Полный текст (6 163 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مِائَةَ رَقَبَةٍ، وَوَلِيَ الْمَدِينَةَ لِمُعَاوِيَةَ مَرَّاتٍ، فَكَانَ إِذَا وَلِيَ يُبَالِغُ فِي سَبِّ عَلِيٍّ، وَإِذَا عُزِلَ وَوَلِيَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ كَفَّ عَنْهُ، (فَسُئِلَ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَاقِرُ وَعَنْ سَعِيدٍ، فَقَالَ: كَانَ مَرْوَانُ خَيْرًا لَنَا فِي السِّرِّ، وَسَعِيدٌ خَيْرًا لَنَا فِي الْعَلَانِيَةِ.
وَقَدْ أُخْرِجَ حَدِيثُ مَرْوَانَ فِي الصَّحِيحِ، وَكَانَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ يُصَلِّيَانِ خَلْفَهُ وَلَا يُعِيدَانِ الصَّلَاةَ. وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَدَّمَ الْخُطْبَةَ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ وَقَبْلَ الصَّلَاةِ.
وَلَمَّا مَاتَ بُويِعَ لِوَلَدِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ وَلِوَلَدِهِ بَنُو الزَّرْقَاءِ، يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يُرِيدُ ذَمَّهُمْ وَعَيْبَهُمْ، وَهِيَ الزَّرْقَاءُ بِنْتُ مَوْهَبٍ، جَدَّةُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ لِأَبِيهِ، وَكَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الرَّايَاتِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى بُيُوتِ الْبِغَاءِ، فَلِهَذَا كَانُوا يُذَمُّونَ بِهَا، وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا أَبُو الْعَاصِ بْنُ أُمَيَّةَ وَالِدُ الْحَكَمِ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، لَا يَكُونُ هَذَا مِنِ امْرَأَةٍ لَهُ وَهِيَ عِنْدُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(حُبَيْشُ بْنُ دَلَجَةَ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ، ثُمَّ الْيَاءِ مِنْ تَحْتُ، وَآخِرُهُ شِينٌ مُعْجَمَةٌ، وَدَلَجَةُ بِفَتْحِ الدَّالِ وَاللَّامِ) .
ذِكْرُ مَقْتَلِ نَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اشْتَدَّتْ شَوْكَةُ نَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ، وَهُوَ الَّذِي يَنْتَسِبُ إِلَيْهِ الْأَزَارِقَةُ مِنَ الْخَوَارِجِ.
وَكَانَ سَبَبُ قُوَّتِهِ اشْتِغَالُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَاخْتِلَافُهُمْ بِسَبَبِ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو وَقَتْلِهِ، وَكَثُرَتْ جُمُوعُهُ وَأَقْبَلَ نَحْوَ الْجِسْرِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ مُسْلِمَ بْنَ عُبَيْسِ بْنِ كُرَيْزِ بْنِ رَبِيعَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَرَفَعَهُ عَنْ أَرْضِ الْبَصْرَةِ حَتَّى بَلَغَ دُولَابَ مِنْ أَرْضِ الْأَهْوَازِ، فَاقْتَتَلُوا هُنَاكَ، وَجَعَلَ مُسْلِمُ بْنُ عُبَيْسٍ عَلَى مَيْمَنَتِهِ الْحَجَّاجَ بْنَ بَابٍ الْحِمْيَرِيَّ، وَعَلَى مَسِيرَتِهِ حَارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ الْغُدَانِيَّ وَجَعَلَ ابْنُ الْأَزْرَقِ عَلَى مَيْمَنَتِهِ عُبَيْدَ بْنَ هِلَالٍ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ الزُّبَيْرَ بْنَ الْمَاحُوزِ التَّمِيمِيَّ، وَاشْتَدَّ قِتَالُهُمْ، فَقُتِلَ مُسْلِمٌ أَمِيرُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَقُتِلَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ أَمِيرُ الْخَوَارِجِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَأَمَّرَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ عَلَيْهِمُ الْحَجَّاجَ بْنَ بَابٍ الْحِمْيَرِيَّ، وَأَمَّرْتِ الْخَوَارِجُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمَاحُوزِ التَّمِيمِيَّ، وَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ وَالْحَجَّاجُ، فَأَمَّرَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ عَلَيْهِمْ رَبِيعَةَ بْنَ الْأَجْرَمِ التَّمِيمِيَّ، وَأَمَّرَتِ الْخَوَارِجُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْمَاحُوِزِ التَّمِيمِيَّ، ثُمَّ عَادُوا فَاقْتَتَلُوا حَتَّى أَمْسَوْا وَقَدْ كَرِهَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَمَلُّوا الْقِتَالَ.
فَإِنَّهُمْ كَذَلِكَ مُتَوَاقِفُونَ مُتَحَاجِزُونَ إِذْ جَاءَتِ الْخَوَارِجُ سَرِيَّةٌ مُسْتَرِيحَةٌ لَمْ تَشْهَدِ الْقِتَالَ، فَحَمَلَتِ عَلَى النَّاسِ مِنْ نَاحِيَةِ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَانْهَزَمَ النَّاسُ وَقُتِلَ أَمِيرُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ رَبِيعَةُ بَعْدَ أَنْ قُتِلَ أَيْضًا دُغْفُلُ بْنُ حَنْظَلَةَ الشَّيْبَانِيُّ النَّسَّابَةُ، وَأَخَذَ الرَّايَةَ حَارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ، فَقَاتَلَ سَاعَةً، وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ عَنْهُ، فَقَاتَلَ وَحَمَى النَّاسَ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى نَزَلَ بِالْأَهْوَازِ، وَبَلَغَ ذَلِكَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ فَأَفْزَعَهُمْ، وَبَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ (بْنُ الزُّبَيْرِ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ) وَعَزَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ، فَأَقْبَلَتِ الْخَوَارِجُ نَحْوَ الْبَصْرَةِ.
ذِكْرُ مُحَارِبَةِ الْمُهَلَّبِ الْخَوَارِجَ
لَمَّا قَرُبَتِ الْخَوَارِجُ مِنَ الْبَصْرَةِ أَتَى أَهْلُهَا الْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ وَسَأَلُوهُ أَنْ يَتَوَلَّى حَرْبَهُمْ، فَأَشَارَ بِالْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ لِمَا يَعْلَمُ فِيهِ مِنَ الشَّجَاعَةِ وَالرَّأْيِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْحَرْبِ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ مِنْ عِنْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَقَدْ وَلَّاهُ خُرَاسَانَ، فَقَالَ الْأَحْنَفُ: مَا لِهَذَا الْأَمْرِ غَيْرُ الْمُهَلَّبِ.
فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَشْرَافُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَكَلَّمُوهُ، فَأَبَى، فَكَلَّمَهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، فَاعْتَذَرَ بِعَهْدِهِ عَلَى خُرَاسَانَ، فَوَضَعَ الْحَارِثُ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ كِتَابًا إِلَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ يَأْمُرُهُ بِقِتَالِ الْخَوَارِجِ وَأَتَوْهُ بِالْكِتَابِ، فَلَمَّا قَرَأَهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَسِيرُ إِلَيْهِمْ إِلَّا أَنْ تَجْعَلُوا لِي مَا غُلِبْتُ عَلَيْهِ وَتُقْطِعُونِي مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَا أُقَوِّي بِهِ مَنْ مَعِي. فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ وَكَتَبُوا لَهُ بِهِ كِتَابًا، وَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فَأَمْضَاهُ، فَاخْتَارَ الْمُهَلَّبُ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِمَّنْ يَعْرِفُ نَجْدَتَهُ وَشَجَاعَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، مِنْهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رِيَاحٍ الْأَنْصَارِيُّ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ الْمُزَنِيُّ وَأَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، وَخَرَجَ الْمُهَلَّبُ إِلَى الْخَوَارِجِ وَهُمْ عِنْدَ الْجِسْرِ الْأَصْغَرِ، فَحَارَبَهُمْ وَهُوَ فِي وُجُوهِ النَّاسِ وَأَشْرَافِهِمْ، فَدَفَعَهُمْ عَنِ الْجِسْرِ، وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ إِلَّا أَنْ يَدْخُلُوا، فَارْتَفَعُوا إِلَى الْجِسْرِ الْأَكْبَرِ إِلَيْهِمْ فِي الْخَيْلِ وَالرِّجَالِ.
فَلَمَّا رَأَوْهُ قَدْ قَارَبَهُمُ ارْتَفَعُوا فَوْقَ ذَلِكَ.
стр. 1717
وَلَمَّا بَلَغَ حَارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ تَأْمِيرُ الْمُهَلَّبِ عَلَى قِتَالِ الْأَزَارِقَةِ قَالَ لِمَنْ مَعَهُ [مِنَ] النَّاسِ:
كَرْنِبُوا وَدَوْلِبُوا حَيْثُ شِئْتُمْ فَاذْهَبُوا
فَأَقْبَلَ بِمَنْ مَعَهُ نَحْوَ الْبَصْرَةِ فَرَدَّ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ إِلَى الْمُهَلَّبِ، وَرَكِبَ حَارِثَةُ فِي سَفِينَةٍ فِي نَهْرِ دُجَيْلٍ يُرِيدُ الْبَصْرَةَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ تَمِيمٍ وَعَلَيْهِ سِلَاحُهُ وَالْخَوَارِجُ وَرَاءَهُ، فَصَاحَ التَّمِيمِيُّ بِحَارِثَةَ يَسْتَغِيثُ بِهِ لِيَحْمِلَهُ مَعَهُ، فَقَرَّبَ السَّفِينَةَ إِلَى شَاطِئِ النَّهْرِ، وَهُوَ جُرْفٌ، فَوَثَبَ التَّمِيمِيُّ إِلَيْهَا فَغَاصَتْ بِجَمِيعِ مَنْ فِيهَا فَغَرِقُوا.
وَأَمَّا الْمُهَلَّبُ فَإِنَّهُ سَارَ حَتَّى نَزَلَ بِالْخَوَارِجِ وَهُمْ بِنَهْرِ تِيرَى وَتَنَحَّوْا عَنْهُ إِلَى الْأَهْوَازِ، وَسَيَّرَ الْمُهَلَّبُ إِلَى عَسْكَرِهِمُ الْجَوَاسِيسَ تَأْتِيهِ بِأَخْبَارِهِمْ، فَلَمَّا أَتَاهُ خَبَرُهُمْ سَارَ نَحْوَهُمْ وَاسْتَخْلَفَ أَخَاهُ الْمُعَارِكَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ عَلَى نَهْرِ تِيرَى، فَلَمَّا وَصَلَ الْأَهْوَازَ قَاتَلَتِ الْخَوَارِجُ مُقَدِّمَتَهُ، وَعَلَيْهِمُ ابْنُهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ، فَجَالَ أَصْحَابُهُ ثُمَّ عَادُوا.
فَلَمَّا رَأَى الْخَوَارِجُ صَبْرَهُمْ سَارُوا عَنْ سُوقِ الْأَهَاوِزِ إِلَى مَنَاذِرَ، فَسَارَ يُرِيدُهُمْ، فَلَمَّا قَارَبَهُمْ سَيَّرَ الْخَوَارِجُ جَمْعًا عَلَيْهِمْ وَاقَدٌ مَوْلَى أَبِي صُفْرَةَ إِلَى نَهْرِ تِيرَى وَبِهَا الْمَعَارِكُ فَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْمُهَلَّبِ فَسَيَّرَ ابْنَهُ الْمُغِيرَةَ إِلَى نَهْرِ تِيرَى، فَأَنْزَلَ عَمَّهُ الْمُعَارِكَ وَدَفَنَهُ وَسَكَنَ النَّاسُ وَاسْتَخْلَفَ بِهَا جَمَاعَةً وَعَادَ إِلَى أَبِيهِ وَقَدْ نَزَلَ سُولَافَ.
وَكَانَ الْمُهَلَّبُ شَدِيدَ الِاحْتِيَاطِ وَالْحَذَرِ، لَا يَنْزِلُ إِلَّا فِي خَنْدَقٍ وَهُوَ عَلَى تَعْبِيَةٍ وَيَتَوَلَّى الْحَرَسَ بِنَفْسِهِ، فَلَمَّا نَازَلَ الْخَوَارِجَ بِسُولَافَ رَكِبُوا وَوَقَفُوا لَهُ وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا صَبَرَ فِيهِ الْفَرِيقَانِ، ثُمَّ حَمَلَتِ الْخَوَارِجُ حَمْلَةً صَادِقَةً عَلَى الْمُهَلَّبِ وَأَصْحَابِهِ فَانْهَزَمُوا وَقُتِلَ مِنْهُمْ، وَثَبَتَ الْمُهَلَّبُ وَأَبْلَى ابْنُهُ الْمُغِيرَةَ يَوْمَئِذٍ بَلَاءً حَسَنًا ظَهَرَ فِيهِ أَثَرُهُ، وَنَادَى الْمُهَلَّبُ أَصْحَابَهُ فَعَادُوا إِلَيْهِ مَعَهُمْ جَمْعٌ كَثِيرٌ نَحْوَ أَرْبَعَةِ آلَافِ فَارِسٍ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَرَادَ الْقِتَالَ بِمَنْ مَعَهُ فَنَهَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ لِضَعْفِهِمْ وَكَثْرَةِ الْجِرَاحِ فِيهِمْ، فَتَرَكَ الْقِتَالَ وَسَارَ وَقَطَعَ دُجَيْلَ وَنَزَلَ بِالْعَاقُولِ لَا يُؤْتَى إِلَّا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، (وَفِي يَوْمِ سُولَافَ يَقُولُ ابْنُ قَيْسِ الرُّقَيَّاتِ:
стр. 1718
أَلَا طَرَقَتْ مِنْ آلِ مَيَّةَ طَارِقَهْ ... عَلَى أَنَّهَا مَعْشُوقَةُ الدَّلِّ عَاشِقَهْ
تَمِيسُ وَأَرْضُ السُّوسِ بَيْنِي وَبَيْنَهَا ... وَسُولَافُ رُسْتَاقٌ حَمَتْهُ الْأَزَارِقَهْ
إِذَا نَحْنُ شَتَّى صَادَفَتْنَا عِصَابَةٌ ... حَرُورِيَّةٌ أَضْحَتْ مِنَ الدِّينِ مَارِقَهْ
أَجَازَتْ إِلَيْنَا الْعَسْكَرَيْنِ كِلَيْهِمَا ... فَبَاتَتْ لَنَا دُونَ اللِّحَافِ مُعَانِقَهْ
وَقَالَ فِيهِ بَعْضُ الْخَوَارِجِ:
وَكَائِنْ تَرَكْنَا يَوْمَ سُولَافَ مِنْهُمُ ... أُسَارَى وَقَتْلَى فِي الْجَحِيمِ مَصِيرُهَا
وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ فِيهِ.
فَلَمَّا وَصَلَ الْمُهَلَّبُ إِلَى الْعَاقُولِ نَزَلَ فِيهِ وَأَقَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ ارْتَحَلَ وَسَارَ نَحْوَ الْخَوَارِجِ، وَهُمْ بِسِلَّى وَسِلَّبْرَى، فَنَزَلَ قَرِيبًا مِنْهُمْ وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَفْعَلُ أَشْيَاءَ يُحَدِّثُ بِهَا النَّاسَ لِيَنْشَطُوا إِلَى الْقِتَالِ فَلَا يَرَوْنَ لَهَا أَثَرًا، حَتَّى قَالَ الشَّاعِرُ:
أَنْتَ الْفَتَى كُلُّ الْفَتَى ... لَوْ كُنْتَ تَصْدُقُ مَا تَقُولُ
وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمُ الْكَذَّابَ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّهُ كَذَّابٌ فِي كُلِّ حَالٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَكَايَدَةً لِلْعَدُوِّ.
فَلَمَّا نَزَلَ الْمُهَلَّبُ قَرِيبًا مِنَ الْخَوَرِاجِ وَخَنْدَقَ عَلَيْهِ، وَضَعَ الْمَسَالِحَ وَأَذْكَى الْعُيُونَ وَالْحَرَسَ وَالنَّاسَ عَلَى رَايَاتِهِمْ وَمَوَاقِفِهِمْ، وَأَبْوَابُ الْخَنْدَقِ مَحْفُوظَةٌ، فَكَانَ الْخَوَارِجُ إِذَا أَرَادُوا بَيَاتَهُ وَغِرَّتَهُ وَجَدُوا أَمْرًا مُحْكَمًا فَرَجَعُوا، فَلَمْ يُقَاتِلْهُمْ إِنْسَانٌ كَانَ أَشَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْهُ.
ثُمَّ إِنَّ الْخَوَارِجَ أَرْسَلُوا عُبَيْدَةَ بْنَ هِلَالٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْمَاحُوزِ فِي عَسْكَرٍ لَيْلًا إِلَى عَسْكَرِ الْمُهَلَّبِ لِيُبَيِّتُوهُ، فَصَاحُوا بِالنَّاسِ عَنْ يَمِينِهِمْ وَيَسَارِهِمْ فَوَجَدُوهُمْ عَلَى تَعْبِيَةٍ قَدْ
стр. 1719
حَذِرُوا، فَلَمْ يَنَالُوا مِنْهُمْ شَيْئًا، وَأَصْبَحَ الْمُهَلَّبُ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فِي تَعْبِيَةٍ، وَجَعَلَ الْأَزْدَ وَتَمِيمًا مَيْمَنَةً، وَبَكْرَ بْنَ وَائِلٍ وَعَبْدَ الْقَيْسِ مَيْسَرَةً، وَأَهْلَ الْعَالِيَةِ فِي الْقَلْبِ، وَخَرَجَتِ الْخَوَارِجُ وَعَلَى مَيْمَنَتِهِمْ عُبَيْدَةُ بْنُ هِلَالٍ الْيَشْكُرِيُّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِمُ الزُّبَيْرُ بْنُ الْمَاحُوزِ، وَكَانُوا أَحْسَنَ عُدَّةً وَأَكْرَمَ خَيْلًا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ لِأَنَّهُمْ مَخَرُوا الْأَرْضَ وَجَرَّدُوهَا مَا بَيْنَ كَرْمَانَ إِلَى الْأَهْوَازِ. فَالْتَقَى النَّاسُ وَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ عَامَّةَ النَّهَارِ، ثُمَّ إِنَّ الْخَوَارِجَ شَدَّتْ عَلَى النَّاسِ شَدَّةً مُنْكَرَةً، فَأَجْفَلُوا وَانْهَزَمُوا لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٌ، حَتَّى بَلَغَتِ الْهَزِيمَةُ الْبَصْرَةَ، وَخَافَ أَهْلُهَا السِّبَاءَ.
وَأَسْرَعَ الْمُهَلَّبُ حَتَّى سَبَقَ الْمُنْهَزِمِينَ إِلَى مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ، ثُمَّ نَادَى: إِلَيَّ عِبَادِ اللَّهِ! فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ أَكْثَرُهُمْ مِنْ قَوْمِهِ مِنَ الْأَزْدِ، فَلَمَّا رَآهُمْ رَضِيَ عِدَّتَهُمْ فَخَطَبَهُمْ وَحَثَّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ وَوَعَدَهُمُ النَّصْرَ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَشَرَةَ أَحْجَارٍ، وَقَالَ: سِيرُوا بِنَا نَحْوَ عَسْكَرِهِمْ فَإِنَّهُمُ الْآنَ آمِنُونَ وَقَدْ خَرَجَتْ خَيْلُهُمْ فِي طَلَبِ إِخْوَانِكُمْ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ خَيْلُهُمْ حَتَّى تَسْتَبِيحُوا عَسْكَرَهُمْ وَتَقْتُلُوا أَمِيرَهُمْ. فَأَجَابُوهُ، فَأَقْبَلَ بِهِمْ رَاجِعًا، فَمَا شَعَرَتِ الْخَوَارِجُ إِلَّا وَالْمُهَلَّبُ يُقَاتِلُهُمْ فِي جَانِبِ عَسْكَرِهِمْ، فَلَقِيَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمَاحُوزِ وَالْخَوَارِجُ، فَرَمَاهُمْ أَصْحَابُ الْمُهَلَّبِ بِالْأَحْجَارِ حَتَّى أَثْخَنُوهُمْ ثُمَّ طَعَنُوهُمْ بِالرِّمَاحِ وَضَرَبُوهُمْ بِالسُّيُوفِ، فَاقْتَتَلُوا سَاعَةً، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمَاحُوزِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَغَنِمَ الْمُهَلَّبُ عَسْكَرَهُمْ، وَأَقْبَلَ مَنْ كَانَ فِي طَلَبِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ رَاجِعًا، وَقَدْ وَضَعَ لَهُمْ خَيْلًا وَرِجَالًا تَخْطَفُهُمْ وَتَقْتُلُهُمْ، وَانْكَفَئُوا رَاجِعِينَ مَذْلُولِينَ، فَارْتَفَعُوا إِلَى كَرْمَانَ وَجَانِبَ أَصْبَهَانَ.
(قَالَ بَعْضُ الْخَوَارِجِ لَمَّا رَأَى قِتَالَ أَصْحَابِ الْمُهَلَّبِ بِالْحِجَارَةِ:
أَتَانَا بِأَحْجَارٍ لِيَقْتُلَنَا بِهَا ... وَهَلْ تُقْتَلُ الْأَقْرَانُ وَيْحَكَ بِالْحَجَرِ!
وَلَمَّا فَرَغَ الْمُهَلَّبُ مِنْهُمْ أَقَامَ مَكَانَهُ حَتَّى قَدِمَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى الْبَصْرَةِ أَمِيرًا، وَعَزَلَ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، (وَفِي هَذَا الْيَوْمِ يَقُولُ الصَّلَتَانِ الْعَبْدِيُّ:
بِسِلَّى وَسِلَّبْرَى مَصَارِعُ فِتْيَةٍ ... كِرَامٍ وَقَتْلَى لَمْ تُوَسَّدْ خُدُودُهَا
стр. 1720
فَلَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمَاحُوزِ) اسْتَخْلَفَ الْخَوَارِجُ الزُّبَيْرَ بْنَ الْمَاحُوزِ:
وَكَتَبَ الْمُهَلَّبُ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ يُعَرِّفُهُ ظَفَرَهُ، فَأَرْسَلَ الْحَارِثُ الْكِتَابَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ لِيَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ هُنَاكَ، وَكَتَبَ الْحَارِثُ إِلَى الْمُهَلَّبِ:
(أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ نَصْرَ اللَّهِ وَظَفَرَ الْمُسْلِمِينَ، فَهَنِيئًا لَكَ يَا أَخَا الْأَزْدِ شَرَفُ الدُّنْيَا وَعِزُّهَا وَثَوَابُ الْآخِرَةِ وَفَضْلُهَا. فَلَمَّا قَرَأَ الْمُهَلَّبُ كِتَابَهُ ضَحِكَ وَقَالَ: أَمَا يَعْرِفُنِي إِلَّا بِأَخِي الْأَزْدِ! مَا هُوَ إِلَّا أَعْرَابِيٌّ جَافٍ) .
وَقِيلَ: إِنَّ عُثْمَانَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ قَاتَلَ الْخَوَارِجَ وَنَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ قَبْلَ مُسْلِمٍ، فَقُتِلَ عُثْمَانُ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ بَعْدَ أَنْ قُتِلَ مِنَ الْخَوَارِجِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَسُيِّرَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْبَصْرَةِ بَعْدَهُ حَارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ الْغُدَانِيُّ، فَلَمَّا رَآهُمْ عَرَفَ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِمْ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ:
كَرْنِبُوا وَدَوْلِبُوا كَيْفَ شِئْتُمْ فَاذْهَبُوا
يَعْنِي مَا شَاءَ، ثُمَّ سَارَ بَعْدَهُ مُسْلِمُ بْنُ عُبَيْسٍ) .
وَقِيلَ: إِنَّ الْمُهَلَّبَ لَمَّا دَفَعَ الْخَوَارِجَ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى نَاحِيَةِ الْأَهْوَازِ أَقَامَ بَقِيَّةَ سَنَتِهِ يَجْبِي كُوَرَ دِجْلَةَ، وَرَزَقَ أَصْحَابَهُ، وَأَتَاهُ الْمَدَدُ مِنَ الْبَصْرَةِ حَتَّى بَلَغَ أَصْحَابُهُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَزِيمَةُ الْخَوَارِجِ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ.
ذِكْرُ نَجْدَةَ بْنِ عَامِرٍ الْحَنَفِيِّ
هُوَ نَجْدَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَادِ بْنِ الْمُفَرِّجِ الْحَنَفِيُّ، وَكَانَ مَعَ نَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ، فَفَارَقَهُ لِإِحْدَاثِهِ فِي مَذْهَبِهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَسَارَ إِلَى الْيَمَامَةِ، وَدَعَا أَبَا طَالُوتَ إِلَى نَفْسِهِ، فَمَضَى إِلَى الْحَضَارِمِ فَنَهَبَهَا، وَكَانَتْ لِبَنِي حَنِيفَةَ، فَأَخَذَهَا مِنْهُمْ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فِيهَا مِنَ الرَّقِيقِ مَا عِدَّتُهُمْ وَعِدَّةُ أَبْنَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، فَغَنِمَ ذَلِكَ وَقَسَّمَهَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ فَكَثُرَ جَمْعُهُ.
ثُمَّ إِنَّ عِيرًا خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، وَقِيلَ مِنَ الْبَصْرَةِ، تَحْمِلُ مَالًا وَغَيْرَهُ يُرَادُ بِهَا ابْنُ
стр. 1721
الزُّبَيْرِ، فَاعْتَرَضَهَا نَجْدَةُ فَأَخَذَهَا وَسَاقَهَا حَتَّى أَتَى بِهَا أَبَا طَالُوتَ بِالْخَضَارِمِ فَقَسَّمَهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَقَالَ: اقْتَسِمُوا هَذَا الْمَالَ وَرُدُّوا هَؤُلَاءِ الْعَبِيدَ وَاجْعَلُوهُمْ يَعْمَلُونَ الْأَرْضَ لَكُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ أَنْفَعُ. فَاقْتَسَمُوا الْمَالَ وَقَالُوا: نَجْدَةُ خَيْرٍ لَنَا مِنْ أَبِي طَالُوتَ، فَخَلَعُوا أَبَا طَالُوتَ وَبَايَعُوا نَجْدَةَ وَبَايَعَهُ أَبُو طَالُوتَ وَذَلِكَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّينَ، وَنَجْدَةُ يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَلَاثِينَ سَنَةً.
ثُمَّ سَارَ فِي جَمْعٍ إِلَى بَنِي كَعْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، فَلَقِيَهُمْ بِذِي الْمَجَازِ فَهَزَمَهُمْ وَقَتَلَهُمْ قَتْلًا ذَرِيعًا، وَصَبَرَ كِلَابٌ وَعُطَيْفٌ ابْنَا قُرَّةَ بْنِ هُبَيْرَةَ الْقُشَيْرِيَّانِ وَقَاتَلَا حَتَّى قُتِلَا، وَانْهَزَمَ قَيْسُ بْنُ الرُّقَادِ الْجَعْدِيُّ فَلَحِقَهُ أَخُوهُ لِأَبِيهِ مُعَاوِيَةَ فَسَأَلَهُ أَنْ يَحْمِلَهُ رِدْفًا فَلَمْ يَفْعَلْ.
وَرَجَعَ نَجْدَةُ إِلَى الْيَمَامَةِ فَكَثُرَ أَصْحَابُهُ فَصَارُوا ثَلَاثَةَ آلَافٍ، ثُمَّ سَارَ نَجْدَةُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ، فَقَالَتِ الْأَزْدُ: نَجْدَةُ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ وُلَاتِنَا لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الْجُورَ وَوُلَاتُنَا يُجَوِّزُونَهُ، فَعَزَمُوا عَلَى مُسَالَمَتِهِ، وَاجْتَمَعَتْ عَبْدُ الْقَيْسِ وَمَنْ بِالْبَحْرَيْنِ غَيْرَ الْأَزْدِ عَلَى مُحَارَبَتِهِ، فَقَالَ بَعْضُ الْأَزْدِ: نَجْدَةُ أَقْرَبُ إِلَيْكُمْ مِنْهُ إِلَيْنَا لِأَنَّكُمْ كُلُّكُمْ مِنْ رَبِيعَةَ فَلَا تُحَارِبُوهُ! وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نَدَعُ نَجْدَةَ وَهُوَ حَرُورِيٌّ مَارِقٌ تَجْرِي عَلَيْنَا أَحْكَامُهُ. فَالْتَقَوْا بِالْقَطِيفِ فَانْهَزَمَتْ عَبْدُ الْقَيْسِ وَقُتِلَ مِنْهُمْ جَمْعٌ كَثِيرٌ وَسَبَى نَجْدَةُ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْقَطِيفِ، (فَقَالَ الشَّاعِرُ:
نَصَحْتُ لِعَبْدِ الْقَيْسِ يَوْمَ قَطِيفِهَا ... وَمَا نَفْعُ نُصْحٍ، قِيلَ، لَا يُتَقَبَّلُ
وَأَقَامَ نَجْدَةُ بِالْقَطِيفِ وَوَجَّهَ ابْنَهُ الْمُطَّرِحَ فِي جَمْعٍ إِلَى الْمُنْهَزِمِينَ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَقَاتَلُوهُ بِالثُّوَيْرِ، فَقُتِلَ الْمُطَّرِحُ بْنُ نَجْدَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ.
وَأَرْسَلَ نَجْدَةُ سَرِيَّةً إِلَى الْخَطِّ فَظَفِرَ بِأَهْلِهِ، وَأَقَامَ نَجْدَةُ بِالْبَحْرَيْنِ. فَلَمَّا قَدِمَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى الْبَصْرَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ بَعَثَ إِلَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيَّ الْأَعْوَرَ فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا (فَجَعَلَ يَقُولُ: اثْبُتْ نَجْدَةُ فَإِنَّا لَا نَفِرُّ) ، فَقَدِمَ وَنَجْدَةُ بِالْقَطِيفِ، فَأَتَى نَجْدَةُ إِلَى ابْنِ عُمَيْرٍ، وَهُوَ غَافِلٌ، فَقَاتَلَ طَوِيلًا وَافْتَرَقُوا، وَأَصْبَحَ ابْنُ عُمَيْرٍ فَهَالَهُ مَا رَأَى فِي عَسْكَرِهِ مِنَ الْقَتْلَى وَالْجَرْحَى، وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ نَجْدَةُ فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنِ انْهَزَمُوا، فَلَمْ يُبْقِ عَلَيْهِمْ نَجْدَةُ وَغَنِمَ مَا فِي عَسْكَرِهِمْ وَأَصَابَ جِوَارِيَ فِيهِنَّ أُمُّ وَلَدٍ لِابْنِ عُمَيْرٍ، فَعَرَضَ عَلَيْهَا أَنْ يُرْسِلَهَا إِلَى مَوْلَاهَا فَقَالَتْ: لَا حَاجَةَ بِي إِلَى مَنْ فَرَعَنِي وَتَرَكَنِي.
стр. 1722
وَبَعَثَ نَجْدَةُ أَيْضًا بَعْدَ هَزِيمَةِ ابْنِ عُمَيْرٍ جَيْشًا إِلَى عُمَانَ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَطِيَّةَ بْنَ الْأَسْوَدِ الْحَنَفِيَّ، وَقَدْ غَلَبَ عَلَيْهَا عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَابْنَاهُ سَعِيدٌ وَسُلَيْمَانُ يُعَشِّرَانِ السُّفُنَ وَيُجْبِيَانِ الْبِلَادَ، فَلَمَّا أَتَاهُمْ عَطِيَّةُ قَاتَلُوهُ فَقُتِلَ عَبَّادٌ وَاسْتَوْلَى عَطِيَّةُ عَلَى الْبِلَادِ فَأَقَامَ بِهَا أَشْهُرًا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا وَاسْتَخْلَفَ رَجُلًا يُكَنَّى أَبَا الْقَاسِمِ، فَقَتَلَهُ سَعِيدُ وَسُلَيْمَانُ ابْنَا عَبَّادٍ وَأَهْلُ عُمَانَ.
ثُمَّ خَالَفَ عَطِيَّةُ نَجْدَةَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَعَادَ إِلَى عُمَانَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا فَرَكِبَ فِي الْبَحْرِ وَأَتَى كَرْمَانَ وَضَرَبَ بِهَا دَرَاهِمَ سَمَّاهَا الْعَطَوِيَّةَ وَأَقَامَ بِكَرْمَانَ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمُهَلَّبُ جَيْشًا، فَهَرَبَ إِلَى سِجِسْتَانَ ثُمَّ إِلَى السِّنْدِ، فَلَقِيَهُ خَيْلُ الْمُهَلَّبِ بِقَنْدَابِيلَ فَقَتَلَهُ، وَقِيلَ: قَتَلَهُ الْخَوَارِجُ.
ثُمَّ بَعَثَ نَجْدَةُ إِلَى الْبَوَادِي بَعْدَ هَزِيمَةِ ابْنِ عُمَيْرٍ أَيْضًا مَنْ يَأْخُذُ مِنْ أَهْلِهَا الصَّدَقَةَ، فَقَاتَلَ أَصْحَابُهُ بَنِي تَمِيمٍ بِكَاظِمَةَ، وَأَعَانَ أَهْلُ طُوَيْلِعَ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَتَلُوا مِنَ الْخَوَارِجِ رَجُلًا، فَأَرْسَلَ نَجْدَةُ إِلَى أَهْلِ طُوَيْلِعَ مَنْ أَغَارَ عَلَيْهِمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ رَجُلًا وَسَبَى. ثُمَّ إِنَّهُ دَعَاهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَجَابُوهُ، فَأَخَذَ مِنْهُمُ الصَّدَقَةَ، ثُمَّ سَارَ نَجْدَةُ إِلَى صَنْعَاءَ فِي خُفٍّ مِنَ الْجَيْشِ، فَبَايَعَهُ أَهْلُهَا وَظَنُّوا أَنَّ وَرَاءَهُ جَيْشًا كَثِيرًا، فَلَمَّا لَمْ يَرَوْا مَدَدًا يَأْتِيهِ نَدِمُوا عَلَى بَيْعَتِهِ، وَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنْ شِئْتُمْ أَقَلْتُكُمْ بَيْعَتَكُمْ وَجَعَلْتُكُمْ فِي حِلٍّ مِنْهَا وَقَاتَلْتُكُمْ. فَقَالُوا: لَا نَسْتَقِيلُ بَيْعَتَنَا. فَبَعَثَ إِلَى مُخَالِفِيهَا مِنْهُمُ الصَّدَقَةَ، وَبَعَثَ نَجْدَةُ أَبَا فُدَيْكٍ إِلَى حَضْرَمَوْتَ فَجَبَى صَدَقَاتِ أَهْلِهَا.
وَحَجَّ نَجْدَةُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ، وَقِيلَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ، وَهُوَ فِي ثَمَانِمِائَةٍ وَسِتِّينَ رَجُلًا، وَقِيلَ فِي أَلْفَيْ رَجُلٍ وَسِتِّمِائَةِ رَجُلٍ، وَصَالَحَ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى أَنْ يُصَلِّيَ كُلَّ وَاحِدٍ بِأَصْحَابِهِ وَيَقِفَ بِهِمْ وَيَكُفَّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ.
فَلَمَّا صَدَرَ نَجْدَةُ عَنِ الْحَجِّ سَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَتَأَهَّبَ أَهْلُهَا لِقِتَالِهِ، وَتَقَلَّدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ سَيْفًا، فَلَمَّا كَانَ نَجْدَةُ بِنَخْلٍ أُخْبِرَ بِلُبْسِ ابْنِ عُمَرَ السِّلَاحَ، فَرَجَعَ إِلَى الطَّائِفِ وَأَصَابَ بِنْتًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ كَانَتْ عِنْدَ ظِئْرٍ لَهَا فَضَمَّهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: إِنَّ نَجْدَةَ لَيَتَعَصَّبُ لِهَذِهِ الْجَارِيَةِ فَامْتَحَنُوهُ، فَسَأَلَهُ بَعْضُهُمْ بَيْعَهَا مِنْهُ، فَقَالَ: قَدْ أَعْتَقْتُ نَصِيبِي مِنْهَا فَهِيَ حُرَّةٌ. قَالَ: فَزَوِّجْنِي إِيَّاهَا. قَالَ: هِيَ بَالِغٌ وَهِيَ
стр. 1723
أَمْلَكُ بِنَفْسِهَا فَأَنَا أَسْتَأْمِرُهَا، فَقَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ دَعَا، قَالَ: قَدِ اسْتَأْمَرْتُهَا وَكَرِهَتِ الزَّوَاجَ.
فَقِيلَ: إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ أَوْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ كَتَبَ إِلَيْهِ: وَاللَّهِ لَئِنْ أَحْدَثْتُ فِيهَا حَدَثًا لَأَطَأَنَّ بِلَادَكَ وَطْأَةً لَا يَبْقَى مَعَهَا بِكْرِيٌّ.
وَكَتَبَ نَجْدَةُ إِلَى ابْنِ عُمَرَ يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ، فَقَالَ: سَلُوا ابْنَ عَبَّاسٍ، فَسَأَلُوهُ، وَمُسَاءَلَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَشْهُورَةٌ.
وَلَمَّا سَارَ نَجْدَةُ مِنَ الطَّائِفِ أَتَاهُ عَاصِمُ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ فَبَايَعَهُ عَنْ قَوْمِهِ، وَلَمْ يَدْخُلْ نَجْدَةُ الطَّائِفَ، فَلَمَّا قَدِمَ الْحَجَّاجُ الطَّائِفَ لِمُحَارَبَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ لِعَاصِمٍ: يَا ذَا الْوَجْهَيْنِ بَايَعْتَ نَجْدَةَ! قَالَ: إِي وَاللَّهِ وَذُو عَشْرَةِ أَوْجُهٍ، أَعْطَيْتُ نَجْدَةَ الرِّضَى وَدَفَعْتُهُ عَنْ قَوْمِي وَبَلَدِي.
وَاسْتَعْمَلَ الْحَارُوقَ، وَهُوَ حَرَّاقٌ، عَلَى الطَّائِفِ وَتَبَالَةَ وَالسَّرَاةِ، وَاسْتَعْمَلَ سَعْدَ الطَّلَائِعِ عَلَى مَا يَلِي نَجْرَانَ، وَرَجَعَ نَجْدَةُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ فَقَطَعَ الْمِيرَةَ عَنْ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ مِنْهَا وَمِنَ الْيَمَامَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ ثُمَامَةَ بْنَ أُثَالٍ لَمَّا أَسْلَمَ قَطَعَ الْمِيرَةَ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَهُمْ مُشْرِكُونَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ أَهْلُ اللَّهِ فَلَا تَمْنَعْهُمُ الْمِيرَةَ، فَجَعَلَهَا لَهُمْ، وَإِنَّكَ قَطَعْتَ الْمِيرَةَ عَنَّا وَنَحْنُ مُسْلِمُونَ. فَجَعَلَهَا نَجْدَةُ لَهُمْ.
وَلَمْ يَزَلْ عُمَّالُ نَجْدَةَ عَلَى النَّوَاحِي حَتَّى اخْتَلَفَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ فَطَمِعَ فِيهِمُ النَّاسُ، فَأَمَّا الْحَارُوقُ فَطَلَبُوهُ بِالطَّائِفِ فَهَرَبَ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَقَبَةِ فِي طَرِيقِهِ لَحِقَهُ قَوْمٌ يَطْلُبُونَهُ فَرَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى قَتَلُوهُ.
ذِكْرُ الِاخْتِلَافِ عَلَى نَجْدَةَ وَقَتْلِهِ وَوِلَايَةِ أَبِي فُدَيْكٍ
ثُمَّ إِنَّ أَصْحَابَ نَجْدَةَ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ لِأَسْبَابٍ نَقَمُوهَا مِنْهُ، فَمِنْهَا: أَنَّ أَبَا سِنَانٍ حَيَّ بْنَ وَائِلٍ أَشَارَ عَلَى نَجْدَةَ بِقَتْلِ مَنْ أَجَابَهُ تَقِيَّةً، فَشَتَمَهُ نَجْدَةُ، فَهَمَّ بِالْفَتْكِ بِهِ فَقَالَ لَهُ نَجْدَةُ: كَلَّفَ اللَّهُ أَحَدًا عِلْمَ الْغَيْبِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَإِنَّمَا عَلَيْنَا أَنْ نَحْكُمَ بِالظَّاهِرِ. فَرَجَعَ أَبُو سِنَانٍ إِلَى نَجْدَةَ.
وَمِنْهَا: أَنَّ عَطِيَّةَ بْنَ الْأَسْوَدِ خَالَفَ عَلَى نَجْدَةَ، وَسَبَبُهُ أَنَّ نَجْدَةَ سَيَّرَ سَرِيَّةَ بَحْرًا
стр. 1724
وَسَرِيَّةً بَرًّا، فَأَعْطَى سَرِيَّةَ الْبَحْرِ أَكْثَرَ مِنْ سَرِيَّةِ الْبَرِّ، فَنَازَعَهُ عَطَيَّةُ حَتَّى أَغْضَبَهُ، فَشَتَمَهُ نَجْدَةُ، فَغَضِبَ عَلَيْهِ وَأَلَّبَ النَّاسَ عَلَيْهِ. وَكُلِّمَ نَجْدَةُ فِي رَجُلٍ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي عَسْكَرِهِ فَقَالَ: هُوَ رَجُلٌ شَدِيدُ النِّكَايَةِ عَلَى الْعَدُوِّ وَقَدِ اسْتَنْصَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِالْمُشْرِكِينَ. وَكَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى نَجْدَةَ يَدَعُوهُ إِلَى طَاعَتِهِ وَيُوَلِّيهِ الْيَمَامَةَ وَيُهْدِرَ لَهُ مَا أَصَابَ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ، فَطَعَنَ عَلَيْهِ عَطِيَّةُ وَقَالَ: مَا كَاتَبَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ حَتَّى عَلِمَ مِنْهُ دِهَانًا فِي الدِّينِ، وَفَارَقَهُ إِلَى عُمَانَ.
وَمِنْهَا أَنَّ قَوْمًا فَارَقُوا نَجْدَةَ وَاسْتَنَابُوهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَعُودَ، ثُمَّ نَدِمُوا عَلَى اسْتِنَابَتِهِ وَتَفَرَّقُوا وَنَقَمُوا عَلَيْهِ أَشْيَاءَ أَخَرَ، فَخَالَفَ عَلَيْهِ عَامَّةُ مَنْ مَعَهُ فَانْحَازُوا عَنْهُ وَوَلَّوْا أَمْرَهُمْ أَبَا فُدَيْكٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَوْرٍ، أَحَدَ بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَاسْتَخْفَى نَجْدَةُ، فَأَرْسَلَ أَبُو فُدَيْكٍ فِي طَلَبِهِ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَالَ: إِنْ ظَفِرْتُمْ بِهِ فَجِيئُونِي بِهِ. وَقِيلَ لِأَبِي فُدَيْكٍ: إِنْ لَمْ تَقْتُلْ نَجْدَةَ تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْكَ، فَأَلَحَّ فِي طَلَبِهِ. وَكَانَ نَجْدَةُ مُسْتَخْفِيًا فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى حُجْرٍ، وَكَانَ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ اخْتَفَى عِنْدَهُمْ جَارِيَةٌ يُخَالِفُ إِلَيْهَا رَاعٍ لَهُمْ، فَأَخَذَتِ الْجَارِيَةُ مِنْ طِيبٍ كَانَ مَعَ نَجْدَةَ، فَسَأَلَهَا الرَّاعِي عَنْ أَمْرِ الطِّيبِ، فَأَخْبَرَتْهُ، فَأَخْبَرَ الرَّاعِي أَصْحَابَ أَبِي فُدَيْكٍ بِنَجْدَةَ، فَطَلَبُوهُ، فَنَذَرَ بِهِمْ، فَأَتَى أَخْوَالَهُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَاسْتَخْفَى عِنْدَهُمْ. ثُمَّ أَرَادَ الْمَسِيرَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَأَتَى بَيْتَهُ لِيَعْهَدَ إِلَى زَوْجَتِهِ، فَعَلِمَ بِهِ الْفُدَيْكِيَّةُ وَقَصَدُوهُ، فَسَبَقَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَأَعْلَمُهُ، فَخَرَجَ وَبِيَدِهِ السَّيْفُ، فَنَزَلَ الْفُدَيْكِيُّ عَنْ فَرَسِهِ وَقَالَ: إِنَّ فَرَسِي هَذَا لَا يُدْرَكُ فَارْكَبْهُ فَلَعَلَّكَ تَنْجُو عَلَيْهِ. فَقَالَ: مَا أُحِبُّ الْبَقَاءَ وَلَقَدْ تَعَرَّضْتُ لِلشَّهَادَةِ فِي مَوَاطِنَ مَا هَذَا بِأَحْسَنِهَا، وَغَشِيَهُ أَصْحَابُ أَبِي فُدَيْكٍ فَقَتَلُوهُ، وَكَانَ شُجَاعًا كَرِيمًا (وَهُوَ يَقُولُ:
وَإِنْ جَرَّ مَوْلَانَا عَلَيْنَا جَرِيرَةً ... صَبَرْنَا لَهَا، إِنَّ الْكِرَامَ الدَّعَائِمُ
)
وَلَمَّا قُتِلَ نَجْدَةُ سَخَّطَ قَتْلُهُ قَوْمًا مِنْ أَصْحَابِ أَبِي فُدَيْكٍ فَفَارَقُوهُ، وَثَارَ بِهِ مُسْلِمُ بْنُ جُبَيْرٍ فَضَرَبَهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ضَرْبَةً بِسِكِّينٍ فَقُتِلَ مُسْلِمٌ وَحُمِلَ أَبُو فُدَيْكٍ إِلَى مَنْزِلِهِ فَبَرَأَ.
стр. 1725
ذِكْرُ اسْتِعْمَالِ مُصْعَبٍ عَلَى الْمَدِينَةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَخَاهُ عُبَيْدَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنِ الْمَدِينَةِ وَاسْتَعْمَلَ أَخَاهُ مُصْعَبًا.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عُبَيْدَةَ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ لَهُمْ: قَدْ تَرَوْنَ مَا صَنَعَ اللَّهُ بِقَوْمٍ فِي نَاقَةٍ قِيمَتُهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَسُمِّيَ مُقَوِّمَ النَّاقَةِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ مُصْعَبًا.
ذِكْرُ بِنَاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ الْكَعْبَةَ
لَمَّا احْتَرَقَتِ الْكَعْبَةُ غَزَا أَهْلُ الشَّامِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَيَّامَ يَزِيدَ تَرَكَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ يُشَنِّعُ بِذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، فَلَمَّا مَاتَ يَزِيدُ وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ لِابْنِ الزُّبَيْرِ شَرَعَ فِي بِنَائِهَا، فَأَمَرَ بِهَدْمِهَا حَتَّى أُلْحِقَتْ بِالْأَرْضِ، وَكَانَتْ قَدْ مَالَتْ حِيطَانُهَا مِنْ حِجَارَةِ الْمَنْجَنِيقِ، وَجَعَلَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ عِنْدَهُ، وَكَانَ النَّاسُ يَطْفُونَ مِنْ وَرَاءِ الْأَسَاسِ، وَضَرَبَ عَلَيْهَا السُّورَ وَأَدْخَلَ فِيهَا الْحَجَرَ (وَاحْتَجَّ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَائِشَةَ: " «لَوْلَا حِدْثَانُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ، لَرَدَدْتُ الْكَعْبَةَ عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَزِيدُ فِيهَا الْحَجَرَ» ) .
فَحَفَرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَوَجَدَ أَسَاسًا أَمْثَالَ الْجِمَالِ فَحَرَّكُوا مِنْهَا صَخْرَةً فَبَرَقَتْ بَارِقَةٌ فَقَالَ: أَقِرُّوهَا عَلَى أَسَاسِهَا وَبِنَائِهَا، وَجَعَلَ لَهَا بَابَيْنِ، يُدْخَلُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَيُخْرَجُ مِنَ الْآخَرِ.
وَقِيلَ: كَانَتْ عِمَارَتُهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ.
стр. 1726
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ ابْنِ خَازِمٍ وَبَنِي تَمِيمٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ ابْنِ خَازِمٍ السُّلَمِيِّ وَبَنِي تَمِيمٍ بِخُرَاسَانَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَ بِخُرَاسَانَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ أَعَانُوا ابْنَ خَازِمٍ عَلَى مَنْ بِهَا مِنْ رَبِيعَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ، فَلَمَّا صَفَتْ لَهُ خُرَاسَانُ جَفَا بَنِي تَمِيمٍ، وَكَانَ قَدْ جَعَلَ ابْنَهُ مُحَمَّدًا عَلَى هَرَاةَ، وَجَعَلَ عَلَى شُرْطَتِهِ بُكَيْرَ بْنَ وَسَّاجٍ، وَضَمَّ إِلَيْهِ شَمَّاسَ بْنَ دِثَارٍ الْعُطَارِدِيَّ، وَكَانَتْ أُمُّ مُحَمَّدٍ تَمِيمِيَّةً، فَلَمَّا جَفَا ابْنُ خَازِمٍ بَنِي تَمِيمٍ أَتَوُا ابْنَهُ مُحَمَّدًا بِهَرَاةَ، فَكَتَبَ ابْنُ خَازِمٍ إِلَى ابْنِهِ مُحَمَّدٍ وَإِلَى بُكَيْرٍ وَشَمَّاسٍ يِأْمُرُهُمْ بِمَنْعِهِمْ عَنْ هَرَاةَ، فَأَمَّا شَمَّاسٌ فَصَارَ مَعَ بَنِي تَمِيمٍ، وَأَمَّا بُكَيْرٍ فَإِنَّهُ مَنَعَهُمْ، فَأَقَامُوا بِبِلَادٍ هَرَاةَ، فَأَرْسَلَ بُكَيْرٌ إِلَى شَمَّاسٍ: إِنِّي أَعْطَيْتُكَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا فَأَعْطِ كُلَّ رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ أَلْفًا عَلَى أَنْ يَنْصَرِفُوا.
فَأَبَوْا عَلَيْهِ وَأَقَامُوا يَتَرَصَّدُونَ مُحَمَّدًا، فَخَرَجَ يَتَصَيَّدُ فَأَخَذُوهُ وَشَدُّوهُ وِثَاقًا وَشَرِبُوا لَيْلَتَهُمْ وَجَعَلُوا يَبُولُونَ عَلَيْهِ كُلَّمَا أَرَادُوا الْبَوْلَ، فَقَالَ لَهُمْ شَمَّاسٌ: أَمَّا إِذْ بَلَغْتُمْ هَذَا مِنْهُ فَاقْتُلُوهُ بِصَاحِبَيْكُمَا اللَّذَيْنِ قَتَلَهُمَا بِالسِّيَاطِ. وَكَانَ قَدْ ضَرَبَ رَجُلَيْنِ مِنْ تَمِيمٍ بِالسِّيَاطِ حَتَّى مَاتَا. فَقَامُوا إِلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ، فَنَهَاهُمْ عَنْهُ جَيْهَانُ بْنُ مَشْجَعَةَ الضَّبِّيُّ وَأَلْقَى نَفْسَهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ وَقَتَلُوا مُحَمَّدًا. فَشَكَرَ ابْنُ خَازِمٍ لِجَيْهَانَ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْتُلْهُ فِيمَنْ قَتَلَ يَوْمَ فَرْتَنَا.
وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى قَتْلَ مُحَمَّدٍ رَجُلَانِ اسْمُ أَحَدِهِمَا عَجَلَةُ وَاسْمُ الْآخَرِ كُسَيْبٌ. فَقَالَ ابْنُ خَازِمٍ: بِئْسَ مَا اكْتَسَبَ كُسَيْبٌ لِقَوْمِهِ، وَلَقَدْ جَعَلَ عَجَلَةُ لِقَوْمِهِ شَرًّا.
وَأَقْبَلَتْ تَمِيمٌ إِلَى مَرْوَ وَأَمَّرُوا عَلَيْهِمُ الْحَرِيشَ بْنَ هِلَالٍ الْقُرَيْعِيَّ، وَأَجْمَعَ أَكْثَرُهُمْ عَلَى قِتَالِ ابْنِ خَازِمٍ، فَقَاتَلَ الْحَرِيشُ بْنُ هِلَالٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَازِمٍ سَنَتَيْنِ فَلَمَّا طَالَتِ الْحَرْبُ خَرَجَ الْحَرِيشُ فَنَادَى ابْنَ خَازِمٍ وَقَالَ لَهُ: طَالَتِ الْحَرْبُ بَيْنَنَا فَعَلَامَ تَقْتُلُ قَوْمِي وَقَوْمَكَ؟ ابْرُزْ إِلَيَّ فَأَيُّنَا قَتَلَ صَاحِبَهُ صَارَتِ الْأَرْضُ لَهُ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ خَازِمٍ: قَدْ أَنْصَفْتَ. فَبَرَزَ إِلَيْهِ فَتَضَارَبَا وَتَصَاوَلَا تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ لَا يَقْدِرُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ غَفَلَ ابْنُ خَازِمٍ فَضَرَبَهُ الْحَرِيشُ عَلَى رَأْسِهِ فَأَلْقَى فَرْوَةَ رَأْسِهِ عَلَى وَجْهِهِ وَانْقَطَعَ رِكَابُ الْحَرِيشِ وَانْتَزَعَ السَّيْفَ، وَلَزِمَ ابْنُ خَازِمٍ عُنُقَ فَرَسِهِ
стр. 1727
رَاجِعًا إِلَى أَصْحَابِهِ، ثُمَّ غَادَاهُمُ الْقِتَالُ، فَمَكَثُوا بِذَلِكَ بَعْدَ الضَّرْبَةِ أَيَّامًا ثُمَّ مَلَّ الْفَرِيقَانِ فَتَفَرَّقُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةً إِلَى نَيْسَابُورَ مَعَ بَحِيرِ بْنِ وَرْقَاءَ، وَفِرْقَةً إِلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى، وَفِرْقَةً فِيهَا الْحَرِيشُ إِلَى مَرْوِ الرُّوذِ، فَاتَّبَعَهُ ابْنُ خَازِمٍ إِلَى قَرْيَةٍ تُسَمَّى الْمَلْحَمَةَ، وَالْحَرِيشُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، وَقَدْ تَفَرَّقَتْ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَهُمْ فِي خَرِبَةٍ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ ابْنُ خَازِمٍ خَرَجَ إِلَيْهِ فِي أَصْحَابِهِ، فَحَمَلَ مَوْلًى لِابْنِ خَازِمٍ عَلَى الْحَرِيشِ فَضَرَبَهُ فَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا، فَقَالَ الْحَرِيشُ لِرَجُلٍ مَعَهُ: إِنَّ سَيْفِي لَا يَصْنَعُ فِي سِلَاحِهِ شَيْئًا فَأَعْطِنِي خَشَبَةً، فَأَعْطَاهُ عُودًا مِنْ عُنَّابٍ، فَحَمَلَ عَلَى الْمَوْلَى فَضَرَبَهُ فَسَقَطَ وَقِيذًا، ثُمَّ قَالَ لِابْنِ خَازِمٍ: مَا تُرِيدُ مِنِّي وَقَدْ خَلَّيْتُكَ وَالْبِلَادَ؟ قَالَ: إِنَّكَ تَعُودُ إِلَيْهَا. قَالَ: لَا أَعُودُ، فَصَالَحَهُ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْ خُرَاسَانَ وَلَا يَعُودَ إِلَى قِتَالِهِ، فَأَعْطَاهُ ابْنُ خَازِمٍ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَفَتَحَ لَهُ الْحَرِيشُ بَابَ الْقَصْرِ، فَدَخَلَهُ ابْنُ خَازِمٍ وَضَمِنَ لَهُ وَفَاءَ دَيْنِهِ وَتَحَدَّثَا طَوِيلَا.
وَطَارَتْ قُطْنَةٌ عَنِ الضَّرْبَةِ الَّتِي بِرَأْسِ ابْنِ خَازِمٍ، فَأَخْذَهَا الْحَرِيشُ وَوَضَعَهَا مَكَانَهَا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ خَازِمٍ: مَسُّكَ الْيَوْمَ أَلْيَنُ مِنْ مَسِّكِ أَمْسِ. فَقَالَ الْحَرِيشُ: مَعْذِرَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكَ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا [أَنَّ] رِكَابِيَ انْقَطَعَ لَخَالَطَ السَّيْفُ رَأْسَكَ، قَالَ الْحَرِيشُ فِي ذَلِكَ:
أَزَالَ عُظْمَ ذِرَاعِي عَنْ مُرَكَّبِهِ ... حَمْلُ الرُّدَيْنِيِّ فِي الْإِدْلَاجِ بِالسَّحَرِ
حَوْلَيْنِ مَا اغْتَمَضَتْ عَيْنِي بِمَنْزِلَةٍ ... إِلَّا وَكَفِّي وِسَادٌ لِي عَلَى حَجَرِ
بَزِّي الْحَدِيدُ وَسِرْبَالِي إِذَا هَجَعَتْ ... عَنِّي الْعُيُونُ مِحَالُ الْقَارِحِ الذَّكَرِ
)
(بَحِيرُ بْنُ وَرْقَاءَ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَكْسُورَةِ. وَالْحَرِيشُ بِالْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ) .
стр. 1728
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَ طَاعُونُ الْجَارِفِ بِالْبَصْرَةِ وَعَلَيْهَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْمَرٍ، فَهَلَكَ بِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَمَاتَتْ أُمُّ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَلَمْ يَجِدُوا لَهَا مَنْ يَحْمِلُهَا حَتَّى اسْتَأْجَرُوا مَنْ حَمَلَهَا، وَهُوَ الْأَمِيرُ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ. وَكَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ مُصْعَبٌ، وَعَلَى الْكُوفَةِ ابْنُ مُطِيعٍ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ الْحَارِثُ بْنُ رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ، وَعَلَى خُرَاسَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ السَّهْمِيُّ، وَكَانَ قَدْ عَمِيَ آخِرَ عُمُرِهِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِمِصْرَ، وَقِيلَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ.
стр. 1729
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسِتِّينَ]
٦٦ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسِتِّينَ
ذِكْرُ وُثُوبِ الْمُخْتَارِ بِالْكُوفَةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ رَابِعَ عَشَرَ رَبِيعَ الْأَوَّلِ وَثَبَ الْمُخْتَارُ بِالْكُوفَةِ وَأَخْرَجَ عَنْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُطِيعٍ عَامِلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ لَمَّا قُتِلَ قَدِمَ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِهِ الْكُوفَةِ، فَلَمَّا قَدِمُوا وَجَدُوا الْمُخْتَارَ مَحْبُوسًا قَدْ حَبَسَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْحَطَمِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مِنَ الْحَبْسِ يُثْنِي عَلَيْهِمْ وَيَمِينِّهِمُ الظَّفَرَ وَيُعَرِّفُهُمْ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَمَّرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، يَطْلُبُ الثَّأْرَ، فَقَرَأَ كِتَابَهُ رِفَاعَةُ بْنُ شَدَّادٍ وَالْمُثَنَّى بْنُ مُخَرِّبَةَ الْعَبْدِيُّ وَسَعْدُ بْنُ حُذَيْفَةَ بْنُ الْيَمَانِ وَيَزِيدُ بْنُ أَنَسٍ وَأَحْمَرُ بْنُ شُمَيْطٍ الْأَحْمَسِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ الْبَجَلِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَامِلٍ، فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَهُ بَعَثُوا إِلَيْهِ ابْنَ كَامِلٍ يَقُولُونَ لَهُ: إِنَّنَا بِحَيْثُ يَسُرُّكَ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ نَأْتِيَكَ وَنُخْرِجَكَ مِنَ الْحَبْسِ فَعَلْنَا. فَأَتَاهُ فَأَخْبَرَهُ، فَسُّرَ بِذَلِكَ وَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي أَخْرُجُ فِي أَيَّامِي هَذِهِ.
وَكَانَ الْمُخْتَارُ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ يَقُولُ لَهُ: إِنَّنِي قَدْ حُبِسْتُ مَظْلُومًا، وَيَطْلُبُ إِلَيْهِ أَنْ يَشْفَعَ فِيهِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمَا ابْنُ عُمَرَ فِي أَمْرِهِ، فَشَفَّعَاهُ وَأَخْرَجَاهُ مِنَ السِّجْنِ وَضَمِنَاهُ، وَحَلَّفَاهُ أَنَّهُ لَا يَبْغِيهِمَا غَائِلَةً وَلَا يَخْرُجُ عَلَيْهِمَا مَا كَانَ لَهُمَا سُلْطَانٌ، فَإِنْ فَعَلَ فَعَلَيْهِ أَلْفُ بَدَنَةٍ يَنْحَرُهَا عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَمَمَالِيكُهُ أَحْرَارٌ، ذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ.
فَلَمَّا خَرَجَ نَزَلَ بِدَارِهِ، فَقَالَ لِمَنْ يَثِقُ بِهِ: قَاتَلَهُمُ اللَّهُ مَا أَحْمَقَهُمْ حِينَ يَرَوْنَ أَنِّي أَفِي لَهُمْ! أَمَّا حَلِفِي بِاللَّهِ فَإِنَّنِي إِذَا حَلَفْتُ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتُ خَيْرًا مِنْهَا (كَفَّرْتُ عَنْ)
стр. 1730
يَمِينِي، وَخُرُوجِي عَلَيْهِمْ خَيْرٌ مِنْ كَفِّي عَنْهُمْ، وَأَمَّا هَدْيُ الْبُدْنِ وَعَتْقُ الْمَمَالِيكِ فَهُوَ أَهْوَنُ عَلِيَّ مِنْ بَصْقَةٍ، فَوَدِدْتُ أَنْ تَمَّ لِي أَمْرِي وَلَا أَمَلِكُ بَعْدَهُ مَمْلُوكًا أَبَدًا.
ثُمَّ اخْتَلَفَتْ إِلَيْهِ الشِّيعَةُ وَاتَّفَقُوا عَلَى الرِّضَى بِهِ، وَلَمْ يَزَلْ أَصْحَابُهُ يَكْثُرُونَ، وَأَمْرُهُ يَقْوَى حَتَّى عَزَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْحَطَمِيَّ وَإِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ وَاسْتَعْمَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُطِيعٍ عَلَى عَمَلِهِمَا بِالْكُوفَةِ، فَلَقِيَهُ بِحَيْرُ بْنُ رَيْسَانَ الْحِمْيَرِيُّ عِنْدَ مَسِيرِهِ إِلَى الْكُوفَةِ فَقَالَ لَهُ: لَا تَسِرِ اللَّيْلَةَ فَإِنَّ الْقَمَرَ بِالنَّاطِحِ فَلَا تَسِرْ، فَقَالَ لَهُ: وَهَلْ نَطْلُبُ إِلَّا النَّطْحَ! فَلَقِيَ نَطْحًا كَمَا يُرِيدُ، فَكَانَ الْبَلَاءُ مُوَكَّلًا بِمَنْطِقِهِ، وَكَانَ شُجَاعًا.
وَسَارَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَكَسَرَ الْخَوَارِجُ وَقَالَ: كَانَتْ فِتْنَةً، فَسَكَتَ عَنْهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ.
وَكَانَ قُدُومُ ابْنِ مُطِيعٍ فِي رَمَضَانَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْهُ، وَجَعَلَ عَلَى شُرْطَتِهِ إِيَاسَ بْنَ مُضَارِبٍ الْعِجْلِيَّ، وَأَمَرَهُ بِحُسْنِ السِّيرَةِ وَالشِّدَّةِ عَلَى الْمُرِيبِ، وَلَمَّا قَدِمَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَهُمْ وَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَعَثَنِي عَلَى مِصْرِكُمْ وَثُغُورِكُمْ، وَأَمَرَنِي بِجِبَايَةِ فَيْئِكُمْ وَأَنْ لَا أَحْمِلَ فَضْلَ فَيْئِكُمْ عَنْكُمْ إِلَّا بِرِضًى مِنْكُمْ، وَأَنْ أَتَّبِعَ وَصِيَّةَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الَّتِي أَوْصَى بِهَا عِنْدَ وَفَاتِهِ، وَسِيرَةَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْتَقِيمُوا وَلَا تَخْتَلِفُوا وَخُذُوا عَلَى أَيْدِي سُفَهَائِكُمْ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ [وَلَا تَلُومُونِي] فَوَاللَّهِ لَأُوقِعَنَّ بِالسَّقِيمِ الْعَاصِيَ، وَلَأُقِيمَنَّ دَرْءَ الْأَصْعَرِ الْمُرْتَابِ.
فَقَامَ إِلَيْهِ السَّائِبُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ فَقَالَ: أَمَّا حَمْلُ فَيْئِنَا بِرِضَانَا فَإِنَّا نَشْهَدُ أَنَا لَا نَرْضَى أَنْ يُحْمَلَ عَنَّا فَضْلُهُ وَأَنْ لَا يُقْسَمَ إِلَّا فِينَا، وَأَنْ لَا يُسَارَ فِينَا إِلَّا بِسِيرَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الَّتِي سَارَ بِهَا فِي بِلَادِنَا هَذِهِ حَتَّى هَلَكَ، وَلَا حَاجَةَ لَنَا فِي سِيرَةِ عُثْمَانَ فِي فَيْئِنَا وَلَا فِي أَنْفُسِنَا، وَلَا فِي سِيرَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِينَا، وَإِنْ كَانَتْ أَهْوَنَ السِّيرَتَيْنِ عَلَيْنَا، وَقَدْ كَانَ يَفْعَلُ بِالنَّاسِ خَيْرًا.
فَقَالَ يَزِيدُ بْنُ أَنَسٍ: صَدَقَ السَّائِبُ وَبَرَّ.
فَقَالَ ابْنُ مُطِيعٍ: نَسِيرُ فِيكُمْ بِكُلِّ سِيرَةٍ أَحْبَبْتُمُوهَا. ثُمَّ نَزَلَ.
стр. 1731
وَجَاءَ إِيَاسُ بْنُ مُضَارِبٍ إِلَى ابْنِ مُطِيعٍ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ السَّائِبَ بْنَ مَالِكٍ مِنْ رُءُوسِ أَصْحَابِ الْمُخْتَارِ، فَابْعَثْ إِلَى الْمُخْتَارِ فَلْيَأْتِكَ، فَإِذَا جَاءَ فَاحْبِسْهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ أَمْرُ النَّاسِ، فَإِنَّ أَمْرَهُ قَدِ اسْتَجْمَعَ لَهُ وَكَأَنَّهُ قَدْ وَثَبَ بِالْمِصْرِ.
فَبَعَثَ ابْنُ مُطِيعٍ إِلَى الْمُخْتَارِ زَائِدَةَ بْنَ قُدَامَةَ وَحُسَيْنَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْسَمِيَّ مِنْ هَمْدَانَ، فَقَالَا: أَجِبِ الْأَمِيرَ، فَعَزَمَ عَلَى الذَّهَابِ، فَقَرَأَ زَائِدَةُ: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] الْآيَةَ، فَأَلْقَى الْمُخْتَارُ ثِيَابَهُ وَقَالَ: أَلْقُوا عَلَيَّ قَطِيفَةً فَقَدْ وُعِكْتُ، إِنِّي لَأَجِدُ بَرْدًا شَدِيدًا، ارْجِعَا إِلَى الْأَمِيرِ فَأَعْلِمَاهُ حَالِي. فَعَادَا إِلَى ابْنِ مُطِيعٍ فَأَعْلَمَاهُ، فَتَرَكَهُ. وَوَجَّهَ الْمُخْتَارُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَجَمَعَهُمْ حَوْلَهُ فِي الدُّورِ وَأَرَادَ أَنْ يَثِبَ فِي الْكُوفَةِ فِي الْمُحَرَّمِ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ شِبَامٍ، وَشِبَامٌ حَيٌّ مِنْ هَمْدَانَ، وَكَانَ شَرِيفًا اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ، فَلَقِيَ سَعِيدَ بْنَ مُنْقِذٍ الثَّوْرِيَّ وَسِعْرَ بْنَ أَبِي سِعْرٍ الْحَنَفِيَّ وَالْأَسْوَدَ بْنَ جَرَادٍ الْكِنْدِيَّ وَقَدَامَةَ بْنَ مَالِكٍ الْجُشَمِيَّ فَقَالَ لَهُمْ: إِنِ الْمُخْتَارَ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ بِنَا وَلَا نَدْرِي أَرْسَلَهُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ أَمْ لَا، فَانْهَضُوا بِنَا إِلَى ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ نُخْبِرُهُ بِمَا قَدِمَ عَلَيْنَا بِهِ الْمُخْتَارُ، فَإِنْ رَخَّصَ لَنَا فِي اتِّبَاعِهِ تَبِعْنَاهُ وَإِنْ نَهَانَا عَنْهُ اجْتَنَبْنَاهُ، فَوَاللَّهِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا آثَرَ عِنْدَنَا مِنْ سَلَامَةِ دِينِنَا. قَالُوا لَهُ: أَصَبْتَ.
فَخَرَجُوا إِلَى ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِ سَأَلَهُمْ عَنْ حَالِ النَّاسِ فَأَخْبَرُوهُ عَنْ حَالِهِمْ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ وَأَعْلَمُوهُ حَالَ الْمُخْتَارِ وَمَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ وَاسْتَأْذَنُوهُ فِي اتِّبَاعِهِ.
فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ كَلَامِهِمْ قَالَ لَهُمْ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَرَ فَضِيلَةَ أَهْلِ الْبَيْتِ وَالْمُصِيبَةَ بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ مِمَّنْ دَعَاكُمْ إِلَى الطَّلَبِ بِدِمَائِنَا فَوَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ انْتَصَرَ لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا بِمَنْ شَاءَ مَنْ خَلْقِهِ، وَلَوْ كَرِهَ لَقَالَ لَا تَفْعَلُوا.
فَعَادُوا وَنَاسٌ مِنَ الشِّيعَةِ يَنْتَظِرُونَهُمْ مِمَّنْ أَعْلَمُوهُ بِحَالِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ قَدْ شَقَّ عَلَى الْمُخْتَارِ وَخَافَ أَنْ يَعُودُوا بِأَمْرٍ يُخَذِّلُ الشِّيعَةَ عَنْهُ، فَلَمَّا قَدِمُوا الْكُوفَةَ دَخَلُوا عَلَى الْمُخْتَارِ قَبْلَ دُخُولِهِمْ إِلَى بُيُوتِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا وَرَاءَ كَمْ فَقَدَ فُتِنْتُمْ وَارْتَبْتُمْ! فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا قَدْ أُمِرْنَا بِنَصْرِكَ. فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اجْمَعُوا إِلَيَّ الشِّيعَةَ، فَجَمَعَ مَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ نَفَرًا قَدْ أَحَبُّوا أَنْ يَعْلَمُوا مِصْدَاقَ مَا جِئْتُ بِهِ فَرَحَلُوا إِلَى الْإِمَامِ الْمَهْدِيِّ، فَسَأَلُوهُ عَمَّا قَدِمْتُ بِهِ عَلَيْكُمْ، فَنَبَّأَهُمْ أَنِّي وَزِيرُهُ وَظَهِيرُهُ وَرَسُولُهُ وَأَمَرَكُمْ بِاتِّبَاعِي وَطَاعَتِي فِيمَا
стр. 1732
دَعَوْتُكُمْ إِلَيْهِ مِنْ قِتَالِ الْمُحِلِّينَ وَالطَّلَبِ بِدِمَاءِ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمُ الْمُصْطَفَيْنَ.
فَقَامَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ وَأَخْبَرَهُمْ بِحَالِهِمْ وَمَسِيرِهِمْ وَأَنَّ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ أَمَرَهُمْ بِمُظَاهَرَتِهِ وَمُؤَازَرَتِهِ، وَقَالَ لَهُمْ: لِيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ وَاسْتَعِدُّوا وَتَأَهَّبُوا.
وَقَامَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالُوا نَحْوًا مِنْ كَلَامِهِ.
فَاسْتَجْمَعَتْ لَهُ الشِّيعَةُ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَتِهِمُ الشَّعْبِيُّ وَأَبُوهُ شَرَاحِيلُ، فَلَمَّا تَهَيَّأَ أَمْرُهُ لِلْخُرُوجِ قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: إِنَّ أَشْرَافَ أَهْلِ الْكُوفَةِ مُجْمِعُونَ عَلَى قِتَالِكُمْ مَعَ ابْنِ مُطِيعٍ، فَإِنْ أَجَابَنَا إِلَى أَمْرِنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ رَجَوْنَا الْقُوَّةَ عَلَى عَدُوِّنَا، فَإِنَّهُ فَتًى رَئِيسٌ، وَابْنُ رَجُلٍ شَرِيفٍ، لَهُ عَشِيرَةٌ ذَاتُ عِزٍّ وَعَدَدٍ.
فَقَالَ لَهُمُ الْمُخْتَارُ: فَالْقَوْهُ وَادْعُوهُ. فَخَرَجُوا إِلَيْهِ وَمَعَهُمُ الشَّعْبِيُّ فَأَعْلَمُوهُ حَالَهُمْ وَسَأَلُوهُ مُسَاعَدَتَهُمْ عَلَيْهِ وَذَكَرُوا لَهُ مَا كَانَ أَبُوهُ عَلَيْهِ مِنْ وَلَاءٍ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ. (فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي قَدْ أَجَبْتُكُمْ إِلَى الطَّلَبِ بِدَمِ الْحُسَيْنِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ عَلَى أَنْ تُوَلُّونِي الْأَمْرَ) فَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ لِذَلِكَ أَهْلٌ وَلَكِنْ لَيْسَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ، هَذَا الْمُخْتَارُ قَدْ جَاءَنَا مِنْ قِبَلِ الْمَهْدِيِّ وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِالْقِتَالِ وَقَدْ أُمِرْنَا بِطَاعَتِهِ. فَسَكَتَ إِبْرَاهِيمُ وَلَمْ يُجِبْهُمْ، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ فَأَخْبَرُوا الْمُخْتَارَ، فَمَكَثَ ثَلَاثًا ثُمَّ سَارَ فِي بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَالشَّعْبِيُّ وَأَبُوهُ فِيهِمْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَأَلْقَى لَهُمُ الْوَسَائِدَ، فَجَلَسُوا عَلَيْهَا وَجَلَسَ الْمُخْتَارُ مَعَهُ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقَالَ لَهُ الْمُخْتَارُ: هَذَا كِتَابٌ مِنَ الْمَهْدِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ الْيَوْمَ وَابْنُ خَيْرِ أَهْلِهَا قَبْلَ الْيَوْمِ بَعْدَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَهُوَ يَسْأَلُكَ أَنْ تَنْصُرَنَا وَتُؤَازِرَنَا.
قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَكَانَ الْكِتَابُ مَعِي، فَلَمَّا قَضَى كَلَامَهُ قَالَ لِي: ادْفَعِ الْكِتَابَ إِلَيْهِ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ الشَّعْبِيُّ، فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ: مِنْ مُحَمَّدٍ الْمَهْدِيِّ إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْتَرِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ فَإِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ وَزِيرِي وَأَمِينِي الَّذِي ارْتَضَيْتُهُ لِنَفْسِي وَأَمَرْتُهُ بِقِتَالِ عَدُوِّي، وَالطَّلَبِ بِدِمَاءِ أَهْلِ بَيْتِي، فَانْهَضْ مَعَهُمْ بِنَفْسِكَ وَعَشِيرَتِكَ وَمَنْ أَطَاعَكَ فَإِنَّكَ إِنْ نَصَرْتَنِي وَأَجَبْتَ دَعْوَتِي، كَانَتْ لَكَ بِذَلِكَ عِنْدِي فَضِيلَةٌ، وَلَكَ أَعِنَّةُ الْخَيْلِ وَكُلُّ جَيْشٍ غَازٍ وَكُلُّ مِصْرٍ وَمِنْبَرٍ وَثَغْرٍ ظَهَرْتَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَ الْكُوفَةِ وَأَقْصَى بِلَادِ الشَّامِ.
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ قَالَ: قَدْ كَتَبَ إِلَيَّ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ قَبْلَ الْيَوْمِ وَكَتَبْتُ فَلَمْ يَكْتُبْ إِلَيَّ بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ. قَالَ الْمُخْتَارُ: إِنَّ ذَلِكَ زَمَانٌ وَهَذَا زَمَانٌ. قَالَ: فَمَنْ يَعْلَمُ
стр. 1733
أَنَّ هَذَا كِتَابُهُ [إِلَيَّ] ؟ فَشَهِدَ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ مَعَهُ، مِنْهُمْ: زَيْدُ بْنُ أَنَسٍ وَأَحْمَرُ بْنُ شُمَيْطٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَامِلٍ وَجَمَاعَتُهُمْ إِلَّا الشَّعْبِيَّ.
فَلَمَّا شَهِدُوا تَأَخَّرَ إِبْرَاهِيمُ عَنْ صَدْرِ الْفِرَاشِ وَأَجْلَسَ الْمُخْتَارَ عَلَيْهِ وَبَايَعَهُ ثُمَّ خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِلشَّعْبِيِّ: قَدْ رَأَيْتُكَ لَمْ تَشْهَدْ مَعَ الْقَوْمِ أَنْتَ وَلَا أَبُوكَ، أَفَتَرَى هَؤُلَاءِ شَهِدُوا عَلَى حَقٍّ؟ فَقَالَ لَهُ: هَؤُلَاءِ سَادَةُ الْقُرَّاءِ وَمَشْيَخَةُ الْمِصْرِ وَفُرْسَانُ الْعَرَبِ وَلَا يَقُولُ مِثْلُهُمْ إِلَّا حَقًّا.
فَكَتَبَ أَسْمَاءَهُمْ وَتَرَكَهَا عِنْدَهُ، وَدَعَا إِبْرَاهِيمُ عَشِيرَتَهُ وَمَنْ أَطَاعَهُ وَأَقْبَلَ يَخْتَلِفُ إِلَى الْمُخْتَارِ كُلَّ عَشِيَّةٍ عِنْدَ الْمَسَاءِ يُدَبِّرُونَ أُمُورَهُمْ، وَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا لَيْلَةَ الْخَمِيسِ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ.
فَلَمَّا كَانَ تِلْكَ اللَّيْلَةُ عِنْدَ الْمَغْرِبِ صَلَّى إِبْرَاهِيمُ بِأَصْحَابِهِ ثُمَّ خَرَجَ يُرِيدُ الْمُخْتَارَ وَعَلَيْهِ عَلَى أَصْحَابِهِ السِّلَاحُ، وَقَدْ أَتَى إِيَاسُ بْنُ مُضَارِبٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُطِيعٍ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْمُخْتَارَ خَارِجٌ عَلَيْكَ بِإِحْدَى هَاتَيْنِ اللَّيْلَتَيْنِ وَقَدْ بَعَثَ ابْنِي إِلَى الْكُنَاسَةِ فَلَوْ بَعَثْتَ فِي كُلِّ جَبَّانَةٍ عَظِيمَةٍ بِالْكُوفَةِ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الطَّاعَةِ لَهَابَ الْمُخْتَارُ وَأَصْحَابُهُ الْخُرُوجَ عَلَيْكَ.
فَبَعَثَ ابْنُ مُطِيعٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيَّ إِلَى جَبَّانَةِ السَّبِيعِ، وَقَالَ: اكْفِنِي قَوْمَكَ وَلَا تُحْدِثَنَّ بِهَا حَدَثًا. وَبَعَثَ كَعْبَ بْنَ أَبِي كَعْبٍ الْخَثْعَمِيَّ إِلَى جَبَّانَةِ بِشْرٍ. وَبَعَثَ زَحْرَ بْنَ قَيْسٍ الْجُعْفِيَّ إِلَى جَبَّانَةِ كِنْدَةَ. وَبَعَثَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مِخْنَفٍ إِلَى جَبَّانَةِ الصَّائِدِيِّينَ. وَبَعَثَ شَمِرَ بْنَ ذِي الْجَوْشَنِ إِلَى جَبَّانَةِ سَالِمٍ. وَبَعَثَ يَزِيدَ بْنَ رُوَيْمٍ إِلَى جَبَّانَةِ الْمُرَادِ، وَأَوْصَى كُلًّا مِنْهُمْ أَنْ لَا يُؤْتَى مِنْ قِبَلِهِ. وَبَعَثَ شَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ إِلَى السَّبَخَةِ وَقَالَ: إِذَا سَمِعْتَ صَوْتَ الْقَوْمِ فَوَجِّهْ نَحْوَهُمْ.
وَكَانَ خُرُوجُهُمْ إِلَى الْجَبَابِينَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَرَجَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ يُرِيدُ الْمُخْتَارَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ وَقَدْ بَلَغَهُ أَنَّ الْجَبَابِينَ قَدْ مُلِئَتْ رِجَالًا، وَأَنَّ إِيَاسَ بْنَ مُضَارِبٍ فِي الشُّرَطِ قَدْ أَحَاطَ بِالسُّوقِ وَالْقَصْرِ، فَأَخَذَ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ نَحْوَ مِائَةِ دَارِعٍ، وَقَدْ لَبِسُوا عَلَيْهَا الْأَقْبِيَةَ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: تَجَنَّبِ الطَّرِيقَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأُمَرَّنَ وَسَطَ السُّوقِ بِجَنْبِ الْقَصْرِ وَلَأُرْعِبَنَّ عَدُوَّنَا وَلَأُرِيَنَّهُمْ هَوَانَهُمْ عَلَيْنَا.
فَسَارَ عَلَى بَابِ الْفِيلِ ثُمَّ عَلَى دَارِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، فَلَقِيَهُمْ إِيَاسُ بْنُ مُضَارِبٍ فِي
стр. 1734
الشُّرَطِ مُظْهِرِينِ السِّلَاحَ. فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ. فَقَالَ إِيَاسٌ: مَا هَذَا الْجَمْعُ الَّذِي مَعَكَ وَمَا تُرِيدُ؟ لَسْتُ بِتَارِكِكَ حَتَّى آتِيَ بِكَ الْأَمِيرَ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: خَلِّ سَبِيلًا. قَالَ: لَا أَفْعَلُ، وَكَانَ مَعَ إِيَاسِ بْنِ مُضَارِبٍ رَجُلٌ مِنْ هَمْدَانَ يُقَالُ لَهُ أَبُو قَطَنٍ، وَكَانَ يُكْرِمُهُ، وَكَانَ صَدِيقًا لِابْنِ الْأَشْتَرِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْأَشْتَرِ: ادْنُ مِنِّي يَا أَبَا قَطَنٍ، فَدَنَا مِنْهُ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَشْفَعَ فِيهِ إِلَى إِيَاسٍ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ أَخَذَ رُمْحًا كَانَ مَعَهُ وَطَعَنَ بِهِ إِيَاسًا فِي ثَغْرَةِ نَحْرِهِ فَصَرَعَهُ، وَأَمَرَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ، وَتَفَرَّقَ أَصْحَابُ إِيَاسٍ وَرَجَعُوا إِلَى ابْنِ مُطِيعٍ.
فَبَعَثَ مَكَانَهُ ابْنَهُ رَاشِدَ بْنَ إِيَاسٍ عَلَى الشُّرَطِ، وَبَعَثَ مَكَانَ رَاشِدٍ إِلَى الْكُنَاسَةِ سُوِيدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمِنْقَرِيَّ أَبَا الْقَعْقَاعِ بْنَ سُوَيْدٍ. وَأَقْبَلَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ إِلَى الْمُخْتَارِ وَقَالَ لَهُ: إِنَّا اتَّعَدْنَا لِلْخُرُوجِ الْقَابِلَةَ، وَقَدْ جَاءَ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنَ الْخُرُوجِ اللَّيْلَةَ، وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَفَرِحَ الْمُخْتَارُ بِقَتْلِ إِيَاسٍ وَقَالَ: هَذَا أَوَّلُ الْفَتْحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى! ثُمَّ قَالَ لِسَعِيدِ بْنِ مُنْقِذٍ: قُمْ فَأَشْعِلِ النِّيرَانَ فِي الْهَوَادِي وَالْقَصَبَ وَارْفَعْهَا وَسِرْ أَنْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادٍ فَنَادِ: يَا مَنْصُورُ أَمِتْ، وَقُمْ أَنْتَ يَا سُفْيَانُ بْنَ لَيْلَى وَأَنْتَ يَا قُدَامَةُ بْنَ مَالِكٍ فَنَادِيَا: يَا لَثَارَاتِ الْحُسَيْنِ! ثُمَّ لَبِسَ سِلَاحَهُ.
فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فِي الْجَبَابِينِ يَمْنَعُونَ أَصْحَابَنَا مِنْ إِتْيَانِنَا فَلَوْ سِرْتُ إِلَى قَوْمِي بِمَنْ مَعِي وَدَعَوْتُ مَنْ أَجَابَنِي وَسِرْتُ بِهِمْ فِي نَوَاحِي الْكُوفَةِ وَدَعَوْتُ بِشِعَارِنَا لَخَرَجَ إِلَيْنَا مَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ وَمَنْ أَتَاكَ حَبَسْتَهُ عِنْدَكَ إِلَى مَنْ مَعَكَ، فَإِنْ عُوجِلْتَ كَانَ عِنْدَكَ مَنْ يَمْنَعُكَ إِلَى أَنْ آتِيَكَ. فَقَالَ لَهُ: افْعَلْ وَعَجِّلْ وَإِيَّاكَ أَنْ تَسِيرَ إِلَى أَمِيرِهِمْ تُقَاتِلُهُ وَلَا تُقَاتِلْ أَحَدًا وَأَنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ لَا تُقَاتِلَهُ إِلَّا أَنْ يَبْدَأَكَ أَحَدٌ بِقِتَالٍ.
فَخَرَجَ إِبْرَاهِيمُ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى أَتَى قَوْمَهُ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جُلُّ مَنْ كَانَ أَجَابَهُ، وَسَارَ بِهِمْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ لَيْلًا طَوِيلًا وَهُوَ يَنْتَخِبُ الْمَوَاضِعَ الَّتِي فِيهَا الْأُمَرَاءُ الَّذِينَ وَضَعَهُمُ ابْنُ مُطِيعٍ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى مَسْجِدِ السَّكُونِ أَتَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ خَيْلِ زَحْرِ بْنِ قَيْسٍ الْجُعْفِيِّ لَيْسَ عَلَيْهِمْ أَمِيرٌ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ إِبْرَاهِيمُ فَكَشَفَهُمْ حَتَّى أَدْخَلَهُمْ جَبَّانَةَ كِنْدَةَ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَا غَضِبْنَا لِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكَ وَثُرْنَا لَهُمْ فَانْصُرْنَا عَلَى هَؤُلَاءِ.
ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيمُ عَنْهُمْ بَعْدَ أَنْ هَزَمَهُمْ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَتَى جَبَّانَةَ أُثَيْرٍ، فَتَنَادَوْا بِشِعَارِهِمْ، فَوَقَفَ فِيهَا، فَأَتَاهُ سُوِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمِنْقَرِيُّ وَرَجَا أَنْ يُصِيبَهُمْ فَيَحْظَى بِهَا عِنْدَ ابْنِ مُطِيعٍ، فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا وَهُوَ مَعَهُ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَصْحَابِهِ: يَا شُرْطَةَ
стр. 1735
اللَّهِ انْزِلُوا فَإِنَّكُمْ أَوْلَى بِالنَّصْرِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْفُسَّاقِ الَّذِينَ خَاضُوا فِي دِمَاءِ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ، فَنَزَلُوا، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِمْ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى أَخْرَجَهُمْ إِلَى الصَّحْرَاءِ فَانْهَزَمُوا، فَرَكِبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَهُمْ يَتَلَاوَمُونَ، وَتَبِعَهُمْ حَتَّى أَدْخَلَهُمُ الْكُنَاسَةَ، فَقَالَ لِإِبْرَاهِيمَ أَصْحَابُهُ: اتْبَعْهُمْ وَاغْتَنِمْ مَا دَخَلَهُمْ مِنَ الرُّعْبِ. فَقَالَ: لَا وَلَكِنْ نَأْتِي صَاحِبَنَا يُؤَمِّنُ اللَّهُ بِنَا وَحْشَتَهُ، وَيَعْلَمُ مَا كَانَ مِنْ نَصْرِنَا لَهُ فَيَزْدَادُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ قُوَّةً، مَعَ أَنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أُتِيَ.
ثُمَّ سَارَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى أَتَى بَابَ الْمُخْتَارِ، فَسَمِعَ الْأَصْوَاتَ عَالِيَةً وَالْقَوْمَ يَقْتَتِلُونَ، وَقَدْ جَاءَ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ مِنْ قِبَلِ السَّبَخَةِ، فَعَبَّأَ لَهُ الْمُخْتَارُ يَزِيدَ بْنَ أَنَسٍ. وَجَاءَ حَجَّارُ بْنُ أَبْجَرَ الْعِجْلِيُّ فَجَعَلَ الْمُخْتَارُ فِي وَجْهِهِ أَحْمَرَ بْنَ شُمَيْطٍ. فَبَيْنَمَا النَّاسُ يَقْتَتِلُونَ إِذْ جَاءَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ قِبَلِ الْقَصْرِ فَبَلَغَ حَجَّارًا وَأَصْحَابَهُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ قَدْ أَتَاهُمْ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَتَفَرَّقُوا فِي الْأَزِقَّةِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ، وَجَاءَ قَيْسُ بْنُ طِهْفَةَ النَّهْدِيُّ فِي قَرِيبٍ مِنْ مِائَةٍ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْمُخْتَارِ، فَحَمَلَ عَلَى شَبَثِ بْنِ رِبْعِيٍّ (وَهُوَ يُقَاتِلُ يَزِيدَ بْنَ أَنَسٍ، فَخَلَّى لَهُمُ الطَّرِيقَ حَتَّى اجْتَمَعُوا وَأَقْبَلَ شَبَثٌ) إِلَى ابْنِ مُطِيعٍ وَقَالَ لَهُ: اجْمَعِ الْأُمَرَاءَ الَّذِينَ بِالْجَبَابِينِ وَجَمِيعَ النَّاسِ ثُمَّ أَنْفِذْ إِلَى هَؤُلَاءِ فَقَاتِلْهُمْ، فَإِنَّ أَمْرَهُمْ قَدْ قَوِيَ وَقَدْ خَرَجَ الْمُخْتَارُ وَظَهَرَ وَاجْتَمَعَ لَهُ أَمْرُهُ.
فَلَمَّا بَلَغَ قَوْلُهُ الْمُخْتَارَ خَرَجَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى نَزَلَ فِي ظَهْرِ دَيْرِ هِنْدٍ فِي السَّبَخَةِ وَخَرَجَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ فَنَادَى فِي شَاكِرٍ وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ فِي دُورِهِمْ يَخَافُونَ أَنْ يَظْهَرُوا لِقُرْبِ كَعْبٍ الْخَثْعَمِيِّ مِنْهُمْ، وَكَانَ قَدْ أَخَذَ عَلَيْهِمْ أَفْوَاهَ السِّكَكِ. فَلَمَّا أَتَاهُمْ أَبُو عُثْمَانَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ نَادَى: يَا لَثَارَاتِ الْحُسَيْنِ! يَا مَنْصُورُ أَمِتْ أَمِتْ! يَا أَيُّهَا الْحَيُّ الْمُهْتَدُونَ، إِنَّ أَمِينَ آلِ مُحَمَّدٍ وَوَزِيرَهُمْ قَدْ خَرَجَ فَنَزَلَ دَيْرَ هِنْدٍ وَبَعَثَنِي إِلَيْكُمْ دَاعِيًا وَمُبَشِّرًا، فَاخْرُجُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ! فَخَرَجُوا يَتَدَاعُونَ: يَا لَثَارَاتِ الْحُسَيْنِ! وَقَاتَلُوا كَعْبًا حَتَّى خَلَّى لَهُمُ الطَّرِيقَ، فَأَقْبَلُوا إِلَى الْمُخْتَارِ فَنَزَلُوا مَعَهُ، وَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَتَادَةَ فِي نَحْوٍ مِنْ مِائَتَيْنِ فَنَزَلَ مَعَ الْمُخْتَارِ، وَكَانَ قَدْ تَعَرَّضَ لَهُمْ كَعْبٌ، فَلَمَّا عَرَّفَهُمْ أَنَّهُمْ مِنْ قَوْمِهِ خَلَّى عَنْهُمْ. وَخَرَجَتْ شِبَامٌ، وَهُمْ حَيٌّ مِنْ هَمْدَانَ، مِنْ آخَرِ لَيْلَتِهِمْ، فَبَلَغَ خَبَرُهُمْ
стр. 1736
عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيَّ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: إِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الْمُخْتَارَ فَلَا تَمُرُّوا عَلَى جَبَّانَةِ السَّبِيعِ. فَلَحِقُوا بِالْمُخْتَارِ، فَتَوَافَى إِلَى الْمُخْتَارِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَثَمَانُمِائَةٍ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا كَانُوا بَايَعُوهُ، فَاجْتَمَعُوا لَهُ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَأَصْبَحَ وَقَدْ فَرَغَ مِنْ تَعْبِيَتِهِ وَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ بِغَلَسَ.
وَأَرْسَلَ ابْنُ مُطِيعٍ إِلَى الْجَبَابِينِ فَأَمَرَ مَنْ بِهَا أَنْ يَأْتُوا الْمَسْجِدَ، وَأَمَرَ رَاشِدَ بْنَ إِيَاسٍ فَنَادَى فِي النَّاسِ: بَرِئَتِ الذِّمَّةُ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَأْتِ الْمَسْجِدَ اللَّيْلَةَ. فَاجْتَمَعُوا فَبَعَثَ ابْنُ مُطِيعٍ شَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ فِي نَحْوِ ثَلَاثَةِ آلَافٍ إِلَى الْمُخْتَارِ، وَبَعَثَ رَاشِدَ بْنَ إِيَاسٍ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ مِنَ الشُّرَطِ.
فَسَارَ شَبَثٌ إِلَى الْمُخْتَارِ، فَبَلَغَهُ خَبَرُهُ وَقَدْ فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَأَرْسَلَ مَنْ أَتَاهُ بِخَبَرِهِمْ، وَأَتَى إِلَى الْمُخْتَارِ ذَلِكَ الْوَقْتَ سِعْرُ بْنُ أَبِي سِعْرٍ الْحَنَفِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ، لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِتْيَانِهِ إِلَّا تِلْكَ السَّاعَةَ، فَرَأَى رَاشِدَ بْنَ إِيَاسٍ فِي طَرِيقِهِ فَأَخْبَرَ الْمُخْتَارَ خَبَرَهُ أَيْضًا، فَبَعَثَ الْمُخْتَارُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَشْتَرِ إِلَى رَاشِدٍ فِي سَبْعِ مِائَةٍ، وَقِيلَ فِي سِتِّمِائَةِ فَارِسٍ وَسِتِّمِائَةِ رَاجِلٍ، وَبَعَثَ نُعَيْمَ بْنَ هُبَيْرَةَ، أَخَا مَصْقَلَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ، فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ وَسِتِّمِائَةِ رَاجِلٍ وَأَمَرَهُ بِقِتَالِ شَبَثِ بْنِ رِبْعِيٍّ وَمَنْ مَعَهُ، وَأَمَرَهُمَا بِتَعْجِيلِ الْقِتَالِ وَأَنْ لَا يُسْتَهْدَفَا لِعَدُوِّهِمَا فَإِنَّهُ أَكْثَرُ مِنْهُمَا، فَتَوَجَّهَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى رَاشِدٍ، وَقَدَّمَ الْمُخْتَارُ يَزِيدَ بْنَ أَنَسٍ فِي مَوْضِعِ مَسْجِدِ شَبَثِ بْنِ رِبْعِيٍّ فِي تِسْعِمِائَةٍ أَمَامَهُ، فَتَوَجَّهَ نُعَيْمٌ إِلَى شَبَثٍ فَقَاتَلَهُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَجَعَلَ نُعَيْمٌ سِعْرَ بْنَ أَبِي سِعْرٍ عَلَى الْخَيْلِ وَمَشَى هُوَ فِي الرَّجَّالَةِ فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ وَانْبَسَطَتْ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ شَبَثٍ حَتَّى دَخَلُوا الْبُيُوتَ، فَنَادَاهُمْ شَبَثٌ وَحَرَّضَهُمْ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ، فَحَمَلُوا عَلَى أَصْحَابِ نُعَيْمٍ وَقَدْ تَفَرَّقُوا، فَهَزَمَهُمْ، وَصَبَرَ نُعَيْمٌ فَقُتِلَ، وَأَسِرُ سِعْرُ بْنُ أَبِي سِعْرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَطْلَقَ الْعَرَبَ وَقَتَلَ الْمَوَالِي، وَجَاءَ شَبَثٌ حَتَّى أَحَاطَ بِالْمُخْتَارِ، وَكَانَ قَدْ وَهَنَ لِقَتْلِ نُعَيْمٍ.
وَبَعَثَ ابْنُ مُطِيعٍ يَزِيدَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ رُوَيْمٍ فِي أَلْفَيْنِ، فَوَقَفُوا فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ، وَوَلَّى الْمُخْتَارُ يَزِيدَ بْنَ أَنَسٍ خَيْلَهُ وَخَرَجَ هُوَ فِي الرَّجَّالَةِ، فَحَمَلَتْ عَلَيْهِ خَيْلُ شَبَثٍ فَلَمْ يَبْرَحُوا مَكَانَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ يَزِيدُ بْنُ أَنَسٍ: يَا مَعْشَرَ الشِّيعَةِ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تُقْتَلُونَ وَتُقْطَعُ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلُكُمْ وَتُسْمَلُ أَعْيُنُكُمْ وَتُرْفَعُونَ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ فِي حُبِّ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ، وَأَنْتُمْ مُقِيمُونَ فِي بُيُوتِكُمْ وَطَاعَةِ عَدُوِّكُمْ، فَمَا ظَنَّكُمْ بِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِذَا ظَهَرُوا عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ؟ وَاللَّهِ
стр. 1737
لَا يَدَعُونَ مِنْكُمْ عَيْنًا تَطْرُفُ، وَلَيُقَتِّلُنَّكُمْ صَبْرًا، وَلَتَرَوْنَ مِنْهُمْ فِي أَوْلَادِكُمْ وَأَزْوَاجِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ مَا الْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْهُ، وَاللَّهِ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْهُمْ إِلَّا الصِّدْقُ وَالصَّبْرُ وَالطَّعْنُ الصَّائِبُ وَالضَّرْبُ الدِّرَاكُ، تَهَيَّئُوا لِلْحَمْلَةِ، فَتَيَسَّرُوا يَنْتَظِرُونَ أَمْرَهُ وَجَثَوْا عَلَى رُكَبِهِمْ.
وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ فَإِنَّهُ لَقِيَ رَاشِدًا فَإِذَا مَعَهُ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَصْحَابِهِ: لَا يَهُولَنَّكُمْ كَثْرَةُ هَؤُلَاءِ، فَوَاللَّهِ لَرُبَّ رَجُلٍ خَيْرٌ مِنْ عَشْرَةٍ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ. وَقَدِمَ خُزَيْمَةُ بْنُ نَصْرٍ إِلَيْهِمْ فِي الْخَيْلِ، وَنَزَلَ هُوَ يَمْشِي فِي الرَّجَّالَةِ، وَأَخَذَ إِبْرَاهِيمُ يَقُولُ لِصَاحِبِ رَايَتِهِ: تَقَدَّمَ بِرَايَتِكَ، امْضِ بِهَؤُلَاءِ وَبِهَا.
وَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَحَمَلَ خُزَيْمَةُ بْنُ نَصْرٍ الْعَبْسِيُّ عَلَى رَاشِدٍ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ نَادَى: قَتَلْتُ رَاشِدًا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ! وَانْهَزَمَ أَصْحَابُ رَاشِدٍ، وَأَقْبَلَ إِبْرَاهِيمُ وَخُزَيْمَةُ وَمَنْ مَعَهُمَا بَعْدَ قَتْلِ رَاشِدٍ نَحْوَ الْمُخْتَارِ، وَأَرْسَلَ الْبَشِيرُ إِلَى الْمُخْتَارِ بِقَتْلِ رَاشِدٍ، فَكَبَّرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَقَوِيَتْ نُفُوسُهُمْ، وَدَخَلَ أَصْحَابَ ابْنِ مُطِيعٍ الْفَشَلُ.
وَأَرْسَلَ ابْنُ مُطِيعٍ حَسَّانَ بْنَ فَائِدِ بْنِ بَكْرٍ الْعَبْسِيَّ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ نَحْوِ أَلْفَيْنِ، فَاعْتَرَضَ إِبْرَاهِيمَ لِيَرُدَّهُ عَمَّنْ بِالسَّبَخَةِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مُطِيعٍ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ إِبْرَاهِيمُ، فَانْهَزَمُوا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، وَتَأَخَّرَ حَسَّانُ يَحْمِي أَصْحَابَهُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ خُزَيْمَةُ، فَعَرَفَهُ فَقَالَ: يَا حَسَّانُ لَوْلَا الْقَرَابَةُ لَقَتَلْتُكَ، فَانْجُ بِنَفْسِكَ.
فَعَثَرَ بِهِ فَرَسُهُ فَوَقَعَ، فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ، فَقَاتَلَ سَاعَةً، قَالَ لَهُ خُزَيْمَةُ: أَنْتَ آمِنٌ فَلَا تَقْتُلْ نَفْسَكَ، وَكَفَّ عَنْهُ النَّاسُ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: هَذَا ابْنُ عَمِّي وَقَدْ آمَنْتُهُ، فَقَالَ: أَحْسَنْتَ! وَأَمَرَ بِفَرَسِهِ فَأُحْضِرَ فَأُرْكِبَهُ وَقَالَ: الْحَقْ بِأَهْلِكَ.
وَأَقْبَلَ إِبْرَاهِيمُ نَحْوَ الْمُخْتَارِ وَشَبَثُ بْنِ رِبْعِيٍّ مُحِيطٌ بِهِ، فَلَقِيَهُ يَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ وَهُوَ عَلَى أَفْوَاهِ السِّكَكِ الَّتِي تَلِي السَّبَخَةَ، فَأَقْبَلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ لِيَصُدَّهُ عَنْ شَبَثٍ وَأَصْحَابِهِ، فَبَعَثَ إِبْرَاهِيمُ إِلَيْهِ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ نَصْرٍ وَسَارَ نَحْوَ الْمُخْتَارِ وَشَبِثٍ فِيمَنْ بَقِيَ مَعَهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ حَمَلَ عَلَى شَبَثٍ، وَحَمَلَ يَزِيدُ بْنُ أَنَسٍ، فَانْهَزَمَ شَبَثٌ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى أَبْيَاتِ الْكُوفَةِ، وَحَمَلَ خُزَيْمَةُ بْنُ نَصْرٍ عَلَى يَزِيدَ بْنِ الْحَارِثِ فَهَزَمَهُ، وَازْدَحَمُوا عَلَى أَفْوَاهِ السِّكَكِ وَفَوْقَ الْبُيُوتِ وَأَقْبَلَ الْمُخْتَارُ. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى أَفْوَاهِ السِّكَكِ رَمَتْهُ الرُّمَاةُ بِالنَّبْلِ فَصَدُّوهُ عَنِ الدُّخُولِ إِلَى الْكُوفَةِ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ.
وَرَجَعَ النَّاسُ مِنَ السَّبَخَةِ مُنْهَزِمِينَ إِلَى ابْنِ مُطِيعٍ، وَجَاءَهُ قَتْلُ رَاشِدِ بْنِ إِيَاسٍ فَسَقَطَ فِي يَدِهِ، فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ الْحَجَّاجِ الزُّبَيْدِيُّ: أَيُّهَا الرَّجُلُ لَا تُلْقِ بِيَدِكَ وَاخْرُجْ إِلَى النَّاسِ وَانْدُبْهُمْ إِلَى عَدُوِّكَ، فَإِنَّ النَّاسَ كَثِيرٌ وَكُلُّهُمْ مَعَكَ إِلَّا هَذِهِ الطَّائِفَةَ الَّتِي خَرَجَتْ وَاللَّهُ يُخْزِيهَا، وَأَنَا أَوَّلُ مُنْتَدَبٍ، فَانْتَدِبْ مَعِي طَائِفَةً وَمَعَ غَيْرِي طَائِفَةً.
стр. 1738
فَخَرَجَ ابْنُ مُطِيعٍ فَقَامَ فِي النَّاسِ وَوَبَّخَهُمْ عَلَى هَزِيمَتِهِمْ وَأَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْمُخْتَارِ وَأَصْحَابِهِ.
وَلَمَّا رَأَى الْمُخْتَارُ أَنَّهُ قَدْ مَنَعَهُ يَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ مِنْ دُخُولِ الْكُوفَةِ عَدَلَ إِلَى بُيُوتٍ مُزَيْنَةَ وَأَحْمَسَ وَبَارِقَ، وَبُيُوتُهُمْ مُنْفَرِدَةٌ، فَسَقَوْا أَصْحَابَهُ الْمَاءَ وَلَمْ يَشْرَبْ هُوَ، فَإِنَّهُ كَانَ صَائِمًا، فَقَالَ أَحْمَرُ بْنُ شُمَيْطٍ لِابْنِ كَامِلٍ: أَتُرَاهُ صَائِمًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لَوْ أَفْطَرَ كَانَ أَقْوَى لَهُ. قَالَ: إِنَّهُ مَعْصُومٌ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَصْنَعُ. فَقَالَ أَحْمَرُ: صَدَقْتَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
فَقَالَ الْمُخْتَارُ: نِعْمَ الْمَكَانُ لِلْقِتَالِ هَذَا. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ الْقَوْمَ قَدْ هَزَمَهُمُ اللَّهُ وَأَدْخَلَ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ، سِرْ بِنَا، فَوَاللَّهِ مَا دُونَ الْقَصْرِ مَانِعٌ. فَتَرَكَ الْمُخْتَارُ هُنَاكَ كُلَّ شَيْخٍ ضَعِيفٍ ذِي عِلَّةٍ (وَنَقَلَهُمْ) وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ، وَقَدِمَ إِبْرَاهِيمُ أَمَامَهُ، وَبَعَثَ ابْنُ مُطِيعٍ عَمْرَو بْنَ الْحَجَّاجِ (فِي أَلْفَيْنِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَأَرْسَلَ الْمُخْتَارُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ أَنِ اطْوِهِ وَلَا تَقُمْ عَلَيْهِ، فَطَوَاهُ وَأَقَامَ، وَأَمَرَ الْمُخْتَارُ يَزِيدَ بْنَ أَنَسٍ أَنْ يُوَاقِفَ عَمْرَو بْنَ الْحَجَّاجِ) ، فَمَضَى إِلَيْهِ، وَسَارَ الْمُخْتَارُ فِي أَثَرِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ وَقَفَ فِي مَوْضِعِ مُصَلَّى خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَمَضَى إِبْرَاهِيمُ لِيَدْخُلَ الْكُوفَةَ مِنْ نَحْوِ الْكُنَاسَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ شَمِرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ فِي أَلْفَيْنِ، فَسَرَّحَ إِلَيْهِ الْمُخْتَارُ سَعِيدَ بْنَ مُنْقِذٍ الْهَمْدَانِيَّ فَوَاقَعَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ، فَسَارَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى سِكَّةَ شَبَثٍ، فَإِذَا نَوْفَلُ بْنُ مُسَاحِقٍ فِي أَلْفَيْنِ، وَقِيلَ خَمْسَةِ آلَافٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقَدْ أَمَرَ ابْنُ مُطِيعٍ مُنَادِيًا فَنَادَى فِي النَّاسِ أَنِ الْحَقُوا بِابْنِ مُسَاحِقٍ.
وَخَرَجَ ابْنُ مُطِيعٍ فَوَقَفَ بِالْكُنَاسَةِ وَاسْتَخْلَفَ شَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ عَلَى الْقَصْرِ، فَدَنَا ابْنُ الْأَشْتَرِ مِنِ ابْنِ مُطِيعٍ فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالنُّزُولِ وَقَالَ لَهُمْ: لَا يَهُولَنَّكُمْ أَنْ يُقَالَ جَاءَ شَبَثٌ وَآلُ عُتَيْبَةَ بْنُ النَّهَّاسِ وَآلُ الْأَشْعَثِ وَآلُ يَزِيدَ بْنُ الْحَارِثِ وَآلُ فُلَانٍ، فَسَمَّى بُيُوتَاتِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَوْ وَجَدُوا حَرَّ السُّيُوفِ لَانْهَزَمُوا عَنِ ابْنِ مُطِيعٍ انْهِزَامَ الْمَعْزَى مِنَ الذِّئْبِ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ.
وَأَخَذَ ابْنُ الْأَشْتَرِ أَسْفَلَ قَبَائِهِ فَأَدْخَلَهُ فِي مِنْطَقَتِهِ، وَكَانَ الْقَبَاءُ عَلَى الدِّرْعِ، فَلَمْ يَلْبَثُوا حِينَ حَمَلَ عَلَيْهِمْ أَنِ انْهَزَمُوا يَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى أَفْوَاهِ السِّكَكِ وَازْدَحَمُوا، وَانْتَهَى ابْنُ الْأَشْتَرِ إِلَى ابْنِ مُسَاحِقٍ، فَأَخَذَ بِعِنَانِ دَابَّتِهِ وَرَفَعَ السَّيْفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ الْأَشْتَرِ أَنْشُدُكَ اللَّهَ هَلْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنْ إِحْنَةٍ أَوْ تَطْلُبُنِي بِثَأْرٍ؟ فَخَلَّى سَبِيلَهُ، وَقَالَ:
стр. 1739
اذْكُرْهَا. فَكَانَ يَذْكُرُهَا لَهُ.
وَدَخَلُوا الْكُنَاسَةَ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى دَخَلُوا السُّوقَ وَالْمَسْجِدَ وَحَصَرُوا ابْنَ مُطِيعٍ وَمَعَهُ الْأَشْرَافُ مِنَ النَّاسِ غَيْرَ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، فَإِنَّهُ أَتَى دَارَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْبَرِّ، وَجَاءَ الْمُخْتَارُ حَتَّى نَزَلَ جَانِبَ السُّوقِ. وَوَلَّى إِبْرَاهِيمَ حِصَارَ الْقَصْرِ وَمَعَهُ يَزِيدُ بْنُ أَنَسٍ وَأَحْمَرُ بْنُ شُمَيْطٍ، فَحَصَرُوهُمْ ثَلَاثًا، فَاشْتَدَّ الْحِصَارُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ شَبَثٌ لِابْنِ مُطِيعٍ: (انْظُرْ لِنَفْسِكَ وَلِمَنْ مَعَكَ فَوَاللَّهِ مَا عِنْدَهُمْ غَنَاءٌ عَنْكَ وَلَا عَنْ أَنْفُسِهِمْ. فَقَالَ: أَشِيرُوا عَلَيَّ. فَقَالَ شَبَثٌ) : الرَّأْيُ أَنْ تَأْخُذَ لِنَفْسِكَ وَلَنَا أَمَانًا وَنَخْرُجَ وَلَا تُهْلِكَ نَفْسَكَ وَمَنْ مَعَكَ. فَقَالَ ابْنُ مُطِيعٍ: إِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ آخُذَ مِنْهُ أَمَانًا، وَالْأُمُورُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُسْتَقِيمَةٌ بِالْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ. قَالَ: فَتَخْرُجُ وَلَا يَشْعُرُ بِكَ أَحَدٌ، فَتَنْزِلُ بِالْكُوفَةِ عِنْدَ مَنْ تَثِقُ بِهِ حَتَّى تَلْحَقَ بِصَاحِبِكَ.
وَأَشَارَ بِذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعِيدٍ وَأَسْمَاءُ بْنُ خَارِجَةَ وَابْنُ مِخْنَفٍ وَأَشْرَافُ الْكُوفَةِ، فَأَقَامَ حَتَّى أَمْسَى وَقَالَ لَهُمْ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الَّذِينَ صَنَعُوا هَذَا بِكُمْ أَرَاذِلُكُمْ وَأَخِسَّاؤُكُمْ وَأَنَّ أَشْرَافَكُمْ وَأَهْلَ الْفَضْلِ مِنْكُمْ سَامِعُونَ مُطِيعُونَ، وَأَنَا مُبَلِّغٌ ذَلِكَ صَاحِبِي وَمُعْلِمُهُ طَاعَتَكُمْ وَجِهَادَكُمْ حَتَّى كَانَ اللَّهُ الْغَالِبَ عَلَى أَمْرِهِ. فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ خَيْرًا.
وَخَرَجَ عَنْهُمْ وَأَتَى دَارَ أَبِي مُوسَى، (فَجَاءَ ابْنُ الْأَشْتَرِ وَنَزَلَ) الْقَصْرَ، فَفَتَحَ أَصْحَابُهُ الْبَابَ وَقَالُوا: يَا ابْنَ الْأَشْتَرِ آمَنُونَ نَحْنُ؟ قَالَ: أَنْتُمْ آمِنُونَ.
فَخَرَجُوا فَبَايَعُوا الْمُخْتَارَ، وَدَخَلَ الْمُخْتَارُ الْقَصْرَ فَبَاتَ فِيهِ، وَأَصْبَحَ أَشْرَافُ النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ وَعَلَى بَابِ الْقَصْرِ، وَخَرَجَ الْمُخْتَارُ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَعَدَ وَلِيَّهُ النَّصْرَ وَعَدُوَّهُ الْخُسْرَ، وَجَعَلَهُ فِيهِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ وَعْدًا مَفْعُولًا وَقَضَاءً مَقْضِيًّا، وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى، أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا رُفِعَتْ لَنَا رَايَةٌ وَمُدَّتْ لَنَا غَايَةٌ، فَقِيلَ لَنَا فِي الرَّايَةِ أَنِ ارْفَعُوهَا وَفِي الْغَايَةِ أَنِ اجْرُوا إِلَيْهَا وَلَا تَعْدُوهَا، فَسَمِعْنَا دَعْوَةَ الدَّاعِي وَمَقَالَةَ الْوَاعِي، فَكَمْ مِنْ نَاعٍ وَنَاعِيَةٍ لِقَتْلَى فِي الْوَاعِيَةِ، وَبُعْدًا لِمَنْ طَغَى وَأَدْبَرَ وَعَصَى وَكَذَّبَ وَتَوَلَّى، أَلَا فَادْخُلُوا أَيُّهَا النَّاسُ وَبَايِعُوا بَيْعَةَ هُدًى، فَلَا وَالَّذِي
стр. 1740
جَعَلَ السَّمَاءَ سَقْفًا مَكْفُوفًا، وَالْأَرْضَ فِجَاجًا سُبُلًا، مَا بَايَعْتُمْ بَعْدَ بَيْعَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَآلِ عَلِيٍّ أَهْدَى مِنْهَا!
ثُمَّ نَزَلَ وَدَخَلَ عَلَيْهِ أَشْرَافُ الْكُوفَةِ فَبَايَعُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالطَّلَبِ بِدِمَاءِ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَجِهَادِ الْمُحِلِّينَ، وَالدَّفْعِ عَنِ الضُّعَفَاءِ، وَقِتَالِ مَنْ قَاتَلَنَا، وَسِلْمِ مَنْ سَالَمَنَا.
وَكَانَ مِمَّنْ بَايَعَهُ الْمُنْذِرُ بْنُ حَسَّانَ وَابْنُهُ حَسَّانُ، فَلَمَّا خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ اسْتَقْبَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مُنْقِذٍ الثَّوْرِيُّ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الشِّيعَةِ، فَلَمَّا رَأَوْهُمَا قَالُوا: هَذَانِ وَاللَّهِ مِنْ رُءُوسِ الْجَبَّارِينَ، فَقَتَلُوا الْمُنْذِرَ وَابْنَهُ حَسَّانَ، فَنَهَاهُمْ سَعِيدٌ حَتَّى يَأْخُذُوا أَمْرَ الْمُخْتَارِ، فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَلَمَّا سَمِعَ الْمُخْتَارُ ذَلِكَ كَرِهَهُ، وَأَقْبَلَ الْمُخْتَارُ يُمَنِّي النَّاسَ، وَيَسْتَجِرُّ مَوَدَّةَ الْأَشْرَافِ، وَيُحْسِنُ السِّيرَةَ.
وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ مُطِيعٍ فِي دَارِ أَبِي مُوسَى، فَسَكَتَ، فَلَمَّا أَمْسَى بَعَثَ لَهُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَقَالَ: تَجَهَّزْ بِهَذِهِ فَقَدْ عَلِمْتُ مَكَانَكَ، وَأَنَّكَ لَمْ يَمْنَعْكَ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَّا عَدَمُ النَّفَقَةِ. وَكَانَ بَيْنَهُمَا صَدَاقَةٌ.
وَوَجَدَ الْمُخْتَارُ فِي بَيْتِ الْمَالِ تِسْعَةَ آلَافِ أَلْفٍ، (فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ الَّذِينَ قَاتَلَ بِهِمْ حِينَ حَصَرَ ابْنَ مُطِيعٍ فِي الْقَصْرِ، وَهُمْ ثَلَاثَةُ [آلَافٍ] وَخَمْسُمِائَةٍ) ، لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَأَعْطَى سِتَّةَ آلَافٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَتَوْهُ بَعْدَمَا أَحَاطَ بِالْقَصْرِ، وَأَقَامُوا مَعَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَتِلْكَ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ مِائَتَيْنِ مِائَتَيْنِ، وَاسْتَقْبَلَ النَّاسَ بِخَيْرٍ، وَجَعَلَ الْأَشْرَافَ جُلَسَاءَهُ، وَجَعَلَ عَلَى شُرَطَتِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَامِلٍ الشَّاكِرِيَّ، وَعَلَى حَرَسِهِ كَيْسَانَ أَبَا عَمْرَةَ.
فَقَامَ أَبُو عَمْرَةَ عَلَى رَأْسِهِ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ مُقْبِلٌ عَلَى الْأَشْرَافِ بِحَدِيثِهِ وَوَجْهِهِ، فَقَالَ لِأَبِي عَمْرَةَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ مِنَ الْمَوَالِي: أَمَا تَرَى أَبَا إِسْحَاقَ قَدْ أَقْبَلَ عَلَى الْعَرَبِ مَا يَنْظُرُ إِلَيْنَا؟ فَسَأَلَهُ الْمُخْتَارُ عَمَّا قَالُوا، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: قُلْ لَهُمْ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَأَنْتُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْكُمْ، وَسَكَتَ طَوِيلًا ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢] . فَلَمَّا سَمِعُوهَا قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَبْشِرُوا، كَأَنَّكُمْ وَاللَّهِ قَدْ قُتِلْتُمْ. يَعْنِي الرُّؤَسَاءَ.
وَكَانَ أَوَّلُ رَايَةٍ عَقَدَهَا الْمُخْتَارُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ أَخِي الْأَشْتَرِ عَلَى أَرْمِينِيَّةَ، وَبَعَثَ مُحَمَّدَ بْنَ عُمَيْرِ بْنِ عُطَارِدٍ عَلَى أَذْرَبِيجَانَ، وَبَعَثَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ عَلَى الْمَوْصِلِ، وَبَعَثَ إِسْحَاقَ بْنَ مَسْعُودٍ عَلَى الْمَدَائِنِ وَأَرْضِ جُوخَى، وَبَعَثَ قُدَامَةَ بْنَ
стр. 1741
أَبِي عِيسَى بْنِ زَمْعَةَ النَّصْرِيَّ حَلِيفَ ثَقِيفٍ عَلَى بِهْقُبَاذَ الْأَعْلَى، وَبَعَثَ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبِ بْنِ قَرَظَةَ عَلَى بِهْقُبَاذَ الْأَوْسَطِ، وَبَعَثَ سَعْدَ بْنَ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ عَلَى حُلْوَانَ، وَأَمَرَهُ بِقِتَالِ الْأَكْرَادِ وَإِقَامَةِ الطُّرُقِ.
وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَوْصِلِ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، فَلَمَّا وَلِيَ الْمُخْتَارُ وَبَعَثَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَعِيدٍ إِلَى الْمَوْصِلِ أَمِيرًا سَارَ مُحَمَّدٌ عَنْهَا إِلَى تَكْرِيتَ، يَنْظُرُ مَا يَكُونُ مِنَ النَّاسِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى الْمُخْتَارِ فَبَايَعَهُ.
فَلَمَّا فَرَغَ الْمُخْتَارُ مِمَّا يُرِيدُ صَارَ يَجْلِسُ لِلنَّاسِ وَيَقْضِي بَيْنَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ لِي فِيمَا أُحَاوِلُ لَشُغْلًا عَنِ الْقَضَاءِ، ثُمَّ أَقَامَ شُرَيْحًا يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ خَافَهُمْ شُرَيْحٌ فَتَمَارَضَ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّهُ عُثْمَانِيٌّ، وَإِنَّهُ شَهِدَ عَلَى حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ، وَإِنَّهُ لَمْ يُبْلِغْ هَانِئَ بْنَ عُرْوَةَ مَا أَرْسَلَهُ بِهِ، وَإِنَّ عَلِيًّا عَزَلَهُ عَنِ الْقَضَاءِ. فَلَمَّا بَلَغَ شُرَيْحًا ذَلِكَ مِنْهُمْ تَمَارَضَ، فَجَعَلَ الْمُخْتَارُ مَكَانَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ مَرِضَ، فَجَعَلَ مَكَانَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَالِكٍ الطَّائِيَّ.
ذِكْرُ قَتْلِ الْمُخْتَارِ قَتَلَةَ الْحُسَيْنِ ﵇
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَثَبَ الْمُخْتَارُ بِمَنْ بِالْكُوفَةِ مِنْ قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ لَمَّا اسْتَوْسَقَ لَهُ الشَّامُ بَعَثَ جَيْشَيْنِ: أَحَدُهُمَا إِلَى الْحِجَازِ عَلَيْهِ حُبَيْشُ بْنُ دَلَجَةَ الْقَيْنِيُّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَمْرَهُ وَقَتْلَهُ، وَالْجَيْشُ الْآخَرُ إِلَى الْعِرَاقِ مَعَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ التَّوَّابِينَ، وَكَانَ قَدْ جَعَلَ لِابْنِ زِيَادٍ مَا غَلَبَ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَبَ الْكُوفَةَ ثَلَاثًا، فَاحْتُبِسَ بِالْجَزِيرَةِ وَبِهَا قَيْسُ عَيْلَانَ مَعَ زُفَرَ بْنِ الْحَارِثِ عَلَى طَاعَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَلَمْ يَزَلْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ مُشْتَغِلًا بِهِمْ عَنِ الْعِرَاقِ نَحْوَ سَنَةٍ.
فَتُوُفِّيَ مَرْوَانُ وَوُلِّيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، فَأَقَرَّ ابْنَ زِيَادٍ عَلَى مَا كَانَ أَبُوهُ وَلَّاهُ، وَأَمَرَهُ بِالْجِدِّ فِي أَمْرِهِ.
فَلَمَّا لَمْ يُمْكِنْهُ فِي زُفَرَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ قَيْسٍ شَيْءٌ أَقْبَلَ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَكَتَبَ
стр. 1742
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعِيدٍ عَامِلُ الْمُخْتَارِ إِلَى الْمُخْتَارِ يُخْبِرُهُ بِدُخُولِ ابْنِ زِيَادٍ أَرْضَ الْمَوْصِلِ، وَأَنَّهُ قَدْ تَنَحَّى لَهُ عَنِ الْمَوْصِلِ إِلَى تَكْرِيتَ. فَدَعَا الْمُخْتَارُ يَزِيدَ بْنَ أَنَسٍ الْأَسَدِيَّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَيَنْزِلَ بِأَدَانِي أَرْضِهَا حَتَّى يَمُدَّهُ بِالْجُنُودِ، فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ: خَلِّنِي أَنْتَخِبُ ثَلَاثَةَ آلَافِ فَارِسٍ، وَخَلِّنِي مِمَّا تُوَجِّهُنِي إِلَيْهِ، فَإِنِ احْتَجْتُ كَتَبْتُ إِلَيْكَ أَسْتَمِدُّكَ. فَأَجَابَهُ الْمُخْتَارُ، فَانْتَخَبَ لَهُ ثَلَاثَةَ آلَافٍ، وَسَارَ عَنِ الْكُوفَةِ، وَسَارَ مَعَهُ الْمُخْتَارُ وَالنَّاسُ يُشَيِّعُونَهُ، فَلَمَّا وَدَّعَهُ قَالَ لَهُ: إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ فَلَا تُنَاظِرْهُمْ، وَإِذَا مَكَّنَتْكَ الْفُرْصَةُ فَلَا تُؤَخِّرْهَا، وَلْيَكُنْ خَبَرُكَ كُلَّ يَوْمٍ عِنْدِي، وَإِنِ احْتَجْتَ إِلَى مَدَدٍ فَاكْتُبْ إِلَيَّ، مَعَ أَنِّي مُمِدُّكَ وَإِنْ لَمْ تَسْتَمِدَّ ; لِأَنَّهُ أَشَدُّ لِعَضُدِكَ، وَأَرْعَبُ لِعَدُوِّكَ. وَدَعَا لَهُ النَّاسُ بِالسَّلَامَةِ، وَدَعُوا لَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: اسْأَلُوا اللَّهَ لِي بِالشَّهَادَةِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ فَاتَنِيَ النَّصْرُ لَا تَفُوتُنِي الشَّهَادَةُ.
فَكَتَبَ الْمُخْتَارُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ أَنْ خَلِّ بَيْنَ يَزِيدَ وَبَيْنَ الْبِلَادِ.
فَسَارَ يَزِيدُ إِلَى الْمَدَائِنِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى أَرْضِ جُوخَى وَالرَّاذَانَاتِ إِلَى أَرْضِ الْمَوْصِلِ، فَنَزَلَ بِبَاتِلَى، وَبَلَغَ خَبَرُهُ ابْنَ زِيَادٍ، فَقَالَ: لَأَبْعَثَنَّ إِلَى كُلِّ أَلْفٍ أَلْفَيْنِ. فَأَرْسَلَ رَبِيعَةَ بْنَ مُخَارِقٍ الْغَنَوِيَّ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُمْلَةَ الْخَثْعَمِيَّ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، فَسَارَ رَبِيعَةُ قَبْلَ عَبْدِ اللَّهِ بِيَوْمٍ فَنَزَلَ بِيَزِيدَ بْنِ أَنَسٍ (بِبَاتِلَى، فَخَرَجَ يَزِيدُ بْنُ أَنَسٍ) وَهُوَ مَرِيضٌ شَدِيدُ الْمَرَضِ، رَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ يُمْسِكُهُ الرِّجَالُ، فَوَقَفَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَعَبَّأَهُمْ وَحَثَّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، وَقَالَ: إِنْ هَلَكْتُ فَأَمِيرُكُمْ وَرْقَاءُ بْنُ الْعَازِبِ الْأَسَدِيُّ، فَإِنْ هَلَكَ فَأَمِيرُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ضَمْرَةَ الْعُذْرِيُّ، فَإِنْ هَلَكَ فَأَمِيرُكُمْ سِعْرُ بْنُ أَبِي سِعْرٍ الْحَنَفِيُّ، وَجَعَلَ عَلَى مَيْمَنَتِهِ عَبْدَ اللَّهِ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ سِعْرًا، وَعَلَى الْخَيْلِ وَرْقَاءَ، وَنَزَلَ هُوَ، فَوُضِعَ بَيْنَ الرِّجَالِ عَلَى سَرِيرٍ، وَقَالَ: قَاتِلُوا عَنْ أَمِيرِكُمْ إِنْ شِئْتُمْ أَوْ فِرُّوا عَنْهُ. وَهُوَ يَأْمُرُ النَّاسَ بِمَا يَفْعَلُونَ، ثُمَّ يُغْمَى عَلَيْهِ، ثُمَّ يُفِيقُ.
وَاقْتَتَلَ النَّاسُ عِنْدَ فَلَقِ الصُّبْحِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَاشْتَدَّ قِتَالُهُمْ إِلَى ارْتِفَاعِ الضُّحَى، فَانْهَزَمَ أَهْلُ الشَّامِ وَأُخِذَ عَسْكَرُهُمْ، وَانْتَهَى أَصْحَابُ يَزِيدَ إِلَى رَبِيعَةَ بْنِ مُخَارِقٍ وَقَدِ انْهَزَمَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَهُوَ نَازِلٌ يُنَادِي: يَا أَوْلِيَاءَ الْحَقِّ، أَنَا ابْنُ مُخَارِقٍ، إِنَّمَا تُقَاتِلُونَ الْعَبِيدَ الْأُبَّاقَ وَمَنْ تَرَكَ الْإِسْلَامَ وَخَرَجَ مِنْهُ! فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ، فَقَاتَلُوا مَعَهُ، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، ثُمَّ انْهَزَمَ أَهْلُ الشَّامِ وَقُتِلَ رَبِيعَةُ بْنُ مُخَارِقٍ، وَقَتَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَرْقَاءَ الْأَسَدِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ ضَمْرَةَ
стр. 1743
الْعُذْرِيُّ، فَلَمْ يَسِرِ الْمُنْهَزِمُونَ غَيْرَ سَاعَةٍ حَتَّى لَقِيَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَمَلَةَ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ فَرَدَّ مَعَهُ الْمُنْهَزِمِينَ.
وَنَزَلَ يَزِيدُ بِبَاتِلَى، فَبَاتُوا لَيْلَتَهُمْ يَتَحَارَسُونَ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا يَوْمَ الْأَضْحَى خَرَجُوا إِلَى الْقِتَالِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ نَزَلُوا فَصَلُّوا الظُّهْرَ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى الْقِتَالِ، فَانْهَزَمَ أَهْلُ الشَّامِ وَتُرِكَ ابْنُ جَمَلَةَ فِي جَمَاعَةٍ، فَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَحَمَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُرَادٍ الْخَثْعَمِيُّ فَقَتَلَهُ، وَحَوَى أَهْلُ الْكُوفَةِ عَسْكَرَهُمْ، وَقَتَلُوا فِيهِمْ قَتْلًا ذَرِيعًا، وَأَسَرُوا مِنْهُمْ ثَلَاثَمِائَةِ أَسِيرٍ، وَأَمَرَ يَزِيدُبْنُ أَنَسٍ بِقَتْلِهِمْ، وَهُوَ بِآخِرِ رَمَقٍ، فَقُتِلُوا، ثُمَّ مَاتَ آخِرَ النَّهَارِ، فَدَفَنَهُ أَصْحَابُهُ وَسُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ.
وَكَانَ قَدِ اسْتَخْلَفَ وَرْقَاءَ بْنَ عَازِبٍ الْأَسَدِيَّ، فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَاذَا تَرَوْنَ؟ إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ زِيَادٍ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ فِي ثَمَانِينَ أَلْفًا، وَإِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ، فَأَشِيرُوا عَلَيَّ، فَإِنِّي لَا أَرَى لَنَا بِأَهْلِ الشَّامِ طَاقَةً عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، وَقَدْ هَلَكَ يَزِيدُ وَتَفَرَّقَ عَنَّا بَعْضُ مَنْ مَعَنَا، فَلَوِ انْصَرَفْنَا الْيَوْمَ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِنَا لَقَالُوا: إِنَّمَا رَجَعْنَا عَنْهُمْ لِمَوْتِ أَمِيرِنَا، وَلَمْ يَزَالُوا لَنَا هَائِبِينَ، وَإِنْ لَقِينَاهُمُ الْيَوْمَ كُنَّا مُخَاطِرِينَ، فَإِنْ هَزَمُونَا الْيَوْمَ لَمْ تَنْفَعْنَا هَزِيمَتُنَا إِيَّاهُمْ بِالْأَمْسِ. فَقَالُوا: نِعْمَ مَا رَأَيْتَ. فَانْصَرَفُوا.
فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُخْتَارَ وَأَهْلَ الْكُوفَةِ، فَأَرْجَفَ النَّاسُ بِالْمُخْتَارِ وَقَالُوا: إِنَّ يَزِيدَ قُتِلَ، وَلَمْ يُصَدِّقُوا أَنَّهُ مَاتَ. فَدَعَا الْمُخْتَارُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَشْتَرِ، وَأَمَّرَهُ عَلَى سَبْعَةِ آلَافٍ وَقَالَ لَهُ: سِرْ، فَإِذَا لَقِيتَ جَيْشَ يَزِيدَبْنِ أَنَسٍ فَأَنْتَ الْأَمِيرُ عَلَيْهِمْ، فَارْدُدْهُمْ مَعَكَ حَتَّى تَلْقَى ابْنَ زِيَادٍ وَأَصْحَابَهُ فَتُنَاجِزَهُمْ. فَخَرَجَ إِبْرَاهِيمُ فَعَسْكَرَ بِحَمَّامِ أَعْيَنَ وَسَارَ، فَلَمَّا سَارَ اجْتَمَعَ أَشْرَافُ الْكُوفَةِ عِنْدَ شَبَثِ بْنِ رِبْعِيٍّ وَقَالُوا: وَاللَّهِ إِنَّ الْمُخْتَارَ تَأَمَّرَ عَلَيْنَا بِغَيْرِ رِضًى مِنَّا، وَلَقَدْ أَدْنَى مَوَالِينَا، فَحَمَلَهُمْ عَلَى الدَّوَابِّ وَأَعْطَاهُمْ فَيْئَنَا. وَكَانَ شَبَثٌ شَيْخَهُمْ، وَكَانَ جَاهِلِيًّا إِسْلَامِيًّا، فَقَالَ لَهُمْ شَبَثٌ: دَعُونِي حَتَّى أَلْقَاهُ.
فَذَهَبَ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا أَنْكَرُوهُ إِلَّا ذَكَرَهُ لَهُ، فَأَخَذَ لَا يَذْكُرُ خَصْلَةً إِلَّا قَالَ لَهُ الْمُخْتَارُ: أَنَا أُرْضِيهِمْ فِي هَذِهِ الْخَصْلَةِ، وَآتِي لَهُمْ كُلَّ مَا أَحَبُّوا. وَذَكَرَ لَهُ الْمَوَالِيَ وَمُشَارَكَتَهُمْ فِي الْفَيْءِ، فَقَالَ لَهُ: إِنْ أَنَا تَرَكْتُ مَوَالِيَكُمْ، وَجَعَلْتُ فَيْئَكُمْ لَكُمْ، تُقَاتِلُونَ مَعِي
стр. 1744
بَنِي أُمَيَّةَ وَابْنَ الزُّبَيْرِ، وَتُعْطُونِي عَلَى الْوَفَاءِ عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ، وَمَا أَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ مِنَ الْأَيْمَانِ؟ فَقَالَ شَبَثٌ: حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى أَصْحَابِي، فَأَذْكُرَ لَهُمْ ذَلِكَ. فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ، وَأُجْمِعَ رَأْيُهُمْ عَلَى قِتَالِهِ.
فَاجْتَمَعَ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ، وَشَمِرٌ - حَتَّى دَخَلُوا عَلَى كَعْبِ بْنِ أَبِي كَعْبٍ الْخَثْعَمِيِّ، فَكَلَّمُوهُ فِي ذَلِكَ، فَأَجَابَهُمْ إِلَيْهِ، فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى دَخَلُوا عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِخْنَفٍ الْأَزْدِيِّ، فَدَعَوْهُ إِلَى ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنْ أَطَعْتُمُونِي لَمْ تَخْرُجُوا. فَقَالُوا لَهُ: لِمَ؟ فَقَالَ: لِأَنِّي أَخَافُ أَنْ تَتَفَرَّقُوا وَتَخْتَلِفُوا، وَمَعَ الرَّجُلِ شُجْعَانُكُمْ وَفُرْسَانُكُمْ مِثْلَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، ثُمَّ مَعَهُ عَبِيدُكُمْ وَمَوَالِيكُمْ، وَكَلِمَةُ هَؤُلَاءِ وَاحِدَةٌ، وَمَوَالِيكُمْ أَشُدُّ حَنَقًا عَلَيْكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، فَهُمْ مُقَاتِلُوكُمْ بِشَجَاعَةِ الْعَرَبِ وَعَدَاوَةِ الْعَجَمِ، وَإِنِ انْتَظَرْتُمُوهُ قَلِيلًا كُفِيتُمُوهُ بِقُدُومِ أَهْلِ الشَّامِ، (أَوْ مَجِيءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَتَكُونُوا قَدْ كُفِيتُمُوهُ) بِغَيْرِكُمْ، وَلَمْ تَجْعَلُوا بَأْسَكُمْ بَيْنَكُمْ. فَقَالُوا: نَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ تُخَالِفَنَا وَتُفْسِدَ عَلَيْنَا رَأَيْنَا، وَمَا أَجْمَعْنَا عَلَيْهِ! فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ، فَإِذَا شِئْتُمْ فَاخْرُجُوا.
فَوَثَبُوا بِالْمُخْتَارِ بَعْدَ مَسِيرِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ، وَخَرَّجُوا بِالْجَبَابِينَ، كُلُّ رَئِيسٍ بِجَبَّانَةٍ. فَلَمَّا بَلَغَ الْمُخْتَارَ خُرُوجُهُمْ أَرْسَلَ قَاصِدًا مُجِدًّا إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ، فَلَحِقَهُ وَهُوَ بِسَابَاطَ يَأْمُرُهُ بِالرُّجُوعِ وَالسُّرْعَةِ، وَبَعَثَ الْمُخْتَارُ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ: أَخْبِرُونِي مَاذَا تُرِيدُونَ، فَإِنِّي صَانِعٌ كُلَّ مَا أَحْبَبْتُمْ. قَالُوا: نُرِيدُ أَنْ تَعْتَزِلَنَا، فَإِنَّكَ زَعَمْتَ أَنَّ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ بَعَثَكَ، وَلَمْ يَبْعَثْكَ. قَالَ: فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ وَفْدًا مِنْ قِبَلِكُمْ، وَأُرْسِلُ أَنَا إِلَيْهِ وَفْدًا، ثُمَّ انْظُرُوا فِي ذَلِكَ حَتَّى يَظْهَرَ لَكُمْ. وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُرَيِّثَهُمْ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ حَتَّى يَقْدَمَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَكَفُّوا أَيْدِيَهُمْ، وَقَدْ أَخَذَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِأَفْوَاهِ السِّكَكِ، فَلَا يَصِلُ إِلَيْهِمْ شَيْءٌ إِلَّا الْقَلِيلُ.
وَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَبِيعٍ فِي الْمَيْدَانِ، فَقَاتَلَهُ بَنُو شَاكِرٍ قِتَالًا شَدِيدًا، فَجَاءَهُ عُقْبَةُ بْنُ طَارِقٍ الْجُشَمِيُّ فَقَاتَلَ مَعَهُ سَاعَةً حَتَّى رَدَّهُمْ عَنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلُ فَنَزَلَ عُقْبَةُ مَعَ شَمِرٍ وَمَعَهُ قَيْسُ عَيْلَانَ فِي جَبَّانَةِ سَلُولَ، وَنَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَبِيعٍ مَعَ أَهْلِ الْيَمَنِ فِي جَبَّانَةِ السَّبِيعِ.
وَلَمَّا سَارَ رَسُولُ الْمُخْتَارِ وَصَلَ إِلَى ابْنِ الْأَشْتَرِ عَشِيَّةَ يَوْمِهِ، فَرَجَعَ ابْنُ الْأَشْتَرِ بَقِيَّةَ
стр. 1745
عَشِيَّتِهِ (تِلْكَ، ثُمَّ نَزَلَ حِينَ) أَمْسَى، [فَتَعَشَّى أَصْحَابُهُ] وَأَرَاحُوا دَوَابَّهُمْ قَلِيلًا، ثُمَّ سَارَ لَيْلَتَهُ كُلَّهَا وَمِنَ الْغَدِ، فَوَصَلَ الْعَصْرَ وَبَاتَ لَيْلَتَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ أَهْلُ الْقُوَّةَ. وَلَمَّا اجْتَمَعَ أَهْلُ الْيَمَنِ بِجَبَّانَةِ السَّبِيعِ حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَكَرِهَ كُلُّ رَأْسٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ صَاحِبُهُ، فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مِخْنَفٍ: هَذَا أَوَّلُ الِاخْتِلَافِ، قَدِّمُوا الرِّضَى فِيكُمْ سَيِّدَ الْقُرَّاءِ رَفَاعَةَ بْنَ شَدَّادٍ الْبَجَلِيَّ. فَفَعَلُوا، فَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي بِهِمْ حَتَّى كَانَتِ الْوَقْعَةُ.
ثُمَّ إِنَّ الْمُخْتَارَ عَبَّأَ أَصْحَابَهُ فِي السُّوقِ، وَلَيْسَ فِيهِ بُنْيَانٌ، فَأَمَرَ ابْنَ الْأَشْتَرِ فَسَارَ إِلَى مُضَرَ وَعَلَيْهِمْ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ عُطَارِدٍ، وَهُمْ بِالْكُنَاسَةِ، وَخَشِيَ أَنْ يُرْسِلَهُ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، فَلَا يُبَالِغُ فِي قِتَالِ قَوْمِهِ. وَسَارَ الْمُخْتَارُ نَحْوَ أَهْلِ الْيَمَنِ بِجَبَّانَةِ السَّبِيعِ، وَوَقَفَ عِنْدَ دَارِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، وَسَرَّحَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَحْمَرَ بْنَ شُمَيْطٍ الْبَجَلِيَّ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَامِلٍ الشَّاكِرِيَّ، وَأَمَرَ كُلًّا مِنْهُمَا بِلُزُومِ طَرِيقٍ ذَكَرَهُ لَهُ يَخْرُجُ إِلَى جَبَّانَةِ السَّبِيعِ، وَأَسَرَّ إِلَيْهِمَا أَنَّ شِبَامًا قَدْ أَرْسَلُوا إِلَيْهِ يُخْبِرُونَهُ أَنَّهُمْ يَأْتُونَ الْقَوْمَ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَمَضَيَا كَمَا أَمَرَهُمَا.
فَبَلَغَ أَهْلَ الْيَمَنِ مَسِيرُهُمَا، فَافْتَرَقُوا إِلَيْهِمَا، وَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ رَآهُ النَّاسُ، ثُمَّ انْهَزَمَ أَصْحَابُ أَحْمَرَ بْنِ شُمَيْطٍ وَأَصْحَابُ ابْنِ كَامِلٍ، وَوَصَلُوا إِلَى الْمُخْتَارِ، فَقَالَ: مَا وَرَاءَكُمْ؟ قَالُوا: هُزِمْنَا، وَقَدْ نَزَلَ أَحْمَرُ بْنُ شُمَيْطٍ وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَقَالَ أَصْحَابُ ابْنِ كَامِلٍ: مَا نَدْرِي مَا فَعَلَ ابْنُ كَامِلٍ.
فَأَقْبَلَ بِهِمُ الْمُخْتَارُ نَحْوَ الْقَوْمِ حَتَّى بَلَغَ دَارَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيِّ، فَوَقَفَ، ثُمَّ أَرْسَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قُرَادٍ الْخَثْعَمِيَّ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ إِلَى ابْنِ كَامِلٍ وَقَالَ لَهُ: إِنْ كَانَ قَدْ هَلَكَ فَأَنْتَ مَكَانَهُ وَقَاتِلِ الْقَوْمَ، وَإِنْ كَانَ حَيًّا فَاتْرُكْ عِنْدَهُ ثَلَاثَمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِكَ، وَامْضِ فِي مِائَةٍ حَتَّى تَأْتِيَ جَبَّانَةَ السَّبِيعِ، فَتَأْتِيَ أَهْلَهَا مِنْ نَاحِيَةِ حَمَّامِ قَطَنٍ.
فَمَضَى فَوَجَدَ ابْنَ كَامِلٍ يُقَاتِلُهُمْ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ قَدْ صَبَرُوا مَعَهُ، فَتَرَكَ عِنْدَهُ ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ، وَسَارَ فِي مِائَةٍ حَتَّى أَتَى مَسْجِدَ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَظْهَرَ الْمُخْتَارُ، وَأَكْرَهُ أَنْ تَهْلِكَ أَشْرَافُ عَشِيرَتِي الْيَوْمَ، وَوَاللَّهِ لَأَنْ أَمُوتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَهْلِكُوا عَلَى يَدَيَّ، وَلَكِنْ قِفُوا، فَقَدْ سَمِعْتُ أَنَّ شِبَامًا يَأْتُونَهُمْ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَلَعَلَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَنُعَافَى نَحْنُ مِنْهُ. فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَبَاتَ عِنْدَ مَسْجِدِ عَبْدِ الْقَيْسِ.
стр. 1746
وَبَعَثَ الْمُخْتَارُ مَالِكَ بْنَ عَمْرٍو النَّهْدِيَّ، وَكَانَ شُجَاعًا، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَرِيكٍ النَّهْدِيَّ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ إِلَى أَحْمَرَ بْنِ شُمَيْطٍ، فَانْتَهَوْا إِلَيْهِ وَقَدْ عَلَاهُ الْقَوْمُ وَكَثُرُوهُ، فَاشْتَدَّ قِتَالُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا ابْنُ الْأَشْتَرِ، فَإِنَّهُ مَضَى إِلَى مُضَرَ فَلَقِيَ شَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ وَمَنْ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ: وَيْحَكُمُ انْصَرِفُوا، فَمَا أُحِبُّ أَنْ يُصَابَ مِنْ مُضَرَ عَلَى يَدَيَّ. فَأَبَوْا وَقَاتَلُوهُ، فَهَزَمَهُمْ، وَجُرِحَ حَسَّانُ بْنُ فَائِدٍ الْعَبْسِيُّ، فَحُمِلَ إِلَى أَهْلِهِ فَمَاتَ، فَكَانَ مَعَ شَبَثٍ، وَجَاءَتِ الْبِشَارَةُ إِلَى الْمُخْتَارِ بِهَزِيمَةِ مُضَرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَحْمَرَ بْنِ شُمَيْطٍ وَابْنِ كَامِلٍ يُبَشِّرُهُمَا، فَاشْتَدَّ أَمْرُهُمَا.
فَاجْتَمَعَ شِبَامٌ، وَقَدْ رَأَّسُوا عَلَيْهِمْ أَبَا الْقَلُوصِ، لِيَأْتُوا أَهْلَ الْيَمَنِ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَوْ جَعَلْتُمْ جِدَّكُمْ عَلَى مُضَرَ وَرَبِيعَةَ لَكَانَ أَصْوَبَ، وَأَبُو الْقَلُوصِ سَاكِتٌ، فَقَالُوا: مَا تَقُولُ؟ فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] . فَسَارُوا مَعَهُ نَحْوَ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَلَمَّا خَرَجُوا إِلَى جَبَّانَةِ السَّبِيعِ لَقِيَهُمْ عَلَى فَمِ السِّكَّةِ الْأَعْسَرُ الشَّاكِرِيُّ، فَقَتَلُوهُ وَنَادُوا فِي الْجَبَّانَةِ، وَقَدْ دَخَلُوهَا: يَا لِثَارَاتِ الْحُسَيْنِ! فَسَمِعَهَا يَزِيدُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ ذِي مُرَّانَ الْهَمْدَانِيُّ فَقَالَ: يَا لِثَارَاتِ عُثْمَانَ! فَقَالَ لَهُمْ رِفَاعَةُ بْنُ شَدَّادٍ: مَا لَنَا وَلِعُثْمَانَ! لَا أُقَاتِلُ مَعَ قَوْمٍ يَبْغُونَ دَمَ عُثْمَانَ. فَقَالَ لَهُ نَاسٌ مِنْ قَوْمِهِ: جِئْتَ بِنَا وَأَطَعْنَاكَ، حَتَّى إِذَا رَأَيْنَا قَوْمَنَا تَأْخُذُهُمُ السُّيُوفُ قُلْتَ: انْصَرِفُوا وَدَعُوهُمْ! فَعَطَفَ عَلَيْهِمْ وَهُوَ يَقُولُ، شِعْرٌ:
أَنَا ابْنُ شَدَّادٍ عَلَى دِينِ عَلِي ... لَسْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ أَرْوَى بِوَلِي
لَأَصْلِيَنَّ الْيَوْمَ فِيمَنْ يَصْطَلِي ... بِحَرِّ نَارِ الْحَرْبِ غَيْرُ مُؤْتَلِ
فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.
وَكَانَ رِفَاعَةُ مَعَ الْمُخْتَارِ، فَلَمَّا رَأَى كَذِبَهُ أَرَادَ قَتْلَهُ غِيلَةً، قَالَ: فَمَنَعَنِي قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنِ ائْتَمَنَهُ رَجُلٌ عَلَى دَمِهِ فَقَتَلَهُ، فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ» .
стр. 1747
فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ قَاتَلَ مَعَ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَلَمَّا سَمِعَ يَزِيدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: يَا لِثَارَاتِ عُثْمَانَ - عَادَ عَنْهُمْ، فَقَاتَلَ مَعَ الْمُخْتَارِ حَتَّى قُتِلَ، وَقُتِلَ يَزِيدُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ ذِي مُرَّانَ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ صَهْبَانَ الْجَرْمِيُّ، وَكَانَ نَاسِكًا، وَقُتِلَ الْفُرَاتُ بْنُ زَحْرِ بْنِ قَيْسٍ، وَجُرِحَ أَبُوهُ زَحْرٌ، وَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ، وَقُتِلَ عُمَرُ بْنُ مِخْنَفٍ، وَقَاتَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مِخْنَفٍ حَتَّى جُرِحَ، وَحَمَلَتْهُ الرِّجَالُ عَلَى أَيْدِيهِمْ وَمَا يَشْعُرُ، وَقَاتَلَ حَوْلَهُ رِجَالٌ مِنَ الْأَزْدِ، وَانْهَزَمَ أَهْلُ الْيَمَنِ هَزِيمَةً قَبِيحَةً، وَأَخَذَ مِنْ دُورِ الْوَادِعِيِّينَ خَمْسَمِائَةِ أَسِيرٍ، فَأَتَى بِهِمُ الْمُخْتَارَ مُكَتَّفِينَ، فَأَمَرَ الْمُخْتَارُ بِإِحْضَارِهِمْ وَعَرْضِهِمْ عَلَيْهِ، وَقَالَ: انْظُرُوا مَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ قَتْلَ الْحُسَيْنِ فَأَعْلِمُونِي. فَقَتَلَ كُلَّ مَنْ شَهِدَ قَتْلَ الْحُسَيْنِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ مِائَتَيْنِ وَثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ قَتِيلًا، وَأَخَذَ أَصْحَابُهُ يَقْتُلُونَ كُلَّ مَنْ كَانَ يُؤْذِيهِمْ.
فَلَمَّا سَمِعَ الْمُخْتَارُ بِذَلِكَ أَمَرَ بِإِطْلَاقِ كُلِّ مَنْ بَقِيَ مِنَ الْأُسَارَى، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمَوَاثِيقَ أَنْ لَا يُجَامِعُوا عَلَيْهِ عَدُوًّا، وَلَا يَبْغُوهُ وَأَصْحَابَهُ غَائِلَةً، وَنَادَى مُنَادِي الْمُخْتَارِ: مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، إِلَّا مَنْ شَرِكَ فِي دِمَاءِ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْحَجَّاجِ الزُّبَيْدِيُّ مِمَّنْ شَهِدَ قَتْلَ الْحُسَيْنِ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَأَخَذَ طَرِيقَ وَاقِصَةَ، فَلَمْ يُرَ لَهُ خَبَرٌ حَتَّى السَّاعَةِ، وَقِيلَ: أَدْرَكَهُ أَصْحَابُ الْمُخْتَارِ وَقَدْ سَقَطَ مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ، فَذَبَحُوهُ وَأَخَذُوا رَأْسَهُ.
وَلَمَّا قُتِلَ فُرَاتُ بْنُ زَحْرِ بْنِ قَيْسٍ أَرْسَلَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ خَلِيفَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُعْفِيَّةُ، وَكَانَتِ امْرَأَةَ الْحُسَيْنِ، إِلَى الْمُخْتَارِ تَسْأَلُهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا فِي دَفْنِهِ، فَفَعَلَ، فَدَفَنَتْهُ.
وَبَعَثَ الْمُخْتَارُ غُلَامًا لَهُ يُدْعَى زُرْبَى (فِي طَلَبِ شَمِرِ بْنِ ذِي الْجَوْشَنِ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُ قَالَ شَمِرٌ لِأَصْحَابِهِ: تَبَاعَدُوا عَنِّي، لَعَلِّي يَطْمَعُ فِيَّ، فَتَبَاعَدُوا عَنْهُ، فَطَمِعَ زُرْبَى عَنْ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِ شَمِرٌ فَقَتَلَهُ، وَسَارَ شَمِرٌ حَتَّى نَزَلَ (مَسَاءً سَاتِيدَمَا، ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ) مِنْهُ قَرْيَةً يُقَالُ لَهَا الْكِلْتَانِيَّةُ عَلَى شَاطِئِ نَهْرٍ إِلَى جَانِبِ تَلٍّ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أَهْلِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ، فَأَخَذَ مِنْهَا عِلْجًا فَضَرَبَهُ وَقَالَ: امْضِ بِكِتَابِي هَذَا إِلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ. فَمَضَى الْعِلْجُ حَتَّى دَخَلَ قَرْيَةً فِيهَا أَبُو عَمْرَةَ صَاحِبُ الْمُخْتَارِ، وَكَانَ قَدْ أَرْسَلَهُ الْمُخْتَارُ إِلَى تِلْكَ الْقَرْيَةِ لِيَكُونَ مَسْلَحَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَلَقِيَ ذَلِكَ
стр. 1748
الْعِلْجُ عِلْجًا آخَرَ مِنْ تِلْكَ الْقَرْيَةِ، فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ مَنْ شَمِرٍ، فَبَيْنَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي عَمْرَةَ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْكَنُودِ، فَرَأَى الْكِتَابَ وَعُنْوَانُهُ: لِمُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِنْ شَمِرٍ، فَقَالُوا لِلْعِلْجِ: أَيْنَ هُوَ؟ فَأَخْبَرَهُمْ، فَإِذَا لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ إِلَّا ثَلَاثَةُ فَرَاسِخَ، قَالَ: فَأَقْبَلُوا يَسِيرُونَ إِلَيْهِ. وَكَانَ قَدْ قَالَ لِشَمِرٍ أَصْحَابُهُ: لَوِ ارْتَحَلْتَ بِنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، فَإِنَّا نَتَخَوَّفُ بِهَا، فَقَالَ: أَوَكُلُّ هَذَا فَزَعًا مِنَ الْكَذَّابِ؟ ! وَاللَّهِ لَا أَتَحَوَّلُ مِنْهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، مَلَأَ اللَّهُ قُلُوبَكُمْ رُعْبًا. فَإِنَّهُمْ لَنِيَامٌ إِذْ سُمِعَ وَقْعُ الْحَوَافِرِ، فَقَالُوا فِي أَنْفُسِهِمْ: هَذَا صَوْتُ الدِّبَا. ثُمَّ اشْتَدَّ، فَذَهَبَ أَصْحَابُهُ لِيَقُومُوا فَإِذَا بِالْخَيْلِ قَدْ أَشْرَفَتْ مِنَ التَّلِّ، فَكَبَّرُوا وَأَحَاطُوا بِالْأَبْيَاتِ، فَوَلَّى أَصْحَابُهُ هَارِبِينَ وَتَرَكُوا خُيُولَهُمْ، وَقَامَ شَمِرٌ وَقَدِ اتَّزَرَ بِبُرْدٍ، وَكَانَ أَبْرَصَ، فَظَهَرَ بَيَاضُ بَرَصِهِ مِنْ فَوْقِ الْبُرْدِ وَهُوَ يُطَاعِنُهُمْ بِالرُّمْحِ، وَقَدْ عَجَّلُوهُ عَنْ لُبْسِ ثِيَابِهِ وَسِلَاحِهِ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ قَدْ فَارَقُوهُ، فَلَمَّا أَبْعَدُوا عَنْهُ سَمِعُوا التَّكْبِيرَ وَقَائِلًا يَقُولُ: قُتِلَ الْخَبِيثُ، قَتَلَهُ ابْنُ أَبِي الْكَنُودِ. وَهُوَ الَّذِي رَأَى الْكِتَابَ مَعَ الْعِلْجِ، وَأُلْقِيَتْ جُثَّتُهُ لِلْكِلَابِ، قَالَ: وَسَمِعْتُهُ بَعْدَ أَنْ قَاتَلَنَا بِالرُّمْحِ، ثُمَّ أَلْقَاهُ وَأَخَذَ السَّيْفَ، فَقَاتَلَنَا بِهِ وَهُوَ يَرْتَجِزُ، شِعْرٌ:
نَبَّهْتُمُ لَيْثَ عَرِينٍ بَاسِلًا ... جَهْمًا مُحَيَّاهُ يَدُقُّ الْكَاهِلَا
لَمْ يُرَ يَوْمًا عَنْ عَدُوٍّ نَاكِلًا ... إِلَّا كَذَا مُقَاتِلًا أَوْ قَاتِلَا
يُبْرِحُهُمْ ضَرْبًا وَيُرْوِي الْعَامِلَا
وَأَقْبَلَ الْمُخْتَارُ إِلَى الْقَصْرِ مِنْ جَبَّانَةِ السَّبِيعِ وَمَعَهُ سُرَاقَةُ بْنُ مِرْدَاسٍ الْبَارِقِيُّ أَسِيرًا فَنَادَاهُ، شِعْرٌ: امْنُنْ عَلَيَّ الْيَوْمَ يَا خَيْرَ مَعَدْ (وَخَيْرَ مَنْ حَلَّ بِشِحْرٍ وَالْجَنَدْ)
стр. 1749
وَخَيْرَ مَنْ لَبَّى وَحَيَّا وَسَجَدْ
فَأَرْسَلَهُ الْمُخْتَارُ إِلَى السِّجْنِ ثُمَّ أَحْضَرَهُ مِنَ الْغَدِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ، شِعْرٌ:
أَلَا أَبْلِغْ أَبَا إِسْحَاقَ أَنَّا ... نَزَوْنَا نَزْوَةً كَانَتْ عَلَيْنَا
خَرَجْنَا لَا نَرَى الضُّعَفَاءَ شَيْئًا ... وَكَانَ خُرُوجُنَا بَطَرًا وَحَيْنَا
لَقِينَا مِنْهُمُ ضَرْبًا طِلَحْفًا ... وَطَعْنًا صَائِبًا حَتَّى انْثَنَيْنَا
نُصِرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ كُلَّ يَوْمٍ ... بِكُلِّ كَتِيبَةٍ تَنْعَى حُسَيْنَا
كَنَصْرِ مُحَمَّدٍ فِي يَوْمِ بَدْرٍ ... وَيَوْمِ الشِّعْبِ إِذْ لَاقَى حُنَيْنَا
فَأَسْجِحْ إِذْ مَلَكْتَ فَلَوْ مَلَكْنَا ... لَجُرْنَا فِي الْحُكُومَةِ وَاعْتَدَيْنَا
تَقَبَّلْ تَوْبَةً مِنِّي فَإِنِّي ... سَأَشْكُرُ إِنْ جَعَلْتَ النَّقْدَ دَيْنَا
قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْمُخْتَارِ قَالَ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، أَحَلِفُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ رَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ تُقَاتِلُ مَعَكَ عَلَى الْخُيُولِ الْبُلْقِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. فَقَالَ لَهُ الْمُخْتَارُ: اصْعَدِ الْمِنْبَرَ فَأَعْلِمِ النَّاسَ. فَصَعِدَ فَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ ثُمَّ نَزَلَ، فَخَلَا بِهِ [الْمُخْتَارُ] فَقَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ لَمْ تَرَ شَيْئًا، وَإِنَّمَا أَرَدْتَ مَا قَدْ عَرَفْتُ أَنْ لَا أَقْتُلَكَ، فَاذْهَبْ عَنِّي حَيْثُ شِئْتَ لَا تُفْسِدْ عَلَيَّ أَصْحَابِي. فَخَرَجَ إِلَى الْبَصْرَةِ فَنَزَلَ عِنْدَ مُصْعَبٍ وَقَالَ، شِعْرٌ:
أَلَا أَبْلِغْ أَبَا إِسْحَاقَ أَنِّي ... رَأَيْتُ الْبُلْقَ دُهْمًا مُصْمَتَاتِ
كَفَرْتُ بِوَحْيِكُمْ وَجَعَلْتُ نَذْرًا ... عَلَيَّ قِتَالَكُمْ حَتَّى الْمَمَاتِ
أُرِي عَيْنَيَّ مَا لَمْ تُبْصِرَاهُ ... كِلَانَا عَالِمٌ بِالتُّرَّهَاتِ
стр. 1750
وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيُّ، وَادَّعَى قَتْلَهُ سِعْرُ بْنُ أَبِي سِعْرٍ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ الشِّبَامِيُّ، وَشِبَامٌ، مِنْ هَمْدَانَ، وَرَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِأَبِي الزُّبَيْرِ الشِّبَامِيِّ: أَتَقْتُلُ أَبِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ سَيِّدَ قَوْمِكَ؟ فَقَرَأَ: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] الْآيَةَ.
وَانْجَلَتِ الْوَقْعَةُ عَنْ سَبْعِمِائَةٍ وَثَمَانِينَ قَتِيلًا مِنْ قَوْمِهِ، وَكَانَ أَكْثَرُ الْقَتْلِ ذَلِكَ الْيَوْمَ فِي أَهْلِ الْيَمَنِ. وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ لِسِتِّ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ.
وَخَرَجَ أَشْرَافُ النَّاسِ فَلَحِقُوا بِالْبَصْرَةِ، وَتَجَرَّدَ الْمُخْتَارُ لِقَتَلَةِ الْحُسَيْنِ، وَقَالَ: مَا مِنْ دِينِنَا أَنْ نَتْرُكَ قَتَلَةَ الْحُسَيْنِ أَحْيَاءً، بِئْسَ نَاصِرُ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنَا إِذًا فِي الدُّنْيَا، أَنَا إِذًا الْكَذَّابُ كَمَا سَمَّوْنِي، وَإِنِّي أَسْتَعِينُ بِاللَّهِ عَلَيْهِمْ فَسَمُّوهُمْ لِي، ثُمَّ اتْبَعُوهُمْ حَتَّى تَقْتُلُوهُمْ، فَإِنِّي لَا يَسُوغُ لِيَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ حَتَّى أُطَهِّرَ الْأَرْضَ مِنْهُمْ. فَدُلَّ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَيْدٍ الْجُهَنِيِّ، وَمَالِكِ بْنِ بَشِيرٍ الْبَدِّيِّ، وَحَمَلِ بْنِ مَالِكٍ الْمُحَارِبِيِّ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ الْمُخْتَارُ فَأَحْضَرَهُمْ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ، فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ: يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ! أَيْنَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ؟ أَدُّوا إِلَيَّ الْحُسَيْنَ، قَتَلْتُمْ مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ. فَقَالُوا: رَحِمَكَ اللَّهُ! بُعِثْنَا كَارِهِينَ فَامْنُنْ عَلَيْنَا وَاسْتَبْقِنَا. فَقَالَ لَهُمْ: هَلَّا مَنَنْتُمْ عَلَى الْحُسَيْنِ ابْنِ بِنْتِ نَبِيِّكُمْ فَاسْتَبْقَيْتُمُوهُ وَسَقَيْتُمُوهُ؟ وَكَانَ الْبَدِّيُّ صَاحِبَ بُرْنُسِهِ، فَأَمَرَ بِقَطْعِ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَتُرِكَ يَضْطَرِبُ حَتَّى مَاتَ، وَقَتَلَ الْآخَرِينَ، وَأَمَرَ بِزِيَادِ بْنِ مَالِكٍ الضُّبَعِيِّ، وَبِعِمْرَانَ بْنِ خَالِدٍ الْقُشَيْرِيِّ، وَبِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي خِشْكَارَةَ الْبَجَلِيِّ، وَبِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الْخَوْلَانِيِّ، فَأُحْضِرُوا عِنْدَهُ، فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ: يَا قَتْلَةَ الصَّالِحِينَ، وَقَتَلَةَ سَيِّدِ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، قَدْ أَقَادَ اللَّهُ مِنْكُمُ الْيَوْمَ، لَقَدْ جَاءَكُمُ الْوَرْسُ فِي يَوْمِ نَحْسٍ.
وَكَانُوا نَهَبُوا مِنَ الْوَرْسِ الَّذِي كَانَ مَعَ الْحُسَيْنِ. ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَقُتِلُوا.
وَأُحْضِرَ عِنْدَهُ: عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنَا صَلْخَتٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبِ بْنِ عَمْرٍو الْهَمْدَانِيُّ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ أَعْشَى هَمْدَانَ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ، فَقُتِلُوا، وَأُحْضِرَ عِنْدَهُ: عُثْمَانُ بْنُ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ الدُّهْمَانِيُّ الْجُهَنِيُّ، وَأَبُو أَسْمَاءَ بِشْرُ بْنُ شُمَيْطٍ الْقَانِصِيُّ، وَكَانَا قَدِ اشْتَرَكَا فِي قَتْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَقِيلٍ وَفِي سَلْبِهِ، فَضَرَبَ أَعْنَاقَهَمَا، وَأُحْرِقَا بِالنَّارِ.
стр. 1751
ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى خَوَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ الْأَصْبَحِيِّ، وَهُوَ صَاحِبُ رَأْسِ الْحُسَيْنِ، فَاخْتَفَى فِي مَخْرَجِهِ، فَدَخَلَ أَصْحَابُ الْمُخْتَارِ يُفَتِّشُونَ عَنْهُ، فَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ، وَاسْمُهَا الْعَيُوفُ بِنْتُ مَالِكٍ، وَكَانَتْ تُعَادِيهِ مُنْذُ جَاءَ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ، فَقَالَتْ لَهُمْ: مَا تُرِيدُونَ؟ فَقَالُوا لَهَا: أَيْنَ زَوْجُكِ؟ قَالَتْ: لَا أَدْرِي، وَأَشَارَتْ بِيَدِهَا إِلَى الْمَخْرَجِ، فَدَخَلُوا فَوَجَدُوهُ وَعَلَى رَأْسِهِ قَوْصَرَّةٌ، فَأَخْرَجُوهُ وَقَتَلُوهُ إِلَى جَانِبِ أَهْلِهِ، وَأَحْرَقُوهُ بِالنَّارِ.
ذِكْرُ مَقْتَلِ عَمْرِو بْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ شَهِدَ قَتْلَ الْحُسَيْنِ
ثُمَّ إِنَّ الْمُخْتَارَ قَالَ يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ: لَأَقْتُلَنَّ غَدًا رَجُلًا عَظِيمَ الْقَدَمَيْنِ، غَائِرَ الْعَيْنَيْنِ، مُشْرِفَ الْحَاجِبَيْنِ، يَسُرُّ قَتْلُهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةَ الْمُقَرَّبِينَ. وَكَانَ عِنْدَهُ الْهَيْثَمُ بْنُ الْأَسْوَدِ النَّخَعِيُّ، فَعَلِمَ أَنَّهُ يَعْنِي عَمْرَو بْنَ سَعْدٍ، فَرَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى عَمْرٍو مَعَ ابْنِهِ الْعُرْيَانِ يُعَرِّفُهُ ذَلِكَ، فَلَمَّا قَالَهُ لَهُ قَالَ: جَزَى اللَّهُ أَبَاكَ خَيْرًا، كَيْفَ يَقْتُلُنِي بَعْدَ الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ؟ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ أَكْرَمَ النَّاسِ عَلَى الْمُخْتَارِ لِقَرَابَتِهِ بِعَلِيٍّ، وَكَلَّمَهُ عَمْرُو بْنُ سَعْدٍ لِيَأْخُذَ لَهُ أَمَانًا مِنَ الْمُخْتَارِ، فَفَعَلَ وَكَتَبَ لَهُ الْمُخْتَارُ أَمَانًا، وَشَرَطَ فِيهِ أَنْ لَا يُحْدِثَ، وَعَنَى بِالْحَدَثِ دُخُولَ الْخَلَاءِ.
ثُمَّ إِنَّ عَمْرَو بْنَ سَعْدٍ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ بَعْدَ عَوْدِ الْعُرْيَانِ عَنْهُ، فَأَتَى حَمَّامَهُ، فَأَخْبَرَ مَوْلًى لَهُ بِمَا كَانَ مِنْهُ وَبِأَمَانِهِ. فَقَالَ لَهُ مَوْلَاهُ: وَأَيُّ حَدَثٍ أَعْظَمُ مِمَّا صَنَعْتَ؟ تَرَكْتَ أَهْلَكَ وَرَحْلَكَ وَأَتَيْتَ إِلَى هَاهُنَا، ارْجِعْ وَلَا تَجْعَلْ عَلَيْكَ سَبِيلًا. فَرَجَعَ وَأَتَى الْمُخْتَارَ فَأَخْبَرَهُ بِانْطِلَاقِهِ، فَقَالَ: كَلَّا، إِنَّ فِي عُنُقِهِ سِلْسِلَةً سَتَرُدَّهُ. وَأَصْبَحَ الْمُخْتَارُ فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبَا عَمْرَةَ فَأَتَاهُ وَقَالَ: أَجِبِ الْأَمِيرَ. فَقَامَ عَمْرٌو فَعَثَرَ فِي جُبَّةٍ لَهُ، فَضَرَبَهُ أَبُو عَمْرَةَ بِسَيْفِهِ فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَ رَأْسَهُ فَأَحْضَرَهُ عِنْدَ الْمُخْتَارِ. فَقَالَ الْمُخْتَارُ لِابْنِهِ حَفْصِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدَهُ: أَتَعْرِفُ مَنْ هَذَا. قَالَ: نَعَمْ، وَلَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُ! فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ، وَقَالَ الْمُخْتَارُ: هَذَا بِحُسَيْنٍ، وَهَذَا بِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَلَا سَوَاءَ، وَاللَّهِ لَوْ قَتَلْتُ بِهِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ قُرَيْشٍ مَا وَفُّوا أُنْمُلَةً مِنْ أَنَامِلِهِ.
وَكَانَ السَّبَبُ فِي تَهَيُّجِ الْمُخْتَارِ عَلَى قَتْلِهِ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ شَرَاحِيلَ الْأَنْصَارِيَّ أَتَى مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَجَرَى الْحَدِيثُ إِلَى أَنْ تَذَاكَرَا الْمُخْتَارَ، فَقَالَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَنَا شِيعَةٌ، وَقَتَلَةُ الْحُسَيْنِ عِنْدَهُ عَلَى الْكَرَاسِيِّ يُحَدِّثُونَهُ.
стр. 1752
فَلَمَّا عَادَ يَزِيدُ أَخْبَرَ الْمُخْتَارَ بِذَلِكَ، فَقَتَلَ عَمْرَو بْنَ سَعْدٍ، وَبَعَثَ بِرَأْسِهِ وَرَأْسِ ابْنِهِ إِلَى ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ يُعْلِمُهُ أَنَّهُ قَدْ قَتَلَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ فِي طَلَبِ الْبَاقِينَ مِمَّنْ حَضَرَ قَتْلَ الْحُسَيْنِ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَرِيكٍ: أَدْرَكْتُ أَصْحَابَ الْأَرْدِيَةِ الْمُعَلَّمَةِ، وَأَصْحَابَ الْبَرَانِسِ السُّودِ مِنْ أَصْحَابِ السَّوَارِي، إِذَا مَرَّ بِهِمْ عَمْرُو بْنُ سَعْدٍ قَالُوا: هَذَا قَاتِلُ الْحُسَيْنِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَهُ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: قَالَ عَلِيٌّ لِعَمْرِو بْنِ سَعْدٍ: كَيْفَ كُنْتَ إِذَا قُمْتَ مَقَامًا تُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَتَخْتَارُ النَّارَ؟
ثُمَّ إِنَّ الْمُخْتَارَ أَرْسَلَ إِلَى حَكِيمِ بْنِ طُفَيْلٍ الطَّائِيِّ، وَكَانَ أَصَابَ سَلْبَ الْعَبَّاسِ بْنِ عَلِيٍّ وَرَمَى الْحُسَيْنَ بِسَهْمٍ، وَكَانَ يَقُولُ: تَعَلَّقَ سَهْمِي بِسِرْبَالِهِ وَمَا ضَرَّهُ. فَأَتَاهُ أَصْحَابُ الْمُخْتَارِ فَأَخَذُوهُ، وَذَهَبَ أَهْلُهُ فَشَفَعُوا بِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، فَكَلَّمَهُمْ عَدِيٌّ فِيهِ، فَقَالُوا: ذَلِكَ إِلَى الْمُخْتَارِ. فَمَضَى عَدِيٌّ إِلَى الْمُخْتَارِ لِيَشْفَعَ فِيهِ، وَكَانَ الْمُخْتَارُ قَدْ شَفَّعَهُ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ أَصَابَهُمْ يَوْمَ جَبَّانَةِ السَّبِيعِ، فَقَالَتِ الشِّيعَةُ: إِنَّا نَخَافُ أَنْ يُشَفِّعَهُ الْمُخْتَارُ فِيهِ، فَقَتَلُوهُ رَمْيًا بِالسِّهَامِ كَمَا رَمَى الْحُسَيْنَ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ الْقُنْفُذُ، وَدَخَلَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ عَلَى الْمُخْتَارِ، فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ، فَشَفَعَ فِيهِ عَدِيٌّ، فَقَالَ الْمُخْتَارَ: أَتَسْتَحِلُّ أَنْ تَطْلُبَ فِي قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ؟ فَقَالَ عَدِيٌّ: إِنَّهُ مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ. قَالَ: إِذًا نَدَعُهُ لَكَ.
فَدَخَلَ ابْنُ كَامِلٍ فَأَخْبَرَ الْمُخْتَارَ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ: مَا أَعْجَلَكُمْ إِلَى ذَلِكَ؟ أَلَا أَحْضَرْتُمُوهُ عِنْدِي؟ وَكَانَ قَدْ سَرَّهُ قَتْلُهُ. فَقَالَ ابْنُ كَامِلٍ: غَلَبَتْنِي عَلَيْهِ الشِّيعَةُ. فَقَالَ عَدِيٌّ لِابْنِ كَامِلٍ: كَذَبْتَ، وَلَكِنْ ظَنَنْتَ أَنَّ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ سَيُشَفِّعُنِي فَقَتَلْتَهُ. فَسَبَّهُ ابْنُ كَامِلٍ، فَنَهَاهُ الْمُخْتَارُ عَنْ ذَلِكَ.
وَبَعَثَ الْمُخْتَارُ إِلَى قَاتِلِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَهُوَ مُرَّةُ بْنُ مُنْقِذٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَكَانَ شُجَاعًا، فَأَحَاطُوا بِدَارِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَلَى فَرَسِهِ وَبِيَدِهِ رُمْحُهُ، فَطَاعَنَهُمْ، فَضَرَبَ عَلَى يَدِهِ وَهَرَبَ مِنْهُمْ فَنَجَا، وَلَحِقَ بِمُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَشُلَّتْ يَدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَبَعَثَ الْمُخْتَارُ إِلَى زَيْدِ بْنِ رُقَادٍ الْجُنُبِيِّ، كَانَ يَقُولُ: لَقَدْ رَمَيْتُ فَتًى مِنْهُمْ بِسَهْمٍ وَكَفُّهُ عَلَى جَبْهَتِهِ يَتَّقِي النَّبْلَ، فَأَثْبَتَ كَفَّهُ فِي جَبْهَتِهِ فَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يُزِيلَ كَفَّهُ عَنْ جَبْهَتِهِ - وَكَانَ ذَلِكَ الْفَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ - وَإِنَّهُ قَالَ حِينَ رَمَيْتُهُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُمُ اسْتَقَلُّونَا وَاسْتَذَلُّونَا، فَاقْتُلْهُمْ كَمَا قَتَلُونَا. ثُمَّ إِنَّهُ رَمَى الْغُلَامَ بِسَهْمٍ آخَرَ وَكَانَ يَقُولُ: جِئْتُهُ
стр. 1753
وَهُوَ مَيِّتٌ، فَنَزَعْتُ سَهْمِي الَّذِي قَتَلْتُهُ بِهِ مِنْ جَوْفِهِ، فَلَمْ أَزَلْ أُنَضْنِضُهُ مِنْ جَبْهَتِهِ حَتَّى أَخَذْتُهُ وَبَقِيَ النَّصْلُ، فَلَمَّا أَتَاهُ أَصْحَابُ الْمُخْتَارِ خَرَجَ إِلَيْهِمْ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ لَهُمُ ابْنُ كَامِلٍ: لَا تَطْعَنُوهُ وَلَا تَضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ، ارْمُوهُ بِالنَّبْلِ وَالْحِجَارَةِ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ، فَسَقَطَ، فَأَحْرَقُوهُ حَيًّا.
وَطَلَبَ الْمُخْتَارُ سِنَانَ بْنَ أَنَسٍ الَّذِي كَانَ يَدَّعِي قَتْلَ الْحُسَيْنِ، فَرَآهُ قَدْ هَرَبَ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَهَدَمَ دَارَهُ.
وَطَلَبَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُقْبَةَ الْغَنَوِيَّ، فَوَجَدَهُ قَدْ هَرَبَ إِلَى الْجَزِيرَةِ، فَهَدَمَ دَارَهُ، وَكَانَ قَدْ قَتَلَ مِنْهُمْ غُلَامًا. وَطَلَبَ آخَرَ مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهُ حَرْمَلَةُ بْنُ الْكَاهِنِ، كَانَ قَدْ قَتَلَ رَجُلًا مَنْ أَهْلِ الْحُسَيْنِ، فَفَاتَهُ.
وَطَلَبَ أَيْضًا رَجُلًا مِنْ خَثْعَمٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ الْخَثْعَمِيُّ، كَانَ يَقُولُ: رَمَيْتُ فِيهِمْ بِاثْنَيْ عَشَرَ سَهْمًا. فَفَاتَهُ وَلَحِقَ بِمُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَهَدَمَ دَارَهُ.
وَطَلَبَ أَيْضًا عَمْرَو بْنَ الصُّبَيْحِ الصُّدَائِيَّ، كَانَ يَقُولُ: لَقَدْ طَعَنْتُ فِيهِمْ وَجَرَحْتُ، وَمَا قَتَلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا. فَأُتِيَ لَيْلًا فَأُخِذَ، وَأُحْضِرَ عِنْدَ الْمُخْتَارِ، فَأَمَرَ بِإِحْضَارِ الرِّمَاحِ، وَطُعِنَ بِهَا حَتَّى مَاتَ.
وَأَرْسَلَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَبِ، وَهُوَ فِي قَرْيَةٍ لَهُ إِلَى جَنْبِ الْقَادِسِيَّةِ، فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، وَكَانَ قَدْ هَرَبَ إِلَى مُصْعَبٍ، فَهَدَمَ الْمُخْتَارُ دَارَهُ، وَبَنَى بِلَبِنِهَا وَطِينِهَا دَارَ حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ، كَانَ زِيَادٌ قَدْ هَدَمَهَا.
(بَحِيرُ بْنُ رِيسَانَ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ. شِبَامٌ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ: بَطْنٌ مِنْ هَمْدَانَ، وَهَمْدَانُ بِسُكُونِ الْمِيمِ، وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ. وَسِعْرٌ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ. وَأَحْمَرُ بْنُ شُمَيْطٍ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَشُمَيْطٌ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ. وَشَبَثٌ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. جَبَّانَةُ أُثِيرٍ
стр. 1754
بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَبِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ، وَبِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ، وَبِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ. عُتَيْبَةُ بْنُ النَّهَّاسِ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ، ثُمَّ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ، وَبِالْيَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. حَسَّانُ بْنُ فَائِدٍ بِالْفَاءِ) .
ذِكْرُ بَيْعَةِ الْمُثَنَّى الْعَبْدِيِّ لِلْمُخْتَارِ بِالْبَصْرَةِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ دَعَا الْمُثَنَّى بْنُ مُخَرِّبَةَ الْعَبْدِيُّ بِالْبَصْرَةِ إِلَى رَبِيعَةَ الْمُخْتَارِ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ عَيْنَ الْوَرْدَةِ مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، ثُمَّ رَجَعَ فَبَايَعَ لِلْمُخْتَارِ، فَسَيَّرَهُ إِلَى الْبَصْرَةِ يَدْعُو بِهَا إِلَيْهِ، فَقَدِمَ الْبَصْرَةَ وَدَعَا بِهَا، فَأَجَابَهُ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ أَتَى مَدِينَةَ الرِّزْقِ فَعَسْكَرَ عِنْدَهَا، وَجَمَعُوا الْمِيرَةَ بِالْمَدِينَةِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمُ الْقُبَاعُ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ، وَدَعَا بِهَا عَبَّادَ بْنَ حُصَيْنٍ، وَهُوَ عَلَى شُرْطَتِهِ، وَقَيْسَ بْنَ الْهَيْثَمِ فِي الشُّرَطِ وَالْمُقَاتِلَةِ، فَخَرَجُوا إِلَى السَّبْخَةِ، وَلَزِمَ النَّاسُ بُيُوتَهُمْ فَلَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ، وَأَقْبَلَ عَبَّادٌ فِيمَنْ مَعَهُ، فَتَوَاقَفَ هُوَ وَالْمُثَنَّى، فَسَارَ عَبَّادٌ نَحْوَ مَدِينَةِ الرِّزْقِ، وَتَرَكَ قَيْسًا مَكَانَهُ.
فَلَمَّا أَتَى عَبَّادٌ مَدِينَةَ الرِّزْقِ أَصْعَدَ عَلَى سُورِهَا ثَلَاثِينَ رَجُلًا وَقَالَ لَهُمْ: إِذَا سَمِعْتُمُ التَّكْبِيرَ فَكَبِّرُوا. وَرَجَعَ عَبَّادٌ إِلَى قَيْسٍ، وَأَنْشَبُوا الْقِتَالَ مَعَ الْمُثَنَّى، وَسَمِعَ الرِّجَالُ الَّذِينَ فِي دَارِ الرِّزْقِ التَّكْبِيرَ فَكَبَّرُوا، وَهَرَبَ مَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَسَمِعَ الْمُثَنَّى التَّكْبِيرَ مِنْ وَرَائِهِمْ فَهَرَبَ فِيمَنْ مَعَهُ، فَكَفَّ عَنْهُمْ قَيْسٌ وَعَبَّادٌ وَلَمْ يَتْبَعَاهُمْ.
وَأَتَى الْمُثَنَّى قَوْمَهُ عَبْدَ الْقَيْسِ، فَأَرْسَلَ الْقُبَاعُ عَسْكَرًا إِلَى عَبْدِ الْقَيْسِ لِيَأْتُوهُ بِالْمُثَنَّى وَمَنْ مَعَهُ. فَلَمَّا رَأَى زِيَادُ بْنُ عَمْرٍو الْعَتَكِيُّ ذَلِكَ أَقْبَلَ إِلَى الْقُبَاعِ فَقَالَ لَهُ: لَتَرُدَّنَّ خَيْلَكَ عَنْ إِخْوَانِنَا أَوْ لَنُقَاتِلَنَّهُمْ. فَأَرْسَلَ الْقُبَاعُ الْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ، وَعُمَرَ بْنَ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيَّ ; لِيُصْلِحَا بَيْنَ النَّاسِ، فَأَصْلَحَ الْأَحْنَفُ الْأَمْرَ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ الْمُثَنَّى وَأَصْحَابُهُ عَنْهُمْ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ وَأَخْرَجُوهُمْ عَنْهُمْ، فَسَارَ الْمُثَنَّى إِلَى الْكُوفَةِ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ.
(مُخَرِّبَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا، ثُمَّ بَاءٍ مَفْتُوحَةٍ) .
ذِكْرُ مَكْرِ الْمُخْتَارِ بِابْنِ الزُّبَيْرِ
فَلَمَّا أَخْرَجَ الْمُخْتَارُ عَامِلَ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنِ الْكُوفَةِ، وَهُوَ ابْنُ مُطِيعٍ، سَارَ إِلَى الْبَصْرَةِ،
стр. 1755
وَكَرِهَ أَنْ يَأْتِيَ ابْنَ الزُّبَيْرِ مَهْزُومًا، فَلَمَّا اسْتَجْمَعَ لِلْمُخْتَارِ أَمْرُ الْكُوفَةِ أَخَذَ يُخَادِعُ ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: قَدْ عَرَفْتَ مُنَاصَحَتِي إِيَّاكَ، وَجُهْدِي عَلَى أَهْلِ عَدَاوَتِكَ، وَمَا كُنْتَ أَعْطَيْتَنِي إِذَا أَنَا فَعَلْتُ ذَلِكَ [مِنْ نَفْسِكَ] ، فَلَمَّا وَفَّيْتُ لَكَ لَمْ تَفِ بِمَا عَاهَدْتَنِي عَلَيْهِ، فَإِنْ تُرِدْ مُرَاجَعَتِي وَمُنَاصَحَتِي فَعَلْتُ، وَالسَّلَامُ.
وَكَانَ قَصْدُ الْمُخْتَارِ أَنْ يَكُفَّ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَنْهُ لِيَتِمَّ أَمْرُهُ، وَالشِّيعَةُ لَا يَعْلَمُونَ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ، فَأَرَادَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ أَسِلْمٌ هُوَ أَمْ حَرْبٌ، فَدَعَا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيَّ فَوَلَّاهُ الْكُوفَةَ وَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْمُخْتَارَ سَامِعٌ مُطِيعٌ. فَتَجَهَّزَ بِمَا بَيْنَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ إِلَى أَرْبَعِينَ أَلْفًا وَسَارَ نَحْوَ الْكُوفَةِ. وَأَتَى الْخَبَرُ إِلَى الْمُخْتَارِ بِذَلِكَ، فَدَعَا الْمُخْتَارُ زَائِدَةَ بْنَ قُدَامَةَ، وَأَعْطَاهُ سَبْعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَقَالَ لَهُ: هَذَا ضِعْفُ مَا أَنْفَقَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي طَرِيقِهِ إِلَيْنَا. وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَعَهُ خَمْسَمِائَةِ فَارِسٍ وَيَسِيرَ حَتَّى يَلْقَاهُ بِالطَّرِيقِ، وَيُعْطِيَهُ النَّفَقَةَ وَيَأْمُرَهُ بِالْعَوْدِ، فَإِنْ فَعَلَ وَإِلَّا فَلْيُرِهِ الْخَيْلَ.
فَأَخَذَ زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ الْمَالَ وَسَارَ حَتَّى لَقِيَ عُمَرَ، فَأَعْطَاهُ الْمَالَ وَأَمَرَهُ بِالِانْصِرَافِ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ وَلَّانِي الْكُوفَةَ، وَلَا بُدَّ مِنْ إِتْيَانِهَا. فَدَعَا زَائِدَةُ الْخَيْلَ، وَكَانَ قَدْ كَمَّنَهَا، فَلَمَّا رَآهَا قَدْ أَقْبَلَتْ أَخَذَ الْمَالَ وَسَارَ نَحْوَ الْبَصْرَةِ، فَاجْتَمَعَ هُوَ وَابْنُ مُطِيعٍ فِي إِمَارَةِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَذَلِكَ قَبْلَ وُثُوبِ الْمُثَنَّى بْنِ مُخَرِّبَةَ الْعَبْدِيِّ بِالْبَصْرَةِ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْمُخْتَارَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ: إِنِّي اتَّخَذْتُ الْكُوفَةَ دَارًا، فَإِنْ سَوَّغْتَنِي ذَلِكَ وَأَمَرْتَ لِي بِأَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ سِرْتُ إِلَى الشَّامِ، فَكَفَيْتُكَ ابْنَ مَرْوَانَ. فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِلَى مَتَى أُمَاكِرُ كَذَّابَ ثَقِيفٍ وَيُمَاكِرُنِي؟ ثُمَّ تَمَثَّلَ، شِعْرٌ: عَارِي الْجَوَاعِرِ مَنْ ثَمُودٌ أَصْلُهُ عَبْدٌ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ مَنْ يَقْدُمُ
وَكَتَبَ إِلَيْهِ: وَاللَّهِ وَلَا دِرْهَمٌ: وَلَا أَمْتَرِي [عَبْدَ] الْهَوَانِ بِبَدْرَتِي وَإِنِّي لَآتِي الْحَتْفَ مَا دُمْتُ أَسْمَعُ
следующие страницы →