← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى خَوَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ الْأَصْبَحِيِّ، وَهُوَ صَاحِبُ رَأْسِ الْحُسَيْنِ، فَاخْتَفَى فِي مَخْرَجِهِ، فَدَخَلَ أَصْحَابُ الْمُخْتَارِ يُفَتِّشُونَ عَنْهُ، فَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ، وَاسْمُهَا الْعَيُوفُ بِنْتُ مَالِكٍ، وَكَانَتْ تُعَادِيهِ مُنْذُ جَاءَ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ، فَقَالَتْ لَهُمْ: مَا تُرِيدُونَ؟ فَقَالُوا لَهَا: أَيْنَ زَوْجُكِ؟ قَالَتْ: لَا أَدْرِي، وَأَشَارَتْ بِيَدِهَا إِلَى الْمَخْرَجِ، فَدَخَلُوا فَوَجَدُوهُ وَعَلَى رَأْسِهِ قَوْصَرَّةٌ، فَأَخْرَجُوهُ وَقَتَلُوهُ إِلَى جَانِبِ أَهْلِهِ، وَأَحْرَقُوهُ بِالنَّارِ. ذِكْرُ مَقْتَلِ عَمْرِو بْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ شَهِدَ قَتْلَ الْحُسَيْنِ ثُمَّ إِنَّ الْمُخْتَارَ قَالَ يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ: لَأَقْتُلَنَّ غَدًا رَجُلًا عَظِيمَ الْقَدَمَيْنِ، غَائِرَ الْعَيْنَيْنِ، مُشْرِفَ الْحَاجِبَيْنِ، يَسُرُّ قَتْلُهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةَ الْمُقَرَّبِينَ. وَكَانَ عِنْدَهُ الْهَيْثَمُ بْنُ الْأَسْوَدِ النَّخَعِيُّ، فَعَلِمَ أَنَّهُ يَعْنِي عَمْرَو بْنَ سَعْدٍ، فَرَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى عَمْرٍو مَعَ ابْنِهِ الْعُرْيَانِ يُعَرِّفُهُ ذَلِكَ، فَلَمَّا قَالَهُ لَهُ قَالَ: جَزَى اللَّهُ أَبَاكَ خَيْرًا، كَيْفَ يَقْتُلُنِي بَعْدَ الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ؟ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ أَكْرَمَ النَّاسِ عَلَى الْمُخْتَارِ لِقَرَابَتِهِ بِعَلِيٍّ، وَكَلَّمَهُ عَمْرُو بْنُ سَعْدٍ لِيَأْخُذَ لَهُ أَمَانًا مِنَ الْمُخْتَارِ، فَفَعَلَ وَكَتَبَ لَهُ الْمُخْتَارُ أَمَانًا، وَشَرَطَ فِيهِ أَنْ لَا يُحْدِثَ، وَعَنَى بِالْحَدَثِ دُخُولَ الْخَلَاءِ. ثُمَّ إِنَّ عَمْرَو بْنَ سَعْدٍ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ بَعْدَ عَوْدِ الْعُرْيَانِ عَنْهُ، فَأَتَى حَمَّامَهُ، فَأَخْبَرَ مَوْلًى لَهُ بِمَا كَانَ مِنْهُ وَبِأَمَانِهِ. فَقَالَ لَهُ مَوْلَاهُ: وَأَيُّ حَدَثٍ أَعْظَمُ مِمَّا صَنَعْتَ؟ تَرَكْتَ أَهْلَكَ وَرَحْلَكَ وَأَتَيْتَ إِلَى هَاهُنَا، ارْجِعْ وَلَا تَجْعَلْ عَلَيْكَ سَبِيلًا. فَرَجَعَ وَأَتَى الْمُخْتَارَ فَأَخْبَرَهُ بِانْطِلَاقِهِ، فَقَالَ: كَلَّا، إِنَّ فِي عُنُقِهِ سِلْسِلَةً سَتَرُدَّهُ. وَأَصْبَحَ الْمُخْتَارُ فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبَا عَمْرَةَ فَأَتَاهُ وَقَالَ: أَجِبِ الْأَمِيرَ. فَقَامَ عَمْرٌو فَعَثَرَ فِي جُبَّةٍ لَهُ، فَضَرَبَهُ أَبُو عَمْرَةَ بِسَيْفِهِ فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَ رَأْسَهُ فَأَحْضَرَهُ عِنْدَ الْمُخْتَارِ. فَقَالَ الْمُخْتَارُ لِابْنِهِ حَفْصِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدَهُ: أَتَعْرِفُ مَنْ هَذَا. قَالَ: نَعَمْ، وَلَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُ! فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ، وَقَالَ الْمُخْتَارُ: هَذَا بِحُسَيْنٍ، وَهَذَا بِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَلَا سَوَاءَ، وَاللَّهِ لَوْ قَتَلْتُ بِهِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ قُرَيْشٍ مَا وَفُّوا أُنْمُلَةً مِنْ أَنَامِلِهِ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي تَهَيُّجِ الْمُخْتَارِ عَلَى قَتْلِهِ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ شَرَاحِيلَ الْأَنْصَارِيَّ أَتَى مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَجَرَى الْحَدِيثُ إِلَى أَنْ تَذَاكَرَا الْمُخْتَارَ، فَقَالَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَنَا شِيعَةٌ، وَقَتَلَةُ الْحُسَيْنِ عِنْدَهُ عَلَى الْكَرَاسِيِّ يُحَدِّثُونَهُ.

стр. 1752

فَلَمَّا عَادَ يَزِيدُ أَخْبَرَ الْمُخْتَارَ بِذَلِكَ، فَقَتَلَ عَمْرَو بْنَ سَعْدٍ، وَبَعَثَ بِرَأْسِهِ وَرَأْسِ ابْنِهِ إِلَى ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ يُعْلِمُهُ أَنَّهُ قَدْ قَتَلَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ فِي طَلَبِ الْبَاقِينَ مِمَّنْ حَضَرَ قَتْلَ الْحُسَيْنِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَرِيكٍ: أَدْرَكْتُ أَصْحَابَ الْأَرْدِيَةِ الْمُعَلَّمَةِ، وَأَصْحَابَ الْبَرَانِسِ السُّودِ مِنْ أَصْحَابِ السَّوَارِي، إِذَا مَرَّ بِهِمْ عَمْرُو بْنُ سَعْدٍ قَالُوا: هَذَا قَاتِلُ الْحُسَيْنِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَهُ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: قَالَ عَلِيٌّ لِعَمْرِو بْنِ سَعْدٍ: كَيْفَ كُنْتَ إِذَا قُمْتَ مَقَامًا تُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَتَخْتَارُ النَّارَ؟ ثُمَّ إِنَّ الْمُخْتَارَ أَرْسَلَ إِلَى حَكِيمِ بْنِ طُفَيْلٍ الطَّائِيِّ، وَكَانَ أَصَابَ سَلْبَ الْعَبَّاسِ بْنِ عَلِيٍّ وَرَمَى الْحُسَيْنَ بِسَهْمٍ، وَكَانَ يَقُولُ: تَعَلَّقَ سَهْمِي بِسِرْبَالِهِ وَمَا ضَرَّهُ. فَأَتَاهُ أَصْحَابُ الْمُخْتَارِ فَأَخَذُوهُ، وَذَهَبَ أَهْلُهُ فَشَفَعُوا بِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، فَكَلَّمَهُمْ عَدِيٌّ فِيهِ، فَقَالُوا: ذَلِكَ إِلَى الْمُخْتَارِ. فَمَضَى عَدِيٌّ إِلَى الْمُخْتَارِ لِيَشْفَعَ فِيهِ، وَكَانَ الْمُخْتَارُ قَدْ شَفَّعَهُ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ أَصَابَهُمْ يَوْمَ جَبَّانَةِ السَّبِيعِ، فَقَالَتِ الشِّيعَةُ: إِنَّا نَخَافُ أَنْ يُشَفِّعَهُ الْمُخْتَارُ فِيهِ، فَقَتَلُوهُ رَمْيًا بِالسِّهَامِ كَمَا رَمَى الْحُسَيْنَ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ الْقُنْفُذُ، وَدَخَلَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ عَلَى الْمُخْتَارِ، فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ، فَشَفَعَ فِيهِ عَدِيٌّ، فَقَالَ الْمُخْتَارَ: أَتَسْتَحِلُّ أَنْ تَطْلُبَ فِي قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ؟ فَقَالَ عَدِيٌّ: إِنَّهُ مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ. قَالَ: إِذًا نَدَعُهُ لَكَ. فَدَخَلَ ابْنُ كَامِلٍ فَأَخْبَرَ الْمُخْتَارَ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ: مَا أَعْجَلَكُمْ إِلَى ذَلِكَ؟ أَلَا أَحْضَرْتُمُوهُ عِنْدِي؟ وَكَانَ قَدْ سَرَّهُ قَتْلُهُ. فَقَالَ ابْنُ كَامِلٍ: غَلَبَتْنِي عَلَيْهِ الشِّيعَةُ. فَقَالَ عَدِيٌّ لِابْنِ كَامِلٍ: كَذَبْتَ، وَلَكِنْ ظَنَنْتَ أَنَّ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ سَيُشَفِّعُنِي فَقَتَلْتَهُ. فَسَبَّهُ ابْنُ كَامِلٍ، فَنَهَاهُ الْمُخْتَارُ عَنْ ذَلِكَ. وَبَعَثَ الْمُخْتَارُ إِلَى قَاتِلِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَهُوَ مُرَّةُ بْنُ مُنْقِذٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَكَانَ شُجَاعًا، فَأَحَاطُوا بِدَارِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَلَى فَرَسِهِ وَبِيَدِهِ رُمْحُهُ، فَطَاعَنَهُمْ، فَضَرَبَ عَلَى يَدِهِ وَهَرَبَ مِنْهُمْ فَنَجَا، وَلَحِقَ بِمُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَشُلَّتْ يَدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَبَعَثَ الْمُخْتَارُ إِلَى زَيْدِ بْنِ رُقَادٍ الْجُنُبِيِّ، كَانَ يَقُولُ: لَقَدْ رَمَيْتُ فَتًى مِنْهُمْ بِسَهْمٍ وَكَفُّهُ عَلَى جَبْهَتِهِ يَتَّقِي النَّبْلَ، فَأَثْبَتَ كَفَّهُ فِي جَبْهَتِهِ فَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يُزِيلَ كَفَّهُ عَنْ جَبْهَتِهِ - وَكَانَ ذَلِكَ الْفَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ - وَإِنَّهُ قَالَ حِينَ رَمَيْتُهُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُمُ اسْتَقَلُّونَا وَاسْتَذَلُّونَا، فَاقْتُلْهُمْ كَمَا قَتَلُونَا. ثُمَّ إِنَّهُ رَمَى الْغُلَامَ بِسَهْمٍ آخَرَ وَكَانَ يَقُولُ: جِئْتُهُ

стр. 1753

وَهُوَ مَيِّتٌ، فَنَزَعْتُ سَهْمِي الَّذِي قَتَلْتُهُ بِهِ مِنْ جَوْفِهِ، فَلَمْ أَزَلْ أُنَضْنِضُهُ مِنْ جَبْهَتِهِ حَتَّى أَخَذْتُهُ وَبَقِيَ النَّصْلُ، فَلَمَّا أَتَاهُ أَصْحَابُ الْمُخْتَارِ خَرَجَ إِلَيْهِمْ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ لَهُمُ ابْنُ كَامِلٍ: لَا تَطْعَنُوهُ وَلَا تَضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ، ارْمُوهُ بِالنَّبْلِ وَالْحِجَارَةِ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ، فَسَقَطَ، فَأَحْرَقُوهُ حَيًّا. وَطَلَبَ الْمُخْتَارُ سِنَانَ بْنَ أَنَسٍ الَّذِي كَانَ يَدَّعِي قَتْلَ الْحُسَيْنِ، فَرَآهُ قَدْ هَرَبَ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَهَدَمَ دَارَهُ. وَطَلَبَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُقْبَةَ الْغَنَوِيَّ، فَوَجَدَهُ قَدْ هَرَبَ إِلَى الْجَزِيرَةِ، فَهَدَمَ دَارَهُ، وَكَانَ قَدْ قَتَلَ مِنْهُمْ غُلَامًا. وَطَلَبَ آخَرَ مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهُ حَرْمَلَةُ بْنُ الْكَاهِنِ، كَانَ قَدْ قَتَلَ رَجُلًا مَنْ أَهْلِ الْحُسَيْنِ، فَفَاتَهُ. وَطَلَبَ أَيْضًا رَجُلًا مِنْ خَثْعَمٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ الْخَثْعَمِيُّ، كَانَ يَقُولُ: رَمَيْتُ فِيهِمْ بِاثْنَيْ عَشَرَ سَهْمًا. فَفَاتَهُ وَلَحِقَ بِمُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَهَدَمَ دَارَهُ. وَطَلَبَ أَيْضًا عَمْرَو بْنَ الصُّبَيْحِ الصُّدَائِيَّ، كَانَ يَقُولُ: لَقَدْ طَعَنْتُ فِيهِمْ وَجَرَحْتُ، وَمَا قَتَلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا. فَأُتِيَ لَيْلًا فَأُخِذَ، وَأُحْضِرَ عِنْدَ الْمُخْتَارِ، فَأَمَرَ بِإِحْضَارِ الرِّمَاحِ، وَطُعِنَ بِهَا حَتَّى مَاتَ. وَأَرْسَلَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَبِ، وَهُوَ فِي قَرْيَةٍ لَهُ إِلَى جَنْبِ الْقَادِسِيَّةِ، فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، وَكَانَ قَدْ هَرَبَ إِلَى مُصْعَبٍ، فَهَدَمَ الْمُخْتَارُ دَارَهُ، وَبَنَى بِلَبِنِهَا وَطِينِهَا دَارَ حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ، كَانَ زِيَادٌ قَدْ هَدَمَهَا. (بَحِيرُ بْنُ رِيسَانَ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ. شِبَامٌ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ: بَطْنٌ مِنْ هَمْدَانَ، وَهَمْدَانُ بِسُكُونِ الْمِيمِ، وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ. وَسِعْرٌ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ. وَأَحْمَرُ بْنُ شُمَيْطٍ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَشُمَيْطٌ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ. وَشَبَثٌ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. جَبَّانَةُ أُثِيرٍ

стр. 1754

بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَبِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ، وَبِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ، وَبِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ. عُتَيْبَةُ بْنُ النَّهَّاسِ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ، ثُمَّ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ، وَبِالْيَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. حَسَّانُ بْنُ فَائِدٍ بِالْفَاءِ) . ذِكْرُ بَيْعَةِ الْمُثَنَّى الْعَبْدِيِّ لِلْمُخْتَارِ بِالْبَصْرَةِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ دَعَا الْمُثَنَّى بْنُ مُخَرِّبَةَ الْعَبْدِيُّ بِالْبَصْرَةِ إِلَى رَبِيعَةَ الْمُخْتَارِ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ عَيْنَ الْوَرْدَةِ مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، ثُمَّ رَجَعَ فَبَايَعَ لِلْمُخْتَارِ، فَسَيَّرَهُ إِلَى الْبَصْرَةِ يَدْعُو بِهَا إِلَيْهِ، فَقَدِمَ الْبَصْرَةَ وَدَعَا بِهَا، فَأَجَابَهُ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ أَتَى مَدِينَةَ الرِّزْقِ فَعَسْكَرَ عِنْدَهَا، وَجَمَعُوا الْمِيرَةَ بِالْمَدِينَةِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمُ الْقُبَاعُ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ، وَدَعَا بِهَا عَبَّادَ بْنَ حُصَيْنٍ، وَهُوَ عَلَى شُرْطَتِهِ، وَقَيْسَ بْنَ الْهَيْثَمِ فِي الشُّرَطِ وَالْمُقَاتِلَةِ، فَخَرَجُوا إِلَى السَّبْخَةِ، وَلَزِمَ النَّاسُ بُيُوتَهُمْ فَلَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ، وَأَقْبَلَ عَبَّادٌ فِيمَنْ مَعَهُ، فَتَوَاقَفَ هُوَ وَالْمُثَنَّى، فَسَارَ عَبَّادٌ نَحْوَ مَدِينَةِ الرِّزْقِ، وَتَرَكَ قَيْسًا مَكَانَهُ. فَلَمَّا أَتَى عَبَّادٌ مَدِينَةَ الرِّزْقِ أَصْعَدَ عَلَى سُورِهَا ثَلَاثِينَ رَجُلًا وَقَالَ لَهُمْ: إِذَا سَمِعْتُمُ التَّكْبِيرَ فَكَبِّرُوا. وَرَجَعَ عَبَّادٌ إِلَى قَيْسٍ، وَأَنْشَبُوا الْقِتَالَ مَعَ الْمُثَنَّى، وَسَمِعَ الرِّجَالُ الَّذِينَ فِي دَارِ الرِّزْقِ التَّكْبِيرَ فَكَبَّرُوا، وَهَرَبَ مَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَسَمِعَ الْمُثَنَّى التَّكْبِيرَ مِنْ وَرَائِهِمْ فَهَرَبَ فِيمَنْ مَعَهُ، فَكَفَّ عَنْهُمْ قَيْسٌ وَعَبَّادٌ وَلَمْ يَتْبَعَاهُمْ. وَأَتَى الْمُثَنَّى قَوْمَهُ عَبْدَ الْقَيْسِ، فَأَرْسَلَ الْقُبَاعُ عَسْكَرًا إِلَى عَبْدِ الْقَيْسِ لِيَأْتُوهُ بِالْمُثَنَّى وَمَنْ مَعَهُ. فَلَمَّا رَأَى زِيَادُ بْنُ عَمْرٍو الْعَتَكِيُّ ذَلِكَ أَقْبَلَ إِلَى الْقُبَاعِ فَقَالَ لَهُ: لَتَرُدَّنَّ خَيْلَكَ عَنْ إِخْوَانِنَا أَوْ لَنُقَاتِلَنَّهُمْ. فَأَرْسَلَ الْقُبَاعُ الْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ، وَعُمَرَ بْنَ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيَّ ; لِيُصْلِحَا بَيْنَ النَّاسِ، فَأَصْلَحَ الْأَحْنَفُ الْأَمْرَ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ الْمُثَنَّى وَأَصْحَابُهُ عَنْهُمْ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ وَأَخْرَجُوهُمْ عَنْهُمْ، فَسَارَ الْمُثَنَّى إِلَى الْكُوفَةِ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ. (مُخَرِّبَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا، ثُمَّ بَاءٍ مَفْتُوحَةٍ) . ذِكْرُ مَكْرِ الْمُخْتَارِ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فَلَمَّا أَخْرَجَ الْمُخْتَارُ عَامِلَ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنِ الْكُوفَةِ، وَهُوَ ابْنُ مُطِيعٍ، سَارَ إِلَى الْبَصْرَةِ،

стр. 1755

وَكَرِهَ أَنْ يَأْتِيَ ابْنَ الزُّبَيْرِ مَهْزُومًا، فَلَمَّا اسْتَجْمَعَ لِلْمُخْتَارِ أَمْرُ الْكُوفَةِ أَخَذَ يُخَادِعُ ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: قَدْ عَرَفْتَ مُنَاصَحَتِي إِيَّاكَ، وَجُهْدِي عَلَى أَهْلِ عَدَاوَتِكَ، وَمَا كُنْتَ أَعْطَيْتَنِي إِذَا أَنَا فَعَلْتُ ذَلِكَ [مِنْ نَفْسِكَ] ، فَلَمَّا وَفَّيْتُ لَكَ لَمْ تَفِ بِمَا عَاهَدْتَنِي عَلَيْهِ، فَإِنْ تُرِدْ مُرَاجَعَتِي وَمُنَاصَحَتِي فَعَلْتُ، وَالسَّلَامُ. وَكَانَ قَصْدُ الْمُخْتَارِ أَنْ يَكُفَّ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَنْهُ لِيَتِمَّ أَمْرُهُ، وَالشِّيعَةُ لَا يَعْلَمُونَ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ، فَأَرَادَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ أَسِلْمٌ هُوَ أَمْ حَرْبٌ، فَدَعَا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيَّ فَوَلَّاهُ الْكُوفَةَ وَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْمُخْتَارَ سَامِعٌ مُطِيعٌ. فَتَجَهَّزَ بِمَا بَيْنَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ إِلَى أَرْبَعِينَ أَلْفًا وَسَارَ نَحْوَ الْكُوفَةِ. وَأَتَى الْخَبَرُ إِلَى الْمُخْتَارِ بِذَلِكَ، فَدَعَا الْمُخْتَارُ زَائِدَةَ بْنَ قُدَامَةَ، وَأَعْطَاهُ سَبْعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَقَالَ لَهُ: هَذَا ضِعْفُ مَا أَنْفَقَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي طَرِيقِهِ إِلَيْنَا. وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَعَهُ خَمْسَمِائَةِ فَارِسٍ وَيَسِيرَ حَتَّى يَلْقَاهُ بِالطَّرِيقِ، وَيُعْطِيَهُ النَّفَقَةَ وَيَأْمُرَهُ بِالْعَوْدِ، فَإِنْ فَعَلَ وَإِلَّا فَلْيُرِهِ الْخَيْلَ. فَأَخَذَ زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ الْمَالَ وَسَارَ حَتَّى لَقِيَ عُمَرَ، فَأَعْطَاهُ الْمَالَ وَأَمَرَهُ بِالِانْصِرَافِ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ وَلَّانِي الْكُوفَةَ، وَلَا بُدَّ مِنْ إِتْيَانِهَا. فَدَعَا زَائِدَةُ الْخَيْلَ، وَكَانَ قَدْ كَمَّنَهَا، فَلَمَّا رَآهَا قَدْ أَقْبَلَتْ أَخَذَ الْمَالَ وَسَارَ نَحْوَ الْبَصْرَةِ، فَاجْتَمَعَ هُوَ وَابْنُ مُطِيعٍ فِي إِمَارَةِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَذَلِكَ قَبْلَ وُثُوبِ الْمُثَنَّى بْنِ مُخَرِّبَةَ الْعَبْدِيِّ بِالْبَصْرَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُخْتَارَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ: إِنِّي اتَّخَذْتُ الْكُوفَةَ دَارًا، فَإِنْ سَوَّغْتَنِي ذَلِكَ وَأَمَرْتَ لِي بِأَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ سِرْتُ إِلَى الشَّامِ، فَكَفَيْتُكَ ابْنَ مَرْوَانَ. فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِلَى مَتَى أُمَاكِرُ كَذَّابَ ثَقِيفٍ وَيُمَاكِرُنِي؟ ثُمَّ تَمَثَّلَ، شِعْرٌ: عَارِي الْجَوَاعِرِ مَنْ ثَمُودٌ أَصْلُهُ عَبْدٌ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ مَنْ يَقْدُمُ وَكَتَبَ إِلَيْهِ: وَاللَّهِ وَلَا دِرْهَمٌ: وَلَا أَمْتَرِي [عَبْدَ] الْهَوَانِ بِبَدْرَتِي وَإِنِّي لَآتِي الْحَتْفَ مَا دُمْتُ أَسْمَعُ

стр. 1756

ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ بَعَثَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ إِلَى وَادِي الْقُرَى، وَكَانَ الْمُخْتَارُ قَدْ وَادَعَ الزُّبَيْرَ لِيَكُفَّ عَنْهُ لِيَتَفَرَّغَ لِأَهْلِ الشَّامِ. فَكَتَبَ الْمُخْتَارُ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ: قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ مَرْوَانَ قَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ جَيْشًا، فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَمْدَدْتُكَ بِمَدَدٍ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنْ كُنْتَ عَلَى طَاعَتِي فَبَايِعْ لِيَ النَّاسَ قِبَلَكَ، وَعَجِّلْ إِنْقَاذَ الْجَيْشِ، وَمُرْهُمْ لِيَسِيرُوا إِلَى مَنْ بِوَادِي الْقُرَى مِنْ جُنْدِ ابْنِ مَرْوَانَ فَلْيُقَاتِلُوهُمْ، وَالسَّلَامُ. فَدَعَا الْمُخْتَارُ شُرَحْبِيلَ بْنَ وَرْسٍ الْهَمْدَانِيَّ، فَسَيَّرَهُ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ أَكْثَرُهُمْ مِنَ الْمَوَالِي، وَلَيْسَ فِيهِمْ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا سَبْعُمِائَةِ رَجُلٍ، وَقَالَ: سِرْ حَتَّى تَدْخُلَ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا دَخَلْتَهَا فَاكْتُبْ إِلَيَّ بِذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي. وَهُوَ يُرِيدُ إِذَا دَخَلُوا الْمَدِينَةَ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا، ثُمَّ يَأْمُرَ ابْنَ وَرْسٍ بِمُحَاصَرَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ. وَخَشِيَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَنْ يَكُونَ الْمُخْتَارُ إِنَّمَا يَكِيدُهُ، فَبَعَثَ مِنْ مَكَّةَ عَبَّاسَ بْنَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي أَلْفَيْنِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَنْفِرَ الْأَعْرَابَ، وَقَالَ لَهُ: إِنْ رَأَيْتَ الْقَوْمَ عَلَى طَاعَتِي، وَإِلَّا فَكَايِدْهُمْ حَتَّى تُهْلِكَهُمْ. فَأَقْبَلَ عَبَّاسُ بْنُ سَهْلٍ حَتَّى لَقِيَ ابْنَ وَرْسٍ بِالرَّقِيمِ وَقَدْ عَبَّأَ ابْنُ وَرْسٍ أَصْحَابَهُ، وَأَتَى عَبَّاسٌ وَقَدْ تَقَطَّعَ أَصْحَابُهُ، وَرَأَى ابْنَ وَرْسٍ عَلَى الْمَاءِ وَقَدْ عَبَّأَ أَصْحَابَهُ، فَدَنَا مِنْهُمْ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ لِابْنِ وَرْسٍ سِرًّا: أَلَسْتُمْ عَلَى طَاعَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَسِرْ بِنَا عَلَى عَدُوِّهِ الَّذِي بِوَادِي الْقُرَى. فَقَالَ ابْنُ وَرْسٍ: مَا أُمِرْتُ بِطَاعَتِكُمْ، إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ آتِيَ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا أَتَيْتُهَا رَأَيْتُ رَأْيِي. فَقَالَ لَهُ عَبَّاسٌ: إِنْ كُنْتُمْ فِي طَاعَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُسَيِّرَكُمْ إِلَى وَادِي الْقُرَى. (فَقَالَ: لَا أَتْبَعُكَ، أَقْدُمُ الْمَدِينَةَ وَأَكْتُبُ إِلَى صَاحِبِي، فَيَأْمُرُنِي بِأَمْرِهِ. فَقَالَ عَبَّاسٌ: رَأْيُكَ أَفْضَلُ. وَفَطِنَ لِمَا يُرِيدُ وَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَسَائِرٌ إِلَى وَادِي الْقُرَى) . وَنَزَلَ عَبَّاسٌ وَبَعَثَ إِلَى ابْنِ وَرْسٍ بِجَزَائِرَ وَغَنَمٍ مُسَلَّخَةٍ، وَكَانُوا قَدْ مَاتُوا جُوعًا، فَذَبَحُوا وَاشْتَغَلُوا بِهَا وَاخْتَلَطُوا عَلَى الْمَاءِ، وَجَمَعَ عَبَّاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ نَحْوَ أَلْفِ رَجُلٍ مِنَ الشُّجْعَانِ وَأَقْبَلَ نَحْوَ فُسْطَاطِ ابْنِ وَرْسٍ، فَلَمَّا رَآهُمْ نَادَى فِي أَصْحَابِهِ، فَلَمْ يَجْتَمِعْ إِلَيْهِ مِائَةُ رَجُلٍ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ عَبَّاسٌ، وَاقْتَتَلُوا يَسِيرًا، فَقُتِلَ ابْنُ وَرْسٍ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْحِفَاظِ، وَرَفَعَ عَبَّاسٌ رَايَةَ أَمَانٍ لِأَصْحَابِ ابْنِ وَرْسٍ، فَأَتَوْهَا إِلَّا نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ حِمْيَرٍ الْهَمْدَانِيِّ وَعَبَّاسِ بْنِ جَعْدَةَ الْجَدَلِيِّ، فَظَفِرَ ابْنُ سَهْلٍ مِنْهُمْ بِنَحْوٍ مِنْ مِائَتَيْنِ فَقَتَلَهُمْ، وَأَفْلَتَ الْبَاقُونَ فَرَجَعُوا، فَمَاتَ أَكْثَرُهُمْ فِي الطَّرِيقِ.

стр. 1757

وَكَتَبَ الْمُخْتَارُ بِخَبَرِهِمْ إِلَى ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ يَقُولُ: إِنِّي أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ جَيْشًا لِيُذِلُّوا لَكَ الْأَعْدَاءَ، وَيُحْرِزُوا الْبِلَادَ، فَلَمَّا قَارَبُوا طَيْبَةَ فُعِلَ بِهِمْ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ أَبْعَثَ إِلَى الْمَدِينَةِ جَيْشًا كَثِيفًا، وَتَبْعَثَ إِلَيْهِمْ مِنْ قِبَلِكَ رَجُلًا حَتَّى يَعْلَمُوا أَنِّي فِي طَاعَتِكَ فَافْعَلْ، فَإِنَّكَ سَتَجِدُهُمْ بِحَقِّكُمْ أَعَرَفَ، وَبِكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ أَرْأَفَ مِنْهُمْ بِآلِ الزُّبَيْرِ، وَالسَّلَامُ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ قَرَأْتُ كِتَابَكَ، وَعَرَفْتُ تَعْظِيمَكَ لِحَقِّي وَمَا تَنْوِيهِ مِنْ سُرُورِي، وَإِنَّ أَحَبَّ الْأُمُورِ كُلِّهَا إِلَيَّ مَا أُطِيعَ اللَّهُ فِيهِ، فَأَطِعِ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتَ، وَإِنِّي لَوْ أَرَدْتُ الْقِتَالَ لَوَجَدْتُ النَّاسَ إِلَيَّ سِرَاعًا، وَالْأَعْوَانَ لِي كَثِيرًا، وَلَكِنْ أَعْتَزِلُكُمْ وَأَصْبِرُ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ، وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ. وَأَمَرَهُ بِالْكَفِّ عَنِ الدِّمَاءِ. ذِكْرُ حَالِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَمَسِيرِ الْجَيْشِ مِنَ الْكُوفَةِ ثُمَّ إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ دَعَا مُحَمَّدَ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ (وَشِيعَتِهِ) وَسَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ وُجُوهِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، مِنْهُمْ أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ، لَهُ صُحْبَةٌ - لِيُبَايِعُوهُ، فَامْتَنَعُوا وَقَالُوا: لَا نُبَايِعُ حَتَّى تَجْتَمِعَ الْأُمَّةُ. فَأَكْثَرَ الْوَقِيعَةَ فِي ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَذَمَّهُ، فَأَغْلَظَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَانِئٍ الْكِنْدِيُّ وَقَالَ: لَئِنْ لَمْ يَضُرَّكَ إِلَّا تَرْكُنَا بَيْعَتَكَ لَا يَضُرُّكَ شَيْءٌ، وَإِنَّ صَاحِبَنَا يَقُولُ: لَوْ بَايَعَتْنِي الْأُمَّةُ كُلُّهَا غَيْرَ سَعْدٍ مَوْلَى مُعَاوِيَةَ مَا قَبِلْتُهُ. وَإِنَّمَا عَرَّضَ بِذِكْرِ سَعْدٍ لِأَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَتَلَهُ، فَسَبَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَسَبَّ أَصْحَابَهُ وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ عِنْدِهِ، فَأَخْبَرُوا ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ بِمَا كَانَ مِنْهُمْ، فَأَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ، وَلَمْ يُلِحَّ عَلَيْهِمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ. (فَلَمَّا اسْتَوْلَى الْمُخْتَارُ عَلَى الْكُوفَةِ، وَصَارَتِ الشِّيعَةُ تَدْعُو لِابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، خَافَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) أَنْ يَتَدَاعَى النَّاسُ إِلَى الرِّضَا بِهِ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ فِي الْبَيْعَةِ لَهُ، فَحَبَسَهُمْ بِزَمْزَمَ وَتَوَعَّدَهُمْ بِالْقَتْلِ وَالْإِحْرَاقِ وَإِعْطَاءِ اللَّهِ عَهْدًا إِنْ لَمْ يُبَايِعُوا أَنْ يُنَفِّذَ فِيهِمْ مَا تَوَعَّدَهُمْ بِهِ، وَضَرَبَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ أَجَلًا. فَأَشَارَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَى الْمُخْتَارِ يُعْلِمُهُ حَالَهُمْ، فَكَتَبَ إِلَى الْمُخْتَارِ بِذَلِكَ وَطَلَبَ مِنْهُ النَّجْدَةَ. فَقَرَأَ الْمُخْتَارُ الْكِتَابَ عَلَى النَّاسِ وَقَالَ: إِنَّ هَذَا مَهْدِيُّكُمْ وَصَرِيحُ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ، (وَقَدْ تَرَكُوا مَحْظُورًا عَلَيْهِمْ كَمَا يُحْظَرُ) عَلَى

стр. 1758

الْغَنَمُ، يَنْتَظِرُونَ الْقَتْلَ وَالتَّحْرِيقَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، لَسْتُ أَبَا إِسْحَاقَ إِنْ لَمْ أَنْصُرْهُمْ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، وَإِنْ لَمْ أُسَرِّبِ الْخَيْلَ فِي أَثَرِ الْخَيْلِ كَالسَّيْلِ يَتْلُوهُ السَّيْلُ، حَتَّى يَحِلَّ بِابْنِ الْكَاهِلِيَّةِ الْوَيْلُ! يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَذَلِكَ أَنَّ أُمَّ خُوَيْلِدٍ أَبِي الْعَوَّامِ زُهْرَةَ بِنْتَ عَمْرٍو مِنْ بَنِي كَاهِلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ. فَبَكَى النَّاسُ وَقَالُوا: سَرِّحْنَا إِلَيْهِ وَعَجِّلْ. فَوَجَّهَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيَّ فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا مِنْ أَهْلِ الْقُوَّةِ، وَوَجَّهَ ظَبْيَانَ بْنَ عُمَارَةَ أَخَا بَنِي تَمِيمٍ وَمَعَهُ أَرْبَعُمِائَةٍ، وَبَعَثَ مَعَهُ لِابْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَسَيَّرَ أَبَا الْمُعَمِّرِ فِي مِائَةٍ، وَهَانِئَ بْنَ قَيْسٍ فِي مِائَةٍ، وَعُمَيْرَ بْنَ طَارِقٍ فِي أَرْبَعِينَ، وَيُونُسَ بْنَ عِمْرَانَ فِي أَرْبَعِينَ. فَوَصَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيُّ إِلَى ذَاتِ عِرْقٍ، فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى أَتَاهُ عُمَيْرٌ وَيُونُسُ فِي ثَمَانِينَ رَاكِبًا، فَبَلَغُوا مِائَةً وَخَمْسِينَ رَجُلًا، فَسَارَ بِهِمْ حَتَّى دَخَلُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، (وَمَعَهُمُ الرَّايَاتُ) ، وَهُمْ يُنَادُونَ: يَا لِثَارَاتِ الْحُسَيْنِ! حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى زَمْزَمَ، وَقَدْ أَعَدَّ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْحَطَبَ لِيَحْرِقَهُمْ، وَكَانَ قَدْ بَقِيَ مِنَ الْأَجَلِ يَوْمَانِ، فَكَسَرُوا الْبَابَ وَدَخَلُوا عَلَى ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالُوا: خَلِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَدُوِّ اللَّهِ ابْنِ الزُّبَيْرِ! فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي لَا أَسْتَحِلُّ الْقِتَالَ فِي الْحَرَامِ. فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: وَاعْجَبًا لِهَذِهِ الْخَشَبِيَّةِ! يَنْعُونَ الْحُسَيْنَ كَأَنِّي أَنَا قَتَلْتُهُ، وَاللَّهِ لَوْ قَدَرْتُ عَلَى قَتَلَتِهِ لَقَتَلْتُهُمْ. وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُمْ خَشَبِيَّةٌ ; لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا مَكَّةَ وَبِأَيْدِيهِمُ الْخَشَبُ، كَرَاهَةَ شَهْرِ السُّيُوفِ فِي الْحَرَمِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا الْحَطَبَ الَّذِي أَعَدَّهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ. وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: أَتَحْسَبُونَ أَنِّي أُخَلِّي سَبِيلَهُمْ دُونَ أَنْ يُبَايِعَ وَيُبَايِعُوا؟ فَقَالَ الْجَدَلِيُّ: إِي وَرَبِّ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، لَتُخَلِّيَنَّ سَبِيلَهُ أَوْ لَنُجَالِدَنَّكَ بِأَسْيَافِنَا جِلَادًا يَرْتَابُ مِنْهُ الْمُبْطِلُونَ! فَكَفَّ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ أَصْحَابَهُ، وَحَذَّرَهُمُ الْفِتْنَةَ. ثُمَّ قَدِمَ بَاقِي الْجُنْدِ وَمَعَهُمُ الْمَالُ حَتَّى دَخَلُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَكَبَّرُوا وَقَالُوا: يَا لِثَارَاتِ الْحُسَيْنِ! فَخَافَهُمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَخَرَجَ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى شِعْبِ عَلِيٍّ وَهُمْ يَسُبُّونَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَيَسْتَأْذِنُونَ مُحَمَّدًا فِيهِ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ. فَاجْتَمَعَ مَعَ مُحَمَّدٍ فِي الشِّعْبِ أَرْبَعَةُ آلَافِ رَجُلٍ، فَقَسَمَ بَيْنَهُمُ الْمَالَ وَعَزُّوا وَامْتَنَعُوا. فَلَمَّا قُتِلَ الْمُخْتَارُ تَضَعْضَعُوا وَاحْتَاجُوا.

стр. 1759

ثُمَّ إِنَّ الْبِلَادَ اسْتَوْثَقَتْ لِابْنِ الزُّبَيْرِ بَعْدَ قَتْلِ الْمُخْتَارِ، فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ: ادْخُلْ فِي بَيْعَتِي وَإِلَّا نَابَذْتُكَ. وَكَانَ رَسُولَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ. فَقَالَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ: بُؤْسًا لِأَخِيكَ، مَا أَلَجَّهُ فِيمَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَأَغْفَلَهُ عَنْ ذَاتِ اللَّهِ! وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ يُرِيدُ أَنْ يَثُورَ بِنَا، وَقَدْ أَذِنْتُ لِمَنْ أَحَبَّ الِانْصِرَافَ عَنَّا، فَإِنَّهُ لَا ذِمَامَ عَلَيْهِ مِنَّا وَلَا لَوْمَ، فَإِنِّي مُقِيمٌ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ. فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيُّ وَغَيْرُهُ، فَأَعْلَمُوهُ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُفَارِقِيهِ. وَبَلَغَ خَبَرُهُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يُعْلِمُهُ أَنَّهُ إِنْ قَدِمَ عَلَيْهِ أَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ يَنْزِلُ إِلَى الشَّامِ إِنْ أَرَادَ حَتَّى يَسْتَقِيمَ أَمْرُ النَّاسِ، فَخَرَجَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَأَصْحَابُهُ إِلَى الشَّامِ، وَخَرَجَ مَعَهُ كُثَيِّرُ عَزَّةَ وَهُوَ يَقُولُ، شِعْرٌ: هُدِيتَ يَا مَهْدِيَّنَا ابْنَ الْمُهْتَدِيِ ... أَنْتَ الَّذِي نَرْضَى بِهِ وَنَرْتَجِي أَنْتَ ابْنُ خَيْرِ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِي ... أَنْتَ إِمَامُ الْحَقِّ لَسْنَا نَمْتَرِي يَا ابْنَ عَلِيٍّ سِرْ وَمَنْ مِثْلُ عَلِي فَلَمَّا وَصَلَ مَدْيَنَ بَلَغَهُ غَدْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، فَنَدِمَ عَلَى إِتْيَانِهِ وَخَافَهُ، فَنَزَلَ أَيْلَةَ، وَتَحَدَّثَ النَّاسُ بِفَضْلِ مُحَمَّدٍ وَكَثْرَةِ عِبَادَتِهِ وَزُهْدِهِ وَحُسْنِ هَدْيِهِ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الْمَلِكِ نَدِمَ عَلَى إِذْنِهِ لَهُ فِي قُدُومِهِ بَلَدَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّهُ لَا يَكُونُ فِي سُلْطَانِي مَنْ لَمْ يُبَايِعْنِي. فَارْتَحَلَ إِلَى مَكَّةَ وَنَزَلَ شِعْبَ أَبِي طَالِبٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَأْمُرُهُ بِالرَّحِيلِ عَنْهُ، وَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُسَيِّرَ نِسَاءَ مَنْ مَعَ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، فَسَيَّرَ نِسَاءً، مِنْهُنَّ امْرَأَةُ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، فَجَاءَتْ حَتَّى قَدِمَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ الطُّفَيْلُ، شِعْرٌ: إِنْ يَكُ سَيَّرَهَا مُصْعَبُ ... فَإِنِّي إِلَى مُصْعَبٍ مُتْعَبُ أَقُودُ الْكَتِيبَةَ مُسْتَلْئِمًا ... كَأَنِّي أَخُو عِزَّةٍ أَحْرَبُ وَهِيَ عِدَّةُ أَبْيَاتٍ. وَأَلَحَّ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ بِالِانْتِقَالِ إِلَى مَكَّةَ، فَاسْتَأْذَنَهُ أَصْحَابُهُ فِي قِتَالِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَلْبِسِ ابْنَ الزُّبَيْرِ لِبَاسَ الذُّلِّ وَالْخَوْفِ، وَسَلِّطْ عَلَيْهِ وَعَلَى أَشْيَاعِهِ مَنْ يَسُومُهُمُ الَّذِي يَسُومُ النَّاسَ. ثُمَّ سَارَ إِلَى الطَّائِفِ، فَدَخَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَغْلَظَ لَهُ، فَجَرَى بَيْنَهُمَا كَلَامٌ كَرِهْنَا ذِكْرَهُ. وَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا فَلَحِقَ بِالطَّائِفِ، ثُمَّ تُوُفِّيَ، فَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُ

стр. 1760

الْحَنَفِيَّةِ وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، وَبَقِيَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ حَتَّى حَصَرَ الْحَجَّاجُ ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَأَقْبَلَ مِنَ الطَّائِفِ فَنَزَلَ الشِّعْبَ، فَطَلَبَهُ الْحَجَّاجُ لِيُبَايِعَ عَبْدَ الْمَلِكِ، (فَامْتَنَعَ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ. فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ كَتَبَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ) يَطْلُبُ مِنْهُ الْأَمَانَ لَهُ وَلِمَنْ مَعَهُ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ يَأْمُرُهُ بِالْبَيْعَةِ، فَأَبَى وَقَالَ: قَدْ كَتَبْتُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَإِذَا جَاءَنِي جَوَابُهُ بَايَعْتُ. وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ يُوصِيهِ بِابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، فَتَرَكَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيُّ، وَمَعَهُ كِتَابُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِأَمَانِهِ وَبَسْطِ حَقِّهِ وَتَعْظِيمِ أَهْلِهِ، حَضَرَ عِنْدَ الْحَجَّاجِ، وَبَايَعَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ الشَّامَ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ لِلْحَجَّاجِ عَلَيْهِ سَبِيلًا، فَأَزَالَ حُكْمَ الْحَجَّاجِ عَنْهُ. وَقِيلَ: إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يُبَايِعَا، فَقَالَا: حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى إِمَامٍ ثُمَّ نُبَايِعُ، فَإِنَّكَ فِي فِتْنَةٍ. فَعَظُمَ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا، وَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ، وَحَبَسَ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ فِي زَمْزَمَ، وَضَيَّقَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مَنْزِلِهِ، وَأَرَادَ إِحْرَاقَهُمَا، فَأَرْسَلَ الْمُخْتَارُ جَيْشًا، كَمَا تَقَدَّمَ، فَأَزَالَ عَنْهُمَا ضَرَرَ ابْنِ الزُّبَيْرِ. فَلَمَّا قُتِلَ الْمُخْتَارُ قَوِيَ عَلَيْهِمَا ابْنُ الزُّبَيْرِ وَقَالَ: لَا تُجَاوِرَانِي، فَخَرَجَا إِلَى الطَّائِفِ، وَأَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ابْنَهُ عَلِيًّا إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بِالشَّامِ وَقَالَ: لَئِنْ يُرَبِّنِي بَنُو عَمِّي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُرَبِّنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ. يَعْنِي بِبَنِي عَمِّهِ بَنِي أُمَيَّةَ ; لِأَنَّهُمْ جَمِيعَهُمْ مِنْ وَلَدِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَيَعْنِي بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَإِنَّهُ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ. وَلَمَّا وَصَلَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، سَأَلَهُ عَنِ اسْمِهِ وَكُنْيَتِهِ، فَقَالَ: اسْمِي عَلِيٌّ، وَالْكُنْيَةُ أَبُو الْحَسَنِ. فَقَالَ: لَا يَجْتَمِعُ هَذَا الِاسْمُ وَهَذِهِ الْكُنْيَةُ فِي عَسْكَرِيٍّ، أَنْتَ أَبُو مُحَمَّدٍ. وَلَمَّا وَصَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى الطَّائِفِ تُوُفِّيَ بِهِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ. ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِخُرَاسَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ حِصَارُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ مَنْ كَانَ بِخُرَاسَانَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، بِسَبَبِ قَتْلِهِمُ ابْنَهُ مُحَمَّدًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَلَمَّا تَفَرَّقَتْ بَنُو تَمِيمٍ بِخُرَاسَانَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، أَتَى

стр. 1761

قَصْرَ فَرْتَنَا عِدَّةٌ مِنْ فُرْسَانِهِمْ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ، فَوَلُّوا أَمْرَهُمْ عُثْمَانَ بْنَ بِشْرِ بْنِ الْمُحْتَفِزِ الْمَازِنِيَّ، وَمَعَهُ شُعْبَةُ بْنُ ظَهِيرٍ النَّهْشَلِيُّ، وَوَرْدُ بْنُ الْفَلَقِ الْعَنْبَرِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ ذُؤَيْبٍ الْعَدَوِيُّ، وَجَيْهَانُ بْنُ مَشْجَعَةَ الضَّبِّيُّ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ نَاشِبٍ الْعَدَوِيُّ، وَرَقَبَةُ بْنُ الْحُرِّ، فِي فُرْسَانٍ مِنْ تَمِيمٍ وَشُجْعَانِهِمْ، فَحَاصَرَهُمُ ابْنُ خَازِمٍ، فَكَانُوا يَخْرُجُونَ إِلَيْهِ فَيُقَاتِلُونَهُ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى الْقَصْرِ. فَخَرَجَ ابْنُ خَازِمٍ يَوْمًا فِي سِتَّةِ آلَافٍ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْقَصْرِ، فَقَالَ لَهُمْ عُثْمَانُ بْنُ بِشْرٍ: ارْجِعُوا فَلَنْ تُطِيقُوهُ. فَحَلَفَ زُهَيْرُ بْنُ ذُؤَيْبٍ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ حَتَّى يَنْقُضَ صُفُوفَهُمْ. فَاسْتَبْطَنَ نَهْرًا قَدْ يَبِسَ، فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ حَتَّى حَمَلَ عَلَيْهِمْ، فَحَطَّ أَوَّلَهُمْ عَلَى آخِرِهِمْ، وَاسْتَدَارَ وَكَرَّ رَاجِعًا، وَاتَّبَعُوهُ يَصِيحُونَ بِهِ، وَلَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ أَنْ يَنْزِلَ إِلَيْهِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى مَوْضِعِهِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ، فَأَفْرَجُوا لَهُ حَتَّى رَجَعَ. فَقَالَ ابْنُ خَازِمٍ لِأَصْحَابِهِ: إِذَا طَاعَنْتُمْ زُهَيْرًا فَاجْعَلُوا فِي رِمَاحِكُمْ كَلَالِيبَ، ثُمَّ عَلِّقُوهَا فِي سِلَاحِهِ. فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ يَوْمًا فَطَاعَنَهُمْ، فَأَعْلَقُوا فِيهِ أَرْبَعَةَ أَرْمَاحٍ بِالْكَلَالِيبِ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِمْ لِيَحْمِلَ عَلَيْهِمْ، فَاضْطَرَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَخَلُّوا رِمَاحَهُمْ، فَعَادَ يَجُرُّ أَرْبَعَةَ أَرْمَاحٍ حَتَّى دَخَلَ الْقَصْرَ. فَأَرْسَلَ ابْنُ خَازِمٍ إِلَى زُهَيْرٍ يَضْمَنُ لَهُ مِائَةَ أَلْفٍ وَمَيْسَانَ طُعْمَةً لِيُنَاصِحَهُ، فَلَمْ يُجِبْهُ. فَلَمَّا طَالَ الْحِصَارُ عَلَيْهِمْ أَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ خَازِمٍ لِيُمَكِّنَهُمْ مِنَ الْخُرُوجِ لِيَتَفَرَّقُوا، فَقَالَ: لَا إِلَّا عَلَى حُكْمِي، فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ. فَقَالَ زُهَيْرٌ: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ! وَاللَّهِ لَيَقْتُلَنَّكُمْ عَنْ آخِرِكُمْ، وَإِنْ طِبْتُمْ بِالْمَوْتِ نَفْسًا فَمُوتُوا كِرَامًا، اخْرُجُوا بِنَا جَمِيعًا، فَإِمَّا أَنْ تَمُوتُوا كِرَامًا، وَإِمَّا يَنْجُو بَعْضُكُمْ وَيَهْلِكُ بَعْضُكُمْ، وَايْمُ اللَّهِ لَئِنْ شَدَدْتُمْ عَلَيْهِمْ شَدَّةً صَادِقَةً لَيُفْرِجُنَّ لَكُمْ، فَإِنْ شِئْتُمْ كُنْتُ أَمَامَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ كُنْتُ خَلْفَكُمْ. فَأَبَوْا عَلَيْهِ. فَقَالَ: سَأُرِيكُمْ. ثُمَّ خَرَجَ هُوَ وَرَقَبَةُ بْنُ الْحُرِّ وَغُلَامٌ تُرْكِيٌّ وَابْنُ ظَهِيرٍ، فَحَمَلُوا عَلَى الْقَوْمِ حَمْلَةً مُنْكَرَةً، فَأَفْرَجُوا لَهُمْ، فَمَضَوْا، فَأَمَّا زُهَيْرٌ فَرَجَعَ وَنَجَا أَصْحَابُهُ. فَلَمَّا رَجَعَ زُهَيْرٌ إِلَى مَنْ بِالْقَصْرِ قَالَ: قَدْ رَأَيْتُمْ، أَطِيعُونِي. قَالُوا: إِنَّا نَضْعُفُ عَنْ هَذَا وَنَطْمَعُ فِي الْحَيَاةِ. فَقَالَ: لَا أَكُونُ أَعْجَزَكُمْ عِنْدَ الْمَوْتِ. فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ ابْنِ

стр. 1762

خَازِمٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَقَيَّدَهُمْ وَحُمِلُوا إِلَيْهِ رَجُلًا رَجُلًا، فَأَرَادَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ فَأَبَى عَلَيْهِ ابْنُهُ مُوسَى وَقَالَ لَهُ: إِنْ عَفَوْتَ عَنْهُمْ قَتَلْتُ نَفْسِي، فَقَتَلَهُمْ إِلَّا ثَلَاثَةً: أَحَدُهُمُ الْحَجَّاجُ بْنُ نَاشِبٍ، فَشَفَعَ فِيهِ بَعْضُ مَنْ مَعَهُ، فَأَطْلَقَهُ، وَالْآخَرُ جَيْهَانُ بْنُ مَشْجَعَةَ الضَّبِّيُّ الَّذِي أَلْقَى نَفْسَهُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْآخَرُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَعْدٍ مِنْ تَمِيمٍ، وَهُوَ الَّذِي رَدَّ النَّاسَ عَنِ ابْنِ خَازِمٍ يَوْمَ لَحِقُوهُ، وَقَالَ: انْصَرِفُوا عَنْ فَارِسِ مُضَرَ. وَقَالَ: وَلَمَّا أَرَادُوا حَمْلَ زُهَيْرِ بْنِ ذُؤَيْبٍ وَهُوَ مُقَيَّدٌ أَبَى، وَاعْتَمَدَ عَلَى رُمْحِهِ فَوَثَبَ الْخَنْدَقَ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى ابْنِ خَازِمٍ يَحْجِلُ فِي قُيُودِهِ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ خَازِمٍ: كَيْفَ شُكْرُكَ إِنْ أَطْلَقْتُكَ وَأَطْعَمْتُكَ مَيْسَانَ؟ قَالَ: لَوْ لَمْ تَصْنَعْ بِي إِلَّا حَقْنَ دَمِي لَشَكَرْتُكَ. فَلَمْ يُمَكِّنْهُ ابْنُهُ مُوسَى مِنْ إِطْلَاقِهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: وَيْحَكَ نَقْتُلُ مِثْلَ زُهَيْرٍ! مَنْ لِقِتَالِ عَدُوِّ الْمُسْلِمِينَ؟ مَنْ لِحِمَى نِسَاءِ الْعَرَبِ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ شَرَكْتَ فِي دَمِ أَخِي لَقَتَلْتُكَ! فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ. فَقَالَ زُهَيْرٌ: إِنَّ لِي حَاجَةً، لَا تَقْتُلْنِي وَيُخْلَطُ دَمِي بِدِمَاءِ هَؤُلَاءِ اللِّئَامِ، فَقَدْ نَهَيْتُهُمْ عَمَّا صَنَعُوا، وَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يَمُوتُوا كِرَامًا وَيَخْرُجُوا عَلَيْكُمْ مُصْلِتِينَ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ فَعَلُوا لَأَذْعَرُوا بُنَيَّكَ هَذَا، وَشَغَلُوهُ بِنَفْسِهِ عَنْ طَلَبِ ثَأْرِ أَخِيهِ، فَأَبَوْا، وَلَوْ فَعَلُوا مَا قُتِلَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى يَقْتُلَ رِجَالًا. فَأَمَرَ بِهِ ابْنُ خَازِمٍ فَقُتِلَ نَاحِيَةً. فَلَمَّا بَلَغَ الْحَرِيشَ قَتْلُهُمْ قَالَ: أَعَاذِلَ إِنِّي لَمْ أُلِمْ فِي قِتَالِهِمْ ... وَقَدْ عَضَّ سَيْفِي كَبْشَهُمْ ثُمَّ صَمَّمَا أَعَاذِلَ مَا وُلِّيتُ حَتَّى تَبَدَّدَتْ ... رِجَالٌ وَحَتَّى لَمْ أَجِدْ مُتَقَدِّمَا أَعَاذِلَ أَفْنَانِي السِّلَاحُ، وَمَنْ يُطِلْ ... مُقَارَعَةَ الْأَبْطَالِ يَرْجِعْ مُكَلَّمَا أَعَيْنَيَّ إِنْ أَنَزَفْتُمَا الدَّمْعَ فَاسْكُبَا ... دَمًا لَازِمًا لِي دُونَ أَنْ تَسْكُبَا دَمَا أَبْعَدَ زُهَيْرٍ وَابْنِ بِشْرٍ تَتَابُعًا ... وَوَرْدٍ أُرَجِّي فِي خُرَاسَانَ مَغْنَمَا أَعَاذِلَ كَمْ مِنْ يَوْمِ حَرْبٍ شَهِدْتُهُ ... أَكُرُّ إِذَا مَا فَارِسُ السَّوْءِ أَحْجَمَا يَعْنِي زُهَيْرَ بْنَ ذُؤَيْبٍ، وَابْنُ بِشْرٍ هُوَ عُثْمَانُ، وَوَرْدَ بْنَ الْفَلَقِ.

стр. 1763

ذِكْرُ مَسِيرِ ابْنِ الْأَشْتَرِ إِلَى قِتَالِ ابْنِ زِيَادٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَارَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ لِقِتَالِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، وَكَانَ مَسِيرُهُ بَعْدَ فَرَاغِ الْمُخْتَارِ مِنْ وَقْعَةِ السَّبِيعِ بِيَوْمَيْنِ، وَأَخْرَجَ الْمُخْتَارُ مَعَهُ فُرْسَانَ أَصْحَابِهِ وَوُجُوهَهُمْ وَأَهْلَ الْبَصَائِرِ مِنْهُمْ مِمَّنْ لَهُ تَجْرِبَةٌ، وَخَرَجَ مَعَهُ الْمُخْتَارُ يُشَيِّعُهُ، فَلَمَّا بَلَغَ دَيْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُمِّ الْحَكَمِ لَقِيَهُ أَصْحَابُ الْمُخْتَارِ مَعَهُ الْكُرْسِيُّ يَحْمِلُونَهُ عَلَى بَغْلٍ أَشْهَبَ وَهُمْ يَدْعُونَ اللَّهَ لَهُ بِالنَّصْرِ وَيَسْتَنْصِرُونَهُ، وَكَانَ سَادِنَ الْكُرْسِيِّ حَوْشَبٌ الْبَرْسَمِيُّ، فَلَمَّا رَآهُمُ الْمُخْتَارُ قَالَ: أَمَا وَرَبِّ الْمُرْسَلَاتِ عُرْفَا ... لَنَقْتُلَنَّ بَعْدَ صَفٍّ صَفَّا وَبَعْدَ أَلْفٍ قَاسِطِينَ أَلْفَا ثُمَّ وَدَّعَهُ الْمُخْتَارُ وَقَالَ لَهُ: خُذْ عَنِّي ثَلَاثًا: خَفِ اللَّهَ فِي سِرِّ أَمْرِكَ وَعَلَانِيَتِكَ، وَعَجِّلِ السَّيْرَ، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ فَنَاجِزْهُمْ سَاعَةَ تَلْقَاهُمْ. وَرَجَعَ الْمُخْتَارُ، وَسَارَ إِبْرَاهِيمُ فَانْتَهَى إِلَى أَصْحَابِ الْكُرْسِيِّ، وَهُمْ عُكُوفٌ عَلَيْهِ قَدْ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ يَدْعُونَ اللَّهَ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا، هَذِهِ سُنَّةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِذْ عَكَفُوا عَلَى عِجْلِهِمْ، ثُمَّ رَجَعُوا وَسَارَ إِلَى قَصْدِهِ. ذِكْرُ حَالِ الْكُرْسِيِّ الَّذِي كَانَ الْمُخْتَارُ يَسْتَنْصِرُ بِهِ قَالَ الطُّفَيْلُ بْنُ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ: أَضَقْنَا إِضَاقَةً شَدِيدَةً، فَخَرَجْتُ يَوْمًا فَإِذَا جَارٌ لِي زَيَّاتٌ عِنْدَهُ كُرْسِيٌّ رَكِبَهُ الْوَسَخُ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَوْ قُلْتُ لِلْمُخْتَارِ فِي هَذَا شَيْئًا. فَأَخَذْتُهُ مِنَ الزَّيَّاتِ وَغَسَلْتُهُ، فَخَرَجَ عُودُ نُضَارٍ قَدْ شَرِبَ الدُّهْنَ وَهُوَ يَبِصٌ، قَالَ فَقُلْتُ لِلْمُخْتَارِ: إِنِّي كُنْتُ أَكْتُمُكَ شَيْئًا، وَقَدْ بَدَا لِي أَنْ أَذْكُرَهُ لَكَ، إِنَّ أَبِي جَعْدَةَ كَانَ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيٍّ عِنْدَنَا، وَيَرْوِي أَنَّ فِيهِ أَثَرًا مِنْ عَلِيٍّ. قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَخَّرْتَهُ إِلَى هَذَا الْوَقْتِ، ابْعَثْ بِهِ. فَأَحْضَرْتُهُ عِنْدَهُ وَقَدْ غُشِّيَ، فَأَمَرَ لِي بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، ثُمَّ دَعَا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ، فَقَالَ الْمُخْتَارُ:

стр. 1764

إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ أَمْرٌ إِلَّا وَهُوَ كَائِنٌ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مِثْلُهُ، وَإِنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ التَّابُوتُ، وَإِنَّ هَذَا فِينَا مِثْلَ التَّابُوتِ. فَكَشَفُوا عَنْهُ، وَقَامَتِ السَّبَئِيَّةُ فَكَبَّرُوا. ثُمَّ لَمْ يَلْبَثُوا أَنْ أَرْسَلَ الْمُخْتَارُ الْجُنْدَ لِقِتَالِ ابْنِ زِيَادٍ، وَخَرَجَ بِالْكُرْسِيِّ عَلَى بَغْلٍ وَقَدْ غُشِّيَ، فَقُتِلَ أَهْلُ الشَّامِ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، فَزَادَهُمْ ذَلِكَ فِتْنَةً، فَارْتَفَعُوا حَتَّى تَعَاطَوُا الْكُفْرَ. فَنَدِمْتُ عَلَى مَا صَنَعْتُ وَتَكَلَّمَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ تَعِيبُهُ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُخْتَارَ قَالَ لِآلِ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ، وَكَانَتْ أُمُّ جَعْدَةَ أُمُّ هَانِئٍ أُخْتَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لِأَبَوَيْهِ: ايتُونِي بِكُرْسِيِّ عَلِيٍّ. فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا هُوَ عِنْدَنَا. فَقَالَ: لَتَكُونُنَّ حَمْقَى، اذْهَبُوا فَأْتُونِي بِهِ. قَالَ: فَظَنُّوا أَنَّهُمْ لَا يَأْتُونَهُ بِكُرْسِيٍّ إِلَّا قَالَ: هَذَا هُوَ، وَقَبِلَهُ مِنْهُمْ. فَأَتَوْهُ بِكُرْسِيٍّ وَقَبَضَهُ مِنْهُمْ، وَخَرَجَتْ شِبَامٌ وَشَاكِرٌ وَرُءُوسُ أَصْحَابِ الْمُخْتَارِ وَقَدْ جَعَلُوا عَلَيْهِ الْحَرِيرَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَدَنَهُ مُوسَى بنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، كَانَ يُلِمُّ بِالْمُخْتَارِ لِأَنَّ أُمَّهُ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ، فَعَتَبَ النَّاسُ عَلَى مُوسَى، فَتَرَكَهُ وَسَدَنَهُ حَوْشَبٌ الْبَرْسَمِيُّ حَتَّى هَلَكَ الْمُخْتَارُ، وَقَالَ أَعْشَى هَمْدَانَ فِي ذَلِكَ، شِعْرٌ: شَهِدْتُ عَلَيْكُمْ أَنَّكُمْ سَبَئِيَّةٌ ... وَإِنِّي بِكُمْ يَا شُرْطَةَ الشِّرْكِ عَارِفُ فَأُقْسِمُ مَا كُرْسِيُّكُمْ بِسَكِينَةٍ ... وَإِنْ كَانَ قَدْ لُفَّتْ عَلَيْهِ اللَّفَائِفُ وَأَنْ لَيْسَ كَالتَّابُوتِ فِينَا وَإِنْ سَعَتْ ... شِبَامٌ حَوَالَيْهِ وَنَهْدٌ وَخَارِفُ وَإِنِّي امْرُؤٌ أَحْبَبْتُ آلَ مُحَمَّدٍ ... وَتَابَعْتُ وَحْيًا ضُمِّنَتْهُ الْمَصَاحِفُ وَبَايَعْتُ عَبْدَ اللَّهِ لَمَّا تَتَابَعَتْ ... عَلَيْهِ قُرَيْشٌ شُمْطُهَا وَالْغَطَارِفُ وَقَالَ الْمُتَوَكِّلُ اللَّيْثِيُّ: أَبْلِغْ أَبَا إِسْحَاقَ إِنْ جِئْتَهُ ... أَنِّي بِكُرْسِيِّكُمْ كَافِرُ

стр. 1765

تَرَوْا شِبَامَ حَوْلَ أَعْوَادِهِ ... وَتَحْمِلُ الْوَحْيَ لَهُ شَاكِرُ مُحْمَرَّةً أَعْيُنُهُمْ حَوْلَهُ ... كَأَنَّهُنَّ الْحِمَّصُ الْحَادِرُ ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ. وَكَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَامِلًا لِأَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ لِابْنِ الزُّبَيْرِ أَيْضًا، وَكَانَ بِالْكُوفَةِ الْمُخْتَارُ مُتَغَلِّبًا عَلَيْهَا، وَبِخُرَاسَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ أَسْمَاءُ بْنُ حَارِثَةَ الْأَسْلَمِيُّ، وَلَهُ صُحْبَةٌ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ، وَقِيلَ: بَلْ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ فِي إِمَارَةِ ابْنِ زِيَادٍ. وَتُوُفِّيَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَقِيلَ: مَاتَ فِي إِمَارَةِ بِشْرِ بْنِ هَارُونَ. وَتُوُفِّيَ أَسْمَاءُ بْنُ خَارِجَةَ بْنِ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ سَيِّدُ قَوْمِهِ. (حَارِثَةُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ) .

стр. 1766

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسِتِّينَ] ٦٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسِتِّينَ ذِكْرُ مَقْتَلِ ابْنِ زِيَادٍ وَلَمَّا سَارَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ مِنَ الْكُوفَةِ أَسْرَعَ السَّيْرَ لِيَلْقَوُا ابْنَ زِيَادٍ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ أَرْضَ الْعِرَاقِ، وَكَانَ ابْنُ زِيَادٍ قَدْ سَارَ فِي عَسْكَرٍ عَظِيمٍ مِنَ الشَّامِ، فَبَلَغَ الْمَوْصِلَ وَمَلَكَهَا، كَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا، فَسَارَ إِبْرَاهِيمُ وَخَلَّفَ أَرْضَ الْعِرَاقِ وَأَوْغَلَ فِي أَرْضِ الْمَوْصِلِ، وَجَعَلَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ الطُّفَيْلَ بْنَ لَقِيطٍ النَّخَعِيَّ، وَكَانَ شُجَاعًا. فَلَمَّا دَنَا ابْنُ زِيَادٍ عَبَّأَ أَصْحَابَهُ وَلَمْ يَسِرْ إِلَّا عَلَى تَعْبِيَةٍ وَاجْتِمَاعٍ، إِلَّا أَنَّهُ يَبْعَثُ الطُّفَيْلَ عَلَى الطَّلَائِعِ حَتَّى يَبْلُغَ نَهْرَ الْخَازِرِ مِنْ بَلَدِ الْمَوْصِلِ، فَنَزَلَ بِقَرْيَةِ بَارِشْيَا. وَأَقْبَلَ ابْنُ زِيَادٍ إِلَيْهِ حَتَّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنْهُمْ عَلَى شَاطِئِ الْخَازِرِ. وَأَرْسَلَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ السُّلَمِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ زِيَادٍ، إِلَى ابْنِ الْأَشْتَرِ: أَنِ الْقَنِي، وَكَانَتْ قَيْسٌ كُلُّهَا مُضْطَغِنَةً عَلَى ابْنِ مَرْوَانَ وَقْعَةَ مَرْجِ رَاهِطٍ، وَجُنْدُ عَبْدِ الْمَلِكِ يَوْمَئِذٍ كَلْبٌ. فَاجْتَمَعَ عُمَيْرٌ وَابْنُ الْأَشْتَرِ، فَأَخْبَرَهُ عُمَيْرٌ أَنَّهُ عَلَى مَيْسَرَةِ ابْنِ زِيَادٍ، وَوَاعَدَهُ أَنْ يَنْهَزِمَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْأَشْتَرِ: مَا رَأْيُكَ؟ أُخَنْدِقُ عَلَيَّ وَأَتَوَقَّفُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً؟ فَقَالَ عُمَيْرٌ: لَا تَفْعَلْ، وَهَلْ يُرِيدُونَ إِلَّا هَذَا؟ فَإِنَّ الْمُطَاوَلَةَ خَيْرٌ لَهُمْ، وَهُمْ كَثِيرٌ أَضْعَافُكُمْ، وَلَيْسَ يُطِيقُ الْقَلِيلُ الْكَثِيرَ فِي الْمُطَاوَلَةِ، وَلَكِنْ نَاجِزِ الْقَوْمَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ مُلِئُوا مِنْكُمْ رُعْبًا، وَإِنْ هُمْ شَامُّوا أَصْحَابَكَ، وَقَاتَلُوهُمْ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَمَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ - أَنِسُوا بِهِمْ وَاجْتَرَءُوا عَلَيْهِمْ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: الْآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ لِي مُنَاصِحٌ، وَبِهَذَا أَوْصَانِي صَاحِبِي. قَالَ عُمَيْرٌ: أَطِعْهُ فَإِنَّ الشَّيْخَ قَدْ ضَرَّسَتْهُ الْحَرْبُ وَقَاسَى مِنْهَا مَا لَمْ يُقَاسِهِ أَحَدٌ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَنَاهِضْهُمْ. وَعَادَ عُمَيْرٌ إِلَى أَصْحَابِهِ وَأَذْكَى ابْنُ الْأَشْتَرِ حَرَسَهُ، وَلَمْ يَدْخُلْ عَيْنَهُ غَمْضٌ، حَتَّى إِذَا كَانَ السَّحَرُ الْأَوَّلُ عَبَّأَ أَصْحَابَهُ، وَكَتَّبَ كَتَائِبَهُ، وَأَمَرَ أُمَرَاءَهُ، فَجَعَلَ سُفْيَانَ بْنَ يَزِيدَ

стр. 1767

الْأَزْدِيَّ عَلَى مَيْمَنَتِهِ، وَعَلِيَّ بْنَ مَالِكٍ الْجُشَمِيَّ عَلَى مَيْسَرَتِهِ، وَهُوَ أَخُو الْأَحْوَصِ، وَجَعَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ أَخُو إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ لِأُمِّهِ، عَلَى الْخَيْلِ، وَكَانَتْ خَيْلُهُ قَلِيلَةً، وَجَعَلَ الطُّفَيْلَ بْنَ لَقِيطٍ عَلَى الرَّجَّالَةِ، وَكَانَتْ رَايَتُهُ مَعَ مُزَاحِمِ بْنِ مَالِكٍ. فَلَمَّا انْفَجَرَ الْفَجْرُ صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَفَّ أَصْحَابَهُ، وَأَلْحَقَ كُلَّ أَمِيرٍ بِمَكَانِهِ، وَنَزَلَ إِبْرَاهِيمُ يَمْشِي وَيُحَرِّضُ النَّاسَ وَيُمَنِّيهِمُ الظَّفَرَ، وَسَارَ بِهِمْ رُوَيْدًا، فَأَشْرَفَ عَلَى تَلٍّ عَظِيمٍ مُشْرِفٍ عَلَى الْقَوْمِ، وَإِذَا أُولَئِكَ الْقَوْمُ لَمْ يَتَحَرَّكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَأَرْسَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زُهَيْرٍ السَّلُولِيَّ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِ الْقَوْمِ، فَعَادَ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: قَدْ خَرَجَ الْقَوْمُ عَلَى دَهَشٍ وَفَشَلٍ، لَقِيَنِي رَجُلٌ مِنْهُمْ وَلَيْسَ لَهُ كَلَامٌ إِلَّا: يَا شِيعَةَ أَبِي تُرَابٍ! يَا شِيعَةَ الْمُخْتَارِ الْكَذَّابِ! قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: الَّذِي بَيْنَنَا أَجَلُّ مِنَ الشَّتْمِ. وَرَكِبَ إِبْرَاهِيمُ وَسَارَ عَلَى الرَّايَاتِ يُحِثُّهُمْ، وَيَذْكُرُ لَهُمْ فِعْلَ ابْنِ زِيَادٍ بِالْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، مِنَ السَّبْيِ وَالْقَتْلِ وَمَنْعِ الْمَاءِ، وَحَرَّضَهُمْ عَلَى قَتْلِهِ. وَتَقَدَّمَ الْقَوْمُ إِلَيْهِ، وَقَدْ جَعَلَ ابْنُ زِيَادٍ عَلَى مَيْمَنَتِهِ الْحُصَيْنَ بْنَ نُمَيْرٍ السَّكُونِيَّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ عُمَيْرَ بْنَ الْحُبَابِ السُّلَمِيَّ، وَعَلَى الْخَيْلِ شُرَحْبِيلَ بْنَ ذِي الْكُلَاعِ الْحِمْيَرِيَّ. فَلَمَّا تَدَانَى الصَّفَّانِ حَمَلَ الْحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ فِي مَيْمَنَةِ أَهْلِ الشَّامِ عَلَى مَيْسَرَةِ إِبْرَاهِيمَ، فَثَبَتَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ مَالِكٍ الْجُشَمِيُّ فَقُتِلَ، ثُمَّ أَخَذَ رَايَتَهُ قُرَّةُ بْنُ عَلِيٍّ، فَقُتِلَ فِي رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْبَأْسِ وَانْهَزَمَتِ الْمَيْسَرَةُ، فَأَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَرْقَاءَ بْنِ جُنَادَةَ السَّلُولِيُّ ابْنُ أَخِي حُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَقْبَلَ الْمُنْهَزِمِينَ، فَقَالَ: إِلَيَّ يَا شُرْطَةَ اللَّهِ. فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ أَكْثَرُهُمْ. فَقَالَ: هَذَا أَمِيرُكُمْ يُقَاتِلُ ابْنَ زِيَادٍ، ارْجِعُوا بِنَا إِلَيْهِ فَرَجَعُوا، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ كَاشِفٌ رَأْسَهُ يُنَادِي: إِلَيَّ شُرْطَةَ اللَّهِ، أَنَا ابْنُ الْأَشْتَرِ، إِنَّ خَيْرَ فُرَّارِكُمْ كُرَّارُكُمْ، لَيْسَ مُسِيئًا مَنْ أَعْتَبَ. فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ، وَحَمَلَتْ مَيْمَنَةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَى مَيْسَرَةِ ابْنِ زِيَادٍ وَهُمْ يَرْجُونَ أَنْ يَنْهَزِمَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ، كَمَا زَعَمَ، فَقَاتَلَهُمْ عُمَيْرٌ قِتَالًا شَدِيدًا وَأَنِفَ مِنَ الْفِرَارِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: اقْصِدُوا هَذَا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ، فَوَاللَّهِ لَوْ هَزَمْنَاهُ لَانْجَفَلَ مَنْ تَرَوْنَ يَمْنَةً وَيَسْرَةً انْجِفَالَ طَيْرٍ ذَعَرْتَهَا. فَمَشَى أَصْحَابُهُ إِلَيْهِمْ فَتَطَاعَنُوا، ثُمَّ صَارُوا إِلَى السُّيُوفِ وَالْعُمُدِ، فَاضْطَرَبُوا بِهَا مَلِيًّا، وَكَانَ صَوْتُ الضَّرْبِ بِالْحَدِيدِ كَصَوْتِ الْقَصَّارِينَ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَقُولُ لِصَاحِبِ رَايَتِهِ: انْغَمِسْ بِرَايَتِكَ فِيهِمْ. فَيَقُولُ: لَيْسَ لِي مُتَقَدَّمٌ. فَيَقُولُ: بَلَى. فَإِذَا تَقَدَّمَ شَدَّ إِبْرَاهِيمُ بِسَيْفِهِ، فَلَا يَضْرِبُ [بِهِ] رَجُلًا إِلَّا صَرَعَهُ،

стр. 1768

وَكَرَدَ إِبْرَاهِيمُ الرَّجَّالَةَ [مِنْ] بَيْنِ يَدَيْهِ كَأَنَّهُمُ الْحِمْلَانُ، وَحَمَلَ أَصْحَابُهُ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ. وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ ابْنِ زِيَادٍ، وَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ قَتْلَى كَثِيرَةٌ. وَقِيلَ: إِنَّ عُمَيْرَ بْنَ الْحُبَابِ أَوَّلُ مَنِ انْهَزَمَ، وَإِنَّمَا كَانَ قِتَالُهُ أَوَّلًا تَعْذِيرًا. فَلَمَّا انْهَزَمُوا قَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنِّي قَدْ قَتَلْتُ رَجُلًا تَحْتَ رَايَةٍ مُنْفَرِدَةٍ عَلَى شَاطِئِ نَهْرِ الْخَازِرِ، فَالْتَمِسُوهُ، فَإِنِّي شَمَمْتُ مِنْهُ رَائِحَةَ الْمِسْكِ، شَرَّقَتْ يَدَاهُ، وَغَرَّبَتْ رِجْلَاهُ. فَالْتَمَسُوهُ فَإِذَا هُوَ ابْنُ زِيَادٍ قَتِيلًا بِضَرْبَةِ إِبْرَاهِيمَ فَقَدْ قَدَّتْهُ بِنِصْفَيْنِ وَسَقَطَ، كَمَا ذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ، فَأَخَذَ رَأْسَهُ وَأُحْرِقَتْ جُثَّتُهُ. وَحَمَلَ شَرِيكُ بْنُ جَدِيرٍ التَّغْلِبِيُّ عَلَى الْحُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ السَّكُونِيِّ وَهُوَ يَظُنُّهُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ، فَاعْتَنَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَنَادَى التَّغْلِبِيُّ: اقْتُلُونِي وَابْنَ الزَّانِيَةِ! فَقَتَلُوا الْحُصَيْنَ. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي قَتَلَ ابْنَ زِيَادٍ شَرِيكُ بْنُ جَدِيرٍ، وَكَانَ هَذَا شَرِيكٌ شَهِدَ صِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ، وَأُصِيبَتْ عَيْنُهُ، فَلَمَّا انْقَضَتْ أَيَّامُ عَلِيٍّ لَحِقَ شَرِيكٌ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فَأَقَامَ بِهِ، فَلَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ عَاهَدَ اللَّهَ - تَعَالَى - إِنْ ظَهَرَ مَنْ يَطْلُبُ بِدَمِهِ لَيَقْتُلَنَّ ابْنَ زِيَادٍ أَوْ لَيَمُوتَنَّ دُونَهُ. فَلَمَّا ظَهَرَ الْمُخْتَارُ لِلطَّلَبِ بِثَأْرِ الْحُسَيْنِ أَقْبَلَ إِلَيْهِ، وَسَارَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ، فَلَمَّا الْتَقَوْا حَمَلَ عَلَى خَيْلِ الشَّامِ يَهْتِكُهَا صَفًّا صَفًّا مَعَ أَصْحَابِهِ مِنْ رَبِيعَةَ، حَتَّى وَصَلُوا إِلَى ابْنِ زِيَادٍ، وَثَارَ الرَّهْجُ، فَلَا يُسْمَعُ إِلَّا وَقْعُ الْحَدِيدِ، فَانْفَرَجَتْ عَنِ النَّاسِ وَهُمَا قَتِيلَانِ، شَرِيكٌ وَابْنُ زِيَادٍ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَشَرِيكٌ هُوَ الْقَائِلُ: كُلُّ عَيْشٍ قَدْ أَرَاهُ بَاطِلًا غَيْرَ رَكْزِ الرُّمْحِ فِي ظِلِّ الْفَرَسْ قَالَ: وَقُتِلَ شُرَحْبِيلُ بْنُ ذِي الْكُلَاعِ الْحِمْيَرِيُّ، وَادَّعَى قَتْلَهُ سُفْيَانُ بْنُ يَزِيدَ الْأَزْدِيُّ، وَوَرْقَاءُ بْنُ عَازِبٍ الْأَسَدِيُّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زُهَيْرٍ السُّلَمِيُّ، وَكَانَ عُيَيْنَةُ بْنُ أَسْمَاءَ مَعَ ابْنِ زِيَادٍ، فَلَمَّا انْهَزَمَ أَصْحَابُهُ حَمَلَ أُخْتَهُ هِنْدَ بِنْتَ أَسْمَاءَ، وَكَانَتْ زَوْجَةَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، فَذَهَبَ بِهَا وَهُوَ يَرْتَجِزُ:

стр. 1769

إِنْ تَصْرِمِي حِبَالَنَا فَرُبَّمَا ... أَرْدَيْتُ فِي الْهَيْجَا الْكَمِيَّ الْمُعْلِمَا وَلَمَّا انْهَزَمَ أَصْحَابُ ابْنِ زِيَادٍ تَبِعَهُمْ أَصْحَابُ إِبْرَاهِيمَ، فَكَانَ مَنْ غَرِقَ أَكْثَرَ مِمَّنْ قُتِلَ، وَأَصَابُوا عَسْكَرَهُمْ وَفِيهِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. وَأَرْسَلَ إِبْرَاهِيمُ الْبِشَارَةَ إِلَى الْمُخْتَارِ وَهُوَ بِالْمَدَائِنِ، وَأَنْفَذَ إِبْرَاهِيمُ عُمَّالَهُ إِلَى الْبِلَادِ، فَبَعَثَ أَخَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى نَصِيبِينَ، وَغَلَبَ عَلَى سِنْجَارَ وَدَارَا وَمَا وَالَاهُمَا مِنْ أَرْضِ الْجَزِيرَةِ، فَوَلَّى زُفَرَ بْنَ الْحَارِثِ قَرْقِيسِيَا، وَحَاتِمَ بْنَ النُّعْمَانِ الْبَاهِلِيَّ حَرَّانَ، وَالرُّهَاءَ، وَسُمَيْسَاطَ، وَنَاحِيَتَهَا، وَوَلَّى عُمَيْرَ بْنَ الْحُبَابِ السُّلَمِيَّ كَفْرَتُوثَا، وَطُورَ عَبْدِينَ. وَأَقَامَ إِبْرَاهِيمُ بِالْمَوْصِلِ، وَأَنْفَذَ رَأْسَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ إِلَى الْمُخْتَارِ وَمَعَهُ رُءُوسُ قُوَّادِهِ، فَأُلْقِيَتْ فِي الْقَصْرِ، فَجَاءَتْ حَيَّةٌ دَقِيقَةٌ، فَتَخَلَّلَتِ الرُّءُوسَ حَتَّى دَخَلَتْ فِي فَمِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، ثُمَّ خَرَجَتْ مِنْ مَنْخَرِهِ، وَدَخَلَتْ فِي مِنْخَرِهِ وَخَرَجَتْ مِنْ فِيهِ، فَعَلَتْ هَذَا مِرَارًا، أَخْرَجَ هَذَا التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ. وَقَالَ الْمُغِيرَةُ: أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ الزُّيُوفَ فِي الْإِسْلَامِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ، وَقَالَ بَعْضُ حُجَّابِ ابْنِ زِيَادٍ: دَخَلْتُ مَعَهُ الْقَصْرَ حِينَ قُتِلَ الْحُسَيْنُ، فَاضْطَرَمَ فِي وَجْهِهِ نَارًا، فَقَالَ بِكُمِّهِ هَكَذَا عَلَى وَجْهِهِ وَقَالَ: لَا تُحَدِّثَنَّ بِهَذَا أَحَدًا. وَقَالَ الْمُغِيرَةُ: قَالَتْ مُرْجَانَةُ لِابْنِهَا عُبَيْدِ اللَّهِ بَعْدَ قَتْلِ الْحُسَيْنِ: يَا خَبِيثُ، قَتَلْتَ ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا تَرَى الْجَنَّةَ أَبَدًا! وَقَالَ ابْنُ مُفَرَّغٍ حِينَ قُتِلَ ابْنُ زِيَادٍ: إِنَّ الْمَنَايَا إِذَا مَا زُرْنَ طَاغِيَةً ... هَتَّكْنَ أَسْتَارَ حِجَّابٍ وَأَبْوَابِ أَقُولُ بُعْدًا وَسُحْقًا عِنْدَ مَصْرَعِهِ ... لِابْنِ الْخَبِيثَةِ وَابْنِ الْكَوْدَنِ الْكَابِي لَا أَنْتَ زُوحِمْتَ عَنْ مُلْكٍ فَتَمْنَعُهُ ... وَلَا مَتَتَّ إِلَى قَوْمٍ بِأَسْبَابٍ لَا مِنْ نِزَارٍ وَلَا مِنْ جَذْمِ ذِي يَمَنٍ ... جُلْمُودَ ذَا أُلْقِيتْ مِنْ بَيْنِ أَلْهَابِ لَا تَقْبَلُ الْأَرْضُ مَوْتَاهُمْ إِذَا قُبِرُوا ... وَكَيْفَ تَقْبَلُ رِجْسًا بَيْنَ أَثْوَابِ؟

стр. 1770

وَقَالَ سُرَاقَةُ الْبَارِقِيُّ يَمْدَحُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَشْتَرِ: أَتَاكُمْ غُلَامٌ مِنْ عَرَانِينَ مَذْحِجٍ ... جَرِيٌّ عَلَى الْأَعْدَاءِ غَيْرُ نَكُولِ فَيَا ابْنَ زِيَادٍ بُؤْ بِأَعْظَمِ مَالِكٍ ... وَذُقْ حَدَّ مَاضِي الشَّفْرَتَيْنِ صَقِيلِ جَزَى اللَّهُ خَيْرًا شُرْطَةَ اللَّهِ إِنَّهُمْ ... شَفَوْا مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَمْسِ غَلِيلِي وَقَالَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ السُّلَمِيُّ يَذُمُّ جَيْشَ ابْنِ زِيَادٍ: وَمَا كَانَ جَيْشٌ يَجْمَعُ الْخَمْرَ وَالزِّنَا ... مُحِلًّا إِذَا لَاقَى الْعَدُوَّ لِيُنْصَرَا ذِكْرُ وِلَايَةِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْبَصْرَةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَهُوَ الْقُبَاعُ، عَنِ الْبَصْرَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا أَخَاهُ مُصْعَبًا. فَقَدِمَهَا مُصْعَبٌ مُتَلَثِّمًا، وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ النَّاسُ: أَمِيرٌ أَمِيرٌ! وَجَاءَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَهُوَ الْأَمِيرُ، فَسَفَرَ مُصْعَبُ لِثَامَهُ فَعَرَفُوهُ، وَأَمَرَ مُصْعَبٌ الْحَارِثَ بِالصُّعُودِ إِلَيْهِ، فَأَجْلَسَهُ تَحْتَهُ بِدَرَجَةٍ، ثُمَّ قَامَ مُصْعَبٌ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ﴿طسم - تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ - نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ١ - ٣] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤] ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الشَّامِ، ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥] ، وَأَشَارَ نَحْوَ الْحِجَازِ، ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦] ، وَأَشَارَ نَحْوَ الْكُوفَةِ، وَقَالَ: يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ، بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُلَقِّبُونَ أُمَرَاءَكُمْ، وَقَدْ لَقَّبْتُ نَفْسِي بِالْجَزَّارِ. ذِكْرُ مَسِيرِ مُصْعَبٍ إِلَى الْمُخْتَارِ وَقَتْلِ الْمُخْتَارِ وَلَمَّا هَرَبَ أَشْرَافُ الْكُوفَةِ مِنْ وَقْعَةِ السَّبِيعِ أَتَى جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إِلَى مُصْعَبٍ، فَأَتَاهُ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ عَلَى بَغْلَةٍ قَدْ قَطَعَ ذَنَبَهَا وَطَرَفَ أُذُنَهَا، وَشَقَّ قَبَاءَهُ وَهُوَ يُنَادِي: يَا غَزْوَتَاهُ! فَرُفِعَ خَبَرُهُ إِلَى مُصْعَبٍ، فَقَالَ: هَذَا شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ. فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ، فَأَتَاهُ أَشْرَافُ الْكُوفَةِ

стр. 1771

فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، وَأَخْبَرُوهُ بِمَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَسَأَلُوهُ النَّصْرَ لَهُمْ، وَالْمَسِيرَ إِلَى الْمُخْتَارِ مَعَهُمْ. وَقَدِمَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ أَيْضًا وَاسْتَحَثَّهُ عَلَى الْمَسِيرِ، فَأَدْنَاهُ مُصْعَبٌ وَأَكْرَمَهُ لِشَرَفِهِ، وَقَالَ لِأَهْلِ الْكُوفَةِ حِينَ أَكْثَرُوا عَلَيْهِ: لَا أَسِيرُ حَتَّى يَأْتِيَنِي الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ. وَكَتَبَ إِلَيْهِ، وَهُوَ عَامِلُهُ عَلَى فَارِسَ، يَسْتَدْعِيهِ لِيَشْهَدَ مَعَهُمْ قِتَالَ الْمُخْتَارِ، فَأَبْطَأَ الْمُهَلَّبُ، وَاعْتَلَّ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَرَاجِ لِكَرَاهِيَةِ الْخُرُوجِ، فَأَمَرَ مُصْعَبٌ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُهَلَّبِ يَسْتَحِثَّهُ، فَأَتَاهُ مُحَمَّدٌ وَمَعَهُ كِتَابُ مُصْعَبٍ، فَلَمَّا قَرَأَهُ قَالَ لَهُ: أَمَا وَجَدَ مُصْعَبٌ بَرِيدًا غَيْرَكَ؟ فَقَالَ: مَا أَنَا بِبَرِيدٍ لِأَحَدٍ، غَيْرَ أَنَّ نِسَاءَنَا وَأَبْنَائَنَا وَحَرَمَنَا غَلَبَنَا عَلَيْهِمْ عَبِيدُنَا. فَأَقْبَلَ الْمُهَلَّبُ مَعَهُ بِجُمُوعٍ كَثِيرَةٍ وَأَمْوَالٍ عَظِيمَةٍ، فَقَدِمَ الْبَصْرَةَ، وَأَمَرَ مُصْعَبٌ بِالْعَسْكَرِ عِنْدَ الْجِسْرِ الْأَكْبَرِ، وَأَرْسَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مِخْنَفٍ إِلَى الْكُوفَةِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُخْرِجَ إِلَيْهِ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُثَبِّطَ النَّاسَ عَنِ الْمُخْتَارِ، وَيَدْعُوَهُمْ إِلَى بَيْعَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ سِرًّا، فَفَعَلَ، وَدَخَلَ بَيْتَهُ مُسْتَتِرًا، ثُمَّ سَارَ مُصْعَبٌ فَقَدَّمَ أَمَامَهُ عَبَّادَ بْنَ الْحُصَيْنِ الْحَطَمِيَّ التَّمِيمِيَّ، وَبَعَثَ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ عَلَى مَيْمَنَتِهِ، وَالْمُهَلَّبَ عَلَى مَسِيرَتِهِ، وَجَعَلَ مَالِكَ بْنَ مِسْمَعٍ عَلَى بَكْرٍ، وَمَالِكَ بْنَ الْمُنْذِرِ عَلَى عَبْدِ الْقَيْسِ، وَالْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ عَلَى تَمِيمٍ، وَزِيَادَ بْنَ عَمْرٍو الْعَتَكِيَّ عَلَى الْأَزْدِ، وَقَيْسَ بْنَ الْهَيْثَمِ عَلَى أَهْلِ الْعَالِيَةِ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ الْمُخْتَارَ، فَقَامَ فِي أَصْحَابِهِ فَأَعْلَمَهُمْ ذَلِكَ، وَنَدَبَهُمْ إِلَى الْخُرُوجِ مَعَ أَحْمَرَ بْنِ شُمَيْطٍ، فَخَرَجَ وَعَسْكَرَ بِحَمَّامِ أَعْيَنَ، وَدَعَا الْمُخْتَارُ رُءُوسَ الْأَرْبَاعِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ ابْنِ الْأَشْتَرِ، فَبَعَثَهُمْ مَعَ أَحْمَرَ بْنِ شُمَيْطٍ، فَسَارَ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ ابْنُ كَامِلٍ الشَّاكِرِيُّ، فَوَصَلُوا إِلَى الْمَذَارِ، وَأَتَى مُصْعَبٌ فَعَسْكَرَ قَرِيبًا مِنْهُ، وَعَبَّأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جُنْدَهُ ثُمَّ تَزَاحَفَا، فَجَعَلَ ابْنُ شُمَيْطٍ ابْنَ كَامِلٍ عَلَى مَيْمَنَتِهِ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ وُهَيْبٍ الْجُشَمِيَّ، وَجَعَلَ أَبَا عَمْرَةَ مَوْلَى عُرَيْنَةَ عَلَى الْمَوَالِي. فَجَاءَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ وُهَيْبٍ الْجُشَمِيُّ إِلَى ابْنِ شُمَيْطٍ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْمَوَالِيَ وَالْعَبِيدَ أُولُوا خَوَرٍ عِنْدَ الْمَصْدُوقَةِ، وَإِنَّ مَعَهُمْ رِجَالًا كَثِيرًا عَلَى الْخَيْلِ وَأَنْتَ تَمْشِي، فَمُرْهُمْ فَلْيَمْشُوا مَعَكَ، فَإِنِّي أَتَخَوَّفُ أَنْ يَطِيرُوا عَلَيْهَا وَيُسْلِمُوكَ. وَكَانَ هَذَا غِشًّا مِنْهُ لِلْمَوَالِي، لِمَا كَانُوا لَقُوا مِنْهُمْ بِالْكُوفَةِ، فَأَحَبَّ أَنْ كَانَتْ عَلَيْهِمُ الْهَزِيمَةُ، وَأَنْ لَا يَنْجُوَ مِنْهُمْ أَحَدٌ. فَلَمْ يَتَّهِمْهُ ابْنُ شُمَيْطٍ، فَفَعَلَ مَا أَشَارَ بِهِ، فَنَزَلَ الْمَوَالِي مَعَهُ. وَجَاءَ مُصْعَبٌ وَقَدْ جَعَلَ عَبَّادَ بْنَ الْحُصَيْنِ عَلَى الْخَيْلِ، فَدَنَا عَبَّادٌ مِنْ أَحْمَرَ

стр. 1772

وَأَصْحَابِهِ، وَقَالَ: إِنَّا نَدْعُوكُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَإِلَى بَيْعَةِ الْمُخْتَارِ، وَإِلَى أَنْ نَجْعَلَ هَذَا الْأَمْرَ شُورَى فِي آلِ الرَّسُولِ. فَرَجَعَ عَبَّادٌ فَأَخْبَرَ مُصْعَبًا، فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ فَاحْمِلْ عَلَيْهِمْ. فَرَجَعَ وَحَمَلَ عَلَى ابْنِ شُمَيْطٍ وَأَصْحَابِهِ، فَلَمْ يَنْزِلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى مَوْقِفِهِ، وَحَمَلَ الْمُهَلَّبُ عَلَى ابْنِ كَامِلٍ، فَجَالَ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، فَنَزَلَ ابْنُ كَامِلٍ، فَانْصَرَفَ عَنْهُ الْمُهَلَّبُ، ثُمَّ قَالَ الْمُهَلَّبُ لِأَصْحَابِهِ: كِرُّوا عَلَيْهِمْ كَرَّةً صَادِقَةً. فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ حَمْلَةً مُنْكَرَةً، فَوَلَّوْا، وَصَبَرَ ابْنُ كَامِلٍ فِي رِجَالٍ مِنْ هَمْدَانَ سَاعَةً ثُمَّ انْهَزَمَ، وَحَمَلَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، فَصَبَرَ سَاعَةً ثُمَّ انْصَرَفَ، وَحَمَلَ النَّاسُ جَمِيعًا عَلَى ابْنِ شُمَيْطٍ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَتَنَادَوْا: يَا مَعْشَرَ بَجِيلَةَ وَخَثْعَمٍ، الصَّبْرَ! فَنَادَاهُمُ الْمُهَلَّبُ: الْفِرَارُ الْيَوْمَ أَنْجَى لَكُمْ، عَلَامَ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ مَعَ هَذِهِ الْعَبِيدِ؟ ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَى كَثْرَةَ الْقَتْلِ الْيَوْمَ إِلَّا فِي قَوْمِي. وَمَالَتِ الْخَيْلُ عَلَى رَجَّالَةِ ابْنِ شُمَيْطٍ فَانْهَزَمَتْ، وَبَعَثَ مُصْعَبٌ عَبَّادًا عَلَى الْخَيْلِ، فَقَالَ: أَيُّمَا أَسِيرٍ أَخَذْتَهُ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ. وَسَرَّحَ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ فِي خَيْلٍ عَظِيمَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَقَالَ: دُونَكُمْ ثَأْرُكُمْ. فَكَانُوا أَشَدَّ عَلَى الْمُنْهَزِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، لَا يُدْرِكُونَ مُنْهَزِمًا إِلَّا قَتَلُوهُ، وَلَا يَأْخُذُونَ أَسِيرًا فَيَعْفُونَ عَنْهُ، فَلَمْ يَنْجُ مِنْ ذَلِكَ الْجَيْشِ إِلَّا طَائِفَةُ أَصْحَابِ الْخَيْلِ، وَأَمَّا الرَّجَّالَةُ فَأُبِيدُوا إِلَّا قَلِيلًا. قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ الْمُزَنِيُّ: انْتَهَيْتُ إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَأَدْخَلْتُ السِّنَانَ فِي عَيْنِهِ، فَأَخَذْتُ أُخَضْخِضُ عَيْنَهُ بِهِ. فَقِيلَ لَهُ: أَفَعَلْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، إِنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَنَا أَحَلَّ دِمَاءً مِنَ التُّرْكِ وَالدَّيْلَمِ. وَكَانَ مُعَاوِيَةُ هَذَا قَاضِي الْبَصْرَةِ. فَلَمَّا فَرَغَ مُصْعَبٌ مِنْهُمْ أَقْبَلَ حَتَّى قَطَعَ مِنْ تِلْقَاءِ وَاسِطٍ، وَلَمْ تَكُنْ بُنِيَتْ بَعْدُ، فَأَخَذَ فِي كَسْكَرٍ، ثُمَّ حَمَلَ الرِّجَالَ وَأَثْقَالَهُمْ وَالضُّعَفَاءَ فِي السُّفُنِ، فَأُخِذُوا فِي نَهْرِ خَرْشَادَ إِلَى نَهْرِ قُوسَانَ، ثُمَّ خَرَجُوا إِلَى الْفُرَاتِ. وَأَتَى الْمُخْتَارَ خَبَرُ الْهَزِيمَةِ وَمَنْ قُتِلَ بِهَا فِي فُرْسَانِ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: مَا مِنَ الْمَوْتِ بُدٌّ، وَمَا مِنْ مَيْتَةٍ أُمُوتُهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمُوتَ مَيْتَةَ ابْنِ شُمَيْطٍ. فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَبْلُغْ مَا يُرِيدُ يُقَاتِلْ حَتَّى يُقْتَلَ. وَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ مُصْعَبًا قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ سَارَ حَتَّى وَصَلَ السَّيْلَحِينَ، وَنَظَرَ إِلَى مُجْتَمَعِ الْأَنْهَارِ: نَهْرِ الْحَيْرَةِ، وَنَهْرِ السَّيْلَحِينَ، وَنَهْرِ الْقَادِسِيَّةِ، وَنَهْرِ يُوسُفَ، فَسَكَّرَ

стр. 1773

الْفُرَاتَ، فَذَهَبَ مَاؤُهَا فِي هَذِهِ الْأَنْهَارِ، وَبَقِيَتْ سُفُنُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فِي الطِّينِ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ خَرَجُوا مِنَ السُّفُنِ إِلَى ذَلِكَ السَّكْرِ، فَأَصْلَحُوهُ وَقَصَدُوا الْكُوفَةَ، وَسَارَ الْمُخْتَارُ إِلَيْهِمْ فَنَزَلَ حَرُورَاءَ وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْكُوفَةِ، وَكَانَ قَدْ حَصَّنَ الْقَصْرَ وَالْمَسْجِدَ، وَأَدْخَلَ إِلَيْهِ عُدَّةَ الْحِصَارِ. وَيُقْبِلُ مُصْعَبٌ وَقَدْ جَعَلَ عَلَى مَيْمَنَتِهِ الْمُهَلَّبَ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَعَلَى الْخَيْلِ عَبَّادَ بْنَ الْحُصَيْنِ، وَجَعَلَ الْمُخْتَارُ عَلَى مَيْمَنَتِهِ سُلَيْمَ بْنَ يَزِيدَ الْكِنْدِيَّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ سَعِيدَ بْنَ مُنْقِذٍ الْهَمْدَانِيَّ، وَعَلَى الْخَيْلِ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ اللَّهِ النَّهْدِيَّ، وَعَلَى الرِّجَالِ مَالِكَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ النَّهْدِيَّ. وَأَقْبَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ فِيمَنْ هَرَبَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَنَزَلَ بَيْنَ مُصْعَبٍ وَالْمُخْتَارِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْمُخْتَارُ بَعَثَ إِلَى كُلِّ جَيْشٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَتَدَانَى النَّاسُ، فَحَمَلَ سَعِيدُ بْنُ مُنْقِذٍ عَلَى بَكْرٍ وَعَبْدِ الْقَيْسِ، وَهُمْ فِي مَيْمَنَةِ مُصْعَبٍ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَأَرْسَلَ مُصْعَبٌ إِلَى الْمُهَلَّبِ لِيَحْمِلَ عَلَى مَنْ بِإِزَائِهِ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَجْزُرَ الْأَزْدَ خَشْيَةَ أَهْلِ الْكُوفَةِ حَتَّى أَرَى فُرْصَتِي. وَبَعَثَ الْمُخْتَارُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ الْمَخْزُومِيِّ، فَحَمَلَ عَلَى مَنْ بِإِزَائِهِ، وَهُمْ أَهْلُ الْعَالِيَةِ، فَكَشَفَهُمْ، فَانْتَهَوْا إِلَى مُصْعَبٍ، فَجَثَا مُصْعَبٌ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَبَرَكَ النَّاسُ عِنْدَهُ، فَقَاتَلُوا سَاعَةً وَتَحَاجَزُوا. ثُمَّ إِنَّ الْمُهَلَّبَ حَمَلَ فِي أَصْحَابِهِ عَلَى مَنْ بِإِزَائِهِ، فَحَطَمُوا أَصْحَابَ الْمُخْتَارِ حَطْمَةً مُنْكَرَةً، فَكَشَفُوهُمْ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو النَّهْدِيُّ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ صِفِّينَ: اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ بِصِفِّينَ، اللَّهُمَّ أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ فِعْلِ هَؤُلَاءِ - لِأَصْحَابِهِ [حِينَ انْهَزَمُوا]- وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ أَنْفُسِ هَؤُلَاءِ - يَعْنِي أَصْحَابَ مُصْعَبٍ - ثُمَّ جَالَدَ بِسَيْفِهِ حَتَّى قُتِلَ. وَانْقَصَفَ أَصْحَابُ الْمُخْتَارِ كَأَنَّهُمْ أَجَمَةُ قَصَبٍ فِيهَا نَارٌ، وَحَمَلَ مَالِكُ بْنُ عَمْرٍو النَّهْدِيُّ، وَهُوَ عَلَى الرَّجَّالَةِ، وَمَعَهُ نَحْوُ خَمْسِينَ رَجُلًا، وَذَلِكَ عِنْدَ الْمَسَاءِ، عَلَى أَصْحَابِ ابْنِ الْأَشْعَثِ حَمْلَةً مُنْكَرَةً، فَقُتِلَ ابْنُ الْأَشْعَثِ، وَقُتِلَ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ. وَقَاتَلَ الْمُخْتَارُ عَلَى فَمِ سِكَّةِ شَبَثٍ عَامَّةَ لَيْلَتِهِ، وَقَاتَلَ مَعَهُ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْبَأْسِ، وَقَاتَلَتْ مَعَهُ هَمْدَانُ أَشَدَّ قِتَالٍ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنِ الْمُخْتَارِ، فَقَالَ لَهُ مَنْ مَعَهُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، اذْهَبْ إِلَى الْقَصْرِ، فَجَاءَ حَتَّى دَخَلَهُ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: أَلَمْ تَكُنْ وَعَدْتَنَا الظَّفَرَ، وَأَنَّا سَنَهْزِمُهُمْ؟ فَقَالَ: أَمَا قَرَأْتَ فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]

стр. 1774

فَقِيلَ: إِنَّ الْمُخْتَارَ أَوَّلُ مَنْ قَالَ بِالْبَدَاءِ. فَلَمَّا أَصْبَحَ مُصْعَبٌ أَقْبَلَ يَسِيرُ فِيمَنْ مَعَهُ نَحْوَ السَّبْخَةِ، فَمَرَّ بِالْمُهَلَّبِ، فَقَالَ لَهُ الْمُهَلَّبُ: يَا لَهُ فَتْحًا، مَا أَهْنَأَهُ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ. قَالَ: صَدَقْتَ. ثُمَّ قَالَ مُصْعَبٌ لِلْمُهَلَّبِ: إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَدْ قُتِلَ، فَاسْتَرْجَعَ الْمُهَلَّبُ، فَقَالَ مُصْعَبٌ: قَدْ كُنْتُ أَحِبُّ أَنْ يَشْهَدَ هَذَا الْفَتْحَ، أَتَدْرِي مَنْ قَتَلَهُ؟ إِنَّمَا قَتَلَهُ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ شِيعَةٌ لِأَبِيهِ. ثُمَّ نَزَلَ السَّبْخَةَ فَقَطَعَ عَنْهُمُ الْمَاءَ وَالْمَادَّةَ، وَقَاتَلَهُمُ الْمُخْتَارُ وَأَصْحَابُهُ قِتَالًا ضَعِيفًا، وَاجْتَرَأَ النَّاسُ عَلَيْهِمْ، فَكَانُوا إِذَا خَرَجُوا رَمَاهُمُ النَّاسُ مِنْ فَوْقِ الْبُيُوتِ، وَصَبُّوا عَلَيْهِمُ الْمَاءَ الْقَذِرَ، وَكَانَ أَكْثَرُ مَعَاشِهِمْ مِنَ النِّسَاءِ، تَأْتِي الْمَرْأَةُ مُتَخَفِّيَةً وَمَعَهَا الْقَلِيلُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَى أَهْلِهَا. فَفَطِنَ مُصْعَبٌ بِالنِّسَاءِ فَمَنَعَهُنَّ، فَاشْتَدَّ عَلَى الْمُخْتَارِ وَأَصْحَابِهِ الْعَطَشُ، وَكَانُوا يَشْرَبُونَ مَاءَ الْبِئْرِ يَعْمَلُونَ فِيهِ الْعَسَلَ، فَكَانَ ذَلِكَ مَا يَرْوِي بَعْضَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ مُصْعَبًا أَمَرَ أَصْحَابَهُ، فَاقْتَرَبُوا مِنَ الْقَصْرِ وَاشْتَدَّ الْحِصَارُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمُ الْمُخْتَارُ: وَيْحَكُمُ إِنَّ الْحِصَارَ لَا يَزِيدُكُمْ إِلَّا ضَعْفًا، فَانْزِلُوا بِنَا فَنُقَاتِلُ حَتَّى نُقْتَلَ كِرَامًا إِنْ نَحْنُ قُتِلْنَا، فَوَاللَّهِ مَا أَنَا بِآيِسٍ إِنْ صَدَقْتُمُوهُمْ أَنْ يَنْصُرَكُمُ اللَّهُ. فَضَعُفُوا وَلَمْ يَفْعَلُوا. فَقَالَ لَهُمْ: أَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ لَا أُعْطِي بِيَدِي، وَلَا أُحَكِّمُكُمْ فِي نَفْسِي، وَإِذَا خَرَجْتُ فَقُتِلْتُ لَمْ تَزْدَادُوا إِلَّا ضَعْفًا وَذُلًّا، فَإِنْ نَزَلْتُمْ عَلَى حُكْمِهِمْ، وَثَبَتَ أَعْدَاؤُكُمْ فَقَتَلُوكُمْ، وَبَعْضُكُمْ يَنْظُرُ إِلَى بَعْضٍ فَتَقُولُونَ: يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا الْمُخْتَارَ، وَلَوْ أَنَّكُمْ خَرَجْتُمْ مَعِي كُنْتُمْ إِنْ أَخْطَأْتُمُ الظَّفَرَ مُتُّمْ كِرَامًا. فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ الْمُخْتَارُ تَدَلَّى مِنَ الْقَصْرِ، فَلَحِقَ بِنَاسٍ مِنْ إِخْوَانِهِ، فَاخْتَفَى عِنْدَهُمْ سِرًّا. ثُمَّ إِنَّ الْمُخْتَارَ تَطَيَّبَ وَتَحَنَّطَ وَخَرَجَ مِنَ الْقَصْرِ فِي تِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَمِنْهُمُ السَّائِبُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَكَانَتْ تَحْتَهُ عَمْرَةُ بِنْتُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، فَوَلَدَتْ لَهُ غُلَامًا اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، فَلَمَّا أُخِذَ الْقَصْرُ وُجِدَ صَبِيًّا فَتَرَكُوهُ. فَلَمَّا خَرَجَ الْمُخْتَارُ قَالَ لِلسَّائِبِ: مَاذَا تَرَى؟ قَالَ: مَا تَرَى أَنْتَ. قَالَ: وَيْحَكَ يَا أَحْمَقُ، إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ رَأَيْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَدْ وَثَبَ بِالْحِجَازِ، وَرَأَيْتُ ابْنَ نَجْدَةَ وَثَبَ بِالْيَمَامَةِ، وَمَرْوَانُ بِالشَّامِ، وَكُنْتُ فِيهَا كَأَحَدِهِمْ، إِلَّا أَنِّي قَدْ طَلَبْتُ بِثَأْرِ أَهْلِ الْبَيْتِ إِذْ نَامَتْ عَنْهُ الْعَرَبُ، فَقَاتِلْ عَلَى حَسْبِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ نِيَّةٌ. فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، مَا

стр. 1775

كُنْتُ أَصْنَعُ أَنْ أُقَاتِلَ عَلَى حَسْبِي. ثُمَّ تَقَدَّمَ الْمُخْتَارُ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، قَتَلَهُ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ أَخَوَانِ، أَحَدُهُمَا طَرَفَةُ، وَالْآخَرُ طَرَّافٌ، ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَجَاجَةَ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ مِنْ قَتْلِهِ دَعَاهُمْ بَحِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمِسْكِيُّ وَمَنْ مَعَهُ بِالْقَصْرِ إِلَى مَا دَعَاهُمُ الْمُخْتَارُ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، وَأَمْكَنُوا أَصْحَابَ مُصْعَبٍ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَأَخْرَجُوهُمْ مُكَتَّفِينَ، فَأَرَادَ إِطْلَاقَ الْعَرَبِ وَقَتْلَ الْمَوَالِي، فَأَبَى أَصْحَابُهُ عَلَيْهِ، فَعُرِضُوا عَلَيْهِ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ، وَعُرِضَ عَلَيْهِ بَحِيرٌ الْمِسْكِيُّ، فَقَالَ لِمُصْعَبٍ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ابْتَلَانَا بِالْأَسْرِ، وَابْتَلَاكَ بِأَنْ تَعْفُوَ عَنَّا، هُمَا مَنْزِلَتَانِ: إِحْدَاهُمَا رِضَاءُ اللَّهِ، وَالْأُخْرَى سُخْطُهُ، مَنْ عَفَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَزَادَ عِزًّا، وَمَنْ عَاقَبَ لَمْ يَأْمَنِ الْقِصَاصَ، يَا ابْنَ الزُّبَيْرِ نَحْنُ أَهْلُ قِبْلَتِكُمْ وَعَلَى مِلَّتِكُمْ، وَلَسْنَا تُرْكًا وَلَا دَيْلَمًا، فَإِنْ خَالَفْنَا إِخْوَانَنَا مِنْ أَهْلِ مِصْرِنَا، (فَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَصَبْنَا وَأَخْطَؤُوا، وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَخْطَأْنَا وَأَصَابُوا) ، فَاقْتَتَلْنَا بَيْنَنَا كَمَا اقْتَتَلَ أَهْلُ الشَّامِ بَيْنَهُمْ ثُمَّ اجْتَمَعُوا، وَكَمَا اقْتَتَلَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَاصْطَلَحُوا وَاجْتَمَعُوا، وَقَدْ مَلَكْتُمْ فَأَسْجِحُوا، وَقَدْ قَدَرْتُمْ فَاعْفُوا. فَمَا زَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ حَتَّى رَقَّ لَهُمُ النَّاسُ وَمُصْعَبٌ، وَأَرَادَ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُمْ. فَقَامَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ فَقَالَ: أَتُخَلِّي سَبِيلَهُمْ؟ اخْتَرْنَا أَوِ اخْتَرْهُمْ. وَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ فَقَالَ مِثْلَهُ، وَقَامَ أَشْرَافُ الْكُوفَةِ فَقَالُوا مِثْلَهُمَا، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ، فَقَالُوا لَهُ: يَا ابْنَ الزُّبَيْرِ، (لَا تَقْتُلْنَا وَاجْعَلْنَا عَلَى مُقَدِّمَتِكَ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ غَدًا، فَمَا بِكُمْ عَنَّا غِنًى، فَإِنْ قُتِلْنَا لَمْ نُقْتَلْ) حَتَّى نُضْعِفَهُمْ لَكُمْ، وَإِنْ ظَفَرْنَا بِهِمْ كَانَ ذَلِكَ لَكُمْ. فَأَبَى عَلَيْهِمْ. فَقَالَ بَحِيرٌ الْمِسْكِيُّ: لَا تَخْلِطْ دَمِي بِدِمَائِهِمْ إِذْ عَصَوْنِي. فَقَتَلَهُمْ. وَقَالَ مُسَافِرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَمِرَانَ النَّاعِطِيُّ: مَا تَقُولُ يَا ابْنَ الزُّبَيْرِ لِرَبِّكَ غَدًا وَقَدْ قَتَلْتَ أُمَّةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَكَّمُوكَ فِي أَنْفُسِهِمْ صَبْرًا؟ اقْتُلُوا مِنَّا بِعِدَّةِ مَنْ قَتَلْنَا مِنْكُمْ، فَفِينَا رِجَالٌ لَمْ يَشْهَدُوا مَوْطِنًا مِنْ حَرْبِنَا يَوْمًا وَاحِدًا، كَانُوا فِي السَّوَادِ وَجِبَايَةِ الْخَرَاجِ وَحِفْظِ الطُّرُقِ. فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ.

стр. 1776

وَلَمَّا أَرَادَ قَتْلَهُمُ اسْتَشَارَ مُصْعَبٌ الْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ، فَقَالَ: أَرَى أَنْ تَعْفُوَ، فَإِنَّ الْعَفْوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى. فَقَالَ أَشْرَافُ أَهْلِ الْكُوفَةِ: اقْتُلْهُمْ. وَضَجُّوا، فَقَتَلَهُمْ. فَلَمَّا قُتِلُوا قَالَ الْأَحْنَفُ: مَا أَدْرَكْتُمْ بِقَتْلِهِمْ ثَأْرًا، فَلَيْتَهُ لَا يَكُونُ فِي الْآخِرَةِ وَبَالًا. وَبَعَثَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ امْرَأَةُ مُصْعَبٍ إِلَيْهِ فِي إِطْلَاقِهِمْ، فَوَجَدَهُمُ الرَّسُولُ قَدْ قُتِلُوا. وَأَمَرَ مُصْعَبٌ بِكَفِّ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ فَقُطِعَتْ وَسُمِّرَتْ بِمِسْمَارٍ إِلَى جَانِبِ الْمَسْجِدِ، فَبَقِيَتْ حَتَّى قَدِمَ الْحَجَّاجُ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَسَأَلَ عَنْهَا فَقِيلَ: هَذِهِ كَفُّ الْمُخْتَارِ، فَأَمَرَ بِنَزْعِهَا. وَبَعَثَ مُصْعَبٌ عُمَّالَهُ عَلَى الْجِبَالِ وَالسَّوَادِ، وَكَتَبَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ يَدْعُوهُ إِلَى طَاعَتِهِ وَيَقُولُ لَهُ: إِنْ أَطَعْتَنِي فَلَكَ الشَّامُ وَأَعِنَّةُ الْخَيْلِ وَمَا غَلَبْتَ عَلَيْهِ مِنْ أَرْضِ الْمَغْرِبِ مَا دَامَ لِآلِ الزُّبَيْرِ سُلْطَانٌ. وَأَعْطَاهُ عَهْدَ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ. وَكَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ إِلَى ابْنِ الْأَشْتَرِ يَدْعُوهُ إِلَى طَاعَتِهِ وَيَقُولُ: إِنْ أَنْتَ أَجَبْتَنِي فَلَكَ الْعِرَاقُ. فَاسْتَشَارَ إِبْرَاهِيمُ أَصْحَابَهُ فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَوْ لَمْ أَكُنْ أَصَبْتُ ابْنَ زِيَادٍ وَأَشْرَافَ الشَّامِ لَأَجَبْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ، مَعَ أَنِّي لَا أَخْتَارُ عَلَى أَهْلِ مِصْرِي وَعَشِيرَتِي غَيْرَهُمْ. فَكَتَبَ إِلَى مُصْعَبٍ بِالدُّخُولِ مَعَهُ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُصْعَبٌ أَنْ أَقْبِلْ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ مُصْعَبًا إِقْبَالُهُ إِلَيْهِ بَعَثَ الْمُهَلَّبَ عَلَى عَمَلِهِ بِالْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ وَأَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ. ثُمَّ إِنَّ مُصْعَبًا دَعَا أُمَّ ثَابِتٍ بِنْتَ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ امْرَأَةَ الْمُخْتَارِ، وَعَمْرَةَ بِنْتَ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيَّةَ امْرَأَتَهُ الْأُخْرَى، فَأَحْضَرَهُمَا وَسَأَلَهُمَا عَنِ الْمُخْتَارِ. فَقَالَتْ أُمُّ ثَابِتٍ: نَقُولُ فِيهِ بِقَوْلِكَ أَنْتَ. فَأَطْلَقَهَا، وَقَالَتْ عَمْرَةُ: ﵀، كَانَ عَبْدًا لِلَّهِ صَالِحًا. فَحَبَسَهَا، وَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: إِنَّهَا تَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَمَرَهُ بِقَتْلِهَا، فَقُتِلَتْ لَيْلًا بَيْنَ الْكُوفَةِ وَالْحِيرَةِ، قَتَلَهَا بَعْضُ الشُّرَطِ، ضَرَبَهَا ثَلَاثَ ضَرَبَاتٍ بِالسَّيْفِ وَهِيَ تَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ! يَا عَثْرَتَاهُ! فَرَفَعَ رَجُلٌ يَدَهُ فَلَطَمَ الْقَاتِلَ وَقَالَ: يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ، عَذَّبْتَهَا! ثُمَّ تَشَحَّطَتْ فَمَاتَتْ، فَتَعَلَّقَ الشُّرْطِيُّ بِالرَّجُلِ وَحَمَلَهُ إِلَى مُصْعَبٍ، فَقَالَ: خَلُّوهُ فَقَدْ رَأَى أَمْرًا فَظِيعًا. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ فِي ذَلِكَ: إِنَّ مِنْ أَعْجَبِ الْعَجَائِبِ عِنْدِي ... قَتْلَ بَيْضَاءَ حُرَّةٍ عُطْبُولِ

стр. 1777

قُتِلَتْ هَكَذَا عَلَى غَيْرِ جُرْمٍ إِنَّ لِلَّهِ دَرُّهَا مِنْ قَتِيلِ ... كُتِبَ الْقَتْلُ وَالْقِتَالُ عَلَيْنَا وَعَلَى الْمُحْصَنَاتِ جَرُّ الذُّيُولِ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ فِي ذَلِكَ أَيْضًا: أَتَى رَاكِبٌ بِالْأَمْرِ ذِي النَّبَإِ الْعَجَبْ ... بِقَتْلِ ابْنَةِ النُّعْمَانِ ذِي الدِّينِ وَالْحَسَبْ بِقَتْلِ فَتَاةٍ ذَاتِ دَلٍّ سَتِيرَةٍ ... مُهَذَّبَةِ الْأَخْلَاقِ وَالْخِيمِ وَالنَّسَبْ مُطَهَّرَةٍ مِنْ نَسْلِ قَوْمٍ أَكَارِمٍ ... مِنَ الْمُؤْثِرِينَ الْخَيْرَ فِي سَالِفِ الْحِقَبْ خَلِيلُ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى وَنَصِيرُهُ ... وَصَاحِبُهُ فِي الْحَرْبِ وَالضَّرْبِ وَالْكُرَبْ أَتَانِي بِأَنَّ الْمُلْحِدِينَ تَوَافَقُوا ... عَلَى قَتْلِهَا لَا جُنِّبُوا الْقَتْلَ وَالسَّلَبْ فَلَا هَنَأَتْ آلَ الزُّبَيْرِ مَعِيشَةٌ ... وَذَاقُوا لِبَاسَ الذُّلِّ وَالْخَوْفِ وَالْحَرَبْ كَأَنَّهُمُ إِذْ أَبْرَزُوهَا وَقُطِّعَتْ ... بِأَسْيَافِهِمْ فَازُوا بِمَمْلَكَةِ الْعَرَبِ أَلَمْ تَعْجَبِ الْأَقْوَامُ مِنْ قَتْلِ حُرَّةٍ ... مِنَ الْمُحْصَنَاتِ الدِّينِ مَحْمُودَةِ الْأَدَبْ مِنَ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ بَرِيئَةٍ ... مِنَ الذَّمِّ وَالْبُهْتَانِ وَالشَّكِّ وَالْكَذِبْ عَلَيْنَا كِتَابُ الْقَتْلِ وَالْبَأْسِ وَاجِبٌ ... وَهُنَّ الْعَفَافُ فِي الْحِجَالِ وَفِي الْحُجُبْ

стр. 1778

عَلَى دِينِ أَجْدَادٍ لَهَا وَأُبُوَّةٍ كِرَامٍ مَضَتْ لَمْ تُخْزِ أَهْلًا وَلَمْ تُرِبْ ... مِنَ الْخَفِرَاتِ لَا خَرُوجٌ بَذِيَّةٌ مُلَائِمَةٌ تَبْغِي عَلَى جَارِهَا الْجُنُبْ ... وَلَا الْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَلَمْ تَدْرِ مَا الْخَنَا وَلَمْ تَزْدَلِفْ يَوْمًا بِسُوءٍ وَلَمْ تُجِبْ ... عَجِبْتُ لَهَا إِذْ كُتِّفَتْ وَهْيَ حَيَّةٌ أَلَا إِنَّ هَذَا الْخَطْبَ مِنْ أَعْجَبِ الْعَجَبْ وَقِيلَ: إِنَّ الْمُخْتَارَ إِنَّمَا أَظْهَرَ الْخِلَافَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ عِنْدَ قُدُومِ مُصْعَبٍ الْبَصْرَةَ، وَإِنَّ مُصْعَبًا لَمَّا سَارَ إِلَيْهِ فَبَلَغَهُ مَسِيرُهُ أَرْسَلَ إِلَيْهِ أَحْمَرَ بْنَ شُمَيْطٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُوَاقِعَهُ بِالْمَذَارِ، وَقَالَ: إِنَّ الْفَتْحَ بِالْمَذَارِ ; لِأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ يُفْتَحُ عَلَيْهِ بِالْمَذَارِ فَتْحٌ عَظِيمٌ، فَظَنَّ أَنَّهُ هُوَ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِلْحَجَّاجِ فِي قِتَالِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَشْعَثِ. وَأَمَرَ مُصْعَبٌ عَبَّادًا الْحَطَمِيَّ بِالْمَسِيرِ إِلَى جَمْعِ الْمُخْتَارِ، فَتَقَدَّمَ وَتَقَدَّمَ مَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَبَقِيَ مُصْعَبٌ عَلَى نَهْرِ الْبَصْرِيِّينَ، وَخَرَجَ الْمُخْتَارُ فِي عِشْرِينَ أَلْفًا، وَزَحَفَ مُصْعَبٌ وَمَنْ مَعَهُ، فَوَافُوهُ مَعَ اللَّيْلِ، فَقَالَ الْمُخْتَارُ لِأَصْحَابِهِ: لَا يَبْرَحَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ حَتَّى يَسْمَعَ مُنَادِيًا يُنَادِي: يَا مُحَمَّدُ، فَإِذَا سَمِعْتُمُوهُ فَاحْمِلُوا. فَلَمَّا طَلَعَ الْقَمَرُ أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: يَا مُحَمَّدُ، فَحَمَلُوا عَلَى أَصْحَابِ مُصْعَبٍ، فَهَزَمُوهُمْ وَأَدْخَلُوهُمْ عَسْكَرَهُمْ، فَلَمْ يَزَالُوا يُقَاتِلُونَهُمْ حَتَّى أَصْبَحُوا، وَأَصْبَحَ الْمُخْتَارُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ، وَأَصْحَابُهُ قَدْ أَوْغَلُوا فِي أَصْحَابِ مُصْعَبٍ، فَانْصَرَفَ الْمُخْتَارُ مُنْهَزِمًا حَتَّى دَخَلَ قَصْرَ الْكُوفَةِ، وَجَاءَ أَصْحَابُهُ حِينَ أَصْبَحُوا فَوَقَفُوا مَلِيًّا، فَلَمْ يَرَوُا الْمُخْتَارَ فَقَالُوا: قَدْ قُتِلَ، فَهَرَبَ مِنْهُمْ مَنْ أَطَاقَ الْهَرَبَ، فَاخْتَفُوا بِدُورِ الْكُوفَةِ، وَتَوَجَّهَ مِنْهُمْ نَحْوَ الْقَصْرِ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ، فَوَجَدُوا الْمُخْتَارَ فِي الْقَصْرِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، وَكَانُوا قَدْ قَتَلُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنْ أَصْحَابِ مُصْعَبٍ خَلْقًا كَثِيرًا، مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ. وَأَقْبَلَ مُصْعَبٌ فَأَحَاطَ بِالْقَصْرِ، وَحَاصَرَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، يَخْرُجُ الْمُخْتَارُ كُلَّ يَوْمٍ فَيُقَاتِلُهُمْ فِي سُوقِ الْكُوفَةِ. فَلَمَّا قُتِلَ الْمُخْتَارُ بَعَثَ مَنْ فِي الْقَصْرِ يَطْلُبُ الْأَمَانَ، فَأَبَى مُصْعَبٌ، فَنَزَلُوا عَلَى

стр. 1779

حُكْمِهِ، فَقَتَلَ مِنَ الْعَرَبِ سَبْعُمِائَةٍ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَسَائِرُهُمْ مِنَ الْعَجَمِ، وَكَانَ عِدَّةُ الْقَتْلَى سِتَّةَ آلَافِ رَجُلٍ. وَلَمَّا قُتِلَ الْمُخْتَارُ كَانَ عُمُرُهُ سَبْعًا وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَ قَتْلُهُ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ. قِيلَ: إِنَّ مُصْعَبًا لَقِيَ ابْنَ عُمَرَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: أَنَا ابْنُ أَخِيكَ مُصْعَبٍ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: أَنْتَ الْقَاتِلُ سَبْعَةَ آلَافٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ غَيْرَ مَا بَدَا لَكَ. فَقَالَ مُصْعَبٌ: إِنَّهُمْ كَانُوا كَفَرَةً فَجَرَةً. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ قَتَلْتَ عِدَّتَهُمْ غَنَمًا مِنْ تُرَاثِ أَبِيكَ لَكَانَ ذَلِكَ سَرَفًا. وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَلَمْ يَبْلُغْكَ قَتْلُ الْكَذَّابِ؟ قَالَ: وَمَنِ الْكَذَّابُ؟ قَالَ: ابْنُ أَبِي عُبَيْدٍ. قَالَ: قَدْ بَلَغَنِي قَتْلُ الْمُخْتَارِ. قَالَ: كَأَنَّكَ نَكَرْتَ تَسْمِيَتَهُ كَذَّابًا، وَمُتَوَجِّعٌ لَهُ. قَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ قَتَلَ قَتَلَتَنَا، وَطَلَبَ ثَأْرَنَا، وَشَفَى غَلِيلَ صُدُورِنَا، وَلَيْسَ جَزَاؤُهُ مِنَّا الشَّتْمَ وَالشَّمَاتَةَ. وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ لِابْنِ عَبَّاسٍ: قَدْ قُتِلَ الْكَذَّابُ الْمُخْتَارُ، وَهَذَا رَأْسُهُ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ بَقِيَتْ لَكُمْ عَقَبَةٌ كَئُودٌ فَإِنْ صَعِدْتُمُوهَا فَأَنْتُمْ أَنْتُمْ، وَإِلَّا فَلَا. يَعْنِي عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ. وَكَانَتْ هَدَايَا الْمُخْتَارِ تَأْتِي ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ الْحَنَفِيَّةِ فَيَقْبَلَانِهَا، وَقِيلَ: رَدَّ ابْنُ عُمَرَ هَدِيَّتَهُ. ذِكْرُ عَزْلِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَوِلَايَةِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَخَاهُ مُصْعَبًا عَنِ الْعِرَاقِ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ الْمُخْتَارَ، وَوَلَّى مَكَانَهُ ابْنَهُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ حَمْزَةُ جَوَّادًا مُخَلَّطًا، يَجُودُ أَحَيَانًا حَتَّى لَا يَدَعَ شَيْئًا يَمْلِكُهُ، وَيَمْنَعُ أَحْيَانًا مَا لَا يَمْنَعُ مِثْلُهُ، وَظَهَرَ مِنْهُ بِالْبَصْرَةِ خِفَّةٌ وَضَعْفٌ، فَيُقَالُ إِنَّهُ رَكِبَ يَوْمًا فَرَأَى فَيْضَ الْبَصْرَةِ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْغَدِيرَ إِنْ رَفَقُوا بِهِ لَيَكْفِيَنَّهُمْ صَيَفَهُمْ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ رَآهُ جَازِرًا فَقَالَ: قَدْ قُلْتُ لَوْ رَفَقُوا بِهِ لَكَفَاهُمْ. وَظَهَرَ مِنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ، فَكَتَبَ الْأَحْنَفُ إِلَى أَبِيهِ وَسَأَلَهُ أَنْ يَعْزِلَهُ عَنْهُمْ وَيُعِيدَ مُصْعَبًا، فَعَزَلَهُ، فَاحْتَمَلَ مَالًا كَثِيرًا

стр. 1780

مِنْ مَالِ الْبَصْرَةِ، فَعَرَضَ لَهُ مَالِكُ بْنُ مَسْمَعٍ فَقَالَ لَهُ: لَا نَدَعُكَ تَخْرُجُ بِعَطَايَانَا. فَضَمِنَ لَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَطَاءَ، فَكَفَّ عَنْهُ، وَشَخَصَ حَمْزَةُ بِالْمَالِ، وَأَتَى الْمَدِينَةَ فَأَوْدَعَهُ رِجَالًا، فَجَحَدُوهُ إِلَّا رَجُلًا وَاحَدًا فَوَفَى لَهُ، وَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَاهُ فَقَالَ: أَبْعَدَهُ اللَّهُ! أَرَدْتُ أَنْ أُبَاهِيَ بِهِ بَنِي مَرْوَانَ فَنَكَصَ. وَقِيلَ: إِنَّ مُصْعَبًا أَقَامَ بِالْكُوفَةِ سَنَةً بَعْدَ قَتْلِ الْمُخْتَارِ مَعْزُولًا عَنِ الْبَصْرَةِ، عَزَلَهُ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا ابْنَهُ حَمْزَةَ، ثُمَّ إِنَّ مُصْعَبًا وَفَدَ عَلَى أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، فَرَدَّهُ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَقِيلَ: بَلِ انْصَرَفَ مُصْعَبٌ إِلَى الْبَصْرَةِ بَعْدَ قَتْلِ الْمُخْتَارِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْكُوفَةِ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، فَكَانَتَا فِي عَمَلِهِ، فَعَزَلَهُ أَخُوهُ عَنِ الْبَصْرَةِ وَاسْتَعْمَلَ ابْنَهُ حَمْزَةَ، ثُمَّ عَزَلَ حَمْزَةَ بِكِتَابِ الْأَحْنَفِ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَرَدَّ مُصْعَبًا. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ حَجَّ بِالنَّاسِ [فِي هَذِهِ السَّنَةِ] عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ عَامِلُهُ عَلَى الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ هِشَامُ بْنُ هُبَيْرَةَ، وَبِالشَّامِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَبِخُرَاسَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ بِالْكُوفَةِ مَعَ مُصْعَبٍ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِينَ بِالْكُوفَةِ لَمَّا سَارَ مُصْعَبٌ إِلَى قِتَالِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ. وَقُتِلَ هُبَيْرَةُ بْنُ مَرْيَمَ مَوْلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ بِالْخَازَرِ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْمُخْتَارِ وَثِقَاتِ الْمُحَدِّثِينَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَأَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَلَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ. وَقَتَلَ مُصْعَبٌ عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَعَبْدَ الرَّبِّ ابْنَيْ حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ، وَعِمْرَانَ بْنَ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، قَتَلَهُمْ صَبْرًا بَعْدَ قَتْلِ الْمُخْتَارِ، وَبَعْدَ قَتْلِ أَصْحَابِهِ.

стр. 1781

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ] ٦٨ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ ذِكْرُ عَزْلِ حَمْزَةَ وَوِلَايَةِ مُصْعَبٍ الْبَصْرَةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ رَدَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَخَاهُ مُصْعَبًا إِلَى الْعِرَاقِ. وَسَبَبُهُ: أَنَّ الْأَحْنَفَ رَأَى مِنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اخْتِلَاطًا وَحُمْقًا، فَكَتَبَ إِلَى أَبِيهِ، فَعَزَلَهُ وَرَدَّ مُصْعَبًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْكُوفَةِ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ عَزْلِهِ حَمْزَةَ أَنَّهُ قَصَّرَ بِالْأَشْرَافِ وَبَسَطَ يَدَهُ، فَفَزِعُوا إِلَى مَالِكِ بْنِ مِسْمَعٍ، فَضَرَبَ خَيْمَتَهُ عَلَى الْجِسْرِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى حَمْزَةَ: الْحَقْ بِأَبِيكَ. وَأَخْرَجَهُ عَنِ الْبَصْرَةِ، فَقَالَ الْعُدَيْلُ الْعِجْلِيُّ: إِذَا مَا خَشِينَا مِنْ أَمِيرٍ ظُلَامَةً ... دَعَوْنَا أَبَا سُفْيَانَ يَوْمًا فَعَسْكَرَا ذِكْرُ حُرُوبِ الْخَوَارِجِ بِفَارِسَ وَالْعِرَاقِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ مُصْعَبٌ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ عَلَى فَارِسَ، وَوَلَّاهُ حَرْبَ الْأَزَارِقَةِ، وَكَانَ الْمُهَلَّبُ عَلَى حَرْبِهِمْ أَيَّامَ مُصْعَبٍ الْأُولَى، وَأَيَّامَ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. فَلَمَّا عَادَ مُصْعَبٌ أَرَادَ أَنْ يُوَلِّيَ الْمُهَلَّبَ بِلَادَ الْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ وَأَرْمِينِيَّةَ ; لِيَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ وَهُوَ بِفَارِسَ فِي الْقُدُومِ عَلَيْهِ، فَقَدِمَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى عَمَلِهِ ابْنَهُ الْمُغِيرَةَ، وَوَصَّاهُ بِالِاحْتِيَاطِ، وَقَدِمَ الْبَصْرَةَ، فَعَزَلَهُ مُصْعَبٌ عَنْ حَرْبِ الْخَوَارِجِ وَبِلَادِ فَارِسَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمَا عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ. فَلَمَّا سَمِعَ الْخَوَارِجُ بِهِ قَالَ قَطَرِيُّ بْنُ الْفُجَاءَةِ: قَدْ جَاءَكُمْ شُجَاعٌ، وَهُوَ شُجَاعٌ وَبَطَلٌ، جَاءَ يُقَاتِلُ لِدِينِهِ وَمُلْكِهِ بِطَبِيعَةٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهَا لِأَحَدٍ، مَا حَضَرَ حَرْبًا إِلَّا كَانَ أَوَّلَ فَارِسٍ يَقْتُلُ قِرْنَهُ.

стр. 1782

وَكَانَ الْخَوَارِجُ قَدِ اسْتَعْمَلُوا عَلَيْهِمْ بَعْدَ قَتْلِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْمَاحُوزِ الزُّبَيْرَ بْنَ الْمَاحُوزِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ، فَجَاءَتِ الْخَوَارِجُ إِلَى إِصْطَخْرَ، فَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ عُمَرُ ابْنَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ فِي خَيْلٍ، فَاقْتَتَلُوا فَقُتِلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَأَرَادَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْمَاحُوزِ قِتَالَ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ قَطَرِيٌّ: إِنَّ عُمَرَ مَأْثُورٌ فَلَا نُقَاتِلُهُ. فَأَبَى فَقَاتَلَهُ، فَقُتِلَ مِنْ فُرْسَانِ الْخَوَارِجِ تِسْعُونَ رَجُلًا، وَطَعَنَ عُمَرُ صَالِحَ بْنَ مُخَارِقٍ، فَشَتَرَ عَيْنَهُ، وَضَرَبَ قَطَرِيًّا عَلَى جَبِينِهِ فَفَلَقَهُ، وَانْهَزَمَتِ الْخَوَارِجُ وَسَارُوا إِلَى سَابُورَ، فَعَادَ عُمَرُ وَلَقِيَهُمْ بِهَا وَمَعَهُ مُجَّاعَةُ بْنُ سِعْرٍ، فَقَتَلَ مُجَّاعَةُ بِعَمُودٍ كَانَ مَعَهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْخَوَارِجِ، وَكَادَ عُمَرُ يَهْلِكُ فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ، فَدَافَعَ عَنْهُ مُجَّاعَةُ، فَوَهَبَ لَهُ عُمَرُ تِسْعَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقِيلَ فِي ذَلِكَ: قَدْ ذُدْتُ عَادِيَةَ الْكَتِيبَةِ عَنْ فَتًى قَدْ كَادَ يُتْرَكُ لَحْمُهُ أَقْطَاعَا وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ، فَسَارُوا وَقَطَعُوا قَنْطَرَةً بَيْنَهُمَا لِيَمْتَنِعَ مِنْ طَلَبِهِمْ، وَقَصَدُوا نَحْوَ أَصْبَهَانَ، فَأَقَامُوا عِنْدَهَا حَتَّى قَوَوْا وَاسْتَعَدُّوا، ثُمَّ أَقْبَلُوا حَتَّى مَرُّوا بِفَارِسَ وَبِهَا عُمَرُ، فَقَطَعُوهَا فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُمْ بِهِ، أَخَذُوا عَلَى سَابُورَ، ثُمَّ عَلَى أَرَّجَانَ، حَتَّى أَتَوُا الْأَهْوَازَ. فَقَالَ مُصْعَبٌ: الْعَجَبُ لِعُمَرَ! قَطَعَ الْعَدُوُّ الَّذِي هُوَ بِصَدَدِ مُحَارَبَتِهِ أَرْضَ فَارِسَ فَلَمْ يُقَاتِلْهُمْ، وَلَوْ قَاتَلَهُمْ وَفَرَّ كَانَ أَعْذَرَ لَهُ. وَكَتَبَ إِلَيْهِ: يَا ابْنَ مَعْمَرٍ مَا أَنْصَفْتَنِي، تَجْبِي الْفَيْءَ وَتَحِيدُ عَنِ الْعَدُوِّ، فَاكْفِنِي أَمْرَهُمْ. فَسَارَ عُمَرُ مِنْ فَارِسَ فِي أَثَرِهِمْ مُجِدًّا يَرْجُو أَنْ يَلْحَقَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا الْعِرَاقَ، وَخَرَجَ مُصْعَبٌ فَعَسْكَرَ عِنْدَ الْجِسْرِ الْأَكْبَرِ، وَعَسْكَرَ النَّاسُ مَعَهُ، وَبَلَغَ الْخَوَارِجَ وَهُمْ بِالْأَهْوَازِ إِقْبَالُ عُمَرَ إِلَيْهِمْ، وَأَنَّ مُصْعَبًا قَدْ خَرَجَ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمُ الزُّبَيْرُ بْنُ الْمَاحُوزِ: مِنْ سُوءِ الرَّأْيِ وُقُوعُكُمْ بَيْنَ هَاتَيْنِ الشَّوْكَتَيْنِ، انْهَضُوا بِنَا إِلَى عَدُوِّنَا نَلْقَهُمْ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ. فَسَارَ بِهِمْ فَقَطَعَ بِهِمْ أَرْضَ جُوخَى وَالنَّهْرَوَانَاتِ، فَأَتَى الْمَدَائِنَ وَبِهَا كَرْدَمُ بْنُ مَرْثَدٍ الْقُرَادِيُّ، فَشَنُّوا الْغَارَةَ عَلَى أَهْلِ الْمَدَائِنِ يَقْتُلُونَ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ وَالْوِلْدَانَ، وَيَشُقُّونَ أَجْوَافَ الْحُبَالَى. فَهَرَبَ كَرْدَمُ، وَأَقْبَلُوا إِلَى سَابَاطَ، وَوَضَعُوا السَّيْفَ فِي النَّاسِ يَقْتُلُونَ، وَأَرْسَلُوا جَمَاعَةً إِلَى الْكَرْخِ، فَلَقُوا أَبَا بَكْرِ بْنَ مِخْنَفٍ، فَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ أَبُو بَكْرٍ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَأَفْسَدَ الْخَوَارِجُ فِي الْأَرْضِ. فَأَتَى أَهْلُ الْكُوفَةِ أَمِيرَهُمْ، وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَلَقَبُهُ الْقُبَاعُ، فَصَاحُوا بِهِ

стр. 1783

وَقَالُوا: اخْرُجْ فَإِنَّ الْعَدُوَّ قَدْ أَظَلَّ عَلَيْنَا لَيْسَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ. فَخَرَجَ حَتَّى نَزَلَ النُّخَيْلَةَ فَأَقَامَ أَيَّامًا، فَوَثَبَ إِلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ، فَحَثَّهُ عَلَى الْمَسِيرِ، فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ دَيْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَأَقَامَ بِهِ حَتَّى دَخَلَ إِلَيْهِ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، فَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ بُطْءَ مَسِيرِهِ رَجَزُوا بِهِ فَقَالُوا: سَارَ بِنَا الْقُبَاعُ سَيْرًا نُكْرَا ... يَسِيرُ يَوْمًا وَيُقِيمُ شَهْرَا فَسَارَ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَكَانَ كُلَّمَا نَزَلَ مَنْزِلًا أَقَامَ بِهِ حَتَّى يَصِيحَ بِهِ النَّاسُ، فَبَلَغَ الْفُرَاتَ فِي بِضْعَةِ عَشْرَ يَوْمًا، فَأَتَاهَا وَقَدِ انْتَهَى إِلَيْهَا الْخَوَارِجُ، فَقَطَعُوا الْجِسْرَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ وَأَخَذُوا رَجُلًا اسْمُهُ سِمَاكُ بْنُ يَزِيدَ وَمَعَهُ بِنْتٌ لَهُ، فَأَخَذُوهَا لِيَقْتُلُوهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ: يَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ! إِنَّ أَبِي مُصَابٌ فَلَا تَقْتُلُوهُ، وَأَمَّا أَنَا فَجَارِيَةٌ، وَاللَّهِ مَا أَتَيْتُ فَاحِشَةً قَطُّ، وَلَا آذَيْتُ جَارَةً لِي، وَلَا تَطَلَّعْتُ وَلَا تَشَرَّفْتُ قَطُّ. فَلَمَّا أَرَادُوا قَتْلَهَا سَقَطَتْ مَيِّتَةً، فَقَطَّعُوهَا بِأَسْيَافِهِمْ، وَبَقِيَ سِمَاكٌ مَعَهُمْ حَتَّى أَشْرَفُوا عَلَى الصَّرَاةِ، فَاسْتَقْبَلَ أَهْلَ الْكُوفَةِ فَنَادَاهُمُ: اعْبُرُوا إِلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ قَلِيلٌ خَبِيثٌ. فَضَرَبُوا عُنُقَهُ وَصَلَبُوهُ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ لِلْحَارِثِ: انْدُبْ مَعِيَ النَّاسَ حَتَّى أَعْبُرَ إِلَى هَؤُلَاءِ الْكِلَابِ فَأَجِيئَكَ بِرُءُوسِهِمْ. فَقَالَ شَبَثٌ، وَأَسْمَاءُ بْنُ خَارِجَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَغَيْرُهُمْ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، دَعْهُمْ فَلْيَذْهَبُوا. وَكَأَنَّهُمْ حَسَدُوا إِبْرَاهِيمَ. فَلَمَّا رَأَى الْخَوَارِجُ كَثْرَةَ النَّاسِ قَطَعُوا الْجِسْرَ، وَاغْتَنَمَ ذَلِكَ الْحَارِثُ فَتَحَبَّسَ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَوَّلَ الْقِتَالِ الرَّمْيَةُ بِالنَّبْلِ وَإِشْرَاعُ الرِّمَاحِ وَالطَّعْنُ، ثُمَّ الطَّعْنُ شَزْرًا، ثُمَّ السَّلَّةُ آخِرُ ذَلِكَ كُلِّهِ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: قَدْ أَحْسَنَ الْأَمِيرُ الصِّفَةَ، وَلَكِنْ مَتَى نَصْنَعُ هَذَا وَهَذَا الْبَحْرُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَمُرْ بِهَذَا الْجِسْرِ فَلْيُعْقَدْ، ثُمَّ عَبِّرْنَا إِلَيْهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ سَيُرِيكَ مَا تُحِبُّ.

стр. 1784

فَعَقَدَ الْجِسْرَ وَعَبَرَ النَّاسُ، فَطَارَدَ الْخَوَارِجَ حَتَّى أَتَوُا الْمَدَائِنَ، وَطَارَدَتْ بَعْضُ خَيْلِهِمْ عِنْدَ الْجِسْرِ طِرَادًا ضَعِيفًا فَرَجَعُوا، فَأَتْبَعَهُمُ الْحَارِثُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مِخْنَفٍ فِي سِتَّةِ آلَافٍ لِيُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِ الْكُوفَةِ، وَقَالَ لَهُ: إِذَا وَقَعُوا فِي أَرْضِ الْبَصْرَةِ فَاتْرُكْهُمْ. فَسَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتْبَعُهُمْ حَتَّى وَقَعُوا فِي أَرْضٍ أَصْبَهَانَ، فَرَجَعَ عَنْهُمْ وَلَمْ يُقَاتِلْهُمْ، وَقَصَدُوا الرَّيَّ وَعَلَيْهَا يَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رُوَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ، فَقَاتَلَهُمْ، فَأَعَانَ أَهْلُ الرَّيِّ الْخَوَارِجَ، فَقُتِلَ يَزِيدُ وَهَرَبَ ابْنُهُ حَوْشَبٌ، وَدَعَاهُ أَبُوهُ لِيَدْفَعَ عَنْهُ فَلَمْ يَرْجِعْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَوْ كَانَ حُرًّا حَوْشَبٌ ذَا حَفِيظَةٍ ... رَأَى مَا رَأَى فِي الْمَوْتِ عِيسَى بْنُ مُصْعَبِ يَعْنِي أَنَّ عِيسَى بْنَ مُصْعَبٍ لَمْ يَفِرَّ عَنْ أَبِيهِ، بَلْ قَاتَلَ عَنْهُ مَعَهُ حَتَّى قُتِلَ. وَقَالَ بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ يَوْمًا وَعِنْدَهُ حَوْشَبٌ هَذَا وَعِكْرِمَةُ بْنُ رِبْعِيٍّ: مَنْ يَدُلُّنِي عَلَى فَرَسٍ جَوَادٍ؟ فَقَالَ عِكْرِمَةُ: فَرَسُ حَوْشَبٍ، فَإِنَّهُ نَجَا عَلَيْهِ يَوْمَ الرَّيِّ. وَقَالَ بِشْرٌ أَيْضًا يَوْمًا: مَنْ يَدُلُّنِي عَلَى بَغْلَةٍ قَوِيَّةِ الظَّهْرِ؟ فَقَالَ حَوْشَبٌ: بَغْلَةُ وَاصِلِ بْنِ مُسَافِرٍ. كَانَ عِكْرِمَةُ يُتَّهَمُ بِامْرَأَةِ وَاصِلٍ، فَتَبَسَّمَ بِشْرٌ وَقَالَ: لَقَدِ انْتَصَفْتَ. وَلَمَّا فَرَغَ الْخَوَارِجُ مِنَ الرَّيِّ انْحَطُّوا إِلَى أَصْبَهَانَ، فَحَاصَرُوهَا وَبِهَا عَتَّابُ بْنُ وَرْقَاءَ، فَصَبَرَ لَهُمْ، وَكَانَ يُقَاتِلُهُمْ عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ، وَيَرْمُونَ مِنَ السُّورِ بِالنَّبْلِ وَالْحِجَارَةِ. وَكَانَ مَعَ عَتَّابٍ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ يُقَالُ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَكَانَ يَحْمِلُ عَلَيْهِمْ وَيَقُولُ: كَيْفَ تَرَوْنَ يَا كِلَابَ النَّارِ ... شَدَّ أَبِي هُرَيْرَةَ الْهَرَّارِ يُهِرُّكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ... يَا ابْنَ أَبِي الْمَاحُوزِ وَالْأَشْرَارِ كَيْفَ تَرَى حَرْبِي عَلَى الْمِضْمَارِ فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَى الْخَوَارِجِ كَمُنَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ، فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ فَصَرَعَهُ، فَاحْتَمَلَهُ أَصْحَابُهُ وَدَاوُوهُ حَتَّى بَرِأَ، وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَلَى عَادَتِهِ. ثُمَّ إِنَّ الْخَوَارِجَ أَقَامَتْ عَلَيْهِمْ أَشْهُرًا حَتَّى نَفِدَتْ أَطْعِمَتُهُمْ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْحِصَارُ، وَأَصَابَهُمُ الْجُهْدُ الشَّدِيدُ، فَقَالَ لَهُمْ عَتَّابٌ: أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ نَزَلَ بِكُمْ مِنَ الْجُهْدِ مَا تَرَوْنَ، وَمَا بَقِيَ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ أَحَدُكُمْ عَلَى فِرَاشِهِ، فَيَدْفِنَهُ أَخُوهُ إِنِ اسْتَطَاعَ، ثُمَّ يَمُوتُ هُوَ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَدْفِنُهُ وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ، وَاللَّهِ مَا أَنْتُمْ بِالْقَلِيلِ، وَإِنَّكُمُ الْفُرْسَانُ الصُّلَحَاءُ، فَاخْرُجُوا بِنَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَبِكُمْ قُوَّةٌ وَحَيَاةٌ، قَبْلَ أَنْ تَضْعُفُوا عَنِ الْحَرَكَةِ مِنَ الْجُهْدِ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو إِنْ صَدَقْتُمُوهُمْ أَنْ تَظْفَرُوا بِهِمْ. فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ.

стр. 1785

ذِكْرُ قَتْلِ ابْنِ الْمَاحُوزِ وَإِمَارَةِ قَطَرِيِّ بْنِ الْفُجَاءَةِ لَمَّا أَمَرَ عَتَّابٌ أَصْحَابَهُ بِقِتَالِ الْخَوَارِجِ وَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ جَمَعَ النَّاسَ، وَأَمَرَ لَهُمْ بِطَعَامٍ كَثِيرٍ، ثُمَّ خَرَجَ حِينَ أَصْبَحَ، فَأَتَى الْخَوَارِجَ وَهُمْ آمِنُونَ، فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى أَخْرَجُوهُمْ مِنْ عَسْكَرِهِمْ، وَانْتَهَوْا إِلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْمَاحُوزِ، فَنَزَلَ فِي عِصَابَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَانْحَازَتِ الْأَزَارِقَةُ إِلَى قَطَرِيِّ بْنِ الْفُجَاءَةِ الْمَازِنِيِّ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو نَعَامَةَ، فَبَايَعُوهُ، وَأَصَابَ عَتَّابٌ وَأَصْحَابُهُ مِنْ عَسْكَرِهِ مَا شَاءُوا، وَجَاءَ قَطَرِيٌّ فَنَزَلَ فِي عَسْكَرِ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ سَارَ عَنْ أَصْبَهَانَ وَتَرَكَهَا، وَأَتَى نَاحِيَةَ كَرْمَانَ وَأَقَامَ بِهَا حَتَّى اجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ، وَجَبَى الْمَالَ وَقَوِيَ. ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى أَصْبَهَانَ، ثُمَّ أَتَى إِلَى أَرْضِ الْأَهْوَازِ، فَأَقَامَ بِهَا وَالْحَارِثُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ عَامِلُ مُصْعَبٍ عَلَى الْبَصْرَةِ، فَكَتَبَ إِلَى مُصْعَبٍ يُخْبِرُهُ بِالْخَوَارِجِ وَأَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ إِلَّا الْمُهَلَّبُ. فَبَعَثَ إِلَى الْمُهَلَّبِ وَهُوَ عَلَى الْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ فَأَمَرَهُ بِقِتَالِ الْخَوَارِجِ، وَبَعَثَ إِلَى الْمَوْصِلِ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَشْتَرِ، وَجَاءَ الْمُهَلَّبُ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَانْتَخَبَ النَّاسَ وَسَارَ بِهِمْ نَحْوَ الْخَوَارِجِ، ثُمَّ أَقْبَلُوا إِلَيْهِ حَتَّى الْتَقَوْا بِسُولَافَ، فَاقْتَتَلُوا بِهَا ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ أَشَدَّ قِتَالٍ رَآهُ النَّاسُ. ذِكْرُ حِصَارِ الرَّيِّ وَفِيهَا أَمَرَ مُصْعَبٌ عَتَّابَ بْنَ وَرْقَاءَ الرِّيَاحِيَّ، عَامِلَهُ عَلَى أَصْبَهَانَ، بِالْمَسِيرِ إِلَى الرَّيِّ وَقِتَالِ أَهْلِهَا لِمُسَاعَدَتِهِمُ الْخَوَارِجَ عَلَى يَزِيدَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ رُوَيْمٍ، وَامْتِنَاعِهِمْ مِنْ مَدِينَتِهِمْ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ عَتَّابٌ فَنَازَلَهُمْ وَقَاتَلَهُمْ وَعَلَيْهِمُ الْفَرُّخَانُ، وَأَلَحَّ عَلَيْهِمْ عَتَّابٌ بِالْقِتَالِ، فَفَتَحَهَا عَنْوَةً وَغَنِمَ مَا فِيهَا، وَافْتَتَحَ سَائِرَ قِلَاعِ نَوَاحِيهَا. وَفِيهَا كَانَ بِالشَّامِ قَحْطٌ شَدِيدٌ، حَتَّى إِنَّهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا مِنْ شِدَّتِهِ عَلَى الْغَزْوِ. وَفِيهَا عَسْكَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بِبُطْنَانَ [حَبِيبٍ] ، وَهُوَ قَرِيبٌ [مِنْ] قِنَّسْرِينَ، وَشَتَّى بِهَا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى دِمَشْقَ. ذِكْرُ خَبَرِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُرِّ وَمَقْتَلِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُرِّ الْجُعْفِيُّ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ قَوْمِهِ صَلَاحًا وَفَضْلًا وَاجْتِهَادًا، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ قَصَدَ مُعَاوِيَةَ، فَكَانَ مَعَهُ

стр. 1786

لِمَحَبَّتِهِ عُثْمَانَ، وَشَهِدَ مَعَهُ صِفِّينَ هُوَ وَمَالِكُ بْنُ مِسْمَعٍ، وَأَقَامَ عُبَيْدُ اللَّهِ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ. وَكَانَ لَهُ زَوْجَةٌ بِالْكُوفَةِ، فَلَمَّا طَالَتْ غَيْبَتُهُ زَوَّجَهَا أَخُوهَا رَجُلًا يُقَالُ لَهُ عِكْرِمَةُ بْنُ الْخَبِيصِ، وَبَلَغَ ذَلِكَ عُبَيْدَ اللَّهِ، فَأَقْبَلَ مِنَ الشَّامِ، فَخَاصَمَ عِكْرِمَةَ إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ لَهُ: ظَاهَرْتَ عَلَيْنَا عَدُوَّنَا فَغُلْتَ. فَقَالَ لَهُ: أَيَمْنَعُنِي ذَلِكَ مِنْ عَدْلِكَ؟ قَالَ: لَا، فَقَصَّ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، وَكَانَتْ حُبْلَى، فَوَضَعَهَا عِنْدَ مَنْ يَثِقُ إِلَيْهِ حَتَّى وَضَعَتْ، فَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِعِكْرِمَةَ، وَدَفَعَ الْمَرْأَةَ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ، وَعَادَ إِلَى الشَّامِ فَأَقَامَ بِهِ حَتَّى قُتِلَ عَلِيٌّ، فَلَمَّا قُتِلَ أَقْبَلَ إِلَى الْكُوفَةِ فَأَتَى إِخْوَانَهُ فَقَالَ: مَا أَرَى أَحَدًا يَنْفَعُهُ اعْتِزَالُهُ، كُنَّا بِالشَّامِ فَكَانَ مِنْ أَمْرِ مُعَاوِيَةَ كَيْتُ وَكَيْتُ، فَقَالُوا: وَكَانَ مِنْ أَمْرِ عَلِيٍّ كَيْتُ وَكَيْتُ، وَكَانُوا يَلْتَقُونَ بِذَلِكَ. فَلَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَةُ وَقُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ لَمْ يَكُنْ عُبَيْدُ اللَّهِ فِيمَنْ حَضَرَ قَتْلَهُ، يَغِيبُ عَنْ ذَلِكَ تَعَمُّدًا، فَلَمَّا قُتِلَ جَعَلَ ابْنُ زِيَادٍ يَتَفَقَّدُ الْأَشْرَافَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَلَمْ يَرَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْحُرِّ، ثُمَّ جَاءَهُ بَعْدَ أَيَّامٍ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: أَيْنَ كُنْتَ يَا ابْنَ الْحُرِّ؟ قَالَ: كُنْتُ مَرِيضًا. قَالَ: مَرِيضَ الْقَلْبِ أَمْ مَرِيضَ الْبَدَنِ؟ فَقَالَ: أَمَّا قَلْبِي فَلَمْ يَمْرَضْ، وَأَمَّا بَدَنِي فَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيَّ بِالْعَافِيَةِ. قَالَ ابْنُ زِيَادٍ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ كُنْتَ مَعَ عَدُوِّنَا. فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ مَعَهُ لَرَأَى مَكَانِي. وَغَفَلَ عَنْهُ ابْنُ زِيَادٍ، فَخَرَجَ فَرَكِبَ فَرَسَهُ، ثُمَّ طَلَبَهُ ابْنُ زِيَادٍ فَقَالُوا: رَكِبَ السَّاعَةَ. فَقَالَ: عَلَيَّ بِهِ. فَأَحْضَرَ الشُّرَطُ خَلْفَهُ، فَقَالُوا: أَجِبِ الْأَمِيرَ. فَقَالَ: أَبْلِغُوهُ عَنِّي أَنِّي لَا آتِيهِ طَائِعًا أَبَدًا. ثُمَّ أَجْرَى فَرَسَهُ، وَأَتَى مَنْزِلَ أَحْمَدَ بْنِ زِيَادٍ الطَّائِيِّ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى كَرْبِلَاءَ، فَنَظَرَ إِلَى مُصَارِعِ الْحُسَيْنِ وَمَنْ قُتِلَ مَعَهُ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، ثُمَّ مَضَى إِلَى الْمَدَائِنِ وَقَالَ فِي ذَلِكَ: يَقُولُ أَمِيرٌ غَادِرٌ وَابْنُ غَادِرٍ : أَلَا كُنْتَ قَاتَلْتَ الْحُسَيْنَ بْنَ فَاطِمَهْ ... وَنَفْسِي عَلَى خِذْلَانِهِ وَاعْتِزَالِهِ وَبَيْعَةِ هَذَا النَّاكِثِ الْعَهْدَ لَائِمَهْ ... فَيَا نَدَمِي أَنْ لَا أَكُونَ نَصَرْتُهُ أَلَا كُلُّ نَفْسٍ لَا تُشَدِّدُ نَادِمَهْ ... وَإِنِّي لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ مِنْ حُمَاتِهِ لَذُو حَسْرَةٍ أَنْ لَا تُفَارِقَ لَازِمَهْ

стр. 1787

سَقَى اللَّهُ أَرْوَاحَ الَّذِينَ تَبَادَرُوا ... إِلَى نَصْرِهِ سُقْيًا مِنَ الْغَيْثِ دَائِمَهْ وَقَفْتُ عَلَى أَجْدَاثِهِمْ وَمَحَالِّهِمْ ... فَكَادَ الْحَشَا يَنْقَضُّ وَالْعَيْنُ سَاجِمَهْ لَعَمْرِي لَقَدْ كَانُوا مَصَالِيتَ فِي الْوَغَى ... سِرَاعًا إِلَى الْهَيْجَا حُمَاةً خَضَارِمَهْ تَأَسَّوْا عَلَى نَصْرِ ابْنِ بِنْتِ نَبِيِّهِمْ ... بِأَسْيَافِهِمْ آسَادُ غِيلٍ ضَرَاغِمَهْ فَإِنْ يَقْتُلُوا فِي كُلِّ نَفْسٍ بَقِيَّةً ... عَلَى الْأَرْضِ قَدْ أَضْحَتْ لِذَلِكَ وَاجِمَهْ وَمَا إِنْ رَأَى الرَّاءُونَ أَفْضَلَ مِنْهُمُ ... لَدَى الْمَوْتِ سَادَاتٍ وَزُهْرًا قَمَاقِمَهْ يُقَتِّلُهُمْ ظُلْمًا وَيَرْجُو وِدَادَنَا ... فَدَعْ خُطَّةً لَيْسَتْ لَنَا بِمُلَائِمَهْ لَعَمْرِي لَقَدْ رَاغَمْتُمُونَا بِقَتْلِهِمْ ... فَكَمْ نَاقِمٍ مِنَّا عَلَيْكُمْ وَنَاقِمَهْ أَهِمُّ مِرَارًا أَنْ أَسِيرَ بِجَحْفَلٍ إِلَى فِئَةٍ ... زَاغَتْ عَنِ الْحَقِّ ظَالِمَهْ فَكُفُّوا وَإِلَّا زِدْتُكُمْ فِي كَتَائِبٍ أَشُدَّ عَلَيْكُمْ مِنْ زُحُوفِ الدَّيَالِمَهْ وَأَقَامَ ابْنُ الْحُرِّ بِمَنْزِلِهِ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ إِلَى أَنْ مَاتَ يَزِيدُ وَوَقَعَتِ الْفِتْنَةُ، فَقَالَ: مَا أَرَى قُرَيْشًا تُنْصِفُ، أَيْنَ أَبْنَاءُ الْحَرَائِرِ؟ فَأَتَاهُ كُلُّ خَلِيعٍ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدَائِنِ فَلَمْ يَدَعْ مَالًا قُدِمَ بِهِ لِلسُّلْطَانِ إِلَّا أَخَذَ مِنْهُ عَطَاءَهُ وَعَطَاءَ أَصْحَابِهِ، وَيَكْتُبُ لِصَاحِبِ الْمَالِ بِذَلِكَ، ثُمَّ جَعَلَ يَتَقَصَّى الْكُوَرَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَالِ أَحَدٍ وَلَا ذِمَّةٍ. فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى ظَهَرَ الْمُخْتَارُ وَسَمِعَ مَا يَعْمَلُ فِي السَّوَادِ، فَأَخَذَ امْرَأَتَهُ فَحَبَسَهَا، فَأَقْبَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ فِي أَصْحَابِهِ إِلَى الْكُوفَةِ، فَكَسَرَ بَابَ السِّجْنِ وَأَخْرَجَهَا، وَأَخْرَجَ كُلَّ امْرَأَةٍ فِيهِ، وَقَالَ فِي ذَلِكَ: أَلَمْ تَعْلَمِي يَا أُمَّ تَوْبَةَ أَنَّنِي ... أَنَا الْفَارِسُ الْحَامِي حَقَائِقَ مَذْحِجِ

стр. 1788

وَأَنِّي صَبَحْتُ السِّجْنَ فِي سَوْرَةِ الضُّحَى بِكُلِّ فَتًى حَامِي الذِّمَارِ مُدَجَّجِ ... فَمَا إِنْ بَرِحْنَا السَّجْنَ حَتَّى بَدَا لَنَا جَبِينٌ كَقَرْنِ الشَّمْسِ غَيْرُ مُشَنَّجِ ... وَخَدٌّ أَسِيلٌ عَنْ فَتَاةٍ حَبِيبَةٍ إِلَيْنَا سَقَاهَا كُلُّ دَانٍ مُشَجَّجِ ... فَمَا الْعَيْشُ إِلَّا أَنْ أَزُورَكِ آمِنًا كَعَادَتِنَا مِنْ قَبْلِ حَرْبِي وَمُخْرَجِي ... وَمَا زِلْتُ مَحْبُوسًا لِحَبْسِكِ وَاجِمًا وَإِنِّي بِمَا تَلْقِينَ مِنْ بَعْدِهِ شَجِي وَهِيَ طَوِيلَةٌ. وَجَعَلَ يَعْبَثُ بِعُمَّالِ الْمُخْتَارِ وَأَصْحَابِهِ، فَأُحْرِقَتْ بِهَمَذَانَ دَارُهُ، وَنَهَبُوا ضَيْعَتَهُ، فَسَارَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى ضِيَاعِ هَمَذَانَ، فَنَهَبَهَا جَمِيعَهَا، وَكَانَ يَأْتِي الْمَدَائِنَ فَيَمُرُّ بِعُمَّالِ جُوخَى، فَيَأْخُذُ مَا مَعَهُمْ مِنَ الْمَالِ، ثُمَّ يَمِيلُ إِلَى الْجَبَلِ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ الْمُخْتَارُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ بَايَعَ الْمُخْتَارَ بَعْدَ امْتِنَاعٍ، وَأَرَادَ الْمُخْتَارُ أَنْ يَسْطُوَ بِهِ فَامْتَنَعَ لِأَجْلِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ. ثُمَّ سَارَ مَعَ ابْنِ الْأَشْتَرِ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَلَمْ يَشْهَدْ مَعَهُ قِتَالَ ابْنِ زِيَادٍ، أَظْهَرَ الْمَرَضَ. ثُمَّ فَارَقَ ابْنَ الْأَشْتَرِ وَأَقْبَلَ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ إِلَى الْأَنْبَارِ، فَأَغَارَ عَلَيْهَا وَأَخَذَ مَا فِي بَيْتِ مَالِهَا. فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ أَمَرَ الْمُخْتَارُ بِهَدْمِ دَارِهِ وَأَخْذِ امْرَأَتِهِ، فَفَعَلَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَحَضَرَ مَعَ مُصْعَبٍ قِتَالَ الْمُخْتَارِ وَقَتْلَهُ، فَلَمَّا قُتِلَ الْمُخْتَارُ قَالَ النَّاسُ لِمُصْعَبٍ فِي وِلَايَتِهِ الثَّانِيَةِ: إِنَّا لَا نَأْمَنُ أَنْ يَثِبَ ابْنُ الْحُرِّ بِالسَّوَادِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ بِابْنِ زِيَادٍ وَالْمُخْتَارِ، فَحَبَسَهُ، فَقَالَ: فَمَنْ مُبْلِغُ الْفِتْيَانِ أَنَّ أَخَاهُمُ ... أَتَى دُونَهُ بَابٌ شَدِيدٌ وَحَاجِبُهْ بِمَنْزِلَةٍ مَا كَانَ يَرْضَى بِمِثْلِهَا ... إِذَا قَامَ عَنَّتْهُ كُبُولٌ تُجَاذِبُهْ عَلَى السَّاقِ فَوْقَ الْكَعْبِ أَسْوَدُ صَامِتٌ ... شَدِيدٌ يُدَانِي خَطْوَهُ وَيُقَارِبُهْ وَمَا كَانَ ذَا مِنْ عُظْمِ جُرْمٍ ... جَرَمْتُهُ وَلَكِنْ سَعَى السَّاعِي بِمَا هُوَ كَاذِبُهْ

стр. 1789

وَقَدْ كَانَ فِي الْأَرْضِ الْعَرِيضَةِ مَسْلَكٌ وَأَيُّ امْرِئٍ ضَاقَتْ عَلَيْهِ مَذَاهِبُهْ وَقَالَ: بِأَيِّ بَلَاءٍ أَمْ بِأَيَّةِ نِعْمَةٍ ... تَقَدَّمَ قَبْلِي مُسْلِمٌ وَالْمُهَلَّبُ ؟ يَعْنِي مُسْلِمَ بْنَ عَمْرٍو وَالِدَ قُتَيْبَةَ، وَالْمُهَلَّبَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ. وَكَلَّمَ عُبَيْدُ اللَّهِ قَوْمًا مِنْ وُجُوهِ مَذْحِجٍ لِيَشْفَعُوا لَهُ إِلَى مُصْعَبٍ، وَأَرْسَلَ إِلَى فِتْيَانِ مَذْحِجٍ وَقَالَ: الْبَسُوا السِّلَاحَ وَاسْتُرُوهُ، فَإِنْ شَفَّعَهُمْ مُصْعَبٌ فَلَا تَعْتَرِضُوا لِأَحَدٍ، وَإِنْ خَرَجُوا وَلَمْ يُشَفِّعْهُمْ فَاقْصِدُوا السِّجْنَ، فَإِنِّي سَأُعِينُكُمْ مِنْ دَاخِلٍ. فَلَمَّا شَفَعَ أُولَئِكَ النَّفَرُ فِيهِ شَفَّعَهُمْ مُصْعَبٌ وَأَطْلَقَهُ، فَأَتَى مَنْزِلَهُ وَأَتَاهُ النَّاسُ يُهَنِّئُونَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَصْلُحُ إِلَّا بِمِثْلِ الْخُلَفَاءِ الْمَاضِينَ الْأَرْبَعَةِ، وَلَمْ نَرَ لَهُمْ فِينَا شَبِيهًا فَنُلْقِي إِلَيْهِ أَزِمَّتَنَا، فَإِنْ كَانَ مَنْ عَزَّ بَزَّ فَعَلَامَ نَعْقِدُ فِي أَعْنَاقِنَا بَيْعَةً، وَلَيْسُوا بِأَشْجَعَ مِنَّا لِقَاءً وَلَا أَعْظَمَ مَنَاعَةً؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى -» ، وَكُلُّهُمْ عَاصٍ مُخَالِفٌ، قَوِيُّ الدُّنْيَا ضَعِيفُ الْآخِرَةِ، فَعَلَامَ تُسْتَحَلُّ حُرْمَتُنَا وَنَحْنُ أَصْحَابُ النُّخَيْلَةِ وَالْقَادِسِيَّةِ وَجَلُولَاءَ وَنَهَاوَنْدَ؟ نَلْقَى الْأَسِنَّةَ بِنُحُورِنَا، وَالسُّيُوفَ بِجِبَاهِنَا، ثُمَّ لَا يُعْرَفُ حَقُّنَا وَفَضْلُنَا؟ فَقَاتِلُوا عَنْ حَرِيمِكُمْ، فَإِنِّي قَدْ قَلَبْتُ ظَهْرَ الْمِجَنِّ، وَأَظْهَرْتُ لَهُمُ الْعَدَاوَةَ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَخَرَجَ عَنِ الْكُوفَةِ وَحَارَبَهُمْ وَأَغَارَ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُصْعَبٌ سَيْفَ بْنَ هَانِئٍ الْمُرَادِيَّ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ خَرَاجَ بَادُورَيَا وَغَيْرِهَا، وَيَدْخُلُ فِي الطَّاعَةِ، فَلَمْ يُجِبْ إِلَى ذَلِكَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُصْعَبٌ الْأَبْرَدَ بْنَ قُرَّةَ الرِّيَاحِيَّ فَقَاتَلَهُ، فَهَزَمَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ وَضَرَبَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَيْضًا حُرَيْثَ بْنَ يَزِيدَ، فَقَتَلَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُصْعَبٌ الْحَجَّاجَ بْنَ جَارِيَةَ الْخَثْعَمِيَّ وَمُسْلِمَ بْنَ عَمْرٍو، فَلَقِيَاهُ بِنَهْرِ صَرْصَرَ، فَقَاتَلَهُمَا فَهَزَمَهُمَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُصْعَبٌ يَدْعُوهُ إِلَى الْأَمَانِ وَالصِّلَةِ، وَأَنْ يُوَلِّيَهُ أَيَّ بَلَدٍ شَاءَ، فَلَمْ يَقْبَلْ، وَأَتَى نَرْسَى فَفَرَّ دِهْقَانُهَا بِمَالِ الْفَلُّوجَةِ، فَتَبِعَهُ ابْنُ الْحُرِّ حَتَّى مَرَّ بِعَيْنِ تَمْرٍ وَعَلَيْهَا بِسْطَامُ بْنُ مَصْقَلَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ الشَّيْبَانِيُّ، فَالْتَجَأَ إِلَيْهِمُ الدِّهْقَانُ، فَخَرَجُوا إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ فَقَاتَلُوهُ، وَوَافَاهُمُ الْحَجَّاجُ بْنُ جَارِيَةَ الْخَثْعَمِيُّ فَحَمَلَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ، فَأَسَرَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ وَأَسَرَ أَيْضًا بِسْطَامَ بْنَ مَصْقَلَةَ وَنَاسًا كَثِيرًا، وَبَعَثَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فَأَخَذُوا الْمَالَ الَّذِي مَعَ الدِّهْقَانِ، وَأَطْلَقَ الْأَسْرَى.

стр. 1790

ثُمَّ إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ أَتَى تَكْرِيتَ، فَأَقَامَ يَجْبِي الْخَرَاجَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُصْعَبٌ الْأَبْرَدَ بْنَ قُرَّةَ الرِّيَاحِيَّ، وَالْجَوْنَ بْنَ كَعْبٍ الْهَمْدَانِيَّ، فِي أَلْفٍ، وَأَمَدَّهُمُ الْمُهَلَّبُ بِيَزِيدَ بْنِ الْمُغَفَّلِ فِي خَمْسِمِائَةٍ، فَقَالَ لِعُبَيْدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: قَدْ أَتَاكَ جَمْعٌ كَثِيرٌ فَلَا تُقَاتِلْهُمْ. فَقَالَ: يُخَوِّفُنِي بِالْقَتْلِ قَوْمِي وَإِنَّمَا ... أَمُوتُ إِذَا جَاءَ الْكِتَابُ الْمُؤَجَّلُ لَعَلَّ الْقَنَا تُدْنِي بِأَطْرَافِهَا الْغِنَى ... فَنَحْيَا كِرَامًا أَوْ نَكُرَّ فَنُقْتَلُ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفَقْرَ يُزْرِي بِأَهْلِهِ ... وَأَنَّ الْغِنَى فِيهِ الْعُلَى وَالتَّجَمُّلُ وَإِنَّكَ إِلَّا تَرْكَبِ الْهَوْلَ لَا تَنَلْ ... مِنَ الْمَالِ مَا يُرْضِي الصَّدِيقَ وَيَفْضُلُ وَقَاتَلَهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ يَوْمَيْنِ وَهُوَ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ، وَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْمَسَاءِ تَحَاجَزُوا، وَخَرَجَ عُبَيْدُ اللَّهِ مِنْ تَكْرِيتَ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنِّي سَائِرٌ بِكُمْ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَتَجَهَّزُوا، وَقَالَ: إِنِّي خَائِفٌ أَنْ أَمُوتَ وَلَمْ أَذْعَرْ مُصْعَبًا وَأَصْحَابَهُ. وَسَارَ نَحْوَ الْكُوفَةِ فَبَلَغَ كَسْكَرَ، فَأَخَذَ بَيْتَ مَالِهَا، ثُمَّ أَتَى الْكُوفَةَ فَنَزَلَ بِحَمَّامِ جَرِيرٍ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُصْعَبٌ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ فَقَاتَلَهُ، (فَخَرَجَ إِلَى دَيْرِ الْأَعْوَرِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُصْعَبٌ حَجَّارَ بْنَ أَبْجَرَ، فَانْهَزَمَ حَجَّارٌ، فَشَتَمَهُ مُصْعَبٌ وَضَمَّ إِلَيْهِ الْجَوْنَ بْنَ كَعْبٍ الْهَمْدَانِيَّ وَعُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ، فَقَاتَلُوهُ) بِأَجْمَعِهِمْ، وَكَثُرَتِ الْجِرَاحَاتُ فِي عَسْكَرِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُرِّ، وَعُقِرَتْ خُيُولُهُمْ، فَانْهَزَمَ حَجَّارٌ، ثُمَّ رَجَعَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى أَمْسَوْا، وَخَرَجَ ابْنُ الْحُرِّ مِنَ الْكُوفَةِ. وَكَتَبَ مُصْعَبٌ إِلَى زَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ رُوَيْمٍ الشَّيْبَانِيِّ، وَهُوَ بِالْمَدَائِنِ، يَأْمُرُهُ بِقِتَالِ ابْنِ الْحُرِّ، فَقَدَّمَ ابْنَهُ حَوْشَبًا، فَلَقِيَهُ بِبَاجِسْرَى، فَهَزَمَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ وَقَتَلَ فِيهِمْ، وَأَقْبَلَ ابْنُ الْحُرِّ إِلَى الْمَدَائِنِ فَتَحَصَّنُوا مِنْهُ، فَخَرَجَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْجَوْنَ بْنَ كَعْبٍ الْهَمْدَانِيَّ وَبِشْرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيَّ، فَنَزَلَ الْجَوْنُ بِحَوْلَايَا، وَقَدِمَ بِشْرٌ إِلَى تَامَرَّا فَلَقِيَ ابْنَ الْحُرِّ، فَقَتَلَهُ ابْنُ الْحُرِّ وَهَزَمَ أَصْحَابَهُ، ثُمَّ لَقِيَ الْجَوْنَ بْنَ كَعْبٍ بِحَوْلَايَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَتَلَهُ ابْنُ الْحُرِّ وَهَزَمَ أَصْحَابَهُ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ بَشِيرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَشِيرٍ الْعِجْلِيُّ، فَقَاتَلَهُ بِسُورَاءَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَرَجَعَ عَنْهُ بَشِيرٌ، وَأَقَامَ ابْنُ
следующие страницы →