للباقين، ووقع عند ابن بطَّالٍ: «كتابُ العِدد (١)، باب قول الله تعالى (٢)» والعِدد، جمع: عِدَّة مأخوذةٌ من العدد لاشتمالها عليه غالبًا، وهي مدَّةٌ تتربَّص فيها المرأة لمعرفةِ براءة رحمها أو للتَّعبُّد، وشُرعت صيانةً وتحصينًا لها من الاختلاطِ، والأصلُ فيها قبل الإجماع الآيات الآتيةُ.
منها قوله تعالى: (﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفريابيُّ مفسِّرًا لـ ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي: (إِنْ لَمْ تَعْلَمُوا يَحِضْنَ أَوْ لَا يَحِضْنَ وَاللَائِي قَعَدْنَ عَنِ الحَيْضِ) أي: كبرنَ وصرنَ عجائزَ، ولأبي ذرٍّ: «عن المحيضِ» فحكمهنَّ حكمُ اللَّائي يئسنَ (وَاللَائِي لَمْ يَحِضْنَ) أصلًا وهنَّ الصَّغائر اللَّائي (٣) لم يبلغنَ سنَّ الحيض (﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤]) وقيل: ﴿ارْتَبْتُمْ﴾ في دمِ البالغات مبلغَ اليأسِ وهو اثنتان وستُّون سنة، أهو دمُ حيضٍ أو استحاضةٍ فعدَّتهنَّ ثلاثة أشهر، وإذا كانت عدَّة المرتاباتِ بها فغيرُ المرتابات (٤) أولى بها (٥)، والأكثرون على أنَّ المعنى: إن ارتبتُم في الحكم لا في اليأسِ، وفي الآية حذفٌ تقديره: واللَّائي لم يحضنَ فعدَّتهنَّ كذلك، فإن حاضتِ الصَّغيرة أو غيرها ممَّن لم يحضنَ أثناء العدَّة بالأشهرِ انتقلتْ إلى الحيض لقدرتهَا على الأصلِ قبلَ فراغها من البدلِ كالماء في أثناءِ التَّيمُّم، ولم يحسب الماضي قرْءًا لأنَّه لم يحتوِشْ بدَمَين، أمَّا من حاضت بعد العدَّة فلا يؤثِّر لأنَّ حيضَها حينئذٍ لا يمنع صدقَ القول بأنَّها عند اعتدادِهَا بالأشهر من اللَّائي لم يحضنَ.
(٣٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وهو ساقطٌ لأبي ذرٍّ (﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ﴾) الحُبالى (﴿أَجَلُهُنَّ﴾) عِدَّتُهُنَّ (﴿أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]) يتناول المطلَّقات والمتوفَّى عنهنَّ أزواجهنَّ.
стр. 9837
٥٣١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه: عبد الله (١)، المخزوميُّ مولاهم، المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ) الكنديِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الأَعْرَجِ) أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَسْلَمَ) بن أَفْصَى بنِ حارثةَ (يُقَالُ لَهَا: سُبَيْعَةُ) بضم السين المهملة، بنت الحارث (كَانَتْ تَحْتَ زَوْجِهَا) سعد بن خولة، المتوفَّى بمكَّة بعد أن هاجرَ منها (تُوُفِّي عَنْهَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «منها» (وَهْيَ) أي: والحال أنَّها (حُبْلَى) منه في حجَّة الوداع، وعند ابنِ سعدٍ: «قبل الفتح». وعند الطَّبريِّ: «سنة سبعٍ». وزاد في «تفسيرِ سورة الطَّلاق» [خ¦٤٩٠٩]: «فوضعتْ بعد موتهِ بأربعين ليلةً» (فَخَطَبَهَا أَبُو السَّنَابِلِ) بفتح السين والنون وبعد الألف موحدة مكسورة فلام، عَمرو، أو عامر، أو حبَّة -بمهملة (٢) وموحدة-، وقيل: بنون، وقيل: أصرم، وقيل غير ذلك (ابْنُ بَعْكَكٍ) بفتح الموحدة وسكون العين المهملة وفتح الكاف الأولى، القرشيُّ، وزاد في «التَّفسير»: «فيمن خطبها» [خ¦٤٩٠٩] (فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَهُ) أن مصدريَّة وكان كهلًا، وخطبها أبو البِشْر -بكسر الموحدة وسكون المعجمة- ابن الحارث، وكان شابًّا (فَقَالَ) أبو السَّنابل لمَّا رآها تجمَّلت لغيرهِ من الخُطَّاب (وَاللهِ مَا يَصْلُحُ أَنْ تَنْكِحِيهِ) أي: تتزوَّجيه (حَتَّى تَعْتَدِّي آخِرَ الأَجَلَيْنِ) أي: أربعة أشهرٍ وعشرًا، ولو وضعت قبل ذلك فإن مضتْ ولم تضع تتربَّص إلى أن تضع (فَمَكُثَتْ) بضم الكاف (٣) (قَرِيبًا مِنْ عَشْرِ لَيَالٍ) بعد (٤) الوضع (ثُمَّ جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ) لها: (انْكِحِي) لأنَّ عِدَّتك انقضتْ بوضع الحملِ، وهو مخصِّصٌ -كآية (٥) الطَّلاق- لعموم
стр. 9838
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
وهذا الحديثُ أخرجهُ النَّسائيُّ في «الطَّلاق».
٥٣١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يَزِيدَ) بن أبي حبيب أبي رجاء المصريِّ، واسم أبي حبيب: سويد (أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريَّ (كَتَبَ إِلَيْهِ أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ) بضم العين (ابْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عُتبة بن مسعودٍ (أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى ابْنِ الأَرْقَمِ) عُمر بن عبد الله، وليس لعُمر هذا في «الصحيحين» إلَّا هذا الحديث الواحد (أَنْ يَسْأَلَ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ) وهي من المهاجرات كما عند ابن سعدٍ (كَيْفَ أَفْتَاهَا النَّبِيُّ ﷺ ؟) في العدَّة لمَّا تُوفي زوجها وهي حاملٌ، فأتاها فسألها (فَقَالَتْ: أَفْتَانِي إِذَا وَضَعْتُ أَنْ أَنْكِحَ) فكتبَ إليه الجواب.
وهذا قد أجمع عليه جمهورُ العلماء من السَّلف وأئمة الفتوى في الأمصارِ، إلَّا ما رُوي عن عليٍّ أنَّها تعتدُّ آخر الأجلين؛ يعني: إن وضعتْ قبل الأربعة الأشهر والعشر تربَّصت إلى انقضائها، ولا تحلُّ بمجرَّد الوضع، وإن انقضت المدَّة (١) قبل الوضع تربَّصت إلى الوضعِ، وبه قال ابن عبَّاسٍ لكن رُوي أنَّه رجع عنه.
٥٣٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزاي والعين المهملة، قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بنِ الزُّبير (عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ: أَنَّ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ نُفِسَتْ) بضم النون وكسر الفاء، أي: ولدت (بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا) سعد بن خولة (بِلَيَالٍ) وفي رواية الزُّهريِّ: «فلم تنشبْ أن وضعتْ» [خ¦٣٩٩١]،
стр. 9839
وعند أحمدَ: «فلم أمكثْ (١) إلَّا شهرين حتَّى وضعتُ». وفي «تفسير الطَّلاق»: «بعد زوجها بأربعين ليلةً» [خ¦٤٩٠٩]، وعند النَّسائيِّ: «بعشرين ليلةً». ورُوي غير ذلك ممَّا يتعذَّر فيه الجمع لاتِّحاد القصَّة، ولعلَّ ذلك السِّرُّ في إبهام من أبهم المدَّة (فَجَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَاسْتَأْذَنَتْهُ أَنْ تَنْكِحَ، فَأَذِنَ لَهَا، فَنَكَحَتْ) واحتجوا للقائل بآخر الأجَلَين: بأنَّهما عدَّتان مجتمعتان بصفتين، وقد اجتمعتا في الحامل المُتوفَّى عنها زوجها، فلا تخرج من عِدَّتها إلَّا بيقين، واليقين آخر الأجلين.
وأُجيب بأنَّه لما كان المقصود الأصليُّ من العِدَّة براءة الرَّحم، ولا سيما فيمن تحيضُ، حصل المطلوب بالوضع.
(٤٠) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾) المدخول بهنَّ من ذواتِ الحيض (﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾) ينتظرنَ (﴿بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]) بعد الطَّلاق، وهو خبرٌ بمعنى الأمر، وأصل الكلام: ولْتتربَّص (٢) المطلَّقات، وذكر الأمر بصيغةِ الخبر تأكيدًا للأمرِ وإشعارًا بأنَّه ممَّا يجب أن يتلقَّى بالمسارعة إلى امتثاله، ونحوه قوله في الدُّعاء: رحمك الله، أخرجه في صورةِ الخبر ثقةً بالاستجابةِ، كأنَّما وُجِدَت الرَّحمة وهو مخبرٌ عنها، وفي ذكر الأنفسِ تهييجٌ لهنَّ على التَّربُّص وزيادةُ بَعْثٍ لأنَّ أنفس النِّساء طوامحٌ إلى الرِّجال، فأُمِرن أن يقمعْنَ أنفسهنَّ ويغلبنَها على الطُّموح ويجبرنَهَا على التربُّص، وقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ يتعدَّى بنفسه، لأنَّه
стр. 9840
بمعنى ينتظرنَ (١)، ويُحتمل أن يكون مفعول التَّربُّص محذوفًا، تقديره: يتربَّصْنَ الأزواجَ. وثلاثة قُرُوء على هذا نصبٌ على الظَّرف لأنَّه اسم عددٍ مضاف للظَّرف، والقروء جمع كَثرة، وهو (٢) من ثلاثة إلى عشرة، يُميَّز بمجموعِ (٣) القلَّة، ولا يُعْدل عن القِلَّة في ذلك إلَّا عند عدم استعمالِ جمع القلَّة غالبًا، وجمع القلَّة هنا موجودٌ وهو أقراء، فالحكمةُ في الإتيان (٤) بجمع الكثرة مع وجود القلِّة أنَّه لمَّا جَمَعَ المطلقات جَمَعَ القَرْءَ لأنَّ لكلِّ مطلَّقة تربُّص ثلاثة أقراء، فصارتْ كثرةً بهذا الاعتبار، وسقط لفظ «باب» لأبي ذر (٥).
(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ فيما وصله ابنُ أبي شيبة (فِيمَنْ تَزَوَّجَ) امرأة (فِي العِدَّةِ) تزويجًا فاسدًا (فَحَاضَتْ عِنْدَهُ) أي: عند الثَّاني (ثَلَاثَ حِيَضٍ بَانَتْ) بانقضاء هذه العدَّة (مِنَ) الزَّوج (الأَوَّلِ، وَلَا تَحْتَسِبُ) بفتح الفوقيتين وكسر السِّين (بِهِ) بالحيض (لِمَنْ بَعْدَهُ) لمن بعد الأوَّل بل تعتد أخرى للثَّاني، فلا تداخل لتعدد المستحقِّ فتعتدُّ لكلِّ واحدٍ منهما عِدَّة كاملة، وروى المدنيُّون عن مالك: إن كانت حاضتْ حيضةً أو حيضتين من الأوَّل أنَّها تتمُّ بقية عدَّتها منه، ثمَّ تستأنف عِدَّة أُخرى، وهو قول الشَّافعيِّ وأحمد.
(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم: (تَحْتَسِبُ) بالحيض للثَّاني كالأوَّل، فيكفِي لهما عدَّةٌ واحدةٌ، وهو قول الحنفيَّة ورواية عن مالكٍ (وَهَذَا أَحَبُّ إِلَى سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (يَعْنِي: قَوْلَ الزُّهْرِيِّ) لأنَّ الأوَّل لا ينكِحُها في بقيَّة العدَّة من الثَّاني، فدلَّ على أنَّها في عِدَّة الثَّاني، ولولا ذلك لنكحَهَا في عدَّتها منه.
(وَقَالَ مَعْمَرٌ) هو: أبو عبيدة (٦) بنُ المثنَّى: (يُقَالُ: أَقْرَأَتِ المَرْأَةُ إِذَا دَنَا) قَرُب (حَيْضُهَا، وَأَقْرَأَتْ إِذَا دَنَا) قَرُب (طُهْرُهَا) فيستعمل في الضِّدَّين، لكن المراد بالقرء عند الشَّافعيَّة: الطُّهر لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي: في زمنها وهو زمنُ الطُّهر؛ إذ الطَّلاق في الحيض
стр. 9841
مُحرَّمٌ كما سبق، ولأنَّ القَُرء مأخوذٌ من قولهم (١): قَرأتُ الماء في الحوض، أي: جمعتهُ فيه، فالطُّهر أحقُّ باسم القَرء لأنَّه زمنُ اجتماع الدَّم في الرَّحم، والحيض: زمنُ خروجهِ منه، فينصرفُ إذن إلى زمن الطُّهر الَّذي هو زمنُ العدَّة وزمنها يعقبُ زمن الطَّلاق، والطُّهر ما احتوشَه دَمَان، أي: دما حيضتين، أو حيضٍ ونفاسٍ لا مجرَّد الانتقال إلى الحيضِ، فإن طلَّقها في الطُّهر ولو بقي منه لحظةٌ أو جامعَها فيه انقضتْ عدَّتُها بالطَّعن في الحيضةِ الثَّالثة، ولا يبعدُ تسمية قرأين (٢) وبعضُ الثَّالث ثلاثة أقراء كما يقال: خرجتُ من البلدِ لثلاثٍ مَضين مع وقوعِ خروجهِ في الثَّالثة، وكما في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] مع أنَّ المراد: شوَّال وذو القَِعدة وبعض ذي الحجَّة، ولأنَّا لو لم نعتد بالباقي قُرْءًا لكان أبلغ في تطويلِ العدَّة عليها من الطَّلاق في الحيض، أو طلَّقها في الحيضِ فبالطَّعن في الحيضةِ الرَّابعة انقضتْ عدَّتها (وَيُقَالُ: مَا قَرَأَتْ بِسَلًا قَطُّ إِذَا لَمْ تَجْمَعْ (٣) وَلَدًا فِي بَطْنِهَا) بكسر الباء الموحدة وفتح السين والتَّنوين من غير همزٍ في قوله: بِسَلا، غشاءُ الولد.
وسبق في أوائل «سورة النُّور».
(٤١) (بابُ قِصَّةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ) أي: ابن خالدٍ الأكبر الفهريَّة، أخت الضَّحَّاك، من المهاجرات
стр. 9842
الأُوَل (وَقَوْلِهِ ولأبي ذرٍّ: «وقول الله (١)»: (﴿وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾) أي: لا تخرجوا المطلَّقات طلاقًا بائنًا بخلعٍ أو ثلاثٍ، حاملًا كانت أو حائلًا، غضبًا عليهنَّ وكراهية (٢) لمساكنتهنَّ، أو لحاجةٍ لكم إلى المساكنِ، ولا تأذنوا لهنَّ في الخروجِ إذا طلبن ذلك إيذانًا بأنَّ إذنهم لا أثرَ له في رفعِ الحظر (﴿مِن بُيُوتِهِنَّ﴾) مساكنهنَّ الَّتي يسكنها قبل العدَّة وهي بيوتُ الأزواج، وأُضيفت إليهنَّ لاختصاصها بهنَّ من حيث السُّكْنى (﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾) بأنفسهنَّ إنْ أردن ذلك ولو وافق الزَّوج، وعلى الحاكم المنعُ منه لأنَّ في العدَّة حقًّا لله تعالى، وقد وجبتْ في ذلك المسكن. وفي «الحاوي» و «المُهذَّب» وغيرهما من كتب العراقيين: أنَّ للزَّوج أن يُسكِنها حيث شاء لأنَّها في حكم الزَّوجة، وبه جزم النَّووي في «نكته». قال السُّبكيُّ: والأوَّل أولى لإطلاقِ الآية، والأذرعيُّ: إنَّه المذهبُ المشهور، والزَّركشيُّ: إنَّه الصَّواب (﴿إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾) قيل: هي الزِّنا، أي: إلَّا أن يَزنين فيخرجنَ لإقامة الحدِّ عليهنَّ، قاله ابنُ مسعودٍ وبه أخذَ أبو يوسف، وقيل: خروجُها قبل انقضاءِ العدَّة فاحشةٌ في نفسهِ قاله النَّخعيُّ، وبه أخذَ أبو حُنيفة، وقال ابنُ عبَّاس: الفاحشةُ نشوزُها وأن تكونَ بذيئةَ اللِّسان على أحمائهَا. قال الشَّيخ كمال الدِّين ابن الهمام: وقول ابنِ مسعود أظهرُ من جهةِ وضع اللَّفظ له لأنَّ ﴿إِلَّا أَن﴾ (٣) غاية، والشَّيء لا يكون غايةً لنفسهِ، وما قاله النَّخعيُّ أبدعُ وأعذبُ في الكلام، كما يقال في الخطابيات: لا تزن (٤) إلَّا أن تكون فاسقًا، ولا تشتمْ أمَّك إلَّا أن تكون قاطع رحمٍ، ونحوه، وهو بديعٌ بليغٌ جدًا (﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾) أي: الأحكام المذكورة (﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي﴾) أيُّها المُخاطب (﴿لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]) بأن يقلبَ قلبَه من بُغضها إلى محبَّتها أو من الرَّغبةِ عنها إلى الرَّغبة فيها، أو (٥) من عزيمةِ الطَّلاق إلى النَّدم عليه فيُراجِعها، والمعنى: فطلِّقوهنَّ لعِدَّتهنَّ وأحصوا العِدَّة ولا تُخرجوهنَّ من بيوتهنَّ لعلَّكم تندمون فتراجعونَ، ثمَّ ابتدأ المصنِّف بآيةٍ أُخرى من سورةِ الطَّلاق فقال: (﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ
стр. 9843
حَيْثُ سَكَنتُم﴾) مِن للتَّبعيض حُذف مُبعَضُها، أي: أسكنوهنَّ مكانًا من حيثُ سكنتُم (١)، أي: بعض مكان سُكْنَاكم (﴿مِّن وُجْدِكُمْ﴾) عطف بيانٍ لقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم﴾ وتفسيرٌ له كأنَّه قيل: أسكنوهنَّ مكانًا من مسكنكم ممَّا تطيقونه، والوجْد: الوسعُ والطَّاقة (﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾) من المسكنِ (٢) ببعضِ الأسباب حتَّى تضطروهنَّ إلى الخروج (﴿وَإِن كُنَّ﴾) أي: المطلَّقات (﴿أُولَاتِ حَمْلٍ﴾) ذوات حملٍ (﴿فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ … ﴾ إِلَى قَوْلِهِ) تعالى: (﴿بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٦ - ٧]) أي: بعد ضيقٍ في المعيشة سعَةً، وهو وعدٌ لِذي العُسر باليُسر، والنَّفقة للحاملِ شاملةٌ للأُدم والكُِسوةِ؛ إذ إنَّها مشغولةٌ بمائه، فهو مستمتعٌ برحمهَا فصارَ كالاستمتاعِ بها في حال الزَّوجية؛ إذ النَّسل مقصودٌ بالنِّكاح كما أنَّ الوطءَ مقصودٌ به، والنَّفقة للحاملِ بسببِ الحمل لا للحمل لأنَّها لو كانتْ له لتقدَّرت بقدر (٣) كفايتهِ، ومفهومُ الآية: أنَّ غيرَ الحاملِ لا نفقةَ لها، وإلَّا لم يكنْ لتخصيصِهَا بالذِّكر معنى.
والسِّياق يُفهم أنَّها في غير الرَّجعيَّة لأنَّ نفقةَ الرَّجعيَّة واجبةٌ (٤) ولو لم تكن حاملًا.
وذهب الإمامُ إلى أنَّه لا نفقةَ لها ولا سُكنى على ظاهرِ حديث فاطمة، وإنَّما وجبتِ السُّكنى لمُعتدَّةِ وفاةٍ وطلاقٍ بائنٍ وهي حائلٌ (٥) دون النَّفقة لأنَّها لصيانةِ ماءِ الزَّوج، وهي تحتاجُ إليها بعدَ الفرقةِ، كما تحتاجُ إليها قبلها، والنَّفقة لسَلْطنته عليها، وقد انقطعتْ.
وسياقُ هذه الآيات كلِّها ثابتٌ في رواية كريمةَ، وقال أبو ذرٍّ في روايتهِ بعد قولهِ تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]: «الآية» وهو نصبٌ بفعلٍ (٦) مقدَّر.
стр. 9844
٥٣٢١ - ٥٣٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع (١) (إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويس قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام الأعظم (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي: ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) بالتَّحتية والسين المهملة المخفَّفة، مَولى ميمونة (أَنَّهُ) أي: أنَّ يحيى بنَ سعيدٍ الأنصاريَّ (سَمِعَهُمَا) أي: القاسم بن محمَّد وسليمان بن يسارٍ (يَذْكُرَانِ: أَنَّ (٢) يَحْيَى بْنَ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ) أخا عَمرو بن سعيد، المعروف بالأشدَقِ (طَلَّقَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَكَمِ) بفتحتين، عَمْرة، الطَّلاق البتَّة (فَانْتَقَلَهَا) أي: نقلها (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) أبوها من مسكنِهَا الَّذي طُلِّقت فيه، فسمعتْ عائشة بنقلِ عبد الرَّحمن ابنته من مَسْكنها الَّذي طُلِّقت فيه (فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ) ﵂ (إِلَى) عمِّ عَمرة بنت عبد الرَّحمن بن الحكم (مَرْوَانَ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن الحكم» (وَهْوَ أَمِيرُ المَدِينَةِ) يومئذٍ من قبل معاوية وولي الخلافة بعدُ، تقول له: (اتَّقِ اللهَ) يا مروان (وَارْدُدْهَا إِلَى بَيْتِهَا) الَّذي طُلِّقت فيه (قَالَ مَرْوَانُ) مجيبًا لعائشة كما (فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ) بن يسار: (إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الحَكَمِ) يعني: أخاهُ والدَ عَمرة (غَلَبَنِي) فلم أقدرْ على منعهِ من نَقلتها (٣) (وَقَالَ القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ) في حديثه: قال مروان مجيبًا لعائشة أيضًا: (أَوَمَا بَلَغَكِ شَأْنُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؟) حيث لم تعتدَّ في بيتِ زوجها وانتقلتْ إلى غيره (قَالَتْ) عائشة ﵂ لمروان: (لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَذْكُرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ) لأنَّه لا حجَّة فيه لجواز انتقالِ المطلَّقة من منزلها بغير سببٍ (٤)، قاله في «الفتح».
وقال في «الكواكب»: كان لعلَّةٍ وهو أنَّ مكانها كان وحشًا مخوفًا عليه، أو لأنَّها كانت لسنَةً استطالَتْ على أحمائهَا (فَقَالَ: مَرْوَانُ بْنُ الحَكَمِ) لعائشة: (إِنْ كَانَ بِكِ شَرٌّ) أي: إن كان عندَك أنَّ سببَ خروج فاطمة بنت قيس ما وقعَ بينها وبين أقارب زوجها من الشَّرِّ (فَحَسْبُكِ) فيكفيكِ في
стр. 9845
جوازِ انتقال عَمرة (مَا بَيْنَ هَذَيْنِ) عَمرة وزوجها يحيى بن سعيد (مِنَ الشَّرِّ) ومفهومه: جواز النَّقلة من المسكنِ الَّذي طلِّقت فيه بشرطِ وجود عارضٍ يقتضِي جواز خروجِها منه، كأنْ يكون المنزلُ مستعارًا ورجعَ المُعير ولم يرضَ بإجارته بأُجرة المِثل، أو امتنعَ المكْري من تجديدِ الإجارة بذلك، أو كان مُلكًا لها ولم تخترِ الاستمرار فيه بإجارةٍ بل اختارتْ الانتقالَ منه؛ إذ لا يلزمُها بذله بإعارةٍ ولا إجارةٍ، كما لو كان المسكنُ خسيسًا وطلبتِ النَّقلة منه إلى اللَّائق بها، فإن كانَ نفيسًا فللزَّوج نقلها إلى غيرهِ لائق بها، ويتحرَّى المنزلَ الأقربَ إلى المنقولِ عنه بحسبِ الإمكان.
وقال المرداويُّ من الحنابلة: تعتد بائنٌ حيث شاءتْ من البلدِ في مكانٍ مأمونٍ، ولا تسافرُ، ولا تبيتُ إلَّا في منزلهَا، وإنْ أرادَ إسكانها في منزلهِ أو غيره ممَّا يصلحُ لها تحصينًا لفراشهِ ولا مَحذورٍ فيه لَزمها ذلك، ولو لم تلزمه نفقة.
٥٣٢٣ - ٥٣٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُنْدار قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ) القاسم بن محمد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (١) (أَنَّهَا قَالَتْ: مَا لِفَاطِمَةَ) بنت قيسٍ، أي: ما شأنُّها (أَلَا) بالتَّخفيف (تَتَّقِي اللهَ، يَعْنِي فِي قَوْلِهَا (٢): لَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةَ) للمطلَّقة البائنِ على زوجها، والحال أنَّها تعرف قصَّتها يقينًا من أنَّها إنَّما أُمرت بالانتقالِ لعذرٍ وعلَّةٍ كانتْ بها، فأخبرتْ بما أباحَ لها الشَّارع من الانتقالِ ولم تخبرْ بالعلَّة.
وهذا الحديثُ أخرجهُ مسلمٌ.
стр. 9846
٥٣٢٥ - ٥٣٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ) بفتح العين، وعبَّاس بالموحدة آخره سين مهملة، البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ) عبد الرَّحمن قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ) القاسم بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق أنَّه: (قَالَ: قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ لِعَائِشَةَ) ﵂: (أَلَمْ تَرَيْنَ) بالنون، ولأبي ذرٍّ: «ألم ترَي» (إِلَى فُلَانَةَ) عَمرة (بِنْتِ الحَكَمِ) نسبها لجدِّها، وإلَّا فاسم أبيها: عبد الرَّحمن كما مرَّ (طَلَّقَهَا زَوْجُهَا) يحيى بنُ سعيد بنِ العاص الطَّلاق (البَتَّةَ، فَخَرَجَتْ؟) من المنزل الَّذي طلَّقها فيه إلى غيره (فَقَالَتْ) عائشة: (بِئْسَ مَا صَنَعَتْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «بئس ما صنَعَ» أي: زوجُها من تمكينهِ لها من ذلك، أو بئسَ ما صنعَ أبوها في موافقتِهَا لذلك (قَالَ) عروةُ لعائشة: (أَلَمْ تَسْمَعِي فِي قَوْلِ فَاطِمَةَ) بنت قيسٍ حيث أُذن لها بالانتقالِ من المنزلِ الَّذي طُلِّقت فيه (قَالَتْ) عائشة: (أَمَا) بالتَّخفيف (إِنَّهُ لَيْسَ لَهَا خَيْرٌ فِي ذِكْرِ هَذَا الحَدِيثِ) إذ هو مُوهِمٌ (١) للتَّعميم، وقد كان خاصًّا بها؛ لعذرٍ كان بها ولما فيه من الغَضَاضة.
(وَزَادَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ) بالنون بعد الزاي، عبد الرَّحمن، واسم أبي الزِّناد: عبد الله، فيما وصله أبو داود (عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ) عروة بنُ الزُّبير أنَّه قال: (عَابَتْ عَائِشَةُ) على فاطمة بنت قيس (أَشَدَّ العَيْبِ، وَقَالَتْ: إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ) بفتح الواو وسكون الحاء المهملة بعدها شين معجمة، أي: خالٍ ليس به أنيسٌ (فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا، فَلِذَلِكَ أَرْخَصَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ ¬) في الانتقالِ، وعند النَّسائيِّ من طريق ميمون بن مهران قال: قَدِمْتُ المدينةَ فقلتُ لسعيد بن المسيَّب: إنَّ فاطمةَ بنت قيس خرجتْ من بيتها، فقال: إنَّها كانت لَسِنَةً. ولأبي داود من طريق سليمان بن يسار: إنَّما كان ذلك من سوء الخُلق.
(٤٢) (بابُ) حُكم المرأة (المُطَلَّقَةِ إِذَا خُشِيَ عَلَيْهَا) بضم الخاء وكسر الشين المعجمتين (فِي مَسْكَنِ زَوْجِهَا) في مدَّة عدَّتها منه (أَنْ يُقْتَحَمَ) بضم التحتية وسكون القاف وفتح الفوقية
стр. 9847
والحاء المهملة، أي: يَهجم (عَلَيْهَا) بغير إذنٍ إمَّا مُطلِّقها أو غيره من سارق ونحوه (أَوْ تَبْذُوَ) بالذال المعجمة مِنَ البَذاء، وهو القولُ الفاحش (عَلَى أَهْلِهَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «على أهله» أي: أهل المطلِّق (بِفَاحِشَةٍ) وجواب إذا محذوفٌ، والتقدير: تنتقلُ إلى مسكنٍ غير (١) مسكن الطَّلاق.
٥٣٢٧ - ٥٣٢٨ - وبه قال: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد وبالواو، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا (٢)» (حِبَّانُ) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة، ابن موسى المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بنُ عبد العزيز (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير: (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنْكَرَتْ ذَلِكَ) القول، وهو أنَّه لا نفقةَ ولا سُكنى للمطلَّقة البائنِ (عَلَى فَاطِمَةَ) بنت قيس، وفي رواية أبي أسامةَ عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن فاطمةَ بنت قيس قالت: قُلت: يا رسول الله، إنَّ زوجي طلَّقني ثلاثًا، فأخافُ أن يُقتحم عليَّ، فأمرها فتحوَّلت.
قال في «الفتح»: وقد أخذ البخاريُّ التَّرجمة من مجموع ما ورد في قصَّةِ فاطمةَ، فرتَّب الجواز على أحد الأمرين: إِمَّا خشية الاقتحام عليها، وإمَّا أن يقعَ منها على أهل مُطلِّقها فُحشٌ في القولِ، ولم ير أنَّ بين الأمرين في قصَّة فاطمة معارضة لاحتمالِ وقوعهما معًا في شأنها.
وقال الكِرمانيُّ: فإن قلتَ: لم يذكر البخاريُّ ما شُرِط في التَّرجمة من البَذاء.
قلت: علم من القياس على الاقتحامِ، والجامع بينهما رعاية المصلحةِ وشدَّة الحاجة إلى (٣) الاحترازِ عنه، وقال شارح التَّراجم: ذكر في التَّرجمة (٤) الخوف عليها والخوف منها، والحديث يقتضي الأوَّل وقاس الثَّاني عليه، ويؤيِّده قول عائشة لها في بعض الطُّرق: «أَخْرَجَكِ هذا اللِّسان». فكأن الزِّيادة لم تكنْ على شرطهِ، فضمَّنها للتَّرجمة قياسًا.
стр. 9848
(٤٣) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾) أي: للنِّساء (﴿أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]) قال مجاهدٌ وأكثر المفسِّرين: (مِنَ الحَيْضِ وَالحَبَلِ) بالموحدة المفتوحة، ولأبي ذرٍّ: «والحمْلِ» بالميم الساكنة بدل الموحدة، وذلك إذا أرادت المرأة فراق زوجها فكتمتْ حملها لِئلَّا ينتظر بطلاقها أن تضعَ، ولئلا يشفقَ على الولد فيتركُ تسريحها، أو كتمتْ حيضَها، وقالتْ -وهي حائض-: قد طَهُرت استعجالًا للطَّلاق.
٥٣٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بن عُتيبة (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: لَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَنْفِرَ) في حجَّة الوداع النَّفر الثَّاني (إِذَا صَفِيَّةُ) بنتُ حيي (عَلَى بَابِ خِبَائِهَا) حال كونها (كَئِيبَةً) حزينةً (فَقَالَ) ﵊ (لَهَا: عَقْرَى) بفتح العين وسكون القاف وفتح الراء، أي: عَقرك الله في جسدكِ، فهو بمعنى الدُّعاء لكنَّه يجرِي على لسان العربِ من غير قصدٍ إليه (-أَوْ: حَلْقَى-) بالشَّكِّ من الرَّاوي، وسقط «أو» لأبي ذرٍّ (١)، أي: أصابك بوجعٍ في حلقكِ (إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا) عن النَّفر، وأُسند الحبسُ إليها لأنَّها سببُه (أَكُنْتِ) بهمزةِ الاستفهام (أَفَضْتِ) أي: طفْتِ طواف الزِّيارة (يَوْمَ النَّحْرِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ) ﵊: (فَانْفِرِي) بكسر الفاء الثانية (إِذًا) بالتَّنوين؛ لأنَّ طوافَ الوداع غير لازم (٢) للحائِض، قال ابنُ المنيِّر: لما رتَّب ﷺ على مجرَّد قولِ صفيَّة أنَّها حائضٌ تأخيرَهُ عن السَّفر أُخِذَ منه تعدِّي الحكم إلى الزَّوج، فتُصَدَّق المرأة في الحيضِ والحملِ باعتبار رجعةِ الزَّوج وسُقوطِها وإلحاقِ الحملِ به.
وهذا الحديثُ قد سبق في «كتاب الحجِّ» في «باب التَّمتُّع» [خ¦١٥٦١].
стр. 9849
(٤٤) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين، في قوله تعالى: (﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾) جمع بعلٍ، والتاء لاحقةٌ لتأنيث الجمع (﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]) أي: أزواجُهنَّ أولى برجعتهِنَّ ما كُنَّ (فِي العِدَّةِ) فإذا انقضتِ العِدَّة احتيجَ لعقدٍ جديدٍ (وَكَيْفَ يُرَاجِعُ) الرَّجل (المَرْأَةَ) ولأبي ذرٍّ: «تُراجَع» بالفوقية وفتح الجيم مبنيًّا للمفعول «المرأةُ» (٢) (إِذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ).
٥٣٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدٌ) هو: ابنُ سلام قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بنُ عبيدٍ البصريُّ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ أنَّه (قَالَ: زَوَّجَ مَعْقِلٌ) بفتح الميم وسكون العين (٣) المهملة وكسر القاف، ابن يسار، ضدُّ اليمين (أُخْتَهُ) جُميلة -بضم الجيم- مصغَّرًا، أو ليلى بأبي البدَّاح بن عاصمٍ، أو بعاصمٍ نفسه، أو بالبدَّاح بن عاصمٍ أخي أبي البدَّاح، أو بعبدِ الله بن رَوَاحة، خلافٌ سبقَ في «تفسير سورة البقرة» (فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً).
٥٣٣١ - قال المؤلِّف (٤): (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبدِ الأعلى، البصريُّ السَّاميُّ -بالمهملة- قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) بكسر العين،
стр. 9850
ابنُ أبي عَرُوبة (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السَّدوسيِّ قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ) البصريُّ: (أَنَّ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ) المزنيَّ (كَانَتْ أُخْتُهُ تَحْتَ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا) أي: واحدةً أو ثنتين (ثُمَّ خَلَّى (١) عَنْهَا) بفتح الخاء المعجمة واللام المشدَّدة (حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، ثُمَّ خَطَبَهَا) من أخيها مَعقِل (فَحَمِيَ) بفتح الحاء المهملة وكسر الميم، أي: أنِفَ (مَعْقِلٌ مِنَ ذَلِكَ أَنَفًا) بفتح الهمزة والنون والفاء المنونة، أي: استنكافًا. وقال في «فتح الباري»: أي: ترك الفعلَ غيظًا وترفُّعًا (فَقَالَ) أي: معقل: (خَلَّى عَنْهَا) بتشديد اللام (وَهْوَ يَقْدِرُ عَلَيْهَا) أي: على مُراجعتها قبل انقضاءِ عِدَّتها (ثُمَّ يَخْطُبُهَا، فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾) أي: انقضتْ عدَّتهن (﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]) فلا تَمنعوهُنَّ (إِلَى آخِرِ الآيَةِ) وفيه: أنَّ المرأة إنَّما يزوجها الوَلي؛ إذ لو تمكَّنت من ذلك لم يكن لعَضْلِ الولي معنى (فَدَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَرَأَ) ها (عَلَيْهِ، فَتَرَكَ الحَمِيَّةَ) بالتَّشديد (وَاسْتَقَادَ) بالقاف، أطاع (لأَمْرِ اللهِ) وامتثلهُ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «واسترَادَّ» براء بعد الفوقيَّة بدل القاف وتشديد الدال، من الردِّ، وهو الطَّلب، أي: طلبَ رجعتها لمطلِّقها ورضيَ به.
وقد سبق هذا الحديث في «التَّفسيرِ» [خ¦٤٥٢٩] و «النِّكاح» [خ¦٥١٣٠].
٥٣٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر: (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵄ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ (٢)) اسمها (٣): آمنةُ بنتُ غفار (وَهْيَ حَائِضٌ
стр. 9851
تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أمْرَ نَدْبٍ، وقال المالكيَّة وصحَّحه صاحب «الهداية» من الحنفيَّة: للوجوب (أَنْ يُرَاجِعَهَا، ثُمَّ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضِهَا، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا حِينَ تَطْهُرُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُجَامِعَهَا، فَتِلْكَ) أي: حالة الطُّهر (العِدَّةُ) زمنها المُعتبر فيها (الَّتِي أَمَرَ اللهُ) أي: أَذِن الله في قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] (أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ) بفتح لام «يطلَّق» (وَكَانَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر (إِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ) أي: عمَّن طلَّق ثلاثًا (قَالَ لأَحَدِهِمْ: إِنْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لو» (كُنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) بضمير الغيبة، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «غيرك» بضمير الخطاب.
(وَزَادَ فِيهِ) في الحديث (غَيْرُهُ) أي: غير قُتيبة، وهو (١) أبو الجهم (عَنِ اللَّيْثِ) بن سعدٍ، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ يخاطبُ من سأله عن كونِهِ طلَّق امرأته ثلاثًا: (لَوْ طَلَّقْتَ) امرأتَكَ (مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) لكانَ لك أن تُراجِعها (فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ¬) لمَّا طلَّقتُ امرأتيِ وهي حائضٌ طلاقًا غير بائنٍ (أَمَرَنِي بِهَذَا) أي: بالمراجَعَة، وزاد في «باب من قال لامرأتِهِ: أنت عليَّ حرامٌ»: «فإن طلَّقها (٢) ثلاثًا حرمت حتى تنكح زوجًا غيره» [خ¦٥٢٦٤].
وهذا وصله أبو الجهم في «جزئه».
(٤٥) (بابُ مُرَاجَعَةِ الحَائِضِ) إذا طلقت طلاقًا غيرَ بائنٍ.
٥٣٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هو ابنُ منهال قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) التُّستريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضم الجيم وفتح
стр. 9852
الموحدة آخره راء مصغَّرًا، ابن مطعم، أنَّه قال: (سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ) عمَّن يطلِّق امرأته وهي حائض (فَقَالَ) مجيبًا لي معبرًا بلفظ الغَيْبَة عن نفسه: (طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ) آمنةَ بنت غفار (وَهْيَ حَائِضٌ، فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) عن ذلك لمَّا سأله عن ابنه (قَالَ) ﷺ لِعُمر (١): (مُرْهُ) أي: مر ابنك عبدَ الله (أَنْ يُرَاجِعَهَا) إلى عصمتِه (ثُمَّ يُطَلِّقَـ) ها (مِنْ قُبُلِ) بضم القاف والموحدة، أي: من وقتِ استقبال (عِدَّتِهَا) والشُّروع فيها، وذلك في الطُّهر.
قال يونسُ بن جُبير: (قُلْتُ) لابنِ عمر: (أفَتَعْتَدُّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ؟) وتحتسبها ويُحكَم بوقوعِ طلقةٍ (قَالَ) ابن عمر مجيبًا له: (أَرَأَيْتَ) أي: أَخْبرني (إِنْ عَجَزَ) ابنُ عمر (وَاسْتَحْمَقَ) فما يمنعُه أن يكونَ طلاقًا.
وهذا الحديث قد مرَّ في أوائلِ «الطَّلاق» [خ¦٥٢٥٨].
(٤٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (تُحِدُّ) المرأة (المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوجها أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) تُحِدُّ -بضم الفوقيَّة وكسر الحاء المهملة من الثُّلاثي المزيد فيه مِنْ أَحَدَّ على وزنِ أفعلَ- تحدُّ إحدادًا، وهو لغةً المنعُ، واصطلاحًا: تركُ المتوفَّى عنها زوجُها في عِدَّة الوفاةِ لبسَ مصبوغٍ بما يُقصد لزينةٍ، ولو صُبِغ قبل نسجهِ، وتركُ تحلٍّ بحَبٍّ (٢) يُتحلَّى به كلؤلؤٍ ومصوغٍ من ذهبٍ أو فضَّةٍ أو غيرهما، نحو نُحاس موِّه بهما نهارًا كخلخالٍ وسِوار وخاتمٍ، وتركُ تطيُّبٍ في بدنٍ وثوبٍ وطعامٍ وكُحلٍ ولو غير محرمٍ، وتركُ دهنِ شعرٍ واكتحالٍ بكحلِ زينةٍ كإثمدٍ إلَّا لحاجةٍ كرمدٍ، فتكتحلُ به ليلًا وتمسحُه نهارًا، وتركُ اسفيذَاج يُطلى به الوجه، ودِمَامٍ وهي حُمرةٌ يورَّد بها الخدُّ، وخضابٍ بنحو حِنَّاء كزعفرانٍ وورسٍ، وسقط لفظ «زوجها» لأبي ذرٍّ.
(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم (٣): (لَا أَرَى) بفتح الهمزة والراء (أَنْ تَقْرَبَ الصَّبِيَّةُ المُتَوَفَّى
стр. 9853
عَنْهَا) زوجها (الطِّيْبَ) بالنَّصب على المفعوليَّة (لأَنَّ عَلَيْهَا) كالبالغةِ (العِدَّةَ) خلافًا لأبي حنيفةَ ﵀، وهذا الأثرُ وصلَه ابنُ وهبٍ في «موطَّئه» بدون قوله: «لأنَّ عليها العدَّة».
قال في «الفتح»: وأظنُّه من تصرُّف المصنِّف.
٥٣٣٤ - ٥٣٣٥ - ٥٣٣٦ - ٥٣٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) بفتح العين، والحاء المهملة وسكون الزاي (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ) أبي أفلح الأنصاريِّ (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الأسدِ، وهي بنتُ أمِّ المؤمنين أمِّ سلمة ربيبته ﷺ (أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ هَذِهِ الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ) فالأوَّل عن أمِّ حَبيبة، والثَّاني عن زينبَ بنت جحشٍ، وسبقا في: «باب إحداد المرأةِ على غيرِ زوجها» مِنْ «كتاب الجنائز» [خ¦١٢٨٠] (قَالَتْ زَيْنَبُ) بنت أبي سلمة: (دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ) رملةَ (زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ
стр. 9854
تُوُفِّي أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ) صخر (بْنُ حَرْبٍ) بالشَّام وجاءها نَعيُهُ (فَدَعَتْ (١) أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ) أي: طلبت طِيبًا (٢) (فِيهِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فيها» (صُفْرَةٌ، خَلُوقٌ) بوزن صبور ضربٌ من الطِّيبِ (أَوْ غَيْرُهُ) ولأبي ذرٍّ: «صفرةُ خلوقٍ» بإضافة صفرةٍ لتاليه «أو غيره» بالجرِّ عطفًا على المضاف إليه، ولغير أبي ذرٍّ بالرَّفع (فَدَهَنَتْ مِنْهُ) من الخلوق (جَارِيَةً) لم أقفْ على اسمها (ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا) أي: مَسحتْ أمُّ حبيبةَ بجانبي وجه نفسها، وَجَعْلُ العارضين ماسحَين تَجوُّزٌ (٣)، والظَّاهر: أنَّها جعلت الصُّفرَة في يديها ومسحتْها (٤) بعارضَيْها، والباء للإلصاق أو الاستعانة، ومسح يتعدَّى بنفسه وبالباء، تقول: مسحتُ رأسِي وبرأسِي، وزاد في «الجنائز»: «وذراعَيها» [خ¦١٢٨٠] (ثُمَّ قَالَتْ: وَاللهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ (٥): لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ) نفيٌ بمعنى النَّهي (أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ) المصدر المنسبك من أن تحدَّ فاعلُ يحل، وفوقَ ظرفُ زمان؛ لأنَّه أُضِيف إلى زمانٍ (إِلَّا عَلَى زَوْجٍ) إيجاب للنفِي، والجار والمجرور يتعلَّق بتُحِدَّ فيكون استثناءً مفرغًا (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) من تمام الاستثناء؛ لأنَّ التَّقدير: أن تحدَّ على ميِّت فوق ثلاثٍ فقوله: إلَّا على زوجٍ مستثنى من ميِّت المقدَّر، وقوله: أربعة أشهرٍ، مستثنى من الفوقيَّة لأنَّ المراد بالفوقيَّة: زمنٌ طويلٌ، استثنى منه أربعةَ أشهرٍ وعشرًا، ويحتملُ أن يكون التَّقدير: إلَّا أن تحدَّ على زوجٍ (٦) أربعةَ أشهرٍ وعشرًا، فيكون الاستثناءُ بهذا التَّقديرِ متَّصلًا، ويكون على زوجٍ متعلِّقًا بالمحذوفِ، أو يكون التَّقدير: إلَّا على زوجٍ فإنَّها تحدُّ عليه أربعةَ أشهرٍ وعشرًا، فيكون أربعة أشهرٍ معمولًا لـ «تُحِدَّ»، وعشرًا معطوفًا (٧) عليه.
стр. 9855
(قَالَتْ زَيْنَبُ) بنتُ أبي سلمة: (فَدَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ) ولأبي ذرٍّ: «بنت جحشٍ» (حِينَ تُوُفِّي أَخُوهَا) سمِّي في بعض «الموطَّآت»: عبد الله، وكذا هو في «صحيح ابن حبان» من طريق أبي (١) مُصْعب لكن المعروف أنَّ عبد الله بن جحشٍ قُتِل بأُحدٍ شهيدًا، وزينب بنت أبي سلمةَ يومئذٍ طفلةٌ، فيستحيلُ أن تكون دخلتْ على زينب بنتِ جحشٍ في تلك الحالةِ، ويجوزُ أن يكون عُبيد الله المصغَّر؛ فإنَّ دخولَ زينب بنت أبي سلمَة عند بلوغِ الخبرِ بوفاتهِ كان وهي مُميِّزة، قاله في «فتح الباري».
(فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَتْ: أَمَا) بالتَّخفيف (وَاللهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى المِنْبَرِ) اختُلف في محلِّ يقول على ما مرَّ أول هذا الكتاب، فقيل: مفعولٌ ثانٍ أو حال، وسمعَ من الأفعالِ الصَّوتيَّة إن تعلَّق بالأصواتِ تعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ، وإن تعلَّق بالذَّوات تعدَّى إلى اثنين الثَّاني جملة مصدَّرةٌ بفعلٍ مضارعٍ من الأفعالِ الصَّوتيَّة، وهذا اختيارُ الفارسيِّ، واختارَ ابنُ مالك ومن تَبِعه أن تكون الجملةُ الفعليَّة في محلِّ حالٍ إن كان المُتقدِّم معرفةً، أو صفةً إن كان المتقدِّم نكرةً.
(لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ) جملةٌ في موضع جرِّ صفة لامرأةٍ، واليوم الآخر عطفٌ على اسم الله (أَنْ تُحِدَّ (٢) عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ) فإنَّها تحدُّ عليه (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) أي: مع أيَّامِها (٣) كما قاله الجمهورُ، فلا تحلُّ حتَّى تدخلَ اللَّيلة الحادية عشرة (٤)، وقيل: الحكمةُ في هذا العددِ أنَّ الولد يتكاملُ تَخليقُه ويُنفخَ فيه الرُّوح بعد مضي (٥) مئة وعشرين يومًا، وهي زيادةٌ على أربعةِ أشهرٍ بنقصان الأهلَّة، فجبرُ الكسرِ إلى العقدِ على طريقِ الاحتياط، واستُدلَّ بقوله: لا يحلُّ، على تحريمِ الإحداد على غير الزَّوج وهو واضحٌ، وعلى وجوبِ الإحداد المدة المذكورة على الزَّوج، وعُورض بأنَّ الاستثناء وقعَ بعد النَّفي،
стр. 9856
فيدلُّ (١) على الحلِّ فوق الثَّلاث على الزَّوج لا على الوجوبِ.
قال الشَّيخ كمال الدِّين: وما قيل من أن نفيَ حلِّ الإحداد نفيُ الإحدادِ فاستثناؤهُ استثناء من نفيهِ (٢) وهو إثباتُه، فيصيرُ حاصلُه: لا إحدادَ إلَّا من زوج فإنَّها تحدُّ، وذلك يقتضِي الوجوبَ لأنَّ الإخبارَ يُفيده على ما عُرِف، ومن أنَّ نفيَ حلِّ الإحداد إيجابُ الزِّينة، فاستثناؤه استثناءٌ من الإيجاب فيكون إيجابًا لأنَّ الأصلَ أن يكون المستثنى من جنسِ المستثنى منه غيرُ لازمٍ؛ إذ يمنعُ كون نفي حلِّ الشَّيء الحسِّيِّ نفيًا له عن الوجوبِ (٣) لغةً أو شرعًا لتضمُّن الاستثناء الإخبارَ بوجودهِ بل نفيٌ له عن الحلِّ، ولو سَلِمَ فوجودُ الشَّيء (٤) أيضًا في الشَّرع لا يستلزمُ الوجوب (٥) لتحقُّقه بالإباحَةِ (٦) والنَّدب بلا (٧) وجوب، وأيضًا استثناءُ الإحدادِ من إيجاب الزِّينة حاصلُه نفي وجوبِ الزِّينة وهو معنى حلِّ الإحدادِ، واتِّحاد الجنس حاصلٌ مع هذا، فإنَّ المستثنى والمستثنى منه الإحداد، ولا يتوقَّف اتِّحادُ الجنسِ على صفةِ الوجوب فيهما فهو كالأوَّل. انتهى.
وأُجيب بأنَّ في حديثِ الَّتي شكتْ عينها وهو ثالثُ أحاديث هذا الباب دَلالةً على الوجوبِ، وإلَّا لم يمتنع التَّداوي المباح، وبأنَّ السِّياق أيضًا يدلُّ على الوجوبِ، فإنَّ كلَّ مانعٍ (٨) منه إذا دلَّ دليلٌ على جوازهِ كان ذلك الدَّليل بعينهِ دالًّا على الوجوبِ، كالختان والزِّيادة على الرُّكوع في الكُسوف ونحو ذلك.
стр. 9857
وفي حديث أمِّ سلمة المرويِّ في «الموطَّأ» وأبي داود والنَّسائيِّ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : «لا تلبسُ المتوفَّى عنهَا زوجهَا المعصفرَ من الثِّيابِ، ولا الممشَّقةَ، ولا الحليَّ، ولا تختضِبُ، ولا تكتحِلُ».
والظَّاهر: أنَّ الفعلَ مجزومٌ على النَّهي، وحديثُ أبي داود: «لا تحدُّ المرأةُ فوقَ ثلاثٍ إلَّا على زوجٍ فإنَّها تحدُّ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا» وهو أمرٌ بلفظ الخبر؛ إذ ليس المرادُ معنى الخبر فإنَّ المرأةَ قد لا تحدُّ، فهو على حدِّ قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] والمراد به الأمرُ اتِّفاقًا، والتَّقييد بالمرأةِ خرج مَخرج الغالب، فيجبُ الإحدادُ على الصَّغيرة كالعدَّةِ، والمخاطَب الوليُّ، فيمنعُها ممَّا تُمنع منه المعتدَّة، وهذا مذهبُ الجمهور خلافًا للحنفيَّة، وشَمِل قوله: المرأة، المدخول بها وغيرها والحرَّة والأمَة، والتَّقييد بالإيمانِ بالله ورسولهِ لا مفهومَ له، كما يُقال: هذا طريقُ المسلمين، وقد يسلكه غيرهم.
(قَالَتْ زَيْنَبُ) بنتُ أبي سلمَة بالسَّند السَّابق، وهذا هو الحديثُ الثَّالث: (وَسَمِعْتُ) أمِّي (أُمَّ سَلَمَةَ، تَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ) اسمها: عاتكةُ بنت نُعيم بن عبد الله بنِ النَّحَّام، كما في «معرفة الصحابة» لأبي نُعَيم (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّي عَنْهَا زَوْجُهَا) المُغيرة المخزوميُّ، وروى الإسماعيليُّ في مسند يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ تأليفه (١) من طريق يحيى المذكور عن حميد بنِ نافع، عن زينبَ بنت أمِّ سلمة، عن أمِّ سلمة قالت: جاءتْ امرأةٌ من قريشٍ. قال يحيى: لا أدري أَبنت النَّحَّام أم أمُّها بنت سعد، ورواه الإسماعيليُّ من طرقٍ كثيرةٍ فيها التَّصريح بأنَّ البنتَ هي عاتكةُ، فعلى هذا فأمُّها لم تسمَّ، قاله الحافظ ابن حجرٍ.
(وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنُهَا) بالرفع على الفاعليَّة، وعليه اقتصرَ النَّوويُّ في «شرح مسلم»، ونُسبت الشِّكايةُ إلى نفس العين مجازًا، ويؤيِّده رواية مسلم: «اشتكتْ عيناها» بلفظ التَّثنية، ويجوز النَّصب وهو الَّذي في «اليونينيَّة» على أنَّ الفاعل ضميرٌ مستترٌ في: اشتكتْ، وهي المرأة، ورجَّحه المنذريُّ. وقال الحريريُّ: إنَّه الصَّواب وأنَّ الرَّفع لحنٌ.
قال في «درة الغوَّاص»: لا يقال: اشتكتْ عينُ فلانٍ، والصَّواب: أنْ (٢) يقال: اشتكَى فلانٌ عينَهُ
стр. 9858
لأنَّه هو المشتكِي لا هِي. انتهى.
وَرُدَّ عليه برواية التَّثنيةِ المذكورة إلَّا أن يُجيب بأنَّه على لُغة من يُعرب المثنَّى في الأحوالِ الثَّلاث بحركاتٍ مُقدَّرةٍ.
(أَفَتَكْحُلُهَا؟) بضم الحاء، وهو ممَّا جاء مضمومًا، وإن كانت عينه حرف حلقٍ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا) تُكحِلها. قال ذلك: (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا) تأكيدًا للمنع لكن (١) قال (٢) في «الموطأ» وغيره: «اجعليهِ بالَّليلِ وامسحيهِ بالنَّهارِ» والمُراد: إنَّها إذا لم تَحْتج إِليه لا يَحلُّ، وإذا احتاجت لم يَجُز بالنَّهار ويجوز بالَّليل، والأَوْلَى تركُه، فإن فعلت مسحته بالنَّهار. (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّمَا هِيَ) أي: العِدَّة الشَّرعيَّة (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) بالنَّصب على حكاية لفظِ القرآنِ العظيم (٣)، ولبعضهم وهو الَّذي في «اليونينيَّة» الرَّفع (٤) على الأصل، والمُراد: تقليل المدَّة وتهوين الصَّبر عمَّا مُنِعتْ منه وهو الاكتحال في العِدَّة، ولذا قال: (وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالبَعَرَةِ عَلَى رَأْسِ الحَوْلِ) والبَعَرَةُ بفتح الموحدة والعين وتسكن، قال في «القاموس»: رجيع ذي الخف والظِّلف، واحِدَتُه بهاء، الجمع أَبْعار، وفي ذِكر الجاهليَّة إشارةٌ إلى أنَّ الحكم في الإسلام صار بخلافه، وهو كذلك بالنِّسبةِ لما وصف من الصَّنيع، لكنَّ التَّقدير بِالحول استمرَّ في الإسلام بنصِّ قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠] ثم نُسخت بالآية الَّتي قَبل وهي: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] والنَّاسخ مُقدَّمٌ عليه تلاوةً ومتأخِّرٌ نُزولًا، كقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢] مع قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ [البقرة: ١٤٤].
(قَالَ حُمَيْدٌ) هو: ابنُ نافعٍ بالإسنادِ السَّابق: (فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ) بنت أبي سلمة: (وَمَا) المُراد بقوله ﵊: (تَرْمِي بِالبَعَرَةِ عَلَى رَأْسِ الحَوْلِ؟ فَقَالَتْ زَيْنَبُ) بنت أبي سلمة: (كَانَتِ المَرْأَةُ) في الجاهليَّة (إِذَا تُوُفِي عَنْهَا زَوْجُهَا، دَخَلَتْ حِفْشًا) بكسر الحاء المهملة وتسكين الفاء
стр. 9859
بعدها شين معجمة: بيتًا صغيرًا جدًّا أو من شعرٍ، وبالأوَّل فسَّره أبو داودَ في «روايته» من طريق مالكٍ، وعند النَّسائيِّ من طريق ابن القاسم، عن مالكَ أنَّه الخُص -بخاء معجمة مضمومة بعدها مهملة-، وقال الشَّافعيُّ: الذَّليل الشَّعث البناء، وعند النَّسائيِّ: «عمدَت إلى شرِّ بيتٍ لها فجلسَت فيهِ» (وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا) بفتح التاء الفوقية والميم (حَتَّى تَمُرَّ بِهَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «لها» باللام بدل الموحدة (سَنَةٌ) من وفاة زوجها (ثُمَّ تُؤْتَى) بضم أوله وفتح ثالثه (بِدَابَّةٍ) بالتَّنوين. قال في «القاموس»: ما دبَّ من الحيوان، وغلَبَ على ما يُركب، ويقعُ على المذكَّر (١) (حِمَارٍ) بالتَّنوين والجرِّ بدلًا من سابقه (أَوْ شَاةٍ، أَوْ طَائِرٍ) أو للتَّنويع، وإطلاق الدَّابَّة عليهما بطريقِ الحقيقة اللُّغوية كما مرَّ (فَتَفْتَضُّ بِهِ) بفاء فمثناة فوقية ففاء ثانية ففوقية أخرى فضاد معجمة مشددة. قال ابنُ قتيبة: سألتُ الحجازيِّين عن الافتضاضِ فذكروا: أنَّ المعتدَّة كانت لا تمسُّ ماءً، ولا تقلِّم ظفرًا، ولا تزيلُ شعرًا، ثمَّ تخرجُ بعد الحولِ بأقبح منظرٍ (٢) ثمَّ تفتضُّ، أي: تكسرُ ما هي فيه من العدَّة بطائرٍ تمسح به قُبُلها وتنبذُه، فلا يكاد يعيشُ بعدما تفتَضُّ به. وقال الخطابيُّ: هو من فضَضْتُ الشَّيء إذا كسرتَهُ وفرَّقته، أي: إنَّها كانت (٣) تكسرُ ما كانت فيه من الحدادِ بتلك الدَّابَّةِ. وقال الأخفشُ: معناه: تتنظَّف به، وهو مأخوذٌ من الفضَّة تشبيهًا له بنقائِها وبياضِها، وقيل: تمسحُ به ثمَّ تفتَضُّ؛ أي: تغتسلُ بالماء العذبِ حتَّى تصير بيضاء نقيَّةً كالفضَّة. وقال الخليلُ: الفضْفَض: الماء العذبُ. يقال: افْتَضضت به، أي: اغتسلَت به (فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ) ممَّا ذُكِر (إِلَّا مَاتَ) ما مصدريَّة، أي: فقلَّ افتضاضُها بشيءٍ، وقيل: تكون ما في ثلاثةِ أفعال زائدةً كافةً لها عن (٤) العملِ وهي قلَّ وكَثُر وطال، وعلَّة ذلك شَبَهُ هذه الأفعال برُبَّ، ولا تدخلُ هذه الأفعالُ إلَّا على جملةٍ فعليَّةٍ
стр. 9860
صُرِّح بفعليتِهَا كقوله:
قَلَّمَا يَبْرحُ اللَّبِيْبُ إِلَى مَا … يُوْرِثُ المجْدَ دَاعِيًا أَوْ مُجِيبًا
وعلى هذا تكتب «قلَّمَا» مُتَّصلة، وعلى الأوَّل تكتب (١) منفصلة، وقوله: «بشيءٍ» يتعلَّق بتفتَضُّ، وإلَّا إيجابٌ لهما (٢) في الجملةِ من مَعنى النَّفي لأنَّ قولك: قلَّ يقتضِي نفي الكَثيرِ (٣) بالإيجابِ لنفيهِ، والمعنى: قلَّما تفتضُّ بشيءٍ فيعيش.
(ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى) بضم الفوقية وفتح الطاء (بَعَرَةً) من بعر الإبل أو الغنم، وباب أعطى يتعدَّى إلى مفعولين الأوَّل هنا الضَّمير المستتر العائد عليها، والثَّاني بَعَرَة (فَتَرْمِي) بها أمامها، فيكون ذلك إحلالًا لها، كذا في رواية ابن الماجِشُون عن مالك، وفي روايةِ ابن وهبٍ: «من وراء ظهرها». واختُلِف في المراد بذلك فقيل: الإشارة إلى أنَّها رمت العدَّة رمي البعرَةِ، وقيل: إشارة إلى أنَّ الفعل الَّذي فعلتْه من التربُّص والصَّبر على البلاء الَّذي كانت فيه لمَّا انقضَى كان عندها بمنزلةِ البعرَةِ الَّتي رمتها استحقارًا له، وتعظيمًا في حقِّ الزَّوج (ثُمَّ تُرَاجِعُ) بضم الفوقية، بعد الراء ألف فجيم مكسورة (بَعْدُ) أي: بعد ما ذُكر من الافتضاض والرَّمي (مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ) ممَّا كانت ممنوعة منه في العدَّة. (سُئِلَ مَالِكٌ) الإمام (مَا) معنى قوله: (تَفْتَضُّ بِهِ (٤)؟ قَالَ: تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا) ليس في (٥) هذا مخالفة لما نقلهُ ابنُ قتيبة عن الحجازيِّين من أنَّها تمسحُ قُبُلها، لكنَّه أخصُّ منه لأنَّ مالكًا رحمه الله تعالى أطلقَ الجلدَ، والَّذي نقلَه ابنُ قتيبة مبينٌ أنَّ المراد جلد القُبُل. وفي رواية النَّسائيِّ: «تَقبِص» -بقاف ثمَّ موحدة ثمَّ مهملة مخففة- وهي رواية الشَّافعيِّ، والقَبْص (٦): الأخذُ بأطرافِ الأناملِ. قال ابنُ الأثير: هو كنايةٌ عن الإسراعِ، أي: تذهبُ بعدوٍ وسرعةٍ إلى منزلِ أبويها لكثرةِ حيائها لقُبح منظرها، أو لشدَّة شوقهَا إلى التَّزويج لبعدِ عهدها به.
стр. 9861
(٤٧) (بابُ) حكم استعمال (الكُحْلِ لِلْحَادَّةِ) أي: التي تَحُدُّ -بفتح أوله وضم الحاء المهملة- من الثُّلاثي، وأما المحدَّة فمن أحَدَّت الرُّباعي، وقول (١) السَّفاقِسيِّ: صوابُه للحادِّ بلا هاء، مثل (٢) طالق وحائض لأنَّه نعتٌ للمؤنَّث لا يشركه فيه المُذكر. تعقَّبه في «الفتح» فقال: إنَّه جائزٌ ليس بخطأ، وإنْ كان الآخرُ أرجح، وقال العينيُّ: إنْ كان يُقال في طالقٍ: طالقة، وفي حائضٍ: حائضة، فيقال أيضًا: حادَّة، وإن كان لا يقال: طالِقة ولا حائضةٌ فلا يقال: حادَّة. والصَّواب مع السَّفاقسيِّ، والَّذي ادَّعى صاحب «الفتح» جوازه فيه نظرٌ لا يخفَى، وأجاب في «المصابيح»: إنَّ الزَّمخشريَّ وغيره نصُّوا على أنَّه إنْ قصدَ في هذه الصِّفات معنى الحدوث فالتَّاء لازمةٌ كحاضتْ فهي حائضةٌ، وطُلِّقت فهي طالقةٌ، وقد تلحقُها التَّاء إن (٣) لم يُقصد الحدوث كمُرضعة وحامِلة، فيُمكن أن يُمشَّى كلامُ البخاريِّ على ذلك. انتهى.
٥٣٣٨ - ٥٣٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ) الأنصاريُّ (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّهَا: أَنَّ امْرَأَةً) تسمَّى: عاتكةَ، كما مرَّ في البابِ السَّابق (تُوُفِّي زَوْجُهَا) المغيرة (فَخَشُوا) بالخاء المفتوحة والشين المضمومة المعجمتين، وأصله: خشِيُوا -بكسر الشين وضم التحتية- فاستثقلتْ ضمة الياء
стр. 9862
فنقلتْ لسابقها بعد سلبِ حركته فالتقَى ساكنان الياء والواو فحُذفتِ الأولى وأُبقيتِ الثانية؛ إذ هي علامةُ الجمعِ، فصار بوزن فعوا، أي: خافوا (عَيْنَيْهَا) وللكُشميهنيِّ: «على عينيها» بالتَّثنية فيهما (فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي الكُحْلِ، فَقَالَ: لَا تَكَحَّلْ) بفتح التاء والكاف والحاء المشددة، أصلُه: تتكحَّل فحذفتْ إحدى التَّاءين، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: بسكون الكاف وكسر الحاء من باب الافتعال، وعند ابن مندهْ: رمَدَتْ رَمَدًا شديدًا، وقد خشيتْ على بَصرها، وعند ابن حزمٍ بسندٍ صحيحٍ من رواية القاسمِ بن أصبغ: إنِّي أخشَى أنْ تنفقئَ عينُها، قال: «لا، وإنْ انفقَأتْ». ولِذا قال مالكٌ رحمه الله تعالى في رواية عنه: بمنعه مطلقًا، وعنه: يجوزُ إذا خافتْ على عينهَا بما لا طيبَ فيه، وبه قال الشَّافعيُّ (١)، لكن مع التَّقييدِ باللَّيل.
وأجابوا عن قصَّةِ هذه المرأة باحتمال أنَّه كان يحصل لها البرءُ بغيرِ الكُحْل كالتَّضْميد بالصَّبر ونحوه، وعند الطَّبرانيِّ: «أنَّها تشتكِي عينها فوق ما يظن» فقال رسول الله ﷺ : لا (قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ) في الجاهليَّة (تَمْكُثُ) إذا توفِّي زوجها (فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا) بمهملتين جمعُ حِلْس -بكسر ثمَّ سكون- الثَّوب، أو الكساء الرَّقيق يكون تحت البَرْذَعة (-أَوْ: شَرِّ بَيْتِهَا-) بالشَّكِّ من الرَّاوي، هل وقع الوصفُ لثيابها أو مَكانها؟ (فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ) من وفاة زَوْجها (فَمَرَّ) عليها (كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعَرَةٍ) لتُري من حَضَرها أنَّ مَقَامها حولًا أهوَن عليها من بَعَرَةٍ ترمِي بها كلبًا، وظاهره: أنَّ رميهَا البعرَة متوقِّفٌ على مرورِ الكلب سواء طالَ زمن انتظارِ مروره أم قَصُر، وهذا التَّفسير وقع هنا مرفوعًا كلُّه بخلاف ما وقعَ في الباب السَّابق، فلم تسندْهُ زينبُ، وهو غيرُ مقتضٍ للإدراجِ في رواية شعبة لأنَّ شعبة من أحفظ النَّاس فلا يُقْضَى على روايتهِ بروايةِ غيره بالاحتمالِ، قاله الحافظُ ابن حجرٍ (فَلَا) نكتحلُ (حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ).
قال حميدٌ بالسَّند السَّابق (وَسَمِعْتُ زَيْنَبَ ابْنَةَ أُمِّ سَلَمَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت أم (٢) سلمة» (تُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ) بنت أبي سفيان زوج النَّبيِّ ﷺ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ) بضم أوله وكسر الحاء المهملة، على ميِّت
стр. 9863
(فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) والتَّقييد بالإسلامِ ولاحقه للمبالَغة في الزَّجر؛ إذ الإِحداد من حقِّ الزَّوج، وهو مُلتحقٌ بالعدَّة في حفظ النَّسب، فتدخلُ الذِّميَّة في النَّهي (١)، كما يدخلُ الكافرُ في النَّهي عن السَّوم على سومِ أخيه.
٥٣٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا بِشْرٌ) بموحدة مكسورة فمعجمة ساكنة، ابن المفضَّل بن لاحق، الإمامُ أبو إسماعيل قال: (حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ) البصريُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) أحد الأعلامِ: (قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ) نُسيبة الأنصاريَّة: (نُهِينَا) بضم النون وكسر الهاء مبنيًّا للمفعول (أَنْ نُحِدَّ) بضم النون وكسر الحاء المهملة، أي: على ميِّتٍ (أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ إِلَّا بِزَوْجٍ) بسببِ زوج، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «إلَّا على زوجٍ» كذا أوردَهُ مختصرًا، وفي البابِ اللَّاحق مطوَّلًا.
(٤٨) (بابُ) بيان استعمال (القُسْطِ) بضم القاف وسكون السين بعدها طاء مهملتين، العودُ الَّذي يُتبخَّر به (لِلْحَادَّةِ عِنْدَ الطُّهْرِ) من المحِيض (٢) إذا كانتْ من ذواتِ الحيض.
وسبق ما في لفظ الحادَّة في الباب السَّابق.
٥٣٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) أبو محمد الحَجَبيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بتشديد الميم، ابنُ درهم الإمام، أبو إسماعيل الأزديُّ (عَنْ أَيُّوبَ)
стр. 9864
السَّخْتِيانيِّ الإمام (عَنْ حَفْصَةَ) بنت سيرين، أمِّ الهذيل البصريَّة الفقيهة (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسيبة أنَّها (قَالَتْ: كُنَّا نُنْهَى) بضم أوَّله وفتح الهاء، والنَّاهي الشَّارع فله حُكم الرَّفع كالَّذي قبلَه، ووقع التَّصريح به في الَّذي يليهِ (أَنْ نُحِدَّ) بضم النون وكسر الحاء (عَلَى مَيِّتٍ) أبٍ أو غيره (فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) خرجَ مخرجَ الغالب، وإلَّا فذواتُ الحملِ بوضعهِنَّ كما لا يخفَى (وَلَا نَكْتَحِلَ) بالنَّصب عطفًا على المنصوبِ السَّابق كقوله: (وَلَا نَطَّيَّبَ) بتشديد الطاء (وَلَا نَلْبَسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ) بفتح العين وسكون الصاد المهملتين آخره موحدة، من برودِ اليمن يُعْصَب غَزْلها؛ أي (١): يُرْبط ثمَّ يُصْبغُ ثمَّ يُنْسجُ مصبوغًا، فيخرجُ موشًّى لبقاءِ ما عُصِبَ منه أبيضَ ولم ينصبِغْ (٢)، وإنما يُعصب السُّدَى (٣) دون اللُّحمة.
فإنْ قلت: ما الحكمةُ في وجوبِ الإحدادِ في عدَّة الوفاةِ دون الطَّلاق؟
أُجيب بأنَّ الزِّينة والطِّيب يستدعيان النِّكاح فنُهيتْ عنه زجرًا لأنَّ الميت لا يتمكَّن من منع مُعتدَّته من النِّكاح، بخلاف المطلِّق الحيِّ فإنَّه يُستغنى بوجوده عن زاجرٍ آخر.
(وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا) بضم الراء وكسر الخاء المعجمة المشددة (عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «من حيضتها (٤)» لإِزالة الرَّائحة لا للتَّطيب (فِي نُبْذَةٍ) بنون مضمومة فموحدة ساكنة فذال معجمة مفتوحة، شيءٍ قليل (مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ) تتَّبع به أثر الدَّم، وكُسْت: بضم الكاف وسكون السين (٥) المهملة مضاف للاحقهِ. قال الصَّغانيُّ -في أظفار-: صوابُه: ظَفَار -بفتح المعجمة مخففًا- موضع بساحلِ عدن (وَكُنَّا نُنْهَى) بضم النون وفتح الهاء (عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (القُسْطُ) بالقاف (وَالكُسْتُ) بالكافِ (مِثْلُ الكَافُورِ) بالكاف (وَالقَافُورِ) بالقاف، يبدَّل كلُّ واحدٍ منهما من الآخر (نُبْذَةٌ) أي: (قِطْعَةٌ) وليس هذا في الفرع كأصله (٦)
стр. 9865
بل ولا في كثيرٍ من النُّسخ. نعم، هو ثابتٌ في الفرع كأصله في آخرِ الباب اللَّاحق لأبي (١) ذرٍّ.
(٤٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (تَلْبَسُ) المرأة (الحَادَّةُ ثِيَابَ العَصْبِ) برودًا يمنيَّةً كما مرَّ، وقيل: فيها بياضٌ وسوادٌ، وعَصْب بمعنى مَعْصوب، وإضافةُ ثياب إلى عَصْب من إضافةِ الموصوفِ إلى صفتهِ، وفيه الخلاف المشهور في تأويلهِ بين البصريِّين والكوفيِّين.
٥٣٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ) بالدال المهملة المضمومة وفتح الكاف وتسكين التحتية بعدها نون، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ) أبو بكر النَّهديُّ الكوفيُّ (عَنْ هِشَامٍ) هو ابنُ حسَّان القُردُوسيُّ -بضم القاف والدال المهملة بينهما راء ساكنة وبعد الواو سين مهملة- كما قاله المِزِّيُّ فيما ذكرهُ العينيُّ، وقال الحافظ ابن حجرٍ: هو الدَّستَُوائيُّ (عَنْ حَفْصَةَ) بنت سيرين (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسيبة أنَّها (قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «قال لي النَّبيُّ» (¬ ﷺ : لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ) خرج مخرجَ المبالغةِ فلا يُستدلُّ به لإخراج الذِّميَّة كما قاله الإمام أبو حنيفة مع إنكارهِ المفاهيم، ففيهِ مخالفةٌ لقاعدتهِ (أَنْ تُحِدَّ) على ميِّتٍ (فَوْقَ ثَلَاثٍ) سبقَ في حديث أُمِّ حبيبةَ في الطَّريق الأولى: «ثلاث ليالٍ» وفي الطَّريق الثَّانية: «أيَّام» وجمع بإرادة اللَّيالي بأيَّامها، ويحملُ المطلق هنا على المقيَّد الأول ولذلك أُنِّث، وهو محمولٌ أيضًا على أنَّ المراد ثلاثُ ليالٍ بأيَّامها (إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا) تحدُّ عليه أربعةَ أشهرٍ وعشرًا و (لَا تَكْتَحِلُ) إلَّا لضرورةٍ ليلًا وتمسحه نهارًا (وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا) نعتٌ لثوبٍ (إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ) نَصبٌ على الاستثناء المتَّصل لأنَّ ثيابَ العَصْب مصبوغةٌ أيضًا، ويُحتمل أنْ يكون العَصْب ليس من الجنسِ فيكون الاستثناءُ منقطعًا، وهو منصوبٌ (٢) أيضًا، وخرج بالمصبوغِ
стр. 9866
غير المصبوغ كالكتَّان والإِبريسم لم يكنْ فيه زينةٌ كنقشٍ، وما (١) إذا كان المصبوغُ لا لزينةٍ بل لمصيبةٍ أو احتمالِ وسخ كالأسودِ.
٥٣٤٣ - (وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ) محمَّد بن عبد الله بن المثنَّى، شيخ المؤلِّف، فيما وصلَه البيهقيُّ من طريقِ أبي حاتمٍ الرَّازيِّ عنه: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ، أو ابن حسَّان (٢)، كما مرَّ، قال: (حَدَّثَتْنَا) بتاء التأنيث (حَفْصَةُ) بنت سيرين، قالت: (حَدَّثَتْنِي) بتاء التَّأنيث والإفراد (أُمُّ عَطِيَّةَ) الأنصاريَّة ﵂ (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ ¬) لم يذكر المَنهي عنه اختصارًا لدَلالة المرويِّ السَّابقِ عليه، ولفظ البيهقيِّ: «أن تحدَّ المرأَةُ فوقَ ثلاثةِ أيَّامٍ إلَّا على زوجٍ فإنَّها تحدُّ عليهِ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا ولا تلبِس ثوبًا مصبوغًا إلَّا ثوبَ عصبٍ ولا تكتحلُ» (وَلَا تَمَسَّ طِيبًا، إِلَّا أَدْنَى) أي: عِند قُرب (طُهْرِهَا) أو: أقل طُهْرها (إِذَا طَهُرَتْ) من حيضٍ أو نفاسٍ (نُبْذَةً) قليلًا (مِنْ قُسْطٍ وَأَظْفَارٍ) نوعان من البُخور، وقوله: إذا طَهُرت، ظرفٌ فاصلٌ بين المُستثنى والمُستثنى منه، التَّقدير: ولا تمسُّ طيبًا إلَّا نُبذة من قسطٍ وأظفارٍ إذا طَهُرت.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) المؤلِّف: (القُسْطُ وَالكُسْتُ) بالكاف والتاء الفوقيَّة، بدل القاف والطاء (مِثْلُ) ما يقال في (الكَافُورِ) بالكاف (وَالقَافُورِ) بالقاف، وسقط قوله: «قال أبو عبد الله … » إلى آخره لغير أبي (٣) ذرٍّ.
(٥٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: في قوله تعالى: (﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ﴾) ويتركون (٤) (﴿أَزْوَاجًا﴾ إِلَى
стр. 9867
قَوْلِهِ) تعالى: (﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤]) عالمٌ بالبواطنِ، وساق في رواية كريمة الآيةَ كلَّها.
٥٣٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكَوْسَج المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا رَوْحُ ابْنُ عُبَادَةَ) بفتح الراء وسكون الواو بعدها حاء مهملة، وعُبادة: بضم العين وتخفيف الموحدة، القيسيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شِبْلٌ) بكسر المعجمة وسكون الموحدة، ابنُ عُبادة، مُقرئ مكَّة، قرأ على ابن كثير المكِّيِّ (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) بفتح النون وكسر الجيم وبعد التحتية الساكنة مهملة، عبد الله، واسم أبي نجيح: يسار، ضدُّ اليمين (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو: ابنُ جبرٍ المُفسِّر، أنَّه قال في تفسير قوله تعالى: (﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ العِدَّةُ) أي: التَّربُّص أربعة أشهرٍ وعشرًا المذكور في الآية (تَعْتَدُّ عِنْدَ أَهْلِ زَوْجِهَا) أمرًا (وَاجِبًا) ولكريمة: «واجبٌ» بالرفع خبر مبتدأ محذوفٍ (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى بعدها: (﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا﴾) نصبٌ بالوصيَّة لأنَّها مصدر، أو تقديره: متِّعوهنَّ متاعًا (﴿إِلَى الْحَوْلِ﴾) صفة لمتاعًا (﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾) مصدرٌ مؤكِّد كقولك: هذا القولُ غير ما تقول (﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ﴾) من التَّزيُّن والتَّعرُّض للخطاب (﴿مِن مَّعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]) ممَّا ليس بمنكرٍ في الشَّرع (قَالَ) مجاهد: (جَعَلَ اللهُ لَهَا تَمَامَ السَّنَةِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً) في هذه الآية الثَّانية (وَصِيَّةً) من زوجها (إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا) الَّتي أوصاها لها الزَّوج (وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ) بعد الأربعةِ الأشهر والعَشر (وَهْوَ
стр. 9868
قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ فَالعِدَّةُ كَمَا هِيَ، وَاجِبٌ عَلَيْهَا، زَعَمَ ذَلِكَ) قاله ابنُ أبي نجيح (عَنْ مُجَاهِدٍ) وكأنَّ الحاملَ له على ذلك -كما قاله الخطابيُّ- استشكالُ أن يكون النَّاسخ قبل المنسوخ، فرأى أنَّ استعمالها ممكنٌ بحكمٍ غير متدافعٍ؛ لجوازِ أن يوجبَ الله على المعتدةِ أربعة أشهرٍ وعشرًا، ويُوجب على أهلها أنْ تبقَى عندهُم بقيَّة الحَول إنْ أقامت عندهم، وهو قولٌ لم يقلهُ أحدٌ من المفسرين ولا تابعه أحدٌ من الفقهاءِ عليه.
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح: (قَالَ (١) ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ) الأولى (عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا) المذكورة في الآية الثَّانية (فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ) لأنَّ السُّكنى تبعٌ للعدَّة، فلمَّا نُسخ الحَول بالأربعةِ الأشهر والعَشر نُسِخت السُّكنى أيضًا (وَ) كذا (قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾) نسخ أيضًا كما عليه الجمهور (وَقَالَ عَطَاءٌ) أيضًا: (إِنْ شَاءَتِ) المُتوفَّى عنها زوجها (اعْتَدَّتْ عِنْدَ أَهْلِهَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «عند أهله» (وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ لِقَوْلِ اللهِ) تعالى: (﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ﴾) وسقط لفظ «﴿أَنفُسِهِنَّ﴾» لغير أبي ذرٍّ (قَالَ عَطَاءٌ) المذكور: (ثُمَّ جَاءَ المِيرَاثُ، فَنَسَخَ السُّكْنَى) كما نَسختْ آيةُ الخروج -وهي ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ - وجوبَ الاعتداد عند أهل الزَّوج (فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ، وَلَا سُكْنَى لَهَا) وهو قولُ أبي حنيفة، كما مرَّ.
٥٣٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلثة (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ) الأنصاريُّ (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت أبي سلمة» (عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سُفْيَانَ) صخر ابن حربٍ (لَمَّا جَاءَهَا نَعِيُّ) بفتح النون وكسر العين المهملة وتشديد التحتية وبسكون العين وتخفيف التحتية، خَبر موتِ (أَبِيهَا) أبي سفيان (دَعَتْ بِطِيْبٍ، فَمَسَحَتْ) منه (ذِرَاعَيْهَا،
стр. 9869
وَقَالَتْ: مَا لِي بِالطِّيْبِ مِنْ حَاجَةٍ، لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) واستُدلَّ به على جواز الإحدادِ على غير الزَّوج من قريبٍ ونحوه ثلاث ليالٍ فما دونِها، وتحريمه فيما زاد عليها، وكأنَّ هذا القدر أُبِيحَ لأجل حظِّ النَّفس ومراعاتها وغلبَةِ الطِّباع البشريَّة، ومن ثمَّ تناولت أم حبيبة الطِّيْب لتَخرج عن عُهدة الإحداد، وصرَّحت بأنَّها لم تتطيب لحاجةٍ إشارةً إلى أنَّ آثار الحزن باقيةٌ عندها، لكنَّها لم يَسعها إلَّا امتثال الأمر.
(٥١) (بابُ) حكمِ (مَهْرِ البَغِيِّ) بفتح الموحدة وكسر المعجمة وتشديد التحتية من البغاء، وهو الزِّنا (وَ) حُكم (النِّكَاحِ الفَاسِدِ) كنكاح الشِّغار فيبطل، ولكلِّ واحدةٍ منهما مهر مِثلها، ونكاح المتعة والمعتدَّة والمستبرأةِ من غيره.
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ فيما وصله ابنُ أبي شيبة: (إِذَا تَزَوَّجَ) امرأةً (مُحَرَّمَةً) عليه: بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الراء المفتوحة آخرها هاء تأنيث، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «مَحْرَمهُ» -بفتح الميم وسكون الحاء وهاء مضمومة- ضمير غيبة، أي: ذات مَحرم كأمٍّ وأختٍ بنسبٍ أو رضاعٍ (وَهْوَ) أي: والحال أنَّ الرَّجل (لَا يَشْعُرُ) أنَّها محرمه (١) (فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) بضم الفاء وكسر الراء المشددة (وَلَهَا مَا أَخَذَتْ) منه من الصَّداق المُسمَّى (وَلَيْسَ لَهَا غَيْرُهُ، ثُمَّ قَالَ) الحسن (بَعْدُ) بالبناء على الضَّمِّ: (لَهَا صَدَاقُهَا) أي: صَداق مِثلها، وقول الحسنِ هذا ساقطٌ للحَمُّويي.
٥٣٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابنِ شهاب (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث بن هشامٍ المخزوميِّ
стр. 9870
(عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو (١) الأنصاريِّ البدريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ ¬) نهي تحريمٍ (عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ) المعلم وغيره لنجاستهِ. وقال الحنفيَّة وسحنون من المالكيَّة: يجوز بيع المنتفع به من الكلاب (وَ) نهى أيضًا عن (حُلْوَانِ الكَاهِنِ) ما يأخذه الَّذي يدَّعي عِلم الغيب بواسطة جنيٍّ ونحو ذلك. قال الماورديُّ: ويُمنع من يكتسب بالكهانةِ واللَّهو ويؤدَّب الآخذ والمعطِي (وَ) عن (مَهْرِ البَغِيِّ) ما تأخذُه الزَّانية على الزِّنا، وسمَّاه مهرًا لكونه على صورتِهِ فهو من مجاز التَّشبيه، أو أطلقَ عليه ذلك بالمعنى اللُّغوي.
وهذا الحديثُ سبق في «البيعِ» [خ¦٢٢٣٧].
٥٣٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي جُحَيفة: بضم الجيم وفتح الحاء المهملة، وهب بن عبد الله السُّوائيِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ الوَاشِمَةَ) الَّتي تغرز الجِلد بالإبر ثمَّ تحشي بالكُحل (وَالمُسْتَوْشِمَةَ) المفعول بها ذلك لما فيه من تغيير خلق الله تعالى (وَ) لعن أيضًا (آكِلَ الرِّبَا) آخذَه (وَمُوكِلَهُ) مُطْعِمه؛ لأنَّهما اشتركا في الفعلِ وإن كان أحدهما مغتبِطًا والآخر مهتضَمًا (وَنَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَكَسْبِ البَغِيِّ) إذا كان من وجه غيرِ حلالٍ كالزِّنا لا كالخياطةِ والغزلِ (وَلَعَنَ المُصَوِّرِينَ) للحيوان.
٥٣٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة، الجوهريُّ الحافظُ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ) بضم الجيم وفتح الحاء المهملة المخففة، الأيَاميِّ؛ بتخفيف التحتية وبعد الألف ميم (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي، سَلْمَانَ الأشجعيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه قال: (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَسْبِ الإِمَاءِ) من وجه حرام كالزِّنا، فبذل العوض عليه وأخذُه حرام.
стр. 9871
وهذا الحديثُ أورده مختصرًا بالاقتصار على المُراد من التَّرجمة، وزاد في بعض الروايات: «وكسب الحجَّام» ولا ريب أنَّ الحِجامة مباحةٌ وكراهةُ كسبه إذ هو في مقابلةِ مخامرة النَّجاسة، وقد يكون الكلامُ في الفصل الواحدِ بعضُه على الوجوبِ، وبعضُه على الحقيقةِ، وبعضُه على المجازِ، ويفرَّق بينهُما بدَلائل الأصول (١) واعتبار معانيها، وقد يتوقف الحكم في الَّذي يجمع بالعطف على المجموع لا على إِفراده كقولك: إنْ دخل الدَّار زيدٌ وعمروٌ وبكرٌ فلهم درهمٌ، فلا يستحقُّ من دخلَ منهم الدَّار على انفرادهِ الدِّرهم ولا شيئًا منه حتَّى يدخلَ قرينه.
(٥٢) (بابُ) حكم (المَهْرِ لِلْمَدْخُولِ) ولأبي ذرٍّ: «للمدخولة» (عَلَيْهَا وَكَيْفَ الدُّخُولُ) أي: بم يثبتُ (أَوْ) كيف الحُكم إذا (طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَ) كيف (المَسِيسِ) أو هو معطوفٌ على الدُّخول، أي: إذا طلقها قبل الدُّخول، وقبل المسِيس، وثبتَ: «المسيس» في رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي.
٥٣٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ) بفتح العين، وزُرَارة: بضم الزاي وراءين بينهما ألف، قال: (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ) ابن عُلَيَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ) ﵄: (رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأَتَهُ) ما الحكمُ فيه؟ (فَقَالَ: فَرَّقَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي العَجْلَانِ) بتثنية أخوي، والعَجْلان: بفتح العين المهملة وسكون الجيم، وهو من بابِ التَّغليب.
(وَقَالَ: اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ) أحدٌ (٢) (مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ فَأَبَيَا) فامتنعَا (فَقَالَ: اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ فَأَبَيَا) ثبت ذلك مرَّتين (فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا) ﷺ تنفيذًا لما أوجبَ الله بينهما من المُباعدة بنفسِ الملاعنة.
стр. 9872
(قَالَ أَيُّوبُ) السَّخْتِيانيُّ -بالسَّند السَّابق-: (فَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: فِي الحَدِيثِ شَيْءٌ لَا أَرَاكَ تُحَدِّثُهُ، قَالَ: قَالَ الرَّجُلُ: مَالِي) الَّذي أصدقتُها (قَالَ: لَا مَالَ لَكَ) لأنَّك (إِنْ كُنْتَ صَادِقًا) فيما ادَّعيت عليها (فَقَدْ دَخَلْتَ بِهَا) واستوفيتَ حقَّك منها، وفيه: أن من أغلقَ بابًا وأرخى سترًا على المرأةِ فقد وجب لها الصَّداق وعليها العدَّة، وبذلك قال (١) أهل الكُوفة وأحمد لأنَّ الغالب عند إغلاق الباب وإرخاء السِّتر على المرأةِ وقوع الجماع، فأُقيمت المظنَّة مقامَ المئنَّة (٢) لِما جُبِلَت عليه النُّفوس في تلك الحالةِ من عدمِ الصَّبر على الوقاعِ غالبًا لغلبةِ الشَّهوة وتوفُّر الدَّاعية. وذهبَ الشَّافعيُّ وطائفةٌ إلى أنَّ المهرَ لا يجبُ كاملًا إلَّا بالجِماع لقوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وأجابوا عن حديثِ الباب أنَّه ثبت في الرِّواية الأُخرى في حديث الباب، «فهو بما استحللتَ من فرجِهَا» [خ¦٥٣١٢]، فلم يكن في قوله: دخلتَ عليها حجَّةٌ لمن قال: إنَّ مجرَّد الدُّخول يكفِي، وقال مالك (٣): إذا دخلَ بالمرأةِ في بيتهِ صُدِّقتْ عليه، وإن دخلَ بها في بيتهَا صُدِّق عليها (وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا) فيما قلتَه (فَهْوَ) أي: المال (أَبْعَدُ مِنْكَ) لِئلا يجمع عليها الظُّلم في عِرضها، ومطالبتهَا بمالٍ قبضته منك قبضًا صحيحًا تستحقُّه.
وهذا الحديث سبق في «اللِّعان» [خ¦٥٣١١].
(٥٣) (بابُ) وجوب (المُتْعَةِ) وهي مالٌ يدفعه الزَّوج (لِلَّتِي) للمطلَّقة الَّتي (لَمْ) يجب لها نصف مهرٍ فقط بأنْ وجبَ لها جميع المهرِ، أو كانتْ مفوضةً لم توطأ ولم (يُفْرَضْ لَهَا) صَداقٌ صحيحٌ (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾) لا تبعةَ عليكم (﴿إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء﴾) شرطٌ، ويدلُّ على جوابه: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ والتَّقدير: إن طلَّقتُم النِّساء فلا جُناح عليكم (﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ﴾) ما لم تجامعوهنَّ،
стр. 9873
وما شرطيَّة، أي: إن لم تمسُّوهنَّ (﴿أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾) إلَّا أن تفرضوا لهنَّ فريضةً، أو حتَّى تَفرضوا، وفرضُ الفريضةِ تسمية المهر ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٦]) فيجازيكُم على تفضُّلكم، ولأنَّ المفوضة لم يحصلْ لها شيءٌ فيجبُ لها مُتعة للإِيحاش.
(وَ) الدَّليل للأولى الَّتي وجبَ لها جميعُ المهر في (قَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ. كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٢٤١]) وخصوص قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] ولأنَّ المهرَ في مقابلة منفعةِ بضعها، وقد استوفاها الزَّوج فتجب للإيحاشِ متعة، وأمَّا من وجبَ لها النِّصف فقط فلا مُتعة لها لأنَّه لم يستوفِ مَنفعةَ بضعها فيكفي نصف مهرها للإيحاش، ولأنَّه تعالى لم يجعل لها سواه بقوله : ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ويُسنُّ أن لا تنقصَ المتعةُ عن ثلاثين درهمًا، وأن لا تبلغَ نصف المهر، وعبر جماعة بأنْ لا تزاد على خادمٍ فلا حدَّ للواجبِ، وقيل: هو أقل ما يُتموَّل، ومتَّع الحسنُ بنُ علي زوجتَه بعشرةِ آلاف، وقال: متاعٌ قليلٌ من حبيبٍ مُفارق.
وقال المالكيَّة: لا تجبُ المتعةُ أصلًا، واحتجَّ له بعضُهم بأنَّها لم تقدر.
وأُجيب بأنَّ عدم التَّقدير لا يَمنع الوجوبَ كنفقةِ القريب. وعن أبي حنيفة: تختصُّ بالمطلَّقة قبل الدُّخول ولم يُسمَّ لها صَدَاق (وَلَمْ يَذْكُرِ النَّبِيُّ ﷺ فِي المُلَاعَنَةِ مُتْعَةً حِينَ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا).
٥٣٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البغلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عيينة (عَنْ عَمْرٍو) هو ابنُ دينار (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: حِسَابُكُمَا عَلَى اللهِ أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ) لا طريقَ (لَكَ) على الاستيلاءِ (عَلَيْهَا) ففيه تأبيدُ
стр. 9874
الحرمةِ، فلا يملك عِصمتها بوجهٍ من الوجوه (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ): أيذهبُ (مَالِي) الَّذي دفعته لها مهرًا (قَالَ) ﷺ له: (لَا مَالَ لَكَ) لأنَّك (إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا) فيما قُلتَه عليها (فَهْوَ) أي: المال (بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا) بحذف العائدِ (وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «كاذبًا» (عَلَيْهَا فَذَاكَ) الطَّلب لما صدقتها (أَبْعَدُ وَأَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا).
وتقدَّم الحديث في «اللِّعان» [خ¦٥٣١٢] والله المعين.
стр. 9875
((٦٩)) (بسم الله الرحمن الرحيم. كِتَابُ النَّفَقَاتِ) جمع: نفقةٍ، مشتقَّة من النُّفوق، وهو الهلاكُ. يقال: نفَقَتِ الدَّابة تَنْفُقُ نُفُوقًا: هَلَكتْ، ونفِقَتِ الدَّراهم تنفَقُ نَفَقًا، أي: نفدت (١)، وأنفق الرَّجل افتقرَ وذهبَ ماله، أو من النَّفاق وهو الرَّواج. يقال: نَفَقَت السِّلعة نفَاقًا: راجتْ، وذكر الزَّمخشريُّ: أنَّ كلَّ ما فاؤه نونٌ وعينه فاء يدلُّ على معنى الخروج والذَّهاب، مثل: نَفَق ونَفَر ونَفَخ ونَفَس ونَفَذ.
وفي الشَّرع: عبارةٌ عمَّا وجب لزوجةٍ، أو قريبٍ (٢)، أو مملوكٍ (٣)، وجمعها لاختلافِ أنواعها من نفقةِ زوجٍ (٤) وقريبٍ ومملوكٍ.
(وفَضْلِ النَّفَقَةِ) بجرِّ فضلٍ عطفًا على المجرورِ السَّابق، ولأبي ذرٍّ والنَّسفي تأخير البَسملة