وهذا الحديثُ أورده مختصرًا بالاقتصار على المُراد من التَّرجمة، وزاد في بعض الروايات: «وكسب الحجَّام» ولا ريب أنَّ الحِجامة مباحةٌ وكراهةُ كسبه إذ هو في مقابلةِ مخامرة النَّجاسة، وقد يكون الكلامُ في الفصل الواحدِ بعضُه على الوجوبِ، وبعضُه على الحقيقةِ، وبعضُه على المجازِ، ويفرَّق بينهُما بدَلائل الأصول (١) واعتبار معانيها، وقد يتوقف الحكم في الَّذي يجمع بالعطف على المجموع لا على إِفراده كقولك: إنْ دخل الدَّار زيدٌ وعمروٌ وبكرٌ فلهم درهمٌ، فلا يستحقُّ من دخلَ منهم الدَّار على انفرادهِ الدِّرهم ولا شيئًا منه حتَّى يدخلَ قرينه.
(٥٢) (بابُ) حكم (المَهْرِ لِلْمَدْخُولِ) ولأبي ذرٍّ: «للمدخولة» (عَلَيْهَا وَكَيْفَ الدُّخُولُ) أي: بم يثبتُ (أَوْ) كيف الحُكم إذا (طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَ) كيف (المَسِيسِ) أو هو معطوفٌ على الدُّخول، أي: إذا طلقها قبل الدُّخول، وقبل المسِيس، وثبتَ: «المسيس» في رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي.
٥٣٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ) بفتح العين، وزُرَارة: بضم الزاي وراءين بينهما ألف، قال: (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ) ابن عُلَيَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ) ﵄: (رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأَتَهُ) ما الحكمُ فيه؟ (فَقَالَ: فَرَّقَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي العَجْلَانِ) بتثنية أخوي، والعَجْلان: بفتح العين المهملة وسكون الجيم، وهو من بابِ التَّغليب.
(وَقَالَ: اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ) أحدٌ (٢) (مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ فَأَبَيَا) فامتنعَا (فَقَالَ: اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ فَأَبَيَا) ثبت ذلك مرَّتين (فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا) ﷺ تنفيذًا لما أوجبَ الله بينهما من المُباعدة بنفسِ الملاعنة.
стр. 9872
(قَالَ أَيُّوبُ) السَّخْتِيانيُّ -بالسَّند السَّابق-: (فَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: فِي الحَدِيثِ شَيْءٌ لَا أَرَاكَ تُحَدِّثُهُ، قَالَ: قَالَ الرَّجُلُ: مَالِي) الَّذي أصدقتُها (قَالَ: لَا مَالَ لَكَ) لأنَّك (إِنْ كُنْتَ صَادِقًا) فيما ادَّعيت عليها (فَقَدْ دَخَلْتَ بِهَا) واستوفيتَ حقَّك منها، وفيه: أن من أغلقَ بابًا وأرخى سترًا على المرأةِ فقد وجب لها الصَّداق وعليها العدَّة، وبذلك قال (١) أهل الكُوفة وأحمد لأنَّ الغالب عند إغلاق الباب وإرخاء السِّتر على المرأةِ وقوع الجماع، فأُقيمت المظنَّة مقامَ المئنَّة (٢) لِما جُبِلَت عليه النُّفوس في تلك الحالةِ من عدمِ الصَّبر على الوقاعِ غالبًا لغلبةِ الشَّهوة وتوفُّر الدَّاعية. وذهبَ الشَّافعيُّ وطائفةٌ إلى أنَّ المهرَ لا يجبُ كاملًا إلَّا بالجِماع لقوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وأجابوا عن حديثِ الباب أنَّه ثبت في الرِّواية الأُخرى في حديث الباب، «فهو بما استحللتَ من فرجِهَا» [خ¦٥٣١٢]، فلم يكن في قوله: دخلتَ عليها حجَّةٌ لمن قال: إنَّ مجرَّد الدُّخول يكفِي، وقال مالك (٣): إذا دخلَ بالمرأةِ في بيتهِ صُدِّقتْ عليه، وإن دخلَ بها في بيتهَا صُدِّق عليها (وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا) فيما قلتَه (فَهْوَ) أي: المال (أَبْعَدُ مِنْكَ) لِئلا يجمع عليها الظُّلم في عِرضها، ومطالبتهَا بمالٍ قبضته منك قبضًا صحيحًا تستحقُّه.
وهذا الحديث سبق في «اللِّعان» [خ¦٥٣١١].
(٥٣) (بابُ) وجوب (المُتْعَةِ) وهي مالٌ يدفعه الزَّوج (لِلَّتِي) للمطلَّقة الَّتي (لَمْ) يجب لها نصف مهرٍ فقط بأنْ وجبَ لها جميع المهرِ، أو كانتْ مفوضةً لم توطأ ولم (يُفْرَضْ لَهَا) صَداقٌ صحيحٌ (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾) لا تبعةَ عليكم (﴿إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء﴾) شرطٌ، ويدلُّ على جوابه: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ والتَّقدير: إن طلَّقتُم النِّساء فلا جُناح عليكم (﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ﴾) ما لم تجامعوهنَّ،
стр. 9873
وما شرطيَّة، أي: إن لم تمسُّوهنَّ (﴿أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾) إلَّا أن تفرضوا لهنَّ فريضةً، أو حتَّى تَفرضوا، وفرضُ الفريضةِ تسمية المهر ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٦]) فيجازيكُم على تفضُّلكم، ولأنَّ المفوضة لم يحصلْ لها شيءٌ فيجبُ لها مُتعة للإِيحاش.
(وَ) الدَّليل للأولى الَّتي وجبَ لها جميعُ المهر في (قَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ. كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٢٤١]) وخصوص قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] ولأنَّ المهرَ في مقابلة منفعةِ بضعها، وقد استوفاها الزَّوج فتجب للإيحاشِ متعة، وأمَّا من وجبَ لها النِّصف فقط فلا مُتعة لها لأنَّه لم يستوفِ مَنفعةَ بضعها فيكفي نصف مهرها للإيحاش، ولأنَّه تعالى لم يجعل لها سواه بقوله : ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ويُسنُّ أن لا تنقصَ المتعةُ عن ثلاثين درهمًا، وأن لا تبلغَ نصف المهر، وعبر جماعة بأنْ لا تزاد على خادمٍ فلا حدَّ للواجبِ، وقيل: هو أقل ما يُتموَّل، ومتَّع الحسنُ بنُ علي زوجتَه بعشرةِ آلاف، وقال: متاعٌ قليلٌ من حبيبٍ مُفارق.
وقال المالكيَّة: لا تجبُ المتعةُ أصلًا، واحتجَّ له بعضُهم بأنَّها لم تقدر.
وأُجيب بأنَّ عدم التَّقدير لا يَمنع الوجوبَ كنفقةِ القريب. وعن أبي حنيفة: تختصُّ بالمطلَّقة قبل الدُّخول ولم يُسمَّ لها صَدَاق (وَلَمْ يَذْكُرِ النَّبِيُّ ﷺ فِي المُلَاعَنَةِ مُتْعَةً حِينَ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا).
٥٣٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البغلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عيينة (عَنْ عَمْرٍو) هو ابنُ دينار (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: حِسَابُكُمَا عَلَى اللهِ أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ) لا طريقَ (لَكَ) على الاستيلاءِ (عَلَيْهَا) ففيه تأبيدُ
стр. 9874
الحرمةِ، فلا يملك عِصمتها بوجهٍ من الوجوه (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ): أيذهبُ (مَالِي) الَّذي دفعته لها مهرًا (قَالَ) ﷺ له: (لَا مَالَ لَكَ) لأنَّك (إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا) فيما قُلتَه عليها (فَهْوَ) أي: المال (بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا) بحذف العائدِ (وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «كاذبًا» (عَلَيْهَا فَذَاكَ) الطَّلب لما صدقتها (أَبْعَدُ وَأَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا).
وتقدَّم الحديث في «اللِّعان» [خ¦٥٣١٢] والله المعين.
стр. 9875
((٦٩)) (بسم الله الرحمن الرحيم. كِتَابُ النَّفَقَاتِ) جمع: نفقةٍ، مشتقَّة من النُّفوق، وهو الهلاكُ. يقال: نفَقَتِ الدَّابة تَنْفُقُ نُفُوقًا: هَلَكتْ، ونفِقَتِ الدَّراهم تنفَقُ نَفَقًا، أي: نفدت (١)، وأنفق الرَّجل افتقرَ وذهبَ ماله، أو من النَّفاق وهو الرَّواج. يقال: نَفَقَت السِّلعة نفَاقًا: راجتْ، وذكر الزَّمخشريُّ: أنَّ كلَّ ما فاؤه نونٌ وعينه فاء يدلُّ على معنى الخروج والذَّهاب، مثل: نَفَق ونَفَر ونَفَخ ونَفَس ونَفَذ.
وفي الشَّرع: عبارةٌ عمَّا وجب لزوجةٍ، أو قريبٍ (٢)، أو مملوكٍ (٣)، وجمعها لاختلافِ أنواعها من نفقةِ زوجٍ (٤) وقريبٍ ومملوكٍ.
(وفَضْلِ النَّفَقَةِ) بجرِّ فضلٍ عطفًا على المجرورِ السَّابق، ولأبي ذرٍّ والنَّسفي تأخير البَسملة
стр. 9876
عن قولِه: «كتاب النفقات» ثمَّ قال: «باب فضل النَّفقة» (عَلَى الأَهْلِ) لكن لفظ: «باب» ساقطٌ لأبي ذرٍّ. (﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾) ولأبي ذرٍّ: «وقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾» (﴿مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾) قرأَه بالرَّفع أبو عَمرو على أنَّ (١) ما استفهاميَّة وذا موصولة، فوقعَ جوابها مرفوعًا، خبر المبتدأ محذوف مناسبة بين الجواب والسُّؤال، والتَّقدير: إنفاقكم العفو، والباقون بالنَّصبِ على أنَّ ماذا اسمٌ واحدٌ، فيكون مفعولًا (٢) مقدمًا (٣)، تقديره: أيَّ شيءٍ ينفقون، فوقع جوابها منصوبًا بفعلٍ مقدَّرٍ للمناسبةِ أيضًا، والتَّقدير: أنفقوا العفوَ (﴿كَذَلِكَ﴾) الكاف في موضع نصب نعتٌ لمصدرٍ محذوف، أي: تبيينًا مثل هذا التَّبيين (﴿يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ. فِي الدُّنْيَا﴾) في أمر الدُّنيا (﴿وَالآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٩ - ٢٢٠]) وفي تتعلَّق بـ ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: تتفكَّرون فيما يتعلَّق بالدَّارين فتأخذونَ بما هو أصلحُ لكم. (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ ﵀ فيما وصلَه عبد بنُ حميد، وعبد الله بنُ أحمد في «زيادات الزهد» بسندٍ صحيحٍ عنه: (العَفْوُ الفَضْلُ) وعند ابن أبي حاتم من مرسلِ يحيى بن أبي كثير بسندٍ صحيحٍ: أنَّه بلغهُ أنَّ معاذَ بن جبلٍ وثعلبة سألا رسول الله ﷺ فقالا: إنَّ لنا أرقَّاء وأهلين فما ننفقُ من أموالنا؟ فنزلتْ. وعن ابن عبَّاس فيما أخرجَه ابنُ أبي حاتم أيضًا أنَّ المُراد بالعفوِ: ما فضلَ عن الأهل.
стр. 9877
٥٣٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) العسقلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَدِيِّ ابْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريِّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ) من الزِّيادة (الأَنْصَارِيَّ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبةَ بن عَمرو (١) (الأَنْصَارِيِّ) البدريِّ. قال شُعبة بن الحجَّاج -كما بيَّنه عند الإسماعيليِّ في روايةٍ له فيما نبَّه عليه في «الفتح» - أو عبدُ الله بنُ يزيدٍ -كما قاله العينيُّ-: (فَقُلْتُ) لأبي مسعودٍ: أَترويه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أو تقوله اجتهادًا (فَقَالَ): إنَّما أرويه (عَنِ النَّبيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا أَنْفَقَ المُسْلِمُ نَفَقَةً) دراهمَ أو غيرها (عَلَى أَهْلِهِ) زوجته، أو ولدهِ، وأقاربه، و (٢) يُحتمل أن يختصَّ بالزَّوجة ويلتحقَ بها (٣) غيرها بطريقِ الأولى لأنَّ الثَّواب إذا ثبتَ فيما هو واجبٌ فثبوتُه فيما ليس بواجبٍ أولى (وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (يَحْتَسِبُهَا) أي: يريدُ بها وجهَ الله تعالى بأن يتذَّكر أنَّه يجب عليه الإنفاق، فينفق بنيَّة أداء ما أُمر به (كَانَتْ) أي: النَّفقة (لَهُ صَدَقَةً) أي: كالصَّدقة في الثَّواب، وإِلّا لحرمت على الهاشميِّ والمطَّلبيِّ، والصَّارفُ له عن الحقيقةِ الإجماعُ، وإطلاق الصَّدقة على النَّفقة مجازٌ، والمُراد بها: الثَّواب، كما سبق هنا، فالتَّشبيه واقعٌ على أصل الثَّواب، لا في الكميَّة، ولا في الكيفيَّة. وقال المُهلَّب: النَّفقةُ على الأهل واجبةٌ بالإجماع، وإنَّما سمَّاها الشَّارع صدقةً خشية أن يظنُّوا أنَّ قيامهم بالواجِب لا أجرَ لهم فيه، وقد عَرفوا ما في الصَّدقة من الأجرِ فعرَّفهم (٤) أنَّها لهم صدقة حتَّى لا يُخرِجوها إلى غيرِ الأهل، إلَّا بعد أن يُكفوهُم المؤونة ترغيبًا لهم في تقديم الصَّدقة الواجبةِ قبل صدقة التَّطوُّع، وقال ابن المُنيِّر: تسميةُ النَّفقة صدقةً من جنسِ تسميةِ الصَّداق نِحْلة، فلمَّا كان احتياجُ المرأة إلى الرَّجل كاحتياجهِ إليها في اللَّذَّة والتَّأنيسِ والتَّحصُّن وطلب الولد، كان الأصلُ أن لا يجب لها عليه شيءٌ إلا أنَّ الله تعالى خصَّ الرَّجل بالفضلِ على المرأةِ وبالقيام عليها ورَفَعه عليها بذلك
стр. 9878
درجةً، فمِن ثمَّ جاز إطلاق النِّحلة على الصَّداق، والصَّدقة على النَّفقة.
وهذا الحديث قد مرَّ في «باب ما جاء أنَّ الأعمال بالنِّيَّة والحسبة» من «كتاب الإيمان» [خ¦٥٥].
٥٣٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللهُ) تعالى: (أَنْفِقْ) بفتح الهمزة وكسر الفاء وسكون القاف، أمرٌ من الإنفاق (يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ) بضم الهمزة والجزم جواب الأمر.
وهذا الحديث ذكره المؤلِّف ﵀ في «تفسيرِ سورة هود» من طريق شُعيب بنِ أبي حمزة، عن أبي الزِّناد -بأتمَّ من هذا- ولفظه: «قال الله تعالى: أَنْفق أُنْفق عليك، وقال: يدُ الله مَلأَى لا يغيضُها نفقةٌ، سحَّاء اللَّيل والنَّهار. وقال: أرأيتُم ما أنفقَ منذُ خلقَ الله السَّماء والأرض، فإنَّه لم يغضْ ما في يدِهِ، وكان عَرْشه على الماءِ وبيدهِ الميزان يخفضُ ويَرفع» [خ¦٤٦٨٤]. قال في «شرح المشكاة»: قوله: أُنفق عليك، من باب المُشاكلة لأنَّ إنفاق الله تعالى لا ينقص من خزائِنه شيئًا، كما قال: «يدُ الله مَلأى لا يغيضُها نفقةٌ»، وإليه يُلمح قوله تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]. وفي رواية مسلم من طريق همَّام، عن أبي هريرة: «أنَّ الله تعالى قال لي: أَنْفق أُنْفق عليكَ»، بزيادة لفظ: «لي» على روايةِ البخاريِّ، فالمراد بابنِ آدم: النَّبي ﷺ أو جنسُ بني آدمَ، ويكون تخصيصُه صلوات الله وسلامه عليه بإضافتهِ إلى نفسهِ لكونِه رأس النَّاس، فتوجَّه الخطابُ إليه ليعملَ به ويبلِّغ أمَّته، قاله في «الفتح».
стр. 9879
٥٣٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَي يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بالقاف والزاي والعين المهملة المفتوحات، المكيُّ المؤذِّنُ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمامُ الأعظم (عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ) بالثاء المثلثة، الدِّيليِّ (عَنْ أَبِي الغَيْثِ) بالغين المعجمة وبعد التحتية الساكنة مثلثة، سالم مولى عبد الله بن مُطيع (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : السَّاعِي) الَّذي يذهبُ ويجيءُ في تحصيلِ ما ينفقُه (عَلَى) المرأةِ (الأَرْمَلَةِ) بفتح الهمزة والميم بينهما راء ساكنة، الَّتي لا زوجَ لها (وَالمِسْكِينِ) في الثَّواب (كَالمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ) (أَوِ القَائِمِ اللَّيْلَ (١)) بالحركاتِ الثَّلاث، كما في «الحسن الوجه» في الوجوهِ الإعرابيَّة، وإن اختلفَا في بعضِها بكونهِ حقيقة أو مجازًا، وثبتَ بالشَّكِّ في جميعِ الرِّوايات عن مالكٍ (الصَّائِمِ النَّهَارَ) وفي روايةِ القعنبيِّ عن مالك -عند المؤلِّف في الأدب-: وأحسبه قال: «وكالقائمِ لا يفتُرُ، والصَّائمِ لا يفطرُ» [خ¦٦٠٠٧] ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة من جهةِ إمكان (٢) اتِّصاف الأهل -أي: الأقارب- بالصِّفتين المذكورتين، وإذا ثبتَ هذا الفضلُ لمن ينفق على من ليسَ له بقريبٍ ممَّن اتَّصف بالوصفين، فالمُنفق على المُتَّصف بهما أولى.
وهذا الحديثُ أخرجه البخاريُّ أيضًا في «الأدب» [خ¦٦٠٠٧] وكذا مسلمٌ، وأخرجه التِّرمذيُّ في «البرِّ»، والنَّسائيُّ في «الزَّكاة»، وابنُ ماجه في «التِّجارات».
٥٣٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلثة، قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ) أبيهِ (سَعْدٍ) أي: ابن أبي وقاصٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي وَأَنَا مَرِيضٌ بِمَكَّةَ) عام حجَّة الوداع (فَقُلْتُ) له:
стр. 9880
يا رسول الله (لِي مَالٌ) ولا يرِثُني إلَّا ابنة، فهل (أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟) صدقةً بعد فرض ابنتي (قَالَ) ﷺ : (لَا. قُلْتُ: فَالشَّطْرُِ؟) بالفاء والجرِّ، ولأبي ذرٍّ بالرفع (قَالَ) ﵊: (لَا. قُلْتُ: فَالثُّلُثُِ؟) بالجرِّ والرفع (قَالَ) ﵊: يكفيك (الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ) بالمثلثة (أَنْ تَدَعَ) بفتح الهمزة، أي: تَترك (وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً) بالعين المهملة وتخفيف اللام، فقراء (يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ) أي: يمدُّون إلى النَّاس أكُفَّهم للسُّؤال (١) (وَمَهْمَا أَنْفَقْتَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ حَتَّى اللُّقْمَةَ) حال كونِك (تَرْفَعُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ) فيه: أنَّ المباح إذا قُصِدَ بهِ وجهُ الله صارَ قُربةً يُثاب عليه (وَلَعَلَّ اللهَ يَرْفَعُكَ، يَنْتَفِعُ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرُّ بِكَ آخَرُونَ) ببناء الفعلين للمفعول (٢)، وقد وقعَ ذلك، فإنَّه عاش حتَّى فتح العراق، وانتفع بهِ أقوامٌ في دينهمْ ودنياهمْ، وتَضرَّر به الكفَّار.
وهذا الحديث سبق في «كتاب الجنائز» [خ¦١٢٩٥].
(٢) (بابُ وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الأَهْلِ) الزَّوجة (وَالعِيَالِ) من عطف العامِّ على الخاصِّ، وعيالُ الرَّجل من يقوم بهم (٣) ويُنفق عليهم، وبدأ بالزَّوجة لأنَّها أقوى لوجوبِها بالمعاوضةِ وغيرها بالمواساةِ، ولأنَّها لا تسقطُ بمضي الزَّمان والعَجز بخلاف غيرها، ولوجوبها سببان: نَسب وملك، فيجب بالنَّسب خمسُ نفقاتٍ: نفقة الأبِ الحرِّ وآبائهِ وأمَّهاته، ونفقةُ الأمِّ الحرِّة وآبائها وأُمهاتها لقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] ومنه القيام بمؤونتهَا، ونفقة الأولادِ الأحرار وأولادِهم بشرط يسار المُنفق بفاضلٍ عن قوتهِ وقوتِ زوجتهِ وخادمِهَا وخادِمِه (٤) وولده (٥) يومه وليلته، ويعتبرُ مع القوتِ الكسوة والسُّكنى.
стр. 9881
ويجب بالمُلك خمس أيضًا: نفقة الزَّوجة ومملوكها، والمعتدَّة إن كانت رجعية أو حاملًا ومملوكها (١)، ومملوكٍ من رقيقٍ وحيوانٍ، فللزَّوجة على الغنيِّ مُدَّان ولخادمها مُدٌّ وثلث، وعلى المتوسِّط لها مدٌّ ونصف ولخادمها مدٌّ، وعلى المُعسر لها مدٌّ، وكذا لخادمها، ومن أوجبنَا له النَّفقةَ أوجبنا له المدَّ والكسوةَ والسُّكنى، وتسقط النَّفقة بمضي الزَّمان بلا إنفاقٍ إلَّا نفقة الزَّوجة فلا تسقطُ بل تصير دينًا في ذِمَّته لأنَّها بالنِّسبة إليها مُعاوضة في مقابلة التَّمكين للتَّمتُّع، وبالنِّسبة إلى غيرها مواساةٌ، وظاهرٌ أنَّ خادمةَ الزَّوجة مِثلها.
وقال الحنفيَّة: ولا تجبُ نفقةٌ مضت لأنَّها صلةٌ، فلا تملك إلَّا بالقبضِ كالهبةِ إلَّا أن يكون القاضِي فرضَ لها النَّفقة، أو صالحتْ الزَّوج (٢) على مقدارٍ منها، فيقضي لها بنفقة ما مضى لأنَّ فيه حقَّين: حقَّ الزَّوج وحقَّ الشَّرع، فمِن حيث الاستمتاعُ وقضاءُ الشَّهوة وإصلاحُ المَعيشة حقُّ الزَّوج، ومن حيثُ تحصيلُ الولَد وصيانةُ كل واحدٍ منهما عن الزِّنا حقُّ الشَّرع، فباعتبار حقِّه عوضٌ، وباعتبار حقِّ الشَّرع صلةٌ، فإذا تردَّد بينهما فلا يستحكِمُ إلَّا بحكم القاضي عليهما.
قال الزَّيلعيُّ: وفي «الغاية»: أنَّ نفقة ما دون شهرٍ لا تسقطُ، وعزاه إلى «الذَّخيرة» قال: فكأنَّه جعل القليلَ ممَّا لا يمكن التَّحرز عنه؛ إذ لو سقطت بمضيِّ يسيرٍ من المُدَّة لما تمكَّنت من الأخذِ أصلًا.
٥٣٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السَّمان (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى) بحيث لم يجحفْ بالمُتصدِّق (وَاليَدُ
стр. 9882
العُلْيَا) هي: المُعطية (خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى) وهي السَّائلة (وَابْدَأْ) في الإنفاق (بِمَنْ تَعُولُ) بمن تجبُ عليك نفقته. وفي حديث النَّسائيِّ عن أبي هريرة، قال رجلٌ: يا رسولَ الله عندي دينار، قال: «تصدَّق به على نفسِك» قال: عندي آخر، قال: «تصدَّق به على زوجتِكَ» قال: عندِي آخر، قال (١): «تصدَّق به على خادِمك» قال: عندي آخر، قال: «أنت أبصرُ به» (تَقُولُ المَرْأَةُ) لزوجها: (إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي) وللنَّسائيِّ: «إمَّا أن تنفق عليَّ» (وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي، وَيَقُولُ العَبْدُ: أَطْعِمْنِي) بهمزة قطع (وَاسْتَعْمِلْنِي) وزاد الإسماعيليُّ: «وإلَّا فبعني» (وَيَقُولُ الاِبْنُ: أَطْعِمْنِي، إِلَى مَنْ تَدَعُنِي؟) وللإسماعيليِّ: «إلى من تكِلُني؟» (فَقَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ سَمِعْتَ هَذَا) يعني: قوله: تقول المرأة … إلى آخره، (مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: لَا، هَذَا مِنْ كِيسِ أَبِي هُرَيْرَةَ) بكسر الكاف، أي: من كلامِي أدرجتُه في آخر الحديث لا ممَّا سمعتُه من رسول الله ﷺ ، وحينئذٍ فهو موقوفٌ استنبطَه ممَّا فهمه من الحديثِ المرفوع الواقعِ.
وقال في «الكواكب الدَّراري»: والكِيس -بكسر الكاف-: الوعاء، وهذا إنكارٌ على السَّائلين عنه؛ يعني: ليس هذا إلَّا من رسولِ الله ﷺ ، ففيه نفيٌ يريدُ به الإثبات، وإثباتٌ يريد به النَّفي على سبيل التَّعكيس. قال: وفي بعضِها بفتح الكاف، أي: من عقلِ أبي هريرة وكِياسَتِهِ، وفيه: أنَّ النَّفقة على الوالدِ ما دام صغيرًا أو لا مال له ولا حرفةَ لأنَّ قوله: إلى مَن تدعني؟ إنَّما هو قول (٢) من لا يرجعُ إلى شيءٍ سوى نفقةِ الأب، ومن له حِرفةٌ أو مالٌ غير محتاجٍ إلى قولِ ذلك، واستَدلَّ بقوله: «إمَّا أن تُطعمَني، وإمَّا أن تُطلِّقني» مَن قال: يفرَّق بين الرَّجل وزوجته إذا أعسرَ بالنَّفقةِ، واختارتْ فراقه كما يُفْسَخُ بالجبِّ والعنَّة، بل هذا أولى لأنَّ الصَّبر عن التَّمتُّع أسهلُ منه عن النَّفقة ونحوها لأنَّ البدن يبقى بلا وطءٍ، ولا يبقى بلا قوتٍ، وأيضًا مَنفعة الجماع مشتركةٌ بينهما، فإذا ثبتَ في المشترك جواز الفَسخ لعدمهِ ففي عدم المختصِّ بها أولى، وقياسًا على المَرْقُوقِ، فإنَّه يبيعه إذا أَعسر بنفقتهِ، ولا فسخَ للزَّوجة بنفقة عن مدَّةٍ ماضيةٍ إذا عجز عنها لتنزُّلها منزلة دينٍ آخر يثبتُ في ذمَّته.
وقال الحنفيَّة: إذا أعسرَ بالنَّفقة تؤمر بالاستدانةِ عليه ويلزمها الصَّبر وتتعلَّق النَّفقة بذمَّته
стр. 9883
لقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وغاية النَّفقة أن تكون دينًا في الذِّمَّة وقد أَعسر بها الزَّوج، فكانت المرأةُ مأمورةً بالإنظار (١) بالنَّصِّ، ثمَّ إنَّ في إلزامِ الفسخ إبطالَ حقِّه بالكلِّيَّة، وفي إلزامِ الإنظار عليها والاستدانةِ عليه تأخير حقِّها دينًا عليه، وإذا دار الأمرُ بينهما كان التَّأخير أولى، وبه فارقَ الجبَّ والعنَّة والمملوك لأنَّ حقَّ الجماع لا يصير دينًا على الزَّوج، ولا نفقة المملوك تصيرُ دينًا على المالك، ويخصُّ المملوكُ أنَّ في إلزامِ بيعه إبطالَ حقِّ السَّيِّد إلى خَلْفٍ هو الثَّمن، فإذا عجزَ عن نفقتهِ كان النَّظر من الجانبين في إلزامهِ ببيعه؛ إذ فيه تخليص المملوك من عذابِ الجوع، وحصولِ بذلِه (٢) القائم مقامَه للسَّيِّد بخلافِ إلزامه بالفُرقة (٣)، فإنَّه إبطال حقِّه بلا بذل (٤)، وهو لا يجوز، بدلالة الإِجماع على أنَّها لو كانت أمَّ ولدٍ عجزَ عن نفقتها لم يعتقْها القاضي عليه، قاله الشَّيخ كمال الدِّين.
وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ في «عِشْرة النِّساء».
٥٣٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بالعين المهملة المضمومة والفاء المفتوحة مصغَّرًا (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ) أمير مصر (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ) سعيد (٥) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُول) قال في «شرح السنة»: أي: غنى يعتمدُه ويستظهرُ به على النَّوائب الَّتي تنوبه. وقال التُّوربشتيُّ: هو مثلُ قولهم: هو على ظهر سيرٍ وراكب متن السَّلامة وممتطٍ غاربَ العزِّ (٦) ونحو ذلك من الألفاظ
стр. 9884
الَّتي يعبر بها عن التَّمكن من الشَّيء والاستواء عليه، والتَّنكير فيه للتَّعظيم. وقال الطِّيبيُّ: استعيرت الصَّدقة للإنفاق حثًّا عليه، ومسارعةً فيما يُرجى منه جزيل الثَّواب، ومن ثمَّة أتبعَه بما ينبغي أن تُحمل فيه (١) الصَّدقة على الإنفاقِ مطلقًا، قوله: «وابدأْ بمَن تعولُ» قرينةٌ للاستعارة، فيشملُ النَّفقة على العيالِ وصدقتي التَّطوُّع والواجب، وأن يكونَ ذلك الإنفاق من الرِّبح لا من صُلبِ المال، فعلى هذا كان من الظَّاهر أن يُؤتى بالفاء فعدل إلى الواو، ومن الجملة الإخبارية إلى الإنشائيَّةِ، تفويضًا (٢) للتَّرتيب إلى الذِّهن واهتمامًا بشأنِ الإنفاقِ.
(٣) (بابُ) جواز (حَبْسِ نَفَقَةِ الرَّجُلِ قُوتَ سَنَةٍ عَلَى أَهْلِهِ وَكَيْفَ نَفَقَاتُ العِيَالِ) وسقط لفظ «نفقة» لأبي ذرٍّ.
٥٣٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) البِيْكَنديُّ قال: (أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ) هو ابنُ الجرَّاح (عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ) سُفيان (قَالَ: قَالَ لِي مَعْمَرٌ) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة، ابن راشد: (قَالَ لِي الثَّوْرِيُّ) سُفيان: (هلْ سَمِعْتَ فِي الرَّجُلِ يَجْمَعُ لأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ، أَوْ) قُوتَ (بَعْضِ السَّنَةِ؟) شيئًا (قَالَ مَعْمَرٌ: فَلَمْ يَحْضُرْنِي) شيءٌ في ذلك (ثُمَّ ذَكَرْتُ حَدِيثًا حَدَّثَنَاهُ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم (الزُّهْرِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ) بفتح الهمزة وسكون الواو بعدها سين مهملة، ابن الحدَثان (عَنْ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبِيعُ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ) بفتح النون وكسر الضاد المعجمة، يهود خَيبر ممَّا أفاء الله على رسوله ﷺ ممَّا لم يُوجِفُ المسلمون عليه بخيلٍ ولا ركابٍ، وكانت لرسولِ الله ﷺ خاصَّةً (وَيَحْبِسُ لأَهْلِهِ) زوجته وعيالهِ من ذلك (قُوتَ سَنَتِهِمْ) تطييبًا لقلوبهم وتشريعًا لأمَّته، ولا يعارضُه
стр. 9885
حديث أنَّه كان لا يدَّخر شيئًا لغدٍ لأنَّه كان قبل السَّعة، أو لا يدَّخر لنفسِه بخصوصها، وفيه: جواز ادِّخار القُوتِ للأهلِ والعيال، وأنَّه ليس بحكرةٍ ولا منافٍ للتَّوكُّل (١)، كيف ومصدره عن سيِّد المتوكِّلين، وإذا كان حال التَّوكل (٢) اعتمادُ القلبِ عليه تعالى فقط، فلا يقدحُ فيه تسببٌ ككيٍّ (٣) في مرضٍ إذا تحقَّق بما شاء الله كانَ وما لم يشأْ لم يكنْ، وتركُ الأسباب وفعلُ مخوفٍ توكلًا منهيٌّ عنه، فتعتبرُ الأسباب الشَّرعيَّة، ومن غلبه توحيدٌ خاصٌّ أغناهُ عن بعضِها لا يُقتدى به فيه.
стр. 9886
٥٣٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) هو: سعيدُ بن كثير بنِ عُفَير -بضم العين المهملة وفتح الفاء مصغَّرًا- الأنصاريُّ مولاهم، البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) بضم العين مصغَّرًا، ابن خالدٍ الأَيْليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (١) (مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الحَدَثَانِ) بفتح الحاء والدال المهملتين والمثلثة، قال الزُّهريُّ: (وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ذَكَرَ لِي ذِكْرًا) أي: بعضًا (مِنْ حَدِيثِهِ فَانْطَلَقْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ فَسَأَلْتُهُ) عن ذلك (فَقَالَ) لي (مَالِكٌ) المذكور: (انْطَلَقْتُ) فيه حذفٌ ذكرهُ في «فرضِ الخمس» ولفظه: «فقال مالك: بينا أنا جالسٌ في أهلي حين متَع النَّهار -أي: اشتدَّ حرُّه (٢) - إذا رسولُ عُمر بن الخطَّاب يأتينِي فقال: أَجب أميرَ المؤمنين فانطلقتُ معه» [خ¦٣٠٩٤] (حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى عُمَرَ) فَبَيْنا أنا جالسٌ عنده (إِذْ أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَأ) بفتح التحتية وسكون الراء وفتح الفاء مهموزًا وغير مهموز (فَقَالَ) لهُ: (هَلْ لَكَ) رغبة (فِي عُثْمَانَ) بن عفان (وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (وَالزُّبَيْرِ) بن العوَّام (وَسَعْدٍ) أي: ابن أبي وقاصٍ، حال كونِهم (يَسْتَأْذِنُونَ) في الدُّخول عليك؟ (قَالَ (٣)) عُمر ﵁: (نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ قَالَ: فَدَخَلُوا وَسَلَّمُوا فَجَلَسُوا، ثُمَّ لَبِثَ) مكثَ (يَرْفَأ قَلِيلًا، فَقَالَ لِعُمَرَ: هَلْ لَكَ) رغبة (فِي عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ) عمر: (نَعَمْ، فَأَذِنَ
стр. 9887
لَهُمَا فَلَمَّا دَخَلَا سَلَّمَا وَجَلَسَا، فَقَالَ عَبَّاسٌ) لعُمر: (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا) يريد عليًّا، زاد في «الخُمُس» [خ¦٣٠٩٤]: «وهما يَختصِمان فيما أَفاء الله على رسولِهِ ﷺ من بني النَّضير» (فَقَالَ الرَّهْطُ عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ) الَّذين معه: (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنَهُمَا وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ، فَقَالَ عُمَرُ: اتَّئِدُوا) بتشديد الفوقية وكسر الهمزة، أي: تأنُّوا ولا تَعجلوا (أَنْشُدُكُمْ) بفتح الهمزة وضم الشين، أسألُكم (بِاللهِ الَّذِي بِهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «بإِذنه» (تَقُومُ السَّمَاءُ) فوق رؤوسكم بلا عمدٍ (وَالأَرْضُ) على الماءِ تحتَ أقدامكم (هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا نُورَثُ) معاشرَ الأنبياء (مَا تَرَكْنَا (١) صَدَقَةٌ) «ما» موصولٌ (٢) مبتدأ، وتركنَا صلته والعائدُ محذوفٌ، صدقةٌ رَفْعٌ خبره (٣) (يُرِيدُ رَسُولُ اللهِ (٤) ﷺ نَفْسَهُ) وغيره من الأنبياء، فليس خاصًّا به، كما قال في الرِّواية الأُخرى: «نحن معاشر الأنبياء» (قَالَ الرَّهْطُ) عُثمان وأصحابه: (قَدْ قَالَ) ﷺ (ذَلِكَ. فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ، هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالَا: قَدْ قَالَ ذَلِكَ. قَالَ عُمَرُ: فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الأَمْرِ، إِنَّ اللهَ) (كَانَ خَصَّ) ولأبي ذرٍّ: «قد خصَّ» (رَسُولَهُ ﷺ فِي هَذَا المَالِ بِشَيْءٍ) وفي «الخُمُس» [خ¦٣٠٩٤]: «في هذا الفَيء» بدل: المال (لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ) لأنَّ الفيء كلَّه أو جلَّه على اختلافٍ فيه كانَ له ﵊ (قَالَ اللهُ) تعالى: (﴿وَمَا أَفَاء اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ (٥)﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦]). وسقط لغير أبي ذرٍّ «﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ﴾» (فَكَانَتْ هَذِهِ) الأخماسُ الأربعةُ من بني النَّضير وخيبر وفدَك (خَالِصَةً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) لا حقَّ لأحدٍ فيها غيره (وَاللهِ مَا احْتَازَهَا) بحاء مهملة ساكنة وزاي مفتوحة: ما جمعها، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ما اختارها» بالخاء المعجمة والراء المهملة، لنفسه (دُونَكُمْ وَلَا اسْتَأْثَرَ) ما استقلَّ (بِهَا
عَليٍّ وَعَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ، قَالَ) عمر: (أَفَتَلْتَمِسَانِ) أفتطلبان (مِنِّي قَضَاءً) حكمًا (غَيْرَ ذَلِكَ) الحُكم الَّذي حَكمت فيها (١) (فَوَالَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ (٢) وَالأَرْضُ لَا أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا) إليَّ (فَأَنَا أَكْفِيكُمَاهَا).
وهذا الحديثُ سبق في «فرضِ الخُمُس» [خ¦٣٠٩٤] والله الموفِّق والمعين.
(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (وَقَالَ اللهُ تَعَالَى) وسقط لفظ «وقال الله تعالى» لأبي ذرٍّ (﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾) خبرٌ في معنى الأمرِ المؤكد كـ ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ وهذا الأمر على وجه النَّدبِ، أو على وجهِ الوجوب، إذا لم يقبَلِ الصَّبيُّ إلَّا ثَدي أمِّه أو لم يُوجد له ظئرٌ أو كان الأبُ عاجزًا عن الاستئجارِ، أو (٣) أرادَ الوالدات المطلَّقات، وإيجابُ النَّفقة والكسوةِ لأجلِ الرَّضاع، وعبَّر بلفظ الخبرِ دون لفظِ الإلزام، كأنْ يقول: وعلى الوالداتِ إرضاعُ أولادهنَّ، كما جاءَ بعدُ وعلى الوارثِ مثلُ ذلك إشارة إلى عدمِ الوجوب (﴿حَوْلَيْنِ﴾) ظرف (﴿كَامِلَيْنِ﴾) تامَّيْن وهو تأكيدٌ لأنَّه ممَّا يُتسامح فيه، فإنَّك تقول: أقمتُ عند فلانٍ حَوْلين ولم تستكملهما (﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ
стр. 9890
الرَّضَاعَةَ﴾) بيانٌ لِمن (١) توجَّه إليه الحُكم، أي: هذا الحُكم لمنْ أرادَ إتمامَ الرَّضاع (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣]) لا تخفَى عليه أعمالُكم فهو يجازيكُم عليها (وَقَالَ) تعالى: (﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ﴾) ومدَّة حملهِ وفطامهِ (﴿ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]) استدلَّ عليٌّ ﵁ بهذهِ الآيةِ مع الَّتي في لقمان: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] وقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ على أنَّ أقل مدَّة الحمل ستة أشهرٍ، وهو -كما قاله ابن كثيرٍ- استنباطٌ قويٌّ صحيحٌ، ووافقه (٢) عليه عُثمان وغيرُه من الصَّحابة ﵃، فروى محمَّد بن إسحاقٍ عن بعجة (٣) بن عبد الله الجُهَنِيِّ قال: تزوَّج رجلٌ منا امرأةً من جُهينة فولدَتْ لتمامِ ستَّة (٤) أشهرٍ، فانطلَقَ زوجها إلى عثمان فذكرَ ذلك له، فبعثَ إليها فلَّما قامتْ لتلبس ثيابَها بكتْ أختها، فقالت: ما يُبكيكِ؟ فوالله ما التبسَ بي أحدٌ من خلقِ الله غيره قطُّ، فيقضِي الله فيَّ ما شاء، فلَّما أتي بها عثمان أمرَ برجمِها، فبلغَ ذلك عليًّا فأتاهُ فقالُ له: ما تصنعُ؟ قال: ولدَت تمامًا (٥) لستَّةِ أشهرٍ وهل يكون ذلك؟ فقال له عليٌّ: أمَا تقرأُ القرآنَ؟ قال: بلى. قال: أمَا سمعتَ الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ وقال: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ فلم تجدْه (٦) بقيَ إلَّا ستة أشهرٍ، فقال عثمانُ: والله ما فَطِنت لهذا، عليَّ بالمرأةِ قال: فوجدُوها قد فُرِغ منها. رواه ابنُ أبي حاتم.
(وَقَالَ) تعالى: (﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ﴾) أي: تضايقتُم فلم ترضَ الأمُّ بما تُرضع به الأجنبيَّة، ولم يَزِد (٧) الأب على ذلك (﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾) فستوجدُ (٨) ولا تعوزُ (٩) مرضعة غير الأمِّ تُرضعه، وفيه طرفٌ من معاتبةِ الأمِّ على المعاسرةِ، وقوله: ﴿لَهُ﴾ أي: للأب، أي: سيجدُ الأبُ غيرَ مُعاسرة
стр. 9891
تُرضع له وَلده إنْ عاسرتْهُ أمُّه، وفيه: أنَّه لا يجبُ على الأمِّ إرضاع (١) ولدها. نعم، عليها إرضاعُه اللَّبأ -بالهمزة والقصر- بأجرةٍ وبدونها (٢) لأنَّه لا يعيشُ غالبًا إلَّا به، وهو اللَّبن أوَّل الولادةِ، ثمَّ بعدَه إنْ انفردتْ هي أو أجنبيَّة وجبَ إرضاعُه على الموجودةِ (٣) منهما، وله إجبارُ أمتهِ على إرضاع ولدها منه أو من غَيره لأنَّ لبنَها ومَنافعها له بخلافِ الحرَّة (﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾) أي: لِيُنفق كلُّ واحدٍ من المُوسر والمُعسر ما بلغَهُ وسعهُ، يريد: ما أُمر (٤) به من الإنفاقِ على المطلَّقات والمرضعاتِ (﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾) أي: ضُيِّق عليه، أي: رزقه الله على قدرِ قُوتِه (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٦ - ٧]) أي: بعد ضيقٍ في المعيشة سِعَة، وهذا وعدٌ لذي العُسر باليُسر، ووعدُه تعالى حقٌّ وهو لا يخلفُهُ. قال في «فتوح الغيب»: يقال: إنَّه موعدٌ لفقراءِ ذلك الوقت، ويدخلُ فيه فقراءُ الأزواجِ دخولًا أولويًّا.
(وَقَالَ يُونُسُ) بن يزيد الأَيْليُّ فيما وصَله عبدُ الله بن وهب في «جامعه» (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ: (نَهَى اللهُ تَعَالَى أَنْ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا) في قوله جلَّ وعلا: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ (٥) إِلاَّ وُسْعَهَا لَا تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] (وذَلِكَ أَنْ تَقُولَ الوَالِدَةُ) للوالدِ: (لَسْتُ مُرْضِعَتَهُ) أو تطلب منه ما ليس بعدلٍ من الرِّزق والكسوةِ، وأن تُشغلَ قلبه بالتَّفريط في شأنِ الولَد، وأن تقولَ بعدما ألفها الولَد: اطلبْ له ظِئرًا وما أشبَه ذلك (وَهْيَ أَمْثَلُ لَهُ غِذَاءً) بمعجمتين أولاهما مكسورة (٦) (وَأَشْفَقُ عَلَيْهِ وَأَرْفَقُ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَأْبَى) إِرضاعه (بَعْدَ أَنْ يُعْطِيَهَا) الوالد (مِنْ نَفْسِهِ مَا جَعَلَ اللهُ عَلَيْهِ) من الرِّزق والكسوة (وَلَيْسَ لِلْمَوْلُودِ لَهُ أَنْ يُضَارَّ بِوَلَدِهِ) أي: بسبب ولَده (وَالِدَتَهُ فَيَمْنَعَهَا أَنْ تُرْضِعَهُ) وهي تريدُ إرضاعه (ضِرَارًا لَهَا) منتهيًا (إِلَى) رَضَاع (غَيْرِهَا) فإلى متعلِّقٌ بيمنعها (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) أي: الأبوين (أَنْ يَسْتَرْضِعَا) ظئرًا (عَنْ طِيبِ نَفْسِ الوَالِدِ وَالوَالِدَةِ فَإِنْ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وإن» (أَرَادَا فِصَالًا
стр. 9892
عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ) بينهما (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) في ذلك (بَعْدَ أَنْ يَكُوْنَ ذَلِكَ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وتَشَاوُرٍ) سواء زادا على الحَولين أو نَقصا، وهو توسعةٌ بعد التَّحديد، والتَّشاور: استخراج الرَّأي، وذِكره ليكونَ التَّراضي عن تفكُّر فلا يضُرُّ الرَّضيع، فسبحان من أدَّبَ الكبيرَ ولم يُهملِ الصَّغير، واعتبرَ اتِّفاق (١) الأبوين لما للأبِ من النَّسب والولايةِ، وللأمِّ من الشَّفقةِ والعنايةِ.
(﴿وَفِصَالُهُ﴾) قال ابنُ عبَّاس فيما أخرجَهُ الطَّبريُّ: يعني (٢): (فِطَامَهُ) بنصبِ الميم (٣) في «اليونينيَّة» أي: منعه من شُربِ اللَّبن.
(٥) (بابُ نَفَقَةِ المَرْأَةِ إِذَا غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَنَفَقَةِ الوَلَدِ) بخفضِ «ونفقةِ» عطفًا على المضافِ إليه، إذا غابَ الزَّوج المُوسر عن زوجتهِ فليس لها فسخُ النِّكاح لتمكُّنِها من تحصيلِ حقِّها بالحاكم، فيبعثُ قاضي بلدِها إلى قاضي بلدهِ فيُلْزِمُهُ بدفع نَفقتها إن علمَ مَوضعه، واختارَ القاضي الطَّبريُّ وابنُ الصَّبَّاغ جواز الفسخِ لها إذا تعذَّر تحصيلها في غيبتهِ للضَّرورة، وقال الرُّوياني وصاحب «العدَّة»: إنَّ الفتوى عليه، ولو انقطعَ خَبره ثبتَ لها الفسخُ لأنَّ تعذُّر النَّفقة بانقطاع خَبره كتعذُّرها بالإفلاس، نقله الزَّركشيُّ عن صاحبي «المهذب» (٤) و «الكافي» وغيرهما وأقرَّه. لا بغيبةِ من جُهل حاله يسارًا وإعسارًا (٥) لعدم تحقُّق المقتضَى. نعم لو أقامتْ بيِّنةً عند حاكم بلدها بإعسارِهِ ثبتَ لها الفسخُ، ولا يُفسخ بغيبةِ ماله دون مسافةِ (٦) القصر لأنَّه في حكمِ الحاضر ويُؤمر بتعجيلِ الإحضار، أمَّا إذا كان (٧) بمسافة القصرِ فأكثر فلها الفَسخ؛ لتضرُّرها بالانتظارِ الطَّويل، وأمَّا نفقةُ الولدِ فتجبُ بشرط الحاجةِ، والأصحُّ عند الشَّافعيَّة اعتبار الصِّغر أو الزَّمَانة.
стр. 9893
٥٣٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ) محمَّد المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بنُ يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (أَنَّ عَائِشَةَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عن عائشة» (¬﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدُ) بغير صرفٍ، ولأبي ذرٍّ: «هند» بالصَّرف (١) (بِنْتُ عُتْبَةَ) بنِ ربيعةَ بنِ عبد شمس بنِ عبد مناف، أمُّ معاوية إلى رسول الله ﷺ (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ) صخر بن حرب بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد منافٍ (رَجُلٌ مِسِّيكٌ) قال في «القاموس»: كأَمِيْر وسِكِّيْت وهُمَزَة وعُنُق: بخيلٍ (فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ) إثمٌ (أَنْ أُطْعِمَ) بضم الهمزة وكسر العين (مِنَ) الشَّيء (الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا؟ قَالَ) ﷺ : (لَا) تُطعميهِم من ماله (إِلَّا بِالمَعْرُوفِ) بين النَّاس أنَّه قدر الكفايةِ عادةً من غير إسرافٍ، وفي «المظالم»: «لا حرجَ عليك أنْ تُطْعميهم بالمعروفِ» [خ¦٢٤٦٠] وقال القُرطبيُّ: قوله: «خذي» أمر إباحةٍ بدليل قوله: «لا حرجَ». قال: وهذه الإباحةُ وإن كانت مطلقةً لفظًا لكنَّها مقيدةٌ معنًى كأنَّه قال: إن صحَّ ما ذكرتِ، وقد اختلف أصحابنا هل للمرأةِ استقلالٌ بالأخذِ من مال زوجِها عند الحاجةِ بغيرِ إذنِ القاضي؟ فيه وجهانِ مبنيَّان على وجهين بناءً على أنَّ إذنَ النّبيِّ ﷺ لهندٍ كان إفتاءً أو قضاءً، والأوَّل أصحُّ فيجري في كلِّ امرأةٍ أشبهتْها، وعلى الثّاني وهو أن يكون قضاءً لا يجري على غيرها إلَّا بإذنِ القاضي، وأيَّد القول الأول ابنُ دقيق العيد بأنَّ الحكم يحتاجُ إلى إثباتِ السَّبب المسلَّط على الأخذِ من مال الغير، ولا يحتاجُ إلى ذلك في (٢) الفَتوى، وربما قيل: إنَّ أبا سفيان كان حاضرًا في البلدِ، ولا يُقضى على الغائبِ الحاضر في البلدِ مع إمكان إحضارِهِ وسماع الدَّعوى على المشهور من مذاهبِ الفقهاء، ثمَّ قال: وهذا يبعد ثبوتَه إلَّا أن يُؤخذَ بطريق الاستصحابِ بحال حضورِهِ. انتهى.
وفيه كلامٌ يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى بعونه في «القضاءِ على الغائب» في «كتاب الأحكام».
стр. 9894
٥٣٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن موسى الخَتِّيُّ، أو يحيى بن جعفر بن أعين البِيْكَنديُّ، وهو الظَّاهر كما صرّح به في «البيوع» [خ¦٢٠٦٦] قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همام (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابنُ منبِّه، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا) على عياله وأضيافِهِ (عَنْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «مِن» (غَيْرِ أَمْرِهِ) الصَّريح في ذلك القدر المنفق بل فهمتْ ذلك من قرائن حالية، أو أنفقتْ ممَّا خصَّهُ الزَّوج بها (فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِهِ) قال محيي السُّنَّة: وهذا خارجٌ على عادةِ أهل الحجاز أنَّهم يُطلقون الأمر للأهل في الإنفاق والتَّصدُّق بما يكون في البيتِ إذا حضرهُم السَّائل أو نزلَ بهم الضَّيف.
وهذا الحديث قد سبقَ في «البيع» [خ¦٢٠٦٦] وهذا الباب مقدَّمٌ على سابقهِ عند النَّسفيِّ وأبي ذرٍّ.
(٦) (بابُ عَمَلِ المَرْأَةِ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا) من الطَّحن والعجنِ والكنسِ، وغير (١) ذلك.
٥٣٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) ابن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (الحَكَمُ) بن عُتيبة -بضم العين المهملة وفتح الموحدة- مصغَّرًا (عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى) عبد الرَّحمن، واسمُ أبي ليلى: يسار، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو
стр. 9895
ابنُ أبي طالبٍ (أَنَّ فَاطِمَةَ) الزَّهراء ﵍ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى) زاد في «الخُمُس»: «ممَّا تطحن» [خ¦٣١١٣] وفي «المناقب»: «من أثر الرَّحى» [خ¦٣٧٠٥] وعند أبي داود من طريق أبي الورد عن ابن عبد (١)، عن عليٍّ: «إنَّها جرَّت بالرَّحى حتَّى أثَّرتْ بيدها، واستقتْ بالقربة حتى أثَّرت في نحرها، وقمَّت البيت حتَّى اغبرَّت ثيابها، وأوقدتِ القدر حتَّى دكَّنت ثيابها، وأصابها من ذلك ضررٌ» (وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ) من السَّبي (فَلَمْ تُصَادِفْهُ) بالفاء، لم تجدْه (فَذَكَرَتْ ذَلِكَ) الَّذي تشكوهُ (لِعَائِشَةَ، فَلَمَّا جَاءَ) رسولُ الله ﷺ (أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ) به (قَالَ) عليٌّ ﵁: (فَجَاءَنَا) رسولُ الله ﷺ (وَ) الحال أنا (قَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا) مراقدنَا (فَذَهَبْنَا نَقُومُ، فَقَالَ: عَلَى مَكَانِكُمَا (٢)) أي: الزماهُ (فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ) بالتثنية، ولأبي ذرٍّ: «قدمه» (عَلَى بَطْنِي) وفي «الخمس» [خ¦٣١١٣] و «المناقب» [خ¦٣٧٠٥]: «على صدري» (فَقَالَ: أَلَا) بالتَّخفيف (أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا) وفي «الخمس»: «سألتُماني»، وعند أحمد: قالا: بلى. قال: «كلماتٌ علمنيهنَّ جبريل» (إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا -أَوْ) قال: (أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا- فَسَبِّحَا) بكسر الموحدة (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا) بفتح الميم (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبِّرَا) بكسر الموحدة (أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَهْوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ) فيه: أنَّ الَّذي يلازم ذكرَ الله يعطى قوَّةً أعظم من القوَّة الَّتي يعملها له الخادم، أو أنَّ المراد: إنَّ نفعَ التَّسبيحِ مختصٌّ بالدَّار الآخرة، ونفعَ الخادم مختصٌّ بالدَّار الدُّنيا، والآخرة خيرٌ وأبقى. وفيه: أنَّ الزَّوج لا يلزمه إخدامُ زوجته إذا كانت لا تخدم في بيت أبيها، وكانت تقدرُ على الخدمةِ من طبخٍ وخبزٍ وملءِ ماءٍ وكنس بيتٍ، ولمَّا سألت فاطمة ﵂ الخادم لم يأمر النَّبيُّ ﷺ عليًّا أن يخدمها، وقد حكى ابنُ حبيبٍ عن أصبغ، وابن الماجشُون عن مالك: أنَّ الزَّوجة يلزمها خدمةُ البيت، وإن كانت ذات (٣) شرفٍ إذا كان زوجُها معسرًا، تمسُّكًا بهذا الحديث.
وهذا الحديث سبق في «الخمس» [خ¦٣١١٣] و «المناقب» [خ¦٣٧٠٥] ويأتي إن شاء الله تعالى في «الدَّعوات» [خ¦٦٣١٨].
стр. 9896
(٧) (بابُ) حكم (خَادِمِ المَرْأَةِ) هل يشرعُ ويلزم الزوج إخدامها؟
٥٣٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبدُ الله بن الزُّبير قال: (١) (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (ابْنُ أَبِي يَزِيدَ) من الزيادة، المكِّيُّ أنَّه (سَمِعَ مُجَاهِدًا) قال: (سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى يُحَدِّثُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّ فَاطِمَةَ ﵍ أَتَتِ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «أتتْ إلى النَّبيِّ» (¬ ﷺ تَسْأَلُهُ خَادِمًا) يقيها مشقَّة الخدمةِ (فَقَالَ) ﵊ لمَّا بلغَه ذلك وأتى إليها: (أَلَا أُخْبِرُكِ) بكسر الكاف كاللَّتين (٢) بعدُ، خطابًا لفاطمة (٣) (مَا (٤) هُوَ خَيْرٌ لَكِ مِنْهُ: تُسَبِّحِينَ اللهَ عِنْدَ مَنَامِكِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدِينَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرِينَ اللهَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ -ثُمَّ قَالَ سُفْيَانُ) بن عُيينة: (إِحْدَاهُنَّ) من غير تعيين (أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ-) قال عليٌّ ﵁: (فَمَا تَرَكْتُهَا) أي: جملة التَّسبيح والتَّحميد والتَّكبير بالعدد المذكور (بَعْدُ) أي: بعد أن سمعتُ ذلك من النَّبيِّ ﷺ (قِيلَ: وَلَا) تركتها (لَيْلَةَ صِفِّينَ؟ قَالَ: وَلَا (٥) لَيْلَةَ صِفِّينَ) بكسر الصاد المهملة والفاء المشددة، الموضع الكائن به الوقعة بين عليٍّ ومعاوية ﵄ بين العراق والشام، والقائل ذلك لعليٍّ عبد الرَّحمن بن أبي ليلى الرَّاوي كما عند مسلمٍ، أو عبد الله بن الكواء كما عند ابنِ أبي شَيبة من وجهٍ آخر.
стр. 9897
ومفهومُ الحديث: أنَّه لا يجب على الزَّوج إخدام الزَّوجة، لكنَّ الظَّاهر حملُه على ما سبق في الباب السَّابق على ما تعارفَ من حُسنِ العِشرة، وجميل الأخلاقِ، وإلَّا فيجبُ على الزَّوج وإن كان مُعسرًا أو عبدًا إخدام الحرَّة ولو ذِميَّة إن كانتْ ممَّن تُخْدم في بيتِ أبيها لأنَّه من المعاشرةِ بالمعروفِ المأمور بها، لا إخدام الأمَة وإنْ اعتادت لجمالها بالخدمةِ لنقصها بالرِّقِّ، وحقِّها أن تَخدِم لا أن تُخدَم، والإجماع على أنَّ عليه نفقة الخادم لها، فلو قالت: أنا أخدِمُ نفسي وآخذُ ما للخادِم (١) من أجرةٍ أو نفقةٍ لم يُجبر هو لأنَّها أسقطتْ حقَّها، وله أن لا يرضَى به لابتذالها بذلك، أو قال الزَّوج: أنا أخدمكِ لتسقط عنه مُؤونة الخادمِ، لم تُجبر هي.
(٨) (بابُ) جواز (خِدْمَةِ الرَّجُلِ) بنفسه (فِي أَهْلِهِ).
٥٣٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بن البِرِنْد قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ) بضم العين المهملة وفتح الفوقية والموحدة، بينهما تحتية ساكنة، الكنديِّ مولاهم، فقيهِ الكوفة (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ) النَّخعيِّ، أنَّه قال: (سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂¬) فقلت لها: (مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي البَيْتِ؟ قَالَتْ: كَانَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «قالت: كان يكون (٢)» (فِي مَِهْنَةِ أَهْلِهِ) بكسر الميم وسكون الهاء في الفرع كأصله، وضبطَه الهرويُّ بفتح الميم. وعن شمر فيما حكاه الأزهريُّ أنَّ الكسرَ خطأ. وقال (٣) في «النهاية»: الرِّواية بالفتح وقد تكسر.
стр. 9898
وقال الزَّمخشريُّ: هو عند الأثبات خطأٌ، وكان القياس أن يكون مثل جلسة إلا أنَّه جاء على فعلة واحدة.
وقال في «القاموس»: المِهْنة: بالكسرِ والفتحِ والتَّحريك، الحذقُ بالخدمةِ والعمل، مَهَنه كمَنَعه ونَصَره مَهْنًا ومَهْنة، وتكسر: خدمَهُ (فَإِذَا سَمِعَ الأَذَانَ خَرَجَ) إلى الصَّلاة.
والحديثُ سبق في «الصَّلاة» [خ¦٦٧٦].
(٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا لَمْ يُنْفِقِ الرَّجُلُ) على أهله (فَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْخُذَ) من ماله (بِغَيْرِ عِلْمِهِ مَا يَكْفِيهَا وَ) يكفي (وَلَدَهَا بِالمَعْرُوفِ) في العادة بين النَّاس.
٥٣٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ هِشَامٍ) أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂: (أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ) كذا بغير صرف في هند في الفرع. وقال الحافظُ ابن حجرٍ في هذه الرِّواية: «هندًا» بالصَّرف. وفي «اليونينيَّة» بالوجهين. وفي رواية الزُّهريِّ، عن عروة في «المظالم» بغير صرف [خ¦٢٤٦٠]. قال: وكانت هند لما قُتل أبوها عتبة وعمُّها شيبة وأخوها الوليد يوم بدر شقَّ عليها، فلما كان يوم أُحدٍ وقتل حمزة فرحت بذلك وعمدتْ إلى بطنه فشقَّتها وأخذتْ كبده فلاكتهَا ثمَّ لفظتها، فلما كان يوم الفتح ودخلَ أبو سفيان مكَّة مسلمًا غضبتْ هندُ لأجلِ إسلامه وأخذتْ بلحيتهِ، ثمَّ إنَّها بعد استقراره ﷺ بمكَّة أسلمت وبايعتْ ثمَّ (قَالَتْ) إذ ذاك: (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ) بخيلٌ مع الحرص، فالشحُّ أعمُّ من البخل لأنَّ البخل يختصُّ بمنع المال، والشُّحُّ بكلِّ شيءٍ.
وقيل: الشُّحُّ لازمٌ كالطَّبع والبخل غير لازمٍ (وَلَيْسَ يُعْطِينِي) من النَّفقة (مَا يَكْفِينِي) ما موصول (١)
стр. 9899
صلتُه يكفيني، والعائد الفاعل المستتر في «يكفيني»، والصِّلة والموصول في موضعِ نصب مفعول ثانٍ ليُعطيني (وَوَلَدِي إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (لَا يَعْلَمُ، فَقَالَ) النَّبيُّ ﷺ : (خُذِي) من ماله (مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ) يجوز أن تتعلَّق الباء بحال، أي: خُذي من مالهِ آكلةً بالمعروفِ أو متلبِّسة (١) بالمعروفِ، فتكون الباء باء الحال.
وفي «طبقات ابن سعد» بسندٍ رجاله رجال الصَّحيح من مرسلِ الشَّعبيِّ: أنَّ النِّساء حين تبايعنَ قال (٢) النَّبيُّ ﷺ : «تُبايعنَ على أن لا تُشْركنَ باللهِ شيئًا؟» فقالتْ هندٌ: إنَّا لقائلوها (٣) «ولا تسرقْنَ؟» (٤). فقالت هندٌ: كنتُ أُصيب من مالِ أبي سفيان. قال أبو سفيان: فما أصبتِ من مالي فهو حلالٌ لك. قال: «ولا تزنينَ؟» فقالت هندٌ: وهل (٥) تزني الحرَّة؟ «ولا تقتلْنَ أولادَكُنَّ؟» فقالت هندُ: أنت قتلتَهُم.
وهذا يردُّ على القائلِ بأنَّه يؤخذُ من الحديث القضاء على الغائبِ؛ إذ هو صريحٌ في أنَّه كان معها في المجلسِ، ومباحث هذا تأتي إن شاء الله تعالى في موضعهِ من «كتاب الأحكام» بعون الله.
وفي الحديثِ: أنَّ القولَ في قبضِ النَّفقة قول الزَّوجة لأنَّه لو كان القولُ قولَه لكلِّفتْ هند البيِّنة على إثباتِ عدم الكفايةِ، وأجاب المازريُّ بأنَّه من بابِ الفتيا لا القضاء، وبقيَّة فوائدِهِ المستنبطةِ منه (٦) تأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته.
(١٠) (بابُ حِفْظِ المَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي ذَاتِ يَدِهِ) في (٧) مالهِ (وَ) في (النَّفَقَةِ) من عطف الخاصِّ على العامِّ.
стр. 9900
٥٣٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوس بن كيسان، الإمام أبي عبد الرَّحمن، قال سفيان (وَ) حدَّثنا أيضًا (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بنُ ذكوان، كلاهما، أي: ابن (١) طاوس وأبو الزِّناد (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ نِسَاءُ قُرَيْشٍ) يريدُ نساءَ العربِ لأنَّهنَّ يركبن الإبلَ.
(وَقَالَ الآخَرُ) وهو ابنُ طاوس كما عند مسلمٍ (صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ) بدل: «خيرُ» (٢).
وللكُشميهنيِّ: «صُلَّح نساء قريش (٣)» بضم الصاد وفتح اللام المشددة، بصيغة الجمع (أَحْنَاهُ) بالحاء المهملة، أشفَقه (عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ) فلا يتزوَّجن ما دام صغيرًا (وَأَرْعَاهُ) أي: أحفظهُ (عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ) أي: في (٤) ماله. ونكَّرَ لفظ الولد إشارةً إلى أنَّها تحنو على أيِّ ولدٍ كان، وإن كان ولد زوجها من غيرها أكثر ممَّا يحنو عليه غيرها. وقال: أحناهُ، فذكَّر، وكان القياس أن يقول: أحناهنَّ لأنَّ الضَّمير عائدٌ على النِّساء.
وأُجيب بأنَّ التَّذكير يدلُّ على الجنسيَّة كأنَّه قيل: خير هذا الجنس الَّذين (٥) فاقوا النَّاس في
стр. 9901
الشَّرف هذا الجيل، ولذلك عدَلَ عن (١) ذكر العرب إلى الصِّفة المميِّزة من قوله: ركبْنَ الإبلَ لزيادة الاختصاص، ولو قيل: أحناهنَّ، كانت الذَّات المقصودة (٢)، والمعنى تابعًا لها فلم يكن بذلك، وفي اختصاص العربِ من بين سائر النَّاس واختصاصِ قريشٍ منها دَلالةٌ على أنَّ العربَ أشرفُ النَّاس وأشرفها قريشٌ.
(وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان فيما أخرجَه الإمامُ أحمدُ والطَّبرانيُّ من طريقِ زيد بنِ أبي عتاب (وَ) عن (ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵃ فيما أخرجَهُ أحمدُ أيضًا من طريقِ شهرِ بن حوشبٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) نحو رواية ابنِ طاوس.
(١١) (بابُ) وجوبِ (كِسْوَةِ المَرْأَةِ) بكسر الكاف وضمِّها، على زوجها (بِالمَعْرُوفِ) أسوة أمثالها، فيجبُ لها عليه قميصٌ وسراويل، أو إزارٌ اعتيدَ، وخمارٌ وهو المقنعةُ، ومكعب وهو المداسُ أو نعل، ويزيدُ لها في الشِّتاء جبَّة محشوَّة، أو فروة بحسب الحاجةِ لدفع البردِ، فإن اشتدَّ فجُبَّتان على الموسرِ والمعسرِ، لكن الموسر يكسوهَا بكسوةٍ (٣) من جيِّد القطنِ وكذا الكتَّانُ والحريرُ والخزُّ إن اعتادوهُ لنسائهم، والمعسرُ يكسوهَا من خشنهِ، ويتوسَّط بينهما المتوسِّط.
وعلى الموسرِ طِنْفسةٌ وهي بساطٌ صغيرٌ في الشِّتاء، ونِطعٌ في الصَّيف تحتهما زِلِّيَّة أو حصير، وعلى المعسر حصيرٌ في الصَّيف ولبْدٌ في الشِّتاء، وعلى المتوسِّط زلِّيَّة في الصَّيف والشِّتاء.
ويجب لنومها على كلٍّ منهم (٤) مع التَّفاوت في الكيفيَّة بينهم: فراشٌ ترقدُ عليه كمضْرَبةٍ ليِّنة، ومخدَّةٌ مع لحافٍ أو كساءٍ في الشِّتاء ورداءٍ في الصَّيف، وآلةُ أكلٍ وشربٍ وطبخٍ كقصعةٍ وكوزٍ وجرَّةٍ وقدرٍ، وآلةُ تنظيفٍ كمُشْط ودهْنٍ وسِدْر، وأجرُ حمَّامٍ اعتيدَ، وثمنُ ماءِ غسلٍ بسببهِ كوطئهِ وولادتها منه بخلافِ الحيضِ والاحتلامِ.
стр. 9902
٥٣٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم وسكون النون، قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ) ضدُّ الميمنة (قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ) الجهنيَّ، هاجر ففاته رؤية النَّبيِّ ﷺ (عَنْ عَلِيٍّ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: آتَى) بمدِّ الهمزة، أعطى، وضمَّن أعطى معنى أهدى أو أرسل، فلذا عدَّاه بإلى في قولهِ: (إِلَيَّ) بتشديد الياء. وفي رواية النَّسفيِّ (١): «بعث» وفي رواية عبدوس: «أهدى إليَّ» (النَّبِيُّ ﷺ حُلَّةَ سِيَرَاءَ) بإضافة حلَّة لتاليه. ولأبي ذرٍّ: «حُلةً» بالتَّنوين، وسِيَرَاء: بكسر السين المهملة وفتح التحتية والراء ممدود، بردٌ فيه خطوط صفرٌ أو مضلَّعة بالحرير. والحُلَّة لا تكون إلَّا من ثوبين (فَلَبِسْتُهَا، فَرَأَيْتُ الغَضَبَ فِي وَجْهِهِ) ﷺ (فَشَقَّقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي) فاطمة الزَّهراء ﵂ وقراباته؛ إذ لم يكن لعليٍّ زوجة إذ ذاكَ غير فاطمة ﵂.
والمطابقةُ بين التَّرجمة والحديث -كما قاله ابن المنيِّر- من جهة أنَّ الَّذي حصل لفاطمة ﵂ من الحلَّة قطعةٌ، فرضيتْ بها اقتصادًا بحسب الحالِ لا إسرافًا.
وهذا الحديثُ بسنده ومتنه قد سبق في «كتاب الهبة» [خ¦٢٦١٤].
(١٢) (بابُ) استحبابِ (عَوْنِ المَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي) أمرِ (وَلَدِهِ).
стр. 9903
٥٣٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسرهد بن مُسربل الأسديُّ البصريُّ الحافظ، أبو الحسن قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) الإمام أبو إسماعيل الأزديُّ، أحدُ الأعلام (عَنْ عَمْرٍو) بفتح (١) العين، ابن دينار، أبي محمد المكيِّ الإمام (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵁¬) وعن أبيه أنَّه (قَالَ: هَلَكَ أَبِي وَتَرَكَ سَبْعَ بَنَاتٍ، أَوْ) قال: (تِسْعَ بَنَاتٍ) قال الحافظ ابن حَجر: لم أعرف أسماءهنَّ (فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً ثَيِّبًا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : تَزَوَّجْتَ) استفهامٌ محذوفُ الأداة. وللمُستملي: «أتزوَّجت» (يَا جَابِرُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ) ﷺ : (بِكْرًا) بحذف (٢) أداةِ الاستفهام. ولأبي ذرٍّ: «أبكرًا» (أَمْ ثَيِّبًا؟ قُلْتُ): يا رسول الله (بَلْ) تزوَّجت (ثَيِّبًا قَالَ) ﵊: (فَهَلَا) تزوَّجت (جَارِيَةً) بكرًا (تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ، وَتُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ؟ قَالَ) جابر: (فَقُلْتُ لَهُ): يا رسول الله (إِنَّ عَبْدَ اللهِ) أبي (هَلَكَ وَتَرَكَ بَنَاتٍ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ) صغيرة لا تجربةَ لها في الأمورِ (فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً) قد جرَّبت الأمور وعرفتها (تَقُومُ عَلَيْهِنَّ وَتُصْلِحُهُنَّ، فَقَالَ) ﷺ : (بَارَكَ اللهُ لَكَ -أَوْ) قال: (خَيْرًا-) شكٌّ من الرَّاوي، ولأبي ذرٍّ: «لك، أو قال: خيرًا».
وهذا الحديث أخرجهُ أيضًا في «الدَّعوات» [خ¦٦٣٨٧]، ومسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «النِّكاح».
(١٣) (بابُ نَفَقَةِ المُعْسِرِ عَلَى أَهْلِهِ).
стр. 9904
٥٣٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بنُ عبد الله بنِ يونس التَّميميُّ اليربوعيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) الزُّهريُّ العوفيُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ) سبق في «الصَّوم» أنَّه قيل: إنَّه سلمة بن صخر، وقيل: سلمان بن صخرٍ، وقيل: أعرابي (فَقَالَ: هَلَكْتُ) أي: فعلت ما هو سببٌ لهلاكي (قَالَ) ﷺ : (وَلِمَ) هلكتَ؟ (قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى أَهْلِي) جامعتُ زوجتي (فِي) نهار (رَمَضَانَ. قَالَ) ﵊ له: (فَأَعْتِقْ رَقَبَةً) بهمزة قطع (قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي) ما أعتق به رقبة (قَالَ) ﵊: (فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ. قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ) الصَّوم (قَالَ) صلوات الله وسلامه عليه: (فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا) بقطع همزة فأطعم (قَالَ: لَا أَجِدُ) ما أُطعم به (فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ) بفتح العين والراء، وعاء من خوص (فِيهِ تَمْرٌ) خمسة عشر صاعًا، وعند ابن خزيمة من حديث عائشة: «عشرون» كما سبق في «الصوم» (فَقَالَ) ﷺ : (أَيْنَ السَّائِلُ؟) عما يخلصه من الهلاك (قَالَ: هَا أَنَا ذَا) يا رسول الله (قَالَ) ﷺ : (تَصَدَّقْ بِهَذَا) التَّمر (قَالَ) الرَّجل: أتصدَّق به (عَلَى) أحدٍ (أَحْوَجَ (١) مِنَّا يَا رَسُولَ اللهِ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) تثنية لابة بغير همز، يريد: حرَّتي المدينة أرضٌ ذات حجارة سود (أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا) زاد ابنُ خزيمة من حديث عائشة: «ما لنا عشاء ليلة» (فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ) تعجُّبًا من حاله في طمعهِ بعد خوفهِ من هلاكهِ ورغبتهِ في الفداء أن يأكلَ ما أعطيه في الكفَّارة (قَالَ) ﵊: (فَأَنْتُمْ إِذًا) أحقُّ به.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة -كما قال ابن بطَّال- من حيث إنَّه ﷺ أباح له إطعام أهله التَّمر، ولم يقل له: إنَّ ذلك يجزيك عن الكفَّارة لأنَّه قد تعيَّن عليه فرض النَّفقة على أهلهِ بوجود التَّمر وهو ألزمُ له من الكفَّارة.
وتعقَّبه في «الفتح» بأنَّه يشبه الدَّعوى فيحتاجُ إلى دليل. قال: والَّذي يظهرُ لي أنَّ الأخذَ من جهة اهتمام الرَّجل بنفقةِ أهلهِ، حيث قال لما قيل له: تصدَّق به فقال: أعلى أحوج منَّا، فلولا اهتمامُه بنفقةِ أهلهِ لبادر وتصدَّق.
وهذا الحديثُ قد سبق في «الصَّوم» [خ¦١٩٣٦].
стр. 9905
(١٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: في قولهِ تعالى: (﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾) عطفٌ على قولهِ: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وما بينهما مفسر (١) للمعروف معترضٌ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه، أي: وعلى وارث الصَّبيِّ عند عدمِ الأب (﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]) أي: مثل الَّذي كان على أبيه في حياتهِ من الرِّزق والكُسْوة وأجر الرَّضاع إذا كان الولدُ لا مالَ له.
واختُلف في الوارثِ فعند ابنِ أبي ليلى: كلُّ من ورثهُ وهو قولُ أحمد، وعند الحنفيَّة: من كانَ ذا رحمٍ محرمٍ منه. وقال الجمهورُ: لا غرم (٢) على أحدٍ من الورثةِ ولا يلزمه نفقةُ ولد الموروث.
وقال زيدُ بن ثابت: إذا خلَّف أمًّا وعمًّا فعلى كلِّ واحدٍ منهما إرضاع الولدِ بقدرِ ما يرثُ، وإليه أشار المؤلِّف بقولهِ: (وَهَلْ عَلَى المَرْأَةِ) أي: الأمِّ (مِنْهُ) أي: من إرضاع (٣) الصَّبيِّ (شَيْءٌ؟) وهل هنا للنَّفي، وأشارَ به إلى الرَّدِّ على قولِ زيد، ثمَّ أشارَ بقولهِ: (﴿وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ إِلَى قولهِ: ﴿صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦]) فنزَّل المرأةَ من الوارثِ منزلةَ الأبكمِ من المتكلِّم، وجعلها كَلًّا على مَن يَعولها.
٥٣٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو مصغَّرًا، ابن خالدٍ قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله بن عبدِ الأسد المخزوميَّة ربيبةِ النَّبيِّ ﷺ (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هند أمِّ المؤمنين ﵂ أنَّها قالتْ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ فِي بَنِي أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللام (٤)،
стр. 9906
زوجي (أَنْ أُنْفِقَ) بضم الهمزة، أي: بأن، وأن مصدريَّة، أي: بالإنفاق (عَلَيْهِمْ؟ وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ هَكَذَا وَهَكَذَا) أي: محتاجين (إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ) بفتح الموحدة وكسر النون وتشديد التحتية، أي: أولادي منه.
وقال (١) الحافظ ابنُ حَجر في «المقدمة»: هم عمر وسلمة وزينب ودرَّة، وقيل: فيهم محمد (قَالَ) ﷺ : (نَعَمْ لَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ). وهذا الحديثُ مضى في «الزَّكاة».
قالوا: ومطابقةُ الحديث للترجمة (٢) من إخباره ﷺ أنَّ لها أجرًا، فدلَّ على أنَّ نفقتَهُم لا تجبُ عليها؛ إذ لو وجبتْ عليها لبيَّن لها ﷺ ذلك.
وهذا الحديثُ سبق في «الزَّكاة» [خ¦١٤٦٧].
٥٣٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البِيْكَنديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ هِشَامِ ابْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها قالت: (قَالَتْ هِنْدُ) بنت عُتبة: (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ) بغير علمه (مَا يَكْفِينِي وَبَنِيَّ) في النَّفقة؟ (قَالَ) ﷺ : (خُذِي) من مالهِ ما يكفيكِ وولدك (بِالمَعْرُوفِ) بلا إسرافٍ ولا تقتيرٍ.
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة من حيثُ إنَّه ﷺ أذنَ لها في أخذِ نفقةِ بنيها من مالِ الأب، فدلَّ على أنَّها تجبُ عليه دونها.
وغرض المؤلِّف أنَّه لما لم (٣) يلزم الأمهاتِ نفقةُ الأولادِ في حياة الآباء فالحكمُ مستمرٌّ بعد الآباء، ويقوِّيه قولُه تعالى: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي: رزق الأمَّهات وكسوتهنَّ من أجل الإرضاعِ للأبناء، فكيف يجبُ لهنَّ في أوَّل الآية ويجبُ عليهنَّ نفقة الأبناءِ في آخرها، قاله في «الفتح».
стр. 9907
(١٥) (قَوْلِ النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «باب قول النَّبيِّ» (¬ ﷺ : مَنْ تَرَكَ كَلًّا) بفتح الكاف وتشديد اللام منوَّنة، ثقلًا من دينٍ ونحوه (أَوْ ضَيَاعًا) بفتح الضاد المعجمة، أي: من لا يستقلُّ بنفسه، ولو خُلِّي وطَبْعَه لكان في معرضِ الهلاك (فَإِلَيَّ) أي: فينتهِي إليَّ، وأنا أتداركُه.
أو هو بمعنى: عليَّ، أي: فعليَّ قضاؤهُ والقيام بمصالحهِ.
٥٣٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه عبد الله الحافظ، أبو زكريا المخزوميُّ مولاهم، المصريُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ عُقَيْلٍ) هو ابنُ أبي خالدٍ (٢) الأَيْليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ المُتَوَفَّى) بفتح الفاء المشدَّدة، أي: الميِّت حال كونه (عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَسْأَلُ) ﷺ : (هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا؟) قدرًا زائدًا على مُؤن (٣) تجهيزهِ يفي بدينهِ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «قضاء» (فَإِنْ حُدِّثَ) بضم الحاء (٤) مبنيًّا للمفعول (أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً) أي: ما يوفى به دينه (صَلَّى) عليه (وَإِلَّا) بأن لم يتركْ وفاءً (قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ).
قال الكِرْمانيُّ: لعلَّه ﷺ امتنعَ تحذيرًا من الدَّين وزجرًا عن المماطلةِ، وكراهة أن يوقفَ دعاؤه عن الإجابة بسببِ ما على المديونِ (٥) من مظلمةِ الحقِّ (فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ
стр. 9908
الفُتُوحَ) من الغنائم وغيرها (قَالَ) ﵊: (أَنَا أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّي مِنَ المُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ) ممَّا أفاء الله عليَّ (وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ).
قال في «الفتح»: وأراد المصنِّف (١) بإدخال هذا الحديث في «أبواب النَّفقات» الإشارةَ إلى أنَّ من ماتَ وله أولادٌ، ولم يتركْ لهم شيئًا، فإنَّ نفقتَهم تجبُ في بيت المال.
وهذا الحديثُ سبق في «باب الدَّين» من «الكفالة» [خ¦٢٢٩٨].
(١٦) (بابُ المَرَاضِعِ مِنَ المَوَالِيَاتِ وَغَيْرِهِنَّ) بفتح الميم في الفرع كأصله، والَّذي (٢) في معظم الرِّوايات: «من الموالي».
٥٣٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ، إمام المصريِّين (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابنُ خالد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) رملةَ بنت أبي سفيان بن حرب (زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، انْكِحْ) بهمزة وصل
стр. 9909
(أُخْتِي) بهمزة قطع، عزَّة (ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ) ﷺ : (وَتُحِبِّينَ ذَلِكِ؟) بكسر الكاف، والاستفهام للتعجُّب (قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «قالت»: (نَعَمْ) أحبُّ ذلك لأنِّي (لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ) بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وكسر اللام وفتح التحتية، والباء زائدة في النَّفي، أي: لستُ خالية من ضرَّة (وَأَحَبُّ) بفتح الهمزة والحاء المهملة (مَنْ شَارَكَنِي فِي الخَيْرِ) من محبَّتك والانتفاعِ بك في الدَّارين (أُخْتِي، فَقَالَ) ﷺ : (إِنَّ) ولأبي ذرٍّ: «وإن» (ذَلِكِ) بكسر الكاف (لَا يَحِلُّ لِي) لأنَّ فيه الجمع بين الأختين (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ فَوَاللهِ إِنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ) بضم الدال المهملة وتشديد الراء (ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سَلَمَةَ. فَقَالَ) ﷺ : (ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (١) (أُمِّ سَلَمَةَ؟) بنصب بنت مفعول فعل مقدَّر، أي: أأنكحُ بنت أمِّ سلمة أو تعنين (فَقُلْتُ: نَعَمْ) يا رسول الله (قَالَ (٢): فَوَاللهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي) تفتح وتكسر (مَا حَلَّتْ لِي) والتَّقييدُ بالحجر جرى على الغالب (إِنَّهَا ابْنَةُ) ولأبي ذرٍّ: «إنَّها (٣) بنت» (أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ) فهي حرامٌ بسببين لو فقدَ أحدهما لم يحتج إليه لوجودِ الآخر (فَلَا تَعْرِضْنَ) بكسر الراء وسكون الضاد المعجمة (عَلَيَّ) بتشديد الياء (بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ. وَقَالَ شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة، ممَّا وصله المؤلِّف في أوائل «النِّكاح» [خ¦٥١٠١] (عَنِ الزُّهريِّ، قَالَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير: (ثُوَيْبَةُ) بضم المثلثة وفتح الواو المذكورة (أَعْتَقَهَا أَبُو لَهَبٍ) لما بشَّرته بولادةِ النَّبيِّ ﷺ .
وسبق الحديث في «النِّكاح» كما مرَّ، وغرضُه بذكره هنا الإشارةُ إلى أنَّ ثُوَيْبَة كانت مَولاة ليطابق التَّرجمة. وأوردهُ في «أبواب النَّفقات» [خ¦٥٣٧٢] ليشير إلى أنَّ إرضاع الأمِّ ليس واجبًا بل لها أن تمتنِعَ، وللأب أو الوليِّ إرضاعه بأجنبيَّة حرَّةٍ كانت أو أمةٍ، متبرِّعةٍ أو بأجرةٍ، والأجرة تدخل في النَّفقة، والله تعالى أعلم بالصَّواب (٤).
стр. 9910
((٧٠)) (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا بإثبات البسملةِ هنا في الفرع (كِتَابُ الأَطْعِمَةِ) جمع: طعام كرَحَاء (١) وأَرْحية. قال في «القاموس»: الطَّعام: البرُّ وما يؤكل، وجمع الجمع: أَطْعِمات. وقال ابن فارس في «المجمل»: يقعُ على كلِّ ما يطعم حتَّى الماء. قال تعالى: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]. وقال النَّبيُّ ﷺ في زمزم: «إنَّها طعامُ طُعْم وشفاءُ سُقْم» والطَّعْم -بالفتح-: ما يؤدِّيه الذَّوق. يقال: طَعْمُه مرٌّ أو حلوٌ (٢)، والطُّعم -أيضًا بالضم-: الطعام، وطَعِم -بالكسر- أي: أكلَ وذاقَ يَطْعَم -بالفتح- طُعْمًا، فهو طاعمٌ، كغَنِم يَغْنَم فهو غَانم.
(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧]) من مستلذَّاته، أو من حلالاتهِ والحلال المأذون فيه ضدُّ الحرام الممنوعِ منه. والطَّيِّب في اللُّغة بمعنى: الطَّاهر. والحلالُ يوصف بأنَّه طيِّب. والطَّيِّب في الأصلِ ما يستلذُّ ويُستطاب، ووصف به (٣) الطَّاهر والحلال على جهةِ التَّشبيه؛ لأنَّ النَّجس تكرهه النَّفس ولا يُستلذ (٤)، والحرامُ غير مستلذٍّ لأنَّ الشَّرع زَجَرَ عنه. فالمرادُ بالطَّيِّب: أن لا يكون متعلَّقَ حقِّ الغير، فإن أكلَ الحرامَ وإن استطابهُ الآكلُ فمن حيثُ يؤدِّي إلى العقابِ يصير مضرًّا ولا يكون مستطابًا.
(وَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]) من جيادِ (٥) مكسوباتِكم،