بشاةٍ فحُلِبَتْ فشربَ حِلابها، ثمَّ أُخرى ثمَّ أُخرى حتَّى شرب حلابَ سبعِ شياهٍ، ثمَّ إنَّه أصبحَ فأسلمَ، فأمر له بشاةٍ فشربَ حلابها، ثمَّ بأُخرى (١) فلم يَسْتَتِمَّها» (فَقَالَ: إِنَّ المُؤْمِنَ) لعدم شرههِ، وعلمهِ بأنَّ مقصودَ الشَّرع من الأكلِ ما يسدُّ الجوع، ويعينُ على العبادةِ مع ما يحذِّره من الحساب على ذلك (يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالكَافِرَ) بالنَّصب عطفًا على المنصوب بإنَّ لكثرة شرههِ وعدمِ وقوفهِ على مقصود الشَّرع، وحذره من (٢) تبعاتِ الحساب والحرام (يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ) فصار نسبةُ أكلِ المسلم إلى أكلِ الكافر بقدرِ السُّبع منه، ومن أعملَ فكرهُ فيما يصيرُ إليه منعَه من استيفاءِ شهوته.
وفي حديثِ أبي أُمامة رفعه: «من كثرَ تفكُّره قلَّ مَطْعمه، ومن قلَّ تفكُّره كثرَ مَطْعمه وقسا قلبُه». وقالوا: لا تدخل الحكمةُ معدةً مُلِئت من الطَّعام، ومن قلَّ طعامُه قلَّ شُرْبه، وخفَّ منامه (٣)، ومن خفَّ منامه ظهرتْ بركةُ عمره، ومن امتلأَ بطنُه كثرَ شربه، ومن كثرَ شُربه ثقلَ نومه، ومَن ثقلَ نومه محقتْ بركةُ عُمره.
وعند الطَّبرانيِّ من حديث ابنِ عبَّاسٍ قال رسولُ الله ﷺ : «إنَّ أهلَ الشِّبع في الدُّنيا هم أهلُ الجوعِ غدًا في الآخرة». وعند البيهقيِّ في «الشعب» من حديث عائشة: أنَّ رسول الله ﷺ أراد أن يشتريَ غلامًا فألقى بين يديهِ تمرًا فأكلَ الغلامُ فأكثرَ، فقال رسولُ الله ﷺ : «إنَّ كثرةَ الأكلِ شؤمٌ» وأمرَ بردِّه.
(١٣) (بابُ) حكم (الأَكْلِ) حال كونَ الآكل (مُتَّكِئًا) على أحدِ جنبيهِ كالمتجبِّر، أو على الأيسرِ منهما، أو هو التَّمكُّن في الجلوسِ للأكلِ على أيِّ صفةٍ كانت (٤)، أو الاعتمادُ على الوطَاء الَّذي تحتَه فعل من يستكثرُ من الطَّعام، وبهذا الأخير جزم الخطابيُّ.
стр. 9942
٥٣٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السين (١) المهملة وفتح العين المهملة بعدها راء، ابن كدامٍ العامريُّ الكوفيُّ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ) بن عَمرو بن الحارث بن معاوية الهَمْدانيِّ الوادعيِّ أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ) وهبَ بن عبد الله السُّوائيَّ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنِّي) إذا أكلتُ (لَا آكُلُ مُتَّكِئًا) أي: متمكِّنًا من الأكلِ فعل من يريدُ الاستكثار منه، ولكنْ آكل العُلْقَة من الطَّعام فأقعدُ له مستوفزًا، وثبتَ لفظة: «إنِّي» للكُشميهنيِّ، وليس لابن الأقمر في البخاريِّ سوى هذا الحديث.
وعند ابنِ شاهين من مرسل عطاء بنِ يسار: أنَّ جبريل رأى النَّبيَّ ﷺ يأكل متكئًا فنهاه. ومن حديث أنس أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا نهاهُ جبريلُ عن الأكل متَّكئًا لم يأكل متَّكئًا بعد ذلك.
وعند (٢) ابنِ أبي شيبة عن مجاهدٍ: ما أكل النَّبيُّ ﷺ متكئًا إلَّا مرَّةً واحدةً فقال: «اللَّهمَّ إنِّي عبدُك ورسولُك». وهذا مرسلٌ.
٥٣٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) قال: (أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو: ابنُ المعتمر (عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ: لَا آكُلُ وَأَنَا مُتَّكِئٌ).
قال في «الفتح»: وسببُ هذا الحديث قصَّة الأعرابيِّ المذكور (٣) في حديثِ عبد الله بن بسر (٤)
стр. 9943
عند ابن ماجه والطَّبرانيِّ بإسنادٍ حسنٍ قال: أهديتُ للنَّبيِّ ﷺ شاةً فجثا على ركبتيهِ يأكلُ، فقال له أعرابيٌّ: ما هذه الجلسة؟ فقال: «إنَّ الله جعلني عبدًا (١) كريمًا ولم يجعلْني جبَّارًا عنيدًا».
واستنبط من هذه الأحاديث: كراهة الأكل متَّكئًا لأنَّه من فعل المتعظِّمين، وأصله مأخوذٌ من ملوكِ العجم.
وأخرج ابنُ أبي شيبة عن ابن عبَّاس وخالدِ بن الوليد وعبيدة السَّلماني ومحمَّد بن سيرين وعطاء بن يسار والزُّهريِّ جواز ذلك مطلقًا، وإذا ثبت أنَّه مكروهٌ أو خلاف الأولى فليكنْ الآكل جاثيًا على ركبتيهِ وظهورِ قدميه، أو ينصبُ الرِّجل اليمنى ويجلسُ على اليسرى.
واختُلف في علَّة الكراهة فروى ابنُ أبي شيبة من طريق إبراهيم النَّخعيِّ قال: كانوا يكرهون أن يأكلوا المتَّكأة مخافة أن تعظمَ بطونهم.
وحكى ابن الأثيرِ: أنَّ من فسَّر الاتِّكاء بالميلِ على أحدِ الشِّقَّين تأوَّله على مذهب الطِّبِّ بأنَّه لا ينحدرُ في مجارِي الطَّعام سهلًا، ولا يسيغُه هنيئًا وربَّما تأذَّى به.
(١٤) (بابُ) جوازِ أكل (الشِّوَاءِ (٢). وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) في قصَّة إبراهيم ﵊: (فـ ﴿جَاء بِعِجْلٍ﴾) ولد البقرة، وكان مالَ إبراهيم ﵊ (٣) (﴿حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩] أَيْ: مَشْوِيٍّ) بالحجارةِ المحمَّاة.
стр. 9944
٥٤٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) قاضي صنعاء قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ) أي: ابن حُنيف (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ) أنَّه (قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِضَبٍّ مَشْوِيٍّ فَأَهْوَى) بيده (إِلَيْهِ لِيَأْكُلَ) منه (فَقِيلَ لَهُ) ﷺ : يا رسول الله (إِنَّهُ ضَبٌّ فَأَمْسَكَ يَدَهُ) الشَّريفة عنه (فَقَالَ خَالِدٌ) أي: ابن الوليد: (أَحَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ: لَا) حرمةَ فيه (وَلَكِنَّهُ لَا يَكُونُ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ) قال في «القاموس»: عاف الطَّعام والشَّراب، وقد يقال في غيرهما، يعافُهُ ويَعِيفهُ عَيْفًا وعَيَفانًا -محرَّكة- وعِيافة وعِيافًا -بكسرهما- كرهَهَ فلم يأكلْه (فَأَكَلَ خَالِدٌ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْظُرُ) إليه.
(قَالَ مَالِكٌ) الإمام فيما وصله مسلمٌ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ: (بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ) بدل مشويٍّ. قال في «القاموس»: حَنَذَ الشَّاةَ يَحْنِذُهَا (١) حَنْذًا وتَحْناذًا: شَواها وجعلَ فوقها حجارةً محماةً لتُنْضِجها فهي حَنيذٌ، أو هو الحارُّ الَّذي يقطرُ ماؤهُ بعد الشَّيِّ.
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة من جهةِ كونه ﷺ أهوى ليأكله ثمَّ لم يمتنعْ إلَّا لكونه ضبًّا، فلو كان غير ضبٍّ لأكلَ، قاله ابن بطَّالٍ.
وهذا الحديثُ سبق قريبًا [خ¦٥٣٩١].
(١٥) (بابُ الخَزِيرَةِ) بالخاء المعجمة والزاي وبعد التحتية الساكنة راء.
(قَالَ النَّضْرُ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة بعدها راء، ابن شُميل -بضم المعجمة- مصغَّرًا، النَّحويُّ اللُّغويُّ المحدِّث: (الخَزِيرَةُ) يعني بالمعجمة، تتَّخذ (مِنَ النُّخَالَةِ) أي: من بلالتها.
وقال في «القاموس»: الخَزِير والخَزِيرة: شِبْه عصيدةٍ بلحمٍ وبلا لحمٍ: عصيدةٌ، أو مَرَقةٌ من بُلالةِ النُّخالةِ (وَالحَرِيرَةُ) يعني بالمهملات، تتَّخذ (مِنَ اللَّبَنِ) قال في «الفتح»: وهذا الَّذي قاله النَّضر وافقه عليه أبو الهيثم، لكن قال: من الدَّقيق، بدل اللَّبن، وهذا هو المعروف، ويحتملُ
стр. 9945
أن يكون معنى (١) اللَّبن أنَّها تشبهُ اللَّبن في البياض لشدَّة تصفيتهَا. انتهى. لكن قال في «القاموس»: الحريرة: دقيقٌ يطبخ بلبنٍ أو دسمٍ.
٥٤٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بالموحدة المضمومة مصغَّرًا، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين مصغَّرًا، ابن خالد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ) بفتح الراء وكسر الموحدة (الأَنْصَارِيُّ: أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ) بكسر العين (وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الأَنْصَارِ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللهِ (٢) ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي) أي: ضعفَ أو عمي (وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي) وللإسماعيليِّ من طريق عبد الرَّحمن بن نمر: «جعلَ بصرِي يكلُّ».
стр. 9946
ولمسلمٍ من طريق سليمان بن المغيرةَ، عن ثابتٍ: أصابَني في بَصري بعضُ الشَّيء، وكلُّ ذلك ظاهرٌ في أنَّه لم يكن بلغ العمى إذ ذاك، لكن عند المصنِّف في «الصَّلاة» في «باب الرُّخصة في المطر» [خ¦٦٦٧] من طريق مالك، عن الزُّهريِّ: «أنَّه كان يؤمُّ قومه وهو أعمى، وأنَّه قال: يا رسولَ الله إنَّها تكون الظُّلمة والسَّيل (١) وأنا ضريرُ البصر». نعم، يحتملُ أن يكون قوله: وأنَا (٢) ضريرُ البصر، أي: أصابَني فيه ضرٌّ فهو كقولهِ: أنكرتُ بصري فتتَّفق الرِّوايات، ويكون أطلقَ عليه العَمى لقربهِ منه ومُشاركته له (٣) في فواتِ بعضِ ما كان يعهدُه في حالِ (٤) الصِّحَّة.
وقال ابن عبد البرِّ: كان ضريرَ البصر ثمَّ عميَ، ويؤيِّده قولهُ في روايةٍ أخرى: «و (٥) في بصري بعضُ الشَّيء»، ويقال للنَّاقص: ضرير البصرِ، فإذا عميَ أطلق عليه: ضريرٌ من غير تقييدٍ بالبصرِ (فَإِذَا كَانَتِ الأَمْطَارُ سَالَ) الماء في (الوَادِي) فهو من إطلاقِ المحلِّ على الحالِ. وللطَّبرانيِّ: «وأنَّ الأمطارَ حين تكون يمنعني سيلُ الوادي» (الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ لَهُمْ فَوَدِدْتُ) بكسر الدال الأولى، أي: تمنَّيت (يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَّكَ تَأْتِي فَتُصَلِّي) بسكون الياء ويجوز النَّصب لوقوع الفاء بعد التَّمنِّي (فِي) مكان من (بَيْتِي فَأَتَّخِذُهُ مُصَلًّى) موضعًا للصَّلاة برفعِ فأتخذهُ ونصبهِ، كقوله: فتصلِّي (فَقَالَ) رسول الله ﷺ : (سَأَفْعَلُ) ذلك (إِنْ شَاءَ اللهُ) تعالى (قَالَ عِتْبَانُ: فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ وسقطَ قوله: «عليَّ» من «اليونينيَّة» (حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ) يوم السَّبت (فَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) في الدُّخول إلى منزلي (فَأَذِنْتُ لَهُ) وفي رواية الأوزاعيِّ: «فأذنتُ لهما» وفي رواية أبي (٦) أويسٍ: «ومعه أبو بكرٍ وعمر» (فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ البَيْتَ) أي: فلم يجلسْ في الدَّار ولا في غيرها حتَّى دخل البيت مبادرًا إلى ما جاءَ بسببه لأنَّه لم يجلسْ إلَّا بعد أن صلَّى (ثُمَّ قَالَ لِي: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟) قال عتبان: (فَأَشَرْتُ) له ﷺ (إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ
стр. 9947
البَيْتِ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَكَبَّرَ، فَصَفَفْنَا) وراءه (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرٍ) بالخاء المعجمة والزاي (صَنَعْنَاهُ) أي: منعناهُ من الرُّجوع ليأكل من الخزير الَّذي صنعناه له (فَثَابَ) بالمثلَّثة، أي: جاء (فِي البَيْتِ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ ذَوُو (١) عَدَدٍ) بعضهم في إثر بعض لمَّا سمعوا به ﷺ (فَاجْتَمَعُوا) الفاء للعطف، ومن ثمَّ لا يحسنُ تفسيرُ ثاب باجتمعوا لأنَّه يلزم منه عطف الشَّيء على مرادفهِ، وهو خلاف الأصل، فالأوجهُ تفسيره بجاء بعضهم إثرَ بعضٍ، كما مرَّ (٢) (فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ) لم يسمَّ: (أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ؟) بضم الدال المهملة وسكون الخاء وضم الشين المعجمتين بعدها نون (فَقَالَ بَعْضُهُمْ) قيل: هو عتبان المذكور (ذَلِكَ) باللَّام، أي: مالك بن الدُّخشن (مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَقُلْ) ذلك (أَلَا تَرَاهُ) بفتح التاء (قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ، قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: قُلْنَا): يا رسول الله (فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ) أي: توجُّهه (وَنَصِيحَتَهُ إِلَى المُنَافِقِينَ) اسْتُشكل من حيث إنَّه يقال: نصحتُ له لا إليه، وأجاب في «الفتح» بأنَّ قوله: إلى المنافقين متعلِّقٌ بقولهِ: وجهه، فهو الَّذي يتعدَّى بإلى، وأمَّا متعلَّقُ نصيحته فمحذوفٌ للعلم به (فَقَالَ) ﷺ : (فَإِنَّ اللهَ) تعالى (حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ (٣) وَجْهَ اللهِ).
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ، بالإسناد السَّابق: (ثُمَّ سَأَلْتُ الحُصَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين (الأَنْصَارِيَّ، أَحَدَ بَنِي سَالِمٍ، وَكَانَ مِنْ سَرَاتِهِمْ) بفتح السين والراء المخففة المهملتين، أي: خيارهم (عَنْ حَدِيثِ مَحْمُودٍ فَصَدَّقَهُ) زاد في رواية: «بذلك» أي: بالحديثِ المذكور.
قال في «الفتح»: يحتملُ أن يكون حمله عن صحابيٍّ آخر وليس للحُصين ولا لعتبان في «الصحيحين» سوى هذا الحديث، وقد أخرجهُ البخاريُّ في أكثرِ من عشرةِ مواضع مطوَّلًا ومختصرًا.
стр. 9948
(١٦) (بابُ الأَقُِطِ) قال في «القاموس»: مثلثة، وتحرَّك، وككَتِفٍ ورجُلٍ وإِبِلٍ: شيءٌ يتَّخذُ من المخيضِ الغَنَميِّ.
(وَقَالَ حُمَيْدٌ) الطَّويل ممَّا وصله المؤلِّف في «باب الخبز المرقَّق» [خ¦٥٣٨٧]: (سَمِعْتُ أَنَسًا) ﵁ يقول: (بَنَى النَّبِيُّ ﷺ بِصَفِيَّةَ) بنت حُييٍّ ﵂ مَقْفَلَهُ من خيبر (فَأَلْقَى التَّمْرَ وَالأَقِطَ وَالسَّمْنَ) على الأنطاعِ لوليمتهِ (وَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين فيهما، مولى المطَّلب بن عبد الله المخزوميُّ ممَّا وصله المؤلِّف في «المغازي» [خ¦٤٢١١] (عَنْ أَنَسٍ: صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ حَيْسًا) من تمرٍ وأقط وسمنٍ في نطع.
٥٤٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ القصَّاب قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بالموحدة المكسورة والمعجمة الساكنة، جعفرُ بن أبي وَحْشِيَّة (عَنْ سَعِيدٍ) هو ابنُ جبير (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: أَهْدَتْ خَالَتِي) ميمونة أمُّ المؤمنين (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ضِبَابًا) بكسر الضاد المعجمة، جمع ضَبٍّ (وَأَقِطًا وَلَبَنًا، فَوُضِعَ الضَّبُّ عَلَى مَائِدَتِهِ) الكريمة، بضم واو فوُضِع مبنيًّا للمفعول، والضَّبُّ نائب الفاعل (فَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُوضَعْ) على مائدتهِ ولم يأكلْ منه ﷺ لكونه لم يكن بأرضِ قومه (وَشَرِبَ) ﷺ (اللَّبَنَ، وَأَكَلَ الأَقِطَ).
وهذا الحديثُ سبق في «قبول الهدية» [خ¦٢٥٧٥].
(١٧) (بابُ السِّلْقِ) بكسر السين، بقلةٌ معروفةٌ، تجلو وتحلِّل وتلين، وتفتح السُّدد، وتسرُّ النَّفس،
стр. 9949
نافعٌ للنِّقرس والمفاصل، وعصير أصله سَعوطًا ترياقُ وجع (١) السِّنِّ والأُذن والشَّقيقة (٢) (وَالشَّعِيرِ) بالجرِّ عطفًا على السِّلق (٣).
٥٤٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بنُ عبد الله بنِ بكير، ونسبُه لجدِّه لشهرتهِ به قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الفارسيُّ المدنيُّ، نزيلُ الإسكندريَّة (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينار (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ أنَّه (قَالَ: إِنْ كُنَّا لَنَفْرَحُ بِيَوْمِ الجُمُعَةِ كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ) لم أقف على اسمها (تَأْخُذُ أُصُولَ السِّلْقِ فَتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ لَهَا فَتَجْعَلُ فِيهِ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ) فكنَّا (إِذَا صَلَّيْنَا) الجمعة (زُرْنَاهَا فَقَرَّبَتْهُ) أي: ذلك المطبوخ (إِلَيْنَا، وَكُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الجُمُعَةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ) الطَّعام (وَمَا كُنَّا نَتَغَدَّى) بالغَين المعجمة والدال المهملة (وَلَا نَقِيلُ) بفتح النون وكسر القاف، أي: نستريحُ نصف النَّهار (إِلَّا بَعْدَ) صلاة (الجُمُعَةِ وَاللهِ مَا فِيهِ) أي: الطَّعام المذكور (شَحْمٌ وَلَا وَدَكٌ) بفتح الواو والدال المهملة، الدَّسمُ، من عطف الأعمِّ على الأخصِّ.
(١٨) (بابُ النَّهْسِ) بفتح النون وسكون الهاء بعدها سين مهملة في الفرع وأصله، وبالمعجمة (٤) في غيرهما (وَانْتِشَالِ اللَّحْمِ) بالنون الساكنة والفوقية المكسورة والشين المعجمة وبعد الألف لام، استخراجُ اللَّحم من المرقِ قبل نضجِهِ، واسم ذلك اللَّحم: النَّشيل، والنَّهس: القبضُ عليه بالفمِ، وإزالته من العظمِ أو غيره بعد الانتشالِ.
وقيل: النَّهس -بالمهملة-: الأخذُ بمقدَّم الفم، وبالمعجمة: بالأضراس.
стр. 9950
٥٤٠٤ - ٥٤٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) أبو محمَّدٍ الحَجَبيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ زيد قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيانيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابنُ سيرين (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) قال ابنُ معين وتبعه ابنُ بطَّال: لا يصحُّ لابن سيرين سماعٌ من ابن عبَّاس. وقال ابن المدينيِّ: قال شعبة: أحاديث محمَّد بن سيرين عن عبد الله بن عبَّاسٍ إنَّما سمعها من عكرمة لقيه أيَّام المختار، أنَّه (قَالَ: تَعَرَّقَ) بتشديد الراء بعدها قاف (رَسُولُ اللهِ ﷺ كَتِفًا) أي: أكل ما كان عليه من اللَّحم (ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ).
(وَعَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانيِّ بالسَّند السَّابق (وَ) عن (عَاصِمٍ) هو ابنُ سليمان الأحول، كلاهما (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه (قَالَ: انْتَشَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَرْقًا) بفتح العين وسكون الراء، بعدها قاف؛ أي: أخذهُ قبل نضجهِ (مِنْ قِدْرٍ فَأَكَلَ) منه (ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ).
قال الحافظ ابنُ حجر: وحاصله أنَّ الحديث عند حمَّاد بن زيد، عن أيُّوب بسندين على لفظين أحدهما: عن ابنِ سيرين باللَّفظ الأوَّل (١)، والثَّاني: عنه عن عكرمة وعاصم الأحول باللَّفظ الثَّاني، ومفادُ الحديثين واحدٌ وهو تركُ إيجاب الوضوء ممَّا مسَّت النار، ولم يقعْ في شيءٍ من الطَّريقين اللَّذين ساقهما البخاريُّ بلفظ: النَّهس (٢)، وإنَّما ذكره بالمعنى حيث قال: تعرَّق كتفًا.
(١٩) (بابُ تَعَرُّقِ العَضُدِ) وهو العظمُ الَّذي بين الكتفِ والمرفق.
стр. 9951
٥٤٠٦ - ٥٤٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا، ولأبي ذرٍّ: «أخبرني» بالإفراد أيضًا (عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بن فارسٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضم الفاء آخره حاء مهملة مصغَّرًا، ابن سليمان قال: (حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي، سلمة بن دينار (المدنيُّ) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي قتادة الحارث بن ربعيٍّ السَّلميِّ الأنصارِيِّ أنَّه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) عام الحديبية (نَحْوَ مَكَّةَ).
وبه قال (١): (وحَدَّثَنَي) بالإفراد وواو العطف، ولغير أبي ذرٍّ بالجمع وحذف الواو (عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى الأويسيُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو (٢) ابنُ أبي كثير (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينار (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ) بفتح السين في «اليونينيَّة» (عَنْ أَبِيهِ) أبي قتادة (أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا جَالِسًا مَعَ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَنْزِلٍ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ نَازِلٌ أَمَامَنَا، وَالقَوْمُ مُحْرِمُونَ) بالعمرة (وَأَنَا غَيْرُ مُحْرِمٍ) يحتمل أنَّه لم يقصد نسكًا، أو أنَّه ﷺ كان أرسله إلى جهةٍ أُخرى ليكشفَ أمر العدوِّ في جماعة (فَأَبْصَرُوا) أي: القوم (حِمَارًا وَحْشِيًّا وَأَنَا مَشْغُولٌ أَخْصِفُ نَعْلِي)
стр. 9952
بكسر الصاد، أخرزُهُ (فَلَمْ يُؤْذِنُونِي لَهُ) وللكُشميهنيِّ: «به» أي: فلم يعلموني (١) به (وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي (٢) أَبْصَرْتُهُ، فَالتَفَتُّ فَأَبْصَرْتُهُ، فَقُمْتُ إِلَى الفَرَسِ فَأَسْرَجْتُهُ، ثُمَّ رَكِبْتُ، وَنَسِيتُ السَّوْطَ وَالرُّمْحَ، فَقُلْتُ لَهُمْ: نَاوِلُونِي السَّوْطَ وَالرُّمْحَ. فَقَالُوا: لَا وَاللهِ لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ) أي: على صيدِ الحمار (بِشَيْءٍ، فَغَضِبْتُ) بكسر الضاد المعجمة (فَنَزَلْتُ) عن الفرسِ (فَأَخَذْتُهُمَا (٣)، ثُمَّ رَكِبْتُ فَشَدَدْتُ) بشين معجمة فدالين مهملتين الأولى مفتوحة مخففة والثانية ساكنة (عَلَى الحِمَارِ، فَعَقَرْتُهُ، ثُمَّ جِئْتُ بِهِ) إلى القوم (وَقَدْ مَاتَ فَوَقَعُوا فِيهِ) بعد أن طبخوهُ (يَأْكُلُونَه ثُمَّ إِنَّهُمْ) بعد ذلك (شَكُّوا) بضم الكاف مشددة (فِي أَكْلِهِمْ إِيَّاهُ وَهُمْ حُرُمٌ) هل يحلُّ لهم؟ (فَرُحْنَا) بضم الراء (وَخَبَأْتُ العَضُدَ مَعِي) من الحمار (فَأَدْرَكْنَا) بسكون الكاف (رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ) العقر والأكلِ مع الإحرام (فَقَالَ) ﷺ : هل (مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ فَنَاوَلْتُهُ العَضُدَ فَأَكَلَهَا حَتَّى تَعَرَّقَهَا) بفتح العين المهملة والراء المشددة والقاف، أكلَ ما عليها من اللَّحم (وَهْوَ) ﵊ (مُحْرِمٌ) بالعمرة، والواو للحال.
(قَالَ مُحَمَّد بْنُ جَعْفَرٍ) الرَّاوي عن أبي حازم المذكور بالسَّند السَّابق، وثبت لفظ: «محمد» لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي، كذا في «اليونينيَّة» وفرعها (٤) (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «قال أبو جعفر: قال زيدُ بن أسلم» (٥) (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، مِثْلَهُ).
والحاصل: أنَّ لمحمد بنِ جعفر فيه إسنادين، والمطابقةُ منه ظاهرةٌ.
وهذا الحديثُ سبق في «الحجِّ» [خ¦١٨٢١].
стр. 9953
(٢٠) (بابُ) جوازِ (قَطْعِ اللَّحْمِ بِالسِّكِّينِ).
٥٤٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ) بفتح العين (أَنَّ أَبَاهُ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَحْتَزُّ) بالحاء المهملة الساكنة والفوقية المفتوحة والزاي المشددة، أي: يقطع (مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فِي يَدِهِ) الكريمة (فَدُعِيَ) بضم الدال وكسر العين (إِلَى الصَّلَاةِ فَأَلْقَاهَا وَ) ألقى (السِّكِّينَ الَّتِي (١) يَحْتَزُّ بِهَا، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ).
فإن قلت: هذا يعارضُه حديث أبي مَعْشر، عن هشامِ بن عروة، عن أبيهِ، عن عائشة رفعتْه: «لا تقطعُوا اللَّحمَ بالسِّكِّين فإنَّه من صنيعِ الأعاجمِ، وانهشوهُ فإنَّه أهنَأُ وأمرأُ».
أُجيب بأنَّ أبا داود قال: هو حديثٌ ليس بالقويِّ، وحينئذٍ فلا يحتجُّ به من أجل أبي معشرٍ نجيح السِّنديِّ الهاشميِّ صاحب «المغازي».
قال البخاريُّ وغيره: منكرُ الحديث، ومن مناكيرهِ حديث: «لا تقطعُوا اللَّحمَ بالسِّكِّين» هذا، لكن قال الحافظُ ابن حجرٍ: إنَّ له شاهدًا من حديث صفوان بنِ أميَّة أخرجه التِّرمذيُّ بلفظ: «انهشُوا اللَّحمَ نهشًا (٢)، فإنَّه أهنَأُ وأمرَأُ» وقال: لا نعرفُهُ إلَّا من حديثِ عبد الكريم. انتهى.
وعبد الكريم هو أبو (٣) أميَّة بنُ أبي المُخَارِق ضعيفٌ، لكن (٤) أخرجهُ ابنُ أبي عاصم من وجهٍ آخر عن صفوان بن أميَّة فهو حسنٌ، لكن ليس فيه ما رواهُ أبو معشرٍ من التَّصريح بالنَّهي عن
стр. 9954
قطع اللَّحم بالسِّكِّين، وأكثرُ ما في حديثِ صفوان بن أميَّة أنَّ النَّهس (١) أولى.
وهذا الحديثُ قد سبق في «الوضوء» [خ¦٢٠٨].
(٢١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (مَا عَابَ النَّبِيُّ ﷺ طَعَامًا (٢)) من الأطعمة المباحة.
٥٤٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، أبو عبد الله العَبْديُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ، وقال العينيُّ: ابن عُيينة (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمان (٣) الأشجعيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: مَا عَابَ النَّبِيُّ ﷺ طَعَامًا قَطُّ) سواءٌ كان من صنعة الآدمي أو لا، فلا يقول: مالحٌ غير ناضجٍ ونحو ذلك (إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ) كالضَّبِّ (تَرَكَهُ) واعتذرَ بكونه لم يكن بأرضِ قومه.
وهذا -كما قال ابنُ بطَّال- من حسن الأدبِ لأنَّ المرءَ قد لا يشتهي الشَّيء ويشتهيهِ غيره، وكلُّ مأذونٍ فيه من جهة الشَّرع لا عيبَ فيه.
(٢٢) (بابُ النَّفْخِ فِي الشَّعِيرِ).
٥٤١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيدُ (٤) بن الحكم بنِ محمد بنِ أبي مريم
стр. 9955
الجُمَحِيُّ مولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة والسين المهملة المشددة (١)، محمد بن مطرِّف اللَّيثيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينار، وهو غير الَّذي قبله في الباب السَّابق وهو أصغر منه، وكلٌّ منهما تابعيٌّ (أَنَّهُ سَأَلَ سَهْلًا) بفتح السين المهملة وسكون الهاء، ابن سعد السَّاعديَّ (هَلْ رَأَيْتُمْ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ النَّقِيَّ) بفتح النون وكسر القاف وتشديد التحتية (٢)، الخبزَ الحُوَّارَىَ، وهو ما نُقِّي دقيقه من الشَّعير وغيره فصارَ أبيض (قَالَ) سهل: (لَا) ما رأينَا في زمانهِ ﷺ النَّقي.
قال أبو حازمٍ سلمة: (فَقُلْتُ) له: (كُنْتُمْ تَنْخُلُونَ الشَّعِيرَ؟) بعد طحنهِ، استفهام حذفت أداته، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فهل كنتم» (قَالَ) سهل: (لَا، وَلَكِنْ كُنَّا نَنْفُخُهُ) بعد طحنهِ لتطير منه قشورهُ.
وهذا الحديثُ من أفراده، ويأتي في الباب اللَّاحق من غير هذا الوجهِ بأتمَّ منه هنا إن شاء الله تعالى.
(٢٣) (بابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يَأْكُلُونَ).
٥٤١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمد بنُ الفضل، عارِمٌ (٣) السَّدوسيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم (عَنْ عَبَّاسٍ) بالموحدة آخره سين مهملة، ابن فَرُّوج؛ بالفاء والراء المشددة المضمومة آخره جيم (الجُرَيْرِيِّ) بضم الجيم وفتح الراء الأولى مصغَّرًا (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن مَُِلِّ (النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا بَيْنَ أَصْحَابِهِ تَمْرًا فَأَعْطَى كُلَّ إِنْسَانٍ) منهم (سَبْعَ تَمَرَاتٍ، فَأَعْطَانِي سَبْعَ تَمَرَاتٍ إِحْدَاهُنَّ حَشَفَةٌ)
стр. 9956
بحاء مهملة ثمَّ معجمة ثمَّ فاء مفتوحات، من أردأ التَّمر (فَلَمْ (١) يَكُنْ فِيهِنَّ (٢) تَمْرَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ مِنْهَا) من الحشفةِ (شَدَّتْ) بالشين المعجمة والدال المشددة المهملة المفتوحتين (فِي مَضَاغِي) بفتح الميم، الطَّعام يمضغُ، ولأبي ذرٍّ بكسرها بعدها ضاد معجمة وبعد الألف غين معجمة، يحتملُ أن يكون المراد (٣): ما يمضغُ به وهو الأسنانُ، وأن يكون المراد به: المضغ نفسه.
وهذا الحديثُ أخرجهُ التِّرمذيُّ في «الزُّهد» (٤)، والنَّسائيُّ في «الوليمة»، وابن ماجه في «الزُّهد».
٥٤١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا (٥)) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني (٦)» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسْنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالد (عَنْ قَيْسٍ) هو ابنُ أبي حازم (عَنْ سَعْدٍ) هو ابنُ أبي وقَّاص، أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُنِي) أي: رأيت نفسي (سَابِعَ سَبْعَةٍ) سبق إسلامهم (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وهم كما عند ابن (٧) أبي خيثمةَ: أبو بكر، وعثمان، وعلي، وزيد بن حارثة، والزُّبير، وعبد الرَّحمن بن عوف، وسعدُ بن أبي وقاص (مَا لَنَا طَعَامٌ) نأكله (إِلَّا وَرَقُ الحُبْلَةِ) بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة (-أَوِ: الحَبَلَةِ-)
стр. 9957
بفتح الحاء والموحدة، ثمرُ العضاه، وثمر (١) السَّمر وهو يشبه اللُّوبيا، أو المراد: عروق الشَّجر.
وقال في «المطالع»: الحَبَلة: الكرمُ، قاله ثعلب، وفي الحديث: «لا تسمُّوا العنب الكرمَ، ولكن قولوا: الحَبَلة».
(حَتَّى يَضَعَ أَحَدُنَا مَا (٢) تَضَعُ الشَّاةُ) يريد أنَّ أحدَهم كان إذا قضَى حاجتَه ألقى شيئًا كالبعرِ الَّذي تلقيه الشَّاة (ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي) بزاي مشددة بعدها راء، أي: تؤدِّبني (عَلَى الإِسْلَامِ) وتعلِّمني أحكامه، وذلك أنَّهم وشوا به إلى عمر ﵁ حتَّى قالوا: لا يحسنُ أن يصلِّي، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «يعزِّرُونني» بزيادة واو وجمع ونون (خَسِرْتُ) بسكون الراء (إِذًا) بالتَّنوين جواب وجزاء، أي: إن كنتُ كما قالوا محتاجًا إلى تأديبهمْ وتعليمهمْ خسرتُ حينئذٍ (وَضَلَّ سَعْيِي) فيما سبق. وفيه: جوازُ مدحةِ الإنسان نفسه إذا اضطرَّ لذلك.
وهذا الحديثُ سبق في «المناقب» [خ¦٣٧٢٨].
٥٤١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، أبو رجاءٍ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ) بنُ عبد الرَّحمن القاري، بغير همز (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينار أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ) السَّاعديَّ ﵁ (فَقُلْتُ) له: (هَلْ أَكَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) الخبز (النَّقِيَّ) الأبيض؟ (فَقَالَ سَهْلٌ: مَا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّقِيَّ) من الخبز (مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ. قَالَ) أبو حازم: (فَقُلْتُ) له: (هَلْ كَانَتْ (٣) لَكُمْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَنَاخِلُ؟ قَالَ: مَا رَأَى
стр. 9958
رَسُولُ اللهِ ﷺ مُنْخُلًا مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ) ثبت لفظ (١): «الله» الأخيرة لأبي ذرٍّ، والتَّقييدُ بما بعد البعثةِ (٢) يحتملُ أن يكون احترازًا عمَّا قبلها؛ إذ كان ﷺ سافر إلى الشَّام، والخبز النَّقي والمناخل وآلات التَّرفُّه بها كثيرة (قَالَ (٣)) أبو حازم: (قُلْتُ (٤)) له: (كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ؟ قَالَ: كُنَّا نَطْحَنُهُ) بفتح الحاء (وَنَنْفُخُهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ثمَّ ننفخه» (فَيَطِيرُ) منه (مَا طَارَ وَمَا بَقِيَ) منه (ثَرَّيْنَاهُ) بالمثلَّثة المفتوحة والراء المشددة المفتوحة أيضًا، أي: ندَّيناه وليَّناه بالماء (فَأَكَلْنَاهُ).
وهذا الحديثُ سبق قريبًا [خ¦٥٤١٠].
٥٤١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بفتح الراء وضم عين عبادة وتخفيف الموحدة، القيسيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو محمد بنُ عبد الرَّحمن بنِ أبي ذئب (عَنْ سَعِيدٍ) هو ابنُ أبي سعيد كَيْسان (المَقْبُرِيِّ) بضم الموحدة، كان يسكن بالقرب من المقبرةِ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ) بفتح الميم وسكون الصاد المهملة، مشويةٌ (فَدَعَوْهُ) بفتح العين المهملة (٥) كالدال (٦)، فطلبوهُ أن يأكلَ منها (فَأَبَى) فامتنع (أَنْ يَأْكُلَ) منها زهدًا لما تذكَّره من شدَّة العيش السَّابقة له، ولذا (٧) (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال»: (خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الدُّنْيَا
стр. 9959
وَلَمْ يَشْبَعْ مِنَ الخُبْزِ) ولأَبَوَي الوقتِ وذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ: «من خبز (١)» (الشَّعِيرِ).
٥٤١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ) هو عبدُ الله بنُ محمد بن أبي الأسود حميد قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذٌ) بضم الميم آخره معجمة، ابن هشامٍ الدَّستوائيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) هشام (عَنْ يُونُسَ) بن أبي الفرات القرشيِّ، مولاهم، البصريِّ الإسكاف (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: مَا أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خِوَانٍ) بكسر الخاء المعجمة وضمها، وإخوان (٢) -بهمزة مكسورة-: طبقٌ كبير تحته كرسيٌّ ملزق (٣) به يوضعُ بين يدي المترفين (وَلَا فِي سُكُرُّجَةٍ) بضم السين المهملة والكاف والراء المشددة وتخفف؛ لأنَّ العجم كانت تستعملُها في الكوامخ (٤) وما أشبهها من الجَوَارِشْنَات على الموائد حول الأطعمة للتَّشهي والهضم ((٥) وَلَا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ) قال يونس: (قُلْتُ لِقَتَادَةَ: عَلَى مَا) بألف بعد الميم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «علام» ((٦) يَأْكُلُونَ؟ قَالَ: عَلَى السُّفَرِ) بضم السين المهملة وفتح الفاء جمع: سُفْرة، وهي في الأصلِ طعامُ المسافر، وبهِ سمِّيت الآلةُ الَّتي يعمل فيها السُّفرة إذا كانت من جلدٍ.
стр. 9960
وهذا الحديثُ أخرجهُ التِّرمذيُّ في «الأطعمةِ»، وقال: غريبٌ، والنَّسائيُّ في «الرِّقاق»، وابن ماجه في «الأطعمةِ».
٥٤١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُنْذُ قَدِمَ المَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ البُرِّ) من الإضافة البيانيَّة (ثَلَاثَ لَيَالٍ) بأيامهنَّ (تِبَاعًا (١)) بكسر الفوقيَّة (حَتَّى قُبِضَ) بضم القاف وكسر الموحدة، إيثارًا للجوعِ، وقلَّة الشِّبع (٢) مع الجدة (٣).
وهذا الحديثُ أخرجهُ أيضًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٥٤]، ومسلمٌ في أواخر كتابِه، والنَّسائيُّ في «الوليمةِ» وابن ماجه في «الأطعمةِ».
(٢٤) (بابُ التَّلْبِينَةِ) بفتح الفوقية وسكون اللام وكسر الموحدة وبعد التحتية الساكنة نون مفتوحة. قال البيضاويُّ: حسوٌ رقيقٌ يُتَّخَذُ من الدَّقيق واللَّبن، أو من الدَّقيق، أو من النُّخالة، وقد يُجْعَلُ فيه العسل، سمِّيت بذلك تشبيهًا لها باللَّبن لبياضِها ورقَّتها.
٥٤١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم
стр. 9961
العين وفتح القاف، ابن خالد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا مَاتَ المَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا، فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ) الميِّت (النِّسَاءُ، ثُمَّ تَفَرَّقْنَ إِلَّا أَهْلَهَا وَخَاصَّتَهَا (١)، أَمَرَتْ بِبُرْمَةٍ) بضم الموحدة الثَّانية، قِدْرٌ من حجارة (مِنْ تَلْبِينَةٍ، فَطُبِخَتْ، ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ) بضم الطاء ثمَّ الصاد مبنيَّين للمفعول (فَصُبَّتِ التَّلْبِينَةُ) بضم الصاد أيضًا (عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ) لهنَّ: (كُلْنَ مِنْهَا) سقطَ لفظ (٢) «منها» لأبي ذرٍّ (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: التَّلْبِينَةُ مَجَمَّةٌ) بفتح الميم الأولى والجيم والميم الثانية مشدَّدة في الفرع كأصله، أي: مريحة، وتكسر الجيم، وبضم الميم وكسر الجيم اسم فاعل، أي: مريحة (لِفُؤَادِ المَرِيضِ تَذْهَبُ) بفتح الفوقية والهاء (بِبَعْضِ الحُزْنِ) بضم الحاء المهملة وسكون الزاي، ولأبي ذرٍّ بفتحهما، والفؤاد: رأس المعدةِ، وفؤادُ الحزين يضعفُ باستيلاءِ اليبسِ على أعضائهِ ومعدتهِ لتقليلِ الغذاء، وهذا الطَّعام يرطِّبها (٣) ويقوِّيها، ويفعلُ ذلك أيضًا بفؤادِ المريض.
وهذا الحديثُ أخرجهُ البخاريُّ أيضًا في «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٨٩]، وكذا أخرجهُ فيه مسلمٌ والتِّرمذيُّ، وأخرجهُ النَّسائيُّ في «الوليمةِ» و «الطِّبِّ».
(٢٥) (بابُ الثَّرِيدِ) بفتح المثلَّثة المشدَّدة (٤) وكسر الرَّاء، أنْ يثردَ الخبز بمرق اللَّحم، وقد يكون معه لحمٌ.
٥٤١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُنْدَار العَبْديُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفر قال:
стр. 9962
(حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) بفتح العين في الأول، وضم الميم وتشديد الراء في الثَّاني (الجَمَلِيِّ) بفتح الجيم والميم، نسبةً إلى جملٍ؛ بطنٍ من مرادٍ (عَنْ مُرَّةَ) بضم الميم وتشديد الراء (الهَمْدَانِيِّ) بفتح الهاء وسكون الميم، الكوفيِّ (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ (الأَشْعَرِيِّ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: كَمَلَ) بفتح الكاف والميم وتضم (مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ) بضم الميم (مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ. وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ) لما فيه من تيسير المؤونةِ، وسهولةِ الإساغة، وكان أجلَّ أطعمتِهِم يومئذٍ، وهذا لا يستلزمُ ثبوتَ الأفضليَّة له من كل جهة، فقد يكون مفضولًا بالنِّسبة لغيره من جهاتٍ أخرى.
وهذا الحديثُ قد سبق بمباحثه في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤١١] [خ¦٣٤٣٣]، وما ذكر من «فضل عائشة» [خ¦٣٧٦٩] وغيرها، والَّذي يظهر تفضيل فاطمة لأنَّها بضعةٌ منه ﷺ ولا يعدلُ بضعتَه أحدٌ.
وقال (١) ابن بطَّال: عائشة مع رسول الله ﷺ ومريم مع عيسى ﵉، ودرجةُ محمد فوقَ درجةِ عيسى فدرجةُ عائشة أعلى، وهو مَعنى الأفضل.
٥٤١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ) بفتح العين فيهما، الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن الطَّحَّان الواسطيُّ (٢) (عَنْ أَبِي طُوَالَةَ) بضم الطاء المهملة وفتح الواو مخففة، عبد الله بن عبد الرَّحمن بنِ حزم الأنصاريِّ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ).
وهذا الحديثُ سبق في «فضل عائشة» [خ¦٣٧٧٠].
стр. 9963
٥٤٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (١) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ) المروزيُّ أنَّه (سَمِعَ أَبَا حَاتِمٍ) بالحاء المهملة والفوقية (الأَشْهَلَ) بالشين المعجمة والهاء المفتوحة (ابْنَ حَاتِمٍ) بالحاء أيضًا، البصريَّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) بفتح العين وسكون الواو بعدها نون، عبد الله البصريُّ (عَنْ ثُمَامَةَ) بضم المثلَّثة وتخفيف الميم، ابن عبد الله (بْنِ أَنَسٍ، عَنْ) جدِّه (أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى غُلَامٍ لَهُ خَيَّاطٍ) لم أقفْ على اسمه (فَقَدَّمَ) الخياطُ (إِلَيْهِ) ﷺ (قَصْعَةً فِيهَا ثَرِيدٌ. قَالَ) أنس: (وَأَقْبَلَ) الخيَّاط (عَلَى عَمَلِهِ. قَالَ (٢): فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ) القرع من حوالي القصعة (قَالَ) أنس: (فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُهُ) أي: القرع (فَأَضَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ) صلوات الله وسلامه عليه (قَالَ) أنسٌ: (فَمَا زِلْتُ بَعْدُ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ) أي: أكلها اقتداءً به (٣) ﷺ .
وهذا الحديثُ سبق في «باب من تتبَّع حوالي القصعة» [خ¦٥٣٧٩].
(٢٦) (بابُ) ذكر (شَاةٍ مَسْمُوطَةٍ وَالكَتِفِ وَالجَنْبِ).
٥٤٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) بضم الهاء وبعد الدال الساكنة موحدة، القيسيُّ البصريُّ
стр. 9964
الحافظ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى) العَوْذِيُّ (١) الحافظ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة أنَّه (قَالَ: كُنَّا نَأْتِي أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ وَخَبَّازُهُ) لم يعرف اسمه (قَائِمٌ) عنده (قَالَ) أنس: (كُلُوا، فَمَا أَعْلَمُ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ، وَلَا رَأَى شَاةً سَمِيطًا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «مسموطة» (بِعَيْنِهِ قَطُّ) بالإفراد، والمسموطةُ: الَّتي ينتفُ شعر جلدها ثمَّ تشوى، وهو مأكلُ (٢) المترفين، وإنَّما كانت عادتهم أن يأخذوا جلدَ الشَّاة ينتفعُوا به.
وهذا الحديثُ قد سبق قريبًا في «باب الخبز المرقَّق» [خ¦٥٣٨٥].
٥٤٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ، المجاورُ بمكَّة قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة، ابنُ راشد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابنِ شهاب (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ) بفتح العين (الضَّمْرِيِّ) بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم بعدها راء (عَنْ أَبِيهِ) عَمرو بن أميَّة أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَحْتَزُّ) يقطعُ (مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فَأَكَلَ) بفاءٍ مفتوحة بلفظ الماضي. ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «يأكل» بالتَّحتية بدل الفاء، بلفظ المضارع (مِنْهَا) أي: من الشَّاة (فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَامَ فَطَرَحَ السِّكِّينَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) من أكل ما مسَّته النَّار.
فإن قلتَ: جاء في مسلم (٣) من حديثِ أبي هريرة الأمر بالوضوءِ ممَّا مسَّت (٤) النَّار.
أُجيب بأنَّه جاء على أصله اللُّغوي من النَّظافة، فالمراد منه هنا: غسل اليدين لإزالة الزُّهومة توفيقًا بينه وبين حديث الباب وغيره.
وأمَّا حملُه على المعنى الشَّرعيِّ وادِّعاء نسخهِ فيحتاجُ لمعرفة التَّاريخ. نعم، صرَّح ابن
стр. 9965
الصَّلاح بالنَّسخ حيث قال: ممَّا يعرفُ به النَّسخ قول الصَّحابيِّ: كان آخر الأمرين من رسولِ الله ﷺ تركَ الوضوء ممَّا مسَّته النَّار.
ومباحثُ ذلك سبقتْ في «كتاب الوضوء»، ولم يقعْ في حديثي الباب ما ترجمَ له من الجَنْبِ، وأجاب في «الفتح» بأنَّه أشار إلى حديث أمِّ سلمة المروي في التِّرمذيِّ وصحَّحه: أنَّها قرَّبت لرسول الله ﷺ جنبًا مشويًّا فأكل منه، ثمَّ قام إلى الصَّلاة.
واعترضهُ العينيُّ فقال: من أين يعلم أنَّه أشار به إلى حديث أمِّ سلمة مع (١) أنَّ الإشارة لا تكون إلَّا لحاضر، وأجاب بأنَّه ذكر الجَنْبَ استطرادًا أو إلحاقًا له بالكتفِ.
(٢٧) (بابُ مَا كَانَ السَّلَفُ) من الصَّحابة والتَّابعين (يَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِهِمْ) في الحضر (وَ) يدَّخرون في (أَسْفَارِهِمْ مِنَ الطَّعَامِ وَاللَّحْمِ وَغَيْرِهِ (٢)) ومن بيانيَّة (وَقَالَتْ عَائِشَةُ وَ) أختها لأبيهَا (أَسْمَاءُ) بنتا أبي بكر الصِّدِّيق ﵃ ممَّا سبق في «الهجرة» [خ¦٣٩٠٥]: (صَنَعْنَا لِلنَّبِيِّ (٣) ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ سُفْرَةً) عندَ إرادتهمَا للهجرةِ إلى المدينةِ.
٥٤٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى) أبو محمد السُّلميُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ) بألف بعد العين وبعدها موحدة مكسورة فسين مهملة (عَنْ أَبِيهِ) عابس بن ربيعة النَّخعيِّ الكوفيِّ، التَّابعيِّ الكبير، وليس هو عابس بن ربيعةَ الغُطَيفيُّ، أنَّه
стр. 9966
(قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ) ﵂: (أَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الأَضَاحِيِّ) بالمثناة الفوقية وفتح الكاف، لحومُ رفعٌ، ولأبي ذرٍّ: «أن يؤكل» بالمثنَّاة التَّحتيَّة «من لحومِ الأضاحي» (فَوْقَ ثَلَاثٍ) من الأيَّام؟ (قَالَتْ: مَا فَعَلَهُ) ﷺ (إِلَّا فِي عَامٍ جَاعَ النَّاسُ فِيهِ فَأَرَادَ) ﵊ (أَنْ يُطْعِمَ الغَنِيُّ الفَقِيرَ) فالنَّهي كان خاصًّا بذلك العام للعلَّة المذكورة ثمَّ نسخ. وقوله: الغنيُّ رفع فاعل الإطعام، والفقيرُ نصبُ مفعوله، ولغير أبي (١) ذرٍّ: «أن يطعم» بفتح العين «الغني والفقير» بواو العطف والرفع على الفاعليَّة، أي: يأكلَ الغنيُّ والفقيرُ (وَإِنْ كُنَّا لَنَرْفَعُ الكُرَاعَ) بضم الكاف وبالراء آخره عين مهملة، مستدقُّ السَّاق من الغنم (فَنَأْكُلُهُ بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ) ليلة، فيه: بيان جواز ادِّخار اللَّحم وأكل القديد (قِيلَ) لها: (مَا اضْطَرَّكُمْ إِلَيْهِ؟) أي: ما ألجأكم إلى تأخيرهِ هذه المدَّة (فَضَحِكَتْ) تعجُّبًا من سؤال عابس عن ذلك مع علمهِ (٢) بما كانوا فيه من ضيقِ العيش ثمَّ (قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ مَأْدُومٍ) أي: مأكولٍ بالأدم (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) متواليةٍ (حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ) .
(وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ) محمَّد شيخ المؤلِّف: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ عَابِسٍ بِهَذَا) الحديث المذكور لكن في هذه الطَّريق تصريحُ سفيان بإخبار عبد الرَّحمن بن عابسٍ له به (٣)، وقد وصلَه الطَّبرانيُّ في «الكبير» عن معاذ بن المثنَّى، عن محمَّد بن كثير، به.
وهذا الحديثُ أخرجهُ أيضًا في «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٨٧]، ومسلمٌ في أواخر «صحيحه»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «الأضاحي»، وابن ماجه فيه، وفي «الأطعمة».
والمطابقة بين الحديث والتَّرجمة في قولهِ: «وإن كنا لنرفع الكراع … » إلى آخرهِ، ويحتملُ أن يكون المراد بالطَّعام: ما يُطعم، فيدخل فيه كلُّ إدام.
стр. 9967
٥٤٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسْنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينار (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابنُ أبي رباح (عَنْ جَابِرٍ) الأنصاريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: كُنَّا نَتَزَوَّدُ لُحُومَ الهَدْيِ) الَّذي يهدى إلى الحرم من النَّعم (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ (١) ﷺ ¬) أي: في زمانهِ في سفرنا من مكة (إِلَى المَدِينَةِ).
(تَابَعَهُ) أي: تابع عبد الله بن محمد المسنَديَّ (مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سلام (عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ) سفيان، وهذه المتابعة أخرجها ابنُ أبي عمر في «مسنده» (وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بنُ عبد العزيز: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ) هو ابنُ أبي رباح: (أَقَالَ) جابر: كنَّا نتزوَّد لحوم الهدي (حَتَّى جِئْنَا المَدِينَةَ؟ قَالَ) عطاءٌ: (لَا) لم يقلْ جابر: «حتَّى جئنا المدينةَ». وقال الحافظُ ابن حَجر: ليس المرادُ بقول عطاء: «لا» نفيَ الحكم، بل مراده أنَّ جابرًا لم يصرِّح باستمرار ذلك منهم حتَّى قدموا، فيكون على هذا معنى قولهِ في رواية عَمرو بن دينارٍ عن عطاء: كنَّا نتزوَّد لحوم الهدي إلى المدينةِ، أي: لتوجُّهنا إلى المدينة، ولا يلزمُ من ذلك بقاؤها معهم حتَّى يصلوا إلى المدينةِ، لكن روى مسلم من حديث ثوبان: ذبح النَّبيُّ ﷺ أضحيته ثمَّ قال لي: «يا ثوبان أصلحْ لحمَ هذه» فلم أزلْ أطعمه منها حتَّى قدم المدينة.
وهذا التَّعليق وصله المؤلِّف في «باب ما يؤكل من البُدْن» من «كتاب الحج» [خ¦١٧١٩] ولفظه: كنَّا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث، فرخَّص لنا النَّبيُّ ﷺ فقال: «كلوا وتزوَّدوا» ولم يذكر هذه الزِّيادة.
نعم، ذكرها مسلمٌ في روايته عن محمد بن حاتم، عن يحيى بنِ سعيد بالسَّند الَّذي أخرجَه به البخاريُّ فقال بعد قولهِ: «كلُوا وتزوَّدوا»: قلتُ لعطاء: أَوَقال (٢) جابر: حتَّى جئنا المدينة؟ قال: نعم. كذا وقع عنده بخلاف ما وقع عند البخاريِّ: قال: لا. والَّذي وقع عند البخاريِّ هو المعتمدُ، فإنَّ الإمام أحمد أخرجهُ (٣) في «مسنده» عن يحيى بنِ سعيد كذلك، وكذا أخرجه النَّسائيُّ عن عَمرو بن عليٍّ، عن يحيى بنِ سعيد، قاله في «الفتح».
стр. 9968
(٢٨) (بابُ الحَيْسِ) بالحاء المفتوحة والسين المهملتين بينهما تحتية ساكنة، وهو تمرٌ يُخْلَطُ بسمنٍ وأقطٍ فيعجنُ شديدًا ثمَّ يُنْدرُ نَواهُ، وربَّما جُعِلَ فيه سويقٌ، وقد حاسَهُ يَحِيسُهُ.
٥٤٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) المدنيُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين فيهما (مَوْلَى المُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْطَبٍ) بحاء وطاء مفتوحتين مهملتين بينهما نون ساكنة وآخره باء (١) موحدة (٢) (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل، زوج أمِّ أنس: (التَمِسْ) لي (غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي) بضم الدال (فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ) حال كونه (يُرْدِفُنِي) على الدَّابَّة (وَرَاءَهُ فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ كُلَّمَا نَزَلَ فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ) من (٣) الحزن (وَالحَزَنِ) بفتح الحاء المهملة والزاي: الهم، كذا في «القاموس» وغيره، لكن فرَّق البيضاويُّ بينهما: بأنَّ الهمَّ إنَّما يكون في الأمرِ المتوقَّع، والحزن فيما قد وقعَ. أو الهمُّ هو الحزن الَّذي يذيب الإنسان يقال: همَّني المرض بمعنى: أَذَابني، وسمَّى به ما يعتري الإنسان
стр. 9969
من شدائد الغمِّ لأنَّه يذيبه أبلغ وأشدَّ من الحزن (وَالعَجْزِ) وهو ذهابُ القدرة (١)، وأصله: التَّأخر عن الشَّيء، مأخوذ من العَجُزِ، وهو مؤخَّر الشَّيء، وللزومهِ الضَّعف والقصورَ عن الإتيان بالشَّيء استعملَ في مقابله (٢) (وَالكَسَلِ) التَّثاقل (٣) عن الأمرِ، والفتورُ (٤) فيه مع وجودِ القدرة والدَّاعية إليه (وَالبُخْلِ) ضدُّ الكرم (وَالجُبْنِ) بضم الجيم وسكون الموحدة، أي: الخور (٥) مِنْ تَعَاطِي الحربِ ونحوها خوفًا على المهجةِ (وَضَلَعِ الدَّيْنِ) بفتح الضاد المعجمة واللام، يعني: ثقله حتَّى يميلَ بصاحبه عن الاستواءِ والاعتدالِ (وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ) بفتح الغين المعجمة واللام والموحدة، وفي الرِّواية الأُخرى: «وقهرِ الرِّجال». قال التُّوربشتيُّ: ويراد بها الغلبة. وقال الطِّيبيُّ: قهر الرِّجال إمَّا أن تكون إضافته إلى الفاعل، أي: قهر الدَّائن إيَّاه، وغلبته عليه بالتَّقاضي (٦) وليس له ما يقضِي دينه، أو إلى المفعولِ بأنْ لا يكون له أحدٌ يُعاونه على قضاءِ ديونهِ من رجالهِ وأصحابهِ.
قال أنسٌ: (فَلَمْ أَزَلْ أَخْدُمُهُ) ﷺ (حَتَّى أَقْبَلْنَا مِنْ خَيْبَرَ) قافلينَ (وَأَقْبَلَ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَدْ حَازَهَا) بالحاء المهملة والزاي، اختارَهَا من غنيمةِ خيبر (فَكُنْتُ أَرَاهُ) ﷺ (يُحَوِّي) بضم التحتية وفتح المهملة وكسر الواو مشددة، أي: يجعلُ (لَهَا) حوية كساء محشوًّا يدارُ حولَ سنام الرَّاحلة يحفظُ راكبها من السُّقوط، ويستريح بالاستناد إليه (وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ -أَوْ: بِكِسَاءٍ-) والشَّكُّ من الرَّاوي، وثبتَ قوله: «لها» لأبي ذرٍّ وسقطَتْ (٧)
стр. 9970
لغيره (١) (ثُمَّ يُرْدِفُهَا وَرَاءَهُ) على الرَّاحلة (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ) موضعٍ بين خيبر والمدينة (صَنَعَ حَيْسًا فِي نِطَعٍ) بكسر النون وفتح الطاء كعنب، وبفتح النون وإسكان الطاء (٢)، والمراد: السُّفرة (ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجَالًا فَأَكَلُوا) من الحيس (وَكَانَ ذَلِكَ بِنَاءَهُ بِهَا) أي: دخوله بصفيَّة (ثُمَّ أَقْبَلَ) قافلًا إلى المدينة (حَتَّى إِذَا بَدَا) ظهرَ (لَهُ أُحُدٌ) الجبل المكرَّم المعروف (قَالَ) ﷺ : (هَذَا) أُحُدٌ (جَبَلٌ يُحِبُّنَا) حقيقةً بخلقِ الله تعالى فيه الإدراك كحنينِ الجذعِ أو مجازًا، أو بتقدير: أهل كـ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] (وَنُحِبُّهُ) لأنَّه في أرض من نحبُّ وهم الأنصار (فَلَمَّا أَشْرَفَ) ﷺ (عَلَى المَدِينَةِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ) الخليل ﷺ (مَكَّةَ) وجبلا المدينة هما عَيْرٌ وأُحُدٌ، وأمَّا رواية: «ثور» فاستُشكلت من حيث إنَّه بمكة وفيه الغار الَّذي بات (٣) فيه (٤) النَّبيُّ ﷺ لما هاجر، والقول: بأنَّ بالمدينة أيضًا جبلًا اسمه ثور أولى لما فيه من عدمِ توهيم الثِّقات، والمراد: تحريم (٥) التَّعظيم دون ما عداهُ من الأحكام المتعلِّقة بحرم مكَّة. نعم، مشهورُ مذهب المالكيَّة والشَّافعيَّة حرمةُ صيدِ المدينة، وقطعِ شجرها لكن من غير ضمانٍ.
ومباحث ذلك سبقت أواخر «الحجِّ».
(اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ) لأهل المدينة (فِي مُدِّهِمْ) بضم الميم وتشديد الدال المهملة، وهو ما يسعُ رطلًا وثلث رطلٍ أو رطلين (وَصَاعِهِمْ) وهو ما يسعُ أربعة أمدادٍ، وفي حديثٍ آخر: «وباركْ لنا في مدينتنَا» ولقد استجابَ الله دعاءَ حبيبهِ وجلب إليها في زمن الخلفاء الرَّاشدين من مشارقِ الأرض ومغاربها من كنوزِ كسرى وقيصر وخاقان ما لا يُحصى، وبارك الله تعالى في مكيالها بحيث يكفِي المدُّ فيها لمن (٦) لا يكفيهِ في غيرها، ولقد رأيتُ من ذلك الأمر الكبير، فأسألُ الله (٧) تعالى بوجهه
стр. 9971
الكريم ونبيِّه العظيم -عليه أفضلُ الصَّلاة وأزكى (١) التَّسليم- أن يمنَّ عليَّ وأحبابِي والمسلمين بالمقامِ بها على أحسن حالٍ مع الإقبال والقبول وبلوغِ المأمولِ والوفاة بها على الإسلامِ، والقرب منه ﵊ في دار السَّلام بمنِّه وكرمه.
(٢٩) (بابُ) حكمِ (الأَكْلِ فِي إِنَاءٍ مُفَضَّضٍ) أي: جعل فيه الفضَّة بالتَّضبيبِ، أو بالخلطِ، أو بالطِّلاء.
٥٤٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) المخزوميُّ (قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا) أبا الحجَّاج بن جبر، مولى السَّائب بن أبي السَّائب المخزوميَّ (يَقُولُ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريُّ، عالم الكوفة (أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ حُذَيْفَةَ) بن اليمان (فَاسْتَسْقَى فَسَقَاهُ مَجُوسِيٌّ) لم يعرفِ الحافظ ابن حَجر اسمه.
ولمسلم من حديثِ عبد الله بنِ عُكَيم (٢) قال: «كنَّا مع حذيفةَ بالمدائنِ فاستسقَى حذيفةُ فجاءه دهقان بشراب في إناءٍ من فضَّة» (فَلَمَّا وَضَعَ القَدَحَ) الَّذي فيه الماء (فِي يَدِهِ رَمَاهُ) أي: رمى المجوسيَّ (بِهِ) بالقدح، أو رمى القدح بالشَّراب، ولأبي ذرٍّ: «رمى به» وزاد في روايةٍ عند الإسماعيليِّ -وأصله في مسلم-: «رماه (٣) به فكسرهُ» (وَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لولا أنَّه» (نَهَيْتُهُ) بلساني (غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ) عن استعمالِ آنية الذَّهب والفضَّة ما رميته لكنَّه لما لم ينتهِ بالنَّهي اللِّسانيِّ مع تكرارهِ رميتُ (٤) به تغليظًا عليه (كَأَنَّهُ) أي: حذيفة
стр. 9972
(يَقُولُ: لَمْ أَفْعَلْ هَذَا، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ) الثِّياب المتَّخذة من الإبريسم، فارسيٌّ معرَّب (وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا) هذا على حدِّ قولهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤] فالضَّمير عائدٌ على الفضَّة، ويلزم حكم الذَّهب بطريق (١) الأولى (فَإِنَّهَا لَهُمْ) للكفَّار (فِي الدُّنْيَا) قال الإسماعيليُّ: ليس المراد بقوله: «لهم في الدُّنيا» إباحةُ (٢) استعمالهم إيَّاها، وإنَّما المعنى، أي: هم الَّذين يستعملونها (٣) مخالفةً لزيِّ المسلمين (وَلَنَا) ولأبي ذرٍّ: «وهي لكم» (فِي الآخِرَةِ) مكافأةً على تركها (٤) في الدُّنيا، ويُمْنَعُها (٥) أولئك جزاء لهم (٦) على مَعْصيتهم باستعمالها (٧).
وعند أحمد من طريق مجاهدٍ، عن ابنِ أبي ليلى: نهى أن يُشربَ في آنية الذَّهب والفضَّة وأن يؤكلَ فيها، وهذا في الَّذي كلُّه ذهبٌ أو فضَّة، أمَّا المخلوطُ، أو المضبَّب، أو المموَّه فروى الدَّارقطنيُّ والبيهقيُّ عن ابنِ عمر رفعه: «من شربَ في آنيةِ الذَّهب والفضَّة، أو إناءٍ فيه شيءٌ من ذلك، فإنَّما يجرجرُ في جوفهِ نارَ جهنَّم» لكن قال البيهقيُّ: المشهورُ أنَّه عن ابن عمر موقوفٌ عليه، وهو عند ابنِ أبي شيبة من طريقٍ أُخرى عنه: أنَّه كان لا يشربُ من قدحٍ فيه حلقةُ فضَّة ولا ضبَّة فضةٍ.
وفي «الأوسط» للطَّبرانيِّ من حديثِ أمِّ عطيَّة: نهى رسولُ الله ﷺ عن تفضيضِ الأقداحِ، ثمَّ رخَّص فيه للنِّساء، فيحرمُ استعمالُ كلِّ إناءٍ جميعه أو بعضه ذهب أو فضَّة لما ذكر، واتِّخاذهُ؛ لأنَّه يجرُّ (٨) إلى استعمالهِ، وسواء في ذلك الرِّجال والنِّساء، وكذا المضبَّب بأحدهما، وضبَّة
стр. 9973
الفضة الكبيرة لغير حاجةٍ بأن كانت لزينةٍ أو بعضها لزينةٍ وبعضها لحاجةٍ، فيحرمُ استعمالُ ذلك واتِّخاذُه، وإن كانتْ صغيرة لغير حاجةٍ بأن كانت لزينةٍ أو بعضها لزينةٍ وبعضها لحاجةٍ أو كبيرة لحاجةٍ كره ذلك؛ لِمَا روى البخاريُّ رحمه الله تعالى أنَّ قدحه ﷺ الَّذي كان يشربُ فيه كان مسلسلًا بفضةٍ لانصداعهِ، أي: مشعَّبًا بخيطِ فضَّةٍ لانشقاقهِ، وخرج بغير حاجة الصَّغيرة لحاجةٍ فلا تكره، ومرجع الكبيرة والصَّغيرة للعرف، وإنَّما حرمت ضبَّة الذَّهب مطلقًا لأنَّ الخيلاء فيه أشدُّ من الفضَّة، ويحلُّ نحو نحاسٍ مموَّه بذهبٍ أو فضَّة إن لم يحصل من ذلك شيءٌ بالنار لقلَّة المموَّه به فكأنَّه معدومٌ بخلاف ما إذا حصل منه شيء بها لكثرته.
وهذا الحديثُ أخرجهُ المؤلِّف أيضًا في «الأشربة» [خ¦٥٦٣٣] و «اللِّباس» [خ¦٥٨٣١]، ومسلمٌ في «الأطعمةِ»، وأبو داود في «الأشربة»، والنَّسائيُّ في «الزِّينة» و «الوليمة»، وابن ماجه في «الأشربةِ» و «اللِّباس».
(٣٠) (بابُ ذِكْرِ الطَّعَامِ).
٥٤٢٧ - وبه قال (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ) هو ابنُ مالكٍ الصَّحابيُّ (عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأ القُرْآنَ) ويعملُ به ويداومُ عليه (كَمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ) قال في «القاموس»: الأُتْرُجُّ والأُتْرُجَّةُ والتُّرُنْجَةُ والتُّرُنْجُ معرُوفٌ (رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ) ومنظرها حسنٌ فاقعٌ لونها تسرُّ النَّاظرين (وَمَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ) ويعملُ به (كَمَثَلِ التَّمْرَةِ) بالمثنَّاة الفوقية (لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ) وسقطَتِ الكاف من «كمثل الريحانة» من «اليونينيَّة»
стр. 9974
(وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ، لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ).
وقد سبق هذا الحديث في «فضائل القرآن» [خ¦٥٠٢٠] والمراد منه -كما قاله في «الفتح» وغيره-: تكرار ذكر الطَّعم فيه، والطَّعام يُطلق بمعنى: الطَّعم.
وقال في «التوضيح»: فيه إباحةُ أكل الطَّعام الطَّيِّب وكراهة أكل المرِّ. انتهى.
وليس في ذلك ما يشفِي الغليلَ من المرادِ من التَّرجمة والحديث، والله أعلم.
وقال ابن بطَّال: معنى التَّرجمة: إباحةُ أكلِ الطَّعام الطَّيِّب، وأنَّ الزُّهد ليس فيه خلاف ذلك، فإنَّ في تشبيهِ المؤمنِ بما طَعْمه طيِّبٌ، وتشبيهِ الكافرِ بما طَعْمه مرٌّ ترغيبًا في أكلِ الطَّعام الطَّيِّب والحلو.
٥٤٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابنُ عبد الله الطَّحَّان الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أبو طُوَالة (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: فَضْلُ عَائِشَةَ) ﵂ (عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ) شبِّه به لأنَّه كان حينئذٍ أفضل أطعمتهِم.
وقد سبق هذا الحديثُ قريبًا [خ¦٥٤١٨]، والغرض منه غير خافٍ.
٥٤٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمامُ الجليل (عَنْ سُمَيٍّ) بضم المهملة وفتح الميم وتشديد التحتية، مولى أبي بكر بنِ عبد الرَّحمن المخزوميِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ) لما فيهِ من المشقَّة والتَّعب والحرِّ والبردِ والخوفِ وخشونةِ العيشِ.
стр. 9975
وقال بعضُهم: إنَّما كان قطعةً من العذابِ لأنَّ (١) فيه مفارقةَ الأحبابِ (يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ فَإِذَا قَضَى) المسافرُ (نَهْمَتَهُ) بفتح النون وسكون الهاء. قال السَّفاقِسيُّ: وضبطناه أيضًا بكسر النون، أي: حاجته (مِنْ وَجْهِهِ) الجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بقضى، أي: حصلَ مقصوده من وجههِ الَّذي توجَّه إليه.
(فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ) بضم التحتية وكسر الجيم مشددة. قال الخطَّابيُّ: فيه التَّرغيبُ في الإقامةِ لما في السَّفر من فواتِ الجمعةِ والجماعاتِ والحقوقِ الواجبةِ للأهل والقراباتِ.
وهذا الحديث مرَّ في «الحج» [خ¦١٨٠٤] و «الجهاد» [خ¦٣٠٠١].
(٣١) (بابُ الأُدْمِ) بضم الهمزة وسكون الدال وضمها، وهو ما يؤكلُ به الخبزُ ممَّا يطيبه.
٥٤٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) المدنيُّ (عَنْ رَبِيعَةَ) الرَّأي (أَنَّهُ سَمِعَ القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ) أي: ابن أبي بكر الصِّدِّيق (يَقُولُ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ) بفتح الموحدة وكسر الراء الأولى، بنت صفوان، مولاة عائشة (ثَلَاثُ سُنَنٍ) بضم السين المهملة (أَرَادَتْ عَائِشَةُ أَنْ تَشْتَرِيَهَا فَتُعْتِقَهَا) بضم الفوقية الأولى وكسر الثانية (فَقَالَ أَهْلُهَا):
стр. 9976
نبيعها (وَلَنَا الوَلَاءُ، فَذَكَرَتْ) عائشة (ذَلِكَ (١) لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ) لها: (لَوْ شِئْتِ شَرَطْتِيهِ لَهُمْ) بالمثنَّاة التحتية، من إشباعِ الكسرة وهو جواب لو، واستُشكل قولهُ ﷺ لها: «لو شئتِ شرطتيه»؛ إذ هو شرطٌ مفسدٌ للبيع مع ما فيهِ من المخادعةِ.
وأُجيب بأنَّ هذا من خصائصِ عائشة أو المراد: التَّوبيخ لأنَّه كان بيَّن لهم حكم الولاء، وأنَّ هذا الشَّرط لا يحلُّ لهم، فلما ألحوا في اشتراطهِ، قال لها: لا تُبَالي سواء شرطتيه أم لا، فإنَّه شرطٌ باطل، وقد سبقَ بيان ذلك لهم. أو اللَّام في «لهم» بمعنى على كقولهِ تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]. أو المراد: فاشترطِي لأجلهم الولاءَ، أي: لأجلِ معاندتهم ومخالفتهم للحقِّ حتَّى يعلمَ غيرهم أنَّ هذا الشَّرط لا ينفع (فَإِنَّمَا (٢) الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) وإنَّما هنا لحصرِ بعضِ الصِّفات في الموصوفِ لا للحصرِ التَّامِّ لأنَّ الولاءَ لمن أعتق، ولمن جرَّه إليه من أعتقَ.
(قَالَ: وَ) السُّنَّة الثَّانية (أُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ) بضم الهمزة والخاء مبنيَّين للمجهول (فِي أَنْ تَقِرَّ) بفتح الفوقية وكسر القاف وتفتح وتشديد الراء (تَحْتَ زَوْجِهَا) مُغيث (أَوْ تُفَارِقَهُ. وَ) السُّنَّة الثَّالثة (دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا بَيْتَ عَائِشَةَ وَعَلَى النَّارِ بُرْمَةٌ تَفُورُ، فَدَعَا بِالغَدَاءِ) بفتح الغين المعجمة والدال المهملة (فَأُتِيَ بِخُبْزٍ وَأُدْمٍ مِنْ أُدْمِ البَيْتِ فَقَالَ: أَلَمْ أَرَ لَحْمًا؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَكِنَّهُ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ) بضم الفوقية والصاد المهملة (فَأَهْدَتْهُ لَنَا، فَقَالَ) ﵊: (هُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا، وَهَدِيَّةٌ لَنَا).
والغرضُ من الحديث ظاهرٌ، وفيه: تقديم اللَّحم على غيرهِ لما فيه من سؤاله ﷺ مع وجودِ أدم غيره، وفي حديث بريرةَ مرفوعًا: «سيِّدُ الإدامِ في الدُّنيا والآخرة اللَّحم» رواه ابنُ ماجه.
وحديثُ الباب ذكره المؤلِّف أكثر من عشرين مرَّة، لكنَّه ساقه هنا مرسلًا، لكنه -كما قال في «الفتح» - اعتمد على إيرادهِ موصولًا من طريق مالكٍ، عن ربيعةَ، عن القاسمِ، عن عائشة في «كتاب النِّكاح والطَّلاق» [خ¦٥٠٩٧] [خ¦٥٢٧٩]، وجرى هنا على عادتهِ من تجنب إيراد الحديث على هيئتهِ كلِّها في باب آخر، فالله تعالى يرحمُه ما أدقَّ نظره وأوسعَ فكره.
стр. 9977
(٣٢) (بابُ) ذكر (الحَلْوَاء) بالمدِّ في الفرع كأصله. وقال في «الفتح» بالقصر لأبي ذرٍّ، ولغيره بالمدِّ، لغتان، وحكى ابنُ قُرْقُول وغيره أنَّ الأصمعيَّ يقصرها، وعن أبي عليٍّ الوجهين فعلى القصر يكتب بالياء، وعلى المدِّ بالألف. وقال اللَّيث: الحلواءُ ممدودٌ، وهو كلُّ حلوٍ يؤكل.
وخصَّه الخطَّابيُّ بما دخلته الصَّنعة. وقال ابنُ سِيْده: ما عولجَ من الطَّعام بحلاوةٍ، وقد تطلق على الفاكهة (وَ) ذكر (العَسَلِ).
٥٤٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ) بالحاء المهملة والظاء المعجمة، نسبة إلى حنظلةَ بن مالك، المشهور بابن رَاهُوْيَه (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ) أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ الحَلْوَاءَ) بالمدِّ والقصر (وَ) يحبُّ (العَسَلَ).
وفي «فقه اللغة» للثَّعالبيِّ: إنَّ حلوى النَّبيِّ ﷺ الَّتي كان يحبها هي المجيع -بالجيم بوزن عظيم- وهو تمرٌ يعجن بلبن، فإن صحَّ هذا وإلَّا فلفظ الحلوى يعمُّ كلَّ ما فيه حلو، وما يشابه الحلوى والعسل من المآكل اللَّذيذة، وقد (١) دخل العسلُ في قولها: الحلوى، ثمَّ ثنت بذكره على انفرادهِ لشرفه كقولهِ تعالى: ﴿وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] فما خلق الله لنا في معناه أفضل منه ولا مثله ولا قريبًا منه؛ إذ هو غذاءٌ من الأغذية، ودواءٌ من الأدوية، وشرابٌ من الأشربة، وحلو من الحلوى، وطلاءٌ من الأطلية، ومفرحٌ من المفرحات، وله خواصُّ ومنافع تأتي -إن شاء الله تعالى- مع غيرها من المباحث في «كتاب الطِّبِّ» بعون الله، وليس المراد -كما قاله الخطَّابيُّ وغيره- أنَّ حبَّه ﵊ لذلك (٢) بمعنى: كثرةِ التَّشهِّي، وشدَّة نزاع
стр. 9978
النَّفس، بل كان يتناولُ منها إذا حضرتْ نيلًا صالحًا أكثرَ ممَّا (١) يتناوله من غيرها.
وهذا الحديثُ أخرجهُ البخاريُّ أيضًا في «الأشربةِ» [خ¦٥٥٩٩] و «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٨٢] و «تركِ الحيل» [خ¦٦٩٧٢]، ومسلمٌ في «الطَّلاق» (٢)، وأبو داود في «الأشربةِ»، والنَّسائيُّ في «الطِّبِّ»، وابنُ ماجه في «الأطعمةِ».
٥٤٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ شَيْبَةَ) هو عبدُ الرَّحمن بن عبد الملك بنِ محمد بن شيبة القرشيُّ الحِزَاميُّ -بالحاء المهملة والزاي-. وقول بعضهم: ابن أبي شيبة، غلطٌ فليس فيه لفظ «أبي» (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي الفُدَيْكِ (٣)) بإثبات لفظ «أبي» في هذا، والفُدَيك (٤) -بضم الفاء وفتح الدال المهملة وبعد التَّحتية الساكنة كاف- محمد بن إسماعيل ابنِ أبي فديك (عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) محمد بن عبد الرَّحمن (عَنِ المَقْبُرِيِّ) بضم الموحدة، سعيد (٥) ابن أبي سعيد (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ أَلْزَمُ) بفتح الهمزة والزاي (النَّبِيَّ ﷺ لِشِبَع بَطْنِي) بكسر الشين المعجمة وفتح الموحدة، أي: لأجلِ شبعِ بطني، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «بشبع» بالموحدةِ بدل اللَّام، أي: بسببِ شبعِ بطني (حِينَ لَا آكُلُ) الخبز (الخَمِيرَ، وَلَا أَلْبَسُ الحَرِيرَ) قال في «المطالع»: كذا لجميعهم براءين في «كتاب الأطعمةِ» من غير خلافٍ. وللأَصيليِّ والقابسيِّ والحَمُّويي والنَّسفيِّ وعبدوس في «كتاب المناقب» [خ¦٣٧٠٨]: «الحبير» بالباء الموحدة بدلًا من: «الحرير» ولغيرهم فيه: «الحرير» كما في «الأطعمة». والحبير:
стр. 9979
هو الثَّوب المحبر المزيَّن الملوَّن مأخوذٌ من التَّحبير وهو التَّحسين (وَلَا يَخْدُمُنِي فُلَانٌ وَلَا فُلَانَةُ) كنايةٌ عن الخادمِ والخادمة (وَأُلْصِقُ بَطْنِي بِالحَصْبَاءِ) من الجوعِ لتسكن حرارتُه ببردِ الحصباء (وَأَسْتَقْرِئ الرَّجُلَ الآيَةَ وَهْيَ مَعِي) أحفظها (كَيْ يَنْقَلِبَ بِي) إلى منزله (فَيُطْعِمَنِي) بضم التحتية وكسر العين ونصب الميم (وَخَيْرُ النَّاسِ لِلْمَسَاكِينِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَنْقَلِبُ بِنَا) إلى بيتهِ (فَيُطْعِمُنَا مَا كَانَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى إِنْ كَانَ) بكسر الهمزة (لَيُخْرِجُ) بضم الياء وكسر الراء (إِلَيْنَا العُكَّةَ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ فَنَشْتَقَّهَا) بنون مفتوحة فمعجمة ساكنة ففوقية مفتوحة فقاف مشددة مفتوحة. وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فنستفها» بسين «مهملة» بدل: «المعجمة»، و «فاء» بدل: «القاف»، وضبطه القاضي عياض بالشين المعجمة والفاء. قال ابنُ قُرْقُول: في «المطالع»: كذا لهم، أي: بالمعجمة والفاء، أي: نتقصى ما فيها من بقيَّة (١). قال: ورواهُ المروزيُّ والبلخيُّ بالسين (٢) والقاف، وهو أوجهُ مع قولهم (٣): (فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا) ولذا رجَّحها السَّفاقِسيُّ، ولأنَّ المراد أنَّهم لعقوا ما فيها بعد أن قطعوها ليتمكَّنوا من ذلك.
وهذا الحديثُ قد سبق في «مناقب جعفر» [خ¦٣٧٠٨].
(٣٣) (بابُ الدُّبَّاءِ) بضم المهملة وتشديد الموحدة ممدودًا، وهو (٤) اليقطينُ والقرع، وله خواص منها: جودةُ تغذيتهِ، وهو من طعامِ المحرورين، يُطْفئ ويبرِّد، ويسكِّنُ اللَّهيب (٥) والعطشَ، جيد للصَّفراء، ولم يتداوَ المحرورون بمثلهِ، ولا أعجلَ نفعًا منه، يُلين (٦) البطنَ، ويزيدُ في الدِّماغ، وينفعُ البصر كيف استعمل، إلى غير ذلك ممَّا يطولُ استقصاؤهُ.
стр. 9980
٥٤٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم، أبو حفص الباهليُّ البصريُّ الصَّيرفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ) السَّمَّان البصريُّ (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) عبد الله (عَنْ ثُمَامَةَ) بضم المثلَّثة وتخفيف الميمين، ابن عبد الله (بْنِ أَنَسٍ، عَنْ) جدِّه (أَنَسٍ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَى مَوْلًى) عتيقًا (١) (لَهُ خَيَّاطًا) لم أقفْ على اسمه (فَأُتِيَ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (بِدُبَّاءٍ) بالهمز والتَّنوين (فَجَعَلَ يَأْكُلُهُ) وفي رواية إسحاق بنِ عبد الله بنِ أبي طلحةِ، عن أنس، في «الأطعمة» [خ¦٥٤٣٧]: «فرأيتُه يتتبَّعُ الدُّبَّاء من حوالَي القصعةِ» (فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّهُ) أي: القرع (مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْكُلُهُ) وروى التِّرمذيُّ من حديث أبي طالوت (٢) الشَّامي قال: «دخلتُ على أنسٍ، وهو يأكلُ قرعًا وهو يقول: يا لكِ شجرة ما أَحبَّكِ إليَّ بحبِّ رسولِ الله ﷺ إيَّاك».
وعند الإمام أحمد من حديثِ أنس: «أنَّ رسولَ الله ﷺ كانت تعجبُه الفَاغيَةُ، وكان أحبَّ الطعام إليه الدُّبَّاء». وفي «الغيلانيات»: من حديث عائشة: أنَّ رسول الله ﷺ قال لها: «إذا طبختِ قدرًا فأكثرِي فيها (٣) من الدُّبَّاء فإنَّها تشدُّ قلبَ الحزين» (٤) ورواهُ ابن الجوزيِّ في «لقط المنافع». وفي حديث مرفوع ذكره القرطبيُّ (٥) في «التَّذكرة»: «إنَّ الدُّبَّاء والبطِّيخَ من الجنَّة». وفي حديثِ واثلةَ مرفوعًا عند الطَّبرانيِّ في «الكبير»: «عليكُم بالقرعِ فإنَّه يزيدُ في الدِّماغ، وعليكمْ بالعدسِ فإنَّه قُدِّس على لسانِ سبعين نبيًّا». وعند البيهقيِّ في «الشُّعب»