَجْلَانِيَّ) بفتح العين وسكون الجيم (جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَاصِمُ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا) أي: أخبرنِي عن حُكم رجلٍ (وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا) أجنبيًّا منها (أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ) قصاصًا (أَمْ كَيْفَ) مفعولٌ لقوله: (يَفْعَلُ؟) أي: أيَّ شيءٍ يفعل (سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ) زاد أبو ذرٍّ: «رسول الله ﷺ » (فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

стр. 9822

المَسَائِلَ) المذكورة لما فيها من البشاعةِ وغيرها (وَعَابَهَا حَتَّى كَبُرَ) بضم الموحدة، عظُم (عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ، فَقَالَ: يَا عَاصِمُ، مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ عَاصِمٌ لِعُوَيْمِرٍ: لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا. فَقَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاللهِ لَا أَنْتَهِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ما أنتهي» بالميم بدل اللام (حَتَّى أَسْأَلَهُ) ﷺ (عَنْهَا فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى جَاءَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَسَطَ النَّاسِ) بفتح السين (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ؟) بهمزة الاستفهامِ الاستخبارِي (فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قَدْ أُنْزِلَ) بضم الهمزة وكسر الزاي (فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ) زوجتكَ خولة (فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا، قَالَ سَهْلٌ): فأتى بها فأمرهمَا رسولُ الله ﷺ بالملاعنةِ بما في القرآن (فَتَلَاعَنَا) وكان ذلك منصرفَ النَّبيِّ ﷺ من تبوك (وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا، قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا) ظنًّا منه أنَّ اللِّعان لا يحرِّمها عليه، فأرادَ تحريمها بالطَّلاق، فقال: هي طالقٌ ثلاثًا (قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بطلاقِها. (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) بالسَّند المذكور: (فَكَانَتْ) أي: الفرقةُ بينهما (سُنَّةَ المُتَلَاعِنَيْنِ) فلا يجتمعان بعد الملاعنةِ أبدًا، فيحرمُ عليه بمجرَّد اللِّعان نكاحها تحريمًا مؤبَّدًا ظاهرًا وباطنًا سواء صدقتْ أم صدقَ، ووطؤها بملكِ اليمينِ لو كانتْ أمةً فَمَلَكَها لحديثِ البيهقيِّ: «المتلاعنَانِ لَا يجتمعَانِ أبدًا» لكن ظاهره يقتضي توقُّف ذلك على تلاعنهما معًا، وليس مرادًا هنا، بل يقع بلعان الرَّجل، وقال مالكٌ: بعد فراغِ المرأة، وتظهرُ فائدةُ هذا الخلاف في التَّوارث لو مات أحدُهما عقبَ فراغ الرَّجل وفيما إذا علَّق طلاق امرأةٍ بفراقِ أُخرى، ثمَّ لاعنَ الأخرى، وقال الحنفيَّة: لا تقع الفرقة حتَّى يوقعها الحاكم. (٣٠) (بابُ التَّلَاعُنِ فِي المَسْجِدِ).

стр. 9823

٥٣٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ) البخاريُّ البِيْكَنديُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بنُ عبد العزيز (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (١) الزُّهريُّ (عَنِ المُلَاعَنَةِ) بفتح العين (وَعَنِ السُّنَّةِ فِيهَا عَنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَخِي بَنِي سَاعِدَةَ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) اسمه عويمرٌ العجلانيُّ حليف بني عَمرو بن عوفِ بنِ مالك بنِ الأوس (جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا) أي: أخبرني عن حكم رجلٍ (وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا) يزني بها (أَيَقْتُلُهُ) أي: فتقتلونه قصاصًا لتقدُّم علمهِ بحكم القصاص من عمومِ قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وقد اختلفَ فيمن وجدَ مع امرأتهِ رجلًا فتحقَّق الأمر فقتلَه، هل نقتله (٢)؟ فالجمهور على المنع والقصاص منه إلَّا إن أتى ببيِّنة على الزِّنا، أو على المقتولِ بالاعتراف، أو اعتراف ورثته (٣) فلا يقتلُ قاتله إذا كان الزَّاني محصنًا (أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟) أي: أيَّ شيءٍ يفعلُ؟ فكيف مفعولٌ بيفعل (٤) كقولهِ تعالى: ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ [الفيل: ١] إذ معناه: أيَّ فعلٍ فعل

стр. 9824

ربُّك؟ ولا يتَّجه فيه أن يكون حالًا من الفاعل، وعن سيبويه: إنَّ كيف ظرفٌ، وعن السِّيرافيِّ والأخفش: إنَّها اسم غير ظرفٍ، ورتَّبوا على هذا الخلاف أمورًا. أحدها: أنَّ موضعها عند سيبويه نصب دائمًا، وعندهما رفعٌ مع المبتدأ، نصبٌ مع غيره. الثَّاني: أنَّ تقديرها عند سيبويه في أيِّ حالٍ، أو على أيِّ حالٍ، وعندهما تقديرها في نحو: كيف زيدٌ، أصحيح زيد ونحوه، وفي نحو: كيف جاء زيدٌ، أراكبًا (١) جاء زيدٌ ونحوه. الثَّالث: أنَّ الجواب المطابق عند سيبويه أن يقال: على خيرٍ ونحوه، وقال ابن مالكٍ -ما معناه-: لم يقل أحدٌ إنَّ «كيف» ظرف إذ ليست زمانًا ولا مكانًا، ولكنَّها لمَّا كانت تفسَّر بقولك: على أيِّ حالٍ لكونها سؤالًا عن الأحوال العامَّة سمِّيت ظرفًا؛ لأنَّها في تأويلِ الجار والمجرور، واسم الظَّرف يُطلق عليها مجازًا. انتهى من «المغني». (فَأَنْزَلَ اللهُ فِي شَأْنِهِ) في شأن عويمر (مَا ذَكَرَ فِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «من» (القُرْآنِ مِنْ أَمْرِ المُتَلَاعِنَيْنِ) في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾ إلى آخر الآيات (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) له: (قَدْ قَضَى اللهُ فِيكَ وَفِي امْرَأَتِكَ) خولة بنت قيس بما أنزلهُ في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] (قَالَ) سهلٌ: (فَتَلَاعَنَا فِي المَسْجِدِ، وَأَنَا شَاهِدٌ) وفيه مشروعيَّة تلاعنِ المسلم في المسجدِ الجامع، وأمَّا زوجته الذِّمِّية ففيما تعظمه من بيعةٍ وكنيسةٍ وغيرهما، فإن رضي زوجها بلعانها في المسجد وقد طلبتُه جاز، والحائضُ تلاعن بباب المسجد الجامع لتحريم مُكثها فيه، ومثلها النُّفساء والجُنُب والمتحيِّرة (فَلَمَّا فَرَغَا) مِن تلاعنهما (قَالَ) عويمر: (كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ فَرَغَا مِنَ التَّلَاعُنِ، فَفَارَقَهَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) تمسَّك به من قال: إنَّ الفرقةَ بين المتلاعنين تتوقَّف على تطليقِ الزَّوج، وأجاب القائلون بأنَّ الفرقة تقعُ بالتَّلاعن بقولهِ في حديثِ ابن عمر: فرَّق النَّبيُّ ﷺ بين المتلاعنين [خ¦٤٧٤٨]، وبقوله في حديث مسلم: «لا سبيلَ لك عليها» (فَقَالَ) سهلٌ أو ابن شهابٍ: (ذَاكَ تَفْرِيقٌ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «فكان ذلك تفريقًا» وللكُشميهنيِّ: «فصار» بدل: فكان، و «تفريقًا» نصبٌ كالمُستملي (بَيْنَ كُلِّ مُتَلَاعِنَيْنِ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) بالسَّند السَّابق: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَتِ السُّنَّةُ بَعْدَهُمَا أَنْ يُفَرَّقَ

стр. 9825

بَيْنَ) كلِّ (١) (المُتَلَاعِنَيْنِ وَكَانَتْ) خولة الملاعنة (حَامِلًا) حين الملاعنةِ (وَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى لأُمِّهِ) لا لزوجهَا الملاعن إذ اللِّعان ينتفِي به النَّسب عنه إن نفاهُ في لعانهِ، وإذا انتفَى منه أُلحق بها لأنَّه متحقِّقٌ منها (قَالَ: ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ فِي مِيرَاثِهَا) في ميراثِ الملاعنة (أَنَّهَا تَرِثُهُ) أي: ترثُ الولد الَّذي لحقها ونفاهُ الرَّجل (وَيَرِثُ) الولد (مِنْهَا مَا فَرَضَ اللهُ لَهُ) ولأبي ذرٍّ: «لها (٢)». (قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) بالسَّند السَّابق: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ فِي هَذَا الحَدِيثِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ¬) في «اليونينيَّة» بكسر همزة «إن» (٣) (قَالَ) ثبت «قال» لأبي ذرٍّ (إِنْ جَاءَتْ بِهِ) بالولدِ المتلاعن بسببهِ (أَحْمَرَ) اللَّون (قَصِيرًا) أي: قصير (٤) القامة (كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ) بفتح الواو والحاء المهملة والراء، دويبةٌ تترامَى على الطَّعام واللَّحم فتفسده. وقال في «القاموس»: وزغةٌ كسام أبرص، أو ضرب من العِظَاء لا تطأ شيئًا إلَّا سمَّته (فَلَا أُرَاهَا) بضم الهمزة، أي: فلا أظنُّها (إِلَّا قَدْ صَدَقَتْ) والولد منه (وَكَذَبَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ أَعْيَنَ) بفتح الهمزة وسكون المهملة، أي: واسعَ العين (ذَا) أي: صاحب (أَلْيَتَيْنِ) عظيمتين (فَلَا أُرَاهُ) فلا أظنُّه (إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا) فهو لابنِ سحماء (فَجَاءَتْ بِهِ) بالولد (عَلَى) الوصف (المَكْرُوهِ مِنْ ذَلِكَ) وهو شبهُه بمَن رُميت به. (٣١) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا) أحدًا أنكر (بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ) لرَجمته.

стр. 9826

٥٣١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بالعين المهملة والفاء مصغَّرًا، ونسبه لجدِّه، واسم أبيه كثيرٌ -بالمثلثة- مولى الأنصار، المصريُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بن أبي بكر الصِّدِّيق، فعبد الرَّحمن يروي عن أبيه القاسم (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّهُ) قال: (ذُكِرَ التَّلَاعُنُ) بضم الذال المعجمة مبنيًّا للمجهول، أي: ذكر حكم الرَّجل الَّذي يرمي امرأته بالزِّنا، فعبَّر عنه (١) بالتَّلاعن باعتبارِ ما آل إليه الأمرُ بعد نزول الآية (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ) الأنصاريُّ (فِي ذَلِكَ قَوْلًا) لا يليق به نحو ما يدلُّ على عجب النَّفس والنَّخوة والغيرة، وعدم الحوالة إلى إرادةِ الله وحوله وقوَّته، قاله الكِرمانيُّ، ونقل عن ابنِ بطَّال أنَّه قال: لو وجد (٢) مع امرأته رجلًا يضربُه بالسَّيف حتَّى يقتلَه (ثُمَّ انْصَرَفَ) عاصم بن عديٍّ من عند النَّبيِّ ﷺ (فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ) هو عويمر لا هلال بن أميَّة (يَشْكُو إِلَيْهِ أَنَّهُ قد وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ) خولة (رَجُلًا، فَقَالَ عَاصِمٌ: مَا ابْتُلِيتُ بِهَذَا إِلَّا) ولأبي ذرٍّ: «بهذا الأمر إلَّا» (لِقَوْلِي) أي: بسؤالي عمَّا لم يقعْ، فعوقبت بوقوع ذلك في رجلٍ من قومي، وفي مرسل مقاتل بن حيَّان عند ابنِ أبي حاتم: «فقال عاصم: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، هذا والله سؤالي عن هذا الأمر بين النَّاس فابتليت به» (فَذَهَبَ بِهِ) فذهب عاصم بعويمر (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ (٣) امْرَأَتَهُ) خولة، من خلوتها بالرَّجل الأجنبيِّ (وَكَانَ) بالواو، ولأبي الوقت: «فكان» (٤) (ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا) بتشديد الراء، كثير الصُّفرة (قَلِيلَ اللَّحْمِ) نحيفًا (سَبْطَ الشَّعَرِ) بسكون

стр. 9827

الموحدة وفتح العين، مسترسله غير جعده (وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ خَدْلًا) بفتح الخاء المعجمة وسكون (١) الدال المهملة وتخفيف اللام في «اليونينية»، وللأَصيليِّ ممَّا ذكره في «التوضيح» بكسر الدال، وحكى السَّفاقسيُّ تخفيف اللام وتشديدها. قال في «القاموس»: الخدل: الممتلئ والضَّخم، وساقٌ خَدْلة بيِّنة الخَدَل -محرَّكة- والخَدْلة: المرأة (٢) الغليظةُ السَّاق المستديرتها، الجمع: خِدَال، أو ممتلئةَ الأعضاءِ كالخَدْلاءِ (٣) (آدَمَ) بمد الهمزةِ من الأُدْمة، وهي السُّمرة (كَثِيرَ اللَّحْمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اللَّهُمَّ بَيِّنْ) لنا حكم هذه المسألة (فَجَاءَتْ) ولدت ولدًا (شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ) معها (فَلَاعَنَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا) ظاهره صدورُ الملاعنة بعد وضعِ الولد، لكنَّه محمولٌ على أنَّ قوله: فلاعن معقَّبٌ بقوله: فذهب به إلى النَّبيِّ ﷺ فأخبره بالَّذي وجد عليه امرأتَه، واعترض قوله: وكان ذلك الرَّجل … إلى آخره بين الجملتين، والحاملُ على ذلك أنَّ رواية القاسم هذه (٤) موافقةٌ حديث سهلِ بن سعدٍ، وفيه: أنَّ اللِّعان وقعَ بينهما قبل أن تضعَ (قَالَ رَجُلٌ) اسمه عبد الله بن شدَّاد بن الهاد، وهو ابنُ خالة ابن عبَّاسٍ (لاِبْنِ عَبَّاسٍ فِي المَجْلِسِ): هذه المرأة (هِيَ الَّتِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ رَجَمْتُ هَذِهِ) أي: امرأةَ عويمر (فَقَالَ) ابن عبَّاسٍ ﵄: (لَا، تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الإِسْلَامِ السُّوءَ) تُعْلِنُ بالفاحشةِ ولكن لم يثبتْ عليها ذلك ببيِّنةٍ ولا اعترافٍ، ولم يسمِّها (قَالَ أَبُو صَالِحٍ) عبد الله بنُ صالح كاتب اللَّيث بن سعدٍ، فيما أخرجه المؤلِّف في «المحاربين» (وَعَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ ممَّا وصله في «الحدود» [خ¦٦٨٥٦]: (خَدِلًا) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال للأَصيليِّ، وبسكونها للأكثر، وهي الرِّواية السَّابقة (٥).

стр. 9828

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المحاربين» (١)، ومسلم في «اللِّعان»، والنَّسائيُّ في «الطَّلاق». (٣٢) (بابُ) حكم (صَدَاقِ) المرأة (المُلَاعَنَةِ) بفتح العين. ٥٣١١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ) بفتح العين في الأول، وضم الزاي وتكرير الراء بينهما ألف، قال: (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ) ابن عليَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ) ﵄: (رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأَتَهُ) ما الحكمُ فيه؟ وزاد مسلم من وجهٍ آخر، عن سعيد بنِ جبيرٍ، قال: لم يفرِّق المصعب (٢) -يعني: ابن الزُّبير- بين المتلاعنين، أي: حيث كان أميرًا على العراق. قال سعيد: فذكرت ذلك لابن عمر (فَقَالَ: فَرَّقَ النَّبِيُّ (٣) ﷺ بَيْنَ أَخَوَيْ) بفتح الواو وسكون التحتية (بَنِي العَجْلَانِ) بفتح العين المهملة وسكون الجيم، من باب التَّغليب حيث جعل الأخت كالأخ، وأمَّا إطلاق الأخوَّة فبالنَّظر إلى أنَّ المؤمنين إخوةٌ، أو إلى (٤) القرابةِ الَّتي بينهما بسبب أنَّ الزَّوجين كليهما من قبيلةِ عجلان (وَقَالَ) ﷺ : (اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ) وللمُستملي: «لكاذبٌ» وجملة «يعلم» في محلِّ الخبر، و «أن» فتحت لأنَّها سدَّت مسدَّ مفعولي «علم» (٥) (فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟) منكما خبر المبتدأ، وهو تائبٌ وسوَّغ الابتداء بالنَّكرة تقدُّم

стр. 9829

الخبر والاستفهام، وهو في المعنى صفة لموصوفٍ محذوفٍ، أي: فهل منكما أحدٌ تائبٌ أو شخصٌ تائبٌ (١)؟ ومِن للبيان، وتتعلَّق بالاستقرار المقدَّر، وعرَّض بالتَّوبة لهما بلفظ الاستفهام لإبهامِ الكاذب منهما (فَأَبَيَا) فامتنعا (فقَالَ) ﵊ ثانيًا: (اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ) أحدٌ (مِنْكُمَا تَائِبُ؟ فَأَبَيَا. فَقَالَ) ﷺ ثالثًا: (اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ) أحدٌ (مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ فَأَبَيَا. فَفَرَّقَ) بتشديد الراء (بَيْنَهُمَا) ﷺ ، فظاهره: أنَّ الفرقة لا تقع إلَّا بقضاء القاضي وهو قول أبي حنيفة (قَالَ أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ بالسَّند السَّابق: (فَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: إِنَّ فِي الحَدِيثِ) المذكور (شَيْئًا) سمعتُه من سعيد بنِ جبير وحفظتُه منه (لَا أَرَاكَ تُحَدِّثُهُ. قَالَ: قَالَ الرَّجُلُ) الملاعن: أين (مَالِي) الَّذي دفعته إليها صداقًا، أو مالي آخذه، فالخبر محذوفٌ، أو المعنى: أطلبُ مالي منها، فمنصوبٌ بمحذوفٍ، وإنَّما قال: مالي مع أنَّ المرأةَ ملكتهُ، لظنِّه (٢) أنَّه قد رجعَ إليه، فصارَ ماله بمجرَّد اللِّعان فردَّ عليه (قَالَ: قِيلَ: لَا مَالَ لَكَ) لأنَّك (إِنْ كُنْتَ صَادِقًا) فيما ادَّعيتَ به (٣) عليها (فَقَدْ دَخَلْتَ بِهَا) واستحقَّت جميع الصَّداق (وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا) فيما ادَّعيت عليها (فَهْوَ أَبْعَدُ مِنْكَ) لئلَّا يجتمع عليها الظُّلم في عرضها، ومُطالبتها بمالٍ قبضتُه قبضًا صحيحًا تستحقُّه. نعم، اختلفَ في غير المدخولِ بها، والجمهور على أنَّ لها نصف الصَّداق كغيرها من المطلَّقات قبل الدُّخول، وقيل: بل لها الجميع، وقيل: لا شيءَ لها أصلًا. وهذا الحديث أخرجه مسلم في «اللِّعان»، وأبو داود والنَّسائيُّ في «الطَّلاق».

стр. 9830

(٣٣) (بابُ قَوْلِ الإِمَامِ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: إِنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟) ولأبي ذرٍّ: «من تائب». ٥٣١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ عَمْرٌو) بفتح العين، ابن دينارٍ: (سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ) ﵄ (عَنِ المُتَلَاعِنَيْنِ) عن حكمهما أيفرَّق بينهما؟ ولأبي ذرٍّ: «عن حديث المتلاعنين» ولمسلم من وجهٍ آخر عن سعيد بن جُبير: «سُئِلتُ عن المتلاعنين في إمْرَة مصعب بن الزُّبير فما دريتُ ما أقول، فمضيتُ إلى منزلِ ابن عُمر بمكَّة … » الحديثَ. وفيه: «فقلتُ: يا أبا عبد الرَّحمن، المتلاعنان أيفرَّق بينهما؟» (فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: حِسَابُكُمَا عَلَى اللهِ، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ) لا طريق (لَكَ) على الاستيلاءِ (عَلَيْهَا) فلا تملك عصمتها بوجهٍ من الوجوه، فيستفادُ منه تأبيدُ الحرمة (قَالَ): يا رسول الله (مَالِي) الَّذي أصدقتها إيَّاه آخذه منها؟ (قَالَ) ﷺ : (لَا مَالَ لَكَ) لأنَّك استوفيتَه بدخولك عليها وتمكينها لك من نفسها، ثمَّ أوضح له ذلك بتقسيمٍ مستوعبٍ، فقال: (إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ (١) عَلَيْهَا) فيما نسبتَها إليه (فَهْوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا) «ما» موصولةٌ، وجملة: «استحللتَ» في موضع الصِّلة، والعائد محذوفٌ، والصلة والموصول في موضع جر بالباء، وهي باء البدل والمقابلة (وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ (٢) عَلَيْهَا فَذَاكَ) أي: الطَّلب لما أمهرتها (أَبْعَدُ لَكَ) اللام للبيان. قال عليُّ بن عبد الله المدينيُّ: (قَالَ سُفْيَانُ) بن عُيينة: (حَفِظْتُهُ (٣)) أي: سمعت الحديث المذكور (مِنْ عَمْرٍو) أي: ابن دينارٍ. قال سفيان: (وَقَالَ أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ -بالسَّند السَّابق-: (سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ) ﵄: (رَجُلٌ لَاعَنَ امْرَأَتَهُ) أيفرَّق بينهما؟ (فَقَالَ) فأشار ابنُ عمر (بِإِصْبَعَيْهِ) بالتَّثنية (وَفَرَّقَ سُفْيَانُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى) جملةٌ معترضةٌ أرادَ بها بيان الكيفيَّة، وجواب السُّؤال قوله:

стр. 9831

(فَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي العَجْلَانِ، وَقَالَ: اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) ظاهرُهُ -كما قال القاضي عياض-: أنَّه ﵊ قال ذلك بعد الفراغ من اللِّعان، ففيه عرض التَّوبة على المذنبِ ولو بطريق الإجمال، وقال الدَّاوديُّ: قاله قبل اللِّعان تحذيرًا لهما. قال ابنُ المدينيِّ: (قَالَ) لي (سُفْيَانُ: حَفِظْتُهُ) أي: الحديث (مِنْ عَمْرٍو) أي: ابن دينارٍ (وَأَيُّوبَ) السَّخْتيانيِّ (كَمَا أَخْبَرْتُكَ (١)) والحاصل: أنَّ الحديث رواه سفيان عن عَمرو بن دينارٍ وأيوبَّ السَّختيانيِّ كلاهما عن ابنِ عمر. (٣٤) (بابُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ المُتَلَاعِنَيْنِ) وهذه التَّرجمة ثابتةٌ في روايةِ المُستملي ساقطةٌ لغيره. نعم، ثبتَ لفظ التَّبويب فقط للنَّسفيِّ. ٥٣١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ، أحدُ الأعلام قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) أبو ضَمْرَة (٢) (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابن عبد الله العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابنِ عمر (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ) حال كون الرَّجل (قَذَفَهَا) بالزِّنا (وَأَحْلَفَهُمَا) بالحاء المهملة، أي: لاعن بينهما، وقوله: فرَّق، أي: حكم بأن يفترقا حسًّا لحصول الافتراق شرعًا بنفس اللِّعان، واحتجُّوا لوقوعِ الفرقة بنفس اللِّعان بقوله ﷺ في الرِّواية الأخرى: «لَا سبيلَ لكَ عليهَا». وتعقِّب بأنَّ ذلك وقع جوابًا لسؤال الرَّجل عن مالهِ الَّذي أخذته منه. وأُجيب بأنَّ العبرةَ بعمومِ اللَّفظ وهو نكرةٌ في سياق النَّفي، فيشملُ المال والبدن ويقتضِي نفي تسليطهِ عليها بوجهٍ من الوجوه، وفي حديثِ ابن عبَّاس عند أبي داود: «وقضى أن ليس عليه نفقة ولا سُكنى من أجل أنَّهما يفترقان بغيرِ طلاقٍ ولا متوفَّى عنها» وظاهرُه أنَّ الفرقةَ وقعتْ بينهما بنفس اللِّعان.

стр. 9832

٥٣١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ (١) بالإفراد (مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بن عمر العمريِّ، أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄، أنَّه (قَالَ: لَاعَنَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ (٢) مِنَ الأَنْصَارِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا) تنفيذًا لما أوجبَ الله بينهما من المباعدةِ بنفسِ الملاعنة، وتمسَّك بظاهرهِ الحنفيَّة، فقالوا: إنَّما يكون التَّفريق من الحاكمِ. وقد سبق ما في ذلك، والله الموفِّق والمعين. (٣٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (يَلْحَقُ الوَلَدُ بِالمُلَاعَنَةِ) إذا نفاه الزَّوج، والملاعَنة بفتح العين، والَّذي في «اليونينيَّة» كسرها. ٥٣١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة مصغَّرًا، قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَاعَنَ بَيْنَ رَجُلٍ) هو عويمرٌ (وَامْرَأَتِهِ) هي: زوجتُه خولة (فَانْتَفَى) الرَّجل (مِنْ وَلَدِهَا) قال في «شرح المشكاة»: الفاء سببيَّة، أي: الملاعنةُ كانت سببًا لانتفاءِ الرَّجل من ولدِ المرأة وإلحاقهِ بها، وتعقَّبه في «الفتح» بأنَّه إن أرادَ أنَّ الملاعنةَ سبب ثبوتِ الانتفاء فجيِّدٌ، وإن أرادَ أنَّ الملاعنةَ سببُ وجود الانتفاءِ فليس كذلك، فإنَّه إن لم يتعرَّض لنفي الولد في الملاعنةِ لم ينتف. قال إمامنا الشَّافعيُّ: إنْ نفى الولدَ في الملاعنةِ انتفى، وإن لم يتعرَّض له فلُه أن يعيدَ اللِّعان لانتفائهِ، ولا إعادة على المرأة (٣)، وإن

стр. 9833

أمكنَه الرَّفع إلى حاكمٍ فأخَّر بغير عذرٍ حتَّى ولدتْ لم يكن له أن ينفيَه (فَفَرَّقَ) ﷺ (بَيْنَهُمَا، وَأَلْحَقَ الوَلَدَ بِالمَرْأَةِ) فترث منه ما فرضَ الله لها، ونفاهُ عن الزَّوج، فلا توارثَ بينهما. وقال الدَّارقطنيُّ: تفرَّد مالكٌ بهذه الزِّيادة، وأُجيبُ بأنَّها قد جاءتْ من أوجهٍ أُخرى في حديثِ سهلِ بن سعدٍ وغيره. وهذا الحديثُ أخرجَه المؤلِّف في «الفرائض» [خ¦٦٧٤٨]، ومسلمٌ في «اللِّعان»، وأبو داود في «الطَّلاق»، والتِّرمذيُّ في «النِّكاح»، والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الطَّلاق». (٣٦) (بابُ قَوْلِ الإِمَامِ) في اللِّعان: (اللَّهُمَّ بَيِّنْ) أي: أظهر. ٥٣١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ القَاسِمِ، عَنِ القَاسِمِ ابْنِ مُحَمَّدٍ) أي (١): ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، فعبد الرَّحمن يروي عن أبيهِ القاسم (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ) بضم الذال المعجمة (المُتَلَاعِنَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ) الأنصاريُّ (فِي ذَلِكَ قَوْلًا) وهو لو وجد الرَّجل مع امرأتهِ رجلًا يضربه بالسَّيف حتَّى يقتلَه (ثُمَّ انْصَرَفَ) عاصمٌ من عندِ النَّبيِّ ﷺ (فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ) هو: عويمر (فَذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ

стр. 9834

امْرَأَتِهِ) خولة (رَجُلًا، فَقَالَ عَاصِمٌ: مَا ابْتُلِيتُ بِهَذَا الأَمْرِ) في رجلٍ من قومي (إِلَّا لِقَوْلِي) أي: لسؤالي عمَّا لم يقع (فَذَهَبَ بِهِ) فذهبَ عاصمٌ بعويمر (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ) من الخلوةِ بالأجنبيِّ (وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا قَلِيلَ اللَّحْمِ) نحيفًا (سَبْطَ الشَّعَرِ) غير جعده، ولأبي ذرٍّ: «الشَّعْرَة» بسكون العين وبعد الراء هاء تأنيث (وَكَانَ) الرَّجل (الَّذِي وَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ آدَمَ) بالمدِّ، أسمرَ اللَّون (خَدْلًا) بفتح الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة وكسرها وتخفيف اللام وتشدَّد: ممتلئ السَّاق (كَثِيرَ اللَّحْمِ جَعْدًا) بفتح الجيم وسكون العين المهملة، شَعْرُه (قَطَِطًا) بفتحات، وبكسر الطاء الأولى في الفرع كأصله (١): شديدَ الجُعُودةِ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اللَّهُمَّ بَيِّنْ) قال ابن العربيِّ: ليس معنى هذا الدُّعاء طلبُ ثبوت صدقِ أحدهما فقط، بل معناه: أنْ تلدَ ليظهر الشَّبه، ولا تمتنعَ ولادتها (٢) بموتِ الولد مثلًا فلا يظهر البيان، والحكمة فيه: ردع من شاهد ذلك عن التَّلبُّس بمثل ما وقع لما يترتَّب على ذلك من القُبح ولو اندرأ الحدُّ (فَوَضَعَتْ) ولدًا (شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَ) أي: وجده (عِنْدَهَا، فَلَاعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُمَا) عقب إخباره بالَّذي وجد عليه امرأتهُ، وحينئذٍ فقوله: وكان ذلك الرَّجل … إلى آخره اعتراضٌ، (فَقَالَ الرَجُلٌ) اسمُه: عبد الله بنُ شدَّاد بنِ الهاد (لاِبْنِ عَبَّاسٍ فِي) ذلك (المَجْلِسِ): هذه المرأة (هِيَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَوْ رَجَمْتُ (٣) أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُ هَذِهِ؟) امرأةَ عويمر (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا، تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ السُّوءَ) تعلنُ الفاحشة (فِي الإِسْلَامِ) لكن لم تعترفْ، ولا أقيمتْ عليها بيِّنةٌ بذلك (٤). (٣٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا طَلَّقَهَا) أي: إذا طلَّق الرَّجل زوجته (ثَلَاثًا، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ العِدَّةِ زَوْجًا غَيْرَهُ فَلَمْ يَمَسَّهَا) أي: هل تحلُّ للأوَّل إن طلَّقها الثَّاني؟ وليس المرادُ طلاق الملاعن لأنَّ الملاعنةَ لا تعودُ للَّذي لاعن منها، ولو تزوَّجت عشرةً سواءً وطئها أمْ لم يطأها.

стр. 9835

٥٣١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) الفَلَّاس -بالفاء وتشديد اللام آخره سين مهملة- قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أخو أبي بكر قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ) بفتح العين وسكون الموحدة، لقبُ عبدِ الرَّحمن بن سليمان الكوفيِّ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رِفَاعَةَ) بكسر الراء وتخفيف الفاء (القُرَظِيَّ) بالقاف المضمومة والظاء المعجمة، من بني قُريظة (تَزَوَّجَ امْرَأَةً) اسمها: تميمةُ بنتُ وهبٍ (ثُمَّ طَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَتْ) زوجًا (آخَرَ) اسمه: عبدُ الرَّحمن بن الزَّبِير -بفتح الزاي وكسر الموحدة- فلم يصلْ منها إلى شيءٍ (فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّهُ لَا يَأْتِيهَا) أي: لا يجامعها (وَإِنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ) ذكرٌ (إِلَّا مِثْلُ هُدْبَةٍ) بضم الهاء وسكون الدال المهملة وفتح الموحدة، أي: هدبةِ الثَّوب في الارتخاءِ وعدمِ الانتشار، وطلبت أن تعودَ لزوجها الأوَّل رِفاعة (فَقَالَ) لها ﷺ : (لَا) ترجعينَ إليه (حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ) أي: عبد الرَّحمن بن الزَّبير (وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ) والعُسيلة كنايةٌ عن الجماع، وفي حديث عائشة -عند أحمد-: «العُسيلةُ هي الجماع». وأنَّث العُسيلة على إرادةِ القطعة من العسل، أو على إرادة اللَّذَّة لتضمُّنه ذلك، ولذا فسَّر أبو عبيدة -فيما نقلَه عنه (١) الماورديُّ- العُسيلة باللَّذَّة. وهذا الحديثُ قد سبق في «باب من أجاز الطَّلاق الثَّلاث» [خ¦٥٢٦٠]. (٣٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين. قال الحافظُ ابن حجرٍ: سقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ وكريمة وثبتَ

стр. 9836

للباقين، ووقع عند ابن بطَّالٍ: «كتابُ العِدد (١)، باب قول الله تعالى (٢)» والعِدد، جمع: عِدَّة مأخوذةٌ من العدد لاشتمالها عليه غالبًا، وهي مدَّةٌ تتربَّص فيها المرأة لمعرفةِ براءة رحمها أو للتَّعبُّد، وشُرعت صيانةً وتحصينًا لها من الاختلاطِ، والأصلُ فيها قبل الإجماع الآيات الآتيةُ. منها قوله تعالى: (﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفريابيُّ مفسِّرًا لـ ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي: (إِنْ لَمْ تَعْلَمُوا يَحِضْنَ أَوْ لَا يَحِضْنَ وَاللَائِي قَعَدْنَ عَنِ الحَيْضِ) أي: كبرنَ وصرنَ عجائزَ، ولأبي ذرٍّ: «عن المحيضِ» فحكمهنَّ حكمُ اللَّائي يئسنَ (وَاللَائِي لَمْ يَحِضْنَ) أصلًا وهنَّ الصَّغائر اللَّائي (٣) لم يبلغنَ سنَّ الحيض (﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤]) وقيل: ﴿ارْتَبْتُمْ﴾ في دمِ البالغات مبلغَ اليأسِ وهو اثنتان وستُّون سنة، أهو دمُ حيضٍ أو استحاضةٍ فعدَّتهنَّ ثلاثة أشهر، وإذا كانت عدَّة المرتاباتِ بها فغيرُ المرتابات (٤) أولى بها (٥)، والأكثرون على أنَّ المعنى: إن ارتبتُم في الحكم لا في اليأسِ، وفي الآية حذفٌ تقديره: واللَّائي لم يحضنَ فعدَّتهنَّ كذلك، فإن حاضتِ الصَّغيرة أو غيرها ممَّن لم يحضنَ أثناء العدَّة بالأشهرِ انتقلتْ إلى الحيض لقدرتهَا على الأصلِ قبلَ فراغها من البدلِ كالماء في أثناءِ التَّيمُّم، ولم يحسب الماضي قرْءًا لأنَّه لم يحتوِشْ بدَمَين، أمَّا من حاضت بعد العدَّة فلا يؤثِّر لأنَّ حيضَها حينئذٍ لا يمنع صدقَ القول بأنَّها عند اعتدادِهَا بالأشهر من اللَّائي لم يحضنَ. (٣٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وهو ساقطٌ لأبي ذرٍّ (﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ﴾) الحُبالى (﴿أَجَلُهُنَّ﴾) عِدَّتُهُنَّ (﴿أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]) يتناول المطلَّقات والمتوفَّى عنهنَّ أزواجهنَّ.

стр. 9837

٥٣١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه: عبد الله (١)، المخزوميُّ مولاهم، المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ) الكنديِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الأَعْرَجِ) أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَسْلَمَ) بن أَفْصَى بنِ حارثةَ (يُقَالُ لَهَا: سُبَيْعَةُ) بضم السين المهملة، بنت الحارث (كَانَتْ تَحْتَ زَوْجِهَا) سعد بن خولة، المتوفَّى بمكَّة بعد أن هاجرَ منها (تُوُفِّي عَنْهَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «منها» (وَهْيَ) أي: والحال أنَّها (حُبْلَى) منه في حجَّة الوداع، وعند ابنِ سعدٍ: «قبل الفتح». وعند الطَّبريِّ: «سنة سبعٍ». وزاد في «تفسيرِ سورة الطَّلاق» [خ¦٤٩٠٩]: «فوضعتْ بعد موتهِ بأربعين ليلةً» (فَخَطَبَهَا أَبُو السَّنَابِلِ) بفتح السين والنون وبعد الألف موحدة مكسورة فلام، عَمرو، أو عامر، أو حبَّة -بمهملة (٢) وموحدة-، وقيل: بنون، وقيل: أصرم، وقيل غير ذلك (ابْنُ بَعْكَكٍ) بفتح الموحدة وسكون العين المهملة وفتح الكاف الأولى، القرشيُّ، وزاد في «التَّفسير»: «فيمن خطبها» [خ¦٤٩٠٩] (فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَهُ) أن مصدريَّة وكان كهلًا، وخطبها أبو البِشْر -بكسر الموحدة وسكون المعجمة- ابن الحارث، وكان شابًّا (فَقَالَ) أبو السَّنابل لمَّا رآها تجمَّلت لغيرهِ من الخُطَّاب (وَاللهِ مَا يَصْلُحُ أَنْ تَنْكِحِيهِ) أي: تتزوَّجيه (حَتَّى تَعْتَدِّي آخِرَ الأَجَلَيْنِ) أي: أربعة أشهرٍ وعشرًا، ولو وضعت قبل ذلك فإن مضتْ ولم تضع تتربَّص إلى أن تضع (فَمَكُثَتْ) بضم الكاف (٣) (قَرِيبًا مِنْ عَشْرِ لَيَالٍ) بعد (٤) الوضع (ثُمَّ جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ) لها: (انْكِحِي) لأنَّ عِدَّتك انقضتْ بوضع الحملِ، وهو مخصِّصٌ -كآية (٥) الطَّلاق- لعموم

стр. 9838

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. وهذا الحديثُ أخرجهُ النَّسائيُّ في «الطَّلاق». ٥٣١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يَزِيدَ) بن أبي حبيب أبي رجاء المصريِّ، واسم أبي حبيب: سويد (أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريَّ (كَتَبَ إِلَيْهِ أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ) بضم العين (ابْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عُتبة بن مسعودٍ (أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى ابْنِ الأَرْقَمِ) عُمر بن عبد الله، وليس لعُمر هذا في «الصحيحين» إلَّا هذا الحديث الواحد (أَنْ يَسْأَلَ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ) وهي من المهاجرات كما عند ابن سعدٍ (كَيْفَ أَفْتَاهَا النَّبِيُّ ﷺ ؟) في العدَّة لمَّا تُوفي زوجها وهي حاملٌ، فأتاها فسألها (فَقَالَتْ: أَفْتَانِي إِذَا وَضَعْتُ أَنْ أَنْكِحَ) فكتبَ إليه الجواب. وهذا قد أجمع عليه جمهورُ العلماء من السَّلف وأئمة الفتوى في الأمصارِ، إلَّا ما رُوي عن عليٍّ أنَّها تعتدُّ آخر الأجلين؛ يعني: إن وضعتْ قبل الأربعة الأشهر والعشر تربَّصت إلى انقضائها، ولا تحلُّ بمجرَّد الوضع، وإن انقضت المدَّة (١) قبل الوضع تربَّصت إلى الوضعِ، وبه قال ابن عبَّاسٍ لكن رُوي أنَّه رجع عنه. ٥٣٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزاي والعين المهملة، قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بنِ الزُّبير (عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ: أَنَّ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ نُفِسَتْ) بضم النون وكسر الفاء، أي: ولدت (بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا) سعد بن خولة (بِلَيَالٍ) وفي رواية الزُّهريِّ: «فلم تنشبْ أن وضعتْ» [خ¦٣٩٩١]،

стр. 9839

وعند أحمدَ: «فلم أمكثْ (١) إلَّا شهرين حتَّى وضعتُ». وفي «تفسير الطَّلاق»: «بعد زوجها بأربعين ليلةً» [خ¦٤٩٠٩]، وعند النَّسائيِّ: «بعشرين ليلةً». ورُوي غير ذلك ممَّا يتعذَّر فيه الجمع لاتِّحاد القصَّة، ولعلَّ ذلك السِّرُّ في إبهام من أبهم المدَّة (فَجَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَاسْتَأْذَنَتْهُ أَنْ تَنْكِحَ، فَأَذِنَ لَهَا، فَنَكَحَتْ) واحتجوا للقائل بآخر الأجَلَين: بأنَّهما عدَّتان مجتمعتان بصفتين، وقد اجتمعتا في الحامل المُتوفَّى عنها زوجها، فلا تخرج من عِدَّتها إلَّا بيقين، واليقين آخر الأجلين. وأُجيب بأنَّه لما كان المقصود الأصليُّ من العِدَّة براءة الرَّحم، ولا سيما فيمن تحيضُ، حصل المطلوب بالوضع. (٤٠) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾) المدخول بهنَّ من ذواتِ الحيض (﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾) ينتظرنَ (﴿بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]) بعد الطَّلاق، وهو خبرٌ بمعنى الأمر، وأصل الكلام: ولْتتربَّص (٢) المطلَّقات، وذكر الأمر بصيغةِ الخبر تأكيدًا للأمرِ وإشعارًا بأنَّه ممَّا يجب أن يتلقَّى بالمسارعة إلى امتثاله، ونحوه قوله في الدُّعاء: رحمك الله، أخرجه في صورةِ الخبر ثقةً بالاستجابةِ، كأنَّما وُجِدَت الرَّحمة وهو مخبرٌ عنها، وفي ذكر الأنفسِ تهييجٌ لهنَّ على التَّربُّص وزيادةُ بَعْثٍ لأنَّ أنفس النِّساء طوامحٌ إلى الرِّجال، فأُمِرن أن يقمعْنَ أنفسهنَّ ويغلبنَها على الطُّموح ويجبرنَهَا على التربُّص، وقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ يتعدَّى بنفسه، لأنَّه

стр. 9840

بمعنى ينتظرنَ (١)، ويُحتمل أن يكون مفعول التَّربُّص محذوفًا، تقديره: يتربَّصْنَ الأزواجَ. وثلاثة قُرُوء على هذا نصبٌ على الظَّرف لأنَّه اسم عددٍ مضاف للظَّرف، والقروء جمع كَثرة، وهو (٢) من ثلاثة إلى عشرة، يُميَّز بمجموعِ (٣) القلَّة، ولا يُعْدل عن القِلَّة في ذلك إلَّا عند عدم استعمالِ جمع القلَّة غالبًا، وجمع القلَّة هنا موجودٌ وهو أقراء، فالحكمةُ في الإتيان (٤) بجمع الكثرة مع وجود القلِّة أنَّه لمَّا جَمَعَ المطلقات جَمَعَ القَرْءَ لأنَّ لكلِّ مطلَّقة تربُّص ثلاثة أقراء، فصارتْ كثرةً بهذا الاعتبار، وسقط لفظ «باب» لأبي ذر (٥). (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ فيما وصله ابنُ أبي شيبة (فِيمَنْ تَزَوَّجَ) امرأة (فِي العِدَّةِ) تزويجًا فاسدًا (فَحَاضَتْ عِنْدَهُ) أي: عند الثَّاني (ثَلَاثَ حِيَضٍ بَانَتْ) بانقضاء هذه العدَّة (مِنَ) الزَّوج (الأَوَّلِ، وَلَا تَحْتَسِبُ) بفتح الفوقيتين وكسر السِّين (بِهِ) بالحيض (لِمَنْ بَعْدَهُ) لمن بعد الأوَّل بل تعتد أخرى للثَّاني، فلا تداخل لتعدد المستحقِّ فتعتدُّ لكلِّ واحدٍ منهما عِدَّة كاملة، وروى المدنيُّون عن مالك: إن كانت حاضتْ حيضةً أو حيضتين من الأوَّل أنَّها تتمُّ بقية عدَّتها منه، ثمَّ تستأنف عِدَّة أُخرى، وهو قول الشَّافعيِّ وأحمد. (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم: (تَحْتَسِبُ) بالحيض للثَّاني كالأوَّل، فيكفِي لهما عدَّةٌ واحدةٌ، وهو قول الحنفيَّة ورواية عن مالكٍ (وَهَذَا أَحَبُّ إِلَى سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (يَعْنِي: قَوْلَ الزُّهْرِيِّ) لأنَّ الأوَّل لا ينكِحُها في بقيَّة العدَّة من الثَّاني، فدلَّ على أنَّها في عِدَّة الثَّاني، ولولا ذلك لنكحَهَا في عدَّتها منه. (وَقَالَ مَعْمَرٌ) هو: أبو عبيدة (٦) بنُ المثنَّى: (يُقَالُ: أَقْرَأَتِ المَرْأَةُ إِذَا دَنَا) قَرُب (حَيْضُهَا، وَأَقْرَأَتْ إِذَا دَنَا) قَرُب (طُهْرُهَا) فيستعمل في الضِّدَّين، لكن المراد بالقرء عند الشَّافعيَّة: الطُّهر لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي: في زمنها وهو زمنُ الطُّهر؛ إذ الطَّلاق في الحيض
следующие страницы →