Полный текст (6 163 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
وَالِقِينُ تَمْشِي فِي الْحَدِيدِ نُكْبَا
وَمِنْ تَنُوخَ مُشَمْخِرًّا صَعْبَا ... لَا يَأْخُذُونَ الْمُلْكَ إِلَّا غَصْبَا
فَإِنْ دَنَتْ قَيْسٌ فَقُلْ لَا قُرْبَا
(خُبَيْبٌ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَسُكُونِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ) .
ذِكْرُ وَقْعَةِ مَرْجِ رَاهِطٍ وَقَتْلِ الضَّحَّاكِ وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ
ثُمَّ إِنَّ مَرْوَانَ لَمَّا بَايَعَهُ النَّاسُ سَارَ مِنَ الْجَابِيَةِ إِلَى مَرْجِ رَاهِطٍ، وَبِهِ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ وَمَعَهُ أَلْفُ فَارِسٍ، وَكَانَ قَدِ اسْتَمَدَّ الضَّحَّاكُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ وَهُوَ عَلَى حِمْصَ فَأَمَدَّهُ بِشُرَحْبِيلَ بْنِ ذِي الْكُلَاعِ، وَاسْتَمَدَّ أَيْضًا زُفَرَ بْنَ الْحَارِثِ وَهُوَ عَلَى قِنَّسْرِينَ فَأَمَدَّهُ بِأَهْلِ قِنَّسْرِينَ، وَأَمَدَّهُ نَاتِلُ بِأَهْلِ فِلَسْطِينَ، فَاجْتَمَعُوا عِنْدَهُ، وَاجْتَمَعَ عَلَى مَرْوَانَ كَلْبٌ وَغَسَّانُ وَالسَّكَاسِكُ وَالسَّكُونُ، وَجَعَلَ عَلَى مَيْمَنَتِهِ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ وَعَلَى مَسِيرَتِهِ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ، وَكَانَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي الْغِمْسِ الْغَسَّانِيُّ مُخْتَفِيًا بِدِمَشْقَ لَمْ يَشْهَدِ الْجَابِيَةَ، فَغَلَبَ عَلَى دِمَشْقَ وَأَخْرَجَ عَامِلَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ وَغَلَبَ عَلَى الْخَزَائِنِ وَبَيْتِ الْمَالِ وَبَايَعَ لِمَرْوَانَ وَأَمَدَّهُ بِالْأَمْوَالِ وَالرِّجَالِ وَالسِّلَاحِ، فَكَانَ أَوَّلَ فَتْحٍ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ.
وَتَحَارَبَ مَرْوَانُ وَالضَّحَّاكُ بِمَرْجِ رَاهِطٍ عِشْرِينَ لَيْلَةً وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ الضَّحَّاكُ، قَتَلَهُ دِحْيَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَقُتِلَ مَعَهُ ثَمَانُونَ رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ الشَّامِ، وَقُتِلَ أَهْلُ الشَّامِ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَقُتِلَتْ قَيْسٌ مَقْتَلَةً لَمْ يُقْتَلْ مِثْلَهَا فِي مَوْطِنٍ قَطُّ، وَكَانَ فِيمَنْ قُتِلَ هَانِئُ بْنُ قَبِيصَةَ النُّمَيْرِيُّ سَيِّدُ قَوْمِهِ، كَانَ مَعَ الضَّحَّاكِ، قَتَلَهُ وَازِعُ بْنُ ذُؤَالَةَ الْكَلْبِيُّ، (فَلَمَّا سَقَطَ جَرِيحًا قَالَ:
تَعِسْتَ ابْنَ ذَاتِ النَّوْفِ أَجْهِزْ عَلَى ... فَتًى يَرَى الْمَوْتَ خَيْرًا مِنْ فِرَارٍ وَأَلْزَمَا
وَلَا تَتْرُكَنِّي بِالْحُشَاشَةِ إِنَّنِي ... صَبُورٌ إِذَا [مَا] النِّكْسُ مِثْلُكَ أَحْجَمَا
فَعَادَ إِلَيْهِ وَازِعٌ فَقَتَلَهُ) .
стр. 1682
وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَتْ فِي آخِرِ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ.
وَلَمَّا رَأَى مَرْوَانُ رَأْسَ الضَّحَّاكِ سَاءَهُ ذَلِكَ وَقَالَ: الْآنَ حِينَ كَبِرَتْ سِنِّي وَدَقَّ عَظْمِي وَصِرْتُ فِي مِثْلِ ظِمْءِ الْحِمَارِ، أَقْبَلْتُ بِالْكَتَائِبِ أَضْرِبُ بَعْضَهَا بَعْضًا! وَلَمَّا انْهَزَمَ النَّاسُ مِنَ الْمَرْجِ لَحِقُوا بِأَجْنَادِهِمْ، فَانْتَهَى أَهْلُ حِمْصَ إِلَيْهَا وَعَلَيْهَا النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، فَلَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ خَرَجَ هَارِبًا لَيْلًا وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ نَائِلَةُ بِنْتُ عُمَارَةَ الْكَلْبِيَّةُ وَثَقَلُهُ وَأَوْلَادُهُ، فَتَحَيَّرَ لَيْلَتَهُ كُلَّهَا، وَأَصْبَحَ أَهْلُ حِمْصَ فَطَلَبُوهُ، وَكَانَ طَلَبَهُ عَمْرُو بْنُ الْجَلِيِّ الْكَلَاعِيُّ، فَقَتَلَهُ وَرَدَّ أَهْلَهُ وَالرَّأْسَ مَعَهُ، وَجَاءَتْ كَلْبٌ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ فَأَخَذُوا نَائِلَةَ وَوَلَدَهَا مَعَهَا.
وَلَمَّا بَلَغَتِ الْهَزِيمَةُ زُفَرَ بْنَ الْحَارِثِ الْكِلَابِيَّ بِقِنِّسْرِينَ هَرَبَ مِنْهَا فَلَحِقَ بِقَرْقِيسْيَا وَعَلَيْهَا عِيَاضٌ الْحَرَشِيُّ، وَكَانَ يَزِيدُ وَلَّاهُ إِيَّاهَا، فَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَدْخُلَ الْحَمَّامَ، وَيَحْلِفَ لَهُ بِالطَّلِاقِ وَالْعِتَاقِ عَلَى أَنَّهُ حِينَمَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَمَّامِ لَا يُقِيمُ بِهَا، فَأَذِنَ لَهُ، فَدَخَلَهَا فَغَلَبَ عَلَيْهَا وَتَحَصَّنَ بِهَا وَلَمْ يَدْخُلْ حَمَّامَهَا، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قِيسٌ.
وَهَرَبَ نَاتِلُ بْنُ قَيْسٍ الْجُذَامِيُّ عَنْ فِلَسْطِينَ فَلَحِقَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ، وَاسْتَعْمَلَ مَرْوَانُ بَعْدَهُ عَلَى فِلَسْطِينَ رَوْحَ بْنَ زِنْبَاعٍ وَاسْتَوْثَقَ الشَّامُ لِمَرْوَانَ وَاسْتَعْمَلَ عُمَّالَهُ عَلَيْهَا.
وَقِيلَ: إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ إِنَّمَا جَاءَ إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ وَهُمْ بِتَدْمُرَ، وَمَرْوَانُ يُرِيدُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ لِيُبَايِعَهُ وَيَأْخُذَ مِنْهُ الْأَمَانَ لِبَنِي أُمَيَّةَ، فَرَدَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ بِأَهْلِ تَدْمُرَ إِلَى الضَّحَّاكِ فَيُقَاتِلَهُ، وَوَافَقَهُ عَمْرُو بْنَ سَعِيدٍ وَأَشَارَ عَلَى مَرْوَانَ بِأَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ لِيَسْقُطَ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ فَتَزَوَّجَهَا، وَهِيَ فَاخِتَةُ ابْنَةُ أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ، ثُمَّ جَمَعَ بَنِي أُمَيَّةَ فَبَايَعُوهُ وَبَايَعَهُ أَهْلُ تَدْمُرَ، وَسَارَ إِلَى الضَّحَّاكِ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ، فَخَرَجَ الضَّحَّاكُ إِلَيْهِ فَتَقَاتَلَا فَانْهَزَمَ الضَّحَّاكُ وَمَنْ مَعَهُ وَقُتِلَ الضَّحَّاكُ.
стр. 1683
وَسَارَ زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ إِلَى قَرْقِيسْيَا، وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ قَيْسٌ، وَصَحِبَهُ فِي هَزِيمَتِهِ إِلَى قَرْقِيسْيَا شَابَّانِ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، فَجَاءَتْ خَيْلُ مَرْوَانَ تَطْلُبُهُمْ، فَقَالَ الشَّابَّانِ لِزُفَرَ: انْجُ بِنَفْسِكَ فَإِنَّا نَحْنُ نُقْتَلُ، فَمَضَى زُفَرُ وَتَرَكَهُمَا فَقُتِلَا، (وَقَالَ زُفَرُ فِي ذَلِكَ:
أَرِينِي سِلَاحِي لَا أَبَا لَكِ إِنَّنِي ... أَرَى الْحَرْبَ لَا تَزْدَادُ إِلَّا تَمَادِيَا
أَتَانِي عَنْ مَرْوَانَ بِالْغَيْبِ أَنَّهُ ... مُقَيِّدٌ دَمِي أَوْ قَاطِعٌ مِنْ لِسَانِيَا
فَفِي الْعِيسِ مَنْجَاةٌ وَفِي الْأَرْضِ مَهْرَبٌ ... إِذَا نَحْنُ رَفَّعْنَا لَهُنَّ الْمَثَانِيَا
فَلَا تَحْسَبُونِي إِنْ تَغَيَّبْتُ غَافِلًا ... وَلَا تَفْرَحُوا إِنْ جِئْتُكُمْ بِلِقَائِيَا
فَقَدْ يَنْبُتُ الْمَرْعَى عَلَى دِمَنِ الثَّرَى ... لَهُ وَرَقٌ مِنْ تَحْتِهِ الشَّرُّ بَادِيَا
وَنَمْضِي وَلَا يَبْقَى عَلَى الْأَرْضِ دِمْنَةٌ ... وَتَبْقَى حَزَازَاتُ النُّفُوسِ كَمَا هِيَا
لَعَمْرِي لَقَدْ أَبْقَتْ وَقِيعَةُ رَاهِطٍ ... لِحَسَّانَ صَدْعًا بَيِّنًا مُتَنَائِيَا
فَلَمْ تُرَ مِنِّي نَبْوَةٌ قَبْلَ هَذِهِ فِرَارِي ... وَتَرْكِي صَاحِبَيَّ وَرَائِيَا
عَشِيَّةَ أَدْعُو فِي الْقِرَانِ فَلَا أَرَى ... مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَنْ عَلَيَّ وَلَا لِيَا
أَيَذْهَبُ يَوْمٌ وَاحِدٌ إِنْ أَسَأْتُهُ ... بِصَالِحِ أَيَّامِي وَحُسْنِ بَلَائِيَا
فَلَا صُلْحَ حَتَّى تَنْحِطَ الْخَيْلُ بِالْقَنَا ... وَتَثْأَرَ مِنْ نِسْوَانِ كَلْبٍ نِسَائِيَا
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي. هَلْ تُصِيبَنَّ غَارَتِي ... تَنُوخًا وَحَيَّيْ طَيِّئٍ مِنْ شِفَائِيَا
стр. 1684
فَأَجَابَهُ جَوَّاسُ بْنُ الْقَعْطَلِ:
لَعَمْرِي لَقَدْ أَبْقَتْ وَقِيعَةُ رَاهِطٍ ... عَلَى زُفَرٍ مُرًّا مِنَ الدَّاءِ بَاقِيَا
مُقِيمًا ثَوَى بَيْنَ الضُّلُوعِ مَحَلُّهُ ... وَبَيْنَ الْحَشَا أَعْيَا الطَّبِيبَ الْمُدَاوِيَا
تَبْكِي عَلَى قَتْلَى سُلَيْمٍ وَعَامِرٍ ... وَذُبْيَانَ مَعْذُورًا وَتُبْكِي الْبَوَاكِيَا
دَعَا بِالسِّلَاحِ ثُمَّ أَحْجَمَ إِذْ رَأَى ... سُيُوفَ جَنَابٍ وَالطَّوَالَ الْمُذَاكِيَا
عَلَيْهَا كَأُسْدِ الْغَابِ فِتْيَانُ نَجْدَةٍ ... إِذَا شَرَعُوا نَحْوَ الطِّعَانِ الْعَوَالِيَا
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْجَلِيِّ الْكَلْبِيُّ:
بَكَى زُفَرُ الْقَيْسِيُّ مِنْ هُلْكِ قَوْمِهِ ... بِعَبْرَةِ عَيْنٍ مَا يَجِفُّ سُجُومُهَا
يَبْكِي عَلَى قَتْلَى أُصِيبَتْ بِرَاهِطٍ ... تُجَاوِبُهُ هَامُ الْقِفَارِ وَبُومُهَا
أَبَحْنَا حِمًى لِلْحَيِّ قِيسٍ بِرَاهِطٍ ... وَوَلَّتْ شِلَالًا وَاسْتُبِيحَ حَرِيمُهَا
يُبَكِّيهِمْ حَرَّانَ تَجْرِي دُمُوعُهُ ... يُرَجِّي نِزَارًا أَنْ تَئُوِبَ حُلُومُهَا
فَمُتْ كَمَدًا أَوْ عِشْ ذَلِيلًا مُهَضَّمًا ... بِحَسْرَةِ نَفْسٍ لَا تَنَامُ هُمُومُهَا
فِي أَبْيَاتِ.
(يَزِيدَ بْنِ أَبِي الْغِمْسِ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَقِيلَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَكَانَ قَدِ ارْتَدَّ
стр. 1685
عَنِ الْإِسْلَامِ وَدَخَلَ الرُّومَ مَعَ جَبَلَةَ بْنِ الْأَيْهَمِ ثُمَّ عَاوَدَ الْإِسْلَامَ وَشَهِدَ صِفِّينَ مَعَ مُعَاوِيَةَ وَعَاشَ إِلَى أَيَّامِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ.
وَنَاتِلُ: بِالنُّونِ، وَالتَّاءِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ فَوْقَ بِاثْنَتَيْنِ) .
ذِكْرُ فَتْحِ مَرْوَانَ مِصْرَ
فَلَمَّا قُتِلَ الضَّحَّاكُ وَأَصْحَابُهُ وَاسْتَقَرَّ الشَّامُ لِمَرْوَانَ سَارَ إِلَى مِصْرَ فَقَدِمَهَا وَعَلَيْهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَحْدَمٍ الْقُرَشِيُّ يَدْعُو إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَخَرَجَ إِلَى مَرْوَانَ فِيمَنْ مَعَهُ، وَبَعَثَ مَرْوَانُ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ مِنْ وَرَائِهِ حَتَّى دَخَلَ مِصْرَ، فَقِيلَ لِابْنِ جَحْدَمٍ ذَلِكَ، فَرَجَعَ وَبَايَعَ النَّاسُ مَرْوَانَ وَرَجَعَ إِلَى دِمَشْقَ.
فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَدْ بَعَثَ إِلَيْهِ أَخَاهُ مُصْعَبًا فِي جَيْشٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَرْوَانُ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الشَّامَ، فَقَتَلَهُ، فَانْهَزَمَ مُصْعَبٌ وَأَصْحَابُهُ، وَكَانَ مُصْعَبٌ شُجَاعًا.
ثُمَّ عَادَ مَرْوَانُ إِلَى دِمَشْقَ وَاسْتَقَرَّ بِهَا.
وَقَدْ كَانَ الْحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ وَمَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ قَدِ اشْتَرَطَا عَلَى مَرْوَانَ شُرُوطًا لَهُمَا وَلِخَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، فَلَمَّا تَوَطَّنَ مُلْكَهُ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ وَمَالِكٌ عِنْدَهُ: إِنَّ قَوْمًا يَدَّعُونَ شُرُوطًا، مِنْهُمْ عَطَّارَةٌ مُكَحَّلَةٌ، يَعْنِي مَالِكًا وَكَانَ يَتَطَيَّبُ وَيَتَكَحَّلُ، فَقَالَ مَالِكٌ: هَذَا وَلَمَّا تَرِدِي تِهَامَةَ وَيَبْلُغَ الْحِزَامُ الطُّبْيَيْنِ.
فَقَالَ مَرْوَانُ: مَهْلًا يَا أَبَا سُلَيْمَانَ، إِنَّمَا دَاعَبْنَاكَ! فَقَالَ: هُوَ ذَاكَ.
ذِكْرُ بَيْعَةِ أَهْلِ خُرَاسَانَ سَلْمَ بْنَ زِيَادٍ وَأَمْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ
وَلَمَّا بَلَغَ سَلْمَ بْنَ زِيَادٍ، وَهُوَ بِخُرَاسَانَ، مَوْتُ يَزِيدَ كَتَمَ (ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ عَرَادَةَ:
يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمُغَلِّقُ بَابَهُ ... حَدَثَتْ أُمُورٌ شَأْنُهُنَّ عَظِيمُ
قَتْلَى بِحَرَّةَ وَالَّذِينَ بِكَابُلٍ ... وَيَزِيدُ أُعْلِنَ شَأْنُهُ الْمَكْتُومُ
أَبَنِي أُمَيَّةَ إِنَّ آخِرَ مَلْكِكُمْ ... جَسَدٌ بِحُوَّارِينَ ثُمَّ مُقِيمُ
طَرَقَتْ مَنِيَّتُهُ وَعِنْدَ وِسَادِهِ ... كُوبُ وَزِقٌّ رَاعِفٌ مَرْثُومُ
стр. 1686
وَمُرِنَّةٌ تَبْكِي عَلَى نَشْوَانِهِ ... بِالصُّبْحِ تَقْعُدُ مَرَّةً وَتَقُومُ
فَلَمَّا أَظْهَرَ شِعْرَهُ أَظْهَرَ سَلْمٌ مَوْتَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَابْنِهِ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَزِيدَ وَدَعَا النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ عَلَى الرِّضَى حَتَّى يَسْتَقِيمَ أَمْرُ النَّاسِ عَلَى خَلِيفَةٍ، فَبَايَعُوهُ ثُمَّ نَكَثُوا بِهِ بَعْدَ شَهْرَيْنِ، وَكَانَ مُحْسِنًا إِلَيْهِمْ مَحْبُوبًا فِيهِمْ، فَلَمَّا خُلِعَ عَنْهُمُ اسْتُخْلِفَ عَلَيْهِمُ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ، وَلَمَّا كَانَ بِسَرَخْسَ لَقِيَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ مَرْثَدٍ، أَحَدُ بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَقَالَ لَهُ: ضَاقَتْ عَلَيْكَ نِزَارٌ حَتَّى خَلَّفْتَ عَلَى خُرَاسَانَ رَجُلًا مِنَ الْيَمَنِ؟ يَعْنِي الْمُهَلَّبَ، وَكَانَ أَزْدِيًّا وَالْأَزْدُ مِنَ الْيَمَنِ، فَوَلَّاهُ مَرْوَ الرُّوذِ وَالْفَارَيَابَ وَالطَّالَقَانَ وَالْجُوزَجَانَ، وَوَلَّى أَوْسَ بْنَ ثَعْلَبَةَ بْنَ زُفَرَ، وَهُوَ صَاحِبُ قَصْرِ أَوْسٍ بِالْبَصْرَةِ، هَرَاةَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى نَيْسَابُورَ لِقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ فَقَالَ: مَنْ وَلَّيْتَ خُرَاسَانَ؟ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: أَمَا وَجَدْتَ فِي الْمِصْرِ مَنْ تَسْتَعْمِلُهُ حَتَّى فَرَّقْتَ خُرَاسَانَ بَيْنَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَالْيَمَنِ؟ اكْتُبْ لِي عَهْدًا عَلَى خُرَاسَانَ.
فَكَتَبَ لَهُ وَأَعْطَاهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ.
وَسَارَ ابْنُ خَازِمٍ إِلَى مَرْوَ، وَبَلَغَ خَبَرُهُ الْمُهَلَّبَ فَأَقْبَلَ وَاسْتَخْلَفَ رَجُلًا مِنْ بَنِي جُشَمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، فَلَمَّا وَصَلَهَا ابْنُ خَازِمٍ مَنَعَهُ الْجُشَمِيُّ وَجَرَتْ بَيْنَهُمَا مُنَاوَشَةٌ، فَأَصَابَتِ الْجُشَمِيَّ رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ فِي جَبْهَتِهِ، وَتَحَاجَزُوا، وَدَخَلَهَا ابْنُ خَازِمٍ، وَمَاتَ الْجُشَمِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمَيْنِ.
ثُمَّ سَارَ ابْنُ خَازِمٍ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ مَرْثَدٍ بِمَرْوِ الرُّوذِ فَقَاتَلَهُ أَيَّامًا فَقُتِلَ سُلَيْمَانُ، ثُمَّ سَارَ إِلَى عَمْرِو بْنِ مَرْثَدٍ وَهُوَ بِالطَّالَقَانِ فَاقْتَتَلُوا طَوِيلًا فَقُتِلَ عَمْرُو بْنُ مَرْثَدٍ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ فَلَحِقُوا بِهَرَاةَ بِأَوْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَرَجَعَ ابْنُ خَازِمٍ إِلَى مَرْوَ وَهَرَبَ مَنْ كَانَ بِمَرْوِ الرُّوذِ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ إِلَى هَرَاةَ وَانْضَمَّ إِلَيْهَا مَنْ كَانَ بِكُوَرِ خُرَاسَانَ مِنْ بَكْرٍ وَكَثُرَ جَمْعُهُمْ وَقَالُوا لِأَوْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ: نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ تَسِيرَ إِلَى ابْنِ خَازِمٍ وَتُخْرِجَ مُضَرَ مِنْ خُرَاسَانَ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُ بَنُو صُهَيْبٍ، وَهُمْ مَوَالِي بَنِي جَحْدَمٍ: لَا نَرْضَى أَنْ نَكُونَ نَحْنُ وَمُضَرُ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ وَقَدْ قَتَلُوا سُلَيْمَانَ وَعَمْرًا ابْنِي مَرْثَدٍ، فَإِمَّا أَنْ تُبَايِعَنَا عَلَى هَذَا وَإِلَّا بَايَعْنَا غَيْرَكَ.
فَأَجَابَهُمْ، فَبَايَعُوهُ، فَسَارَ إِلَيْهِمُ ابْنُ خَازِمٍ فَنَزَلَ عَلَى وَادٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ
стр. 1687
هَرَاةَ، فَأَشَارَ الْبَكْرِيُّونَ بِالْخُرُوجِ مِنْ هَرَاةَ وَعَمَلِ خَنْدَقٍ، فَقَالَ أَوْسٌ: بَلْ نَلْزَمُ الْمَدِينَةَ فَإِنَّهَا حَصِينَةٌ وَنُطَاوِلُ ابْنَ خَازِمٍ لِيَضْجَرَ وَيُعْطِيَنَا مَا نُرِيدُ.
فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَخَرَجُوا وَخَنْدَقُوا خَنْدَقًا، وَقَاتَلَهُمُ ابْنُ خَازِمٍ نَحْوَ سَنَةٍ، وَقَالَ لَهُ هِلَالٌ الضَّبِّيُّ: إِنَّمَا تُقَاتِلُ إِخْوَتَكَ وَبَنِي أَبِيكَ، فَإِنْ نِلْتَ مِنْهُمُ الَّذِي تُرِيدُ فَمَا فِي الْعَيْشِ خَيْرٌ، فَلَوْ أَعْطَيْتَهُمْ شَيْئًا يَرْضَوْنَ بِهِ وَأَصْلَحْتَ هَذَا الْأَمْرَ.
قَالَ: وَاللَّهُ لَوْ خَرَجْنَا لَهُمْ مِنْ خُرَاسَانَ مَا رَضُوا.
قَالَ هِلَالٌ: وَاللَّهِ لَا أُقَاتِلُ مَعَكَ أَنَا وَلَا رَجُلٌ أَوْ تُطِيعُنِي حَتَّى تَعْتَذِرَ إِلَيْهِمْ.
قَالَ: فَأَنْتَ رَسُولِي إِلَيْهِمْ فَأَرْضِهِمْ.
فَأَتَى هِلَالٌ أَوْسَ بْنَ ثَعْلَبَةَ فَنَاشَدَهُ اللَّهَ وَالْقَرَابَةَ فِي نِزَارٍ وَأَنْ يَحْفَظَ وَلَاءَهَا.
فَقَالَ: هَلْ لَقِيتَ بَنِي صُهَيْبٍ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَالْقَهَمُ.
قَالَ: فَخَرَجَ فَلَقِيَ جَمَاعَةً مِنْ رُؤَسَاءِ أَصْحَابِهِ فَأَخْبَرَهُمْ مَا أَتَى لَهُ.
فَقَالُوا لَهُ: هَلْ لَقِيتَ بَنِي صُهَيْبٍ؟ فَقَالَ: لَقَدْ عَظُمَ أَمْرُ بَنِي صُهَيْبٍ عِنْدَكُمْ، فَأَتَاهُمْ، فَقَالُوا: لَوْلَا أَنَّكَ رَسُولٌ لَقَتَلْنَاكَ.
قَالَ: فَهَلْ يُرْضِيكُمْ شَيْءٌ؟ قَالُوا: وَاحِدَةٌ مِنِ اثْنَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَخْرُجُوا مِنْ خُرَاسَانَ، وَإِمَّا أَنْ تُقِيمُوا وَتَخْرُجُوا لَنَا عَنْ كُلِّ سِلَاحٍ وَكُرَاعٍ وَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ.
فَرَجَعَ إِلَى ابْنِ خَازِمٍ، فَقَالَ: مَا عَنْكَ؟ فَأَخْبَرَهُ.
فَقَالَ: إِنَّ رَبِيعَةَ لَمْ تَزَلْ غِضَابًا عَلَى رَبِّهَا مُنْذُ بَعَثَ نَبِيَّهُ مِنْ مُضَرَ.
وَأَقَامَ ابْنُ خَازِمٍ يُقَاتِلُهُمْ، فَقَالَ يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ: قَدْ طَالَ مُقَامُنَا، وَنَادَاهُمْ: يَا مَعْشَرَ رَبِيعَةَ أَرَضِيْتُمْ مِنْ خُرَاسَانَ بِخَنْدَقِكُمْ! فَأَحْفَظَهُمْ ذَلِكَ، فَتَنَادَوْا لِلْقِتَالِ، فَنَهَاهُمْ أَوْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ عَنِ الْخُرُوجِ بِجَمَاعَتِهِمْ وَأَنْ يُقَاتِلُوا كَمَا كَانُوا يُقَاتِلُونَ، فَعَصَوْهُ.
فَقَالَ ابْنُ خَازِمٍ لِأَصْحَابِهِ: اجْعَلُوهُ يَوْمَكُمْ فَيَكُونُ الْمُلْكُ لِمَنْ غَلَبَ، وَإِذَا لَقِيتُمُ الْخَيْلَ فَاطْعَنُوهَا فِي مَنَاخِرِهَا.
فَاقْتَتَلُوا سَاعَةً وَانْهَزَمَتْ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى خَنْدَقِهِمْ وَتَفَرَّقُوا يَمِينًا وَشِمَالًا وَسَقَطَ النَّاسُ فِي الْخَنْدَقِ وَقُتِلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا وَهَرَبَ أَوْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ إِلَى سِجِسْتَانَ فَمَاتَ بِهَا أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، وَقُتِلَ مِنْ بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ، وَغَلَبَ ابْنُ خَازِمٍ عَلَى هَرَاةَ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا ابْنَهُ مُحَمَّدًا وَضَمَّ إِلَيْهِ شَمَّاسَ بْنَ دِثَارٍ الْعُطَارِدِيَّ، وَجَعَلَ بُكَيْرَ بَنَ وَسَّاجٍ الثَّقَفِيَّ عَلَى شُرْطَتِهِ وَرَجَعَ ابْنُ خَازِمٍ إِلَى مَرْوَ.
وَأَغَارَتِ التُّرْكُ عَلَى قَصْرِ اسْغَادَ، وَابْنُ خَازِمٍ عَلَى هَرَاةَ، وَكَانَ فِيهِ نَاسٌ مِنَ الْأَزْدِ، فَحَصَرُوهُمْ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ خَازِمٍ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ زُهَيْرَ بْنَ حَيَّانَ فِي بَنِي تَمِيمٍ وَقَالَ لَهُ: إِيَّاكَ وَمُنَاوَأَةَ التُّرْكِ، إِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَاحْمِلُوا عَلَيْهِمْ.
فَوَافَاهُمْ فِي يَوْمٍ بَارِدٍ، فَلَمَّا الْتَقَوْا حَمَلَ
стр. 1688
عَلَيْهِمْ، فَانْهَزَمَتِ التُّرْكُ وَاتَّبَعُوهُمْ حَتَّى مَضَى عَامَّةُ اللَّيْلِ، فَرَجَعَ زُهَيْرٌ وَقَدْ يَبَسَتْ يَدُهُ عَلَى رُمْحِهِ مِنَ الْبَرْدِ، فَجَعَلُوا يُسَخِّنُونَ الشَّحْمَ فَيَضَعُهُ عَلَى يَدِهِ وَدَهَنُوهُ وَأَوْقَدُوا لَهُ نَارًا فَانْتَفَخَتْ يَدُهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى هَرَاةَ، (فَقَالَ فِي ذَلِكَ ثَابِتُ قُطْنَةَ:
فَدَتْ نَفْسِي فَوَارِسَ مِنْ تَمِيمٍ ... عَلَى مَا كَانَ مِنْ ضَنْكِ الْمُقَامِ
بِقَصْرِ الْبَاهِلِيِّ وَقَدْ أَرَانِي ... أُحَامِي حِينَ قَلَّ بِهِ الْمُحَامِي
بِسَيْفِي بَعْدَ كَسْرِ الرُّمْحِ فِيهِمْ ... أَذُودُهُمُ بِذِي شَطَبٍ حُسَامِ
أَكُرُّ عَلَيْهِمُ الْيَحْمُومَ كَرَّا ... كَكَرِّ الشُّرْبِ آنِيَةَ الْمُدَامِ
فَلَوْلَا اللَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ ... وَضَرْبِي قَوْنَسَ الْمَلِكِ الْهُمَامِ
إِذَا فَاظَتْ نِسَاءُ بَنِي دِثَارٍ ... أَمَامَ التُّرْكِ بَادِيَةَ الْخِدَامِ
)
ذِكْرُ أُمِّ التَّوَّابِينَ
قِيلَ: لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ وَرَجَعَ ابْنُ زِيَادٍ مِنْ مُعَسْكَرِهِ بِالنُّخَيْلَةِ وَدَخَلَ الْكُوفَةَ تَلَاقَتِ الشِّيعَةُ بِالتَّلَاوُمِ وَالتَّنَدُّمِ، وَرَأَتْ أَنْ قَدْ أَخْطَأَتْ خَطَأً كَبِيرًا بِدُعَائِهِمُ الْحُسَيْنَ وَتَرْكِهِمْ نُصْرَتَهُ وَإِجَابَتَهُ حَتَّى قُتِلَ إِلَى جَانِبِهِمْ، وَرَأَوْا أَنَّهُ لَا يَغْسِلُ عَارَهُمْ وَالْإِثْمَ عَلَيْهِمْ إِلَّا قَتْلُ مَنْ قَتَلَهُ أَوِ الْقَتْلُ فِيهِمْ، فَاجْتَمَعُوا بِالْكُوفَةِ إِلَى خَمْسَةِ نَفَرٍ مِنْ رُؤَسَاءِ الشِّيعَةِ: إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ الْخُزَاعِيِّ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ وَإِلَى الْمُسَيَّبِ بْنِ نَجَبَةَ الْفَزَارِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ، وَإِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ نُفَيْلٍ الْأَزْدِيِّ، وَإِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَالٍ التَّيْمِيِّ، تَيْمِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَإِلَى رِفَاعَةَ بْنِ شَدَّادٍ الْبَجَلِيِّ، وَكَانُوا مِنْ خِيَارِ أَصْحَابِ عَلِيٍّ، فَاجْتَمَعُوا فِي مَنْزِلِ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ الْخُزَاعِيِّ، فَبَدْأَهُمُ الْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ:
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّا ابْتُلِينَا بِطُولِ الْعُمُرِ وَالتَّعَرُّضِ لِأَنْوَاعِ الْفِتَنِ، فَنَرْغَبُ إِلَى رَبِّنَا أَنْ لَا يَجْعَلَنَا مِمَّنْ يَقُولُ لَهُ غَدًا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧] ، فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ
стр. 1689
عَلِيًّا قَالَ: الْعُمُرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللَّهُ فِيهِ إِلَى ابْنِ آدَمَ سِتُّونَ سَنَةً، وَلَيْسَ فِينَا رَجُلٌ إِلَّا وَقَدْ بَلَغَهُ، وَقَدْ كُنَّا مُغْرَمِينَ بِتَزْكِيَةِ أَنْفُسِنَا فَوَجَدَنَا اللَّهُ كَاذِبِينَ فِي كُلِّ وَطَنٍ مِنْ مَوَاطِنِ ابْنِ بِنْتِ نَبِيِّهِ ﷺ وَقَدْ بَلَغَنَا قَبْلَ ذَلِكَ كُتُبُهُ وَرُسُلُهُ وَأَعْذَرَ إِلَيْنَا فَسَأَلَنَا نَصْرَهُ عَوْدًا وَبَدْءًا وَعَلَانِيَةً فَبَخِلْنَا عَنْهُ بِأَنْفُسِنَا حَتَّى قُتِلَ إِلَى جَانِبِنَا لَا نَحْنُ نَصَرْنَاهُ بِأَيْدِينَا وَلَا جَادَلْنَا عَنْهُ بِأَلْسِنَتِنَا وَلَا قَوَّيْنَاهُ بِأَمْوَالِنَا وَلَا طَلَبْنَا لَهُ النُّصْرَةَ إِلَى عَشَائِرِنَا، فَمَا عُذْرُنَا عِنْدَ رَبِّنَا وَعِنْدَ لِقَاءِ نَبِيِّنَا وَقَدْ قُتِلَ فِينَا وَلَدُ حَبِيبِهِ وَذُرِّيَّتُهُ وَنَسْلُهُ؟ لَا وَاللَّهِ لَا عُذْرَ دُونَ أَنْ تَقْتُلُوا قَاتِلَهُ وَالْمُوَالِينَ عَلَيْهِ، أَوْ تُقْتَلُوا فِي طَلَبِ ذَلِكَ، فَعَسَى رَبُّنَا أَنْ يَرْضَى عَنَّا عِنْدَ ذَلِكَ، (وَلَا أَنَا بَعْدَ لِقَائِهِ لِعُقُوبَتِهِ بِآمِنٍ) .
أَيُّهَا الْقَوْمُ وَلُّوا عَلَيْكُمْ رَجُلًا مِنْكُمْ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَكُمْ مِنْ أَمِيرٍ تَفْزَعُونَ إِلَيْهِ وَرَايَةٍ تَحِفُّونَ بِهَا.
وَقَامَ رِفَاعَةُ بْنُ شَدَّادٍ وَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ هَدَاكَ لِأَصْوَبِ الْقَوْلِ وَبَدَأْتَ بِأَرْشَدِ الْأُمُورِ بِدُعَائِكَ إِلَى جِهَادِ الْفَاسِقِينَ وَإِلَى التَّوْبَةِ مِنَ الذَّنْبِ الْعَظِيمِ، فَمَسْمُوعٌ مِنْكَ مُسْتَجَابٌ إِلَى قَوْلِكَ، وَقُلْتَ: وَلُّوا أَمْرَكُمْ رَجُلًا تَفْزَعُونَ إِلَيْهِ وَتَحِفُّونَ بِرَايَتِهِ وَقَدْ رَأَيْنَا مِثْلَ الَّذِي رَأَيْتَ، فَإِنْ تَكُنْ أَنْتَ ذَلِكَ الرَّجُلَ تَكُنْ عِنْدَنَا مَرْضِيًّا، وَفِينَا مُنْتَصِحًا، وَفِي جَمَاعَتِنَا مَحْبُوبًا، وَإِنْ رَأَيْتَ وَرَأَى أَصْحَابُنَا ذَلِكَ وَلَّيْنَا هَذَا الْأَمْرَ شَيْخَ الشِّيعَةِ وَصَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَا السَّابِقَةِ وَالْقَدَمِ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ الْخُزَاعِيَّ، الْمَحْمُودَ فِي بَأْسِهِ وَدِينِهِ، الْمَوْثُوقَ بِحَزْمِهِ.
стр. 1690
وَتَكَلَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ بِنَحْوِ ذَلِكَ وَأَثْنَيَا عَلَى الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانَ.
فَقَالَ الْمُسَيَّبُ: قَدْ أَصَبْتُمْ فَوَلُّوا أَمْرَكُمْ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ.
فَتَكَلَّمَ سُلَيْمَانُ فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي لَخَائِفٌ أَلَّا يَكُونَ آخِرُنَا إِلَى هَذَا الدَّهْرِ الَّذِي نَكِدَتْ فِيهِ الْمَعِيشَةُ وَعَظُمَتْ فِيهِ الرَّزِيَّةُ وَشَمِلَ فِيهِ الْجَوْرُ أُولِي الْفَضْلِ مِنْ هَذِهِ الشِّيعَةِ لِمَا هُوَ خَيْرٌ، إِنَّا كُنَّا نَمُدُّ أَعْنَاقَنَا إِلَى قُدُومِ آلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا ﷺ نُمَنِّيهِمُ النَّصْرَ وَنُحِثُّهُمْ عَلَى الْقُدُومِ، فَلَمَّا قَدِمُوا وَنَيْنَا وَعَجَزْنَا وَأَدْهَنَّا وَتَرَبَّصْنَا حَتَّى قُتِلَ فِينَا وَلَدُ نَبِيِّنَا وَسُلَالَتُهُ وَعُصَارَتُهُ وَبَضْعَةٌ مِنْ لَحْمِهِ وَدَمِهِ إِذْ جَعَلَ يَسْتَصْرِخُ وَيَسْأَلُ النَّصَفَ فَلَا يُعْطَى، اتَّخَذَهُ الْفَاسِقُونَ غَرَضًا لِلنَّبْلِ وَدَرِيئَةً لِلرِّمَاحِ حَتَّى أَقْصَدُوهُ، وَعَدَوْا عَلَيْهِ، (فَسَلَبُوهُ أَلَا) انْهَضُوا، فَقَدْ سَخِطَ عَلَيْكُمْ رَبُّكُمْ وَلَا تَرْجِعُوا إِلَى الْحَلَائِلِ وَالْأَبْنَاءِ حَتَّى يَرْضَى اللَّهُ، وَاللَّهِ مَا أَظُنُّهُ رَاضِيًا دُونَ أَنْ تُنَاجِزُوا مَنْ قَتَلَهُ، أَلَا لَا تَهَابُوا الْمَوْتَ فَمَا هَابَهُ أَحَدٌ قَطُّ إِلَّا ذُلَّ، وَكُونُوا كَبَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] فَفَعَلُوا وَجَثَوْا عَلَى الرُّكَبِ وَمَدُّوا الْأَعْنَاقَ حِينَ عَلِمُوا أَنَّهُمْ لَا يُنْجِيهِمْ مِنْ عَظِيمِ الذَّنْبِ إِلَّا الْقَتْلُ، فَكَيْفَ بِكُمْ لَوْ دُعِيتُمْ إِلَى مَا دُعُوا! أَحِدُّوا السُّيُوفَ وَرَكِّبُوا الْأَسِنَّةَ ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]
стр. 1691
حَتَّى تُدْعَوْا وَتُسْتَنْفَرُوا.
فَقَالَ خَالِدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ نُفَيْلٍ: أَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ يُنْجِينِي مِنْ ذَنْبِي وَيُرْضِي رَبِّي عَنِّي قَتْلِي نَفْسِي لَقَتَلْتُهَا، وَأَنَا أُشْهِدُ كُلَّ مَنْ حَضَرَ أَنَّ كُلَّ مَا أَصْبَحْتُ أَمْلِكُهُ سِوَى سِلَاحِي الَّذِي أُقَاتِلُ بِهِ عَدُوِّي صَدَقَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أُقَوِّيهِمْ بِهِ عَلَى قِتَالِ الْفَاسِقِينَ.
قَالَ أَبُو الْمُعْتَمِرِ بْنُ حَنَشِ بْنِ رَبِيعَةَ الْكِنَانِيُّ مِثْلَ ذَلِكَ.
فَقَالَ سُلَيْمَانُ: حَسْبُكُمْ، مَنْ أَرَادَ مِنْ هَذَا شَيْئًا فَلْيَأْتِ بِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ وَالٍ التَّيْمِيَّ، فَإِذَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُ كُلُّ مَا تُرِيدُونَ إِخْرَاجَهُ جَهَّزْنَا بِهِ ذَوِي الْخَلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ مِنْ أَشْيَاعِكُمْ.
وَكَتَبَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ إِلَى سَعْدِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ يُعْلِمُهُ بِمَا عَزَمُوا عَلَيْهِ وَيَدْعُوهُ إِلَى مُسَاعَدَتِهِمْ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الشِّيعَةِ بِالْمَدَائِنِ، فَقَرَأَ سَعْدُ بْنُ حُذَيْفَةَ الْكِتَابَ عَلَى مَنْ بِالْمَدَائِنِ مِنَ الشِّيعَةِ، فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ، فَكَتَبُوا إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ يُعْلِمُونَهُ أَنَّهُمْ عَلَى الْحَرَكَةِ إِلَيْهِ وَالْمُسَاعَدَةِ لَهُ.
وَكَتَبَ سُلَيْمَانُ أَيْضًا كِتَابًا إِلَى الْمُثَنَّى بْنِ مُخَرِّبَةَ الْعَبْدِيِّ بِالْبَصْرَةِ مِثْلَ مَا كَتَبَ إِلَى سَعْدِ بْنِ حُذَيْفَةَ، فَأَجَابَهُ الْمُثَنَّى: إِنَّنَا مَعْشَرَ الشِّيعَةِ حَمِدْنَا اللَّهَ عَلَى مَا عَزَمْتُمْ عَلَيْهِ وَنَحْنُ مُوَافُوكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لِلْأَجَلِ الَّذِي ضَرَبْتَ. وَكَتَبَ فِي أَسْفَلِ الْكِتَابِ:
تَبَصَّرْ كَأَنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ مُعْلِمًا ... عَلَى أَتْلَعِ الْهَادِي أَجَشَّ هَزِيمِ
طَوِيلِ الْقَرَا نَهْدِ الشَّوَاةِ مُقَلَّصٍ ... مُلِحٍّ عَلَى فَأْسِ اللِّجَامِ أَزُومِ
بِكُلِّ فَتًى لَا يَمْلَأُ الرَّوْعُ قَلْبَهُ ... مِحَشٍّ لِنَارِ الْحَرْبِ غَيْرِ سَئُومِ
أَخِي ثِقَةٍ، يَنْوِي الْإِلَهَ بِسَعْيِهِ ... ضَرُوبٍ بِنَصْلِ السَّيْفِ غَيْرِ أَثِيمِ
)
فَكَانَ أَوَّلَ مَا ابْتَدَءُوا بِهِ أَمْرَهُمْ بَعْدَ قَتْلِ الْحُسَيْنِ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ، فَمَا زَالُوا بِجَمْعِ
стр. 1692
آلَةِ الْحَرْبِ وَدُعَاءِ النَّاسِ فِي السِّرِّ إِلَى الطَّلَبِ بِدَمِ الْحُسَيْنِ، فَكَانَ يُجِيبُهُمُ النَّفَرُ، وَلَمْ يَزَالُوا عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ هَلَكَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، فَلَمَّا مَاتَ يَزِيدُ جَاءَ إِلَى سُلَيْمَانَ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: قَدْ هَلَكَ هَذَا الطَّاغِيَةُ وَالْأَمْرُ ضَعِيفٌ، فَإِنْ شِئْتَ وَثَبْنَا عَلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، وَكَانَ خَلِيفَةَ ابْنِ زِيَادٍ عَلَى الْكُوفَةِ، ثُمَّ أَظْهَرْنَا الطَّلَبَ بِدَمِ الْحُسَيْنِ وَتَتَبَّعْنَا قَتَلَتَهُ وَدَعَوْنَا النَّاسَ إِلَى أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ الْمُسْتَأْثِرِ عَلَيْهِمُ الْمَدْفُوعِينَ عَنْ حَقِّهِمْ.
فَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ: لَا تُعَجِّلُوا، إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ فِيمَا ذَكَرْتُمْ فَرَأَيْتُ أَنَّ قَتَلَةَ الْحُسَيْنِ هُمْ أَشْرَافُ الْكُوفَةِ وَفُرْسَانُ الْعَرَبِ وَهُمُ الْمُطَالَبُونَ بِدَمِهِ، وَمَتَى عَلِمُوا مَا تُرِيدُونَ كَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ عَلَيْكُمْ، وَنَظَرْتُ فِيمَنْ تَبِعَنِي مِنْكُمْ فَعَلِمْتُ أَنَّهُمْ لَوْ خَرَجُوا لَمْ يُدْرِكُوا ثَأْرَهُمْ وَلَمْ يَشْفُوا نُفُوسَهُمْ وَكَانُوا جُزُرًا لِعَدُوِّهِمْ، وَلَكِنْ بُثُّوا دُعَاتَكُمْ وَادْعُوا إِلَى أَمْرِكُمْ.
فَفَعَلُوا وَاسْتَجَابَ لَهُمْ نَاسٌ كَثِيرٌ بَعْدَ هَلَاكِ يَزِيدَ.
ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ أَخْرَجُوا عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ وَبَايَعُوا لِابْنِ الزُّبَيْرِ، وَسُلَيْمَانُ وَأَصْحَابُهُ يَدْعُونَ النَّاسَ.
فَلَمَّا مَضَتْ سِتَّةُ أَشْهُرٍ بَعْدَ هَلَاكِ يَزِيدَ قَدِمَ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ الْكُوفَةَ فِي النِّصْفِ مِنْ رَمَضَانَ وَقَدِمَ (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيُّ أَمِيرًا عَلَى الْكُوفَةِ مِنْ قِبَلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ) ، وَقَدِمَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ مَعَهُ عَلَى خَرَاجِ الْكُوفَةِ.
فَأَخَذَ الْمُخْتَارُ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى قِتَالِ قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ وَيَقُولُ: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ الْمَهْدِيِّ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَزِيرًا أَمِينًا.
فَرَجَعَ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنَ الشِّيعَةِ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا يُرِيدُ سُلَيْمَانُ أَنْ يَخْرُجَ فَيَقْتُلَ نَفْسَهُ وَمَنْ مَعَهُ وَلَيْسَ لَهُ بَصَرٌ بِالْحَرْبِ.
وَبَلَغَ الْخَبَرُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ بِالْخُرُوجِ عَلَيْهِ بِالْكُوفَةِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَقِيلَ لَهُ لِيَحْبِسَهُ، وَخُوِّفَ عَاقِبَةَ أَمْرِهِ إِنْ تَرَكَهُ.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنْ هُمْ قَاتَلُونَا قَاتَلْنَاهُمْ، وَإِنْ تَرَكُونَا لَمْ نَطْلُبْهُمْ.
إِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَطْلُبُونَ بِدَمِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَرَحِمَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ، إِنَّهُمْ آمِنُونَ، فَلْيَخْرُجُوا ظَاهِرِينَ وَلْيَسِيرُوا إِلَى مَنْ قَاتَلَ الْحُسَيْنَ، فَقَدْ أَقْبَلَ إِلَيْهِمْ، يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ، وَأَنَا لَهُمْ ظَهِيرٌ، هَذَا ابْنُ زِيَادٍ قَاتِلُ الْحُسَيْنِ وَقَاتِلُ أَخْيَارِكُمْ وَأَمَاثِلِكُمْ قَدْ تَوَجَّهَ إِلَيْكُمْ، وَقَدْ فَارَقُوهُ
стр. 1693
عَلَى لَيْلَةٍ مِنْ جِسْرِ مَنْبِجَ، فَقِتَالُهُ وَالِاسْتِعْدَادُ إِلَيْهِ أَوْلَى مِنْ أَنْ تَجْعَلُوا بَأْسَكُمْ بَيْنَكُمْ فَيَقْتُلَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، فَيَلْقَاكُمْ عَدُوُّكُمْ وَقَدْ ضَعُفْتُمْ، وَتِلْكَ أُمْنِيَتُهُ، وَقَدْ قَدِمَ عَلَيْكُمْ أَعْدَى خَلْقِ اللَّهِ لَكُمْ، مَنْ وَلِيَ عَلَيْكُمْ هُوَ وَأَبُوهُ سَبْعَ سِنِينَ لَا يُقْلِعَانِ عَنْ قَتْلِ أَهْلِ الْعَفَافِ وَالدِّينِ، (هُوَ الَّذِي قَتَلَكُمْ) ، وَمِنْ قِبَلِهِ أُتِيتُمْ، وَالَّذِي قَتَلَ مَنْ تُنَادُونَ بِدَمِهِ قَدْ جَاءَكُمْ فَاسْتَقْبِلُوهُ بِحَدِّكُمْ وَشَوْكَتِكُمْ وَاجْعَلُوهَا بِهِ وَلَا تَجْعَلُوهَا بِأَنْفُسِكُمْ، إِنِّي لَكُمْ نَاصِحٌ.
وَكَانَ مَرْوَانُ قَدْ سَيَّرَ ابْنَ زِيَادٍ إِلَى الْجَزِيرَةِ، ثُمَّ إِذَا فَرَغَ مِنْهَا سَارَ إِلَى الْعِرَاقِ.
فَلَمَّا فَرَغَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ مِنْ قَوْلِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ: أَيُّهَا النَّاسُ لَا يَغُرَّنَّكُمْ مِنَ السَّيْفِ وَالْغَشْمِ مَقَالَةُ هَذَا الْمُدَاهِنِ، وَاللَّهِ لَئِنْ خَرَجَ عَلَيْنَا خَارِجٌ لَنَقْتُلَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَيْقَنَّا أَنَّ قَوْمًا يُرِيدُونَ الْخُرُوجَ عَلَيْنَا لَنَأْخُذَنَّ الْوَالِدَ بِوَلَدِهِ وَالْمَوْلُودَ بِوَالِدِهِ وَالْحَمِيمَ بِالْحَمِيمِ وَالْعَرِيفَ بِمَا فِي عَرَافَتِهِ حَتَّى يَدِينُوا لِلْحَقِّ وَيَذِلُّوا لِلطَّاعَةِ.
فَوَثَبَ إِلَيْهِ الْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ فَقَطَعَ عَلَيْهِ مَنْطِقَهُ ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ النَّاكِثِينَ! أَنْتَ تُهَدِّدُنَا بِسَيْفِكَ وَغَشْمِكَ! أَنْتَ وَاللَّهِ أَذَلُّ مِنْ ذَلِكَ! إِنَّا لَا نَلُومُكَ عَلَى بُغْضِنَا وَقَدْ قَتَلْنَا أَبَاكَ وَجَدَّكَ، وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ فَقَدْ قُلْتَ قَوْلًا سَدِيدًا.
فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَاللَّهِ لُتُقْتَلَنَّ وَقَدْ أَدْهَنَ هَذَا، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ.
فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَالٍ: مَا اعْتِرَاضُكَ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَمِيرِنَا؟ مَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِأَمِيرٍ إِنَّمَا أَنْتَ أَمِيرُ هَذِهِ الْجِزْيَةِ، فَأَقْبِلْ عَلَى خَرَاجِكَ، وَلَئِنْ أَفْسَدْتَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَقَدْ أَفْسَدَهُ وَالِدَاكَ وَكَانَتْ عَلَيْهِمَا دَائِرَةُ السَّوْءِ! فَشَتَمَهُمْ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ مَعَ إِبْرَاهِيمَ فَشَاتَمُوهُ، فَنَزَلَ الْأَمِيرُ مِنْ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَتَهَدَّدَهُ إِبْرَاهِيمُ بِأَنَّهُ يَكْتُبُ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ يَشْكُوهُ، فَجَاءَهُ عَبْدُ اللَّهِ فِي مَنْزِلِهِ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَبْلَ عُذْرَهُ.
ثُمَّ إِنَّ أَصْحَابَ سُلَيْمَانَ خَرَجُوا يَنْشُرُونَ السِّلَاحَ ظَاهِرِينَ وَيَتَجَهَّزُونَ.
стр. 1694
ذِكْرُ فِرَاقِ الْخَوَارِجِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فَارَقَ الْخَوَارِجُ الَّذِينَ كَانُوا قَدِمُوا مَكَّةَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَكَانُوا قَدْ قَاتَلُوا مَعَهُ أَهْلَ الشَّامِ.
وَكَانَ سَبَبُ قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ لَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ ابْنُ زِيَادٍ بَعْدَ قَتْلِ أَبِي بِلَالٍ اجْتَمَعُوا فَتَذَاكَرُوا ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَ عَلَيْكُمُ الْكِتَابَ، وَفَرَضَ عَلَيْكُمُ الْجِهَادَ، وَاحْتَجَّ عَلَيْكُمْ بِالْبَيَانِ، وَقَدْ جَرَّدَ أَهْلُ الظُّلْمِ فِيكُمُ السُّيُوفَ فَاخْرُجُوا بِنَا إِلَى هَذَا الَّذِي قَدْ ثَارَ بِمَكَّةَ فَإِنْ كَانَ عَلَى رَأْيِنَا جَاهَدْنَا مَعَهُ، وَإِنْ يَكُنْ عَلَى غَيْرِ رَأْيِنَا دَافَعْنَاهُ عَنِ الْبَيْتِ. وَكَانَ عَسْكَرُ الشَّامِ قَدْ سَارَ نَحْوَ ابْنِ الزُّبَيْرِ. فَسَارَ الْخَوَارِجُ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَسُرَّ بِمَقْدَمِهِمْ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ عَلَى مِثْلِ رَأْيِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَفْتِيشٍ.
فَقَاتَلُوا مَعَهُ أَهْلَ الشَّامِ حَتَّى مَاتَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَانْصَرَفَ أَهْلُ الشَّامِ.
ثُمَّ إِنَّهُمُ اجْتَمَعُوا وَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي صَنَعْتُمْ أَمْسِ لَغَيْرُ رَأْيٍ، تُقَاتِلُونَ مَعَ رَجُلٍ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّهُ لَيْسَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِكُمْ، وَقَدْ كَانَ أَمْسِ يُقَاتِلُكُمْ هُوَ وَأَبُوهُ وَيُنَادِي: يَا ثَارَاتِ عُثْمَانَ! فَأْتُوهُ وَاسْأَلُوهُ عَنْ عُثْمَانَ فَإِنْ بَرِئَ مِنْهُ كَانَ وَلِيَّكُمْ، وَإِنْ أَبَى كَانَ عَدُوَّكُمْ.
فَأَتَوْهُ فَسَأَلُوهُ، فَنَظَرَ فَإِذَا أَصْحَابُهُ حَوْلَهُ قَلِيلٌ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ أَتَيْتُمُونِي حِينَ أَرَدْتُ الْقِيَامَ، وَلَكِنْ رَوِّحُوا إِلَيَّ الْعَشِيَّةَ حَتَّى أُعْلِمَكُمْ.
فَانْصَرَفُوا، وَبَعَثَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَجَمَعَهُمْ حَوْلَهُ بِالسِّلَاحِ، وَجَاءَتِ الْخَوَارِجُ وَأَصْحَابُهُ حَوْلَهُ وَعَلَى رَأْسِهِ وَبِأَيْدِيهِمُ الْعَمَدُ، فَقَالَ ابْنُ الْأَزْرَقِ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ الرَّجُلَ قَدْ أَزْمَعَ خِلَافَكُمْ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ وَعُبَيْدَةُ بْنُ هِلَالٍ فَقَالَ عُبَيْدَةُ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ:
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا يَدْعُو إِلَى عِبَادَتِهِ وَإِخْلَاصِ الدِّينِ لَهُ، فَدَعَا إِلَى ذَلِكَ فَأَجَابَهُ الْمُسْلِمُونَ، فَعَمِلَ فِيهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَاسْتَخْلَفَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ وَاسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ، فَكِلَاهُمَا عَمِلَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، ثُمَّ إِنِ النَّاسَ اسْتَخْلَفُوا عُثْمَانَ، فَحَمَى الْأَحْمَاءَ، وَآثَرَ الْقُرْبَى، وَاسْتَعْمَلَ الْفَتَى وَرَفَعَ الدِّرَّةَ وَوَضَعَ السَّوْطَ وَمَزَّقَ الْكِتَابَ وَضَرَبَ مُنْكَرَ الْجَوْرِ، وَآوَى طَرِيدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَضَرَبَ السَّابِقِينَ بِالْفَضْلِ وَحَرَمَهُمْ، وَأَخَذَ فَيْءَ اللَّهِ الَّذِي أَفَاءَ عَلَيْهِمْ فَقَسَمَهُ فِي فُسَّاقِ
стр. 1695
قُرَيْشٍ وَمُجَّانِ الْعَرَبِ، فَسَارَتْ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ فَقَتَلُوهُ، فَنَحْنُ لَهُمْ أَوْلِيَاءُ وَمِنَ ابْنِ عَفَّانَ وَأَوْلِيَائِهِ بُرَآءُ، فَمَا تَقُولُ أَنْتَ يَا ابْنَ الزُّبَيْرِ؟ فَقَالَ: قَدْ فَهِمْتُ الَّذِي ذَكَرْتَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَهُوَ فَوْقَ مَا ذَكَرْتَ وَفَوْقَ مَا وَصَفْتَ، وَفَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَ بِهِ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَقَدْ وُفِّقْتَ وَأَصَبْتَ، وَفَهِمْتُ الَّذِي ذَكَرْتَ بِهِ عُثْمَانَ، وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ مَكَانَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ الْيَوْمَ أَعْلَمَ بِابْنِ عَفَّانَ وَأَمْرِهِ مِنِّي، كُنْتُ مَعَهُ حَيْثُ نَقَمَ [الْقَوْمُ] عَلَيْهِ وَاسْتَعْتَبُوهُ فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا إِلَّا أَعْتَبَهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْهِ بِكِتَابٍ لَهُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ كَتَبَهُ يَأْمُرُ فِيهِ بِقَتْلِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا كَتَبْتُهُ فَإِنْ شِئْتُمْ فَهَاتُوا بَيِّنَتَكُمْ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَلَفْتُ لَكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا جَاءُوهُ بِبَيِّنَةٍ وَلَا اسْتَحْلَفُوهُ وَوَثَبُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا عَتَبْتَهُ بِهِ، فَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ لِكُلِّ خَيْرٍ أَهْلٌ، وَأَنَا أُشْهِدُكُمْ وَمَنْ حَضَرَنِي أَنِّي وَلِيٌّ لِابْنِ عَفَّانَ وَعَدُوُّ أَعْدَائِهِ فَبَرِئَ اللَّهُ مِنْكُمْ.
وَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ فَأَقْبَلَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ الْحَنْظَلِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّفَّارِ السَّعْدِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبَاضٍ وَحَنْظَلَةُ بْنُ بَيْهَسٍ وَبَنُو الْمَاحُوزِ: عَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ وَالزُّبَيْرُ مِنْ بَنِي سَلِيطِ بْنِ يَرْبُوعٍ، وَكُلُّهُمْ مِنْ تَمِيمٍ، حَتَّى أَتَوُا الْبَصْرَةَ، وَانْطَلَقَ أَبُو طَالُوتَ، مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَأَبُو فُدَيْكٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَوْرِ بْنِ قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَعَطِيَّةُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْيَشْكُرِيُّ إِلَى الْيَمَامَةِ، فَوَثَبُوا بِهَا مَعَ أَبِي طَالُوتَ، ثُمَّ أَجْمَعُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى نَجْدَةَ بْنِ عَامِرٍ الْحَنَفِيِّ وَتَرَكُوا أَبَا طَالُوتَ.
فَأَمَّا نَافِعٌ وَأَصْحَابُهُ فَإِنَّهُمْ قَدِمُوا الْبَصْرَةَ وَهُمْ عَلَى رَأْيِ أَبِي بِلَالٍ، وَاجْتَمَعُوا وَتَذَاكَرُوا فَضِيلَةَ الْجِهَادِ، فَخَرَجَ نَافِعٌ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ، وَذَلِكَ عِنْدَ وُثُوبِ النَّاسِ بِابْنِ زِيَادٍ وَكَسْرِ الْخَوَارِجِ بَابَ السِّجْنِ، وَخَرَجُوا وَاشْتَغَلَ النَّاسُ عَنْهُمْ بِحَرْبِ الْأَزْدِ وَرَبِيعَةَ وَتَمِيمٍ، فَلَمَّا خَرَجَ نَافِعٌ تَبِعُوهُ، وَاصْطَلَحَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، فَتَجَرَّدَ النَّاسُ لِلْخَوَارِجِ وَأَخَافُوهُمْ، فَلَحِقَ نَافِعٌ بِالْأَهْوَازِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، وَخَرَجَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ بِالْبَصْرَةِ إِلَى ابْنِ الْأَزْرَقِ إِلَّا مَنْ لَمْ يُرِدِ الْخُرُوجَ يَوْمَهُ ذَلِكَ، مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّفَّارِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبَاضٍ، وَرِجَالٌ مَعَهُمَا عَلَى رَأْيِهِمَا، وَنَظَرَ نَافِعٌ فَرَأَى أَنَّ وِلَايَةَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنِ الْجِهَادِ مِنَ الَّذِينَ قَعَدُوا مِنَ الْخَوَارِجِ لَا تَحِلُّ لَهُ، وَأَنَّ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ لَا نَجَاةَ لَهُ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ ذَلِكَ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْبَرَاءَةِ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ لَا يَحِلُّ لَهُمْ مُنَاكَحَتُهُمْ وَلَا أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ،
стр. 1696
وَلَا يَجُوزُ قَبُولُ شَهَادَتِهِمْ وَأَخْذُ عِلْمِ الدِّينِ عَنْهُمْ، وَلَا يَحِلُّ مِيرَاثُهُمْ، وَرَأَى قَتْلَ الْأَطْفَالِ وَالِاسْتِعْرَاضَ، وَأَنَّ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ كُفَّارٌ مِثْلُ كُفَّارِ الْعَرَبِ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إِلَّا الْإِسْلَامُ أَوِ الْقَتْلُ.
فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَفَارَقَهُ بَعْضُهُمْ، وَمِمَّنْ فَارَقَهُ نَجْدَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَسَارَ إِلَى الْيَمَامَةِ، فَأَطَاعَهُ الْخَوَارِجُ الَّذِينَ بِهَا وَتَرَكُوا أَبَا طَالُوتَ، فَكَتَبَ نَافِعٌ إِلَى ابْنِ إِبَاضٍ وَابْنِ الصَّفَّارِ يَدْعُوهُمَا وَمَنْ مَعَهُمَا إِلَى ذَلِكَ، فَقَرَأَ ابْنُ الصَّفَّارِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَقْرَأْهُ عَلَى أَصْحَابِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَتَفَرَّقُوا وَيَخْتَلِفُوا، فَأَخَذَهُ ابْنُ إِبَاضٍ فَقَرَأَهُ، فَقَالَ: قَاتَلَهُ اللَّهُ أَيَّ رَأْيٍ رَأَى! صَدَقَ نَافِعٌ، لَوْ كَانَ الْقَوْمُ مُشْرِكِينَ كَانَ أَصْوَبَ النَّاسِ رَأْيًا وَكَانَتْ سِيرَتُهُ كَسِيرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنَّهُ قَدْ كَذَبَ فِيمَا يَقُولُ، إِنَّ الْقَوْمَ بُرَآءُ مِنَ الشِّرْكِ وَلَكِنَّهُمْ كُفَّارٌ بِالنِّعَمِ وَالْأَحْكَامِ وَلَا يَحِلُّ لَنَا إِلَّا دِمَاؤُهُمْ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ حَرَامٌ عَلَيْنَا.
فَقَالَ لَهُ ابْنُ الصَّفَّارِ: بَرِئَ اللَّهُ مِنْكَ فَقَدْ قَصَّرْتَ، وَبَرِئَ اللَّهُ مِنِ ابْنِ الْأَزْرَقِ فَقَدْ غَلَا.
فَقَالَ الْآخَرُ: بَرِئَ اللَّهُ مِنْكَ وَمِنْهُ.
فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ وَاشْتَدَّتْ شَوْكَةُ ابْنِ الْأَزْرَقِ وَكَثُرَتْ جُمُوعُهُ وَأَقَامَ بِالْأَهْوَازِ يَجْبِي الْخَرَاجَ وَيَتَقَوَّى بِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ نَحْوَ الْبَصْرَةِ حَتَّى دَنَا مِنَ الْجِسْرِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ مُسْلِمَ بْنَ عُبَيْسِ بْنِ كُرَيْزِ بْنِ رَبِيعَةَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ.
(عُبَيْسٌ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ الْمَضْمُومَةِ، وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَالْيَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ، وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ. وَعُبَيْدَةُ بْنُ بِلَالٍ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ) .
ذِكْرُ قُدُومِ الْمُخْتَارِ الْكُوفَةَ
كَانَتِ الشِّيعَةُ تَسُبُّ الْمُخْتَارَ وَتَعِيبُهُ لِمَا كَانَ مِنْهُ فِي أَمْرِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ حِينَ طُعِنَ فِي سَابَاطَ وَحُمِلَ إِلَى أَبْيَضِ الْمَدَائِنِ، حَتَّى [إِذَا] كَانَ زَمَنُ الْحُسَيْنِ، بَعَثَ الْحُسَيْنُ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ إِلَى الْكُوفَةِ، وَكَانَ الْمُخْتَارُ فِي قَرْيَةٍ لَهُ تُدْعَى لَفَغَا، فَجَاءَهُ خَبَرُ ابْنِ عَقِيلٍ عِنْدَ الظُّهْرِ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ، وَلَمْ يَكُنْ خُرُوجُهُ عَنْ مِيعَادٍ كَمَا سَبَقَ، فَأَقْبَلَ الْمُخْتَارُ فِي مَوَالِيهِ فَانْتَهَى إِلَى بَابِ الْفِيلِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَقَدْ أَقْعَدَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ بِالْمَسْجِدِ وَمَعَهُ رَايَةٌ، فَوَقَفَ الْمُخْتَارُ لَا يَدْرِي مَا يَصْنَعُ، فَبَلَغَ خَبَرُهُ عَمْرًا فَاسْتَدْعَاهُ وَآمَنَهُ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ.
стр. 1697
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ ذَكَرَ عُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ أَمْرَهُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ، فَأَحْضَرَهُ فِيمَنْ دَخَلَ وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الْمُقْبِلُ فِي الْجُمُوعِ لِتَنْصُرَ ابْنَ عَقِيلٍ؟ قَالَ: لَمْ أَفْعَلْ وَلَكِنِّي أَقْبَلْتُ وَنَزَلْتُ تَحْتَ رَايَةِ عَمْرٍو، فَشَهِدَ لَهُ عَمْرٌو، فَضَرَبَ وَجْهَ الْمُخْتَارِ فَشَتَرَ عَيْنَهُ وَقَالَ: لَوْلَا شَهَادَةُ عَمْرٍو لَقَتَلْتُكَ! ثُمَّ حَبَسَهُ حَتَّى قُتِلَ الْحُسَيْنُ.
ثُمَّ إِنَّ الْمُخْتَارَ بَعَثَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَسْأَلُهُ أَنْ يَشْفَعَ فِيهِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ تَزَوَّجَ أُخْتَ الْمُخْتَارِ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ، فَكَتَبَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى يَزِيدَ يَشْفَعُ فِيهِ، فَأَرْسَلَ يَزِيدُ إِلَى زِيَادٍ يَأْمُرُهُ بِإِطْلَاقِهِ، فَأَطْلَقَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يُقِيمَ غَيْرَ ثَلَاثٍ.
فَخَرَجَ الْمُخْتَارُ إِلَى الْحِجَازِ، فَلَقِيَهُ ابْنُ الْعِرْقِ وَرَاءَ وَاقِصَةٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَسَأَلَهُ عَنْ عَيْنِهِ، فَقَالَ: خَبَطَهَا ابْنُ الزَّانِيَةِ بِالْقَضِيبِ فَصَارَتْ كَمَا تَرَى، ثُمَّ قَالَ: قَتَلَنِي اللَّهُ إِنْ لَمْ أَقْطَعْ أَنَامِلَهُ وَأَعْضَاءَهُ إِرَبًا إِرَبًا! ثُمَّ سَأَلَهُ الْمُخْتَارُ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ: فَقَالَ: إِنَّهُ عَائِذٌ بِالْبَيْتِ وَإِنَّهُ يُبَايَعُ سِرًّا وَلَوِ اشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُ وَكَثُرَتْ رِجَالُهُ لَظَهَرَ.
فَقَالَ الْمُخْتَارُ: إِنَّهُ رَجُلُ الْعَرَبِ الْيَوْمَ وَإِنِ اتَّبَعَ رَأْيِي أَكْفِهِ أَمْرَ النَّاسِ.
إِنَّ الْفِتْنَةَ أَرْعَدَتْ وَأَبْرَقَتْ وَكَأَنْ قَدِ انْبَعَثَتْ، فَإِذَا سَمِعْتَ بِمَكَانٍ قَدْ ظَهَرَتْ بِهِ [فَقُلْ إِنَّ الْمُخْتَارَ] فِي عِصَابَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَطْلُبُ بِدَمِ الشَّهِيدِ الْمَظْلُومِ الْمَقْتُولِ بِالطَّفِّ، سَيِّدِ الْمُسْلِمِينَ وَابْنِ بِنْتِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَابْنِ سَيِّدِهَا، الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَوَرَبِّكَ لَأَقْتُلَنَّ بِقَتْلِهِ عِدَّةَ مَنْ قُتِلَ عَلَى دَمِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ.
ثُمَّ سَارَ وَابْنُ الْعِرْقِ يَعْجَبُ مِنْ قَوْلِهِ، قَالَ ابْنُ الْعِرْقِ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ مَا ذَكَرَهُ وَحَدَّثْتُ بِهِ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ، فَضَحِكَ وَقَالَ: لِلَّهِ دَرُّهُ أَيَّ رَجُلٍ دِينًا، وَمِسْعَرَ حَرْبٍ، وَمُقَارِعَ أَعْدَاءٍ كَانَ!
ثُمَّ قَدِمَ الْمُخْتَارُ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَكَتَمَ عَنْهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَمْرَهُ، فَفَارَقَهُ وَغَابَ عَنْهُ سَنَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَقِيلَ إِنَّهُ بِالطَّائِفِ وَإِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ صَاحِبُ الْغَضَبِ وَمُسَيِّرُ الْجَبَّارِينَ.
فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: مَا لَهُ قَاتَلَهُ اللَّهُ؟ لَقَدِ انْبَعَثَ كَذَّابًا مُتَكَهِّنًا، إِنْ يُهْلِكِ اللَّهُ الْجَبَّارِينَ يَكُنِ الْمُخْتَارُ أَوَّلَهُمْ.
فَهُوَ فِي حَدِيثِهِ إِذْ دَخَلَ الْمُخْتَارُ الْمَسْجِدَ فَطَافَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَجَلَسَ، فَأَتَاهُ
стр. 1698
مَعَارِفُهُ يُحَدِّثُونَهُ، وَلَمْ يَأْتِ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَوَضَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَيْهِ عَبَّاسَ بْنَ سَهْلِ بْنِ مِسْعَرٍ، فَأَتَاهُ وَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ: مِثْلُكَ يَغِيبُ عَنِ الَّذِي قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْأَشْرَافُ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ وَثَقِيفٍ! لَمْ تَبْقَ قَبِيلَةٌ إِلَّا وَقَدْ أَتَاهُ زَعِيمُهَا فَبَايَعَ هَذَا الرَّجُلَ.
فَقَالَ: إِنِّي أَتَيْتُهُ الْعَامَ الْمَاضِي وَكَتَمَ عَنِّي خَبَرَهُ، فَلَمَّا اسْتَغْنَى عَنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أُرِيَهُ أَنِّي مُسْتَغْنٍ عَنْهُ.
فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: الْقَهُ اللَّيْلَةَ وَأَنَا مَعَكَ.
فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، ثُمَّ حَضَرَ عِنْدَ ابْنِ الزُّبَيْرِ بَعْدَ الْعَتَمَةِ، فَقَالَ الْمُخْتَارُ: أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ لَا تَقْضِيَ الْأُمُورَ دُونِي، وَعَلَى أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ دَاخِلٍ، وَإِذَا ظَهَرْتَ اسْتَعَنْتَ بِي عَلَى أَفْضَلِ عَمَلِكَ.
فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: أُبَايِعُكَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ.
فَقَالَ: وَشَرُّ غِلْمَانِي تُبَايِعُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَاللَّهِ لَا أُبَايِعُكَ أَبَدًا إِلَّا عَلَى ذَلِكَ.
فَبَايَعَهُ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ وَشَهِدَ مَعَهُ قِتَالَ الْحُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ وَأَبْلَى أَحْسَنَ بَلَاءٍ وَقَاتَلَ أَشَدَّ قِتَالٍ، وَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ.
فَلَمَّا هَلَكَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَأَطَاعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَقَامَ عِنْدَهُ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا رَآهُ لَا يَسْتَعْمِلُهُ جَعَلَ لَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَّا سَأَلَهُ عَنْ حَالِ النَّاسِ، فَأَخْبَرَهُ هَانِئُ بْنُ جُبَّةَ الْوَدَاعِيُّ بِاتِّسَاقِ أَهْلِ الْكُوفَةِ عَلَى طَاعَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ إِلَّا أَنَّ طَائِفَةً مِنَ النَّاسِ هُمْ عَدَدُ أَهْلِهَا لَوْ كَانَ لَهُمْ مَنْ يَجْمَعُهُمْ عَلَى رَأْيِهِمْ أَكَلَ بِهِمُ الْأَرْضَ إِلَى يَوْمٍ [مَا] .
فَقَالَ الْمُخْتَارُ: أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، أَنَا وَاللَّهِ لَهُمْ أَنْ أَجْمَعَهُمْ عَلَى الْحَقِّ، وَأُلْقِيَ بِهِمْ رُكْبَانَ الْبَاطِلِ، وَأُهْلِكَ بِهِمْ كُلَّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ.
ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ نَحْوَ الْكُوفَةِ فَوَصَلَ إِلَى نَهْرِ الْحِيرَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَاغْتَسَلَ وَلَبِسَ ثِيَابَهُ ثُمَّ رَكِبَ فَمَرَّ بِمَسْجِدِ السَّكُونِ وَجَبَّانَةِ كِنْدَةَ، لَا يَمُرُّ عَلَى مَجْلِسٍ إِلَّا سَلَّمَ عَلَى أَهْلِهِ وَقَالَ: أَبْشِرُوا بِالنُّصْرَةِ وَالْفَلْجِ، أَتَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ.
وَمَرَّ بِبَنِي بَدَاءَ فَلَقِيَ عُبَيْدَةَ بْنَ عَمْرٍو الْبَدِّيَّ مِنْ كِنْدَةَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: أَبْشِرْ بِالنَّصْرِ وَالْفَلْجِ، إِنَّكَ أَبَا عَمْرٍو عَلَى رَأْيٍ حَسَنٍ، لَنْ يَدَعَ اللَّهُ لَكَ مَعَهُ إِثْمًا إِلَّا غَفَرَهُ لَكَ، وَلَا ذَنْبًا إِلَّا سَتَرَهُ.
وَكَانَ عُبَيْدَةُ مِنْ أَشْجَعِ النَّاسِ وَأَشْعَرِهِمْ وَأَشَدِّهِمْ تَشَيُّعًا وَحُبًّا لِعَلِيٍّ، وَكَانَ لَا يَصْبِرُ عَنِ الشَّرَابِ، فَقَالَ لَهُ: بَشَّرَكَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ! فَهَلْ أَنْتَ مُبَيِّنٌ لَنَا؟ قَالَ نَعَمِ، الْقَنِي اللَّيْلَةَ.
ثُمَّ سَافَرَ بِبَنِي هِنْدٍ فَلَقِيَ إِسْمَاعِيلَ بْنَ كَثِيرٍ فَرَحَّبَ بِهِ وَقَالَ لَهُ: الْقَنِي أَنْتَ وَأَخُوكَ
стр. 1699
اللَّيْلَةَ فَقَدْ أَتَيْتُكُمْ بِمَا تُحِبُّونَ.
وَمَرَّ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ هَمْدَانَ فَقَالَ: قَدْ قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ بِمَا يَسُرُّكُمْ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ وَاسْتَشْرَفَ لَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إِلَى سَارِيَةٍ فَصَلَّى عِنْدَهَا حَتَّى أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ ثُمَّ صَلَّى مَا بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالْعَصْرِ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى دَارِهِ، وَاخْتَلَفَ إِلَيْهِ الشِّيعَةُ، وَأَتَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ كَثِيرٍ وَأَخُوهُ وَعُبَيْدَةُ بْنُ عَمْرٍو، فَسَأَلَهُمْ فَأَخْبَرُوهُ خَبَرَ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ وَأَنَّهُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْمَهْدِيَّ ابْنَ الْوَصِيِّ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ أَمِينًا وَوَزِيرًا وَمُنْتَخَبًا وَأَمِيرًا وَأَمَرَنِي بِقَتْلِ الْمُلْحِدِينَ وَالطَّلَبِ بِدَمِ أَهْلِ بَيْتِهِ وَالدَّفْعِ عَنِ الضُّعَفَاءِ، فَكُونُوا أَوَّلَ خَلْقِ اللَّهِ إِجَابَةً.
فَضَرَبُوا عَلَى يَدِهِ وَبَايَعُوهُ، وَبَعَثَ إِلَى الشِّيعَةِ وَقَدِ اجْتَمَعَتْ عِنْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ وَقَالَ لَهُمْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ سُلَيْمَانَ لَيْسَ لَهُ بَصَرٌ بِالْحَرْبِ وَلَا تَجْرِبَةٌ بِالْأُمُورِ وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ فَيَقْتُلَكُمْ وَيَقْتُلَ نَفْسَهُ، وَأَنَا أَعْمَلُ عَلَى مِثَالٍ مُثِّلَ لِي وَأَمْرٍ بُيِّنَ لِي عَنْ وَلِيِّكُمْ، وَأَقْتُلُ عَدُوَّكُمْ وَأَشْفِي صُدُورَكُمْ، فَاسْمَعُوا قَوْلِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي، ثُمَّ انْتَشِرُوا.
وَمَا زَالَ بِهَذَا وَنَحْوِهِ حَتَّى اسْتَمَالَ طَائِفَةً مِنَ الشِّيعَةِ وَصَارُوا يَخْتَلِفُونَ إِلَيْهِ وَيُعَظِّمُونَهُ، وَعُظَمَاءُ الشِّيعَةِ مَعَ سُلَيْمَانَ لَا يَعْدِلُونَ بِهِ أَحَدًا، وَهُوَ أَثْقَلُ خَلْقِ اللَّهِ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُ سُلَيْمَانَ.
فَلَمَّا خَرَجَ سُلَيْمَانُ نَحْوَ الْجَزِيرَةِ قَالَ عَمْرُو بْنُ سَعْدٍ وَشَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ وَزَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رُوَيْمٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْحَطَمِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ: إِنَّ الْمُخْتَارَ أَشَدُّ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلَيْمَانَ، إِنَّمَا خَرَجَ يُقَاتِلُ عَدُوَّكُمْ، وَإِنَّ الْمُخْتَارَ يُرِيدُ أَنْ يَثِبَ عَلَيْكُمْ فِي مِصْرِكُمْ، فَأَوْثِقُوهُ وَاسْجُنُوهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ أَمْرُ النَّاسِ.
فَأَتَوْهُ فَأَخَذُوهُ بَغْتَةً، فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ: مَا لَكُمْ؟ فَوَاللَّهِ مَا ظَفِرَتْ أَكُفُّكُمْ! فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ: شُدَّهُ كِتَافًا وَمَشِّهِ حَافِيًا.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ هَذَا بَرْجَلٍ لَمْ يَظْهَرْ لَنَا غَدْرُهُ، إِنَّمَا أَخَذْنَاهُ عَلَى الظَّنِّ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَيْسَ هَذَا بِعُشِّكِ فَادْرُجِي. مَا هَذَا الَّذِي بَلَغَنَا عَنْكَ يَا ابْنَ أَبِي عُبَيْدٍ؟
فَقَالَ: مَا بَلَغَكَ عَنِّي إِلَّا بَاطِلٌ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غِشٍّ كَغِشِّ أَبِيكَ وَجَدِّكَ!
стр. 1700
ثُمَّ حُمِلَ إِلَى السِّجْنِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ مُقَيَّدًا، فَكَانَ يَقُولُ فِي السِّجْنِ: أَمَا وَرَبِّ الْبِحَارِ، وَالنَّخِيلِ وَالْأَشْجَارِ، وَالْمَهَامِهِ وَالْقِفَارِ، وَالْمَلَائِكَةِ الْأَبْرَارِ، وَالْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ، لَأَقْتُلَنَّ كُلَّ جَبَّارٍ، بِكُلِّ لَدْنٍ خَطَّارٍ، وَمُهَنَّدٍ بَتَّارٍ، بِجُمُوعِ الْأَنْصَارِ، لَيْسُوا بِمِيلٍ أَغْمَارٍ، وَلَا بِعُزَّلٍ أَشْرَارٍ، حَتَّى إِذَا أَقَمْتُ عَمُودَ الدِّينِ، وَزَايَلْتُ شَعْبَ صَدْعِ الْمُسْلِمِينَ، وَشَفَيْتُ غَلِيلَ صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَدْرَكْتُ ثَأْرَ النَّبِيِّينَ، لَمْ يَكْبُرْ عَلَيَّ زَوَالُ الدُّنْيَا، وَلَمْ أَحْفِلْ بِالْمَوْتِ إِذَا أَتَى.
وَقِيلَ فِي خُرُوجِ الْمُخْتَارِ إِلَى الْكُوفَةِ وَسَبَبِهِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ أَنَّ الْمُخْتَارَ قَالَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ عِنْدَهُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ قَوْمًا لَوْ أَنَّ لَهُمْ رَجُلًا لَهُ فِقْهٌ وَعِلْمٌ بِمَا يَأْتِي وَيَذَرُ لَاسْتَخْرَجَ لَكَ مِنْهُمْ جُنْدًا تُقَاتِلُ بِهِمْ أَهْلَ الشَّامِ.
قَالَ: مَنْ هُمْ؟ قَالَ: شِيعَةُ عَلِيٍّ بِالْكُوفَةِ.
قَالَ: فَكُنْ أَنْتَ ذَلِكَ الرَّجُلَ.
فَبَعَثَهُ إِلَى الْكُوفَةِ، فَنَزَلَ نَاحِيَةً مِنْهَا يَبْكِي عَلَى الْحُسَيْنِ وَيَذْكُرُ مُصَابَهُ حَتَّى لَقُوهُ وَأَحَبُّوهُ فَنَقَلُوهُ إِلَى وَسَطِ الْكُوفَةِ وَأَتَاهُ مِنْهُمْ بَشَرٌ كَثِيرٌ، فَلَمَّا قَوِيَ أَمْرُهُ سَارَ إِلَى ابْنِ مُطِيعٍ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
حَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ عَامِلَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ فِيهَا أَخُوهُ عُبَيْدَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَلَى الْكُوفَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْحَطَمِيُّ، وَعَلَى قَضَائِهَا هِشَامُ بْنُ هُبَيْرَةَ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ التَّيْمِيُّ، وَعَلَى خُرَاسَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ.
стр. 1701
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ شَدَّادُ بْنُ أَوْسِ بْنِ ثَابِتٍ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ بِمَكَّةَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ خَبَرُ مَوْتِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّهُ أَصَابَتْهُ فِلْقَةُ حَجَرِ مَنْجَنِيقٍ فِي جَانِبِ وَجْهِهِ فَمَرِضَ أَيَّامًا وَمَاتَ.
(وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ بِخُرَاسَانَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فِي قَوْلٍ.
وَفِي أَيَّامِ يَزِيدَ مَاتَ أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، لَهُ صُحْبَةٌ.
وَفِي أَيَّامِهِ أَيْضًا مَاتَ عَائِذُ بْنُ عَمْرٍو الْمُزَنِيُّ بِالْبَصْرَةِ، وَشَهِدَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ) .
وَفِي أَيَّامِ ابْنِ زِيَادٍ بِالْكُوفَةِ مَاتَ قَيْسُ بْنُ خَرَشَةَ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ، وَخَبَرُ مَوْتِهِ عَجِيبٌ مَعَ ابْنِ زِيَادٍ لِأَنَّهُ كَانَ قَوَّالًا بِالْحَقِّ.
(وَفِي أَيَّامِهِ مَاتَ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرٍو الدُّئِلِيُّ.
وَفِي أَيَّامِهِ) مَاتَ أَبُو خَيْثَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ، شَهِدَ أُحُدًا، وَذِكْرُهُ فِي تَبُوكَ مَشْهُورٌ.
وَفِي أَيَّامِهِ مَاتَ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ شَقِيقُ بْنُ ثَوْرٍ السُّدُوسِيُّ.
стр. 1702
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ]
٦٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ
ذِكْرُ مَسِيرِ التَّوَّابِينَ وَقَتْلِهِمْ
لَمَّا أَرَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ الْخُزَاعِيُّ الشُّخُوصَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ بَعَثَ إِلَى رُءُوسِ أَصْحَابِهِ فَأَتَوْهُ، فَلَمَّا أَهَلَّ رَبِيعٌ الْآخِرُ خَرَجَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، وَكَانُوا تَوَاعَدُوا لِلْخُرُوجِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمَّا أَتَى النُّخَيْلَةَ دَارَ فِي النَّاسِ فَلَمْ يُعْجِبْهُ عَدَدُهُمْ، فَأَرْسَلَ حَكِيمَ بْنَ مُنْقِذٍ الْكِنْدِيَّ وَالْوَلِيدَ بْنَ عُصَيْرٍ الْكِنَانِيَّ، فَنَادَيَا فِي الْكُوفَةِ: يَا لَثَارَاتِ الْحُسَيْنِ! فَكَانَا أَوَّلَ خَلْقِ اللَّهِ دَعَوْا: يَا لَثَارَاتِ الْحُسَيْنِ.
فَأَصْبَحَ مِنَ الْغَدِ وَقَدْ أَتَاهُ نَحْوٌ مِمَّا فِي عَسْكَرِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي دِيوَانِهِ فَوَجَدَهُمْ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا مِمَّنْ بَايَعَهُ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا وَافَانَا مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا إِلَّا أَرْبَعَةُ آلَافٍ.
فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ الْمُخْتَارَ يُثَبِّطُ النَّاسَ عَنْكَ، إِنَّهُ قَدْ تَبِعَهُ أَلْفَانِ.
فَقَالَ: قَدْ بَقِيَ عَشَرَةُ آلَافٍ، أَمَا هَؤُلَاءِ بِمُؤْمِنِينَ؟ أَمَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ وَالْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ؟ فَأَقَامَ بِالنُّخَيْلَةِ ثَلَاثًا يَبْعَثُ إِلَى مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ نَحْوٌ مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ.
فَقَامَ إِلَيْهِ الْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ! إِنَّهُ لَا يَنْفَعُكَ الْكَارِهُ وَلَا يُقَاتِلُ مَعَكَ إِلَّا مَنْ أَخْرَجَتْهُ النِّيَّةُ، فَلَا تَنْتَظِرْ أَحَدًا وَجِدَّ فِي أَمْرِكَ.
قَالَ: نِعْمَ مَا رَأَيْتَ.
ثُمَّ قَامَ سُلَيْمَانُ فِي أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ كَانَ خَرَجَ يُرِيدُ بِخُرُوجِهِ وَجْهَ اللَّهِ وَالْآخِرَةَ فَذَلِكَ مِنَّا وَنَحْنُ مِنْهُ فَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَمَنْ كَانَ إِنَّمَا يُرِيدُ الدُّنْيَا فَوَاللَّهِ مَا نَأْتِي فَيْئًا نَأْخُذُهُ وَغَنِيمَةً نَغْنَمُهَا مَا خَلَا رِضْوَانَ [اللَّهِ] ، وَمَا مَعَنَا مِنْ ذَهَبٍ وَلَا
стр. 1703
فِضَّةٍ وَلَا مَتَاعٍ، وَمَا هِيَ إِلَّا سُيُوفُنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا، وَزَادٌ قَدْرُ الْبُلْغَةِ، فَمَنْ كَانَ يَنْوِي غَيْرَ هَذَا فَلَا يَصْحَبُنَا.
فَتَنَادَى أَصْحَابُهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ: إِنَّا لَا نَطْلُبُ الدُّنْيَا وَلَيْسَ لَهَا خَرَجْنَا إِنَّمَا خَرَجْنَا نَطْلُبُ التَّوْبَةَ وَالطَّلَبَ بِدَمِ ابْنِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ نَبِيِّنَا ﷺ .
فَلَمَّا عَزَمَ سُلَيْمَانُ عَلَى الْمَسِيرِ قَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ نُفَيْلٍ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا إِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ، وَإِنْ يَكُنْ لَيْسَ صَوَابًا فَمِنْ قِبَلِي، إِنَّا خَرَجْنَا نَطْلُبُ بِدَمِ الْحُسَيْنِ، وَقَتَلَتُهُ كُلُّهُمْ بِالْكُوفَةِ، مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ وَرُءُوسُ الْأَرْبَاعِ وَالْقَبَائِلِ، فَأَيْنَ نَذْهَبُ هَا هُنَا وَنَدَعُ الْأَوْتَارَ؟ فَقَالَ أَصْحَابُهُ كُلُّهُمْ: هَذَا هُوَ الرَّأْيُ.
فَقَالَ سُلَيْمَانُ: لَكِنْ أَنَا لَا أَرَى ذَلِكَ، إِنَّ الَّذِي قَتَلَهُ وَعَبَّأَ الْجُنُودَ إِلَيْهِ وَقَالَ لَا أَمَانَ لَهُ عِنْدِي دُونَ أَنْ يَسْتَسْلِمَ فَأُمْضِي فِيهِ حُكْمِي، هَذَا الْفَاسِقُ ابْنُ الْفَاسِقِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ، فَسِيرُوا إِلَيْهِ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ فَإِنْ يُظْهِرْكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ رَجَوْنَا أَنْ يَكُونَ مَنْ بَعْدَهُ أَهْوَنَ عَلَيْنَا مِنْهُ، وَرَجَوْنَا أَنْ يَدِينَ لَكُمْ أَهْلُ مِصْرِكُمْ فِي عَافِيَةٍ فَيَنْظُرُونَ إِلَى كُلِّ مَنْ شَرَكَ فِي دَمِ الْحُسَيْنِ فَيَقْتُلُونَهُ وَلَا يَغْشِمُوا، وَإِنْ تُسْتَشْهَدُوا فَإِنَّمَا قَاتَلْتُمُ الْمُحِلِّينَ، وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ، إِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ تَجْعَلُوا جِدَّكُمْ بِغَيْرِ الْمُحِلِّينَ، وَلَوْ قَاتَلْتُمْ أَهْلَ مِصْرِكُمْ مَا عَدَمَ رَجُلٌ أَنْ يَرَى رَجُلًا قَدْ قَتَلَ أَخَاهُ وَأَبَاهُ وَحَمِيمَهُ وَرَجُلًا يُرِيدُ قَتْلَهُ، فَاسْتَخِيرُوا اللَّهَ وَسِيرُوا.
وَبَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ وَإِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ خُرُوجُ ابْنِ صُرَدٍ، فَأَتَيَاهُ فِي أَشْرَافِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَلَمْ يَصْحَبْهُمْ مَنْ شَرَكَ فِي دَمِ الْحُسَيْنِ خَوْفًا مِنْهُ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ تِلْكَ الْأَيَّامَ يَبِيتُ فِي قَصْرِ الْإِمَارَةِ خَوْفًا مِنْهُمْ.
فَلَمَّا أَتَيَاهُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ: إِنَّ الْمُسْلِمَ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَخُونُهُ وَلَا يَغُشُّهُ، وَأَنْتُمْ إِخْوَانُنَا وَأَهْلُ بَلَدِنَا وَأَحَبُّ أَهْلِ مِصْرٍ خَلَقَهُ اللَّهُ إِلَيْنَا، فَلَا تَفْجَعُونَا بِأَنْفُسِكُمْ وَلَا تَنْقُصُوا عَدَدَنَا بِخُرُوجِكُمْ مِنْ جَمَاعَتِنَا، أَقِيمُوا مَعَنَا حَتَّى نَتَهَيَّأَ، فَإِذَا سَارَ عَدُّونَا إِلَيْنَا خَرَجْنَا إِلَيْهِ بِجَمَاعَتِنَا فَقَاتَلْنَاهُ.
وَجَعَلَ لِسُلَيْمَانَ وَأَصْحَابِهِ خَرَاجَ جُوخَى إِنْ أَقَامُوا. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِثْلَهُ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ لَهُمَا: قَدْ مَحَّضْتُمَا النَّصِيحَةَ وَاجْتَهَدْتُمَا فِي الْمَشُورَةِ، فَنَحْنُ بِاللَّهِ وَلَهُ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ وَلَا نَرَانَا إِلَّا سَائِرِينَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَأَقِيمُوا حَتَّى (نُعَبِّي مَعَكُمْ جَرِيدًا كَثِيفًا) فَتَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ بِجَمْعٍ كَثِيفٍ. وَكَانَ قَدْ بَلَغَهُمْ إِقْبَالُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ
стр. 1704
زِيَادٍ مِنَ الشَّامِ فِي جُنُودٍ.
فَلَمْ يُقِمْ سُلَيْمَانُ، فَسَارَ عَشِيَّةَ الْجُمُعَةِ لِخَمْسٍ مَضَيْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ، فَوَصَلَ دَارَ الْأَهْوَازِ وَقَدْ تَخَلَّفَ عَنْهُ نَاسٌ كَثِيرٌ، (فَقَالَ: مَا أُحِبُّ أَنَّ مَنْ تَخَلَّفَ [عَنْكُمْ] مَعَكُمْ، ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة: ٤٧] ، إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ، وَاخْتَصَّكُمْ بِفَضْلِ ذَلِكَ) .
ثُمَّ سَارُوا فَانْتَهَوْا إِلَى قَبْرِ الْحُسَيْنِ، فَلَمَّا وَصَلُوا صَاحُوا صَيْحَةً وَاحِدَةً، فَمَا رُئِيَ أَكْثَرَ بَاكِيًا مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَتَرَحَّمُوا عَلَيْهِ وَتَابُوا عِنْدَهُ مِنْ خِذْلَانِهِ، وَتَرْكِ الْقِتَالِ مَعَهُ وَأَقَامُوا عِنْدَهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً يَبْكُونَ وَيَتَضَرَّعُونَ وَيَتَرَحَّمُونَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ، (وَكَانَ مِنْ قَوْلِهِمْ عِنْدَ ضَرِيحِهِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْ حُسَيْنًا الشَّهِيدَ ابْنَ الشَّهِيدِ، الْمَهْدِيَّ ابْنَ الْمَهْدِيِّ، الصِّدِّيقَ ابْنَ الصِّدِّيقِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نُشْهِدُكَ أَنَّا عَلَى دِينِهِمْ وَسَبِيلِهِمْ وَأَعْدَاءُ قَاتِلِيهِمْ وَأَوْلِيَاءُ مُحِبِّيهِمُ، اللَّهُمَّ إِنَّا خَذَلْنَا ابْنَ بِنْتِ نَبِيِّنَا ﷺ فَاغْفِرْ لَنَا مَا مَضَى مِنَّا وَتُبْ عَلَيْنَا وَارْحَمْ حُسَيْنًا وَأَصْحَابَهُ الشُّهَدَاءَ الصِّدِّيقِينَ، وَإِنَّا نُشْهِدُكَ أَنَّا عَلَى دِينِهِمْ وَعَلَى مَا قُتِلُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ! وَزَادَهُمُ النَّظَرُ إِلَيْهِ حَنَقًا) .
ثُمَّ سَارُوا بَعْدَ أَنْ كَانَ الرَّجُلُ يَعُودُ إِلَى ضَرِيحِهِ كَالْمُوَدِّعِ لَهُ، فَازْدَحَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنِ ازْدِحَامِهِمْ عَلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، ثُمَّ أَخَذُوا عَلَى الْأَنْبَارِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ كِتَابًا، مِنْهُ: يَا قَوْمَنَا لَا تُطِيعُوا عَدُوَّكُمْ، أَنْتُمْ فِي أَهْلِ بِلَادِكُمْ خِيَارٌ كُلُّكُمْ، وَمَتَى يُصِبْكُمْ عَدُوُّكُمْ يَعْلَمُوا أَنَّكُمْ أَعْلَامُ مِصْرِكُمْ، فَيُطْمِعُهُمْ ذَلِكَ فِيمَنْ وَرَاءَكُمْ، يَا قَوْمَنَا ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: ٢٠] ، يَا قَوْمِ إِنَّ أَيْدِيَنَا وَأَيْدِيَكُمْ وَاحِدَةٌ وَعَدُوَّنَا وَعَدُوَّكُمْ وَاحِدٌ وَمَتَى تَجْتَمِعُ كَلِمَتُنَا عَلَى عَدُوِّنَا نَظْهَرُ عَلَى عَدُوِّنَا وَمَتَى تَخْتَلِفُ تَهُنْ شَوْكَتُنَا عَلَى مَنْ خَالَفْنَا، يَا قَوْمَنَا لَا تَسْتَغِشُّوا نُصْحِيَ، وَلَا تُخَالِفُوا أَمْرِي وَأَقْبِلُوا حِينَ يُقْرَأُ كِتَابِي عَلَيْكُمْ. وَالسَّلَامُ.
стр. 1705
فَقَالَ سُلَيْمَانُ وَأَصْحَابُهُ: قَدْ أَبَيْنَا هَذَا وَنَحْنُ فِي مِصْرِنَا، فَحِينَ وَطَّنَا أَنْفُسَنَا عَلَى الْجِهَادِ وَدَنَوْنَا مِنْ أَرْضِ عَدُوِّنَا، مَا هَذَا بِرَأْيٍ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ سُلَيْمَانُ يَشْكُرُهُ وَيُثْنِي عَلَيْهِ وَيَقُولُ: إِنَّ الْقَوْمَ قَدِ اسْتَبْشَرُوا بِبَيْعِهِمْ أَنْفُسَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ، وَإِنَّهُمْ قَدْ تَابُوا مِنْ عَظِيمِ ذَنْبِهِمْ وَتَوَجَّهُوا إِلَى اللَّهِ وَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ وَرَضُوا بِمَا قَضَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
فَلَمَّا جَاءَ الْكِتَابُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: اسْتَمَاتَ الْقَوْمُ، أَوَّلُ خَبَرٍ يَأْتِيكُمْ عَنْهُمْ قَتْلُهُمْ، وَاللَّهِ لَيُقْتَلُنَّ كِرَامًا مُسْلِمِينَ.
ثُمَّ سَارُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى قَرْقِيسْيَا عَلَى تَعْبِيَةٍ، وَبِهَا زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ الْكِلَابِيُّ قَدْ تَحَصَّنَ بِهَا مِنْهُمْ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمُسَيَّبَ بْنَ نَجَبَةَ يَطْلُبُ إِلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْهِ سُوقًا، فَأَتَى الْمُسَيَّبُ إِلَى بَابِ قَرْقِيسْيَا فَعَرَّفَهُمْ نَفْسَهُ وَطَلَبَ الْإِذْنَ عَلَى زُفَرَ، فَأَتَى هُذَيْلَ بْنِ زُفَرَ أَبَاهُ فَقَالَ: هَذَا رَجُلٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ اسْمُهُ الْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ.
فَقَالَ أَبُوهُ: أَمَا تَدْرِي يَا بُنَيَّ مَنْ هَذَا؟ هَذَا فَارِسُ مُضَرَ الْحَمْرَاءِ كُلِّهَا، إِذَا عُدَّ مِنْ أَشْرَافِهَا عَشْرَةٌ كَانَ أَحَدَهُمْ هُوَ، وَهُوَ بَعْدُ رَجُلٌ نَاسِكٌ لَهُ دِينٌ، إِيذَنْ لَهُ.
فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَجْلَسَهُ إِلَى جَانِبِهِ وَسَأَلَهُ، فَعَرَّفَهُ الْمُسَيَّبُ حَالَهُ وَمَا عَزَمُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ زُفَرُ: إِنَّا لَمْ نُغْلِقْ أَبْوَابَ الْمَدِينَةِ إِلَّا لِنَعْلَمَ إِيَّانَا تُرِيدُونَ أَمْ غَيْرَنَا، وَمَا بِنَا عَجْزٌ عَنِ النَّاسِ وَمَا نُحِبُّ قِتَالَكُمْ، وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْكُمْ صَلَاحٌ وَسِيرَةٌ جَمِيلَةٌ.
ثُمَّ أَمَرَ ابْنَهُ فَأَخْرَجَ لَهُمْ سُوقًا، وَأَمَرَ لِلْمُسَيَّبِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَفَرَسٍ، فَرَدَّ الْمَالَ وَأَخَذَ الْفَرَسَ وَقَالَ: لَعَلِّي أَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِنَّ عَرَجَ فَرَسِي.
وَبَعَثَ زُفَرُ إِلَيْهِمْ بِخُبْزٍ كَثِيرٍ وَعَلَفٍ وَدَقِيقٍ حَتَّى اسْتَغْنَى النَّاسُ عَنِ السُّوقِ، إِلَّا أَنَّ الرَّجُلُ كَانَ يَشْتَرِي سَوْطًا أَوْ ثَوْبًا.
ثُمَّ ارْتَحَلُوا مِنَ الْغَدِ، وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ زُفَرُ يُشَيِّعُهُمْ وَقَالَ لِسُلَيْمَانَ: إِنَّهُ قَدْ سَارَ خَمْسَةُ أُمَرَاءَ مِنَ الرَّقَّةِ هُمُ الْحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ ذِي الْكَلَاعِ، وَأَدْهَمُ بْنُ مُحْرِزٍ، وَجَبَلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَثْعَمِيُّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ، فِي عَدَدٍ كَثِيرٍ مِثْلِ الشَّوْكِ وَالشَّجَرِ، فَإِنْ شِئْتُمْ دَخَلْتُمْ مَدِينَتَنَا وَكَانَتْ أَيْدِينَا وَاحِدَةً، فَإِذَا جَاءَنَا هَذَا الْعَدُوُّ قَاتَلْنَاهُمْ جَمِيعًا.
فَقَالَ سُلَيْمَانُ: قَدْ طَلَبَ أَهْلُ مِصْرِنَا ذَلِكَ مِنَّا فَأَبَيْنَا عَلَيْهِمْ.
قَالَ زُفَرُ: فَبَادِرُوهُمْ إِلَى عَيْنِ الْوَرْدَةِ وَهِيَ رَأْسُ عَيْنٍ فَاجْعَلُوا الْمَدِينَةَ فِي
стр. 1706
ظُهُورِكُمْ وَيَكُونُ الرُّسْتَاقُ وَالْمَاءُ وَالْمَادَّةُ فِي أَيْدِيكُمْ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فَأَنْتُمْ آمِنُونَ مِنْهُ، فَاطْوُوا الْمَنَازِلَ، فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ جَمَاعَةً قَطُّ أَكْرَمَ مِنْكُمْ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَسْبِقُوهُمْ، وَإِنْ قَاتَلْتُمُوهُمْ فَلَا تُقَاتِلُوهُمْ فِي فَضَاءٍ تُرَامُونَهُمْ وَتُطَاعِنُونَهُمْ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ مِنْكُمْ، وَلَا آمَنُ أَنْ يُحِيطُوا بِكُمْ، فَلَا تَقِفُوا لَهُمْ فَيَصْرَعُوكُمْ، وَلَا تَصِفُّوا لَهُمْ، فَإِنِّي لَا أَرَى مَعَكُمْ رَجَّالَةً وَمَعَهُمُ الرَّجَّالَةُ وَالْفُرْسَانُ بَعْضُهُمْ يَحْمِي بَعْضًا، وَلَكِنِ الْقُوهُمْ فِي الْكَتَائِبِ وَالْمَقَانِبِ ثُمَّ بُثُّوهَا فِيمَا بَيْنَ مَيَمَنَتِهِمْ وَمَيْسَرَتِهِمْ وَاجْعَلُوا مَعَ كُلِّ كَتِيبَةٍ أُخْرَى إِلَى جَانِبِهَا، فَإِنْ حُمِلَ عَلَى إِحْدَى الْكَتِيبَتَيْنِ رَحَلَتِ الْأُخْرَى فَنَفَّسَتْ عَنْهَا، وَمَتَى شَاءَتْ كَتِيبَةٌ ارْتَفَعَتْ، وَمَتَى شَاءَتْ كَتِيبَةٌ انْحَطَّتْ، وَلَوْ كُنْتُمْ صَفًّا وَاحِدًا فَزَحَفَتْ إِلَيْكُمُ الرَّجَّالَةُ فَدَفَعْتُمْ عَنِ الصَّفِّ انْتَقَضَ فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ.
ثُمَّ وَدَّعَهُمْ وَدَعَا لَهُمْ وَدَعَوْا لَهُ وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ.
ثُمَّ سَارُوا مُجِدِّينَ فَانْتَهَوْا إِلَى عَيْنِ الْوَرْدَةِ فَنَزَلُوا غَرْبَيَّهَا وَأَقَامُوا خَمْسًا فَاسْتَرَاحُوا وَأَرَاحُوا.
وَأَقْبَلَ أَهْلُ الشَّامِ فِي عَسَاكِرِهِمْ حَتَّى كَانُوا مِنْ عَيْنِ الْوَرْدَةِ عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَقَامَ سُلَيْمَانُ فِي أَصْحَابِهِ وَذَكَرَ الْآخِرَةَ وَرَغَّبَ فِيهَا ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَتَاكُمْ عَدُوُّكُمُ الَّذِي دَأَبْتُمْ إِلَيْهِ فِي السَّيْرِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْدُقُوهُمُ الْقِتَالَ وَاصْبِرُوا، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، وَلَا يُوَلِّيَنَّهُمُ امْرُؤٌ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ، وَلَا تَقْتُلُوا مُدْبِرًا، وَلَا تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا تَقْتُلُوا أَسِيرًا مِنْ أَهْلِ دَعْوَتِكُمْ إِلَّا أَنْ يُقَاتِلَكُمْ بَعْدَ أَنْ تَأْسِرُوهُ، فَإِنَّ هَذِهِ كَانَتْ سِيرَةُ عَلِيٍّ فِي أَهْلِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ.
ثُمَّ قَالَ: إِنْ أَنَا قُتِلْتُ فَأَمِيرُ النَّاسِ مُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ، فَإِنْ قُتِلَ فَالْأَمِيرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ نُفَيْلٍ، فَإِنْ قُتِلَ فَالْأَمِيرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَالٍ، فَإِنْ قُتِلَ فَالْأَمِيرُ رِفَاعَةُ بْنُ شَدَّادٍ، رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَدَقَ مَا عَاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ بَعَثَ الْمُسَيَّبَ فِي أَرْبَعِمِائَةِ فَارِسٍ ثُمَّ قَالَ: سِرْ حَتَّى تَلْقَى أَوَّلَ عَسَاكِرِهِمْ فَشُنَّ عَلَيْهِمُ [الْغَارَةَ] ، فَإِنْ رَأَيْتَ مَا تُحِبُّهُ وَإِلَّا رَجَعْتَ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَنْزِلَ [أَوْ تَدَعَ] أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَنْزِلُ أَوْ يَسْتَقْبِلُ آخِرَ ذَلِكَ، حَتَّى لَا تَجِدَ مِنْهُ بُدًّا.
فَسَارَ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ ثُمَّ نَزَلَ السَّحَرَ. فَلَمَّا أَصْبَحُوا أَرْسَلَ أَصْحَابَهُ فِي الْجِهَاتِ لِيَأْتُوهُ بِمَنْ يَلْقَوْنَ، فَأَتَوْهُ بِأَعْرَابِيٍّ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَدْنَى الْعَسَاكِرِ مِنْهُ، فَقَالَ: أَدْنَى عَسْكَرٍ مِنْ عَسَاكِرِهِمْ مِنْكَ عَسْكَرُ شُرَحْبِيلَ بْنِ ذِي الْكَلَاعِ، وَهُوَ مِنْكَ عَلَى رَأْسِ مِيلٍ، وَقَدِ اخْتَلَفَ هُوَ وَالْحُصَيْنُ، ادَّعَى الْحُصَيْنُ أَنَّهُ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَأَبَى شُرَحْبِيلُ ذَلِكَ، وَهُمَا يَنْتَظِرَانِ أَمْرَ ابْنِ زِيَادٍ.
стр. 1707
فَسَارَ الْمُسَيَّبُ وَمَنْ مَعَهُ مُسْرِعِينَ فَأَشْرَفُوا عَلَيْهِمْ وَهُمْ غَارُّونَ، فَحَمَلُوا فِي جَانِبِ عَسْكَرِهِمْ، فَانْهَزَمَ الْعَسْكَرُ وَأَصَابَ الْمُسَيَّبُ مِنْهُمْ رِجَالًا، فَأَكْثَرُوا فِيهِمُ الْجِرَاحَ وَأَخَذُوا الدَّوَابَّ، وَخَلَّى الشَّامِيُّونَ عَسْكَرَهُمْ وَانْهَزَمُوا، فَغَنِمَ مِنْهُ أَصْحَابُ الْمُسَيَّبِ مَا أَرَادُوا ثُمَّ انْصَرَفُوا إِلَى سُلَيْمَانَ مَوْفُورِينَ.
وَبَلَغَ الْخَبَرُ ابْنَ زِيَادٍ فَسَرَّحَ الْحُصَيْنَ بْنَ نُمَيْرٍ مُسْرِعًا حَتَّى نَزَلَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَخَرَجَ أَصْحَابُ سُلَيْمَانَ إِلَيْهِ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى، وَعَلَى مَيْمَنَتِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِمُ الْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ، وَسُلَيْمَانُ فِي الْقَلْبِ، وَجَعَلَ الْحُصَيْنُ عَلَى مَيْمَنَتِهِ جَمَلَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ رَبِيعَةَ بْنَ الْمُخَارِقِ الْغَنَوِيَّ، فَلَمَّا دَنَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ دَعَاهُمْ أَهْلُ الشَّامِ إِلَى الْجَمَاعَةِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَدَعَاهُمْ أَصْحَابُ سُلَيْمَانَ إِلَى خَلْعِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَتَسْلِيمِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ إِلَيْهِمْ وَأَنَّهُمْ يُخْرِجُونَ مَنْ بِالْعِرَاقِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ثُمَّ يُرَدُّ الْأَمْرُ إِلَى أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ .
فَأَبَى كُلٌّ مِنْهُمْ، فَحَمَلَتْ مَيْمَنَةُ سُلَيْمَانَ عَلَى مَيْسَرَةِ الْحُصَيْنِ، وَالْمَيْسَرَةُ أَيْضًا عَلَى الْمَيْمَنَةِ، وَحَمَلَ سُلَيْمَانُ فِي الْقَلْبِ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ، فَانْهَزَمَ أَهْلُ الشَّامِ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَمَا زَالَ الظَّفَرُ لِأَصْحَابِ سُلَيْمَانَ إِلَى أَنْ حَجَزَ بَيْنِهِمُ اللَّيْلُ.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَبَّحَ الْحُصَيْنَ جَيْشٌ مَعَ ابْنِ ذِي الْكَلَاعِ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ، أَمَدَّهُمْ بِهِمْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ، وَخَرَجَ أَصْحَابُ سُلَيْمَانَ فَقَاتَلُوهُمْ قِتَالًا لَمْ يَكُنْ أَشَدَّ مِنْهُ جَمِيعَ النَّهَارِ، لَمْ يَحْجِزْ بَيْنَهُمْ إِلَّا الصَّلَاةُ، فَلَمَّا أَمْسَوْا تَحَاجَزُوا وَقَدْ كَثُرَتِ الْجِرَاحُ فِي الْفَرِيقَيْنِ، وَطَافَ الْقُصَّاصُ عَلَى أَصْحَابِ سُلَيْمَانَ يُحَرِّضُونَهُمْ.
فَلَمَّا أَصْبَحَ أَهْلُ الشَّامِ أَتَاهُمْ أَدْهَمُ بْنُ مُحْرِزٍ الْبَاهِلِيُّ فِي نَحْوٍ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ مِنِ ابْنِ زِيَادٍ، فَاقْتَتَلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ قِتَالًا شَدِيدًا إِلَى ارْتِفَاعِ الضُّحَى، ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الشَّامِ كَثَّرُوهُمْ وَتَعَطَّفُوا عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَرَأَى سُلَيْمَانُ مَا لَقِيَ أَصْحَابُهُ، فَنَزَلَ وَنَادَى: عِبَادَ اللَّهِ مَنْ أَرَادَ الْبُكُورَ إِلَى رَبِّهِ وَالتَّوْبَةَ مِنْ ذَنْبِهِ فَإِلَيَّ! ثُمَّ كَسَرَ جَفْنَةَ سَيْفِهِ وَنَزَلَ مَعَهُ نَاسٌ كَثِيرٌ وَكَسَرُوا جُفُونَ سُيُوفِهِمْ وَمَشَوْا مَعَهُ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَقُتِلَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَجَرَّحُوا فِيهِمْ فَأَكْثَرُوا الْجِرَاحَ.
فَلَمَّا رَأَى الْحُصَيْنُ صَبْرَهُمْ وَبَأْسَهُمْ بَعَثَ الرَّجَّالَةَ تَرْمِيهِمْ بِالنَّبْلِ وَاكْتَنَفَتْهُمُ الْخَيْلُ وَالرِّجَالُ، فَقُتِلَ سُلَيْمَانُ، ﵀، رَمَاهُ يَزِيدُ بْنُ الْحُصَيْنِ بِسَهْمٍ فَوَقَعَ، ثُمَّ وَثَبَ ثُمَّ وَقَعَ.
стр. 1708
فَلَمَّا قُتِلَ سُلَيْمَانُ أَخَذَ الرَّايَةَ الْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ وَتَرَحَّمَ عَلَى سُلَيْمَانَ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَاتَلَ بِهَا سَاعَةً ثُمَّ رَجَعَ ثُمَّ حَمَلَ، فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا، ثُمَّ قُتِلَ، ﵀، بَعْدَ أَنْ قَتَلَ رِجَالًا.
فَلَمَّا قُتِلَ أَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ نُفَيْلٍ وَتَرَحَّمَ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] . وَحَفَّ بِهِ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْأَزْدِ. فَبَيْنَمَا هُمْ فِي الْقِتَالِ أَتَاهُمْ فُرْسَانٌ ثَلَاثَةٌ مِنْ سَعْدِ بْنِ حُذَيْفَةَ يُخْبِرُونَ بِمَسِيرِهِمْ فِي سَبْعِينَ وَمِائَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدَائِنِ وَيُخْبِرُونَ أَيْضًا بِمَسِيرِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مَعَ الْمُثَنَّى بْنِ مُخَرِّبَةَ الْعَبْدِيِّ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ، (فَسُرَّ النَّاسُ) فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ: ذَلِكَ لَوْ جَاءُونَا وَنَحْنُ أَحْيَاءٌ.
فَلَمَّا نَظَرَ الرُّسُلُ إِلَى مُصَارِعِ إِخْوَانِهِمْ سَاءَهُمْ ذَلِكَ وَاسْتَرْجَعُوا وَقَاتَلُوا مَعَهُمْ، وَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ نُفَيْلٍ، قَتَلَهُ ابْنُ أَخِي رَبِيعَةَ بْنِ مُخَارِقٍ، وَحَمَلَ خَالِدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ نُفَيْلٍ عَلَى قَاتِلِ أَخِيهِ فَطَعَنَهُ بِالسَّيْفِ، وَاعْتَنَقَهُ الْآخَرُ فَحَمَلَ أَصْحَابُهُ عَلَيْهِ فَخَلَّصُوهُ بِكَثْرَتِهِمْ وَقَتَلُوا خَالِدًا، وَبَقِيَتِ الرَّايَةُ لَيْسَ عِنْدَهَا أَحَدٌ، فَنَادَوْا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ وَالٍ فَإِذَا هُوَ قَدِ اصْطَلَى الْحَرْبَ فِي عِصَابَةٍ مَعَهُ، فَحَمَلَ رِفَاعَةُ بْنُ شَدَّادٍ فَكَشَفَ أَهْلَ الشَّامِ عَنْهُ، فَأَتَى فَأَخَذَ الرَّايَةَ وَقَاتَلَ مَلِيًّا ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَنْ أَرَادَ الْحَيَاةَ الَّتِي لَيْسَ بَعْدَهَا مَوْتٌ (وَالرَّاحَةَ الَّتِي لَيْسَ بَعْدَهَا نَصَبٌ، وَالسُّرُورَ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ حُزْنٌ) ، فَلْيَتَقَرَّبْ إِلَى اللَّهِ بِقِتَالِ هَؤُلَاءِ الْمُحِلِّينَ، وَالرَّوَاحِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْعَصْرِ، فَحَمَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَقَتَلُوا رِجَالًا وَكَشَفُوهُمْ.
ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الشَّامِ تَعَطَّفُوا عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَتَّى رَدُّوهُمْ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانُوا فِيهِ، وَكَانَ مَكَانُهُمْ لَا يُؤْتَى إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ تَوَلَّى قِتَالَهُمْ أَدْهَمُ بْنُ مُحْرِزٍ الْبَاهِلِيُّ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ فِي خَيْلِهِ وَرَجْلِهِ، فَوَصَلَ ابْنُ مُحْرِزٍ إِلَى ابْنِ وَالٍ وَهُوَ يَتْلُو: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] الْآيَةَ، فَغَاظَ ذَلِكَ أَدْهَمَ بْنَ مُحْرِزٍ فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَضَرَبَ يَدَهُ فَأَبَانَهَا ثُمَّ تَنَحَّى عَنْهُ وَقَالَ: إِنِّي أَظُنُّكَ وَدِدْتَ أَنَّكَ عِنْدَ أَهْلِكَ.
قَالَ ابْنُ وَالٍ: بِئْسَ مَا ظَنَنْتَ، وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ يَدُكَّ مَكَانَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِي مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ مَا فِي يَدِي لِيَعْظُمَ وِزْرُكَ وَيَعْظُمَ أَجْرِي.
فَغَاظَهُ ذَلِكَ أَيْضًا، فَحَمَلَ عَلَيْهِ وَطَعَنَهُ
стр. 1709
فَقَتَلَهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ مَا يَزُولُ.
وَكَانَ ابْنُ وَالٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْعُبَّادِ، فَلَمَّا قُتِلَ أَتَوْا رِفَاعَةَ بْنَ شَدَّادٍ الْبَجَلِيَّ وَقَالُوا: لِتَأْخُذِ الرَّايَةَ. فَقَالَ: ارْجِعُوا بِنَا لَعَلَّ اللَّهَ يَجْمَعُنَا لِيَوْمِ شَرِّهِمْ.
فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْفِ بْنِ الْأَحْمَرِ: هَلَكْنَا وَاللَّهِ، لَئِنِ انْصَرَفْتَ لَيَرْكَبُنَّ أَكْتَافَنَا فَلَا نَبْلُغُ فَرْسَخًا حَتَّى نَهْلِكَ عَنْ آخِرِنَا، وَإِنْ نَجَا مِنَّا نَاجٍ أَخَذَتْهُ الْعَرَبُ يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إِلَيْهِمْ فَقُتِلَ صَبْرًا، هَذِهِ الشَّمْسُ قَدْ قَارَبَتِ الْغُرُوبَ فَنُقَاتِلُهُمْ عَلَى خَيْلِنَا، فَإِذَا غَسَقَ اللَّيْلُ رَكِبْنَا خُيُولَنَا أَوَّلَ اللَّيْلِ وَسِرْنَا حَتَّى نُصْبِحَ وَنَسِيرُ عَلَى مَهَلٍ، وَيَحْمِلُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ وَجَرِيحَهُ وَنَعْرِفُ الْوَجْهَ الَّذِي نَأْخُذُهُ.
فَقَالَ رِفَاعَةُ: نِعْمَ مَا رَأَيْتَ! وَأَخَذَ الرَّايَةَ وَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، وَرَامَ أَهْلُ الشَّامِ إِهْلَاكَهُمْ قَبْلَ اللَّيْلِ فَلَمْ يَصِلُوا إِلَى ذَلِكَ لِشِدَّةِ قِتَالِهِمْ، وَتَقَدَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُزَيْزٍ الْكِنَانِيُّ فَقَاتَلَ أَهْلَ الشَّامِ وَمَعَهُ وَلَدُهُ مُحَمَّدُ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَنَادَى بَنِي كِنَانَةَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَسَلَّمَ وَلَدَهُ إِلَيْهِمْ لِيُوصِلُوهُ إِلَى الْكُوفَةِ، فَعَرَضُوا عَلَيْهِ الْأَمَانَ، فَأَبَى ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ.
وَتَقَدَّمَ كَرِبُ بْنُ يَزِيدَ الْحِمْيَرِيُّ عِنْدَ الْمَسَاءِ فِي مِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَاتَلَهُمْ أَشَدَّ قِتَالٍ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ ابْنُ ذِي الْكَلَاعِ الْحِمْيَرِيُّ الْأَمَانَ، قَالَ: قَدْ كُنَّا آمِنِينَ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّمَا خَرَجْنَا نَطْلُبُ أَمَانَ الْآخِرَةِ. فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى قُتِلُوا.
وَتَقَدَّمَ صَخْرُ بْنُ هِلَالٍ الْمُزَنِيُّ فِي ثَلَاثِينَ مِنْ مُزَيْنَةَ فَقَاتَلُوا حَتَّى قُتِلُوا.
فَلَمَّا أَمْسَوْا رَجَعَ أَهْلُ الشَّامِ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ، وَنَظَرَ رِفَاعَةُ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ قَدْ عُقِرَ بِهِ فَرَسُهُ وَجُرِحَ فَدَفَعَهُ إِلَى قَوْمِهِ ثُمَّ سَارَ بِالنَّاسِ لَيْلَتَهُ، وَأَصْبَحَ الْحُصَيْنُ لِيَلْتَقِيَهُمْ فَلَمْ يَرَهُمْ، فَلَمْ يَبْعَثْ فِي آثَارِهِمْ، وَسَارُوا حَتَّى أَتَوْا قَرْقِيسْيَا، فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ زُفَرُ الْإِقَامَةَ، فَأَقَامُوا ثَلَاثًا، فَأَضَافَهُمْ ثُمَّ زَوَّدَهُمْ وَسَارُوا إِلَى الْكُوفَةِ.
ثُمَّ أَقْبَلَ سَعْدُ بْنُ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ فِي أَهْلِ الْمَدَائِنِ فَبَلَغَ هِيتَ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ، فَرَجَعَ فَلَقِيَ الْمُثَنَّى بْنَ مُخَرِّبَةَ الْعَدَوِيَّ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ بِصَنْدَوْدَاءَ فَأَخْبَرَهُ، فَأَقَامُوا حَتَّى أَتَاهُمْ رِفَاعَةُ فَاسْتَقْبَلُوهُ، وَبَكَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَقَامُوا يَوْمًا وَلَيْلَةً ثُمَّ تَفَرَّقُوا، فَسَارَ كُلُّ طَائِفَةٍ إِلَى بَلَدِهِمْ.
وَلَمَّا بَلَغَ رِفَاعَةُ الْكُوفَةَ كَانَ الْمُخْتَارُ مَحْبُوسًا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ فَمَرْحَبًا بِالْعُصْبَةِ
стр. 1710
الَّذِينَ عَظَّمَ اللَّهُ لَهُمُ الْأَجْرَ حِينَ انْصَرَفُوا وَرَضِيَ فِعْلَهُمْ حِينَ قُتِلُوا، أَمَا وَرَبِّ الْبَيْتِ مَا خَطَا خَاطٍ مِنْكُمْ خُطْوَةً وَلَا رَبَا رَبْوَةً إِلَّا كَانَ ثَوَابُ اللَّهِ لَهُ أَعْظَمَ مِنَ الدُّنْيَا! إِنَّ سُلَيْمَانَ قَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ (وَجَعَلَ وَجْهَهُ مَعَ أَرْوَاحِ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) ، وَلَمْ يَكُنْ بِصَاحِبِكُمُ الَّذِي بِهِ تُنْصَرُونَ، إِنِّي أَنَا الْأَمِيرُ الْمَأْمُورُ، وَالْأَمِينُ الْمَأْمُونُ، وَقَاتِلُ الْجَبَّارِينَ، وَالْمُنْتَقِمُ مِنْ أَعْدَاءِ الدِّينِ، الْمُقَيَّدُ مِنَ الْأَوْتَارِ، فَأَعِدُّوا وَاسْتَعِدُّوا وَأَبْشِرُوا، أَدْعُوكُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، وَالطَّلَبِ بِدَمِ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَالدَّفْعِ عَنِ الضُّعَفَاءِ، وَجِهَادِ الْمُحِلِّينَ، وَالسَّلَامُ.
(وَكَانَ قَتْلُ سُلَيْمَانَ وَمَنْ مَعَهُ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ) .
وَلَمَّا سَمِعَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بِقَتْلِ سُلَيْمَانَ وَانْهِزَامِ أَصْحَابِهِ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ (قَدْ أَهْلَكَ مِنْ رُءُوسِ أَهْلِ الْعِرَاقِ مُلْقِحَ فِتْنَةٍ وَرَأْسَ ضَلَالَةٍ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ، أَلَا وَإِنَّ السُّيُوفَ تَرَكْنَ رَأْسَ الْمُسَيَّبِ خَذَارِيفَ، وَقَدْ قَتَلَ اللَّهُ) مِنْهُمْ رَأْسَيْنِ عَظِيمَيْنِ ضَالَّيْنِ مُضِلَّيْنِ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ الْأَزْدِيَّ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ وَالٍ الْبَكْرِيَّ، وَلَمْ يَبْقَ بَعْدَهُمْ مَنْ عِنْدَهُ امْتِنَاعٌ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ، فَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ حَيًّا، قَالَ أَعْشَى هَمْدَانَ فِي ذَلِكَ، وَهِيَ مِمَّا يُكَتَّمُ ذَلِكَ الزَّمَانَ:
أَلَمَّ خَيَالٌ مِنْكِ يَا أُمَّ غَالِبِ ... فَحُيِّيتِ عَنَّا مِنْ حَبِيبٍ مُجَانِبِ
وَمَا زِلْتُ فِي شَجْوٍ وَمَا زِلْتُ مُقْصَدًا ... لِهَمٍّ عَرَانِي مِنْ فِرَاقِكِ نَاصِبِ
فَمَا أَنَسَ لَا أَنَسَ انْفِتَالَكِ فِي الضُّحَى ... إِلَيْنَا مَعَ الْبِيضِ الْحِسَانِ الْخَرَاعِبِ
стр. 1711
تَرَاءَتْ لَنَا هَيْفَاءَ مَهْضُومَةَ الْحَشَا ... لَطِيفَةَ طَيِّ الْكَشْحِ رَيَّا الْحَقَائِبِ
مُبَتَّلَةً غَرَّاءَ رُؤْدٌ شَبَابُهَا ... كَشَمْسِ الضُّحَى تَنْكَلُّ بَيْنَ السَّحَائِبِ
فَلَمَّا تَغَشَّاهَا السَّحَابُ وَحَوْلَهُ بَدَا ... حَاجِبٌ مِنْهَا وَضَنَّتْ بِحَاجِبِ
فَتِلْكَ الْهَوَى وَهْيَ الْجَوَى لِي وَالْمُنَى ... فَأَحْبِبْ بِهَا مِنْ خُلَّةٍ لَمْ تُصَاقِبِ
وَلَا يُبْعِدُ اللَّهُ الشَّبَابَ وَذِكْرَهُ ... وَحُبَّ تَصَافِي الْمُعْصِرَاتِ الْكَوَاعِبِ
وَيَزْدَادُ مَا أَحْبَبْتُهُ مِنْ عِتَابِنَا ... لُعَابًا وَسُقْيًا لِلْخَدِينِ الْمُقَارِبِ
فَإِنِّي وَإِنْ لَمْ أَنْسَهُنَّ لَذَاكِرٌ ... رَزِيئَةَ مِخْبَاتٍ كَرِيمِ الْمَنَاصِبِ
تَوَسَّلَ بِالتَّقْوَى إِلَى اللَّهِ صَادِقًا ... وَتَقْوَى الْإِلَهِ خَيْرُ تِكْسَابِ كَاسِبِ
وَخَلَّى عَنِ الدُّنْيَا فَلَمْ يَلْتَبِسْ بِهَا ... وَتَابَ إِلَى اللَّهِ الرَّفِيعِ الْمَرَاتِبِ
تَخَلَّى عَنِ الدُّنْيَا وَقَالَ اطَّرَحْتُهَا ... فَلَسْتُ إِلَيْهَا مَا حَيِيتُ بِآيِبِ
وَمَا أَنَا فِيمَا يَكْرَهُ النَّاسُ فَقْدَهُ ... وَيَسْعَى لَهُ السَّاعُونَ فِيهَا بِرَاغِبِ
فَوَجَّهَهُ نَحْوَ الثَّوِيَّةِ سَائِرًا ... إِلَى ابْنِ زِيَادٍ فِي الْجُمُوعِ الْكَتَائِبِ
بِقَوْمٍ هُمْ أَهْلُ التَّقِيَّةِ وَالنُّهَى ... مَصَالِيتُ أَنْجَادٌ سَرَاةُ مَنَاجِبِ
مَضَوْا تَارِكِي رَأْيِ ابْنِ طَلْحَةَ حِسْبَةً ... وَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لِلْأَمِيرِ الْمُخَاطِبِ
فَسَارُوا وَهُمْ مَا بَيْنَ مُلْتَمِسِ الْتُقَى ... وَآخَرَ مِمَّا جَرَّ بِالْأَمْسِ تَائِبِ
فَلَاقَوْا بِعَيْنِ الْوَرْدَةِ الْجَيْشَ فَاصِلًا ... إِلَيْهِمْ فَحَسُّوهُمْ بِبِيضٍ قَوَاضِبِ
يَمَانِيَةٍ تَذَرِي الْأَكُفَّ وَتَارَةً ... بَخِيلٍ عِتَاقٍ مُقْرَبَاتٍ سَلَاهِبِ
стр. 1712
فَجَاءَهُمُ جَمْعٌ مِنَ الشَّامِ بَعْدَهُ ... جُمُوعٌ كَمَوْجِ الْبَحْرِ مِنْ كُلِّ جَانِبِ
فَمَا بَرِحُوا حَتَّى أُبِيدَتْ سُرَاتُهُمْ ... فَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ ثَمَّ غَيْرُ عَصَائِبِ
وَغُودِرَ أَهْلُ الصَّبْرِ صَرْعَى فَأَصْبَحُوا ... تَعَاوَرَهُمْ رِيحُ الصَّبَا وَالْجَنَائِبِ
فَأَضْحَى الْخُزَاعِيُّ الرَّئِيسُ مُجَدَّلًا ... كَأَنْ لَمْ يُقَاتِلْ مَرَّةً وَيُحَارِبِ
وَرَأْسُ بَنِي شَمْخٍ وَفَارِسُ قَوْمِهِ ... شَنُوءَةَ وَالتَّيْمِيُّ هَادِي الْكَتَائِبِ
وَعَمْرُو بْنُ بِشْرٍ وَالْوَلِيدُ وَخَالِدٌ ... وَزَيْدُ بْنُ بَكْرٍ وَالْحُلَيْسُ بْنُ غَالِبِ
وَضَارِبُ مِنْ هَمْدَانَ كُلَّ مُشَيِّعٍ ... إِذَا شَدَّ لَمْ يَنْكِلْ كَرِيمُ الْمَكَاسِبِ
وَمِنْ كُلِّ قَوْمٍ قَدْ أُصِيبَ زَعِيمُهُمْ ... وَذُو حَسَبٍ فِي ذُرْوَةِ الْمَجْدِ ثَاقِبِ
أَبَوْا غَيْرَ ضَرْبٍ يَفْلِقُ الْهَامَ وَقْعُهُ ... وَطَعْنٍ بِأَطْرَافِ الْأَسِنَّةِ صَائِبِ
وَإِنَّ سَعِيدًا يَوْمَ يَدْمُرُ عَامِرًا ... لَأَشْجَعُ مِنْ لَيْثٍ بِدَرْبٍ مُوَاثِبِ
فَيَا خَيْرَ جَيْشٍ بِالْعِرَاقِ وَأَهْلِهِ ... سَقَيْتُمْ رَوَايَا كُلِّ أَسْحَمَ سَاكِبِ
فَلَا يَبْعَدَنْ فُرْسَانُنَا وَحُمَاتُنَا ... إِذَا الْبِيضُ أَبْدَتْ عَنْ خِدَامِ الْكَوَاعِبِ
وَمَا قُتِلُوا حَتَّى أَثَارُوا عِصَابَةً ... مُحِلِّينَ نُورًا كَالشُّمُوسِ الضَّوَارِبِ
وَقِيلَ: قُتِلَ سُلَيْمَانُ وَمَنْ مَعَهُ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ.
الْخُزَاعِيُّ الَّذِي هُوَ فِي هَذَا الشِّعْرِ هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ الْخُزَاعِيُّ. وَرَأْسُ بَنِي شَمْخٍ هُوَ الْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ الْفَزَارِيُّ. وَرَأْسُ شَنُوءَةَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ نُفَيْلٍ الْأَزْدِيُّ، أَزِدُ
стр. 1713
شَنُوءَةَ. وَالتَّيْمِيُّ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَالٍ التَّيْمِيُّ مِنْ تَيْمِ اللَّاتِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ. وَالْوَلِيدُ [هُوَ] ابْنُ عُصَيْرٍ الْكِنَانِيُّ. وَخَالِدٌ هُوَ خَالِدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ نُفَيْلٍ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ.
(نَجَبَةُ بِالنُّونِ وَالْجِيمِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَفُتُوحَاتِ) .
ذِكْرُ بَيْعَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ ابْنَيْ مَرْوَانَ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ بِالْبَيْعَةِ لِابْنَيْهِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ لَمَّا هَزَمَ مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْرِ حِينَ وَجَّهَهُ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى فِلَسْطِينَ رَجَعَ إِلَى مَرْوَانَ وَهُوَ بِدِمَشْقَ قَدْ غَلَبَ عَلَى الشَّامِ وَمِصْرَ، فَبَلَغَ مَرْوَانَ أَنَّ عَمْرًا يَقُولُ: إِنَّ الْأَمْرَ لِي بَعْدَ مَرْوَانَ، فَدَعَا مَرْوَانُ حَسَّانَ بْنَ مَالِكِ بْنِ بِحَدْلٍ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُبَايِعَ لِابْنَيْهِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَخْبَرَهُ بِمَا بَلَغَهُ عَنْ عَمْرٍو، فَقَالَ: أَنَا أَكْفِيكَ عَمْرًا، فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ عِنْدَ مَرْوَانَ عَشِيًّا قَامَ حَسَّانُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ رِجَالًا يَتَمَنَّوْنَ أَمَانِيَّ، قَوْمُوا فَبَايِعُوا لِعَبْدِ الْمَلِكِ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ بَعْدِهِ، فَبَايَعُوا عَنْ آخِرِهِمْ.
ذِكْرُ بَعْثِ ابْنِ زِيَادٍ وُحُبَيْشٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ بَعْثَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَعَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ إِلَى الْجَزِيرَةِ وَمُحَارَبَةِ زُفَرَ بْنِ الْحَارِثِ بِقَرْقِيسْيَا وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى كُلِّ مَا يَفْتَحُهُ، فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْجَزِيرَةِ تَوَجَّهَ لِقَصْدِ الْعِرَاقِ وَأَخْذِهِ مِنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَلَمَّا كَانَ بِالْجَزِيرَةِ بَلَغَهُ مَوْتُ مَرْوَانَ وَأَتَاهُ كِتَابُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى مَا اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهِ أَبُوهُ وَيَحُثُّهُ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الْعِرَاقِ.
وَالْبَعْثُ الْآخَرُ إِلَى الْمَدِينَةِ مَعَ حُبَيْشِ بْنِ دَلَجَةَ الْقَيْنِيِّ، فَسَارَ بِهِمْ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمَدِينَةِ وَعَلَيْهَا جَابِرُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَوْفِ ابْنُ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مِنْ قِبَلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَهَرَبَ مِنْهُ جَابِرٌ.
ثُمَّ إِنَّ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَهُوَ أَخُو عَمْرِو بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَجَّهَ جَيْشًا مِنَ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ وَالِيًا عَلَيْهَا، لِابْنِ الزُّبَيْرِ وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الْحُنَيْفَ بْنَ النَّحَفِ التَّيْمِيِّ لِحَرْبِ
стр. 1714
حُبَيْشٍ، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ حُبَيْشٌ سَارَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَأَرْسَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْعَبَّاسَ بْنَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ إِلَى الْمَدِينَةِ أَمِيرًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ فِي طَلَبِ حُبَيْشٍ حَتَّى يُوَافِيَ الْجُنْدَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ الْحُنَيْفُ، فَأَقْبَلَ عَبَّاسٌ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى لَحِقَهُمْ بِالرَّبَذَةِ، فَقَاتَلَهُمْ حُبَيْشٌ، فَرَمَاهُ يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ مَعَهُ يَوْمَئِذٍ يُوسُفُ بْنُ الْحَكَمِ وَابْنُهُ الْحَجَّاجُ، وَهَمَّا عَلَى جَمَلٍ وَاحِدٍ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، فَتَحَرَّزَ مِنْهُمْ خَمْسُمِائَةٍ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ سَهْلٍ: انْزِلُوا عَلَى حُكْمِي، فَنَزَلُوا، فَقَتَلَهُمْ، وَرَجَعَ فَلُّ حُبَيْشٍ إِلَى الشَّامِ، وَلَمَّا دَخَلَ يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ الْمَدِينَةَ كَانَ عَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ فَاسْوَدَّتْ مِمَّا مَسَحَهُ النَّاسُ وَمِمَّا صَبُّوا عَلَيْهِ مِنَ الطِّيبِ.
ذِكْرُ مَوْتِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَوِلَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ
فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ.
وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ يَزِيدَ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ لَمْ يَسْتَخْلِفْ أَحَدًا، وَكَانَ حَسَّانُ بْنُ بِحَدْلٍ يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ فِي أَخِيهِ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، وَكَانَ صَغِيرًا، وَحَسَّانُ خَالُ أَبِيهِ يَزِيدَ، فَبَايَعَ حَسَّانُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَ الْأَمْرَ بَعْدَهُ لِخَالِدٍ، فَلَمَّا بَايَعَهُ هُوَ وَأَهْلُ الشَّامِ قِيلَ لِمَرْوَانَ تَزَوَّجْ أُمَّ خَالِدٍ، وَهِيَ بِنْتُ أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ، حَتَّى يَصْغُرَ شَأْنُهُ فَلَا يَطْلُبُ الْخِلَافَةَ، فَتَزَوَّجَهَا، فَدَخَلَ خَالِدٌ يَوْمًا عَلَى مَرْوَانَ وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ وَهُوَ يَمْشِي بَيْنَ صَفَّيْنِ، فَقَالَ مَرْوَانُ: وَاللَّهِ إِنَّكَ لَأَحْمَقُ! تَعَالَ يَا ابْنَ الرَّطْبَةِ الِاسْتِ! يُقَصِّرُ بِهِ لِيُسْقِطَهُ مِنْ أَعْيُنِ أَهْلِ الشَّامِ.
فَرَجَعَ خَالِدٌ إِلَى أُمِّهِ فَأَخْبَرَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: لَا يَعْلَمَنَّ ذَلِكَ مِنْكَ إِلَّا أَنَا، أَنَا أَكْفِيكَهُ. فَدَخَلَ عَلَيْهَا مَرْوَانُ فَقَالَ لَهَا: هَلْ قَالَ لَكِ خَالِدٌ فِيَّ شَيْئًا؟ قَالَتْ: لَا، إِنَّهُ أَشَدُّ لَكَ تَعْظِيمًا مِنْ أَنْ يَقُولَ فِيكَ شَيْئًا. فَصَدَّقَهَا وَمَكَثَ أَيَّامًا، ثُمَّ إِنَّ مَرْوَانَ نَامَ عِنْدَهَا يَوْمًا، فَغَطَّتْهُ بِوِسَادَةٍ حَتَّى قَتَلَتْهُ، فَمَاتَ بِدِمَشْقَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَقِيلَ: إِحْدَى وَسِتِّينَ.
وَأَرَادَ عَبْدُ الْمَلِكِ قَتْلَ أُمِّ خَالِدٍ، فَقِيلَ لَهُ: يَظْهَرُ عِنْدَ الْخَلْقِ أَنَّ امْرَأَةً قَتَلَتْ أَبَاكَ، فَتَرَكَهَا.
стр. 1715
وَلَمَّا تُوُفِّيَ مَرْوَانُ قَامَ (بِأَمْرِ الشَّامِ) بَعْدَهُ ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، (وَكَانَ بِمِصْرَ ابْنُهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بِطَاعَةِ أَخِيهِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ) وُلِدَ لِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ، فَكَانَ النَّاسُ يَذُمُّونَهُ لِذَلِكَ، قِيلَ: إِنَّهُ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ قَوْمٌ مِنَ الْأَشْرَافِ، فَقَالَ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادِ بْنِ ظَبْيَانَ الْبَكْرِيِّ: بَلَغَنِي أَنَّكَ لَا تُشْبِهُ أَبَاكَ، فَقَالَ: بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي لَأَشْبَهُ بِهِ مِنَ الْمَاءِ بِالْمَاءِ وَالْغُرَابِ بِالْغُرَابِ، وَلَكِنْ إِنْ شِئْتَ أَخْبَرْتُكَ بِمَنْ لَمْ تُنْضِجْهُ الْأَرْحَامُ، وَلَمْ يُولَدْ بِالتَّمَامِ، وَلَمْ يُشْبِهِ الْأَخْوَالَ وَالْأَعْمَامَ.
قَالَ: مَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: سُوِيدُ بْنُ مَنْجُوفٍ، فَلَمَّا خَرَجَ عُبَيْدُ اللَّهِ وَسُوِيدٌ قَالَ لَهُ سُوِيدٌ: مَا سَرَّنِي بِمَقَالَتِكَ لَهُ حُمْرُ النَّعَمِ.
فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: وَمَا سَرَّنِي وَاللَّهِ بِاحْتِمَالِكَ إِيَّايَ وَسُكُوتِكَ سُودُهَا.
ذِكْرُ صِفَتِهِ وَنَسَبِهِ وَأَخْبَارِهِ
هُوَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ وَأُمُّهُ بِنْتُ عَلْقَمَةَ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ مِنْ كِنَانَةَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ، وَنَفَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الطَّائِفِ لِأَنَّهُ يَتَجَسَّسُ عَلَيْهِ، وَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا يَمْشِي وَيَتَخَلَّجُ فِي مَشْيِهِ كَأَنَّهُ يَحْكِيهِ، فَقَالَ لَهُ: كُنْ كَذَلِكَ، فَمَا زَالَ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَ.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلَّمَ عُثْمَانُ أَبَا بَكْرٍ فِي رَدِّهِ، لِأَنَّهُ عَمَّهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ وَوَلِيَ عُمَرُ كَلَّمَهُ أَيْضًا فِي رَدِّهِ فَلَمْ يَفْعَلْ، فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ رَدَّهُ وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَدَنِي أَنْ يَرُدَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا أَنْكَرَ النَّاسُ عَلَيْهِ.
وَتُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَدْ رُوِيَتُ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ فِي لَعْنِهِ وَلَعْنِ مَنْ فِي صُلْبِهِ، رَوَاهَا الْحَافِظُ، فِي أَسَانِيدِهَا كَلَامٌ.
وَكَانَ مَرْوَانُ قَصِيرًا أَحْمَرَ أَوْقَصَ، يُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ، وَأَبَا عَبْدِ الْمَلِكِ، وَأَعْتَقَ
стр. 1716
فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مِائَةَ رَقَبَةٍ، وَوَلِيَ الْمَدِينَةَ لِمُعَاوِيَةَ مَرَّاتٍ، فَكَانَ إِذَا وَلِيَ يُبَالِغُ فِي سَبِّ عَلِيٍّ، وَإِذَا عُزِلَ وَوَلِيَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ كَفَّ عَنْهُ، (فَسُئِلَ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَاقِرُ وَعَنْ سَعِيدٍ، فَقَالَ: كَانَ مَرْوَانُ خَيْرًا لَنَا فِي السِّرِّ، وَسَعِيدٌ خَيْرًا لَنَا فِي الْعَلَانِيَةِ.
وَقَدْ أُخْرِجَ حَدِيثُ مَرْوَانَ فِي الصَّحِيحِ، وَكَانَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ يُصَلِّيَانِ خَلْفَهُ وَلَا يُعِيدَانِ الصَّلَاةَ. وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَدَّمَ الْخُطْبَةَ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ وَقَبْلَ الصَّلَاةِ.
وَلَمَّا مَاتَ بُويِعَ لِوَلَدِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ وَلِوَلَدِهِ بَنُو الزَّرْقَاءِ، يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يُرِيدُ ذَمَّهُمْ وَعَيْبَهُمْ، وَهِيَ الزَّرْقَاءُ بِنْتُ مَوْهَبٍ، جَدَّةُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ لِأَبِيهِ، وَكَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الرَّايَاتِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى بُيُوتِ الْبِغَاءِ، فَلِهَذَا كَانُوا يُذَمُّونَ بِهَا، وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا أَبُو الْعَاصِ بْنُ أُمَيَّةَ وَالِدُ الْحَكَمِ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، لَا يَكُونُ هَذَا مِنِ امْرَأَةٍ لَهُ وَهِيَ عِنْدُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(حُبَيْشُ بْنُ دَلَجَةَ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ، ثُمَّ الْيَاءِ مِنْ تَحْتُ، وَآخِرُهُ شِينٌ مُعْجَمَةٌ، وَدَلَجَةُ بِفَتْحِ الدَّالِ وَاللَّامِ) .
ذِكْرُ مَقْتَلِ نَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اشْتَدَّتْ شَوْكَةُ نَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ، وَهُوَ الَّذِي يَنْتَسِبُ إِلَيْهِ الْأَزَارِقَةُ مِنَ الْخَوَارِجِ.
وَكَانَ سَبَبُ قُوَّتِهِ اشْتِغَالُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَاخْتِلَافُهُمْ بِسَبَبِ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو وَقَتْلِهِ، وَكَثُرَتْ جُمُوعُهُ وَأَقْبَلَ نَحْوَ الْجِسْرِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ مُسْلِمَ بْنَ عُبَيْسِ بْنِ كُرَيْزِ بْنِ رَبِيعَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَرَفَعَهُ عَنْ أَرْضِ الْبَصْرَةِ حَتَّى بَلَغَ دُولَابَ مِنْ أَرْضِ الْأَهْوَازِ، فَاقْتَتَلُوا هُنَاكَ، وَجَعَلَ مُسْلِمُ بْنُ عُبَيْسٍ عَلَى مَيْمَنَتِهِ الْحَجَّاجَ بْنَ بَابٍ الْحِمْيَرِيَّ، وَعَلَى مَسِيرَتِهِ حَارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ الْغُدَانِيَّ وَجَعَلَ ابْنُ الْأَزْرَقِ عَلَى مَيْمَنَتِهِ عُبَيْدَ بْنَ هِلَالٍ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ الزُّبَيْرَ بْنَ الْمَاحُوزِ التَّمِيمِيَّ، وَاشْتَدَّ قِتَالُهُمْ، فَقُتِلَ مُسْلِمٌ أَمِيرُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَقُتِلَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ أَمِيرُ الْخَوَارِجِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَأَمَّرَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ عَلَيْهِمُ الْحَجَّاجَ بْنَ بَابٍ الْحِمْيَرِيَّ، وَأَمَّرْتِ الْخَوَارِجُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمَاحُوزِ التَّمِيمِيَّ، وَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ وَالْحَجَّاجُ، فَأَمَّرَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ عَلَيْهِمْ رَبِيعَةَ بْنَ الْأَجْرَمِ التَّمِيمِيَّ، وَأَمَّرَتِ الْخَوَارِجُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْمَاحُوِزِ التَّمِيمِيَّ، ثُمَّ عَادُوا فَاقْتَتَلُوا حَتَّى أَمْسَوْا وَقَدْ كَرِهَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَمَلُّوا الْقِتَالَ.
فَإِنَّهُمْ كَذَلِكَ مُتَوَاقِفُونَ مُتَحَاجِزُونَ إِذْ جَاءَتِ الْخَوَارِجُ سَرِيَّةٌ مُسْتَرِيحَةٌ لَمْ تَشْهَدِ الْقِتَالَ، فَحَمَلَتِ عَلَى النَّاسِ مِنْ نَاحِيَةِ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَانْهَزَمَ النَّاسُ وَقُتِلَ أَمِيرُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ رَبِيعَةُ بَعْدَ أَنْ قُتِلَ أَيْضًا دُغْفُلُ بْنُ حَنْظَلَةَ الشَّيْبَانِيُّ النَّسَّابَةُ، وَأَخَذَ الرَّايَةَ حَارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ، فَقَاتَلَ سَاعَةً، وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ عَنْهُ، فَقَاتَلَ وَحَمَى النَّاسَ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى نَزَلَ بِالْأَهْوَازِ، وَبَلَغَ ذَلِكَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ فَأَفْزَعَهُمْ، وَبَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ (بْنُ الزُّبَيْرِ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ) وَعَزَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ، فَأَقْبَلَتِ الْخَوَارِجُ نَحْوَ الْبَصْرَةِ.
ذِكْرُ مُحَارِبَةِ الْمُهَلَّبِ الْخَوَارِجَ
لَمَّا قَرُبَتِ الْخَوَارِجُ مِنَ الْبَصْرَةِ أَتَى أَهْلُهَا الْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ وَسَأَلُوهُ أَنْ يَتَوَلَّى حَرْبَهُمْ، فَأَشَارَ بِالْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ لِمَا يَعْلَمُ فِيهِ مِنَ الشَّجَاعَةِ وَالرَّأْيِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْحَرْبِ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ مِنْ عِنْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَقَدْ وَلَّاهُ خُرَاسَانَ، فَقَالَ الْأَحْنَفُ: مَا لِهَذَا الْأَمْرِ غَيْرُ الْمُهَلَّبِ.
فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَشْرَافُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَكَلَّمُوهُ، فَأَبَى، فَكَلَّمَهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، فَاعْتَذَرَ بِعَهْدِهِ عَلَى خُرَاسَانَ، فَوَضَعَ الْحَارِثُ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ كِتَابًا إِلَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ يَأْمُرُهُ بِقِتَالِ الْخَوَارِجِ وَأَتَوْهُ بِالْكِتَابِ، فَلَمَّا قَرَأَهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَسِيرُ إِلَيْهِمْ إِلَّا أَنْ تَجْعَلُوا لِي مَا غُلِبْتُ عَلَيْهِ وَتُقْطِعُونِي مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَا أُقَوِّي بِهِ مَنْ مَعِي. فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ وَكَتَبُوا لَهُ بِهِ كِتَابًا، وَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فَأَمْضَاهُ، فَاخْتَارَ الْمُهَلَّبُ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِمَّنْ يَعْرِفُ نَجْدَتَهُ وَشَجَاعَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، مِنْهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رِيَاحٍ الْأَنْصَارِيُّ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ الْمُزَنِيُّ وَأَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، وَخَرَجَ الْمُهَلَّبُ إِلَى الْخَوَارِجِ وَهُمْ عِنْدَ الْجِسْرِ الْأَصْغَرِ، فَحَارَبَهُمْ وَهُوَ فِي وُجُوهِ النَّاسِ وَأَشْرَافِهِمْ، فَدَفَعَهُمْ عَنِ الْجِسْرِ، وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ إِلَّا أَنْ يَدْخُلُوا، فَارْتَفَعُوا إِلَى الْجِسْرِ الْأَكْبَرِ إِلَيْهِمْ فِي الْخَيْلِ وَالرِّجَالِ.
فَلَمَّا رَأَوْهُ قَدْ قَارَبَهُمُ ارْتَفَعُوا فَوْقَ ذَلِكَ.
стр. 1717
وَلَمَّا بَلَغَ حَارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ تَأْمِيرُ الْمُهَلَّبِ عَلَى قِتَالِ الْأَزَارِقَةِ قَالَ لِمَنْ مَعَهُ [مِنَ] النَّاسِ:
كَرْنِبُوا وَدَوْلِبُوا حَيْثُ شِئْتُمْ فَاذْهَبُوا
فَأَقْبَلَ بِمَنْ مَعَهُ نَحْوَ الْبَصْرَةِ فَرَدَّ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ إِلَى الْمُهَلَّبِ، وَرَكِبَ حَارِثَةُ فِي سَفِينَةٍ فِي نَهْرِ دُجَيْلٍ يُرِيدُ الْبَصْرَةَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ تَمِيمٍ وَعَلَيْهِ سِلَاحُهُ وَالْخَوَارِجُ وَرَاءَهُ، فَصَاحَ التَّمِيمِيُّ بِحَارِثَةَ يَسْتَغِيثُ بِهِ لِيَحْمِلَهُ مَعَهُ، فَقَرَّبَ السَّفِينَةَ إِلَى شَاطِئِ النَّهْرِ، وَهُوَ جُرْفٌ، فَوَثَبَ التَّمِيمِيُّ إِلَيْهَا فَغَاصَتْ بِجَمِيعِ مَنْ فِيهَا فَغَرِقُوا.
وَأَمَّا الْمُهَلَّبُ فَإِنَّهُ سَارَ حَتَّى نَزَلَ بِالْخَوَارِجِ وَهُمْ بِنَهْرِ تِيرَى وَتَنَحَّوْا عَنْهُ إِلَى الْأَهْوَازِ، وَسَيَّرَ الْمُهَلَّبُ إِلَى عَسْكَرِهِمُ الْجَوَاسِيسَ تَأْتِيهِ بِأَخْبَارِهِمْ، فَلَمَّا أَتَاهُ خَبَرُهُمْ سَارَ نَحْوَهُمْ وَاسْتَخْلَفَ أَخَاهُ الْمُعَارِكَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ عَلَى نَهْرِ تِيرَى، فَلَمَّا وَصَلَ الْأَهْوَازَ قَاتَلَتِ الْخَوَارِجُ مُقَدِّمَتَهُ، وَعَلَيْهِمُ ابْنُهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ، فَجَالَ أَصْحَابُهُ ثُمَّ عَادُوا.
فَلَمَّا رَأَى الْخَوَارِجُ صَبْرَهُمْ سَارُوا عَنْ سُوقِ الْأَهَاوِزِ إِلَى مَنَاذِرَ، فَسَارَ يُرِيدُهُمْ، فَلَمَّا قَارَبَهُمْ سَيَّرَ الْخَوَارِجُ جَمْعًا عَلَيْهِمْ وَاقَدٌ مَوْلَى أَبِي صُفْرَةَ إِلَى نَهْرِ تِيرَى وَبِهَا الْمَعَارِكُ فَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْمُهَلَّبِ فَسَيَّرَ ابْنَهُ الْمُغِيرَةَ إِلَى نَهْرِ تِيرَى، فَأَنْزَلَ عَمَّهُ الْمُعَارِكَ وَدَفَنَهُ وَسَكَنَ النَّاسُ وَاسْتَخْلَفَ بِهَا جَمَاعَةً وَعَادَ إِلَى أَبِيهِ وَقَدْ نَزَلَ سُولَافَ.
وَكَانَ الْمُهَلَّبُ شَدِيدَ الِاحْتِيَاطِ وَالْحَذَرِ، لَا يَنْزِلُ إِلَّا فِي خَنْدَقٍ وَهُوَ عَلَى تَعْبِيَةٍ وَيَتَوَلَّى الْحَرَسَ بِنَفْسِهِ، فَلَمَّا نَازَلَ الْخَوَارِجَ بِسُولَافَ رَكِبُوا وَوَقَفُوا لَهُ وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا صَبَرَ فِيهِ الْفَرِيقَانِ، ثُمَّ حَمَلَتِ الْخَوَارِجُ حَمْلَةً صَادِقَةً عَلَى الْمُهَلَّبِ وَأَصْحَابِهِ فَانْهَزَمُوا وَقُتِلَ مِنْهُمْ، وَثَبَتَ الْمُهَلَّبُ وَأَبْلَى ابْنُهُ الْمُغِيرَةَ يَوْمَئِذٍ بَلَاءً حَسَنًا ظَهَرَ فِيهِ أَثَرُهُ، وَنَادَى الْمُهَلَّبُ أَصْحَابَهُ فَعَادُوا إِلَيْهِ مَعَهُمْ جَمْعٌ كَثِيرٌ نَحْوَ أَرْبَعَةِ آلَافِ فَارِسٍ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَرَادَ الْقِتَالَ بِمَنْ مَعَهُ فَنَهَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ لِضَعْفِهِمْ وَكَثْرَةِ الْجِرَاحِ فِيهِمْ، فَتَرَكَ الْقِتَالَ وَسَارَ وَقَطَعَ دُجَيْلَ وَنَزَلَ بِالْعَاقُولِ لَا يُؤْتَى إِلَّا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، (وَفِي يَوْمِ سُولَافَ يَقُولُ ابْنُ قَيْسِ الرُّقَيَّاتِ:
стр. 1718
أَلَا طَرَقَتْ مِنْ آلِ مَيَّةَ طَارِقَهْ ... عَلَى أَنَّهَا مَعْشُوقَةُ الدَّلِّ عَاشِقَهْ
تَمِيسُ وَأَرْضُ السُّوسِ بَيْنِي وَبَيْنَهَا ... وَسُولَافُ رُسْتَاقٌ حَمَتْهُ الْأَزَارِقَهْ
إِذَا نَحْنُ شَتَّى صَادَفَتْنَا عِصَابَةٌ ... حَرُورِيَّةٌ أَضْحَتْ مِنَ الدِّينِ مَارِقَهْ
أَجَازَتْ إِلَيْنَا الْعَسْكَرَيْنِ كِلَيْهِمَا ... فَبَاتَتْ لَنَا دُونَ اللِّحَافِ مُعَانِقَهْ
وَقَالَ فِيهِ بَعْضُ الْخَوَارِجِ:
وَكَائِنْ تَرَكْنَا يَوْمَ سُولَافَ مِنْهُمُ ... أُسَارَى وَقَتْلَى فِي الْجَحِيمِ مَصِيرُهَا
وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ فِيهِ.
فَلَمَّا وَصَلَ الْمُهَلَّبُ إِلَى الْعَاقُولِ نَزَلَ فِيهِ وَأَقَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ ارْتَحَلَ وَسَارَ نَحْوَ الْخَوَارِجِ، وَهُمْ بِسِلَّى وَسِلَّبْرَى، فَنَزَلَ قَرِيبًا مِنْهُمْ وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَفْعَلُ أَشْيَاءَ يُحَدِّثُ بِهَا النَّاسَ لِيَنْشَطُوا إِلَى الْقِتَالِ فَلَا يَرَوْنَ لَهَا أَثَرًا، حَتَّى قَالَ الشَّاعِرُ:
أَنْتَ الْفَتَى كُلُّ الْفَتَى ... لَوْ كُنْتَ تَصْدُقُ مَا تَقُولُ
وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمُ الْكَذَّابَ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّهُ كَذَّابٌ فِي كُلِّ حَالٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَكَايَدَةً لِلْعَدُوِّ.
فَلَمَّا نَزَلَ الْمُهَلَّبُ قَرِيبًا مِنَ الْخَوَرِاجِ وَخَنْدَقَ عَلَيْهِ، وَضَعَ الْمَسَالِحَ وَأَذْكَى الْعُيُونَ وَالْحَرَسَ وَالنَّاسَ عَلَى رَايَاتِهِمْ وَمَوَاقِفِهِمْ، وَأَبْوَابُ الْخَنْدَقِ مَحْفُوظَةٌ، فَكَانَ الْخَوَارِجُ إِذَا أَرَادُوا بَيَاتَهُ وَغِرَّتَهُ وَجَدُوا أَمْرًا مُحْكَمًا فَرَجَعُوا، فَلَمْ يُقَاتِلْهُمْ إِنْسَانٌ كَانَ أَشَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْهُ.
ثُمَّ إِنَّ الْخَوَارِجَ أَرْسَلُوا عُبَيْدَةَ بْنَ هِلَالٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْمَاحُوزِ فِي عَسْكَرٍ لَيْلًا إِلَى عَسْكَرِ الْمُهَلَّبِ لِيُبَيِّتُوهُ، فَصَاحُوا بِالنَّاسِ عَنْ يَمِينِهِمْ وَيَسَارِهِمْ فَوَجَدُوهُمْ عَلَى تَعْبِيَةٍ قَدْ
стр. 1719
حَذِرُوا، فَلَمْ يَنَالُوا مِنْهُمْ شَيْئًا، وَأَصْبَحَ الْمُهَلَّبُ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فِي تَعْبِيَةٍ، وَجَعَلَ الْأَزْدَ وَتَمِيمًا مَيْمَنَةً، وَبَكْرَ بْنَ وَائِلٍ وَعَبْدَ الْقَيْسِ مَيْسَرَةً، وَأَهْلَ الْعَالِيَةِ فِي الْقَلْبِ، وَخَرَجَتِ الْخَوَارِجُ وَعَلَى مَيْمَنَتِهِمْ عُبَيْدَةُ بْنُ هِلَالٍ الْيَشْكُرِيُّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِمُ الزُّبَيْرُ بْنُ الْمَاحُوزِ، وَكَانُوا أَحْسَنَ عُدَّةً وَأَكْرَمَ خَيْلًا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ لِأَنَّهُمْ مَخَرُوا الْأَرْضَ وَجَرَّدُوهَا مَا بَيْنَ كَرْمَانَ إِلَى الْأَهْوَازِ. فَالْتَقَى النَّاسُ وَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ عَامَّةَ النَّهَارِ، ثُمَّ إِنَّ الْخَوَارِجَ شَدَّتْ عَلَى النَّاسِ شَدَّةً مُنْكَرَةً، فَأَجْفَلُوا وَانْهَزَمُوا لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٌ، حَتَّى بَلَغَتِ الْهَزِيمَةُ الْبَصْرَةَ، وَخَافَ أَهْلُهَا السِّبَاءَ.
وَأَسْرَعَ الْمُهَلَّبُ حَتَّى سَبَقَ الْمُنْهَزِمِينَ إِلَى مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ، ثُمَّ نَادَى: إِلَيَّ عِبَادِ اللَّهِ! فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ أَكْثَرُهُمْ مِنْ قَوْمِهِ مِنَ الْأَزْدِ، فَلَمَّا رَآهُمْ رَضِيَ عِدَّتَهُمْ فَخَطَبَهُمْ وَحَثَّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ وَوَعَدَهُمُ النَّصْرَ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَشَرَةَ أَحْجَارٍ، وَقَالَ: سِيرُوا بِنَا نَحْوَ عَسْكَرِهِمْ فَإِنَّهُمُ الْآنَ آمِنُونَ وَقَدْ خَرَجَتْ خَيْلُهُمْ فِي طَلَبِ إِخْوَانِكُمْ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ خَيْلُهُمْ حَتَّى تَسْتَبِيحُوا عَسْكَرَهُمْ وَتَقْتُلُوا أَمِيرَهُمْ. فَأَجَابُوهُ، فَأَقْبَلَ بِهِمْ رَاجِعًا، فَمَا شَعَرَتِ الْخَوَارِجُ إِلَّا وَالْمُهَلَّبُ يُقَاتِلُهُمْ فِي جَانِبِ عَسْكَرِهِمْ، فَلَقِيَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمَاحُوزِ وَالْخَوَارِجُ، فَرَمَاهُمْ أَصْحَابُ الْمُهَلَّبِ بِالْأَحْجَارِ حَتَّى أَثْخَنُوهُمْ ثُمَّ طَعَنُوهُمْ بِالرِّمَاحِ وَضَرَبُوهُمْ بِالسُّيُوفِ، فَاقْتَتَلُوا سَاعَةً، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمَاحُوزِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَغَنِمَ الْمُهَلَّبُ عَسْكَرَهُمْ، وَأَقْبَلَ مَنْ كَانَ فِي طَلَبِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ رَاجِعًا، وَقَدْ وَضَعَ لَهُمْ خَيْلًا وَرِجَالًا تَخْطَفُهُمْ وَتَقْتُلُهُمْ، وَانْكَفَئُوا رَاجِعِينَ مَذْلُولِينَ، فَارْتَفَعُوا إِلَى كَرْمَانَ وَجَانِبَ أَصْبَهَانَ.
(قَالَ بَعْضُ الْخَوَارِجِ لَمَّا رَأَى قِتَالَ أَصْحَابِ الْمُهَلَّبِ بِالْحِجَارَةِ:
أَتَانَا بِأَحْجَارٍ لِيَقْتُلَنَا بِهَا ... وَهَلْ تُقْتَلُ الْأَقْرَانُ وَيْحَكَ بِالْحَجَرِ!
وَلَمَّا فَرَغَ الْمُهَلَّبُ مِنْهُمْ أَقَامَ مَكَانَهُ حَتَّى قَدِمَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى الْبَصْرَةِ أَمِيرًا، وَعَزَلَ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، (وَفِي هَذَا الْيَوْمِ يَقُولُ الصَّلَتَانِ الْعَبْدِيُّ:
بِسِلَّى وَسِلَّبْرَى مَصَارِعُ فِتْيَةٍ ... كِرَامٍ وَقَتْلَى لَمْ تُوَسَّدْ خُدُودُهَا
стр. 1720
فَلَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمَاحُوزِ) اسْتَخْلَفَ الْخَوَارِجُ الزُّبَيْرَ بْنَ الْمَاحُوزِ:
وَكَتَبَ الْمُهَلَّبُ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ يُعَرِّفُهُ ظَفَرَهُ، فَأَرْسَلَ الْحَارِثُ الْكِتَابَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ لِيَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ هُنَاكَ، وَكَتَبَ الْحَارِثُ إِلَى الْمُهَلَّبِ:
(أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ نَصْرَ اللَّهِ وَظَفَرَ الْمُسْلِمِينَ، فَهَنِيئًا لَكَ يَا أَخَا الْأَزْدِ شَرَفُ الدُّنْيَا وَعِزُّهَا وَثَوَابُ الْآخِرَةِ وَفَضْلُهَا. فَلَمَّا قَرَأَ الْمُهَلَّبُ كِتَابَهُ ضَحِكَ وَقَالَ: أَمَا يَعْرِفُنِي إِلَّا بِأَخِي الْأَزْدِ! مَا هُوَ إِلَّا أَعْرَابِيٌّ جَافٍ) .
وَقِيلَ: إِنَّ عُثْمَانَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ قَاتَلَ الْخَوَارِجَ وَنَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ قَبْلَ مُسْلِمٍ، فَقُتِلَ عُثْمَانُ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ بَعْدَ أَنْ قُتِلَ مِنَ الْخَوَارِجِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَسُيِّرَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْبَصْرَةِ بَعْدَهُ حَارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ الْغُدَانِيُّ، فَلَمَّا رَآهُمْ عَرَفَ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِمْ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ:
كَرْنِبُوا وَدَوْلِبُوا كَيْفَ شِئْتُمْ فَاذْهَبُوا
يَعْنِي مَا شَاءَ، ثُمَّ سَارَ بَعْدَهُ مُسْلِمُ بْنُ عُبَيْسٍ) .
وَقِيلَ: إِنَّ الْمُهَلَّبَ لَمَّا دَفَعَ الْخَوَارِجَ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى نَاحِيَةِ الْأَهْوَازِ أَقَامَ بَقِيَّةَ سَنَتِهِ يَجْبِي كُوَرَ دِجْلَةَ، وَرَزَقَ أَصْحَابَهُ، وَأَتَاهُ الْمَدَدُ مِنَ الْبَصْرَةِ حَتَّى بَلَغَ أَصْحَابُهُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَزِيمَةُ الْخَوَارِجِ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ.
ذِكْرُ نَجْدَةَ بْنِ عَامِرٍ الْحَنَفِيِّ
هُوَ نَجْدَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَادِ بْنِ الْمُفَرِّجِ الْحَنَفِيُّ، وَكَانَ مَعَ نَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ، فَفَارَقَهُ لِإِحْدَاثِهِ فِي مَذْهَبِهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَسَارَ إِلَى الْيَمَامَةِ، وَدَعَا أَبَا طَالُوتَ إِلَى نَفْسِهِ، فَمَضَى إِلَى الْحَضَارِمِ فَنَهَبَهَا، وَكَانَتْ لِبَنِي حَنِيفَةَ، فَأَخَذَهَا مِنْهُمْ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فِيهَا مِنَ الرَّقِيقِ مَا عِدَّتُهُمْ وَعِدَّةُ أَبْنَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، فَغَنِمَ ذَلِكَ وَقَسَّمَهَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ فَكَثُرَ جَمْعُهُ.
ثُمَّ إِنَّ عِيرًا خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، وَقِيلَ مِنَ الْبَصْرَةِ، تَحْمِلُ مَالًا وَغَيْرَهُ يُرَادُ بِهَا ابْنُ
следующие страницы →