Полный текст (6 163 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
لِمَحَبَّتِهِ عُثْمَانَ، وَشَهِدَ مَعَهُ صِفِّينَ هُوَ وَمَالِكُ بْنُ مِسْمَعٍ، وَأَقَامَ عُبَيْدُ اللَّهِ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ. وَكَانَ لَهُ زَوْجَةٌ بِالْكُوفَةِ، فَلَمَّا طَالَتْ غَيْبَتُهُ زَوَّجَهَا أَخُوهَا رَجُلًا يُقَالُ لَهُ عِكْرِمَةُ بْنُ الْخَبِيصِ، وَبَلَغَ ذَلِكَ عُبَيْدَ اللَّهِ، فَأَقْبَلَ مِنَ الشَّامِ، فَخَاصَمَ عِكْرِمَةَ إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ لَهُ: ظَاهَرْتَ عَلَيْنَا عَدُوَّنَا فَغُلْتَ. فَقَالَ لَهُ: أَيَمْنَعُنِي ذَلِكَ مِنْ عَدْلِكَ؟ قَالَ: لَا، فَقَصَّ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، وَكَانَتْ حُبْلَى، فَوَضَعَهَا عِنْدَ مَنْ يَثِقُ إِلَيْهِ حَتَّى وَضَعَتْ، فَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِعِكْرِمَةَ، وَدَفَعَ الْمَرْأَةَ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ، وَعَادَ إِلَى الشَّامِ فَأَقَامَ بِهِ حَتَّى قُتِلَ عَلِيٌّ، فَلَمَّا قُتِلَ أَقْبَلَ إِلَى الْكُوفَةِ فَأَتَى إِخْوَانَهُ فَقَالَ: مَا أَرَى أَحَدًا يَنْفَعُهُ اعْتِزَالُهُ، كُنَّا بِالشَّامِ فَكَانَ مِنْ أَمْرِ مُعَاوِيَةَ كَيْتُ وَكَيْتُ، فَقَالُوا: وَكَانَ مِنْ أَمْرِ عَلِيٍّ كَيْتُ وَكَيْتُ، وَكَانُوا يَلْتَقُونَ بِذَلِكَ.
فَلَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَةُ وَقُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ لَمْ يَكُنْ عُبَيْدُ اللَّهِ فِيمَنْ حَضَرَ قَتْلَهُ، يَغِيبُ عَنْ ذَلِكَ تَعَمُّدًا، فَلَمَّا قُتِلَ جَعَلَ ابْنُ زِيَادٍ يَتَفَقَّدُ الْأَشْرَافَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَلَمْ يَرَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْحُرِّ، ثُمَّ جَاءَهُ بَعْدَ أَيَّامٍ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: أَيْنَ كُنْتَ يَا ابْنَ الْحُرِّ؟ قَالَ: كُنْتُ مَرِيضًا. قَالَ: مَرِيضَ الْقَلْبِ أَمْ مَرِيضَ الْبَدَنِ؟ فَقَالَ: أَمَّا قَلْبِي فَلَمْ يَمْرَضْ، وَأَمَّا بَدَنِي فَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيَّ بِالْعَافِيَةِ. قَالَ ابْنُ زِيَادٍ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ كُنْتَ مَعَ عَدُوِّنَا. فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ مَعَهُ لَرَأَى مَكَانِي.
وَغَفَلَ عَنْهُ ابْنُ زِيَادٍ، فَخَرَجَ فَرَكِبَ فَرَسَهُ، ثُمَّ طَلَبَهُ ابْنُ زِيَادٍ فَقَالُوا: رَكِبَ السَّاعَةَ. فَقَالَ: عَلَيَّ بِهِ. فَأَحْضَرَ الشُّرَطُ خَلْفَهُ، فَقَالُوا: أَجِبِ الْأَمِيرَ. فَقَالَ: أَبْلِغُوهُ عَنِّي أَنِّي لَا آتِيهِ طَائِعًا أَبَدًا. ثُمَّ أَجْرَى فَرَسَهُ، وَأَتَى مَنْزِلَ أَحْمَدَ بْنِ زِيَادٍ الطَّائِيِّ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى كَرْبِلَاءَ، فَنَظَرَ إِلَى مُصَارِعِ الْحُسَيْنِ وَمَنْ قُتِلَ مَعَهُ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، ثُمَّ مَضَى إِلَى الْمَدَائِنِ وَقَالَ فِي ذَلِكَ:
يَقُولُ أَمِيرٌ غَادِرٌ وَابْنُ غَادِرٍ
:
أَلَا كُنْتَ قَاتَلْتَ الْحُسَيْنَ بْنَ فَاطِمَهْ ... وَنَفْسِي عَلَى خِذْلَانِهِ وَاعْتِزَالِهِ
وَبَيْعَةِ هَذَا النَّاكِثِ الْعَهْدَ لَائِمَهْ ... فَيَا نَدَمِي أَنْ لَا أَكُونَ نَصَرْتُهُ
أَلَا كُلُّ نَفْسٍ لَا تُشَدِّدُ نَادِمَهْ ... وَإِنِّي لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ مِنْ حُمَاتِهِ
لَذُو حَسْرَةٍ أَنْ لَا تُفَارِقَ لَازِمَهْ
стр. 1787
سَقَى اللَّهُ أَرْوَاحَ الَّذِينَ تَبَادَرُوا ... إِلَى نَصْرِهِ سُقْيًا مِنَ الْغَيْثِ دَائِمَهْ
وَقَفْتُ عَلَى أَجْدَاثِهِمْ وَمَحَالِّهِمْ ... فَكَادَ الْحَشَا يَنْقَضُّ وَالْعَيْنُ سَاجِمَهْ
لَعَمْرِي لَقَدْ كَانُوا مَصَالِيتَ فِي الْوَغَى ... سِرَاعًا إِلَى الْهَيْجَا حُمَاةً خَضَارِمَهْ
تَأَسَّوْا عَلَى نَصْرِ ابْنِ بِنْتِ نَبِيِّهِمْ ... بِأَسْيَافِهِمْ آسَادُ غِيلٍ ضَرَاغِمَهْ
فَإِنْ يَقْتُلُوا فِي كُلِّ نَفْسٍ بَقِيَّةً ... عَلَى الْأَرْضِ قَدْ أَضْحَتْ لِذَلِكَ وَاجِمَهْ
وَمَا إِنْ رَأَى الرَّاءُونَ أَفْضَلَ مِنْهُمُ ... لَدَى الْمَوْتِ سَادَاتٍ وَزُهْرًا قَمَاقِمَهْ
يُقَتِّلُهُمْ ظُلْمًا وَيَرْجُو وِدَادَنَا ... فَدَعْ خُطَّةً لَيْسَتْ لَنَا بِمُلَائِمَهْ
لَعَمْرِي لَقَدْ رَاغَمْتُمُونَا بِقَتْلِهِمْ ... فَكَمْ نَاقِمٍ مِنَّا عَلَيْكُمْ وَنَاقِمَهْ
أَهِمُّ مِرَارًا أَنْ أَسِيرَ بِجَحْفَلٍ إِلَى فِئَةٍ ... زَاغَتْ عَنِ الْحَقِّ ظَالِمَهْ فَكُفُّوا وَإِلَّا زِدْتُكُمْ
فِي كَتَائِبٍ أَشُدَّ عَلَيْكُمْ مِنْ زُحُوفِ الدَّيَالِمَهْ
وَأَقَامَ ابْنُ الْحُرِّ بِمَنْزِلِهِ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ إِلَى أَنْ مَاتَ يَزِيدُ وَوَقَعَتِ الْفِتْنَةُ، فَقَالَ: مَا أَرَى قُرَيْشًا تُنْصِفُ، أَيْنَ أَبْنَاءُ الْحَرَائِرِ؟ فَأَتَاهُ كُلُّ خَلِيعٍ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدَائِنِ فَلَمْ يَدَعْ مَالًا قُدِمَ بِهِ لِلسُّلْطَانِ إِلَّا أَخَذَ مِنْهُ عَطَاءَهُ وَعَطَاءَ أَصْحَابِهِ، وَيَكْتُبُ لِصَاحِبِ الْمَالِ بِذَلِكَ، ثُمَّ جَعَلَ يَتَقَصَّى الْكُوَرَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَالِ أَحَدٍ وَلَا ذِمَّةٍ. فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى ظَهَرَ الْمُخْتَارُ وَسَمِعَ مَا يَعْمَلُ فِي السَّوَادِ، فَأَخَذَ امْرَأَتَهُ فَحَبَسَهَا، فَأَقْبَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ فِي أَصْحَابِهِ إِلَى الْكُوفَةِ، فَكَسَرَ بَابَ السِّجْنِ وَأَخْرَجَهَا، وَأَخْرَجَ كُلَّ امْرَأَةٍ فِيهِ، وَقَالَ فِي ذَلِكَ:
أَلَمْ تَعْلَمِي يَا أُمَّ تَوْبَةَ أَنَّنِي ... أَنَا الْفَارِسُ الْحَامِي حَقَائِقَ مَذْحِجِ
стр. 1788
وَأَنِّي صَبَحْتُ السِّجْنَ فِي سَوْرَةِ الضُّحَى
بِكُلِّ فَتًى حَامِي الذِّمَارِ مُدَجَّجِ ... فَمَا إِنْ بَرِحْنَا السَّجْنَ حَتَّى بَدَا لَنَا
جَبِينٌ كَقَرْنِ الشَّمْسِ غَيْرُ مُشَنَّجِ ... وَخَدٌّ أَسِيلٌ عَنْ فَتَاةٍ حَبِيبَةٍ
إِلَيْنَا سَقَاهَا كُلُّ دَانٍ مُشَجَّجِ ... فَمَا الْعَيْشُ إِلَّا أَنْ أَزُورَكِ آمِنًا
كَعَادَتِنَا مِنْ قَبْلِ حَرْبِي وَمُخْرَجِي ... وَمَا زِلْتُ مَحْبُوسًا لِحَبْسِكِ وَاجِمًا
وَإِنِّي بِمَا تَلْقِينَ مِنْ بَعْدِهِ شَجِي
وَهِيَ طَوِيلَةٌ.
وَجَعَلَ يَعْبَثُ بِعُمَّالِ الْمُخْتَارِ وَأَصْحَابِهِ، فَأُحْرِقَتْ بِهَمَذَانَ دَارُهُ، وَنَهَبُوا ضَيْعَتَهُ، فَسَارَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى ضِيَاعِ هَمَذَانَ، فَنَهَبَهَا جَمِيعَهَا، وَكَانَ يَأْتِي الْمَدَائِنَ فَيَمُرُّ بِعُمَّالِ جُوخَى، فَيَأْخُذُ مَا مَعَهُمْ مِنَ الْمَالِ، ثُمَّ يَمِيلُ إِلَى الْجَبَلِ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ الْمُخْتَارُ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ بَايَعَ الْمُخْتَارَ بَعْدَ امْتِنَاعٍ، وَأَرَادَ الْمُخْتَارُ أَنْ يَسْطُوَ بِهِ فَامْتَنَعَ لِأَجْلِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ. ثُمَّ سَارَ مَعَ ابْنِ الْأَشْتَرِ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَلَمْ يَشْهَدْ مَعَهُ قِتَالَ ابْنِ زِيَادٍ، أَظْهَرَ الْمَرَضَ. ثُمَّ فَارَقَ ابْنَ الْأَشْتَرِ وَأَقْبَلَ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ إِلَى الْأَنْبَارِ، فَأَغَارَ عَلَيْهَا وَأَخَذَ مَا فِي بَيْتِ مَالِهَا. فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ أَمَرَ الْمُخْتَارُ بِهَدْمِ دَارِهِ وَأَخْذِ امْرَأَتِهِ، فَفَعَلَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَحَضَرَ مَعَ مُصْعَبٍ قِتَالَ الْمُخْتَارِ وَقَتْلَهُ، فَلَمَّا قُتِلَ الْمُخْتَارُ قَالَ النَّاسُ لِمُصْعَبٍ فِي وِلَايَتِهِ الثَّانِيَةِ: إِنَّا لَا نَأْمَنُ أَنْ يَثِبَ ابْنُ الْحُرِّ بِالسَّوَادِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ بِابْنِ زِيَادٍ وَالْمُخْتَارِ، فَحَبَسَهُ، فَقَالَ:
فَمَنْ مُبْلِغُ الْفِتْيَانِ أَنَّ أَخَاهُمُ ... أَتَى دُونَهُ بَابٌ شَدِيدٌ وَحَاجِبُهْ
بِمَنْزِلَةٍ مَا كَانَ يَرْضَى بِمِثْلِهَا ... إِذَا قَامَ عَنَّتْهُ كُبُولٌ تُجَاذِبُهْ
عَلَى السَّاقِ فَوْقَ الْكَعْبِ أَسْوَدُ صَامِتٌ ... شَدِيدٌ يُدَانِي خَطْوَهُ وَيُقَارِبُهْ
وَمَا كَانَ ذَا مِنْ عُظْمِ جُرْمٍ ... جَرَمْتُهُ وَلَكِنْ سَعَى السَّاعِي بِمَا هُوَ كَاذِبُهْ
стр. 1789
وَقَدْ كَانَ فِي الْأَرْضِ الْعَرِيضَةِ مَسْلَكٌ
وَأَيُّ امْرِئٍ ضَاقَتْ عَلَيْهِ مَذَاهِبُهْ
وَقَالَ:
بِأَيِّ بَلَاءٍ أَمْ بِأَيَّةِ نِعْمَةٍ ... تَقَدَّمَ قَبْلِي مُسْلِمٌ وَالْمُهَلَّبُ
؟
يَعْنِي مُسْلِمَ بْنَ عَمْرٍو وَالِدَ قُتَيْبَةَ، وَالْمُهَلَّبَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ.
وَكَلَّمَ عُبَيْدُ اللَّهِ قَوْمًا مِنْ وُجُوهِ مَذْحِجٍ لِيَشْفَعُوا لَهُ إِلَى مُصْعَبٍ، وَأَرْسَلَ إِلَى فِتْيَانِ مَذْحِجٍ وَقَالَ: الْبَسُوا السِّلَاحَ وَاسْتُرُوهُ، فَإِنْ شَفَّعَهُمْ مُصْعَبٌ فَلَا تَعْتَرِضُوا لِأَحَدٍ، وَإِنْ خَرَجُوا وَلَمْ يُشَفِّعْهُمْ فَاقْصِدُوا السِّجْنَ، فَإِنِّي سَأُعِينُكُمْ مِنْ دَاخِلٍ.
فَلَمَّا شَفَعَ أُولَئِكَ النَّفَرُ فِيهِ شَفَّعَهُمْ مُصْعَبٌ وَأَطْلَقَهُ، فَأَتَى مَنْزِلَهُ وَأَتَاهُ النَّاسُ يُهَنِّئُونَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَصْلُحُ إِلَّا بِمِثْلِ الْخُلَفَاءِ الْمَاضِينَ الْأَرْبَعَةِ، وَلَمْ نَرَ لَهُمْ فِينَا شَبِيهًا فَنُلْقِي إِلَيْهِ أَزِمَّتَنَا، فَإِنْ كَانَ مَنْ عَزَّ بَزَّ فَعَلَامَ نَعْقِدُ فِي أَعْنَاقِنَا بَيْعَةً، وَلَيْسُوا بِأَشْجَعَ مِنَّا لِقَاءً وَلَا أَعْظَمَ مَنَاعَةً؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى -» ، وَكُلُّهُمْ عَاصٍ مُخَالِفٌ، قَوِيُّ الدُّنْيَا ضَعِيفُ الْآخِرَةِ، فَعَلَامَ تُسْتَحَلُّ حُرْمَتُنَا وَنَحْنُ أَصْحَابُ النُّخَيْلَةِ وَالْقَادِسِيَّةِ وَجَلُولَاءَ وَنَهَاوَنْدَ؟ نَلْقَى الْأَسِنَّةَ بِنُحُورِنَا، وَالسُّيُوفَ بِجِبَاهِنَا، ثُمَّ لَا يُعْرَفُ حَقُّنَا وَفَضْلُنَا؟ فَقَاتِلُوا عَنْ حَرِيمِكُمْ، فَإِنِّي قَدْ قَلَبْتُ ظَهْرَ الْمِجَنِّ، وَأَظْهَرْتُ لَهُمُ الْعَدَاوَةَ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَخَرَجَ عَنِ الْكُوفَةِ وَحَارَبَهُمْ وَأَغَارَ.
فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُصْعَبٌ سَيْفَ بْنَ هَانِئٍ الْمُرَادِيَّ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ خَرَاجَ بَادُورَيَا وَغَيْرِهَا، وَيَدْخُلُ فِي الطَّاعَةِ، فَلَمْ يُجِبْ إِلَى ذَلِكَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُصْعَبٌ الْأَبْرَدَ بْنَ قُرَّةَ الرِّيَاحِيَّ فَقَاتَلَهُ، فَهَزَمَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ وَضَرَبَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَيْضًا حُرَيْثَ بْنَ يَزِيدَ، فَقَتَلَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُصْعَبٌ الْحَجَّاجَ بْنَ جَارِيَةَ الْخَثْعَمِيَّ وَمُسْلِمَ بْنَ عَمْرٍو، فَلَقِيَاهُ بِنَهْرِ صَرْصَرَ، فَقَاتَلَهُمَا فَهَزَمَهُمَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُصْعَبٌ يَدْعُوهُ إِلَى الْأَمَانِ وَالصِّلَةِ، وَأَنْ يُوَلِّيَهُ أَيَّ بَلَدٍ شَاءَ، فَلَمْ يَقْبَلْ، وَأَتَى نَرْسَى فَفَرَّ دِهْقَانُهَا بِمَالِ الْفَلُّوجَةِ، فَتَبِعَهُ ابْنُ الْحُرِّ حَتَّى مَرَّ بِعَيْنِ تَمْرٍ وَعَلَيْهَا بِسْطَامُ بْنُ مَصْقَلَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ الشَّيْبَانِيُّ، فَالْتَجَأَ إِلَيْهِمُ الدِّهْقَانُ، فَخَرَجُوا إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ فَقَاتَلُوهُ، وَوَافَاهُمُ الْحَجَّاجُ بْنُ جَارِيَةَ الْخَثْعَمِيُّ فَحَمَلَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ، فَأَسَرَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ وَأَسَرَ أَيْضًا بِسْطَامَ بْنَ مَصْقَلَةَ وَنَاسًا كَثِيرًا، وَبَعَثَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فَأَخَذُوا الْمَالَ الَّذِي مَعَ الدِّهْقَانِ، وَأَطْلَقَ الْأَسْرَى.
стр. 1790
ثُمَّ إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ أَتَى تَكْرِيتَ، فَأَقَامَ يَجْبِي الْخَرَاجَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُصْعَبٌ الْأَبْرَدَ بْنَ قُرَّةَ الرِّيَاحِيَّ، وَالْجَوْنَ بْنَ كَعْبٍ الْهَمْدَانِيَّ، فِي أَلْفٍ، وَأَمَدَّهُمُ الْمُهَلَّبُ بِيَزِيدَ بْنِ الْمُغَفَّلِ فِي خَمْسِمِائَةٍ، فَقَالَ لِعُبَيْدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: قَدْ أَتَاكَ جَمْعٌ كَثِيرٌ فَلَا تُقَاتِلْهُمْ. فَقَالَ:
يُخَوِّفُنِي بِالْقَتْلِ قَوْمِي وَإِنَّمَا ... أَمُوتُ إِذَا جَاءَ الْكِتَابُ الْمُؤَجَّلُ
لَعَلَّ الْقَنَا تُدْنِي بِأَطْرَافِهَا الْغِنَى ... فَنَحْيَا كِرَامًا أَوْ نَكُرَّ فَنُقْتَلُ
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفَقْرَ يُزْرِي بِأَهْلِهِ ... وَأَنَّ الْغِنَى فِيهِ الْعُلَى وَالتَّجَمُّلُ
وَإِنَّكَ إِلَّا تَرْكَبِ الْهَوْلَ لَا تَنَلْ ... مِنَ الْمَالِ مَا يُرْضِي الصَّدِيقَ وَيَفْضُلُ
وَقَاتَلَهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ يَوْمَيْنِ وَهُوَ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ، وَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْمَسَاءِ تَحَاجَزُوا، وَخَرَجَ عُبَيْدُ اللَّهِ مِنْ تَكْرِيتَ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنِّي سَائِرٌ بِكُمْ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَتَجَهَّزُوا، وَقَالَ: إِنِّي خَائِفٌ أَنْ أَمُوتَ وَلَمْ أَذْعَرْ مُصْعَبًا وَأَصْحَابَهُ.
وَسَارَ نَحْوَ الْكُوفَةِ فَبَلَغَ كَسْكَرَ، فَأَخَذَ بَيْتَ مَالِهَا، ثُمَّ أَتَى الْكُوفَةَ فَنَزَلَ بِحَمَّامِ جَرِيرٍ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُصْعَبٌ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ فَقَاتَلَهُ، (فَخَرَجَ إِلَى دَيْرِ الْأَعْوَرِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُصْعَبٌ حَجَّارَ بْنَ أَبْجَرَ، فَانْهَزَمَ حَجَّارٌ، فَشَتَمَهُ مُصْعَبٌ وَضَمَّ إِلَيْهِ الْجَوْنَ بْنَ كَعْبٍ الْهَمْدَانِيَّ وَعُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ، فَقَاتَلُوهُ) بِأَجْمَعِهِمْ، وَكَثُرَتِ الْجِرَاحَاتُ فِي عَسْكَرِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُرِّ، وَعُقِرَتْ خُيُولُهُمْ، فَانْهَزَمَ حَجَّارٌ، ثُمَّ رَجَعَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى أَمْسَوْا، وَخَرَجَ ابْنُ الْحُرِّ مِنَ الْكُوفَةِ.
وَكَتَبَ مُصْعَبٌ إِلَى زَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ رُوَيْمٍ الشَّيْبَانِيِّ، وَهُوَ بِالْمَدَائِنِ، يَأْمُرُهُ بِقِتَالِ ابْنِ الْحُرِّ، فَقَدَّمَ ابْنَهُ حَوْشَبًا، فَلَقِيَهُ بِبَاجِسْرَى، فَهَزَمَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ وَقَتَلَ فِيهِمْ، وَأَقْبَلَ ابْنُ الْحُرِّ إِلَى الْمَدَائِنِ فَتَحَصَّنُوا مِنْهُ، فَخَرَجَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْجَوْنَ بْنَ كَعْبٍ الْهَمْدَانِيَّ وَبِشْرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيَّ، فَنَزَلَ الْجَوْنُ بِحَوْلَايَا، وَقَدِمَ بِشْرٌ إِلَى تَامَرَّا فَلَقِيَ ابْنَ الْحُرِّ، فَقَتَلَهُ ابْنُ الْحُرِّ وَهَزَمَ أَصْحَابَهُ، ثُمَّ لَقِيَ الْجَوْنَ بْنَ كَعْبٍ بِحَوْلَايَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَتَلَهُ ابْنُ الْحُرِّ وَهَزَمَ أَصْحَابَهُ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ بَشِيرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَشِيرٍ الْعِجْلِيُّ، فَقَاتَلَهُ بِسُورَاءَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَرَجَعَ عَنْهُ بَشِيرٌ، وَأَقَامَ ابْنُ
стр. 1791
الْحُرِّ بِالسَّوَادِ، يُغِيرُ وَيَجْبِي الْخَرَاجَ.
ثُمَّ لَحِقَ بِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَلَمَّا صَارَ إِلَيْهِ أَكْرَمَهُ وَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ، وَأَعْطَاهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَالًا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْحُرِّ لِيُوَجِّهَ مَعَهُ جُنْدًا يُقَاتِلُ بِهِمْ مُصْعَبًا، فَقَالَ لَهُ: سِرْ بِأَصْحَابِكَ، وَادْعُ مَنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ، وَأَنَا مُمِدُّكَ بِالرِّجَالِ.
فَسَارَ بِأَصْحَابِهِ نَحْوَ الْكُوفَةِ، فَنَزَلَ بِقَرْيَةٍ إِلَى جَانِبِ الْأَنْبَارِ، فَاسْتَأْذَنَهُ أَصْحَابُهُ فِي إِتْيَانِ الْكُوفَةِ، فَأَذِنَ لَهُمْ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُخْبِرُوا أَصْحَابَهُ بِقُدُومِهِ لِيَخْرُجُوا إِلَيْهِ.
فَبَلَغَ ذَلِكَ الْقَيْسِيَّةَ فَأَتَوُا الْحَارِثَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ عَامِلَ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِالْكُوفَةِ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يُرْسِلَ مَعَهُمْ جَيْشًا يُقَاتِلُونَ عُبَيْدَ اللَّهِ، وَيَغْتَنِمُونَ الْفُرْصَةَ فِيهِ بِتَفَرُّقِ أَصْحَابِهِ، فَبَعَثَ مَعَهُمْ جَيْشًا كَثِيفًا، فَسَارُوا فَلَقُوا ابْنَ الْحُرِّ، فَقَالَ لِابْنِ الْحُرِّ أَصْحَابُهُ: نَحْنُ نَفَرٌ يَسِيرٌ، وَهَذَا الْجَيْشُ لَا طَاقَةَ لَنَا فِيهِ. فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَدَعَهُمْ. وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ وَهُوَ يَقُولُ:
يَا لَكَ يَوْمًا فَاتَ فِيهِ نَهْبِي ... وَغَابَ عَنِّي ثِقَتِي وَصَحْبِي
ثُمَّ عَطَفُوا عَلَيْهِ فَكَشَفُوا أَصْحَابَهُ وَحَاوَلُوا أَنْ يَأْسِرُوهُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ، وَأَذِنَ لِأَصْحَابِهِ فِي الذَّهَابِ، فَذَهَبُوا فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُمْ أَحَدٌ، وَجَعَلَ يُقَاتِلُ وَحْدَهُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ بَاهِلَةَ يُكَنَّى أَبَا كُدَيَّةَ فَطَعَنَهُ، وَجَعَلُوا يَرْمُونَهُ وَيُكَتَّبُونَ عَلَيْهِ، وَلَا يَدْنُونَ مِنْهُ، وَهُوَ يَقُولُ: أَهَذِهِ نَبْلٌ أَمْ مَغَازِلُ؟ فَلَمَّا أَثْخَنَتْهُ الْجِرَاحُ خَاضَ إِلَى مَعْبَرٍ هُنَاكَ، فَدَخَلَهُ وَلَمْ يَدْخُلْ فَرَسُهُ، فَرَكِبَ السَّفِينَةَ وَمَضَى بِهِ الْمَلَّاحُ حَتَّى تَوَسَّطَ الْفُرَاتَ، فَأَشْرَفَتْ عَلَيْهِ الْخَيْلُ، وَكَانَ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ نَبَطٌ، فَقَالُوا لَهُمْ: إِنَّ فِي السَّفِينَةِ طَلِبَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنْ فَاتَكُمْ قَتَلْنَاكُمْ، فَوَثَبَ ابْنُ الْحُرِّ لِيَرْمِيَ نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ، فَوَثَبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ عَظِيمُ الْخَلْقِ، فَقَبَضَ عَلَى يَدَيْهِ وَجِرَاحَاتُهُ تَجْرِي دَمًا، وَضَرَبَهُ الْبَاقُونَ بِالْمَجَاذِيفِ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ يُقْصَدُ بِهِ نَحْوَ الْقَيْسِيَّةِ قَبَضَ عَلَى الَّذِي مَعَهُ، وَأَلْقَى نَفْسَهُ مَعَهُ فِي الْمَاءِ فَغَرِقَا.
وَقِيلَ فِي قَتْلِهِ: إِنَّهُ كَانَ يَغْشَى مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْرِ بِالْكُوفَةِ، فَرَآهُ يُقَدِّمُ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، فَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَصِيدَةً يُعَاتِبُ فِيهَا مُصْعَبًا وَيُخَوِّفُهُ مَسِيرَهُ إِلَى ابْنِ مَرْوَانَ، يَقُولُ فِيهَا:
أَبْلِغْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رِسَالَةً ... فَلَسْتُ عَلَى رَأْيٍ قَبِيحٍ أُوَارِبُهْ
стр. 1792
أَفِي الْحَقِّ أَنْ أُجْفَى وَيَجْعَلُ مُصْعَبٌ ... وَزِيرًا لَهُ مَنْ كُنْتُ فِيهِ أُحَارِبُهْ
فَكَيْفَ وَقَدْ آتَيْتُكُمْ حَقَّ بَيْعَتِي ... وَحَقِّي يُلَوَّى عِنْدَكُمْ وَأُطَالِبُهْ
وَأَبْلَيْتُكُمْ مَالًا يُضَيَّعُ مِثْلُهُ ... وَآسَيْتُكُمْ وَالْأَمْرُ صَعْبٌ مَرَاتِبُهْ
فَلَمَّا اسْتَنَارَ الْمُلْكَ وَانْقَادَتِ الْعِدَى ... وَأُدْرِكَ مِنْ مُلْكِ الْعِرَاقِ رَغَائِبُهْ
جَفَا مُصْعَبٌ عَنِّي وَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ ... لَأَصْبَحَ فِيمَا بَيْنَنَا لَا أُعَاتِبُهُ
لَقَدْ رَابَنِي مِنْ مُصْعَبٍ أَنَّ مُصْعَبًا ... أَرَى كُلَّ ذِي غِشِّ لَنَا هُوَ صَاحِبُهُ
وَمَا أَنَا إِنْ حَلَأْتُمُونِي بِوَارِدٍ ... عَلَى كَدَرٍ قَدْ غُصَّ بِالْمَاءِ شَارِبُهْ
وَمَا لِامْرِئٍ إِلَّا الَّذِي اللَّهُ سَائِقٌ ... إِلَيْهِ وَمَا قَدْ خَطَّ فِي الزَّبْرِ كَاتِبُهْ
إِذَا قُمْتُ عِنْدَ الْبَابِ أَدْخَلَ مُسْلِمًا ... وَيَمْنَعُنِي أَنْ أَدْخُلَ الْبَابَ حَاجِبُهْ
فَحَبَسَهُ مُصْعَبٌ، وَلَهُ مَعَهُ مُعَاتَبَاتٌ مِنَ الْحَبْسِ، ثُمَّ إِنَّهُ قَالَ قَصِيدَةً يَهْجُو فِيهَا قَيْسَ عَيْلَانَ، مِنْهَا:
أَلَمْ تَرَ قَيْسًا قَيْسَ عَيْلَانَ بَرْقَعَتْ ... لِحَاهَا وَبَاعَتْ نَبْلَهَا بِالْمَغَازِلِ
فَأَرْسَلَ زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ الْكَلَّائِيُّ إِلَى مُصْعَبٍ: إِنِّي قَدْ كَفَيْتُكَ قِتَالَ ابْنِ الزَّرْقَاءِ - يَعْنِي عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ - وَابْنُ الْحُرِّ يَهْجُو قَيْسًا، ثُمَّ إِنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ أَسَرُوا ابْنَ الْحُرِّ، فَقَالَ: إِنَّمَا قُلْتُ:
стр. 1793
أَلَمْ تَرَ قَيْسًا قَيْسَ عَيْلَانَ أَقْبَلَتْ ... وَسَارَتْ إِلَيْنَا فِي الْقَنَا وَالْقَنَابِلِ
فَقَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ عَيَّاشٌ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
قِيلَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَافَى عَرَفَاتٍ أَرْبَعَةُ أَلْوِيَةٍ: لِوَاءٌ لِابْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَأَصْحَابِهِ، وَلِوَاءٌ لِابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَصْحَابِهِ، وَلِوَاءٌ لِبَنِي أُمَيَّةَ، وَلِوَاءٌ لِنَجْدَةَ الْحَرُورِيِّ، وَلَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ وَلَا فِتْنَةٌ، وَكَانَ أَصْحَابُ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَسْلَمَ الْجَمَاعَةِ.
وَكَانَ الْعَامِلَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى الْمَدِينَةِ هَذِهِ السَّنَةَ جَابِرُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ مُصْعَبٌ أَخُوهُ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ هِشَامُ بْنُ هُبَيْرَةَ، وَعَلَى خُرَاسَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ، وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بِالشَّامِ مُشَاقِقًا لِابْنِ الزُّبَيْرِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَمَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَعُمُرُهُ أَرْبَعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَفِيهَا مَاتَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ، وَعُمُرُهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً. وَمَاتَ أَبُو وَاقِدٍ اللَّيْثِيُّ وَاسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ مَالِكٍ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ، وَاسْمُهُ خُوَيْلِدُ بْنُ عَمْرٍو، وَهُوَ الْكَعْبِيُّ.
(شُرَيْحٌ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ)
стр. 1794
وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ وُلِدَ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ .
(حَاطِبٌ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ. وَبَلْتَعَةُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ، وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، الْمَفْتُوحَاتِ) .
стр. 1795
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسِتِّينَ]
٦٩ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسِتِّينَ
ذِكْرُ قَتْلِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الْأَشْدَقِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَالَفَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ وَغَلَبَ عَلَى دِمَشْقَ، فَقَتَلَهُ، وَقِيلَ: كَانَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ سَنَةَ سَبْعِينَ.
وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ أَقَامَ بِدِمَشْقَ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ قِنَّسْرِينَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُقِيمَ، ثُمَّ سَارَ يُرِيدُ قَرْقِيسِيَا وَبِهَا زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ الْكَلَّائِيُّ، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ مَعَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا بَلَغَ بُطْنَانَ حَبِيبٍ رَجَعَ عَمْرٌو لَيْلًا وَمَعَهُ حُمَيْدُ بْنُ حُرَيْثٍ الْكَلْبِيُّ وَزُهَيْرُ بْنُ الْأَبْرَدِ الْكَلْبِيُّ، فَأَتَى دِمَشْقَ وَعَلَيْهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُمِّ الْحَكَمِ الثَّقَفِيُّ قَدِ اسْتَخْلَفَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ رُجُوعُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ هَرَبَ عَنْهَا، وَدَخَلَهَا عَمْرٌو فَغَلَبَ عَلَيْهَا وَعَلَى خَزَائِنِهَا، وَهَدَمَ دَارَ ابْنِ أُمِّ الْحَكَمِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَخَطَبَهُمْ وَمَنَّاهُمْ وَوَعَدَهُمْ.
وَأَصْبَحَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَفَقَدَ عَمْرًا، فَسَأَلَ عَنْهُ فَأُخْبِرَ خَبَرَهُ، فَرَجَعَ إِلَى دِمَشْقَ فَقَاتَلَهُ أَيَّامًا، وَكَانَ عَمْرٌو إِذَا أَخْرَجَ حُمَيْدَ بْنَ حُرَيْثٍ عَلَى الْخَيْلِ أَخْرَجَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ سُفْيَانَ بْنَ الْأَبْرَدِ الْكَلْبِيَّ، وَإِذَا أَخْرَجَ عَمْرٌو زُهَيْرَ بْنَ الْأَبْرَدِ أَخْرَجَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ حَسَّانَ بْنَ مَالِكِ بْنِ بَحْدَلٍ.
ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ وَعَمْرًا اصْطَلَحَا وَكَتَبَا كِتَابًا وَآمَنَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَخَرَجَ عَمْرٌو فِي الْخَيْلِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَقْبَلَ حَتَّى أَوْطَأَ فَرَسَهُ أَطْنَابَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَانْقَطَعَتْ وَسَقَطَ السُّرَادِقُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَاجْتَمَعَا.
وَدَخَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ دِمَشْقَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ دُخُولِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ
стр. 1796
أَرْسَلَ إِلَى عَمْرٍو أَنِ ائْتِنِي، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ اسْتَشَارَ كُرَيْبَ بْنَ أَبْرَهَةَ الْحِمْيَرِيَّ فِي قَتْلِ عَمْرٍو، فَقَالَ: لَا نَاقَةَ لِي فِي هَذَا وَلَا جَمَلَ، فِي مِثْلِ هَذَا هَلَكَتْ حِمْيَرٌ.
فَلَمَّا أَتَى الرَّسُولُ عَمْرًا يَدْعُوهُ صَادَفَ عِنْدَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لِعَمْرٍو: يَا أَبَا أُمَيَّةَ، أَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ سَمْعِي وَمِنْ بَصَرِي، وَأَرَى لَكَ أَنْ لَا تَأْتِيَهُ. فَقَالَ عَمْرٌو: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ تُبَيْعَ ابْنَ امْرَأَةِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ قَالَ: إِنَّ عَظِيمًا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ يَرْجِعُ فَيَغْلِقُ أَبْوَابَ دِمَشْقَ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا فَلَا يَلْبَثُ أَنْ يُقْتَلَ. فَقَالَ عَمْرٌو: وَاللَّهِ لَوْ كُنْتُ نَائِمًا مَا انْتَهَبَنِي ابْنُ الزَّرْقَاءِ وَلَا اجْتَرَأَ عَلَيَّ، أَمَا إِنِّي رَأَيْتُ عُثْمَانَ الْبَارِحَةَ فِي الْمَنَامِ فَأَلْبَسَنِي قَمِيصَهُ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ زَوْجَ ابْنَةِ عَمْرٍو. ثُمَّ قَالَ عَمْرٌو لِلرَّسُولِ: أَنَا رَائِحٌ الْعَشِيَّةَ.
فَلَمَّا كَانَ الْعِشَاءُ لَبِسَ عَمْرٌو دِرْعًا وَلَبِسَ عَلَيْهَا الْقَبَاءَ وَتَقَلَّدَ سَيْفَهُ، وَعِنْدَهُ حُمَيْدُ بْنُ حُرَيْثٍ الْكَلْبِيُّ، فَلَمَّا نَهَضَ مُتَوَجِّهًا عَثُرَ بِالْبُسَاطِ، فَقَالَ لَهُ حُمَيْدٌ: وَاللَّهِ لَوْ أَطَعْتَنِي لَمْ تَأْتِهِ. وَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ الْكَلْبِيَّةُ كَذَلِكَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ وَمَضَى فِي مِائَةٍ مِنْ مَوَالِيهِ.
وَقَدْ جَمَعَ عَبْدُ الْمَلِكِ عِنْدَهُ بَنِي مَرْوَانَ، فَلَمَّا بَلَغَ الْبَابَ أُذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَلَمْ يَزَلْ أَصْحَابُهُ يُحْبَسُونَ عِنْدَ كُلِّ بَابٍ حَتَّى بَلَغَ قَارِعَةَ الدَّارِ وَمَا مَعَهُ إِلَّا وَصِيفٌ لَهُ، فَنَظَرَ عَمْرٌو إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَإِذَا حَوْلَهُ بَنُو مَرْوَانَ، وَحَسَّانُ بْنُ بَحْدَلٍ الْكَلْبِيُّ، وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ الْخُزَاعِيُّ، فَلَمَّا رَأَى جَمَاعَتَهُمْ أَحَسَّ بِالشَّرِّ، فَالْتَفَتَ إِلَى وَصِيفِهِ وَقَالَ: انْطَلِقْ إِلَى أَخِي يَحْيَى فَقُلْ لَهُ يَأْتِنِي، فَلَمْ يَفْهَمِ الْوَصِيفُ فَقَالَ لَهُ: لَبَّيْكَ! فَقَالَ عَمْرٌو: اغْرُبْ عَنِّي فِي حَرْقِ اللَّهِ وَنَارِهِ! وَأَذِنَ عَبْدُ الْمَلِكِ لِحَسَّانَ وَقَبِيصَةَ، فَقَامَا فَلَقِيَا عَمْرًا فِي الدَّارِ، فَقَالَ عَمْرٌو لِوَصِيفِهِ: انْطَلِقْ إِلَى يَحْيَى فَمُرْهُ أَنْ يَأْتِيَنِي. فَقَالَ: لَبَّيْكَ! فَقَالَ عَمْرٌو: اغْرُبْ عَنِّي.
فَلَمَّا خَرَجَ حَسَّانُ وَقَبِيصَةُ أُغْلِقَتِ الْأَبْوَابُ وَدَخَلَ عَمْرٌو، فَرَحَّبَ بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ وَقَالَ: هَاهُنَا هَاهُنَا يَا أَبَا أُمَيَّةَ! فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ، وَجَعَلَ يُحَادِثُهُ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: يَا غُلَامُ، خُذِ السَّيْفَ عَنْهُ. فَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّا لِلَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَتَطْمَعُ أَنْ تَجْلِسَ مَعِي مُتَقَلِّدًا سَيْفَكَ؟ فَأَخَذَ السَّيْفَ عَنْهُ، ثُمَّ تَحَدَّثَا، ثُمَّ قَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: يَا أَبَا أُمَيَّةَ، إِنَّكَ حَيْثُ خَلَعْتَنِي أَلَيْتُ بِيَمِينٍ إِنْ أَنَا مَلَأْتُ عَيْنِي مِنْكَ وَأَنَا مَالِكٌ لَكَ أَنْ أَجْعَلَكَ فِي جَامِعَةٍ. فَقَالَ لَهُ بَنُو مَرْوَانَ: ثُمَّ تُطْلِقُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَمَا عَسَيْتُ أَنْ
стр. 1797
أَصْنَعَ بِأَبِي أُمَيَّةَ؟ فَقَالَ بَنُو مَرْوَانَ: أَبِرَّ قَسَمَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ عَمْرٌو: قَدْ أَبَرَّ اللَّهُ قَسَمَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَأَخْرَجَ مِنْ تَحْتِ فِرَاشِهِ جَامِعَةً وَقَالَ: يَا غُلَامُ، قُمْ فَاجْمَعْهُ فِيهَا. فَقَامَ الْغُلَامُ فَجَمَعَهُ فِيهَا. فَقَالَ عَمْرٌو: أُذَكِّرُكَ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تُخْرِجَنِي فِيهَا عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَمَكْرًا يَا أَبَا أُمَيَّةَ عِنْدَ الْمَوْتِ؟ لَا وَاللَّهِ مَا كُنَّا لِنُخْرِجَكَ فِي جَامِعَةٍ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ. ثُمَّ جَذَبَهُ جَذْبَةً أَصَابَ فَمَهُ السَّرِيرُ فَكَسَرَ ثَنِيَّتَيْهِ. فَقَالَ عَمْرٌو: أُذَكِّرُكَ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كُسِرَ عَظْمٌ مِنِّي فَلَا تَرْكَبْ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تُبْقِي عَلَيَّ إِنْ أَنَا أَبْقَيْتُ عَلَيْكَ وَتَصْلُحُ قُرَيْشٌ لَأَطْلَقْتُكَ، وَلَكِنْ مَا اجْتَمَعَ رَجُلَانِ فِي بَلَدِهِ قَطُّ عَلَى مَا نَحْنُ عَلَيْهِ إِلَّا أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ. فَلَمَّا رَأَى عَمْرٌو أَنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَهُ قَالَ: أَغَدْرًا يَا ابْنَ الزَّرْقَاءِ!
وَقِيلَ: إِنَّ عَمْرًا لَمَّا سَقَطَتْ ثَنِيَّتَاهُ جَعَلَ يَمَسُّهُمَا، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: يَا عَمْرُو، أَرَى ثَنِيَّتَيْكَ قَدْ وَقَعَتَا مِنْكَ مَوْقِعًا لَا تَطِيبُ نَفْسُكَ بَعْدَهُ.
وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ الْعَصْرَ فَخَرَجَ عَبْدُ الْمَلِكِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَأَمَرَ أَخَاهُ عَبْدَ الْعَزِيزِ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ عَمْرٌو: أُذَكِّرُكَ اللَّهَ وَالرَّحِمَ أَنْ تَلِيَ قَتْلِي، لِيَقْتُلْنِي مَنْ هُوَ أَبْعَدُ رَحِمًا مِنْكَ. فَأَلْقَى السَّيْفَ وَجَلَسَ، وَصَلَّى عَبْدُ الْمَلِكِ صَلَاةً خَفِيفَةً وَدَخَلَ وَغُلِّقَتِ الْأَبْوَابُ. وَرَأَى النَّاسُ عَبْدَ الْمَلِكِ حِينَ خَرَجَ وَلَيْسَ مَعَهُ عَمْرٌو، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فَأَقْبَلَ فِي النَّاسِ وَمَعَهُ أَلْفُ عَبْدٍ لِعَمْرٍو، وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ كَثِيرٌ، فَجَعَلُوا يَصِيحُونَ بِبَابِ عَبْدِ الْمَلِكِ: أَسْمِعْنَا صَوْتَكَ يَا أَبَا أُمَيَّةَ! فَأَقْبَلَ مَعَ يَحْيَى حُمَيْدُ بْنُ حُرَيْثٍ وَزُهَيْرُ بْنُ الْأَبْرَدِ، فَكَسَرُوا بَابَ الْمَقْصُورَةِ وَضَرَبُوا النَّاسَ بِالسُّيُوفِ، وَضُرِبَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى رَأْسِهِ، وَاحْتَمَلَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَرَبِيٍّ صَاحِبُ الدِّيوَانِ، فَأَدْخَلَهُ بَيْتَ الْقَرَاطِيسِ.
وَدَخَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ حِينَ صَلَّى فَرَأَى عَمْرًا بِالْحَيَاةِ، فَقَالَ لِعَبْدِ الْعَزِيزِ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقْتُلَهُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ نَاشَدَنِي اللَّهَ وَالرَّحِمَ فَرَقَقْتُ لَهُ. فَقَالَ لَهُ: أَخْزَى اللَّهُ أُمَّكَ الْبَوَّالَةَ عَلَى
стр. 1798
عَقِبَيْهَا، فَإِنَّكَ لَمْ تُشْبِهْ غَيْرَهَا! ثُمَّ أَخَذَ عَبْدُ الْمَلِكِ الْحَرْبَةَ فَطَعَنَ بِهَا عَمْرًا، فَلَمْ تَجُزْ، ثُمَّ ثَنَى فَلَمْ تَجُزْ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى عَضُدِهِ فَرَأَى الدِّرْعَ فَقَالَ: وَدِرْعٌ أَيْضًا؟ إِنْ كُنْتَ لَمُعِدًّا! فَأَخَذَ الصَّمْصَامَةَ، وَأَمَرَ بِعَمْرٍو فَصُرِعَ، وَجَلَسَ عَلَى صَدْرِهِ فَذَبَحَهُ وَهُوَ يَقُولُ:
يَا عَمْرُو إِنْ لَا تَدَعْ شَتْمِي وَمَنْقَصَتِي ... أَضْرِبْكَ حَيْثُ تَقُولُ الْهَامَةُ اسْقُونِي
وَانْتَفَضَ عَبْدُ الْمَلِكِ رِعْدَةً، فَحُمِلَ عَنْ صَدْرِهِ فَوُضِعَ عَلَى سَرِيرِهِ، وَقَالَ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا قَطُّ، قَتَلَهُ صَاحِبُ دُنْيَا وَلَا طَالِبُ آخِرَةٍ.
وَدَخَلَ يَحْيَى وَمَنْ مَعَهُ عَلَى بَنِي مَرْوَانَ يُخْرِجُهُمْ وَمَنْ كَانَ مِنْ مَوَالِيهِمْ، فَقَاتَلُوا يَحْيَى وَأَصْحَابَهُ، وَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُمِّ الْحَكَمِ الثَّقَفِيُّ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ الرَّأْسَ، فَأَلْقَاهُ إِلَى النَّاسِ، وَقَامَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ وَأَخَذَ الْمَالَ فِي الْبِدَرِ، فَجَعَلَ يُلْقِيهَا إِلَى النَّاسِ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ الرَّأْسَ وَالْأَمْوَالَ (انْتَهَبُوا الْأَمْوَالَ وَتَفَرَّقُوا) ، ثُمَّ أَمَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِتِلْكَ الْأَمْوَالِ فَجُبِيَتْ حَتَّى عَادَتْ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ.
وَقِيلَ: إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ إِنَّمَا أَمَرَ بِقَتْلِ عَمْرٍو حِينَ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ غُلَامَهُ أَبَا الزُّعَيْزِعَةِ، فَقَتَلَهُ وَأَلْقَى رَأْسَهُ إِلَى النَّاسِ، وَرُمِيَ يَحْيَى بِصَخْرَةٍ فِي رَأْسِهِ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الْمَلِكِ سَرِيرَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَخَرَجَ وَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَفَقَدَ الْوَلِيدَ ابْنَهُ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ كَانُوا قَتَلُوهُ لَقَدْ أَدْرَكُوا ثَأْرَهُمْ. فَأَتَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَرَبِيٍّ الْكِنَانِيُّ، فَقَالَ: الْوَلِيدُ عِنْدِي، وَقَدْ جُرِحَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَأْسٌ.
وَأُتِيَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُقْتَلَ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ فَقَالَ: جُعِلْتُ فَدَاكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَتَرَاكَ قَاتِلًا بَنِي أُمَيَّةَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ! فَأَمَرَ بِيَحْيَى فَحُبِسَ. وَأَرَادَ قَتْلَ عَنْبَسَةَ بْنِ سَعِيدٍ، فَشَفَعَ فِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ أَيْضًا، وَأَرَادَ قَتْلَ عَامِرِ بْنِ الْأَسْوَدِ الْكَلْبِيِّ، فَشَفَعَ فِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَأَمَرَ بِبَنِي عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ فَحُبِسُوا، ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ مَعَ عَمِّهِمْ يَحْيَى، فَأَلْحَقَهُمْ بِمُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ.
стр. 1799
ثُمَّ بَعَثَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى امْرَأَةِ عَمْرٍو الْكَلْبِيَّةِ: ابْعَثِي إِلَيَّ كِتَابَ الصُّلْحِ الَّذِي كَتَبْتُهُ لِعَمْرٍو. فَقَالَتْ لِرَسُولِهِ: ارْجِعْ فَأَعْلِمْهُ أَنَّ ذَلِكَ الصُّلْحَ مَعَهُ فِي أَكْفَانِهِ لِيُخَاصِمَكَ عِنْدَ رَبِّهِ.
وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَعَمْرٌو يَلْتَقِيَانِ فِي النَّسَبِ فِي أُمَيَّةَ، هَذَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَذَاكَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَكَانَتْ أُمُّ عَمْرٍو أُمُّ الْبَنِينَ بِنْتُ الْحَكَمِ عَمَّةَ عَبْدِ الْمَلِكِ.
فَلَمَّا قَتَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ مُصْعَبًا، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ - دَخَلَ أَوْلَادُ عَمْرٍو عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، وَهُمْ أَرْبَعَةٌ: أُمَيَّةُ، وَسَعِيدٌ، وَإِسْمَاعِيلُ، وَمُحَمَّدٌ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمْ قَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ أَهْلُ بَيْتٍ لَمْ تَزَالُوا تَرَوْنَ لَكُمْ عَلَى جَمِيعِ قَوْمِكُمْ فَضْلًا لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ لَكُمْ، وَإِنَّ الَّذِي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِيكُمْ لَمْ يَكُنْ حَدِيثًا، وَلَكِنْ كَانَ قَدِيمًا فِي أَنْفُسِ أَوَّلِيكُمْ عَلَى أَوَّلِينَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَأُقْطِعَ بِأُمَيَّةَ، وَكَانَ أَكْبَرَهُمْ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَتَكَلَّمَ، فَقَامَ سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو، وَكَانَ الْأَوْسَطَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا تَنْعَى عَلَيْنَا أَمْرًا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ فَهَدَمَ ذَلِكَ وَوَعَدَ جَنَّةً وَحَذَّرَ نَارًا، وَأَمَّا الَّذِي كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَمْرٍو فَإِنَّهُ كَانَ ابْنَ عَمِّكَ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِمَا صَنَعْتَ، وَقَدْ وَصَلَ عَمْرٌو إِلَى اللَّهِ، وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا، وَلَعَمْرِي لَئِنْ أَخَذْتَنَا بِمَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ لَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَنَا مِنْ ظَهْرِهَا. فَرَقَّ لَهُمْ عَبْدُ الْمَلِكِ وَقَالَ: إِنَّ أَبَاكُمْ خَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ يَقْتُلَنِي أَوْ أَقْتُلَهُ، فَاخْتَرْتُ قَتْلَهُ عَلَى قَتْلِي، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَمَا أَرْغَبَنِي فِيكُمْ، وَأَوْصَلَنِي لِقَرَابَتِكُمْ! وَأَحْسَنَ جَائِزَتَهُمْ وَوَصَلَهُمْ وَقَرَّبَهُمْ.
وَقِيلَ: إِنَّ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ قَالَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ ذَاتَ يَوْمٍ: عَجِبْتُ كَيْفَ أَصَبْتَ غِرَّةَ عَمْرٍو. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ:
أَدْنَيْتُهُ مِنِّي لِيَسْكُنَ رَوْعُهُ ... فَأَصُولُ صَوْلَةَ حَازِمٍ مُسْتَمْكِنِ
غَضَبًا وَمَحْمِيَةً لِدِينِي إِنَّهُ ... لَيْسَ الْمُسِيءُ سَبِيلُهُ كَالْمُحْسِنِ
стр. 1800
وَقِيلَ: إِنَّمَا خَلْعُ عَمْرٍو وَقَتْلُهُ حِينَ سَارَ عَبْدُ الْمَلِكِ نَحْوَ الْعِرَاقِ لِقِتَالِ مُصْعَبٍ، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: إِنَّكَ تَخْرُجُ إِلَى الْعِرَاقِ وَقَدْ كَانَ أَبُوكَ جَعَلَ لِي هَذَا الْأَمْرَ بَعْدَهُ، وَعَلَى ذَلِكَ قَاتَلْتُ مَعَهُ، فَاجْعَلْ هَذَا الْأَمْرَ لِي بَعْدَكَ، فَلَمْ يُجِبْهُ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى ذَلِكَ، فَرَجَعَ إِلَى دِمَشْقَ، وَكَانَ مِنْ قَتْلِهِ مَا تَقَدَّمَ.
وَقِيلَ: بَلْ كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ قَدِ اسْتَخْلَفَ عَمْرًا عَلَى دِمَشْقَ، فَخَالَفَهُ وَتَحَصَّنَ بِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَمَّا سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بِقَتْلِ عَمْرٍو قَالَ: إِنَّ ابْنَ الزَّرْقَاءِ قَتَلَ لَطِيمَ الشَّيْطَانِ، ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩] وَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالَ: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠] يُرْفَعُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِوَاءٌ عَلَى قَدْرِ غَدْرَتِهِ.
ذِكْرُ عِصْيَانِ الْجَرَاجِمَةِ بِالشَّامِ
لَمَّا امْتَنَعَ عَمْرُوبْنُ سَعِيدٍ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ خَرَجَ أَيْضًا قَائِدٌ مِنْ قُوَّادِ الضَّوَاحِي فِي جَبَلِ اللُّكَّامِ، وَاتَّبَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْجَرَاجِمَةِ وَالْأَنْبَاطِ وَأُبَّاقِ عَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ سَارَ إِلَى لُبْنَانَ، فَلَمَّا فَرَغَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ عَمْرٍو أَرْسَلَ إِلَى هَذَا الْخَارِجِ عَلَيْهِ، فَبَذَلَ لَهُ كُلَّ جُمُعَةٍ أَلْفَ دِينَارٍ، فَرَكَنَ إِلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُفْسِدْ فِي الْبِلَادِ، ثُمَّ وَضَعَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ سُحَيْمَ بْنَ الْمُهَاجِرِ، فَتَلَطَّفَ حَتَّى وَصَلَ إِلَيْهِ مُتَنَكِّرًا، فَأَظْهَرَ لَهُ مُمَالَأَتَهُ، وَذَمَّ عَبْدَ الْمَلِكِ وَشَتَمَهُ، وَوَعَدَهُ أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى عَوْرَاتِهِ وَمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الصُّلْحِ. فَوَثِقَ بِهِ. ثُمَّ إِنَّ سُحَيْمًا عَطَفَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ غَارُّونَ غَافِلُونَ بِجَيْشٍ مَعَ مَوَالِي عَبْدِ الْمَلِكِ وَبَنِي أُمَيَّةَ وَجُنْدٍ مِنْ ثِقَاتِ جُنْدِهِ وَشُجْعَانِهِمْ كَانَ أَعَدَّهُمْ بِمَكَانٍ خَفِيٍّ قَرِيبٍ، وَأَمَرَ فَنُودِيَ: مَنْ أَتَانَا مِنَ الْعَبِيدِ، يَعْنِي الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ، فَهُوَ حُرٌّ وَيُثَبَّتَ فِي الدِّيوَانِ، فَانْفَضَّ إِلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، فَكَانُوا مِمَّنْ قَاتَلَ مَعَهُ، فَقُتِلَ الْخَارِجُ وَمَنْ أَعَانَهُ مِنَ الرُّومِ، وَقُتِلَ نَفَرٌ مِنَ الْجَرَاجِمَةِ وَالْأَنْبَاطِ، وَنَادَى الْمُنَادِي بِالْأَمَانِ فِيمَنْ لَقِيَ مِنْهُمْ، فَتَفَرَّقُوا فِي قُرَاهُمْ وَسُدَّ الْخَلَلُ، وَعَادَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَوَفَى لِلْعَبِيدِ.
стр. 1801
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ زُهَيْرُ بْنُ قَيْسٍ أَمِيرُ إِفْرِيقِيَّةَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، وَفِيهَا حُكِّمَ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ بِمِنًى وَسَلَّ سَيْفَهُ، وَكَانُوا جَمَاعَةً، فَأَمْسَكَ اللَّهُ أَيْدِيهِمْ فَقُتِلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ عَلَى الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ لَهُ أَخُوهُ مُصْعَبٌ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ شُرَيْحٌ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ هِشَامُ بْنُ هُبَيْرَةَ، وَعَلَى خُرَاسَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ، وَلَهُ خَمْسٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً.
стр. 1802
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعِينَ]
٧٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعِينَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اجْتَمَعَتِ الرُّومُ وَاسْتَجَاشُوا عَلَى مَنْ بِالشَّامِ، فَصَالَحَ عَبْدُ الْمَلِكِ مَلِكَهُمْ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيْهِ كُلَّ جُمُعَةٍ أَلْفَ دِينَارٍ خَوْفًا مِنْهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَفِيهَا شَخَصَ مُصْعَبٌ إِلَى مَكَّةَ، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَمَعَهُ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ وَدَوَابُّ كَثِيرَةٌ، قَسَّمَهَا فِي قَوْمِهِ وَغَيْرِهِمْ، وَنَهَضَ وَنَحَرَ بُدْنًا كَثِيرَةً.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ عُمَّالُهُ فِيهَا مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ.
ذِكْرُ يَوْمِ الْجُفْرَةِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ يُرِيدُ مُصْعَبًا، فَقَالَ لَهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ: إِنْ وَجَّهْتَنِي إِلَى الْبَصْرَةِ، وَأَتْبَعْتَنِي خَيْلًا يَسِيرَةً - رَجَوْتُ أَنْ أَغْلِبَ لَكَ عَلَيْهَا. فَوَجَّهَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَقَدِمَهَا مُسْتَخْفِيًا فِي خَاصَّتِهِ حَتَّى نَزَلَ عَلَى عَمْرِو بْنِ أَصْمَعَ، وَقِيلَ: نَزَلَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَصْمَعَ الْبَاهِلِيِّ، فَأَرْسَلَ عَمْرٌو إِلَى عَبَّادِ بْنِ الْحُصَيْنِ، وَهُوَ عَلَى شُرْطَةِ ابْنِ مَعْمَرٍ، وَكَانَ مُصْعَبٌ قَدِ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَرَجَا ابْنُ أَصْمَعَ أَنْ
стр. 1803
يُبَايِعَهُ عَبَّادُ بْنُ الْحُصَيْنِ وَقَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ خَالِدًا، وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَعْلَمَ ذَلِكَ لِتَكُونَ ظَهْرًا لِي. فَوَافَاهُ الرَّسُولُ حِينَ نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ، فَقَالَ عَبَّادٌ: قُلْ لَهُ: وَاللَّهِ لَا أَضَعُ لَبِدَ فَرَسِي حَتَّى آتِيكَ فِي الْخَيْلِ. فَقَالَ ابْنُ أَصْمَعَ لِخَالِدٍ: إِنَّ عَبَّادًا يَأْتِينَا السَّاعَةَ، وَلَا أَقْدِرُ أَنْ أَمْنَعَكَ عَنْهُ، فَعَلَيْكَ بِمَالِكِ بْنِ مِسْمَعٍ.
فَخَرَجَ خَالِدٌ يَرْكُضُ وَقَدْ أَخْرَجَ رِجْلَيْهِ مِنَ الرِّكَابَيْنِ حَتَّى أَتَى مَالِكًا، فَقَالَ: أَجِرْنِي. فَأَجَارَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَالْأَزْدِ، فَكَانَ أَوَّلَ رَايَةٍ أَتَتْهُ رَايَةُ بَنِي يَشْكُرَ، وَأَقْبَلَ عَبَّادٌ فِي الْخَيْلِ، فَتَوَاقَفُوا وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ عَدَوْا إِلَى جُفْرَةِ نَافِعِ بْنِ الْحَارِثِ، وَمَعَ خَالِدٍ رِجَالٌ مِنْ تَمِيمٍ، مِنْهُمْ: صَعْصَعَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ بِشْرٍ، وَمُرَّةُ بْنُ مِحْكَانٍ وَغَيْرُهُمْ، وَكَانَ أَصْحَابُ خَالِدٍ جُفْرِيَّةً يَنْتَسِبُونَ إِلَى الْجُفْرَةِ، وَأَصْحَابُ ابْنِ مَعْمَرٍ زُبَيْرِيَّةً، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ خَالِدٍ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، وَحُمْرَانُ بْنُ أَبَانٍ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، وَمِنَ الزُّبَيْرِيَّةِ: قَيْسُ بْنُ الْهَيْثَمِ السُّلَمِيُّ.
وَوَجَّهَ مُصْعَبٌ زَحْرَ بْنَ قَيْسٍ الْجُعْفِيَّ مَدَدًا لِابْنِ مَعْمَرٍ فِي أَلْفٍ، وَوَجَّهْ عَبْدُ الْمَلِكِ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادِ بْنِ ظَبْيَانَ مَدَدًا لِخَالِدٍ. فَأَرْسَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى الْبَصْرَةِ مَنْ يَأْتِيهِ بِالْخَبَرِ، فَعَادَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ بِتَفَرُّقِ الْقَوْمِ، فَرَجَعَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ. فَاقْتَتَلُوا أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَأُصِيبَتْ عَيْنُ مَالِكِ بْنِ مِسْمَعٍ، وَضَجِرَ مِنَ الْحَرْبِ، وَمَشَتْ بَيْنَهُمُ السُّفَرَاءُ، فَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَخْرُجَ خَالِدٌ مِنَ الْبَصْرَةِ، فَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ. ثُمَّ لَحِقَ مَالِكٌ بِثَأَجٍ.
وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ قَدْ رَجَعَ إِلَى دِمَشْقَ، فَلَمْ يَكُنْ لِمُصْعَبٍ هِمَّةٌ إِلَّا الْبَصْرَةُ، وَطَمِعَ أَنْ يُدْرِكَ بِهَا خَالِدًا، فَوَجَدَهُ قَدْ خَرَجَ، وَسَخِطَ مُصْعَبٌ عَلَى ابْنِ مَعْمَرٍ، وَأَحْضَرَ أَصْحَابَ خَالِدٍ فَشَتَمَهُمْ وَسَبَّهُمْ، فَقَالَ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ: يَا ابْنَ مَسْرُوحٍ، إِنَّمَا أَنْتَ ابْنُ كَلْبَةٍ تَعَاوَرَهَا الْكِلَابُ، فَجَاءَتْ بِأَحْمَرَ وَأَصْفَرَ وَأَسْوَدَ مِنْ كُلِّ كَلْبٍ بِمَا يُشْبِهُهُ، وَإِنَّمَا كَانَ أَبُوكَ عَبْدًا نَزَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ حِصْنِ الطَّائِفِ، ثُمَّ ادَّعَيْتُمْ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ زَنَى بِأُمِّكُمْ، وَاللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُ لَأُلْحِقَنَّكُمْ بِنَسَبِكُمْ. ثُمَّ دَعَا حُمْرَانَ فَقَالَ لَهُ: إِنَّمَا أَنْتَ ابْنُ يَهُودِيَّةٍ عِلْجٌ نَبَطِيٌّ سُبِيتَ مِنْ عَيْنِ التَّمْرِ. وَقَالَ لِلْحَكَمِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَارُودِ، وَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَضَالَةَ
стр. 1804
الزَّهْرَانِيِّ، وَلِعَلِيِّ بْنِ أَصْمَعَ، وَلِعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ بِشْرٍ، وَغَيْرِهِمْ نَحْوَ هَذَا مِنَ التَّوْبِيخِ وَالتَّقْرِيعِ، وَضَرْبِهِمْ مِائَةَ مِائَةٍ، وَحَلَقَ رُءُوسَهُمْ وَلِحَاهُمْ، وَهَدَمَ دُورَهُمْ وَصَحَّرَهُمْ فِي الشَّمْسِ ثَلَاثًا، وَحَمَلَهُمْ عَلَى طَلَاقِ نِسَائِهِمْ، وَجَمَّرَ أَوْلَادَهُمْ فِي الْبُعُوثِ، وَطَافَ بِهِمْ فِي أَقْطَارِ الْبَصْرَةِ، وَأَحْلَفَهُمْ أَنْ لَا يَنْكِحُوا الْحَرَائِرَ، وَهَدَمَ دَارَ مَالِكِ بْنِ مِسْمَعٍ وَأَخَذَ مَا فِيهَا، فَكَانَ مِمَّا أَخَذَ جَارِيَةٌ وَلَدَتْ لَهُ عَمْرَو بْنَ مُصْعَبٍ.
وَأَقَامَ مُصْعَبٌ بِالْبَصْرَةِ، ثُمَّ شَخَصَ إِلَى الْكُوفَةِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى خَرَجَ إِلَى حَرْبِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ.
(الْمُغِيرَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَبِالْغَيْنِ، وَالرَّاءِ. خَالِدُ بْنُ أَسِيدٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَكَسْرِ السِّينِ. وَالْجُفْرَةُ بِضَمِّ الْجِيمِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ) .
[وَفَاةُ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ]
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَهُوَ جَدُّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِأُمِّهِ، وَوُلِدَ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ بِسَنَتَيْنِ.
ذِكْرُ مَقْتَلِ عُمَيْرِ بْنِ الْحُبَابِ بْنِ جَعْدَةَ السُّلَمِيِّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ بْنِ جَعْدَةَ السُّلَمِيُّ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ سَبَبَ الْحَرْبِ بَيْنَ قَيْسٍ وَتَغْلِبَ حَتَّى آلَ الْأَمْرُ إِلَى قَتْلِ عُمَيْرٍ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا انْقَضَى أَمْرُ مَرْجِ رَاهِطٍ، وَسَارَ زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ الْكَلَّائِيُّ إِلَى قَرْقِيسِيَا، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَبَايَعَ عُمَيْرُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَفِي نَفْسِهِ مَا فِيهَا بِسَبَبِ قَتْلِ قَيْسٍ بِالْمَرْجِ، فَلَمَّا سَيَّرَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ إِلَى الْجَزِيرَةِ وَالْعِرَاقِ كَانَ عُمَيْرٌ مَعَهُ، فَلَقُوا سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ بِعَيْنِ الْوَرْدَةِ، وَسَارَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى قَرْقِيسِيَا لِقِتَالِ زُفَرَ، فَثَبَّطَهُ عُمَيْرٌ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْمَوْصِلِ قَبْلَ وُصُولِ جَيْشِ الْمُخْتَارِ إِلَيْهَا، وَسَارَ إِلَيْهَا وَلَقِيَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَشْتَرِ بِالْخَازِرِ، فَمَالَ عُمَيْرٌ مَعَهُ، فَانْهَزَمَ جَيْشُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَقُتِلَ هُوَ، فَأَتَى عُمَيْرٌ قَرْقِيسِيَا وَصَارَ مَعَ زُفَرَ، فَجَعَلَا يَطْلُبَانِ كَلْبًا وَالْيَمَانِيَةَ بِمَنْ قَتَلُوا مِنْ قَيْسٍ، وَكَانَ مَعَهُمَا قَوْمٌ مِنْ تَغْلِبَ يُقَاتِلُونَ مَعَهُمَا وَيَدُلُّونَهُمَا.
стр. 1805
وَشُغِلَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْهُمَا بِمُصْعَبٍ، وَتَغَلَّبَ عُمَيْرٌ عَلَى نَصِيبِينَ. ثُمَّ إِنَّهُ مَلَّ الْمُقَامَ بِقَرْقِيسِيَا، فَاسْتَأْمَنَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَآمَنَهُ، ثُمَّ غَدَرَ بِهِ فَحَبَسَهُ عِنْدَ مَوْلَاهُ الرَّيَّانِ، فَسَقَاهُ عُمَيْرٌ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْحَرَسِ خَمْرًا حَتَّى أَسْكَرَهُمْ، وَتَسَلَّقَ فِي سُلَّمٍ مِنْ حِبَالٍ، وَخَرَجَ مِنَ الْحَبْسِ وَعَادَ إِلَى الْجَزِيرَةِ، وَنَزَلَ عَلَى نَهْرِ الْبَلِيخِ بَيْنَ حَرَّانَ وَالرَّقَّةِ، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قَيْسٌ، فَكَانَ يُغِيرُ بِهِمْ عَلَى كَلْبٍ وَالْيَمَانِيَةِ، وَكَانَ مَنْ مَعَهُ يَسْتَأْوُونَ جَوَارِيَ تَغْلِبَ، وَيُسَخِّرُونَ مَشَايِخَهُمْ مِنَ النَّصَارَى، فَهَاجَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ شَرًّا لَمْ يَبْلُغِ الْحَرْبَ، وَذَلِكَ قَبْلَ مَسِيرِ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى مُصْعَبٍ وَزُفَرَ.
ثُمَّ إِنَّ عُمَيْرًا أَغَارَ عَلَى كَلْبٍ، ثُمَّ رَجَعَ فَنَزَلَ عَلَى الْخَابُورِ، وَكَانَتْ مَنَازِلُ تَغْلِبَ بَيْنَ الْخَابُورِ وَالْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ. وَكَانَتْ بِحَيْثُ نَزَلَ عُمَيْرٌ امْرَأَةٌ مِنْ تَمِيمٍ نَاكِحٌ فِي تَغْلِبَ يُقَالُ لَهَا أُمُّ دُوَيْلٍ، فَأَخَذَ غُلَامٌ مِنْ بَنِي الْحَرِيشِ أَصْحَابِ عُمَيْرٍ عَدَدًا مِنْ غَنَمِهَا، فَشَكَتْ إِلَى عُمَيْرٍ، فَلَمْ يَمْنَعْ عَنْهَا، فَأَخَذُوا الْبَاقِيَ، فَمَانَعَهُمْ قَوْمٌ مِنْ تَغْلِبَ، فَقُتِلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ مُجَاشِعٌ التَّغْلِبِيُّ، وَجَاءَ دُوَيْلٌ فَشَكَتْ أُمُّهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ فَارِسًا مِنْ فُرْسَانِ تَغْلِبَ، فَسَارَ فِي قَوْمِهِ، وَجَعَلَ يُذَكِّرُهُمْ مَا تَصْنَعُ بِهِمْ قَيْسٌ، وَيَشْكُوا إِلَيْهِمْ مَا أُخِذَ مِنْ غَنَمِ أُمِّهِ، فَاجْتَمَعَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ، وَأَمَّرُوا عَلَيْهِمْ شُعَيْثَ بْنَ مُلَيْكٍ التَّغْلِبِيَّ، وَأَغَارُوا عَلَى بَنِي الْحَرِيشِ وَمَعَهُمْ قَوْمٌ مِنْ نُمَيْرٍ، فَقَتَلَ فِيهِمُ التَّغْلِبِيُّونَ، وَاسْتَاقُوا ذَوْدًا لِامْرَأَةٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهَا أُمُّ الْهَيْثَمِ، فَمَانَعَهُمُ الْقَيْسِيُّونَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى مَنْعِهِمْ، فَقَالَ الْأَخْطَلُ:
فَإِنْ تَسْأَلُونَا بِالْحَرِيشِ فَإِنَّنَا ... مُنِينَا بِنُوكٍ مِنْهُمُ وَفُجُورِ
غَدَاةَ تَحَامَتْنَا الْحَرِيشُ كَأَنَّهَا ... كِلَابٌ بَدَتْ أَنْيَابُهَا لِهَرِيرِ
وَجَاؤُوا بِجَمْعٍ نَاصِرٍ أُمَّ هَثْيَمٍ ... فَمَا رَجَعُوا مِنْ ذَوْدِهَا بِبَعِيرِ
يَوْمُ مَاكِسِينَ
وَلَمَّا اسْتَحْكَمَ الشَّرُّ بَيْنَ قَيْسٍ وَتَغْلِبَ، وَعَلَى قَيْسٍ عُمَيْرٌ، وَعَلَى تَغْلِبَ شُعَيْثٌ، غَزَا عُمَيْرٌ بَنِي تَغْلِبَ وَجَمَاعَتَهُمْ بِمَاكِسِينَ مِنَ الْخَابُورِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَهِيَ أَوَّلُ
стр. 1806
وَقْعَةٍ لَهُمْ، فَقُتِلَ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ خَمْسُمِائَةٍ، وَقُتِلَ شُعَيْثٌ، وَكَانَتْ رِجْلُهُ قُطِعَتْ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ وَهُوَ يَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ قَيْسٌ وَنَحْنُ نَعْلَمْ ... أَنَّ الْفَتَى يَقْتُلُ وَهُوَ أَجْذَمْ
يَوْمُ الثَّرْثَارِ الْأَوَّلِ
وَالثَّرْثَارُ نَهَرٌ أَصْلُ مَنْبَعِهِ شَرْقِيُّ سِنْجَارَ، وَبِالْقُرْبِ مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا سُرَّقَ، وَيُفْرِغُ فِي دِجْلَةَ بَيْنَ الْكَحِيلِ وَرَأْسِ الْأَيْلِ مِنْ عَمَلِ الْفَرَجِ.
لَمَّا قُتِلَ بِمَاكِسِينَ مَنْ ذَكَرْنَا اسْتَمَدَّتْ تَغْلِبُ وَحَشَدَتْ، وَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهَا النَّمِرُ بْنُ قَاسِطٍ، وَأَتَاهَا الْمُشَجَّرُ بْنُ الْحَارِثِ الشَّيْبَانِيُّ، وَكَانَ مِنْ سَادَاتِهِمْ بِالْجَزِيرَةِ، وَأَتَاهَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ ظَبْيَانَ مُنْجِدًا لَهُمْ عَلَى قَيْسٍ، فَلِذَلِكَ حَقَدَ عَلَيْهِ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ حَتَّى قَتَلَ أَخَاهُ النَّابِئَ بْنَ زِيَادٍ، وَاسْتَنْجَدَ عُمَيْرٌ تَمِيمًا وَأَسَدًا، فَلَمْ يُنْجِدْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ. فَالْتَقَوْا عَلَى الثَّرْثَارِ، وَقَدْ جَعَلَتْ تَغْلِبُ عَلَيْهَا بَعْدَ شُعَيْبٍ زِيَادَ بْنَ هَوْبَرٍ، وَيُقَالُ: يَزِيدَ بْنَ هَوْبَرٍ التَّغْلِبِيَّ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَتْ قَيْسٌ، وَقَتَلَتْ تَغْلِبُ وَمَنْ مَعَهَا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَبَقَرُوا بُطُونَ ثَلَاثِينَ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَقَالَتْ لَيْلَى بِنْتُ الْحَارِسِ التَّغْلِبِيَّةُ، وَقِيلَ هِيَ لِلْأَخْطَلِ:
لَمَّا رَأَوْنَا وَالصَّلِيبَ طَالِعَا ... وَمَارَسَرْجِيسَ وَسُمًّا نَاقِعَا
وَالْخَيْلَ لَا تَحْمِلُ إِلَّا دَارِعَا ... وَالْبِيضَ فِي أَيْمَانِنَا قَوَاطِعَا
خَلَّوْا لَنَا الثَّرْثَارَ وَالْمَزَارِعَا ... وَحِنْطَةً طَيْسًا وَكَرْمًا يَانِعَا
يَوْمُ الثَّرْثَارِ الثَّانِي
ثُمَّ إِنَّ قَيْسًا تَجَمَّعَتْ وَاسْتَمَدَّتْ وَاسْتَعَدَّتْ وَعَلَيْهَا عُمَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ، وَأَتَاهُمْ زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ مِنْ قَرْقِيسِيَا، وَكَانَ رَئِيسَ بَنِي تَغْلِبَ، وَالنَّمِرِ، وَمَعَهُمَا ابْنُ هَوْبَرٍ، فَالْتَقَوْا بِالثَّرْثَارِ،
стр. 1807
وَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ اقْتَتَلَهُ النَّاسُ، وَانْهَزَمَتْ بَنُو عَامِرٍ، وَكَانَتْ عَلَى مُجَنَّبَةِ قَيْسٍ، وَصَبَرَتْ سُلَيْمٌ وَأَعْصَرَتْ حَتَّى انْهَزَمَتْ تَغْلِبُ وَمَنْ مَعَهَا، وَقُتِلَ ابْنَا عَبْدِ يَشُوعَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَشْرَافِ تَغْلِبَ، فَقَالَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ:
فِدًا لِفَوَارِسِ الثَّرْثَارِ نَفْسِي ... وَمَا جَمَّعْتُ مِنْ أَهْلٍ وَمَالِ
وَوَلَّتْ عَامِرٌ عَنَّا فَأَجْلَتْ ... وَحَوْلِي مِنْ رَبِيعَةَ كَالْجِبَالِ
أُكَاوِحُهُمْ بِدُهْمٍ مِنْ سُلَيْمٍ ... وَأُعْصِرُ كَالْمَصَاعِيبِ النِّهَالِ
وَقَالَ زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ:
أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي عُمَيْرًا ... رِسَالَةَ نَاصِحٍ وَعَلَيْهِ زَارِي
أَنَتْرُكُ حَيَّ ذِي يَمَنٍ وَكَلْبًا ... وَنَجْعَلُ جِدَّنَا بِكَ فِي نِزَارِ
كَمُعْتَمِدٍ عَلَى إِحْدَى يَدَيْهِ ... فَخَانَتْهُ بِوَهْنٍ وَانْكِسَارِ
يَوْمُ الْفُدَيْنِ
وَأَغَارَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ عَلَى الْفُدَيْنِ، وَهِيَ قَرْيَةٌ عَلَى الْخَابُورِ، وَقَتَلَ مَنْ بِهَا مِنْ بَنِي تَغْلِبَ، فَهَزَمَهُمْ، فَقَالَ نُفَيْعُ بْنُ صَفَّارٍ الْمُحَارِبِيُّ:
لَوْ تُسْأَلُ الْأَرْضُ الْفَضَاءُ عَلَيْكُمُ ... شَهِدَ الْفُدَيْنُ بِهُلْكِكُمْ وَالصُّوَّرُ
وَالصُّوَّرُ: قَرْيَةٌ مِنَ الْفُدَيْنِ.
يَوْمُ السُّكَيْرِ
وَهُوَ عَلَى الْخَابُورِ، يُسَمَّى سُكَيْرَ الْعَبَّاسِ.
ثُمَّ اجْتَمَعُوا وَالْتَقَوْا بِالسُّكَيْرِ، وَعَلَى قَيْسٍ عُمَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ، وَعَلَى تَغْلِبَ وَالنَّمِرِ يَزِيدُ بْنُ هَوْبَرٍ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَتْ تَغْلِبُ وَالنَّمِرُ، وَهَرَبَ عُمَيْرُ بْنُ جَنْدَلٍ، وَهُوَ مِنْ فُرْسَانِ تَغْلِبَ، فَقَالَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ:
стр. 1808
وَأَفْلَتَنَا يَوْمَ السُّكَيْرِ ابْنُ جَنْدَلٍ ... عَلَى سَابِحٍ عُوجِ اللَّبَانِ مُثَابِرِ
وَنَحْنُ كَرَرْنَا الْخَيْلَ قِدْمًا شَوَاذِبًا ... دِقَاقَ الْهَوَادِي دَامِيَاتِ الدَّوَائِرِ
وَقَالَ ابْنُ صَفَّارٍ:
صَبَحْنَاكُمْ بِهِنَّ عَلَى سُكَيْرٍ ... وَلَاقَيْتُمْ هُنَاكَ الْأَقْوَرِينَا
يَوْمُ الْمَعَارِكِ
وَالْمَعَارِكُ بَيْنَ الْحَضْرِ وَالْعَتِيقِ مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ، اجْتَمَعَتْ تَغْلِبُ بِهَذَا الْمَكَانِ فَالْتَقَوْا هُمْ وَقَيْسٌ، فَاقْتَتَلُوا بِهِ فَاشْتَدَّ قِتَالُهُمْ، فَانْهَزَمَتْ تَغْلِبُ، وَقَالَ ابْنُ صَفَّارٍ:
وَلَقَدْ تَرَكْنَا بِالْمَعَارِكِ مِنْكُمُ ... وَالْحَضْرِ وَالثَّرْثَارِ أَجْسَادًا جُثَا
فَيُقَالُ: إِنَّ يَوْمَ الْمَعَارِكِ وَالْحَضْرِ وَاحِدٌ، هَزَمُوهُمْ إِلَى الْحَضْرِ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ بَشَرًا كَثِيرًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمَا يَوْمَانِ كَانَا لِقَيْسٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[يَوْمُ لِبَّى]
وَالْتَقَوْا أَيْضًا بِلِبَّى فَوْقَ تَكْرِيتَ مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ، فَتَنَاصَفُوا، فَقَيْسٌ تَقُولُ: كَانَ الْفَضْلُ لَنَا، وَتَغْلِبُ تَقُولُ: كَانَ الْفَضْلُ لَنَا.
يَوْمُ الشَّرْعَبِيَّةِ
ثُمَّ الْتَقَوْا بِالشَّرْعَبِيَّةِ، وَعَلَى قَيْسٍ عُمَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ، وَعَلَى تَغْلِبَ وَأَلْفَافِهَا ابْنُ هَوْبَرٍ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ شَدِيدٌ، قُتِلَ يَوْمَئِذٍ عَمَّارُ بْنُ الْمُهَزَّمِ السُّلَمِيُّ، وَكَانَ لِتَغْلِبَ عَلَى قَيْسٍ، قَالَ الْأَخْطَلُ:
وَلَقَدْ بَكَى الْجَحَّافُ لَمَّا أَوْقَعَتْ ... بِالشَّرْعَبِيَّةِ إِذْ رَأَى الْأَهْوَالَا
стр. 1809
يَعْنِي أَوْقَعَتِ الْخَيْلُ. وَالشَّرْعَبِيَّةُ: مِنْ بِلَادِ تَغْلِبَ. وَالشَّرْعَبِيَّةُ أَيْضًا: بِبِلَادِ مَنْبِجَ، فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الْوَقْعَةَ كَانَتْ بِبِلَادِ مَنْبِجَ، وَذَلِكَ خَطَأٌ.
يَوْمُ الْبَلِيخِ
وَاجْتَمَعَتْ تَغْلِبُ وَسَارَتْ إِلَى الْبَلِيخِ، وَهُنَاكَ عُمَيْرٌ فِي قَيْسٍ، وَالْبَلِيخُ نَهْرٌ بَيْنَ حَرَّانَ وَالرَّقَّةِ، فَالْتَقَوْا وَانْهَزَمَتْ تَغْلِبُ وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهَا، وَبُقِرَتْ بُطُونُ النِّسَاءِ كَمَا فَعَلُوا يَوْمَ الثَّرْثَارِ، فَقَالَ ابْنُ صَفَّارٍ:
زُرْقُ الرِّمَاحِ وَوَقْعُ كُلِّ مُهَنَّدٍ ... زَلْزَلْنَ قَلْبَكَ بِالْبَلِيخِ فَزَالَا
يَوْمُ الْحَشَّاكِ، وَمَقْتَلُ عُمَيْرِ بْنِ الْحُبَابِ السُّلَمِيِّ وَابْنِ هَوْبَرٍ التَّغْلِبِيِّ
لَمَّا رَأَتْ تَغْلِبُ إِلْحَاحَ عُمَيْرِ بْنِ الْحُبَابِ عَلَيْهَا جَمَعَتْ حَاضِرَتَهَا وَبَادِيَتَهَا، وَسَارُوا إِلَى الْحَشَّاكِ، وَهُوَ تَلٌّ قَرِيبٌ مِنَ الشَّرْعَبِيَّةِ، وَإِلَى جَنْبِهِ بِرَاقٌ، وَدَلَفَ إِلَيْهِ عُمَيْرٌ فِي قَيْسٍ وَمَعَهُ زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ الْكَلَّائِيُّ وَابْنُهُ الْهُذَيْلُ بْنُ زُفَرَ، وَعَلَى تَغْلِبَ ابْنُ هَوْبَرٍ، وَاقْتَتَلُوا عِنْدَ تَلِّ الْحَشَّاكِ أَشَدَّ قِتَالٍ وَأَبْرَحَهُ، حَتَّى جَنَّ عَلَيْهِمُ اللَّيْلُ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا وَاقْتَتَلُوا مِنَ الْغَدِ إِلَى اللَّيْلِ، ثُمَّ تَحَاجَزُوا.
وَأَصْبَحَتْ تَغْلِبُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَتَعَاقَدُوا أَنْ لَا يَفِرُّوا، فَلَمَّا رَأَى عُمَيْرٌ حَدَّهُمْ، وَأَنَّ نِسَاءَهُمْ مَعَهُمْ قَالَ لِقَيْسٍ: يَا قَوْمِ، أَرَى لَكُمْ أَنْ تَنْصَرِفُوا عَنْ هَؤُلَاءِ، فَإِنَّهُمْ مُسْتَقْتِلُونَ، فَإِذَا اطْمَأَنُّوا وَصَارُوا إِلَى سَرْحِهِمْ وَجَّهْنَا إِلَى كُلِّ قَوْمٍ مِنْهُمْ مَنْ يُغِيرُ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ حَاتِمِ بْنِ النُّعْمَانِ الْبَاهِلِيُّ: قَتَلْتَ فُرْسَانَ قَيْسٍ أَمْسِ وَأَوَّلَ أَمْسِ، ثُمَّ مُلِئَ سَحْرُكَ وَجَبُنْتَ! وَيُقَالُ: إِنَّ عُيَيْنَةَ بْنَ أَسْمَاءَ بْنِ خَارِجَةَ الْفَزَارِيَّ قَالَ لَهُ ذَلِكَ، وَكَانَ أَتَاهُ مُنْجِدًا، فَغَضِبُ عُمَيْرٌ وَقَالَ: كَأَنِّي بِكَ وَقَدْ حَمِسَ الْوَغَى أَوَّلُ فَارٍّ! فَنَزَلَ عُمَيْرٌ وَجَعَلَ يُقَاتِلُ رَاجِلًا وَهُوَ يَقُولُ:
أَنَا عُمَيْرٌ وَأَبُو الْمُغَلِّسْ ... قَدْ أَحْبِسُ الْقَوْمَ بِضَنْكٍ فَاحْبِسْ
стр. 1810
وَانْهَزَمَ زُفَرُ يَوْمَئِذٍ، وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ، فَلَحِقَ بِقَرْقِيسِيَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى الْحَرَكَةِ إِلَيْهِ بِقَرْقِيسِيَا، فَبَادَرَ لِلتَّأَهُّبِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ ادَّعَى ذَلِكَ حِينَ فَرَّ اعْتِذَارًا، وَانْهَزَمَتْ قَيْسٌ وَرَكِبَتْ تَغْلِبُ وَمَنْ مَعَهَا أَكْتَافَهُمْ يَقُولُونَ: أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ تَغْلِبَ تَغْلِبُ؟
وَشَدَّ عَلَى عُمَيْرٍ جُمَيْلُ بْنُ قَيْسٍ مِنْ بَنِي كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ فَقَتَلَهُ، وَقِيلَ: بَلْ تَغَاوَى عَلَى عُمَيْرٍ غُلَامَانِ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ فَرَمَيَاهُ بِالْحِجَارَةِ، وَقَدْ أَعْيَا فَأَثْخَنَاهُ، وَكَرَّ عَلَيْهِ ابْنُ هَوْبَرٍ فَقَتَلَهُ.
وَأَصَابَتِ ابْنَ هَوْبَرٍ يَوْمَئِذٍ جِرَاحَةٌ، فَلَمَّا انْقَضَتِ الْحَرْبُ أَوْصَى بَنِي تَغْلِبَ بِأَنْ يُوَلُّوا أَمْرَهُمْ مُرَادَ بْنَ عَلْقَمَةَ الزُّهَيْرِيَّ.
وَقِيلَ: خَرَجَ ابْنُ هَوْبَرٍ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِهِمْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَأَوْصَى أَنْ يُوَلُّوا أَمْرَهُمْ مُرَادًا، وَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ، وَكَانَ مُرَادٌ رَئِيسَهُمْ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَعَبَّأَهُمْ عَلَى رَايَاتِهِمْ، وَأَمَرَ كُلَّ بَنِي أَبٍ أَنْ يَجْعَلُوا نِسَاءَهُمْ خَلْفَهُمْ، فَلَمَّا أَبْصَرَهُمْ عُمَيْرٌ قَالَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
أَرِقْتُ بِأَثْنَاءِ الْفُرَاتِ وَشَفَّنِي ... نَوَائِحُ أَبْكَاهَا قَتِيلُ ابْنِ هَوْبَرِ
وَلَمْ تَظْلِمِي إِنْ نُحْتِ أُمَّ مُغَلِّسٍ ... قَتِيلَ النَّصَارَى فِي نَوَائِحِ حُسَّرِ
وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ يُنْكِرُ قَتْلَ ابْنِ هَوْبَرٍ عُمَيْرًا:
وَإِنَّ عُمَيْرًا يَوْمَ لَاقَتْهُ تَغْلِبُ ... قَتِيلُ جُمَيْلٍ لَا قَتِيلُ ابْنِ هَوْبَرِ
وَكَثُرَ الْقَتْلُ يَوْمَئِذٍ فِي بَنِي سُلَيْمٍ وَغَنِيٍّ خَاصَّةً، وَقُتِلَ مِنْ قَيْسٍ أَيْضًا يَوْمَئِذٍ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَبَعَثَتْ بَنُو تَغْلِبَ رَأْسَ عُمَيْرِ بْنِ الْحُبَابِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِدِمَشْقَ، فَأَعْطَى الْوَفْدَ وَكَسَاهُمْ. فَلَمَّا صَالَحَ عَبْدُ الْمَلِكِ زُفَرَ بْنَ الْحَارِثِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ قَالَ الْأَخْطَلُ
: بَنِي أُمَيَّةَ قَدْ تَنَاضَلَتْ دُونَكُمُ ... أَبْنَاءُ قَوْمٍ هُمُ آوَوْا وَهُمْ نَصَرُوا
وَقَيْسُ عَيْلَانَ حَتَّى أَقْبَلُوا رَقَصًا ... فَبَايَعُوا لَكَ قَسْرًا بَعْدَمَا قُهِرُوا
стр. 1811
ضَجُّوا مِنَ الْحَرْبِ إِذْ عُضَّتْ غَوَارِبُهُمْ
وَقَيْسُ عَيْلَانَ مِنْ أَخْلَاقِهَا الضَّجَرُ
فِي أَبْيَاتٍ كَثِيرَةٍ.
فَلَمَّا قُتِلَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ وَقَفَ رَجُلٌ عَلَى أَسْمَاءَ بْنِ خَارِجَةَ الْفَزَارِيِّ بِالْكُوفَةِ فَقَالَ: قَتَلَتْ بَنُو تَغْلِبَ عُمَيْرَ بْنَ الْحُبَابِ. فَقَالَ: لَا بَأْسَ، إِنَّمَا قُتِلَ الرَّجُلُ فِي دِيَارِ الْقَوْمِ مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ، ثُمَّ قَالَ:
يَدِي رَهْنٌ عَلَى سُلَيْمٍ بِغَارَةٍ ... تَشِيبُ لَهَا أَصْدَاغُ بَكْرِ بْنِ وَائِلِ
وَتَتْرُكُ أَوْلَادَ الْفَدَوْكَسِ عَالَةً ... يَتَامَى أَيَامَى نُهْزَةً لِلْقَبَائِلِ
يَوْمُ الْكُحَيْلِ
وَهُوَ مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ فِي جَانِبِ دِجْلَةَ الْغَرْبِيِّ.
وَسَبَبُهُ أَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ السُّلَمِيُّ أَتَى تَمِيمُ بْنُ عُمَيْرٍ زُفَرَ بْنَ الْحَارِثِ، فَسَأَلَهُ أَنْ يَطْلُبَ لَهُ بِثَأْرِهِ، فَامْتَنَعَ، فَقَالَ الْهُذَيْلُ بْنُ زُفَرَ لِأَبِيهِ: وَاللَّهِ لَئِنْ ظَفِرَتْ بِهِمْ تَغْلِبُ، إِنَّ ذَلِكَ لَعَارٌ عَلَيْكَ، وَلَئِنْ ظَفِرُوا بِتَغْلِبَ وَقَدْ خَذَلَتْهُمْ إِنَّ ذَلِكَ لَأَشَدُّ. فَاسْتَخْلَفَ زُفَرُ عَلَى قَرْقِيسِيَا أَخَاهُ أَوْسَ بْنَ الْحَارِثِ، وَعَزَمَ عَلَى أَنْ يُغِيرَ عَلَى بَنِي تَغْلِبَ وَيَغْزُوهُمْ، فَوَجَّهَ خَيْلًا إِلَى بَنِي فَدَوْكَسَ بَطْنٍ مِنْ تَغْلِبَ، فَقُتِلَ رِجَالُهُمْ، وَاسْتُبِيحَتْ أَمْوَالُهُمْ وَنِسَائُهُمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ غَيْرُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ اسْتَجَارَتْ، فَأَجَارَهَا يَزِيدُ بْنُ حُمْرَانَ.
وَوَجَّهَ زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ ابْنَهُ الْهُذَيْلَ فِي جَيْشٍ إِلَى بَنِي كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ، فَقَتَلَ فِيهِمْ قَتْلًا ذَرِيعًا، وَبَعَثَ زُفَرُ أَيْضًا مُسْلِمَ بْنَ رَبِيعَةَ الْعُقَيْلِيَّ إِلَى قَوْمِ تَغْلِبَ مُجْتَمِعِينَ، فَأَكْثَرَ فِيهِمُ الْقَتْلَ. ثُمَّ قَصَدَ زُفَرُ لِبَنِي تَغْلِبَ وَقَدِ اجْتَمَعُوا بِالْعَقِيقِ مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ، فَلَمَّا أَحَسَّتْ بِهِ ارْتَحَلَتْ تُرِيدُ عُبُورَ دِجْلَةَ، فَلَمَّا صَارَتْ بِالْكُحَيْلِ لَحِقَهُمْ زُفَرُ فِي الْقَيْسِيَّةِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَتَرَجَّلَ أَصْحَابُ زُفَرَ أَجْمَعُونَ، وَبَقِيَ زُفَرُ عَلَى بَغْلٍ لَهُ، فَقَتَلُوهُمْ لَيْلَتَهُمْ، وَبَقَرُوا بُطُونَ نِسَاءٍ مِنْهُمْ، وَغَرِقَ فِي دِجْلَةَ أَكْثَرُ مِمَّنْ قُتِلَ بِالسَّيْفِ، فَأَتَى فَلُّهُمْ لِبَّى، فَوَجَّهَ زُفَرُ ابْنَهُ الْهُذَيْلَ فَأَوْقَعَ بِهِمْ، إِلَّا مَنْ عَبَرَ فَنَجَا، وَأَسَرَ زُفَرُ مِنْهُمْ مِائَتَيْنِ فَقَتَلَهُمْ صَبْرًا، فَقَالَ زُفَرُ:
стр. 1812
أَلَا يَا عَيْنِ بَكِّي بِانْسِكَابٍ ... وَبَكِّي عَاصِمًا وَابْنَ الْحُبَابِ
فَإِنْ تَكُ تَغْلِبٌ قَتَلَتْ عُمَيْرًا ... وَرَهْطًا مِنْ غَنِيٍّ فِي الْحِرَابِ
فَقَدْ أَفْنَى بَنِي جُشَمِ بْنِ بَكْرٍ ... وَنَمْرَهُمُ فَوَارِسَ مِنْ كِلَابِ
قَتَلْنَا مِنْهُمُ مِائَتَيْنِ صَبْرًا ... وَمَا عَدَلُوا عُمَيْرَ بْنَ الْحُبَابِ
وَقَالَ ابْنُ صَفَّارٍ الْمُحَارِبِيُّ:
أَلَمْ تَرَ حَرْبَنَا تَرَكَتْ حُبَيْبًا ... مُحَالِفُهَا الْمَذَلَّةُ وَالصَّغَارُ
وَقَدْ كَانُوا أُولِي عِزٍّ فَأَضْحَوْا ... وَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ الذُّلِّ انْتِصَارُ
وَأُسِرَ الْقَطَامِيُّ التَّغْلِبِيُّ فِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِهِمْ وَأُخِذَ مَالُهُ، فَقَامَ زُفَرُ بِأَمْرِهِ حَتَّى رَدَّ عَلَيْهِ مَالَهُ وَوَصَلَهُ، فَقَالَ فِيهِ:
إِنِّي وَإِنْ كَانَ قَوْمِي لَيْسَ بَيْنَهُمُ ... وَبَيْنَ قَوْمِكَ إِلَّا ضَرْبَةُ الْهَادِي
مُثْنٍ عَلَيْكَ بِمَا أَوْلَيْتَ مِنْ حَسَنٍ ... وَقَدْ تَعَرَّضَ [لِي] مِنْ مَقْتَلٍ بَادِي
(حُبَيْبٌ الَّذِي فِي الشِّعْرِ هُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمِلَةِ، وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ فِي نَسَبِ بَنِي تَغْلِبَ) .
يَوْمُ الْبِشْرِ
لِمَا اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ، وَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ - قَدِمَ عَلَيْهِ الْأَخْطَلُ الشَّاعِرُ التَّغْلِبِيُّ، وَعِنْدَهُ الْجَحَّافُ بْنُ حُكَيْمٍ السُّلَمِيُّ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَتَعْرِفُ هَذَا يَا أَخْطَلُ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذَا الَّذِي أَقُولُ فِيهِ:
أَلَا سَائِلِ الْجَحَّافَ هَلْ هُوَ ثَائِرٌ ... بِقَتْلَى أُصِيبَتْ مِنْ سُلَيْمٍ وَعَامِرِ
стр. 1813
وَأَنْشَدَ الْقَصِيدَةَ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، وَكَانَ الْجَحَّافُ يَأْكُلُ رُطَبًا، فَجَعَلَ النَّوَى يَتَسَاقَطُ مِنْ يَدِهِ غَيْظًا، وَأَجَابَهُ وَقَالَ:
بَلَى سَوْفَ نُبْكِيهِمْ بِكُلِّ مُهَنَّدٍ ... وَنَنْعَى عُمَيْرًا بِالرِّمَاحِ الشَّوَاجِرِ
ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ النَّصْرَانِيَّةِ، مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ تَجْتَرِئَ عَلَيَّ بِمِثْلِ هَذَا! فَأُرْعِدَ الْأَخْطَلُ مِنْ خَوْفِهِ، ثُمَّ قَامَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَأَمْسَكَ ذَيْلَهُ وَقَالَ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ. فَقَالَ: أَنَا لَكَ مُجِيرٌ. ثُمَّ قَامَ الْجَحَّافُ وَمَشَى وَهُوَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ وَلَا يَعْقِلُ بِهِ، فَتَلَطَّفَ لِبَعْضِ كُتَّابِ الدِّيوَانِ حَتَّى اخْتَلَقَ لَهُ عَهْدًا عَلَى صَدَقَاتِ تَغْلِبَ وَبَكْرٍ بِالْجَزِيرَةِ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ وَلَّانِي هَذِهِ الصَّدَقَاتِ، فَمَنْ أَرَادَ اللِّحَاقَ بِي فَلْيَفْعَلْ.
ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَتَى رُصَافَةَ هِشَامٍ فَأَعْلَمَ أَصْحَابَهُ مَا كَانَ مِنَ الْأَخْطَلِ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ افْتَعَلَ كِتَابًا، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِوَالٍ، فَمَنْ كَانَ أَحَبَّ أَنْ يَغْسِلَ عَنِّي الْعَارَ وَعَنْ نَفْسِي فَلْيَصْحَبْنِي، فَإِنِّي قَدْ أَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَغْسِلَ رَأْسِي حَتَّى أُوقِعَ فِي بَنِي تَغْلِبَ. فَرَجَعُوا عَنْهُ غَيْرَ ثَلَاثِمِائَةٍ قَالُوا لَهُ: نَمُوتُ بِمَوْتِكَ، وَنَحْيَا بِحَيَاتِكَ.
فَسَارَ لَيْلَتَهُ حَتَّى صَبَّحَ الرَّحُوبَ، وَهُوَ مَاءٌ لِبَنِي جُشَمِ بْنِ بَكْرٍ مِنْ تَغْلِبَ، فَصَادَفَ عَلَيْهِ جَمَاعَةً عَظِيمَةً مِنْهُمْ، فَقَتَلَ فِيهِمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَأُسِرَ الْأَخْطَلُ وَعَلَيْهِ عَبَاءَةٌ وَسِخَةٌ، فَظَنَّهُ الَّذِي أَسَرَهُ عَبْدًا، فَسَأَلَهُ مَنْ هُوَ، فَقَالَ: عَبْدٌ. فَأَطْلَقَهُ، فَرَمَى بِنَفْسِهِ فِي جُبٍّ، فَخَافَ أَنْ يَرَاهُ مَنْ يَعْرِفُهُ فَيَقْتُلَهُ. فَلَمَّا انْصَرَفَ الْجَحَّافُ خَرَجَ مِنَ الْجُبِّ، وَأَسْرَفَ الْجَحَّافُ فِي الْقَتْلِ، وَبَقَرَ الْبُطُونَ عَنِ الْأَجِنَّةِ، وَفَعَلَ أَمْرًا عَظِيمًا، فَلَمَّا عَادَ عَنْهُمْ قَدِمَ الْأَخْطَلُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَأَنْشَدَهُ قَوْلَهُ: لَقَدْ أَوْقَعَ الْجَحَّافُ بِالْبِشْرِ وَقْعَةً إِلَى اللَّهِ مِنْهَا الْمُشْتَكَى وَالْمُعَوَّلِ
فَهَرَبَ الْجَحَّافُ، فَطَلَبَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَلَحِقَ بِبِلَادِ الرُّومِ، وَقَالَ بَعْدَ وَقْعَةِ الْبِشْرِ يُخَاطِبُ الْأَخْطَلَ:
стр. 1814
أَبَا مَالِكٍ هَلْ لُمْتَنِي أَوْ حَضَضْتَنِي ... عَلَى الْقَتْلِ أَمْ هَلْ لَامَنِي كُلُّ لَائِمِ
أَلَمْ أُفْنِكُمْ قَتْلًا وَأَجْدَعَ أَنْفَكُمْ ... بِفِتْيَانِ قَيْسٍ وَالسُّيُوفِ الصَّوَارِمِ
بِكُلِّ فَتًى يَنْعَى عُمَيْرًا بِسَيْفِهِ ... إِذَا اعْتَصَمَتْ أَيْمَانُهُمْ بِالْقَوَائِمِ
فَإِنْ تَطْرُدُونِي تَطْرُدُونِي وَقَدْ جَرَى ... بِيَ الْوَرْدُ يَوْمًا فِي دِمَاءِ الْأَرَاقِمِ
نَكَحْتُ بِسَيْفِي فِي زُهَيْرٍ وَمَالِكٍ ... نِكَاحَ اغْتِصَابٍ لَا نِكَاحَ دَرَاهِمِ
فِي أَبْيَاتٍ.
وَلَمْ يَزَلِ الْجَحَّافُ يَتَرَدَّدُ فِي بِلَادِ الرُّومِ مِنْ طَرَابِزُنْدَةَ إِلَى قَالِيقَلَا، وَبَعَثَ إِلَى بِطَانَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ قَيْسٍ حَتَّى أَخَذُوا لَهُ الْأَمَانَ، فَآمَنَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَأَلْزَمَهُ دِيَاتِ مَنْ قَتَلَ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْكُفَلَاءَ وَسَعَى فِيهَا، فَأَتَى الْحَجَّاجَ مِنَ الشَّامِ فَطَلَبَ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: مَتَى عَهِدْتَنِي خَائِنًا؟ فَقَالَ لَهُ: وَلَكِنَّكَ سَيِّدُ قَوْمِكَ وَلَكَ عِمَالَةٌ وَاسِعَةٌ. فَقَالَ: لَقَدْ أُلْهِمْتَ الصِّدْقَ. فَأَعْطَاهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَجَمَعَ الدِّيَاتِ فَأَوْصَلَهَا.
ثُمَّ تَنَسَّكَ بَعْدُ وَصَلُحَ، وَمَضَى حَاجًّا، فَتَعَلَّقَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَجَعَلَ يُنَادِي: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَمَا أَظُنُّ تَفْعَلُ. فَسَمِعَهُ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالَ: يَا شَيْخُ، قُنُوطُكَ شَرٌّ مِنْ ذَنْبِكَ.
(وَقِيلَ: إِنَّ سَبَبَ عَوْدِهِ كَانَ أَنَّ الْجَحَّافَ أَكْرَمَهُ مَلِكُ الرُّومِ وَقَرَّبَهُ، وَعَرَضَ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةَ وَيُعْطِيهِ مَا شَاءَ، فَقَالَ: مَا أَتَيْتُكَ رَغْبَةً عَنِ الْإِسْلَامِ. وَلَقِيَ الرُّومُ تِلْكَ السَّنَةَ عَسَاكِرَ الْمُسْلِمِينَ صَائِفَةً، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، وَأَخْبَرُوا عَبْدَ الْمَلِكِ أَنَّهُمْ هَزَمَهُمُ الْجَحَّافُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ يُؤَمِّنُهُ، فَسَارَ وَقَصَدَ الْبِشْرَ وَبِهِ حَيٌّ مِنْ بِشْرٍ، وَقَدْ لَبِسَ أَكْفَانَهُ وَقَالَ: قَدْ جِئْتُ إِلَيْكُمْ أُعْطِي الْقَوَدَ مِنْ نَفْسِي. وَأَرَادَ شَبَابُهُمْ قَتْلَهُ، فَنَهَاهُمْ شُيُوخُهُمْ، فَعَفَوْا عَنْهُ
стр. 1815
وَحَجَّ، فَسَمِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَهُوَ يَطُوفُ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَمَا أَظُنُّكَ تَفْعَلُ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَوْ كُنْتَ الْجَحَّافَ مَا زِدْتَ عَلَى هَذَا. قَالَ: فَأَنَا الْجَحَّافُ) .
стр. 1816
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ]
٧١ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ
ذِكْرُ مَقْتَلِ مُصْعَبٍ وَمُلْكِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْعِرَاقَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَاسْتَوْلَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ عَلَى الْعِرَاقِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ لَمَّا قُتِلَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَضَعَ السَّيْفَ فَقَتَلَ مَنْ خَالَفَهُ، فَصَفَا لَهُ الشَّامُ. فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ لَهُ مُخَالِفٌ فِيهِ أَجْمَعَ الْمَسِيرَ إِلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِالْعِرَاقِ، فَاسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ فِي ذَلِكَ، فَأَشَارَ يَحْيَى بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ عَمُّهُ بِأَنْ يَقْنَعَ بِالشَّامِ وَيَتْرُكَ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَالْعِرَاقَ، وَكَانَ يَقُولُ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَنْ أَرَادَ صَوَابَ الرَّأْيِ فَلْيُخَالِفْ يَحْيَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَامَ جَدْبٌ، وَقَدْ غَزَوْتَ سَنَتَيْنِ فَلَمْ تَظْفَرْ، فَأَقِمْ عَامَكَ هَذَا. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: الشَّامُ بَلَدٌ قَلِيلُ الْمَالِ، وَلَا آمَنُ نَفَادَهُ، وَقَدْ كَتَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَشْرَافِ الْعِرَاقِ يَدْعُونَنِي إِلَيْهِمْ. وَقَالَ أَخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ: الرَّأْيُ أَنْ تَطْلُبَ حَقَّكَ وَتَسِيرَ إِلَى الْعِرَاقِ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنَّ اللَّهَ يَنْصُرُكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الرَّأْيُ أَنْ تُقِيمَ وَتَبْعَثَ بَعْضَ أَهْلِكَ وَتَمُدَّهُ بِالْجُنُودِ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِنَّهُ لَا يَقُومُ بِهَذَا الْأَمْرِ إِلَّا قُرَشِيٌّ لَهُ رَأْيٌ، وَلَعَلِّي أَبْعَثُ مَنْ لَهُ شَجَاعَةٌ وَلَا رَأْيَ لَهُ، وَإِنِّي بَصِيرٌ بِالْحَرْبِ شُجَاعٌ بِالسَّيْفِ إِنِ احْتَجْتُ إِلَيْهِ، وَمُصْعَبٌ شُجَاعٌ مِنْ بَيْتِ شَجَاعَةٍ، وَلَكِنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ بِالْحَرْبِ يُحِبُّ الْخَفْضَ، وَمَعَهُ مَنْ يُخَالِفُهُ، وَمَعِي مَنْ يَنْصَحُ لِي.
فَلَمَّا عَزَمَ عَلَى الْمَسِيرِ وَدَّعَ زَوْجَتَهُ عَاتِكَةَ بِنْتَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَبَكَتْ وَبَكَى جَوَارِيهَا لِبُكَائِهَا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ كُثَيِّرَ عَزَّةَ! لَكَأَنَّهُ يُشَاهِدُنَا حِينَ يَقُولُ:
إِذَا مَا أَرَادَ الْغَزْوَ لَمْ يَثْنِ هَمَّهُ ... حَصَانٌ عَلَيْهَا عِقْدُ دُرٍّ يَزِينُهَا
نَهَتْهُ فَلَمَّا لَمْ تَرَ النَّهْيَ عَاقَهُ ... بَكَتْ وَبَكَى مِمَّا عَنَاهَا قَطِينُهَا
стр. 1817
وَسَارَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْعِرَاقِ، فَلَمَّا بَلَغَ مُصْعَبًا مَسِيرُهُ وَهُوَ بِالْبَصْرَةِ أَرْسَلَ إِلَى الْمُهَلَّبِ، وَهُوَ يُقَاتِلُ الْخَوَارِجَ، يَسْتَشِيرُهُ، وَقِيلَ: بَلْ أَحْضَرَهُ عِنْدَهُ، فَقَالَ لِمُصْعَبٍ: اعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ قَدْ كَاتَبُوا عَبْدَ الْمَلِكِ وَكَاتَبَهُمْ، فَلَا تُبْعِدْنِي عَنْكَ. فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: إِنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ قَدْ أَبَوْا (أَنْ يَسِيرُوا حَتَّى أَجْعَلَكَ عَلَى قِتَالِ الْخَوَارِجِ، وَهُمْ قَدْ بَلَغُوا سُوقَ الْأَهْوَازِ، وَأَنَا أَكْرَهُ إِذْ سَارَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَيَّ أَنْ لَا أَسِيرَ إِلَيْهِ، فَاكْفِنِي هَذَا الثَّغْرَ.
فَعَادَ إِلَيْهِمْ، وَسَارَ مُصْعَبٌ إِلَى الْكُوفَةِ وَمَعَهُ الْأَحْنَفُ، فَتُوُفِّيَ بِالْكُوفَةِ، وَأَحْضَرَ مُصْعَبٌ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَشْتَرِ، وَكَانَ عَلَى الْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ، فَلَمَّا حَضَرَ عِنْدَهُ جَعَلَهُ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ، وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ بَاجُمَيْرَى، وَهِيَ قَرِيبٌ [مِنْ] أَوَانَا، وَهِيَ مِنْ مَسْكِنٍ، فَعَسْكَرَ هُنَاكَ.
وَسَارَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ أَخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ، وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ، فَنَزَلُوا بِقَرْقِيسِيَا، وَحَصَرُوا زُفَرَ بْنَ الْحَارِثِ الْكَلَّائِيَّ، ثُمَّ صَالَحَهُمْ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.
وَسَيَّرَ زُفَرُ ابْنَهُ الْهُذَيْلَ مَعَ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ مَعَهُ، ثُمَّ لَحِقَ بِمُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ. فَلَمَّا اصْطَلَحَا سَارَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَمَنْ مَعَهُ، فَنَزَلُوا بِمَسْكِنٍ قَرِيبًا مِنْ عَسْكَرِ مُصْعَبٍ، بَيْنَ الْعَسْكَرَيْنِ ثَلَاثَةُ فَرَاسِخَ، وَيُقَالُ: فَرْسَخَانِ، وَكَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ مَنْ كَاتَبَهُ وَمَنْ لَمْ يُكَاتِبْهُ، وَبَذَلَ لِجَمِيعِهِمْ أَصْبَهَانَ طُعْمَةً، وَقِيلَ: إِنَّ كُلَّ مَنْ كَاتَبَهُ طَلَبَ مِنْهُ إِمْرَةَ أَصْبَهَانَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ هَذِهِ أَصْبَهَانُ حَتَّى كُلُّهُمْ يَطْلُبُهَا!
فَكُلٌّ مِنْهُمْ أَخْفَى كِتَابَهُ، إِلَّا إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَشْتَرِ، فَإِنَّهُ أَحْضَرَ كِتَابَهُ عِنْدَ مُصْعَبٍ مَخْتُومًا، فَقَرَأَهُ مُصْعَبٌ، فَإِذَا هُوَ يَدْعُوهُ إِلَى نَفْسِهِ وَيَجْعَلُ لَهُ وِلَايَةَ الْعِرَاقِ، فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: أَتَدْرِي مَا فِيهِ. قَالَ: لَا. قَالَ: يَعْرِضُ عَلَيْكَ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّ هَذَا لَمَا يُرْغَبُ فِيهِ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: مَا كُنْتُ لِأَتَقَلَّدَ الْغَدْرَ وَالْخِيَانَةَ، وَوَاللَّهِ مَا عِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ بِأَيْأَسَ مِنْهُ مِنِّي، وَلَقَدْ كَتَبَ إِلَى أَصْحَابِكَ كُلِّهِمْ مِثْلَ الَّذِي كَتَبَ إِلَيَّ، فَأَطِعْنِي وَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ. قَالَ: إِذًا لَا يُنَاصِحُنِي عَشَائِرُهُمْ. قَالَ: فَأَوْقِرْهُمْ حَدِيدًا وَابْعَثْ بِهِمْ إِلَى أَبْيَضِ كِسْرَى، وَاحْبِسْهُمْ هُنَاكَ، وَوَكِّلْ بِهِمْ مَنْ إِنْ غُلِبْتَ وَتَفَرَّقَتْ عَشَائِرُهُمْ عَنْكَ ضَرَبَ
стр. 1818
رِقَابَهُمْ، وَإِنْ ظَهَرْتَ مَنَنْتَ عَلَى عَشَائِرِهِمْ بِإِطْلَاقِهِمْ. فَقَالَ: إِنِّي لَفِي شُغُلٍ عَنْ ذَلِكَ، فَرَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَحْرٍ، يَعْنِي الْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ، إِنْ كَانَ لَيُحَذِّرُنِي غَدْرَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَيَقُولُ: هُمْ كَالْمُومِسَةِ تُرِيدُ كُلَّ يَوْمٍ بَعْلًا، وَهُمْ يُرِيدُونَ كُلَّ يَوْمٍ أَمِيرًا.
فَلَمَّا رَأَى قَيْسُ بْنُ الْهَيْثَمِ مَا عَزَمَ أَهْلُ الْعِرَاقِ عَلَيْهِ مِنَ الْغَدْرِ لِمُصْعَبٍ قَالَ لَهُمْ: وَيْحَكُمُ! لَا تُدْخِلُوا أَهْلَ الشَّامِ عَلَيْكُمْ! فَوَاللَّهِ لَئِنْ يُطْعَمُوا بِعَيْشِكُمْ لَيُضَيِّقُنَّ عَلَيْكُمْ مَنَازِلَكُمْ، وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ سَيِّدَ أَهْلِ الشَّامِ عَلَى بَابِ الْخَلِيفَةِ يَفْرَحُ إِنْ أَرْسَلَهُ فِي حَاجَةٍ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا فِي الصَّوَائِفِ وَإِنَّ زَادَ أَحَدِنَا عَلَى عِدَّةِ أَجَمَالٍ، وَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْ وُجُوهِهِمْ لِيَغْزُو عَلَى فَرَسِهِ وَزَادُهُ خَلْفَهُ. فَلَمْ يَسْمَعُوا مِنْهُ.
فَلَمَّا تَدَانَى الْعَسْكَرَانِ أَرْسَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى مُصْعَبٍ رَجُلًا مِنْ كَلْبٍ وَقَالَ لَهُ: أَقْرِئِ ابْنَ أُخْتِكَ السَّلَامَ - وَكَانَتْ أُمُّ مُصْعَبٍ كَلْبِيَّةً - وَقُلْ لَهُ يَدَعُ دُعَاءَهُ إِلَى أَخِيهِ، وَأَدَعُ دُعَائِي إِلَى نَفْسِي، وَيَجْعَلُ الْأَمْرَ شُورَى. فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: قُلْ لَهُ: السَّيْفُ بَيْنَنَا.
فَقَدَّمَ عَبْدُ الْمَلِكِ أَخَاهُ مُحَمَّدًا، وَقَدَّمَ مُصْعَبٌ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَشْتَرِ، فَالْتَقَيَا، فَتَنَاوَشَ الْفَرِيقَانِ، فَقُتِلَ صَاحِبُ لِوَاءِ مُحَمَّدٍ، وَجَعَلَ مُصْعَبٌ يَمُدُّ إِبْرَاهِيمَ، فَأَزَالَ مُحَمَّدًا عَنْ مَوْقِفِهِ، فَوَجَّهَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ إِلَى أَخِيهِ مُحَمَّدٍ، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَقُتِلَ مُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ وَالِدُ قُتَيْبَةَ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ مُصْعَبٍ، وَأَمَدَّ مُصْعَبٌ إِبْرَاهِيمَ بِعَتَّابِ بْنِ وَرْقَاءَ، فَسَاءَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمَ وَقَالَ: قَدْ قُلْتُ لَهُ: لَا تَمُدَّنِي بِعَتَّابٍ وَضُرَبَائِهِ، وَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ! فَانْهَزَمَ عَتَّابٌ بِالنَّاسِ، وَكَانَ قَدْ كَاتَبَ عَبْدَ الْمَلِكِ وَبَايَعَهُ، فَلَمَّا انْهَزَمَ صَبَرَ ابْنُ الْأَشْتَرِ فَقُتِلَ، قَتَلَهُ عُبَيْدُ بْنُ مَيْسَرَةَ مَوْلَى بَنِي عُذْرَةَ، وَحَمَلَ رَأْسَهُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ.
وَتَقَدَّمَ أَهْلُ الشَّامِ فَقَاتَلَهُمْ مُصْعَبٌ، وَقَالَ لِقَطْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيِّ: قَدِّمْ خَيْلَكَ أَبَا عُثْمَانَ. فَقَالَ: أَكْرَهُ أَنْ تُقْتَلَ مَذْحِجٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ. فَقَالَ لِحَجَّارِ بْنِ أَبْخَرَ: يَا أَبَا أَسِيدٍ، قَدِّمْ خَيْلَكَ. قَالَ: إِلَى هَؤُلَاءِ الْأَنْتَانِ! قَالَ: مَا تَتَأَخَّرُ إِلَيْهِ أَنْتَنُ! فَقَالَ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ أَحَدٌ هَذَا فَأَفْعَلُهُ. فَقَالَ مُصْعَبٌ: يَا
стр. 1819
إِبْرَاهِيمُ، وَلَا إِبْرَاهِيمَ لِيَ الْيَوْمَ! ثُمَّ الْتَفَتَ فَرَأَى عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، فَاسْتَدْنَاهُ فَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ كَيْفَ صَنَعَ بِامْتِنَاعِهِ عَنِ النُّزُولِ عَلَى حُكْمِ ابْنِ زِيَادٍ وَعَزْمِهِ عَلَى الْحَرْبِ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ:
إِنَّ الْأُلَى بِالطَّفِّ مِنْ آلِ هَاشِمٍ ... تَأَسَّوْا فَسَنُّوا لِلْكِرَامِ التَّأَسِّيَا
قَالَ عُرْوَةُ: فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَا يَبْرَحُ حَتَّى يُقْتَلَ.
ثُمَّ دَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ مِنْ مُصْعَبٍ وَنَادَاهُ: أَنَا ابْنُ عَمِّكَ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ، فَاقْبَلْ أَمَانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ، يَعْنِي أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ. قَالَ: فَإِنَّ الْقَوْمَ خَاذِلُوكَ. فَأَبَى مَا عَرَضَ عَلَيْهِ. فَنَادَى مُحَمَّدٌ عِيسَى بْنَ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ لَهُ، فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: انْظُرْ مَا يُرِيدُ مِنْكَ. فَدَنَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي لَكَ وَلِأَبِيكَ نَاصِحٌ وَلَكُمَا الْأَمَانُ. فَرَجَعَ إِلَى أَبِيهِ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أَظُنُّ الْقَوْمَ يَفُونَ لَكَ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ فَافْعَلْ. فَقَالَ: لَا تَتَحَدَّثُ نِسَاءُ قُرَيْشٍ أَنِّي خَذَلْتُكَ، وَرَغِبْتُ بِنَفْسِي عَنْكَ. قَالَ: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ إِلَى عَمِّكَ بِمَكَّةَ، فَأَخْبِرْهُ بِمَا صَنَعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَدَعْنِي فَإِنِّي مَقْتُولٌ. فَقَالَ: لَا أُخْبِرُ عَنْكَ قُرَيْشًا أَبَدًا، وَلَكِنْ يَا أَبَهِ الْحَقْ بِالْبَصْرَةِ، فَإِنَّهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ، أَوِ الْحَقْ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ مُصْعَبٌ: لَا تَتَحَدَّثُ قُرَيْشٌ أَنِّي فَرَرْتُ.
وَقَالَ لِابْنِهِ عِيسَى: تَقَدَّمْ إِذَنْ أَحْتَسِبُكَ، فَتَقَدَّمَ وَمَعَهُ نَاسٌ فَقُتِلَ وَقُتِلُوا، وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ لِيَحْتَزَّ رَأْسَ عِيسَى، فَحَمَلَ عَلَيْهِ مُصْعَبٌ فَقَتَلَهُ وَشَدَّ عَلَى النَّاسِ، فَانْفَرَجُوا لَهُ، وَعَادَ ثُمَّ حَمَلَ ثَانِيَةً فَانْفَرَجُوا لَهُ، وَبَذَلَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ الْأَمَانَ وَقَالَ: إِنَّهُ يَعِزُّ عَلَيَّ أَنْ تُقْتَلَ، فَاقْبَلْ أَمَانِي وَلَكَ حُكْمُكَ فِي الْمَالِ وَالْعَمَلِ. فَأَبَى وَجَعَلَ يُضَارِبُ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: هَذَا وَاللَّهِ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:
وَمُدَجَّجٍ كَرِهَ الْكُمَاةُ نِزَالَهُ ... لَا مُمْعِنًا هَرَبًا وَلَا مُسْتَسْلِمَا
وَدَخَلَ مُصْعَبٌ سُرَادِقَهُ، فَتَحَنَّطَ وَرَمَى السُّرَادِقَ وَخَرَجَ فَقَاتَلَ، فَأَتَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ
стр. 1820
زِيَادِ بْنِ ظَبْيَانَ، فَدَعَاهُ إِلَى الْمُبَارَزَةِ، فَقَالَ لَهُ: يَا كَلْبُ، اعْزَبْ! مِثْلِي يُبَارِزُ مِثْلَكَ! وَحَمَلَ عَلَيْهِ مُصْعَبٌ فَضَرَبَهُ عَلَى الْبَيْضَةِ، فَهَشَّمَهَا وَجَرَحَهُ، فَرَجَعَ وَعَصَبَ رَأْسَهُ، وَتَرَكَ النَّاسُ مُصْعَبًا وَخَذَلُوهُ حَتَّى بَقِيَ فِي سَبْعَةِ أَنْفُسٍ، وَأُثْخِنَ مُصْعَبٌ بِالرَّمْيِ وَكَثُرَتِ الْجِرَاحَاتُ فِيهِ، فَعَادَ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادِ بْنِ ظَبْيَانَ، فَضَرَبَهُ مُصْعَبٌ فَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا لِضَعْفِهِ بِكَثْرَةِ الْجِرَاحَاتِ، وَضَرَبَهُ ابْنُ ظَبْيَانَ فَقَتَلَهُ.
وَقِيلَ: بَلْ نَظَرَ إِلَيْهِ زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ الثَّقَفِيُّ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَطَعَنَهُ، وَقَالَ: يَا لِثَارَاتِ الْمُخْتَارِ! فَصَرَعَهُ، وَأَخَذَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ رَأْسَهُ، وَحَمَلَهُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَلْقَاهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْشَدَ:
نُعَاطِي الْمُلُوكَ الْحَقَّ مَا قَسَّطُوا لَنَا ... وَلَيْسَ عَلَيْنَا قَتْلُهُمْ بِمُحَرَّمِ
فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ الْمَلِكِ الرَّأْسَ سَجَدَ. قَالَ ابْنُ ظَبْيَانَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَقْتُلَ عَبْدَ الْمَلِكِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكُونُ قَدْ قَتَلْتُ مَلِكَيِ الْعَرَبِ وَأَرَحْتُ النَّاسَ مِنْهُمَا.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَقْتُلَ ابْنَ ظَبْيَانَ فَأَكُونُ قَدْ قَتَلْتُ أَفْتَكَ النَّاسِ بِأَشْجَعِ النَّاسِ.
وَأَمَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ لِابْنِ ظَبْيَانَ بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ: لَمْ أَقْتُلْهُ عَلَى طَاعَتِكَ، وَإِنَّمَا قَتَلْتُهُ عَلَى قَتْلِ أَخِي النَّابِئِ بْنِ زِيَادٍ. وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا شَيْئًا.
وَكَانَ قَتْلُ مُصْعَبٍ بِدَيْرِ الْجَاثَلِيقِ عِنْدَ نَهْرِ دُجَيْلٍ، فَأَمَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِهِ وَبِابْنِهِ عِيسَى فَدُفِنَا، وَقَالَ: كَانَتِ الْحُرْمَةُ بَيْنَنَا قَدِيمَةً، وَلَكِنَّ الْمُلْكَ عَقِيمٌ.
وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِ النَّابِئِ أَنَّهُ قَطَعَ الطَّرِيقَ هُوَ وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي نُمَيْرٍ، فَأُحْضِرَا عِنْدَ مُطَرِّفِ بْنِ سَيْدَانَ الْبَاهِلِيِّ صَاحِبِ شُرْطَةِ مُصْعَبٍ، فَقَتَلَ النَّابِئَ، وَضَرَبَ النُّمَيْرِيَّ وَأَطْلَقَهُ، فَجَمَعَ عُبَيْدُ اللَّهِ جَمْعًا، وَقَصَدَ مُطَرِّفًا بَعْدَ أَنْ عَزَلَهُ مُصْعَبٌ عَنْ شُرْطَتِهِ وَوَلَّاهُ الْأَهْوَازَ، وَسَارَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى الْمُطَرِّفِ فَقَتَلَهُ، فَبَعَثَ مُصْعَبٌ مُكْرَمَ بْنَ مُطَرِّفٍ فِي طَلَبِ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَسَارَ حَتَّى بَلَغَ عَسْكَرَ مُكْرَمٍ، فَنُسِبَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَلْقَ عُبَيْدَ اللَّهِ، كَانَ قَدْ لَحِقَ بِعَبْدِ الْمَلِكِ. وَقِيلَ فِي قَتْلِهِ غَيْرُ ذَلِكَ.
стр. 1821
فَلَمَّا أُتِيَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِرَأْسِ مُصْعَبٍ نَظَرَ إِلَيْهِ وَقَالَ: مَتَى تَغْذُو قُرَشِيَّةٌ مِثْلَكَ! وَكَانَا يَتَحَدَّثَانِ إِلَى حُبَّى وَهُمَا بِالْمَدِينَةِ، فَقِيلَ لَهَا: قُتِلَ مُصْعَبٌ. فَقَالَتْ: تَعِسَ قَاتِلُهُ! فَقِيلَ: قَتَلَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ. فَقَالَتْ: وَا بِأَبِي الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ!
ثُمَّ دَعَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ جُنْدَ الْعِرَاقِ إِلَى بَيْعَتِهِ فَبَايَعُوهُ، وَسَارَ حَتَّى دَخَلَ الْكُوفَةَ، فَأَقَامَ بِالنُّخَيْلَةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَخَطَبَ النَّاسَ بِالْكُوفَةِ، فَوَعَدَ الْمُحْسِنَ وَتَوَعَّدَ الْمُسِيءَ، فَقَالَ: إِنَّ الْجَامِعَةَ الَّتِي وُضِعَتْ فِي عُنُقِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عِنْدِي، وَوَاللَّهِ لَا أَضَعُهَا فِي عُنُقِ رَجُلٍ فَأَنْتَزِعُهَا إِلَّا صُعُدًا، لَا أَفُكُّهَا عَنْهُ فَكًّا، فَلَا يُبْقِيَنَّ امْرُؤٌ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يُولِغَنَّ دَمَهُ، وَالسَّلَامُ.
وَدَعَا النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ فَبَايَعُوهُ، فَحَضَرَتْ قُضَاعَةُ، فَقَالَ لَهُمْ: كَيْفَ سَلِمْتُمْ وَأَنْتُمْ قَلِيلٌ مَعَ مُضَرَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَعْلَى النَّهْدِيُّ: نَحْنُ أَعَزُّ مِنْهُمْ، وَأَمْنَعُ بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ مِنَّا. ثُمَّ جَاءَتْ مَذْحِجٌ فَقَالَ: مَا أَرَى لِأَحَدٍ مَعَ هَؤُلَاءِ بِالْكُوفَةِ شَيْئًا. ثُمَّ جَاءَتْ جُعْفَى فَقَالَ: إِيتُونِي بِابْنِ أُخْتِكُمْ، يَعْنِي يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ مَذْحِجِيَّةً، فَقَالُوا: هُوَ آمِنٌ؟ فَقَالَ: وَتَشْتَرِطُونَ أَيْضًا؟ ! فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: إِنَّا مَا نَشْتَرِطُ جَهْلًا بِحَقِّكَ، وَلَكِنَّا نَتَسَحَّبُ عَلَيْكَ تَسَحُّبَ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ. فَقَالَ: نِعْمَ أَنْتُمُ الْحَيُّ! إِنْ كُنْتُمْ لَفُرْسَانًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، لِيَحْضُرْ فَهُوَ آمِنٌ. فَأَتَوْهُ بِهِ فَبَايَعَهُ. ثُمَّ أَتَتْهُ عَدْوَانُ، فَقَدَّمُوا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ رَجُلًا جَمِيلًا وَسِيمًا، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ:
عَذِيرَ الْحَيِّ مِنْ عَدْوَا ... نَ كَانُوا حَيَّةَ الْأَرْضِ
بَغَى بَعْضُهُمُ بَعْضًا ... فَلَمْ يَرْعُوا عَلَى بَعْضِ
وَمِنْهُمْ كَانَتِ السَّادَاتُ ... وَالْمُوفُونَ بِالْقَرْضِ
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ الْجَمِيلِ فَقَالَ: إِيهِ! فَقَالَ: لَا أَدْرِي. فَقَالَ مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ الْجَدَلِيُّ، وَكَانَ خَلْفَهُ:
стр. 1822
وَمِنْهُمْ حَكَمٌ يَقْضِي ... فَلَا يُنْقَضُ مَا يَقْضِي
وَمِنْهُمْ مَنْ يُجِيزُ الْحَجَّ ... بِالسُّنَّةِ وَالْفَرْضِ
وَهُمْ مُذْ وُلِدُوا شَبُّوا ... بِسِرِّ النَّسَبِ الْمَحْضِ
فَأَقْبَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى ذَلِكَ الْجَمِيلِ فَقَالَ: مَنْ هُوَ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي. فَقَالَ مَعْبَدٌ مِنْ وَرَائِهِ: هُوَ ذُو الْإِصْبَعِ. فَأَقْبَلَ عَلَى الْجَمِيلِ فَقَالَ: لِمَ تُسَمَّى ذَا الْإِصْبَعِ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي. فَقَالَ مَعْبَدٌ: لِأَنَّ حَيَّةً نَهَشَتْ إِصْبَعَهُ فَقَطَعَتْهَا. فَأَقْبَلَ عَلَى الْجَمِيلِ فَقَالَ: مَا كَانَ اسْمُهُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. فَقَالَ مَعْبَدٌ: حَرْثَانُ بْنُ الْحَارِثِ. فَقَالَ لِلْجَمِيلِ: مِنْ أَيِّكُمْ هُوَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. فَقَالَ مَعْبَدٌ: مِنْ بَنِي نَاجٍ. ثُمَّ قَالَ لِلْجَمِيلِ: كَمْ عَطَاؤُكَ؟ قَالَ: سَبْعُمِائَةٍ. قَالَ لِمَعْبَدٍ: كَمْ عَطَاؤُكَ؟ قَالَ: ثَلَاثُمِائَةٍ. فَقَالَ لِكَاتِبِهِ: اجْعَلْ مَعْبَدًا فِي سَبْعِمِائَةٍ، وَانَقُصْ مِنْ عَطَاءِ هَذَا أَرْبَعَمِائَةٍ. فَفَعَلَ.
ثُمَّ جَاءَتْ كِنْدَةُ فَنَظَرَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ الْأَشْعَثِ فَأَوْصَى بِهِ أَخَاهُ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ. وَأَقْبَلَ دَاوُدُ بْنُ قَحْذَمٍ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، عَلَيْهِمُ الْأَقْبِيَةُ الدَّاوُدِيَّةُ، وَبِهِ سُمِّيَتْ، فَجَلَسَ مَعَ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى سَرِيرِهِ، (فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ) ، ثُمَّ نَهَضَ وَنَهَضُوا مَعَهُ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: هَؤُلَاءِ الْفُسَّاقُ، لَوْلَا أَنَّ صَاحِبَهُمْ جَاءَنِي مَا أَعْطَانِي أَحَدٌ مِنْهُمْ طَاعَةً.
ثُمَّ وَلَّى قَطَنَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيَّ الْكُوفَةَ، ثُمَّ عَزَلَهُ فَاسْتَعْمَلَ أَخَاهُ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ مُحَمَّدَ بْنَ عُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيَّ عَلَى هَمَذَانَ، وَيَزِيدَ بْنَ رُوَيْمٍ عَلَى الرَّيِّ، وَلَمْ يَفِ لِأَحَدٍ شَرَطَ لَهُ أَصْبَهَانَ، وَقَالَ: عَلَيَّ بِهَؤُلَاءِ الْفُسَّاقِ الَّذِينَ أَنْغَلُوا الشَّامَ، وَأَفْسَدُوا الْعِرَاقَ. فَقِيلَ: قَدْ أَجَارَهُمْ رُؤَسَاءُ عَشَائِرِهِمْ. فَقَالَ: وَهَلْ يُجِيرُ عَلَيَّ أَحَدٌ؟
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَسَدٍ وَالِدُ خَالِدٍ الْقَسْرِيِّ قَدْ لَجَأَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَلَجَأَ إِلَيْهِ أَيْضًا يَحْيَى بْنُ مَعْيُوفٍ الْهَمْدَانِيُّ، وَلَجَأَ الْهُذَيْلُ بْنُ زُفَرَ بْنِ الْحَارِثِ،
стр. 1823
وَكَانَ مَعَ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَعَمْرُو بْنُ يَزِيدَ الْحَكَمِيُّ - إِلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، فَآمَنَهُمْ عَبْدُ الْمَلِكِ فَظَهَرُوا. فَصَنَعَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ لِعَبْدِ الْمَلِكِ طَعَامًا كَثِيرًا، وَأَمَرَ بِهِ إِلَى الْخَوَرْنَقِ، وَأَذِنَ إِذْنًا عَامًّا، فَدَخَلَ النَّاسُ وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ، فَدَخَلَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ، فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ، ثُمَّ جَاءَتِ الْمَوَائِدُ فَأَكَلُوا، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَا أَلَذَّ عَيْشَنَا لَوْ دَامَ، وَلَكِنَّا كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ:
وَكُلُّ جَدِيدٍ يَا أُمَيْمَ إِلَى بِلًى ... وَكُلُّ امْرِئٍ يَصِيرُ يَوْمًا إِلَى كَانْ
فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعَامِ طَافَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْقَصْرِ وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ مَعَهُ وَهُوَ يَسْأَلُهُ: لِمَنْ هَذَا الْبَيْتُ؟ وَمَنْ بَنَى هَذَا الْبَيْتَ؟ وَعَمْرٌو يُخْبِرُهُ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ:
اعْمَلْ عَلَى مَهَلٍ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ ... وَاكْدَحْ لِنَفْسِكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانْ
فَكَأَنَّ مَا قَدْ كَانَ لَمْ يَكُ إِذْ مَضَى ... وَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ قَدْ كَانْ
وَلَمَّا بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَازِمٍ مَسِيرُ مُصْعَبٍ لِقِتَالِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: أَمَعَهُ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ؟ قِيلَ: لَا، اسْتَعْمَلَهُ عَلَى فَارِسَ. قَالَ: أَمَعَهُ الْمُهَلَّبُ؟ قِيلَ: لَا، اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْخَوَارِجِ. قَالَ: أَمَعَهُ عَبَّادُ بْنُ الْحُصَيْنِ؟ قِيلَ: اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْبَصْرَةِ. قَالَ: وَأَنَا بِخُرَاسَانَ.
خُذِينِي فَجُرِّينِي جَعَارِ وَأَبْشِرِي ... بِلَحْمِ امْرِئٍ لَمْ يَشْهَدِ الْيَوْمَ نَاصِرُهْ
وَلَمَّا قُتِلَ مُصْعَبٌ بَعَثَ عَبْدُ الْمَلِكِ رَأَسَهُ إِلَى الْكُوفَةِ، أَوْ حَمَلَهُ مَعَهُ إِلَيْهَا، ثُمَّ بَعَثَ بِهِ إِلَى أَخِيهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ بِمِصْرَ، فَلَمَّا رَآهُ وَقَدْ قَطَعَ السَّيْفُ أَنْفَهُ قَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ! أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتَ مِنْ أَحْسَنِهِمْ خُلُقًا، وَأَشَدِّهِمْ بَأْسًا، وَأَسْخَاهُمْ نَفْسًا. ثُمَّ سَيَّرَهُ إِلَى الشَّامِ فَنُصِبَ بِدِمَشْقَ، وَأَرَادُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهِ فِي نَوَاحِي الشَّامِ، فَأَخَذَتْهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ
стр. 1824
مُعَاوِيَةَ زَوْجَةُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَهِيَ أُمُّ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَغَسَّلَتْهُ وَدَفَنَتْهُ وَقَالَتْ: أَمَا رَضِيتُمْ بِمَا صَنَعْتُمْ حَتَّى تَطُوفُوا بِهِ فِي الْمُدُنِ؟ هَذَا بَغْيٌ.
وَكَانَ عُمُرُ مُصْعَبٍ حِينَ قُتِلَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ سَنَةً.
قَالَ يَوْمًا عَبْدُ الْمَلِكِ لِجُلَسَائِهِ: مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ؟ قَالُوا: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: اسْلُكُوا غَيْرَ هَذَا الطَّرِيقِ. قَالُوا: عُمَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ. قَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ عُمَيْرًا! لِصٌّ، ثَوْبٌ يُنَازِعُ عَلَيْهِ أَعَزُّ عِنْدَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَدِينِهِ. قَالُوا: فَشَبِيبٌ. قَالَ: إِنَّ لِلْحَرُورِيَّةِ لَطَرِيقًا. قَالُوا: فَمَنْ؟ قَالَ: مُصْعَبٌ، كَانَ عِنْدَهُ عَقِيلَتَا قُرَيْشٍ سُكَيْنَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ وَعَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ، ثُمَّ هُوَ أَكْثَرُ النَّاسِ مَالًا، جَعَلْتُ لَهُ الْأَمَانَ وَوِلَايَةَ الْعِرَاقِ، وَعَلِمَ أَنِّي سَأَفِي لَهُ لِلْمَوَدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَنَا، فَحَمَى أَنْفًا وَأَبَى وَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. فَقَالَ رَجُلٌ: كَانَ مُصْعَبٌ يَشْرَبُ النَّبِيذَ. قَالَ: كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَ الْمُرُوءَةَ، فَأَمَّا مُذْ طَلَبَهَا فَلَوْ عَلِمَ أَنَّ الْمَاءَ يُنْقِصُ مُرُوءَتَهُ مَا ذَاقَهُ. قَالَ الْأُقَيْشِرُ الْأَسَدِيُّ:
حَمَى أَنْفَهُ أَنْ يَقْبَلَ الضَّيْمَ مُصْعَبٌ ... فَمَاتَ كَرِيمًا لَمْ تُذَمَّ خَلَائِقُهُ
وَلَوْ شَاءَ أَعْطَى الضَّيْمَ مَنْ رَامَ هَضْمَهُ ... فَعَاشَ مَلُومًا فِي الرِّجَالِ طَرَائِقُهْ
وَلَكِنْ مَضَى وَالْبَرْقُ يَبْرُقُ خَالُهُ ... يُشَاوِرُهُ مَرًّا وَمَرًّا يُعَانِقُهُ
فَوَلَّى كَرِيمًا لَمْ تَنَلْهُ مَذَمَّةٌ ... وَلَمْ يَكُ رَغْدًا تَطَّبِيهِ نَمَارِقُهْ
وَقَالَ عَرْفَجَةُ بْنُ شَرِيكٍ:
مَا لِابْنِ مَرْوَانَ أَعْمَى اللَّهُ نَاظِرَهُ ... وَلَا أَصَابَ رَغِيبَاتٍ وَلَا نَفَلَا
يَرْجُو الْفَلَاحَ ابْنُ مَرْوَانَ وَقَدْ قَتَلَتْ ... خَيْلُ ابْنِ مَرْوَانَ حُرًّا مَاجِدًا بَطَلًا
يَا ابْنَ الْحَوَارِيِّ كَمْ مِنْ نِعْمَةٍ لَكُمُ ... لَوْ رَامَ غَيْرُكُمُ أَمْثَالَهَا شُغِلَا
حُمِّلْتُمُ فَحَمَلْتُمْ كُلَّ مُعْضِلَةٍ ... إِنَّ الْكَرِيمَ إِذَا حَمَّلْتَهُ حَمَلَا
стр. 1825
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْأَسَدِيُّ فِي إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ - هَذَا الزَّبِيرُ: بِفَتْحِ الزَّايِ وَكَسْرِ الْبَاءِ -:
سَأَبْكِي وَإِنْ لَمْ تَبْكِ فِتْيَانُ مَذْحِجٍ فَتَاهَا إِذَا اللَّيْلُ التِّمَامُ تَأَوَّبَا ... فَتًى لَمْ يَكُنْ فِي مِرَّةِ الْحَرْبِ جَاهِلًا وَلَا بِمُطِيعٍ فِي الْوَغَى مَنْ تَهَيَّبَا
أَبَانَ أُنُوفَ الْحَيِّ قَحْطَانَ قَتْلُهُ وَأَنْفَ نِزَارٍ قَدْ أَبَانَ فَأَوْعَبَا ... فَمَنْ يَكُ أَمْسَى خَائِنًا لِأَمِيرِهِ فَمَا خَانَ إِبْرَاهِيمُ فِي الْمَوْتِ مُصْعَبَا
وَحِينَ قُتِلَ مُصْعَبٌ كَانَ الْمُهَلَّبُ يُحَارِبُ الْأَزَارِقَةَ بِسُولَافَ، (بَلَدٌ بِفَارِسَ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ) ، ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، فَبَلَغَ قَتْلُهُ الْأَزَارِقَةَ قَبْلَ الْمُهَلَّبِ، فَصَاحُوا بِأَصْحَابِ الْمُهَلَّبِ: مَا قَوْلُكُمْ فِي مُصْعَبٍ؟ قَالُوا: أَمِيرُ هُدًى، وَهُوَ وَلِيُّنَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَنَحْنُ أَوْلِيَاؤُهُ. قَالُوا: فَمَا قَوْلُكُمْ فِي عَبْدِ الْمَلِكِ؟ قَالُوا: ذَاكَ ابْنُ اللَّعِينِ، نَحْنُ نَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ مِنْهُ، وَهُوَ أَحَلُّ دَمًا مِنْكُمْ. قَالُوا: فَإِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ قَتَلَ مُصْعَبًا، وَسَتَجْعَلُونَ غَدًا عَبْدَ الْمَلِكِ إِمَامَكُمْ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ سَمِعَ الْمُهَلَّبُ وَأَصْحَابُهُ قَتْلَ مُصْعَبٍ، فَبَايَعَ الْمُهَلَّبُ النَّاسَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَصَاحَ بِهِمُ الْخَوَارِجُ: يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ! مَا تَقُولُونَ فِي مُصْعَبٍ؟ قَالُوا: يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ، لَا نُخْبِرُكُمْ. وَكَرِهُوا أَنْ يُكَذِّبُوا أَنْفُسَهُمْ. قَالُوا: وَمَا قَوْلُكُمْ فِي عَبْدِ الْمَلِكِ؟ قَالُوا: خَلِيفَتُنَا. وَلَمْ يَجِدُوا بُدًّا إِذْ بَايَعُوهُ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ. قَالُوا: يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ! أَنْتُمْ بِالْأَمْسِ تَبْرَأُونَ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَهُوَ الْيَوْمَ إِمَامُكُمْ، وَقَدْ قَتَلَ أَمِيرَكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوَلُّونَهُ! فَأَيُّهُمَا الْمُهْتَدِي وَأَيُّهُمَا الْمُبْطِلُ؟ قَالُوا: يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ، رَضِينَا بِذَلِكَ إِذْ كَانَ يَتَوَلَّى أَمْرَنَا وَنَرْتَضِي بِهَذَا. قَالُوا: لَا وَاللَّهِ، وَلَكِنَّكُمْ إِخْوَانُ الشَّيَاطِينِ وَعَبِيدُ الدُّنْيَا.
وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ قَتْلُ أَخِيهِ مُصْعَبٍ قَامَ فِي النَّاسِ فَخَطَبَهُمْ فَقَالَ:
следующие страницы →