زوجي (أَنْ أُنْفِقَ) بضم الهمزة، أي: بأن، وأن مصدريَّة، أي: بالإنفاق (عَلَيْهِمْ؟ وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ هَكَذَا وَهَكَذَا) أي: محتاجين (إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ) بفتح الموحدة وكسر النون وتشديد التحتية، أي: أولادي منه.
وقال (١) الحافظ ابنُ حَجر في «المقدمة»: هم عمر وسلمة وزينب ودرَّة، وقيل: فيهم محمد (قَالَ) ﷺ : (نَعَمْ لَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ). وهذا الحديثُ مضى في «الزَّكاة».
قالوا: ومطابقةُ الحديث للترجمة (٢) من إخباره ﷺ أنَّ لها أجرًا، فدلَّ على أنَّ نفقتَهُم لا تجبُ عليها؛ إذ لو وجبتْ عليها لبيَّن لها ﷺ ذلك.
وهذا الحديثُ سبق في «الزَّكاة» [خ¦١٤٦٧].
٥٣٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البِيْكَنديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ هِشَامِ ابْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها قالت: (قَالَتْ هِنْدُ) بنت عُتبة: (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ) بغير علمه (مَا يَكْفِينِي وَبَنِيَّ) في النَّفقة؟ (قَالَ) ﷺ : (خُذِي) من مالهِ ما يكفيكِ وولدك (بِالمَعْرُوفِ) بلا إسرافٍ ولا تقتيرٍ.
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة من حيثُ إنَّه ﷺ أذنَ لها في أخذِ نفقةِ بنيها من مالِ الأب، فدلَّ على أنَّها تجبُ عليه دونها.
وغرض المؤلِّف أنَّه لما لم (٣) يلزم الأمهاتِ نفقةُ الأولادِ في حياة الآباء فالحكمُ مستمرٌّ بعد الآباء، ويقوِّيه قولُه تعالى: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي: رزق الأمَّهات وكسوتهنَّ من أجل الإرضاعِ للأبناء، فكيف يجبُ لهنَّ في أوَّل الآية ويجبُ عليهنَّ نفقة الأبناءِ في آخرها، قاله في «الفتح».
стр. 9907
(١٥) (قَوْلِ النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «باب قول النَّبيِّ» (¬ ﷺ : مَنْ تَرَكَ كَلًّا) بفتح الكاف وتشديد اللام منوَّنة، ثقلًا من دينٍ ونحوه (أَوْ ضَيَاعًا) بفتح الضاد المعجمة، أي: من لا يستقلُّ بنفسه، ولو خُلِّي وطَبْعَه لكان في معرضِ الهلاك (فَإِلَيَّ) أي: فينتهِي إليَّ، وأنا أتداركُه.
أو هو بمعنى: عليَّ، أي: فعليَّ قضاؤهُ والقيام بمصالحهِ.
٥٣٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه عبد الله الحافظ، أبو زكريا المخزوميُّ مولاهم، المصريُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ عُقَيْلٍ) هو ابنُ أبي خالدٍ (٢) الأَيْليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ المُتَوَفَّى) بفتح الفاء المشدَّدة، أي: الميِّت حال كونه (عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَسْأَلُ) ﷺ : (هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا؟) قدرًا زائدًا على مُؤن (٣) تجهيزهِ يفي بدينهِ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «قضاء» (فَإِنْ حُدِّثَ) بضم الحاء (٤) مبنيًّا للمفعول (أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً) أي: ما يوفى به دينه (صَلَّى) عليه (وَإِلَّا) بأن لم يتركْ وفاءً (قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ).
قال الكِرْمانيُّ: لعلَّه ﷺ امتنعَ تحذيرًا من الدَّين وزجرًا عن المماطلةِ، وكراهة أن يوقفَ دعاؤه عن الإجابة بسببِ ما على المديونِ (٥) من مظلمةِ الحقِّ (فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ
стр. 9908
الفُتُوحَ) من الغنائم وغيرها (قَالَ) ﵊: (أَنَا أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّي مِنَ المُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ) ممَّا أفاء الله عليَّ (وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ).
قال في «الفتح»: وأراد المصنِّف (١) بإدخال هذا الحديث في «أبواب النَّفقات» الإشارةَ إلى أنَّ من ماتَ وله أولادٌ، ولم يتركْ لهم شيئًا، فإنَّ نفقتَهم تجبُ في بيت المال.
وهذا الحديثُ سبق في «باب الدَّين» من «الكفالة» [خ¦٢٢٩٨].
(١٦) (بابُ المَرَاضِعِ مِنَ المَوَالِيَاتِ وَغَيْرِهِنَّ) بفتح الميم في الفرع كأصله، والَّذي (٢) في معظم الرِّوايات: «من الموالي».
٥٣٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ، إمام المصريِّين (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابنُ خالد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) رملةَ بنت أبي سفيان بن حرب (زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، انْكِحْ) بهمزة وصل
стр. 9909
(أُخْتِي) بهمزة قطع، عزَّة (ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ) ﷺ : (وَتُحِبِّينَ ذَلِكِ؟) بكسر الكاف، والاستفهام للتعجُّب (قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «قالت»: (نَعَمْ) أحبُّ ذلك لأنِّي (لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ) بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وكسر اللام وفتح التحتية، والباء زائدة في النَّفي، أي: لستُ خالية من ضرَّة (وَأَحَبُّ) بفتح الهمزة والحاء المهملة (مَنْ شَارَكَنِي فِي الخَيْرِ) من محبَّتك والانتفاعِ بك في الدَّارين (أُخْتِي، فَقَالَ) ﷺ : (إِنَّ) ولأبي ذرٍّ: «وإن» (ذَلِكِ) بكسر الكاف (لَا يَحِلُّ لِي) لأنَّ فيه الجمع بين الأختين (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ فَوَاللهِ إِنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ) بضم الدال المهملة وتشديد الراء (ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سَلَمَةَ. فَقَالَ) ﷺ : (ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (١) (أُمِّ سَلَمَةَ؟) بنصب بنت مفعول فعل مقدَّر، أي: أأنكحُ بنت أمِّ سلمة أو تعنين (فَقُلْتُ: نَعَمْ) يا رسول الله (قَالَ (٢): فَوَاللهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي) تفتح وتكسر (مَا حَلَّتْ لِي) والتَّقييدُ بالحجر جرى على الغالب (إِنَّهَا ابْنَةُ) ولأبي ذرٍّ: «إنَّها (٣) بنت» (أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ) فهي حرامٌ بسببين لو فقدَ أحدهما لم يحتج إليه لوجودِ الآخر (فَلَا تَعْرِضْنَ) بكسر الراء وسكون الضاد المعجمة (عَلَيَّ) بتشديد الياء (بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ. وَقَالَ شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة، ممَّا وصله المؤلِّف في أوائل «النِّكاح» [خ¦٥١٠١] (عَنِ الزُّهريِّ، قَالَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير: (ثُوَيْبَةُ) بضم المثلثة وفتح الواو المذكورة (أَعْتَقَهَا أَبُو لَهَبٍ) لما بشَّرته بولادةِ النَّبيِّ ﷺ .
وسبق الحديث في «النِّكاح» كما مرَّ، وغرضُه بذكره هنا الإشارةُ إلى أنَّ ثُوَيْبَة كانت مَولاة ليطابق التَّرجمة. وأوردهُ في «أبواب النَّفقات» [خ¦٥٣٧٢] ليشير إلى أنَّ إرضاع الأمِّ ليس واجبًا بل لها أن تمتنِعَ، وللأب أو الوليِّ إرضاعه بأجنبيَّة حرَّةٍ كانت أو أمةٍ، متبرِّعةٍ أو بأجرةٍ، والأجرة تدخل في النَّفقة، والله تعالى أعلم بالصَّواب (٤).
стр. 9910
((٧٠)) (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا بإثبات البسملةِ هنا في الفرع (كِتَابُ الأَطْعِمَةِ) جمع: طعام كرَحَاء (١) وأَرْحية. قال في «القاموس»: الطَّعام: البرُّ وما يؤكل، وجمع الجمع: أَطْعِمات. وقال ابن فارس في «المجمل»: يقعُ على كلِّ ما يطعم حتَّى الماء. قال تعالى: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]. وقال النَّبيُّ ﷺ في زمزم: «إنَّها طعامُ طُعْم وشفاءُ سُقْم» والطَّعْم -بالفتح-: ما يؤدِّيه الذَّوق. يقال: طَعْمُه مرٌّ أو حلوٌ (٢)، والطُّعم -أيضًا بالضم-: الطعام، وطَعِم -بالكسر- أي: أكلَ وذاقَ يَطْعَم -بالفتح- طُعْمًا، فهو طاعمٌ، كغَنِم يَغْنَم فهو غَانم.
(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧]) من مستلذَّاته، أو من حلالاتهِ والحلال المأذون فيه ضدُّ الحرام الممنوعِ منه. والطَّيِّب في اللُّغة بمعنى: الطَّاهر. والحلالُ يوصف بأنَّه طيِّب. والطَّيِّب في الأصلِ ما يستلذُّ ويُستطاب، ووصف به (٣) الطَّاهر والحلال على جهةِ التَّشبيه؛ لأنَّ النَّجس تكرهه النَّفس ولا يُستلذ (٤)، والحرامُ غير مستلذٍّ لأنَّ الشَّرع زَجَرَ عنه. فالمرادُ بالطَّيِّب: أن لا يكون متعلَّقَ حقِّ الغير، فإن أكلَ الحرامَ وإن استطابهُ الآكلُ فمن حيثُ يؤدِّي إلى العقابِ يصير مضرًّا ولا يكون مستطابًا.
(وَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]) من جيادِ (٥) مكسوباتِكم،
стр. 9911
ولغير أبي ذرٍّ: «كلوا» بدل: «أنفقوا» ورواية أبي ذرٍّ موافقة للتِّلاوة (وَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾) وأوَّل الآية ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ (١)﴾ وليس النِّداء والخطاب على ظاهرهما لأنَّهم أرسلوا متفرِّقين في أزمنةٍ مختلفةٍ، وإنَّما المعنى الإعلامُ بأنَّ كلَّ رسولٍ في زمانهِ نودي بذلك ووصَّى به، ليعتقدَ السَّامع أنَّ أمرًا نودِي له جميع الرُّسل ووصُّوا به حقيقٌ أن يؤخذَ به ويعملَ عليه. أو خطابٌ لنبيِّنا ﷺ لفضلهِ وقيامهِ مقام الكلِّ في زمانهِ وكان يأكلُ من الغنائمِ. أو لعيسى لاتِّصال الآيةِ بذكرهِ، وكان يأكلُ من غزلِ أمِّه، كما قالَه أبو (٢) إسحاق السَّبيعيُّ، عن أبي مَيْسرة عَمرو بن شرحبيل (٣)، وهو أطيبُ الطَّيِّبات.
وفي «الصحيح»: أنَّ داودَ كان يأكلُ من عملِ يدهِ [خ¦٢٠٧٢] (﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾) موافقًا للشَّريعة (﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]) فأجازيكُم على أعمالكُم.
٥٣٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) العَبْديُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمرِ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بنِ سلمة (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بنِ قيسٍ (الأَشْعَرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: أَطْعِمُوا الجَائِعَ) قال في «فتح الباري»: يؤخذُ من الأمرِ بإطعام الجائعِ جوازُ الشِّبع لأنَّه ما دامَ قبل الشِّبع فصفةُ الجوع قائمةٌ به، والأمر بإطعامهِ مستمرٌّ (وَعُودُوا
стр. 9912
المَرِيضَ) زوروهُ (وَفُكُّوا العَانِيَ. قَالَ سُفْيَانُ) بالسَّند المذكور: (وَالعَانِي الأَسِيرُ) أي: وخلِّصوا الأسير، وكلُّ من ذلَّ واستكانَ وخضع فقد عنا. يقال: عَنَا يَعْنُو فهو عانٍ، والمرأةُ عانيةٌ، وجمعها: عوانٍ.
والمتضررون الَّذين وجب حقُّهم على غيرهِم من المسلمين مُنْحصرون في هذه الأقسامِ صريحًا وكنايةً عند إمعان النَّظر.
٥٣٧٤ - ٥٣٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى) المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بالضاد المعجمة مصغَّرًا (عَنْ أَبِيهِ) فضيل بن غزوان بن جرير الكوفيِّ (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي، سلمان الأشجعيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (١) (قَالَ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ طَعَامٍ) وفي حديث عائشة الآتي إن شاء الله تعالى: «من خبزِ البرِّ» [خ¦٥٤٢٣] (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) مُتَوالية (٢) بلياليها (حَتَّى قُبِضَ).
وعند مسلمٍ والتِّرمذيِّ عن عائشة: «ما شبع من خبزِ شعيرٍ يومين مُتَتابعين»، أي: لقلَّة الشَّيء عندهم، أو كانوا يؤثرونَ به المحتاج على أنفسهم، أو لأنَّ الشِّبع مَذْموم، وقد روى حذيفة مرفوعًا: «من قلَّ طُعْمُه صحَّ بطنُه وصفا قلبُهُ، ومن كثرَ طُعْمه سَقُم بطنُه وقسا قلبُه».
стр. 9913
وحديثُ الباب من أفراد المؤلِّف.
(وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمان الأشجعيِّ، بالسَّند السَّابق (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه قال: (أَصَابَنِي جَهْدٌ شَدِيدٌ) من الجوعِ، والجهد -كما في «القاموس» -: الطَّاقة ويُضم و (١) المشقَّة (فَلَقِيتُ عُمَرَ ابْنَ الخَطَّابِ) ﵁ (فَاسْتَقْرَأْتُهُ) (٢) سألتُه أن يقرأَ عليَّ (آيَةً) معيَّنةً على طريقِ الاستفادةِ (مِنْ كِتَابِ اللهِ) (فَدَخَلَ دَارَهُ وَفَتَحَهَا) أي: قرأَ الآية (عَلَيَّ) وفهمني إيَّاها.
وفي «الحلية»: لأبي نُعيم من وجهٍ آخر عن أبي هريرة أنَّ الآيةَ المذكورة في سورة آل عمران، وفيه: «فقلتُ له: أقرئني وأنا لا أريدُ القراءة، وإنَّما أريدُ الإطعام».
قال في «الفتح»: وكأنَّه سهَّل الهمزة فلم يفطنْ عمرُ لمرادهِ، كذا قال، لكن قوله: آية يعين التَّنزيل لا سيَّما مع رواية أنَّ الآية من سورةِ آل عمران (فَمَشَيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ فَخَرَرْتُ) سقطتُ (لِوَجْهِي (٣) مِنَ الجَهْدِ وَالجُوعِ) وكان -كما في «الحلية» - يومئذٍ صائمًا ولم يجد ما يفطرُ عليه (فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ) ولأبي ذرٍّ: «يا أبا هرٍّ» (فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ) مُنادى مضاف محذوفُ الأداة (فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَقَامَنِي وَعَرَفَ الَّذِي بِي) من شدَّة الجوعِ (فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَحْلِهِ) بفتح الراء وسكون الحاء المهملة، مسكنِهِ (فَأَمَرَ لِي بِعُسٍّ) بضم العين وتشديد السين المهملتين، قدحٍ ضخمٍ (مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ) ﷺ : (عُدْ) فاشربْ (يَا أَبَا هِرٍّ، فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ، ثُمَّ قَالَ: عُدْ) فاشربْ يا أبا هريرة (٤) (فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ حَتَّى اسْتَوَى بَطْنِي) أي: استقامَ لامتلائه من اللَّبن (فَصَارَ كَالقِدْحِ) بكسر القاف وسكون الدال بعدها حاء مهملتين، السَّهم الَّذي لا ريشَ له في الاستواءِ والاعتدالِ.
(قَالَ) أبو هريرة: (فَلَقِيتُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (وَذَكَرْتُ لَهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِي) بعد مُفَارقتي له (وَقُلْتُ لَهُ: تَوَلَّى اللهُ) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فولي الله» بالفاء بدل الفوقية (ذَلِكَ) من إشباعِي ودَفْعِ الجوع عنِّي (مَنْ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْكَ يَا عُمَرُ) وهو رسولُ الله ﷺ ،
стр. 9914
والجملة في موضع نصب مفعول «تولَّى الله» (وَاللهِ لَقَدِ اسْتَقْرَأْتُكَ الآيَةَ وَلأَنَا) مبتدأ مؤكَّد باللام، وخبره قوله: (أَقْرَأُ لَهَا مِنْكَ. قَالَ عُمَرُ: وَاللهِ لأَنْ أَكُونَ أَدْخَلْتُكَ) داري، وأضفتُك (أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي مِثْلُ حُمْرِ النَّعَمِ) عبر بذلك لأنَّ الإبلَ كانت أشرف أموالهم.
(٢) (بابُ) استحبابِ (التَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ) عند ابتداءِ الأكل ولو من جنبٍ وحائضٍ (وَ) استحباب (الأَكْلِ بِاليَمِينِ) وهذه الجملةُ مشطوبٌ عليها بالحمرةِ (١) في الفرع كأصله.
٥٣٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (قَالَ الوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، المخزوميُّ القرشيُّ المدنيُّ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، وهو من تأخيرِ الصِّيغة عن الرَّاوي.
وعند أبي نُعيمٍ في «مستخرجه» والحميدي في «مسنده» عن سفيان، قال: حدَّثنا الوليد بن كثيرٍ (أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ) بفتح الكاف (أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ) بضم العين، ابن عبد الأسد، واسم أبي سلمة: عبد الله (يَقُولُ: كُنْتُ غُلَامًا) دون البلوغ (فِي حَجْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) بفتح الحاء وسكون الجيم في تربيته وتحت نظرهِ.
وقال في «القاموس»: الحَُِجر -مثلَّثة-: المنعُ، وحضنُ الإنسانِ، ونشأ في حِجْرهِ وحَجْره (٢)، أي: في حفظهِ وستره.
وقد كان عمرُ هذا ابن أمِّ سلمة زوج النَّبيِّ ﷺ (وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ) بالطاء المهملة
стр. 9915
والشين المعجمة، أي: تتحرَّك وتمتدُّ (فِي) نواحي (الصَّحْفَةِ) ولا تقتصرُ على موضعٍ واحدٍ، وكان الظَّاهر -كما قال في «شرح المشكاة» - أن يقال: كنتُ أطيشُ بيدِي في الصَّحفة، فأسندَ الطَّيش إلى اليدِ (١) مبالغةً، وأنَّه لم يكنْ يراعِي أدبَ الأكل (فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا غُلَامُ سَمِّ اللهَ) ندبًا طردًا للشَّيطان ومنعًا له من الأكلِ، وهو سنَّة كفايةٍ إذا أَتى به البعضُ سَقطَ عن الباقين كردِّ السَّلام وتشميتِ العاطسِ لأنَّ المقصودَ من منعِ الشَّيطان من الأكلِ يحصل بواحدٍ. نعم، مع ذلك يستحبُّ لكلِّ واحدٍ، بناءً على ما عليه الجمهورُ من أنَّ سنَّة الكفايةِ كفرضها مطلوبةٌ من الكلِّ لا من البعضِ فقط.
ويقاسُ بالأكلِ الشُّرب وأقلُّه -كما قال (٢) النَّوويُّ-: بسم الله، وأفضلُه بسم الله الرحمن الرحيم، لكن قال في «الفتح»: إنَّه لم ير لما ادَّعاه من الأفضليَّة دليلًا خاصًّا. انتهى. فإن تركَه ولو عمدًا في أوَّله قال في أثنائه: بسم الله أوَّله وآخره كما في الوضوء، ولو سمَّى مع كلِّ لقمةٍ فهو أحسنُ حتَّى لا يشغله الشَّره عن ذكرِ الله، فتسميةُ الله تعالى في أوَّله وآخرهِ ترياقٌ وبركةٌ لطعامه. وقال في «الإحياء»: إنَّه يستحبُّ أن يقولَ مع الأولى بسم الله، ومع الثَّانية بسم الله الرحمن، ومع الثالثة بسم الله الرحمن الرحيم، وتعقَّبه في «الفتح» بأنَّه لم ير لاستحبابِ ذلك دليلًا. انتهى.
(وَكُلْ) ندبًا (بِيَمِينِكَ) لأنَّ الشَّيطان يأكل بالشِّمال، ولشرفِ اليمين (٣)، ولأنَّه (٤) أقوى في الغالب وأمكن، وهي مشتقَّة من اليمن، فهي وما نسبَ إليها وما اشتقَّ منها محمودٌ لغةً وشرعًا ودينًا ويقاسُ عليه الشُّرب. ونصَّ الشَّافعيُّ في «الرِّسالة» و «الأم» على الوجوبِ لورود الوعيدِ في الأكلِ بالشِّمال، ففي «صحيح مسلم» من حديث سلمة ابنِ الأكوع: أنَّ النَّبيَّ ﷺ رأى رجلًا يأكلُ بشمالهِ فقال: «كلْ بيمينِكَ» قال: لا أستطيعُ، فقال: «لا استطعتَ» فما رفعَها إلى فيهِ بعدُ.
(وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ) لأنَّ أكلَه من موضعِ يد صاحبهِ سوءُ عِشْرة وترك مودَّة لتقذُّرِ (٥) النَّفس لا سيَّما
стр. 9916
في الإمراق، ولما فيه من إظهارِ الحرص والنَّهم وسوء الأدبِ وأشباهها، فإن كان تمرًا فقد نقلوا إباحةَ اختلاف الأيدِي في الطَّبق. والَّذي ينبغي التَّعميم حملًا على عمومهِ حتَّى يثبتَ دليلٌ مخصِّصٌ.
قال عمرُ بن أبي سلمة: (فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي) بكسر الطاء، أي: صفةُ أكلي (بَعْدُ) بالبناء على الضمِّ، أي: استمرَّ ذلك صنيعِي في الأكل.
(٣) (بابُ) استح بابِ (الأَكْلِ مِمَّا يَلِيهِ. وَقَالَ أَنَسٌ) ﵁ وسقطَ التَّبويب لغير أبي ذرٍّ (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اذْكُرُوا اسْمَ اللهِ وَلْيَأْكُلْ كُلُّ رَجُلٍ (١) مِمَّا يَلِيهِ). وهذا التَّعليقُ طرفٌ من حديثِ الجعدِ عن أنس في قصَّة الوليمةِ على زينبَ بنتِ جحشٍ السَّابق في «باب الهديَّة للعروسِ» في أوائل «النِّكاح» معلَّقًا [خ¦٥١٦٣]، وقد وصلَه مسلمٌ وأبو نُعيم في «المستخرج».
٥٣٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ المدنيُّ الأعرج (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) أي: ابن أبي كثير المدنيُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ) بفتح عين عَمرو، وحاءي حلحلة المهملتين بينهما لام ساكنة ثمَّ أخرى مفتوحة بعد الحاء الثانية (الدِّيلِيِّ) بكسر الدال المهملة وسكون التحتية (عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ أَبِي نُعَيْمٍ) المؤدِّب (عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ) بضم العين (-وَهو ابْنُ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنَّه (قَالَ: أَكَلْتُ يَوْمًا مَعَ رَسُولِ الله (٢) ﷺ طَعَامًا) وأنا دونَ البلوغ (فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ نَوَاحِي الصَّحْفَةِ) ممَّا يلي غيري (فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : كُلْ مِمَّا يَلِيكَ) وقد نصَّ أئمَّتنا على كراهةِ الأكلِ ممَّا يلي غيره ومن الوسطِ والأعلى لا نحو الفاكهة ممَّا يتنقَّل به، وأمَّا ما سبق من
стр. 9917
نصِّ الشَّافعيِّ على التَّحريم فمحمولٌ على المشتملِ على الإيذاءِ.
٥٣٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ أَبِي نُعَيْمٍ) المؤدِّب أنَّه (قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ (١) ﷺ بِطَعَامٍ) بضم همزة أُتيَ مبنيًّا للمفعول (وَمَعَهُ رَبِيبُهُ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالَ) ﷺ له: (سَمِّ اللهَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ).
وهذا الحديثُ صورتُه صورةُ الإرسال كما رواه أصحاب مالكٍ في «الموطأ»، وقد ساقَه المؤلِّف موصولًا هنا، وفي الباب الَّذي قبله من غيرِ طريق مالكٍ، وقد وصلَه خالد بنُ مخلد ويحيى بن صالح الوُحَاظي، فقالا: عن مالكٍ، عن وهب بنِ كيسان، عن عمر بن أبي سلمة، وقد تبيَّن بذلك صحَّة سماع وهب بن كيسان، من عمر بن أبي سلمة.
ومقتضاه: أنَّ مالكًا لم يصرِّح بوصله وهو في الأصلِ موصول، ولعلَّه وصله مرَّةً فحفظ ذلك عنه خالد ويحيى، وهما ثقتان كما أخرجه الدَّارقطنيُّ في «الغرائب» عنهما.
(٤) (بابُ مَنْ تَتَبَّعَ حَوَالَيِ القَصْعَةِ) بفتح اللام والقاف، في الأكل منها (مَعَ صَاحِبِهِ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ مِنْهُ كَرَاهِيَةً) لذلك.
٥٣٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) زيد الأنصاريِّ، وسقطَ لفظ «ابن عبد الله» لغير أبي ذرٍّ (أَنَّهُ سَمِعَ) عمَّه (أَنَسَ بْنَ
стр. 9918
مَالِكٍ) ﵁ (يَقُولُ: إِنَّ خَيَّاطًا) لم يسمَّ (دَعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ. قَالَ أَنَسٌ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) زاد في «البيع» [خ¦٢٠٩٢]: «إلى ذلك الطَّعام، فقرَّب إلى رسولِ الله ﷺ خبزًا ومرقًا فيه دباءٌ وقديدٌ» (فَرَأَيْتُهُ) ﷺ (يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ) القرع (١) أو المستدير منه (مِنْ حَوَالَيِ القَصْعَةِ) لأنَّها كانت تعجبُه ويتركُ القديد؛ إذ كان لا يشتهيهِ حينئذٍ.
ففيه: أنَّ المؤاكل لأهلهِ وخدمهِ يأكلُ ما يشتهيهِ حيث رآه في ذلك الإناء إذا علمَ أنَّ مُؤاكله لا (٢) يكره ذلك، وإلَّا فلا يتجاوزُ ما يليه، وقد علم أنَّ أحدًا لا يكره منه ﷺ بل كانوا يتبرَّكون بريقهِ وغيره ممَّا مسَّه، بل كانوا يتبادرون إلى نخامتهِ فيتدلَّكون بها (قَالَ) أنسٌ: (فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ) أي: أكلها (مِنْ يَوْمِئِذٍ) اقتداء به ﷺ (قَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ: قَالَ لِي النَّبيُّ ﷺ : كُلْ بِيَمِيْنِك) وقد نصَّ أصحابُنَا على كراهةِ الأكل بالشِّمال. وقولهِ: «قال عمر ابن أبي سلمة … » إلى آخره، ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي و (٣) الكُشميهنيِّ وقد سبقَ موصولًا قريبًا، وسقطَ عند الباقين هنا وهو الأشبهُ، والله الموفِّق.
(٥) (بابُ) استح بابِ (التَّيَمُّنِ فِي الأَكْلِ وَغَيْرِهِ) ممَّا يذكر (٤).
стр. 9919
٥٣٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) لقب عبد الله بنِ عثمان (١) بنِ جبلة المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا (٢) شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَشْعَثَ) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح المهملة بعدها مثلَّثة (عَنْ أَبِيهِ) أبي الشَّعثاء سليم المحاربيِّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) أبي عائشة بن الأجدع الهمدانيِّ، أحدِ الأعلام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ) في موضع خبر كان (٣)، والتَّيمُّن إما باليد اليمنى أو بالبداءة بالشقِّ الأيمن (مَا اسْتَطَاعَ فِي طُهُورِهِ) بضم الطاء، أي: في تطهيرهِ.
وقال سيبويه: الطَّهور -بالفتح- يقعُ على الماء والمصدر معًا، فعلى هذا يجوزُ هنا فتح الطاء أيضًا (وَتَنَعُّلِهِ) لبس النَّعل (وَتَرَجُّلِهِ) تسريحُ شعرهِ، ولم يقلْ: وتطهرهِ، كما قال: تنعُّله وترجُّله لأنَّه أراد الطَّهور الخاصَّ المتعلِّق بالعبادةِ، ولو قال: وتطهره لدخل فيه إزالة النَّجاسة وسائر النَّظافات، بخلاف الآخرين (٤) فإنَّهما خاصَّان بما وضعا له من لُبس النَّعل وترجيل الشَّعر، فناسب الطَّهور الخاصَّ بالعبادة.
قال شعبةُ بن الحجَّاج: (وَكَانَ) أشعثُ بن أبي الشَّعثاء (قَالَ بِوَاسِطٍ) بالصَّرف (قَبْلَ هَذَا: فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ) تأكيدٌ لشأنه، أي: فيما له يمينٌ ويسارٌ، وليس كلُّ ما كان من شأنِ الإنسان له يمينٌ ويسارٌ فهو عمومٌ يُراد به الخصوصُ، ويلزم من حملهِ على العمومِ مخالفةُ ما أمر فيه ﷺ بالتَّياسر كبيتِ الخلاء والخروجِ من المسجد وغير ذلك، فالمرادُ: سائر ما شُرِعَ فيه التَّيمُّن ممَّا هو من بابِ التَّكريم كلبسِ الثَّوب والسَّراويل والخفِّ ودخولِ المسجدِ والخروجِ من الخلاءِ.
وهذا الحديثُ سبق في «كتاب الوضوء» [خ¦١٦٨].
(٦) (بابُ مَنْ أَكَلَ حَتَّى شَبِعَ).
стр. 9920
٥٣٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابنُ أنسٍ، الإمام الأعظم (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ) عمَّه (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد الأنصاريُّ النَّجَّاري (لأُمِّ سُلَيْمٍ) سهلةَ زوج أبي طلحةَ، وأمِّ أنس بن مالكٍ: (لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الجُوعَ) فيه العملُ بالقرائن (فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخْرَجَتْ خِمَارًا لَهَا، فَلَفَّتِ الخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ) أي: أدخلتهُ بقوَّة (تَحْتَ ثَوْبِي وَرَدَّتْنِي) بتشديد الدال (بِبَعْضِهِ) أي: جعلتهُ رداء لي (ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهِ) بالَّذي أرسلتني به (فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي المَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : آرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟) بمد الهمزة للاستفهام (فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: بِطَعَامٍ؟) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «لطعام» بلام بدل الموحدة (قَالَ) أنس: (فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمَنْ مَعَهُ: قُومُوا فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ) وفي رواية يعقوب عند أبي نُعيم: «حتَّى إذا
стр. 9921
دنوا دخلتُ وأنا حزينٌ لكثرةِ من جاءَ معه» (فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنَّاسِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنَ الطَّعَامِ مَا نُطْعِمُهُمْ) بالنون، أي: قدر ما يكفيهِم (فَقَالَتْ) أمُّ سليم: (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ).
وفيه دليلٌ على فطنتهَا ورُجحان عقلها، وكأنَّها عرفتْ أنَّه ﷺ فعل ذلك ليظهر الكرامة في تكثيرِ الطَّعام. وفي روايةِ يعقوب: فقال أبو طلحةَ: يا رسول الله إنَّما أرسلت أنسًا يدعوكَ وحدكَ، ولم يكن عندنا ما يُشبعُ من أرى، فقال: «ادخلْ فإن الله سيباركُ فيما عندكَ».
وفي روايةِ عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، عن أنسٍ -عند أحمد-: «أنَّ أبا طلحةَ قال: فضحتنَا يا أنس»، وللطَّبرانيِّ في «الأوسط»: «فجعلَ يرميني بالحجارةِ».
(قَالَ) أنسٌ: (فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَقْبَلَ أَبُو طَلْحَةَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى دَخَلَا) المنزل وقعدَ من معه على الباب (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا عِنْدَكِ، فَأَتَتْ بِذَلِكَ الخُبْزِ فَأَمَرَ بِهِ) ﷺ (فَفُتَّ، وَعَصَرَتْ عَلَيهِ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً لَهَا) بضم العين وتشديد الكاف، إناءٌ من جلدٍ يكون فيه السَّمن غالبًا والعسل (فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ) وفي رواية مبارك بن فَضالة -عند أحمد (١) -: «فقال: هل من سمنٍ؟ فقال أبو طلحة: قد كان في العُكَّة شيءٌ فجاءا (٢) بها فجعلا يَعْصرانها حتَّى خرجَ، ثمَّ مسحَ رسولُ الله ﷺ به سبَّابته ثمَّ مسحَ القرص فانتفخَ، وقال: «بسم الله» فلم يزلْ يصنعُ ذلك، والقرصُ ينتفخ، حتَّى رأيتُ القرصَ في الجفنةِ يمتَّع (٣)».
وفي رواية النَّضر بن أنس -عند أحمد-: فجئتُ بها ففتحَ رباطها ثمَّ قال: «بسمِ اللهِ اللَّهمَّ أعظم فيها البركةَ» (ثُمَّ قَالَ) ﷺ لأبي طلحةَ: (ائْذَنْ) بالدُّخول (لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ)
стр. 9922
فدخلوا (١) (فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ) ﵊ له: (ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ) فدخلوا (فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ أَذِنَ لِعَشَرَةٍ، فَأَكَلَ القَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالقَوْمُ ثَمَانُونَ رَجُلًا) زادَ في رواية عبدِ الرَّحمن بن أبي ليلى: «ثمَّ أكلَ النَّبيُّ ﷺ بعد ذلك وأهل البيت وتركوا سؤرًا» أي: فضلًا، ولمسلم: «ثمَّ أخذَ ما بقيَ فجمعَهُ ثمَّ دعا فيهِ بالبركةِ فعاد كما كانَ».
والمطابقة ظاهرةٌ، وقد سبق الحديثُ في «علاماتِ النُّبوَّة» [خ¦٣٥٧٨].
٥٣٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل المِنْقَريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) بضم الميم وسكون العين المهملة وفتح الفوقية بعدها ميم مكسورة فراء (عَنْ أَبِيهِ) سليمان بن طَرْخان أنَّه (قَالَ: وَحَدَّثَ (٢) أَبُو عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن النَّهديُّ، والعطف على محذوفٍ.
قال في «الكواكب»: ظاهرُه أنَّ أباهُ حدَّث عن غيرِ أبي عثمان ثمَّ قال: وحدَّثني أبو عثمان (أَيْضًا) وتعقَّبه في «الفتح» فقال: ليس ذلك المراد، وإنَّما أرادَ (٣) أنَّ أبا عثمان حدَّثه بحديثٍ سابقٍ على هذا، ثمَّ حدَّثه بهذا، فلذلك قال: أيضًا، أي: حدَّث بحديثٍ بعد حديث (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ (٤) ﷺ ثَلَاثِينَ وَمِئَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَحْوُهُ) بالرَّفع والضَّمير للصاع (فَعُجِنَ) بضم العين، ذلك الصاع (ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعَانٌّ) بضم الميم وسكون الشين
стр. 9923
المعجمة وفتح العين المهملة وبعد الألف نون مشددة؛ أي: (طَوِيلٌ) ولم يعرفِ الحافظُ ابن حجر اسمه ولا اسم صاحب الصَّاع المذكور (بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ) له (النَّبِيُّ ﷺ : أَبَيْعٌ) هذا (أَمْ عَطِيَّةٌ؟ -أَوْ قَالَ: هِبَةٌ- قَالَ) المشركُ: (لَا) عطيَّة أو لا (١) هبة (بَلْ بَيْعٌ، قَالَ: فَاشْتَرَى مِنْهُ) النَّبيُّ ﷺ (شَاةً فَصُنِعَتْ) أي: ذُبِحت (فَأَمَرَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ بِسَوَادِ البَطْنِ) الكبد، أو كلُّ ما في البطنِ من كبدٍ وغيره (يُشْوَى) بتحتية مضمومة وسكون المعجمة وفتح الواو (وَايْمُ اللهِ) بهمزةِ وصلٍ (مَا مِنَ الثَّلَاثِينَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ما في الثَّلاثين» (وَمِئَةٍ إِلَّا قَدْ حَزَّ) قطع ﵊ (لَهُ حُزَّةً) بضم الحاء، في هذه القطعةِ (٢) (مِنْ سَوَادِ بَطْنِهَا إِنْ كَانَ شَاهِدًا أَعْطَاهَا إِيَّاهُ) أي: أعطاه إيَّاها، فهو من القلبِ (وَإِنْ كَانَ غَائِبًا خَبَأَهَا لَهُ، ثُمَّ جَعَلَ فِيهَا) بالفاء والتَّحتية، وفي «الهبة»: «منها» بالميم والنون [خ¦٢٦١٨]، من الشَّاة (قَصْعَتَيْنِ، فَأَكَلْنَا أَجْمَعُونَ) من القصعتين (وَشَبِعْنَا وَفَضَلَ) بفتح الفاء والضاد المعجمتين (فِي القَصْعَتَيْنِ فَحَمَلْتُهُ) أي: ما فضل من الطَّعام (عَلَى البَعِيرِ. أَوْ كَمَا قَالَ) بالشَّكِّ من الرَّاوي.
وسبق هذا الحديثُ في «البيع» [خ¦٢٢١٦] و «الهبة» [خ¦٢٦١٨].
٥٣٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابنُ إبراهيم القصَّاب قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو وفتح الهاء، ابن خالدٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ) هو ابنُ عبد الرَّحمن التَّيميُّ (عَنْ أُمِّهِ) صفيَّة بنت شيبة بنِ عثمان الحَجَبِيِّ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها قالتْ: (تُوُفِي النَّبِيُّ ﷺ حِينَ شَبِعْنَا مِنَ الأَسْوَدَيْنِ التَّمْرِ وَالمَاءِ) وهو من باب التَّغليب كالقمرين للشَّمس والقمر.
قال في «الكواكب»: حين شبعنَا، ظرفٌ كالحال مَعناه: ما شبعنَا قبل زمانِ وفاتهِ، يعني: كنَّا متقلِّلين من الدُّنيا زاهدين فيها. انتهى.
قال في «الفتح»: لكن ظاهرَهُ غيرُ مرادٍ، وقد تقدَّم في «غزوةِ خيبرَ» من طريقِ عكرمةَ عن
стр. 9924
عائشةَ ﵂ قالت: «لمَّا فتحنَا خيبرَ قلنَا: الآن نشبعُ من التَّمر» [خ¦٤٢٤٢]، ومن حديثِ ابن عمر قال: «ما شبعنَا حتَّى فتحنَا خيبرَ» [خ¦٤٢٤٣].
فالمراد أنَّه ﷺ توفِّي حين شبعوا واستمرَّ شبعُهم، وابتداؤهُ من فتحِ خيبرَ، وذلك قبل موتهِ ﷺ بثلاث سنين. ومرادُ عائشة بما أشارت إليه من الشِّبع هو من التَّمر خاصة دون الماء، لكن فيه إشارةٌ إلى أنَّ تمام الشِّبع حصلَ بجمعهما، فكأنَّ الواو فيه بمعنى: مع، لا أنَّ الماء وحدَه يوجد منه الشِّبع.
وفي أحاديثِ الباب: جوازُ الشِّبع، وما جاء من النَّهي عنه محمولٌ على الشِّبع الَّذي يثقلُ المعدة ويثبطُ صاحبه عن القيامِ بالعبادة، ويُفضي إلى البطرِ والأشرِ (١) والنَّوم والكسلِ، وقد تنتهِي كراهتُه إلى التَّحريم بحسبِ ما يترتَّب عليه من المفسدةِ.
وفي «شرح التَّنقيح» للقَرَافي: يحرمُ على الآكل على مائدةِ الغيرِ أن يزيدَ على الشِّبع بخلاف الآكلِ على سماطِ نفسه إلَّا أن يعلمَ رضا الدَّاعي بأكلِ الزَّائد فلهُ ذلك.
(٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: في قولهِ تعالى في سورةِ النور: (﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ الآية) قال سعيد بنُ المسيَّب: كان المسلمون إذا خرجوا إلى الغزو (٢) مع النَّبيِّ ﷺ وضعوا مَفاتيح بيوتهم عندَ الأعمى والمريض والأعرج وعندَ أقاربهم، ويأذنون لهم (٣) أن يأكلوا من بيوتهم فكانوا يتحرَّجون من ذلك ويقولون: نخشى أن لا تكون أنفسهم بذلك طيِّبة، فنزلت الآية رخصةً لهم (إلى قولهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾ [النور: ٦١]) لكي تعقلوا وتفهمُوا، وسقطَ لغير أبي ذرٍّ قوله: «﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾» إلى آخر قولهِ: «الآية».
стр. 9925
٥٣٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ) حدَّثنا (١) (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ: (سَمِعْتُ بُشَيْرَ بْنَ يَسَارٍ) بضم الموحدة وفتح الشين المعجمة مصغَّرًا، ويسار: بالتَّحتية والسين المهملة المخفَّفة (يَقُولُ: حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ) الأنصاريُّ ﵁ (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ) سنة سبعٍ (فَلَمَّا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ -قَالَ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريُّ: (وَهْيَ) أي: الصَّهباء (مِنْ خَيْبَرَ عَلَى رَوْحَةٍ-) بفتح الراء والحاء المهملة، ضدُّ الغدوة (دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِطَعَامٍ، فَمَا أُتِيَ إِلَّا بِسَوِيقٍ) فثُرِيَ (فَلُكْنَاهُ) بضم اللام، من اللَّوك. يقال: لكتُه في فمِي، إذا علكتهُ (فَأَكَلْنَا مِنْهُ ثُمَّ دَعَا) ﷺ (بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ) فمه الشَّريف من أثر السَّويق (وَمَضْمَضْنَا) كذلك (فَصَلَّى بِنَا المَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) بسبب أكل السَّويق (قَالَ سُفْيَانُ) بن عُيينة: (سَمِعْتُهُ) أي: الحديث (مِنْهُ) أي: من يحيى بن سعيدٍ (عَوْدًا وَ (٢) بَدْءًا) أي: عائدًا وبادئًا (٣)، أي: أوَّلًا وآخرًا.
ومناسبة الحديث للتَّرجمة من جهةِ اجتماعهم على لوك السَّويق من غير تمييزٍ بين أعمى وغيره، وبين صحيحٍ ومريضٍ.
وقال (٤) عطاء بن يزيد: كان الأعمَى يتحرَّج أن يأكلَ طعامَ غيره لجعلهِ يده في غير موضعِها، والأعرج كذلك لاتِّساعه في موضعِ الأكل، والمريض لرائحتهِ، فنزلتْ هذه الآية فأباحَ الله لهم الأكلَ مع غيرهم. وفي حديثِ سويد هذا معنى الآية لأنَّهم جعلوا أيديهم فيما حضرَ من الزَّاد سواء مع أنَّه لا يمكن أن يكون أكلهم بالسَّواء لاختلاف أحوال النَّاس في ذلك، وقد سوَّغ لهم الشَّارع ذلك مع ما فيهِ من الزِّيادة والنُّقصان، فكان مباحًا، نقله في «الفتح».
стр. 9926
وهذا الحديثُ سبق في «الوضوء» [خ¦٢١٥] وفي أوَّل «غزوة خيبر» [خ¦٤١٩٥].
(٨) (بابُ الخُبْزِ المُرَقَّقِ) بتشديد القاف الأولى، المليَّن المحسَّن كالحُوَّارَىَ أو الموسع (وَالأَكْلِ عَلَى الخِوَانِ) بكسر الخاء المعجمة في «اليونينيَّة» وغيرها.
وقال في «القاموس»: الخُوَان كغُرَاب وكتاب: ما يؤكلُ عليه الطَّعام كالإخوان. وقال في «الكواكب»: -بالكسر- الَّذي يؤكلُ عليه معرَّب، والأكلُ عليه من دأبِ المترفين وصنعِ الجبابرة لئلَّا يفتقروا إلى التَّطأطُؤ عند الأكلِ.
(وَ) الأكلُ على (السُّفْرَةِ) بضم السين، اسم لما يوضعُ عليه الطَّعام، وأصلها: الطَّعام نفسه يتَّخذ للمسافر.
٥٣٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السين المهملة وتخفيف النون، العَوَقيُّ الباهليُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بتشديد الميم الأولى، ابن يحيى بن دينار الشَّيبانيُّ البصريُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة، أنَّه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَنَسٍ) ﵁ (وَعِنْدَهُ خَبَّازٌ لَهُ) لم يعرف الحافظُ ابن حجر اسمه، وفي الطَّبرانيِّ من طريق راشدِ بن أبي راشد قال: كان لأنسٍ غلامٌ (١) يخبزُ له الحُوَّارى ويعجنُه بالسَّمن (فَقَالَ) أنسٌ: (مَا أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ خُبْزًا مُرَقَّقًا) زهدًا في الدُّنيا وتركًا للتنعُّم (وَلَا شَاةً مَسْمُوطَةً) وهي الَّتي أزيلَ شعرها بعد الذَّبح بالماء المسخَّن. وإنَّما يصنع ذلك في الصَّغيرة الطَّريَّة غالبًا، وهو فعلُ المترفين (حَتَّى لَقِيَ اللهَ).
وهذا يعارضهُ ما ثبتَ من أنَّه ﷺ أكل الكُراع، وهو لا يؤكلُ إلَّا مسموطًا.
стр. 9927
٥٣٨٦ - به قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) بذال معجمة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) هشام الدَّستوائيُّ (عَنْ يُونُسَ) بن أبي الفُرات (قَالَ عَلِيٌّ) أي: ابن المدينيِّ: يونسُ (هُوَ الإِسْكَافُ) بكسر الهمزة وسكون السين المهملة بعدها كاف فألف ففاء، وفي طبقته يونس بن عُبيد البصريُّ، أحدُ الثِّقات، وليس هو المراد هنا، ولذا بيَّنه ابن المدينيِّ خوفًا من الالتباس (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: مَا عَلِمْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ عَلَى سُكُْرَُّجَةٍ قَطُّ) بضم السين المهملة والكاف. وفي «اليونينيَّة» بسكون الكاف والراء المشددة بعدها جيم مفتوحة أو بفتح الراء، وبه جزم التُّوربشتيُّ. قيل: هي قصاعٌ كبيرها يسع ستَّ أواقٍ كانت العجم تستعملُها في الكوامخِ، وما أشبهها من الجَوَارِشْنَات على الموائدِ حولَ الأطعمةِ للهضم. والنَّبيُّ ﷺ لم يأكلْ على هذه الصِّفة قط (وَلَا خُبِزَ) بضم الخاء المعجمة (لَهُ) خبز (مُرَقَّقٌ قَطُّ، وَلَا أَكَلَ عَلَى خِوَانٍ قَطُّ) و «قط» هذه الأخيرة ثابتةٌ لأبي ذرٍّ ساقطة لغيره.
وقول أنس: ما علمت فيه -كما في «شرح المشكاة» - نفي العلم وإرادة نفي المعلوم فهو من بابِ نفي الشَّيءِ بنفِي لازمهِ، وإنَّما صحَّ هذا من أنسٍ لطولِ لزومه النَّبيَّ ﷺ وعدم مفارقتهِ له إلى أن مات. وعند ابن ماجه من حديثِ أبي هريرة: «أنَّه زارَ قومه فأتوه برقاقٍ فبكَى، وقال: ما رأى رسول الله ﷺ هذا بعينهِ» (قِيلَ لِقَتَادَةَ) بن دِعامة: (فَعَلَامَا) بألف بعد الميم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فعلامَ» (كَانُوا يَأْكُلُونَ) بلفظ الجمع، وكان الأصل أن يقال: علاما كان يأكل، فعدلَ عن الإفراد للجمع إشارة إلى أنَّ ذلك لم يكن مختصًّا به ﷺ ، بل كان أصحابه مقتدين به في ذلك كغيرهِ (قَالَ) قتادة: كانوا يأكلونَ (عَلَى السُّفَرِ) بضم السين وفتح الفاء، جمع: سفرةٍ، وأصلها كما مرَّ: الطَّعام الَّذي يُتَّخذ للمسافرِ فهو من بابِ تسميةِ المحلِّ باسم الحالِّ.
وهذا الحديثُ أخرجهُ التِّرمذيُّ في «الأطعمةِ»، والنَّسائيُّ في «الرَّقائق» و «الوليمة»، وابن ماجه في «الأطعمةِ».
стр. 9928
٥٣٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيدُ بن محمد بنِ الحكم بنِ أبي مريم المصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) أي: ابن أبي كثيرٍ المدنيُّ (٢) قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) الطَّويل (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا) ﵁ (يَقُولُ: قَامَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بين خيبرَ والمدينة ثلاث ليالٍ (يَبْنِي بِصَفِيَّةَ) بنت حُيي، وفيه ردٌّ على الجوهريِّ في تخطئتهِ لمن (٣) قال: بنى الرَّجل بأهلِهِ، ومثله بنى بها النَّبيُّ ﷺ (فَدَعَوْتُ المُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيْمَتِهِ) ﵊ (أَمَرَ) بفتح الهمزة والميم (بِالأَنْطَاعِ) وهي السُّفر (فَبُسِطَتْ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهَا التَّمْرُ وَالأَقِطُ) اللَّبن الجامدُ (وَالسَّمْنُ. وَقَالَ عَمْرٌو) بفتح العين، ابنُ أبي عَمرو مولى المطَّلب بن عبد الله بنِ حنطبٍ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁: (بَنَى بِهَا النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ صَنَعَ حَيْسًا) بفتح الحاء والسين المهملتين بينهما تحتيَّة ساكنة، وهو ما اتُّخذ من التَّمر والأقطِ والسَّمن (فِي نِطَعٍ) بكسر النون وفتح الطاء المهملة.
وهذا التَّعليق وصلَه المؤلِّف بأتم من هذا في «المغازي» [خ¦٤٢١١].
٥٣٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سلام قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازم -بالمعجمتين- الضَّرير قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (وَعَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ)
стр. 9929
أي: أنَّ هشامًا حملَ الحديث عن أبيهِ وعن وهب (قَالَ: (١) كَانَ أَهْلُ الشَّامِ) جيش الحجَّاج بن يوسف حيث كانوا يُقاتلونه من قبلِ عبد الملك بنِ مروان، أو عسكرُ الحصين بنِ نُمير الَّذين قاتلوهُ قبل ذلك من قبلِ يزيد بنِ معاوية (يُعَيِّرُونَ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُونَ) له: (يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ) بكسر النون (فَقَالَتْ لَهُ) أمُّه (أَسْمَاءُ) بنتُ أبي بكر الصِّدِّيق، وهي ذات النِّطاقين: (يَا بُنَيَّ إِنَّهُمْ يُعَيِّرُونَكَ بِالنِّطَاقَيْنِ) قال الزَّركشيُّ وغيره: الأفصحُ تعديةُ عيَّر بنفسه، تقول: عيَّرته كذا. وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ الَّذي في «الصِّحاح» وغيره كذا من التَّعيير، والعامَّة تقول: عيَّرته بكذا.
وقال (٢) في «الفتح»: وقد سمع عيَّرته بكذا، كما هنا (هَلْ تَدْرِي مَا كَانَ النِّطَاقَانِ؟) بالرَّفع قيل (٣): وفي بعض النُّسخ: «النِّطَاقين» بالياء بدل الألف منصوبًا (٤).
قال الزَّركشيُّ: والصَّواب: النِّطاقان، وهو ما يشدُّ به الوسط، وقد وُجِّهَ النَّصبُ في «المصابيح» بأن تُجْعَل «ما» موصولة لا استفهاميَّة، والنِّطاقين بدلًا من الموصولِ على حذفِ مضاف، أي: شأن النِّطاقين، فأبدلَ الثَّاني من الأوَّل بدل الكلِّ لصدقِ الموصولِ على البدلِ، والمراد منهما شيءٌ واحدٌ. والمعنى: هل تدرِي الَّذي كان؟ أي: هل تدري شأن النِّطاقين؟ أو النِّطاقين (٥) مفعولُ «تدري»، و «ما كان» جملةٌ ذات استفهامٍ مُستفادٍ من ما، والضَّمير المستترُ في «كان» عائدٌ على الشَّأن المفهوم من سياق الكلام، أي: هل (٦) تدري النِّطاقين أيّ (٧) شيء كان الشَّأن فيهما؟ وقدمتْ جملة الاستفهامِ على المفعول اعتناء بشأنها. أو نقول (٨) الأصل: هل تدري ما كان في النِّطاقين؟ فحذف الجار (إِنَّمَا كَانَ نِطَاقِي شَقَقْتُهُ نِصْفَيْنِ فَأَوْكَيْتُ قِرْبَةَ
стр. 9930
رَسُولِ اللهِ ﷺ بِأَحَدِهِمَا) أي: ربطتُ فمها به (وَجَعَلْتُ فِي سُفْرَتِهِ) الكريمة (آخَرَ. قَالَ) وهب: (فَكَانَ أَهْلُ الشَّامِ إِذَا عَيَّرُوهُ بِالنِّطَاقَيْنِ يَقُولُ: إِيهًا) بكسر الهمزة وسكون التحتية والتَّنوين، كلمةٌ تستعملُ في استدعاء الشَّيء. وقيل: هي للتَّصديق كأنَّه قال: صدقتُم (وَالإِلَهْ) جلَّ وعلا، وفي رواية أحمد ابنِ يونس (١): «إيهًا ورب الكعبة» (تِلْكَ شَكَاةٌ) بفتح الشين المعجمة، أي: رفع الصَّوت بالقول القبيح (ظَاهِرٌ) بالظاء المعجمة، أي: ارتفع (عَنْكَ عَارُهَا) فلم تعلقْ بك، وهذا عجزُ بيت لأبي ذؤيب تمثَّل به ابن الزُّبير وصدرُه:
وَعَيَّرَهَا (٢) الوَاشُونَ أَنِّي أُحِبُّهَا ..........................
وثبتَ هذا الصَّدر لأبي ذرٍّ كما في «اليونينيَّة» وتمامه (٣):
وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا
وأوَّلها:
هَلْ الدَّهْرُ إِلَّا لَيْلَةٌ وَنَهَارُهَا … وَإِلَّا طُلُوعُ الشَّمْسِ ثُمَّ غِيَارُهَا
أَبَى القَلْبُ إِلَّا أُمَّ عَمْرٍو فَأَصْبَحَتْ … تُحَرِّقُ نَارِي بِالشَّكَاةِ وَنَارُهَا
وبعده: وعيرها (٤) الواشون البيت … إلى آخره. وهي قصيدةٌ تزيدُ على ثلاثين بيتًا.
٥٣٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل (٥) الملقَّب بعَارِم قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ)
стр. 9931
الوضَّاح بن (١) عبد الله اليشكريُّ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، جعفر بن إياسٍ اليشكريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّ أُمَّ حُفَيْدٍ) بضم الحاء المهملة وفتح الفاء وبعد التحتية الساكنة دال مهملة، هُزَيلة -بالزاي والتَّصغير- (بِنْتَ الحَارِثِ بْنِ حَزْنٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي بعدها نون (خَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ) أخت أمِّه لبابة الكبرى (أَهْدَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ سَمْنًا وَأَقِطًا) لبنًا جامدًا (وَأَضُبًّا) بفتح الهمزة وضم الضاد المعجمة وتشديد الموحدة، جمع: ضب، مثل: فلس وأفلس: دويبةٌ تُشبه الورل وهو من الحيوانِ تأكلهنَّ العرب (فَدَعَا بِهِنَّ) بالأضبِّ (فَأُكِلْنَ عَلَى مَائِدَتِهِ وَتَرَكَهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ ¬) ولم يأكلْ منهنَّ شيئًا (كَالمُتَقْذِّر) بالذال المعجمة والقاف (لَهُنَّ، وَلَوْ كُنَّ حَرَامًا مَا أُكِلْنَ عَلَى مَائِدَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا أَمَرَ بِأَكْلِهِنَّ) وفي مسلم عنه ﷺ أنَّه قال: «لا آكلُهُ ولا أحرِّمُه». وله في لفظ آخر: «كلوه فإنَّه حلالٌ ولكنَّه ليس من طعامِي» وأُجْمِعَ على حلِّ أكلهِ من غير كراهية (٢) خلافًا لبعض أصحابِ أبي حنيفة إذ كرهه، ولما حكاه القاضي عياض عن قوم من التَّحريم. قال النَّوويُّ: وما أظنُّه يصحُّ عن أحدٍ، وهو طويل العمر، وللذكرِ منه ذكران وللأنثى فرجان، ويرجِّعُ في قيئه كالكلبِ ويأكلُ رجيعَهُ، وهو طويل الدَّم بعد الذَّبْحِ وهشْمِ الرَّأس، يمكثُ بعد الذَّبح ليلة ويلقى في النَّار فيتحرَّك.
وهذا الحديثُ سبق في «كتاب الهبة» في «باب قبول الهدية» [خ¦٢٥٧٥].
(٩) (بابُ السَّوِيقِ).
٥٣٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ زيدٍ (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريِّ (عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ) ضدُّ اليمين، وبشير بالموحدة والمعجمة مصغَّرًا
стр. 9932
(عَنْ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ) الأنصاريِّ (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أخبرهم» بضمير الجمعِ (أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالصَّهْبَاءِ وَهْيَ) أي: الصَّهباء. ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وهو» أي: الموضع (عَلَى رَوْحَةٍ مِنْ خَيْبَرَ) بفتح الراء، ضدُّ الغدوة (فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ) أي: المغرب (فَدَعَا بِطَعَامٍ فَلَمْ يَجِدْهُ إِلَّا سَوِيقًا، فَلَاكَ مِنْهُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فلاكه» (فَلُكْنَا مَعَهُ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ، ثُمَّ صَلَّى وَصَلَّيْنَا وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) فلم يجعل الأكلَ منه ناقضًا للوضوء.
وهذا الحديثُ قد مرَّ قريبًا [خ¦٥٣٨٤].
(١٠) (بابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَأْكُلُ) شيئًا ممَّا يحضرُ بين يديه (حَتَّى يُسَمَّى لَهُ) بفتح الميم المشددة مبنيًّا للمفعول. قال في «التنقيح»: قد يُسْتشكل دخول النَّافي -أي: ما- على النَّافي، أي: وهو لا، وجوابه: أنَّ النَّفي الثَّاني مؤكِّدٌ للأوَّل.
وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: لا نسلِّم أنَّ هنا نافيًا دخلَ على نافٍ، بل «لا» زائدةٌ لا نافية لفهم المعنى، أو نقول: «ما» مصدريَّةٌ لا نافية، وباب مضاف إلى هذا المصدر، فالتَّقدير (١): باب كون النَّبيِّ ﷺ لا يأكلُ حتَّى يسمَّى له ذلك الشَّيء (فَيَعْلَمَ) بالنَّصب عطفًا على المنصوبِ السَّابق بأن المقدَّرة (مَا هُوَ) لأنَّه ربما يكون ذلك ممَّا يعافه ﷺ ، أو لا يجوزُ أكله؛ إذ ربَّما يكون المأتيُّ به مطبوخًا فلا يتميَّز إلَّا بالسُّؤال عنه.
стр. 9933
٥٣٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ الزُّهريِّ) محمَّد بن مسلم (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو أُمَامَةَ) أسعد (بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ الأَنْصَارِيُّ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ) بن المغيرة المخزوميَّ (-الَّذِي يُقَالُ لَهُ: سَيْفُ اللهِ- أَخْبَرَهُ أنَّه دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى مَيْمُونَةَ) أمِّ المؤمنين (وَهْيَ خَالَتُهُ) أخت أمِّه لبابة الصُّغرى بنت الحارث (وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ) أخت أمِّه لبابة الكُبرى (فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبًّا مَحْنُوذًا) بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وضم النون آخره معجمة، مشويًّا (قَدِمَتْ) ولأبي ذرٍّ: «قد قدمت» (بِهِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بها» (أُخْتُهَا حُفَيْدَةُ بِنْتُ الحَارِثِ) بضم الحاء المهملة وفتح الفاء، مصغَّرًا (مِنْ نَجْدٍ فَقَدَّمَتِ الضَّبَّ) وهو حيوانٌ برِّيٌّ يشبه الحِرْذَوْن (١) لكنَّه كبيرُ القدرِ، وقد ذُكِرَ أنَّه لا يشربُ الماء وأنَّه يعيشُ سبع مئة فصاعدًا (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَكَانَ قَلَّمَا يُقَدِّمُ يَدَهُ) الشريفة (٢) (لِطَعَامٍ حَتَّى يُحَدَّثَ بِهِ وَيُسَمَّى لَهُ) بفتح الدال والميم المشددتين فيهما (فَأَهْوَى) مدَّ (رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ إِلَى الضَّبِّ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ النِّسْوَةِ الحُضُورِ: أَخْبِرْنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا قَدَّمْتُنَّ لَهُ هُوَ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أخبري» بالإفراد بدل قولهِ: أخبرن، والنِّسوة اسمُ جمع، قاله أبو بكر ابن السَّرَّاج. وقيل: جمع تكسيرٍ من أوزانِ جموعِ القلَّة (٣) لا واحدَ له من لفظهِ، ووزنه فِعْلَة، وهو أحدُ الأبنية الأربعة الَّتي هي (٤) لأدنى العددِ، وقد نظمها بعضُهم في قولهِ:
стр. 9934
بِأَفْعُلٍ وَبِأَفْعَالٍ وَأَفْعِلَةٍ … وَفِعْلَةٍ يُعرَفُ الأَدنَى مِن العَدَدِ
وقال الزَّمخشريُّ: نسوة اسم مفردٌ لجمع المرأةِ، وتأنيثُه غير حقيقيٍّ. قال: ولذلك لا يلحقُ فعلهُ إذا أسندَ إليه تاء التَّأنيث فتقول: قال نسوة.
وقيل: إنَّه جمع كثرةٍ فيجوزُ إلحاق العلامةِ وتركها، كما تقول: قام الهنودُ وقامتِ الهنود، وقد تضمُّ نون النِّسوة فيكون إذ ذاك اسم جمعٍ بلا خلافٍ.
وذكر أبو البقاء أنَّه قُرئ بضمِّها في قولهِ تعالى: (وَقَالَ نُسْوَةٌ) [يوسف: ٣٠]، قال القرطبيُّ: وهي قراءةُ الأعمش والمفضَّل والسُّلميِّ. وقال غيرُه: ويكسر للكثرة (١) على نسوان، والنِّساء جمع كثرةٍ لا واحدَ له من لفظه، كذا قال أبو حيَّان، ومقتضى ذلك أن لا يكون النِّساء جمعًا لنسوة لقوله: لا واحدَ له من لفظه.
فإن قلت: المطابقةُ بين الصِّفة والموصوف في التَّذكير والتَّأنيث مطلوبةٌ، فكيف عبَّر بجمع المذكَّر (٢) في قولهِ: الحضور؟ أُجيب بأنَّه وقع باعتبار الأشخاص، أو هو مصدرٌ بمعنى: الحاضرات.
قال في «الكواكب»: ولا يلزمُ من الإسنادِ إلى المضمرِ التَّأنيث.
قال الجوهريُّ في قولهِ تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]: لم يقلْ قريبةً لأنَّ ما لا يكون تأنيثهُ حقيقيًّا يجوزُ تذكيره.
وقال السَّفاقِسيُّ: جاءَ به على معنى جمعِ النِّسوة فنعت (٣) عليه كقولهِ تعالى: ﴿مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس: ٨٠] والمرأة القائلةُ هي ميمونةُ كما عند الطَّبرانيِّ في «الأوسط» ومسلم ولفظه: «فقالتْ ميمونة: يا رسول الله، إنَّه لحمُ ضبٍّ» (فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ عَنِ الضَّبِّ، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ: أَحَرَامٌ الضَّبُّ، يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ) بالعين المهملة والفاء مضارع عفتُ الشَّيء، أي: أجدُ نفسي تكرهُه، ولكن للاستدراكِ
стр. 9935
ومعناها هنا: تأكيدُ الخبر كأنَّه قال: ليس هو حرامًا (١)، قيل: لم وأنت (٢) لم تأكله؟ قال: «لأنَّه لم يكن بأرضِ قومِي» والفاء في فأجدُني فاء السَّببية (قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَززْتُهُ (٣)) بالجيم والزاي (٤) المكرَّرة (فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللهِ) الواو للحال، ولأبي الوقتِ: «والنَّبيُّ» (¬ ﷺ يَنْظُرُ إِلَيَّ) استدلَّ به للإباحة الأئمَّة الأربعة، ورجَّحه الطَّحاويُّ في «شرح معاني الآثار» إلَّا أنَّ صاحب «الهداية» قال: يُكره لنهيهِ ﷺ عائشة لمَّا سألتْه عن أكلهِ، لكنَّه ضعيفٌ لا (٥) يحتجُّ بهِ.
(١١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (طَعَامُ الوَاحِدِ يَكْفِي الاِثْنَيْنِ).
٥٣٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام، قال المؤلِّف: (وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويس قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بنِ ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : طَعَامُ الاِثْنَيْنِ) المشبعُ لهما (كَافِي الثَّلَاثَةِ) لقوتهِمْ (وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ) المشبعُ لهم (كَافِي الأَرْبَعَةِ) لشبعهم (٦) لما ينشأُ عن بركةِ الاجتماع، فكلَّما كثرَ الجمعُ ازدادتِ البركة.
فإن قلتَ: لا مطابقة بين التَّرجمة والحديث؛ إذ مقتضى التَّرجمة أنَّ الواحدَ يكتفي بنصف ما يشبعهُ، ولفظ الحديث بالثُّلث ثمَّ الرُّبع.
وأُجيب بأنَّه أشار بالتَّرجمة إلى لفظ حديثٍ آخر ليس على شرطهِ رواه مسلم، وبأنَّ الجامعَ
стр. 9936
بين الحديثين أنَّ مُطلق طعامِ القليل يَكفي الكثير، وكون طعام الواحد يَكفي الاثنين يؤخذُ منه أنَّ طعام الاثنين يَكفي الثَّلاثة بطريقِ الأولى بخلافِ (١) عكسهِ.
وعند ابن ماجه من حديثِ عمر ﵁: «طعامُ الواحدِ يَكفي الاثنين، وإن طعامَ الاثنين يَكفي الثَّلاثة والأربعة، وإنَّ طعامَ الأربعةِ يَكفي الخمسة والسِّتَّة».
وقيل: المرادُ بهذهِ الأحاديث الحضُّ على المكارمِ والتَّقنُّع بالكفايةِ، وليس المراد الحصرَ في المقدارِ، وإنَّما (٢) المرادُ المواساة وأنَّه ينبغِي للاثنين إدخالُ ثالثٍ لطعامهما وإدخالُ رابعٍ أيضًا بحسبِ من يحضر، ففيه: أنَّه لا يستحقرُ ما عنده فإنَّ القليلَ قد يحصلُ به الاكتفاء.
وهذا الحديثُ أخرجهُ مسلمٌ والتِّرمذيُّ في «الأطعمةِ»، والنَّسائيُّ في «الوليمةِ».
(١٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: يذكرُ فيه (المُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ) بكسر الميم وتنوين العين مقصورًا، جمعُه أمعاء -بالمدِّ- وهي (٣) المصارين، وإنَّما عدَّى الأكلَ بفي على مَعنى: أوقعَ الأكلَ فيها وجعلها مكانًا للمأكولِ، كقولهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] أي: ملءَ بُطونهم (فِيْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ ¬).
٥٣٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) العبديُّ الملقَّب ببُنْدَار قال:
стр. 9937
(حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيدٍ التَّنُّوريُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بالقاف والدال المهملة، ابن زيد (٢) بنِ عبد الله بنِ عمر بنِ الخطَّاب (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر أنَّه (قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَأْكُلُ حَتَّى يُؤْتَى) بضم التَّحتية وفتح الفوقية (بِمِسْكِينٍ يَأْكُلُ مَعَهُ فَأَدْخَلْتُ رَجُلًا) هو أبو (٣) نَهِيْكٍ كما أخرجَه المصنِّف من وجهٍ آخر في هذا الباب [خ¦٥٣٩٥] (يَأْكُلُ مَعَهُ، فَأَكَلَ كَثِيرًا، فَقَالَ) ابن عُمر: (يَا نَافِعُ، لَا تُدْخِلْ هَذَا عَلَيَّ) أي: لما فيه من الاتِّصاف بصفةِ الكافر، وهي كثرةُ الأكل، ونفسُ المؤمن تنفرُ ممَّن هو متَّصفٌ بصفةِ الكافر، ثمَّ استدلَّ لذلك بقولهِ: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: المُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ) بكسر الميم والقصر (٤) (وَالكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ) وممَّا يؤيِّد أنَّ كثرةَ الأكل صفةُ الكافرِ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ [محمد: ١٢].
وتخصيصُ السَّبعة قيل: للمبالغةِ والتَّكثير، كما في قولهِ تعالى: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] فيكون المرادُ أنَّ المؤمنَ يقلُّ حرصُه وشرهه على الطَّعام، ويبارك له في مأكلهِ ومشربهِ فيشبعُ بالقليلِ، والكافرُ يكون كثير الحرص شديد الشَّره، لا يطمحُ بصره إلَّا إلى المطاعمِ والمشارب كالأنعامِ، فمثل ما بينهما من التَّفاوت في الشَّره بما بين من يأكلُ في مِعًى واحدٍ، ومَن يأكلُ في سبعة أمعاءٍ، وهذا باعتبار الأعمِّ الأغلبِ، وفي معنى سبعة أمعاء أقوالٌ أُخر تأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
(١٢ م) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (المُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ. فِيْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ ¬) كذا ثبتَ لأبي ذرٍّ وسقطَ ذلك للباقين وهو أَولى؛ إذْ لا فائدةَ في إعادتهِ.
стр. 9938
٥٣٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) البِيْكَنديُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ) بن سليمان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابن عمر العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه قال: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ المُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَإِنَّ الكَافِرَ -أَوِ: المُنَافِقَ) قال عبدة: (فَلَا أَدْرِي أَيَّهُمَا قَالَ عُبَيْدُ اللهِ-) العمريُّ. وأخرجهُ مسلمٌ من طريق يحيى القطَّان عن عُبيد الله بلفظ: «الكافر»، من غير شكٍّ.
وعند الطَّبرانيِّ من حديث سَمُرة بلفظ: «المنافق» بدل: «الكافر»، (يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ) بالمدِّ -كما مرَّ- جمع مِعًى، وهو محلُّ الأكلِ من الإنسان.
(وَقَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بنُ عبد (١) الله بنِ بُكير، فيما وصله أبو نُعيم في «المستخرج»: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) هو ابنُ أنسٍ، إمام دار الهجرةِ (عن نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ) أي: بمثل الحديث السَّابق لكن بلفظ الكافرِ من غير شكٍّ، كما في «الموطأ»، فالمرادُ أصل الحديثِ لا خصوص الشَّكِّ.
٥٣٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينار أنَّه (قَالَ: كَانَ أَبُو نَهِيكٍ) بفتح النون وكسر الهاء (رَجُلًا) من أهل مكَّة (أَكُولًا) يأكلُ كثيرًا (فَقَالَ لَهُ) أي: لأبي نهيك (٢) (ابْنُ عُمَرَ) ﵄ (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ) قال القرطبيُّ: شهوات الطَّعام سبع: شهوةُ الطَّبع، وشهوةُ النَّفس، وشهوةُ العين، وشهوةُ الفم، وشهوةُ الأذن، وشهوةُ الأنف، وشهوةُ الجوع، وهي الضَّروريَّة الَّتي يأكل بها المؤمن، وأمَّا الكافرُ فيأكلُ بالجميع.
(فَقَالَ) أبو نَهِيْكٍ لما قال له ابنُ عمر ذلك: (فَأَنَا أُومِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ) فلا يلزم اطِّراد الحكم
стр. 9939
في حقِّ كلِّ مؤمنٍ وكافرٍ، فقد يكون في المؤمنين من يأكلُ كثيرًا إمَّا بحسب العادة، وإمَّا لعارضٍ يعرض له من مرضٍ باطنٍ أو لغير ذلك، وقد يكون في الكفَّار من يأكلُ قليلًا إمَّا لمراعاةِ الصِّحَّة على رأي الأطبَّاء، وإمَّا للرِّياضة على رأي الرُّهبان، وإمَّا لعارضٍ كضعفٍ.
قال في «شرح المشكاة»: ومحصل القول أنَّ من شأنِ المؤمن الحرص على الزَّهادةِ والاقتناع بالبُلغة بخلافِ الكافر، فإذا وُجِدَ مؤمنٌ أو كافرٌ على غيرِ (١) هذا الوصف لا يقدحُ في الحديث.
٥٣٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويس قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بنِ ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَأْكُلُ المُسْلِمُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ).
ونقل القاضي عياض عن أهلِ التَّشريح أنَّ أمعاء الإنسان سبعة: المعدة، ثمَّ ثلاثة أمعاء بعدها متَّصلة بها: البوَّاب، والصَّائم، والرَّقيق، وهي كلُّها رقاق، ثمَّ ثلاثة غلاظ: الأعورُ، والقُولون، والمستقيمُ وطرفه الدُّبر.
ونظمها شيخُ مشايخنَا الحافظُ الزَّين (٢) العراقيُّ، كما أنبأني شيخنَا أبو العباس الجمَالي، قال (٣): أتاحَ لي شيخنا الحافظُ أبو الفضلِ عبد الرَّحيم العراقيُّ قال:
سَبْعَةُ أَمْعَاءٍ لِكُلِّ آدَمِي … مَعِدَةٌ بَوَّابُهَا مَعْ صَائِمِ
ثُمَّ الرَّقِيقُ أَعْوَرٌ قَوْلُونُ مَعْ … المُسْتَقِيمِ مَسْلَكُ المَطَاعِمِ
وحينئذٍ فيكون المعنى: إنَّ الكافرَ لكونهِ يأكلُ بشرههِ لا يشبعُه إلَّا ملءُ أمعائهِ السَّبعة،
стр. 9940
والمؤمنُ يشبعهُ ملءُ مِعًى (١) واحدٍ.
والحاصلُ: أنَّ المؤمنَ من شأنهِ الحرصُ على الزَّهادةِ والاقتناعِ بالبلغةِ بخلاف الكافرِ.
٥٣٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ) الكوفيِّ الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمان الأشجعيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا كَثِيرًا) قال ابنُ بَشْكُوال -فيما (٢) حكاه الحافظُ ابنُ حَجر في «المقدمة» -: الأكثرُ على أنَّ هذا الرَّجل هو جَهْجَاه الغفاريُّ رواه ابنُ أبي شيبة والبزَّار في «مسنده» وغيرهما.
وقيل: هو نضلةُ بن عَمرو، رواه أحمدُ في (٣) «مسنده» وأبو مسلم الكَجِّيُّ في «سننه» وثابتُ ابن قاسم في «الدلائل».
وقيل: هو أبو (٤) نضرة الغفاريُّ، ذكره أبو عُبيد في «الغريب» وعبدُ الغني بنُ سعيد في «المبهمات».
وقيل: ثمامةُ بن أُثَال، ذكره ابنُ إسحاق، وحكاهُ ابن بطَّال (فَأَسْلَمَ) فبورك له (فَكَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا قَلِيلًا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬) بضم ذال ذُكر (٥) مبنيًّا للمفعول.
وعند مسلمٍ من حديث أبي هريرة: «أنَّ رسولَ الله ﷺ ضافَه ضيفٌ وهو كافرٌ، فأمرَ له
стр. 9941
بشاةٍ فحُلِبَتْ فشربَ حِلابها، ثمَّ أُخرى ثمَّ أُخرى حتَّى شرب حلابَ سبعِ شياهٍ، ثمَّ إنَّه أصبحَ فأسلمَ، فأمر له بشاةٍ فشربَ حلابها، ثمَّ بأُخرى (١) فلم يَسْتَتِمَّها» (فَقَالَ: إِنَّ المُؤْمِنَ) لعدم شرههِ، وعلمهِ بأنَّ مقصودَ الشَّرع من الأكلِ ما يسدُّ الجوع، ويعينُ على العبادةِ مع ما يحذِّره من الحساب على ذلك (يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالكَافِرَ) بالنَّصب عطفًا على المنصوب بإنَّ لكثرة شرههِ وعدمِ وقوفهِ على مقصود الشَّرع، وحذره من (٢) تبعاتِ الحساب والحرام (يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ) فصار نسبةُ أكلِ المسلم إلى أكلِ الكافر بقدرِ السُّبع منه، ومن أعملَ فكرهُ فيما يصيرُ إليه منعَه من استيفاءِ شهوته.
وفي حديثِ أبي أُمامة رفعه: «من كثرَ تفكُّره قلَّ مَطْعمه، ومن قلَّ تفكُّره كثرَ مَطْعمه وقسا قلبُه». وقالوا: لا تدخل الحكمةُ معدةً مُلِئت من الطَّعام، ومن قلَّ طعامُه قلَّ شُرْبه، وخفَّ منامه (٣)، ومن خفَّ منامه ظهرتْ بركةُ عمره، ومن امتلأَ بطنُه كثرَ شربه، ومن كثرَ شُربه ثقلَ نومه، ومَن ثقلَ نومه محقتْ بركةُ عُمره.
وعند الطَّبرانيِّ من حديث ابنِ عبَّاسٍ قال رسولُ الله ﷺ : «إنَّ أهلَ الشِّبع في الدُّنيا هم أهلُ الجوعِ غدًا في الآخرة». وعند البيهقيِّ في «الشعب» من حديث عائشة: أنَّ رسول الله ﷺ أراد أن يشتريَ غلامًا فألقى بين يديهِ تمرًا فأكلَ الغلامُ فأكثرَ، فقال رسولُ الله ﷺ : «إنَّ كثرةَ الأكلِ شؤمٌ» وأمرَ بردِّه.
(١٣) (بابُ) حكم (الأَكْلِ) حال كونَ الآكل (مُتَّكِئًا) على أحدِ جنبيهِ كالمتجبِّر، أو على الأيسرِ منهما، أو هو التَّمكُّن في الجلوسِ للأكلِ على أيِّ صفةٍ كانت (٤)، أو الاعتمادُ على الوطَاء الَّذي تحتَه فعل من يستكثرُ من الطَّعام، وبهذا الأخير جزم الخطابيُّ.
стр. 9942
٥٣٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السين (١) المهملة وفتح العين المهملة بعدها راء، ابن كدامٍ العامريُّ الكوفيُّ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ) بن عَمرو بن الحارث بن معاوية الهَمْدانيِّ الوادعيِّ أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ) وهبَ بن عبد الله السُّوائيَّ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنِّي) إذا أكلتُ (لَا آكُلُ مُتَّكِئًا) أي: متمكِّنًا من الأكلِ فعل من يريدُ الاستكثار منه، ولكنْ آكل العُلْقَة من الطَّعام فأقعدُ له مستوفزًا، وثبتَ لفظة: «إنِّي» للكُشميهنيِّ، وليس لابن الأقمر في البخاريِّ سوى هذا الحديث.
وعند ابنِ شاهين من مرسل عطاء بنِ يسار: أنَّ جبريل رأى النَّبيَّ ﷺ يأكل متكئًا فنهاه. ومن حديث أنس أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا نهاهُ جبريلُ عن الأكل متَّكئًا لم يأكل متَّكئًا بعد ذلك.
وعند (٢) ابنِ أبي شيبة عن مجاهدٍ: ما أكل النَّبيُّ ﷺ متكئًا إلَّا مرَّةً واحدةً فقال: «اللَّهمَّ إنِّي عبدُك ورسولُك». وهذا مرسلٌ.
٥٣٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) قال: (أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو: ابنُ المعتمر (عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ: لَا آكُلُ وَأَنَا مُتَّكِئٌ).
قال في «الفتح»: وسببُ هذا الحديث قصَّة الأعرابيِّ المذكور (٣) في حديثِ عبد الله بن بسر (٤)
стр. 9943
عند ابن ماجه والطَّبرانيِّ بإسنادٍ حسنٍ قال: أهديتُ للنَّبيِّ ﷺ شاةً فجثا على ركبتيهِ يأكلُ، فقال له أعرابيٌّ: ما هذه الجلسة؟ فقال: «إنَّ الله جعلني عبدًا (١) كريمًا ولم يجعلْني جبَّارًا عنيدًا».
واستنبط من هذه الأحاديث: كراهة الأكل متَّكئًا لأنَّه من فعل المتعظِّمين، وأصله مأخوذٌ من ملوكِ العجم.
وأخرج ابنُ أبي شيبة عن ابن عبَّاس وخالدِ بن الوليد وعبيدة السَّلماني ومحمَّد بن سيرين وعطاء بن يسار والزُّهريِّ جواز ذلك مطلقًا، وإذا ثبت أنَّه مكروهٌ أو خلاف الأولى فليكنْ الآكل جاثيًا على ركبتيهِ وظهورِ قدميه، أو ينصبُ الرِّجل اليمنى ويجلسُ على اليسرى.
واختُلف في علَّة الكراهة فروى ابنُ أبي شيبة من طريق إبراهيم النَّخعيِّ قال: كانوا يكرهون أن يأكلوا المتَّكأة مخافة أن تعظمَ بطونهم.
وحكى ابن الأثيرِ: أنَّ من فسَّر الاتِّكاء بالميلِ على أحدِ الشِّقَّين تأوَّله على مذهب الطِّبِّ بأنَّه لا ينحدرُ في مجارِي الطَّعام سهلًا، ولا يسيغُه هنيئًا وربَّما تأذَّى به.
(١٤) (بابُ) جوازِ أكل (الشِّوَاءِ (٢). وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) في قصَّة إبراهيم ﵊: (فـ ﴿جَاء بِعِجْلٍ﴾) ولد البقرة، وكان مالَ إبراهيم ﵊ (٣) (﴿حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩] أَيْ: مَشْوِيٍّ) بالحجارةِ المحمَّاة.
стр. 9944
٥٤٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) قاضي صنعاء قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ) أي: ابن حُنيف (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ) أنَّه (قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِضَبٍّ مَشْوِيٍّ فَأَهْوَى) بيده (إِلَيْهِ لِيَأْكُلَ) منه (فَقِيلَ لَهُ) ﷺ : يا رسول الله (إِنَّهُ ضَبٌّ فَأَمْسَكَ يَدَهُ) الشَّريفة عنه (فَقَالَ خَالِدٌ) أي: ابن الوليد: (أَحَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ: لَا) حرمةَ فيه (وَلَكِنَّهُ لَا يَكُونُ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ) قال في «القاموس»: عاف الطَّعام والشَّراب، وقد يقال في غيرهما، يعافُهُ ويَعِيفهُ عَيْفًا وعَيَفانًا -محرَّكة- وعِيافة وعِيافًا -بكسرهما- كرهَهَ فلم يأكلْه (فَأَكَلَ خَالِدٌ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْظُرُ) إليه.
(قَالَ مَالِكٌ) الإمام فيما وصله مسلمٌ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ: (بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ) بدل مشويٍّ. قال في «القاموس»: حَنَذَ الشَّاةَ يَحْنِذُهَا (١) حَنْذًا وتَحْناذًا: شَواها وجعلَ فوقها حجارةً محماةً لتُنْضِجها فهي حَنيذٌ، أو هو الحارُّ الَّذي يقطرُ ماؤهُ بعد الشَّيِّ.
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة من جهةِ كونه ﷺ أهوى ليأكله ثمَّ لم يمتنعْ إلَّا لكونه ضبًّا، فلو كان غير ضبٍّ لأكلَ، قاله ابن بطَّالٍ.
وهذا الحديثُ سبق قريبًا [خ¦٥٣٩١].
(١٥) (بابُ الخَزِيرَةِ) بالخاء المعجمة والزاي وبعد التحتية الساكنة راء.
(قَالَ النَّضْرُ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة بعدها راء، ابن شُميل -بضم المعجمة- مصغَّرًا، النَّحويُّ اللُّغويُّ المحدِّث: (الخَزِيرَةُ) يعني بالمعجمة، تتَّخذ (مِنَ النُّخَالَةِ) أي: من بلالتها.
وقال في «القاموس»: الخَزِير والخَزِيرة: شِبْه عصيدةٍ بلحمٍ وبلا لحمٍ: عصيدةٌ، أو مَرَقةٌ من بُلالةِ النُّخالةِ (وَالحَرِيرَةُ) يعني بالمهملات، تتَّخذ (مِنَ اللَّبَنِ) قال في «الفتح»: وهذا الَّذي قاله النَّضر وافقه عليه أبو الهيثم، لكن قال: من الدَّقيق، بدل اللَّبن، وهذا هو المعروف، ويحتملُ
стр. 9945
أن يكون معنى (١) اللَّبن أنَّها تشبهُ اللَّبن في البياض لشدَّة تصفيتهَا. انتهى. لكن قال في «القاموس»: الحريرة: دقيقٌ يطبخ بلبنٍ أو دسمٍ.
٥٤٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بالموحدة المضمومة مصغَّرًا، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين مصغَّرًا، ابن خالد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ) بفتح الراء وكسر الموحدة (الأَنْصَارِيُّ: أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ) بكسر العين (وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الأَنْصَارِ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللهِ (٢) ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي) أي: ضعفَ أو عمي (وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي) وللإسماعيليِّ من طريق عبد الرَّحمن بن نمر: «جعلَ بصرِي يكلُّ».