سرح
السين والراء والحاء أصلٌ مطّرد واحد، وهو يدلُّ على الانطلاق. يقال منه أمر سريح، إذا لم يكن فيه تعويق ولا مَطْل. ثمَّ يحمل على هذا السَّراح وهو الطَّلاق؛ يقال سَرَّحت المرأةَ. وفى كتاب اللّه تعالى: ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾. والسُّرُح: النّاقة السريعة. ومن الباب المنْسرِح، وهو العريانُ الخارج مِنْ ثيابه. والسَّرْح: المال السَّائم. والسارح: الرَّاعى. ويقال السّارح: الرجل الذى له السَّرْح. وأمّا الشجرة العظيمة فهى السَّرْحة، ولعلّه أن يكون شاذًّا عن هذا الأصل. ويمكن أن تسمَّى سَرْحة لا نسراح أغصانها وذَهابها في الجهات. قال عنترة:
بَطَلٍ كأنّ ثيابَه فى سرحَةٍ … يُحذَى نِعالَ السِّبتِ ليس بتَوأمِ (١)
ومن الباب السِّرحانُ: الذِّئب، سمِّى به لأنّه ينسرح فى مَطالبه. وكذلك الأسدُ إذا سُمِّى سِرحانا.
وأمّا السَّريحة فقطعةٌ من الثِّياب.
سرد
السين والراء والدال أصل مطرّد منقاس، وهو بدلُّ على تَوالِى أشياءَ كثيرةٍ يتّصل بعضُها ببعض. من ذلك السَّرْد: اسمٌ جامعٌ للدروع وما أشبهها من عمل الحَلَق. قال اللّه ﷻ ، فى شأن داود ﵇:
﴿وَقَدِّرْ فِي اَلسَّرْدِ﴾، قالوا: معناه ليكنْ ذلك مقدَّراً، لا يكونُ الثَّقْب ضيّقاً والمِسمارُ غليظاً، ولا يكون المسمار دقيقاً والثقب واسعاً، بل يكون على تقدير.
стр. 1227
قالوا: والزّرَّاد، إِنّما هو السّرّاد. وقيل ذلك لقرب الراء من السين. والمِسْرَد:
المِخْرز: قياسُه صحيح.
باب ما جاء من كلام العرب على أكثر من ثلاثة أحرف أوله سين
من ذلك (المُسْمَقِرُّ (١)): اليوم الشديد الحرّ، فهذا من باب السَّقَرات سَقراتِ الشّمس، وقد مضى ذكره، فالميم الأخيرة فيه زائدة.
ومن ذلك (السَّحْبل): الوادى الواسع، وكذلك القِرْبة الواسعة:
سَحْبلة. فهذا منحوت من سحل إذا صبّ، ومن سَبَل، ومن سَحَب إذا جرى وامتدّ. وهى منحوتةٌ من ثلاث كلمات، تكون الحاء زائدة مرَّة، وتكون الباء زائدة، وتكون اللام زائدة.
ومن ذلك (السَّمادِيرُ): ضَعف البَصَر، وقد اسمدَرَّ. ويقال هو الشَّئ يتراءَى للإِنسان من ضَعف بصره عند السُّكر من الشراب وغيرِه. وهذا ممّا زِيدت فيه الميم، وهو من السَّدَر وهو تحيُّر البَصر، وقد مضى ذِكره بقياسه.
ومن ذلك فرسٌ (سُرْحُوب)، وهى الجَوادُ، وهى منحوتةٌ من كلمتين:
من سرح وسرب، وقد مضى ذكرُهما.
стр. 1228
ومن ذلك ناقة (سِرْداحٌ): سريعة كريمة، فالدّال زائدة، وإنَّما هى من سَرَحَت.
ومن ذلك (اسْلَنْطح) الشَّئ، إذا انبسط وعَرُض (١)، وإنّما أصلُه سطح، وزيدت فيه * اللام والنون تعظيماً ومبالغَة.
ومن ذلك (اسَمَهدَّ) السَّنام، إذا حسُن وامتلأ. وهذا منحوتٌ من مهد، ومن مهدت الشّئَ إذا وثَّرْته (٢). وقال أبو النَّجم:
وامتَهَدَ الغاربُ فِعْلَ الدُّمْلِ (٣)
ومن قولهم هو سَهْد مَهْد. وقد فسَّرناه.
ومن ذلك (السَّمْهريَّة): الرِّماح الصِّلاب، والهاء فيه زائدة، وإنّما هى من السُّمْرة (٤).
ومن ذلك (المُسْلَهِبُّ): الطويل، والهاء فيه زائدة، والأصل السَّلِب، وقد مضى.
ومن ذلك قولهم (اسْلهَمَّ)، إذا تغيَّر لونُه. فاللام فيه زائدة، وإنّما هو سَهُمَ وجهه يسْهُم، إذا تغيَّر. والأصل السُّهام.
стр. 1229
ومن ذلك العجوز (السَّمْلَق): السَّيئة الخُلُق، والميم فيه زائدةٌ، وإنّما هى من السِّلْقة.
ومن ذلك (السَّرطَمِ): الواسع الحَلْقِ، والميم فيه زائدة، وإنَّما هو من سَرِطَ، إذا بَلِع.
ومن ذلك (السَّرمَد): الدائم، والميم فيه زائدة، وهو من سَردَ، إذا وَصل، فكأنّه زمان متّصل بعضُه ببعض.
ومن ذلك (اسْبَغَلّ) الشّئُ اسبِغْلالاً، إذا ابتلَّ بالماء. واللام فيه زائدة، وإنما ذلك من السُّبوغ، وذلك أنّ الماءَ كثُر عليه حتّى ابتلّ
ومما وُضِع وضعاً وليس قياسُه ظاهراً: (السِّنَّوْرُ)، معروف. و (السَّنَوَّر):
السِّلاح الذى يُلبَس. و (السَّلْقَع) بالقاف (١): المكان الحزْن. و (السَّلْفَع) بالفاء (٢): المرأة الصَّخَّابة. و (السَّلفَع) من الرِّجال: الشجاع الجَسور.
قال الشاعر:
بَينا يُعانِقُه الكماةُ ورَوْغِهِ … يوماً أتيِحَ له جرِئٌ سَلْفَعُ (٣)
وقال فى المرأة:
فما خَلَفٌ عن أُمِّ عِمران سلفعٌ … من السُّود وَرهاء العِنان عَروبُ (٤)
стр. 1230
(والسِّمْحاق): جلدةٌ رقيقةٌ فى الرأس، إِذا اتهت الشَّجَّةُ إليها سمِّيت سِمْحاقا.
وكذلك سَمَاحيق السَّلَى، وسماحيق السَّحاب: القطع الرّقاق منه.
ومن ذلك (اسْحَنكَك) الظّلام. و (اسحَنْفَرَ) الشّئ: طال وعَرُض.
وسَنامٌ (مُسَرْهَدٌ): مقطوع قِطعاً. و (اسمهَرَّ) الشوك: يَبِس. ويقال للظلام إِذا اشتدَّ: اسمَهَرَّ. و (السَّرْهَفَة) و (السَّرعَفة): حسن الغِذاء.
و (السَّخْبَر (١)): شجر. و (السَّماليخ): أماسيخ النَّصِىّ (٢)، الواحدة سُملوخ. و (السَّمْسَق): الياسَمِين. و (السَّفَنَّجُ): الظّليم. و (السَّلْجَم):
الطويل. و (السَّرَوْمط): الطويل. و (السِّلْتِم): الغُول. و (السِّلْتِم): السّنة الصَّعبة. قال الشاعر:
وجاءت سِلتمٌ لا رَجْعَ فيها … ولا صَدْعٌ فينجر الرِّعَاءُ (٣)
و (السِّلتِم): الداهية. و (السَّبَنْتَى): النَّمِر، وكذلك (السَّبَنْداةُ).
قال فى السَّبَنْتَى:
стр. 1231
وما كنتُ أخشَي أن تكون وفاتُه … بكفَّىْ سبَنْتَى أزرقِ العين مُطرِقِ (١)
و (السِّربال): القَميص. و (اسْرَنْدَانِي) الشَّئُ: غلبنى. و (السِّفْسِير).
الفَيْج والتابع. و (السَّوُذَق) و (السَّوْذَنِيق (٢)) و (السُّوذَانِق):
الصّقر.
و (السَّبَاريت): الأرض القَفر. و (السُّبْروت): الرَّجل القصير.
و (السَّرْبَخُ): الأرض الواسعة. و (السِّنْدَأْوة) الرّجل الخفيف.
و (السَّجَنْجل): المرآة. وغلام (سَمَهْدَرٌ): كثير اللَّحم. و (المُسْمَهِرُّ):
المعتدل. و (المُسْجَهِرُّ): الأبيض. و (المُسْمغِدّ): الوارم. و (المُسْلَحِبّ):
المستقيم. و (السُّرادِق): الغبار. و (السَّمْحَج): الأتَان الطَّويلة الظهر.
و (السِّجِلاَّط): نَمَط الهَوْدج، ويقال إنّه ليس بعربىّ (٣). و (السَّمَهْدَر):
البعيد، فى قول الراجز:
ودُونَ ليلَى بَلَدٌ سَمَهْدَرُ (٤)
стр. 1232
ويقال (سَرْدَجْته) فهو مُسردَج (١)، أى أهملتُه، فهو مُهمل. قال أبو النجم:
قد قَتَلَتْ هِنْدُ ولَم تَحَرَّجِ … وتركَتْكَ اليومَ كالمُسَرْدَجِ
و (اسْبَكَرّ) الشَّئ: امتدّ. واللّه أعلم.
تم كتاب السين
стр. 1233
كتاب الشينْ
باب ما جاء من كلام العرب أوله شين فى المضاعف والمطابق
شص
الشين والصاد أصلٌ واحد مطّرد، يدلُّ على شدّة ورَهَق.
من ذلك قولهم: شَصَّتْ مَعِيشتُهم * وإِنَّهم لفى شَصَاصَاء، أى فى شِدّة. وأصله من قولهم شَصَّ الإنسان، إِذا عَضّ بنواجذه على الشئ عَضًّا. ويقال فى الدعاء:
نَفَى اللّه عنك الشَّصائص، وهى الشّدائد.
ومن الباب الشِّصّ: شئٌ يُصاد به السّمك. ويقال لِّلصِّ الذى لا يَرَى شيئاً إِلاّ أتى عليه: شِصّ. قال الكسائىّ: يقال إنّ فلاناً على شَصَاصاء، أى على عَجَلة. قال:
نحنُ نَتَجْنا ناقةَ الحَجّاجِ … على شَصَاصاء من النِّتاجِ (١)
شط
الشين والطاء أصلانِ صحيحان: أحدهما البُعد، والآخر يدلُّ على المَيل.
فأمّا البُعد فقولهم: شطّت الدارُ، إذا بعُدت تَشُطّ شُطوطا. والشَّطاَط:
البُعد. والشَّطاط: الطُّول؛ وهو قياسُ البُعد؛ لأنّ أعلاه يبعُد عن الأرض.
стр. 1234
ويقال أشَطَّ فلانٌ فى السّوْم، إذا أَبعَدَ وأتَى الشَّطَطَ، وهو مجاوزة القَدْر.
قال جلّ ثناؤه: ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾. ويقال أشطَّ القومُ فى طلبِ فلانٍ، إذا أمعَنُوا وأَبعَدوا.
وأمَّا الميل فالميل فى الحُكم. ويجوز أن يُنقل إلى هذا الباب الاحتجاجُ بقوله تعالى: ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾. أى لا تَمِلْ. يقال [شَطّ، و (١)] أشَطّ، وهو الجور والميل فى الحكم. و
فى حديث تميمٍ الدارىّ: «إنّك لشاطِّى حتَّى أحملَ قوّتَك على ضعفى (٢)». شاطِّى، أى جائر فى الحكم علىَّ. والشَّطُّ: شَطّ السَّنام، وهو شِقُّه، ولكلِّ سَنامٍ شَطَّانِ. وإنّما سمِّى شطًّا لأنَّه مائل فى أحد الجانبين.
قال الشاعر (٣):
كأنّ تحتَ دِرعِها المُنْعَطِّ … شَطًّا رميتَ فوقَه بشَطِّ
وناقة شَطَوْطَى من هذا. وشَطُّ النَّهر يسمى شَطًّا لذلك، لأنَّه فى الجانبين.
شظ
الشين والظاء أصلٌ يدل على امتدادٍ فى شئ. من ذلك الشِّظَاظانِ: العُودان اللذان يُجعَلان فى عُرَى الجُوالِق. قال:
стр. 1235
أين الشِّظاظان وأين المِرْبَعهْ … وأين وَسَقُ الناقةِ المُطَبَعة (١)
ويقولون: أشَظَّ الرجُل، إذا تحرَّك ما عنده. ويقولون: أشَظَّ البعيرُ، إذا مدّ بذنَبه.
شع
الشين والعين فى المضاعف أصلٌ واحد يدلُّ على التفرُّق والانتشار. من ذلك الشعاع شُعاع الشّمس، سمِّى بذلك لا نبثاثه (٢) وانتشاره، يقال أشَعّت الشّمسُ تُشِعُّ، إذا طرحَتْ شُعاعَها. والشَّعَاع بالفتح: الدّم المتفرِّق.
قال قيس بن الخطيم:
طعنتُ ابنَ عبدِ القَيس طعنةَ ثائرٍ … لها نَفَذٌ لولا الشُّعَاعُ أضاءَها (٣)
وشعاع (٤) السُّنبُل: سفاَه إذا يبِس. قال أبو النَّجم:
لِمَّةَ فَقْرٍ كشعاَع السُّنبلِ (٥)
ويقال نَفْسٌ شَعاعٌ، إذا تفرَّق هِمَمُها، قال:
فقَدتُكِ من نَفسٍ شَعاعٍ ألم أكنْ … نهيتُكِ عن هذا وأنتِ جميعُ (٦)
стр. 1236
والشَّعُّ: رمى النّاقة بولَها على فخذِها. يقال شَعّتْ تَشُعُّ شَعًّا. ويقال ظلٌّ شَعشَعٌ، إذا لم يكن كثيفاً. وقال الراجز فى التفرُّق:
صَدْقُ اللِّقاءِ غيرُ شَعْشَاع الغَدَرْ (١)
يقول: هو جميع الهِمَّة غيرُ متفرِّقِها.
ومن هذا الباب الشّعشاع والشَّعشَعانُ من النّاس والدوابّ: الطويل يقال بعيرٌ شعشاعٌ وناقةٌ شَعشاعةٌ وشَعشَعاَنةٌ. قال ذو الرّمّة:
هيهاتَ خَرقاءُ إلاَّ أنْ يقرِّبَها … ذُو العرش والشّعشعاناتُ العَياهيمُ (٢)
ومن الباب: شَعشعْتُ الشّرابَ، إذا مزجتَه؛ وذلك أن المِزًاج ينبثُّ وينتشر فيه. قال:
مشعشعةً كأنَّ الحُصَّ فيها … إذا ما الماءُ خالَطَها سَخِيناَ (٣)
شغ
الشين والغين أصلٌ يدل على القلّة. قال أهل اللُّغة:
الشّغشغة فى الشرب: التّصريد، وهو التقليل. قال رؤبة:
لو كنتُ أسْطِيعُك لم يُشغَشَغِ … شُرْبى وما المشغولُ مِثْلُ الأفْرغِ (٤)
هذا هو الأصل. وفيه كلمةٌ طريقتُها طريق الحكاية، وذلك ربَّما حُمل
стр. 1237
على القياس وربما لا يُحمَل. يقولون إنَّ الشغشغة صَوت الطّعْن، فى قول الهذلىّ (١):
فالطعن شَغشغةٌ والضَّرب هَيْقعةٌ … ضربَ المُعَوِّل تحت الدِّيمِة * العَضَدا
والشغشغة: ضربٌ من هدير الإبل.
شف
الشين والفاء أصلٌ واحد يدلُّ على رقّة وقلّة، لا يشّذ منه شئٌ عن هذا الباب. من ذلك الشَّفّ: السِّتْر الرّقيق. يقولون: سُمِّى بذلك لأنَّه يُستَشُّف ما وراءه. والأصل أن السِّتر فى نفسه يشفُّ (٢) لرقّته إذْ كان كذا.
وإن كان ما قاله القومُ صحيحاً فهو قياسٌ أيضاً؛ لأنَّ الذى يُرى من ورائه هو القليل المتفرِّق فى رأى العين والبصر. ومن ذلك الشَّفّ الزيادة؛ يقال لهذا على هذا شَفٌّ، أى فضْل. ويقال: أَشففتَ بعضَ ولدِك على بعضٍ، أى فضّلت.
وإنما قيل ذلك لأن تلك الزيادة لا تكاد تكثُر، فإنْ أَعطَى أحدَهما مائةً والآخرَ مائتين لم يُقَل أَشففتَ، لكن يقال أفْضَلْت وأَضْعفت وضعَّفت، وما أشبهَ ذلك.
وقولُ مَنْ قال: الشَّف: النُّقصان أيضاً محتمل، كأنَّه ينقُص الشئَ حتى يصيِّرَه شُفَافَة (٣). والشُّفُوف: نُحول الجِسم، يقال شفَّه المرضُ يشُفُّه شَفًّا. فأما الشّفيف فلا يكون إلا بَرْدَ ريح فى نُدُؤة قليلة، فسمِّى شفيفاً لتلك النُّدُوّة وإن قَلَّتْ. ويقال لذلك الشَّفَّانُ أيضاً، قال:
стр. 1238
ألجَاهُ شَفَّانٌ لها شَفِيفُ (١)
والاستشفاف فى الشَّراب: أن يستقصِىَ ما فى الإناء لا يُسْئِرُ (٢) فيه شيئاً، كأنَّ تلك البقيَّة شُفافة، فإِذا شرِبَها الإنسان قيل اشتفَّها وتَشَافَّها. وفى حديث أمّ زرع: «إنْ أكلَ لَفَّ، وإنْ شرِبَ اشتَفَّ». وكلُّ شئٍ استوعَبَ شيئاً فقد اشتفَّه. قال الشَّاعر (٣):
له عنق تُلْوِى بما وُصِلَتْ به … ودَفَّانِ يشتَفّان كلَّ ظِعانِ
الظِّعَان: الحبل. يقول: جَنْباه عريضانِ، فما يأخُذان الظّعانَ كلَّه.
وأما قول الفرزدق:
ويُخْلِفْن ما ظَنَّ الغَيورُ المشَفْشَفُ (٤)
فيقال: الرّجل الشديد الغَيرة. وهذا صحيح، إلاّ أنّه الذى شفّتْه الغَيرة حتّى نَحَل جسمُه.
شق
الشين والقاف أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على انصداعٍ فى الشئ، ثم يحمل عليه ويشتقُّ منه على معنى الاستعارة. تقول شقَقت الشئ أشقُه شقًّا، إذا صدعته. وبيده شُقوق، وبالدابّة شُقَاق. والأصل واحد. والشِّقَّة: شَظِيَّةٌ تُشَظّى من لوحٍ أو خشبة.
стр. 1239
ومن الباب: الشِّقَاق، وهو الخِلاف، وذلك إذا انصدعت الجماعةُ وتفرَّقتْ يقال: شَقُّوا عصا المسلمين، وقد انشقّت عصا القومِ بعد التئامها، إِذا تفرَّق أمرُهم.
ويقال لنِصف الشئ الشِّقّ. ويقال أصابَ فلاناً شِقٌّ ومَشقّة، وذلك الأمر الشديد كَأنّه من شدّته يشقُّ الإنسان شقًّا. قال اُللّه جل ثناؤه ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلّا بِشِقِّ اَلْأَنْفُسِ﴾. والشِّقّ أيضاً: الناحية من الجبل.
و
فى الحديث: «وجَدَنى فى أهل غُنَيْمَةٍ بِشَقٍّ». والشِّقّ: الشقيق، يقال هذا أخى وشقيقى وشِقُّ نفسى. والمعنى أنه مشبَّه بخشبةٍ جعلت شِقّيْنِ. ويقولون فى الغضبان: احتدَّ فطارت منه شِقَّةٌ، كَأنه انشقّ من شدة الغضب. وكلُّ هذه أمثال.
والشُّقَّة: مسيرٌ بعيدٌ إلى أرض نطيَّة. تقول: هذه شُقّةٌ شاقّة. قال اللّه سبحانه ﴿وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ اَلشُّقَّةُ﴾. والشّقة من الثياب، معروفة. ويقال اشتقَّ فى الكلام فى الخصومات يميناَ وشِمالاً مع ترك القَصْد، كأنَّه يكون مرةً فى هذا الشِّق، ومرَّة فى هذا. وفرسٌ أَشَقُّ، إذا مال فى أحد شقَّيه عند عَدْوِه.
والقياس فى ذلك كلِّه واحد.
والشّقِيقة: فُرْجَةٌ بين الرمال تُنْبِتُ. قال أبو خَيْرَة: الشَّقيقة: لَيِّن من غلظ الأرض، يطول ما طال الحَبْل. وقال الأصمعىّ: هى أرضٌ غليظةٌ بين حَبْلَين من الرّمل. وقال أبو هشامٍ الأعرابىّ: هى ما بين * الأمِيلَين. والأمِيل والحَبْل سواء. وقال لبيد:
стр. 1240
خَنْسَاءُ ضيَّعتِ الفريرَ فلم يَرِمْ … عُرْضَ الشقائقِ طَوْفُها وبُغاَمُها (١)
وقال الأصمعىُّ: قِطعٌ غِلاظٌ بين كلّ حَبْلَىْ رمْل. وفى رواية النَّضْر:
الشقيقة الأرض بين الجبلَين على طَوَارهما، تنقاد ما انقاد الأرض، صلبة يَسْتَنْقِع الماءُ فيها، سَعَتُها الغَلْوَةُ والغَلوتان. قلنا: ولولا تطويلُ أهل اللُّغَةِ فى ذكر هذه الشَّقائق، وسلوكُنا طريقَهم فى ذلك، لكان الشّغل بغيره مما هو أنفع منه أولى، وأىُّ منفعةٍ فى علمِ ما هى حتى تكون المنفعة فى علم اختلاف الناس فيها. وكثيرٌ مما ذكرناه فى كتابنا هذا جارٍ هذا المجرى، ولا سيما فيما زاد على الثلاثىّ، ولكنَّه (٢) نَهج القوم وطريقَتُهم.
ومن الباب الشِّقْشِقَة: لَهَاة البعير، وهى تسمَّى بذلك لأنها كَأنَّها منشقَّة.
ولذا قالوا للخطيب هو شقشقة، فإنما يشبّهونه بالفحل. قال الأعشى:
فاقْنَ فإنى طَبِنٌ عالمٌ … أَقطعُ من شِقشقة الهادرِ (٣)
و
فى الحديث: «إنَّ كثيراً من الخطب شقاشقُ الشَّيْطان (٤)».
ومما شذَّ عن هذا الباب: الشَّقيق، قالوا: هو الفَحْلُ إذا استَحْكَم وقوِىَ.
قال الشاعر:
أبوكَ شَقيقٌ ذو صَياصِ مذَرَّبُ
стр. 1241
شك
الشين والكاف أصل واحدٌ مشتقٌّ بعضُه من بعض، وهو يدلُّ على التَّداخُل. من ذلك قولهم شكَكْتُه بالرُّمح، وذلك إذا طعنتَه فداخَل السنانُ جسمَه. قال:
فشككت بالرُّمح الأصَمِّ ثيابَه … ليس الكريمُ على القنا بمحرَّمِ (١)
ويكون هذا من النَّظْم بين الشيئين إذا شُكّا.
ومن هذا الباب الشكُّ، الذى هو خلافُ اليقين، إنما سمِّى بذلك لأنَّ الشَّاكَّ كأنه شُكَّ له الأمرانِ فى مَشَكٍّ واحد، وهو لا يتيقن واحداً منهما، فمن ذلك اشتقاق الشك. تقول: شككت بين ورقتين، إِذا أنت غرَزْت العُود فيهما فجمعتَهما.
ومن الباب الشِّكَّةُ، وهو ما يلبسه الإِنسان من السّلاح، يقال هو شاكٌّ فى السّلاح. وإنما سمِّى السّلاحُ شِكَّة لأنه يُشَكُّ به، أوْ لأنه كأنه شُكَّ بعضُه فى بعض. فأمّا قول ذى الرُّمَّة:
وَثْبَ المَسحَّج مِنْ عاناتِ مَعْقُلةٍ … كأنّه مُستَبانُ الشَّكِّ أو جَنِبُ (٢)
فالشك يقال إنّه ظلْع خفيف؛ يقال بعيرٌ شاكٌّ، وقد شَكّ شَكًّا. وهذا قياس صحيح؛ لأنّ ذلك وَجَع (٣) يداخِلهء ويقال بل الشَّكّ: لُصوق العَضد بالجنْب. فإِن صحَّ هذا فهو أظهر فى القياس. والشكائك: الفِرَق من الناس،
стр. 1242
الواحدة شَكِسكة، وإنما سمِّيت بذلك لأنها إذا افترقت فكلُّ فِرقةٍ منها يداخل بعضُهم بعضا.
شل
الشين واللام أصلٌ واحدٌ يدلُّ على تباعُد، ثم يكون ذلك فى المسافة، وفى نسج الثَّوب وخياطته وما قارب ذلك. فالشلُّ: الطرْد، يقال شَلَّهم شَلاًّ، إذا طردَهم. ويقال أصبح القوم شِلَالاً، أى متفرِّقين.
قال الشاعر:
أما والذى حَجَّت قريشٌ قَطينةً … شِلالاً ومولَى كلِّ باقٍ وهالك (١)
والشَّلل: الذى قد شُلّ، أى طُرِد. ومنه قوله:
لا يَهُمُّون بإدْعاق الشَّلَلْ (٢)
ويقال شَللت الثوب أشُلُّه، إذا خِطته خياطةً خفيفة متباعدة.
ومن الباب الشلل: فساد اليد، يقال: لا تشْلل ولا تَكْللْ. ورجلٌ أشَلُّ وقد شَلَّ يَشَلّ. والشلل: لَطْخ يُصيب الثوبَ فيبقى فيه أثر. والشلشَلة:
قَطَرَانُ (٣) الماء متقطعا. والشُّلة (٤): النّوَى نوى الفِراق. وهو من الباب، وذلك حيثُ ينتوى القومُ. قال أبو ذؤيب:
وقلتُ تجنَّبَنْ سُخْطَ ابنِ عمٍّ … ومَطلبَ شُلَّةٍ وهى الطرُوح (٥)
стр. 1243
فأما الشليل فقال قوم: هو الحِلْس، وهو لا يكون محقق النَّسْج. وأمَّا الجُنَنُ (١) ففيها الشَّليل، فقال قوم: هو ثوبٌ يُلبَس تحت الدِّرع * ولا يكون ضعيفاً، وقال آخرون: هى الدِّرع القصيرة، وتُجمع أشِلّة. قال أوس:
وجاءُوا بها شهباءَ ذاتَ أشِلَّةٍ … لها عارضٌ فيه المنيَّةُ تلمعُ (٢)
وأىّ ذلك كان فإِنما هو تشبيهٌ واستعارة.
شم
الشين والميم أصلٌ واحد يدلُّ على المقارَبة والمداناة. تقول شَممت الشئَ فأنا أشُّمه (٣). والمشامَّة: المفاعلة من شاممته، إذا قاربتَه ودنوتَ منه. وأشمَمْتُ فلاناً الطيبَ. قال الخليل: تقول للوالى: أشمِمنى يدَكَ، وهو أحسنُ من قولك: ناوِلْنى يدَك. وأمَّا الشمم فارتفاعٌ فى الأنف، والنعت منه الأشمُّ؛ فى الظاهر كأنه بعيدٌ من الأصل الذى أصَّلناه، وهو فى المعنى قريبٌ، وذلك أنه إذا كان مرتفعَ قصبة الأنف كان أدنى إلى ما يريد شَمَّهُ. ألا تراهم يقولون: [آنفُهمْ (٤)] تنال الماء قبل شفاههم. وإذا كان هذا كذا كان منه أيضاً ما حُكى عن أبى عمرو: أَشمَّ فلانٌ، إذا مرّ رافعاً رأسه. وعرضت عليه كذا فإذا هو مُشِمٌّ (٥). وبينا هُمْ فى وجهٍ أشَمُّوا، أى عدَلوا؛ لأنه إذا باعدَ شيئاً قاربَ غيره، وإذا أشمَّ عن شئ قاربَ غيره، فالقياسُ فيه غير بعيد.
стр. 1244
شن
الشين والنون أَصلٌ واحد يدلُّ على إخلاقٍ ويُبْس. من ذلك الشَّنُّ، وهو الجِلد اليابس الخَلَق البالى، والجمع شِنانٌ. و
فى الحديث فى ذكر القرآن: «لا يَتفه ولا يتشاَنُّ (١)». أى لا يَقِلُّ ولا يُخْلِق. والشنين: قَطَرانُ الماء من الشّنّة. قال الشاعر:
يا مَنْ لدمعٍ دائم الشَّنِينِ (٢)
ومن الباب: الشِّنْشِنَة، وهى غَريزة الرَّجُل. وفى أمثالهم:
«شِنْشِنة أعرفُها من أَخزم»:
وهى مشتقة مما ذكرناه، أى هى طبيعتُه التى وُلِدَت معه وقَدُمَت، فهى كأنها شَنّة. والشَّنُون، مختلف فيه، فقال قوم: هو المهزول، واحتجُّوا يقول الطرِمَّاح فى وصف الذئب الجائع:
كالذّئب الشّنونِ (٣)
وقال آخرون: هو السَّمين. ويقال إنّه الذى ليس بسمينٍ ولا مهزُول.
وإذا اختلفت الأقاويل نُظِرَ إلى أقربها من قياس الباب فأُخِذَ به. وقد قال الخليل:
إن الشَّنُون الذى ذهب بعضُ سِمَنه، [شُبِّهَ (٤)] بالشَّنّ. وقال: يقال للرّجُل إذا هُزِلَ: قد استَشَنّ. وأمّا إشْنانُ (٥) الغارةِ فإِنما هو مشتقٌّ من الشَّنين، وهو قَطَران الماء من الشَّنَّة، كأنهم تفرَّقوا عليهم فأتَوْهم من كلِّ وجه. يقال شننت الماءَ، إذا صَببته متفرِّقاً. وهو خلافُ سنَنْت.
стр. 1245
شب
الشين والباء أصلٌ واحد يدلُّ على نَمَاء الشئ وقوّته فى حرارةٍ تعتريه. من ذلك شَبَبْتُ النّارَ أشُبُّها شَبًّا وشُبُوباً. وهو مصدر شُبَّت.
وكذلك شَبَبْتُ الحرب، إذا أوقدتَها. فالأصل هذا. ثم اشتق منه الشَّباب، الذى هو خلاف الشَّيْب. يقال: شَبَّ الغلامُ شَبِيباً وشَباباً (١)، وأشَبَّ اللّه قَرْنَه (٢) والشَّبَاب أيضاً: جمع شابّ، وذلك هو النَّماء والزيادةُ بقوّة جسمِه وحرارته. ثم يقال فَرقاً: شَبَّ الفرسُ شِبابا، بكسر الشين، وذلك إذا نَشط ورفَع يديه جميعا.
ويقولون: بَرِئْت إليك من شِبابه وعِضاَضِه (٣). والشَّبيبة: الشَّباب (٤). ومن الباب: الشَّبَبُ: الفتىُّ من بقر الوحش. قال ذو الرّمة:
ناشِطٌ شَبَبْ (٥)
ومن هذا القياس: أُشِبّ له الشئُ، إذا قُدِّر وأُتيح؛ وكأنّه رُفع وأُسْمِىَ له (٦).
شت
الشين والتاء أصلٌ يدلُّ على تفرُّق وتزيُّل، من ذلك تشتيت الشئ المتفرّق. تقول: شَتّ شَعْبُهم شَتَاتا وشَتًّا، أى تفرَّق جَمْعهم.
قال الطرِمّاح:
стр. 1246
شَتَّ شَعْبُ الحىِّ بعد التِئامْ … وشَجَاك الرّبعُ ربع المُقامْ (١)
ويقال: جاء القوم أشتاتاً. وثَغْر شَتِيتٌ: مفلَّجٌ حَسَن. وهو من هذا، كأَنّه يقال إنّ الأسنانَ ليست بمتراكِبة. وشتّانَ ماهما، يقولون إنّه الأفصح، وينشدون:
شَتّانَ ما يومِى على كُورِها … ويومُ حَيَّانَ أخِى جابرِ (٢)
وربما قالوا: شَتَّانَ ما بينهما، والأوّل أفصح.
شث
الشين والثاء ليس بأصل، إنما هو الشّثُّ: شَجر.
شج
الشين والجيم أصلٌ واحد يدلُّ على صَدع الشئ. يقال شجَجْتُ رأسَه أشُجُّه شَجًّا. وكان بين القوم شِجاجٌ ومشاجّة، إذا شجَّ بعضُهم بعضا. والشَّجَجُ: أثر للشَّجّة فى الجبين؛ والنّعت منه أشَجّ. وشجَجت المفازةَ شَجًّا، إذا صدَعْتَهَا بالسَّير. وشَجَجْتُ الشَّراب بالمِزَاج (٣). وشَجَّت السفينةُ البحر. والشَّجِيج: المشجوج. والوَتِد شجيج.
شح
الشين والحاء، الأصل فيه المنع، ثم يكون منعاً مَعَ حِرص.
من ذلك الشُّحُّ، وهوَ البُخل مع حِرص. ويقال تَشَاحَّ الرّجلانِ على الأمر، إذا أراد كلُّ واحدٍ منهما الفوزَ به ومنْعَه من صاحبه. قال اللّه جلّ ثناؤه: ﴿وَمَنْ﴾
стр. 1247
﴿يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولائِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ﴾. والزّنْد الشَّحَاحُ: الذى لا يُورِى.
قال ابن هَرْمَة:
وإنِّى وتركى نَدى الأكرمبنَ … وَقَدْحِى بكفَّىَّ زَنْداً شَحاحَا (١)
هذا هو الأصل فى المضاعف.
فأمَّا المطابَقُ فقريبٌ من هذا. يقولون للمواظِب على الشئ: شَحْشَحٌ. ولا يكون مواظبتُه عليه إلاّ شُحًّا به. ويقولون للغَيور: شَحْشَح، وهو ذاك القياس؛ لأنّه إذا غار مَنَع. وكذلك الشُّجَاع، وهو المانع ما وراءَ ظهرِه. وأمَّا الماضى فى خطبته فيقال له شَحشح؛ كأنّه محمولٌ على الشُّجاع مشبَّه به.
شخ
الشين والخاء ليس بأصل، إنما يقولون شَخَّ الصبىُّ ببوله، إذا بال وكان له صوت. وشَخَّتْ رجلُه دماً، أى سالت.
شد
الشين والدال أصلٌ واحدٌ يدلُّ على قوةٍ فى الشئِ، وفروعُه ترجِع إليه. من ذلك شَدَدْتُ العقد شَدًّا أشُدُّه. والشَّدّة: المرّة الواحدة. وهذا القياسُ فى الحرْب أيضاً، يَشُدُّ شَدًّا. قال:
يا شَدَّةً ما شددنا غيرَ كاذبةٍ … على سَخِينَةَ لولا اللّيلُ والحرَمُ (٢)
ومن الباب: الشّديد والمتشدّد: [البَخِيل (٣)]. قال اللّه سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ اَلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾. [و] قال طرَفة فى المتشدّد:
أرَى الموتَ يعتامُ الكِرامَ ويَصْطَفى … عَقيلةَ مالِ البَاخِلِ المتشدِّدِ (٤)
стр. 1248
وحُكى عن أبى زيد: أصابتنى شُدَّى، أى شِدَّة. ويقال: أشَدَّ القومُ، إذا كانت دوابُّهم شِداداً (١). وشَدُّ النّهارِ: ارتفاعه (٢). والأشُدُّ: العشرون، ويقال أربعون سنة. وبعضهم يقولون لا واحدَ لها، ويقال بل واحدها شدٌّ.
شذ
الشين والذال يدلُّ على الانفراد والمفارَقة. شَذّ الشئ يَشِذُّ شذوذاً. وشُدَّاذُ الناس: الذين يكونون فى القوم وليسوا من قبائلهم ولا مَنَازِلهم (٣) وَشَذَّانِ الحصى (٤): المتفرِّق منه. قال امرؤ القيس:
تُطَايِرُ شُذّانَ الحصى بمَناسمٍ … صلابِ العُجى ملثومُها غَيرُ أَمْعَرا (٥)
شر
الشين والراء أصلٌ واحد يدلُّ على الانتشار والتّطايُر. مِنْ ذلك الشرّ خلاف الخير. ورجلٌ شِرِّير، وهو الأصل؛ لانتشاره وكثرته. والشَّرُّ:
بسْطُك الشئَ فى الشمس. والشّرارة، والجمع الشّرَارُ. والشّرَر: ما تطاير من النّار، الواحدة شَرَرَة. قال اللّه جلّ وعلا: ﴿إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾.
ويقال: شر شَر الشئَ، إذا قطّعه. والإِشرارة: ما يُبْسَط عليه الشئ. والشِّواء الشّرْشار (٦): الذى يتقاطر دَسَمُه. والشّرشرة: أن تنفُض الشّئَ من فيك بعد عِضّك إيَّاه. وشراشر الأذناب: ذَباذِبُهَا. وأنشد:
стр. 1249
فعوين يَستعجِلْنه ولَقِينَه … يَضْرِبْنَه بشراشر الأذْنابِ (١)
فإن قال قائل: فعلى أىِّ قياسٍ من هذا الباب يُحمل الشَّراشر، وهى النَّفْس، يقال ألقى عليه شراشِرَه، إذا ألقى عليه نفسه حرصاً ومحبّة. وهو قوله:
ومِنْ غَيَّةٍ تُلقَى عليها الشَّراشرُ (٢)
فالجوابُ أنّ القياس فى ذلك صحيح، وليس يُعنَى بالشّراشر الجسمُ والبدَن، إنّما يراد به النَّفْس. وذلك عبارةٌ عن الهِمم والمَطَالب * التى فى النَّفْس. يقال ألقى عليه شراشِرَه، أى جَمَع ما انتشر من هِمَمه لهذا الشئ، وشَغَلَ همومَه كلَّها به.
فهذا قياس.
ويقال أشررتُ فلاناً، إذا نسبتَه إلى الشرّ. قال طرفة:
وما زال شُربِى الرّاحَ حتّى أشَرّنِى … صديقى وحَتَّى ساءنى بعضُ ذلِكِ (٣)
ويقال أشررت الشّئَ، إذا أبرزْتَه وأظهرتَه. قال:
وحَتَّى أُشِرّتْ بالأكفِّ المصاحفُ (٤)
وقال:
стр. 1250
إذا قِيلَ أىُّ النّاسِ شرٌّ قبيلةً … أشَرَّت كليباً بالأكفّ الأصابعُ (١)
وقال امرؤ القيس:
تجاوزتُ أحراساً عليها ومَعشراً … علىَّ حِراصاً لو يُشِرُّون مَقتَلى (٢)
شز
الشين والزاء أصلٌ واحد ضعيف. يقولون: إنّ الشَّزازة:
اليُبْس الشَّديد.
شس
الشين والسين قريب من الذى قبله. فالشَّسُّ: الأرض الصُّلبة، والجمع شِساَس وشُسوس.
باب الشين والصاد وما يثلثهما
شصب
الشين والصاد والباء أصلٌ يدلُّ على شِدّة فى عيشٍ وغيره. يقال: الشَّصائب: الشّدائد. ويقال عيشٌ شاصبٌ، أى شديد. وقد شصَب شُصوباً. ويقال أشْصَب اللّهُ عيشَه.
ومن هذا الباب، إن كان صحيحاً: شَصَبت النّاقةُ على الفَحل (٢)، وذلك إذا أكثَرَ ضرابَها فلم تَلْقَح له.
стр. 1251
وما بعد ذلك من قولهم، أنَّ الشِّصْبَ (١): النَّصِيب، وأنّ المَشْصوبَةَ (٢) المسلُوخة، فكلُّ ذلك مشكوكٌ فيه، غيرُ معوَّل عليه.
شصر
الشين والصاد والراء أصلٌ إن صحَّ يدلُّ على وصلِ شئٍ بشئ. من ذلك الشِّصاَر: خشبة تشدُّ مِنْ مَنْخِرَى الناقة. تقول: شَصَّرتها أشصِّرها تشصيراً. وقريبٌ من هذا: الشَّصْر: الخياطة ويكون فيها بعض التّباعُد وأمّا قولهم شَصَرَ بصرُ فلان، فهو من باب الإبدال، وإنّما الصاد [مبدلة] من الطاء، وقد ذَكر فى بابه.
ومما شذّ عن ذلك: الشَّصَر، يقال إنَّه الظَّبْى الشّادن. وربما سمَّوه الشَّاصِر.
وقد ذكره جرير (٣).
باب الشين والطاء وما يثلثهما
شطن
الشين والطاء والنون أصلٌ مطّرد صحيح يدلُّ على البُعد.
يقال شَطَنت الدار تَشْطُن شطوناً إذا غَرَبت. ونوًى شَطونٌ، أى بعيدة.
قال النابغة:
стр. 1252
نأتْ بسعادَ عنك نوًى شَطونُ … فبانتْ والفؤادُ بها رهينُ (١)
ويقال بئرٌ شَطون، أى بعيدة القَعر. والشَّطَن: الحَبْل. وهو القياس، لأنّه بعيدُ ما بينَ الطَّرَفين. ووصَفَ أعرابىٌّ فرساً فقال: «كأنّه شيطانٌ فى أشطان». قال الخليل: الشَّطَن: الحبل الطويل. ويقال للفرس إذا استعصى على صاحبه: إنه لَينزُو (٢) بين شَطَنين. وذلك أنّه يشده موثقا بين حَبْلين (٣)
وأمَّا الشَّيطان فقال قوم: هو من هذا الباب، والنون فيه أصليّة، فسُمِّى بذلك لبُعده عن الحقّ وتمرُّده. وذلك أنّ كلَّ عاتٍ متمرّدٍ من الجنّ والإِنس والدوابّ شيطان. قال جرير:
أيّامَ يدْعُونَنى الشيّطانَ مِنْ غَزَلى … وهنّ يَهوَيْنَنى إذْ كُنْتُ شيطانا (٤)
وعلى ذلك فُسِّرَ قولُه تعالى: ﴿طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ اَلشَّياطِينِ﴾. وقيل إنّه أراد الحيّات: وذلك أنّ الحيّةَ تسمَّى شيطانا. قال:
تُلاعِبُ مَثْنَى حَضْرمىٍّ كأنّه … تَعَمُّجُ شيطانٍ بذى خِرْوعٍ قَفْرِ (٥)
стр. 1253
ويشبه أن يكون مِنْ حُجّة من قال بهذا القول، وأنَّ النون فى الشيطان أصليةٌ قولُ أميَّة:
أَيُّما شاطنٍ عَصاَهُ عَكاهُ … ورماهُ فى القَيد والأغلالِ (١)
أفلا تراه بناه على فاعلٍ وجعل النّونَ فيه أصلية؟! فيكون الشيطان على هذا القول بوزن فَيْعال. ويقال إنّ النون * فيه زائدة، [على (٢)] فعلان، وأنَّه من شاط، وقد ذكر فى بابه.
شطأ
الشين والطاء والهمزة فيه كلمتان: إحداهما الشَّطْء شَطءُ النًّبات، وهو ما خرج مِنْ حول الأصل، والجمع أشطاء. وقد شَطَأَت الشَّجرة.
قال اللّه جلّ ثناؤه: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾. والأصل شاطئ الوادى:
جانبه. وشاطأتُ (٣) الرّجُل: مشيت على شاطئٍ ومشى هو على الشاطئ الآخر.
وهما متبايِنَتَان.
شطب
الشين والطاء والباء أصلٌ مطَّرد واحد، يدلُّ على امتدادٍ فى شئٍ رَخص، ثم يقال فى غير ذلك. فالشَّطْبة: سَعَفة النَّخل الخضراء، والجمع شَطْبٌ (٤). وفى حديث أمِّ زرع: «كمَسَلّ شَطْبة (٥)». ويقال للجارية
стр. 1254
الغَضَّة شَطْبة. وفرسٌ أيضاً شَطْبة. وعلى ذلك الذى ذكرناه من سَعَف النّخْل يُحمَل الشّطبة من شُطب السّيف؛ والشّطبة (١): طريقة فى متنه، والجمع شُطُب.
ويقال سيف مُشَطَّب. ويقال إنّ الشُّطبة أو الشِّطبة القطعة من السَّنام تُقطَع طولا، يقال شَطبت السَّنام. والشَّواطب من النساء: اللواتى يَقْدُدن الأديمَ طويلا.
والشواطب: اللاتى يشقّقن السَّعَف للحُصْر، فى قوله:
نَشْطَ الشَّواطِبِ بينهنَّ حَصيرَا (٢)
وقال آخر:
تَرَى قِصَدَ المُرَّان تُلقَى كأنَّها … تذَرُّع خرصانٍ بأيدى الشَّواطِب (٣)
والواحدة شاطبة. ويقال للفرس السَّمين الذى انبتر مَتْناه وتباينَتْ غُرورُه (٤):
هو مشطوب المَتْن والكفَل، وذلك أنَّه يكون على ظهوره كالطَّرائق، فكلُّ طريقةٍ منها كأنها شَطْبة. ويقال أرضٌ مشطّبة، إذا خَطّ فيها السّيلُ خطًّا (٥).
شطر
الشين والطاء والراء أصلان، يدلُّ أحدهما على نِصف الشئ، والآخر على البُعد والمواجهة.
فالأوَّل قولُهم شَطْر الشئ، لنِصفه. وشاطرت فلاناً الشئ، إِذا أخذتَ
стр. 1255
منه نصفه وأخذ هو النِّصف. ويقال شاةٌ شَطور، وهى التى أحَدُ طبْييها أطولُ من الآخر.
ومن هذا الباب قولهم: شَطَر بصرُه شُطورا وشَطْراً، وهو الذى ينظُر إليك وإلى آخَر. وإنّما جُعِل هذا من الباب لأنّه إذا كان كذا فقد جَعل لكلِّ واحدٍ منهما شَطرَ نظرِه. وفى قول العرب: «حلَب فلانٌ الدّهرَ أشطُرَه»، فمعناه أنّه مرّت عليه ضروبٌ من خيرِه وشرِّه. وأصله فى أخلاف الناقة: خِلْفان قادمان، وخِلفان آخِران، وكلُّ خِلفَين شَطر؛ لأنّه إِذا كانت الأخلاف أربعة فالاثنان شطر الأربعة، وهو النصف. وإذا يبس أحدُ خِلفَى الشّاة فهى شَطور، وهى من الإبل التى يَبِس خِلْفان من أخلافها؛ وذلك أنّ لها أربعةَ أخلافٍ، على ما ذكرناه.
وأما الأصل الآخر: فالشَّطير: البعيد. ويقولون: شَطَرت الدّارُ. ويقول الرّاجز:
لا تتركَنِّى فيهمُ شطيرا (١)
ومنه قولهم: شَطَرَ فلانٌ على أهله (٢)، إذا تركهم مُراغما مخالِفا. والشَّاطر:
الذى أعيا أهلَه خُبْثا. وهذا هو القياس؛ لأنّه إذا فَعل ذلك بعُد عن جَماعتِهم ومُعظَم أمرِهم.
ومن هذا الباب الشَّطْر الذى يقال فى قَصْد الشّئَ وجِهَتِه. قال اللّه تعالى فى شأن القِبْلة: ﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أى قَصْدَه.
قال الشّاعر:
стр. 1256
أقولُ لأمِّ زِنباعٍ أقيمى … صُدورِ العِيسِ شَطْرَ بنى تميم (١)
وقال آخر (٢):
وقد أظلّكُم من شَطْرِ ثَغْرِكُم … هَولٌ له ظُلَمٌ تغشاكُم قِطَعا
ولا يكون شطر ثغركم (٣) تلقاءه، إلاّ وهو بعيدٌ عنه، مبايِنٌ له. واللّه أعلم بالصواب.
باب الشين والظاء وما يثلثهما
شظف
الشين والظاء والفاء أصلٌ صحيح يدلُّ على الشّدّة فى العيشِ وغيرِه. والأصل من ذلك الشَّظيف * من الشَّجر: الذى لم يجِدْ رِيَّهُ فيبِس وصلُب، فيقال من هذا: فلانٌ هو فى شَظَف من العَيش، أى ضِيق وشِدّة. و
جاء فى الحديث: «لم يشبَعْ من خُبزٍ ولحم إلاَّ على شظف». وقال ابن الرِّقَاع:
ولقد أَصبتُ من المعيشةِ لَذَّةً … ولقيتُ من شَظَفِ الأمور شدادَها (٤)
ويقال فى هذا الباب من الشدة: بعيرٌ شَظف الخِلاط، أى يُخالِط الإبلَ مخالَطة شديدة. وشَظِف السّهمُ، إذا دخل بين الجلد واللّحم.
شظم
الشين والظاء والميم كلمة واحدة. يقال للفرس الطويل:
شَيْظَم، ثم يستعار للرّجُل.
стр. 1257
شظى
الشين والظاء والحرف المعتل أصلٌ يدلُّ على تصدُّع الشئ من مواضع كثيرة، حتى يصيرَ صُدُوعاً متفرّقة، من ذلك الشَّظِيّة من الشئ:
الفِلْقة. يقال تَشَظَّت العصا، إذا كانت فِلَقا (١). قالت فَروةُ بنتُ [أبانَ بن (٢)] عبدِ المَدَان.
يا مَنْ أحسَّ بُنَيَّىَّ اللّذِين هما … كالدُّرَّتين تَشظّى عنهما الصَّدفُ (٣)
باب الشين والعين وما يثلثهما
شعف
الشين والعين والفاء يدلُّ على أعالى الشئ ورأسه.
فالشّعَفة: رأس الجبل، والجمع شَعَفات وشَعَفٌ. وضُرب فلانٌ على شَعفات رأسه، أى أعالى رأسِه. وشَعَفةُ القلب: رأسُه عند مُعَلَّق النِّياط. ولذلك يقال شَعَفه الحُبَّ، كأنَّه غَشّى قلبَه من فَوقه. وقرأها ناس (٤): «قد شعفها حبّا»، وهو من هذا. وجاء
فى الحديث: «خيرُ النّاس رجُلٌ فى شَعَفَةٍ فى غُنَيْمةٍ».
يريد: أعلى جَبَل.
شعل
الشين والعين واللام أصلٌ صحيح يدلُّ على انتشارٍ وتفرُّق فى الشئ الواحد من جوانبه. يقال أشعلْتُ النّار فى الحطب، واشتعلت النّارُ.
واشتعل الشَّيب. قال اللّه ﵎: ﴿وَاِشْتَعَلَ اَلرَّأْسُ شَيْباً﴾. والشَّعِيلة:
стр. 1258
النار المشْتعَلة فى الذُّبال. وأشعلْنا الخيلَ فى الإغارة: بثَثْناها. والشُّعْلة من النّار، معروفة. والشَّعَل: بياضٌ فى ناصية الفَرَس وذنَبه؛ يقال فرس أشعل، والأنثى شَعْلاء.
ومن الباب: تفرَّقَ القومُ شعاليلَ، أى فِرقاً كأنَّهم اشتعلوا. وشَعْل:
لقب، ويقال اسم امرأة (١)
ومما شذَّ عن الباب المِشْعَل، وهو شئٌ من جلود، له أربعُ قوائم يُنْتَبذ فيه. قال ذو الرُّمّة:
أضَعْنَ مَوَاقِتَ الصَّلَواتِ عَمْداً … وحالَفْنَ المشاعِلَ والجِرارا (٢)
شعى
الشين والعين والحرف المعتل، أصلٌ يَدُلُّ على مِثل ما دل عليه الذى قَبْله. يقال أشعَى القومُ الغارةَ إشعاء، إذا أشْعَلوها. وغارةٌ شَعْواء:
فاشية. قال ابنُ قيس الرّقيّات:
كيفَ نَومِى على الفِراشِ ولمَّا … تَشْمَل الشّامَ غارةٌ شعواءُ (٣)
شعن
الشين والعين والنون كلمة. يقولون: هو مُشْعَانُّ الرأس، إذا كان ثائر الرأس.
شعب
الشين والعين والباء أصلان مختلفان، أحدهما يدلُّ على الافتراق، والآخر على الاجتماع. ثمَّ اختلف أهلُ اللغة فى ذلك، فقال قومٌ: هو
стр. 1259
من باب الأضداد. وقد نصَّ الخليلُ على ذلك. وقال آخرون: ليس ذلك من الأضداد، إنّما هى لغات. قال الخليل: من عجائب الكلام ووُسْع العربيَّة، أنَّ الشَّعْب يكون تفرُّقاً، ويكون اجتماعا. وقال ابن دريد (١): الشَّعب: الافتراق، والشَّعْب: الاجتماع. وليس ذلك من الأضداد، وإنّما هى لغةٌ لقوم. فالذى ذكرناه من الافتراق. وقولهم للصَّدْعِ فى الشئ شَعْب. ومنه الشًّعْب: ما تشعّبَ من قبائل العرب والعجم، والجمع شُعوب. قال جلّ ثناؤه: ﴿وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ﴾. ويقال الشَّعب: الحَىُّ (٢) العظيم. قالوا: ومَشعب الحقّ: طريقُه.
قال الكميت:
فما لِىَ إلاّ * آلَ أحمدَ شيعةٌ … وما لى إلاّ مَشعَب الحقِّ مَشْعَبُ (٣)
ويقال: انشعبت بهم الطُّرق، إذا تفرَّقَتْ، وانشعبت أغصانُ الشًّجرة.
فأمّا شُعَب الفَرَس، فيقال إِنَّه أقطارُه التى تعلُو منه، كالعنق والمَنْسِج، وما أشرف منه. قال:
أشمُّ خِنذيذٌ منيفٌ شُعَبُهْ (٤)
ويقال ظبىٌ أشعبُ، إِذا تفرَّق قرناه فتبايَنَا بينونةً شديدة. قال أبو دُؤاد:
وقُصْرَى شَنِجِ الأنسا … ءِ نَبّاحٍ من الشُّعْبِ (٥)
стр. 1260
والشِّعب: ما انفرَجَ بين الجبلَين. وشَعوبُ: المنِيّة؛ لأنًّها تَشعَب، أى تفرِّق.
ويقال شعبَتْهم المنيّة فانشعبوا، أى فرّقتْهم فافترقوا. والشَّعِيب: السِّقاء البالى، وإِنًّما سمِّى شَعِيباً لأنًّه يَشْعَب الماءِ الذى فيه، أى لا يحفظُه بل يُسيله. قال:
ما بالُ عَيْنِى كالشَّعيب العَيَّن (١)
قال ابن دريد (٢): «وسمِّى شعبانُ لتشعُّبِهم فيه، وهو تفرُّقُهم فى طلب المياه». و
فى الحديث: «ما هذه الفُتْيا التى شعَّبت الناس؟». أى فرّقتهم.
وأما الباب الآخر فقولهم شَعَبَ الصّدْعَ، إذا لاءمَه. وشَعَبَ العُسَّ وما أشبهه. ويقال للمِثْقب المِشْعب. وقد يجوز أَنْ يكون الشَّعْب الذى فى باب القبائل سمِّى للاجتماع والائتلاف. ويقولون: تفرَّق شَعْب بنى فلان. وهذا يدلُّ على الاجتماع. قال الطّرِمَّاح:
شَتَّ شعبُ الحَىِّ بعدَ التئامْ (٣)
ومن هذا الباب وإن لم يكن مشتقا شَعَبْعَب، وهو موضعٌ. قال:
هل أَجْعلنَّ يدِى للخَدّ مِرْفَقةً … على شَعَبْعَبَ بين الحوض والعَطَنِ (٤)
وشُعَبَى (٥): موضع أيضا.
شعث
الشين والعين والثاء أَصل يدل على انتشارٍ فى الشَّئ.
يقولون: لم اللّه شَعَثَكم، وجَمَع شَعَثَكم، أى ما تفرَّق من أمركم. والشَّعَث شَعَثُ رأس السِّواكِ والوتِد. ويسمُّون الوتِدَ أشعثَ لذلك.
стр. 1261
شعذ
الشين والعين والذال ليس بشئ قال الخليل: الشَّعْوَذة ليست من كلام أهل البادية، وهى خِفّة فى اليدين، وأُخْذةٌ كالسِّحر.
شعر
الشين والعين والراء أصلان معروفان، يدلُّ أحدهما على ثَباتٍ.
والآخَرُ على عِلْمٍ وعَلَم.
فالأوّل الشَّعْرَ، معروف، والجمع أشعار، وهو جمع جمعٍ، والواحدة شَعْرَة.
ورجلٌ أشعَرُ: طويل شَعْرَ الرّأس والجسد. والشَّعار: الشَّجر، يقال أرض كثيرة الشَّعار. ويقال لِمَا استدار بالحافر من مُنتهى الجلد حيثُ ينبت الشَّعر حوالَىِ الحافر: أشْعَرٌ، والجمع الأشاعر. والشَّعراء من الفاكهة: جنسٌ من الخَوْخِ، وسمى بذلك لشئٍ يعلوها كالزَّغَب. والدليل على ذلك أنّ ثَمَّ جنساً ليس عليه زغَب يسمُّونه: القَرْعاء. والشَّعْراء: ذبابةٌ كأنَّ على يديها زَغَبا.
ومن الباب: داهيةٌ شَعْراء، وداهيةٌ وَبْرَاء. قال ابن دريد: ومن كلامهم إذا تكلّمَ الإنسانُ بما استُعْظِم (١): «جئت بها شَعراءَ ذاتَ وبَر». وروضةٌ شَعْراء: كثيرة النَّبْت. ورملةٌ شَعْرَاء: تُنبِت النَّصِىَّ وما أشبهه. والشَّعراء:
الشَّجَر الكثير.
ومما يقرب من هذا الشَّعير، وهو معروف. فأمَّا الشَّعيرة: الحديدة التى تُجعَل مِساَكاً لنصل السّكِّين إذا رُكّب، فإِنّما هو مشبَّه بحبّة الشّعير. والشَّعارير:
صِغار القِثَّاء. والشِّعار: ما وَلِىَ الجسدَ من الثِّياب؛ لأنّه يَمُسُّ الشِّعر الذى على البشَرة.
стр. 1262
والباب الآخر: الشِّعار: الذى يتنادَى به القومُ فى الحرب ليَعرِف بعضُهم بعضاً. والأصلُ قولهم شَعَرتُ بالشّئ، إذا علمتَه وفطِنْتَ له. ولَيْتَ شِعْرِى، أى ليتنى علِمْتُ. قال قومٌ: أصله من الشّعْرة (١) كالدُّرْبة والفِطنة، يقال شَعَرَت شَعْرة. قالوا: وسمِّى الشّاعر لأنه يفطِن لما لا يفطن له غيرُه. قالوا: والدليل على ذلك قولُ عنترة:
هل غَادَرَ الشّعراء من مُتَرَدَّمِ … أم هل عَرَفْتَ الدَّارَ بَعد توهُّم (٢)
يقول: إنّ الشّعراءَ لم يغادِرُوا شيئاً إلاّ فطِنُوا له. ومَشاَعِرُ الحجّ: مواضع المَناسك، سمِّيت بذلك لأنّها مَعالم الحجّ. والشعيِرة: واحدة الشّعائر، وهى أعلامُ الحجّ وأعمالُه. قال اللّه ﷻ : ﴿إِنَّ اَلصَّفا وَاَلْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اَللّهِ﴾. ويقال الشعيرة أيضاً: البَدَنَة تُهدَى. ويقال إشعارها أنْ يُجَزَّ أصل سَنامها حتَّى يسيلَ الدّمُ فيُعلَم أنّها هَدْى. ولذلك يقولون للخليفة إن قُتِل: قد أُشعِر، يُختَصّ بهذا من دون كلِّ قتيل. والشِّعْرى: كوكبٌ، وهى مُشتهِرة. ويقال أشْعَرَ فلانٌ فلاناً شرًّا، إذا غَشِيه به.
وأشعَرَه الحبُّ مرَضاً، فهذا يصلُح أن يكون من هذا الباب إذا جعل ذلك عليه كالعَلَم، ويصلح أن يكون من الأوّل، كأنّه جُعِل له شِعاراً.
فأمّا قولهم: تفرّق القومُ شعاريرَ، فهو عندنا من باب الإبدال، والأصل شَعاليل، وقد مضى.
стр. 1263
باب الشين والغين وما يثلثهما
شغف
الشين والغين والفاء كلمةٌ واحدة، وهى الشَّغَاف، وهو غِلاف القلب. قال اللّه تعالى: ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾، أى أوصَلَ الحبَّ إِلى شَغاف قلبها.
شغل
الشين والغين واللام أصلٌ واحدٌ يدلُّ على خلاف الفَراغ.
تقول: شَغَلتُ فلاناً فأنا شاغِلُه، وهو مشغول. وشُغِلْت عنك بكذا، على لفظّ ما لم يسمَّ فاعلُه. قالوا: ولا يقال أُشغِلْت. ويقال شُغْل شاغلٌ. وجمع الشُّغْل أشغال.
وقد جاء عنهم: اشتُغِلَ فلانٌ بالشئ (١)، وهو مشتَغَل. وأنشد:
حَيَّتك ثُمَّت قالت إنّ نَفْرَتَنا … اليومَ كلَّهم يا عُرْوَ مشتَغَلُ (٢)
وحكى ناسٌ: أشْغَلَنى بالألف.
شغم
الشين والغين والميم أصلٌ قليلُ الفروع صحيح، يدلُّ على حُسن. يقال الشُّغْموم: الحَسن. والشُّغموم: المرأة الحَسْناء. والشُّغموم من الإبل:
الحسن المنظرِ التامُّ.
شغن
الشين والغين والنون ليس بشئ، وليس لما ذكره ابنُ دريدٍ:
أنّ الشغْنة الكارَةُ (٣)، أصلٌ ولا معنًى.
стр. 1264
شغو
الشين والغين والحرف المعتل أصلٌ صحيح يدلُّ على عَيب فى الخِلْقة لبعض الأعضاء. قالوا: الشغُوُّ، من قولك رجلٌ أشغى وامرأة شَغْواء، وذلك إذا كانت أسنانه العُليا تتقدم السُّفْلَى. وقال الخليل: الشَّغا: اختلاف الأسنان، ومنه يقال للعُقاب شَغْواء، وذلك لفَضْل منقارها الأعلى على الأسفل. وزعم ناسٌ أنّ الشَّغاَ الزيادةُ على عدد الأسنان.
شغب
الشين والغين والباء أصلٌ صحيح يدل على تهييج الشر، لا يكون فى خير. قال الخليل: الشَّغْبَ: تهييج الشرّ، يقال للأتان إذا وَحِمَتْ (١) واستعصَتْ على الجَأْب: إنّها لذات شَغْب وضِغْن. قال أبو عبيد: يقال شَغَبْت على القوم وشغَبْتُهم وشغَبْتُ بهم.
شغر
الشين والغين والراء أصلٌ واحد يدلُّ عَلَى انتشارٍ وخلوٍّ من ضبط، ثم يُحمَل عليه ما يقاربُه. تقول العرب: اشتَغَرت (٢) الإبلُ، إذا كثرت حتى لا تكاد تُضبَط. ويقولون: تفرَّقوا شَغَرَ بَغَر، إذا تفرَّقوا فى كلِّ وجه.
وكان أبو زيد يقول: لا يقال ذلك إلاّ فى الإقبال.
ومن الباب: شَغَرَ الكلبُ، إذا رفَعَ إحدى رجليه ليبول. وهذه بلدةٌ شاغرةٌ برجلها، إذا لم تمتَنِعْ من أحدٍ أن يُغِير عليها.
والشِّغَار الذى جاء فى الحديث، المنهىُّ عنه: أنْ يقول الرجل للرجل زوِّجنى أختَك على أن أزوِّجك أُختى، لا مهر بينهما إلا ذلك. وهذا من الباب لأنّه أمرٌ
стр. 1265
لم يُضْبَط بمهرٍ ولا شرطٍ صحيح. وهو من شَغَر الكلبُ، إذا صار فى ناحيةٍ من المَحَجَّة بعيداً عنها.
واشتغَرَ على فلانٍ حسابُه، إذا لم يهتد له. واشتغَرَ فلان فى الفلاة، إذا دوّم فيها وأبْعَد. وحكى الشيبانىّ: شَغَرْتُ بنى فلانٍ من موضع كذا، أى أخرجتُهم.
قال:
ونحن شَغَرْنا ابنى نزار كليهما … وكلباً بوَقْعٍ مُرهبٍ متقاربِ (١)
واللّه أعلم.
باب الشين والفاء وما يثلثهما
شفق
الشين والفاء والقاف أصلٌ واحد، يدلُّ على رِقَّةٍ فى الشئ، ثم يشتقُّ منه. فمن ذلك قولهم: أشفقت من الأمر، إذا رَقَقْت وحاذَرت.
وربَّما قالوا: شَفِقت: وقال أكثر أهل اللغة: لا يقال إلا أشفقت وأنا مُشْفِق.
فأمَّا قول القائل:
كما شَفِقَتْ على الزّادِ العِيالُ (٢)
فمعناه بَخِلَت به.
ومن الباب الشَّفَق من الثياب، قال الخليل: الشَّفَق: الردئ من الأشياء.