Полный текст (6 163 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
وَقِيلَ: كَتَبَ جَمْعٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى مَنْ بِالْآفَاقِ مِنْهُمْ: إِنْ أَرَدْتُمُ الْجِهَادَ فَهَلُمُّوا إِلَيْهِ فَإِنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ قَدْ أَفْسَدَهُ خَلِيفَتُكُمْ فَأَقِيمُوهُ. فَاخْتَلَفَتْ قُلُوبُ النَّاسِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَجَاءَ الْمِصْرِيُّونَ - كَمَا ذَكَرْنَا - إِلَى الْمَدِينَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ - كَمَا تَقَدَّمَ - فَكَلَّمَاهُمْ فَعَادُوا ثُمَّ رَجَعُوا، فَلَمَّا رَجَعُوا انْطَلَقَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ سَبَبِ عَوْدَتِهِمْ، فَأَخْرَجُوا صَحِيفَةً فِي أُنْبُوبَةِ رَصَاصٍ وَقَالُوا: وَجَدْنَا غُلَامَ عُثْمَانَ بِالْبُوَيْبِ عَلَى بَعِيرٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ فَوَجَدْنَا فِيهِ هَذِهِ الصَّحِيفَةَ يَأْمُرُ فِيهَا بِجَلْدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُدَيْسٍ، وَعَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الْبَيَّاعِ وَحَبْسِهِمْ وَحَلْقِ رُءُوسِهِمْ وَلِحَاهُمْ وَصَلْبِ بَعْضِهِمْ. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي أُخِذَتْ مِنْهُ الصَّحِيفَةُ أَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ. فَلَمَّا رَأَوْهُ سَأَلُوهُ عَنْ مَسِيرِهِ وَهَلْ مَعَهُ كِتَابٌ فَقَالَ: لَا. فَسَأَلُوهُ فِي أَيِّ شَيْءٍ هُوَ، فَتَغَيَّرَ كَلَامُهُ، فَأَنْكَرُوهُ وَفَتَّشُوهُ وَأَخَذُوا الْكِتَابَ مِنْهُ وَعَادُوا وَعَادَ الْكُوفِيُّونَ وَالْبَصْرِيُّونَ. فَلَمَّا عَادَ أَهْلُ مِصْرَ أَخْبَرُوا بِذَلِكَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ وَقَالُوا لَهُ: قَدْ كَلَّمْنَا عَلِيًّا وَوَعَدَنَا أَنْ يُكَلِّمَهُ، وَكَلَّمْنَا سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَسَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ فَقَالَا: لَا نَدْخُلُ فِي أَمْرِكُمْ. وَقَالُوا لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ لِيَحْضُرَ مَعَ عَلِيٍّ عِنْدَ عُثْمَانَ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَوَعَدَهُمْ بِذَلِكَ، فَدَخَلَ عَلِيٌّ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ عَلَى عُثْمَانَ فَاسْتَأْذَنَا لِلْمِصْرِيِّينَ عَلَيْهِ، وَعِنْدَهُ مَرْوَانُ، فَقَالَ: دَعْنِي أُكَلِّمْهُمْ. فَقَالَ عُثْمَانُ: اسْكُتْ فَضَّ اللَّهُ فَاكَ! مَا أَنْتَ وَهَذَا الْأَمْرُ؟ اخْرُجْ عَنِّي! فَخَرَجَ مَرْوَانُ. وَقَالَ عَلِيٌّ وَمُحَمَّدٌ لِعُثْمَانَ مَا قَالَ الْمِصْرِيُّونَ، فَأَقْسَمَ بِاللَّهِ: مَا كَتَبْتُهُ وَلَا عِلْمَ [لِي] بِهِ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ: صَدَقَ، هَذَا مِنْ عَمَلِ مَرْوَانَ.
وَدَخَلَ عَلَيْهِ الْمِصْرِيُّونَ فَلَمْ يُسَلِّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ، فَعَرَفُوا الشَّرَّ فِيهِمْ، وَتَكَلَّمُوا فَذَكَرَ ابْنُ عُدَيْسٍ مَا فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ بِالْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ، وَالِاسْتِئْثَارِ فِي الْغَنَائِمِ، فَإِذَا قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ قَالَ: هَذَا كِتَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. وَذَكَرُوا شَيْئًا مِمَّا أَحْدَثَ بِالْمَدِينَةِ، وَقَالُوا لَهُ: وَخَرَجْنَا مِنْ مِصْرَ وَنَحْنُ نُرِيدُ قَتْلَكَ، فَرَدَّنَا عَلِيٌّ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَضَمِنَا لَنَا النُّزُوعَ عَنْ كُلِّ مَا تَكَلَّمْنَا فِيهِ، فَرَجَعْنَا إِلَى بِلَادِنَا فَرَأَيْنَا غُلَامَكَ وَكِتَابَكَ وَعَلَيْهِ خَاتَمُكَ تَأْمُرُ عَبْدَ اللَّهِ بِجَلْدِنَا وَالْمُثْلَةِ بِنَا وَطُولِ الْحَبْسِ.
فَحَلَفَ عُثْمَانُ أَنَّهُ مَا كَتَبَ وَلَا أَمَرَ وَلَا عَلِمَ. فَقَالَ عَلِيٌّ وَمُحَمَّدٌ: صَدَقَ عُثْمَانُ. قَالَ الْمِصْرِيُّونَ: فَمَنْ كَتَبَهُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. قَالُوا: فَيَجْتَرِأُ عَلَيْكَ وَيَبْعَثُ غُلَامَكَ وَجَمَلًا مِنَ الصَّدَقَةِ، وَيَنْقُشُ عَلَى خَاتَمِكَ، وَيَبْعَثُ إِلَى عَامِلِكَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالُوا: مَا أَنْتَ إِلَّا صَادِقٌ أَوْ كَاذِبٌ، فَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَقَدِ اسْتَحْقَقْتَ الْخَلْعَ لِمَا
стр. 1227
أَمَرْتَ بِهِ مَنْ قَتْلِنَا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقَدِ اسْتَحْقَقْتَ أَنْ تَخْلَعَ نَفْسَكَ لِضَعْفِكَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ، وَغَفْلَتِكَ وَخُبْثِ بِطَانَتِكَ، وَلَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ بِيَدِ مَنْ تُقْطَعُ الْأُمُورُ دُونَهُ لِضَعْفِهِ وَغَفْلَتِهِ، فَاخْلَعْ نَفْسَكَ مِنْهُ كَمَا خَلَعَكَ اللَّهُ! فَقَالَ: لَا أَنْزِعُ قَمِيصًا أَلْبَسَنِيهِ اللَّهُ، وَلَكِنِّي أَتُوبُ وَأَنْزِعُ. قَالُوا: لَوْ كَانَ هَذَا أَوَّلَ ذَنْبٍ تُبْتَ مِنْهُ قَبِلْنَا، وَلَكِنَّا رَأَيْنَاكَ تَتُوبُ ثُمَّ تَعُودُ، وَلَسْنَا مُنْصَرِفِينَ حَتَّى نَخْلَعَكَ أَوْ نَقْتُلَكَ أَوْ تَلْحَقَ أَرْوَاحُنَا بِاللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ مَنَعَكَ أَصْحَابُكَ وَأَهْلُكَ قَاتَلْنَاهُمْ حَتَّى نَخْلُصَ إِلَيْكَ. فَقَالَ: أَمَّا أَنْ أَتَبَرَّأَ مِنْ خِلَافَةِ اللَّهِ فَالْقَتْلُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا قَوْلُكُمْ تُقَاتِلُونَ مَنْ مَنَعَنِي فَإِنِّي لَا آمُرُ أَحَدًا بِقِتَالِكُمْ، فَمَنْ قَاتَلَكُمْ فَبِغَيْرِ أَمْرِي قَاتَلَ، وَلَوْ أَرَدْتُ قِتَالَكُمْ لَكَتَبْتُ إِلَى الْأَجْنَادِ فَقَدِمُوا عَلَيَّ أَوْ لَحِقْتُ بِبَعْضِ أَطْرَافِي. وَكَثُرَتِ الْأَصْوَاتُ وَاللَّغَطُ.
فَقَامَ عَلِيٌّ فَخَرَجَ وَأَخْرَجَ الْمِصْرِيِّينَ وَمَضَى عَلِيٌّ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَحَصَرَ الْمِصْرِيُّونَ عُثْمَانَ، وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَابْنِ عَامِرٍ وَأُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ يَسْتَنْجِدُهُمْ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْعَجَلِ وَإِرْسَالِ الْجُنُودِ إِلَيْهِ. فَتَرَبَّصَ بِهِ مُعَاوِيَةُ، فَقَامَ فِي أَهْلِ الشَّامِ يَزِيدُ بْنُ أَسَدٍ الْقَسْرِيُّ جَدُّ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ، فَتَبِعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَسَارَ بِهِمْ إِلَى عُثْمَانَ، فَلَمَّا كَانُوا بِوَادِي الْقُرَى بَلَغَهُمْ قَتْلُ عُثْمَانَ فَرَجَعُوا. وَقِيلَ: بَلْ سَارَ مِنَ الشَّامِ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيُّ، وَسَارَ مِنَ الْبَصْرَةِ مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ السُّلَمِيُّ، فَلَمَّا وَصَلُوا الرَّبَذَةَ وَنَزَلَتْ مُقَدَّمَتُهُمْ صِرَارًا بِنَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ أَتَاهُمْ قَتْلُ عُثْمَانَ فَرَجَعُوا.
وَكَانَ عُثْمَانُ قَدِ اسْتَشَارَ نُصَحَاءَهُ فِي أَمْرِهِ، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَ إِلَى عَلِيٍّ يَطْلُبُ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمْ وَيُعْطِيَهُمْ مَا يُرْضِيهِمْ لِيُطَاوِلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُ إِمْدَادُهُ. فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ التَّعَلُّلَ، وَقَدْ كَانَ مِنِّي فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى مَا كَانَ. فَقَالَ مَرْوَانُ: أَعْطِهُمْ مَا سَأَلُوكَ وَطَاوِلْهُمْ مَا طَاوَلُوكَ، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ بَغَوْا عَلَيْكَ وَلَا عَهْدَ لَهُمْ. فَدَعَا عَلِيًّا فَقَالَ لَهُ: قَدْ تَرَى مَا كَانَ مِنَ النَّاسِ وَلَسْتُ آمَنُهُمْ عَلَى دَمِي، فَارْدُدْهُمْ عَنِّي فَإِنِّي أُعْطِيهِمْ مَا يُرِيدُونَ مِنَ الْحَقِّ مِنْ نَفْسِي وَغَيْرِي. فَقَالَ عَلِيٌّ: النَّاسُ إِلَى عَدْلِكَ أَحْوَجُ مِنْهُمْ إِلَى قَتْلِكَ، وَلَا يَرْضَوْنَ إِلَّا بِالرِّضَا، وَقَدْ كُنْتَ أَعْطَيْتَهُمْ أَوَّلًا عَهْدًا فَلَمْ تَفِ بِهِ فَلَا تَغُرَّنِي هَذِهِ الْمَرَّةَ، فَإِنِّي مُعْطِيهِمْ عَلَيْكَ الْحَقَّ. فَقَالَ: أَعْطِهِمْ فَوَاللَّهِ لَأَفِيَنَّ لَهُمْ. فَخَرَجَ عَلِيٌّ إِلَى النَّاسِ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّمَا طَلَبْتُمُ الْحَقَّ وَقَدْ أُعْطِيتُمُوهُ وَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ مُنْصِفُكُمْ مِنْ نَفْسِهِ. فَقَالَ النَّاسُ: قَبِلْنَا فَاسْتَوْثِقْ مِنْهُ لَنَا، فَإِنَّا لَا نَرْضَى بِقَوْلٍ دُونَ فِعْلٍ. فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ فَأَعْلَمَهُ فَقَالَ: اضْرِبْ بَيْنِي
стр. 1228
وَبَيْنَهُمْ أَجَلًا فَإِنِّي لَا أَقْدِرُ عَلَى أَنْ أَرُدَّ مَا كَرِهُوا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. فَقَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا مَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَلَا أَجَلَ فِيهِ، وَمَا غَابَ فَأَجَلُهُ وُصُولُ أَمْرِكَ. قَالَ: نَعَمْ، فَأَجِّلْنِي فِيمَا فِي الْمَدِينَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَكَتَبَ بَيْنَهُمْ كِتَابًا عَلَى رَدِّ كُلِّ مَظْلَمَةٍ وَعَزْلِ كُلِّ عَامِلٍ كَرِهُوهُ.
فَكَفَّ النَّاسُ عَنْهُ، فَجَعَلَ يَتَأَهَّبُ لِلْقِتَالِ وَيَسْتَعِدُّ بِالسِّلَاحِ وَاتَّخَذَ جُنْدًا، فَلَمَّا مَضَتِ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ وَلَمْ يُغَيِّرْ شَيْئًا ثَارَ بِهِ النَّاسُ، وَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ إِلَى الْمِصْرِيِّينَ فَأَعْلَمَهُمُ الْحَالَ، وَهُمْ بِذِي خُشُبٍ، فَقَدِمُوا الْمَدِينَةَ وَطَلَبُوا مِنْهُ عَزْلَ عُمَّالِهِ وَرَدَّ مَظَالِمِهِمْ. فَقَالَ: إِنْ كُنْتُ مُسْتَعْمِلًا مَنْ أَرَدْتُمْ وَعَازِلًا مَنْ كَرِهْتُمْ فَلَسْتُ فِي شَيْءٍ وَالْأَمْرُ أَمْرُكُمْ. فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ أَوْ لَتُخْلَعَنَّ أَوْ لَتُقْتَلَنَّ. فَأَبَى عَلَيْهِمْ وَقَالَ: لَا أَنْزِعُ سِرْبَالًا سَرْبَلَنِيهُ اللَّهُ. فَحَصَرُوهُ وَاشْتَدَّ الْحِصَارُ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ فَحَضَرُوا، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اجْلِسُوا. فَجَلَسُوا الْمُحَارِبُ وَالْمُسَالِمُ. فَقَالَ لَهُمْ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَسْتَوْدِعُكُمُ اللَّهَ، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يُحْسِنَ عَلَيْكُمُ الْخِلَافَةَ مِنْ بَعْدِي، ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ دَعَوْتُمُ اللَّهَ عِنْدَ مُصَابِ عُمَرَ أَنْ يَخْتَارَ لَكُمْ وَيَجْمَعَكُمْ عَلَى خَيْرِكُمْ؟ أَتَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْتَجِبْ لَكُمْ وَهُنْتُمْ عَلَيْهِ وَأَنْتُمْ أَهْلُ حَقِّهِ؟ أَمْ تَقُولُونَ: هَانَ عَلَى اللَّهِ دِينُهُ فَلَمْ يُبَالِ مَنْ وُلِّيَ وَالدِّينُ لَمْ يَتَفَرَّقْ أَهْلُهُ يَوْمَئِذٍ؟ أَمْ تَقُولُونَ: لَمْ يَكُنْ أَخْذٌ عَنْ مَشُورَةٍ، إِنَّمَا كَانَ مُكَابَرَةً، فَوَكَّلَ اللَّهُ الْأُمَّةَ إِذَا عَصَتْهُ وَلَمْ يُشَاوِرُوا فِي الْإِمَامَةِ؟ أَمْ تَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْلَمْ عَاقِبَةَ أَمْرِي! وَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ أَتَعْلَمُونَ لِي مِنْ سَابِقَةِ خَيْرٍ وَقَدَمِ خَيْرٍ قَدَّمَهُ اللَّهُ لِي مَا يُوجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ جَاءَ بَعْدِي أَنْ يَعْرِفُوا لِي فَضْلَهَا! فَمَهْلًا لَا تَقْتُلُونِي فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ إِلَّا قَتْلُ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ، أَوْ كَفَرَ بَعْدَ إِيمَانِهِ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قَتَلْتُمُونِي وَضَعْتُمُ السَّيْفَ عَلَى رِقَابِكُمْ، ثُمَّ لَمْ يَرْفَعِ اللَّهُ عَنْكُمُ الِاخْتِلَافَ أَبَدًا.
قَالُوا: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنِ اسْتِخَارَةِ النَّاسِ بَعْدَ عُمَرَ ثُمَّ وَلُّوكَ، فَإِنَّ كُلَّ مَا صَنَعَ اللَّهُ خِيرَةٌ، وَلَكِنَّ اللَّهَ جَعَلَكَ بَلِيَّةً ابْتَلَى بِهَا عِبَادَهُ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ قَدَمِكَ وَسَلَفِكَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ كُنْتَ كَذَلِكَ وَكُنْتَ أَهْلًا لِلْوِلَايَةِ، وَلَكِنْ أَحْدَثْتَ مَا عَلِمْتَهُ، وَلَا نَتْرُكُ إِقَامَةَ الْحَقِّ عَلَيْكَ مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ عَامًا قَابِلًا، وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّهُ لَا يَحِلُّ إِلَّا قَتْلُ ثَلَاثَةٍ، فَإِنَّا نَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَتْلَ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ سَمَّيْتَ، قَتْلَ مَنْ سَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَقَتْلَ مَنْ
стр. 1229
بَغَى ثُمَّ قَاتَلَ عَلَى بَغْيِهِ، وَقَتْلَ مَنْ حَالَ دُونَ شَيْءٍ مِنَ الْحَقِّ وَمَنَعَهُ وَقَاتَلَ دُونَهُ، وَقَدْ تَمَسَّكْتَ بِالْإِمَارَةِ عَلَيْنَا، فَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّكَ لَمْ تُكَابِرْنَا عَلَيْهِ فَإِنَّ الَّذِينَ قَامُوا دُونَكَ وَمَنَعُوكَ مِنَّا إِنَّمَا يُقَاتِلُونَ لِتَمَسُّكٍ بِالْإِمَارَةِ، فَلَوْ خَلَعْتَ نَفْسَكَ لَانْصَرَفُوا عَنِ الْقِتَالِ مَعَكَ!
فَسَكَتَ عُثْمَانُ وَلَزِمَ الدَّارَ، وَأَمَرَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِالرُّجُوعِ وَأَقْسَمَ عَلَيْهِمْ، فَرَجَعُوا إِلَّا الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَمُحَمَّدَ بْنَ طَلْحَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَأَشْبَاهًا لَهُمْ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ كَثِيرٌ، فَكَانَتْ مُدَّةُ الْحِصَارِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَلَمَّا مَضَتْ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً قَدِمَ رُكْبَانٌ مِنَ الْأَمْصَارِ، فَأَخْبَرُوا بِخَبَرِ مَنْ تَهَيَّأَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْجُنُودِ وَشَجَّعُوا النَّاسَ، فَعِنْدَهَا حَالُوا بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ عُثْمَانَ، وَمَنَعُوهُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْمَاءَ. فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى عَلِيٍّ سِرًّا وَإِلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُمْ قَدْ مَنَعُونِي الْمَاءَ، فَإِنْ قَدَرْتُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَيْنَا مَاءً فَافْعَلُوا. فَكَانَ أَوَّلَهُمْ إِجَابَةً عَلِيٌّ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَاءَ عَلِيٌّ فِي الْغَلَسِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الَّذِي تَفْعَلُونَ لَا يُشْبِهُ أَمْرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا أَمْرَ الْكَافِرِينَ، فَلَا تَقْطَعُوا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الْمَاءَ وَلَا الْمَادَّةَ، فَإِنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ لَتَأْسِرُ فَتُطْعِمُ وَتَسْقِي! فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ وَلَا نُعْمَةَ عَيْنٍ! فَرَمَى بِعِمَامَتِهِ فِي الدَّارِ بِأَنِّي قَدْ نَهَضْتُ وَرَجَعْتُ، وَجَاءَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ عَلَى بَغْلَةٍ لَهَا مُشْتَمِلَةً عَلَى إِدَاوَةٍ، فَضَرَبُوا وَجْهَ بَغْلَتِهَا فَقَالَتْ: إِنَّ وَصَايَا بَنِي أُمَيَّةَ عِنْدَ هَذَا الرَّجُلِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْهَا لِئَلَّا تَهْلِكَ أَمْوَالُ الْأَيْتَامِ وَالْأَرَامِلِ. فَقَالُوا: كَاذِبَةٌ، وَقَطَعُوا حَبْلَ الْبَغْلَةِ بِالسَّيْفِ، فَنَفَرَتْ وَكَادَتْ تَسْقُطُ عَنْهَا، فَتَلَقَّاهَا النَّاسُ فَأَخَذُوهَا وَذَهَبُوا بِهَا إِلَى بَيْتِهَا.
فَأَشْرَفَ عُثْمَانُ يَوْمًا فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اشْتَرَيْتُ بِئْرَ رُومَةَ بِمَالِي لِيُسْتَعْذَبَ بِهَا، فَجَعَلْتُ رِشَائِي فِيهَا كَرَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَلِمَ تَمْنَعُونِي أَنْ أَشْرَبَ مِنْهَا حَتَّى أُفْطِرَ عَلَى مَاءِ الْبَحْرِ؟ ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اشْتَرَيْتُ أَرْضَ كَذَا فَزِدْتُهَا فِي الْمَسْجِدِ؟ قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ عَلِمْتُمْ أَنَّ أَحَدًا مُنِعَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ قَبْلِي؟ ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ عَنِّي كَذَا وَكَذَا؟ أَشْيَاءُ فِي شَأْنِهِ. فَفَشَا النَّهْيُ فِي النَّاسِ يَقُولُونَ: مَهْلًا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَامَ الْأَشْتَرُ فَقَالَ: لَعَلَّهُ مُكِرَ بِهِ وَبِكُمْ. وَخَرَجَتْ عَائِشَةُ إِلَى الْحَجِّ وَاسْتَتْبَعَتْ أَخَاهَا مُحَمَّدًا فَأَبَى، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَئِنِ اسْتَطَعْتُ أَنْ يَحْرِمَهُمُ اللَّهُ مَا يُحَاوِلُونَ لَأَفْعَلَنَّ.
فَقَالَ لَهُ حَنْظَلَةُ الْكَاتِبُ: تَسْتَتْبِعُكَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا تَتْبَعُهَا، وَتَتْبَعُ ذُؤْبَانَ الْعَرَبِ إِلَى مَا [لَا] يَحِلُّ؟ وَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ إِنْ صَارَ إِلَى التَّغَالُبِ غَلَبَكَ عَلَيْهِ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ. ثُمَّ رَجَعَ حَنْظَلَةُ إِلَى الْكُوفَةِ وَهُوَ يَقُولُ:
стр. 1230
عَجِبْتُ لِمَا يَخُوضُ النَّاسُ فِيهِ ... يَرُومُونَ الْخِلَافَةَ أَنْ تَزُولَا
وَلَوْ زَالَتْ لَزَالَ الْخَيْرُ عَنْهُمْ ... وَلَاقَوْا بَعْدَهَا ذُلًّا ذَلِيلَا
وَكَانُوا كَالْيَهُودِ وَكَالنَّصَارَى ... سَوَاءً كُلُّهُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَا
وَبَلَغَ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ مَا لَقِيَ عَلِيٌّ وَأُمُّ حَبِيبَةَ، فَلَزِمُوا بُيُوتَهُمْ وَبَقِيَ عُثْمَانُ يَسْقِيهِ آلُ حَزْمٍ فِي الْغَفَلَاتِ. فَأَشْرَفَ عُثْمَانُ عَلَى النَّاسِ فَاسْتَدْعَى ابْنَ عَبَّاسٍ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَحُجَّ بِالنَّاسِ، وَكَانَ مِمَّنْ لَزِمَ الْبَابَ، فَقَالَ: جِهَادُ هَؤُلَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْحَجِّ فَأَقْسَمَ عَلَيْهِ فَانْطَلَقَ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: دَخَلْتُ عَلَى عُثْمَانَ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَسْمَعَنِي كَلَامَ مَنْ عَلَى بَابِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مَا تَنْتَظِرُونَ بِهِ؟ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: انْظُرُوا عَسَى أَنْ يُرَاجِعَ. قَالَ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ وَاقِفُونَ إِذْ مَرَّ طَلْحَةُ فَقَالَ: أَيْنَ ابْنُ عُدَيْسٍ؟ فَقَامَ إِلَيْهِ فَنَاجَاهُ، ثُمَّ رَجَعَ ابْنُ عُدَيْسٍ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَا تَتْرُكُوا أَحَدًا يَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ عِنْدِهِ. فَقَالَ لِي عُثْمَانُ: هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ طَلْحَةُ، اللَّهُمَّ اكْفِنِي طَلْحَةَ فَإِنَّهُ حَمَلَ عَلَيَّ هَؤُلَاءِ وَأَلَّبَهُمْ عَلَيَّ! وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ مِنْهَا صِفْرًا وَأَنْ يُسْفَكَ دَمُهُ! قَالَ: فَأَرَدْتُ أَنْ أَخْرُجَ فَمَنَعُونِي حَتَّى أَمَرَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فَتَرَكُونِي أَخْرُجُ. وَقِيلَ: إِنَّ الزُّبَيْرَ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ عُثْمَانُ، وَقِيلَ: أَدْرَكَ قَتْلَهُ.
وَلَمَّا رَأَى الْمِصْرِيُّونَ أَنَّ أَهْلَ الْمَوْسِمِ يُرِيدُونَ قَصْدَهُمْ، وَأَنْ يَجْمَعُوا ذَلِكَ إِلَى حَجِّهِمْ مَعَ مَا بَلَغَهُمْ مِنْ مَسِيرِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ قَالُوا: لَا يُخْرِجُنَا مِنْ هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي وَقَعْنَا فِيهِ إِلَّا قَتْلُ هَذَا الرَّجُلِ، فَيَشْتَغِلُ النَّاسُ عَنَّا بِذَلِكَ. فَرَامُوا الْبَابَ فَمَنَعَهُمُ الْحَسَنُ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، وَمَرْوَانُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ، وَاجْتَلَدُوا، فَزَجَرَهُمْ عُثْمَانُ وَقَالَ: أَنْتُمْ فِي حِلٍّ مِنْ نُصْرَتِي، فَأَبَوْا، فَفَتَحَ الْبَابَ لِمَنْعِهِمْ، فَلَمَّا خَرَجَ وَرَآهُ الْمِصْرِيُّونَ رَجَعُوا، فَرَكِبَهُمْ هَؤُلَاءِ، وَأَقْسَمَ عُثْمَانُ عَلَى أَصْحَابِهِ لَيَدْخُلُنَّ فَدَخَلُوا فَأَغْلَقَ الْبَابَ دُونَ الْمِصْرِيِّينَ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ يُقَالُ لَهُ نِيَارُ بْنُ عِيَاضٍ، وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَنَادَى عُثْمَانَ، فَبَيْنَا هُوَ يُنَاشِدُهُ أَنْ يَعْتَزِلَهُمْ إِذْ رَمَاهُ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ الْكِنْدِيُّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ.
فَقَالُوا لِعُثْمَانَ عِنْدَ ذَلِكَ: ادْفَعْ إِلَيْنَا قَاتِلَهُ لِنَقْتُلَهُ بِهِ. قَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأَقْتُلَ رَجُلًا نَصَرَنِي وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ قَتْلِي. فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ ثَارُوا إِلَى الْبَابِ، فَلَمْ يَمْنَعْهُمْ أَحَدٌ مِنْهُ، وَالْبَابُ مُغْلَقٌ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الدُّخُولِ مِنْهُ، فَجَاءُوا بِنَارٍ فَأَحْرَقُوهُ وَالسَّقِيفَةَ الَّتِي عَلَى الْبَابِ، وَثَارَ أَهْلُ
стр. 1231
الدَّارِ، وَعُثْمَانُ يُصَلِّي قَدِ افْتَتَحَ (طه) فَمَا شَغَلَهُ مَا سَمِعَ، مَا يُخْطِئُ وَمَا يَتَتَعْتَعُ، حَتَّى أَتَى عَلَيْهَا، فَلَمَّا فَرَغَ جَلَسَ إِلَى الْمُصْحَفِ يَقْرَأُ فِيهِ، وَقَرَأَ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] . فَقَالَ لِمَنْ عِنْدَهُ بِالدَّارِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا فَأَنَا صَابِرٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَحْرِقُوا الْبَابَ إِلَّا وَهُمْ يَطْلُبُونَ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، فَأُحَرِّجُ عَلَى رَجُلٍ أَنْ يَسْتَقْتِلَ أَوْ يُقَاتِلَ، وَقَالَ لِلْحَسَنِ: إِنَّ أَبَاكَ الْآنَ لَفِي أَمْرٍ عَظِيمٍ مِنْ أَمْرِكَ، فَأَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمَا خَرَجْتَ إِلَيْهِ. فَتَقَدَّمُوا فَقَاتَلُوا وَلَمْ يَسْمَعُوا قَوْلَهُ، فَبَرَزَ الْمُغِيرَةُ بْنُ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وَكَانَ تَعَجَّلَ مِنَ الْحَجِّ، فِي عِصَابَةٍ لِيَنْصُرُوا عُثْمَانَ وَهُوَ مَعَهُ فِي الدَّارِ، وَارْتَجَزَ يَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ ذَاتُ الْقُرُونِ الْمِيلِ ... وَالْحَلْيِ وَالْأَنَامِلِ الطُّفُولِ
لَتَصْدُقَنَّ بَيْعَتِي خَلِيلِي ... بِصَارِمٍ ذِي رَوْنَقٍ مَصْقُولِ
لَا أَسْتَقِيلُ إِذْ أَقَلْتُ قِيلِي
وَخَرَجَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَهُوَ يَقُولُ:
لَا دِينُهُمْ دِينِي وَلَا أَنَا مِنْهُمُ ... حَتَّى أَسِيرَ إِلَى طَمَارِ شَمَامِ
وَخَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ وَهُوَ يَقُولُ:
أَنَا ابْنُ مَنْ حَامَى عَلَيْهِ بِأُحُدْ ... وَرَدَّ أَحْزَابًا عَلَى رَغْمِ مَعَدِّ
وَخَرَجَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ وَهُوَ يَقُولُ:
صَبْرَنَا غَدَاةَ الدَّارِ وَالْمَوْتُ وَاقِبٌ ... بِأَسْيَافِنَا دُونَ ابْنِ أَرْوَى نُضَارِبُ
وَكُنَّا غَدَاةَ الرَّوْعِ فِي الدَّارِ نُصْرَةً ... نُشَافِهُهُمْ بِالضَّرْبِ وَالْمَوْتُ نَائِبُ
стр. 1232
وَكَانَ آخِرَ مَنْ خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَكَانَ يُحَدِّثُ عَنْ عُثْمَانَ بِآخِرِ مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَأَقْبَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَالنَّاسُ مُحْجِمُونَ فَقَالَ: هَذَا يَوْمٌ طَابَ فِيهِ الضَّرْبُ! وَنَادَى: ﴿قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر: ٤١] ، وَبَرَزَ مَرْوَانُ وَهُوَ يَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ ذَاتُ الْقُرُونِ الْمِيلِ ... وَالْكَفِّ وَالْأَنَامِلِ الطُّفُولِ
أَنِّي أَرُوعُ أَوَّلَ الرَّعِيلِ ... بِغَارَةٍ مِثْلَ الْقَطَا الشَّلِيلِ
فَبَرَزَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ يُدْعَى الْبَيَّاعَ، فَضَرَبَهُ مَرْوَانُ وَضَرَبَ هُوَ مَرْوَانَ عَلَى رَقَبَتِهِ فَأَثْبَتَهُ وَقَطَعَ إِحْدَى عِلْبَاوَيْهِ، فَعَاشَ مَرْوَانُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْقَصَ، وَقَامَ إِلَيْهِ عُبَيْدُ بْنُ رِفَاعَةَ الزُّرَقِيُّ لِيُدَفِّفَ عَلَيْهِ، فَقَامَتْ فَاطِمَةُ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَدِيٍّ، وَكَانَتْ أَرْضَعَتْ مَرْوَانَ وَأَرْضَعَتْ لَهُ، فَقَالَتْ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ قَتْلَهُ فَقَدْ قُتِلَ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَلْعَبَ بِلَحْمِهِ فَهَذَا قَبِيحٌ! فَتَرَكَهُ وَأَدْخَلَتْهُ بَيْتَهَا، فَعَرَفَ لَهَا بَنُوهُ ذَلِكَ، وَاسْتَعْمَلُوا ابْنَهَا إِبْرَاهِيمَ بَعْدُ. وَنَزَلَ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ رَجُلٌ فَقَتَلَ الْمُغِيرَةَ، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسَ يَذْكُرُونَهُ قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُدَيْسٍ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ هَاتِفًا يَهْتِفُ فَقَالَ: بَشِّرْ قَاتِلَ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ بِالنَّارِ، فَابْتُلِيتُ بِهِ.
وَاقْتَحَمَ النَّاسُ الدَّارَ مِنَ الدُّورِ الَّتِي حَوْلَهَا، وَدَخَلُوهَا مِنْ دَارِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ إِلَى دَارِ عُثْمَانَ حَتَّى مَلَؤُهَا وَلَا يَشْعُرُ مَنْ بِالْبَابِ، وَغَلَبَ النَّاسُ عَلَى عُثْمَانَ وَنَدَبُوا رَجُلًا يَقْتُلُهُ، فَانْتُدِبَ لَهُ رَجُلٌ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْبَيْتَ فَقَالَ: اخْلَعْهَا وَنَدَعَكَ. فَقَالَ: وَيْحَكَ! وَاللَّهِ مَا كَشَفْتُ امْرَأَةً فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ وَلَا تَغَنَّيْتُ وَلَا تَمَنَّيْتُ وَلَا وَضَعْتُ يَمِينِي عَلَى عَوْرَتِي مُنْذُ بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلَسْتُ خَالِعًا قَمِيصًا كَسَانِيهِ اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى يُكْرِمَ اللَّهُ أَهْلَ السَّعَادَةِ وَيُهِينَ أَهْلَ الشَّقَاوَةِ! فَخَرَجَ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يُنْجِينَا مِنَ النَّاسِ إِلَّا قَتْلُهُ وَلَا يَحِلُّ لَنَا قَتْلُهُ. فَأَدْخَلُوا عَلَيْهِ رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ فَقَالَ لَهُ: لَسْتَ بِصَاحِبِي لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا لَكَ أَنْ تُحْفَظَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا وَلَنْ تَضِيعَ. فَرَجَعَ عَنْهُ وَفَارَقَ الْقَوْمَ. وَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَغْفَرَ لَكَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا
стр. 1233
فَلَنْ تُقَارِفَ دَمًا حَرَامًا. فَرَجَعَ وَفَارَقَ أَصْحَابَهُ. وَجَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ يَنْهَاهُمْ عَنْ قَتْلِهِ فَقَالَ: يَا قَوْمِ لَا تَسُلُّوا سَيْفَ اللَّهِ فِيكُمْ، فَوَاللَّهِ إِنْ سَلَلْتُمُوهُ لَا تُغْمِدُوهُ! وَيْلَكُمْ! إِنَّ سُلْطَانَكُمُ الْيَوْمَ يُقَوِّمُ بِالدِّرَّةِ، فَإِنْ قَتَلْتُمُوهُ لَا يُقَوِّمُ إِلَّا بِالسَّيْفِ. وَيْلَكُمْ! إِنَّ مَدِينَتَكُمْ مَحْفُوفَةٌ بِالْمَلَائِكَةِ فَإِنْ قَتَلْتُمُوهُ لَيَتْرُكُنَّهَا. فَقَالُوا: يَا ابْنَ الْيَهُودِيَّةِ مَا أَنْتَ وَهَذَا! فَرَجَعَ عَنْهُمْ. وَكَانَ آخِرَ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ مِمَّنْ رَجَعَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: وَيْلَكَ أَعَلَى اللَّهِ تَغْضَبُ؟ هَلْ لِي إِلَيْكَ جُرْمٌ إِلَّا حَقَّهُ أَخَذْتُهُ مِنْكَ؟
فَأَخَذَ مُحَمَّدٌ لِحْيَتَهُ وَقَالَ: قَدْ أَخْزَاكَ اللَّهُ يَا نَعْثَلُ! فَقَالَ: لَسْتُ بِنَعْثَلٍ وَلَكِنِّي عُثْمَانُ وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانُوا يُلَقِّبُونَ بِهِ عُثْمَانَ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ: مَا أَغْنَى عَنْكَ مُعَاوِيَةُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ! فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا ابْنَ أَخِي فَمَا كَانَ أَبُوكَ لِيَقْبِضَ عَلَيْهَا. فَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَوْ رَآكَ أَبِي تَعْمَلُ هَذِهِ الْأَعْمَالَ أَنْكَرَهَا عَلَيْكَ، وَالَّذِي أُرِيدَ بِكَ أَشَدُّ مِنْ قَبْضِي عَلَيْهَا! فَقَالَ عُثْمَانُ: أَسْتَنْصِرُ اللَّهَ عَلَيْكَ وَأَسْتَعِينُ بِهِ! فَتَرَكَهُ وَخَرَجَ.
وَقِيلَ: بَلْ طَعَنَ جَبِينَهُ بِمِشْقَصٍ كَانَ فِي يَدِهِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ مُحَمَّدٌ وَعَرَفُوا انْكِسَارَهُ ثَارَ قُتَيْرَةُ، وَسَوْدَانُ بْنُ حُمْرَانَ، وَالْغَافِقِيُّ، فَضَرَبَهُ الْغَافِقِيُّ بِحَدِيدَةٍ مَعَهُ وَضَرَبَ الْمُصْحَفَ بِرِجْلِهِ، فَاسْتَدَارَ الْمُصْحَفُ وَاسْتَقَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَسَالَتْ عَلَيْهِ الدِّمَاءُ، وَجَاءَ سَوْدَانُ لِيَضْرِبَهُ، فَأَكَبَّتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ وَاتَّقَتِ السَّيْفَ بِيَدِهَا، فَنَفَحَ أَصَابِعَهَا فَأَطَنَّ أَصَابِعَ يَدِهَا وَوَلَّتْ، فَغَمَزَ أَوْرَاكَهَا وَقَالَ: إِنَّهَا لَكَبِيرَةُ الْعَجُزِ! وَضَرَبَ عُثْمَانَ فَقَتَلَهُ.
وَقِيلَ: الَّذِي قَتَلَهُ كِنَانَةُ بْنُ بِشْرٍ التُّجِيبِيُّ. وَكَانَ عُثْمَانُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تِلْكَ اللَّيْلَةَ يَقُولُ لَهُ: إِنَّكَ تُفْطِرُ اللَّيْلَةَ عِنْدَنَا. فَلَمَّا قُتِلَ سَقَطَ مِنْ دَمِهِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧] . وَدَخَلَ غُلْمَةٌ لِعُثْمَانَ مَعَ الْقَوْمِ لِيَنْصُرُوهُ، وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ أَعْتَقَ مَنْ كَفَّ يَدَهُ مِنْهُمْ، فَلَمَّا ضَرَبَهُ سَوْدَانُ ضَرَبَ بَعْضُ الْغِلْمَانِ رَقَبَةَ سَوْدَانَ فَقَتَلَهُ، وَوَثَبَ قُتَيْرَةُ عَلَى الْغُلَامِ فَقَتَلَهُ، وَانْتَهَبُوا مَا فِي الْبَيْتِ وَخَرَجُوا، ثُمَّ أَغْلَقُوهُ عَلَى ثَلَاثَةِ قَتْلَى، فَلَمَّا خَرَجُوا
стр. 1234
وَثَبَ غُلَامٌ لِعُثْمَانَ عَلَى قُتَيْرَةَ فَقَتَلَهُ، وَثَارَ الْقَوْمُ فَأَخَذُوا مَا وَجَدُوا حَتَّى أَخَذُوا مَا عَلَى النِّسَاءِ، وَأَخَذَ كُلْثُومٌ التُّجِيبِيُّ مُلَاءَةً مِنْ عَلَى نَائِلَةَ، فَضَرَبَهُ غُلَامٌ لِعُثْمَانَ فَقَتَلَهُ، وَتَنَادَوْا: أَدْرِكُوا بَيْتَ الْمَالِ وَلَا تُسْبَقُوا إِلَيْهِ، فَسَمِعَ أَصْحَابُ بَيْتِ الْمَالِ كَلَامَهُمْ وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا غِرَارَتَانِ، فَقَالُوا: النَّجَاءَ فَإِنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا يُحَاوِلُونَ الدُّنْيَا! فَهَرَبُوا، وَأَتَوْا بَيْتَ الْمَالِ فَانْتَهَبُوهُ وَمَاجَ النَّاسُ.
وَقِيلَ إِنَّهُمْ نَدِمُوا عَلَى قَتْلِهِ. وَأَمَّا عَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ فَوَثَبَ عَلَى صَدْرِهِ وَبِهِ رَمَقٌ فَطَعَنَهُ تِسْعَ طَعَنَاتٍ، قَالَ: فَأَمَّا ثَلَاثٌ مِنْهَا فَإِنِّي طَعَنْتُهُنَّ إِيَّاهُ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَأَمَّا سِتٌّ فَلِمَا كَانَ فِي صَدْرِي عَلَيْهِ. وَأَرَادُوا قَطْعَ رَأْسِهِ فَوَقَعَتْ نَائِلَةُ عَلَيْهِ وَأُمُّ الْبَنِينَ، فَصَاحَتَا وَضَرَبَتَا الْوُجُوهَ. فَقَالَ ابْنُ عُدَيْسٍ: اتْرُكُوهُ. وَأَقْبَلَ عُمَيْرُ بْنُ ضَابِئٍ فَوَثَبَ عَلَيْهِ، فَكَسَرَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ وَقَالَ: سَجَنْتَ أَبِي حَتَّى مَاتَ فِي السِّجْنِ.
وَكَانَ قَتْلُهُ لِثَمَانِيَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً إِلَّا اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، وَقِيلَ: إِلَّا ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ قَتْلُهُ لِثَمَانِيَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَقِيلَ: بَلْ قُتِلَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَكَانَ عُمُرُهُ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَمَانِيًا وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: تِسْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: خَمْسًا وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: سِتًّا وَثَمَانِينَ سَنَةً.
ذكر الْمَوْضِعِ الَّذِي دُفِنَ فِيهِ وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ
قِيلَ: بَقِيَ عُثْمَانُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يُدْفَنُ، ثُمَّ إِنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ الْقُرَشِيَّ، وَجُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ كَلَّمَا عَلِيًّا فِي أَنْ يَأْذَنَ فِي دَفْنِهِ، فَفَعَلَ، فَلَمَّا سَمِعَ مَنْ قَصَدَهُ بِذَلِكَ قَعَدُوا لَهُ فِي الطَّرِيقِ بِالْحِجَارَةِ، وَخَرَجَ بِهِ نَاسٌ يَسِيرٌ مَنْ أَهْلِهِ وَغَيْرِهِمْ، وَفِيهِمُ الزُّبَيْرُ، وَالْحَسَنُ، وَأَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ، وَمَرْوَانُ، بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، فَأَتَوْا بِهِ حَائِطًا مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ يُسَمَّى
стр. 1235
حَشَّ كَوْكَبٍ، وَهُوَ خَارِجُ الْبَقِيعِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، وَقِيلَ: حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَقِيلَ: مَرْوَانُ، وَجَاءَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لِيَمْنَعُوا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ تَرَكُوهُمْ خَوْفًا مِنَ الْفِتْنَةِ. وَأَرْسَلَ عَلِيٌّ إِلَى مَنْ أَرَادَ أَنْ يَرْجُمَ سَرِيرَهُ مِمَّنْ جَلَسَ عَلَى الطَّرِيقِ لَمَّا سَمِعَ بِهِمْ فَمَنَعَهُمْ عَنْهُ، وَدُفِنَ فِي حَشِّ كَوْكَبٍ. فَلَمَّا ظَهَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى النَّاسِ أَمَرَ بِذَلِكَ الْحَائِطِ، فَهُدِمَ. وَأُدْخِلَ فِي الْبَقِيعِ، وَأَمْرَ النَّاسَ فَدَفَنُوا أَمْوَاتَهُمْ حَوْلَ قَبْرِهِ حَتَّى اتَّصَلَ الدَّفْنُ بِمَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ. وَقِيلَ: إِنَّمَا دُفِنَ بِالْبَقِيعِ مِمَّا يَلِي حَشَّ كَوْكَبٍ. وَقِيلَ: شَهِدَ جِنَازَتَهُ عَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَعَامَّةُ مَنْ ثَمَّ مِنْ أَصْحَابِهِ. قَالَ: وَقِيلَ لَمْ يُغَسَّلْ وَكُفِّنَ فِي ثِيَابِهِ.
[ذكر بَعْضِ سِيرَةِ عُثْمَانَ]
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا أَنَا بِعُثْمَانَ مُتَّكِئًا عَلَى رِدَائِهِ، فَأَتَاهُ سَقَّاءَانِ يَخْتَصِمَانِ إِلَيْهِ، فَقَضَى بَيْنَهُمَا. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَمْ يَمُتْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَتَّى مَلَّتْهُ قُرَيْشٌ وَقَدْ كَانَ حَصَرَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، وَقَالَ: أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ انْتِشَارُكُمْ فِي الْبِلَادِ، فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَيَسْتَأْذِنُهُ فِي الْغَزْوِ فَيَقُولُ: قَدْ كَانَ لَكَ فِي غَزْوِكَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا يُبَلِّغُكَ، وَخَيْرٌ لَكَ مِنْ غَزْوِكَ الْيَوْمَ أَنْ لَا تَرَى الدُّنْيَا وَلَا تَرَاكَ. وَكَانَ يَفْعَلُ هَذَا بِالْمُهَاجِرِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ بِغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ. فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ خَلَّى عَنْهُمْ فَانْتَشَرُوا فِي الْبِلَادِ وَانْقَطَعَ إِلَيْهِمُ النَّاسُ، وَكَانَ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ عُمَرَ. قِيلَ: وَحَجَّ عُثْمَانُ بِالنَّاسِ سَنَوَاتِ خِلَافَتِهِ كُلَّهَا، وَحَجَّ بِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ عُمَرُ. وَكَتَبَ إِلَى الْأَمْصَارِ أَنْ يُوَافِيَهُ الْعُمَّالُ فِي الْمَوْسِمِ وَمَنْ يَشْكُو مِنْهُمْ، وَأَنْ يَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَنَّهُ مَعَ الضَّعِيفِ عَلَى الْقَوِيِّ مَا دَامَ مَظْلُومًا.
وَقِيلَ: كَانَ أَوَّلَ مُنْكَرٍ ظَهَرَ بِالْمَدِينَةِ حِينَ فَاضَتِ الدُّنْيَا طَيَرَانُ الْحَمَامِ وَالرَّمْيُ عَلَى
стр. 1236
الْجُلَاهِقَاتِ، وَهِيَ قَوْسُ الْبُنْدُقِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عُثْمَانُ رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنْ خِلَافَتِهِ، فَقَصَّ الطُّيُورَ وَكَسَّرَ الْجُلَاهِقَاتِ.
قِيلَ: وَسَأَلَ رَجُلٌ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُذَيْفَةَ مَا دَعَاهُ إِلَى الْخُرُوجِ عَلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ: كَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِ عُثْمَانَ، وَكَانَ وَالِيَ أَيْتَامِ أَهْلِ بَيْتِهِ وَمُحْتَمِلًا كَلَّهُمْ، فَسَأَلَ عُثْمَانَ الْعَمَلَ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ لَوْ كُنْتَ رِضًا لَاسْتَعْمَلْتُكَ. قَالَ فَأْذَنْ لِي فَأَخْرُجَ فَأَطْلُبَ الرِّزْقَ. قَالَ: اذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ، وَجَهَّزَهُ مِنْ عِنْدِهِ وَحَمَلَهُ وَأَعْطَاهُ، فَلَمَّا وَقَعَ إِلَى مِصْرَ كَانَ فِيمَنْ أَعَانَ عَلَيْهِ حِينَ مَنَعَهُ الْإِمَارَةَ. قَالَ: وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ؟ قَالَ: كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبَّاسِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ كَلَامٌ فَضَرَبَهُمَا عُثْمَانُ فَأَوْرَثَ ذَلِكَ تَعَادِيًا بَيْنَ أَهْلِ عَمَّارٍ وَأَهْلِ عَبَّاسٍ، وَكَانَا تَقَاذَفَا.
قِيلَ: سُئِلَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ مَا دَعَاهُ إِلَى رُكُوبِ عُثْمَانَ. قَالَ: الْغَضَبُ وَالطَّمَعُ، كَانَ مِنَ الْإِسْلَامِ بِمَكَانٍ فَغَرَّهُ أَقْوَامٌ فَطَمِعَ، وَكَانَتْ لَهُ دَالَّةٌ فَلَزِمَهُ حَقٌّ، فَأَخَذَهُ عُثْمَانُ مِنْ ظَهْرِهِ، فَاجْتَمَعَ هَذَا إِلَى ذَلِكَ فَصَارَ مُذَمَّمًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مُحَمَّدًا. قِيلَ: وَاسْتَخَفَّ رَجُلٌ بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَضَرَبَهُ عُثْمَانُ فَاسْتَحْسَنَ مِنْهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَيُفَخِّمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمَّهُ وَأُرَخِّصُ فِي الِاسْتِخْفَافِ بِهِ! لَقَدْ خَالَفَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَرَضِيَ بِهِ. قِيلَ: وَكَانَ كَعْبُ بْنُ ذِي الْحَبَكَةِ النَّهْدَيُّ يَلْعَبُ بِالنَّارِنْجِيَّاتِ، فَبَلَغَ عُثْمَانَ، فَكَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ أَنْ يُوجِعَهُ ضَرْبًا، فَعَزَّرَهُ وَأَخْبَرَ النَّاسَ خَبَرَهُ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ عُثْمَانَ، وَفِيهِ: إِنَّهُ قَدْ جُدَّ بِكُمْ فَجِدُّوا وَإِيَّاكُمْ وَالْهَزْلَ. فَغَضِبَ كَعْبٌ وَكَانَ فِي الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَيْهِ، وَكَانَ سَيْرُهُ إِلَى دُنْبَاوَنْدَ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ لِلْوَلِيدِ:
لَعَمْرِي لَئِنْ طَرَدْتَنِي مَا إِلَى الَّتِي ... طَمِعْتَ بِهَا مِنْ سَقْطَتِي لَسَبِيلُ
رَجَوْتُ رُجُوعِي يَا ابْنَ أَرْوَى وَرَجْعَتِي ... إِلَى الْحَقِّ دَهْرًا، غَالَ ذَلِكَ غُولُ
فَإِنَّ اغْتِرَابِي فِي الْبِلَادِ وَجَفْوَتِي ... وَشَتْمِي فِي ذَاتِ الْإِلَهِ قَلِيلُ
стр. 1237
وَإِنَّ دُعَائِي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ
عَلَيْكَ بِدُنْبَاوَنْدِكُمْ لَطَوِيلُ
قَالَ: وَأَمَّا ضَابِئُ بْنُ الْحَرْثِ الْبَرْجَمِيُّ فَإِنَّهُ اسْتَعَارَ فِي زَمَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ مِنْ قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ كَلْبًا يُدْعَى قَرْحَانَ يَصِيدُ الظِّبَاءَ فَحَبَسَهُ عَنْهُمْ، فَانْتَزَعَهُ الْأَنْصَارِيُّونَ مِنْهُ قَهْرًا، فَهَجَاهُمْ وَقَالَ:
تَجَشَّمَ دُونِي وَفْدُ قَرْحَانَ خُطَّةً ... تُضِلُّ لَهَا الْوَجْنَاءُ وَهِيَ حَسِيرُ
فَبَاتُوا شِبَاعًا طَاعِمِينَ كَأَنَّمَا ... حَبَاهُمْ بِبَيْتِ الْمَرْزُبَانِ أَمِيرُ
فَكَلْبُكُمُ لَا تَتْرُكُوا فَهُوَ أُمُّكُمْ ... فَإِنَّ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ كَبِيرُ
فَاسْتَعْدُوا عَلَيْهِ عُثْمَانَ، فَعَزَّرَهُ وَحَبَسَهُ، فَمَا زَالَ فِي السِّجْنِ حَتَّى مَاتَ فِيهِ.
وَقَالَ فِي الْفَتْكِ مُعْتِذَرًا إِلَى أَصْحَابِهِ:
هَمَمْتُ وَلَمْ أَفْعَلْ وَكِدْتُ وَلَيْتَنِي ... تَرَكْتُ عَلَى عُثْمَانَ تَبْكِي حَلَائِلُهْ
وَقَائِلَةٍ قَدْ مَاتَ فِي السِّجْنِ ضَابِئٌ ... أَلَا مَنْ لِخَصْمٍ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُجَادِلُهْ
فَلِذَلِكَ صَارَ ابْنُهُ عُمَيْرٌ سَبَئِيًّا. قَالَ: وَأَمَّا كُمَيْلُ بْنُ زِيَادٍ وَعُمَيْرُ بْنُ ضَابِئٍ فَإِنَّهُمَا سَارَا إِلَى الْمَدِينَةِ لِقَتْلِ عُثْمَانَ، فَأَمَّا عُمَيْرٌ فَإِنَّهُ نَكَلَ عَنْهُ، وَأَمَّا كُمَيْلٌ فَإِنَّهُ جَسَرَ وَثَاوَرَهُ، فَوَجَأَ عُثْمَانُ وَجْهَهُ فَوَقَعَ عَلَى اسْتِهِ فَقَالَ: أَوْجَعْتَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَقَالَ: أَوَلَسْتَ بِفَاتِكٍ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: فَاسْتَقِدْ مِنِّي، وَقَالَ: دُونَكَ. فَعَفَا عَنْهُ، وَبَقِيَا إِلَى أَيَّامِ الْحَجَّاجِ فَقَتَلَهُمَا، وَسَيَرِدُ ذِكْرُ ذَلِكَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.
قِيلَ: وَكَانَ لِعُثْمَانَ عَلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ خَمْسُونَ أَلْفًا، فَقَالَ لَهُ يَوْمًا: قَدْ تَهَيَّأَ
стр. 1238
مَالُكَ فَاقْبِضْهُ. قَالَ: هُوَ لَكَ مَعُونَةٌ عَلَى مُرُوءَتِكَ. قِيلَ: فَلَمَّا حُصِرَ عُثْمَانُ قَالَ عَلِيٌّ لِطَلْحَةَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَلَا رَدَدْتَ النَّاسَ عَنْ عُثْمَانَ! قَالَ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى تُعْطِيَنِي بَنُو أُمَيَّةَ الْحَقَّ مِنْ أَنْفُسِهَا.
وَكَانَ عُثْمَانُ يُلَقَّبُ ذَا النُّورَيْنِ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ ابْنَتَيِ النَّبِيِّ ﷺ .
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: اسْتَعْمَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ قَطَنَ بْنَ عَبْدِ عَوْفٍ عَلَى كِرْمَانَ، فَأَقْبَلَ جَيْشٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَمَنَعَهُمْ سَيْلٌ فِي وَادٍ مِنَ الْعُبُورِ، وَخَشِيَ قَطَنٌ الْفَوْتَ فَقَالَ: مَنْ عَبَرَ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ. فَحَمَلُوا أَنْفُسَهُمْ وَعَبَرُوا، وَكَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ، فَأَعْطَاهُمْ أَرْبَعَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَبَى ابْنُ عَامِرٍ أَنْ يُجْرِيَ ذَلِكَ لَهُ وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ، فَكَتَبَ عُثْمَانُ: أَنِ احْبِسْهَا لَهُ فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَعَانَ بِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْجَوَائِزُ لِإِجَازَةِ الْوَادِي.
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ زَيْدٍ: سَمِعْتُ عَلِيًّا وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ وَيَقُولُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تُكْثِرُونَ فِيَّ وَفِي عُثْمَانَ، فَإِنَّ مِثْلِي وَمِثْلَهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] . وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ - وَهُوَ بَدْرِيٌّ وَكَانَ مُجَانِبًا لِعُثْمَانَ - فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْنَا قَتْلَهُ، اللَّهُمَّ لَكَ عَلَيَّ أَنْ لَا أَفْعَلَ كَذَا وَكَذَا وَلَا أَضْحَكَ حَتَّى أَلْقَاكَ.
ذكر نَسَبِهِ وَصِفَتِهِ وَكُنْيَتِهِ
أَمَّا نَسَبُهُ فَهُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهُ أَرْوَى بِنْتُ كُرَيْزِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
وَأَمَّا صِفَتُهُ فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، حَسَنَ الْوَجْهِ، رَقِيقَ الْبَشْرَةِ، بِوَجْهِهِ أَثَرُ جُدَرِيٍّ، كَبِيرَ اللِّحْيَةِ عَظِيمَهَا، أَسْمَرَ اللَّوْنِ، أَصْلَعَ، عَظِيمَ الْكَرَادِيسِ، عَظِيمَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ، وَقِيلَ كَانَ كَثِيرَ شَعْرِ الرَّأْسِ، أَرْوَحَ الرِّجْلَيْنِ.
стр. 1239
وَأَمَّا كُنْيَتُهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بِوَلَدٍ جَاءَهُ مِنْ رُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، تُوُفِّيَ وَعُمْرُهُ سِتُّ سِنِينَ، نَقَرَهُ دِيكٌ فِي عَيْنِهِ فَمَرِضَ فَمَاتَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ: كَانَ يُكَنَّى أَبَا عَمْرٍو.
ذكر وَقْتِ إِسْلَامِهِ وَهِجْرَتِهِ
قِيلَ: كَانَ إِسْلَامُهُ قَدِيمًا قَبْلَ دُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَارَ الْأَرْقَمِ، وَكَانَ مِمَّنْ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ الْهِجْرَةَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ وَمَعَهُ فِيهِمَا امْرَأَتُهُ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
ذكر أَزْوَاجِهِ وَأَوْلَادِهِ
تَزَوَّجَ رُقَيَّةَ وَأُمَّ كُلْثُومٍ ابْنَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَلَدَتْ لَهُ رُقَيَّةُ عَبْدَ اللَّهِ، وَتَزَوَّجَ فَاخِتَةَ بِنْتَ غَزْوَانَ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ الْأَصْغَرَ، هَلَكَ، وَتَزَوَّجَ أُمَّ عَمْرٍو بِنْتَ جُنْدُبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُمَمَةَ الدَّوْسِيَّةَ، وَلَدَتْ لَهُ عَمْرًا وَخَالِدًا وَأَبَانًا وَعُمَرَ وَمَرْيَمَ، وَتَزَوَّجَ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيَّةَ، وَلَدَتْ لَهُ الْوَلِيدَ وَسَعِيدًا وَأُمَّ سَعِيدٍ، وَتَزَوَّجَ أُمَّ الْبَنِينِ بِنْتَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيَّةَ، وَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الْمَلِكِ، هَلَكَ، وَتَزَوَّجَ رَمْلَةَ بِنْتَ شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَلَدَتْ لَهُ عَائِشَةَ وَأُمَّ أَبَانٍ وَأُمَّ عَمْرٍو، وَتَزَوَّجَ نَائِلَةَ بِنْتَ الْفُرَافِصَةِ الْكَلْبِيَّةَ، وَلَدَتْ لَهُ مَرْيَمَ بِنْتَ عُثْمَانَ، وَقِيلَ: وَلَدَتْ لَهُ أُمُّ الْبَنِينِ بِنْتُ عُيَيْنَةَ عَبْدَ الْمَلِكِ وَعُتْبَةَ، وَوَلَدَتْ لَهُ نَائِلَةُ عَنْبَسَةَ، وَكَانَ لَهُ مِنْهَا أَيْضًا ابْنَةٌ تُدْعَى أُمَّ الْبَنِينِ، وَكَانَتْ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَقُتِلَ عُثْمَانُ وَعِنْدَهُ رَمْلَةُ ابْنَةُ شَيْبَةَ وَنَائِلَةُ وَأُمُّ الْبَنِينِ ابْنَةُ عُيَيْنَةَ وَفَاخِتَةُ بِنْتُ غَزْوَانَ، غَيْرَ أَنَّهُ طَلَّقَ أُمَّ الْبَنِينِ وَهُوَ مَحْصُورٌ.
فَهَؤُلَاءِ أَزْوَاجُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَأَوْلَادُهُ.
ذكر أَسْمَاءِ عُمَّالِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ
كَانَ عُمَّالُهُ هَذِهِ السَّنَةَ عَلَى مَكَّةَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، وَعَلَى الطَّائِفِ الْقَاسِمُ بْنُ رَبِيعَةَ الثَّقَفِيُّ، وَعَلَى صَنْعَاءَ يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ، وَعَلَى الْجُنْدِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعَةَ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ، خَرَجَ مِنْهَا وَلَمْ يُوَلِّ عُثْمَانُ عَلَيْهَا أَحَدًا، وَعَلَى الشَّامِ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي
стр. 1240
سُفْيَانَ، وَعَامِلُ مُعَاوِيَةَ عَلَى حِمْصَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، وَعَلَى قِنَّسْرِينَ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيُّ، وَعَلَى الْأُرْدُنِّ أَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ، وَعَلَى فِلَسْطِينَ عَلْقَمَةُ بْنُ حَكِيمٍ الْكِنَانِيُّ، وَعَلَى الْبَحْرِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْفَزَارِيُّ، وَعَلَى الْقَضَاءِ أَبُو الدَّرْدَاءِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَانَ قَدْ تُوُفِّيَ قَبْلَ أَنْ قُتِلَ عُثْمَانُ، وَكَانَ عَامِلَ عُثْمَانَ عَلَى الْكُوفَةِ أَبُو مُوسَى عَلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَى خَرَاجِ السَّوَادِ جَابِرُ بْنُ فُلَانٍ الْمُزَنِيُّ، وَهُوَ صَاحِبُ الْمُسَنَّاةِ إِلَى جَانِبِ الْكُوفَةِ، وَسِمَاكٌ الْأَنْصَارِيُّ، وَعَلَى حَرْبِهَا الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَلَى قَرْقِيسْيَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى أَذْرَبَيْجَانَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ، وَعَلَى حُلْوَانَ عُتَيْبَةُ بْنُ النَّهَّاسِ، وَعَلَى مَاهَ مَالِكُ بْنُ حَبِيبٍ، وَعَلَى هَمَذَانَ النُّسَيْرُ، وَعَلَى الرَّيِّ سَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ، وَعَلَى أَصْبَهَانَ السَّائِبُ بْنُ الْأَقْرَعِ، وَعَلَى مَاسَبْذَانَ خُنَيْسٌ، وَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ عُثْمَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ.
(عُتَيْبَةُ بْنُ النَّهَّاسِ: بِالتَّاءِ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ، وَبَعْدَهَا يَاءٌ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ. وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ: بِالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَيَاءٌ ثَانِيَةٌ، وَآخِرُهُ نُونٌ، تَصْغِيرُ عَيْنٍ. وَالنُّسَيْرُ: بِالنُّونِ، وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، تَصْغِيرُ نَسْرٍ) .
ذكر الْخَبَرِ عَمَّنْ كَانَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ حُصِرَ عُثْمَانُ
قِيلَ: وَجَاءَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي مُنِعَ فِيهِ عُثْمَانُ الصَّلَاةَ سَعْدُ الْقَرَظِ - وَهُوَ الْمُؤَذِّنُ - إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ؟ فَقَالَ: ادْعُ خَالِدَ بْنَ زَيْدٍ، فَدَعَاهُ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَهُوَ أَوَّلُ يَوْمٍ عُرِفَ أَنَّ اسْمَ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ، فَصَلَّى أَيَّامًا ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ بِالنَّاسِ، وَقِيلَ: بَلْ أَمَرَ عَلِيٌّ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ فَصَلَّى بِالنَّاسِ مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ إِلَى يَوْمِ الْعِيدِ، ثُمَّ صَلَّى عَلِيٌّ بِالنَّاسِ الْعِيدَ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ حَتَّى قُتِلَ عُثْمَانُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرُ ذَلِكَ فِي ذِكْرِ قَتْلِهِ.
стр. 1241
ذِكْرُ مَا قِيلَ فِيهِ مِنَ الشِّعْرِ
قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ:
أَتَرَكْتُمُ غَزْوَ الدُّرُوبِ وَرَاءَكُمْ ... وَغَزَوْتُمُونَا عِنْدَ قَبْرِ مُحَمَّدِ
فَلَبِئْسَ هَدْيُ الْمُسْلِمِينَ هَدَيْتُمُ ... وَلَبِئْسَ أَمْرُ الْفَاجِرِ الْمُتَعَمِّدِ
إِنْ تَقْدَمُوا نَجْعَلْ قِرَى سَرَوَاتِكُمْ ... حَوْلَ الْمَدِينَةِ كُلَّ لَيْنٍ مِذْوَدِ
أَوْ تُدْبِرُوا فَلَبِئْسَ مَا سَافَرْتُمُ ... وَلِمِثْلِ أَمْرِ أَمِيرِكُمْ لَمْ يُرْشَدِ
وَكَأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ عَشِيَّةً ... بُدْنٌ تُذَبَّحُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ
أَبْكِي أَبَا عَمْرٍو لِحُسْنِ بَلَائِهِ ... أَمْسَى ضَجِيعًا فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ
وَقَالَ أَيْضًا:
إِنْ تُمْسِ دَارُ ابْنِ أَرْوَى الْيَوْمَ خَاوِيَةً ... بَابٌ صَرِيعٌ وَبَابٌ مُحْرَقٌ خَرِبُ
فَقَدْ يُصَادِفُ بَاغِي الْخَيْرِ حَاجَتَهُ ... فِيهَا وَيَهْوِي إِلَيْهَا الذِّكْرُ وَالْحَسَبُ
يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَبْدُوا ذَاتَ أَنْفُسِكُمْ ... لَا يَسْتَوِي الصِّدْقُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْكَذِبُ
قُومُوا بِحَقِّ مَلِيكِ النَّاسِ تَعْتَرِفُوا ... بِغَارَةٍ عُصَبٍ مِنْ خَلْفِهَا عُصَبُ
فِيهِمْ حَبِيبٌ شِهَابُ الْمَوْتِ يَقْدُمُهُمْ ... مُسْتَلْئِمًا قَدْ بَدَا فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ
وَقَالَ أَيْضًا:
مَنْ سَرَّهُ الْمَوْتُ صِرْفًا لَا مِزَاجَ ... لَهُ فَلْيَأْتِ مَأْسَدَةً فِي دَارِ عُثْمَانَا
مُسْتَشْعِرِي حَلَقِ الْمَاذِيِّ قَدْ شُفِعَتْ ... قَبْلَ الْمَخَاطِمِ بِيضٌ زَانَ أَبَدَانَا
стр. 1242
صَبْرًا فِدًى لَكُمُ أُمِّي وَمَا وَلَدَتْ قَدْ ... يَنْفَعُ الصَّبْرُ فِي الْمَكْرُوهِ أَحْيَانَا
فَقَدْ رَضِينَا بِأَهْلِ الشَّامِ نَافِرَةً ... وَبِالْأَمِيرِ وَبِالْإِخْوَانِ إِخْوَانَا
إِنِّي لَمِنْهُمْ وَإِنْ غَابُوا وَإِنْ شَهِدُوا ... مَا دُمْتُ حَيًّا وَمَا سُمِّيتُ حَسَّانَا
لَتَسْمَعُنَّ وَشِيكًا فِي دِيَارِهِمُ
:
اللَّهُ أَكْبَرُ يَا ثَارَاتِ عُثْمَانَا ... ضَحَّوْا بِأَشْمَطَ عُنْوَانُ السُّجُودِ
بِهِ يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وَقُرْآنَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ فَقَالَ: وَقَدْ زَادَ فِيهَا أَهْلُ الشَّامِ، وَلَمْ أَرَ لِذِكْرِهِ وَجْهًا - يَعْنِي مَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ عَلِيٍّ - وَهُوَ:
يَا لَيْتَ شِعْرِي وَلَيْتَ الطَّيْرَ تُخْبِرُنِي ... مَا كَانَ بَيْنَ عَلِيٍّ وَابْنِ عَفَّانَا
وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ يُحَرِّضُ أَخَاهُ عُمَارَةَ:
أَلَا إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ قَتِيلُ ... التُّجِيبِيِّ الَّذِي جَاءَ مِنْ مِصْرِ
فَإِنْ يَكُ ظَنِّي بِابْنِ أُمِّي صَادِقًا ... عُمَارَةَ لَا يَطْلُبُ بِذَحْلٍ وَلَا وِتْرِ
يَبِيتُ وَأَوْتَارُ ابْنِ عَفَّانَ عِنْدَهُ ... مُخَيِّمَةٌ بَيْنَ الْخَوَرْنَقِ وَالْقَصْرِ
فَأَجَابَهُ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ:
أَتَطَلُبُ ثَأْرًا لَسْتَ مِنْهُ وَلَا لَهُ ... وَأَيْنَ ابْنُ ذَكْوَانَ الصَّفُورِيُّ مِنْ عَمْرِو
كَمَا اتَّصَلَتْ بِنْتُ الْحِمَارِ بِأُمِّهَا ... وَتَنْسَى أَبَاهَا إِذْ تُسَامِي أُولِي الْفَخْرِ
أَلَا إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ وَصِيُّ ... النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى عِنْدَ ذِي الذِّكْرِ
وَأَوَّلُ مَنْ صَلَّى وَصِنْوُ نَبِيِّهِ ... وَأَوَّلُ مَنْ أَرْدَى الْغُوَاةَ لَدَى بَدْرِ
فَلَوْ رَأَتِ الْأَنْصَارُ ظُلْمَ ابْنِ أُمِّكُمْ ... بِزَعْمِكُمُ كَانُوا لَهُ حَاضِرِي النَّصْرِ
كَفَى ذَاكَ عَيْبًا أَنْ يُشِيرُوا بِقَتْلِهِ ... وَأَنْ يُسْلِمُوهُ لِلْأَحَابِيشِ مِنْ مِصْرِ
وَقَوْلُهُ: وَأَيْنَ ابْنُ ذَكْوَانَ، فَإِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطِ بْنِ أَبِي عَمْرٍو اسْمُهُ ذَكْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَيَذْكُرُ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّسَّابِينَ أَنَّ ذَكْوَانَ مَوْلًى لِأُمَيَّةَ، فَتَبَنَّاهُ
стр. 1243
وَكَنَّاهُ أَبَا عَمْرٍو، وَيَعْنِي: إِنَّكَ مَوْلًى لَسْتَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ حَتَّى تَكُونَ مِمَّنْ يَطْلُبُ بِثَأْرِ عُثْمَانَ.
وَقَالَ غَيْرُهُمْ مِنَ الشُّعَرَاءِ أَيْضًا بَعْدَ مَقْتَلِهِ فَمِنْ بَيْنِ مَادِحٍ وَهَاجٍ، وَمِنْ نَاعٍ وَبَاكٍ، وَمِنْ سَارٍّ فَرِحٍ، فَمِمَّنْ مَدَحَهُ حَسَّانُ - كَمَا تَقَدَّمَ - وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي آخَرِينَ غَيْرِهِمْ كَذَلِكَ.
[ذكر بَيْعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ]
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بُويِعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ بَيْعَتِهِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ اجْتَمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَفِيهِمْ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، فَأَتَوْا عَلِيًّا فَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ إِمَامٍ. قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِي أَمْرِكُمْ فَمَنِ اخْتَرْتُمْ رَضِيتُ بِهِ. فَقَالُوا: مَا نَخْتَارُ غَيْرَكَ، وَتَرَدَّدُوا إِلَيْهِ مِرَارًا وَقَالُوا لَهُ فِي آخِرِ ذَلِكَ: إِنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهِ مِنْكَ، لَا أَقْدَمَ سَابِقَةً، وَلَا أَقْرَبَ قَرَابَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا فَإِنِّي أَكُونُ وَزِيرًا خَيْرًا مِنْ أَنْ أَكُونَ أَمِيرًا. فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَحْنُ بِفَاعِلِينَ حَتَّى نُبَايِعَكَ. قَالَ: فَفِي الْمَسْجِدِ، فَإِنَّ بَيْعَتِي لَا تَكُونُ خُفْيَةً وَلَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ. وَكَانَ فِي بَيْتِهِ، وَقِيلَ: فِي حَائِطٍ لَبَنِي عَمْرِو بْنِ مَبْذُولٍ، فَخَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَعَلَيْهِ إِزَارٌ وَطَاقٌ وَعِمَامَةُ خَزٍّ وَنَعْلَاهُ فِي يَدِهِ مُتَوَكِّئًا عَلَى قَوْسٍ، فَبَايَعَهُ النَّاسُ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَهُ مِنَ النَّاسِ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ حَبِيبُ بْنُ ذُؤَيْبٍ فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ! أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْبَيْعَةِ يَدٌ شَلَّاءُ، لَا يَتِمُّ هَذَا الْأَمْرُ! وَبَايَعَهُ الزُّبَيْرُ. وَقَالَ لَهُمَا عَلِيٌّ: إِنْ أَحْبَبْتُمَا أَنْ تُبَايِعَانِي وَإِنْ أَحْبَبْتُمَا بَايَعْتُكُمَا. فَقَالَا: بَلْ نُبَايِعُكَ. وَقَالَا بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّمَا فَعَلْنَا ذَلِكَ خَشْيَةً عَلَى نُفُوسِنَا، وَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا يُبَايِعُنَا. وَهَرَبَا إِلَى مَكَّةَ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. وَبَايَعَهُ النَّاسُ، وَجَاءُوا بِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ: بَايِعْ فَقَالَ: لَا، حَتَّى يُبَايِعَ النَّاسُ، وَاللَّهِ مَا عَلَيْكَ مِنِّي بَأْسٌ. فَقَالَ: خَلُّوا سَبِيلَهُ. وَجَاءُوا بِابْنِ عُمَرَ فَقَالُوا:
стр. 1244
بَايِعْ. قَالَ: لَا، حَتَّى يُبَايِعَ النَّاسُ. قَالَ: ائْتِنِي بِكَفِيلٍ. قَالَ: لَا أَرَى كَفِيلًا. قَالَ الْأَشْتَرُ: دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَهُ! قَالَ عَلِيٌّ: دَعُوهُ أَنَا كَفِيلُهُ، إِنَّكَ مَا عَلِمْتُ لَسَيِّءُ الْخُلُقِ صَغِيرًا وَكَبِيرًا.
وَبَايَعَتِ الْأَنْصَارُ إِلَّا نُفَيْرًا يَسِيرًا، مِنْهُمْ: حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَمَسْلَمَةُ بْنُ مُخَلَّدٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، وَفَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَكَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، وَكَانُوا عُثْمَانِيَّةً، فَأَمَّا حَسَّانُ فَكَانَ شَاعِرًا لَا يُبَالِي مَا يَصْنَعُ، وَأَمَّا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَوَلَّاهُ عُثْمَانُ الدِّيوَانَ وَبَيْتَ الْمَالِ، فَلَمَّا حُصِرَ عُثْمَانُ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ كُونُوا أَنْصَارًا لِلَّهِ، مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو أَيُّوبَ: مَا تَنْصُرُهُ إِلَّا لِأَنَّهُ أَكْثَرَ لَكَ مِنَ الْعُبْدَانِ. وَأَمَّا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى صَدَقَةِ مُزَيْنَةَ وَتَرَكَ لَهُ مَا أَخَذَ مِنْهُمْ، وَلَمْ يُبَايِعْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، وَصُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَقُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ.
فَأَمَّا النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ فَإِنَّهُ أَخَذَ أَصَابِعَ نَائِلَةَ امْرَأَةِ عُثْمَانَ الَّتِي قُطِعَتْ وَقَمِيصَ عُثْمَانَ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ، وَهَرَبَ بِهِ فَلَحِقَ بِالشَّامِ، فَكَانَ مُعَاوِيَةُ يُعَلِّقُ قَمِيصَ عُثْمَانَ وَفِيهِ الْأَصَابِعُ، فَإِذَا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ الشَّامِ ازْدَادُوا غَيْظًا وَجِدًّا فِي أَمْرِهِمْ، ثُمَّ رَفَعَهُ، فَإِذَا أَحَسَّ مِنْهُمْ بِفُتُورٍ يَقُولُ لَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: حَرِّكْ لَهَا حِوَارَهَا تَحِنُّ، فَيُعَلِّقُهَا.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ إِنَّمَا بَايَعَا عَلِيًّا كَرْهًا، (وَقِيلَ: لَمْ يُبَايِعْهُ الزُّبَيْرُ وَلَا صُهَيْبٌ وَلَا سَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ.
فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ بَايَعَا كَرْهًا فَقَالَ) : إِنَّ عُثْمَانَ لَمَّا قُتِلَ بَقِيَتِ الْمَدِينَةُ خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَأَمِيرُهَا الْغَافِقِيُّ بْنُ حَرْبٍ يَلْتَمِسُونَ مَنْ يُجِيبُهُمْ إِلَى الْقِيَامِ بِالْأَمْرِ فَلَا يَجِدُونَهُ، وَوَجَدُوا طَلْحَةَ فِي حَائِطٍ لَهُ، وَوَجَدُوا سَعْدًا وَالزُّبَيْرَ قَدْ خَرَجَا مِنَ الْمَدِينَةِ، وَوَجَدُوا بَنِي أُمَيَّةَ قَدْ هَرَبُوا إِلَّا مَنْ لَمْ يُطِقِ الْهَرَبَ، وَهَرَبَ سَعِيدٌ وَالْوَلِيدُ وَمَرْوَانُ إِلَى مَكَّةَ، وَتَبِعَهُمْ غَيْرُهُمْ، فَأَتَى الْمِصْرِيُّونَ عَلِيًّا فَبَاعَدَهُمْ، وَأَتَى الْكُوفِيُّونَ الزُّبَيْرَ فَبَاعَدَهُمْ، وَأَتَى الْبَصْرِيُّونَ طَلْحَةَ فَبَاعَدَهُمْ، وَكَانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلَى قَتْلِ عُثْمَانَ مُخْتَلِفِينَ فِيمَنْ يَلِي
стр. 1245
الْخِلَافَةَ. فَأَرْسَلُوا إِلَى سَعْدٍ يَطْلُبُونَهُ، فَقَالَ: إِنِّي وَابْنُ عُمَرَ لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا، فَأَتَوُا ابْنَ عُمَرَ فَلَمْ يُجِبْهُمْ، فَبَقَوْا حَيَارَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَئِنْ رَجَعَ النَّاسُ إِلَى أَمْصَارِهِمْ بِغَيْرِ إِمَامٍ لَمْ نَأْمَنْ الِاخْتِلَافَ وَفَسَادَ الْأُمَّةِ. فَجَمَعُوا أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَقَالُوا لَهُمْ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنْتُمْ أَهْلُ الشُّورَى، وَأَنْتُمْ تَعْقِدُونَ الْإِمَامَةَ، وَحُكْمُكُمْ جَائِزٌ عَلَى الْأُمَّةِ، فَانْظُرُوا رَجُلًا تَنْصِبُونَهُ وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ، وَقَدْ أَجَّلْنَاكُمْ يَوْمَكُمْ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَفْرُغُوا لَنَقْتُلَنَّ غَدًا عَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَأُنَاسًا كَثِيرًا! فَغَشِيَ النَّاسُ عَلِيًّا فَقَالُوا: نُبَايِعُكَ فَقَدْ تَرَى مَا نَزَلَ بِالْإِسْلَامِ وَمَا ابْتُلِينَا بِهِ مِنْ بَيْنِ الْقُرَى. فَقَالَ عَلِيٌّ: دَعَوْنِي وَالْتَمِسُوا غَيْرِي، فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْرًا لَهُ وُجُوهٌ وَلَهُ أَلْوَانٌ لَا تَقُومُ بِهِ الْقُلُوبُ وَلَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ. فَقَالُوا: نَنْشُدُكَ اللَّهَ! أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى الْإِسْلَامَ؟ أَلَا تَرَى الْفِتْنَةَ؟ أَلَا تَخَافُ اللَّهَ؟ فَقَالَ: قَدْ أَجَبْتُكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ، وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَإِنَّمَا أَنَا كَأَحَدِكُمْ، إِلَّا أَنِّي أَسْمَعُكُمْ وَأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ. ثُمَّ افْتَرَقُوا عَلَى ذَلِكَ وَاتَّعَدُوا الْغَدَ.
وَتَشَاوَرَ النَّاسُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَقَالُوا: إِنْ دَخَلَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ فَقَدِ اسْتَقَامَتْ، فَبَعَثَ الْبَصْرِيُّونَ إِلَى الزُّبَيْرِ حُكَيْمَ بْنَ جَبَلَةَ وَقَالُوا: احْذَرْ لَا تُحَابِهِ، وَمَعَهُ نَفَرٌ، فَجَاءُوا بِهِ يَحْدُونَهُ بِالسَّيْفِ، فَبَايَعَ، وَبَعَثُوا إِلَى طَلْحَةَ الْأَشْتَرَ وَمَعَهُ نَفَرٌ، فَأَتَى طَلْحَةُ، فَقَالَ: دَعْنِي أَنْظُرُ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ، فَلَمْ يَدَعْهُ، فَجَاءَ بِهِ يُتِلُّهُ تَلًّا عَنِيفًا، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَبَايَعَ. وَكَانَ الزُّبَيْرُ يَقُولُ: جَاءَنِي لِصٌّ مِنْ لُصُوصِ عَبْدِ الْقَيْسِ فَبَايَعْتُ وَالسَّيْفُ عَلَى عُنُقِي، وَأَهْلُ مِصْرَ فَرِحُونَ بِمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَقَدْ خَشَعَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ أَنْ صَارُوا أَتْبَاعًا لِأَهْلِ مِصْرَ وَازْدَادُوا بِذَلِكَ عَلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ غَيْظًا.
وَلَمَّا أَصْبَحُوا يَوْمَ الْبَيْعَةِ، وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، حَضَرَ النَّاسُ الْمَسْجِدَ، وَجَاءَ عَلِيٌّ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، عَنْ مَلَإٍ وَإِذْنٍ، إِنَّ هَذَا أَمْرُكُمْ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ حَقٌّ إِلَّا مَنْ أَمَّرْتُمْ، وَقَدِ افْتَرَقْنَا بِالْأَمْسِ عَلَى أَمْرٍ وَكُنْتُ كَارِهًا لِأَمْرِكُمْ، فَأَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ أَكُونَ عَلَيْكُمْ، أَلَا وَإِنَّهُ لَيْسَ لِي دُونَكُمْ إِلَّا مَفَاتِيحُ مَا لَكَمَ مَعِي، وَلَيْسَ لِي أَنْ آخُذَ دِرْهَمًا دُونَكُمْ، فَإِنْ شِئْتُمْ قَعَدْتُ لَكُمْ وَإِلَّا فَلَا أَجِدُ عَلَى أَحَدٍ. فَقَالُوا: نَحْنُ عَلَى مَا فَارَقْنَاكَ عَلَيْهِ بِالْأَمْسِ.
стр. 1246
فَقَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ. وَلَمَّا جَاءُوا بِطَلْحَةَ لِيُبَايِعَ قَالَ: إِنَّمَا أُبَايِعُ كُرْهًا. فَبَايَعَ، وَكَانَ بِهِ شَلَلٌ، فَقَالَ رَجُلٌ يَعْتَافُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أَوَّلُ يَدٍ بَايَعَتْ يَدٌ شَلَّاءٌ، لَا يَتِمُّ هَذَا الْأَمْرُ! ثُمَّ جِيءَ بِالزُّبَيْرِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ وَبَايَعَ، وَفِي الزُّبَيْرِ اخْتِلَافٌ، ثُمَّ جِيءَ بَعْدَهُ بِقَوْمٍ كَانُوا قَدْ تَخَلَّفُوا فَقَالُوا: نُبَايِعُ عَلَى إِقَامَةِ كِتَابِ اللَّهِ فِي الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ وَالْعَزِيزِ وَالذَّلِيلِ، فَبَايَعَهُمْ، ثُمَّ قَامَ الْعَامَّةُ فَبَايَعُوا، وَصَارَ الْأَمْرُ أَمْرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَكَأَنَّهُمْ كَمَا كَانُوا فِيهِ وَتَفَرَّقُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ.
وَبُويِعَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَالنَّاسُ يَحْسِبُونَ بَيْعَتَهُ مِنْ [يَوْمِ] قُتِلَ عُثْمَانُ.
وَأَوَّلُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا عَلِيٌّ حِينَ اسْتُخْلِفَ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ كِتَابًا هَادِيًا يُبَيِّنُ فِيهِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، فَخُذُوا بِالْخَيْرِ وَدَعُوا الشَّرَّ، الْفَرَائِضَ الْفَرَائِضَ أَدُّوهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يُؤَدِّكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ. إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ حُرُمَاتٍ غَيْرَ مَجْهُولَةٍ، وَفَضَّلَ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ عَلَى الْحُرُمِ كُلِّهَا، وَشَدَّ بِالْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ، فَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ إِلَّا بِالْحَقِّ، لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِمَا يَجِبُ. بَادِرُوا أَمْرَ الْعَامَّةِ، وَخَاصَّةُ أَحَدِكُمُ الْمَوْتُ، فَإِنَّ النَّاسَ أَمَامَكُمْ وَإِنَّ مَا [مِنْ] خَلْفِكُمُ السَّاعَةُ تَحْدُوكُمْ. تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا، فَإِنَّمَا يَنْتَظِرُ النَّاسُ أُخْرَاهُمْ. اتَّقَوُا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ فِي بِلَادِهِ وَعِبَادِهِ، إِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ حَتَّى عَنِ الْبِقَاعِ وَالْبَهَائِمِ. أَطِيعُوا اللَّهَ فَلَا تَعْصَوْهُ، وَإِذَا رَأَيْتُمُ الْخَيْرَ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا رَأَيْتُمُ الشَّرَّ فَدَعُوهُ، ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٢٦] وَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْخُطْبَةِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَتِ السَّبَئِيَّةُ:
خُذْهَا إِلَيْكَ وَاحْذَرَنْ أَبَا حَسَنْ ... إِنَّا نُمِرُّ الْأَمْرَ إِمْرَارَ الرَّسَنْ
صَوْلَةَ أَقْوَامٍ كَأَشْدَادِ السُّفُنْ ... بِمَشْرَفِيَّاتٍ كَغُدْرَانِ اللَّبَنْ
وَنَطْعَنُ الْمَلْكَ بِلَيْنٍ كَالشَّطَنْ ... حَتَّى يُمَرَّنَّ عَلَى غَيْرِ عَنَنْ
فَقَالَ عَلِيٌّ:
إِنِّي عَجَزْتُ عَجْزَةً لَا أَعْتَذِرْ ... سَوْفَ أَكِيسُ بَعْدَهَا وَأَسْتَمِرْ
стр. 1247
إِنْ لَمْ يُشَاغِبْنِي الْعَجُولُ الْمُنْتَصِرْ
إِنْ تَتْرُكُونِي وَالسِّلَاحَ يَبْتَدِرْ
وَرَجَعَ عَلِيٌّ إِلَى بَيْتِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ فِي عَدَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فَقَالُوا: يَا عَلِيُّ إِنَّا قَدِ اشْتَرَطْنَا إِقَامَةَ الْحُدُودِ، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ قَدِ اشْتَرَكُوا فِي قَتْلِ هَذَا الرَّجُلِ وَأَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ. فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهُ إِنِّي لَسْتُ أَجْهَلُ مَا تَعْلَمُونَ، وَلَكِنْ كَيْفَ أَصْنَعُ بِقَوْمٍ يَمْلِكُونَنَا وَلَا نَمْلِكُهُمْ؟ هَا هُمْ هَؤُلَاءِ قَدْ ثَارَتْ مَعَهُمْ عُبْدَانُكُمْ وَثَابَتْ إِلَيْهِمْ أَعْرَابُكُمْ وَهُمْ خُلَّاطُكُمْ يَسُومُونَكُمْ مَا شَاءُوا، فَهَلْ تَرَوْنَ مَوْضِعًا لِقُدْرَةٍ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَلَا وَاللَّهِ لَا أَرَى إِلَّا رَأْيًا تَرَوْنَهُ أَبَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ. إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ أَمْرُ جَاهِلِيَّةٍ، وَإِنَّ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مَادَّةٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّيْطَانَ لَمْ يُشْرِعْ شَرِيعَةً قَطُّ، فَيَبْرَحُ الْأَرْضَ [مَنْ] أَخَذَ بِهَا أَبَدًا. إِنَّ النَّاسَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ إِنْ حُرِّكَ عَلَى أُمُورٍ: فِرْقَةٌ تَرَى مَا تَرَوْنَ، وَفِرْقَةٌ تَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَفِرْقَةٌ لَا تَرَى هَذَا وَلَا هَذَا، حَتَّى يَهْدَأَ النَّاسُ وَتَقَعَ الْقُلُوبُ مَوَاقِعَهَا وَتُؤْخَذُ الْحُقُوقُ، فَاهْدَأُوا عَنِّي، وَانْظُرُوا مَاذَا يَأْتِيكُمْ ثُمَّ عُودُوا. وَاشْتَدَّ عَلَى قُرَيْشٍ وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْخُرُوجِ عَلَى حَالِهَا، وَإِنَّمَا هَيَّجَهُ عَلَى ذَلِكَ هَرَبُ بَنِي أُمَيَّةَ وَتَفَرُّقُ الْقَوْمِ، فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ مَا قَالَ عَلِيٌّ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: نَقْضِي الَّذِي عَلَيْنَا وَلَا نُؤَخِّرُهُ، وَاللَّهِ إِنَّ عَلِيًّا لِمُسْتَغْنٍ بِرَأْيِهِ وَلَيَكُونَنَّ أَشَدَّ عَلَى قُرَيْشٍ مِنْ غَيْرِهِ.
فَسَمِعَ ذَلِكَ فَخَطَبَهُمْ وَذَكَرُ فَضْلَهُمْ وَحَاجَتَهُ إِلَيْهِمْ وَنَظَرَهُ لَهُمْ وَقِيَامَهُ دُونَهُمْ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنْ سُلْطَانِهِمْ (إِلَّا ذَاكَ) وَالْأَجْرُ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَنَادَى: بَرِئَتِ الذِّمَّةُ مِنْ عَبْدٍ لَا يَرْجِعُ إِلَى مَوْلَاهُ. فَتَذَامَرَتِ السَّبِيئَةُ وَالْأَعْرَابُ وَقَالُوا: لَنَا غَدًا مِثْلُهَا وَلَا نَسْتَطِيعُ نَحْتَجُّ فِيهِمْ بِشَيْءٍ. وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَخْرِجُوا عَنْكُمُ الْأَعْرَابَ فَلْيَلْحَقُوا بِمِيَاهِهِمْ، فَأَبَتِ السَّبِيئَةُ وَأَطَاعَهُمُ الْأَعْرَابُ. فَدَخَلَ عَلِيٌّ بَيْتَهُ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: دُونَكُمْ ثَأْرَكُمْ فَاقْتُلُوهُ. فَقَالَ: (عَشَوْا عَنْ ذَلِكَ) . فَقَالَ: هُمْ وَاللَّهِ بَعْدَ الْيَوْمِ أَعْشَى! وَقَالَ:
وَلَوْ أَنَّ قَوْمِي طَاوَعَتْنِي سُرَاتُهُمْ ... أَمَرْتُهُمُ أَمْرًا يُدِيخُ الْأَعَادِيَا
وَقَالَ طَلْحَةُ: دَعْنِي آتِ الْبَصْرَةَ فَلَا يَفْجَأُكَ إِلَّا وَإِنَّا فِي خَيْلٍ. وَقَالَ الزُّبَيْرُ: دَعْنِي آتِ الْكُوفَةَ فَلَا يَفْجَأُكَ إِلَّا وَأَنَا فِي خَيْلٍ. فَقَالَ: حَتَّى أَنْظُرَ فِي ذَلِكَ.
стр. 1248
قِيلَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتَيْتُ عَلِيًّا بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ عِنْدَ عَوْدِي مِنْ مَكَّةَ فَوَجَدْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ مُسْتَخْلِيًا بِهِ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا قَالَ لَكَ هَذَا؟ فَقَالَ: قَالَ لِي قَبْلَ مَرَّتِهِ هَذِهِ: إِنَّ لَكَ حَقَّ الطَّاعَةِ وَالنَّصِيحَةِ، وَأَنْتَ بَقِيَّةُ النَّاسِ، وَإِنَّ الرَّأْيَ الْيَوْمَ تُحْرِزُ بِهِ مَا فِي غَدٍ، وَإِنَّ الضَّيَاعَ الْيَوْمَ يَضِيعُ بِهِ مَا فِي غَدٍ، أَقْرِرْ مُعَاوِيَةَ وَابْنَ عَامِرٍ وَعُمَّالَ عُثْمَانَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ حَتَّى تَأْتِيَكَ بَيْعَتُهُمْ وَيَسْكُنَ النَّاسُ، ثُمَّ اعْزِلْ مَنْ شِئْتَ، فَأَبَيْتُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَقُلْتُ: لَا أُدَاهِنُ فِي دِينِي وَلَا أُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي أَمْرِي. قَالَ: فَإِنْ كُنْتَ أَبِيتُ عَلِيَّ فَانْزِعْ مَنْ شِئْتَ وَاتْرُكْ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّ فِي مُعَاوِيَةَ جُرْأَةً، وَهُوَ فِي أَهْلِ الشَّامِ يُسْتَمَعُ مِنْهُ، وَلَكَ حُجَّةٌ فِي إِثْبَاتِهِ، كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَدْ وَلَّاهُ الشَّامَ. فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ لَا أَسْتَعْمِلُ مُعَاوِيَةَ يَوْمَيْنِ! ثُمَّ انْصَرَفَ مِنْ عِنْدِي وَأَنَا أَعْرِفُ فِيهِ أَنَّهُ يَوَدُّ أَنِّي مُخْطِئٌ، ثُمَّ عَادَ إِلَيَّ الْآنَ فَقَالَ: إِنِّي أَشَرْتُ عَلَيْكَ أَوَّلَ مَرَّةٍ بِالَّذِي أَشَرْتُ وَخَالَفَتْنِي فِيهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ تَصْنَعَ الَّذِي رَأَيْتَ فَتَعْزِلَهُمْ وَتَسْتَعِينَ بِمَنْ تَثِقُ بِهِ، فَقَدْ كَفَى اللَّهُ وَهُمْ أَهْوَنُ شَوْكَةً مِمَّا كَانَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُلْتُ لَعَلِيٍّ: أَمَّا الْمَرَّةُ الْأُولَى فَقَدْ نَصَحَكَ، وَأَمَّا الْمَرَّةُ الثَّانِيَةُ فَقَدْ غَشَّكَ. قَالَ: وَلِمَ نَصَحَنِي؟ قُلْتُ: لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَصْحَابَهُ أَهْلُ دُنْيَا فَمَتَى تُثَبِّتُهُمْ لَا يُبَالُوا مَنْ وَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ، وَمَتَى تَعْزِلُهُمْ يَقُولُوا: أَخَذَ هَذَا الْأَمْرَ بِغَيْرِ شُورَى وَهُوَ قَتَلَ صَاحِبَنَا، وَيُؤَلِّبُونَ عَلَيْكَ، فَتَنْتَقِضَ عَلَيْكَ الشَّامُ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، مَعَ أَنِّي لَا آمَنُ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ أَنْ يَكِرَّا عَلَيْكَ، وَأَنَا أُشِيرُ عَلَيْكَ أَنْ تُثَبِّتَ مُعَاوِيَةَ، فَإِنْ بَايَعَ لَكَ فَعَلَيَّ أَنْ أَقْلَعَهُ مِنْ مَنْزِلِهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ لَا أُعْطِيهِ إِلَّا السَّيْفَ! ثُمَّ تَمَثَّلَ:
وَمَا مِيتَةٌ إِنْ مِتُّهَا غَيْرَ عَاجِزٍ ... بِعَارٍ إِذَا مَا غَالَتِ النَّفْسَ غُولُهَا
فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْتَ رَجُلٌ شُجَاعٌ لَسْتَ صَاحِبَ رَأْيٍ فِي الْحَرْبِ، أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ؟» فَقَالَ: بَلَى: فَقُلْتُ: أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ أَطَعْتَنِي لَأُصْدِرَنَّهُمْ بَعْدَ وِرْدٍ، وَلَأَتْرُكَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ فِي دُبُرِ الْأُمُورِ لَا يَعْرِفُونَ مَا كَانَ وَجْهَهَا فِي غَيْرِ نُقْصَانٍ عَلَيْكَ وَلَا إِثْمٍ لَكَ. فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ لَسْتُ مِنْ هَنَاتِكَ وَلَا مِنْ هَنَاتِ مُعَاوِيَةَ فِي شَيْءٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُلْتُ لَهُ: أَطِعْنِي وَالْحَقْ بِمَالِكَ بِيَنْبُعَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ عَلَيْكَ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تَجُولُ جَوْلَةً وَتَضْطَرِبُ وَلَا تَجِدُ غَيْرَكَ، فَإِنَّكَ وَاللَّهِ لَئِنْ نَهَضَتْ مَعَ هَؤُلَاءِ الْيَوْمَ لَيُحَمِّلَنَّكَ النَّاسُ دَمَ عُثْمَانَ غَدًا. فَأَبَى عَلِيٌّ فَقَالَ: تُشِيرُ عَلَيَّ وَأَرَى فَإِذَا
стр. 1249
عَصَيْتُكَ فَأَطِعْنِي. قَالَ: فَقُلْتُ: أَفْعَلُ، إِنَّ أَيْسَرَ مَا لَكَ عِنْدِي الطَّاعَةُ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: تَسِيرُ إِلَى الشَّامِ فَقَدْ وَلَّيْتُكَهَا. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا هَذَا بِرَأْيٍ، مُعَاوِيَةُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ عُثْمَانَ وَعَامِلُهُ وَلَسْتُ آمَنُ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقِي بِعُثْمَانَ، وَإِنَّ أَدْنَى مَا هُوَ صَانِعٌ أَنْ يَحْبِسَنِي فَيَتَحَكَّمَ عَلَيَّ لِقَرَابَتِي مِنْكَ، وَإِنَّ كُلَّ مَا حُمِلَ عَلَيْكَ حُمِلَ عَلَيَّ، وَلَكِنِ اكْتُبْ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَمَنِّهِ وَعِدْهُ. فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، لَا كَانَ هَذَا أَبَدًا!
وَكَانَ الْمُغِيرَةُ يَقُولُ: نَصَحْتُهُ فَلَمَّا لَمْ يَقْبَلُ غَشَشْتُهُ. وَخَرَجَ فَلَحِقَ بِمَكَّةَ.
ذكر عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ - سَارَ قُسْطَنْطِينُ بْنُ هِرَقْلٍ فِي أَلْفِ مَرْكَبٍ يُرِيدُ أَرْضَ الْمُسْلِمِينَ (قَبْلَ قَتْلِ عُثْمَانَ) ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا عَاصِفًا فَغَرَّقَهُمْ، وَنَجَا قُسْطَنْطِينُ فَأَتَى صِقِلِّيَةَ، فَصَنَعُوا لَهُ حَمَّامًا، فَدَخَلَهُ فَقَتَلُوهُ فِيهِ وَقَالُوا: قَتَلْتَ رِجَالَنَا. هَكَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ.
وَهَذَا قُسْطَنْطِينُ هُوَ الَّذِي هَزَمَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي غَزْوَةِ الصَّوَارِي سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ، وَقَتَلَهُ أَهْلُ صِقِلِّيَةَ فِي الْحَمَّامِ، وَإِنْ كَانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي السَّنَةِ الَّتِي كَانَتِ الْوَقْعَةُ فِيهَا، فَلَوْلَا قَوْلُهُ: إِنَّ الْمَرَاكِبَ غَرِقَتْ، لَكَانَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ هِيَ تِلْكَ، فَإِنَّهَا فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ: كَانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ مَاتَ أَوْسُ بْنُ خَوْلِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ. وَفِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ أَيْضًا مَاتَ الْجُلَاسُ بْنُ سُوَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ، وَفِيهَا مَاتَ الْحَرْثُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ الْحَرْثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَالِدُ الْمُلَقَّبِ بِبَبَّةَ.
стр. 1250
وَفِي آخِرِهَا مَاتَ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وَهُوَ وَالِدُ مَرْوَانَ وَعَمُّ عُثْمَانَ. وَفِيهَا مَاتَ حَبَّانُ بْنُ مُنْقِذٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ وَالِدُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ - بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ -، وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَقِيلَ: بَلْ قُتِلَ بِأُحُدٍ شَهِيدًا. وَفِي خِلَافَتِهِ مَاتَ قُطْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيُّ - وَهُوَ عَقَبِيٌّ بَدْرِيٌّ -. وَفِي خِلَافَتِهِ مَاتَ زَيْدُ بْنُ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ - وَهُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ بَعْدَ مَوْتِهِ -. وَفِيهَا قُتِلَ مَعْبَدُ بْنُ
стр. 1251
الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِإِفْرِيقِيَّةَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ. وَفِيهَا مَاتَ مُعَيْقِيبُ بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ، وَكَانَ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ، وَكَانَ عَلَى خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقِيلَ: بَلْ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ، وَفِيهَا مَاتَ مُطِيعُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْعَدَوِيُّ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ يَوْمَ الْفَتْحِ. وَفِي خِلَافَتِهِ مَاتَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيُّ، وَقِيلَ: بَلْ قُتِلَ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ مَعَ
стр. 1252
مُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَفِي خِلَافَتِهِ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ، وَهُوَ بَدْرِيُّ - وَكَانَ فِيهِ دُعَابَةٌ -. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ وَالِدُ عُمَرَ الشَّاعِرِ، وَكَانَ قَدْ جَاءَ مِنَ الْيَمَنِ لِيَنْصُرَ عُثْمَانَ لَمَّا حُصِرَ فَسَقَطَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَمَاتَ. وَأَبُو رَافِعٍ مَوْلَى
стр. 1253
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقِيلَ: مَاتَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ، وَهُوَ أَصَحُّ
وَفِي خِلَافَتِهِ تُوَفِّي أَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمٍ الْعَامِرِيُّ مِنْ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ - وَهُوَ بَدْرِيٌّ -
وَفِيهَا مَاتَ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ خَالُ مُعَاوِيَةَ، أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَكَانَ صَالِحًا. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَقِيلَ: عَاشَ بَعْدَهُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
стр. 1254
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ] [ ذكر تَفْرِيقِ عَلِيٍّ عُمَّالَهُ وَخِلَافِ مُعَاوِيَةَ]
٣٦ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ
ذكر تَفْرِيقِ عَلِيٍّ عُمَّالَهُ وَخِلَافِ مُعَاوِيَةَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فَرَّقَ عَلِيٌّ عُمَّالَهُ عَلَى الْأَمْصَارِ، فَبَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَعِمَارَةَ بْنَ شِهَابٍ عَلَى الْكُوفَةِ، وَكَانَتْ لَهُ هِجْرَةٌ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَلَى الْيَمَنِ، وَقَيْسَ بْنَ سَعْدٍ عَلَى مِصْرَ، وَسَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ عَلَى الشَّامِ.
فَأَمَّا سَهْلٌ فَإِنَّهُ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِتَبُوكَ لَقِيَتْهُ خَيْلٌ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَمِيرٌ. قَالُوا: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: عَلَى الشَّامِ. قَالُوا: إِنْ كَانَ بَعَثَكَ عُثْمَانُ فَحَيَّ هَلًا بِكَ، وَإِنْ كَانَ بَعَثَكَ غَيْرُهُ فَارْجِعْ. قَالَ: أَوَمَا سَمِعْتُمْ بِالَّذِي كَانَ؟ قَالُوا: بَلَى. فَرَجَعَ إِلَى عَلِيٍّ.
وَأَمَّا قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ فَإِنَّهُ لَمَّا انْتَهَى إِلَى أَيْلَةَ لَقِيَتْهُ خَيْلٌ، فَقَالُوا لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ فَالَّةِ عُثْمَانَ، فَأَنَا أَطْلُبُ مَنْ آوِي إِلَيْهِ فَأَنْتَصِرُ بِهِ لِلَّهِ. قَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ. قَالُوا: امْضِ. فَمَضَى حَتَّى دَخَلَ مِصْرَ. فَافْتَرَقَ أَهْلُ مِصْرَ فِرَقًا، فِرْقَةٌ دَخَلَتْ فِي الْجَمَاعَةِ فَكَانُوا مَعَهُ، وَفِرْقَةٌ اعْتَزَلَتْ بِخَرْنَبَا وَقَالُوا: إِنْ قُتِلَ قَتَلَةُ عُثْمَانُ فَنَحْنُ مَعَكُمْ، وَإِلَّا فَنَحْنُ عَلَى جَدِيلَتِنَا حَتَّى نُحَرِّكَ أَوْ نُصِيبَ حَاجَتَنَا، وَفِرْقَةٌ قَالُوا: نَحْنُ مَعَ عَلِيٍّ مَا لَمْ يُقِدْ مِنْ إِخْوَانِنَا، وَهُمْ فِي ذَلِكَ مَعَ الْجَمَاعَةِ. وَكَتَبَ قَيْسٌ إِلَى عَلِيٍّ بِذَلِكَ.
стр. 1255
وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ فَسَارَ وَلَمْ يَرُدُّهُ أَحَدٌ عَنْ دُخُولِ الْبَصْرَةِ، وَلَمْ يَجِدْ لِابْنِ عَامِرٍ فِي ذَلِكَ رَأْيًا وَلَا اسْتِقْلَالًا بِحَرْبٍ، وَافْتَرَقَ النَّاسُ بِهَا، فَاتَّبَعَتْ فِرْقَةٌ الْقَوْمَ، وَدَخَلَتْ فِرْقَةٌ فِي الْجَمَاعَةِ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: نَنْظُرُ مَا يَصْنَعُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَنَصْنَعُ كَمَا صَنَعُوا.
وَأَمَّا عِمَارَةُ بْنُ شِهَابٍ، فَلَمَّا بَلَغَ زُبَالَةَ لَقِيَهُ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ، وَكَانَ خَرَجَ يَطْلُبُ بِثَأْرِ عُثْمَانَ وَهُوَ يَقُولُ: لَهْ فِي عَلَى أَمْرٍ لَمْ يَسْبِقْنِي وَلَمْ أُدْرِكْهُ! وَكَانَ خُرُوجُهُ عِنْدَ عَوْدِ الْقَعْقَاعِ مِنْ إِغَاثَةِ عُثْمَانَ، فَلَمَّا لَقِيَ عِمَارَةَ قَالَ لَهُ: ارْجِعْ، فَإِنَّ الْقَوْمَ لَا يُرِيدُونَ بِأَمِيرِهِمْ بَدَلًا، فَإِنْ أَبَيْتَ ضُرِبَتْ عُنُقُكَ. فَرَجَعَ عِمَارَةُ إِلَى عَلِيٍّ بِالْخَبَرِ.
وَانْطَلَقَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ إِلَى الْيَمَنِ، فَجَمَعَ يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْجِبَايَةِ وَخَرَجَ بِهِ إِلَى مَكَّةَ، فَقَدِمَهَا بِالْمَالِ، وَدَخَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ الْيَمَنَ.
وَلَمَّا رَجَعَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ مِنَ الشَّامِ، وَأَتَتْ عَلِيًّا الْأَخْبَارُ دَعَا طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ فَقَالَ: إِنَّ الْأَمْرَ الَّذِي كُنْتُ أُحَذِّرُكُمْ قَدْ وَقَعَ، وَإِنَّ الَّذِي قَدْ وَقَعَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِإِمَاتَتِهِ، وَإِنَّهَا فِتْنَةٌ كَالنَّارِ كُلَّمَا سُعِّرَتِ ازْدَادَتْ وَاسْتَثَارَتْ. فَقَالَا لَهُ: ائْذَنْ لَنَا نَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَإِمَّا أَنْ نُكَاثِرَ وَإِمَّا أَنْ تَدَعَنَا. فَقَالَ: سَأُمْسِكُ الْأَمْرَ مَا اسْتَمْسَكَ، فَإِذَا لَمْ أَجِدُ بُدًّا فَآخِرُ الدَّاءِ الْكَيُّ.
وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَإِلَى أَبِي مُوسَى. فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو مُوسَى بِطَاعَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَبَيْعَتِهِمْ، وَبَيَّنَ الْكَارِهَ مِنْهُمْ لِلَّذِي كَانَ، وَالرَّاضِي، وَمَنْ بَيْنَ ذَلِكَ، حَتَّى كَانَ عَلِيٌّ كَأَنَّهُ يُشَاهِدُهُمْ. وَكَانَ رَسُولُ عَلِيٍّ إِلَى أَبِي مُوسَى مَعْبَدٌ الْأَسْلَمِيُّ، وَكَانَ رَسُولُهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ سَبْرَةُ الْجُهَنِيُّ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُجِبْهُ مُعَاوِيَةُ بِشَيْءٍ، كُلَّمَا تَنَجَّزَ جَوَابَهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْلِهِ:
أَدِمْ إِدَامَةَ حِصْنٍ أَوْ خُذَا بِيَدِي حَرْبًا ... ضَرُوسًا تَشُبُّ الْجَزْلَ وَالضَّرَمَا
فِي جَارِكُمْ وَابْنِكُمْ إِذْ كَانَ مَقْتَلُهُ ... شَنْعَاءَ شَيَّبَتِ الْأَصْدَاغَ وَاللِّمَمَا
أَعْيَا الْمَسُودُ بِهَا وَالسَّيِّدُونَ ... فَلَمْ يُوجَدْ غَيْرُنَا مَوْلًى وَلَا حَكَمًا
стр. 1256
حَتَّى إِذَا كَانَ الشَّهْرُ الثَّالِثُ مِنْ مَقْتَلِ عُثْمَانَ فِي صَفَرٍ، دَعَا مُعَاوِيَةُ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْسٍ، يُدْعَى قَبِيصَةَ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ طُومَارًا مَخْتُومًا عُنْوَانُهُ: مِنْ مُعَاوِيَةَ إِلَى عَلِيٍّ، وَقَالَ لَهُ: إِذَا دَخَلْتَ الْمَدِينَةَ فَاقْبِضْ عَلَى أَسْفَلِ الطُّومَارِ، ثُمَّ أَوْصَاهُ بِمَا يَقُولُ، وَأَعَادَ رَسُولَ عَلِيٍّ مَعَهُ. فَخَرَجَا فَقَدِمَا الْمَدِينَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَدَخَلَهَا الْعَبْسِيُّ كَمَا أَمَرَهُ قَدْ رَفَعَ الطُّومَارُ، فَتَبِعَهُ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَعَلِمُوا أَنَّ مُعَاوِيَةَ مُعْتَرِضٌ، وَدَخْلَ الرَّسُولُ عَلَى عَلِيٍّ فَدَفَعَ إِلَيْهِ الطُّومَارَ، فَفَضَّ خَتْمَهُ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ كِتَابًا. فَقَالَ لِلرَّسُولِ: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: آمِنٌ أَنَا؟ قَالَ: نَعَمٌ، إِنَّ الرَّسُولَ لَا يُقْتَلُ. قَالَ: وَرَائِي أَنِّي تَرَكْتُ قَوْمًا لَا يَرْضَوْنَ إِلَّا بِالْقَوَدِ. قَالَ: مِمَّنْ؟ قَالَ: مِنْ خَيْطِ رَقَبَتِكَ. وَتَرَكْتُ سِتِّينَ أَلْفَ شَيْخٍ تَبْكِي تَحْتَ قَمِيصِ عُثْمَانَ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ لَهُمْ قَدْ أَلْبَسُوهُ مِنْبَرَ دِمَشْقَ. قَالَ: أَمِنِّي يَطْلُبُونَ دَمَ عُثْمَانَ، أَلَسْتُ مَوْتُورًا كَتِرَةِ عُثْمَانَ؟ اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ! نَجَا وَاللَّهِ قَتَلَةُ عُثْمَانَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، فَإِنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَمْرًا أَصَابَهُ، اخْرُجْ. قَالَ: وَأَنَا آمِنٌ؟ قَالَ: وَأَنْتَ آمِنٌ.
فَخَرَجَ الْعَبْسِيُّ، وَصَاحَتِ السَّبَئِيَّةُ وَقَالَتْ: هَذَا الْكَلْبُ رَسُولُ الْكِلَابِ، اقْتُلُوهُ! فَنَادَى: يَا آلَ مُضَرَ يَا آلَ قَيْسٍ! الْخَيْلَ وَالنَّبْلَ! أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَيَرُدَّنَّهَا عَلَيْكُمْ أَرْبَعَةُ آلَافِ خَصِيٍّ، فَانْظُرُوا كَمِ الْفُحُولُ وَالرِّكَابُ! وَتَعَاوَنُوا عَلَيْهِ، فَمَنَعَتْهُ مُضَرُ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ لَهُ: اسْكُتْ، فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ لَا يُفْلِحُ هَؤُلَاءِ أَبَدًا، أَتَاهُمْ مَا يُوعَدُونَ، لَقَدْ حَلَّ بِهِمْ مَا يَحْذَرُونَ، انْتَهَتْ وَاللَّهِ أَعْمَالُهُمْ وَذَهَبَتْ رِيحُهُمْ، فَوَاللَّهِ مَا أَمْسَوْا حَتَّى عُرِفَ الذُّلُّ فِيهِمْ.
وَأَحَبَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَنْ يَعْلَمُوا رَأْيَ عَلِيٍّ فِي مُعَاوِيَةَ وَقِتَالِهِ أَهْلَ الْقِبْلَةِ، أَيَجْسُرُ عَلَيْهِ أَمْ يَنْكُلُ عَنْهُ؟ وَقَدْ بَلَغَهُمْ أَنَّ ابْنَهُ الْحَسَنَ دَعَاهُ إِلَى الْقُعُودِ وَتَرْكِ النَّاسِ، فَدَسُّوا زِيَادَ بْنَ حَنْظَلَةَ التَّمِيمِيَّ، وَكَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى عَلِيٍّ فَجَلَسَ إِلَيْهِ سَاعَةً، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: يَا زِيَادَ تَيَسَّرْ، فَقَالَ: لِأَيِّ شَيْءٍ؟ فَقَالَ: لِغَزْوِ الشَّامِ. فَقَالَ زِيَادٌ: الْأَنَاةُ وَالرِّفْقُ أَمْثَلُ، وَقَالَ:
وَمَنْ لَمْ يُصَانِعْ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ يُضَرَّسْ بِأَنْيَابٍ وَيُوطَأْ بِمَنْسِمِ
فَتَمَثَّلَ عَلِيٌّ وَكَأَنَّهُ لَا يُرِيدُهُ:
стр. 1257
مَتَّى تَجْمَعِ الْقَلْبَ الزَّكِيَّ وَصَارِمًا ... وَأَنْفًا حَمِيًّا تَجْتَنِبْكَ الْمَظَالِمُ
فَخَرَجَ زِيَادٌ وَالنَّاسُ يَنْتَظِرُونَهُ وَقَالُوا: مَا وَرَاءَكَ؟ فَقَالَ: السَّيْفُ يَا قَوْمُ. فَعَرَفُوا مَا هُوَ فَاعِلٌ. وَاسْتَأْذَنَهُ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ فِي الْعُمْرَةِ، فَأَذِنَ لَهُمَا، فَلَحِقَا بِمَكَّةَ، وَدَعَا عَلِيٌّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ فَدَفَعَ إِلَيْهِ اللِّوَاءَ، وَوَلَّى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ مَيْمَنَتَهُ، وَعُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ أَوْ عَمْرَو بْنَ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ وَلَّاهُ مَيْسَرَتَهُ، وَدَعَا أَبَا لَيْلَى بْنَ عُمَرَ بْنِ الْجَرَّاحِ ابْنَ أَخِي أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجِرَاحِ فَجَعَلَهُ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قُثَمَ بْنَ الْعَبَّاسِ، وَلَمْ يُوَلِّ مِمَّنْ خَرَجَ عَلَى عُثْمَانَ أَحَدًا.
وَكَتَبَ إِلَى قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، وَإِلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ، وَإِلَى أَبِي مُوسَى أَنْ يَنْدُبُوا النَّاسَ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ، وَدَعَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ إِلَى قِتَالِهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ فِي سُلْطَانِ اللَّهِ عِصْمَةُ أَمْرِكُمْ فَأَعْطُوهُ طَاعَتَكُمْ غَيْرَ مَلْوِيَّةٍ وَلَا مُسْتَكْرَهٍ بِهَا، وَاللَّهِ لَتَفْعَلُنُّ أَوْ لَيَنْقُلَنَّ اللَّهُ عَنْكُمْ سُلْطَانَ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ لَا يَنْقُلُهُ إِلَيْكُمْ أَبَدًا حَتَّى يَأْرِزَ الْأَمْرُ إِلَيْهَا، انْهَضُوا إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ تَفْرِيقَ جَمَاعَتِكُمْ، لَعَلَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِكُمْ مَا أَفْسَدَ أَهْلُ الْآفَاقِ وَتَقْضُونَ الَّذِي عَلَيْكُمْ.
(خَرْنَبَا بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَفَتْحِ النُّونِ، وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَآخِرُهُ أَلْفٌ) .
[ذكر ابْتِدَاءِ وَقْعَةِ الْجَمَلِ]
فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ عَلَى التَّجَهُّزِ لِأَهْلِ الشَّامِ أَتَاهُمُ الْخَبَرُ عَنْ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَعَائِشَةَ
стр. 1258
وَأَهْلِ (مَكَّةَ بِنَحْوٍ آخَرَ) وَأَنَّهُمْ عَلَى الْخِلَافِ، فَأَعْلَمَ عَلِيٌّ النَّاسَ ذَلِكَ، وَأَنَّ عَائِشَةَ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ، قَدْ سَخِطُوا إِمَارَتَهُ، وَدَعَوُا النَّاسَ إِلَى الْإِصْلَاحِ، وَقَالَ لَهُمْ: سَأَصْبِرُ مَا لَمْ أَخَفْ عَلَى جَمَاعَتِكُمْ، وَأَكُفُّ إِنْ كَفُّوا، وَأَقْتَصِرُ عَلَى مَا بَلَغَنِي.
ثُمَّ أَتَاهُ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْبَصْرَةَ، فَسَرَّهُ ذَلِكَ وَقَالَ: إِنَّ الْكُوفَةَ فِيهَا رِجَالُ الْعَرَبِ وَبُيُوتَاتُهُمْ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ الَّذِي سَرَّكَ مِنْ ذَلِكَ لَيَسُوءُنِي، إِنَّ الْكُوفَةَ فُسْطَاطٌ فِيهِ [أَعْلَامٌ] مِنْ أَعْلَامِ الْعَرَبِ، وَلَا يَحْمِلُهُمْ عِدَّةُ الْقَوْمِ، وَلَا يَزَالُ فِيهَا مَنْ يَسْمُو إِلَى أَمْرٍ لَا يَنَالُهُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ شَغَّبَ عَلَيَّ الَّذِي قَدْ نَالَ مَا يُرِيدُ حَتَّى تُكْسَرَ حِدَّتَهُ.
فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنَّ الْأَمْرَ لَيُشْبِهُ مَا تَقُولُ، وَتَهَيَّأَ لِلْخُرُوجِ إِلَيْهِمْ، فَنَدَبَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لِلْمَسِيرِ مَعَهُمْ فَتَثَاقَلُوا، فَبَعَثَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كُمَيْلًا النَّخَعِيَّ، فَجَاءَ بِهِ، فَدَعَاهُ إِلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَقَدْ دَخَلُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ فَدَخَلْتُ مَعَهُمْ، فَإِنْ يَخْرُجُوا أَخْرُجْ مَعَهُمْ، وَإِنْ يَقْعُدُوا أَقْعُدْ. قَالَ: فَأَعْطِنِي كَفِيلًا. قَالَ: لَا أَفْعَلُ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: لَوْلَا مَا أَعْرِفُ مِنْ سُوءِ خُلُقِكَ صَغِيرًا وَكَبِيرًا لَأَنْكَرْتَنِي، دَعُوهُ فَأَنَا كَفِيلُهُ. فَرَجَعَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَهُمْ يَقُولُونَ: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي كَيْفَ نَصْنَعُ، إِنَّ الْأَمْرَ لَمُشْتَبِهٌ عَلَيْنَا، وَنَحْنُ مُقِيمُونَ حَتَّى يُضِيءَ لَنَا.
فَخَرَجَ مِنْ تَحْتِ لَيْلَتِهِ وَأَخْبَرَ أُمَّ كُلْثُومٍ ابْنَةَ عَلِيٍّ، وَهِيَ زَوْجَةُ عُمَرَ، بِالَّذِي سَمِعَ، وَأَنَّهُ يَخْرُجُ مُعْتَمِرَا مُقِيمًا عَلَى طَاعَةِ عَلِيٍّ مَا خَلَا النُّهُوضَ. فَأَصْبَحَ عَلِيٌّ فَقِيلَ لَهُ: حَدَثَ اللَّيْلَةَ حَدَثٌ هُوَ أَشَدُّ مِنْ طَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ، وَعَائِشَةَ، وَمُعَاوِيَةَ. قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: خَرَجَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى الشَّامِ فَأَتَى السُّوقَ وَأَعَدَّ الظَّهْرَ وَالرِّجَالَ، وَأَخَذَ لِكُلِّ طَرِيقٍ طُلَّابًا، وَمَاجَ النَّاسُ. فَسَمِعَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ، فَأَتَتْ عَلِيًّا فَأَخْبَرَتْهُ الْخَبَرَ، فَطَابَتْ نَفْسُهُ وَقَالَ: انْصَرِفُوا، وَاللَّهِ مَا كَذَبَتْ وَلَا كَذِبَ، وَاللَّهِ إِنَّهُ عِنْدِي ثِقَةٌ. فَانْصَرَفُوا.
وَكَانَ سَبَبُ اجْتِمَاعِهِمْ بِمَكَّةَ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ خَرَجَتْ إِلَيْهَا، وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ، ثُمَّ
стр. 1259
خَرَجَتْ مِنْ مَكَّةَ تُرِيدُ الْمَدِينَةَ. فَلَمَّا كَانَتْ بِسَرِفَ لَقِيَهَا رَجُلٌ مِنْ أَخْوَالِهَا مِنْ بَنِي لَيْثٍ يُقَالُ لَهُ عَبِيدُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، وَهُوَ ابْنُ أُمِّ كِلَابٍ، فَقَالَتْ لَهُ: مَهْيَمْ؟ قَالَ: قُتِلَ عُثْمَانُ وَبَقَوْا ثَمَانِيًا. قَالَتْ: ثُمَّ صَنَعُوا مَاذَا؟ قَالَ: اجْتَمَعُوا عَلَى بَيْعَةِ عَلِيٍّ. فَقَالَتْ: لَيْتَ هَذِهِ انْطَبَقَتْ عَلَى هَذِهِ إِنْ تَمَّ الْأَمْرُ لِصَاحِبِكَ! رُدُّونِي رُدُّونِي! فَانْصَرَفَتْ إِلَى مَكَّةَ وَهِيَ تَقُولُ: قُتِلَ وَاللَّهِ عُثْمَانُ مَظْلُومًا، وَاللَّهِ لَأَطْلُبَنَّ بِدَمِهِ! فَقَالَ لَهَا: وَلِمَ؟ وَاللَّهِ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَمَالَ حَرْفَهُ لَأَنْتِ، وَلَقَدْ كُنْتِ تَقُولِينَ: اقْتُلُوا نَعْثَلًا فَقَدْ كَفَرَ. قَالَتْ: إِنَّهُمُ اسْتَتَابُوهُ ثُمَّ قَتَلُوهُ، وَقَدْ قُلْتُ وَقَالُوا، وَقَوْلِي الْأَخِيرُ خَيْرٌ مِنْ قَوْلِي الْأَوَّلِ. فَقَالَ لَهَا ابْنُ أُمِّ كِلَابٍ:
فَمِنْكِ الْبَدَاءُ وَمِنْكِ الْغِيَرْ ... وَمِنْكِ الرِّيَاحُ وَمِنْكِ الْمَطَرْ
وَأَنْتِ أَمَرْتِ بِقَتْلِ الْإِمَامِ ... وَقُلْتِ لَنَا إِنَّهُ قَدْ كَفَرْ
فَهَبْنَا أَطَعْنَاكِ فِي قَتْلِهِ ... وَقَاتِلُهُ عِنْدَنَا مَنْ أَمَرْ
وَلَمْ يَسْقُطِ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِنَا ... وَلَمْ يَنْكَسِفْ شَمْسُنَا وَالْقَمَرْ
وَقَدْ بَايَعَ النَّاسُ ذَا تُدْرَإٍ ... يُزِيلُ الشَّبَا وَيُقِيمُ الصَّعَرْ
وَيَلْبَسُ لِلْحَرْبِ أَثْوَابَهَا ... وَمَا مَنْ وَفَى مِثْلُ مَنْ قَدْ غَدَرْ
فَانْصَرَفَتْ إِلَى مَكَّةَ فَقَصَدَتِ الْحِجْرَ فَسَتَّرَتْ فِيهِ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلَهَا. فَقَالَتْ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الْغَوْغَاءَ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ وَأَهْلِ الْمِيَاهِ وَعَبِيدِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ اجْتَمَعُوا عَلَى هَذَا الرَّجُلِ الْمَقْتُولِ ظُلْمًا بِالْأَمْسِ، وَنَقَمُوا عَلَيْهِ اسْتِعْمَالَ مَنْ حَدَثَتْ سِنُّهُ، وَقَدِ اسْتُعْمِلَ أَمْثَالُهُمْ قَبْلَهُ، وَمَوَاضِعَ مِنَ الْحِمَى حَمَاهَا لَهُمْ، فَتَابَعَهُمْ وَنَزَعَ لَهُمْ عَنْهَا. فَلَمَّا لَمْ يَجِدُوا حُجَّةً وَلَا عُذْرًا بَادَرُوا بِالْعُدْوَانِ فَسَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ وَاسْتَحَلُّوا الْبَلَدَ الْحَرَامَ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَأَخَذُوا الْمَالَ الْحَرَامَ، وَاللَّهِ لَإِصْبَعٌ مِنْ عُثْمَانَ خَيْرٌ مِنْ طِبَاقِ الْأَرْضِ أَمْثَالِهِمْ! وَوَاللَّهِ، لَوْ أَنَّ الَّذِي اعْتَدَوْا بِهِ عَلَيْهِ كَانَ ذَنْبًا لَخَلَصَ مِنْهُ كَمَا يَخْلُصُ الذَّهَبُ مِنْ خَبَثِهِ أَوِ الثَّوْبُ مِنْ دَرَنِهِ إِذْ مَاصُوهُ كَمَا يُمَاصُ الثَّوْبُ بِالْمَاءِ، أَيْ يُغْسَلُ.
стр. 1260
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ الْحَضْرَمِيُّ، وَكَانَ عَامِلَ عُثْمَانَ عَلَى مَكَّةَ: هَا أَنَا أَوَّلُ طَالِبٍ! فَكَانَ أَوَّلَ مُجِيبٍ، وَتَبِعَهُ أُمَيَّةُ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانُوا هَرَبُوا مِنَ الْمَدِينَةِ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ إِلَى مَكَّةَ وَرَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ، وَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمُوا بِالْحِجَازِ وَتَبِعَهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ، وَسَائِرُ بَنِي أُمَيَّةَ، وَقَدِمَ عَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ مِنَ الْبَصْرَةِ بِمَالٍ كَثِيرٍ، وَيَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ، وَهُوَ ابْنُ مُنْيَةَ، مِنَ الْيَمَنِ وَمَعَهُ سِتُّمِائَةِ بَعِيرٍ وَسِتُّمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَنَاخَ بِالْأَبْطَحِ.
وَقَدِمَ طَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَلَقِيَا عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: مَا وَرَاءَكُمَا؟ فَقَالَا: إِنَّا تَحَمَّلْنَا هُرَّابًا مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ غَوْغَاءَ وَأَعْرَابٍ وَفَارَقْنَا قَوْمًا حَيَارَى لَا يَعْرِفُونَ حَقًّا وَلَا يُنْكِرُونَ بَاطِلًا وَلَا يَمْنَعُونَ أَنْفُسَهُمْ. فَقَالَتْ: انْهَضُوا إِلَى هَذِهِ الْغَوْغَاءِ. فَقَالُوا: نَأْتِي الشَّامَ. فَقَالَ ابْنُ عَامِرٍ: قَدْ كَفَاكُمُ الشَّامَ مُعَاوِيَةُ، فَأْتُوا الْبَصْرَةَ فَإِنَّ لِي بِهَا صَنَائِعَ، وَلَهُمْ فِي طَلْحَةَ هَوًى. قَالُوا: قَبَّحَكَ اللَّهُ! فَوَاللَّهِ مَا كُنْتَ بِالْمُسَالِمِ وَلَا بِالْمُحَارِبِ، فَهَلَّا أَقَمْتَ كَمَا أَقَامَ مُعَاوِيَةُ فَنُكْفَى بِكَ، ثُمَّ نَأْتِيَ الْكُوفَةَ فَنَسُدَّ عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمَذَاهِبَ؟ فَلَمْ يَجِدُوا عِنْدَهُ جَوَابًا مَقْبُولًا، فَاسْتَقَامَ الرَّأْيُ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَقَالُوا لَهَا: نَتْرُكُ الْمَدِينَةَ فَإِنَّا خَرَجْنَا فَكَانَ مَعَنَا مَنْ لَا يُطِيقُ مَنْ بِهَا مِنَ الْغَوْغَاءِ وَنَأْتِي بَلَدًا مُضَيَّعًا سَيَحْتَجُّونَ عَلَيْنَا بِبَيْعَةِ عَلِيٍّ فَتُنْهِضِينَهُمْ كَمَا أَنْهَضْتِ أَهْلَ مَكَّةَ، فَإِنْ أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمْرَ كَانَ الَّذِي أَرَدْنَا، وَإِلَّا دَفَعْنَا بِجُهْدِنَا حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ مَا أَرَادَ.
فَأَجَابَتْهُمْ إِلَى ذَلِكَ. وَدَعَوْا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ لِيَسِيرَ مَعَهُمْ، فَأَبَى وَقَالَ: أَنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَفْعَلُ مَا يَفْعَلُونَ. فَتَرَكُوهُ.
وَكَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَهَا، عَلَى قَصْدِ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا تَغَيَّرَ رَأْيُهَا إِلَى الْبَصْرَةِ تَرَكْنَ ذَلِكَ، وَأَجَابَتْهُمْ حَفْصَةُ إِلَى الْمَسِيرِ مَعَهُمْ، فَمَنَعَهَا أَخُوهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَجَهَّزَهُمْ يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ بِسِتِّمِائَةِ بَعِيرٍ وَسِتِّمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَجَهَّزَهُمُ ابْنُ عَامِرٍ بِمَالٍ كَثِيرٍ، وَنَادَى
стр. 1261
مُنَادِيهَا: إِنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ شَاخِصُونَ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَمَنْ أَرَادَ إِعْزَازَ الْإِسْلَامِ وَقِتَالَ الْمُحِلِّينَ وَالطَّلَبَ بِثَأْرِ عُثْمَانَ، وَلَيْسَ لَهُ مَرْكَبٌ وَجِهَازٌ فَلْيَأْتِ! فَحَمَلُوا سِتَّمِائَةٍ عَلَى سِتِّمِائَةِ بَعِيرٍ وَسَارُوا فِي أَلْفٍ. وَقِيلَ: فِي تِسْعِمِائَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، وَلَحِقَهُمُ النَّاسُ، فَكَانُوا فِي ثَلَاثَةِ آلَافِ رَجُلٍ. وَبَعَثَتْ أُمُّ الْفَضْلِ بِنْتُ الْحَرْثِ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ يُدْعَى ظَفَرًا، فَاسْتَأْجَرَتْهُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ عَلِيًّا بِالْخَبَرِ، فَقَدِمَ عَلَى عَلِيٍّ بِكِتَابِهَا.
وَخَرَجَتْ عَائِشَةُ وَمَنْ مَعَهَا مِنْ مَكَّةَ، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْهَا أَذَّنَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، ثُمَّ جَاءَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ فَقَالَ: عَلَى أَيِّكُمْ أُسَلِّمُ بِالْإِمْرَةِ وَأُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي أَبَاهُ الزُّبَيْرَ -. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ: عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ - يَعْنِي أَبَاهُ طَلْحَةَ -. فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ إِلَى مَرْوَانَ وَقَالَتْ لَهُ: أَتُرِيدُ أَنْ تُفَرِّقَ أَمْرَنَا! لِيُصَلِّ بِالنَّاسِ ابْنُ أُخْتِي - تَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ -. وَقِيلَ: بَلْ صَلَّى بِالنَّاسِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ حَتَّى قُتِلَ، فَكَانَ مُعَاذُ بْنُ عُبَيْدٍ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْ ظَفِرْنَا لَاقْتَتَلْنَا، مَا كَانَ الزُّبَيْرُ يَتْرُكُ طَلْحَةَ وَالْأَمْرَ، وَلَا كَانَ طَلْحَةُ يَتْرُكُ الزُّبَيْرَ وَالْأَمْرَ.
وَتَبِعَهَا أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى ذَاتِ عِرْقٍ، فَبَكَوْا عَلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يُرَ يَوْمٌ كَانَ أَكْثَرَ بَاكِيًا وَبَاكِيَةً مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَكَانَ يُسَمَّى يَوْمُ النَّحِيبِ. فَلَمَّا بَلَغُوا ذَاتَ عِرْقٍ لَقِيَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَأَصْحَابَهُ بِهَا فَقَالَ: أَيْنَ تَذْهَبُونَ وَتَتْرُكُونَ ثَأْرَكُمْ عَلَى أَعْجَازِ الْإِبِلِ وَرَاءَكُمْ؟ - يَعْنِي: عَائِشَةَ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ -. اقْتُلُوهُمْ ثُمَّ ارْجِعُوا إِلَى مَنَازِلِكُمْ. فَقَالُوا: نَسِيرُ فَلَعَلَّنَا نَقْتُلُ قَتَلَةَ عُثْمَانَ جَمِيعًا. فَخَلَا سَعِيدٌ بِطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ فَقَالَ: إِنْ ظَفِرْتُمَا لِمَنْ تَجْعَلَانِ الْأَمْرَ؟ أَصْدِقَانِي. قَالَا: نَجْعَلُهُ لِأَحَدِنَا أَيَّنَا اخْتَارَهُ النَّاسُ. قَالَ: بَلْ تَجْعَلُونَهُ لِوَلَدِ عُثْمَانَ، فَإِنَّكُمْ خَرَجْتُمْ تَطْلُبُونَ بِدَمِهِ. فَقَالَا: نَدَعُ شُيُوخَ الْمُهَاجِرِينَ وَنَجْعَلُهَا لِأَيْتَامٍ! قَالَ: فَلَا أَرَانِي أَسْعَى إِلَّا لِإِخْرَاجِهَا مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ. فَرَجَعَ وَرَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
стр. 1262
خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ، وَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: الرَّأْيُ مَا قَالَ سَعِيدٌ، مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ ثَقِيفٍ فَلْيَرْجِعْ. فَرَجَعَ، وَمَضَى الْقَوْمُ وَمَعَهُمْ أَبَانٌ، وَالْوَلِيدُ ابْنَا عُثْمَانَ. وَأَعْطَى يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ عَائِشَةَ جَمَلًا اسْمُهُ عَسْكَرُ اشْتَرَاهُ بِثَمَانِينَ دِينَارًا، فَرَكِبَتْهُ. وَقِيلَ: بَلْ كَانَ جَمَلُهَا لِرَجُلٍ مِنْ عُرَيْنَةَ.
قَالَ الْعُرَنِيُّ: بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ إِذْ عَرَضَ لِي رَاكِبٌ فَقَالَ: أَتَبِيعُ جَمَلَكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: بِكَمْ؟ قُلْتُ: بِأَلْفِ دِرْهَمٍ. قَالَ: أَمْجَنُونٌ أَنْتَ؟ قُلْتُ: وَلِمَ؟ وَاللَّهِ مَا طَلَبْتُ عَلَيْهِ أَحَدًا إِلَّا أَدْرَكْتُهُ، وَلَا طَلَبَنِي وَأَنَا عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا فُتُّهُ. قَالَ: لَوْ تَعْلَمُ لِمَنْ نُرِيدُهُ! إِنَّمَا نُرِيدُهُ لِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ! فَقُلْتُ: خُذْهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ. قَالَ: بَلْ تَرْجِعُ مَعَنَا إِلَى الرَّحْلِ فَنُعْطِيكَ نَاقَةً وَدَرَاهِمَ. قَالَ: فَرَجَعْتُ مَعَهُ فَأَعْطَوْنِي نَاقَةً مَهْرِيَّةً وَأَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ أَوْ سِتَّمِائَةٍ، وَقَالُوا لِي: يَا أَخَا عُرَيْنَةَ هَلْ لَكَ دِلَالَةٌ بِالطَّرِيقِ؟ قُلْتُ: أَنَا مِنْ أَدِلِّ النَّاسِ. قَالُوا: فَسِرْ مَعَنَا. فَسِرْتُ مَعَهُمْ فَلَا أَمُرُّ عَلَى وَادٍ إِلَّا سَأَلُونِي عَنْهُ، حَتَّى طَرَقْنَا الْحَوْأَبَ، وَهُوَ مَاءٌ، فَنَبَحَتْنَا كِلَابُهُ، فَقَالُوا: أَيُّ مَاءٍ هَذَا؟ فَقُلْتُ: هَذَا مَاءُ الْحَوْأَبِ. فَصَرَخَتْ عَائِشَةُ بِأَعْلَى صَوْتِهَا وَقَالَتْ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، إِنِّي لَهِيَهْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «يَقُولُ وَعِنْدَهُ نِسَاؤُهُ: " لَيْتَ شِعْرِي أَيَّتُكُنَّ تَنْبَحُهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ "!» ثُمَّ ضَرَبَتْ عَضُدَ بَعِيرِهَا فَأَنَاخَتْهُ وَقَالَتْ: رُدُّونِي، أَنَا وَاللَّهِ صَاحِبَةُ مَاءِ الْحَوْأَبِ. فَأَنَاخُوا حَوْلَهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: إِنَّهُ كَذِبَ، وَلَمْ يَزَلْ بِهَا وَهِيَ تَمْتَنِعُ، فَقَالَ لَهَا: النَّجَاءَ النَّجَاءَ! قَدْ أَدْرَكَكُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. فَارْتَحَلُوا نَحْوَ الْبَصْرَةِ، فَلَمَّا كَانُوا بِفِنَائِهَا لَقِيَهُمْ عُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ وَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْشُدُكِ اللَّهَ أَنْ تَقْدَمِي الْيَوْمَ عَلَى قَوْمٍ لَمْ تُرَاسِلِي مِنْهُمْ أَحَدًا، فَعَجِّلِي ابْنَ عَامِرٍ، فَإِنَّ لَهُ بِهَا صَنَائِعَ، فَلْيَذْهَبْ إِلَيْهِمْ لِيَلْقَوُا النَّاسَ إِلَى أَنْ تَقْدَمِي وَيَسْمَعُوا مَا جِئْتُمْ بِهِ. فَأَرْسَلَتْهُ، فَانْدَسَّ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَأَتَى الْقَوْمَ، وَكَتَبَتْ عَائِشَةُ
стр. 1263
إِلَى رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَإِلَى الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، وَصَبْرَةَ بْنِ شَيْمَانَ، وَأَمْثَالِهِمْ، وَأَقَامَتْ بِالْحَفِيرِ تَنْتَظِرُ الْجَوَابَ.
وَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ دَعَا عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ عِمْرَانَ بْنَ حَصِينٍ - وَكَانَ رَجُلَ عَامَّةٍ - وَأَلَزَّهُ بِأَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ - وَكَانَ رَجُلَ خَاصَّةٍ - وَقَالَ لَهُمَا: انْطَلِقَا إِلَى هَذِهِ الْمَرْأَةِ فَاعْلَمَا عِلْمَهَا وَعِلْمَ مَنْ مَعَهَا. فَخَرَجَا فَانْتَهَيَا إِلَيْهَا بِالْحَفِيرِ، فَأَذِنَتْ لَهُمَا، فَدَخَلَا وَسَلَّمَا وَقَالَا: إِنَّ أَمِيرَنَا بَعَثَنَا إِلَيْكَ لِنَسْأَلَكَ عَنْ مَسِيرِكَ، فَهَلْ أَنْتِ مُخْبِرَتُنَا؟ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا مِثْلِي يُعْطِي لِبَنِيهِ الْخَبَرَ، إِنَّ الْغَوْغَاءَ وَنُزَّاعَ الْقَبَائِلِ غَزَوْا حَرَمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَحْدَثُوا فِيهِ وَآوَوُا الْمُحْدِثِينَ، فَاسْتَوْجَبُوا لَعْنَةَ اللَّهِ وَلَعْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ مَا نَالُوا مِنْ قَتْلِ إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ بِلَا تِرَةٍ وَلَا عُذْرٍ، فَاسْتَحَلُّوا الدَّمَ الْحَرَامَ وَسَفَكُوهُ، وَانْتَهَبُوا الْمَالَ الْحَرَامَ، وَأَحَلُّوا الْبَلَدَ الْحَرَامَ، وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ، فَخَرَجْتُ فِي الْمُسْلِمِينَ أُعَلِّمُهُمْ مَا أَتَى هَؤُلَاءِ، وَمَا النَّاسُ فِيهِ وَرَاءَنَا، وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ مِنْ إِصْلَاحِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَقَرَأْتُ: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ [النساء: ١١٤] الْآيَةَ، فَهَذَا شَأْنُنَا إِلَى مَعْرُوفٍ نَأْمُرُكُمْ بِهِ وَمُنْكَرٍ نَنْهَاكُمْ عَنْهُ.
فَخَرَجَ عِمْرَانُ وَأَبُو الْأَسْوَدِ مِنْ عِنْدِهَا فَأَتَيَا طَلْحَةَ وَقَالَا: مَا أَقْدَمَكَ؟ فَقَالَ: الطَّلَبُ بِدَمِ عُثْمَانَ. فَقَالَا: أَلَمْ تُبَايِعْ عَلِيًّا؟ فَقَالَ: بَلَى وَالسَّيْفُ عَلَى عُنُقِي، وَمَا أَسْتَقِيلُ عَلِيًّا الْبَيْعَةَ إِنْ هُوَ لَمْ يَحُلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَتَلَةِ عُثْمَانَ. ثُمَّ أَتَيَا الزُّبَيْرَ فَقَالَا لَهُ مِثْلَ قَوْلِهِمَا لِطَلْحَةَ، وَقَالَ لَهُمَا مِثْلَ قَوْلِ طَلْحَةَ، فَرَجَعَا إِلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ، وَنَادَى مُنَادِيهَا بِالرَّحِيلِ، فَدَخَلَا عَلَى عُثْمَانَ فَبَادَرَ أَبُو الْأَسْوَدِ عِمْرَانَ فَقَالَ:
يَا ابْنَ حُنَيْفٍ قَدْ أُتِيتَ فَانْفِرِ ... وَطَاعِنِ الْقَوْمَ وَجَالِدْ وَاصْبِرِ
وَابْرُزْ لَهُمْ مُسْتَلْئِمًا وَشَمِّرِ
فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، دَارَتْ رَحَى الْإِسْلَامِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ فَانْظُرُوا بِأَيِّ زَيَفَانٍ تَزِيفُ. فَقَالَ عِمْرَانُ: إِيْ وَاللَّهِ لَتَعْرِكَنَّكُمْ عَرْكًا طَوِيلًا. قَالَ: فَأَشِرْ عَلَيَّ يَا عِمْرَانُ. قَالَ: اعْتَزِلْ فَإِنِّي قَاعِدٌ. قَالَ عُثْمَانُ: بَلْ أَمْنَعُهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ.
стр. 1264
فَانْصَرَفَ عِمْرَانُ إِلَى بَيْتِهِ وَقَامَ عُثْمَانُ فِي أَمْرِهِ، فَأَتَاهُ هِشَامُ بْنُ عَامِرٍ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي تُرِيدُهُ يُسْلِمُ إِلَى شَرٍّ مِمَّا تَكْرَهُ، إِنَّ هَذَا فَتْقٌ لَا يُرْتَقُ، وَصَدْعٌ لَا يُجْبَرُ، فَارْفُقْ بِهِمْ وَسَامِحْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ عَلِيٍّ. فَأَبَى وَنَادَى عُثْمَانُ فِي النَّاسِ وَأَمَرَهُمْ بِلُبْسِ السِّلَاحِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَى الْمَسْجِدِ وَأَمَرَهُمْ بِالتَّجْهِيزِ، وَأَمَرَ رَجُلًا دَسَّهُ إِلَى النَّاسِ خَدِعًا كُوفِيًّا قَيْسِيًّا، فَقَامَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَنَا قَيْسُ بْنُ الْعَقَدِيَّةِ الْحُمَيْسِيُّ، إِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ إِنْ كَانُوا جَاؤُوا خَائِفِينَ فَقَدْ أَتَوْا مِنْ بَلَدٍ يَأْمَنُ فِيهِ الطَّيْرُ، وَإِنْ كَانُوا جَاءُوا يَطْلُبُونَ بِدَمِ عُثْمَانَ، فَمَا نَحْنُ بِقَتَلَةِ عُثْمَانَ، فَأَطِيعُونِي وَرَدُّوهُمْ مِنْ حَيْثُ جَاؤُوا. فَقَامَ الْأَسْوَدُ بْنُ سَرِيعٍ السَّعْدِيُّ فَقَالَ: أَوَزَعَمُوا أَنَّا قَتَلَةُ عُثْمَانَ؟ إِنَّمَا أَتَوْا يَسْتَعِينُونَ بِنَا عَلَى قَتَلَةِ عُثْمَانَ مِنَّا وَمِنْ غَيْرِنَا. فَحَصَبَهُ النَّاسُ، فَعَرَفَ عُثْمَانُ أَنَّ لَهُمْ بِالْبَصْرَةِ نَاصِرًا، فَكَسَرَهُ ذَلِكَ.
فَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ فِيمَنْ مَعَهَا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْمِرْبَدِ، فَدَخَلُوا مِنْ أَعْلَاهُ، وَوَقَفُوا حَتَّى خَرَجَ عُثْمَانُ فِيمَنْ مَعَهُ وَخَرَجَ إِلَيْهَا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا، فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ بِالْمِرْبَدِ، فَتَكَلَّمَ طَلْحَةُ وَهُوَ فِي مَيْمَنَةِ الْمِرْبَدِ، وَعُثْمَانُ فِي مَيْسَرَتِهِ، فَأَنْصَتُوا لَهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَرَ عُثْمَانَ وَفَضْلَهُ وَمَا اسْتَحَلَّ مِنْهُ، وَدَعَا إِلَى الطَّلَبِ بِدَمِهِ وَحَثَّهُمْ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الزُّبَيْرُ. فَقَالَ مَنْ فِي مَيْمَنَةِ الْمِرْبَدِ: صَدَقَا وَبَرَّا. وَقَالَ فِي مَيْسَرَتِهِ: فَجَرَا وَغَدَرَا وَأَمَرَا بِالْبَاطِلِ، فَقَدْ بَايَعَا عَلِيًّا ثُمَّ جَاءَا يَقُولَانِ، وَتَحَاثَى النَّاسُ وَتَحَاصَبُوا وَأَرْهَجُوا.
فَتَكَلَّمَتْ عَائِشَةُ، وَكَانَتْ جَهْوَرِيَّةَ الصَّوْتِ، فَحَمِدَتِ اللَّهَ وَقَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَتَجَنَّوْنَ عَلَى عُثْمَانَ وَيَزْرُونَ عَلَى عُمَّالِهِ، وَيَأْتُونَنَا بِالْمَدِينَةِ فَيَسْتَشِيرُونَنَا فِيمَا يُخْبِرُونَنَا عَنْهُمْ، فَنَنْظُرُ فِي ذَلِكَ فَنَجِدُهُ بَرِيئًا تَقِيًّا وَفِيًّا، وَنَجِدُهُمْ فَجَرَةً غَدَرَةً كَذَبَةً، وَهُمْ يُحَاوِلُونَ غَيْرَ مَا يُظْهِرُونَ، فَلَمَّا قَوَوْا كَاثَرُوهُ، وَاقْتَحَمُوا عَلَيْهِ دَارَهُ، وَاسْتَحَلُّوا الدَّمَ الْحَرَامَ، وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ، وَالْبَلَدَ الْحَرَامَ، بِلَا تِرَةٍ وَلَا عُذْرٍ، أَلَا إِنَّ مِمَّا يَنْبَغِي لَا يَنْبَغِي لَكُمْ غَيْرُهُ، أَخْذُ قَتَلَةِ عُثْمَانَ وَإِقَامَةُ كِتَابِ اللَّهِ، وَقَرَأَتْ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٣] الْآيَةَ، فَافْتَرَقَ أَصْحَابُ عُثْمَانَ فِرْقَتَيْنِ، فِرْقَةٌ قَالَتْ: صَدَقَتْ وَبَرَّتْ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: كَذَبْتُمْ وَاللَّهِ مَا نَعْرِفُ مَا جِئْتُمْ بِهِ! فَتَحَاثَوْا وَتَحَاصَبُوا. فَلَمَّا رَأَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ انْحَدَرَتْ وَانْحَدَرَ أَهْلُ الْمَيْمَنَةِ مُفَارِقِينَ لِعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ حَتَّى وَقَفُوا فِي الْمِرْبَدِ فِي مَوْضِعِ الدَّبَّاغِينَ، وَبَقِيَ أَصْحَابُ عُثْمَانَ عَلَى حَالِهِمْ، وَمَالَ بَعْضُهُمْ إِلَى عَائِشَةَ وَبَقِيَ بَعْضُهُمْ مَعَ عُثْمَانَ.
стр. 1265
وَأَقْبَلُ جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ السَّعْدِيُّ وَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهِ، لَقَتْلُ عُثْمَانَ أَهْوَنُ مِنْ خُرُوجِكِ مِنْ بَيْتِكِ عَلَى هَذَا الْجَمَلِ الْمَلْعُونِ عُرْضَةً لِلسِّلَاحِ! إِنَّهُ قَدْ كَانَ لَكِ مِنَ اللَّهِ سِتْرٌ وَحُرْمَةٌ، فَهَتَكْتِ سِتْرَكِ وَأَبَحْتِ حُرْمَتَكِ! إِنَّهُ مَنْ رَأَى قِتَالَكِ يَرَى قَتْلَكِ! لَئِنْ كُنْتِ أَتَيْتِنَا طَائِعَةً فَارْجِعِي إِلَى مَنْزِلِكِ، وَإِنْ كُنْتِ أَتَيْتِنَا مُكْرَهَةً فَاسْتَعِينِي بِالنَّاسِ.
وَخَرَجَ غُلَامٌ شَابٌّ مِنْ بَنِي سَعْدٍ إِلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ فَقَالَ: أَمَّا أَنْتَ يَا زُبَيْرُ فَحَوَارِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا طَلْحَةَ فَوَقَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِيَدِكَ وَأَرَى أُمَّكُمَا مَعَكُمَا، فَهَلْ جِئْتُمَا بِنِسَائِكُمَا؟ قَالَا: لَا. قَالَ: فَمَا أَنَا مِنْكُمْ فِي شَيْءٍ، وَاعْتَزَلَ وَقَالَ فِي ذَلِكَ:
صُنْتُمْ حَلَائِلَكُمْ وَقُدْتُمْ أُمَّكُمْ ... هَذَا لَعَمْرُكَ قِلَّةُ الْإِنْصَافِ
أُمِرَتْ بِجَرِّ ذُيُولِهَا فِي بَيْتِهَا ... فَهَوَتْ تَشُقُّ الْبِيدَ بِالْإِيجَافِ
غَرَضًا يُقَاتِلُ دُونَهَا أَبْنَاؤُهَا ... بِالنَّبْلِ وَالْخَطِّيِّ وَالْأَسْيَافِ
هُتِكَتْ بِطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ سُتُورُهَا ... هَذَا الْمُخَبَّرُ عَنْهُمُ وَالْكَافِي
وَأَقْبَلَ حُكَيْمُ بْنُ جَبَلَةَ الْعَبْدِيُّ - وَهُوَ عَلَى الْخَيْلِ - فَأَنْشَبَ الْقِتَالَ، وَأَشْرَعَ أَصْحَابُ عَائِشَةَ رِمَاحَهُمْ، وَأَمْسَكُوا لِيُمْسِكَ حُكَيْمٌ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْتَهِ، وَقَاتَلَهُمْ وَأَصْحَابُ عَائِشَةَ كَافُّونَ يَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَحَكِيمٌ يَذْمُرُ خَيْلَهُ وَيَرْكَبُهُمْ بِهَا، فَاقْتَتَلُوا عَلَى فَمِ السِّكَّةِ، وَأَمَرَتْ عَائِشَةُ أَصْحَابَهَا فَتَيَامَنُوا إِلَى مَقْبَرَةِ بَنِي مَازِنٍ، وَحَجَزَ اللَّيْلُ بَيْنَهُمْ، وَرَجَعَ عُثْمَانُ إِلَى الْقَصْرِ، وَأَتَى أَصْحَابُ عَائِشَةَ إِلَى نَاحِيَةِ دَارِ الرِّزْقِ، وَبَاتُوا يَتَأَهَّبُونَ، وَبَاتَ النَّاسُ يَأْتُونَهُمْ، وَاجْتَمَعُوا بِسَاحَةِ دَارِ الرِّزْقِ. فَغَادَاهُمْ حُكَيْمُ بْنُ جَبَلَةَ وَهُوَ يَسُبُّ وَبِيَدِهِ الرُّمْحُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ: مَنْ هَذَا الَّذِي تَسُبُّهُ؟ قَالَ: عَائِشَةُ. قَالَ: يَا ابْنَ الْخَبِيثَةِ أَلِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ تَقُولُ هَذَا؟ فَطَعَنَهُ حُكَيْمٌ فَقَتَلَهُ. ثُمَّ مَرَّ بِامْرَأَةٍ وَهُوَ يَسُبُّهَا أَيْضًا، فَقَالَتْ لَهُ: أَلِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ تَقُولُ هَذَا يَا ابْنَ الْخَبِيثَةِ؟ فَطَعَنَهَا فَقَتَلَهَا. ثُمَّ سَارَ فَاقْتَتَلُوا بِدَارِ الرِّزْقِ قِتَالًا شَدِيدًا إِلَى أَنْ زَالَ النَّهَارُ وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي أَصْحَابِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ وَكَثُرَ الْجِرَاحُ فِي الْفَرِيقَيْنِ. فَلَمَّا عَضَّتْهُمُ الْحَرْبُ تَنَادَوْا إِلَى الصُّلْحِ وَتَوَادَعُوا، فَكَتَبُوا بَيْنَهُمْ كِتَابًا عَلَى أَنْ يَبْعَثُوا رَسُولًا إِلَى الْمَدِينَةِ يَسْأَلُ أَهْلَهَا، فَإِنْ كَانَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ أُكْرِهَا خَرَجَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ عَنِ الْبَصْرَةِ وَأَخْلَاهَا لَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا أُكْرِهَا خَرَجَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، وَكَتَبُوا بَيْنَهُمْ كِتَابًا بِذَلِكَ. وَسَارَ كَعْبُ بْنُ سُورٍ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَسْأَلُهُمْ. فَلَمَّا قَدِمَهَا اجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَكَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ،
следующие страницы →