← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

تَعَالَى نَصَرَهُمْ فَانْهَزَمَتِ الرُّومُ وَالْبَرْبَرُ وَأَخَذَهُمُ السَّيْفُ وَكَثُرَ فِيهِمُ الْقَتْلُ وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ أَمْوَالَهُمْ وَسِلَاحَهُمْ. ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى طَنْجَةَ فَلَقِيَهُ بِطْرِيقٌ مِنَ الرُّومِ اسْمُهُ يَلْيَانُ فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً حَسَنَةً وَنَزَلَ عَلَى حُكْمِهِ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنِ الْأَنْدَلُسِ فَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْبَرْبَرِ، فَقَالَ: هُمْ كَثِيرُونَ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ، وَهُمْ بِالسُّوسِ الْأَدْنَى، وَهُمْ كُفَّارٌ لَمْ يَدْخُلُوا فِي النَّصْرَانِيَّةِ وَلَهُمْ بَأْسٌ شَدِيدٌ. فَسَارَ عُقْبَةُ إِلَيْهِمْ نَحْوَ السُّوسِ الْأَدْنَى، وَهِيَ مَغْرِبُ طَنْجَةَ، فَانْتَهَى إِلَى أَوَائِلِ الْبَرْبَرِ، فَلَقَوْهُ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَقَتَلَ فِيهِمْ قَتْلًا ذَرِيعًا وَبَعَثَ خَيْلَهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ هَرَبُوا إِلَيْهِ، وَسَارَ هُوَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى السُّوسِ الْأَقْصَى، وَقَدِ اجْتَمَعَ لَهُ الْبَرْبَرُ فِي عَالَمٍ لَا يُحْصَى، فَلَقِيَهُمْ وَقَاتَلَهُمْ وَهَزَمَهُمْ، وَقَتَلَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِمْ حَتَّى مَلُّوا وَغَنِمُوا مِنْهُمْ وَسَبَوْا سَبْيًا كَثِيرًا، وَسَارَ حَتَّى بَلَغَ مَالِيَانَ وَرَأَى الْبَحْرَ الْمُحِيطَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ لَوْلَا هَذَا الْبَحْرُ لَمَضَيْتُ فِي الْبِلَادِ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِكَ. ثُمَّ عَادَ فَنَفَرَ الرُّومُ وَالْبَرْبَرُ عَنْ طَرِيقِهِ خَوْفًا مِنْهُ، وَاجْتَازَ بِمَكَانٍ يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِمَاءِ الْفَرَسِ فَنَزَلَهُ، وَلَمْ يَكُنْ بِهِ مَاءٌ، فَلَحِقَ النَّاسَ عَطَشٌ كَثِيرٌ أَشْرَفُوا [مِنْهُ] عَلَى الْهَلَاكِ، فَصَلَّى عُقْبَةُ رَكْعَتَيْنِ وَدَعَا (فَبَحَثَ فَرَسٌ لَهُ الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ فَكَشَفَ لَهُ عَنْ صَفَاةٍ) فَانْفَجَرَ الْمَاءُ، فَنَادَى عُقْبَةُ فِي النَّاسِ فَحَفَرُوا أَحْسَاءَ كَثِيرَةً وَشَرِبُوا، فَسُمِّيَ مَاءَ الْفَرَسِ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مَدِينَةِ طُبْنَةَ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقَيْرَوَانِ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ، أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَتَقَدَّمُوا فَوْجًا فَوْجًا ثِقَةً مِنْهُ بِمَا نَالَ مِنَ الْعَدُوِّ، وَأَنَّهُ لَمْ يُبْقِ أَحَدًا يَخْشَاهُ، وَسَارَ إِلَى تَهُوذَةَ لِيَنْظُرَ إِلَيْهَا فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، فَلَمَّا رَآهُ الرُّومُ فِي قِلَّةٍ طَمِعُوا فِيهِ فَأَغْلَقُوا بَابَ الْحِصْنِ وَشَتَمُوهُ وَقَاتَلُوهُ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ.

стр. 1647

ذِكْرُ خُرُوجِ كُسَيْلَةَ بْنِ لَمْزَمَ الْبَرْبَرِيِّ عَلَى عُقْبَةَ هَذَا كُسَيْلَةُ بْنُ لَمْزَمَ الْبَرْبَرِيُّ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ لَمَّا وَلِيَ أَبُو الْمُهَاجِرِ إِفْرِيقِيَّةَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْبَرْبَرِ وَأَبْعَدِهِمْ صَوْتًا، وَصَحِبَ أَبَا الْمُهَاجِرِ، فَلَمَّا وَلِيَ عُقْبَةُ عَرَّفَهُ أَبُو الْمُهَاجِرِ مَحَلَّ كُسَيْلَةَ وَأَمَرَهُ بِحِفْظِهِ فَلَمْ يَقْبَلْ وَاسْتَخَفَّ بِهِ، وَأَتَى عُقْبَةُ بِغَنَمٍ فَأَمَرَ كُسَيْلَةَ بِذَبْحِهَا وَسَلْخِهَا مَعَ السَّلَّاخِينَ. فَقَالَ كُسَيْلَةُ: هَؤُلَاءِ فِتْيَانِي وَغِلْمَانِي يَكْفُونَنِي الْمُئُونَةَ. فَشَتَمَهُ وَأَمَرَهُ بِسَلْخِهَا، فَفَعَلَ، فَقَبَّحَ أَبُو الْمُهَاجِرِ هَذَا عِنْدَ عُقْبَةَ، فَلَمْ يَرْجِعْ، فَقَالَ لَهُ: أَوْثِقِ الرَّجُلَ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ مِنْهُ! فَتَهَاوَنَ بِهِ عُقْبَةُ. فَأَضْمَرَ كُسَيْلَةُ الْغَدْرَ، فَلَمَّا كَانَ الْآنُ وَرَأَى الرُّومُ قِلَّةَ مَنْ مَعَ عُقْبَةَ أَرْسَلُوا إِلَى كُسَيْلَةَ وَأَعْلَمُوهُ حَالَهُ، وَكَانَ فِي عَسْكَرِ عُقْبَةَ مُضْمِرًا لِلْغَدْرِ، وَقَدْ أَعْلَمَ الرُّومَ ذَلِكَ وَأَطْمَعَهُمْ. فَلَمَّا رَاسَلُوهُ أَظْهَرَ مَا كَانَ يُضْمِرُهُ وَجَمَعَ أَهْلَهُ وَبَنِي عَمِّهِ وَقَصَدَ عُقْبَةَ، فَقَالَ أَبُو الْمُهَاجِرِ: عَاجِلْهُ قَبْلَ أَنْ يَقْوَى جَمْعُهُ. وَكَانَ أَبُو الْمُهَاجِرِ مُوَثَّقًا فِي الْحَدِيدِ مَعَ عُقْبَةَ. فَزَحَفَ عُقْبَةُ إِلَى كُسَيْلَةَ، فَتَنَحَّى كُسَيْلَةُ عَنْ طَرِيقِهِ لِيَكْثُرَ جَمْعُهُ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو الْمُهَاجِرِ ذَلِكَ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ أَبِي مِحْجَنٍ الثَّقَفِيِّ: كَفَى حَزَنًا أَنْ تُمْرَغَ الْخَيْلُ بِالْقَنَا ... وَأُتْرَكَ مَشْدُودًا عَلَيَّ وَثَاقِيَا إِذَا قُمْتُ عَنَّانِي الْحَدِيدُ وَأُغْلِقَتْ ... مَصَارِعُ مَنْ دُونِي تُصِمُّ الْمُنَادِيَا فَبَلَغَ عُقْبَةُ ذَلِكَ فَأَطْلَقَهُ، فَقَالَ لَهُ: الْحَقْ بِالْمُسْلِمِينَ وَقُمْ بِأَمْرِهِمْ وَأَنَا أَغْتَنِمُ الشَّهَادَةَ. فَلَمْ يَفْعَلْ وَقَالَ: وَأَنَا أَيْضًا أُرِيدُ الشَّهَادَةَ. فَكَسَّرَ عُقْبَةُ وَالْمُسْلِمُونَ أَجْفَانَ سُيُوفِهِمْ وَتَقَدَّمُوا إِلَى الْبَرْبَرِ وَقَاتَلُوهُمْ، فَقُتِلَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعُهُمْ لَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَأُسِرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَوْسٍ الْأَنْصَارِيُّ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، فَخَلَّصَهُمْ صَاحِبُ قَفْصَةَ وَبَعَثَ بِهِمْ إِلَى الْقَيْرَوَانِ. فَعَزَمَ زُهَيْرُ بْنُ قَيْسٍ الْبَلَوِيُّ عَلَى الْقِتَالِ، فَخَالَفَهُ حَنَشٌ الصَّنْعَانِيُّ وَعَادَ إِلَى

стр. 1648

مِصْرَ، فَتَبِعَهُ أَكْثَرُ النَّاسِ، فَاضْطَرَّ زُهَيْرٌ إِلَى الْعَوْدِ مَعَهُمْ، فَسَارَ إِلَى بَرْقَةَ وَأَقَامَ بِهَا. وَأَمَّا كُسَيْلَةُ فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمِيعُ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَقَصَدَ إِفْرِيقِيَّةَ، وَبِهَا أَصْحَابُ الْأَنْفَالِ وَالذَّرَارِيِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ مِنْ كُسَيْلَةَ فَآمَنَهُمْ وَدَخَلَ الْقَيْرَوَانَ وَاسْتَوْلَى عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ قَوِيَ أَمْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَاسْتَعْمَلَ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ زُهَيْرَ بْنَ قَيْسٍ الْبَلَوِيَّ، وَكَانَ مُقِيمًا بِبَرْقَةَ مُرَابِطًا. ذِكْرُ وِلَايَةِ زُهَيْرِ بْنِ قَيْسٍ إِفْرِيقِيَّةَ وَقَتْلِهِ وَقَتْلِ كُسَيْلَةَ لَمَّا وَلِيَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ ذُكِرَ عِنْدَهُ مَنْ بِالْقَيْرَوَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَشَارَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ (بِإِنْفَاذِ الْجُيُوشِ إِلَى) إِفْرِيقِيَّةَ لِاسْتِنْقَاذِهِمْ، فَكَتَبَ إِلَى زُهَيْرِ بْنِ قَيْسٍ الْبَلَوِيِّ بِوِلَايَةَ إِفْرِيقِيَّةَ وَجَهَّزَ لَهُ جَيْشًا كَثِيرًا، فَسَارَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ. فَبَلَغَ خَبَرُهُ إِلَى كُسَيْلَةَ، فَاحْتَفَلَ وَجَمَعَ وَحَشَدَ الْبَرْبَرَ وَالرُّومَ وَأَحْضَرَ أَشْرَافَ أَصْحَابِهِ وَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرْحَلَ إِلَى مَمْشَ فَأَنْزِلَهَا فَإِنَّ بِالْقَيْرَوَانِ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَهُمْ عَلَيْنَا عَهْدٌ فَلَا نَغْدِرُ بِهِمْ وَنَخَافُ إِنْ قَاتَلْنَا زُهَيْرًا (أَنْ يَثِبَ هَؤُلَاءِ مِنْ وَرَائِنَا، فَإِذَا نَزَلْنَا مَمْشَ أَمِنَّاهُمْ وَقَاتَلْنَا زُهَيْرًا) ، فَإِنْ ظَفِرْنَا بِهِمْ تَبِعْنَاهُمْ إِلَى طَرَابُلْسَ وَقَطَعْنَا أَثَرَهُمْ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ، وَإِنْ ظَفِرُوا بِنَا تَعَلَّقْنَا بِالْجِبَالِ وَنَجَوْنَا. فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، وَرَحَلَ إِلَى مَمْشَ، وَبَلَغَ ذَلِكَ زُهَيْرًا فَلَمْ يَدْخُلِ الْقَيْرَوَانَ بَلْ أَقَامَ ظَاهِرَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى أَرَاحَ وَاسْتَرَاحَ، وَرَحَلَ فِي طَلَبِ كُسَيْلَةَ، فَلَمَّا قَارَبَهُ نَزَلَ وَعَبَّى أَصْحَابَهُ وَرَكِبَ إِلَيْهِ، فَالْتَقَى الْعَسْكَرَانِ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي الْفَرِيقَيْنِ، حَتَّى أَيِسَ النَّاسُ مِنَ الْحَيَاةِ، فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ أَكْثَرَ النَّهَارِ، ثُمَّ نَصَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ وَانْهَزَمَ كُسَيْلَةُ وَأَصْحَابُهُ وَقُتِلَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ أَصْحَابِهِ بِمَمْشَ، وَتَبِعَ الْمُسْلِمُونَ الْبَرْبَرَ وَالرُّومَ فَقَتَلُوا مَنْ أَدْرَكُوا مِنْهُمْ فَأَكْثَرُوا، وَفِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ ذَهَبَ رِجَالُ الْبَرْبَرِ وَالرُّومِ وَمُلُوكُهُمْ وَأَشْرَافُهُمْ، وَعَادَ زُهَيْرٌ إِلَى

стр. 1649

الْقَيْرَوَانِ. ثُمَّ إِنَّ زُهَيْرًا رَأَى بِإِفْرِيقِيَّةَ مُلْكًا عَظِيمًا فَأَبَى أَنْ يُقِيمَ وَقَالَ: إِنَّمَا قَدِمْتُ لِلْجِهَادِ فَأَخَافُ أَنْ أَمِيلَ إِلَى الدُّنْيَا فَأَهْلِكَ. وَكَانَ عَابِدًا زَاهِدًا، فَتَرَكَ بِالْقَيْرَوَانِ عَسْكَرًا وَهُمْ آمِنُونَ لِخُلُوِّ الْبِلَادِ مِنْ عَدْوٍ (أَوْ ذِي) شَوْكَةٍ، وَرَحَلَ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ إِلَى مِصْرَ. وَكَانَ قَدْ بَلَغَ الرُّومَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ مَسِيرُ زُهَيْرٍ مِنْ بَرْقَةَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ لِقِتَالِ كُسَيْلَةَ، فَاغْتَنَمُوا خُلُوَّهَا فَخَرَجُوا إِلَيْهَا فِي مَرَاكِبَ كَثِيرَةٍ وَقُوَّةٍ قَوِيَّةٍ مِنْ جَزِيرَةِ صِقِلِّيَةَ وَأَغَارُوا عَلَى بَرْقَةَ، فَأَصَابُوا مِنْهَا سَبْيًا كَثِيرًا، وَقَتَلُوا وَنَهَبُوا، وَوَافَقَ ذَلِكَ قُدُومَ زُهَيْرٍ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ إِلَى بَرْقَةَ، فَأُخْبِرَ الْخَبَرَ، فَأَمَرَ الْعَسْكَرَ بِالسُّرْعَةِ وَالْجِدِّ فِي قِتَالِهِمْ، وَرَحَلَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَكَانَ الرُّومُ خَلْقًا كَثِيرًا، فَلَمَّا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ اسْتَغَاثُوا بِهِ فَلَمْ يُمْكِنْهُ الرُّجُوعُ وَبَاشَرَ الْقِتَالُ وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ وَعَظُمَ الْخَطْبُ وَتَكَاثَرَ الرُّومُ عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوا زُهَيْرًا وَأَصْحَابَهُ وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَعَادَ الرُّومُ بِمَا غَنِمُوا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ. وَلَمَّا سَمِعَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بِقَتْلِ زُهَيْرٍ عَظُمَ عَلَيْهِ وَاشْتَدَّ ثُمَّ سَيَّرَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ حَسَّانَ بْنَ النُّعْمَانِ الْغَسَّانِيَّ، وَسَنَذْكُرُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَذْكُرَ وِلَايَةَ زُهَيْرٍ وَقَتْلَهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ هَا هُنَا لِيَتَّصِلَ خَبَرُ كُسَيْلَةَ وَمَقْتَلُهُ، فَإِنَّ الْحَادِثَةَ وَاحِدَةٌ وَإِذَا تَفَرَّقَتْ لَمْ تُعْلَمْ حَقِيقَتُهَا. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ حَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ. وَفِيهَا وُلِدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَالِدُ السَّفَّاحِ وَالْمَنْصُورِ.

стр. 1650

[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ الْهَاشِمِيُّ، وَلَهُ صُحْبَةٌ. وَمَسْلَمَةُ بْنُ مُخَلَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ عُمُرُهُ لَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ. وَتُوُفِّيَ بِمِصْرَ مَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ، وَقِيلَ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ. (مُخَلَّدٌ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِهَا) .

стр. 1651

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ] ٦٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ ذِكْرُ وَقْعَةِ الْحَرَّةِ كَانَ أَوَّلُ وَقْعَةِ الْحَرَّةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ خَلْعِ يَزِيدَ، فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةُ أَخْرَجَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عُثْمَانَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَامِلَ يَزِيدَ وَحَصَرُوا بَنِي أُمَيَّةَ (بَعْدَ بَيْعَتِهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ، فَاجْتَمَعَ بَنُو أُمَيَّةَ) وَمَوَالِيهِمْ وَمَنْ يَرَى رَأْيَهُمْ فِي أَلْفِ رَجُلٍ حَتَّى نَزَلُوا دَارَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، فَكَتَبُوا إِلَى يَزِيدَ يَسْتَغِيثُونَ بِهِ، فَقَدِمَ الرَّسُولُ إِلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ وَقَدْ وَضَعَ قَدَمَيْهِ فِي طَشْتٍ فِيهِ مَاءٌ لِنَقْرَسٍ كَانَ بِهِمَا، فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ تَمَثَّلَ: لَقَدْ بَدَّلُوا الْحِلْمَ الَّذِي فِي سَجِيَّتِي ... فَبَدَّلْتُ قَوْمِي غِلْظَةً بِلِيَانِ ثُمَّ قَالَ: أَمَا يَكُونُ بَنُو أُمَيَّةَ أَلْفَ رَجُلٍ؟ فَقَالَ الرَّسُولُ: بَلَى وَاللَّهِ وَأَكْثَرُ. قَالَ: فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يُقَاتِلُوا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ! فَبَعَثَ إِلَى عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ فَأَقْرَأَهُ الْكِتَابَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهِمْ فِي النَّاسِ، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ ضَبَطْتُ لَكَ الْأُمُورَ وَالْبِلَادَ، فَأَمَّا الْآنَ إِذْ صَارَتْ دِمَاءُ قُرَيْشٍ تُهْرَقُ بِالصَّعِيدِ فَلَا أُحِبُّ أَنْ أَتَوَلَّى ذَلِكَ.

стр. 1652

وَبَعَثَ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَمُحَاصَرَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا جَمَعْتَهُمَا لِلْفَاسِقِ، قَتْلَ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ وَغَزْوَ الْكَعْبَةِ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ يَعْتَذِرُ. فَبَعَثَ إِلَى مُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ الْمُرِّيِّ، وَهُوَ الَّذِي سُمِّيَ مُسْرِفًا، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَرِيضٌ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: أَمَا يَكُونُ بَنُو أُمَيَّةَ أَلْفَ رَجُلٍ؟ فَقَالَ الرَّسُولُ: بَلَى. قَالَ: فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يُقَاتِلُوا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ! لَيْسَ هَؤُلَاءِ بِأَهْلٍ أَنْ يُنْصَرُوا فَإِنَّهُمُ الْأَذِلَّاءُ، دَعْهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يُجْهِدُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جِهَادِ عَدُوِّهِمْ وَيَتَبَيَّنَ لَكَ مَنْ يُقَاتِلُ عَلَى طَاعَتِكَ وَمَنْ يَسْتَسْلِمُ. قَالَ: وَيْحَكَ! إِنَّهُ لَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ، فَاخْرُجْ بِالنَّاسِ. وَقِيلَ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ لِيَزِيدَ: إِنَّ لَكَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَوْمًا، فَإِنْ فَعَلُوا فَارْمِهِمْ بِمُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ قَدْ عَرَفْتُ نَصِيحَتَهُ. فَلَمَّا خَلَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَمَرَ مُسْلِمًا بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ، فَنَادَى فِي النَّاسِ بِالتَّجَهُّزِ إِلَى الْحِجَازِ وَأَنْ يَأْخُذُوا عَطَاءَهُمْ وَمَعُونَةً مِائَةَ دِينَارٍ، فَانْتُدِبَ لِذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا، وَخَرَجَ يَزِيدُ يَعْرِضُهُمْ وَهُوَ مُتَقَلِّدٌ سَيْفًا مُتَنَكِّبٌ قَوْسًا عَرَبِيَّةً، وَهُوَ يَقُولُ: أَبْلِغْ أَبَا بَكْرٍ إِذَا اللَّيْلُ سَرَى ... وَهَبَطَ الْقَوْمُ عَلَى وَادِي الْقُرَى أَجَمْعَ سَكْرَانَ مِنَ الْقَوْمِ تَرَى ... أَمْ جَمْعَ يَقْظَانَ نَفَى عَنْهُ الْكَرَى يَا عَجَبًا مِنْ مُلْحِدٍ يَا عَجَبَا ... مُخَادِعٍ بِالدِّينِ يَعْفُو بِالْعَرَى وَسَارَ الْجَيْشُ وَعَلَيْهِمْ مُسْلِمٌ، فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ: إِنْ حَدَثَ بِكَ حَدَثٌ فَاسْتَخْلِفِ الْحُصَيْنَ بْنَ نُمَيْرٍ السَّكُونِيَّ، وَقَالَ لَهُ: ادْعُ الْقَوْمَ ثَلَاثًا، فَإِنْ أَجَابُوكَ وَإِلَّا فَقَاتِلْهُمْ، فَإِذَا ظَهَرْتَ عَلَيْهِمْ فَانْهَبْهَا ثَلَاثًا، فَكُلُّ مَا فِيهَا مِنْ مَالٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ سِلَاحٍ أَوْ طَعَامٍ فَهُوَ لِلْجُنْدِ، فَإِذَا مَضَتِ الثَّلَاثُ فَاكْفُفْ عَنِ النَّاسِ، وَانْظُرْ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ فَاكْفُفْ عَنْهُ وَاسْتَوْصِ بِهِ خَيْرًا، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ مَعَ النَّاسِ، وَإِنَّهُ قَدْ أَتَانِي كِتَابُهُ. وَقَدْ كَانَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ كَلَّمَ ابْنَ عُمَرَ لَمَّا أَخْرَجَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَامِلَ يَزِيدَ وَبَنِي أُمَيَّةَ فِي أَنْ يُغَيِّبَ أَهْلَهُ عِنْدَهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَكَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ، فَقَالَ: إِنَّ لِي حُرَمًا

стр. 1653

وَحُرَمِي تَكُونُ مَعَ حُرَمِكَ. فَقَالَ: أَفْعَلُ، فَبَعَثَ بِامْرَأَتِهِ، وَهِيَ عَائِشَةُ ابْنَةُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَحُرَمُهُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، فَخَرَجَ عَلِيٌّ بِحُرَمِهِ وَحُرَمِ مَرْوَانَ إِلَى يَنْبُعَ، وَقِيلَ: بَلْ أَرْسَلَ حُرَمَ مَرْوَانَ وَأَرْسَلَ مَعَهُمُ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ إِلَى الطَّائِفِ. وَلَمَّا سَمِعَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ أَنَّ يَزِيدَ قَدْ سَيَّرَ الْجُنُودَ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: لَيْتَ السَّمَاءَ وَقَعَتْ عَلَى الْأَرْضِ، إِعْظَامًا لِذَلِكَ. ثُمَّ إِنَّهُ ابْتُلِيَ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَنْ وَجَّهَ الْحَجَّاجَ فَحَصَرَ مَكَّةَ وَرَمَى الْكَعْبَةَ بِالْمَنْجَنِيقِ وَقَتَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ. وَأَمَّا مُسْلِمٌ فَإِنَّهُ أَقْبَلَ بِالْجَيْشِ فَبَلَغَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ خَبَرَهُمْ، فَاشْتَدَّ حِصَارُهُمْ لِبَنِي أُمَيَّةَ بِدَارِ مَرْوَانَ، وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَا نَكُفُّ عَنْكُمْ حَتَّى نَسْتَنْزِلَكُمْ وَنَضْرِبَ أَعْنَاقَكُمْ أَوْ تُعْطُونَا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ أَنْ لَا تَبْغُونَا غَائِلَةً، وَلَا تَدُلُّوا لَنَا عَلَى عَوْرَةٍ، وَلَا تُظَاهِرُوا عَلَيْنَا عَدُوًّا، فَنَكُفَّ عَنْكُمْ وَنُخْرِجَكُمْ عَنَّا فَعَاهَدُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَأَخْرَجُوهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ. وَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَدْ جَعَلُوا فِي كُلِّ مَنْهَلٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الشَّامِ زِقًّا مِنْ قَطْرَانٍ وَعُوَّرٍ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَسْتَقُوا بِدَلْوٍ حَتَّى وَرَدُوا الْمَدِينَةَ. فَلَمَّا أَخْرَجَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بَنِي أُمَيَّةَ سَارُوا بِأَثْقَالِهِمْ حَتَّى لَقُوا مُسْلِمَ بْنَ عُقْبَةَ بِوَادِي الْقُرَى فَدَعَا بِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَوَّلِ النَّاسِ فَقَالَ لَهُ: خَبِّرْنِي مَا وَرَاءَكَ وَأَشِرْ عَلَيَّ، فَقَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَدْ أُخِذَ عَلَيْنَا الْعُهُودُ وَالْمَوَاثِيقُ أَنْ لَا نَدُلَّ عَلَى عَوْرَةٍ وَلَا نُظَاهِرَ عَدُوَّنَا. فَانْتَهَرَهُ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّكَ ابْنَ عُثْمَانَ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ، وَايْمُ اللَّهِ (لَا أُقِيلُهَا قُرَشِيًّا) بَعْدَكَ! فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَهُ، فَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ لِابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ: ادْخُلْ قَبْلِي لَعَلَّهُ يَجْتَزِئُ بِكَ عَنِّي. فَدَخَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ فَقَالَ: هَاتِ مَا عِنْدَكَ. فَقَالَ: نَعَمْ، أَرَى أَنْ تَسِيرَ بِمَنْ مَعَكَ، فَإِذَا انْتَهَيْتَ إِلَى ذِي نَخْلَةٍ نَزَلْتَ، فَاسْتَظَلَّ النَّاسُ فِي ظِلِّهِ فَأَكَلُوا مِنْ صَقْرِهِ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ مِنَ الْغَدِ مَضَيْتَ وَتَرَكْتَ الْمَدِينَةَ ذَاتَ الْيَسَارِ ثُمَّ دُرْتَ بِهَا حَتَّى تَأْتِيَهُمْ مِنْ قِبَلِ الْحَرَّةِ مُشَرِّقًا ثُمَّ تَسْتَقْبِلُ الْقَوْمَ، فَإِذَا اسْتَقْبَلْتَهُمْ وَقَدْ أَشْرَقَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ طَلَعْتَ بَيْنَ أَكْتَافِ أَصْحَابِكَ فَلَا تُؤْذِيهِمْ وَيُصِيبُهُمْ أَذَاهَا وَيَرَوْنَ مِنِ ائْتِلَافِ بَيْضِكُمْ وَأَسِنَّةِ رِمَاحِكُمْ وَسُيُوفِكُمْ وَدُرُوعِكُمْ مَا لَا تَرَوْنَهُ أَنْتُمْ مَا دَامُوا مُغَرِّبِينَ، ثُمَّ قَاتِلْهُمْ وَاسْتَعِنِ اللَّهَ عَلَيْهِمْ.

стр. 1654

فَقَالَ لَهُ مُسْلِمٌ: لِلَّهِ أَبُوكَ أَيَّ امْرِئٍ وَلَدَ! ثُمَّ إِنَّ مَرْوَانَ دَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: إِيهِ! فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ دَخَلَ عَلَيْكَ عَبْدُ الْمَلِكِ؟ قَالَ: بَلَى، وَأَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ الْمَلِكِ! قَلَّ مَا كَلَّمْتُ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ رَجُلًا بِهِ شَبِيهًا. فَقَالَ مَرْوَانُ: إِذَا لَقِيتَ عَبْدَ الْمَلِكِ فَقَدْ لَقِيتَنِي. ثُمَّ (إِنَّهُ صَارَ فِي كُلِّ مَكَانٍ يَصْنَعُ) مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَجَاءَهُمْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ مُسْلِمٌ فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَزْعُمُ أَنَّكُمُ الْأَصْلُ، وَإِنِّي أَكْرَهُ إِرَاقَةَ دِمَائِكُمْ، وَإِنِّي أُؤَجِّلُكُمْ ثَلَاثًا، فَمَنِ ارْعَوَى وَرَاجَعَ الْحَقَّ قَبِلْنَا مِنْهُ وَانْصَرَفْتُ عَنْكُمْ وَسِرْتُ إِلَى هَذَا الْمَحَلِّ الَّذِي بِمَكَّةَ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ كُنَّا قَدْ أَعْذَرْنَا إِلَيْكُمْ. فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُ قَالَ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ مَا تَصْنَعُونَ، أَتُسَالِمُونَ أَمْ تُحَارِبُونَ؟ فَقَالُوا: بَلْ نُحَارِبُ. فَقَالَ لَهُمْ: لَا تَفْعَلُوا بَلِ ادْخُلُوا فِي الطَّاعَةِ وَنَجْعَلُ جِدَّنَا وَشَوْكَتَنَا عَلَى أَهْلِ هَذَا الْمُلْحِدِ الَّذِي قَدْ جَمَعَ إِلَيْهِ الْمُرَّاقَ وَالْفُسَّاقَ مِنْ كُلِّ أَوْبٍ، يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ. فَقَالُوا لَهُ: يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ لَوْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَجُوزُوا إِلَيْهِ مَا تَرَكْنَاكُمْ، نَحْنُ نَدَعُكُمْ أَنْ تَأْتُوا بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ فَتُخِيفُوا أَهْلَهُ وَتُلْحِدُوا فِيهِ وَتَسْتَحِلُّوا حُرْمَتَهُ؟ ! لَا وَاللَّهِ لَا نَفْعَلُ. وَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَدِ اتَّخَذُوا خَنْدَقًا وَعَلَيْهِ جَمْعٌ مِنْهُمْ، وَكَانَ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ عَبْدِ عَوْفٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ عَلَى رُبُعٍ آخَرَ، وَهُمْ قُرَيْشٌ فِي جَانِبِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ، وَهُوَ مِنَ الصَّحَابَةِ، عَلَى رُبُعٍ آخَرَ، وَهُمُ الْمُهَاجِرُونَ، وَكَانَ أَمِيرُ جَمَاعَتِهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ الْغَسِيلِ الْأَنْصَارِيَّ فِي أَعْظَمِ تِلْكَ الْأَرْبَاعِ، وَهُمُ الْأَنْصَارُ. وَصَمَدَ مُسْلِمٌ فِيمَنْ مَعَهُ، فَأَقْبَلَ مِنْ نَاحِيَةِ الْحَرَّةِ حَتَّى ضَرَبَ فُسْطَاطَهُ عَلَى طَرِيقِ الْكُوفَةِ، وَكَانَ مَرِيضًا، فَأَمَرَ فَوُضِعَ لَهُ كُرْسِيٌّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَقَالَ يَا أَهْلَ الشَّامِ قَاتِلُوا عَنْ أَمِيرِكُمْ وَادْعُوا. فَأَخَذُوا لَا يَقْصِدُونَ رُبُعًا مِنْ تِلْكَ الْأَرْبَاعِ إِلَّا هَزَمُوهُ، ثُمَّ وَجَّهَ الْخَيْلَ نَحْوَ ابْنِ الْغَسِيلِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمُ ابْنُ الْغَسِيلِ فِيمَنْ مَعَهُ فَكَشَفَهُمْ، فَانْتَهَوْا إِلَى مُسْلِمٍ، فَنَهَضَ فِي وُجُوهِهِمْ بِالرِّجَالِ وَصَاحَ بِهِمْ، فَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا.

стр. 1655

ثُمَّ إِنَّ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ جَاءَ إِلَى ابْنِ الْغَسِيلِ فَقَاتَلَ مَعَهُ فِي نَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ فَارِسًا قِتَالًا حَسَنًا، ثُمَّ قَالَ لِابْنِ الْغَسِيلِ: مَنْ كَانَ مَعَكَ فَارِسًا فَلْيَأْتِنِي فَلْيَقِفْ مَعِي، فَإِذَا حَمَلْتُ فَلْيَحْمِلُوا، فَوَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَبْلَغَ مُسْلِمًا فَأَقْتُلَهُ أَوْ أُقْتَلَ دُونَهُ. فَفَعَلَ ذَلِكَ وَجَمَعَ الْخَيْلَ إِلَيْهِ، فَحَمَلَ بِهِمُ الْفَضْلُ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ فَانْكَشَفُوا، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: احْمِلُوا أُخْرَى جُعِلْتُ فَدَاكُمْ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ عَايَنْتُ أَمِيرَهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُ أَوْ أُقْتَلَ دُونَهُ. إِنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الصَّبْرِ إِلَّا النَّصْرُ! ثُمَّ حَمَلَ وَحَمَلَ أَصْحَابُهُ، فَانْفَرَجْتُ خَيْلُ الشَّامِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ وَمَعَهُ نَحْوُ خَمْسِمِائَةِ رَاجِلٍ جُثَاةٌ عَلَى الرُّكَبِ مُشَرِّعِي الْأَسِنَّةِ نَحْوَ الْقَوْمِ، وَمَضَى الْفَضْلُ كَمَا هُوَ نَحْوَ رَايَةِ مُسْلِمٍ فَضَرَبَ رَأْسَ صَاحِبِهَا، فَقَطَّ الْمِغْفَرَ وَفَلَقَ هَامَتَهُ وَخَرَّ مَيِّتًا، وَقَالَ: خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ! وَظَنَّ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، فَقَالَ: قَتَلْتُ طَاغِيَةَ الْقَوْمِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ! فَقَالَ: أَخْطَأَتِ اسْتُكَ الْحُفْرَةَ! وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ غُلَامًا رُومِيًّا وَكَانَ شُجَاعًا، فَأَخَذَ مُسْلِمٌ رَايَتَهُ وَحَرَّضَ أَهْلَ الشَّامِ وَقَالَ: شُدُّوا مَعَ هَذِهِ الرَّايَةِ. فَمَشَى بِرَايَتِهِ وَشَدَّتْ تِلْكَ الرِّجَالُ أَمَامَ الرَّايَةِ، فَصُرِعَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، فَقُتِلَ وَمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَطْنَابِ مُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ إِلَّا نَحْوٌ مِنْ عَشْرَةِ أَذْرُعٍ، وَقُتِلَ مَعَهُ زَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. وَأَقْبَلَتْ خَيْلُ مُسْلِمٍ وَرَجَّالَتُهُ نَحْوَ ابْنِ الْغَسِيلِ، وَهُوَ يُحَرِّضُ أَصْحَابَهُ وَيَذُمُّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ، وَيُقَدِّمُ الْخَيْلَ إِلَى ابْنِ الْغَسِيلِ وَأَصْحَابِهِ، فَلَمْ تَقْدَمْ عَلَيْهِمْ لِلرِّمَاحِ الَّتِي بِأَيْدِهِمْ وَالسُّيُوفِ، وَكَانَتْ تَتَفَرَّقُ عَنْهُمْ، فَنَادَى مُسْلِمٌ الْحُصَيْنَ بْنَ نُمَيْرٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِضَاهٍ الْأَشْعَرِيَّ وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَنْزِلَا فِي جُنْدِهِمَا، فَفَعَلَا وَتَقَدَّمَا إِلَيْهِمْ، فَقَالَ ابْنُ الْغَسِيلِ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ عَدُوَّكُمْ قَدْ أَصَابَ وَجْهَ الْقِتَالِ الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَاتِلَكُمْ بِهِ، وَإِنِّي قَدْ ظَنَنْتُ أَلَّا يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً حَتَّى يَفْصِلَ اللَّهُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ إِمَّا لَكُمْ وَإِمَّا عَلَيْكُمْ، أَمَا إِنَّكُمْ أَهْلُ النُّصْرَةِ وَدَارُ الْهِجْرَةِ وَمَا أَظُنُّ أَنَّ رَبَّكُمْ أَصْبَحَ عَنْ أَهْلِ بَلَدٍ مِنْ بُلْدَانِ الْمُسْلِمِينَ بِأَرْضَى مِنْهُ عَنْكُمْ، وَلَا عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ مِنْ بُلْدَانِ الْعَرَبِ بِأَسْخَطَ مِنْهُ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ، وَإِنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْكُمْ مِيتَةً هُوَ مَيِّتٌ بِهَا لَا مَحَالَةَ، وَوَاللَّهِ مَا مِنْ مِيتَةٍ أَفْضَلُ مِنْ مَيْتَةِ الشَّهَادَةِ، وَقَدْ سَاقَهَا اللَّهُ إِلَيْكُمْ فَاغْتِنَمُوهَا.

стр. 1656

ثُمَّ دَنَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فَأَخَذَ أَهْلُ الشَّامِ يَرْمُونَهُمْ بِالنَّبْلِ، فَقَالَ ابْنُ الْغَسِيلِ لِأَصْحَابِهِ: عَلَامَ تُسْتَهْدَفُونَ لَهُمْ! مَنْ أَرَادَ التَّعْجِيلَ إِلَى الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ هَذِهِ الرَّايَةَ. فَقَالَ إِلَيْهِ كُلُّ مُسْتَمِيتٍ فَنَهَضَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ رُؤِيَ لِأَهْلِ هَذَا الْقِتَالِ، وَأَخَذَ ابْنُ الْغَسِيلِ يُقَدِّمُ بَنِيهِ وَاحِدًا وَاحِدًا، حَتَّى قُتِلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَضْرِبُ بِسَيْفِهِ وَيَقُولُ: بُعْدًا لِمَنْ رَامَ الْفَسَادَ وَطَغَى ... وَجَانَبَ الْحَقَّ وَآيَاتِ الْهُدَى لَا يُبْعِدُ الرَّحْمَنُ إِلَّا مَنْ عَصَى ثُمَّ قُتِلَ وَقُتِلَ مَعَهُ أَخُوهُ لِأُمِّهِ مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، فَقَالَ: مَا أُحِبُّ أَنَّ الدَّيْلَمَ قَتَلُونِي مَكَانَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ! وَقُتِلَ مَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ وَمُحَمَّدُ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ. فَمَرَّ بِهِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ! رُبَّ سَارِيَةٍ قَدْ رَأَيْتُكُ تُطِيلُ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ إِلَى جَنْبِهَا. وَانْهَزَمَ النَّاسُ، وَكَانَ فِيمَنِ انْهَزَمَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ بَعْدَمَا أَبْلَى. وَأَبَاحَ مُسْلِمٌ الْمَدِينَةَ ثَلَاثًا يَقْتُلُونَ النَّاسَ وَيَأْخُذُونَ الْمَتَاعَ وَالْأَمْوَالَ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ مَنْ بِهَا مِنَ الصَّحَابَةِ. فَخَرَجَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ حَتَّى دَخَلَ فِي كَهْفِ الْجَبَلِ، فَتَبِعَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، (فَاقْتَحَمَ عَلَيْهِ الْغَارَ، فَانْتَضَى أَبُو سَعِيدٍ سَيْفَهُ يُخَوِّفُ بِهِ الشَّامِيَّ) ، فَلَمْ يَنْصَرِفْ عَنْهُ، فَعَادَ أَبُو سَعِيدٍ وَأَغْمَدَ سَيْفَهُ وَقَالَ: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ. فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ. قَالَ: صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَتَرَكَهُ وَمَضَى. وَقِيلَ: إِنَّ مُسْلِمًا لَمَّا نَزَلَ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ (خَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُهَا) بِجُمُوعٍ كَثِيرَةٍ وَهَيْئَةٍ حَسَنَةٍ، فَهَابَهُمْ أَهْلُ الشَّامِ وَكَرِهُوا أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ، فَلَمَّا رَآهُمْ مُسْلِمٌ، وَكَانَ شَدِيدَ الْوَجَعِ، سَبَّهُمْ وَذَمَّهُمْ وَحَرَّضَهُمْ، فَقَاتَلُوهُمْ.

стр. 1657

فَبَيْنَمَا النَّاسُ فِي قِتَالِهِمْ إِذْ سَمِعُوا تَكْبِيرًا مِنْ خَلْفِهِمْ فِي جَوْفِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ بَنِي حَارِثَةَ أَدْخَلُوا أَهْلَ الشَّامِ الْمَدِينَةَ فَانْهَزَمَ النَّاسُ، فَكَانَ مَنْ أُصِيبَ فِي الْخَنْدَقِ أَكْثَرَ مِمَّنْ قُتِلَ. وَدَعَا مُسْلِمٌ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ لِيَزِيدَ عَلَى أَنَّهُمْ خَوَلٌ لَهُ يَحْكُمُ فِي دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ مَنْ شَاءَ، فَمَنِ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ قَتَلَهُ، وَطَلَبَ الْأَمَانَ لِيَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَلِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ، وَلِمَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيِّ، فَأُتِيَ بِهِمْ بَعْدَ الْوَقْعَةِ بِيَوْمٍ، فَقَالَ: بَايِعُوا عَلَى الشَّرْطِ. فَقَالَ الْقُرَشِيَّانِ: نُبَايِعُكَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ. فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمَا. فَقَالَ مَرْوَانُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَتَقْتُلُ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ أَتَيَا بِأَمَانٍ؟ فَطَعَنَ بِخَاصِرَتِهِ بِالْقَضِيبِ، فَقَالَ: وَأَنْتَ وَاللَّهِ لَوْ قُلْتَ بِمَقَالَتِهِمَا لَقَتَلْتُكَ! وَجَاءَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ فَجَلَسَ مَعَ الْقَوْمِ فَدَعَا بِشَرَابٍ لِيُسْقَى، فَقَالَ لَهُ مُسْلِمٌ: أَيُّ الشَّرَابِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْعَسَلُ. قَالَ: اسْقُوهُ، فَشَرِبَ حَتَّى ارْتَوَى، فَقَالَ لَهُ: أَرَوِيتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَاللَّهِ لَا تَشْرَبُ بَعْدَهَا شَرْبَةً إِلَّا فِي نَارِ جَهَنَّمَ. فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ وَالرَّحِمَ! فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِطَبَرِيَّةَ لَيْلَةَ خَرَجْتَ مِنْ عِنْدِ يَزِيدَ فَقُلْتَ: سِرْنَا شَهْرًا، وَرَجَعْنَا شَهْرًا، وَأَصْبَحْنَا صِفْرًا، نَرْجِعُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَنَخْلَعُ هَذَا الْفَاسِقَ ابْنَ الْفَاسِقِ وَنُبَايِعُ لِرَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ (أَوِ الْأَنْصَارِ فِيمَ غَطَفَانُ وَأَشْجَعُ مِنَ الْخَلْقِ وَالْخِلَافَةِ! إِنَّنِي آلَيْتُ بِيَمِينٍ لَا أَلْقَاكَ فِي حَرْبٍ أَقْدِرُ مِنْهُ عَلَى قَتْلِكَ إِلَّا فَعَلْتُ) . ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ. وَأُتِيَ بِيَزِيدَ بْنِ وَهْبٍ، فَقَالَ لَهُ: بَايِعْ. قَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَ: اقْتُلُوهُ. قَالَ: أَنَا أُبَايِعُكَ! قَالَ: لَا وَاللَّهِ، فَتَكَلَّمَ فِيهِ مَرْوَانُ لِصِهْرٍ كَانَ بَيْنَهُمَا، (فَأَمَرَ بِمَرْوَانَ فُوُجِئَتْ عُنُقُهُ) ثُمَّ قُتِلَ يَزِيدُ. ثُمَّ أَتَى مَرْوَانُ بِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، (فَجَاءَ يَمْشِي بَيْنَ مَرْوَانَ وَابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ) حَتَّى جَلَسَ بَيْنَهُمَا عِنْدَهُ، فَدَعَا مَرْوَانُ بِشَرَابٍ لِيَتَحَرَّمَ بِذَلِكَ [مِنْ مُسْلِمٍ] ، فَشَرِبَ مِنْهُ يَسِيرًا

стр. 1658

ثُمَّ نَاوَلَهُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ، فَلَمَّا وَقَعَ فِي يَدِهِ قَالَ لَهُ مُسْلِمٌ: لَا تَشْرَبْ مِنْ شَرَابِنَا! فَارْتَعَدَتْ كَفُّهُ وَلَمْ يَأْمَنْهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَمْسَكَ الْقَدَحَ، فَقَالَ لَهُ: أَجِئْتَ تَمَشِّي بَيْنَ هَؤُلَاءِ لِتَأْمَنَ عِنْدِي؟ وَاللَّهِ لَوْ كَانَ إِلَيْهِمَا أَمْرٌ لَقَتَلْتُكَ! وَلَكِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَوْصَانِي بِكَ وَأَخْبَرَنِي أَنَّكَ كَاتَبْتَهُ، فَإِنْ شِئْتَ فَاشْرَبْ. فَشَرِبَ ثُمَّ أَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ ثُمَّ قَالَ لَهُ: لَعَلَّ أَهْلَكَ فَزِعُوا؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ. فَأَمَرَ بِدَابَّةٍ فَأُسْرِجَتْ لَهُ فَحَمَلَهُ عَلَيْهَا فَرُدَّ وَلَمْ يُلْزِمْهُ بِالْبَيْعَةِ لِيَزِيدَ عَلَى مَا شَرَطَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَأُحْضِرَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ لِيُبَايِعَ، فَقَالَ الْحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ السَّكُونِيُّ: لَا يُبَايِعُ ابْنُ أُخْتِنَا إِلَّا كَبَيْعَةِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَكَانَتْ أُمُّ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ كِنْدِيَّةً، فَقَامَتْ كِنْدَةُ مَعَ الْحُصَيْنِ، فَتَرَكَهُ مُسْلِمٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَبِي الْعَبَّاسُ قَرْمُ بَنِي قُصَيٍّ ... وَأَخْوَالِي الْمُلُوكُ بَنُو وَلِيعَهْ هُمُ مَنَعُوا ذِمَارِي يَوْمَ جَاءَتْ ... كَتَائِبُ مُسْرِفٍ وَبَنُو اللَّكِيعَهْ أَرَادُونِي الَّتِي لَا عِزَّ فِيهَا ... فَحَالَتْ دُونَهُ أَيْدٌ سَرِيعَهْ يَعْنِي بِقَوْلِهِ مُسْرِفٌ: مُسْلِمَ بْنَ عُقْبَةَ، فَإِنَّهُ سُمِّي بَعْدَ وَقْعَةِ الْحَرَّةِ مُسْرِفًا، وَبَنُو وَلَيْعَةَ بَطْنٌ مِنْ كِنْدَةَ، مِنْهُمْ أُمُّهُ، وَاللَّكِيعَةُ أُمُّ أُمِّهِ. وَقِيلَ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لَمْ يَكُنْ فِيمَنْ خَرَجَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمَئِذٍ إِلَى مُسْلِمٍ فَقَالَ: يَا أَهْلَ الشَّامِ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: هَذَا الْخَبِيثُ ابْنُ الطَّيِّبِ، هَذَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، هِيهِ يَا عَمْرُو إِذَا ظَهَرَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قُلْتَ أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ، وَإِنْ ظَهَرَ أَهْلُ الشَّامِ قُلْتَ أَنَا ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ. فَأَمَرَ بِهِ فَنُتِفَتْ لِحْيَتُهُ، (ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ الشَّامِ إِنَّ أُمَّ هَذَا كَانَتْ تُدْخِلُ الْجُعَلَ فِي فِيهَا ثُمَّ تَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَاجَيْتُكَ مَا فِي فَمِي؟ وَفِي فَمِهَا مَا شَاهَا وَبَاهَا، وَكَانَتْ مِنْ دَوْسٍ) ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ.

стр. 1659

وَكَانَتْ وَقْعَةُ الْحَرَّةِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ: قَدِمْتُ الشَّامَ فِي تِجَارَةٍ فَقَالَ لِي رَجُلٌ: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: مِنَ الْمَدِينَةِ. فَقَالَ: خَبِيثَةٌ. فَقُلْتُ: يُسَمِّيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَيْبَةَ وَتُسَمِّيهَا خَبِيثَةً! فَقَالَ: إِنَّ لِي وَلَهَا لَشَأْنًا، لَمَّا خَرَجَ النَّاسُ إِلَى وَقْعَةِ الْحَرَّةِ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي قَتَلْتُ رَجُلًا اسْمُهُ مُحَمَّدٌ أَدْخُلُ بِقَتْلِهِ النَّارَ، فَاجْتَهَدْتُ فِي أَنِّي لَا أَسِيرُ مَعَهُمْ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنِّي، فَسِرْتُ مَعَهُمْ وَلَمْ أُقَاتِلْ حَتَّى انْقَضَتِ الْوَقْعَةُ، فَمَرَرْتُ بِرَجُلٍ فِي الْقَتْلَى بِهِ رَمَقٌ فَقَالَ: تَنَحَّ يَا كَلْبُ! فَأَنِفْتُ مِنْ كَلَامِهِ وَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ ذَكَرْتُ رُؤْيَايَ فَجِئْتُ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَتَصَفَّحُ الْقَتْلَى، فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلَ الَّذِي قَتَلْتُهُ قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ، لَا يَدْخُلُ قَاتِلُ هَذَا الْجَنَّةَ. قُلْتُ: وَمَنْ هَذَا؟ قَالَ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا وَكَنَّاهُ أَبَا عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقْتُلُونَنِي فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الدِّيَةَ فَلَمْ يَأْخُذُوا. وَمِمَّنْ قُتِلَ بِالْحَرَّةِ عَبْدُ اللَّهِ (بْنُ عَاصِمٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَلَيْسَ بِصَاحِبِ الْأَذَانِ، ذَاكَ) ابْنُ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ. وَقُتِلَ أَيْضًا فِيهَا عُبَيْدُ اللَّهِ (بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ. وَوَهْبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ. وَزُبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. وَعَبْدُ اللَّهِ) بْنُ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ الْكُوفِيُّ الزَّاهِدُ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ يُسَمَّى يَوْمَئِذٍ الْعَائِذُ، وَيَرَوْنَ

стр. 1660

الْأَمْرَ شُورَى، وَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِوَقْعَةِ الْحَرَّةِ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ مَعَ [سَعِيدٍ مَوْلَى] الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، (فَجَاءَهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ، فَاسْتَعَدَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَعَرَفُوا) أَنَّ مُسْلِمًا نَازِلٌ بِهِمْ.

стр. 1661

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ] ٦٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ ذِكْرُ مَسِيرِ مُسْلِمٍ لِحِصَارِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَمَوْتِهِ فَلَمَّا فَرَغَ مُسْلِمٌ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَنَهْبِهَا، شَخَصَ بِمَنْ مَعَهُ نَحْوَ مَكَّةَ يُرِيدُ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَمَنْ مَعَهُ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ رَوْحَ بْنَ زِنْبَاعٍ الْجُذَامِيُّ، وَقِيلَ: اسْتَخْلَفَ عَمْرَو بْنَ مَخْرَمَةَ الْأَشْجَعِيَّ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْمُشَلَّلِ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ، وَقِيلَ: مَاتَ بِثَنِيَّةِ هَرْشَى، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَحْضَرَ الْحُصَيْنَ بْنَ النُّمَيْرِ وَقَالَ: يَا بْنَ بَرْذَعَةِ الْحِمَارِ! لَوْ كَانَ الْأَمْرُ إِلَيَّ مَا وَلَّيْتُكَ هَذَا الْجُنْدَ، وَلَكِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَّاكَ. خُذْ عَنِّي أَرْبَعًا: اسْرِعِ السَّيْرَ، وَعَجِّلِ الْمُنَاجَزَةَ، وَعَمِّ الْأَخْبَارَ، وَلَا تُمَكِّنْ قُرَشِيًّا مِنْ أُذُنِكَ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَعْمَلْ قَطُّ بَعْدَ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ عَمَلًا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ قَتْلِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ وَلَا أَرْجَى عِنْدِي فِي الْآخِرَةِ. فَلَمَّا مَاتَ سَارَ الْحُصَيْنُ بِالنَّاسِ فَقَدِمَ مَكَّةَ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَقَدْ بَايَعَ أَهْلُهَا وَأَهْلُ الْحِجَازِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَلَحِقَ بِهِ الْمُنْهَزِمُونَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ نَجْدَةُ بْنُ عَامِرٍ الْحَنَفِيُّ فِي النَّاسِ مِنَ الْخَوَارِجِ يَمْنَعُونَ الْبَيْتَ، وَخَرَجَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى لِقَاءِ أَهْلِ الشَّامِ وَمَعَهُ أَخُوهُ الْمُنْذِرُ، فَبَارَزَ الْمُنْذِرُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَضَرَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ ضَرْبَةً مَاتَ مِنْهَا، ثُمَّ حَمَلَ أَهْلُ الشَّامِ عَلَيْهِمْ حَمْلَةً انْكَشَفَ مِنْهَا أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَثَرَتْ بَغْلَةُ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: تَعْسًا! ثُمَّ

стр. 1662

نَزَلَ فَصَاحَ بِأَصْحَابِهِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ الْمِسْوِرُ بْنُ مَخْرَمَةَ وَمُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَاتَلَا حَتَّى قُتِلَا جَمِيعًا، وَضَارَبَهُمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى اللَّيْلِ ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ. هَذَا فِي الْحَصْرِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ أَقَامُوا عَلَيْهِ يُقَاتِلُونَهُ بَقِيَّةَ الْمُحَرَّمِ وَصَفَرَ كُلَّهُ حَتَّى إِذَا مَضَتْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ رَمَوُا الْبَيْتَ بِالْمَجَانِيقِ وَحَرَقُوهُ بِالنَّارِ وَأَخَذُوا يَرْتَجِزُونَ وَيَقُولُونَ: خَطَّارَةٌ مِثْلُ الْفَنِيقِ الْمُزْبِدِ ... نَرْمِي بِهَا أَعْوَادَ هَذَا الْمَسْجِدِ وَقِيلَ: إِنَّ الْكَعْبَةَ احْتَرَقَتْ مِنْ نَارٍ كَانَ يُوقِدُهَا أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ وَأَقْبَلَتْ شَرَرَةٌ هَبَّتْ بِهَا الرِّيحُ فَاحْتَرَقَتْ ثِيَابُ الْكَعْبَةِ وَاحْتَرَقَ خَشَبُ الْبَيْتِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، (لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ قَدْ ذَكَرَ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ تَرَكَ الْكَعْبَةَ لِيَرَاهَا النَّاسُ مُحْتَرِقَةً يُحَرِّضُهُمْ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ) . وَأَقَامَ أَهْلُ الشَّامِ يُحَاصِرُونَ ابْنَ الزُّبَيْرِ حَتَّى بَلَغَهُمْ نَعْيُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ لِهِلَالِ رَبِيعٍ الْآخَرِ. ذِكْرُ وَفَاةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بِحُوَّارِينَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً (فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَقِيلَ: تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ ثَلَاثَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ) ، وَقِيلَ: ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَكَانَ عُمُرُهُ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سَنَتَيْنِ وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَأُمُّهُ مَيْسُونُ بِنْتُ بِحَدْلِ بْنِ أُنَيْفٍ الْكَلْبِيَّةُ.

стр. 1663

وَكَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ مُعَاوِيَةُ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبُو لَيْلَى، وَهُوَ الَّذِي وَلِيَ بَعْدَهُ، وَخَالِدٌ وَيُكْنَى أَبَا هَاشِمٍ، وَيُقَالُ إِنَّهُ أَصَابَ عَمَلَ الْكِيمْيَا، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ لِأَحَدٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ، وَأُمُّهُمْ أُمُّ هَاشِمٍ بِنْتُ [أَبِي هَاشِمِ بْنِ] عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَلَهُ أَيْضًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، كَانَ أَرَمَى الْعَرَبِ، وَأُمُّهُ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، (وَهُوَ الْأُسْوَارُ، وَعَبْدُ اللَّهِ الْأَصْغَرُ وَعُمَرُ) وَأَبُو بَكْرٍ وَعُتْبَةُ وَحَرْبٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَمُحَمَّدٌ لِأُمَّهَاتٍ شَتًّى. ذِكْرُ بَعْضِ سِيرَتِهِ وَأَخْبَارِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْعُتْبِيُّ: نَظَرَ مُعَاوِيَةُ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ ابْنَةُ قَرَظَةَ إِلَى يَزِيدَ وَأُمُّهُ تُرَجِّلُهُ، فَلَمَّا فَرَغَتْ مِنْهُ قَبَّلَتْهُ، فَقَالَتِ ابْنَةُ قَرَظَةَ: لَعَنَ اللَّهُ سَوَادَ سَاقَيْ أُمِّكِ! فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَمَّا وَاللَّهِ لَمَّا تَفَرَّجَتْ عَنْهُ وِرْكَاهَا خَيْرٌ مِمَّا تَفَرَّجَتْ عَنْهُ وِرْكَاكِ! وَكَانَ لِمُعَاوِيَةَ مِنِ ابْنَةِ قَرَظَةَ عَبْدُ اللَّهِ، وَكَانَ أَحْمَقَ، فَقَالَتْ: لَا وَاللَّهِ وَلَكِنَّكَ تُؤْثِرُ هَذَا. فَقَالَ: سَوْفَ أُبَيِّنُ لَكَ ذَلِكَ، فَأَمَرَ فَدُعِيَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَلَمَّا حَضَرَ قَالَ: أَيْ بُنِيَّ إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أُعْطِيَكَ مَا أَنْتَ أَهْلُهُ وَلَسْتَ بِسَائِلٍ شَيْئًا إِلَّا أَجَبْتُكَ إِلَيْهِ. فَقَالَ: حَاجَتِي أَنْ تَشْتَرِيَ لِي كَلْبًا فَارِهًا وَحِمَارًا. فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، أَنْتَ حِمَارٌ وَأَشْتَرِي لَكَ حِمَارًا! قُمْ فَاخْرُجْ. ثُمَّ أَحْضَرَ يَزِيدَ وَقَالَ لَهُ مِثْلَ قَوْلِهِ لِأَخِيهِ، فَخَرَّ سَاجِدًا ثُمَّ قَالَ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَلَّغَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذِهِ الْمُدَّةَ وَأَرَاهُ فِيَّ هَذَا الرَّأْيِ، حَاجَتِي أَنْ تُعْتِقَنِي مِنَ النَّارِ لِأَنَّ مَنْ وَلِيَ أَمْرَ الْأُمَّةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَعْتَقَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ، فَتَعْقِدَ لِيَ الْعَهْدَ بِعْدَكَ، وَتُوَلِّيَنِي الْعَامَ الصَّائِفَةَ، وَتَأْذَنَ لِي فِي الْحَجِّ إِذَا رَجَعْتُ، وَتُوَلِّيَنِي الْمَوْسِمَ، وَتَزِيدَ لِأَهْلِ الشَّامِ كُلَّ رَجُلٍ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، (وَتَفْرِضَ لِأَيْتَامِ بَنِي جُمَحٍ وَبَنِي سَهْمٍ وَبَنِي عَدِيٍّ لِأَنَّهُمْ حُلَفَائِي) . فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: قَدْ فَعَلْتُ، وَقَبَّلَ وَجْهَهُ. فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ ابْنَةِ قَرَظَةَ: كَيْفَ رَأَيْتِ؟ قَالَتْ: أَوْصِهِ بِهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَفَعَلَ.

стр. 1664

وَقَالَ عُمَرُ بْنُ سُبَيْنَةَ: حَجَّ يَزِيدُ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمَدِينَةَ جَلَسَ عَلَى شَرَابٍ لَهُ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحُسَيْنُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ إِنْ وَجَدَ رِيحَ الشَّرَابِ (عَرَفَهُ، فَحَجَبَهُ وَأَذِنَ لِلْحُسَيْنِ، فَلَمَّا دَخَلَ وَجَدَ رَائِحَةَ الشَّرَابِ) مَعَ الطِّيبِ فَقَالَ: لِلَّهِ دَرُّ طِيبِكَ مَا أَطْيَبَهُ! فَمَا هَذَا؟ قَالَ: هُوَ طِيبٌ يُصْنَعُ بِالشَّامِ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ فَشَرِبَهُ، ثُمَّ دَعَا بِآخِرٍ فَقَالَ: اسْقِ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: عَلَيْكَ شَرَابَكَ أَيُّهَا الْمَرْءُ لَا عَيْنَ عَلَيْكَ مِنِّي، فَقَالَ يَزِيدُ: أَلَا يَا صَاحِ لِلْعَجَبْ ... دَعْوَتُكَ وَلَمْ تُجِبْ إِلَى الْفَتَيَاتِ وَالشَّهَوَاتِ ... وَالصَّهْبَاءِ وَالطَّرَبْ بَاطِيَةٌ مُكَلَّلَهْ ... عَلَيْهَا سَادَةُ الْعَرَبْ وَفِيهِنَّ الَّتِي تَبِلَتْ ... فُؤَادَكَ ثُمَّ لَمْ تَثِبْ فَنَهَضَ الْحُسَيْنُ وَقَالَ: بَلْ فُؤَادُكَ يَا ابْنَ مُعَاوِيَةَ تَبِلَتْ. وَقَالَ شَفِيقُ بْنُ سَلَمَةَ: لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ ثَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَدَعَا ابْنَ عَبَّاسٍ إِلَى بَيْعَتِهِ، فَامْتَنَعَ وَظَنَّ يَزِيدُ أَنَّ امْتِنَاعَهُ تَمَسُّكٌ مِنْهُ بِبَيْعَتِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الْمُلْحِدَ ابْنَ الزُّبَيْرِ دَعَاكَ إِلَى بَيْعَتِهِ وَأَنَّكَ اعْتَصَمْتَ بِبَيْعَتِنَا وَفَاءً مِنْكَ لَنَا، فَجَزَاكَ اللَّهُ مِنْ ذِي رَحِمٍ خَيْرَ مَا يَجْزِي الْوَاصِلِينَ لِأَرْحَامِهِمُ الْمُوفِينَ بِعُهُودِهِمْ، فَمَا أَنْسَ مِنَ الْأَشْيَاءِ فَلَسْتُ بِنَاسٍ بِرَّكَ وَتَعْجِيلَ صِلَتِكَ بِالَّذِي أَنْتَ لَهُ أَهْلٌ، فَانْظُرْ مَنْ طَلَعَ عَلَيْكَ مِنَ الْآفَاقِ مِمَّنْ سَحَرَهُمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِلِسَانِهِ فَأَعْلِمْهُمْ بِحَالِهِ فَإِنَّهُمْ مِنْكَ أَسْمَعُ النَّاسِ وَلَكَ أَطْوَعُ مِنْهُمْ لِلْمُحِلِّ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ جَاءَنِي كِتَابُكَ، فَأَمَّا تَرْكِي بَيْعَةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَوَاللَّهِ مَا أَرْجُو بِذَلِكَ بِرَّكَ وَلَا حَمْدَكَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ بِالَّذِي أَنْوِي عَلِيمٌ، وَزَعَمْتَ أَنَّكَ لَسْتَ بِنَاسٍ بِرِّي، فَاحْبِسْ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ بِرَّكَ عَنِّي فَإِنِّي حَابِسٌ عَنْكَ بِرِّي، وَسَأَلْتَ أَنْ أُحَبِّبَ النَّاسَ إِلَيْكَ وَأُبَغِّضَهُمْ وَأُخَذِّلَهُمْ لِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَلَا وَلَا سُرُورَ وَلَا كَرَامَةَ، كَيْفَ وَقَدْ قَتَلْتَ حُسَيْنًا وَفِتْيَانَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَصَابِيحَ الْهُدَى وَنُجُومَ الْأَعْلَامِ غَادَرَتْهُمْ خُيُولُكَ بِأَمْرِكَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ مُرَمَّلِينَ بِالدِّمَاءِ، مَسْلُوبِينَ بِالْعَرَاءِ، (مَقْتُولِينَ بِالظِّمَاءِ، لَا مُكَفَّنِينَ وَلَا

стр. 1665

مُوَسَّدِينَ) ، تَسْفِي عَلَيْهِمُ الرِّيَاحُ، وَيَنْشَى بِهِمْ عَرْجُ الْبِطَاحِ، حَتَّى أَتَاحَ اللَّهُ بِقَوْمٍ لَمْ يُشْرَكُوا فِي دِمَائِهِمْ كَفَّنُوهُمْ وَأَجَنُّوهُمْ، وَبِي وَبِهِمْ لَوْ عَزَزْتَ وَجَلَسْتَ مَجْلِسَكَ الَّذِي جَلَسْتَ، فَمَا أَنَسَ مِنَ الْأَشْيَاءِ فَلَسْتُ بِنَاسٍ اطِّرَادَكَ حُسَيْنًا مِنْ حَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى حَرَمِ اللَّهِ، وَتَسْيِيرَكَ الْخُيُولَ إِلَيْهِ، فَمَا زِلْتَ بِذَلِكَ حَتَّى أَشْخَصْتَهُ إِلَى الْعِرَاقِ، فَخَرَجَ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ، فَنَزَلَتْ بِهِ خَيْلُكَ عَدَاوَةً مِنْكَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ الَّذِينَ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطْهِيرًا، فَطَلَبَ إِلَيْكُمُ الْمُوَادَعَةَ وَسَأَلَكُمُ الرَّجْعَةَ، فَاغْتَنَمْتُمْ قِلَّةَ أَنْصَارِهِ وَاسْتِئْصَالَ أَهْلِ بَيْتِهِ وَتَعَاوَنْتُمْ عَلَيْهِ كَأَنَّكُمْ قَتَلْتُمْ أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ، فَلَا شَيْءَ أَعْجَبُ عِنْدِي مِنْ طِلَبْتِكَ وُدِّي وَقَدْ قَتَلْتَ وَلَدَ أَبِي وَسَيْفُكَ يَقْطُرُ مِنْ دَمِيَ وَأَنْتَ أَحَدُ ثَأْرِي وَلَا يُعْجِبُكَ أَنْ ظَفِرْتَ بِنَا الْيَوْمَ فَلَنَظْفَرَنَّ بِكَ يَوْمًا، وَالسَّلَامُ. (قَالَ الشَّرِيفُ أَبُو يَعْلَى حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْعَلَوِيُّ، وَقَدْ جَرَى عِنْدَهُ ذِكْرُ يَزِيدَ: أَنَا لَا أُكَفِّرُ يَزِيدَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَى بَنِيَّ أَحَدًا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَعْطَانِي ذَلِكَ) . ذِكْرُ بَيْعَةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بُويِعَ لِمُعَاوِيَةَ بْنِ يَزِيدَ بِالْخِلَافَةِ بِالشَّامِ، وَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِالْحِجَازِ، وَلَمَّا هَلَكَ يَزِيدُ بَلَغَ الْخَبَرُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ الْحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ عَسْكَرِ الشَّامِ، وَكَانَ الْحِصَارُ قَدِ اشْتَدَّ مِنَ الشَّامِيِّينَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَنَادَاهُمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَأَهْلُ مَكَّةَ: عَلَامَ تُقَاتِلُونَ وَقَدْ هَلَكَ طَاغِيَتُكُمْ؟ فَلَمْ يُصَدِّقُوهُمْ. فَلَمَّا بَلَغَ الْحُصَيْنَ خَبَرُ مَوْتِهِ بَعَثَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: مَوْعِدُ مَا بَيْنَنَا اللَّيْلَةَ الْأَبْطَحِ، فَالْتَقَيَا وَتَحَادَثَا، فَرَاثَ فَرَسُ الْحُصَيْنِ، فَجَاءَ حَمَامُ الْحَرَمِ يَلْتَقِطُ رَوْثَ الْفَرَسِ، فَكَفَّ الْحُصَيْنُ فَرَسَهُ عَنْهُنَّ وَقَالَ: أَخَافَ أَنْ يَقْتُلَ فَرَسِي حَمَامَ الْحَرَمِ. فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: تَتَحَرَّجُونَ مِنْ هَذَا وَأَنْتُمْ تَقْتُلُونَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْحَرَمِ؟ فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُ الْحُصَيْنُ: أَنْتَ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ، هَلُمَّ فَلْنُبَايِعْكَ ثُمَّ اخْرُجْ مَعَنَا إِلَى الشَّامِ، فَإِنَّ هَذَا الْجُنْدَ الَّذِينَ مَعِي هُمْ وُجُوهُ الشَّامِ وَفُرْسَانُهُمْ، فَوَاللَّهِ لَا يَخْتَلِفُ عَلَيْكَ اثْنَانِ وَتُؤَمِّنُ النَّاسَ وَتُهْدِرُ هَذِهِ الدِّمَاءَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرَمِ. فَقَالَ لَهُ: أَنَا لَا أُهْدِرُ الدِّمَاءَ، وَاللَّهِ لَا

стр. 1666

أَرْضَى أَنْ أَقْتُلَ بِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ عِشْرَةً مِنْكُمْ. وَأَخْذَ الْحُصَيْنُ يُكَلِّمُهُ سِرًّا، وَهُوَ يَجْهَرُ وَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ. فَقَالَ لَهُ الْحُصَيْنُ: قَبَّحَ اللَّهُ مَنْ يَعُدُّكَ بَعْدُ (دَاهِيًا وَأَرِيبًا) قَدْ كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ لَكَ رَأْيًا، وَأَنَا أُكَلِّمُكَ سِرًّا وَتُكَلِّمُنِي جَهْرًا، وَأَدْعُوكَ إِلَى الْخِلَافَةِ (وَأَنْتَ لَا تُرِيدُ إِلَّا) الْقَتْلَ وَالْهَلَكَةَ. ثُمَّ فَارَقَهُ وَرَحَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ نَحْوَ الْمَدِينَةِ، وَنَدِمَ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى مَا صَنَعَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: أَمَّا الْمَسِيرُ إِلَى الشَّامِ فَلَا أَفْعَلُهُ وَلَكِنْ بَايِعُوا لِي هُنَاكَ فَإِنِّي مُؤَمِّنُكُمْ وَعَادِلٌ فِيكُمْ. فَقَالَ الْحُصَيْنُ: إِنْ لَمْ تَقْدَمْ بِنَفْسِكَ لَا يَتِمُّ الْأَمْرُ، فَإِنَّ هُنَاكَ نَاسًا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ يَطْلُبُونَ هَذَا الْأَمْرَ. وَسَارَ الْحُصَيْنُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَاجْتَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، فَكَانَ لَا يَنْفَرِدُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أُخِذَتْ دَابَّتُهُ، فَلَمْ يَتَفَرَّقُوا، وَخَرَجَ مَعَهُمْ بَنُو أُمَيَّةَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الشَّامِ، وَلَوْ خَرَجَ مَعَهُمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ أَحَدٌ. فَوَصَلَ أَهْلُ الشَّامِ دِمَشْقَ وَقَدْ بُويِعَ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ حَتَّى هَلَكَ، وَقِيلَ: بَلْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَمَاتَ. وَعُمُرُهُ إِحْدَى وَعِشْرُونَ سَنَةً وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ إِمَارَتِهِ أَمَرَ فَنُودِيَ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي ضَعُفْتُ عَنْ أَمْرِكُمْ فَابْتَغَيْتُ لَكُمْ مِثْلَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حِينَ اسْتَخْلَفَهُ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَابْتَغَيْتُ سِتَّةً مِثْلَ [سِتَّةِ] الشُّورَى فَلَمْ أَجِدْهُمْ، فَأَنْتُمْ أَوْلَى بِأَمْرِكُمْ فَاخْتَارُوا لَهُ مَنْ أَحْبَبْتُمْ. ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ وَتَغَيَّبَ حَتَّى مَاتَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ مَسْمُومًا، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، ثُمَّ أَصَابَهُ الطَّاعُونُ مِنْ يَوْمِهِ فَمَاتَ أَيْضًا، وَقِيلَ: لَمْ يَمُتْ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ بِالنَّاسِ حَتَّى يَقُومَ لَهُمْ خَلِيفَةٌ، وَقِيلَ لِمُعَاوِيَةَ: لَوِ اسْتَخْلَفْتَ؟ فَقَالَ: لَا أَتَزَوَّدُ مَرَارَتَهَا وَأَتْرُكُ لِبَنِي أُمَيَّةَ حَلَاوَتَهَا.

стр. 1667

ذِكْرُ حَالِ ابْنِ زِيَادٍ بَعْدَ مَوْتِ يَزِيدَ لَمَّا مَاتَ يَزِيدُ وَأَتَى الْخَبَرُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ مَعَ مَوْلَاهُ حُمْرَانَ، وَكَانَ رَسُولُهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، ثُمَّ إِلَى يَزِيدَ بَعْدَهُ، فَلَمَّا أَتَاهُ الْخَبَرُ أَسَرَّهُ إِلَيْهِ وَأَخْبَرَهُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الشَّامِ، فَأَمَرَ فَنُودِيَ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَنَعَى يَزِيدَ (وَثَلَّبَهُ، فَقَالَ الْأَحْنَفُ: إِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِيَزِيدَ فِي أَعْنَاقِنَا بَيْعَةٌ، وَيُقَالُ فِي الْمَثَلِ: أَعْرَضَ عَنْ ذِي فَنَنٍ، وَأَعْرَضَ عَنْهُ عُبَيْدُ اللَّهِ) ، وَقَالَ: يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ إِنَّ مُهَاجِرَنَا إِلَيْكُمْ وَدَارَنَا فِيكُمْ، وَمَوْلِدِي فِيكُمْ، وَلَقَدْ وَلِيتُكُمْ وَمَا يُحْصِي دِيوَانُ مُقَاتَلَتِكُمْ إِلَّا سَبْعِينَ أَلْفًا، وَلَقَدْ أَحْصَى الْيَوْمَ مِائَةَ أَلْفٍ، وَمَا كَانَ يُحْصَى دِيوَانُ عُمَّالِكُمْ إِلَّا تِسْعِينَ أَلْفًا، وَلَقَدْ أَحْصَى الْيَوْمَ مِائَةً وَأَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَمَا تَرَكْتُ لَكُمْ ذَا ظِنَّةٍ أَخَافُهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا وَهُوَ فِي سِجْنِكُمْ، وَإِنَّ يَزِيدَ قَدْ تُوُفِّيَ وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ بِالشَّامِ وَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَكْثَرُ النَّاسِ عَدَدًا وَأَعْرَضُهُمْ فَنَاءً وَأَغْنَاهُمْ عَنِ النَّاسِ وَأَوْسَعُهُمْ بِلَادًا، فَاخْتَارُوا لِأَنْفُسِكُمْ رَجُلًا تَرْضَوْنَهُ لِدِينِكُمْ وَجَمَاعَتِكُمْ، فَأَنَا أَوَّلُ رَاضٍ مَنْ رَضِيتُمُوهُ، فَإِنِ اجْتَمَعَ أَهْلُ الشَّامِ عَلَى رَجُلٍ تَرْضَوْنَهُ لِدِينِكُمْ وَجَمَاعَتِكُمْ دَخَلْتُمْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ ذَلِكَ كُنْتُمْ عَلَى جَدِيلَتِكُمْ حَتَّى تُعْطُوا حَاجَتَكُمْ، فَمَا بِكُمْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْبُلْدَانِ حَاجَةٌ وَلَا يَسْتَغْنِي النَّاسُ عَنْكُمْ. فَقَامَ خُطَبَاءُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَقَالُوا: قَدْ سَمِعْنَا مَقَالَتَكَ وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَقْوَى عَلَيْهَا مِنْكَ، فَهَلُمَّ فَلْنُبَايِعْكَ. فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ. فَكَرَّرُوا عَلَيْهِ فَأَبَى عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا، ثُمَّ بَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعُوهُ ثُمَّ انْصَرَفُوا وَمَسَحُوا أَيْدِيَهُمْ بِالْحِيطَانِ وَقَالُوا: أَيُظَنُّ ابْنُ مَرْجَانَةَ أَنَّنَا نَنْقَادُ لَهُ فِي الْجَمَاعَةِ وَالْفُرْقَةِ! فَلَمَّا بَايَعُوهُ أَرْسَلَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ مَعَ عَمْرِو بْنِ مِسْمَعٍ وَسَعْدِ بْنِ الْقَرْحَاءِ التَّمِيمِيِّ يُعْلِمُ أَهْلَ الْكُوفَةِ مَا صَنَعَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى الْبَيْعَةِ لَهُ، فَلَمَّا وَصَلَا إِلَى الْكُوفَةِ،

стр. 1668

وَكَانَ خَلِيفَتُهُ عَلَيْهَا عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ، جَمَعَ النَّاسَ وَقَامَ الرَّسُولَانِ فَخَطَبَا أَهْلَ الْكُوفَةِ وَذَكَرَا لَهُمْ ذَلِكَ، فَقَامَ يَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ الشَّيْبَانِيُّ، وَهُوَ ابْنُ رُوَيْمٍ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرَاحَنَا مِنِ ابْنِ سُمَيَّةَ! أَنَحْنُ نُبَايِعُهُ؟ لَا وَلَا كَرَامَةَ! وَحَصَبَهُمَا أَوَّلَ النَّاسِ ثُمَّ حَصَبَهُمَا النَّاسُ بَعْدَهُ، فَشَرَّفَتْ تِلْكَ الْفَعْلَةُ يَزِيدَ بْنَ رُوَيْمٍ فِي الْكُوفَةِ وَرَفَعَتْهُ. وَرَجَعَ الرَّسُولَانِ إِلَى الْبَصْرَةِ فَأَعْلَمَاهُ الْحَالَ، فَقَالَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ: أَيَخْلَعُهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَنُوَلِّيهِ نَحْنُ! فَضَعُفَ سُلْطَانُهُ عِنْدَهُمْ، فَكَانَ يَأْمُرُ بِالْأَمْرِ فَلَا يُقْضَى، وَيَرَى الرَّأْيَ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ، وَيَأْمُرُ بِحَبْسِ الْمُخْطِئِ فَيُحَالُ بَيْنَ أَعْوَانِهِ وَبَيْنَهُ. ثُمَّ جَاءَ إِلَى الْبَصْرَةِ سَلَمَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ الْحَنْظَلِيُّ التَّمِيمِيُّ فَوَقَفَ فِي السُّوقِ وَبِيَدِهِ لِوَاءٌ وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمُّوا إِلَيَّ، إِنِّي أَدْعُوكُمْ إِلَى مَا لَمْ يَدْعُكُمْ إِلَيْهِ أَحَدٌ، أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَائِذِ بِالْحَرَمِ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ. فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ وَجَعَلُوا يُصَفِّقُونَ عَلَى يَدَيْهِ يُبَايِعُونَهُ. فَبَلَغَ الْخَبَرُ ابْنَ زِيَادٍ، فَجَمَعَ النَّاسَ فَخَطَبَهُمْ وَذَكَرَ لَهُمْ أَمْرَهُ مَعَهُمْ وَأَنَّهُ دَعَاهُمْ إِلَى مَنْ يَرْتَضُونَهُ، فَبَايَعَهُ مِنْهُمْ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَأَنَّهُمْ أَبَوْا غَيْرَهُ، وَقَالَ: إِنِّي بَلَغَنِي أَنَّكُمْ مَسَحْتُمْ أَكُفَّكُمْ بِالْحِيطَانِ وَبَابِ الدَّارِ وَقُلْتُمْ مَا قُلْتُمْ، وَإِنِّي آمِرٌ بِالْأَمْرِ فَلَا يَنْفُذُ وَيُرَدُّ عَلَيَّ رَأْيِي وَيُحَالُ بَيْنَ أَعْوَانِي وَبَيْنَ طِلْبَتِي، ثُمَّ إِنَّ هَذَا سَلَمَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ يَدْعُو إِلَى الْخِلَافِ عَلَيْكُمْ لِيُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ وَيَضْرِبَ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ. فَقَالَ الْأَحْنَفُ وَالنَّاسُ: نَحْنُ نَأْتِيكَ بِسَلَمَةَ، فَأَتَوْهُ بِسَلَمَةَ فَإِذَا جَمْعُهُ قَدْ كُثِفَ وَالْفَتْقُ قَدِ اتَّسَعَ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَعَدُوا عَنِ ابْنِ زِيَادٍ فَلَمْ يَأْتُوهُ. فَدَعَا عُبَيْدُ اللَّهِ رُؤَسَاءَ مُحَارَبَةِ السُّلْطَانِ وَأَرَادَهُمْ لِيُقَاتِلُوا مَعَهُ، قَالُوا: إِنْ أَمَرَنَا فُؤَادُنَا فَعَلْنَا. فَقَالَ لَهُ إِخْوَتُهُ: مَا مِنْ خَلِيفَةٍ فَتُقَاتِلُ عَنْهُ فَإِنْ هُزِمْتَ رَجَعْتَ إِلَيْهِ فَأَمَدَّكَ، وَلَعَلَّ الْحَرْبَ تَكُونُ عَلَيْكَ (وَقَدِ اتَّخَذْنَا بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَمْوَالًا) فَإِنْ ظَفِرُوا بِنَا أَهْلَكُونَا وَأَهْلَكُوهَا فَلَمْ تَبْقَ لَكَ بَقِيَّةٌ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ صَهْبَاءَ الْجَهْضَمِيِّ الْأَزْدِيِّ فَأَحْضَرَهُ، وَقَالَ لَهُ: يَا حَارِثُ إِنَّ أَبِي أَوْصَانِي أَنِّي إِنِ احْتَجْتُ إِلَى الْهَرَبِ يَوْمًا أَنْ أَخْتَارَكُمْ. فَقَالَ الْحَارِثُ: إِنْ قُومِي قَدِ اخْتَبَرُوا أَبَاكَ، فَلَمْ يَجِدُوا عِنْدَهُ مَكَانًا، وَلَا عِنْدَكَ مُكَافَأَةً، وَلَا أَرُدُّكَ

стр. 1669

إِذَا اخْتَرْتَنَا، وَمَا أَدْرِي كَيْفَ أَمَانِي لَكَ، إِنْ أَخْرَجْتُكَ نَهَارًا أَخَافُ أَنْ تُقْتَلَ وَأُقْتَلَ، وَلَكِنِّي أُقِيمُ مَعَكَ إِلَى اللَّيْلِ ثُمَّ أُرْدِفُكَ خَلْفِي لِئَلَّا تُعْرَفَ. فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: نِعْمَ مَا رَأَيْتَ. فَأَقَامَ عِنْدَهُ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ حَمَلَهُ خَلْفَهُ. وَكَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ تِسْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ أَلْفٍ، فَفَرَّقَ ابْنُ زِيَادٍ بَعْضَهَا فِي مَوَالِيهِ وَادَّخَرَ الْبَاقِي فَبَقِيَ لِآلِ زِيَادٍ. وَسَارَ الْحَارِثُ بِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، فَكَانَ يَمُرُّ بِهِ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يَتَحَارَسُونَ مَخَافَةَ الْحَرُورِيَّةِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ يَسْأَلُهُ: أَيْنَ نَحْنُ؟ وَالْحَارِثُ يُخْبِرُهُ، فَلَمَّا كَانُوا فِي بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ: أَيْنَ نَحْنُ؟ قَالَ: فِي بَنِي سُلَيْمٍ. قَالَ: سَلِمْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلَمَّا أَتَى بَنِي نَاجِيَةَ قَالَ: أَيْنَ نَحْنُ؟ قَالَ: فِي بَنِي نَاجِيَةَ. قَالَ: نَجَوْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَقَالَ بَنُو نَاجِيَةَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: الْحَارِثُ بْنُ قَيْسٍ، وَكَانَ يَعْرِفُ رَجُلٌ مِنْهُمْ عُبَيْدَ اللَّهِ، فَقَالَ ابْنُ مَرْجَانَةَ! وَأَرْسَلَ سَهْمًا فَوَقَعَ فِي عِمَامَتِهِ. وَمَضَى بِهِ الْحَارِثُ فَأَنْزَلَهُ فِي دَارِ نَفْسِهِ فِي الْجَهَاضِمِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ زِيَادٍ: يَا حَارِثُ إِنَّكَ أَحْسَنْتَ فَاصْنَعْ مَا أُشِيرُ بِهِ عَلَيْكَ، قَدْ عَلِمْتَ مَنْزِلَةَ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو فِي قَوْمِهِ وَشَرَفِهِ وَسِنَّهُ وَطَاعَةَ قَوْمِهِ لَهُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَذْهَبَ بِي إِلَيْهِ فَأَكُونَ فِي دَارِهِ فَهِيَ فِي وَسَطِ الْأَزْدِ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فُرِّقَ عَلَيْكَ أَمْرُ قَوْمِكَ. فَأَخَذَهُ الْحَارِثُ فَدَخَلَا عَلَى مَسْعُودٍ، وَلَمْ يَشْعُرْ وَهُوَ جَالِسٌ يُصْلِحُ خُفًّا لَهُ، فَلَمَّا رَآهُمَا عَرَفَهُمَا فَقَالَ الْحَارِثُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرٍّ طَرَقْتَنِي بِهِ! قَالَ: مَا طَرَقْتُكَ إِلَّا بِخَيْرٍ، (قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ قَوْمَكَ أَنْجَوْا زِيَادًا وَوَفَوْا لَهُ فَصَارَتْ مَكْرَمَةً يَفْتَخِرُونَ بِهَا عَلَى الْعَرَبِ) ، وَقَدْ بَايَعْتُمْ عُبَيْدَ اللَّهِ بَيْعَةَ الرِّضَى عَنْ مَشُورَةٍ وَبَيْعَةٍ أُخْرَى قَبْلَ هَذِهِ، يَعْنِي بَيْعَةَ الْجَمَاعَةِ. قَالَ مَسْعُودٌ: أَتُرَى لَنَا أَنْ نُعَادِيَ أَهْلَ مِصْرِنَا فِي عُبَيْدِ اللَّهِ وَلَمْ نَجِدْ مِنْ أَبِيهِ مُكَافَأَةً وَلَا شُكْرًا فِيمَا صَنَعْنَا مَعَهُ؟ قَالَ الْحَارِثُ: إِنَّهُ لَا يُعَادِيكَ أَحَدٌ عَلَى الْوَفَاءِ عَلَى بَيْعَتِكَ حَتَّى تُبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ، أَفَتُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِكَ بَعْدَمَا دَخَلَهُ عَلَيْكَ؟ وَأَمَرَهُ مَسْعُودٌ فَدَخَلَ بَيْتَ أَخِيهِ عَبْدِ الْغَافِرِ بْنِ عَمْرٍو، ثُمَّ رَكِبَ مَسْعُودٌ مِنْ لَيْلَتِهِ وَمَعَهُ الْحَارِثُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَطَافُوا فِي الْأَزْدِ فَقَالُوا: إِنَّ ابْنَ زِيَادٍ فُقِدَ وَإِنَّا لَا نَأْمَنُ أَنْ

стр. 1670

تَلْحَظُوا بِهِ. فَأَصْبِحُوا فِي السِّلَاحِ. وَفَقَدَ النَّاسُ ابْنَ زِيَادٍ فَقَالُوا: مَا هُوَ إِلَّا فِي الْأَرْضِ. وَقِيلَ إِنَّ الْحَارِثَ لَمْ يُكَلِّمْ مَسْعُودًا بَلْ أَمَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَحَمَلَ مَعَهُ مِائَةَ أَلْفٍ وَأَتَى بِهَا أُمَّ بِسِطَامٍ امْرَأَةَ مَسْعُودٍ، (وَهِيَ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، وَمَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا فَأَذِنَتْ لَهُ فَقَالَ لَهَا: قَدْ أَتَيْتُكِ بِأَمْرٍ تَسُودِينَ بِهِ نِسَاءَ الْعَرَبِ وَتَتَعَجَّلِينَ بِهِ الْغِنَى. وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، وَأَمَرَهَا أَنْ تُدْخِلَ ابْنَ زِيَادٍ الْبَيْتَ وَتُلْبِسَهُ ثَوْبًا مِنْ ثِيَابِ مَسْعُودٍ، فَفَعَلَتْ، وَلَمَّا جَاءَ مَسْعُودٌ أَخَذَ بِرَأْسِهَا يَضْرِبُهَا، فَخَرَجَ عُبَيْدُ اللَّهِ وَالْحَارِثُ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: قَدْ أَجَارْتَنِي وَهَذَا ثَوْبُكَ عَلَيَّ وَطَعَامُكَ فِي بَطْنِي. وَشَهِدَ الْحَارِثُ وَتَلَطَّفُوا بِهِ حَتَّى رَضِيَ، فَلَمْ يَزَلِ ابْنُ زِيَادٍ فِي بَيْتِهِ حَتَّى قُتِلَ مَسْعُودٌ فَسَارَ إِلَى الشَّامِ. وَلَمَّا فُقِدَ ابْنُ زِيَادٍ بَقِيَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ فِي غَيْرِ أَمِيرٍ فَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ يُؤَمِّرُونَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ تَرَاضَوْا بِقَيْسِ بْنِ الْهَيْثَمِ السُّلَمِيِّ وَبِالنُّعْمَانِ بْنِ سُفْيَانَ الرَّاسِبِيِّ الْحَرَمِيِّ لِيَخْتَارَا مَنْ يَرْضَيَانِ لَهُمْ، وَكَانَ رَأْيُ قَيْسٍ فِي بَنِي أُمَيَّةَ، وَرَأْيُ النُّعْمَانِ فِي بَنِي هَاشِمٍ، فَقَالَ النُّعْمَانُ: مَا أَرَى أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ فُلَانٍ، لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، وَقِيلَ: بَلْ ذَكَرَ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْأَسْوَدِ الزُّهْرِيَّ، وَكَانَ هَوَى قَيْسٍ فِيهِ، وَإِنَّمَا قَالَ النُّعْمَانُ ذَلِكَ خَدِيعَةً وَمَكْرًا بِقَيْسٍ، فَقَالَ قَيْسٌ: قَدْ قَلَّدْتُكَ أَمْرِي وَرَضِيتُ مَنْ رَضِيتَ، ثُمَّ خَرَجَا إِلَى النَّاسِ، فَقَالَ قَيْسٌ: قَدْ رَضِيتُ مَنْ رَضِيَ النُّعْمَانُ. ذِكْرُ وِلَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الْبَصْرَةَ لَمَّا اتَّفَقَ قَيْسٌ وَالنُّعْمَانُ وَرَضِيَ قَيْسٌ بِمَنْ يُؤَمِّرُهُ النُّعْمَانُ أَشْهَدَ عَلَيْهِ النُّعْمَانُ بِذَلِكَ وَأَخَذَ عَلَى قَيْسٍ وَعَلَى النَّاسِ الْعُهُودَ بِالرِّضَى، ثُمَّ أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْأَسْوَدِ وَأَخَذَ بِيَدِهِ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ (حَتَّى ظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ بَايَعَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ وَأَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْمُلَقَّبِ بِبَبَّةَ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ) مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ وَحَقَّ أَهْلِ بَيْتِهِ وَقَرَابَتِهِ وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ مَا تَنْقِمُونَ مِنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَمِّ نَبِيِّكُمْ وَأُمُّهُ هِنْدُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ قَدْ كَانَ الْأَمْرُ فِيهِمْ، فَهُوَ ابْنُ أُخْتِكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: رَضِيتُ لَكُمْ بِهِ، فَنَادَوْهُ: قَدْ رَضِينَا، وَبَايَعُوهُ وَأَقْبَلُوا بِهِ إِلَى دَارِ الْإِمَارَةِ حَتَّى نَزَلَهَا، وَذَلِكَ أَوَّلُ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ. وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ فِي بَيْعَتِهِ:

стр. 1671

وَبَايَعْتُ أَقْوَامًا وَفَيْتُ بِعَهْدِهِمْ ... وَبَبَّةُ قَدْ بَايَعَتْهُ غَيْرَ نَادِمِ ذِكْرُ هَرَبِ ابْنِ زِيَادٍ إِلَى الشَّامِ ثُمَّ إِنَّ الْأَزْدَ وَرَبِيعَةَ جَدَّدُوا الْحِلْفَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْجَمَاعَةِ، وَأَنْفَقَ ابْنُ زِيَادٍ مَالًا كَثِيرًا فِيهِمْ حَتَّى تَمَّ الْحِلْفُ وَكَتَبُوا بِذَلِكَ بَيْنَهُمْ كِتَابَيْنِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو. فَلَمَّا سَمِعَ الْأَحْنَفُ أَنَّ الْأَزْدَ طَلَبَتْ إِلَى رَبِيعَةَ ذَلِكَ، قَالَ: لَا يَزَالُونَ لَهُمْ أَتْبَاعًا إِذَا أَتَوْهُمْ. فَلَمَّا تَحَالَفُوا اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَرُدُّوا ابْنَ زِيَادٍ إِلَى دَارِ الْإِمَارَةِ، فَسَارُوا، وَرَئِيسُهُمْ مَسْعُودُ بْنُ عَمْرٍو، وَقَالُوا لِابْنِ زِيَادٍ: سِرْ مَعَنَا، فَلَمْ يَفْعَلْ وَأَرْسَلَ مَعَهُ مَوَالِيَهُ عَلَى الْخَيْلِ وَقَالَ لَهُمْ: لَا تَتَحَدَّثُوا بِخَيْرٍ وَلَا بِشَرٍّ إِلَّا أَتَيْتُمُونِي بِهِ، فَجَعَلَ مَسْعُودٌ لَا يَأْتِي سِكَّةً وَلَا يَتَجَاوَزُ قَبِيلَةً إِلَّا أَتَى بَعْضُ أُولَئِكَ الْغِلْمَانِ ابْنَ زِيَادٍ بِالْخَبَرِ، وَسَارَتْ رَبِيعَةُ، وَعَلَيْهِمْ مَالِكُ بْنُ مِسْمَعٍ، فَأَخَذُوا سِكَّةَ الْمِرْبَدِ، وَجَاءَ مَسْعُودٌ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ فِي دَارِ الْإِمَارَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ مَسْعُودًا وَأَهْلَ الْيَمَنِ وَرَبِيعَةَ قَدْ سَارُوا وَسَيُهَيَّجُ بَيْنَ النَّاسِ شَرٌّ، فَلَوْ أَصْلَحْتَ بَيْنَهُمْ أَوْ رَكِبْتَ فِي بَنِي تَمِيمٍ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ: أَبْعَدَهُمُ اللَّهُ، لَا وَاللَّهِ لَا أُفْسِدَنَّ نَفْسِي فِي إِصْلَاحِهِمْ! وَجَعَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ مَسْعُودٍ يَقُولُ: لَأُنْكِحَنَّ بَبَّهْ جَارِيَةً فِي قُبَّهْ ... تَمْشُطُ رَأْسَ لُعْبَهْ هَذَا قَوْلُ الْأَزْدِ، وَأَمَّا قَوْلُ مُضَرَ فَيَقُولُونَ: إِنَّ أُمَّهُ كَانَتْ تُرَقِّصُهُ وَتَقُولُ هَذَا. وَصَعِدَ مَسْعُودٌ الْمِنْبَرَ وَسَارَ مَالِكُ بْنُ مِسْمَعٍ نَحْوَ دُورِ بَنِي تَمِيمٍ حَتَّى دَخَلَ سِكَّةَ بَنِي الْعَدَوِيَّةِ فَحَرَّقَ دُورَهُمْ لِمَا فِي نَفْسِهِ لِاسْتِعْرَاضِ ابْنِ خَازِمٍ رَبِيعَةَ بِهَرَاةَ. وَجَاءَ بَنُو

стр. 1672

تَمِيمٍ إِلَى الْأَحْنَفِ فَقَالُوا: يَا أَبَا بَحْرٍ، إِنَّ رَبِيعَةَ وَالْأَزْدَ قَدْ تَحَالَفُوا وَقَدْ سَارُوا إِلَى الرَّحْبَةِ فَدَخَلُوهَا. فَقَالَ: لَسْتُمْ بِأَحَقَّ بِالْمَسْجِدِ مِنْهُمْ. فَقَالُوا: قَدْ دَخَلُوا الدَّارَ. فَقَالَ: لَسْتُمْ بِأَحَقَّ بِالدَّارِ مِنْهُمْ. فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ بِمِجْمَرٍ وَقَالَتْ لَهُ: مَا لَكَ وَلِلرِّيَاسَةِ، إِنَّمَا أَنْتَ امْرَأَةٌ تَتَجَمَّرُ! فَقَالَ: اسْتُ الْمَرْأَةِ أَحَقُّ بِالْمِجْمَرِ، فَمَا سُمِعَ مِنْهُ كَلِمَةٌ أَسْوَأُ مِنْهَا، ثُمَّ أَتَوْهُ فَقَالُوا: إِنَّ امْرَأَةً مِنَّا قَدْ سُلِبَتْ خَلْخَالَهَا، وَقَدْ قَتَلُوا الصَّبَّاغَ الَّذِي عَلَى طَرِيقِكَ وَقَتَلُوا الْمُقْعَدَ الَّذِي عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ دَخَلَ مَالِكُ بْنُ مِسْمَعٍ سِكَّةَ بَنِي الْعَدَوِيَّةِ فَحَرَّقَ. فَقَالَ الْأَحْنَفُ: أَقِيمُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى هَذَا، فَفِي دُونِ هَذَا مَا يُحِلُّ قِتَالَهُمْ. فَشَهِدُوا عِنْدَهُ عَلَى ذَلِكَ. فَقَالَ الْأَحْنَفُ: أَجَاءَ عَبَّادُ بْنُ الْحُصَيْنِ؟ قَالُوا: لَا، وَهُوَ عَبَّادُ بْنُ الْحُصَيْنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، ثُمَّ قَالَ: أَجَاءَ عَبَّادٌ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: أَهَاهُنَا عَبْسُ بْنُ طَلْقِ بْنِ رَبِيعَةَ الصُّرَيْمِيُّ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَاهُ فَانْتَزَعَ مِعْجَرًا فِي رَأْسِهِ فَعَقَدَهُ فِي رُمْحٍ ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَيْهِ وَقَالَ: سِرْ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: اللَّهُمَّ لَا تُخْزِهَا الْيَوْمَ فَإِنَّكَ لَمْ تُخْزِهَا فِيمَا مَضَى، وَصَاحَ النَّاسُ: هَاجَتْ زَبْرَاءُ! وَهِيَ أَمَةٌ لِلْأَحْنَفِ كَنَّوْا بِهَا عَنْهُ. فَسَارَ عَبْسٌ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا سَارَ عَبْسٌ جَاءَ عَبَّادٌ فَقَالَ: مَا صَنَعَ النَّاسُ؟ فَقِيلَ: سَارَ بِهِمْ عَبْسٌ. فَقَالَ: لَا أَسِيرُ تَحْتَ لِوَاءِ عَبْسٍ، وَعَادَ إِلَى بَيْتِهِ وَمَعَهُ سِتُّونَ فَارِسًا. فَلَمَّا وَصَلَ عَبْسٌ إِلَى الْمَسْجِدِ قَاتَلَ الْأَزْدُ عَلَى أَبْوَابِهِ، وَمَسْعُودٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يُحَضِّضُ النَّاسَ، فَقَاتَلَ غَطَفَانُ بْنُ أُنَيْفٍ التَّمِيمِيُّ وَهُوَ يَقُولُ: يَالَ تَمِيمٍ إِنَّهَا مَذْكُورَهْ ... إِنْ فَاتَ مَسْعُودٌ بِهَا مَشْهُورَهْ فَاسْتَمْسِكُوا بِجَانِبِ الْمَقْصُورَهْ

стр. 1673

أَيْ لَا يَهْرُبُ [فَيَفُوتَ] . وَأَتَوْا مَسْعُودًا وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَاسْتَنْزَلُوهُ فَقَتَلُوهُ، وَذَلِكَ أَوَّلُ شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَهَرَبَ أَشْيَمُ بْنُ شَقِيقِ بْنِ ثَوْرٍ فَطَعَنَهُ أَحَدُهُمْ فَنَجَا بِهَا، فَقَالَ الْفَرَزْدَقُ: لَوْ أَنَّ أَشْيَمَ لَمْ يَسْبِقْ أَسِنَّتَنَا ... وَأَخْطَأَ الْبَابَ إِذْ نِيرَانُنَا تَقِدُ إِذًا لَصَاحَبَ مَسْعُودًا وَصَاحِبَهُ ... وَقَدْ تَهَافَتَتِ الْأَعْفَاجُ وَالْكَبِدُ وَلَمَّا صَعِدَ مَسْعُودٌ الْمِنْبَرَ أَتَى ابْنُ زِيَادٍ فَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ، فَتَهَيَّأَ لِيَجِيءَ إِلَى دَارِ الْإِمَارَةِ، فَأَتَوْهُ وَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُ قُتِلَ مَسْعُودٌ، فَرَكِبَ وَلَحِقَ بِالشَّامِ. فَأَمَّا مَالِكُ بْنُ مِسْمَعٍ فَأَتَاهُ مِنْ مُضَرَ فَحَصَرُوهُ فِي دَارِهِ وَحَرَّقُوا دَارَهُ. وَلَمَّا هَرَبَ ابْنُ زِيَادٍ تَبِعُوهُ فَأَعْجَزَهُمْ فَنَهَبُوا مَا وَجَدُوا لَهُ، فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ وَاقَدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: يَا رُبَّ جَبَّارٍ شَدِيدِ كَلْبُهْ ... قَدْ صَارَ فِينَا تَاجُهُ وَسَلَبُهْ مِنْهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ يَوْمَ نَسْلُبُهْ ... جِيَادَهُ وَبَزَّهُ وَنَنْهَبُهْ يَوْمَ الْتَقَى مِقْنَبُنَا وَمِقْنَبُهْ ... لَوْ لَمْ يُنَجِّ ابْنَ زِيَادٍ هَرَبُهْ وَقَدْ قِيلَ فِي قَتْلِ مَسْعُودٍ وَمَسِيرِ ابْنِ زِيَادٍ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ، هُوَ أَنَّهُ لَمَّا اسْتَجَارَ ابْنُ زِيَادٍ بِمَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو أَجَارَهُ، ثُمَّ سَارَ ابْنُ زِيَادٍ إِلَى الشَّامِ وَأَرْسَلَ مَعَهُ مَسْعُودٌ مِائَةً مِنَ الْأَزْدِ حَتَّى قَدِمُوا بِهِ إِلَى الشَّامِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ ذَاتَ لَيْلَةٍ قَالَ: قَدْ ثَقُلَ عَلَيَّ رُكُوبُ الْإِبِلِ فَوَطِّئُوا لِي عَلَى ذِي حَافِرٍ، فَجَعَلُوا لَهُ قَطِيفَةً عَلَى حِمَارٍ، فَرَكِبَهُ ثُمَّ سَارَ وَسَكَتَ طَوِيلًا. قَالَ مُسَافِرُ بْنُ شُرَيْحٍ الْيَشْكُرِيُّ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَئِنْ كَانَ نَائِمًا لَأُنَغِّصَنَّ عَلَيْهِ نَوْمَهُ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقُلْتُ: أَنَائِمٌ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا، كُنْتُ أُحَدِّثَ نَفْسِي. قُلْتُ: أَفَلَا

стр. 1674

أُحَدِّثُكَ بِمَا كُنْتَ تُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَكَ؟ قَالَ: هَاتِ. قُلْتُ: كُنْتَ تَقُولُ: لَيْتَنِي لَمْ أَقْتُلْ حُسَيْنًا. قَالَ: وَمَاذَا؟ قُلْتُ: تَقُولُ: لَيْتَنِي لَمْ أَكُنْ قَتَلْتُ مَنْ قَتَلْتُ. قَالَ: وَمَاذَا؟ قُلْتُ: تَقُولُ: لَيْتَنِي لَمْ أَكُنْ بَنَيْتُ الْبَيْضَاءَ. قَالَ: وَمَاذَا؟ قُلْتُ: تَقُولُ: لَيْتَنِي لَمْ أَكُنِ اسْتَعْمَلْتُ الدَّهَاقِينَ. قَالَ: وَمَاذَا؟ قُلْتُ: تَقُولُ: لَيْتَنِي كُنْتُ أَسْخَى مِمَّا كُنْتُ. قَالَ: أَمَّا قَتْلِي الْحُسَيْنَ فَإِنَّهُ أَشَارَ إِلَيَّ يَزِيدُ بِقَتْلِهِ أَوْ قَتْلِي فَاخْتَرْتُ قَتْلَهُ، وَأَمَّا الْبَيْضَاءُ فَإِنِّي اشْتَرَيْتُهَا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ الثَّقَفِيِّ وَأَرْسَلَ إِلَيَّ يَزِيدُ بِأَلْفِ أَلْفٍ فَأَنْفَقَهَا عَلَيْهَا، فَإِنْ بَقِيَتْ فَلِأَهْلِي، وَإِنْ هَلَكْتُ لَمْ آسَ عَلَيْهَا، وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ الدَّهَاقِينِ فَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ (وَزَاذَانَ فَرُّوخٍ وَقَعَا فِيَّ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ [حَتَّى ذَكَرُوا قُشُورَ الْأَرُزِّ] فَبَلَغَا بِخَرَاجِ الْعِرَاقِ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفٍ، فَخَيَّرَنِي مُعَاوِيَةُ بَيْنَ الْعَزْلِ وَالضَّمَانِ، فَكَرِهْتُ الْعَزْلَ، فَكُنْتُ إِذَا اسْتَعْمَلْتُ الْعَرَبِيَّ كَسَرَ الْخَرَاجَ، فَإِنْ أَغْرَمْتُ عَشِيرَتَهُ أَوْ طَالَبْتُهُ أَوْغَرْتُ صُدُورَهُمْ، وَإِنْ تَرَكْتُهُ تَرَكْتُ مَالَ اللَّهِ وَأَنَا أَعْرِفُ مَكَانَهُ، فَوَجَدْتُ الدَّهَاقِينَ أَبْصَرَ بِالْجِبَايَةِ وَأَوْفَى بِالْأَمَانَةِ وَأَهْوَنَ بِالْمُطَالَبَةِ مِنْكُمْ، مَعَ أَنِّي قَدْ جَعَلْتُكُمْ أُمَنَاءَ عَلَيْهِمْ لِئَلَّا يَظْلِمُوا أَحَدًا، وَأَمَّا قَوْلُكَ فِي السَّخَاءِ فَمَا كَانَ لِي مَالٌ فَأَجُودَ بِهِ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ شِئْتُ لَأَخَذْتُ بَعْضَ مَالِكُمْ فَخَصَصْتُ بِهِ بَعْضَكُمْ دُونَ بَعْضٍ فَيَقُولُونَ مَا أَسْخَاهُ. وَأَمَّا قَوْلُكَ لَيْتَنِي لَمْ أَكُنْ قَتَلْتُ مَنْ قَتَلْتُ فَمَا عَمِلْتُ بَعْدَ كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ عَمَلًا هُوَ أَقْرَبُ إِلَى اللَّهِ عِنْدِي مِنْ قَتْلِ مَنْ قَتَلْتُ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَلَكِنِّي سَأُخْبِرُكَ بِمَا حَدَّثْتُ بِهِ نَفْسِي، قُلْتُ: لَيْتَنِي كُنْتُ قَاتَلْتُ أَهْلَ الْبَصْرَةِ فَإِنَّهُمْ بَايَعُونِي طَائِعِينَ، وَلَقَدْ حَرَصْتُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنَّ بَنِي زِيَادٍ قَالُوا: إِنْ قَاتَلْتَهُمْ فَظَهَرُوا عَلَيْكَ لَمْ يُبْقُوا مِنَّا أَحَدًا، وَإِنَّ تَرَكْتَهُمْ تَغَيَّبَ الرَّجُلُ مِنَّا عِنْدَ أَخْوَالِهِ وَأَصْهَارِهِ فَوَقَعْتُ بِهِمْ، فَكُنْتُ أَقُولُ: لَيْتَنِي أَخْرَجْتُ أَهْلَ السِّجْنِ فَضَرَبْتُ أَعْنَاقَهُمْ، وَأَمَّا إِذْ فَاتَتْ هَاتَانِ فَلَيْتَنِي أَقْدَمُ الشَّامَ وَلَمْ يُبْرِمُوا أَمْرًا. قَالَ: فَقَدِمَ الشَّامَ وَلَمْ يُبْرِمُوا أَمْرًا، [فَكَأَنَّمَا] كَانُوا مَعَهُ صِبْيَانًا، وَقِيلَ: بَلْ قَدِمَ وَقَدْ أَبْرَمُوا فَنَقَضَ عَلَيْهِمْ مَا أَبْرَمُوا. فَلَمَّا سَارَ مِنَ الْبَصْرَةِ اسْتَخْلَفَ مَسْعُودًا عَلَيْهَا، فَقَالَ بَنُو تَمِيمٍ وَقَيْسٌ: لَا نَرْضَى بِهِ،

стр. 1675

وَلَا نُوَلِّي إِلَّا رَجُلًا تَرْضَاهُ جَمَاعَتُنَا. فَقَالَ مَسْعُودٌ: قَدِ اسْتَخْلَفَنِي وَلَا أَدَعُ ذَلِكَ أَبَدًا. وَخَرَجَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْقَصْرِ وَدَخَلَهُ، وَاجْتَمَعَتْ تَمِيمٌ إِلَى الْأَحْنَفِ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ الْأَزْدَ قَدْ دَخَلُوا الْمَسْجِدَ. قَالَ: إِنَّمَا هُوَ لَهُمْ وَلَكُمْ. قَالُوا: قَدْ دَخَلُوا الْقَصْرَ وَصَعِدَ مَسْعُودٌ الْمِنْبَرَ، وَكَانَتْ خَوَارِجُ قَدْ خَرَجُوا فَنَزَلُوا نَهْرَ الْأَسَاوِرَةِ حِينَ خَرَجَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى الشَّامِ، فَزَعَمَ النَّاسُ أَنَّ الْأَحْنَفَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي قَدْ دَخَلَ الْقَصْرَ هُوَ لَنَا وَلَكُمْ عَدُوٌّ فَمَا يَمْنَعُكُمْ عَنْهُ! فَجَاءَتْ عِصَابَةٌ مِنْهُمْ حَتَّى دَخَلُوا الْمَسْجِدَ وَمَسْعُودٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يُبَايِعُ مَنْ أَتَاهُ، فَرَمَاهُ عِلْجٌ يُقَالُ لَهُ مُسْلِمٌ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ، دَخَلَ الْبَصْرَةَ فَأَسْلَمَ (ثُمَّ دَخَلَ فِي الْخَوَارِجِ، فَأَصَابَ قَلْبَهُ) فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: قَتَلَهُ الْخَوَارِجُ، فَخَرَجَتِ الْأَزْدُ إِلَى تِلْكَ الْخَوَارِجِ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ وَجَرَحُوا فَطَرَدُوهُمْ عَنِ الْبَصْرَةِ. ثُمَّ قِيلَ لِلْأَزْدِ: إِنَّ تَمِيمًا قَتَلُوا مَسْعُودًا، فَأَرْسَلُوا يَسْأَلُونَ، فَإِذَا نَاسٌ مِنْ تَمِيمٍ تَقُولُهُ، فَاجْتَمَعَتِ الْأَزْدُ عِنْدَ ذَلِكَ فَرَأَّسُوا عَلَيْهِمْ زِيَادَ بْنَ عَمْرٍو أَخَا مَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو وَمَعَهُمْ مَالِكُ بْنُ مِسْمَعٍ فِي رَبِيعَةَ، وَجَاءَتْ تَمِيمٌ إِلَّا الْأَحْنَفَ يَقُولُونَ: قَدْ خَرَجَ الْقَوْمُ، وَهُوَ يَتَمَكَّثُ لَا يَخِفُّ لِلْفِتْنَةِ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ بِمِجْمَرٍ فَقَالَتُ: اجْلِسْ عَلَى هَذَا، أَيْ إِنَّمَا أَنْتَ امْرَأَةٌ. فَخَرَجَ الْأَحْنَفُ فِي بَنِي تَمِيمٍ وَمَعَهُمْ مَنْ بِالْبَصْرَةِ مِنْ قَيْسٍ فَالْتَقَوْا، فَقُتِلَ بَيْنَهُمْ قَتْلَى كَثِيرَةٌ، فَقَالَ لَهُمْ بَنُو تَمِيمٍ: اللَّهَ اللَّهَ يَا مَعْشَرَ الْأَزْدِ فِي دِمَائِنَا وَدِمَائِكُمْ، بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْقُرْآنُ وَمَنْ شِئْتُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْنَا بَيِّنَةً، فَاخْتَارُوا أَفْضَلَ رَجُلٍ فِينَا فَاقْتُلُوهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَكُمْ بَيِّنَةٌ فَإِنَّا نَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا قَتَلْنَا وَلَا أَمَرْنَا وَلَا نَعْلَمُ لَهُ قَاتِلًا، وَإِنْ لَمْ تُرِيدُوا ذَلِكَ فَنَحْنُ نَدِي صَاحِبَكُمْ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَأَتَاهُمُ الْأَحْنَفُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ مِمَّا قِيلَ، وَسَفَرَ بَيْنَهُمْ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَطَلَبُوا عَشْرَ دِيَاتٍ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ وَاصْطَلَحُوا عَلَيْهِ. وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بَبَّةُ فَإِنَّهُ أَقَامَ يُصَلِّي بِهِمْ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِمْ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ أَمِيرًا مِنْ قِبَلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. وَقِيلَ: بَلْ كَتَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى عُمَرَ بِعَهْدِهِ عَلَى الْبَصْرَةِ، فَأَتَاهُ الْكِتَابُ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْعُمْرَةِ، فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَخِيهِ عُبَيْدِ اللَّهِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَصَلَّى بِهِمْ حَتَّى قَدِمَ عُمَرُ، فَبَقِيَ عُمَرُ أَمِيرًا شَهْرًا حَتَّى قَدِمَ

стр. 1676

الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ بِعَزْلِهِ وَوَلِيَهَا الْحَارِثُ، وَهُوَ الْقُبَاعُ. وَقِيلَ: اعْتَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بَبَّةُ أَهْلَ الْبَصْرَةِ بَعْدَ قَتْلِ مَسْعُودٍ بِسَبَبِ الْعَصَبِيَّةِ وَانْتِشَارِ الْخَوَارِجِ، فَكَتَبَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَكَتَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَأْمُرُهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَصَلَّى بِهِمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ يَقُولُ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْلِحَ النَّاسَ بِفَسَادِ نَفْسِي، وَكَانَ يَتَدَيَّنُ. وَفِي أَيَّامِهِ سَارَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ إِلَى الْأَهْوَازِ مِنَ الْبَصْرَةِ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَدُّوا رُسُلَ ابْنِ زِيَادٍ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ، عَزَلُوا خَلِيفَتَهُ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ وَقَالُوا: نُؤَمِّرُ عَلَيْنَا رَجُلًا إِلَى أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى خَلِيفَةٍ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ، فَجَاءَتْ نِسَاءُ هَمْدَانَ يَبْكِينَ الْحُسَيْنَ، وَرِجَالُهُمْ مُتَقَلَّدُو السُّيُوفِ، فَأَطَافُوا بِالْمِنْبَرِ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ: جَاءَ أَمْرٌ غَيْرُ مَا كُنَّا فِيهِ. وَكَانَتْ كِنْدَةُ تَقُومُ بِأَمْرِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ لِأَنَّهُمْ أَخْوَالُهُ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى عَامِرِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ الْجُمَحِيِّ، فَخَطَبَ أَهْلَ الْكُوفَةِ فَقَالَ: إِنْ لِكُلِّ قَوْمٍ أَشْرِبَةً وَلَذَّاتٍ فَاطْلُبُوهَا فِي مَظَانِّهَا، وَعَلَيْكُمْ بِمَا يَحِلُّ وَيُحْمَدُ، وَاكْسِرُوا شَرَابَكُمْ بِالْمَاءِ، وَتَوَارَوْا عَنِّي بِهَذِهِ الْجُدْرَانِ، فَقَالَ ابْنُ هَمَّامٍ: اشْرَبْ شَرَابَكَ وَانْعَمْ غَيْرَ مَحْسُودِ وَاكْسِرْهُ بِالْمَاءِ لَا تَعْصِ ابْنَ مَسْعُودِ إِنَّ الْأَمِيرَ لَهُ فِي الْخَمْرِ مَأْرَبَةٌ فَاشْرَبْ هَنِيئًا مَرِيئًا غَيْرَ مَرْصُودِ مَنْ ذَا يُحَرِّمُ مَاءَ الْمُزْنِ خَالَطَهُ فِي قَعْرِ خَابِيَةٍ مَاءُ الْعَنَاقِيدِ إِنِّي لَأَكْرَهُ تَشْدِيدَ الرُّوَاةِ لَنَا فِيهَا وَيُعْجِبُنِي قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودِ وَلَمَّا بَايَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَكَتَبُوا بِذَلِكَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ أَقَرَّهُ عَلَيْهَا، وَكَانَ يُلَقَّبُ

стр. 1677

دُحْرُوجَةَ الْجُعَلِ، وَكَانَ قَصِيرًا، فَمَكَثَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ مِنْ مَهْلِكِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْخَطْمِيُّ الْأَنْصَارِيُّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَلَى الْخَرَاجِ مِنْ عِنْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَاسْتَعْمَلَ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَبِ بْنَ قَيْسٍ عَلَى الْمَوْصِلِ، فَاجْتَمَعَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ، وَمَنْ بِالْقِبْلَةِ مِنَ الْعَرَبِ وَأَهْلِ الْجَزِيرَةِ وَأَهْلِ الشَّامِ إِلَّا أَهْلَ الْأُرْدُنِّ فِي إِمَارَةِ عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ. وَكَانَ طَاعُونُ الْجَارِفِ بِالْبَصْرَةِ، فَمَاتَتْ أُمُّهُ فَمَا وُجِدَ لَهَا مَنْ يَحْمِلُهَا حَتَّى اسْتَأْجَرُوا لَهَا أَرْبَعَةَ أَعْلَاجٍ فَحَمَلُوهَا. ذِكْرُ خِلَافِ أَهْلِ الرَّيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعْدَ مَوْتِ يَزِيدَ خَالَفَ أَهْلُ الرَّيِّ، وَكَانَ عَلَيْهِمُ الْفَرُّخَانُ الرَّازِيُّ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ عَامِرُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَهُوَ أَمِيرُ الْكُوفَةِ، مُحَمَّدَ بْنَ عُمَيْرِ بْنِ عُطَارِدِ بْنِ حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسِ التَّمِيمِيَّ، فَلَقِيَهُ أَهْلُ الرَّيِّ، فَانْهَزَمَ مُحَمَّدٌ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ عَامِرٌ عَتَّابَ بْنَ وَرْقَاءَ الرِّيَاحِيَّ التَّمِيمِيَّ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا فَقُتِلَ الْفَرُّخَانُ وَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، وَكَانَ هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَيْرٍ مَعَ عَلِيٍّ بِصِفِّينَ عَلَى تَمِيمِ الْكُوفَةِ، ثُمَّ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمَّا وَلِيَ الْحَجَّاجُ الْكُوفَةَ فَارَقَهَا وَسَارَ إِلَى الشَّامِ لِكَرَاهَتِهِ وِلَايَةَ الْحَجَّاجِ. ذِكْرُ بَيْعَةِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بُويِعَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ بِالشَّامِ. وَكَانَ السَّبَبُ فِيهَا أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ لَمَّا بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ وَلَّى عُبَيْدَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ الْمَدِينَةَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جَحْدَمٍ الْفِهْرِيَّ مِصْرَ، وَأَخْرَجَ بَنِي أُمَيَّةَ وَمَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ إِلَى الشَّامِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَلَمَّا قَدِمَ الْحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الشَّامِ أَخْبَرَ مَرْوَانَ بِمَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَالَ لَهُ وَلِبَنِي أُمَيَّةَ: نَرَاكُمْ فِي اخْتِلَاطٍ فَأَقِيمُوا أَمِيرَكُمْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْكُمْ شَأْمَكُمْ فَتَكُونَ فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ صَمَّاءُ. وَكَانَ

стр. 1678

مِنْ رَأْيِ مَرْوَانَ أَنْ يَسِيرَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فَيُبَايِعَهُ بِالْخِلَافَةِ، فَقَدِمَ ابْنُ زِيَادٍ مِنَ الْعِرَاقِ، وَبَلَغَهُ مَا يُرِيدُ مَرْوَانُ أَنْ يَفْعَلَ، فَقَالَ لَهُ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ لَكَ مِنْ ذَلِكَ، أَنْتَ كَبِيرُ قُرَيْشٍ وَسَيِّدُهَا تَمْضِي إِلَى أَبِي خُبَيْبٍ فَتُبَايِعُهُ، يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ، لِأَنَّهُ كَانَ يُكْنَى بِابْنِهِ خُبَيْبٍ! فَقَالَ: مَا فَاتَ شَيْءٌ بَعْدُ، فَقَامَ مَعَهُ بَنُو أُمَيَّةَ وَمَوَالِيهِمْ وَتَجَمَّعَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْيَمَنِ فَسَارَ إِلَى دِمَشْقَ وَهُوَ يَقُولُ: مَا فَاتَ شَيْءٌ بَعْدُ، فَقَدِمَ دِمَشْقَ وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ قَدْ بَايَعَهُ أَهْلُهَا عَلَى أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ وَيُقِيمَ لَهُ أَمْرَهُمْ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ، وَهُوَ يَدْعُو إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ سِرًّا. وَكَانَ زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ الْكِلَابِيُّ بِقَنْسَرِينَ يُبَايِعُ لِابْنِ الزُّبَيْرِ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ بِحِمْصَ يُبَايِعُ لَهُ أَيْضًا، وَكَانَ حَسَّانُ بْنُ مَالِكِ بْنِ بِحَدْلٍ الْكَلْبِيُّ بِفِلَسْطِينَ عَامِلًا لِمُعَاوِيَةَ وَلِابْنِهِ يَزِيدَ وَهُوَ يُرِيدُ بَنِي أُمَيَّةَ، فَسَارَ إِلَى الْأُرْدُنِّ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى فِلَسْطِينَ رَوْحَ بْنَ زِنْبَاعٍ الْجُذَامِيَّ، فَثَارَ نَاتِلُ بْنُ قَيْسٍ بِرَوْحٍ فَأَخْرَجَهُ مِنْ فِلَسْطِينَ وَبَايَعَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ. وَكَانَ حَسَّانُ فِي الْأُرْدُنِّ يَدْعُو إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ، فَقَالَ لِأَهْلِ الْأُرْدُنِّ: مَا شَهَادَتُكُمْ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ وَقَتْلَى الْحَرَّةِ؟ قَالَ: نَشْهَدُ أَنَّهُ مُنَافِقٌ وَأَنَّ قَتْلَى الْحَرَّةِ فِي النَّارِ. قَالَ: فَمَا شَهَادَتُكُمْ عَلَى يَزِيدَ وَقَتْلَاكُمْ بِالْحَرَّةِ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ وَأَنَّ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: فَأَنَا أَشْهَدُ لَئِنْ كَانَ يَزِيدُ وَشِيعَتُهُ عَلَى حَقٍّ إِنَّهُمُ الْيَوْمَ عَلَى حَقٍّ، وَلَئِنْ كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَشِيعَتُهُ عَلَى بَاطِلٍ إِنَّهُمُ الْيَوْمَ عَلَيْهِ. قَالُوا لَهُ: صَدَقْتَ، نَحْنُ نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ نُقَاتِلَ مَنْ خَالَفَكَ وَأَطَاعَ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى أَنْ تُجَنِّبَنَا هَذَيْنِ الْغُلَامَيْنِ، يَعْنُونَ ابْنَيْ يَزِيدَ عَبْدَ اللَّهِ وَخَالِدًا، فَإِنَّا نَكْرَهُ أَنْ يَأْتِيَنَا النَّاسُ بِشَيْخٍ وَنَأْتِيَهُمْ بِصَبِيٍّ. وَكَتَبَ حِسَانُ إِلَى الضَّحَّاكِ كِتَابًا يُعَظِّمُ فِيهِ حَقَّ بَنِيَ أُمَيَّةَ وَحُسْنَ بَلَائِهِمْ عِنْدَهُ وَيَذُمُّ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَأَنَّهُ خَلَعَ خَلِيفَتَيْنِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْرَأَ كِتَابَهُ عَلَى النَّاسِ، وَكَتَبَ كِتَابًا آخَرَ وَسَلَّمَهُ إِلَى الرَّسُولِ، وَاسْمُهُ بَاغِضَةُ، وَقَالَ لَهُ: إِنْ قَرَأَ كِتَابِي عَلَى النَّاسِ وَإِلَّا فَاقْرَأْ هَذَا الْكِتَابَ عَلَيْهِمْ. وَكَتَبَ حَسَّانُ إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَحْضُرُوا ذَلِكَ، فَقَدَمَ بَاغِضَةُ فَدَفَعَ كِتَابَ الضَّحَّاكِ إِلَيْهِ وَكِتَابَ بَنِي أُمَيَّةَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا كَانَتِ الْجُمُعَةُ صَعِدَ الضَّحَّاكُ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ لَهُ بَاغِضَةُ لِيُقْرَأْ كِتَابُ حَسَّانَ عَلَى النَّاسِ. فَقَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ: اجْلِسْ، فَقَامَ

стр. 1679

إِلَيْهِ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: اجْلِسْ، فَأَخْرَجَ بَاغِضَةُ الْكِتَابَ وَقَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ: صَدَقَ حَسَّانُ وَكَذَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَشَتَمَهُ. وَقِيلَ: كَانَ الْوَلِيدُ قَدْ مَاتَ بَعْدَ مَوْتِ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَزِيدَ وَقَامَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي الْغِمْسِ الْغَسَّانِيُّ وَسُفْيَانُ بْنُ الْأَبْرَدِ الْكَلْبِيُّ فَصَدَّقَا حَسَّانَ وَشَتَمَا ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَقَامَ عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ الْحَكَمِيُّ فَشَتَمَ حَسَّانَ وَأَثْنَى عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَأَمَرَ الضَّحَّاكُ بِالْوَلِيدِ وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي الْغِمْسِ فَحُبِسُوا، وَجَالَ النَّاسُ وَوَثَبَتْ كَلْبٌ عَلَى عَمْرِو بْنِ يَزِيدَ الْحَكَمِيِّ فَضَرَبُوهُ وَمَزَّقُوا ثِيَابَهُ، وَقَامَ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ فَصَعِدَ مِرْقَاتَيْنِ مِنَ الْمِنْبَرِ وَسَكَنَ النَّاسُ، وَنَزَلَ الضَّحَّاكُ فَصَلَّى الْجُمُعَةَ وَدَخَلَ الْقَصْرَ. فَجَاءَتْ كَلْبٌ فَأَخْرَجُوا سُفْيَانَ، وَجَاءَتْ غَسَّانُ فَأَخْرَجُوا يَزِيدَ، وَجَاءَ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ مَعَهُمَا أَخْوَالُهُمَا مِنْ كَلْبٍ فَأَخْرَجُوا الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ، وَكَانَ أَهْلُ الشَّامِ يُسَمُّونَ ذَلِكَ الْيَوْمَ يَوْمَ جَيْرُونَ الْأَوَّلِ. ثُمَّ خَرَجَ الضَّحَّاكُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَجَلَسَ فِيهِ وَذَكَرَ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ فَسَبَّهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ شَابٌّ مِنْ كَلْبٍ فَضَرَبَهُ بِعَصَا، فَقَامَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَاقْتَتَلُوا، قِيسٌ تَدْعُو إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ وَنُصْرَةِ الضَّحَّاكِ، وَكَلْبٌ تَدْعُو إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ ثُمَّ إِلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ لِأَنَّهُ ابْنُ أُخْتِهِمْ. وَدَخَلَ الضَّحَّاكُ دَارَ الْإِمَارَةِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْغَدِ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَبَعَثَ إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَأَنَّهُ لَا يُرِيدُ مَا يَكْرَهُونَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَكْتُبُوا إِلَى حَسَّانَ وَيَكْتُبَ مَعَهُمْ لِيَسِيرَ مِنَ الْأُرْدُنِّ إِلَى الْجَابِيَةِ وَيَسِيرُونَ هُمْ مِنْ دِمَشْقَ فَيَجْتَمِعُونَ مَعَهُ بِالْجَابِيَةِ وَيُبَايِعُونَ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، فَرَضُوا وَكَتَبُوا إِلَى حَسَّانَ، وَسَارَ الضَّحَّاكُ وَبَنُو أُمَيَّةَ نَحْوَ الْجَابِيَةِ، فَأَتَاهُ ثَوْرُ بْنُ مَعْنٍ السُّلَمِيُّ فَقَالَ: دَعَوْتَنَا إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فَبَايَعْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ وَأَنْتَ تَسِيرُ إِلَى هَذَا الْأَعْرَابِيِّ مِنْ كَلْبٍ تَسْتَخْلِفُ ابْنَ أُخْتِهِ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ! قَالَ الضَّحَّاكُ: فَمَا الرَّأْيُ؟ قَالَ: الرَّأْيُ أَنْ تُظْهِرَ مَا كُنَّا نَكْتُمُ وَتَدْعُوَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ. فَرَجَعَ الضَّحَّاكُ وَمِنْ مَعَهُ مِنَ النَّاسِ فَنَزَلَ بِمَرْجِ رَاهِطٍ وَدِمَشْقَ بِيَدِهِ، وَاجْتَمَعَ بَنُو أُمَيَّةَ وَحَسَّانُ وَغَيْرُهُمْ بِالْجَابِيَةِ، فَكَانَ حَسَّانُ يُصَلِّي بِهِمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَالنَّاسُ يَتَشَاوَرُونَ، وَكَانَ مَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ السَّكُونِيُّ يَهْوَى خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ، (وَالْحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ يَمِيلُ إِلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ مَالِكٌ لِلْحُصَيْنِ: هَلْ نُبَايِعُ هَذَا الْغُلَامَ الَّذِي نَحْنُ وَلَدْنَا أَبَاهُ وَقَدْ عَرَفْتَ مَنْزِلَتَنَا)

стр. 1680

مِنْ أَبِيهِ فَإِنَّهُ يَحْمِلُنَا عَلَى رِقَابِ الْعَرَبِ غَدًا؟ يَعْنِي خَالِدًا. فَقَالَ الْحُصَيْنُ: لَا وَاللَّهِ لَا تَأْتِينَا الْعَرَبُ بِشَيْخٍ وَنَأْتِيهَا بِصَبِيٍّ. فَقَالَ مَالِكٌ: وَاللَّهِ لَئِنِ اسْتَخْلَفْتَ مَرْوَانَ لَيَحْسُدُكَ عَلَى سَوْطِكَ وَشِرَاكِ نَعْلِكَ وَظِلِّ شَجَرَةٍ تَسْتَظِلُّ بِهَا، إِنَّ مَرْوَانَ أَبُو عَشِيرَةٍ وَأَخُو عَشِيرَةٍ فَإِنْ بَايَعْتُمُوهُ كُنْتُمْ عَبِيدًا لَهُمْ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِابْنِ أُخْتِكُمْ، فَقَالَ الْحُصَيْنُ: إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ قِنْدِيلًا مُعَلَّقًا مِنَ السَّمَاءِ وَأَنَّ مَنْ يَلِي الْخِلَافَةَ يَتَنَاوَلُهُ فَلَمْ يَنَلْهُ أَحَدٌ إِلَّا مَرْوَانَ، وَاللَّهِ لَنَسْتَخْلِفَنَّهُ. وَقَامَ رَوْحُ بْنُ زِنْبَاعٍ الْجُذَامِيُّ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَذْكُرُونَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَصُحْبَتَهُ وَقِدَمَهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَهُوَ كَمَا تَذْكُرُونَ، وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَلَيْسَ بِصَاحِبِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ الضَّعِيفُ، وَتَذْكُرُونَ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَهُوَ كَمَا تَذْكُرُونَ أَنَّهُ ابْنُ حَوَارِيِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَّهُ ابْنُ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ، وَلَكِنَّهُ مُنَافِقٌ قَدْ خَلَعَ خَلِيفَتَيْنِ يَزِيدَ وَابْنَهُ مُعَاوِيَةَ وَسَفَكَ الدِّمَاءَ وَشَقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ الْمُنَافِقُ بِصَاحِبِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، وَأَمَّا مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَوَاللَّهِ مَا كَانَ فِي الْإِسْلَامِ صَدْعٌ إِلَّا كَانَ مِمَّنْ يُشَعِّبُهُ، وَهُوَ الَّذِي قَاتَلَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَوْمَ الْجَمَلِ، وَإِنَّا نَرَى لِلنَّاسِ أَنْ يُبَايِعُوا الْكَبِيرَ وَيَسْتَشِيرُوا الصَّغِيرَ، يَعْنِي بِالْكَبِيرِ مَرْوَانَ، وَبِالصَّغِيرِ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ. فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى الْبَيْعَةِ لِمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، ثُمَّ لِخَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، ثُمَّ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ مِنْ بَعْدِ خَالِدٍ، عَلَى أَنَّ إِمْرَةَ دِمَشْقَ لِعَمْرٍو وَإِمْرَةَ حِمْصَ لِخَالِدِ بْنِ يَزِيدَ. فَدَعَا حَسَّانُ خَالِدًا فَقَالَ: يَا بْنَ أُخْتِي؛ إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَبَوْكَ لِحَدَاثَةِ سِنِّكَ وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أُرِيدُ هَذَا الْأَمْرَ إِلَّا لَكَ وَلِأَهْلِ بَيْتِكَ وَمَا أُبَايِعُ مَرْوَانَ إِلَّا نَظَرًا لَكُمْ. فَقَالَ خَالِدٌ: بَلْ عَجَزْتَ عَنَّا. قَالَ: وَاللَّهِ مَا عَجَزْتُ عَنْكُمْ وَلَكِنَّ الرَّأْيَ لَكَ مَا رَأَيْتُ. ثُمَّ بَايَعُوا مَرْوَانَ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، وَقَالَ مَرْوَانُ حِينَ بُويِعَ لَهُ: لَمَّا رَأَيْتُ الْأَمْرَ أَمْرًا نَهْبَا ... يَسَّرْتُ غَسَّانَ لَهُمْ وَكَلْبَا وَالسَّكْسَكِيِّينَ رِجَالًا غُلْبَا ... وَطِيِّئًا تَأْبَاهُ إِلَّا ضَرْبَا

стр. 1681

وَالِقِينُ تَمْشِي فِي الْحَدِيدِ نُكْبَا وَمِنْ تَنُوخَ مُشَمْخِرًّا صَعْبَا ... لَا يَأْخُذُونَ الْمُلْكَ إِلَّا غَصْبَا فَإِنْ دَنَتْ قَيْسٌ فَقُلْ لَا قُرْبَا (خُبَيْبٌ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَسُكُونِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ) . ذِكْرُ وَقْعَةِ مَرْجِ رَاهِطٍ وَقَتْلِ الضَّحَّاكِ وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ثُمَّ إِنَّ مَرْوَانَ لَمَّا بَايَعَهُ النَّاسُ سَارَ مِنَ الْجَابِيَةِ إِلَى مَرْجِ رَاهِطٍ، وَبِهِ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ وَمَعَهُ أَلْفُ فَارِسٍ، وَكَانَ قَدِ اسْتَمَدَّ الضَّحَّاكُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ وَهُوَ عَلَى حِمْصَ فَأَمَدَّهُ بِشُرَحْبِيلَ بْنِ ذِي الْكُلَاعِ، وَاسْتَمَدَّ أَيْضًا زُفَرَ بْنَ الْحَارِثِ وَهُوَ عَلَى قِنَّسْرِينَ فَأَمَدَّهُ بِأَهْلِ قِنَّسْرِينَ، وَأَمَدَّهُ نَاتِلُ بِأَهْلِ فِلَسْطِينَ، فَاجْتَمَعُوا عِنْدَهُ، وَاجْتَمَعَ عَلَى مَرْوَانَ كَلْبٌ وَغَسَّانُ وَالسَّكَاسِكُ وَالسَّكُونُ، وَجَعَلَ عَلَى مَيْمَنَتِهِ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ وَعَلَى مَسِيرَتِهِ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ، وَكَانَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي الْغِمْسِ الْغَسَّانِيُّ مُخْتَفِيًا بِدِمَشْقَ لَمْ يَشْهَدِ الْجَابِيَةَ، فَغَلَبَ عَلَى دِمَشْقَ وَأَخْرَجَ عَامِلَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ وَغَلَبَ عَلَى الْخَزَائِنِ وَبَيْتِ الْمَالِ وَبَايَعَ لِمَرْوَانَ وَأَمَدَّهُ بِالْأَمْوَالِ وَالرِّجَالِ وَالسِّلَاحِ، فَكَانَ أَوَّلَ فَتْحٍ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ. وَتَحَارَبَ مَرْوَانُ وَالضَّحَّاكُ بِمَرْجِ رَاهِطٍ عِشْرِينَ لَيْلَةً وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ الضَّحَّاكُ، قَتَلَهُ دِحْيَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَقُتِلَ مَعَهُ ثَمَانُونَ رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ الشَّامِ، وَقُتِلَ أَهْلُ الشَّامِ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَقُتِلَتْ قَيْسٌ مَقْتَلَةً لَمْ يُقْتَلْ مِثْلَهَا فِي مَوْطِنٍ قَطُّ، وَكَانَ فِيمَنْ قُتِلَ هَانِئُ بْنُ قَبِيصَةَ النُّمَيْرِيُّ سَيِّدُ قَوْمِهِ، كَانَ مَعَ الضَّحَّاكِ، قَتَلَهُ وَازِعُ بْنُ ذُؤَالَةَ الْكَلْبِيُّ، (فَلَمَّا سَقَطَ جَرِيحًا قَالَ: تَعِسْتَ ابْنَ ذَاتِ النَّوْفِ أَجْهِزْ عَلَى ... فَتًى يَرَى الْمَوْتَ خَيْرًا مِنْ فِرَارٍ وَأَلْزَمَا وَلَا تَتْرُكَنِّي بِالْحُشَاشَةِ إِنَّنِي ... صَبُورٌ إِذَا [مَا] النِّكْسُ مِثْلُكَ أَحْجَمَا فَعَادَ إِلَيْهِ وَازِعٌ فَقَتَلَهُ) .

стр. 1682

وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَتْ فِي آخِرِ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ. وَلَمَّا رَأَى مَرْوَانُ رَأْسَ الضَّحَّاكِ سَاءَهُ ذَلِكَ وَقَالَ: الْآنَ حِينَ كَبِرَتْ سِنِّي وَدَقَّ عَظْمِي وَصِرْتُ فِي مِثْلِ ظِمْءِ الْحِمَارِ، أَقْبَلْتُ بِالْكَتَائِبِ أَضْرِبُ بَعْضَهَا بَعْضًا! وَلَمَّا انْهَزَمَ النَّاسُ مِنَ الْمَرْجِ لَحِقُوا بِأَجْنَادِهِمْ، فَانْتَهَى أَهْلُ حِمْصَ إِلَيْهَا وَعَلَيْهَا النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، فَلَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ خَرَجَ هَارِبًا لَيْلًا وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ نَائِلَةُ بِنْتُ عُمَارَةَ الْكَلْبِيَّةُ وَثَقَلُهُ وَأَوْلَادُهُ، فَتَحَيَّرَ لَيْلَتَهُ كُلَّهَا، وَأَصْبَحَ أَهْلُ حِمْصَ فَطَلَبُوهُ، وَكَانَ طَلَبَهُ عَمْرُو بْنُ الْجَلِيِّ الْكَلَاعِيُّ، فَقَتَلَهُ وَرَدَّ أَهْلَهُ وَالرَّأْسَ مَعَهُ، وَجَاءَتْ كَلْبٌ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ فَأَخَذُوا نَائِلَةَ وَوَلَدَهَا مَعَهَا. وَلَمَّا بَلَغَتِ الْهَزِيمَةُ زُفَرَ بْنَ الْحَارِثِ الْكِلَابِيَّ بِقِنِّسْرِينَ هَرَبَ مِنْهَا فَلَحِقَ بِقَرْقِيسْيَا وَعَلَيْهَا عِيَاضٌ الْحَرَشِيُّ، وَكَانَ يَزِيدُ وَلَّاهُ إِيَّاهَا، فَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَدْخُلَ الْحَمَّامَ، وَيَحْلِفَ لَهُ بِالطَّلِاقِ وَالْعِتَاقِ عَلَى أَنَّهُ حِينَمَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَمَّامِ لَا يُقِيمُ بِهَا، فَأَذِنَ لَهُ، فَدَخَلَهَا فَغَلَبَ عَلَيْهَا وَتَحَصَّنَ بِهَا وَلَمْ يَدْخُلْ حَمَّامَهَا، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قِيسٌ. وَهَرَبَ نَاتِلُ بْنُ قَيْسٍ الْجُذَامِيُّ عَنْ فِلَسْطِينَ فَلَحِقَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ، وَاسْتَعْمَلَ مَرْوَانُ بَعْدَهُ عَلَى فِلَسْطِينَ رَوْحَ بْنَ زِنْبَاعٍ وَاسْتَوْثَقَ الشَّامُ لِمَرْوَانَ وَاسْتَعْمَلَ عُمَّالَهُ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ إِنَّمَا جَاءَ إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ وَهُمْ بِتَدْمُرَ، وَمَرْوَانُ يُرِيدُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ لِيُبَايِعَهُ وَيَأْخُذَ مِنْهُ الْأَمَانَ لِبَنِي أُمَيَّةَ، فَرَدَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ بِأَهْلِ تَدْمُرَ إِلَى الضَّحَّاكِ فَيُقَاتِلَهُ، وَوَافَقَهُ عَمْرُو بْنَ سَعِيدٍ وَأَشَارَ عَلَى مَرْوَانَ بِأَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ لِيَسْقُطَ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ فَتَزَوَّجَهَا، وَهِيَ فَاخِتَةُ ابْنَةُ أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ، ثُمَّ جَمَعَ بَنِي أُمَيَّةَ فَبَايَعُوهُ وَبَايَعَهُ أَهْلُ تَدْمُرَ، وَسَارَ إِلَى الضَّحَّاكِ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ، فَخَرَجَ الضَّحَّاكُ إِلَيْهِ فَتَقَاتَلَا فَانْهَزَمَ الضَّحَّاكُ وَمَنْ مَعَهُ وَقُتِلَ الضَّحَّاكُ.

стр. 1683

وَسَارَ زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ إِلَى قَرْقِيسْيَا، وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ قَيْسٌ، وَصَحِبَهُ فِي هَزِيمَتِهِ إِلَى قَرْقِيسْيَا شَابَّانِ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، فَجَاءَتْ خَيْلُ مَرْوَانَ تَطْلُبُهُمْ، فَقَالَ الشَّابَّانِ لِزُفَرَ: انْجُ بِنَفْسِكَ فَإِنَّا نَحْنُ نُقْتَلُ، فَمَضَى زُفَرُ وَتَرَكَهُمَا فَقُتِلَا، (وَقَالَ زُفَرُ فِي ذَلِكَ: أَرِينِي سِلَاحِي لَا أَبَا لَكِ إِنَّنِي ... أَرَى الْحَرْبَ لَا تَزْدَادُ إِلَّا تَمَادِيَا أَتَانِي عَنْ مَرْوَانَ بِالْغَيْبِ أَنَّهُ ... مُقَيِّدٌ دَمِي أَوْ قَاطِعٌ مِنْ لِسَانِيَا فَفِي الْعِيسِ مَنْجَاةٌ وَفِي الْأَرْضِ مَهْرَبٌ ... إِذَا نَحْنُ رَفَّعْنَا لَهُنَّ الْمَثَانِيَا فَلَا تَحْسَبُونِي إِنْ تَغَيَّبْتُ غَافِلًا ... وَلَا تَفْرَحُوا إِنْ جِئْتُكُمْ بِلِقَائِيَا فَقَدْ يَنْبُتُ الْمَرْعَى عَلَى دِمَنِ الثَّرَى ... لَهُ وَرَقٌ مِنْ تَحْتِهِ الشَّرُّ بَادِيَا وَنَمْضِي وَلَا يَبْقَى عَلَى الْأَرْضِ دِمْنَةٌ ... وَتَبْقَى حَزَازَاتُ النُّفُوسِ كَمَا هِيَا لَعَمْرِي لَقَدْ أَبْقَتْ وَقِيعَةُ رَاهِطٍ ... لِحَسَّانَ صَدْعًا بَيِّنًا مُتَنَائِيَا فَلَمْ تُرَ مِنِّي نَبْوَةٌ قَبْلَ هَذِهِ فِرَارِي ... وَتَرْكِي صَاحِبَيَّ وَرَائِيَا عَشِيَّةَ أَدْعُو فِي الْقِرَانِ فَلَا أَرَى ... مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَنْ عَلَيَّ وَلَا لِيَا أَيَذْهَبُ يَوْمٌ وَاحِدٌ إِنْ أَسَأْتُهُ ... بِصَالِحِ أَيَّامِي وَحُسْنِ بَلَائِيَا فَلَا صُلْحَ حَتَّى تَنْحِطَ الْخَيْلُ بِالْقَنَا ... وَتَثْأَرَ مِنْ نِسْوَانِ كَلْبٍ نِسَائِيَا أَلَا لَيْتَ شِعْرِي. هَلْ تُصِيبَنَّ غَارَتِي ... تَنُوخًا وَحَيَّيْ طَيِّئٍ مِنْ شِفَائِيَا

стр. 1684

فَأَجَابَهُ جَوَّاسُ بْنُ الْقَعْطَلِ: لَعَمْرِي لَقَدْ أَبْقَتْ وَقِيعَةُ رَاهِطٍ ... عَلَى زُفَرٍ مُرًّا مِنَ الدَّاءِ بَاقِيَا مُقِيمًا ثَوَى بَيْنَ الضُّلُوعِ مَحَلُّهُ ... وَبَيْنَ الْحَشَا أَعْيَا الطَّبِيبَ الْمُدَاوِيَا تَبْكِي عَلَى قَتْلَى سُلَيْمٍ وَعَامِرٍ ... وَذُبْيَانَ مَعْذُورًا وَتُبْكِي الْبَوَاكِيَا دَعَا بِالسِّلَاحِ ثُمَّ أَحْجَمَ إِذْ رَأَى ... سُيُوفَ جَنَابٍ وَالطَّوَالَ الْمُذَاكِيَا عَلَيْهَا كَأُسْدِ الْغَابِ فِتْيَانُ نَجْدَةٍ ... إِذَا شَرَعُوا نَحْوَ الطِّعَانِ الْعَوَالِيَا وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْجَلِيِّ الْكَلْبِيُّ: بَكَى زُفَرُ الْقَيْسِيُّ مِنْ هُلْكِ قَوْمِهِ ... بِعَبْرَةِ عَيْنٍ مَا يَجِفُّ سُجُومُهَا يَبْكِي عَلَى قَتْلَى أُصِيبَتْ بِرَاهِطٍ ... تُجَاوِبُهُ هَامُ الْقِفَارِ وَبُومُهَا أَبَحْنَا حِمًى لِلْحَيِّ قِيسٍ بِرَاهِطٍ ... وَوَلَّتْ شِلَالًا وَاسْتُبِيحَ حَرِيمُهَا يُبَكِّيهِمْ حَرَّانَ تَجْرِي دُمُوعُهُ ... يُرَجِّي نِزَارًا أَنْ تَئُوِبَ حُلُومُهَا فَمُتْ كَمَدًا أَوْ عِشْ ذَلِيلًا مُهَضَّمًا ... بِحَسْرَةِ نَفْسٍ لَا تَنَامُ هُمُومُهَا فِي أَبْيَاتِ. (يَزِيدَ بْنِ أَبِي الْغِمْسِ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَقِيلَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَكَانَ قَدِ ارْتَدَّ

стр. 1685

عَنِ الْإِسْلَامِ وَدَخَلَ الرُّومَ مَعَ جَبَلَةَ بْنِ الْأَيْهَمِ ثُمَّ عَاوَدَ الْإِسْلَامَ وَشَهِدَ صِفِّينَ مَعَ مُعَاوِيَةَ وَعَاشَ إِلَى أَيَّامِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ. وَنَاتِلُ: بِالنُّونِ، وَالتَّاءِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ فَوْقَ بِاثْنَتَيْنِ) . ذِكْرُ فَتْحِ مَرْوَانَ مِصْرَ فَلَمَّا قُتِلَ الضَّحَّاكُ وَأَصْحَابُهُ وَاسْتَقَرَّ الشَّامُ لِمَرْوَانَ سَارَ إِلَى مِصْرَ فَقَدِمَهَا وَعَلَيْهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَحْدَمٍ الْقُرَشِيُّ يَدْعُو إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَخَرَجَ إِلَى مَرْوَانَ فِيمَنْ مَعَهُ، وَبَعَثَ مَرْوَانُ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ مِنْ وَرَائِهِ حَتَّى دَخَلَ مِصْرَ، فَقِيلَ لِابْنِ جَحْدَمٍ ذَلِكَ، فَرَجَعَ وَبَايَعَ النَّاسُ مَرْوَانَ وَرَجَعَ إِلَى دِمَشْقَ. فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَدْ بَعَثَ إِلَيْهِ أَخَاهُ مُصْعَبًا فِي جَيْشٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَرْوَانُ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الشَّامَ، فَقَتَلَهُ، فَانْهَزَمَ مُصْعَبٌ وَأَصْحَابُهُ، وَكَانَ مُصْعَبٌ شُجَاعًا. ثُمَّ عَادَ مَرْوَانُ إِلَى دِمَشْقَ وَاسْتَقَرَّ بِهَا. وَقَدْ كَانَ الْحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ وَمَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ قَدِ اشْتَرَطَا عَلَى مَرْوَانَ شُرُوطًا لَهُمَا وَلِخَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، فَلَمَّا تَوَطَّنَ مُلْكَهُ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ وَمَالِكٌ عِنْدَهُ: إِنَّ قَوْمًا يَدَّعُونَ شُرُوطًا، مِنْهُمْ عَطَّارَةٌ مُكَحَّلَةٌ، يَعْنِي مَالِكًا وَكَانَ يَتَطَيَّبُ وَيَتَكَحَّلُ، فَقَالَ مَالِكٌ: هَذَا وَلَمَّا تَرِدِي تِهَامَةَ وَيَبْلُغَ الْحِزَامُ الطُّبْيَيْنِ. فَقَالَ مَرْوَانُ: مَهْلًا يَا أَبَا سُلَيْمَانَ، إِنَّمَا دَاعَبْنَاكَ! فَقَالَ: هُوَ ذَاكَ. ذِكْرُ بَيْعَةِ أَهْلِ خُرَاسَانَ سَلْمَ بْنَ زِيَادٍ وَأَمْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ وَلَمَّا بَلَغَ سَلْمَ بْنَ زِيَادٍ، وَهُوَ بِخُرَاسَانَ، مَوْتُ يَزِيدَ كَتَمَ (ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ عَرَادَةَ: يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمُغَلِّقُ بَابَهُ ... حَدَثَتْ أُمُورٌ شَأْنُهُنَّ عَظِيمُ قَتْلَى بِحَرَّةَ وَالَّذِينَ بِكَابُلٍ ... وَيَزِيدُ أُعْلِنَ شَأْنُهُ الْمَكْتُومُ أَبَنِي أُمَيَّةَ إِنَّ آخِرَ مَلْكِكُمْ ... جَسَدٌ بِحُوَّارِينَ ثُمَّ مُقِيمُ طَرَقَتْ مَنِيَّتُهُ وَعِنْدَ وِسَادِهِ ... كُوبُ وَزِقٌّ رَاعِفٌ مَرْثُومُ
следующие страницы →