ومن الباب المِعْرَار، من التَّخْل (١). قال أبو حاتم: المعرار: المِحْشاف.
ويقال: بل المِعْرَار التى يُصيِبُها [مثل العَرّ، وهو (٢)] الجرب.
ومن الباب العَرِير، وهو الغريب. وإنما سُمِّىَ عَرِيراً على القياس التى ذكرناه لأنّه كأنَّه عُرَّ بهؤلاء الذين قَدِمَ عليهم، أى أُلصِق بهم. وهو يرجع إلى باب المعترّ.
ومن ذلك
حديث حاطب: حين قِيل له: لِمَ كاتبتَ أهل مَكّة؟ فقال:
«كنتُ عريراً فيهم». أى غريباً لا ظَهْرَ لى.
ومن الباب المَعَرَّة فى السَّماء، وهى ما وراء المَجَرّة من ناحية القطب الشَّمالىّ.
سُمِّى مَعرَّةً لكثرة النُّجوم فيه. قال: وأصل المَعَرَّة موضعُ العَرّ، يعنى الجَرَب.
والعرب تسمِّى السّماءَ الجَرباء، لكثرة نجومها. و
سأل رجلٌ رجلاً عن منزله فأخبره أنّه ينزِل بين حَيَّين عظيمين من العرب، فقال: «نَزَلْتَ بَينَ المَجَرَّة والمَعرَّة».
والأصل الثّانى: الصَّوت. فالعِرَار: عِرارُ الظَّليم، وهو صوتُه. قال لبيد:
تحمَّلَ أهلُها إلا عراراً … وعَزْفاً بعد أحياءٍ حِلالِ (٣)
قال ابن الأعرابىّ: عارّ الظليم يُعارُّ. ولا يقال عَرَّ. قال أبو عمرو: العِرار:
صوت الذّكر إذا أرادَ الأُنْثَى. والزِّمار: صوت الأُنْثى إذا أرادت الذّكَر.
وأنشد:
стр. 1577
متى ما تشأ تسمع عِراراً بقَفْرةٍ … يجيب زِماراً كاليَرَاع المُثَقَّبِ (١)
قال الخليل: تعارَّ الرّجُل يتعارُّ، إذا استيقظ من نومه. قال: وأحسب عِرارَ الظَّليم من هذا. و
فى حديث سَلْمان: «أنّه كان إذا تعارّ من اللَّيل سَبّح».
ومن الباب: عَرْعَارِ (٢)، وهى لُعْبةٌ للصِّبْيان، يَخْرُج الصَّبىُّ فإذا لم يجِدْ صِبياناً رفع صوتَه فيخرجُ إليه الصِّبيان. قال الكميت:
حيث لا تنبِض القِسىُّ ولا تَلْ … قَى بعَرعارٍ وِلدةٍ مذعُورا
وقال النابغة:
متكنِّفَىْ جنْبَىْ عكاظَ كلَيْهما … يدعو وليدُهم بها عرعارِ (٣)
يريد أنّهم آمنون، وصِبيانُهم يلعبون هذه اللُّعبة. ويُريد الكميتُ أنّ هذا الثّورَ لا يسمع إنباضَ القِسىِّ ولا أصواتَ الصِّبيان ولا يَذْعَره صوت. يقال عَرعَرة وعرعارِ، كما قالوا قرقرةٌ وقرقارِ، وإنّما هى حكاية صبِية العرب.
والأصل الثالث الدالُّ على سموّ وارتفاع. قال الخليل: عُرعُرة كلِّ شئ:
أعلاه. قال الفرّاء: العُرْعُرة: المَعرَفَة (٤) من كلِّ دابة. والعُرعُرة: طَرَف السَّنام.
قال أبو زيد: عُرعُرة السَّنام: عَصَبةٌ تلى الغَراضِيف.
ومن الباب: جَمل عُراعِرٌ، أى سَمين. قال النابغة:
стр. 1578
له بفناء البيت جَوْفاء جَونةٌ … تلقَّم أوصالَ الجَزورِ العُراعِر (١)
ويتَّسعون فى هذا حتى يسمُّوا الرّجلَ الشَّريف عُراعِر. قال مُهَلهل (٢):
خَلَعَ الملوكَ وسار تحت لوائِه … شَجرُ العُرَى وعُراعِر الأقوامِ
ومن الباب: حمارٌ أعَرُّ، إذا كان السِّمن فى صدره وعنقه. ومنه العَرارَة وهى السُّودد. قال:
إنّ العَرارَة والنُّبوحَ لدارمٍ … والمستخفُّ أخوهم الأثقالا (٣)
قال ابنُ الأعرابىّ: العَرَارة العِزّ، يقال هو فى عَرارة خير (٤)، وتزَوَّج فلانٌ فى عَرارةٍ نساء، إذا تزوَّج فى نساءٍ يلِدْن الذُّكور. فأمّا العَررُ الذى ذكره الخليل فى صِغَر السَّنام فليس مخالفاً لما قلناه؛ لأنَّه يرجِع إلى الباب الأوّل من لُصوق الشَّئ بالشئ، كأنَّه من صِغَرِه لاصِقٌ بالظَّهر. يقال جملٌ أعرُّ وناقة عَرَّاء، إذا لم يَضخُم سَنامُها وإن كانت سمينة؛ وهى بيِّنَة العَرَر وجمعها عُرُّ. قال:
أبدأْنَ كُوماً ورَجَعْنَ عُرَّا
ويقولون: نعجةٌ عرّاء، إذا لم تسمن ألْيتُها؛ وهو القياس، لأنَّ ذلك كالشئ الذى كأنَّه قد عُرَّ بها، أى أُلصِق.
стр. 1579
والأصل الرابع، وهو معالجةُ الشَّئ. تقول: عَرعَرتُ اللَّحمَ عن العظم، وشرشرتُه، بمعنًى. قالوا: والعَرْعَرة المعالجة للشَّئ (١) بعَجَلة، إذا كان الشّئ يعسُر علاجُه. تقول: عرعرت رأسَ القارورة، إذا عالجتَه لتُخرِجَه. ويقال إنَّ رجلاً من العرب ذَبَح كَبْشاً ودعا قومَه فقال لامرأته: إنِّى دعوتُ هؤلاء فعالجِى هذا الكبشَ وأسْرِعى الفراغَ منه، ثمَّ انطلَقَ ودعا بالقوم، فقال لها:
ما صنعتِ؟ فقالت: قد فرغت منه كلِّه إلاَّ الكاهلَ فأنا أعَرْعِرُه ويُعرعِرُنى.
قال: تزوَّديه إلى أهلك. فطلَّقها. وقال ذو الرّمَّة:
وخضراءَ فى وكرينِ عَرعرتُ رأسَها … لأُبْلِى إذا فارقت فى صُحبتى عُذْرَا (٢)
فأمَّا العَرْعَر فشَجر. وقد قُلْنا إنَّ ذلك [غير] محمول على القياس، وكذلك أسماء الأماكن نحو عُراعِر، [ومَعَرِّ] ين (٣)، وغيرِ ذلك.
عز
العين والزاء أصلٌ صحيح واحد، يدلُّ على شدّةٍ وقوَّةٍ وما ضاهاهما، من غلبةٍ وقهر. قال الخليل: «العِزَّة للّه جلّ ثناؤُه، وهو من العزيز. ويقال: عَزّ الشّئ حتى يكاد لا يوجد». وهذا وإنْ كان صحيحاً فهو بلفظ آخر أحسن، فيقال: هذا الذى لا يكاد يُقدَر عليه. ويقال عزّ الرَّجُل بعد * ضعفٍ وأعزَزْتُه أنا: جعلتُه عزيزاً. واعتزَّ بِى وتعزَّزَ. قال: ويقال عَزَّه
стр. 1580
على أمرٍ يَعُزُّه، إذا غلبَه على أمره. وفى المثل: «مَنْ عَزّ بَزّ»، أى من غَلَب سَلَب. ويقولون: «إذا عَزَّ أخوك فَهُن»، أى إذا عاسَرَك فياسِرْه. والمُعازَّة:
المغالَبة. تقول: عازَّنى فلان عِزازاً ومُعَازّة فعزَزْتُه: أى غالبَنى فغلبتُه. وقال الشّاعر يصف الشَّيب والشباب:
ولما رأيت النَّسرَ عزَّ ابنَ دأيةٍ … وعشَّش فى وكريْه جاشت له نَفْسِى (١)
قال الفرّاء: يقال عَزَزت عليه فأنا أَعِزّ عِزَّا وعَزَازةً، وأعززْتُه: قوَّيتُه، وعزّزْتُه أيضاً. قال اللّه تعالى: ﴿فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾. قال الخليل: تقول:
أُعززْتُ بما أصاب فلاناً، أى عظُم عَلَىَّ واشتدّ.
ومن الباب: ناقةٌ عَزُوزٌ، إذا كانت ضيِّقة الإحليل لا تَدِرُّ إلاّ بجَهْد يقال: قد تعزَّزَتْ عَزَازة. وفى المثل: «إنّما هو عَنْزٌ عَزوَزٌ لها درٌّ جمٌّ»، يضرب للبخيل الموسِر. قال: ويُقال عَزَّتِ الشَّاة تعُزُّ عُزوزاً، وعَزُزَتْ أيضاً عُزُزاً فهى عَزُوز، والجمع عُزُزٌ. ويقال استُعِزَّ على المريض، إذا اشتدَّ مرضُه. قال الأصمعىّ: رجلٌ مِعزازٌ، إذا كان شديدَ المرض؛ واستَعَزَّ به المرضُ. و
فى الحديث: «أنَّ النبى ﵊ لمَّا قدِمَ المدينةَ نَزَلَ على كُلثوم بن الهِدْم (٢) وهو شاكٍ، فأقامَ عنده ثلاثاً، ثم استُعِزَّ بكُلثومٍ - أى مات - فانتقل [إلى سعد
стр. 1581
ابن خيْثمة (١)]». ورجُلٌ معزوزٌ، أى اجتِيح مالُه وأُخذ. ويقال استَعَزَّ عليه الشَّيطانُ، أى غَلَبَ عليه وعلى عَقْله. واستعَزَّ عليه الأمر، إذا لجَّ فيه. قال الخليل:
العَزَازةُ: أرضٌ صلبة ليست بذاتِ حجارة، لا يعلوها الماء. قال:
من الصَّفا العاسِى ويَدْعَسْنَ الغَدَرْ … عَزَازَهُ ويَهْتَمِرْن ما انْهَمَر (٢)
ويقال العَزاز: نحوٌ من الجَهَاد، أرض غليظةٌ لا تكاد تُنبِت وإن مُطِرت، وهى فى الاستواء. قال أبو حاتم: ثمَّ اشتقَّ العَزَازُ من الأرض من قولهم: تعزَّزَ لحمُ النّاقة، إذا صَلُب واشتدّ.
قال الزُّهرىّ: كنت أختلِفُ إلى عُبيد اللّه بن عَبد اللّه بن عتبة، أكتُبُ عنه، فكنتُ أقوم له إذا دخل أوْ خرج، وأُسوِّى عليه ثيابَه إذا ركِب، ثمَّ ظننت أنِّي قد استفرغتُ ما عنده، فخرج يوماً فلم أقُمْ إليه، فقال لى: «إنَّك بعدُ فى العَزَاز فقُمْ». أراد: إنك فى أوائلِ العلم والأطرافِ، ولم تبلَغ الأوساط.
قال أبو حاتم: وذلك أنَّ العَزازَ تكون فى أطراف الأرض وجوانبها، فإذا توسَّطتَ (٣) صِرت فى السُّهولة.
قال أبو زيد: أعزَزْنا: صِرنا فى العَزَاز. قال الفَرَّاء، أرض عَزَّاء للصُّلبة، مثل العَزازِ. ويقال استعَزَّ الرَّمْل وغيرُه، إذا تماسَكَ فلم ينهلْ. وقال رؤبة:
стр. 1582
باتَ إلى أرطاةِ حقْفٍ أَحْقَفَا … متَّخِذاً منها إياداً هَدَفا
إذا رأى استعزازَه تعفَّفا (١)
ومن الباب: العَزَّاء: السّنَة الشديدة. قال:
ويَعْبطُ الكُومَ فى العَزّاءِ إن طُرِقا (٢)
والعِزُّ من المطر: الكثير الشّديد؛ وأرض معزوزة، إذا أصابها ذلك. أبو عمرو:
عَزَّ المطر عزَازَةً (٣). قال ابنُ الأعرابىّ: يقال أصابنا عِزٌّ من المطر، إذا كان شديدا. قال: ولا يُقال فى السَّيل. قال الخليل: عَزَّزَ المطرُ الأرض: لبّدها، تعزيزاً. ويقال إنَّ العَزازَة دُفْعةٌ تَدفَع فى الوادى قِيدَ رُمح (٤). قال ابن السِّكِّيت:
مطر عِزٌّ، أى شديد. قال: ويقال هذا سيلٌ عِزٌّ، وهو السَّيل الغالب.
ومن الباب: العُزَيزاء من الفرس: ما بين عُكْوَتِه وجاعرته. قال ثعلبة الأسدىّ:
أُمِرَّتْ عُزَيزَاهُ ونِيطت كُرُومُهُ … إلى كَفَلٍ رابٍ وصُلْب مُوَثّقِ (٥)
الكُروم: جمع كَرْمة، وهى رأس الفخِذ المستديرُ كأنَّه جُونة. والعُزيزاء ممدود، ولعلَّ الشَّاعر قَصَرها للشِّعر، والدَّليل على أنّها ممدودة قولُهم فى التثنية
стр. 1583
عُزيزاوان. ويقال هما طرَفا الورِك. والعُزَّى: تأنيث الأعَزّ، والجمع عُزَزٌ. ويقال العُزَّانُ: جمع عزيز، والذُّلاَّنُ: جمع ذليل. يقال أتاك العُزَّانُ. ويقولون: «أعزُّ من بَيض الأنوق»، و «أعزُّ من الأبلق العقوق»، و «أعزُّ من الغراب الأعصم» و «أعزُّ من * مُخَّة البَعوض». وقال الفرّاء: يقال عَزَّ علىَّ كذا، أى اشتدّ.
ويقولون: أتحبّنى؟ فيقول: لعَزَّما، أى لشَدَّ ما.
عس
العين والسين أصلانِ متقاربان: أحدهما الدنوُّ من الشّئ وطلبُه، والثانى خِفَّةٌ فى الشئ.
فالأوّل العَسُّ باللَّيل، كأنّ فيه بعضَ الطَّلَب. قال الخليل: العَسُّ: نَفْض اللَّيل عن أهل الرِّيبة. يقال عَسَّ يَعُسُّ عَسًّا. وبه سمِّى العَسَس الذى يطوف للسُّلطان باللَّيل. والعَسَّاس: الذِّئب، وذلك أنَّه يَعُسّ باللّيل. ويقال عَسعَسَ اللّيل، إذا أقبل. وعسعست السَّحابةُ، إذا دنت من الأرض ليلاً. ولا يقال ذلك إلاَّ ليلاً فى ظُلمة. قال الشَّاعر يصف سحابا:
عسعَسَ حتَّى لو نشاء إذْ دنا … كان لنا من نارِه مقتبسُ (١)
ويقال تَعَسْعَسَ الذّئب، إذا دنا من الشَّئ يشَمُّه. وأنشد:
كمُنْخُر الذّئبِ إذا تَعَسْعسا (٢)
قال الفرّاء: جاء فلانٌ بالمال من عَسِّهِ وبَسِّه. قال: وذلك أنَّه يعُسُّه، أى
стр. 1584
يطلبه. وقد يقال بالكسر. ويعتسُّه: يطلبه أيضاً. قال الأخطل:
وهل كانت الصَّمعاءُ إلاّ تعلّةً … لمن كان يعتسُّ النِّساء الزَّوانيا (١)
وأمَّا الأصل الآخَر فيقال إنَّ العَسّ خفّة فى الطعام. يقال عَسَسْتُ أصحابى، إذا أطعمتَهم طعاماً خفيفا. قال: عَسَسْتُهم: قَريتهم أدنَى قِرًى. قال أبو عمرو:
ناقةٌ ما تَدُرّ إلاَّ عِساساً، أى كَرْها. وإذا كانت كذا كان دَرُّها خفيفاً قليلا.
وإذا كانت كذا فهى عَسوس. قال الخليل: العَسُوس: التى تَضرِب برجلَيها وتصبُّ اللبنَ. يقولون: فيها عَسَسٌ وعِسَاسٌ. وقال بعضهم: العَسُوس من الإبل: التى تَرأم ولدَها وتدُرّ عليه ما نَأَى عنها النَّاس، فإن دُنِىَ منها (٢) أو مُسَّت جذبت دَرَّها.
قال يونس: اشتق العَسُّ من هذا، كأنَّه الاتِّقاء باللَّيل. قال: وكذلك اعتساس الذِّئب. وفى المثل: «كلب عَسّ، خير من أسدٍ اندسَّ (٣)».
وقال الخليل أيضاً: العَسُوس التى بها بقيَّةٌ من لبنٍ ليس بكثير.
فأمّا قولهم عسعَسَ اللَّيلُ، إذا أدبَرَ، فخارج عن هذين الأصلين. والمعنى فى ذلك أنَّه مقلوب من سَعْسَع، إذا مضى. وقد ذكرناه. فهذا من باب سعّ.
وقال الشَّاعر فى تقديم العين:
стр. 1585
نجَوْتُ بأفراسٍ عِتاقٍ وفِتيةٍ … مَغَاليس فى أدبار ليلٍ مُعَسْعِسِ (١)
ومما شذَّ عن البابين: عَسْعَس، وهو مكان. قال امرؤ القيس:
ألم ترم الدار الكثيب بِعَسْعَسَا … كأنِّى أنادِى أو أكلم أخْرَسا (٢)
عش
العين والشين أصلٌ واحد صحيح، يدلُّ على قِلّةٍ ودِقَّة، ثم يرجع إليه فروعُه بقياسٍ صحيح.
قال الخليل: العشُّ: الدقيقُ عظام اليدين والرَّجلين (٣)، وامرأة عَشَّة. قال:
لعمْرُك ما ليلَى بورهاءَ عِنْفِصٍ … ولا عَشَّةٍ خلخالُها يتقعقَعُ (٤)
وقال العجّاج:
أُمِرَّ مِنها قَصَبًا خَدَلَّجا … لا قَفِرًا عَشَّا ولا مُهَبَّجَا (٥)
ويقال ناقة عَشَّةٌ: سقفاء القَوائم، فيها انحناء، بيِّنة العَشَاشةِ والعُشُوشَة.
ويقال: فلانٌ فى خِلقته عَشاشَة، أى قِلّة لحمٍ وعِوَجُ عِظام. ويقال تَعشَّش النَّخْل،
стр. 1586
إذا يَبِس، وهو بيِّنُ التّعشُّش والتّعشيش. ويقال شجرةٌ (١) عَشَّةٌ، أى قليلةُ الورق. وأرض عشَّة: قليلة [الشَّجر (٢)].
قال الشّيبانىّ: العَشُّ من الدّوابّ والناس: القليل اللَّحم، ومن الشَّجر:
ما كان على أصلٍ واحد وكان فرعُه قليلا وإن كانَ أخضر.
قال الخليل: العَشَّة: شَجرةٌ دقيقة القُضْبان، متفرِّقة الأغصان، والجمع عَشَّات.
قال جرير:
فما شَجراتُ عِيصِكَ فى قريشٍ … بعَشَّات الفُروع ولا ضَواحِ (٣)
ويقال عَشّ الرجلُ القومَ، إذا أعطاهم شيئاً نَزْراً. وعَطِيَّةٌ مَعشوشةٌ، أى قليلة. قال:
حارثُ ما سَجْلُكَ بالمعشُوشِ … ولا جَدَا وبِلكَ بالطَّشيشِ (٤)
وقال آخَر يصفُ القطا:
يُسقَينَ لا عَشَّا ولا مُصَرَّدَا (٥)
أى لا مقلَّلاً.
قال ابنُ الأعرابىّ: قالت امرأةٌ من كِنانة: «فَقَدْناك فاعتَششْنا لك»، أى دخلَتْنا من ذلك ذِلّة وقلّة.
стр. 1587
ومن هذا القياس العُشّ للغُراب على الشَّجرة * وكذلك لغيرهِ من الطَّير، والجمع عِشَشة. يقال اعتَشَّ الطَّائرُ يعتشُّ اعتشاشاً. قال:
بحيث يَعْتَشُّ الغرابُ البائضُ (١)
إنّمَا نَعتَه بالبائض وهو ذكَرٌ لأنَّ له شِرْكةً فى البيض، على قياسِ والد.
قال أبو عمرو: وعَشَّش (٢) الطَّائر: اتَّخذ عُشَّا. وأنشد:
وفى الأَشاء النّابتِ الأصاغِرِ … مُعَشَّشُ الدُّخَّلِ والتَّمامِرِ (٣)
قال ابو عبيد: تقول العرب: «ليس هذا بعُشِّكِ فادرُجِي»، يُضرَب مثلاً لمن ينزِل منزلا لا يصلحُ لمثله. وإنما قلْنا إنَّ هذا من قياس الباب لأنَّ العُشّ لا يكاد يعتشُّه الطَّائر إلاّ من دقيق القّضبانِ والأغصان. وقال ابن الأعرابىّ:
الاعتشاش: أن يمتارَ القوم مِيرَةٍ ليست بالكثيرة.
ومن الباب ما حكاه الخليل: عَشَّش الخُبْز، إذا كَرَّج. وقال غيرُه: عَشّ فهو عاشٌّ، إذا تغيَّر ويَبِس. وعَشَّش الكلأ: يبِس. ويقال عشَّشت الأرض:
يبِست.
ومما شذَّ عن هذا الأصل قولُهم: أعششتُ القَومَ، إذا نزلتَ بهم على كرهٍ حتَّى يتحوَّلوا من أجلك. وأنشد:
стр. 1588
ولو تُرِكَتْ نامت ولكن أَعَشَّها … أذًى من قِلَاصٍ كالحَنِىِّ المُعطَّفِ (١)
ومن الأماكن التى لا تنقاس: أعشاشٌ، موضعٌ بالبادية، فيه يقول الفرزدق:
عَزَفْتَ بأعشاشٍ وما كِدْتَ تَعزِفُ … وأنكرتَ من حَدْرَاء ما كنتَ تعرفُ (٢)
وزعم ناسٌ عن اللّيث قال: سمعت راويةَ الفرزدق ينشد: «بإعشاش» وقال: الإعشاش: الكِبَر. يقول: عَزَفتَ بكِبَرِك عمّن تحبّ، أى صَرفتَ نفسَك عنه.
عص
العين والصاد أصلٌ يدلُّ على شدّة وصلابةٍ فى شئ.
قال ابن دريد (٣): «عَصَّ الشئ يَعَصُّ، إذا صلُب واشتدّ». وهذا صحيح.
ومنه اشتُقّ العُصعُص، وهو أصل الذّنَب، وهو العَجْب، وجمعه عَصاعِص.
قال ذو الرُّمّة:
تُوَصَّلُ منها بامرِئ القيس نسبةٌ … كما نِيط فى طُول العَسيبِ العَصاعصُ (٤)
стр. 1589
قال: ويسمَّى العُصعوصَ أيضاً. قال الكسائىّ: العُصُص: لغة فى العُصْعُص.
قال مَرّارٌ العُقَيلىّ:
فأَتى مَلَثَ الظلام على … لَقَمِ الطَّرِيق وضَفَّتَىْ قَصَصِه
ذئب به وَحْشٌ ليمنَعه … مِنْ زادنا مُقعٍ على عُصُصِه
ويقال له العُصْعُوص أيضاً، كما يقال للبرقُع بُرقوع. قال:
ما لَقِيَ البيضُ من الحُرْقوص … يدخل بين العَجْب والعُصعُوصِ (١)
ومن الباب العُصْعُص (٢): الرَّجُل الملزَّز الخَلْق، كالمُكتَّل.
عض
العين والضاد أصلٌ واحدٌ صحيح، وهو الإمساك على الشئ بالأسنان. ثمّ يقاس منه كلُّ ما أشبَهَه، حتى يسمَّى الشئ الشَّديد والصُّلب والدَّاهى بذلك.
فالأوّل العَضّ بالأسنان يقال: عَضِضتُ أَعَضُّ عَضًّا وعضيضاً، فأنا عاضٌّ.
وكلبٌ عَضوض، وفرس عَضوض. وبرئْت إليك من العِضاض. وأكثر ما يجئ العيوبُ فى الدوابِّ على الفِعال، نحو الخِراط والنِّفار، ثم يُحمَل على ذلك فيقال:
عَضِضتُ الرّجلَ، إذا تناولْتَه، بما لا ينبغى. قال النَّضْر: يقال: ليس لنا عَضَاضٌ (٣) أى ما يُعَضّ، كما يقال مَضَاغٌ لما يُمضَغ.
ابن الأعرابىّ: ما ذُقْتُ عَضاضاً، أى شيئاً يؤكل. قال أهل اللُّغَة: يقال هذا زمن عَضُوضٌ، أى شديد كِلب. قال:
стр. 1590
إليك أشكو زمناً عَضوضَا … مَنْ يَنْجُ منه ينقلب حَرِيضا
ويقولون: ركيَّةٌ عضوض، إذا بعُد قعرُها وشَقّ على السّاقى الاستسقاءُ منها. قال:
أبِيت على الماء العَضُوض كأننى … رَقُوبٌ، وما ذُو سَبْعَةٍ برقُوبِ
وقوس عضوض: لازق وترُها بكبدها. قال الخليل: العِضّ: الرّجل السيِّئ الخلُق المنكَر. قال:
ولم أكُ عِضَّا فى الندامَى مُلَوَّما (١)
ويقال: العِضّ: الدّاهية. يقال: هو عِضٌّ ما يُفْلِت منه شئ؛ وهو الشحيح، الذى يقع بيده شئٌ فيَعضُّ عليه. وإنَّه لَعِضُّ شَرٍّ، أى صاحبه. قال أبو زيد:
فلان عِضُّ سَفَرٍ وعِضُّ مالٍ، إذا كان قويَّا عليه مجرِّباً له. وقد عَضَّ بماله يَعَضّ به عُضُوضاً (٢). قال الفرَّاء: رأيتُ رجلاً عِضًّا، أى مارداً، وامرأةً عِضَّةً أيضاً. وهذا عِضُّ هذا، أى حِتْنُه وقِرْنُه (٣). ويقال إنَّ العِضَّ (٤): الدَّاهِى من الرِّجال. ويُنشَد فيه:
أحاديثَ من عادٍ وجُرْهُمَ جَمَّةً … يثوِّرها العِضَّانِ زيدٌ ودَغْفلُ (٥)
стр. 1591
ومما شذَّ عن هذا الأصل إن كان صحيحاً، يقولون: العُضَّاض: عِرنين الأنف. وينشِدون:
وألجَمه فأسَ الهوانِ فَلَاكَهُ … وأغضَى على عُضَّاضِ أنفٍ مصلَّمِ (١)
فأمّا ما جاء على هذا من ذكر النَّبات فقد قلنا فيه ما كَفَى، إلاّ أنّهم يقولون: إنّ العُضَّ، مضموم: علَفُ أهلِ القرى والأمصار، وهو النّوى والقَتُّ ونحوُهما. قال الأعشى:
مِنْ سَرَاةِ الهِجان صَلَّبَها العُ … ضُّ ورَعْىُ الحِمَى وطُولُ الحِيالِ (٢)
وقال الشَّيبانىّ: العُضّ (٣): العَلف. ويقال بل العُضُّ الطَّلح والسَّمُر والسَّلَم، وهى العِضاهُ. قال الفرَّاء: أعضَّ القومُ فهُمْ مُعِضُّون، إذا رعَوا العضاهَ. وأنشد:
أقول وأهلى مُؤْرِكُونَ وأهلُها … مُعِضُّون إنْ سارَتْ فكيف أسيرُ (٤)
وإنما جاز ذلك لمَّا كان العِضَاهُ من الشَّجَر لا العُشْب صارت الإبل مادامت مقيمةً فهى بمنزلة المعلوفة فى أهلها النَّوَى وشِبهَه. وذلك أنَّ العُضّ علَف الرِّيف من النّوى والقَتّ. قال: ولا يجوز أن يقال من العِضَاهِ مُعِضُّ إلاّ على هذا التأويل.
والأصل فى المُعِضّ أنَّه الذى تأكل إبله العُضَّ. وقال بعضهم: العِضُّ، بكسر العين، العِضَاهُ. ويقال بعيرٌ غاضٍ، إذا كان يُعلفَه أو يُرعاه (٥). قال:
стр. 1592
واللّه ما أدرى وإن أوعدتَنِى … ومشيْتَ بين طَيالسٍ وبياضِ
أبَعيرُ عُضٍّ وارمٌ ألغادُهُ … شثنُ المَشافر أم بعيرٌ غاضِ (١)
قال أبو عمرو: العُضّ: الشّعير والحنطة. ومعنى البيت أنَّ العُضَّ عَلَف الأمصار، والغضَى علَف البادية. يقول: فلا أدرى أعَرَبىُّ (٢) أم هجين.
ومما يعود إلى الباب الأول العَضُوض من النِّساء: التى لا يكاد ينفُذ فيها عُضو الرّجُل. ويقال: إنَّه لعِضاض عيشٍ، أى صبور على الشّدّة. ويقال ما فى هذا الأمر مَعَضٌّ، أى مُستمسَك.
وقال الأصمعىّ: يقال فى المثل: «إنَّك كالعاطف على العاضّ». وأصل ذلك أنَّ ابن مَخَاضٍ أتى أمَّه يريد أن يرضَعها؛ فأوجع ضَرعها فعضَّتْه، فلم يَنْهَهُ ذلك أنْ عاد. يقال ذلك للرجل يُمنَع فيعود.
عط
العين والطاء أُصَيْلٌ يدلُّ على صوتٍ من الأصوات. من ذلك العَطْعطة. قال الخليل: هى حكايةُ صوت المُجّانِ إذا قالوا: عِيطَ عِيط.
وقال الدّريدىّ (٣): «العطعطة: حكاية الأصوات إذا تتابعت فى الحرب».
ومن الباب قول أبى عمرو: إنّ العَطاط: الشُّجاع الجسيم، ويوصَف به الأسد.
وهذا أيضاً من الأوّل، كأنّ زئيرَه مشبَّه بالعطعطة. قال المتنخِّل (٤):
стр. 1593
وذلك يقتل الفِتْيانَ شَفْعاً … ويسلُبُ حُلَّةَ اللَّيثِ العَطاط
ومن الباب أيضاً: العَطُّ: شَقُّ الثّوب عَرضاً أو طولاً من غير بَينونة. يقال جذبت ثوبَه فانعَطّ، وعططته أنا: شقَقْته. قال المتنخِّل (١):
بِضربٍ فى القوانس ذى فُرُوغٍ … وطعنٍ مثلِ تعطيطِ الرِّهاطِ
وقال أبو النجم:
كأنّ تحتَ دِرْعِها المنعَطِّ … شَطَّا رميتَ فوقَه بشطِّ (٢)
والأصل فى هذا أيضاً من الصَّوت، لأنّه إذا عطّه فهناك أدنَى صوت.
عظ
العين والظاء ذكر فيه عن الخليل شئٌ لعله أن يكونَ مشكوكاً فيه. فإن صحَّ فلعله أنْ يكون من باب الإبدال، وذلك قوله: إنّ العَظَّ الشِّدَّة فى الحرب؛ يقال عَطَّتْه الحرب، مثل عَضَّتْه (٣): فكأنّه من عضّ الحرب إياه.
فإن كان إبدالاً فهو صحيح، وإلاّ فلَا وجهَ له. وربما أنشدوا:
بصير فى الكَريهة والعِظاظِ (٤)
ومما لعلّه أن يكون صحيحاً قولُهم إنَّ العَظعَظة: التواء السَّهم إذا لم يَقْصِد للرّمِيَّة وارتعَشَ فى مُضِيِّه. [عَظعَظ] يُعَظعِظ، عظعظةً وعِظعاظاً (٥)، وكذلك
стр. 1594
عظعظ الدّابّة فى المِشْية، إذا حَرّك ذَنَبه ومشى فى ضِيقٍ من نَفَسِه: والرّجُل الجبانُ يُعظعِظُ عن مُقاتِلِه، إذا نكَص عنه ورجَع وحادَ. قال العجّاج:
وعَظعظَ الجبانُ والزِّينىُّ (١)
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم: «لا تَعِظِينى * وتعظْعظِى (٢)».
باب العين والفاء وما يثلثهما
عفق
العين والفاء والقاف أصل صحيح، يدلُّ على مجئ وذَهاب، وربما يدلُّ على صوت من الأصوات. قال الخليل: عفَق الرّجُل يَعْفِق عَفْقاً، إذا ركب رأسَه فمضَى. تقول: لا يزال يعفِق العفقةَ ثم يرجع، أى يغيب الغَيبة.
والإبل تَعفِق عَفْقاً وعُفُوقاً، إذا أُرْسِلَتْ فى مراعيها فمرّت على وجوهها. وربما عفَقَتْ عن المرعى إلى الماء، ترجع إليه بين كلِّ يومين. وكلُّ واردٍ وصادرٍ عافقٌ؛ وكلُّ راجع مختلفٍ عافِق. وقال ابنُ الأعرابىّ فى قوله:
حتَّى تَرَدَّى أربعٌ فى المنعَفَقْ (٣)
стр. 1595
قال: أراد فى المُنصَرَف عن الماء (١). قال: ويقال: عفَق بنو فلانٍ [بنى فلانٍ]، أى رجَعوا إليهم. وأنشد:
عَفْقاً ومن يرعى الحُمُوضَ يعْفِقِ (٢)
والمعنى أنّ من يرعى الحموض تَعطَشُ ماشيتُه سريعاً فلا يجدُ بُدَّا من أن يَعْفِق، أى يرجعَ بسُرعة.
ومن الباب: عفَقَه عن حاجته، أى ردَّه وصَرَفه عنها. ومنه التعفُّق، وهو التصرُّف والأخْذ فى كلِّ وجهٍ مشياً لا يستقيم، كالحيّة.
قال أبو عمرو: العَفْق: سرعة رَجع أيدى الإبل وأرجلِها. قال:
يَعْفِقْنَ بالأرجل عَفْقاً صُلْبا
قال أبو عمرو: وهو يعفِّق الغنم، أى يردُّها عن وجوهها. ورجلٌ مِعفاق الزِّيارة لا يزال يجئ ويذهب. ويذكر عن بعض العرب أنّه قال: «انتلى فيها تأويلات (٣) ثم أعْفِق»، أى أقضى بقايا من حوائجى ثم أنصرف.
قال ابن الأعرابى: تَعَفَّقَ بالشئ، إذا رجع إليه مرّةً بعد أخرى. وأنشد:
تَعفَّقَ بالأرظَى لها وأرادَها … رجالٌ فبذَّتْ نبلَها وكليبُ (٤)
стр. 1596
ومن الباب: قولهم للحَلَب عِفاق (١). وتلخيصُ هذا الكلام أنْ يحلبَها كلَّ ساعة. يقال عَفَقْتَ ناقتَك يومَك أجمعَ فى الحَلَب. وقال ذو الخِرَق:
عليك الشاءَ شاءَ بنى تميمٍ … فعافِقْهُ فإنّك ذُو عِفاقِ (٢)
ومن الباب: عفَقت الرِّيحُ التُّرابَ، إذا ضربَتْه وفَرّقته. قال سُويد:
وإن تك نارٌ فهى نار بملتقىً … من الرِّيح تَمْرِيها وتَعفِقها عَفْقا
وأمّا الذى ذكرناه من الصَّوت فيقولون: عَفَق بها، إذا أنبقَ بها وحَصَم (٣).
ومما يقرُب من هذا الباب العَفْق ضربٌ بالعصا، والضِّرابُ (٤)، وكأنَّ ذلك تَصْوِيت (٥).
عفك
العين والفاء والكاف أصل صحيح، وهو لا يدلُّ إلاّ على صفةٍ مكروهة. قال الخليل: الأعْفَك: الأحمق. قال:
صاحِ ألم تعجَبْ لذاك الضَّيْطَرِ … الأعْفَكِ الأخرَقِ ثمّ الأعسَرِ (٦)
стр. 1597
الضيطر: الأحمق الفاحش، والأعفك أيضا والأخرق: الذى لا خيرَ فيه ولا يُحسِن عَملاً، وهو المخلَّع من الرِّجال.
قال ابن دريد (١). «بنو تميم يسمُّون الأعسَر الأعفَك».
عفل
العين والفاء واللام كلمة تدلُّ على زيادةٍ فى خلقة. قال الخليل: العَفَل يخرج فى حياء النّاقة كالأُدرة، وهى عَفْلاء. ويقال: العَفْل شحمُ خُصْبَى الكَبْش. قال بشر:
وارمُ العَفْل مُعْبَرُ (٢)
قال الكسائىّ: العَفْل: الموضع الذى يَجَسُّ (٣) من الشاة إذا أرادوا أن يعرفوا سِمَنها.
عفن
العين والفاء والنون كلمة تدلُّ على فسادٍ فى شئٍ، من نَدَى.
وهو عَفِن الشَّئُ يعفَن عَفَناً.
عفو
العين والفاء والحرف المعتلّ أصلان يدلُّ أحدهما على تركِ الشئ، والآخر على طَلَبِه. ثم يرجع إليه فروعٌ كثيرة لا تتفاوَتُ فى المعنى.
فالأوّل: العَفْو: عَفْو اللّه تعالى عن خَلْقه، وذلك تركُه إيّاهم فلا يعاقبُهم، فَضْلاً منه. قال الخليل: وكلُّ مَنْ استحقَّ عُقوبةً فتركْتَه فقد عفوتَ عنه. يقال
стр. 1598
عفا عنه يعفُو عَفْوا. وهذا الذى قاله الخليل صحيح، وقد يكون أن يعفُوَ الإنسان عن الشَّئ بمعنى الترك، ولا يكون ذلك عن استحقاق. ألا ترى
أنّ النبىّ ﵇ قال: «عفوت عنكم عن صَدَقة الخيل». فليس العفو هاهنا عن استحقاق، ويكون معناه تركت أن أُوجِب عليكم الصّدقةَ فى الخيل.
ومن الباب العافية: دِفاع اللّه تعالى عن العبد، تقول عافاه اللّهُ تعالى من مكروهةٍ، وهو يعافيه معافاةً. وأعفاه اللّه بمعنى عافاه *. والاستعفاء: أن تطلب إلى مَنْ يكلِّفك أمراً أن يُعفِيَك منه. قال الشَّيبانى: عفاَ ظهرُ البعير، إذا تُرِك لا يُركَب وأعفيتُه أنا.
ومن الباب: العِفاوة: شئ يُرفَع من الطعام يُتحَف به الإنسان. وإنَّما هو من العَفْو وهو الترك، وذلك أنّه تُرِك فلم يُؤكَل. فأمّا قول الكميت:
وظَلّ غُلامُ الحىِّ طيّانَ ساغباً … وكاعبُهم ذاتُ العِفاوةِ أسْغَبُ (١)
فقال قوم: كانت تعطى عفو المال فصارت تسغب لشدّة الزمان. وهذا بعيد، وإنّما ذلك من العِفاوة. يقول: كان يُرْفَعُ لها الطّعامُ تُتحَف به، فاشتدَّ الزّمانُ عليهم فلم يَفْعلوا ذلك.
وأمّا العَافى من المرق فالذى يردُّه المستعير للقِدر. وسمِّى عاقباً لأنّه يُترك فلم يؤكل. قال:
إذا رَدّ عافِى القدر مَنْ يستعيرها (٢)
стр. 1599
ومن هذا الباب: العَفْو: المكان الذى لم يُوطأ. قال:
قبيلةٌ كشِراك النَّعل دارجةٌ … إنْ يَهبِطوا العَفْوَ لا يوجدْ لهم أثرُ (١)
أى إنّهم من قلتهم لا يُؤثِّرون فى الأرض.
وتقول: هذه أرضٌ عَفْو: ليس فيها أثر فلم تُرعَ وطعامٌ عَفْو: لم يَمَسَّه قبلّك أحد، وهو الأُنُف.
فأمَّا قولُهم عفا: درس، فهو من هذا؛ وذلك أنّه شئ يُترَك فلا يُتعهَّد ولا يُنزَل، فيَخفى على مرور الأيّام. قال لبيد:
عَفَتِ الدِّيار محلُّها فمُقامها … بمِنًى تأبَّد غَوْلُها فِرجامُها (٢)
ألا تراه قال «تأبَّد»، فأعْلَمَ أنَّه أتى عليه أبَدٌ. ويجوز أن يكون تأبَّد، أى الِفَتْه الأوابد، وهى الوحش.
فهذا معنى العفو، وإليه يرجع كلُّ ما أشبهه.
وقول القائل: عفا: درس، وعفا: كثُر - وهو من الأضداد - ليس بشئ، إنّما المعنى ما ذكرناه، فإذا تُرِك ولم يُتعهَّد حتّى خَفِيَ على مَرّ الدهر فقد عفا، وإذا تُرِك فلم يُقطَع ولم يُجَزَّ فقد عفا (٣). والأصل فيه كلِّه التَّرك كما ذكرناه.
ومن هذا الباب قولهُم: عليه العَفاء، فقال قومٌ هو التُّراب؛ يقال ذلك فى الشَّتيمة. فإن كان صحيحاً فهو التُّراب المتروك الذى لم يُؤثَّر فيه ولم يُوطَأ؛ لأنّه إذا
стр. 1600
وُطِئ ولم يُترَك من المَشْى عليه تكدَّدَ فلم يكُ تراباً. وإن كان العَفاء الدّروسَ فهو على المعنى الذى فسَّرناه. قال زُهير:
تحمّل أهلُها عنها فبانُوا … على آثارِ مَنْ ذَهَب العَفاءُ (١)
يقال عفَت الدار فهو تعفو عَفاءً، والرِّيح تعفو الدّار عَفاءً وعَفْوا. وتعفَّت الدّارُ تَعَفياً (٢).
قال ابنُ الأعرابىّ: العفو فى الدَّار: أن يكثُر التُّرابُ عليها حتّى يغطِّيَها. والاسم العَفاء، والعَفو.
ومن الباب العِفو والعُفو (٣)، والجمع العِفاء، وهى الحُمُر الفِتاء (٤)، والأنثى عفوة والجمع عِفَوَة. وإنّما سمِّيت بذلك لأنَّها تُترك لا تُركَب ولا يُحمل عليها. فأمّا العِفَوَة فى هذا الجمع فلا يُعلَم فى كلام العرب واوٌ متحرِّكة بعد حرفٍ متحرّك فى آخر البناء غير هذه، وذلك أنَّهم كرهوا أن يقولوا عِفَاةٌ.
قال الفراء: العِفْوُ والعُفْو، والعِفْي والعُفْى: ولد الحمار، والأنثى عِفوة، والجمع عِفاء. قال:
بضربٍ يُزيل الهامَ عن سَكِناتِه … وطعنٍ كتَشهاق العَفِاَ هَمَّ بالنَّهْقِ (٥)
ومن الباب العِفاء: ما كثُر من الوَبَر والرِّيش، يُقال ناقة ذات عِفاء، أى كثيرة الوَبَر طويلتُه قد كاد يَنْسِل. وسمِّى عِفاءً لأنّه تُرك من المَرْط
стр. 1601
والجَزّ. وعِفاء النّعامة: الريش الذى علا الزِّفّ الصِّغار. وكذلك عِفاء الطَّير، الواحدةُ عِفاءة ممدود مهمور. قال: ولا يُقال للريشة عِفاءة حتى يكون فيها كثافةٌ.
وقولُ الطرِمّاح:
فيا صُبحُ كَمِّشْ غُبَّرَ اللَّيلِ صُعِدا … بِبَمِّ ونبّه ذا العِفاء الموشَّحِ (١)
إذا صاح لم يُخْذَل وجاوَبَ صوتَه … حِماشُ الشَّوى يَصدحنَ من كلِّ مَصدَحِ
فذو العِفاء: الرِّيش. يصف ديكاً. يقول: لم يُخذل، أى إنّ الدّيوكَ تجيبه من كلِّ ناحية.
وقال فى وَبَر الناقة:
أُجُد موثّقة كأنّ عِفاءَها … سِقطانِ من كنَفَىْ ظليمٍ نافرِ (٢)
وقال الخليل: العِفاء: السَّحاب كالخَمْل فى وجهه. وهذا صحيح وهو تشبيه، * إنما شبّه بما ذكرناه من الوبَر والريش الكثيفَين. وقال أهل اللغة كلُّهم: يقال من الشّعر عَفَوْته وعَفيْته، مثل قلوته وقليته، وعفا فهو عافٍ، وذلك إذا تركتَه حتى يكثُر ويَطُول. قال اللّه تعالى: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾، أى نَمَوْا وكثُرُوا. وهذا يدلُّ على ما قلناه، أنّ أصل الباب فى هذا الوجه التّرك.
стр. 1602
قال الخليل: عفا الماءُ، أى لم يطأْه شئ يكدِّره. وهو عَفْوَة الماء (١). وعَفَا المَرعى ممن يحُلُّ به عَفَاءً طويلا.
قال أبو زيد: عَفْوَة الشّرَاب: خيره وأوفره. وهو فى ذلك كأنّه تُرك فلم يُتَنَقَّص ولم يُتَخَوَّنْ.
والأصل الآخر الذى معناه الطَّلَب قول الخليل: إنّ العُفاةَ طُلاّب المعروف، وهم المعتَفُون أيضاً. يقال: اعتفيتُ فلاناً، إذا طلبتَ معروفه وفَضْله. فإنْ كان المعروف هو العَفو فالأصلان يرجعان إلى معنًى، وهو الترك، وذلك أنّ العَفو هو الذى يُسمح به ولا يُحْتَجَن ولا يُمسَك عليه.
قال أبو عمرو: أعطيته المال عَفْواً، أى عن غير مسألة.
الأصمعىّ: اعتفاه وعَفَاهُ بمعنًى واحد، يقال للعُفاة العُفَّى.
لا يَجدِبوننى … إذا هَرَّ دونَ اللحم والفَرث جازِرُهْ (٢)
قال الخليل: العافية طُلاّب الرزق اسمٌ جامع لها. و
فى الحديث: «مَنْ أحيا أرضاً ميْتَةً فهى له، وما أكَلَتِ العافِيَةُ [منها (٣)] فهى له صَدَقةٌ».
قال ابنُ الأعرابىّ: يقال ما أكثَرَ عافيةَ هذا الماء، أى واردتَه من أنواعٍ شتّى. وقال أيضاً: إبل عافية، إذا وردَت على كلأٍ قد وطئه النّاس، فإذا رعَتْه لم ترضَ به فرفعت رَؤُسَها عنه وطلبت غيرَه.
стр. 1603
وقال النَّضر: استعفت الإبل هذا اليَبِيسَ بمشافرها، إذا أخذَتْه من فوق التُّراب.
عفت
العين والفاء والتاء كلمة تدلُّ على كسر شئ، يقولون: عَفَتَ العظمَ: كسَرَه. ثم يقولون العَفت فى الكلام: كَسْرُه لُكنةً، ككلامِ الحبشىّ (١).
عفج
العين والفاء والجيم كلمتان: إحداهما عُضو من الأعضاء والآخر ضَرْبٌ.
فالأولى الأعفاج: الأمعاء، ويقولون: إنّ واحدها عِفج وعَفْج (٢).
وأمّا الأخرى فيقال عَفَج، إذا ضَرَب. ويقال للخشبة التى يَضرب بها الغاسلُ الثِّياب: مِعفاج. وسائر ما يقال فى هذا الباب مما لا أصل له.
عفر
العين والفاء والراء أصلٌ صحيح، وله معانٍ. فالأول لون من الألوان، والثانى نبت، والثالث شدّة وقُوّة، والرابع زَمان، والخامس شئٌ من خَلْق الحيوان.
فالأول: العُفرة فى الألوان، وهو أن يَضرِب إلى غُبْرَة فى حمرة؛ ولذلك سمّى التراب العَفَر. يقال: عفَّرت الشئ فى التُّراب تعفيرا. واعتَفَر الشّئ: سقَط فى العَفَر.
قال الشاعر (٣) يصف ذوائب المرأة، وأنّها إذا أرسلتها سقطَتْ على الأرض.
стр. 1604
تهلك المِدْراةُ فى أكنافِه … وإذا ما أرسَلتْه يَعْتفِرْ (١)
قال ابن دريد (٢): العَفْر ظاهر تراب الأرض، بفتح الفاء، وتسكينها. قال:
«والفتح اللُّغة العالية».
ويقال للظّبى أعفَرُ للونِه. قال:
يقول لىَ الأنباط إذْ أنا ساقطٌ … به لا بظبىٍ فى الصَّريمة أعفرا (٣)
قال: وإنما ينسب إلى اسم التُّراب. وكذلك الرَّمْل الأعفر. قال: واليَعْفُور الخِشْف، سمِّى بذلك لكثرة لُزوقه بالأرض. قال ابن دريد (٤): «العَفِير لحمٌ يجفَّف على الرَّمل فى الشمس».
ومن الباب: شربت سَويقاً عَفِيراً، وذلك إذا لم يُلَتَّ بزَيت ولا سَمن.
فأمَّا الذى قاله ابن الأعرابىّ، من قولهم: «وقعوا فى عافور شرّ» مثل عاثور، فممكن أن يكون من العَفَر، وهو التُّراب، وممكن أن يكون الفاء مبدلة من ثاء. وقد قال ابنُ الأعرابىّ: إنّ ذلك مشتقُّ من عَفّرَه، أى صرعه ومرَّغه فى التراب.
وأنشد:
جاءت بشرٍّ مَجْنَبٍ عافورِ (٥)
стр. 1605
فأمّا ما رواه أبو عبيدة أنّ العَفْر: بذر الناس الحبوب، فيقولون عَفَروا أى بذروا، فيجوز أن يكون من هذا؛ لأنّ ذلك يلقى فى التُّراب.
قال الأصمعىّ: و
رُوِى فى حديث عن هلالِ بن أميّة: «ما قَرِبْت امرأتى منذ عَفّرنا».
ثم يحمل على هذا العَفَار، وهو إبَار النَّخل وتلقيحه. وقد قيل فى عَفار النخل غيرُ هذا، وقد ذُكِر فى موضعه.
وقال ابن الأعرابىّ: العُفْر: الليالى البِيض. ويقال لليلةِ ثلاثَ عشرةَ من * الشَّهر عَفْراء، وهى التى يقال لها ليلة السَّوَاء. ويقال إنّ العُفْر: الغنمُ البِيض الجُرد؛ يقال قوم مُعْفِرُون ومضيئون. قال: وهذيل مُعْفِرَة، وليس فى العرب قبيلة مُعْفِرَة غيرها.
ويقولون: ما على عَفَر الأرض مثلُه، أى على وجهها.
ومن الباب
أنّ رسول اللّه ﵌، كان إذا سَلم جافَى عَضُديه عن جَنْبيه حتَّى يُرَى من خلفه عُفْرةُ إبطَيْه.
وأمّا الأصل الثانى فالعَفار، وهو شجرٌ كثير النّار تُتَّخذ منه الزِّناد، الواحدة عَفارة. ومن أمثالهم: «اقدَحْ بعَفارٍ أو مَرْخ، واشدُد إن شئت أو أرْخ».
قال الأعشى:
زِنادُك خيرُ زِناد الملو … كِ خالَطَ منهنّ مرْخٌ عَفارا (١)
ولعلَّ المرأة سمِّيت «عَفَارة» بذلك. قال الأعشى:
стр. 1606
بانَت لتَحزُنَنا عَفارَهْ … يا جارتَا ما أنتِ جارهْ (١)
وكذلك «عُفيرة (٢)». وقال بعضهم: العُفُر: جمع العَفار من الشَّجر الذى ذكرناه. وأنشدوا:
قد كان فى هاشمٍ فى بيت محضِهِم … وارى الزِّناد إذا ما أصْلَد العُفُر
ويقولون: «فى كلِّ شجرٍ نار، واستَمْجَد المَرْخُ والعَفار»، أى إنَّهما أخذا من النّار ما أحْسَبَهُما (٣).
والأصل الثالث: الشِّدّة والقوّة. قال الخليل: رجل عِفْرٌ بيِّنُ العَفارة، يوصَف بالشَّيطنة، ويقال: شَيطانٌ عِفْرِيَة وعفريت، وهم العفاريَةُ والعفاريت. ويقال إنّه الكَيِّس الظَّريف. وإن شئتَ فعِفْرٌ وأعفارٌ، وهو المتمرّد. وإنَّما أُخِذ من الشّدّة والبَسالة. يقال للأسد عِفِرٌّ وعَفرْنَى. ويقال للخبيث عِفِرِّينُ، وهم العِفِرُّون.
وأسَد عَفَرنَى ولبؤة عَفَرناة، أى شديدة. قال:
بذاتِ لَوْثٍ عَفْرناةٍ إذا عَثَرت … فالتَّعسُ أدنَى لها من أن أقول لَعا (٤)
ويسمُّون دويْبَّة من الدّوابّ «ليث عِفِرّين»، وهذا يقولون إنّ الأصل فيه البابُ الأوّل؛ لأنَّ مأوَى هذه الدويْبَّة التُّراب فى السهل، تدوِّر دارةً ثم تندسُّ فى جوفها، فإذا هيجَ رمَى بالتُّراب صُعُدا.
стр. 1607
قال الخليل: ويسمُّون الرّجُل الكاملَ من أبناء الخمسين: ليث عِفِرّين.
يقولون: «ابنُ العَشْر لعّابٌ بالقُلِين (١)، وابنُ العِشرين باغى نِسِين (٢)، وابن ثلاثين أسعى السَّاعين، وابن الأربعين أبطش الباطشين، وابن الخمسين ليثُ عِفِرِّين، وابن ستِّين مؤنس الجلِيسِين، وابن السبعين أحكم الحاكمين، وابن الثَّمانين أسرع الحاسبين؛ وابن التسعين واحدُ الأرذَلِين، وابن المائة لا جاء ولا ساء (٣)»، يقول: لا رجلٌ ولا امرأة.
قال أبو عُبيد: العِفريَة النفريَة: الخبيث المنكر. وهو مِثل العِفْر، يقال رجل عِفْرٌ، وامرأة عِفرة.
و
فى الحديث: «إنَّ اللّه تعالى يُبغِض العِفريَة النِّفرِية، الذى لم بُرْزَأ فى ماله وجسمه». قال: وهو المصحَّح الذى لا يكاد يَمرَض.
وزعم بعضُهم أن العَفَرفَر (٤) مثل العَفَرنَى من الأُسود، وهو الذى يَصرع قِرنَه ويَعفِر. فإذا كان صحيحاً فقد عاد هذا البابُ إلى الباب الأوّل. وأنشد:
إذا مشَى فى الحَلَق المُخَصَّرِ … وبَيْضَةٍ واسعةٍ ومِغفرِ
يَهُوس هَوسَ الأسدِ العَفَرفرِ
ويقال إنَّ عَفَار: اسم رجل، وإنَّه مشتق من هذا، وكان يُنسب إليه النِّصال. قال:
стр. 1608
نصلٌ عَفارِىٍّ شديدٍ عَيرُه (١) … لم يبق مِ النِّصال عادٍ غَيرُه (٢)
ويقال للعِفِرّ عُفارِية أيضاً. قال جرير:
قَرنْتُ الظّالمِينَ بمرمريسٍ … يذلُّ له العُفارِيَة المَريدُ (٣)
والأصل الرَّابع من الزَّمان قولُهم: لقيته عن عُفْر: أى بعد شهرٍ. ويقال بلرّجُل إذا كان له شرف قديم: ما شرفُك عن عُفْر، أى هو قديم غير حديث.
قال كُثَيِّر:
ولم يك عن عُفْرٍ تفرُّعُك العُلَى … ولكنْ مواريثُ الجدودِ تَؤُولُها
أى تُصلِحها وترُبُّها وتَسُوسها.
ويقال فى عَفار النخل: إنَّ النّخلَ كان يُترَك بعد التَّلقيح أربعين يوماً لا يُسقَى.
قالوا: ومن هذا الباب التّعفير، وهو أن تُرضع المُطْفِلُ ولدَها ساعةً وتتركه ساعة. قال لَبيد:
لِمُعَفَّر قَهْدٍ * تنازَعَ شِلْوَهُ … غُبْرٌ كواسِبُ لا يُمنُّ طعامها (٤)
وحُكى عن الفَرّاء أنّ العَفِير من النِّساء هى التى لا تُهدى لأحدٍ شيئاً. قال:
وهو مأخوذٌ من التّعفير الذى ذكرناه. وهذا الذى قاله الفرّاء بعيدٌ من الذى
стр. 1609
شبّه به، ولعلَّ العفير هى التى كانت هدِيّتها تدوم وتَتَّصل، ثم صارت تهدى فى الوقت. وهذا على القياس صحيح. ومما يدلُّ على هذا البيتُ الذى ذكر الفرّاء للكميت:
وإذا الخُرَّد اغبَرَرْن من المحْ … لِ وصارت مِهداؤُهن عَفِيرا (١)
فالمِهداء التى مِنْ شأنها الإهداء، ثم عادت عَفيراً لا تُديم الهديَّة والإهداء.
وأمّا الخامس فيقولون: إنَّ العِفرِيَة والعِفْراة واحدة، وهى شَعَر وسط الرّأس. وأنشد:
قد صَعَّد الدّهرُ إلى عِفراتِه … فاحتصَّها بشفرتَىْ مِبراتِه (٢)
وهى لغة فى العِفريَة، كناصِيَة وناصاة. وقد يقولون على التشبية لعرف الديك: عِفريَة. قال:
كعِفريَة الغَيورِ من الدَّجاجِ
أى من الدِّيَكة. قال أبو زيد: شعر القفا من الإنسان العِفرِيَة.
عفز
العين والفاء والزاء ليس بشئ، ولا يُشبِه كلامَ العرب.
على أنهم يقولون: العَفْز: ملاعَبة الرّجلِ امرأتَه، وإنّ العَفْز: الجَوز. وهذا لا معنى لذكره.
عفس
العين والفاء والسين أصل صحيح يدلُّ على ممارسَة ومعالَجة. يقولون: هو يعافس الشَّئ، إذا عالَجَه. واعتفَسَ القومُ: اصطرعوا.
стр. 1610
وعُفِسَ، إذا سُجِن. وهذا على معنى الاستعارة، كأنَّه لما حُبِس كان كالمصروع.
والمعفوس: المبتَذَل. والعَفْس: سَوق الإبل. والمعنى فى ذلك كلِّه متقارب.
عفص
العين والفاء والصاد أُصَيل يدلُّ على التواء أوْلَىٍّ. يقال:
عَفَص يدَه: لَوَاها. ويقولون: العَفَص: التواءِ فى الأنف.
عفط
العين والفاء والطاء أُصَيْل صحيح يدلُّ على صُوَيت، ثم يحمل عليه. يقولون: العَفْطَة: نَثْرة الضائنة بأنفها. يقال: «ما له عافطة ولا نافطة».
ويقال إنّ العافطة الأمَة، والنافطة الشّاة. ثم يقولون للألْكَن العِفطِىّ (١).
ويقولون: عَفَط بغنمه، إذا دعاها. واللّه أعلم بالصواب.
باب العين والقاف وما يثلثهما فى الثلاثى
عقل
العين والقاف واللام أصلٌ واحد منقاس مطرد، يدلُّ عُظْمُه على حُبْسة فى الشَّئ أو ما يقارب الحُبْسة. من ذلك العَقْل، وهو الحابس عن ذَميم القَول والفِعل.
قال الخليل: العَقل: نقيض الجهل. يقال عَقَل يعقِل عَقْلا، إذا عرَفَ ما كان يجهله قبل، أو انزجَر عمّا كان يفعلُه. وجمعه عقول. ورجل عاقلٌ وقوم عُقَلاء وعاقلون. ورجل عَقُول، إذا كان حسَنَ الفَهم وافر العَقل. وما له مَعقولٌ، أى عقل؛ خَرج مَخرجَ المجلود للجَلادة، والمَيْسور لليُسْر. قال:
стр. 1611
فقد أفادت لهم عقلاً وموعِظةً … لمن يكون له إرْبٌ ومعقولُ (١)
ويقال فى المثل: «رُبَّ أبْلَهَ عَقول». ويقولون: «عَلِمَ قتيلا وعَدِم معقولا». ويقولون: فلانٌ عَقُولٌ (٢) للحديث، لا يفلت الحديثَ سَمْعُه. ومن الباب المَعقِل والعَقْل، وهو الحِصن، وجمعه عُقول. قال أحيحَة:
وقد أعددت للحِدْثان صَعْباً … لو أنّ المرءَ تنفعُه العقُول
يريد الحصون.
ومن الباب العَقْل، وهى الدِّيَة. يقال: عَقَلْتُ القتيلَ أعْقِله عقلا، إذا أدّيتَ ديتَه. قال:
إنِّى وقتلى سُلَيكاً ثمَّ أعْقِلَه … كالثّور يُضرَب لمّا عافت البقرُ (٣)
الأصمعىّ: عقلت القتيلَ: أعطيتُ دِيتَه. وعقَلت عن فلانٍ، إذا غَرِمْتَ جنايتَه. قال: وكلَّمت أبا يوسف القاضىَ فى ذلك بحضرة الرشيد، فلم يفرِق بين عَقَلته وعقَلت عنه، حتَّى فَهَّمْته.
والعاقلة: القوم تُقَسَّم عليهم الديّة فى أموالهم إذا كان قتيلُ خطأ. وهم بنو عمِّ القاتل الأدنَون وإخوتُه. قال الأصمعىّ: صار دم فلان مَعْقُلة على قومه، أى صاروا يَدُونه.
стр. 1612
ويقول بعض العلماء: إن المرأة تُعاقِل الرّجُلَ إلى ثلث ديتها *. يعنون أنّ مُوضِحتَها وموضحتَهُ سواء (١)، فإذا بلغ العَقلُ ما يزيد على ثُلث الدية صارت ديةُ المرأة على نصف دِيَة الرّجل.
وبنو فلانٍ على معاقلهم التى كانوا عليها فى الجاهلية، يعنى مراتبَهم فى الدِّيات، الواحدة مَعْقُلة. قالوا أيضاً: وسمِّيت الديّة عَقْلاً لأنّ الإبل التى كانت تُؤخَذ فى الدِّيات كانت تُجمَع فتُعقَل بفناء المقتول، فسمِّيت الدّيةُ عقلاً وإن كانت دراهمَ ودنانير. وقيل سمِّيت عقلاً لأنَّها تُمْسِك الدّم.
قال الخليل: إذا أخذ المصَدِّق صدقةَ الإبل تامّةً لسنة قيل: أخذ عقالاً، وعقالين لسنتين. ولم يأخذ نقدا، أى لم يأخذ ثمنا، ولكنه أخَذَ الصَّدقةَ على ما فيها. وأنشد:
سعى عقالاً فلم يترُكْ لنا سَبَداً … فكيف لو قد سعى عمرٌ وعِقالينِ (٢)
وأهل اللغة يقولون: إنَّ الصّدقة كلَّها عِقال. يقال: استُعمِل فلانٌ على عِقال بنى فلان، أى على صدقاتهم. قالوا: وسمِّيت عقالاً لأنَّها تَعقِل عن صاحبها الطّلبَ بها وتَعقِل عنه المأثَمَ أيضاً.
وتأوَّلُوا
قولَ أبى بكر لمَّا منعت العربُ الزكاةَ: «واللّه لو منعونى عِقالاً ممّا
стр. 1613
أدَّوه إلى رسول اللّه ﵌ لقاتلتُهم عليه». فقالوا (١): أراد به صدقةَ عام، وقالوا أيضاً: إنما أراد بالعِقال الشَّئ التافِه الحقير، فضَرَب العِقال الذى يُعقَل به البعير لذلك مثلاً. وقيل إنّ المصدِّقَ كان إذا أعطى صدقة إبِلِه أعطى معها عُقُلها وأورَيتَها (٢).
قال الأصمعى: عَقَل الظّبى يَعْقِلُ عُقولا (٣)، إذا امتنع فى الجبل. ويقال:
عَقَل الطّعامُ بطنَه، إذا أمسَكَه. والعَقُولُ من الدّواء: ما يُمسِك البطن. قال:
ويقال: اعتقل رمحَه، إذا وضَعَه بين رِكابه وساقه. واعتقَلَ شاتَه، إذا وضعَ رجلَها بين فخذه وساقه فحلبها. ولفلان عُقْلة يَعتقِل بها النّاسَ، إذا صارعَهم عَقَلَ أرجْلَهم.
ويقال عقَلْت البَعِيرَ أعقِلُه عقلاً، إذا شَدَدتَ يدَه بعِقاله، وهو الرِّباط. وفى أمثالهم:
الفحلُ يحمى شولَه معقولا (٤)
واعتُقل لسانُ فلانٍ، إذا احتبس عن الكلام.
فأمّا قولُهم: فلانةُ عقيلةُ قومِها، فهى كريمتُهم وخيارهم. ويُوصَف بذلك السيِّد أيضاً فيقال: هو عقيلة قومه. وعقيلةُ كلِّ شئٍ: أكرمُه. والدُّرّة:
عَقيلة البحر. قال ابنُ قيس الرُّقَيَّات:
درّةٌ مِنْ عقائِل البحر بكرٌ … لم يَشِنْها مَثاقب اللآلِ (٥)
стр. 1614
وذُكِر قياس هذا عن ابن الأعرابىّ، قالوا عنه: إنما سمِّيت عقيلةً لأنها عَقَلت صواحبَها عن أن يبلُغْنها. وقال الخليل: بل معناه عُقِلت فى خدرها. قال امرؤ القيس:
عقيلة أخدانٍ لها لا دميمةٌ … ولا ذات خُلْقٍ أن تأمَّلْتَ جَأْنَبِ (١)
قال أبو عبيدة: العقيلة، الذكر والأنثى سواء. قال:
بَكْرٌ يُبذّ البُزْلَ والبِكارا … عقيلةٌ من نُجُبٍ مَهَارَى
ومن هذا الباب: العَقَل فى الرّجلين: اصطكاك الرُّكبتين. يقال: بعيرٌ أعقُلُ، وقد عَقِل عَقَلا. وأنشد:
أخو الحَرْب لَبَّاسٌ إليها جِلالَها … وليس بولاّج الخوالف أعقلا (٢)
والعُقَّال: داء يأخذ الدوابَّ فى الرِّجلين، وقد يخفف. ودابّة معقولة وبها عُقّال، إذا مشَتْ كأنَّها تَقلَع رجليها من صخرة. وأكثر ما يكون فى ذلك فى الشَّاء.
قال أبو عبيدة: امرأة عَقْلاء، إذا كانت حَمْشة السّاقين ضخمةَ العضَلتين.
قال الخليل: العاقول من النّهر والوادى ومن الأمور أيضاً: ما التبس واعوجَّ.
وذكِر عن ابن الأعرابىّ، ولم نسمعه سَماعاً، أنَّ العِقال: البئر القريبة القعر، سمِّيت عِقالا لقُرْب مائها، كأنَّها تُستَقَى بالعِقال، وقد ذُكر ذلك عن أبى عبيدةَ أيضاً.
ومما يقرب من هذا الباب العَقَنْقَل من الرَّمل، وهو ما ارتكم منه؛ وجمعه عقاقيل، وإنما سمِّى بذلك لارتكامه * وتجمُّعه. ومنه عَقنقَل الضّب: مَصِيرُه.
стр. 1615
ويقولون: «أطعِمْ أخاك من عقنقل الضّبّ»، يُتَمثَّل به. ويقولون إنَّه طيِّب.
فأمّا الأصمعىّ فإنّه قال: إنَّه يُرمَى به، ويقال: «أطعم أخاك من عقنقل الضب» استهزاءً. قالوا: وإنما سُمِّى عقنقلاً لتحوِّيه وتلوِّيه، وكلُّ ما تحوَّى والتوى فهو عَقنقَل، ومنه قيل لقُضْبان الكَرْم: عقاقيل، لأنَّها ملتوية. قال:
نجُذّ رقابَ القومِ مِنْ كلِّ جانبٍ … كجذِّ عقاقيل الكُرُومِ خبيرُها (١)
فأمّا الأسماء التى جاءت من هذا البناء ولعلَّها أن تكون منقاسة، فعاقِلٌ:
جَبَل (٢) بعينه. قال:
لمن الدِّيارُ برامتَينِ فعاقلٍ … درسَتْ وغيَّرَ آيَهَا القَطْرُ
قال أبو عبيدة: بنو عاقل رهط الحارث بن حُجْر، سُمُّوا بذلك لأنّهم نزلوا عاقلاً، وهم ملوك.
ومَعْقلةُ: مكان بالبادية. وأنشد:
وعينٍ كأنَّ البابليَّينِ لَبَّسَا … بقلبك [منها] يوم مَعْقُلةٍ سِحرا (٣)
وقال أوس:
فبطنُ السُّلىِّ فالسِّخالُ تعَذَّرت … فَمَعقُلةٌ إلى مُطارٍ فواحفُ (٤)
قال الأصمعىّ: بالدَّهْناء خَبْرَاءُ يقال لها مَعْقُلة.