Полный текст (6 163 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
أُمَّةٌ وَأَنْتُمْ أُمَّةٌ، إِنَّ اللَّهَ قَدِ ابْتَلَانَا وَإِيَّاكُمْ بِذُرِّيَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِيَنْظُرَ مَا نَحْنُ وَأَنْتُمْ عَامِلُونَ، إِنَّا نَدْعُوكُمْ إِلَى نَصْرِهِ وَخِذْلَانِ الطَّاغِيَةِ ابْنِ الطَّاغِيَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فَإِنَّكُمْ لَا تُدْرِكُونَ مِنْهُمَا إِلَّا سُوءًا، يُسْمِلَانِ أَعْيُنَكُمْ، وَيَقْطَعَانِ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ، وَيُمَثِّلَانِ بِكُمْ، وَيَرْفَعَانِكُمْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ، وَيَقْتُلَانِ أَمَاثِلَكُمْ وَقُرَّاءَكُمْ، أَمْثَالَ حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ وَأَصْحَابِهِ، وَهَانِئِ بْنِ عُرْوَةَ وَأَشْبَاهِهِ!
قَالَ: فَسَبُّوهُ وَأَثْنَوْا عَلَى ابْنِ زِيَادٍ وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَا نَبْرَحُ حَتَّى نَقْتُلَ صَاحِبَكَ وَمَنْ مَعَهُ أَوْ نَبْعَثَ بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ إِلَى الْأَمِيرِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ سِلْمًا.
فَقَالَ لَهُمْ: يَا عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ وَلَدَ فَاطِمَةَ أَحَقُّ بِالْوُدِّ وَالنَّصْرِ مِنِ ابْنِ سُمَيَّةَ، فَإِنْ كُنْتُمْ لَمْ تَنْصُرُوهُمْ فَأُعِيذُكُمْ بِاللَّهِ أَنْ تَقْتُلُوهُمْ، خَلُّوا بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ ابْنِ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ
فَلَعَمْرِي إِنَّ يَزِيدَ لَيَرْضَى مِنْ طَاعَتِكُمْ بِدُونِ قَتْلِ الْحُسَيْنِ.
فَرَمَاهُ شَمِرُ بِسَهْمٍ وَقَالَ: اسْكُتْ أَسْكَتَ اللَّهُ نَأْمَتَكَ، أَبْرَمْتَنَا بِكَثْرَةِ كَلَامِكَ! فَقَالَ زُهَيْرٌ: يَا ابْنَ الْبَوَّالِ عَلَى عَقِبَيْهِ! مَا إِيَّاكَ أُخَاطِبُ، إِنَّمَا أَنْتَ بَهِيمَةٌ! وَاللَّهِ مَا أَظُنُّكَ تُحْكِمُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ آيَتَيْنِ فَأَبْشِرْ بِالْخِزْيِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ.
فَقَالَ شَمِرٌ: إِنَّ اللَّهَ قَاتِلُكَ وَصَاحِبَكَ عَنْ سَاعَةٍ.
قَالَ: أَفَبِالْمَوْتِ تُخَوِّفُنِي؟ وَاللَّهِ لَلْمَوْتُ مَعَهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْخُلْدِ مَعَكُمْ! ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ: عِبَادَ اللَّهِ لَا يَغُرَّنَّكُمْ مِنْ دِينِكُمْ هَذَا الْجِلْفُ الْجَافِي، فَوَاللَّهِ لَا تَنَالُ شَفَاعَةُ مُحَمَّدٍ قَوْمًا أَهْرَقُوا دِمَاءَ ذُرِّيَّتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَقَتَلُوا مَنْ نَصَرَهُمْ وَذَبَّ عَنْ حَرِيمِهِمْ.
فَأَمَرَهُ الْحُسَيْنُ فَرَجَعَ.
وَلَمَّا زَحَفَ عُمَرُ نَحْوَ الْحُسَيْنِ أَتَاهُ الْحُرُّ بْنُ يَزِيدَ فَقَالَ لَهُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ! أَمُقَاتِلٌ أَنْتَ هَذَا الرَّجُلُ؟ قَالَ لَهُ: إِي إِي وَاللَّهِ قِتَالًا أَيْسَرُهُ أَنْ تَسْقُطَ الرُّءُوسُ وَتُطِيحَ الْأَيْدِي.
قَالَ: أَفَمَا لَكُمْ فِي وَاحِدَةٍ مِنَ الْخِصَالِ الَّتِي عَرَضَ عَلَيْكُمْ رِضًى؟ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ: وَاللَّهِ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ إِلَيَّ لَفَعَلْتُ، وَلَكِنَّ أَمِيرَكَ قَدْ أَبَى ذَلِكَ.
فَأَقْبَلَ يَدْنُو نَحْوَ الْحُسَيْنِ قَلِيلًا قَلِيلًا، وَأَخَذَتْهُ رِعْدَةٌ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يُقَالُ لَهُ الْمُهَاجِرُ بْنُ أَوْسٍ: وَاللَّهِ إِنَّ أَمْرَكَ لَمُرِيبٌ! وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ فِي مَوْقِفٍ قَطُّ مِثْلَ مَا أَرَاهُ الْآنَ! وَلَوْ قِيلَ مَنْ أَشْجَعُ أَهْلِ الْكُوفَةِ لَمَا عَدَوْتُكَ.
فَقَالَ لَهُ: إِنِّي وَاللَّهِ أُخَيِّرُ نَفْسِي بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَلَا أَخْتَارُ عَلَى الْجَنَّةِ شَيْئًا وَلَوْ قُطِّعْتُ وَحُرِّقْتُ.
ثُمَّ ضَرَبَ فَرَسَهُ فَلَحِقَ بِالْحُسَيْنِ، فَقَالَ لَهُ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ! أَنَا صَاحِبُكَ الَّذِي حَبَسْتُكَ عَنِ الرُّجُوعِ وَسَايَرْتُكَ فِي الطَّرِيقِ وَجَعْجَعْتُ بِكَ فِي هَذَا الْمَكَانِ، وَوَاللَّهِ مَا ظَنَنْتُ أَنَّ الْقَوْمَ يَرُدُّونَ عَلَيْكَ مَا عَرَضْتَ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَلَا
стр. 1612
يَبْلُغُونَ مِنْكَ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ أَبَدًا فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَا أُبَالِي أَنْ أُطِيعَ الْقَوْمَ فِي بَعْضِ أَمْرِهِمْ وَلَا يَرَوْنَ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ طَاعَتِهِمْ، وَأَمَّا هُمْ فَيَقْبَلُونَ بَعْضَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، وَوَاللَّهِ لَوْ ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَهَا مِنْكَ مَا رَكِبْتُهَا مِنْكَ، وَإِنِّي قَدْ جِئْتُكَ تَائِبًا مِمَّا كَانَ مِنِّي إِلَى رَبِّي مُؤَاسِيًا لَكَ بِنَفْسِي حَتَّى أَمُوتَ بَيْنَ يَدَيْكَ، أَفْتَرَى ذَلِكَ تَوْبَةً؟ قَالَ: نَعَمْ، يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْكَ وَيَغْفِرُ لَكَ.
وَتَقَدَّمَ الْحُرُّ أَمَامَ أَصْحَابِهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا الْقَوْمُ أَلَا تَقْبَلُونَ مِنَ الْحُسَيْنِ خَصْلَةً مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ الَّتِي عَرَضَ عَلَيْكُمْ فَيُعَافِيَكُمُ اللَّهُ مِنْ حَرْبِهِ وَقِتَالِهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ حَرَصْتُ لَوْ وَجَدْتُ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ لِأُمِّكُمُ الْهَبَلُ وَالْعُبْرُ! أَدَعَوْتُمُوهُ حَتَّى إِذَا أَتَاكُمْ أَسْلَمْتُمُوهُ وَزَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ قَاتِلُوا أَنْفُسَكُمْ دُونَهُ ثُمَّ عَدَوْتُمْ لِتَقْتُلُوهُ؟ أَمْسَكْتُمْ بِنَفْسِهِ وَأَحَطْتُمْ بِهِ وَمَنَعْتُمُوهُ مِنَ التَّوَجُّهِ فِي بِلَادِ اللَّهِ الْعَرِيضَةِ حَتَّى يَأْمَنَ وَيَأْمَنَ أَهْلُ بَيْتِهِ، فَأَصْبَحَ كَالْأَسِيرِ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا يَدْفَعُ عَنْهَا ضُرًّا، وَمَنَعْتُمُوهُ وَمَنْ مَعَهُ عَنْ مَاءِ الْفُرَاتِ الْجَارِي يَشْرَبُهُ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ وَالْمَجُوسِيُّ وَيَتَمَرَّغُ فِيهِ خَنَازِيرُ السَّوَادِ وَكِلَابُهُ وَهَا هُوَ وَأَهْلُهُ قَدْ صَرَعَهُمُ الْعَطَشُ! بِئْسَمَا خَلَفْتُمْ مُحَمَّدًا فِي ذُرِّيَّتِهِ! لَا سَقَاكُمُ اللَّهُ يَوْمَ الظَّمَأِ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا وَتَنْزِعُوا عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ! فَرَمَوْهُ بِالنَّبْلِ، فَرَجَعَ حَتَّى وَقَفَ أَمَامَ الْحُسَيْنِ.
ثُمَّ قَدِمَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ بِرَايَتِهِ، وَأَخَذَ سَهْمًا فَرَمَى بِهِ وَقَالَ: اشْهَدُوا لِي أَنِّي أَوَّلُ رَامٍ! ثُمَّ رَمَى النَّاسَ، وَبَرَزَ يَسَارٌ، مَوْلَى زِيَادٍ، وَسَالِمٌ، مَوْلَى عُبَيْدِ اللَّهِ، وَطَلَبَا الْبِرَازَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرٍ الْكَلْبِيُّ، وَكَانَ قَدْ أَتَى الْحُسَيْنَ مِنَ الْكُوفَةِ وَسَارَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ، فَقَالَا لَهُ: مَنْ أَنْتِ؟ فَانْتَسَبَ لَهُمَا.
فَقَالَا: لَا نَعْرِفُكَ، لِيَخْرُجْ إِلَيْنَا زُهَيْرُ بْنُ الْقَيْنِ، أَوْ حَبِيبُ بْنُ مُطَهِّرٍ، أَوْ بُرَيْرُ بْنُ خُضَيْرٍ.
وَكَانَ يَسَارٌ أَمَامَ سَالِمٍ، فَقَالَ لَهُ الْكَلْبِيُّ: يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ، وَبِكَ رَغْبَةٌ عَنْ مُبَارَزَةِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَمَا يَخْرُجُ إِلَيْكَ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ خَيْرٌ مِنْكَ! ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ حَتَّى بَرَدَ فَاشْتَغَلَ بِهِ يَضْرِبُهُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ سَالِمٌ، فَلَمْ يَأْبَهْ لَهُ حَتَّى غَشِيَهُ فَضَرَبَهُ، فَاتَّقَاهُ الْكَلْبِيُّ بِيَدِهِ فَأَطَارَ أَصَابِعَ كَفِّهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ مَالَ عَلَيْهِ الْكَلْبِيُّ فَضَرَبَهُ حَتَّى قَتَلَهُ، وَأَخَذَتِ امْرَأَتُهُ عَمُودًا، وَكَانَتْ تُسَمَّى أُمَّ وَهْبٍ، وَأَقْبَلَتْ نَحْوَ زَوْجِهَا وَهِيَ تَقُولُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي! قَاتِلْ دُونَ الطَّيِّبِينَ ذُرِّيَّةِ مُحَمَّدٍ! فَرَدَّهَا نَحْوَ النِّسَاءِ، فَامْتَنَعَتْ
стр. 1613
وَقَالَتْ: لَنْ أَدَعَكَ دُونَ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ.
فَنَادَاهَا الْحُسَيْنُ فَقَالَ: جُزِيتُمْ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا! ارْجِعِي رَحِمَكِ اللَّهُ، لَيْسَ الْجِهَادُ إِلَى النِّسَاءِ. فَرَجَعَتْ.
فَزَحَفَ عَمْرُو بْنُ الْحَجَّاجِ فِي مَيْمَنَةِ عُمَرَ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْحُسَيْنِ جَثَوْا لَهُ عَلَى الرُّكَبِ وَأَشْرَعُوا الرِّمَاحَ نَحْوَهُمْ، فَلَمْ تَقْدَمْ خَيْلُهُمْ عَلَى الرِّمَاحِ، فَذَهَبَتِ الْخَيْلُ لِتَرْجِعَ فَرَشَقُوهُمْ بِالنَّبْلِ فَصَرَعُوا مِنْهُمْ رِجَالًا وَجَرَحُوا آخَرِينَ.
وَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ ابْنُ حَوْزَةَ فَقَالَ: أَفِيكُمُ الْحُسَيْنُ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَقَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالُوا: نَعَمْ، فَمَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: يَا حُسَيْنُ أَبْشِرْ بِالنَّارِ! قَالَ لَهُ: كَذَبْتَ بَلْ أَقْدَمُ عَلَى رَبٍّ رَحِيمٍ وَشَفِيعٍ مُطَاعٍ، فَمَنْ أَنْتَ، قَالَ: ابْنُ حَوْزَةَ. فَرَفَعَ الْحُسَيْنُ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ حُزَّهُ إِلَى النَّارِ! فَغَضِبَ ابْنُ حَوْزَةَ فَأَقْحَمَ فَرَسَهُ فِي نَهْرٍ بَيْنَهُمَا فَتَعَلَّقَتْ قَدَمُهُ بِالرِّكَابِ وَجَالَتْ بِهِ الْفَرَسُ فَسَقَطَ عَنْهَا فَانْقَطَعَتْ فَخِذُهُ وَسَاقُهُ وَقَدَمُهُ وَبَقِيَ جَنْبُهُ الْآخَرُ مُتَعَلِّقًا بِالرِّكَابِ يُضْرَبُ بِهِ كُلُّ حَجَرٍ وَشَجَرٍ حَتَّى مَاتَ.
وَكَانَ مَسْرُوقُ بْنُ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيُّ قَدْ خَرَجَ مَعَهُمْ وَقَالَ لَعَلِّي أُصِيبَ رَأْسُ الْحُسَيْنِ، فَأُصِيبَ بِهِ مَنْزِلَةً عِنْدَ ابْنِ زِيَادٍ، فَلَمَّا رَأَى مَا صَنَعَ اللَّهُ بِابْنِ حَوْزَةَ بِدُعَاءِ الْحُسَيْنِ رَجَعَ وَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ شَيْئًا، لَا أُقَاتِلُهُمْ أَبَدًا.
وَنَشِبَ الْقِتَالُ وَخَرَجَ يَزِيدُ بْنُ مَعْقِلٍ حَلِيفُ عَبْدِ الْقَيْسِ فَقَالَ: يَا بُرَيْرُ بْنُ خُضَيْرٍ كَيْفَ تَرَى اللَّهَ صَنَعَ بِكَ؟ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ صَنَعَ بِي خَيْرًا وَصَنَعَ بِكَ شَرًّا.
فَقَالَ: كَذَبْتَ، وَقَبْلَ الْيَوْمِ مَا كُنْتَ كَذَّابًا، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ مِنَ الضَّالِّينَ.
فَقَالَ لَهُ ابْنُ خُضَيْرٍ: هَلْ لَكَ أَنْ أُبَاهِلَكَ، أَنْ يَلْعَنَ اللَّهُ الْكَاذِبَ وَيَقْتُلَ الْمُبْطِلَ، ثُمَّ أَخْرُجَ أُبَارِزَكَ! فَخَرَجَا فَتَبَاهَلَا أَنْ يَلْعَنَ اللَّهُ الْكَاذِبَ وَيَقْتُلَ الْمُحِقُّ الْمُبْطِلَ ثُمَّ تَبَارَزُوا فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَضَرَبَ يَزِيدُ بْنُ مَعْقِلٍ بُرَيْرَ بْنَ خُضَيْرٍ فَلَمْ يَضُرَّهُ شَيْئًا وَضَرَبَهُ ابْنُ خُضَيْرٍ ضَرْبَةً قَدَّتِ الْمِغْفَرَ وَبَلَغْتِ الدِّمَاغَ فَسَقَطَ وَالسَّيْفُ فِي رَأْسِهِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ رَضِيُّ بْنُ مُنْقِذٍ الْعَبْدِيُّ، فَاعْتَنَقَ ابْنَ خُضَيْرٍ، فَاعْتَرَكَا سَاعَةً ثُمَّ إِنَّ ابْنَ خُضَيْرٍ قَعَدَ عَلَى صَدْرِهِ، فَحَمَلَ كَعْبُ بْنُ جَابِرٍ الْأَزْدِيُّ عَلَيْهِ بِالرُّمْحِ فَوَضَعَهُ فِي ظَهْرِهِ حَتَّى غَيَّبَ السِّنَانَ فِيهِ، فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ الرُّمْحِ نَزَلَ عَنْ رَضِيٍّ فَعَضَّ أَنْفَهُ وَقَطَعَ طَرَفَهُ، وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ كَعْبُ بْنُ جَابِرٍ فَضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ حَتَّى قَتَلَهُ، وَقَامَ رَضِيٌّ يَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْ قَبَائِهِ، فَلَمَّا رَجَعَ كَعْبٌ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَعَنْتَ عَلَى ابْنِ
стр. 1614
فَاطِمَةَ وَقَتَلَتْ بُرَيْرًا سَيِّدَ الْقُرَّاءِ، [وَاللَّهِ] لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا!
وَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ قَرَظَةَ الْأَنْصَارِيُّ وَقَاتَلَ دُونَ الْحُسَيْنِ فَقُتِلَ، وَكَانَ أَخُوهُ مَعَ عَمْرِوِ بْنِ سَعْدٍ، فَنَادَى: يَا حُسَيْنُ يَا كَذَّابُ ابْنَ الْكَذَّابِ! أَضْلَلْتَ أَخِي وَغَرَرْتَهُ حَتَّى قَتَلْتَهُ! فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُضِلَّ أَخَاكَ بَلْ هَدَّاهُ وَأَضَلَّكَ.
قَالَ: قَتَلَنِي اللَّهُ إِنْ لَمْ أَقْتُلْكَ أَوْ أَمُوتَ دُونَكَ.
فَحَمَلَ وَاعْتَرَضَهُ نَافِعُ بْنُ هِلَالٍ الْمُرَادِيُّ فَطَعَنَهُ فَصَرَعَهُ، فَحَمَلَ أَصْحَابُهُ فَاسْتَنْقَذُوهُ فَدُووِيَ بَعْدُ فَبَرَأَ.
وَقَاتَلَ الْحُرُّ بْنُ يَزِيدَ مَعَ الْحُسَيْنِ قِتَالًا شَدِيدًا، وَبَرَزَ إِلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ سُفْيَانَ فَقَتْلَهُ الْحُرُّ، وَقَاتَلَ نَافِعُ بْنُ هِلَالٍ مَعَ الْحُسَيْنِ أَيْضًا فَبَرَزَ إِلَيْهِ مُزَاحِمُ بْنُ حُرَيْثٍ فَقَتَلَهُ نَافِعٌ.
فَصَاحَ عَمْرُو بْنُ الْحَجَّاجِ بِالنَّاسِ: أَتَدْرُونَ مَنْ تُقَاتِلُونَ؟ فُرْسَانُ الْمِصْرِ، قَوْمًا مُسْتَمِيتِينَ، لَا يَبْرُزُ إِلَيْهِمْ مِنْكُمْ أَحَدٌ فَإِنَّهُمْ قَلِيلٌ وَقَلَّ مَا يَبْقَوْنَ، وَاللَّهِ لَوْ لَمْ تَرْمُوهُمْ إِلَّا بِالْحِجَارَةِ لَقَتَلْتُمُوهُمْ.
يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ الْزَمُوا طَاعَتَكُمْ وَجَمَاعَتَكُمْ، لَا تَرْتَابُوا فِي قَتْلِ مَنْ مَرَقَ مِنَ الدِّينِ وَخَالَفَ الْإِمَامَ.
فَقَالَ عُمَرُ: الرَّأْيُ مَا رَأَيْتَ، وَمَنَعَ النَّاسَ مِنَ الْمُبَارَزَةِ. قَالَ: وَسَمِعَهُ الْحُسَيْنُ فَقَالَ: يَا عَمْرُو بْنَ الْحَجَّاجِ أَعَلَيَّ تُحَرِّضُ النَّاسَ؟ أَنْحَنُ مَرَقْنَا مِنَ الدِّينِ أَمْ أَنْتُمْ؟ وَاللَّهِ لَتَعْلَمُنَّ لَوْ قُبِضَتْ أَرْوَاحُكُمْ وَمُتُّمْ عَلَى أَعْمَالِكُمْ أَيُّنَا الْمَارِقُ.
ثُمَّ حَمَلَ عَمْرُو بْنُ الْحَجَّاجِ عَلَى الْحُسَيْنِ مِنْ نَحْوِ الْفُرَاتِ فَاضْطَرَبُوا سَاعَةً، فَصُرِعَ مُسْلِمُ بْنُ عَوْسَجَةَ الْأَسَدِيُّ، وَانْصَرَفَ عَمْرٌو وَمُسْلِمٌ صَرِيعٌ، فَمَشَى إِلَيْهِ وَبِهِ رَمَقٌ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ يَا مُسْلِمُ بْنَ عَوْسَجَةَ، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب: ٢٣] . وَدَنَا مِنْهُ حَبِيبُ بْنُ مُطَهِّرٍ وَقَالَ: عَزَّ عَلَيَّ مَصْرَعُكَ، أَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ، وَلَوْلَا أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي فِي أَثَرِكَ لَاحِقٌ بِكَ لَأَحْبَبْتُ أَنْ تُوصِيَنِي حَتَّى أَحْفَظَكَ بِمَا أَنْتَ لَهُ أَهْلٌ.
فَقَالَ: أُوصِيكَ بِهَذَا، رَحِمَكَ اللَّهُ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْحُسَيْنِ، أَنْ تَمُوتَ دُونَهُ.
فَقَالَ: أَفْعَلُ.
ثُمَّ مَاتَ مُسْلِمٌ وَصَاحَتْ جَارِيَةٌ لَهُ فَقَالَتْ: يَا ابْنَ عَوْسَجَةَ! فَيُنَادِي أَصْحَابُ عَمْرٍو: قَتَلْنَا مُسْلِمًا.
فَقَالَ شَبَثٌ لِبَعْضِ مَنْ حَوْلَهُ: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ إِنَّمَا تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ بَأَيْدِيكُمْ وَتُذِلُّونَ أَنْفُسَكُمْ لِغَيْرِكُمْ، أَتَفْرَحُونَ بِقَتْلِ مِثْلِ مُسْلِمٍ؟ أَمَا وَالَّذِي أَسْلَمْتُ لَهُ لَرُبَّ مَوْقِفٍ لَهُ قَدْ رَأَيْتُهُ فِي الْمُسْلِمِينَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَوْمَ سَلَقَ أَذْرَبِيجَانَ قَتَلَ سِتَّةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَبْلَ أَنْ تَنَامَ خُيُولُ الْمُسْلِمِينَ، أَفَيُقْتَلُ مِثْلُهُ وَتَفْرَحُونَ؟
стр. 1615
وَكَانَ الَّذِي قَتَلَهُ مُسْلِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبَابِيُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي خُشْكَارَةَ الْبَجَلِيُّ.
وَحَمَلَ شَمِرٌ فِي الْمَيْسَرَةِ فَثَبَتُوا لَهُ وَحَمَلُوا عَلَى الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَقُتِلَ الْكَلْبِيُّ وَقَدْ قَتَلَ رَجُلَيْنِ بَعْدَ الرَّجُلَيْنِ الْأَوَّلِينَ وَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَتَلَهُ هَانِئُ بْنُ ثُبَيْتٍ الْحَضْرَمِيُّ وَبُكَيْرُ بْنُ حَيٍّ التَّيْمِيُّ مِنْ تَيْمِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَقَاتَلَ أَصْحَابُ الْحُسَيْنِ قِتَالًا شَدِيدًا وَهُمُ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ فَارِسًا، فَلَمْ تَحْمِلْ عَلَى جَانِبٍ مِنْ خَيْلِ الْكُوفَةِ إِلَّا كَشَفَتْهُ.
فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَزْرَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَهُوَ عَلَى خَيْلِ الْكُوفَةِ، بَعَثَ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: أَلَا تَرَى مَا تَلْقَى خَيْلِي هَذَا الْيَوْمَ مِنْ هَذِهِ الْعِدَّةِ الْيَسِيرَةِ؟ ابْعَثْ إِلَيْهِمُ الرِّجَالَ وَالرُّمَاةَ.
فَقَالَ لِشَبَثِ بْنِ رِبْعِيٍّ: أَلَا تَقْدَمُ إِلَيْهِمْ! فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! شَيْخُ مُضَرَ وَأَهْلِ الْمِصْرِ عَامَّةً تَبْعَثُهُ فِي الرُّمَاةِ، لَمْ تَجِدْ لِهَذَا غَيْرِي! وَلَمْ يَزَالُوا يَرَوْنَ مَنْ شَبَثٍ الْكَرَاهَةَ لِلْقِتَالِ حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي إِمَارَةِ مُصْعَبٍ: لَا يُعْطِي اللَّهُ أَهْلَ هَذَا الْمِصْرِ خَيْرًا أَبَدًا وَلَا يُسَدِّدُهُمْ لِرُشْدٍ، أَلَا تَعْجَبُونَ أَنَّا قَاتَلْنَا مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمَعَ ابْنِهِ آلَ أَبِي سُفْيَانَ خَمْسَ سِنِينَ ثُمَّ عَدَوْنَا عَلَى ابْنِهِ وَهُوَ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ نُقَاتِلُهُ مَعَ آلِ مُعَاوِيَةَ وَابْنِ سُمَيَّةَ الزَّانِيَةِ، ضَلَالٌ يَا لَكَ مِنْ ضَلَالٍ!
فَلَمَّا قَالَ شَبَثٌ ذَلِكَ دَعَا عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ الْحُصَيْنَ بْنَ نُمَيْرٍ فَبَعَثَ مَعَهُ الْمُجَفَّفَةَ وَخَمْسَمِائَةٍ مِنَ الْمُرَامِيَةِ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ رَشَقُوهُمْ بِالنَّبْلِ فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ عَقَرُوا خُيُولَهُمْ وَصَارُوا رَجَّالَةً كُلُّهُمْ، وَقَاتَلَ الْحُرُّ بْنُ يَزِيدَ رَاجِلًا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَاتَلُوهُمْ، إِلَى أَنِ انْتَصَفَ النَّهَارُ، أَشَدَّ قِتَالٍ خَلَقَهُ اللَّهُ، لَا يَقْدِرُونَ يَأْتُونَهُمْ إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ لِاجْتِمَاعِ مَضَارِبِهِمْ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عُمَرُ أَرْسَلَ رِجَالًا يُقَوِّضُونَهُمْ عَنْ أَيْمَانِهِمْ وَشَمَائِلِهِمْ لِيُحِيطُوا بِهِمْ، فَكَانَ النَّفَرُ مِنْ أَصْحَابِ الْحُسَيْنِ الثَّلَاثَةُ وَالْأَرْبَعَةُ يَتَخَلَّلُونَ الْبُيُوتَ فَيَقْتُلُونَ الرَّجُلَ وَهُوَ يُقَوِّضُ وَيَنْهَبُ، وَيَرْمُونَهُ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ يَعْقِرُونَهُ، فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ فَأُحْرِقَتْ، فَقَالَ لَهُمُ الْحُسَيْنُ: دَعَوْهُمْ فَلْيَحْرِقُوهَا فَإِنَّهُمْ إِذَا حَرَقُوهَا لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَجُوزُوا إِلَيْكُمْ مِنْهَا. فَكَانَ كَذَلِكَ.
وَخَرَجَتِ امْرَأَةُ الْكَلْبِيِّ فَجَلَسَتْ عِنْدَ رَأْسِهِ تَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ وَتَقُولُ: هَنِيئًا لَكَ الْجَنَّةَ! فَأَمَرَ شَمِرٌ غُلَامًا اسْمُهُ رُسْتُمُ فَضَرَبَ رَأْسَهَا بِالْعَمُودِ فَمَاتَتْ مَكَانَهَا.
وَحَمَلَ شَمِرٌ حَتَّى بَلَغَ فُسْطَاطَ الْحُسَيْنِ وَنَادَى: عَلَيَّ بِالنَّارِ حَتَّى أَحُرِّقَ هَذَا الْبَيْتَ
стр. 1616
عَلَى أَهْلِهِ.
فَصَاحَ النِّسَاءُ وَخَرَجْنَ، وَصَاحَ بِهِ الْحُسَيْنُ: أَنْتَ تَحْرِقُ بَيْتِي عَلَى أَهْلِي؟ حَرَقَكَ اللَّهُ بِالنَّارِ! فَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ مُسْلِمٍ لِشَمِرٍ: إِنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ [لَكَ] ، تُعَذِّبُ بِعَذَابِ اللَّهِ وَتَقْتُلُ الْوِلْدَانَ وَالنِّسَاءَ، وَاللَّهِ إِنَّ فِي قَتْلِ الرِّجَالِ مَا يَرْضَى بِهِ أَمِيرُكَ! فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، فَجَاءَهُ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ فَنَهَاهُ فَانْتَهَى، وَذَهَبَ لِيَنْصَرِفَ فَحَمَلَ عَلَيْهِ زُهَيْرُ بْنُ الْقَيْنِ فِي عَشْرَةٍ فَكَشَفَهُمْ عَنِ الْبُيُوتِ وَقَتَلُوا أَبَا عَزَّةَ الضَّبَابِيَّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ شَمِرٍ.
وَعَطَفَ النَّاسُ عَلَيْهِمْ فَكَثَّرُوهُمْ، وَكَانُوا إِذَا قُتِلَ مِنْهُمُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ يَبِينُ فِيهِمْ لِقِلَّتِهِمْ، وَإِذَا قُتِلَ فِي أُولَئِكَ لَا يَبِينُ فِيهِمْ لِكَثْرَتِهِمْ.
وَلَمَّا حَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ قَالَ أَبُو ثُمَامَةَ الصَّائِدِيُّ لِلْحُسَيْنِ: نَفْسِي لِنَفْسِكَ الْفِدَاءُ! أَرَى هَؤُلَاءِ قَدِ اقْتَرَبُوا مِنْكَ، وَاللَّهِ لَا تُقْتَلُ حَتَّى أُقْتَلَ دُونَكَ، وَأُحِبَّ أَنَّ أَلْقَى رَبِّي وَقَدْ صَلَّيْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ! فَرَفَعَ الْحُسَيْنُ رَأَسَهُ وَقَالَ: ذَكَرْتَ الصَّلَاةَ جَعَلَكَ اللَّهُ مِنَ الْمُصَلِّينَ الذَّاكِرِينَ، نَعَمْ هَذَا أَوَّلُ وَقْتِهَا، ثُمَّ قَالَ: سَلُوهُمْ أَنْ يَكُفُّوا عَنَّا حَتَّى نُصَلِّيَ.
فَفَعَلُوا، فَقَالَ لَهُمُ الْحُصَيْنُ: إِنَّهَا لَا تُقْبَلُ.
فَقَالَ لَهُ حَبِيبُ (بْنُ مُطَهِّرٍ: زَعَمْتَ لَا تُقْبَلُ الصَّلَاةُ مِنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتُقْبَلُ) مِنْكَ يَا حِمَارُ! فَحَمَلَ عَلَيْهِ الْحُصَيْنُ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ (حَبِيبٌ) فَضَرَبَ وَجْهَ فَرَسِهِ بِالسَّيْفِ فَشَبَّ فَسَقَطَ عَنْهُ الْحُصَيْنُ فَاسْتَنْقَذَهُ أَصْحَابُهُ، وَقَاتَلَ حَبِيبٌ (قِتَالًا شَدِيدًا فَقَتَلَ رَجُلًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ اسْمُهُ بُدَيْلُ بْنُ صُرَيْمٍ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ آخِرُ مَنْ تَمِيمٍ فَطَعَنَهُ فَذَهَبَ لِيَقُومَ فَضَرَبَهُ الْحُصَيْنُ عَلَى رَأْسِهِ بِالسَّيْفِ فَوَقَعَ وَنَزَلَ إِلَيْهِ التَّمِيمِيُّ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ، فَقَالَ لَهُ الْحُصَيْنُ: أَنَا شَرِيكٌ فِي قَتْلِهِ.
فَقَالَ الْآخَرُ: لَا وَاللَّهِ! فَقَالَ لَهُ الْحُصَيْنُ: أَعْطِنِيهِ أُعَلِّقُهُ فِي عُنُقِ فَرَسِي كَيْمَا يَرَى النَّاسُ أَنِّي شَرِكْتُ فِي قَتْلِهِ ثُمَّ خُذْهُ وَامْضِ بِهِ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ فَلَا حَاجَةَ لِي فِيمَا تُعْطَاهُ.
فَفَعَلَ وَجَالَ بِهِ فِي النَّاسِ ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى الْكُوفَةِ أَخَذَ الرَّأْسَ وَجَعَلَهُ فِي عُنُقِ فَرَسِهِ) ثُمَّ أَقْبَلَ بِهِ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ فِي الْقَصْرِ فَبَصَرَ بِهِ الْقَاسِمُ بْنُ حَبِيبٍ، وَقَدْ رَاهَقَ، فَأَقْبَلَ مَعَ الْفَارِسِ لَا يُفَارِقُهُ، فَارْتَابَ بِهِ الرَّجُلُ، فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ، فَأَخْبَرَهُ وَطَلَبَ
стр. 1617
الرَّأْسَ لِيَدْفِنَهُ، فَقَالَ: إِنَّ الْأَمِيرَ لَا يَرْضَى أَنْ يُدْفَنَ وَأَرْجُو أَنْ يُثِيبَنِي الْأَمِيرُ.
فَقَالَ لَهُ: لَكِنَّ اللَّهَ لَا يُثِيبُكَ إِلَّا أَسْوَأَ الثَّوَابِ.
وَلَمْ يَزَلْ يَطْلُبُ غِرَّةَ قَاتِلِ أَبِيهِ حَتَّى كَانَ زَمَانُ مُصْعَبٍ، وَغَزَا مُصْعَبٌ بَاجُمَيْرَى، وَدَخَلَ الْقَاسِمُ عَسْكَرَهُ فَإِذَا قَاتِلُ أَبِيهِ فِي فُسْطَاطِهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ نِصْفَ النَّهَارِ فَقَتَلَهُ.
فَلَمَّا قُتِلَ حَبِيبٌ هَدَّ ذَلِكَ الْحُسَيْنَ، وَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: أَحْتَسِبُ نَفْسِي وَحُمَاةَ أَصْحَابِي.
وَحَمَلَ الْحُرُّ وَزُهَيْرُ بْنُ الْقَيْنِ فَقَاتَلَا قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَانَ إِذَا حَمَلَ أَحَدُهُمَا وَغَاضَ فِيهِمْ حَمَلَ الْآخَرُ حَتَّى يُخَلِّصَهُ، فَعَلَا ذَلِكَ سَاعَةً ثُمَّ إِنَّ رَجَّالَةً حَمَلَتْ عَلَى الْحُرِّ بْنِ يَزِيدَ فَقَتَلَتْهُ، وَقَتَلَ أَبُو ثُمَامَةَ الصَّائِدِيُّ ابْنَ عَمٍّ لَهُ كَانَ عَدُوَّهُ، ثُمَّ صَلَّوُا الظُّهْرَ، صَلَّى بِهِمُ الْحُسَيْنُ صَلَاةَ الْخَوْفِ، ثُمَّ اقْتَتَلُوا بَعْدَ الظُّهْرِ، فَاشْتَدَّ قِتَالُهُمْ، وَوُصِلَ إِلَى الْحُسَيْنِ، فَاسْتَقْدَمَ الْحَنَفِيُّ أَمَامَهُ فَاسْتُهْدِفَ لَهُمْ يَرْمُونَهُ بِالنَّبْلِ وَهُوَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى سَقَطَ.
وَقَاتَلَ زُهَيْرُ بْنُ الْقَيْنِ قِتَالًا شَدِيدًا، فَحَمَلَ عَلَيْهِ كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الشَّعْبِيُّ وَمُهَاجِرُ بْنُ أَوْسٍ فَقَتْلَاهُ، وَكَانَ نَافِعُ بْنُ هِلَالٍ الْجَمَلِيُّ قَدْ كَتَبَ اسْمَهُ عَلَى أَفَوَاهِ نَبْلِهِ، وَكَانَتْ مَسْمُومَةً، فَقَتَلَ بِهَا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا سِوَى مَنْ جُرِحَ، فَضُرِبَ حَتَّى كُسِرَتْ عَضُدَاهُ وَأُخِذَ أَسِيرًا، فَأَخَذَهُ شَمِرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ فَأَتَى بِهِ عُمَرَ بْنَ سَعْدٍ وَالدَّمُ عَلَى وَجْهِهِ وَهُوَ يَقُولُ: لَقَدْ قَتَلْتُ مِنْكُمُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا سِوَى مَنْ جَرَحْتُ، وَلَوْ بَقِيَتْ لِي عَضُدٌ وَسَاعِدٌ مَا أَسَرْتُمُونِي.
فَانْتَضَى شَمِرٌ سَيْفَهُ لِيَقْتُلَهُ، فَقَالَ لَهُ نَافِعٌ: وَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَعَظُمَ عَلَيْكَ أَنْ تَلْقَى اللَّهَ بِدِمَائِنَا، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مَنَايَانَا عَلَى يَدَيْ شَرَارِ خَلْقِهِ! فَقَتَلَهُ شَمِرٌ ثُمَّ حَمَلَ عَلَى أَصْحَابِ الْحُسَيْنِ.
فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ كَثُرُوا، وَأَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ يَمْنَعُونَ الْحُسَيْنَ وَلَا أَنْفُسَهُمْ تَنَافَسُوا أَنْ يُقْتَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَجَاءَ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنَا عَزْرَةَ الْغِفَارِيَّانِ إِلَيْهِ فَقَالَا: قَدْ حَازَنَا
стр. 1618
النَّاسُ إِلَيْكَ.
فَجَعَلَا يُقَاتِلَانِ بَيْنَ يَدِهِ، وَأَتَاهُ الْفَتَيَانِ الْجَابِرِيَّانِ وَهُمَا سَيْفُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ سُرَيْعٍ وَمَالِكُ بْنُ عَبْدِ بْنِ سُرَيْعٍ، وَهُمَا ابْنَا عَمٍّ وَأَخَوَانِ لِأُمٍّ وَهُمَا يَبْكِيَانِ، فَقَالَ لَهُمَا: مَا يُبْكِيكُمَا؟ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَا عَنْ سَاعَةٍ قَرِيرَيْ عَيْنٍ.
فَقَالَا: وَاللَّهِ مَا عَلَى أَنْفُسِنَا نَبْكِي وَلَكِنْ نَبْكِي عَلَيْكَ، نَرَاكَ قَدْ أُحِيطُ بِكَ وَلَا نَقْدِرُ أَنْ نَمْنَعَكَ! فَقَالَ: جَزَاكُمَا اللَّهُ جَزَاءَ الْمُتَّقِينَ!
وَجَاءَ حَنْظَلَةُ بْنُ أَسْعَدَ الشِّبَامِيُّ فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيِ الْحُسَيْنِ وَجَعَلَ يُنَادِي: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ - مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ - وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ - يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر: ٣٠ - ٣٣] . يَا قَوْمِ لَا تَقْتُلُوا الْحُسَيْنَ فَيُسْحِتَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه: ٦١] ، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: رَحِمَكَ اللَّهُ! إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْجَبُوا الْعَذَابَ حِينَ رَدُّوا مَا دَعَوْتَهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ وَنَهَضُوا لِيَسْتَبِيحُوكَ وَأَصْحَابَكَ فَكَيْفَ بِهِمُ الْآنَ قَدْ قَتَلُوا إِخْوَانَكَ الصَّالِحِينَ! فَسَلَّمَ عَلَى الْحُسَيْنِ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَتَقَدَّمَ وَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.
وَتَقَدَمَ الْفَتَيَانِ الْجَابِرِيَّانِ فَوَدَّعَا الْحُسَيْنَ وَقَاتَلَا حَتَّى قُتِلَا.
وَجَاءَ عَابِسُ بْنُ أَبِي شَيْبٍ الشَّاكِرِيُّ وَشَوْذَبٌ مَوْلَى شَاكِرٍ إِلَى الْحُسَيْنِ فَسَلَّمَا عَلَيْهِ وَتَقَدَّمَا فَقَاتَلَا فَقُتِلَ شَوْذَبٌ، وَأَمَّا عَابِسٌ فَطَلَبَ الْبِرَازَ فَتَحَامَاهُ النَّاسُ لِشَجَاعَتِهِ، فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ: ارْمُوهُ بِالْحِجَارَةِ، فَرَمَوْهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَلْقَى دِرْعَهُ وَمِغْفَرَهُ وَحَمَلَ عَلَى النَّاسِ فَهَزَمَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ رَجَعُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَادَّعَى قَتْلَهُ جَمَاعَةٌ.
وَجَاءَ الضَّحَّاكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُشْرِفِيُّ إِلَى الْحُسَيْنِ فَقَالَ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَدْ عَلِمْتَ أَنِّي قُلْتُ لَكَ إِنِّي أُقَاتِلُ عَنْكَ مَا رَأَيْتُ مُقَاتِلًا، فَإِذَا لَمْ أَرَ مُقَاتِلًا فَأَنَا فِي حِلٍّ مِنْ الِانْصِرَافِ.
فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: صَدَقْتَ، وَكَيْفَ لَكَ بِالنَّجَاءِ؟ إِنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ فَأَنْتَ فِي
стр. 1619
حِلٍّ.
قَالَ: فَأَقْبَلْتُ إِلَى فَرَسِي، وَكُنْتُ قَدْ تَرَكْتُهُ فِي خِبَاءٍ حَيْثُ رَأَيْتُ خَيْلَ أَصْحَابِنَا تُعْقَرُ، وَقَاتَلْتُ رَاجِلًا وَقَتَلْتُ رَجُلَيْنِ وَقَطَعْتُ يَدَ آخَرَ، وَدَعَا إِلَى الْحُسَيْنِ مِرَارًا، قَالَ: وَاسْتَخْرَجْتُ فَرَسِي وَاسْتَوَيْتُ عَلَيْهِ وَحَمَلْتُ عَلَى عَرْضِ الْقَوْمِ فَأَفْرَجُوا لِي وَتَبِعَنِي مِنْهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَفُتُّهُمْ وَسَلِمْتُ.
وَجَثَا أَبُو الشَّعْثَاءِ الْكِنْدِيُّ، وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، بَيْنَ يَدَيِ الْحُسَيْنِ، فَرَمَى بِمِائَةِ سَهْمٍ مَا سَقَطَ مِنْهَا خَمْسَةُ أَسْهُمٍ، وَكُلَّمَا رَمَى يَقُولُ لَهُ الْحُسَيْنُ: اللَّهُمَّ سَدِّدْ رَمْيَتَهُ وَاجْعَلْ ثَوَابَهُ الْجَنَّةَ! وَكَانَ يَزِيدُ هَذَا فِيمَنْ خَرَجَ مَعَ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ، فَلَمَّا رَدُّوا الشُّرُوطَ عَلَى الْحُسَيْنِ عَدَلَ إِلَيْهِ فَقَاتَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قُتِلَ.
وَأَمَّا الصَّيْدَاوِيُّ عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ وَجَبَّارُ بْنُ الْحَارِثِ السَّلْمَانِيُّ وَسَعْدٌ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ وَمُجَمَّعُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَائِذِيُّ فَإِنَّهُمْ قَاتَلُوا أَوَّلَ الْقِتَالِ، فَلَمَّا وَغَلُوا فِيهِمْ عَطَفُوا إِلَيْهِمْ فَقَطَعُوهُمْ عَنْ أَصْحَابِهِمْ، فَحَمَلَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَلِيٍّ فَاسْتَنْقَذَهُمْ وَقَدْ جُرِحُوا، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُمْ عَدُوُّهُمْ حَمَلُوا عَلَيْهِمْ فَقَاتَلُوا فَقُتِلُوا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ.
وَكَانَ آخِرَ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ الْحُسَيْنِ سُوِيدُ بْنُ أَبِي الْمُطَاعِ الْخَثْعَمِيُّ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آلِ بَنِي أَبِي طَالِبٍ يَوْمَئِذٍ عَلِيٌّ الْأَكْبَرُ ابْنُ الْحُسَيْنِ، وَأُمُّهُ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي مُرَّةَ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّةُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ حَمَلَ عَلَيْهِمْ وَهُوَ يَقُولُ:
أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ ... نَحْنُ وَرَبِّ الْبَيْتِ أَوْلَى بِالنَّبِيِّ
تَاللَّهِ لَا يَحْكُمُ فِينَا ابْنُ الدَّعِيِّ
فَفَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا، فَحَمَلَ عَلَيْهِ مُرَّةُ بْنُ مُنْقِذٍ الْعَبْدِيُّ فَطَعَنَهُ فَصُرِعَ وَقَطَّعَهُ النَّاسُ بِسُيُوفِهِمْ، فَلَمَّا رَآهُ الْحُسَيْنُ قَالَ: قَتَلَ اللَّهُ قَوْمًا قَتَلُوكَ يَا بُنَيَّ! مَا أَجْرَأَهُمْ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الرَّسُولِ: عَلَى الدُّنْيَا بَعْدَكَ الْعَفَاءُ.
وَأَقْبَلَ الْحُسَيْنُ إِلَيْهِ وَمَعَهُ فِتْيَانُهُ،
стр. 1620
فَقَالَ: احْمِلُوا أَخَاكُمْ، فَحَمَلُوهُ حَتَّى وَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيِ الْفُسْطَاطِ الَّذِي كَانُوا يُقَاتِلُونَ أَمَامَهُ.
ثُمَّ إِنَّ عَمْرَو بْنَ صُبَيْحٍ الصُّدَائِيَّ رَمَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ بِسَهْمٍ فَوَضَعَ كَفَّهُ عَلَى جَبْهَتِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُحَرِّكَهَا ثُمَّ رَمَاهُ بِسَهْمٍ آخَرَ فَقَتَلَهُ.
وَحَمَلَ النَّاسُ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَحَمَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُطْبَةَ الطَّائِيُّ عَلَى عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ فَقَتَلَهُ، وَحَمَلَ عُثْمَانُ بْنُ خَالِدِ بْنِ أُسَيْرٍ الْجُهَنِيُّ وَبِشْرُ بْنُ سَوْطٍ الْهَمْدَانِيُّ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَتَلَاهُ، وَرَمَى عَبْدُ (اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ) الْخَثْعَمِيُّ جَعْفَرَ بْنَ عَقِيلٍ فَقَتَلَهُ.
ثُمَّ حَمَلَ الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ وَبِيَدِهِ السَّيْفُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ سَعْدِ بْنِ نُفَيْلٍ الْأَزْدِيُّ فَضَرَبَ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ فَسَقَطَ الْقَاسِمُ إِلَى الْأَرْضِ لِوَجْهِهِ وَقَالَ: يَا عَمَّاهُ! فَانْقَضَّ الْحُسَيْنُ إِلَيْهِ كَالصَّقْرِ ثُمَّ شَدَّ شِدَّةَ لَيْثٍ أُغْضِبَ فَضَرَبَ عَمْرًا بِالسَّيْفِ فَاتَّقَاهُ بِيَدِهِ فَقَطَعَ يَدَهُ مِنَ الْمِرْفَقِ فَصَاحَ، وَحَمَلَتْ خَيْلُ الْكُوفَةِ لِيَسْتَنْقِذُوا عَمْرًا فَاسْتَقْبَلَتْهُ بِصُدُورِهَا وَجَالَتْ عَلَيْهِ فَوَطِئَتْهُ حَتَّى مَاتَ، وَانْجَلَتِ الْغَبَرَةُ وَالْحُسَيْنُ وَاقِفٌ عَلَى رَأْسِ الْقَاسِمِ وَهُوَ يَفْحَصُ بِرِجْلَيْهِ وَالْحُسَيْنُ يَقُولُ: بُعْدًا لِقَوْمٍ قَتَلُوكَ، وَمَنْ خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيكَ جَدُّكَ! ثُمَّ قَالَ: عَزَّ وَاللَّهِ عَلَى عَمِّكَ أَنْ تَدْعُوَهُ فَلَا يُجِيبُكَ أَوْ يُجِيبُكَ ثُمَّ لَا يَنْفَعُكَ صَوْتُهُ، وَاللَّهِ هَذَا الْيَوْمَ كَثُرَ وَاتِرُهُ وَقَلَّ نَاصِرُهُ! ثُمَّ احْتَمَلَهُ عَلَى صَدْرِهِ حَتَّى أَلْقَاهُ مَعَ ابْنِهِ عَلِيٍّ وَمَنْ قُتِلَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ.
وَمَكَثَ الْحُسَيْنُ طَوِيلًا مِنَ النَّهَارِ كُلَّمَا انْتَهَى إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ رَجَعَ عَنْهُ وَكَرِهَ أَنْ يَتَوَلَّى قَتْلَهُ وَعَظُمَ إِثْمُهُ [عَلَيْهِ] ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنْ كِنْدَةَ يُقَالُ لَهُ مَالِكُ بْنُ النُّسَيْرِ أَتَاهُ فَضَرَبَهُ عَلَى رَأْسِهِ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَ الْبُرْنُسَ، وَأَدْمَى رَأْسَهُ وَامْتَلَأَ الْبُرْنُسُ دَمًا، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: لَا أَكَلْتَ بِهَا وَلَا شَرِبْتَ وَحَشَرَكَ اللَّهُ مَعَ الظَّالِمِينَ! وَأَلْقَى الْبُرْنُسَ وَلَبِسَ الْقَلَنْسُوَةَ، وَأَخَذَ الْكِنْدِيُّ الْبُرْنُسَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى أَهْلِهِ أَخَذَ الْبُرْنُسَ يَغْسِلُ الدَّمَ عَنْهُ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَسَلَبَ ابْنِ [بِنْتِ] رَسُولِ اللَّهِ تُدْخِلُ بَيْتِي؟ أَخْرِجْهُ عَنِّي! قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ
стр. 1621
ذَلِكَ الرَّجُلُ فَقِيرًا بِشَرٍّ حَتَّى مَاتَ.
وَدَعَا الْحُسَيْنُ بِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ صَغِيرٌ (فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ فَذَبَحَهُ، فَأَخَذَ الْحُسَيْنُ دَمَهُ) فَصَبَّهُ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ قَالَ: رَبِّي إِنْ تَكُنْ حَبَسْتَ عَنَّا النَّصْرَ مِنَ السَّمَاءِ فَاجْعَلْ ذَلِكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ وَانْتَقِمْ مِنْ هَؤُلَاءِ الظَّالِمِينَ.
وَرَمَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُقْبَةَ الْغَنَوِيُّ أَبَا بَكْرِ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَلِيٍّ لِإِخْوَتِهِ مِنْ أَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ وَجَعْفَرٍ وَعُثْمَانَ: تَقَدَّمُوا حَتَّى أَرِثَكُمْ فَإِنَّهُ لَا وَلَدَ لَكُمْ.
فَفَعَلُوا فَقُتِلُوا، وَحَمَلَ هَانِئُ بْنُ ثُبَيْتٍ الْحَضْرَمِيُّ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ فَقَتَلَهُ، وَرَمَى خَوَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ الْأَصْبَحِيُّ عُثْمَانَ بْنَ عَلِيٍّ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَبَانِ بْنِ دَارِمٍ فَقَتَلَهُ وَجَاءَ بِرَأْسِهِ، وَرَمَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَبَانٍ أَيْضًا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَتَلَهُ وَجَاءَ بِرَأْسِهِ.
وَخَرَجَ غُلَامٌ مِنْ خِبَاءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَخْبِيَةِ فَأَخَذَ بِعُودٍ مِنْ عِيدَانِهِ وَهُوَ يَنْظُرُ كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ قِيلَ إِنَّهُ هَانِئٌ بْنُ ثُبَيْتٍ الْحَضْرَمِيُّ فَقَتَلَهُ.
وَاشْتَدَّ عَطَشُ الْحُسَيْنِ فَدَنَا مِنَ الْفُرَاتِ لِيَشْرَبَ فَرَمَاهُ حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ بِسَهْمٍ فَوَقَعَ فِي فَمِهِ فَجَعَلَ يَتَلَقَّى الدَّمَ بِيَدِهِ وَرَمَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ مَا يُصْنَعُ بِابْنِ بِنْتِ نَبِيِّكَ! اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا، وَلَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا!
وَقِيلَ الَّذِي رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَبَانِ بْنِ دَارِمٍ، فَمَكَثَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَسِيرًا ثُمَّ صَبَّ اللَّهُ عَلَيْهِ الظَّمَأَ فَجَعَلَ لَا يَرْوَى، فَكَانَ يُرَوَّحُ عَنْهُ وَيُبَرَّدُ لَهُ الْمَاءُ فِيهِ السُّكَّرُ وَعِسَاسٌ فِيهَا اللَّبَنُ وَيَقُولُ: اسْقُونِي، فَيُعْطَى الْقُلَّةَ أَوِ الْعُسَّ فَيَشْرَبُهُ، فَإِذَا شَرِبَهُ اضْطَجَعَ هُنَيْهَةً ثُمَّ يَقُولُ: اسْقُونِي قَتَلَنِي الظَّمَأُ، فَمَا لَبِثَ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى انْقَدَّتْ بَطْنُهُ انْقِدَادَ بَطْنِ الْبَعِيرِ.
ثُمَّ إِنَّ شَمِرَ بْنَ ذِي الْجَوْشَنِ أَقْبَلَ فِي نَفَرٍ نَحْوِ عَشَرَةٍ مِنْ رِجَالِهِمْ نَحْوَ مَنْزِلِ
стр. 1622
الْحُسَيْنِ فَحَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَحْلِهِ، فَقَالَ لَهُمُ الْحُسَيْنُ: وَيْلَكُمُ! إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ دِينٌ وَلَا تَخَافُونَ يَوْمَ الْمَعَادِ فَكُونُوا أَحْرَارًا ذَوِي أَحْسَابٍ، امْنَعُوا رَحْلِي وَأَهْلِي مِنْ طُغَاتِكُمْ وَجُهَّالِكُمْ.
فَقَالُوا: ذَلِكَ لَكَ يَا ابْنَ فَاطِمَةَ.
وَأَقْدَمَ عَلَيْهِ شَمِرٌ بِالرَّجَّالَةِ مِنْهُمْ: أَبُو الْجَنُوبِ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْجُعْفِيُّ، وَالْقَشْعَمُ بْنُ نُذَيْرٍ الْجُعْفِيُّ، وَصَالِحُ بْنُ وَهْبٍ الْيَزَنِيُّ، وَسِنَانُ بْنُ أَنَسٍ النَّخَعِيُّ، وَخَوَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ الْأَصْبَحِيُّ، وَجَعَلَ شَمِرٌ يُحَرِّضُهُمْ عَلَى الْحُسَيْنِ وَهُوَ يَحْمِلُ عَلَيْهِمْ فَيَنْكَشِفُونَ عَنْهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَحَاطُوا بِهِ.
وَأَقْبَلَ إِلَى الْحُسَيْنِ غُلَامٌ مِنْ أَهْلِهِ فَقَامَ إِلَى جَنْبِهِ وَقَدْ أَهْوَى بَحْرُ بْنُ كَعْبِ بْنِ تَيْمِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ إِلَى الْحُسَيْنِ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ الْغُلَامُ: يَا ابْنَ الْخَبِيثَةِ أَتَقْتُلُ عَمِّي! فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ، فَاتَّقَاهُ الْغُلَامُ بِيَدِهِ فَأَطَنَّهَا إِلَى الْجِلْدَةِ، فَنَادَى الْغُلَامُ: يَا أُمَّتَاهُ! فَاعْتَنَقَهُ الْحُسَيْنُ وَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ أَخِي اصْبِرْ عَلَى مَا نَزَلَ بِكَ فَإِنَّ اللَّهَ يُلْحِقُكَ بِآبَائِكَ الطَّاهِرِينَ الصَّالِحِينَ، بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلِيٍّ وَحَمْزَةَ وَجَعْفَرٍ وَالْحَسَنِ.
وَقَالَ الْحُسَيْنُ: اللَّهُمَّ أَمْسِكْ عَنْهُمْ قَطْرَ السَّمَاءِ وَامْنَعْهُمْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ! اللَّهُمَّ فَإِنْ مَتَّعْتَهُمْ إِلَى حِينٍ فَفَرِّقْهُمْ فِرَقًا وَاجْعَلْهُمْ طَرَائِقَ قِدَدًا وَلَا تُرْضِ عَنْهُمُ الْوُلَاةَ أَبَدًا، فَإِنَّهُمْ دَعَوْنَا لِيَنْصُرُونَا فَعَدَوْا عَلَيْنَا فَقَتَلُونَا!
ثُمَّ ضَارَبَ الرَّجَّالَةَ حَتَّى انْكَشَفُوا عَنْهُ، وَلَمَّا بَقِيَ الْحُسَيْنُ فِي ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ دَعَا بِسَرَاوِيلَ فَفَزَّرَهُ وَنَكَثَهُ لِئَلَّا يُسْلَبَهُ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: لَوْ لَبِسْتَ تَحْتَهُ التُّبَّانَ.
قَالَ: ذَلِكَ ثَوْبُ مَذَلَّةٍ وَلَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَلْبَسَهُ.
فَلَمَّا قُتِلَ سَلَبَهُ بَحْرُ بْنُ كَعْبٍ، وَكَانَتْ يَدَاهُ فِي الشِّتَاءِ تَنْضَحَانِ بِالْمَاءِ، وَفِي الصَّيْفِ تَيْبَسَانِ كَأَنَّهُمَا عُودٌ.
وَحَمَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، فَحَمَلَ عَلَى الَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ فَتَفَرَّقُوا، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى الَّذِينَ عَنْ يَسَارِهِ فَتَفَرَّقُوا، فَمَا رُئِيَ مَكْثُورٌ قَطُّ قَدْ قُتِلَ وَلَدُهُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَأَصْحَابُهُ أَرْبَطَ جَأْشًا مِنْهُ، وَلَا أَمْضَى جَنَانًا وَلَا أَجْرَأَ مَقْدَمًا مِنْهُ، إِنْ كَانَتِ الرَّجَّالَةُ لَتَنْكَشِفُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ انْكِشَافَ الْمِعْزَى إِذَا شَدَّ فِيهَا الذِّئْبُ.
فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ خَرَجَتْ زَيْنَبُ وَهِيَ تَقُولُ: لَيْتَ السَّمَاءَ انْطَبَقَتْ عَلَى الْأَرْضِ! وَقَدْ دَنَا عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ، فَقَالَتْ: يَا عُمَرُ أَيُقْتَلُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَأَنْتَ تَنْظُرُ إِلَيْهِ؟ فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ
стр. 1623
حَتَّى سَالَتْ دُمُوعُهُ عَلَى خَدَّيْهِ وَلِحْيَتِهِ وَصَرَفَ وَجْهَهُ عَنْهَا.
وَكَانَ عَلَى الْحُسَيْنِ جُبَّةٌ مِنْ خَزٍّ، وَكَانَ مُعْتَمًّا مَخْضُوبًا بِالْوَسْمَةِ، وَقَاتَلَ رَاجِلًا قِتَالَ الْفَارِسِ الشُّجَاعِ يَتَّقِي الرَّمْيَةَ وَيَفْتَرِصُ الْعَوْرَةَ وَيَشُدُّ عَلَى الْخَيْلِ وَهُوَ يَقُولُ: أَعَلَى قَتْلِي تَجْتَمِعُونَ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَا تَقْتُلُونَ بَعْدِي عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، اللَّهُ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ لِقَتْلِهِ مِنِّي! وَايْمُ اللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُكْرِمَنِي اللَّهُ بِهَوَانِكُمْ ثُمَّ يَنْتَقِمَ لِي مِنْكُمْ مِنْ حَيْثُ لَا تَشْعُرُونَ! أَمَا وَاللَّهِ لَوْ قَتَلْتُمُونِي لَأَلْقَى اللَّهُ بَأْسَكُمْ بَيْنَكُمْ وَسَفَكَ دِمَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَرْضَى بِذَلِكَ مِنْكُمْ حَتَّى يُضَاعِفَ لَكُمُ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ.
قَالَ: وَمَكَثَ طَوِيلًا مِنَ النَّهَارِ، وَلَوْ شَاءَ النَّاسُ أَنْ يَقْتُلُوهُ لَقَتَلُوهُ وَلَكِنَّهُمْ كَانَ يَتَّقِي بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ وَيُحِبُّ هَؤُلَاءِ أَنْ يَكْفِيَهُمْ هَؤُلَاءِ، فَنَادَى شَمِرٌ فِي النَّاسِ: وَيْحَكُمْ مَاذَا تَنْتَظِرُونَ بِالرَّجُلِ؟ اقْتُلُوهُ ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ! فَحَمَلُوا عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَضَرَبَ زُرْعَةُ بْنُ شَرِيكٍ التَّمِيمِيُّ عَلَى كَفِّهِ الْيُسْرَى وَضَرَبَ أَيْضًا عَلَى عَاتِقِهِ ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ وَهُوَ يَقُومُ وَيَكْبُو، وَحَمَلَ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ سِنَانُ بْنُ أَنَسٍ النَّخَعِيُّ فَطَعَنَهُ بِالرُّمْحِ فَوَقَعَ، وَقَالَ لِخَوَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ الْأَصْبَحِيِّ: احْتَزَّ رَأْسَهُ، فَأَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ فَضَعُفَ وَأُرْعِدَ، فَقَالَ لَهُ سِنَانٌ، فَتَّ اللَّهُ عَضُدَكَ! وَنَزَلَ إِلَيْهِ فَذَبَحَهُ وَاحْتَزَّ رَأْسَهُ فَدَفَعَهُ إِلَى خَوَلِيِّ، (وَسَلَبَ الْحُسَيْنَ مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَ سَرَاوِيلَهُ) بَحْرُ بْنُ كَعْبٍ (وَأَخَذَ قَيْسُ بْنُ الْأَشْعَثِ قَطِيفَتَهُ، وَهِيَ مِنْ خَزٍّ، فَكَانَ يُسَمَّى بَعْدُ قَيْسَ قَطِيفَةَ) ، وَأَخَذَ نَعْلَيْهِ الْأَوْدِيُّ، وَأَخَذَ سَيْفَهُ رَجُلٌ مِنْ دَارِمٍ، وَمَالَ النَّاسُ عَلَى الْوَرْسِ وَالْحُلَلِ وَالْإِبِلِ فَانْتَهَبُوهَا وَنَهَبُوا ثَقَلَهُ وَمَتَاعَهُ وَمَا عَلَى النِّسَاءِ حَتَّى إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ لَتَنْزِعُ ثَوْبَهَا مِنْ ظَهْرِهَا فَيُؤْخَذُ مِنْهَا.
وَوُجِدَ بِالْحُسَيْنِ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ طَعْنَةً وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ ضَرْبَةً (غَيْرَ الرَّمْيَةِ) .
وَأَمَّا سُوِيدُ بْنُ الْمُطَاعِ فَكَانَ قَدْ صُرِعَ فَوَقَعَ بَيْنَ الْقَتْلَى مُثْخَنًا بِالْجِرَاحَاتِ، فَسَمِعَهُمْ يَقُولُونَ: قُتِلَ الْحُسَيْنُ! فَوَجَدَ خِفَّةً فَوَثَبَ وَمَعَهُ سِكِّينٌ، وَكَانَ سَيْفُهُ قَدْ أُخِذَ
стр. 1624
فَقَاتَلَهُمْ بِسِكِّينِهِ سَاعَةً ثُمَّ قُتِلَ، قَتَلَهُ عُرْوَةُ بْنُ بَطَّانٍ الثَّعْلَبِيُّ وَزَيْدُ بْنُ رُقَادٍ الْجُنُبِيُّ، وَكَانَ آخِرَ مَنْ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ الْحُسَيْنِ.
ثُمَّ انْتَهَوْا إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ فَأَرَادَ شَمِرٌ قَتْلَهُ، فَقَالَ لَهُ حُمَيْدُ بْنُ مُسْلِمٍ: سُبْحَانَ اللَّهُ أَتَقْتُلُ الصِّبْيَانَ! وَكَانَ مَرِيضًا، وَجَاءَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ فَقَالَ: لَا يَدْخُلَنَّ بَيْتَ هَذِهِ النِّسْوَةِ أَحَدٌ وَلَا يَعْرِضُ لِهَذَا الْغُلَامِ الْمَرِيضِ، وَمَنْ أَخَذَ مِنْ مَتَاعِهِمْ شَيْئًا فَلْيَرُدُّهُ، فَلَمْ يَرُدَّ أَحَدٌ شَيْئًا.
فَقَالَ النَّاسُ لِسِنَانِ بْنِ أَنَسٍ النَّخَعِيِّ: قَتَلْتَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ وَابْنَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَتَلْتَ أَعْظَمَ الْعَرَبِ خَطَرًا، أَرَادَ أَنْ يُزِيلَ مُلْكَ هَؤُلَاءِ، فَأْتِ أُمَرَاءَكَ فَاطْلُبْ ثَوَابَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ لَوْ أَعْطَوْكَ بُيُوتَ أَمْوَالِهِمْ فِي قَتْلِهِ كَانَ قَلِيلًا.
فَأَقْبَلَ عَلَى فَرَسِهِ، وَكَانَ شُجَاعًا شَاعِرًا بِهِ لَوْثَةٌ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى بَابِ فُسْطَاطِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ:
أَوْقِرْ رِكَابِي فِضَّةً وَذَهَبَا ... إِنِّي قَتَلْتُ السَّيِّدَ الْمُحَجَّبَا
قَتَلْتُ خَيْرَ النَّاسِ أُمًّا وَأَبَا ... وَخَيْرَهُمْ إِذْ يُنْسَبُونَ نَسَبَا
فَقَالَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ: أَشْهَدُ أَنَّكَ مَجْنُونٌ، أَدْخِلُوهُ عَلَيَّ.
فَلَمَّا دَخَلَ حَذَفَهُ بِالْقَضِيبِ وَقَالَ: يَا مَجْنُونُ أَتَتَكَلَّمُ بِهَذَا الْكَلَامِ؟ وَاللَّهِ لَوْ سَمِعَكَ ابْنُ زِيَادٍ لَضَرَبَ عُنُقَكَ! وَأَخَذَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ عُقْبَةَ بْنَ سِمْعَانَ مَوْلَى الرَّبَابِ ابْنَةِ امْرِئِ الْقَيْسِ الْكَلْبِيَّةِ امْرَأَةِ الْحُسَيْنِ، فَقَالَ: مَا أَنْتِ؟ فَقَالَ: أَنَا عَبْدٌ مَمْلُوكٌ.
فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ غَيْرُهُ وَغَيْرُ الْمُرَقَّعِ بْنِ ثُمَامَةَ الْأَسَدِيِّ، وَكَانَ قَدْ نَثَرَ نَبْلَهُ فَقَاتَلَ، فَجَاءَ نَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِ فَآمَنُوهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا أُخْبِرَ ابْنُ زِيَادٍ خَبَرَهُ نَفَاهُ إِلَى الزَّارَةِ.
ثُمَّ نَادَى عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ فِي أَصْحَابِهِ مَنْ يُنْتَدَبُ إِلَى الْحُسَيْنِ فَيُوطِئُهُ فَرَسَهُ، فَانْتَدَبَ عَشْرَةً، مِنْهُمْ إِسْحَاقُ بْنُ حَيْوَةَ الْحَضْرَمِيُّ، وَهُوَ الَّذِي سَلَبَ قَمِيصَ الْحُسَيْنِ، فَبَرِصَ بَعْدُ، فَأَتَوْا فَدَاسُوا الْحُسَيْنَ بِخُيُولِهِمْ حَتَّى رَضُّوا ظَهْرَهُ وَصَدْرَهُ.
وَكَانَ عِدَّةُ مَنْ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ الْحُسَيْنِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ رَجُلًا.
стр. 1625
وَدَفَنَ الْحُسَيْنَ وَأَصْحَابَهُ أَهْلُ الْغَاضِرِيَّةِ مِنْ بَنِي أَسَدٍ بَعْدَ قَتْلِهِمْ بِيَوْمٍ.
وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ ثَمَانِيَةٌ وَثَمَانُونَ رَجُلًا سِوَى الْجَرْحَى فَصَلَّى عَلَيْهِمْ عُمَرُ وَدَفَنَهُمْ.
وَلَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ أُرْسِلَ رَأْسُهُ وَرُءُوسُ أَصْحَابِهِ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ مَعَ خَوَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ وَحُمَيْدِ بْنِ مُسْلِمٍ الْأَزْدِيِّ، فَوَجَدَ خَوَلِيٌّ الْقَصْرَ مُغْلَقًا فَأَتَى مَنْزِلَهُ فَوَضَعَ الرَّأْسَ تَحْتَ إِجَّانَةٍ فِي مَنْزِلِهِ وَدَخَلَ فِرَاشَهُ وَقَالَ لِامْرَأَتِهِ النَّوَّارِ: جِئْتُكِ بِغِنَى الدَّهْرِ، هَذَا رَأْسُ الْحُسَيْنِ مَعَكِ فِي الدَّارِ. فَقَالَتْ: وَيْلَكَ! جَاءَ النَّاسُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَجِئْتَ بِرَأْسِ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ! وَاللَّهِ لَا يَجْمَعُ رَأْسِي وَرَأَسَكَ بَيْتٌ أَبَدًا! وَقَامَتْ مِنَ الْفِرَاشِ فَخَرَجَتْ إِلَى الدَّارِ، قَالَتْ: فَمَا زِلْتُ أَنْظُرُ إِلَى نُورٍ يَسْطَعُ مِثْلِ الْعَمُودِ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْإِجَّانَةِ، وَرَأَيْتُ طَيْرًا أَبْيَضَ يُرَفْرِفُ حَوْلَهَا.
فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا بِالرَّأْسِ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ.
وَقِيلَ: بَلِ الَّذِي حَمَلَ الرُّءُوسَ كَانَ شَمِرٌ وَقَيْسُ بْنُ الْأَشْعَثِ وَعَمْرُو بْنُ الْحَجَّاجِ وَعُرْوَةُ بْنُ قَيْسٍ فَجَلَسَ ابْنُ زِيَادٍ وَأُذِّنَ لِلنَّاسِ فَأُحْضِرَتِ الرُّءُوسُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يَنْكُتُ بِقَضِيبٍ بَيْنَ ثَنِيَّتِهِ سَاعَةً، فَلَمَّا رَآهُ زَيْدُ بْنُ الْأَرْقَمِ لَا يَرْفَعُ قَضِيبَهُ قَالَ: أَعْلِ هَذَا الْقَضِيبَ عَنْ هَاتَيْنِ الثَّنِيَّتَيْنِ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَقَدْ رَأَيْتُ شَفَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى هَاتَيْنِ الشَّفَتَيْنِ يُقَبِّلُهُمَا! ثُمَّ بَكَى، فَقَالَ لَهُ ابْنُ زِيَادٍ: أَبْكَى اللَّهُ عَيْنَيْكَ! فَوَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّكَ شَيْخٌ قَدْ خَرِفْتَ وَذَهَبَ عَقْلُكَ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ.
فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: أَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ الْعَبِيدُ بَعْدَ الْيَوْمِ، قَتَلْتُمُ ابْنَ فَاطِمَةَ، وَأَمَّرْتُمُ ابْنَ مَرْجَانَةَ، فَهُوَ يُقَتِّلُ خِيَارَكُمْ وَيَسْتَعْبِدُ شِرَارَكُمْ، فَرَضِيتُمْ بِالذُّلِّ، فَبُعْدًا لِمَنْ يَرْضَى بِالذُّلِّ!
فَأَقَامَ عُمَرُ بَعْدَ قَتْلِهِ يَوْمَيْنِ ثُمَّ ارْتَحَلَ إِلَى الْكُوفَةِ وَحَمَلَ مَعَهُ بَنَاتِ الْحُسَيْنِ وَأَخَوَاتِهِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الصِّبْيَانِ، وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ مَرِيضٌ، فَاجْتَازُوا بِهِمْ عَلَى الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ صَرْعَى، فَصَاحَ النِّسَاءُ وَلَطَمْنَ خُدُودَهُنَّ، وَصَاحَتْ زَيْنَبُ أُخْتُهُ: يَا مُحَمَّدَاهُ صَلَّى عَلَيْكَ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ! هَذَا الْحُسَيْنُ بِالْعَرَاءِ، مُرَمَّلٌ بِالدِّمَاءِ، مُقَطَّعُ
стр. 1626
الْأَعْضَاءِ، وَبَنَاتُكَ سَبَايَا، وَذُرِّيَّتُكَ مُقَتَّلَةٌ تَسْفِي عَلَيْهَا الصَّبَا! فَأَبْكَتْ كُلَّ عَدُوٍّ وَصَدِيقٍ.
فَلَمَّا أَدْخَلُوهُمْ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ لَبِسَتْ زَيْنَبُ أَرْذَلَ ثِيَابِهَا وَتَنَكَّرَتْ وَحُفَّتْ بِهَا إِمَاؤُهَا، فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: مَنْ هَذِهِ الْجَالِسَةُ؟ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ، فَقَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا وَهِيَ لَا تُكَلِّمُهُ، فَقَالَ بَعْضُ إِمَائِهَا: هَذِهِ زَيْنَبُ بِنْتُ فَاطِمَةَ.
فَقَالَ لَهَا ابْنُ زِيَادٍ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَحَكُمْ وَقَتَلَكُمْ وَأَكْذَبَ أُحْدُوثَتَكُمْ! فَقَالَتْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَكْرَمْنَا بِمُحَمَّدٍ وَطَهَّرَنَا تَطْهِيرًا، لَا كَمَا تَقُولُ، وَإِنَّمَا يُفْتَضَحُ الْفَاسِقُ وَيُكَذَّبُ الْفَاجِرُ.
فَقَالَ: فَكَيْفَ رَأَيْتِ صُنْعَ اللَّهِ بِأَهْلِ بَيْتِكِ؟ قَالَتْ: كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ فَبَرَزُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَسَيَجْمَعُ اللَّهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ فَتَخْتَصِمُونَ عِنْدَهُ.
فَغَضِبَ ابْنُ زِيَادٍ وَقَالَ: قَدْ شَفَى اللَّهُ غَيْظِي مِنْ طَاغِيَتِكِ وَالْعُصَاةِ الْمَرَدَةِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكِ.
فَبَكَتْ وَقَالَتْ: لَعَمْرِي لَقَدْ قَتَلْتَ كَهْلِي، وَأَبْرَزْتَ أَهْلِي، وَقَطَعْتَ فَرْعِي، وَاجْتَثَثْتَ أَصْلِي، فَإِنْ يَشْفِكَ هَذَا فَقَدِ اشْتَفَيْتَ.
فَقَالَ لَهَا: هَذِهِ شَجَاعَةٌ، لَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ أَبُوكِ شُجَاعًا! فَقَالَتْ: مَا لِلْمَرْأَةِ وَالشَّجَاعَةُ!
وَلَمَّا نَظَرَ ابْنُ زِيَادٍ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ.
قَالَ: أَوَلَمَ يَقْتُلِ اللَّهُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ؟ فَسَكَتَ.
فَقَالَ: مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ؟ فَقَالَ: كَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَيْضًا عَلِيٌّ فَقَتَلَهُ النَّاسُ.
فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُ.
فَسَكَتَ عَلِيٌّ.
فَقَالَ: مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ؟ فَقَالَ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] ، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥] . قَالَ: أَنْتَ وَاللَّهِ مِنْهُمْ.
ثُمَّ قَالَ لِرَجُلٍ: وَيْحَكَ! انْظُرْ هَذَا هَلْ أَدْرَكَ؟ إِنِّي لَأَحْسَبُهُ رَجُلًا.
قَالَ فَكَشَفَ عَنْهُ مُرِّيُّ بْنُ مُعَاذٍ الْأَحْمَرِيُّ فَقَالَ: نَعَمْ قَدْ أَدْرَكَ.
قَالَ: اقْتُلْهُ.
فَقَالَ عَلِيٌّ: مَنْ تُوكِلُ بِهَذِهِ النِّسْوَةِ؟ وَتَعَلَّقَتْ بِهِ زَيْنَبُ فَقَالَتْ: يَا ابْنَ زِيَادٍ حَسْبُكَ مِنَّا، أَمَا رَوِيتَ مِنْ دِمَائِنَا، وَهَلْ أَبْقَيْتَ مِنَّا أَحَدًا! وَاعْتَنَقَتْهُ وَقَالَتْ: أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ إِنْ كُنْتَ مُؤْمِنًا إِنْ قَتَلْتَهُ لَمَا قَتَلْتَنِي مَعَهُ! وَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: يَا ابْنَ زِيَادٍ إِنْ كَانَتْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُنَّ قَرَابَةٌ فَابْعَثْ مَعَهُنَّ رَجُلًا تَقِيًّا يَصْحَبُهُنَّ بِصُحْبَةِ الْإِسْلَامِ.
فَنَظَرَ إِلَيْهَا سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: عَجَبًا لِلرَّحِمِ! وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّهَا وَدَّتْ لَوْ أَنِّي قَتَلْتُهُ أَنِّي قَتَلْتُهَا مَعَهُ، دَعُوا الْغُلَامَ يَنْطَلِقُ مَعَ نِسَائِهِ.
ثُمَّ نَادَى: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَهُمْ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَظْهَرَ الْحَقَّ وَأَهْلَهُ، وَنَصَرَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَزِيدَ وَحِزْبَهُ، وَقَتَلَ الْكَذَّابَ ابْنَ الْكَذَّابِ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ وَشِيعَتَهُ.
стр. 1627
فَوَثَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَفِيفٍ الْأَزْدِيُّ ثُمَّ الْوَالِبِيُّ، وَكَانَ ضَرِيرًا قَدْ ذَهَبَتْ إِحْدَى عَيْنَيْهِ يَوْمَ الْجَمَلِ مَعَ عَلِيٍّ وَالْأُخْرَى بِصِفِّينَ مَعَهُ أَيْضًا، وَكَانَ لَا يُفَارِقُ الْمَسْجِدَ يُصَلِّي فِيهِ إِلَى اللَّيْلِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَلَمَّا سَمِعَ مَقَالَةَ ابْنِ زِيَادٍ قَالَ: يَا ابْنَ مَرْجَانَةَ! إِنَّ الْكَذَّابَ ابْنَ الْكَذَّابِ أَنْتَ وَأَبُوكَ وَالَّذِي وَلَّاكَ وَأَبُوهُ! يَا ابْنَ مَرْجَانَةَ أَتَقْتُلُونَ أَبْنَاءَ النَّبِيِّينَ وَتَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامِ الصِّدِّيقِينَ؟ فَقَالَ: عَلَيَّ بِهِ.
فَأَخَذُوهُ، فَنَادَى بِشِعَارِ الْأَزْدِ: يَا مَبْرُورُ! فَوَثَبَ إِلَيْهِ فَتْيَةٌ مِنَ الْأَزْدِ فَانْتَزَعُوهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَنْ أَتَاهُ بِهِ فَقَتَلَهُ وَأَمَرَ بِصَلْبِهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَصُلِبَ، ﵀.
وَأَمَرَ ابْنُ زِيَادٍ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ فَطَيْفَ بِهِ فِي الْكُوفَةِ، وَكَانَ رَأْسُهُ أَوَّلَ رَأْسِ حُمِلَ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى خَشَبَةٍ فِي قَوْلٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ أَوَّلَ رَأْسٍ حُمِلَ فِي الْإِسْلَامِ رَأْسُ عَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ.
ثُمَّ أَرْسَلَ ابْنُ زِيَادٍ رَأْسَ الْحُسَيْنِ وَرُءُوسَ أَصْحَابِهِ مَعَ زَحْرِ بْنِ قَيْسٍ إِلَى الشَّامِ إِلَى يَزِيدَ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ، وَقِيلَ: مَعَ شَمِرٍ وَجَمَاعَةٍ مَعَهُ، وَأَرْسَلَ مَعَهُ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ، وَفِيهِمْ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَدْ جَعَلَ ابْنُ زِيَادٍ الْغُلَّ فِي يَدَيْهِ وَرَقَبَتِهِ، وَحَمَلَهُمْ عَلَى الْأَقْتَابِ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فِي الطَّرِيقِ حَتَّى بَلَغُوا الشَّامَ، فَدَخَلَ زَحْرُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى يَزِيدَ، فَقَالَ: مَا وَرَاءَكَ؟ فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِفَتْحِ اللَّهِ وَبِنَصْرِهِ، وَرَدَ عَلَيْنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَسِتِّينَ مِنْ شِيعَتِهِ، فَسِرْنَا إِلَيْهِمْ فَسَأَلْنَاهُمْ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ الْأَمِيرِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَوِ الْقِتَالِ فَاخْتَارُوا الْقِتَالَ فَعَدَوْنَا عَلَيْهِمْ مَعَ شُرُوقِ الشَّمْسِ فَأَحَطْنَا بِهِمْ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ السُّيُوفُ مَآخِذَهَا مِنْ هَامِّ الْقَوْمِ جَعَلُوا يَهْرَبُونَ إِلَى غَيْرِ وَزَرٍ، وَيَلُوذُونَ بِالْإِكَامِ وَالْحُفَرِ، كَمَا لَاذَ الْحَمَائِمُ مِنْ صَقَرٍ، فَوَاللَّهِ مَا كَانَ إِلَّا جَزْرَ جَزُورٍ، أَوْ نَوْمَةَ قَائِلٍ، حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى آخِرِهِمْ! فَهَاتِيكَ أَجْسَادُهُمْ مُجَرَّدَةٌ، وَثِيَابُهُمْ مُرَمَّلَةٌ، وَخُدُودُهُمْ مُعَفَّرَةٌ، تَصْهَرُهُمُ الشَّمْسُ، وَتَسْفِي عَلَيْهِمُ الرِّيحُ، زُوَّارُهُمُ الْعُقْبَانُ وَالرَّخَمُ بِقِيِّ سَبْسَبٍ.
قَالَ: فَدَمَعَتْ عَيْنَا يَزِيدَ وَقَالَ: كُنْتُ أَرْضَى مِنْ طَاغِيَتِكُمْ بِدُونِ قَتْلِ الْحُسَيْنِ، لَعَنَ اللَّهُ ابْنَ سُمَيَّةَ! أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي صَاحِبُهُ لَعَفَوْتُ عَنْهُ، فَرَحِمَ اللَّهُ الْحُسَيْنَ! وَلَمْ يَصِلْهُ بِشَيْءٍ.
стр. 1628
وَقِيلَ: إِنَّ آلَ الْحُسَيْنِ لَمَّا وَصَلُوا إِلَى الْكُوفَةِ حَبَسَهُمُ ابْنُ زِيَادٍ وَأَرْسَلَ إِلَى يَزِيدَ بِالْخَبَرِ، فَبَيْنَمَا هُمْ فِي الْحَبْسِ إِذْ سَقَطَ عَلَيْهِمْ حَجَرٌ فِيهِ كِتَابٌ مَرْبُوطٌ وَفِيهِ: إِنَّ الْبَرِيدَ سَارَ بِأَمْرِكُمْ إِلَى يَزِيدَ فَيَصِلُ يَوْمَ كَذَا وَيَعُودُ يَوْمَ كَذَا، فَإِنْ سَمِعْتُمُ التَّكْبِيرَ فَأَيْقِنُوا بِالْقَتْلِ، وَإِنْ لَمْ تَسْمَعُوا تَكْبِيرًا فَهُوَ الْأَمَانُ.
فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ قُدُومِ الْبَرِيدِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ إِذَا حَجَرٌ قَدْ أُلْقِيَ وَفِيهِ كِتَابٌ يَقُولُ فِيهِ: أَوْصُوا وَاعْهَدُوا فَقَدْ قَارَبَ وُصُولُ الْبَرِيدِ.
ثُمَّ جَاءَ الْبَرِيدُ بِأَمْرِ يَزِيدَ بِإِرْسَالِهِمْ إِلَيْهِ، فَدَعَا ابْنُ زِيَادٍ مُحَفِّرَ بْنَ ثَعْلَبَةَ وَشَمِرَ بْنَ ذِي الْجَوْشَنِ وَسَيَّرَهُمَا بِالثَّقَلِ وَالرَّأْسِ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى دِمَشْقَ نَادَى مُحَفِّرُ بْنُ ثَعْلَبَةَ عَلَى بَابِ يَزِيدَ: جِئْنَا بِرَأْسِ أَحْمَقِ النَّاسِ وَأَلْأَمِهِمْ! فَقَالَ يَزِيدُ: مَا وَلَدَتْ أُمُّ مُحَفِّرٍ أَلْأَمَ وَأَحْمَقَ مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ قَاطِعٌ ظَالِمٌ.
ثُمَّ دَخَلُوا عَلَى يَزِيدَ فَوَضَعُوا الرَّأْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَحَدَّثُوهُ، فَسَمِعَتِ الْحَدِيثَ هِنْدَ بِنْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كُرَيْزٍ، وَكَانَتْ تَحْتَ يَزِيدَ، فَتَقَنَّعَتْ بِثَوْبِهَا وَخَرَجَتْ فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَرْأَسُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ ابْنُ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَعْوِلِي عَلَيْهِ، وَحُدِّي عَلَى ابْنِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَرِيحَةِ قُرَيْشٍ، عَجَّلَ عَلَيْهِ ابْنُ زِيَادٍ فَقَتَلَهُ، قَتَلَهُ اللَّهُ! ثُمَّ أَذِنَ لِلنَّاسِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَالرَّأْسُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَعَهُ قَضِيبٌ وَهُوَ يَنْكُتُ بِهِ ثَغْرَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا وَإِيَّانَا كَمَا قَالَ الْحُصَيْنُ بْنُ الْحُمَامِ:
أَبَى قَوْمُنَا أَنْ يُنْصِفُونَا فَأَنْصَفَتْ ... قَوَاضِبُ فِي أَيْمَانِنَا تَقْطُرُ الدَّمَا
يُفَلِّقْنَ هَامًا مِنْ رِجَالٍ أَعِزَّةٍ ... عَلَيْنَا وَهُمْ كَانُوا أَعَقَّ وَأَظْلَمَا
فَقَالَ لَهُ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ: أَتَنْكُتُ بِقَضِيبِكَ فِي ثَغْرِ الْحُسَيْنِ؟ أَمَا لَقَدْ أَخَذَ قَضِيبُكَ فِي ثَغْرِهِ مَأْخَذًا، لَرُبَّمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَرْشُفُهُ، أَمَا إِنَّكَ يَا يَزِيدُ تَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَابْنُ زِيَادٍ شَفِيعُكَ، وَيَجِيءُ هَذَا وَمُحَمَّدٌ شَفِيعُهُ: ثُمَّ قَامَ فَوَلَّى.
стр. 1629
فَقَالَ يَزِيدُ: وَاللَّهِ يَا حُسَيْنُ لَوْ كُنْتُ أَنَا صَاحِبُكَ مَا قَتَلْتُكَ. ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ مِنْ أَيْنَ أَتَى هَذَا؟ قَالَ: أَبِي عَلِيٌّ خَيْرٌ مِنْ أَبِيهِ، وَفَاطِمَةُ أُمِّي خَيْرٌ مِنْ أُمِّهِ، وَجَدِّي رَسُولُ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ جَدِّهِ، وَأَنَا خَيْرٌ مِنْهُ وَأَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْهُ، فَأَمَّا قَوْلُهُ أَبُوهُ خَيْرٌ مِنْ أَبِي فَقَدْ حَاجَّ أَبِي أَبَاهُ إِلَى اللَّهِ وَعَلِمَ النَّاسُ أَيَّهُمَا حُكِمَ لَهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ أُمِّي خَيْرٌ مِنْ أُمِّهِ فَلَعَمْرِي فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أُمِّي، وَأَمَّا قَوْلُهُ جَدِّي رَسُولُ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ جَدِّهِ فَلَعَمْرِي مَا أَحَدٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يَرَى لِرَسُولِ اللَّهِ فِينَا عِدْلًا وَلَا نِدًّا، وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا أُتِيَ مِنْ قِبَلِ فِقْهِهِ، وَلَمْ يَقْرَأْ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] .
ثُمَّ أُدْخِلَ نِسَاءُ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ وَالرَّأْسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَتْ فَاطِمَةُ وَسُكَيْنَةُ ابْنَتَا الْحُسَيْنِ تَتَطَاوَلَانِ لِتَنْظُرَا إِلَى الرَّأْسِ، وَجَعَلَ يَزِيدُ يَتَطَاوَلُ لِيَسْتُرَ عَنْهُمَا الرَّأْسَ.
فَلَمَّا رَأَيْنَ الرَّأْسَ صِحْنَ، فَصَاحَ نِسَاءُ يَزِيدَ وَوَلْوَلَ بَنَاتُ مُعَاوِيَةَ.
فَقَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ، وَكَانَتْ أَكْبَرَ مِنْ سُكَيْنَةَ: أَبَنَاتُ رَسُولِ اللَّهِ سَبَايَا يَا يَزِيدُ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَةَ أَخِي أَنَا لِهَذَا كُنْتُ أَكْرَهُ.
قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا تُرِكَ لَنَا خُرْصٌ.
فَقَالَ: مَا أَتَى إِلَيْكُنَّ أَعْظَمُ مِمَّا أُخِذَ مِنْكُنَّ.
فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَقَالَ: هَبْ لِي هَذِهِ، يَعْنِي فَاطِمَةَ، فَأَخَذَتْ بِثِيَابِ أُخْتِهَا زَيْنَبَ، وَكَانَتْ أَكْبَرَ مِنْهَا، فَقَالَتْ زَيْنَبُ: كَذَبْتَ وَلَؤُمْتَ، مَا ذَلِكَ لَكَ وَلَا لَهُ.
فَغَضِبَ يَزِيدُ وَقَالَ: كَذَبْتِ وَاللَّهِ، إِنَّ ذَلِكَ لِي وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَفْعَلَهُ لَفَعَلْتُهُ.
قَالَتْ كَلَّا وَاللَّهِ، مَا جَعَلَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ مِلَّتِنَا وَتَدِينَ بِغَيْرِ دِينِنَا.
فَغَضَبَ يَزِيدُ وَاسْتَطَارَ، ثُمَّ قَالَ: إِيَّايَ تَسْتَقْبِلِينَ بِهَذَا؟ إِنَّمَا خَرَجَ مِنَ الدِّينِ أَبُوكِ وَأَخُوكِ!
قَالَتْ زَيْنَبُ: بِدِينِ اللَّهِ وَدِينِ أَبِي وَأَخِي وَجَدِّي اهْتَدَيْتَ أَنْتَ وَأَبُوكَ وَجَدُّكَ.
قَالَ: كَذَبْتِ يَا عَدُوَّةَ اللَّهِ! قَالَتْ: أَنْتَ أَمِيرٌ تَشْتُمُ ظَالِمًا وَتَقْهَرُ بِسُلْطَانِكَ؟ فَاسْتَحَى وَسَكَتَ، ثُمَّ أَخْرَجَهُنَّ وَأَدْخَلَهُنَّ دُورَ يَزِيدَ، فَلَمْ تَبْقَ امْرَأَةٌ مِنْ آلِ يَزِيدَ إِلَّا أَتَتْهُنَّ وَأَقَمْنَ الْمَأْتَمَ، وَسَأَلَهُنَّ عَمَّا أُخِذَ مِنْهُنَّ فَأَضْعَفَهُ لَهُنَّ، فَكَانَتْ سُكَيْنَةُ تَقُولُ: مَا رَأَيْتُ كَافِرًا بِاللَّهِ خَيْرًا مِنْ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ.
ثُمَّ أَمَرَ بِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ فَأُدْخِلَ مَغْلُولًا فَقَالَ: لَوْ رَآنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَغْلُولِينِ لَفَكَّ عَنَّا.
قَالَ: صَدَقْتَ.
وَأَمَرَ بِفَكِّ غُلِّهِ عَنْهُ.
فَقَالَ عَلِيٌّ: لَوْ رَآنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بُعَدَاءَ لَأَحَبَّ أَنْ يُقَرِّبَنَا.
فَأَمَرَ بِهِ فَقُرِّبَ مِنْهُ، وَقَالَ لَهُ يَزِيدُ: إِيهِ يَا عَلِيُّ بْنَ الْحُسَيْنِ، أَبُوكَ الَّذِي قَطَعَ رَحِمِي، وَجَهِلَ حَقِّي، وَنَازَعَنِي سُلْطَانِي، فَصَنَعَ اللَّهُ بِهِ مَا رَأَيْتَ.
فَقَالَ عَلِيٌّ:
стр. 1630
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ - لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣] . فَقَالَ يَزِيدُ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] . ثُمَّ سَكَتَ عَنْهُ وَأَمَرَ بِإِنْزَالِهِ وَإِنْزَالِ نِسَائِهِ فِي دَارِ عَلِيٍّ جَدِّهِ، وَكَانَ يَزِيدُ لَا يَتَغَدَّى وَلَا يَتَعَشَّى إِلَّا دَعَا عَلِيًّا إِلَيْهِ، فَدَعَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ وَمَعَهُ عَمْرُو بْنُ الْحَسَنِ، وَهُوَ غُلَامٌ صَغِيرٌ، فَقَالَ لِعَمْرٍو: أَتُقَاتِلُ هَذَا؟ يَعْنِي خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ.
فَقَالَ عَمْرٌو: أَعْطِنِي سِكِّينًا وَأَعْطِهِ سِكِّينًا حَتَّى أُقَاتِلَهُ.
فَضَمَّهُ يَزِيدُ إِلَيْهِ وَقَالَ: شِنْشِنَةٌ أَعْرِفُهَا مِنْ أَخْزَمَ، هَلْ تَلِدُ الْحَيَّةَ إِلَّا حَيَّةً!
وَقِيلَ: وَلَمَّا وَصَلَ رَأْسُ الْحُسَيْنِ إِلَى يَزِيدَ حَسُنَتْ حَالُ ابْنِ زِيَادٍ عِنْدَهُ وَزَادَهُ وَوَصَلَهُ وَسَرَّهُ مَا فَعَلَ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا (حَتَّى بَلَغَهُ بُغْضُ النَّاسِ لَهُ وَلَعْنُهُمْ وَسَبُّهُمْ) ، فَنَدِمَ عَلَى قَتْلِ الْحُسَيْنِ، فَكَانَ يَقُولُ: وَمَا عَلَيَّ لَوِ احْتَمَلْتُ الْأَذَى وَأَنْزَلْتُ الْحُسَيْنَ مَعِي فِي دَارِي وَحَكَّمْتُهُ فِيمَا يُرِيدُ، وَإِنْ كَانَ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ وَهَنٌ فِي سُلْطَانِي حِفْظًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِعَايَةً لِحَقِّهِ وَقَرَابَتِهِ، لَعَنَ اللَّهُ ابْنَ مَرْجَانَةَ فَإِنَّهُ اضْطَرَّهُ، وَقَدْ سَأَلَهُ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِي أَوْ يَلْحَقَ بِثَغْرٍ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ اللَّهُ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ فَقَتَلَهُ، فَبَغَّضَنِي بِقَتْلِهِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَزَرَعَ فِي قُلُوبِهِمُ الْعَدَاوَةَ، فَأَبْغَضَنِي الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ بِمَا اسْتَعْظَمُوهُ مِنْ قَتْلِي الْحُسَيْنَ، مَا لِي وَلِابْنِ مَرْجَانَةَ، لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ!
وَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُسَيِّرَهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ أَمَرَ يَزِيدُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ أَنْ يُجَهِّزَهُمْ بِمَا يُصْلِحُهُمْ وَيُسَيِّرَ مَعَهُمْ رَجُلًا أَمِينًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَمَعَهُ خَيْلٌ يَسِيرُ بِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَدَعَا عَلِيًّا لِيُوَدِّعَهُ وَقَالَ لَهُ: لَعَنَ اللَّهُ ابْنَ مَرْجَانَةَ! أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي صَاحِبُهُ مَا سَأَلَنِي خَصْلَةً أَبَدًا إِلَّا أَعْطَيْتُهُ إِيَّاهَا وَلَدَفَعْتُ الْحَتْفَ عَنْهُ بِكُلِّ مَا اسْتَطَعْتُ وَلَوْ بِهَلَاكِ بَعْضِ وَلَدِي، وَلَكِنْ قَضَى اللَّهُ مَا رَأَيْتَ.
يَا بُنَيَّ كَاتِبْنِي حَاجَةً تَكُونُ لَكَ.
وَأَوْصَى بِهِمْ هَذَا الرَّسُولَ، فَخَرَجَ بِهِمْ فَكَانَ يُسَايِرُهُمْ لَيْلًا فَيَكُونُونَ أَمَامَهُ بِحَيْثُ لَا يَفُوتُونَ طَرْفَهُ، فَإِذَا نَزَلُوا تَنَحَّى عَنْهُمْ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَكَانُوا حَوْلَهُمْ كَهَيْئَةِ الْحَرَسِ، وَكَانَ يَسْأَلُهُمْ عَنْ حَاجَتِهِمْ وَيَلْطُفُ بِهِمْ حَتَّى دَخَلُوا الْمَدِينَةَ.
فَقَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَلِيٍّ لِأُخْتِهَا زَيْنَبَ: لَقَدْ أَحْسَنَ هَذَا الرَّجُلُ
стр. 1631
إِلَيْنَا فَهَلْ لَكِ أَنْ نَصِلَهُ بِشَيْءٍ؟ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا مَعَنَا مَا نَصِلُهُ بِهِ إِلَّا حُلِيُّنَا، فَأَخْرَجَتَا سِوَارَيْنِ وَدُمْلُجَيْنِ لَهُمَا فَبَعَثَتَا بِهَا إِلَيْهِ وَاعْتَذَرَتَا، فَرَدَّ الْجَمِيعَ وَقَالَ: لَوْ كَانَ الَّذِي صَنَعْتُ لِلدُّنْيَا لَكَانَ فِي هَذَا مَا يُرْضِينِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا فَعَلْتُهُ إِلَّا لِلَّهِ وَلِقَرَابَتِكُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَكَانَ مَعَ الْحُسَيْنِ امْرَأَتُهُ الرَّبَابُ بِنْتُ امْرِئِ الْقَيْسِ، وَهِيَ أُمُّ ابْنَتِهِ سُكَيْنَةَ، وَحُمِلَتْ إِلَى الشَّامِ فِيمَنْ حُمِلَ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَخَطَبَهَا الْأَشْرَافُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأَتَّخِذَ حَمْوًا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَقِيَتْ بَعْدَهُ سَنَةً لَمْ يُظِلَّهَا سَقْفُ بَيْتٍ حَتَّى بَلِيَتْ وَمَاتَتْ كَمَدًا، وَقِيلَ: إِنَّهَا أَقَامَتْ عَلَى قَبْرِهِ سَنَةً وَعَادَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ فَمَاتَتْ أَسَفًا عَلَيْهِ.
فَأَرْسَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ مُبَشِّرًا إِلَى الْمَدِينَةِ بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ إِلَى عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ: مَا الْخَبَرُ؟ فَقَالَ: الْخَبَرُ عِنْدَ الْأَمِيرِ.
فَقَالَ الْقُرَشِيُّ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، قُتِلَ الْحُسَيْنُ.
وَدَخَلَ الْبَشِيرُ عَلَى عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ فَقَالَ: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: مَا سَرَّ الْأَمِيرَ، قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ.
فَقَالَ: نَادِ بِقَتْلِهِ، فَنَادَى، فَصَاحَ نِسَاءُ بَنِي هَاشِمٍ وَخَرَجَتِ ابْنَةُ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمَعَهَا نِسَاؤُهَا حَاسِرَةً تَلْوِي ثَوْبَهَا وَهِيَ تَقُولُ:
مَاذَا تَقُولُونَ إِنْ قَالَ النَّبِيُّ لَكُمْ ... مَاذَا فَعَلْتُمْ وَأَنْتُمْ آخِرُ الْأُمَمِ
بِعِتْرَتِي وَبِأَهْلِي بَعْدَ مُفْتَقَدِي ... مِنْهُمْ أُسَارَى وَقَتْلَى ضُرِّجُوا بِدَمِ
مَا كَانَ هَذَا جَزَائِي إِذْ نَصَحْتُ لَكُمْ ... أَنْ تُخْلِفُونِي بِسُوءٍ فِي ذَوِي رَحِمِي
فَلَمَّا سَمِعَ عَمْرٌو أَصْوَاتَهُنَّ ضَحِكَ وَقَالَ:
عَجَّتْ نِسَاءُ بَنِي زِيَادٍ عَجَّةً ... كَعَجِيجِ نِسْوَتِنَا غَدَاةَ الْأَرْنَبِ
стр. 1632
وَالْأَرْنَبُ وَقْعَةٌ كَانَتْ لَبَنِي زُبَيْدٍ عَلَى بَنِي زِيَادٍ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، وَهَذَا الْبَيْتُ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ.
ثُمَّ قَالَ عَمْرٌو: وَاعِيَةٌ كَوَاعِيَةِ عُثْمَانَ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَأَعْلَمَ النَّاسَ قَتْلَهُ.
وَلَمَّا بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ قَتْلُ ابْنَيْهِ مَعَ الْحُسَيْنِ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ مَوَالِيهِ يُعَزِّيهِ وَالنَّاسُ يُعَزُّونَهُ، فَقَالَ مَوْلَاهُ: هَذَا مَا لَقِينَاهُ مِنَ الْحُسَيْنِ! فَحَذَفَهُ ابْنُ جَعْفَرٍ بِنَعْلِهِ وَقَالَ: يَا ابْنَ اللَّخْنَاءِ، الْحُسَيْنُ، تَقُولُ هَذَا؟ وَاللَّهِ لَوْ شَهِدْتُهُ لَأَحْبَبْتُ أَنْ لَا أُفَارِقَهُ حَتَّى أُقْتَلَ مَعَهُ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمِمَّا يُسَخِّي بِنَفْسِي عَنْهُمَا، وَيُهَوِّنُ عَلَيَّ الْمُصَابَ بِهِمَا أَنَّهُمَا أُصِيبَا مَعَ أَخِي وَابْنِ عَمِّي مُوَاسِيَيْنِ لَهُ صَابِرَيْنِ مَعَهُ.
ثُمَّ قَالَ: إِنْ لَمْ تَكُنْ آسَتِ الْحُسَيْنَ يَدِي فَقَدْ آسَاهُ وَلَدِي.
وَلَمَّا وَفَدَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِالرَّأْسِ إِلَى الشَّامِ وَدَخَلُوا مَسْجِدَ دِمَشْقَ أَتَاهُمْ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَسَأَلَهُمْ: كَيْفَ صَنَعُوا؟ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَامَ عَنْهُمْ ثُمَّ أَتَاهُمْ أَخُوهُ يَحْيَى بْنُ الْحَكَمِ فَسَأَلَهُمْ فَأَعَادُوا عَلَيْهِ الْكَلَامَ، فَقَالَ: حُجِبْتُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَنْ أُجَامِعَكُمْ عَلَى أَمْرٍ أَبَدًا! ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُمْ.
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يَزِيدَ قَالَ يَحْيَى بْنُ الْحَكَمِ:
لُهَامٌ بِجَنْبِ الطَّفِّ أَدْنَى قَرَابَةً ... مِنِ ابْنِ زِيَادٍ الْعَبْدِ ذِي الْحَسَبِ الْوَغْلِ
سُمَيَّةُ أَمْسَى نَسْلُهَا عَدَدَ الْحَصَى ... وَلَيْسَ لِآلِ الْمُصْطَفَى الْيَوْمَ مِنْ نَسْلِ
فَضَرَبَ يَزِيدُ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ: اسْكُتْ.
قِيلَ: وَسَمِعَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَيْلَةَ قُتِلَ الْحُسَيْنُ مُنَادِيًا يُنَادِي:
أَيُّهَا الْقَاتِلُونَ جَهْلًا حُسَيْنَا ... أَبْشِرُوا بِالْعَذَابِ وَالتَّنْكِيلِ
كُلُّ أَهْلِ السَّمَاءِ يَدْعُو عَلَيْكُمْ ... مِنْ نَبِيٍّ وَمَلْأَكٍ وَقَبِيلِ
стр. 1633
قَدْ لُعِنْتُمْ عَلَى لِسَانِ ابْنِ دَاوُدَ ... وَمُوسَى وَصَاحِبِ الْإِنْجِيلِ
وَمَكَثَ النَّاسُ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً كَأَنَّمَا تُلَطَّخُ الْحَوَائِطُ بِالدِّمَاءِ سَاعَةَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ.
قَالَ رَأْسُ جَالُوتَ ذَلِكَ الزَّمَانِ: مَا مَرَرْتُ بِكَرْبَلَاءَ إِلَّا وَأَنَا أُرَكِّضُ دَابَّتِي حَتَّى أَخْلُفَ الْمَكَانَ، لِأَنَّا كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ وَلَدَ نَبِيٍّ يُقْتَلُ بِذَلِكَ الْمَكَانِ، فَكُنْتُ أَخَافُ، فَلَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ أَمِنْتُ فَكُنْتُ أَسِيرُ وَلَا أُرَكِّضُ.
قِيلَ وَكَانَ عُمُرُ الْحُسَيْنِ يَوْمَ قُتِلَ خَمْسًا وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: قُتِلَ وَهُوَ ابْنُ إِحْدَى وَسِتِّينَ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
وَكَانَ قَتْلُهُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ.
(بُرَيْرُ بْنُ خُضَيْرٍ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا، وَآخِرُهُ رَاءٌ. وَخُضَيْرٌ بِالْخَاءِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ. ثُبَيْتٌ بِضَمِّ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ، وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَسُكُونِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا، وَآخِرُهُ تَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ فَوْقِهَا. وَمُحَفِّرٌ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَكْسُورَةِ، وَآخِرُهُ رَاءٌ) .
( [وَقَالَ] . . . التَّيْمِيُّ تَيْمُ مُرَّةَ يَرْثِي الْحُسَيْنَ وَأَهْلَهُ وَكَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى بَنِي [هَاشِمٍ] :
مَرَرْتُ عَلَى أَبْيَاتِ آلِ مُحَمَّدٍ ... فَلَمْ أَرَهَا أَمْثَالَهَا يَوْمَ حَلَّتِ
فَلَا يُبْعِدِ اللَّهُ الدِّيَارَ وَأَهْلَهَا ... وَإِنْ أَصْبَحَتْ مِنْ أَهِلِهَا قَدْ تَخَلَّتِ
وَإِنَّ قَتِيلَ الطُّفِّ مِنْ آلِ هَاشِمٍ ... أَذَلَّ رِقَابَ الْمُسْلِمِينَ فَذَلَّتِ
стр. 1634
وَكَانُوا رَجَاءً ثُمَّ أَضْحَوْا رَزِيَّةً ... لَقَدْ عَظُمَتْ تِلْكَ الرَّزَايَا وَجَلَّتِ
وَعِنْدَ غَنِيٍّ قَطْرَةٌ مِنْ دِمَائِنَا ... سَنَجْزِيهِمْ يَوْمًا بِهَا حَيْثُ حَلَّتِ
إِذَا افْتَقَرَتْ قَيْسٌ جَبَرْنَا فَقِيرَهَا ... تُقَتِّلُنَا قَيْسٌ إِذَا النَّعْلُ زِلَّتِ
)
ذِكْرُ أَسْمَاءِ مَنْ قُتِلَ مَعَهُ
قَالَ سُلَيْمَانُ: لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ وَمَنْ مَعَهُ حُمِلَتْ رُءُوسُهُمْ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ، فَجَاءَتْ كِنْدَةُ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ رَأْسًا، وَصَاحِبُهُمْ قَيْسُ بْنُ الْأَشْعَثِ، وَجَاءَتْ هَوَازِنُ بِعِشْرِينَ رَأْسًا، وَصَاحِبُهُمْ شَمِرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ الضَّبَابِيُّ، وَجَاءَتْ بَنُو تَمِيمٍ بِسَبْعَةَ عَشَرَ رَأْسًا، وَجَاءَتْ بَنُو أَسَدٍ بِسِتَّةِ أَرْؤُسٍ، وَجَاءَتْ مَذْحِجٌ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ، وَجَاءَ سَائِرُ الْجَيْشِ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ، فَذَلِكَ سَبْعُونَ رَأْسًا.
وَقُتِلَ الْحُسَيْنُ، قَتَلَهُ سِنَانُ بْنُ أَنَسٍ النَّخَعِيُّ، لَعَنَهُ اللَّهُ، وَقُتِلَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَلِيٍّ، وَأُمُّهُ أُمُّ الْبَنِينَ بِنْتُ حِزَامٍ، قَتَلَهُ (زَيْدُ بْنُ رُقَادٍ الْجُنُبِيُّ) وَحَكِيمُ بْنُ الطُّفَيْلِ السِّنْبِسِيُّ.
وَقُتِلَ جَعْفَرُ بْنُ عَلِيٍّ، وَأُمُّهُ أُمُّ الْبَنِينَ أَيْضًا.
وَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ، وَأُمُّهُ أُمُّ الْبَنِينَ أَيْضًا.
وَقُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ، وَأُمُّهُ أُمُّ الْبَنِينَ أَيْضًا، رَمَاهُ خَوَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ.
وَقُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ، قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي دَارِمٍ.
وَقُتِلَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ، وَأُمُّهُ لَيْلَى
стр. 1635
بِنْتُ مَسْعُودٍ الدَّارِمِيَّةُ، وَقَدْ شُكَّ فِي قَتْلِهِ.
وَقُتِلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأُمُّهُ لَيْلَى ابْنَةُ أَبِي مُرَّةَ بْنِ عُرْوَةَ الثَّقَفِيِّ، وَأُمُّهَا مَيْمُونَةُ ابْنَةُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، قَتَلَهُ مُنْقِذُ بْنُ النُّعْمَانِ الْعَبْدِيُّ، وَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأُمُّهُ الرَّبَابُ ابْنَةُ امْرِئِ الْقَيْسِ الْكَلْبِيِّ، قَتَلَهُ هَانِئُ بْنُ ثُبَيْتٍ الْحَضْرَمِيُّ.
وَقُتِلَ أَبُو بَكْرٍ ابْنُ أَخِيهِ الْحَسَنِ أَيْضًا، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ [قَتَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُقْبَةَ الْغَنَوِيُّ، وَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ] قَتَلَهُ حَرْمَلَةُ بْنُ الْكَاهِنِ، رَمَاهُ بِسَهْمٍ.
وَقُتِلَ الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ أَيْضًا، قَتَلَهُ سَعْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ الْأَزْدِيُّ.
وَقُتِلَ عَوْنُ بْنُ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأُمُّهُ جُمَانَةُ بِنْتُ الْمُسَيَّبِ بْنِ نَجَبَةَ الْفَزَارِيِّ، قَتَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُطْبَةَ الطَّائِيُّ.
وَقُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَأُمُّهُ الْخَوْصَاءُ بِنْتُ خَصَفَةَ بْنِ تَيْمِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، قَتَلَهُ عَامِرُ بْنُ نَهْشَلٍ التَّيْمِيُّ.
وَقُتِلَ جَعْفَرُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأُمُّهُ أُمُّ بَنِينَ ابْنَةِ الشُّقْرِ بْنِ الْهِضَابِ، قَتَلَهُ بِشْرُ بْنُ الْخُوطِ الْهَمْدَانِيُّ.
وَقُتِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَقِيلٍ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ، قَتَلَهُ عُثْمَانُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ.
وَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَقِيلٍ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ، رَمَاهُ عَمْرُو بْنُ صُبَيْحٍ الصَّيْدَاوِيُّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ.
وَقُتِلَ مُسْلِمُ بْنُ عَقِيلٍ بِالْكُوفَةِ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ.
وَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ، وَأُمُّهُ رُقْيَةُ ابْنَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَتَلَهُ عَمْرُو بْنُ صُبَيْحٍ الصَّيْدَاوِيُّ، وَيُقَالُ قَتَلَهُ مَالِكُ بْنُ أُسَيْدٍ الْحَضْرَمِيُّ.
وَقُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَعِيدِ بْنِ عَقِيلٍ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ، قَتَلَهُ لَقِيطُ بْنُ يَاسِرٍ الْجُهَنِيُّ.
وَاسْتُصْغِرَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - وَأُمُّهُ خَوْلَةُ بِنْتُ مَنْظُورِ بْنِ زَبَّانَ الْفَزَارِيِّ، وَاسْتُصْغِرَ عَمْرُو بْنُ الْحُسَيْنِ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ، فَلَمْ يُقْتَلَا.
стр. 1636
وَقَتِلَ مِنَ الْمَوَالِي سُلَيْمَانُ مَوْلَى الْحُسَيْنِ، قَتَلَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَوْفٍ الْحَضْرَمِيُّ، وَقُتِلَ مُنْجِحٌ مَوْلَى الْحُسَيْنِ أَيْضًا، وَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُقْطُرٍ رَضِيعُ الْحُسَيْنِ.
قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ اللَّيْلَةَ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا الْحُسَيْنُ وَبِيَدِهِ قَارُورَةٌ وَهُوَ يَجْمَعُ فِيهَا دَمًا.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذِهِ دِمَاءُ الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ أَرْفَعُهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
فَأَصْبَحَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَعْلَمَ النَّاسَ بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ وَقَصِّ رُؤْيَاهُ، فَوُجِدَ قَدْ قُتِلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَى أُمَّ سَلَمَةَ تُرَابًا مِنْ تُرْبَةِ الْحُسَيْنِ حَمَلَهُ إِلَيْهِ جِبْرَائِيلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُمِّ سَلَمَةَ: إِذَا صَارَ هَذَا التُّرَابُ دَمًا فَقَدْ قُتِلَ الْحُسَيْنُ. فَحَفِظَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ذَلِكَ التُّرَابَ فِي قَارُورَةٍ عِنْدَهَا، فَلَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ صَارَ التُّرَابُ دَمًا، فَأَعْلَمَتِ النَّاسَ بِقَتْلِهِ أَيْضًا.
وَهَذَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ أُمُّ سَلَمَةَ تُوُفِّيَتْ بَعْدَ الْحُسَيْنِ.
ثُمَّ إِنَّ ابْنَ زِيَادٍ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ سَعْدٍ بَعْدَ عَوْدِهِ مِنْ قَتْلِ الْحُسَيْنِ: يَا عُمَرُ ائْتِنِي بِالْكِتَابِ الَّذِي كَتَبْتُهُ إِلَيْكَ فِي قَتْلِ الْحُسَيْنِ.
قَالَ: مَضَيْتُ لِأَمْرِكَ وَضَاعَ الْكِتَابُ.
قَالَ: لِتَجِئْنِي بِهِ.
قَالَ: ضَاعَ.
قَالَ: لِتَجِئْنِي بِهِ. قَالَ: تُرِكَ وَاللَّهِ يُقْرَأُ عَلَى عَجَائِزِ قُرَيْشٍ بِالْمَدِينَةِ اعْتِذَارًا إِلَيْهِنَّ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ نَصَحْتُكَ فِي الْحَسَنِ نَصِيحَةً لَوْ نَصَحْتُهَا أَبِي سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ لَكُنْتُ قَدْ أَدَّيْتَ حَقَّهُ.
فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ زِيَادٍ، أَخُو عُبَيْدِ اللَّهِ: صَدَقَ وَاللَّهِ! لَوَدِدْتُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَنِي زِيَادٍ رَجُلٌ إِلَّا وَفِي أَنْفِهِ خِزَامَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ الْحُسَيْنَ لَمْ يُقْتَلْ! فَمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ. آخِرُ الْمَقْتَلِ.
ذِكْرُ مَقْتَلِ أَبِي بِلَالٍ مِرْدَاسِ بْنِ حُدَيْرٍ الْحَنْظَلِيِّ
قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ سَبَبِ خُرُوجِهِ وَتَوْجِيهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ الْعَسَاكِرَ إِلَيْهِ فِي أَلْفَيْ رَجُلٍ فَالْتِقَائِهِمْ بِآسَكَ وَهَزِيمَةِ عَسْكَرِ ابْنِ زِيَادٍ، فَلَمَّا هَزَمَهُمْ أَبُو بِلَالٍ وَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ زِيَادٍ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ ثَلَاثَةَ آلَافٍ عَلَيْهِمْ عَبَّادُ بْنُ الْأَخْضَرِ، وَالْأَخْضَرُ زَوْجُ أُمِّهِ، نُسِبَ إِلَيْهِ، وَهُوَ
стр. 1637
عَبَّادُ بْنُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَّادٍ التَّمِيمِيُّ، فَاتَّبَعَهُ حَتَّى لَحِقَهُ بِتَوَّجَ، فَصَفَّ لَهُ عَبَّادٌ وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بِلَالٍ فِيمَنْ مَعَهُ، فَثَبَتُوا وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ حَتَّى دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ، فَقَالَ أَبُو بِلَالٍ: هَذَا يَوْمُ جُمُعَةٍ وَهُوَ يَوْمٌ عَظِيمٌ وَهَذَا وَقْتُ الْعَصْرِ فَدَعُونَا حَتَّى نُصَلِّيَ.
فَأَجَابَهُمُ ابْنُ الْأَخْضَرِ وَتَحَاجَزُوا، فَعَجَّلَ ابْنُ الْأَخْضَرِ الصَّلَاةَ، وَقِيلَ قَطَعَهَا، وَالْخَوَارِجُ يُصَلُّونَ، فَشَدَّ عَلَيْهِمْ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَهُمْ مَا بَيْنَ قَائِمٍ وَرَاكِعٍ وَسَاجِدٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُمْ أَحَدٌ مِنْ حَالِهِ، فَقُتِلُوا مِنْ آخِرِهِمْ وَأُخِذَ رَأْسُ أَبِي بِلَالٍ.
وَرَجَعَ عَبَّادٌ إِلَى الْبَصْرَةِ فَرَصَدَهُ بِهَا عُبَيْدُ بْنُ هِلَالٍ وَمَعَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ عَبَّادٌ يُرِيدُ قَصْرَ الْإِمَارَةِ وَهُوَ مُرْدِفٌ ابْنًا صَغِيرًا لَهُ، فَقَالُوا لَهُ: قِفْ حَتَّى نَسْتَفْتِيَكَ.
فَوَقَفَ، فَقَالُوا: نَحْنُ إِخْوَةٌ أَرْبَعَةٌ قُتِلَ أَخُونَا فَمَا تَرَى؟ قَالَ: اسْتَعْدُوا الْأَمِيرَ. قَالُوا: قَدِ اسْتَعْدَيْنَاهُ فَلَمْ يُعْدِنَا. قَالَ: فَاقْتُلُوهُ قَتَلَهُ اللَّهُ! فَوَثَبُوا عَلَيْهِ وَحَكَّمُوا بِهِ فَأَلْقَى ابْنَهُ فَنَجَا وَقُتِلَ هُوَ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى الْخَوَارِجِ فَقُتِلُوا غَيْرَ عُبَيْدَةَ.
وَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ عَبَّادٍ كَانَ ابْنُ زِيَادٍ بِالْكُوفَةِ وَنَائِبُهُ بِالْبَصْرَةِ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ أَنْ يَتَّبِعَ الْخَوَارِجَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ وَجَعَلَ يَأْخُذُهُمْ، فَإِذَا شُفِّعَ فِي أَحَدِهِمْ ضَمِنَهُ إِلَى أَنْ يَقْدَمَ ابْنُ زِيَادٍ، وَمَنْ لَمْ يَكْفُلْهُ أَحَدٌ حَبَسَهُ، وَأُتِيَ بِعُرْوَةَ بْنِ أُدَيَّةَ فَأَطْلَقَهُ وَقَالَ: أَنَا كَفِيلُكَ.
فَلَمَّا قَدِمَ ابْنُ زِيَادٍ أَخَذَ مَنْ فِي الْحَبْسِ مِنَ الْخَوَارِجِ فَقَتَلَهُمْ وَطَلَبَ الْكُفَلَاءِ بِمَنْ كُفِّلُوا بِهِ فَمَنْ أَتَى بِخَارِجِيٍّ أَطْلَقَهُ وَقَتَلَ الْخَارِجِيَّ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِالْخَارِجِيِّ قَتَلَهُ، ثُمَّ طَلَبَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ بِعُرْوَةَ بْنِ أُدَيَّةَ، قَالَ: لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ.
فَقَالَ: إِذَنْ أَقْتُلَكَ بِهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَبْحَثُ عَنْهُ حَتَّى ظَفِرَ بِهِ وَأَحْضَرَهُ عِنْدَ ابْنِ زِيَادٍ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ زِيَادٍ: لَأُمَثِّلَنَّ بِكَ. فَقَالَ: اخْتَرْ لِنَفْسِكَ مِنَ الْقِصَاصِ مَا شِئْتَ بِهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِّعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَصَلَبَهُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ قُتِلَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ.
ذِكْرُ وِلَايَةِ سَلْمِ بْنِ زِيَادٍ عَلَى خُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ
قِيلَ: فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ يَزِيدُ سَلْمَ بْنَ زِيَادٍ عَلَى خُرَاسَانَ.
стр. 1638
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ سَلْمًا قَدِمَ عَلَى يَزِيدَ، فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ: يَا أَبَا حَرْبٍ أُوَلِّيكَ عَمَلَ أَخَوَيْكَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَبَّادٍ. فَقَالَ: مَا أَحَبَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَوَلَّاهُ خُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ، فَوَجَّهَ سَلْمٌ الْحَارِثَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الْحَارِثِيَّ جَدَّ عِيسَى بْنِ شَبِيبٍ إِلَى خُرَاسَانَ، وَقَدِمَ سَلْمٌ الْبَصْرَةَ فَتَجَهَّزَ مِنْهَا، فَوَجَّهَ أَخَاهُ يَزِيدَ إِلَى سِجِسْتَانَ، فَكَتَبَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ إِلَى أَخِيهِ عَبَّادٍ يُخْبِرُهُ بِوِلَايَةِ سَلْمٍ، فَقَسَّمَ عَبَّادٌ مَا فِي بَيْتِ الْمَالِ [عَلَى] عَبِيدِهِ وَفَضَلَ فَضْلٌ فَنَادَى: مَنْ أَرَادَ سَلَفًا فَلْيَأْخُذْ، فَأَسْلَفَ كُلَّ مَنْ أَتَاهُ، وَخَرَجَ عَبَّادٌ مِنْ سِجِسْتَانَ.
فَلَمَّا كَانَ بِجِيرَفْتَ بَلَغَهُ مَكَانُ سَلْمٍ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا جَبَلٌ، فَعَدَلَ عَنْهُ، فَذَهَبَ لِعَبَّادٍ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أَلْفُ مَمْلُوكٍ أَقَلُّ مَا مَعَ أَحَدِهِمْ عَشَرَةُ آلَافٍ.
وَسَارَ عَبَّادٌ عَلَى فَارِسَ فَقَدِمَ عَلَى يَزِيدَ فَسَأَلَهُ عَنِ الْمَالِ، فَقَالَ: كُنْتُ صَاحِبَ ثَغْرٍ فَقَسَمْتُ مَا أَصَبْتُ بَيْنَ النَّاسِ.
وَلَمَّا سَارَ سَلْمٌ إِلَى خُرَاسَانَ كَتَبَ مَعَهُ يَزِيدُ إِلَى أَخِيهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ يَنْتَخِبُ لَهُ سِتَّةَ آلَافِ فَارِسٍ، وَقِيلَ: أَلْفَيْ فَارِسٍ، وَكَانَ سَلْمٌ يَنْتَخِبُ الْوُجُوهَ، فَخَرَجَ مَعَهُ عِمْرَانُ بْنُ الْفُضَيْلِ الْبُرْجُمِيُّ وَالْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ السُّلَمِيُّ وَطَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الْخُزَاعِيُّ وَحَنْظَلَةُ بْنُ عَرَادَةَ وَيَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ الْعُدْوَانِيُّ وَصِلَةُ بْنُ أَشْيَمٍ الْعَدَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
وَسَارَ سَلْمٌ إِلَى خُرَاسَانَ وَعَبَرَ النَّهْرَ غَازِيًا، وَكَانَ عُمَّالُ خُرَاسَانَ قَبْلَهُ يَغْزُونَ، فَإِذَا دَخَلَ الشِّتَاءُ رَجَعُوا إِلَى مَرْوِ الشَّاهِجَانِ، فَإِذَا انْصَرَفَ الْمُسْلِمُونَ اجْتَمَعَ مُلُوكُ خُرَاسَانَ بِمَدِينَةٍ مِمَّا يَلِي خُوَارِزْمَ فَيَتَعَاقَدُونَ أَنْ لَا يَغْزُوَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَتَشَاوَرُونَ فِي أُمُورِهِمْ، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَطْلُبُونَ إِلَى أُمَرَائِهِمْ غَزْوَ تِلْكَ الْمَدِينَةِ فَيَأْبَوْنَ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ سَلْمٌ غَزَا فَشَتَا فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ وَسَأَلَهُ التَّوَجُّهَ إِلَى تِلْكَ الْمَدِينَةِ، فَوَجَّهَهُ فِي سِتَّةِ آلَافٍ، وَقِيلَ: أَرْبَعَةُ آلَافٍ، فَحَاصَرَهُمْ، فَطَلَبُوا أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى أَنْ يَفْدُوا أَنْفُسَهُمْ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ وَصَالَحُوهُ عَلَى نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، وَكَانَ فِي صُلْحِهِمْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ عُرُوضًا، فَكَانَ يَأْخُذُ الرَّأْسَ وَالدَّابَّةَ وَالْمَتَاعَ بِنِصْفِ ثَمَنِهِ، فَبَلَغَتْ قِيمَةُ مَا أَخَذَ مِنْهُمْ خَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، فَحَظِيَ بِهَا الْمُهَلَّبُ عِنْدَ سَلْمٍ، وَأَخَذَ سَلْمٌ مِنْ ذَلِكَ مَا أَعْجَبَهُ وَبَعَثَ بِهِ إِلَى يَزِيدَ.
وَغَزَا سَلْمٌ سَمَرْقَنْدَ وَعَبَرَتْ مَعَهُ النَّهْرَ امْرَأَتُهُ أُمُّ مُحَمَّدٍ ابْنَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ
стр. 1639
أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيَّةُ، وَهِيَ أَوَّلُ امْرَأَةٍ مِنَ الْعَرَبِ قُطِعَ بِهَا النَّهْرُ، فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنًا سَمَّاهُ صُغْدَى، وَاسْتَعَارَتِ امْرَأَتُهُ مِنَ امْرَأَةِ صَاحِبِ الصُّغْدِ حُلِيَّهَا فَلَمْ تُعِدْهُ إِلَيْهَا وَذَهَبَتْ بِهِ. وَوَجَّهَ جَيْشًا إِلَى خُجَنْدَةَ فِيهِمْ أَعْشَى هَمْدَانَ فَهُزِمُوا، فَقَالَ الْأَعْشَى:
لَيْتَ خَيْلِي يَوْمَ الْخُجَنْدَةِ لَمْ تُهْ ... زَمْ وَغُودِرَتْ فِي الْمَكَرِّ سَلِيبَا
تَحْضُرُ الطَّيْرُ مَصْرَعِي وَتَرَوَّحْ ... تُ إِلَى اللَّهِ بِالدِّمَاءِ خَضِيبَا
ذِكْرُ وِلَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ وَطَلْحَةِ الطَّلَحَاتِ سِجِسْتَانَ
وَلَمَّا اسْتَعْمَلَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ سَلْمَ بْنَ زِيَادٍ عَلَى خُرَاسَانَ اسْتَعْمَلَ أَخَاهُ يَزِيدَ عَلَى سِجِسْتَانَ، فَغَدَرَ أَهْلُ كَابُلَ فَنَكَثُوا وَأَسَرُوا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ زِيَادٍ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ فِي جَيْشٍ فَاقْتَتَلُوا وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَقُتِلَ مِنْهُمْ كَثِيرٌ، فَمِمَّنْ قُتِلَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ وَصِلَةُ بْنُ أَشْيَمٍ أَبُو الصَّهْبَاءِ الْعَدَوِيُّ زَوْجُ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ، فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ سَلْمَ بْنَ زِيَادٍ سَيَّرَ طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الْخُزَاعِيَّ، وَهُوَ طَلْحَةُ الطَّلَحَاتِ، فَفَدَى أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ زِيَادٍ بِخَمْسِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَسَارَ طَلْحَةُ مِنْ كَابُلَ إِلَى سِجِسْتَانَ وَالِيًا عَلَيْهَا، فَجَبَى الْمَالَ وَأَعْطَى زُوَّارَهُ، وَمَاتَ بِسِجِسْتَانَ وَاسْتَخْلَفَ رَجُلًا مِنْ بَنِي يَشْكُرَ، فَأَخْرَجَتْهُ الْمُضَرِيَّةُ وَوَقَعَتِ الْعَصَبِيَّةُ فَطَمِعَ فِيهِمْ رِتْبِيلُ.
ذِكْرُ وِلَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ الْمَدِينَةَ وَالْحِجَازَ وَعَزْلِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ
قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ يَزِيدُ عَمْرَو بْنَ سَعْدٍ عَنِ الْمَدِينَةِ وَوَلَّاهَا الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَظْهَرَ الْخِلَافَ عَلَى يَزِيدَ وَبُويِعَ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَتْلِ الْحُسَيْنِ، فَإِنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ قَتْلُ الْحُسَيْنِ قَامَ فِي النَّاسِ فَعَظَّمَ قَتْلَهُ وَعَابَ أَهْلَ الْكُوفَةِ خَاصَّةً وَأَهْلَ الْعِرَاقِ عَامَّةً، فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَهْلَ
стр. 1640
الْعِرَاقِ غُدُرٌ فُجُرٌ إِلَّا قَلِيلًا، وَإِنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ شِرَارُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَإِنَّهُمْ دَعَوُا الْحُسَيْنَ لِيَنْصُرُوهُ وَيُوَلُّوهُ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمْ ثَارُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا: إِمَّا أَنْ تَضَعَ يَدَكَ فِي أَيْدِينَا، فَنَبْعَثُ بِكَ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ ابْنِ سُمَيَّةَ فَيُمْضِي فِيكَ حُكْمَهُ، وَإِمَّا أَنْ تُحَارَبَ، فَرَأَى وَاللَّهِ أَنَّهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ قَلِيلٌ فِي كَثِيرٍ، فَإِنْ كَانَ اللَّهُ لَمْ يُطْلِعْ عَلَى الْغَيْبِ أَحَدًا أَنَّهُ مَقْتُولٌ وَلَكِنَّهُ اخْتَارَ الْمِيتَةَ الْكَرِيمَةَ عَلَى الْحَيَاةِ الذَّمِيمَةِ، فَرَحِمَ اللَّهُ الْحُسَيْنَ وَأَخْزَى قَاتِلَهُ! لَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ مِنْ خِلَافِهِمْ إِيَّاهُ وَعِصْيَانِهِمْ مَا كَانَ فِي مِثْلِهِ وَاعِظٌ وَنَاهٍ عَنْهُمْ، وَلَكِنَّهُ مَا قُرِّرَ نَازِلٌ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا لَمْ يُدْفَعْ، أَفَبَعْدَ الْحُسَيْنِ نَطْمَئِنُّ إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَنُصَدِّقُ قَوْلَهُمْ وَنَقْبَلُ لَهُمْ عَهْدًا؟ لَا وَاللَّهِ لَا نَرَاهُمْ لِذَلِكَ أَهْلًا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ قَتَلُوهُ طَوِيلًا بِاللَّيْلِ قِيَامُهُ، كَثِيرًا فِي النَّهَارِ صِيَامُهُ، أَحَقُّ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنْهُمْ وَأَوْلَى بِهِ فِي الدِّينِ وَالْفَضْلِ، أَمَا وَاللَّهِ مَا كَانَ يُبَدِّلُ بِالْقُرْآنِ الْغِنَاءَ، وَلَا بِالْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ الْحُدَاءَ، وَلَا بِالصِّيَامِ شُرْبَ الْخَمْرِ، وَلَا بِالْمَجَالِسِ فِي حَلَقِ الذِّكْرِ تِطْلَابِ الصَّيْدِ، يُعَرِّضُ بِيَزِيدَ، ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] .
فَثَارَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا: أَظْهِرْ بَيْعَتَكَ فَإِنَّكَ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِذْ هَلَكَ الْحُسَيْنُ يُنَازِعُكَ هَذَا الْأَمْرَ.
وَقَدْ كَانَ يُبَايِعُ سِرًّا وَيُظْهِرُ أَنَّهُ عَائِذٌ بِالْبَيْتِ.
فَقَالَ لَهُمْ: لَا تُعَجِّلُوا، وَعَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ يَوْمَئِذٍ عَامِلُ مَكَّةَ، وَهُوَ أَشَدُّ شَيْءٍ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُدَارِي وَيَرْفُقُ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ عِنْدَ يَزِيدَ مَا قَدْ جَمَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ مِنَ الْجُمُوعِ أَعْطَى اللَّهُ عَهْدًا لَيُوثِقَنَّهُ فِي سِلْسِلَةٍ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ مَعَ ابْنِ عِضَاهٍ الْأَشْعَرِيِّ وَسَعْدٍ وَأَصْحَابِهِمَا لَيَأْتُوهُ بِهِ فِيهَا، وَبَعَثَ مَعَهُمْ بُرْنُسَ خَزٍّ لِيُلْبِسُوهُ عَلَيْهَا لِئَلَّا تَظْهَرَ لِلنَّاسِ.
стр. 1641
فَاجْتَازَ ابْنُ عِضَاهٍ بِالْمَدِينَةِ وَبِهَا مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَأَخْبَرَهُ مَا قَدِمَ لَهُ، فَأَرْسَلَ مَرْوَانُ مَعَهُ وَلَدَيْنِ لَهُ أَحَدُهُمَا عَبْدُ الْعَزِيزِ وَقَالَ: إِذَا بَلَغَتْهُ رُسُلُ يَزِيدَ فَتَعَرَّضَا لَهُ وَلْيَتَمَثَّلْ أَحَدُكُمَا بِهَذَا الْقَوْلِ، فَقَالَ:
فَخُذْهَا فَلَيْسَتْ لِلْعَزِيزِ بِخُطَّةٍ ... وَفِيهَا فِعَالٌ لِامْرِئٍ مُتَذَلِّلٍ
أَعَامِرُ إِنَّ الْقَوْمَ سَامُوكَ خُطَّةً ... وَذَلِكَ فِي الْجِيرَانِ غَزْلٌ بِمِغْزَلِ
أَرَاكَ إِذَا مَا كُنْتَ لِلْقَوْمِ نَاصِحًا ... يُقَالُ لَهُ بِالدَّلْوِ أَدْبِرْ وَأَقْبِلِ
فَلَمَّا بَلَّغَهُ الرَّسُولُ الرِّسَالَةَ قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْأَبْيَاتَ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: يَا بَنِي مَرْوَانَ قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتُمَا فَأَخْبِرَا أَبَاكُمَا:
إِنِّي لَمِنْ نَبْعَةٍ صُمٍّ مَكَاسِرُهَا ... إِذَا تَنَاوَحَتِ الْقَصْبَاءُ وَالْعُشَرُ
فَلَا أَلِينُ لِغَيْرِ الْحَقِّ أَسْأَلُهُ ... حَتَّى يَلِينَ لِضِرْسِ الْمَاضِغِ الْحَجَرُ
وَامْتَنَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ رُسُلِ يَزِيدَ، فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ وَنَاسٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ لِيَزِيدَ: لَوْ شَاءَ عَمْرٌو لَأَخَذَ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَسَرَّحَهُ إِلَيْكَ.
فَعُزِلَ عَمْرٌو وَوَلِيَ الْوَلِيدُ الْحِجَازَ، وَأَخَذَ الْوَلِيدُ غِلْمَانَ عَمْرٍو وَمَوَالِيهِ فَحَبَسَهُمْ، فَكَلَّمَهُ عَمْرٌو فَأَبَى أَنْ يُخَلِّيَهُمْ، فَسَارَ عَنِ الْمَدِينَةِ لَيْلَتَيْنِ وَأَرْسَلَ إِلَى غِلْمَانِهِ بِعِدَّتِهِمْ مِنَ الْإِبِلِ، فَكَسَرُوا الْحَبْسَ وَسَارُوا إِلَيْهِ فَلَحِقُوهُ عِنْدَ وُصُولِهِ إِلَى الشَّامِ، فَدَخَلَ عَلَى يَزِيدَ وَأَعْلَمَهُ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ مُكَايَدَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَعَذَرَهُ وَعَلِمَ صِدْقَهُ.
стр. 1642
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
حَجَّ بِالنَّاسِ الْوَلِيدُ هَذِهِ السَّنَةَ.
وَكَانَ الْأَمِيرُ بِالْعِرَاقِ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ، وَعَلَى خُرَاسَانَ سَلْمُ بْنُ زِيَادٍ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ شُرَيْحٌ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ هِشَامُ بْنُ هُبَيْرَةَ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ النَّخَعِيُّ صَاحِبُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ، وَقِيلَ: خَمْسٍ، وَلَهُ تِسْعُونَ سَنَةً.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْمُنْذِرُ بْنُ الْجَارُودِ الْعَبْدِيُّ.
وَجَابِرُ بْنُ عَتِيكٍ الْأَنْصَارِيُّ، (وَقِيلَ حُرٌّ) وَكَانَ عُمُرُهُ إِحْدَى وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَشَهِدَ بَدْرًا.
وَفِيهَا مَاتَ حَمْزَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيُّ، وَعُمُرُهُ إِحْدَى وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ ثَمَانُونَ سَنَةً، لَهُ صُحْبَةٌ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ خَالِدُ بْنُ عُرْفُطَةَ اللَّيْثِيُّ، وَقِيلَ الْعُذْرِيُّ، حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، (وَقِيلَ مَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ، وَلَهُ صُحْبَةٌ) .
стр. 1643
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ]
٦٢ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ
ذِكْرُ وَفْدِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِلَى الشَّامِ
لَمَّا وَلِيَ الْوَلِيدُ الْحِجَازَ أَقَامَ يُرِيدُ غِرَّةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَلَا يَجِدُهُ إِلَّا مُحْتَرِزًا مُمْتَنِعًا، وَثَارَ نَجْدَةُ بْنُ عَامِرٍ النَّخَعِيُّ بِالْيَمَامَةِ حِينَ قُتِلَ الْحُسَيْنُ، وَثَارَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِالْحِجَازِ، وَكَانَ الْوَلِيدُ يُفِيضُ مِنَ الْمُعَرَّفِ وَيُفِيضُ مَعَهُ سَائِرُ النَّاسِ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَاقِفٌ وَأَصْحَابُهُ، وَنَجْدَةُ وَاقِفٌ فِي أَصْحَابِهِ، ثُمَّ يُفِيضُ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِأَصْحَابِهِ وَنَجْدَةُ بِأَصْحَابِهِ، وَكَانَ نَجْدَةُ يَلْقَى ابْنَ الزُّبَيْرِ فَيُكْثِرُ، حَتَّى ظَنَّ أَكْثَرُ النَّاسِ أَنَّهُ سَيُبَايِعُهُ، ثُمَّ إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَمِلَ بِالْمَكْرِ فِي أَمْرِ الْوَلِيدِ، فَكَتَبَ إِلَى يَزِيدَ: إِنَّكَ بَعَثْتَ إِلَيْنَا رَجُلًا أَخْرَقَ لَا يَتَّجِهُ لِرُشْدٍ وَلَا يَرْعَوِي لِعِظَةِ الْحَكِيمِ، فَلَوْ بَعَثْتَ رَجُلًا سَهْلَ الْخُلُقِ رَجَوْتُ أَنْ يَسْهُلَ مِنَ الْأُمُورِ مَا اسْتَوْعَرَ مِنْهَا، وَأَنْ يَجْتَمِعَ مَا تَفَرَّقَ.
فَعَزَلَ يَزِيدُ الْوَلِيدَ وَوَلَّى عُثْمَانَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُفْيَانٍ، وَهُوَ فَتًى غِرٌّ حَدَثٌ لَمْ يُجَرِّبِ الْأُمُورَ وَلَمْ يُحَنِّكْهُ السِّنُّ، لَا يَكَادُ يَنْظُرُ فِي شَيْءٍ مِنْ سُلْطَانِهِ وَلَا عَمَلِهِ، فَبَعَثَ إِلَى يَزِيدَ وَفْدًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَنْظَلَةَ غَسِيلِ الْمَلَائِكَةِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَرِجَالًا كَثِيرًا مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَقَدِمُوا عَلَى يَزِيدَ، فَأَكْرَمَهُمْ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَأَعْظَمَ جَوَائِزَهُمْ، فَأَعْطَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ، وَكَانَ شَرِيفًا فَاضِلًا عَابِدًا سَيِّدًا، مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَكَانَ مَعَهُ ثَمَانِيَةُ بَنِينَ، فَأَعْطَى كُلَّ وَلَدٍ عَشْرَةَ آلَافٍ.
فَلَمَّا رَجَعُوا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ كُلُّهُمْ إِلَّا الْمُنْذِرَ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَإِنَّهُ قَدِمَ الْعِرَاقَ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ، وَكَانَ يَزِيدُ قَدْ أَجَازَهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَلَمَّا قَدِمَ أُولَئِكَ النَّفَرُ الْوَفْدُ الْمَدِينَةَ قَامُوا فِيهِمْ فَأَظْهَرُوا شَتْمَ يَزِيدَ وَعَيْبَهُ وَقَالُوا: قَدِمْنَا مِنْ عِنْدِ رَجُلٍ لَيْسَ لَهُ دِينٌ يَشْرَبُ الْخَمْرَ،
стр. 1644
وَيَضْرِبُ بِالطَّنَابِيرِ وَيَعْزِفُ عِنْدَهُ الْقِيَانُ وَيَلْعَبُ بِالْكِلَابِ وَيَسْمُرُ عِنْدَهُ الْحُرَّابُ، وَهُمُ اللُّصُوصُ، وَإِنَّا نُشْهِدُكُمْ أَنَّا قَدْ خَلَعْنَاهُ.
وَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَنْظَلَةَ الْغَسِيلِ فَقَالَ: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ رَجُلٍ لَوْ لَمْ أَجِدْ إِلَّا بَنِيَّ هَؤُلَاءِ لَجَاهَدْتُهُ بِهِمْ، وَقَدْ أَعْطَانِي وَأَكْرَمَنِي وَمَا قَبِلْتُ مِنْهُ عَطَاءَهُ إِلَّا لِأَتَقَوَّى بِهِ.
فَخَلَعَهُ النَّاسُ وَبَايَعُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ الْغَسِيلِ عَلَى خَلْعِ يَزِيدَ وَوَلَّوْهُ عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا الْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ فَإِنَّهُ قَدِمَ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ فَأَكْرَمَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَكَانَ صَدِيقَ زِيَادٍ، فَأَتَاهُ كِتَابُ يَزِيدَ حَيْثُ بَلَغَهُ أَمْرُ الْمَدِينَةِ يَأْمُرُهُ بِحَبْسِ الْمُنْذِرِ، فَكَرِهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ ضَيْفُهُ وَصَدِيقُ أَبِيهِ، فَدَعَاهُ وَأَخْبَرَهُ بِالْكِتَابِ، فَقَالَ لَهُ: إِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ عِنْدِي فَقُمْ وَقُلِ ائْذَنْ لِي لِأَنْصَرِفَ إِلَى بِلَادِي، فَإِذَا قُلْتُ بَلْ أَقِمْ عِنْدِي فَلَكَ الْكَرَامَةُ وَالْمُوَاسَاةُ، فَقُلْ إِنَّ لِي ضَيْعَةً وَشُغْلًا وَلَا أَجِدُ بُدًّا لِي مِنْ الِانْصِرَافِ، فَإِنِّي آذَنُ لَكَ فِي الِانْصِرَافِ فَتَلْحَقُ بِأَهْلِكَ.
فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ فَعَلَ الْمُنْذِرُ ذَلِكَ فَأَذِنَ لَهُ فِي الِانْصِرَافِ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَكَانَ مِمَّنْ يُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَى يَزِيدَ، وَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ أَجَازَنِي بِمِائَةِ أَلْفٍ وَلَا يَمْنَعُنِي مَا صَنَعَ بِي أَنْ أُخْبِرَكُمْ خَبَرَهُ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَيَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَيَسْكَرُ حَتَّى يَدَعَ الصَّلَاةَ! وَعَابَهُ بِمِثْلِ مَا عَابَهُ بِهِ أَصْحَابُهُ وَأَشَدَّ.
فَبَعَثَ يَزِيدُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيَّ وَقَالَ لَهُ: إِنَّ عَدَدَ النَّاسِ بِالْمَدِينَةِ قَوْمُكَ، فَإِنَّهُمْ مَا يَمْنَعُهُمْ شَيْءٌ عَمَّا يُرِيدُونَ، فَإِنَّهُمْ إِنْ لَمْ يَنْهَضُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ لَمْ يَجْتَرِئِ النَّاسُ عَلَى (خِلَافِي) .
فَأَقْبَلَ النُّعْمَانُ فَأَتَى قَوْمَهُ فَأَمَرَهُمْ بِلُزُومِ الطَّاعَةِ وَخَوَّفَهُمُ الْفِتْنَةَ، قَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ لَا طَاقَةَ لَكُمْ بِأَهْلِ الشَّامِ.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ الْعَدَوِيُّ: يَا نُعْمَانُ مَا يَحْمِلُكَ عَلَى فَسَادِ مَا أَصْلَحَ اللَّهُ مِنْ أَمْرِنَا وَتَفْرِيقِ جَمَاعَتِنَا؟ فَقَالَ النُّعْمَانُ: وَاللَّهِ لَكَأَنِّي بِكَ لَوْ نَزَلَ بِكَ الْجُمُوعُ وَقَامَتْ لَكَ عَلَى الرُّكَبِ تَضْرِبُ مَفَارِقَ الْقَوْمِ وَجِبَاهَهُمْ بِالسَّيْفِ وَدَارَتْ رَحَا الْمَوْتِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ قَدْ رَكِبْتَ بَغْلَتَكَ إِلَى مَكَّةَ وَخَلَّفْتَ هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينَ،
стр. 1645
يَعْنِي الْأَنْصَارَ، يُقْتَلُونَ فِي سِكَكِهِمْ وَمَسَاجِدِهِمْ وَعَلَى أَبْوَابِ دُورِهِمْ.
فَعَصَاهُ النَّاسُ وَانْصَرَفَ، وَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ.
ذِكْرُ وِلَايَةِ عُقْبَةَ بْنِ نَافِعٍ إِفْرِيقِيَّةَ ثَانِيَةً وَمَا افْتَتَحَهُ فِيهَا وَقَتْلِهِ
قَدْ ذَكَرْنَا عَزْلَ عُقْبَةَ عَنْ إِفْرِيقِيَّةَ وَعَوْدَهُ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَعَدَهُ بِإِعَادَتِهِ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَتُوُفِّي مُعَاوِيَةُ وَعُقْبَةُ فِي الشَّامِ، فَاسْتَعْمَلَهُ يَزِيدُ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَأَرْسَلَهُ إِلَيْهَا، فَوَصَلَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ مُجِدًّا، وَقَبَضَ أَبَا الْمُهَاجِرِ أَمِيرَهَا وَأَوْثَقَهُ فِي الْحَدِيدِ وَتَرَكَ بِالْقَيْرَوَانِ جُنْدًا مَعَ الذَّرَارِيِّ وَالْأَمْوَالِ وَاسْتَخْلَفَ بِهَا زُهَيْرَ بْنَ قَيْسٍ الْبَلَوِيَّ، وَأَحْضَرَ أَوْلَادَهُ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ بِعْتُ نَفْسِي مِنَ اللَّهِ، ، فَلَا أَزَالُ أُجَاهِدُ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ. وَأَوْصَى بِمَا يُفْعَلُ بَعْدَهُ.
ثُمَّ سَارَ فِي عَسْكَرٍ عَظِيمٍ حَتَّى دَخَلَ مَدِينَةَ بَاغَايَةَ، وَقَدِ اجْتَمَعَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الرُّومِ، فَقَاتَلُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا وَانْهَزَمُوا عَنْهُ وَقَتَلَ فِيهِمْ قَتْلًا ذَرِيعًا وَغَنِمَ مِنْهُمْ غَنَائِمَ كَثِيرَةً، وَدَخَلَ الْمُنْهَزِمُونَ الْمَدِينَةَ وَحَاصَرَهُمْ عُقْبَةُ.
ثُمَّ كَرِهَ الْمُقَامَ عَلَيْهِمْ فَسَارَ إِلَى بِلَادِ الزَّابِ، وَهِيَ بِلَادٌ وَاسِعَةٌ فِيهَا عِدَّةُ مُدُنٍ وَقُرًى كَثِيرَةٌ، فَقَصَدَ مَدِينَتَهَا الْعُظْمَى وَاسْمُهَا أَرَبَةُ، فَامْتَنَعَ بِهَا مَنْ هُنَاكَ مِنَ الرُّومِ وَالنَّصَارَى، وَهَرَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْجِبَالِ، فَاقْتَتَلَ الْمُسْلِمُونَ وَمَنْ بِالْمَدِينَةِ مِنَ النَّصَارَى عِدَّةَ دَفَعَاتٍ ثُمَّ انْهَزَمَ النَّصَارَى وَقُتِلَ كَثِيرٌ مِنْ فُرْسَانِهِمْ، (وَرَحَلَ إِلَى تَاهَرْتَ) .
فَلَمَّا بَلَغَ الرُّومَ خَبَرُهُ اسْتَعَانُوا بِالْبَرْبَرِ فَأَجَابُوهُمْ وَنَصَرُوهُمْ، فَاجْتَمَعُوا فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ وَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِكَثْرَةِ الْعَدُوِّ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ
стр. 1646
تَعَالَى نَصَرَهُمْ فَانْهَزَمَتِ الرُّومُ وَالْبَرْبَرُ وَأَخَذَهُمُ السَّيْفُ وَكَثُرَ فِيهِمُ الْقَتْلُ وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ أَمْوَالَهُمْ وَسِلَاحَهُمْ.
ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى طَنْجَةَ فَلَقِيَهُ بِطْرِيقٌ مِنَ الرُّومِ اسْمُهُ يَلْيَانُ فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً حَسَنَةً وَنَزَلَ عَلَى حُكْمِهِ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنِ الْأَنْدَلُسِ فَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْبَرْبَرِ، فَقَالَ: هُمْ كَثِيرُونَ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ، وَهُمْ بِالسُّوسِ الْأَدْنَى، وَهُمْ كُفَّارٌ لَمْ يَدْخُلُوا فِي النَّصْرَانِيَّةِ وَلَهُمْ بَأْسٌ شَدِيدٌ.
فَسَارَ عُقْبَةُ إِلَيْهِمْ نَحْوَ السُّوسِ الْأَدْنَى، وَهِيَ مَغْرِبُ طَنْجَةَ، فَانْتَهَى إِلَى أَوَائِلِ الْبَرْبَرِ، فَلَقَوْهُ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَقَتَلَ فِيهِمْ قَتْلًا ذَرِيعًا وَبَعَثَ خَيْلَهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ هَرَبُوا إِلَيْهِ، وَسَارَ هُوَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى السُّوسِ الْأَقْصَى، وَقَدِ اجْتَمَعَ لَهُ الْبَرْبَرُ فِي عَالَمٍ لَا يُحْصَى، فَلَقِيَهُمْ وَقَاتَلَهُمْ وَهَزَمَهُمْ، وَقَتَلَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِمْ حَتَّى مَلُّوا وَغَنِمُوا مِنْهُمْ وَسَبَوْا سَبْيًا كَثِيرًا، وَسَارَ حَتَّى بَلَغَ مَالِيَانَ وَرَأَى الْبَحْرَ الْمُحِيطَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ لَوْلَا هَذَا الْبَحْرُ لَمَضَيْتُ فِي الْبِلَادِ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِكَ.
ثُمَّ عَادَ فَنَفَرَ الرُّومُ وَالْبَرْبَرُ عَنْ طَرِيقِهِ خَوْفًا مِنْهُ، وَاجْتَازَ بِمَكَانٍ يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِمَاءِ الْفَرَسِ فَنَزَلَهُ، وَلَمْ يَكُنْ بِهِ مَاءٌ، فَلَحِقَ النَّاسَ عَطَشٌ كَثِيرٌ أَشْرَفُوا [مِنْهُ] عَلَى الْهَلَاكِ، فَصَلَّى عُقْبَةُ رَكْعَتَيْنِ وَدَعَا (فَبَحَثَ فَرَسٌ لَهُ الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ فَكَشَفَ لَهُ عَنْ صَفَاةٍ) فَانْفَجَرَ الْمَاءُ، فَنَادَى عُقْبَةُ فِي النَّاسِ فَحَفَرُوا أَحْسَاءَ كَثِيرَةً وَشَرِبُوا، فَسُمِّيَ مَاءَ الْفَرَسِ.
فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مَدِينَةِ طُبْنَةَ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقَيْرَوَانِ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ، أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَتَقَدَّمُوا فَوْجًا فَوْجًا ثِقَةً مِنْهُ بِمَا نَالَ مِنَ الْعَدُوِّ، وَأَنَّهُ لَمْ يُبْقِ أَحَدًا يَخْشَاهُ، وَسَارَ إِلَى تَهُوذَةَ لِيَنْظُرَ إِلَيْهَا فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، فَلَمَّا رَآهُ الرُّومُ فِي قِلَّةٍ طَمِعُوا فِيهِ فَأَغْلَقُوا بَابَ الْحِصْنِ وَشَتَمُوهُ وَقَاتَلُوهُ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ.
стр. 1647
ذِكْرُ خُرُوجِ كُسَيْلَةَ بْنِ لَمْزَمَ الْبَرْبَرِيِّ عَلَى عُقْبَةَ
هَذَا كُسَيْلَةُ بْنُ لَمْزَمَ الْبَرْبَرِيُّ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ لَمَّا وَلِيَ أَبُو الْمُهَاجِرِ إِفْرِيقِيَّةَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْبَرْبَرِ وَأَبْعَدِهِمْ صَوْتًا، وَصَحِبَ أَبَا الْمُهَاجِرِ، فَلَمَّا وَلِيَ عُقْبَةُ عَرَّفَهُ أَبُو الْمُهَاجِرِ مَحَلَّ كُسَيْلَةَ وَأَمَرَهُ بِحِفْظِهِ فَلَمْ يَقْبَلْ وَاسْتَخَفَّ بِهِ، وَأَتَى عُقْبَةُ بِغَنَمٍ فَأَمَرَ كُسَيْلَةَ بِذَبْحِهَا وَسَلْخِهَا مَعَ السَّلَّاخِينَ.
فَقَالَ كُسَيْلَةُ: هَؤُلَاءِ فِتْيَانِي وَغِلْمَانِي يَكْفُونَنِي الْمُئُونَةَ.
فَشَتَمَهُ وَأَمَرَهُ بِسَلْخِهَا، فَفَعَلَ، فَقَبَّحَ أَبُو الْمُهَاجِرِ هَذَا عِنْدَ عُقْبَةَ، فَلَمْ يَرْجِعْ، فَقَالَ لَهُ: أَوْثِقِ الرَّجُلَ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ مِنْهُ! فَتَهَاوَنَ بِهِ عُقْبَةُ.
فَأَضْمَرَ كُسَيْلَةُ الْغَدْرَ، فَلَمَّا كَانَ الْآنُ وَرَأَى الرُّومُ قِلَّةَ مَنْ مَعَ عُقْبَةَ أَرْسَلُوا إِلَى كُسَيْلَةَ وَأَعْلَمُوهُ حَالَهُ، وَكَانَ فِي عَسْكَرِ عُقْبَةَ مُضْمِرًا لِلْغَدْرِ، وَقَدْ أَعْلَمَ الرُّومَ ذَلِكَ وَأَطْمَعَهُمْ.
فَلَمَّا رَاسَلُوهُ أَظْهَرَ مَا كَانَ يُضْمِرُهُ وَجَمَعَ أَهْلَهُ وَبَنِي عَمِّهِ وَقَصَدَ عُقْبَةَ، فَقَالَ أَبُو الْمُهَاجِرِ: عَاجِلْهُ قَبْلَ أَنْ يَقْوَى جَمْعُهُ.
وَكَانَ أَبُو الْمُهَاجِرِ مُوَثَّقًا فِي الْحَدِيدِ مَعَ عُقْبَةَ.
فَزَحَفَ عُقْبَةُ إِلَى كُسَيْلَةَ، فَتَنَحَّى كُسَيْلَةُ عَنْ طَرِيقِهِ لِيَكْثُرَ جَمْعُهُ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو الْمُهَاجِرِ ذَلِكَ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ أَبِي مِحْجَنٍ الثَّقَفِيِّ:
كَفَى حَزَنًا أَنْ تُمْرَغَ الْخَيْلُ بِالْقَنَا ... وَأُتْرَكَ مَشْدُودًا عَلَيَّ وَثَاقِيَا
إِذَا قُمْتُ عَنَّانِي الْحَدِيدُ وَأُغْلِقَتْ ... مَصَارِعُ مَنْ دُونِي تُصِمُّ الْمُنَادِيَا
فَبَلَغَ عُقْبَةُ ذَلِكَ فَأَطْلَقَهُ، فَقَالَ لَهُ: الْحَقْ بِالْمُسْلِمِينَ وَقُمْ بِأَمْرِهِمْ وَأَنَا أَغْتَنِمُ الشَّهَادَةَ. فَلَمْ يَفْعَلْ وَقَالَ: وَأَنَا أَيْضًا أُرِيدُ الشَّهَادَةَ.
فَكَسَّرَ عُقْبَةُ وَالْمُسْلِمُونَ أَجْفَانَ سُيُوفِهِمْ وَتَقَدَّمُوا إِلَى الْبَرْبَرِ وَقَاتَلُوهُمْ، فَقُتِلَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعُهُمْ لَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَأُسِرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَوْسٍ الْأَنْصَارِيُّ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، فَخَلَّصَهُمْ صَاحِبُ قَفْصَةَ وَبَعَثَ بِهِمْ إِلَى الْقَيْرَوَانِ.
فَعَزَمَ زُهَيْرُ بْنُ قَيْسٍ الْبَلَوِيُّ عَلَى الْقِتَالِ، فَخَالَفَهُ حَنَشٌ الصَّنْعَانِيُّ وَعَادَ إِلَى
стр. 1648
مِصْرَ، فَتَبِعَهُ أَكْثَرُ النَّاسِ، فَاضْطَرَّ زُهَيْرٌ إِلَى الْعَوْدِ مَعَهُمْ، فَسَارَ إِلَى بَرْقَةَ وَأَقَامَ بِهَا.
وَأَمَّا كُسَيْلَةُ فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمِيعُ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَقَصَدَ إِفْرِيقِيَّةَ، وَبِهَا أَصْحَابُ الْأَنْفَالِ وَالذَّرَارِيِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ مِنْ كُسَيْلَةَ فَآمَنَهُمْ وَدَخَلَ الْقَيْرَوَانَ وَاسْتَوْلَى عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ قَوِيَ أَمْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَاسْتَعْمَلَ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ زُهَيْرَ بْنَ قَيْسٍ الْبَلَوِيَّ، وَكَانَ مُقِيمًا بِبَرْقَةَ مُرَابِطًا.
ذِكْرُ وِلَايَةِ زُهَيْرِ بْنِ قَيْسٍ إِفْرِيقِيَّةَ وَقَتْلِهِ وَقَتْلِ كُسَيْلَةَ
لَمَّا وَلِيَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ ذُكِرَ عِنْدَهُ مَنْ بِالْقَيْرَوَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَشَارَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ (بِإِنْفَاذِ الْجُيُوشِ إِلَى) إِفْرِيقِيَّةَ لِاسْتِنْقَاذِهِمْ، فَكَتَبَ إِلَى زُهَيْرِ بْنِ قَيْسٍ الْبَلَوِيِّ بِوِلَايَةَ إِفْرِيقِيَّةَ وَجَهَّزَ لَهُ جَيْشًا كَثِيرًا، فَسَارَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ.
فَبَلَغَ خَبَرُهُ إِلَى كُسَيْلَةَ، فَاحْتَفَلَ وَجَمَعَ وَحَشَدَ الْبَرْبَرَ وَالرُّومَ وَأَحْضَرَ أَشْرَافَ أَصْحَابِهِ وَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرْحَلَ إِلَى مَمْشَ فَأَنْزِلَهَا فَإِنَّ بِالْقَيْرَوَانِ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَهُمْ عَلَيْنَا عَهْدٌ فَلَا نَغْدِرُ بِهِمْ وَنَخَافُ إِنْ قَاتَلْنَا زُهَيْرًا (أَنْ يَثِبَ هَؤُلَاءِ مِنْ وَرَائِنَا، فَإِذَا نَزَلْنَا مَمْشَ أَمِنَّاهُمْ وَقَاتَلْنَا زُهَيْرًا) ، فَإِنْ ظَفِرْنَا بِهِمْ تَبِعْنَاهُمْ إِلَى طَرَابُلْسَ وَقَطَعْنَا أَثَرَهُمْ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ، وَإِنْ ظَفِرُوا بِنَا تَعَلَّقْنَا بِالْجِبَالِ وَنَجَوْنَا.
فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، وَرَحَلَ إِلَى مَمْشَ، وَبَلَغَ ذَلِكَ زُهَيْرًا فَلَمْ يَدْخُلِ الْقَيْرَوَانَ بَلْ أَقَامَ ظَاهِرَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى أَرَاحَ وَاسْتَرَاحَ، وَرَحَلَ فِي طَلَبِ كُسَيْلَةَ، فَلَمَّا قَارَبَهُ نَزَلَ وَعَبَّى أَصْحَابَهُ وَرَكِبَ إِلَيْهِ، فَالْتَقَى الْعَسْكَرَانِ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي الْفَرِيقَيْنِ، حَتَّى أَيِسَ النَّاسُ مِنَ الْحَيَاةِ، فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ أَكْثَرَ النَّهَارِ، ثُمَّ نَصَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ وَانْهَزَمَ كُسَيْلَةُ وَأَصْحَابُهُ وَقُتِلَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ أَصْحَابِهِ بِمَمْشَ، وَتَبِعَ الْمُسْلِمُونَ الْبَرْبَرَ وَالرُّومَ فَقَتَلُوا مَنْ أَدْرَكُوا مِنْهُمْ فَأَكْثَرُوا، وَفِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ ذَهَبَ رِجَالُ الْبَرْبَرِ وَالرُّومِ وَمُلُوكُهُمْ وَأَشْرَافُهُمْ، وَعَادَ زُهَيْرٌ إِلَى
стр. 1649
الْقَيْرَوَانِ.
ثُمَّ إِنَّ زُهَيْرًا رَأَى بِإِفْرِيقِيَّةَ مُلْكًا عَظِيمًا فَأَبَى أَنْ يُقِيمَ وَقَالَ: إِنَّمَا قَدِمْتُ لِلْجِهَادِ فَأَخَافُ أَنْ أَمِيلَ إِلَى الدُّنْيَا فَأَهْلِكَ.
وَكَانَ عَابِدًا زَاهِدًا، فَتَرَكَ بِالْقَيْرَوَانِ عَسْكَرًا وَهُمْ آمِنُونَ لِخُلُوِّ الْبِلَادِ مِنْ عَدْوٍ (أَوْ ذِي) شَوْكَةٍ، وَرَحَلَ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ إِلَى مِصْرَ.
وَكَانَ قَدْ بَلَغَ الرُّومَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ مَسِيرُ زُهَيْرٍ مِنْ بَرْقَةَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ لِقِتَالِ كُسَيْلَةَ، فَاغْتَنَمُوا خُلُوَّهَا فَخَرَجُوا إِلَيْهَا فِي مَرَاكِبَ كَثِيرَةٍ وَقُوَّةٍ قَوِيَّةٍ مِنْ جَزِيرَةِ صِقِلِّيَةَ وَأَغَارُوا عَلَى بَرْقَةَ، فَأَصَابُوا مِنْهَا سَبْيًا كَثِيرًا، وَقَتَلُوا وَنَهَبُوا، وَوَافَقَ ذَلِكَ قُدُومَ زُهَيْرٍ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ إِلَى بَرْقَةَ، فَأُخْبِرَ الْخَبَرَ، فَأَمَرَ الْعَسْكَرَ بِالسُّرْعَةِ وَالْجِدِّ فِي قِتَالِهِمْ، وَرَحَلَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَكَانَ الرُّومُ خَلْقًا كَثِيرًا، فَلَمَّا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ اسْتَغَاثُوا بِهِ فَلَمْ يُمْكِنْهُ الرُّجُوعُ وَبَاشَرَ الْقِتَالُ وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ وَعَظُمَ الْخَطْبُ وَتَكَاثَرَ الرُّومُ عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوا زُهَيْرًا وَأَصْحَابَهُ وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَعَادَ الرُّومُ بِمَا غَنِمُوا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ.
وَلَمَّا سَمِعَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بِقَتْلِ زُهَيْرٍ عَظُمَ عَلَيْهِ وَاشْتَدَّ ثُمَّ سَيَّرَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ حَسَّانَ بْنَ النُّعْمَانِ الْغَسَّانِيَّ، وَسَنَذْكُرُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَذْكُرَ وِلَايَةَ زُهَيْرٍ وَقَتْلَهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ هَا هُنَا لِيَتَّصِلَ خَبَرُ كُسَيْلَةَ وَمَقْتَلُهُ، فَإِنَّ الْحَادِثَةَ وَاحِدَةٌ وَإِذَا تَفَرَّقَتْ لَمْ تُعْلَمْ حَقِيقَتُهَا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
حَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ.
وَفِيهَا وُلِدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَالِدُ السَّفَّاحِ وَالْمَنْصُورِ.
стр. 1650
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ الْهَاشِمِيُّ، وَلَهُ صُحْبَةٌ.
وَمَسْلَمَةُ بْنُ مُخَلَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ عُمُرُهُ لَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ.
وَتُوُفِّيَ بِمِصْرَ مَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ، وَقِيلَ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ.
(مُخَلَّدٌ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِهَا) .
следующие страницы →