← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

فَلَمَّا أُتِيَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِرَأْسِ مُصْعَبٍ نَظَرَ إِلَيْهِ وَقَالَ: مَتَى تَغْذُو قُرَشِيَّةٌ مِثْلَكَ! وَكَانَا يَتَحَدَّثَانِ إِلَى حُبَّى وَهُمَا بِالْمَدِينَةِ، فَقِيلَ لَهَا: قُتِلَ مُصْعَبٌ. فَقَالَتْ: تَعِسَ قَاتِلُهُ! فَقِيلَ: قَتَلَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ. فَقَالَتْ: وَا بِأَبِي الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ! ثُمَّ دَعَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ جُنْدَ الْعِرَاقِ إِلَى بَيْعَتِهِ فَبَايَعُوهُ، وَسَارَ حَتَّى دَخَلَ الْكُوفَةَ، فَأَقَامَ بِالنُّخَيْلَةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَخَطَبَ النَّاسَ بِالْكُوفَةِ، فَوَعَدَ الْمُحْسِنَ وَتَوَعَّدَ الْمُسِيءَ، فَقَالَ: إِنَّ الْجَامِعَةَ الَّتِي وُضِعَتْ فِي عُنُقِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عِنْدِي، وَوَاللَّهِ لَا أَضَعُهَا فِي عُنُقِ رَجُلٍ فَأَنْتَزِعُهَا إِلَّا صُعُدًا، لَا أَفُكُّهَا عَنْهُ فَكًّا، فَلَا يُبْقِيَنَّ امْرُؤٌ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يُولِغَنَّ دَمَهُ، وَالسَّلَامُ. وَدَعَا النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ فَبَايَعُوهُ، فَحَضَرَتْ قُضَاعَةُ، فَقَالَ لَهُمْ: كَيْفَ سَلِمْتُمْ وَأَنْتُمْ قَلِيلٌ مَعَ مُضَرَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَعْلَى النَّهْدِيُّ: نَحْنُ أَعَزُّ مِنْهُمْ، وَأَمْنَعُ بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ مِنَّا. ثُمَّ جَاءَتْ مَذْحِجٌ فَقَالَ: مَا أَرَى لِأَحَدٍ مَعَ هَؤُلَاءِ بِالْكُوفَةِ شَيْئًا. ثُمَّ جَاءَتْ جُعْفَى فَقَالَ: إِيتُونِي بِابْنِ أُخْتِكُمْ، يَعْنِي يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ مَذْحِجِيَّةً، فَقَالُوا: هُوَ آمِنٌ؟ فَقَالَ: وَتَشْتَرِطُونَ أَيْضًا؟ ! فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: إِنَّا مَا نَشْتَرِطُ جَهْلًا بِحَقِّكَ، وَلَكِنَّا نَتَسَحَّبُ عَلَيْكَ تَسَحُّبَ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ. فَقَالَ: نِعْمَ أَنْتُمُ الْحَيُّ! إِنْ كُنْتُمْ لَفُرْسَانًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، لِيَحْضُرْ فَهُوَ آمِنٌ. فَأَتَوْهُ بِهِ فَبَايَعَهُ. ثُمَّ أَتَتْهُ عَدْوَانُ، فَقَدَّمُوا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ رَجُلًا جَمِيلًا وَسِيمًا، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: عَذِيرَ الْحَيِّ مِنْ عَدْوَا ... نَ كَانُوا حَيَّةَ الْأَرْضِ بَغَى بَعْضُهُمُ بَعْضًا ... فَلَمْ يَرْعُوا عَلَى بَعْضِ وَمِنْهُمْ كَانَتِ السَّادَاتُ ... وَالْمُوفُونَ بِالْقَرْضِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ الْجَمِيلِ فَقَالَ: إِيهِ! فَقَالَ: لَا أَدْرِي. فَقَالَ مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ الْجَدَلِيُّ، وَكَانَ خَلْفَهُ:

стр. 1822

وَمِنْهُمْ حَكَمٌ يَقْضِي ... فَلَا يُنْقَضُ مَا يَقْضِي وَمِنْهُمْ مَنْ يُجِيزُ الْحَجَّ ... بِالسُّنَّةِ وَالْفَرْضِ وَهُمْ مُذْ وُلِدُوا شَبُّوا ... بِسِرِّ النَّسَبِ الْمَحْضِ فَأَقْبَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى ذَلِكَ الْجَمِيلِ فَقَالَ: مَنْ هُوَ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي. فَقَالَ مَعْبَدٌ مِنْ وَرَائِهِ: هُوَ ذُو الْإِصْبَعِ. فَأَقْبَلَ عَلَى الْجَمِيلِ فَقَالَ: لِمَ تُسَمَّى ذَا الْإِصْبَعِ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي. فَقَالَ مَعْبَدٌ: لِأَنَّ حَيَّةً نَهَشَتْ إِصْبَعَهُ فَقَطَعَتْهَا. فَأَقْبَلَ عَلَى الْجَمِيلِ فَقَالَ: مَا كَانَ اسْمُهُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. فَقَالَ مَعْبَدٌ: حَرْثَانُ بْنُ الْحَارِثِ. فَقَالَ لِلْجَمِيلِ: مِنْ أَيِّكُمْ هُوَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. فَقَالَ مَعْبَدٌ: مِنْ بَنِي نَاجٍ. ثُمَّ قَالَ لِلْجَمِيلِ: كَمْ عَطَاؤُكَ؟ قَالَ: سَبْعُمِائَةٍ. قَالَ لِمَعْبَدٍ: كَمْ عَطَاؤُكَ؟ قَالَ: ثَلَاثُمِائَةٍ. فَقَالَ لِكَاتِبِهِ: اجْعَلْ مَعْبَدًا فِي سَبْعِمِائَةٍ، وَانَقُصْ مِنْ عَطَاءِ هَذَا أَرْبَعَمِائَةٍ. فَفَعَلَ. ثُمَّ جَاءَتْ كِنْدَةُ فَنَظَرَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ الْأَشْعَثِ فَأَوْصَى بِهِ أَخَاهُ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ. وَأَقْبَلَ دَاوُدُ بْنُ قَحْذَمٍ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، عَلَيْهِمُ الْأَقْبِيَةُ الدَّاوُدِيَّةُ، وَبِهِ سُمِّيَتْ، فَجَلَسَ مَعَ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى سَرِيرِهِ، (فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ) ، ثُمَّ نَهَضَ وَنَهَضُوا مَعَهُ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: هَؤُلَاءِ الْفُسَّاقُ، لَوْلَا أَنَّ صَاحِبَهُمْ جَاءَنِي مَا أَعْطَانِي أَحَدٌ مِنْهُمْ طَاعَةً. ثُمَّ وَلَّى قَطَنَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيَّ الْكُوفَةَ، ثُمَّ عَزَلَهُ فَاسْتَعْمَلَ أَخَاهُ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ مُحَمَّدَ بْنَ عُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيَّ عَلَى هَمَذَانَ، وَيَزِيدَ بْنَ رُوَيْمٍ عَلَى الرَّيِّ، وَلَمْ يَفِ لِأَحَدٍ شَرَطَ لَهُ أَصْبَهَانَ، وَقَالَ: عَلَيَّ بِهَؤُلَاءِ الْفُسَّاقِ الَّذِينَ أَنْغَلُوا الشَّامَ، وَأَفْسَدُوا الْعِرَاقَ. فَقِيلَ: قَدْ أَجَارَهُمْ رُؤَسَاءُ عَشَائِرِهِمْ. فَقَالَ: وَهَلْ يُجِيرُ عَلَيَّ أَحَدٌ؟ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَسَدٍ وَالِدُ خَالِدٍ الْقَسْرِيِّ قَدْ لَجَأَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَلَجَأَ إِلَيْهِ أَيْضًا يَحْيَى بْنُ مَعْيُوفٍ الْهَمْدَانِيُّ، وَلَجَأَ الْهُذَيْلُ بْنُ زُفَرَ بْنِ الْحَارِثِ،

стр. 1823

وَكَانَ مَعَ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَعَمْرُو بْنُ يَزِيدَ الْحَكَمِيُّ - إِلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، فَآمَنَهُمْ عَبْدُ الْمَلِكِ فَظَهَرُوا. فَصَنَعَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ لِعَبْدِ الْمَلِكِ طَعَامًا كَثِيرًا، وَأَمَرَ بِهِ إِلَى الْخَوَرْنَقِ، وَأَذِنَ إِذْنًا عَامًّا، فَدَخَلَ النَّاسُ وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ، فَدَخَلَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ، فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ، ثُمَّ جَاءَتِ الْمَوَائِدُ فَأَكَلُوا، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَا أَلَذَّ عَيْشَنَا لَوْ دَامَ، وَلَكِنَّا كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ: وَكُلُّ جَدِيدٍ يَا أُمَيْمَ إِلَى بِلًى ... وَكُلُّ امْرِئٍ يَصِيرُ يَوْمًا إِلَى كَانْ فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعَامِ طَافَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْقَصْرِ وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ مَعَهُ وَهُوَ يَسْأَلُهُ: لِمَنْ هَذَا الْبَيْتُ؟ وَمَنْ بَنَى هَذَا الْبَيْتَ؟ وَعَمْرٌو يُخْبِرُهُ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: اعْمَلْ عَلَى مَهَلٍ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ ... وَاكْدَحْ لِنَفْسِكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانْ فَكَأَنَّ مَا قَدْ كَانَ لَمْ يَكُ إِذْ مَضَى ... وَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ قَدْ كَانْ وَلَمَّا بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَازِمٍ مَسِيرُ مُصْعَبٍ لِقِتَالِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: أَمَعَهُ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ؟ قِيلَ: لَا، اسْتَعْمَلَهُ عَلَى فَارِسَ. قَالَ: أَمَعَهُ الْمُهَلَّبُ؟ قِيلَ: لَا، اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْخَوَارِجِ. قَالَ: أَمَعَهُ عَبَّادُ بْنُ الْحُصَيْنِ؟ قِيلَ: اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْبَصْرَةِ. قَالَ: وَأَنَا بِخُرَاسَانَ. خُذِينِي فَجُرِّينِي جَعَارِ وَأَبْشِرِي ... بِلَحْمِ امْرِئٍ لَمْ يَشْهَدِ الْيَوْمَ نَاصِرُهْ وَلَمَّا قُتِلَ مُصْعَبٌ بَعَثَ عَبْدُ الْمَلِكِ رَأَسَهُ إِلَى الْكُوفَةِ، أَوْ حَمَلَهُ مَعَهُ إِلَيْهَا، ثُمَّ بَعَثَ بِهِ إِلَى أَخِيهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ بِمِصْرَ، فَلَمَّا رَآهُ وَقَدْ قَطَعَ السَّيْفُ أَنْفَهُ قَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ! أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتَ مِنْ أَحْسَنِهِمْ خُلُقًا، وَأَشَدِّهِمْ بَأْسًا، وَأَسْخَاهُمْ نَفْسًا. ثُمَّ سَيَّرَهُ إِلَى الشَّامِ فَنُصِبَ بِدِمَشْقَ، وَأَرَادُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهِ فِي نَوَاحِي الشَّامِ، فَأَخَذَتْهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ

стр. 1824

مُعَاوِيَةَ زَوْجَةُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَهِيَ أُمُّ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَغَسَّلَتْهُ وَدَفَنَتْهُ وَقَالَتْ: أَمَا رَضِيتُمْ بِمَا صَنَعْتُمْ حَتَّى تَطُوفُوا بِهِ فِي الْمُدُنِ؟ هَذَا بَغْيٌ. وَكَانَ عُمُرُ مُصْعَبٍ حِينَ قُتِلَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ سَنَةً. قَالَ يَوْمًا عَبْدُ الْمَلِكِ لِجُلَسَائِهِ: مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ؟ قَالُوا: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: اسْلُكُوا غَيْرَ هَذَا الطَّرِيقِ. قَالُوا: عُمَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ. قَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ عُمَيْرًا! لِصٌّ، ثَوْبٌ يُنَازِعُ عَلَيْهِ أَعَزُّ عِنْدَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَدِينِهِ. قَالُوا: فَشَبِيبٌ. قَالَ: إِنَّ لِلْحَرُورِيَّةِ لَطَرِيقًا. قَالُوا: فَمَنْ؟ قَالَ: مُصْعَبٌ، كَانَ عِنْدَهُ عَقِيلَتَا قُرَيْشٍ سُكَيْنَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ وَعَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ، ثُمَّ هُوَ أَكْثَرُ النَّاسِ مَالًا، جَعَلْتُ لَهُ الْأَمَانَ وَوِلَايَةَ الْعِرَاقِ، وَعَلِمَ أَنِّي سَأَفِي لَهُ لِلْمَوَدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَنَا، فَحَمَى أَنْفًا وَأَبَى وَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. فَقَالَ رَجُلٌ: كَانَ مُصْعَبٌ يَشْرَبُ النَّبِيذَ. قَالَ: كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَ الْمُرُوءَةَ، فَأَمَّا مُذْ طَلَبَهَا فَلَوْ عَلِمَ أَنَّ الْمَاءَ يُنْقِصُ مُرُوءَتَهُ مَا ذَاقَهُ. قَالَ الْأُقَيْشِرُ الْأَسَدِيُّ: حَمَى أَنْفَهُ أَنْ يَقْبَلَ الضَّيْمَ مُصْعَبٌ ... فَمَاتَ كَرِيمًا لَمْ تُذَمَّ خَلَائِقُهُ وَلَوْ شَاءَ أَعْطَى الضَّيْمَ مَنْ رَامَ هَضْمَهُ ... فَعَاشَ مَلُومًا فِي الرِّجَالِ طَرَائِقُهْ وَلَكِنْ مَضَى وَالْبَرْقُ يَبْرُقُ خَالُهُ ... يُشَاوِرُهُ مَرًّا وَمَرًّا يُعَانِقُهُ فَوَلَّى كَرِيمًا لَمْ تَنَلْهُ مَذَمَّةٌ ... وَلَمْ يَكُ رَغْدًا تَطَّبِيهِ نَمَارِقُهْ وَقَالَ عَرْفَجَةُ بْنُ شَرِيكٍ: مَا لِابْنِ مَرْوَانَ أَعْمَى اللَّهُ نَاظِرَهُ ... وَلَا أَصَابَ رَغِيبَاتٍ وَلَا نَفَلَا يَرْجُو الْفَلَاحَ ابْنُ مَرْوَانَ وَقَدْ قَتَلَتْ ... خَيْلُ ابْنِ مَرْوَانَ حُرًّا مَاجِدًا بَطَلًا يَا ابْنَ الْحَوَارِيِّ كَمْ مِنْ نِعْمَةٍ لَكُمُ ... لَوْ رَامَ غَيْرُكُمُ أَمْثَالَهَا شُغِلَا حُمِّلْتُمُ فَحَمَلْتُمْ كُلَّ مُعْضِلَةٍ ... إِنَّ الْكَرِيمَ إِذَا حَمَّلْتَهُ حَمَلَا

стр. 1825

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْأَسَدِيُّ فِي إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ - هَذَا الزَّبِيرُ: بِفَتْحِ الزَّايِ وَكَسْرِ الْبَاءِ -: سَأَبْكِي وَإِنْ لَمْ تَبْكِ فِتْيَانُ مَذْحِجٍ فَتَاهَا إِذَا اللَّيْلُ التِّمَامُ تَأَوَّبَا ... فَتًى لَمْ يَكُنْ فِي مِرَّةِ الْحَرْبِ جَاهِلًا وَلَا بِمُطِيعٍ فِي الْوَغَى مَنْ تَهَيَّبَا أَبَانَ أُنُوفَ الْحَيِّ قَحْطَانَ قَتْلُهُ وَأَنْفَ نِزَارٍ قَدْ أَبَانَ فَأَوْعَبَا ... فَمَنْ يَكُ أَمْسَى خَائِنًا لِأَمِيرِهِ فَمَا خَانَ إِبْرَاهِيمُ فِي الْمَوْتِ مُصْعَبَا وَحِينَ قُتِلَ مُصْعَبٌ كَانَ الْمُهَلَّبُ يُحَارِبُ الْأَزَارِقَةَ بِسُولَافَ، (بَلَدٌ بِفَارِسَ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ) ، ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، فَبَلَغَ قَتْلُهُ الْأَزَارِقَةَ قَبْلَ الْمُهَلَّبِ، فَصَاحُوا بِأَصْحَابِ الْمُهَلَّبِ: مَا قَوْلُكُمْ فِي مُصْعَبٍ؟ قَالُوا: أَمِيرُ هُدًى، وَهُوَ وَلِيُّنَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَنَحْنُ أَوْلِيَاؤُهُ. قَالُوا: فَمَا قَوْلُكُمْ فِي عَبْدِ الْمَلِكِ؟ قَالُوا: ذَاكَ ابْنُ اللَّعِينِ، نَحْنُ نَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ مِنْهُ، وَهُوَ أَحَلُّ دَمًا مِنْكُمْ. قَالُوا: فَإِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ قَتَلَ مُصْعَبًا، وَسَتَجْعَلُونَ غَدًا عَبْدَ الْمَلِكِ إِمَامَكُمْ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ سَمِعَ الْمُهَلَّبُ وَأَصْحَابُهُ قَتْلَ مُصْعَبٍ، فَبَايَعَ الْمُهَلَّبُ النَّاسَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَصَاحَ بِهِمُ الْخَوَارِجُ: يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ! مَا تَقُولُونَ فِي مُصْعَبٍ؟ قَالُوا: يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ، لَا نُخْبِرُكُمْ. وَكَرِهُوا أَنْ يُكَذِّبُوا أَنْفُسَهُمْ. قَالُوا: وَمَا قَوْلُكُمْ فِي عَبْدِ الْمَلِكِ؟ قَالُوا: خَلِيفَتُنَا. وَلَمْ يَجِدُوا بُدًّا إِذْ بَايَعُوهُ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ. قَالُوا: يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ! أَنْتُمْ بِالْأَمْسِ تَبْرَأُونَ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَهُوَ الْيَوْمَ إِمَامُكُمْ، وَقَدْ قَتَلَ أَمِيرَكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوَلُّونَهُ! فَأَيُّهُمَا الْمُهْتَدِي وَأَيُّهُمَا الْمُبْطِلُ؟ قَالُوا: يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ، رَضِينَا بِذَلِكَ إِذْ كَانَ يَتَوَلَّى أَمْرَنَا وَنَرْتَضِي بِهَذَا. قَالُوا: لَا وَاللَّهِ، وَلَكِنَّكُمْ إِخْوَانُ الشَّيَاطِينِ وَعَبِيدُ الدُّنْيَا. وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ قَتْلُ أَخِيهِ مُصْعَبٍ قَامَ فِي النَّاسِ فَخَطَبَهُمْ فَقَالَ:

стр. 1826

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، يُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ، وَيَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ يَشَاءُ، وَيُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ، وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ، أَلَا وَإِنَّهُ لَمْ يُذْلِلِ اللَّهُ مَنْ كَانَ الْحَقُّ مَعَهُ وَإِنْ كَانَ فَرْدًا، وَلَمْ يُعْزِزْ مَنْ كَانَ وَلِيَّهُ الشَّيْطَانُ وَإِنْ كَانَ النَّاسُ مَعَهُ طُرًّا، أَلَا وَإِنَّهُ قَدْ أَتَانَا مِنَ الْعِرَاقِ خَبَرٌ أَحْزَنَنَا وَأَفْرَحَنَا، أَتَانَا قَتْلُ مُصْعَبٍ ﵀ وَأَمَّا الَّذِي أَفْرَحَنَا فَعِلْمُنَا أَنَّ قَتْلَهُ شَهَادَةٌ، وَأَمَّا الَّذِي أَحْزَنَنَا فَإِنَّ لِفُرَاقِ الْحَمِيمِ لَوْعَةٌ يَجِدُهَا حَمِيمُهُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، يَرْعَوِي بَعْدَهَا ذَوُو الرَّأْيِ الْجَمِيلِ إِلَى الصَّبْرِ وَكَرِيمِ الْعَزَاءِ، وَمَا مُصْعَبٌ إِلَّا عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ اللَّهِ وَعَوْنٌ مِنْ أَعْوَانِي، أَلَا وَإِنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ أَهْلُ الْغَدْرِ وَالنِّفَاقِ أَسْلَمُوهُ وَبَاعُوهُ بِأَقَلِّ الثَّمَنِ، فَإِنْ يُقْتَلْ فَمَهْ! وَاللَّهِ مَا نَمُوتُ عَلَى مَضَاجِعِنَا كَمَا يَمُوتُ بَنُو أَبِي الْعَاصِ! وَاللَّهِ مَا قُتِلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فِي زَحْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا فِي الْإِسْلَامِ، وَلَا نَمُوتُ إِلَّا قَعْصًا بِالرِّمَاحِ وَتَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ، أَلَا إِنَّمَا الدُّنْيَا عَارِيَةٌ مِنَ الْمُلْكِ الْأَعْلَى الَّذِي لَا يَزُولُ سُلْطَانُهُ، وَلَا يَبِيدُ مُلْكُهُ، فَإِنْ تُقْبِلْ لَا آخُذُهَا أَخْذَ الْبَطِرِ، وَإِنْ تُدْبِرْ لَمْ أَبْكِ عَلَيْهَا بُكَاءَ الضَّرْعِ الْمَهِينِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ. حَجَّارُ بْنُ أَبْجَرَ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو أُسَيْدٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَفَتْحِ السِّينِ. وَحُبَّى: بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدَّدَةِ الْمُمَالَةِ، وَآخِرُهُ يَاءٌ مُثْنَّاةٌ مِنْ تَحْتِهَا. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَالزَّايِ) . ذِكْرُ وِلَايَةِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرَةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تَنَازَعَ وِلَايَةَ الْبَصْرَةِ حُمْرَانُ بْنُ أَبَانٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي بَكْرَةَ: أَنَا أَعْظَمُ مِنْكَ، كُنْتُ أُنْفِقُ عَلَى أَصْحَابِ خَالِدٍ يَوْمَ الْجُفْرَةِ. فَقِيلَ لَحُمْرَانَ: إِنَّكَ لَا تَقْوَى عَلَى ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، فَاسْتَعِنْ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَهْيَمِ. فَاسْتَعَانَ بِهِ،

стр. 1827

فَغَلَبَ عَلَى الْبَصْرَةِ وَعَبْدُ اللَّهِ عَلَى شُرَطِهَا، وَكَانَ لَحُمْرَانَ مَنْزِلَةٌ عِنْدَ بَنِي أُمَيَّةَ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْمُنَازَعَةُ بَعْدَ قَتْلِ مُصْعَبٍ. فَلَمَّا اسْتَوْلَى عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى الْعِرَاقِ بَعْدَ قَتْلِهِ اسْتَعْمَلَ عَلَى الْبَصْرَةِ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ، فَوَجَّهَ خَالِدٌ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ إِلَيْهَا خَلِيفَةً لَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى حُمْرَانَ قَالَ: أَقَدْ جِئْتَ لَا جِئْتَ! فَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَلَيْهَا حَتَّى قَدِمَ خَالِدٌ، وَلَمَّا فَرَغَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ أَمْرِ الْعِرَاقِ عَادَ إِلَى الشَّامِ. ذِكْرُ أَمْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَزُفَرَ بْنِ الْحَارِثِ قَدْ ذَكَرْنَا فِي وَقْعَةِ رَاهِطٍ مَسِيرَ زُفَرَ إِلَى قَرْقِيسِيَا وَاجْتِمَاعَ قَيْسٍ عَلَيْهِ، وَالسَّبَبَ فِي اسْتِيلَائِهِ عَلَيْهَا وَمَا كَانَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَ عَلَى بَيْعَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَفِي طَاعَتِهِ. فَلَمَّا مَاتَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ وَوَلِيَ ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ كَتَبَ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وَهُوَ عَلَى حِمْصٍ يَأْمُرُهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى زُفَرَ، فَسَارَ إِلَيْهِ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمِيتٍ الطَّائِيُّ، فَوَاقَعَ عَبْدُ اللَّهِ زُفَرَ قَبْلَ وُصُولِ أَبَانَ، وَكَثُرَ فِي أَصْحَابِهِ الْقَتْلُ، قُتِلَ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ، فَلَامَهُ أَبَانُ عَلَى عَجَلَتِهِ، وَأَقْبَلَ أَبَانُ فَوَاقَعَ زُفَرَ، فَقُتِلَ ابْنُهُ وَكِيعُ بْنُ زُفَرَ، وَأَدْرَكَتْ طَيِّءٌ ثَقَلَ زُفَرَ وَنِسَاءِهِ، فَاسْتَوْهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ حُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ النِّسَاءَ وَأَلْحَقَهُنَّ بِزُفَرَ بِقَرْقِيسِيَا، فَقَالَ زُفَرُ: عَلِقْنَ بِحَبْلٍ مِنْ حُصَيْنٍ لَوَ انَّهُ ... تَغَيَّبَ حَالَتْ دُونَهُنَّ الْمَصَائِرُ أَبُوكُمْ أَبُونَا فِي الْقَدِيمِ وَإِنَّنِي ... لِغَابِرُكُمْ فِي آخِرِ الدَّهْرِ شَاكِرُ وَكَانَ يُقَالُ لِزُفَرَ إِنَّهُ مِنْ كِنْدَةَ. ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ لَمَّا أَرَادَ الْمَسِيرَ إِلَى مُصْعَبٍ سَارَ إِلَى قَرْقِيسِيَا، فَحَصَرَ زُفَرَ فِيهَا وَنَصَبَ عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ، فَأَمَرَ زُفَرُ أَنْ يُنَادِيَ [فِي] عَسْكَرِ عَبْدِ الْمَلِكِ: لِمَ نَصَبْتُمْ عَلَيْنَا الْمَجَانِيقَ؟ قَالَ: لِنَثْلِمَ ثُلْمَةً نُقَاتِلُكُمْ عَلَيْهَا. فَقَالَ زُفَرُ: قُولُوا لَهُمْ: فَإِنَّا لَا نُقَاتِلُكُمْ مِنْ وَرَاءِ الْحِيطَانِ، وَلَكِنَّا نَخْرُجُ إِلَيْكُمْ. وَثَلَمَتِ الْمَنْجَنِيقُ مِنَ الْمَدِينَةِ بُرْجًا مِمَّا يَلِي حُرَيْثَ بْنَ بَحْدَلٍ، فَقَالَ زُفَرُ: لَقَدْ تَرَكَتْنِي مَنْجَنِيقُ ابْنِ بَحْدَلٍ ... أَحِيدُ عَنِ الْعُصْفُورِ حِينَ يَطِيرُ

стр. 1828

وَكَانَ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ مُجِدًّا فِي قِتَالِهِمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ زُفَرَ مِنْ بَنِي كَلَابٍ: لَأَقُولَنَّ لِخَالِدٍ كَلَامًا لَا يَعُودُ إِلَى مَا يَصْنَعُ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ خَرَجَ خَالِدٌ لِلْمُحَارَبَةِ، فَقَالَ لَهُ الْكَلَابِيُّ: مَاذَا ابْتِغَاءُ خَالِدٍ وَهَمُّهْ إِذْ سَلَبَ الْمُلْكَ وَنِيكَتُ امُّهْ فَاسْتَحْيَا وَعَادَ وَلَمْ يَرْجِعْ يُقَاتِلُهُمْ. وَقَالَتْ كَلْبٌ لِعَبْدِ الْمَلِكِ: إِنَّا إِذَا لَقِيَنَا زُفَرَ انْهَزَمَتِ الْقَيْسِيَّةُ الَّذِينَ مَعَكَ، فَلَا تَخْلِطْهُمْ مَعَنَا. فَفَعَلَ، فَكَتَبَتِ الْقَيْسِيَّةُ عَلَى نَبْلِهَا: إِنَّهُ لَيْسَ يُقَاتِلُكُمْ غَدًا مُضَرِيٌّ، وَرَمَوُا النَّبْلَ إِلَى قَرْقِيسِيَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ زُفَرُ دَعَا ابْنَهُ الْهُذَيْلَ، وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، وَقِيلَ: [كَانَ] يُكَنَّى أَبَا الْكَوْثَرِ، فَقَالَ: اخْرُجْ إِلَيْهِمْ فَشُدَّ عَلَيْهِمْ شَدَّةً لَا تَرْجِعْ حَتَّى تَضْرِبَ فُسْطَاطَ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْتَ دُونَ أَنْ تَطَأَ أَطْنَابَ فُسْطَاطِهِ لَأَقْتُلَنَّكَ. فَجَمَعَ الْهُذَيْلُ خَيْلَهُ وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ، فَصَبَرُوا قَلِيلًا ثُمَّ انْكَشَفُوا، وَتَبِعَهُمُ الْهُذَيْلُ بِخَيْلِهِ حَتَّى وَطِئُوا أَطْنَابَ الْفُسْطَاطِ وَقَطَعُوا بَعْضَهَا ثُمَّ رَجَعُوا، فَقَبَّلَ زُفَرُ رَأَسَ الْهُذَيْلِ وَقَالَ: لَا يَزَالُ عَبْدُ الْمَلِكِ يُحِبُّكَ بَعْدَهَا أَبَدًا. فَقَالَ الْهُذَيْلُ: وَاللَّهِ لَوْ شِئْتَ أَنْ أَدْخُلَ الْفُسْطَاطَ لَفَعَلْتُ. فَقَالَ زُفَرُ: أَلَا لَا أُبَالِي مَنْ أَتَاهُ حِمَامُهُ ... إِذَا مَا الْمَنَايَا عَنْ هُذَيْلٍ تَجَلَّتِ تَرَاهُ أَمَامَ الْخَيْلِ أَوَّلَ فَارِسٍ ... وَيَضْرِبُ فِي أَعْجَازِهَا إِنْ تَوَلَّتِ وَلَمَّا ثُلِمَ بُرْجُ قَرْقِيسِيَا قَالَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بَعْضُ أَهْلِهِ: لَوْ قَاتَلْتَهُمْ بِقُضَاعَةَ لَمَلَكْتَهُمْ. فَفَعَلَ وَقَاتَلَهُمْ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْمَسَاءِ انْكَشَفَتْ قُضَاعَةُ وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ، وَأَقْبَلَ رُوحُ بْنُ زِنْبَاعٍ الْجُذَامِيُّ إِلَى بُرْجٍ مِنْهَا، فَسَأَلَ أَهْلَهُ وَقَالَ: نَشَدْتُكُمُ اللَّهَ كَمْ قَتَلْنَا مِنْكُمْ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ لَمْ يُقْتَلْ مِنَّا أَحَدٌ، وَلَمْ يُجْرَحْ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالُوا: نَشَدْنَاكَ اللَّهَ كَمْ قُتِلَ مِنْكُمْ؟ قَالَ: عِدَّةُ فُرْسَانٍ، وَجَرَحْتُمْ مَا لَا يُحْصَى، فَلَعَنَ اللَّهُ ابْنَ بَحْدَلٍ! وَرَجَعَ رَوْحٌ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَالَ: إِنَّ ابْنَ بَحْدَلٍ يُمَنِّيكَ الْبَاطِلَ، فَأَعْرِضْ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ. وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ كَلْبٍ يُقَالُ لَهُ الذَّيَّالُ يَخْرُجُ فَيَسُبُّ زُفَرَ فَيُكْثِرُ، فَقَالَ زُفَرُ لِلْهُذَيْلِ ابْنِهِ

стр. 1829

أَوْ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: أَمَا تَكْفِينِي هَذَا؟ قَالَ: أَنَا أَجِيئُكَ بِهِ. فَدَخَلَ عَسْكَرَ عَبْدِ الْمَلِكِ لَيْلًا فَجَعَلَ يُنَادَى: مَنْ يَعْرِفُ بَغْلًا مِنْ صِفَتِهِ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى انْتَهَى إِلَى خِبَاءِ الرَّجُلِ وَقَدْ عَرَفَهُ. فَقَالَ الرَّجُلُ: رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ ضَالَّتَكَ. فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ عَيِيتُ فَلَوْ أَذِنْتَ لِي فَاسْتَرَحْتُ قَلِيلًا. قَالَ: ادْخُلْ، فَدَخَلَ وَالرَّجُلُ وَحْدَهُ فِي خِبَائِهِ، فَرَمَى بِنَفْسِهِ وَنَامَ صَاحِبُ الْخِبَاءِ، فَقَامَ إِلَيْهِ فَأَيْقَظَهُ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ تَكَلَّمْتَ لَأَقْتُلَنَّكَ. قَالَ: قُتِلْتُ أَوْ سَلِمْتُ فَمَاذَا يَنْفَعُكَ قَتْلِي؟ (قَالَ: لَئِنْ) سَكَتَّ وَجِئْتَ مَعِي إِلَى زُفَرَ، فَلَكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ أَنْ أَرُدَّكَ إِلَى عَسْكَرِكَ بَعْدَ أَنْ يَصِلَكَ زُفَرُ وَيُحْسِنَ إِلَيْهِ. فَخَرَجَا وَهُوَ يُنَادِي: مَنْ دَلَّ عَلَى بَغْلٍ مِنْ صِفَتِهِ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى أَتَى زُفَرَ وَالرَّجُلُ مَعَهُ، فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ آمَنَهُ، فَوَهَبَ لَهُ زُفَرُ دَنَانِيرَ، وَحَمَلَهُ عَلَى رِحَالَةِ النِّسَاءِ، وَأَلْبَسَهُ ثِيَابَهُنَّ، وَبَعَثَ مَعَهُ رَجُلًا حَتَّى دَنَوْا مِنْ عَسْكَرِ عَبْدِ الْمَلِكِ. فَنَادَوْا: هَذِهِ جَارِيَةٌ قَدْ بَعَثَ بِهَا زُفَرُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ. وَانْصَرَفُوا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْعَسْكَرِ عَرَفُوهُ، وَأَخْبَرُوا عَبْدَ الْمَلِكِ الْخَبَرَ، فَضَحِكَ وَقَالَ: لَا يُبْعِدُ اللَّهُ رَجُلًا نُصِرَ، وَاللَّهِ إِنَّ قَتْلَهُمْ لَذُلٌّ، وَإِنَّ تَرْكَهُمْ لَحَسْرَةٌ. وَكَفَّ الرَّجُلُ فَلَمْ يَعُدْ يَسُبُّ زُفَرَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ هَرَبَ مِنَ الْعَسْكَرِ. ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ أَمَرَ أَخَاهُ مُحَمَّدًا أَنْ يَعْرِضَ عَلَى زُفَرَ وَابْنِهِ الْهُذَيْلِ الْأَمَانَ عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَمَنْ مَعَهُمَا وَمَالِهِمْ، وَأَنْ يُعْطَيَا مَا أَحَبَّا. فَفَعَلَ مُحَمَّدٌ ذَلِكَ، فَأَجَابَ الْهُذَيْلُ وَكَلَّمَ أَبَاهُ وَقَالَ لَهُ: لَوْ صَالَحْتَ هَذَا الرَّجُلَ فَقَدْ أَطَاعَهُ النَّاسُ، وَهُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ. فَأَجَابَ عَلَى أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ فِي بَيْعَتِهِ سَنَةً، وَأَنْ يَنْزِلَ حَيْثُ شَاءَ، وَلَا يُعِينَ عَبْدَ الْمَلِكِ عَلَى قِتَالِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. فَبَيْنَا الرُّسُلُ تَخْتَلِفُ بَيْنَهُمَا إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ كَلْبٍ، فَقَالَ: قَدْ هُدِمَ مِنَ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةُ أَبْرَاجٍ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لَا أُصَالِحُهُمْ. وَزَحَفَ إِلَيْهِمْ، فَهَزَمُوا أَصْحَابَهُ حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ عَسْكَرَهُمْ. فَقَالَ: أَعْطُوهُمْ مَا أَرَادُوا. فَقَالَ زُفَرُ: لَوْ كَانَ قَبْلَ هَذَا لَكَانَ أَحْسَنَ. وَاسْتَقَرَّ الصُّلْحُ عَلَى أَمَانِ الْجَمِيعِ، وَوَضْعِ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ، وَأَنْ لَا يُبَايِعَ عَبْدَ الْمَلِكِ حَتَّى يَمُوتَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِلْبَيْعَةِ لَهُ فِي عُنُقِهِ، وَأَنْ يُعْطَى مَالًا يُقَسِّمُهُ فِي أَصْحَابِهِ. وَخَافَ زُفَرُ أَنْ يَغْدِرَ بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ كَمَا غَدَرَ بِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، فَلَمْ يَنْزِلْ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِقَضِيبِ النَّبِيِّ ﷺ أَمَانًا لَهُ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ، فَقَالَ ابْنُ عِضَاةَ الْأَشْعَرِيُّ: أَنَا كُنْتُ أَحَقُّ بِهَذَا الْمَجْلِسِ مِنْهُ. فَقَالَ زُفَرُ: كَذَبْتَ هُنَاكَ، إِنِّي

стр. 1830

عَادَيْتُ فَضَرَرْتُ، وَوَالَيْتُ فَنَفَعْتُ. وَلَمَّا رَأَى عَبْدُ الْمَلِكِ قِلَّةَ مَنْ مَعَ زُفَرَ قَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْقِلَّةِ لَحَاصَرْتُهُ أَبَدًا حَتَّى يَنْزِلَ عَلَى حُكْمِي. فَبَلَغَ قَوْلُهُ زُفَرَ فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ رَجَعْنَا وَرَجَعْتَ. فَقَالَ: بَلْ نَفِي لَكَ يَا أَبَا الْهُذَيْلِ. وَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ يَوْمًا: بَلَغَنِي أَنَّكَ مِنْ كِنْدَةَ. فَقَالَ: وَمَا خَيْرُ مَنْ لَا يَبْغِي حَسَدًا، وَلَا يَدَّعِي رَغْبَةً! وَتَزَوَّجَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الرَّبَابَ بِنْتَ زُفَرَ، فَكَانَ يُؤْذَنُ لِأَخَوَيْهَا الْهُذَيْلِ وَالْكَوْثَرِ فِي أَوَّلِ النَّاسِ. وَأَمَرَ زُفَرُ ابْنَهُ الْهُذَيْلَ أَنْ يَسِيرَ مَعَ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى قِتَالِ مُصْعَبٍ وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ لَا عَهْدَ عَلَيْكَ. فَسَارَ مَعَهُ، فَلَمَّا قَارَبَ مُصْعَبًا هَرَبَ إِلَيْهِ، وَقَاتَلَ مَعَ ابْنِ الْأَشْتَرِ، فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الْأَشْتَرِ اخْتَفَى الْهُذَيْلُ بِالْكُوفَةِ حَتَّى اسْتُؤْمِنَ لَهُ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ فَآمَنَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ افْتَتَحَ عَبْدُ الْمَلِكِ قَيْسَارِيَّةَ، فِي قَوْلِ الْوَاقِدِيِّ. وَفِيهَا نَزَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ جَابِرَ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَوْفٍ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ، وَهُوَ آخِرُ وَالٍ كَانَ لَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، حَتَّى أَتَاهُ طَارِقُ بْنُ عَمْرٍو مَوْلَى عُثْمَانَ، فَهَرَبَ طَلْحَةُ، وَأَقَامَ طَارِقٌ بِهَا حَتَّى سَارَ لِقِتَالِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي إِمَارَةِ مُصْعَبٍ مَاتَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ بِالْكُوفَةِ، وَيَزِيدُ بْنُ مُفَرِّغٍ الْحِمْيَرِيُّ

стр. 1831

الشَّاعِرُ بِهَا أَيْضًا. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيُّ، شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ وَخَيْبَرَ. وَفِي أَيَّامِهِ مَاتَ شُتَيْرُ بْنُ شَكَلٍ الْقَيْسِيُّ الْكُوفِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ. (شُتَيْرٌ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَفَتْحِ التَّاءِ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ، وَبَعْدَهَا يَاءٌ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ. وَشَكَلٌ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْكَافِ، وَآخِرُهُ لَامٌ) .

стр. 1832

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ] ٧٢ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ ذِكْرُ أَمْرِ الْخَوَارِجِ لَمَّا اسْتَقَرَّ عَبْدُ الْمَلِكِ بِالْكُوفَةِ بَعْدَ قَتْلِ مُصْعَبٍ اسْتَعْمَلَ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى الْبَصْرَةِ، فَلَمَّا قَدِمَهَا خَالِدٌ كَانَ الْمُهَلَّبُ يُحَارِبُ الْأَزَارِقَةَ، فَجَعَلَهُ عَلَى خَرَاجِ الْأَهْوَازِ وَمَعُونَتِهَا، وَسَيَّرَ أَخَاهُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى قِتَالِ الْخَوَارِجِ، وَسَيَّرَ مَعَهُ مُقَاتِلَ بْنَ مِسْمَعٍ، فَخَرَجَا يَطْلُبَانِ الْأَزَارِقَةَ، فَأَتَتِ الْخَوَارِجُ مِنْ نَاحِيَةِ كَرْمَانَ إِلَى دَارَبْجِرْدَ، وَأَرْسَلَ قَطَرِيُّ بْنُ الْفُجَاءَةِ الْمَازِنِيُّ مَعَ صَالِحِ بْنِ مُخَارِقٍ تِسْعَمِائَةِ فَارِسٍ، فَأَقْبَلَ يَسِيرُ بِهِمْ حَتَّى اسْتَقْبَلَ عَبْدَ الْعَزِيزِ وَهُوَ يَسِيرُ مَهَلًا عَلَى غَيْرِ تَعْبِيَةٍ، فَانْهَزَمَ بِالنَّاسِ، وَنَزَلَ مُقَاتِلُ بْنُ مِسْمَعٍ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَانْهَزَمَ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَأُخِذَتِ امْرَأَتُهُ ابْنَةُ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَارُودِ، فَأُقِيمَتْ فِيمَنْ يَزِيدُ، فَبَلَغَتْ قِيمَتُهَا مِائَةَ أَلْفٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهَا مِنْ رُءُوسِ الْخَوَارِجِ فَقَالَ: تَنَحُّوا هَكَذَا، مَا أَرَى هَذِهِ الْمُشْرِكَةَ إِلَّا قَدْ فَتَنَتْكُمْ! وَضَرَبَ عُنُقَهَا، وَلَحِقَ بِالْبَصْرَةِ، فَرَآهُ آلُ الْمُنْذِرِ فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي أَنَحْمِدُكَ أَمْ نَذُمُّكَ! فَكَانَ يَقُولُ: مَا فَعَلْتُهُ إِلَّا غَيْرَةً وَحَمِيَّةً. وَانْتَهَى عَبْدُ الْعَزِيزِ إِلَى رَامَهُرْمُزَ، وَأَتَى الْمُهَلَّبَ خَبَرُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ شَيْخًا مِنَ الْأَزْدِ وَقَالَ لَهُ: إِنْ كَانَ مُنْهَزِمًا فَعَزِّهِ. فَأَتَاهُ الرَّجُلُ فَرَآهُ نَازِلًا فِي نَحْوِ ثَلَاثِينَ فَارِسًا كَئِيبًا حَزِينًا، فَأَبْلَغَهُ الرِّسَالَةَ، وَعَادَ إِلَى الْمُهَلَّبِ بِالْخَبَرِ، فَأَرْسَلَ الْمُهَلَّبُ إِلَى أَخِيهِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يُخْبِرُهُ بِهَزِيمَتِهِ. فَقَالَ لِلرَّسُولِ: كَذَبْتَ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ، فَإِنْ كُنْتُ كَاذِبًا فَاضْرِبْ عُنُقِي، وَإِنْ كُنْتُ صَادِقًا فَأَعْطِنِي جُبَّتَكَ وَمُطْرَفَكَ. قَالَ: قَدْ رَضِيتَ مِنَ الْخَطَرِ الْعَظِيمِ بِالْخَطَرِ الْيَسِيرِ. وَحَبَسَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ حَتَّى صَحَّ خَبَرُ الْهَزِيمَةِ.

стр. 1833

قَالَ ابْنُ قَيْسٍ الرُّقَيَّاتُ فِي هَزِيمَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَفِرَارِهِ عَنِ امْرَأَتِهِ: عَبْدَ الْعَزِيزِ فَضَحْتَ جَيْشَكَ كُلَّهُمْ ... وَتَرَكْتَهُمْ صَرْعَى بِكُلِّ سَبِيلِ مِنْ بَيْنِ ذِي عَطَشٍ يَجُودُ بِنَفْسِهِ ... وَمُلَحَّبٍ بَيْنَ الرِّجَالِ قَتِيلِ هَلَّا صَبَرْتَ مَعَ الشَّهِيدِ مُقَاتِلًا ... إِذْ رُحْتَ مُنْتَكِثَ الْقُوَى بِأَصِيلِ وَتَرَكْتَ جَيْشَكَ لَا أَمِيرَ عَلَيْهِمُ ... فَارْجِعْ بِعَارٍ فِي الْحَيَاةِ طَوِيلِ وَنَسِيتَ عُرْسَكَ إِذْ تُقَادُ سَبِيَّةً ... تَبْكِي الْعُيُونُ بِرَنَّةٍ وَعَوِيلِ فَكَتَبَ خَالِدٌ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ: قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ، وَسَأَلْتُ رَسُولَكَ عَنِ الْمُهَلَّبِ فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ عَامِلٌ عَلَى الْأَهْوَازِ، فَقَبَّحَ اللَّهُ رَأْيَكَ حِينَ تَبْعَثُ أَخَاكَ أَعْرَابِيًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ عَلَى الْقِتَالِ وَتَدَعُ الْمُهَلَّبَ يَجْبِي الْخَرَاجَ، وَهُوَ الْمَيْمُونُ النَّقِيبَةُ، الْمُقَاسِي لِلْحَرْبِ، ابْنُهَا وَابْنُ أَبْنَائِهَا، أَرْسِلْ إِلَى الْمُهَلَّبِ يَسْتَقْبِلْهُمْ، وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَى بِشْرٍ بِالْكُوفَةِ لِيَمُدَّكَ بِجَيْشٍ، فَسِرْ مَعَهُمْ، وَلَا تَعْمَلْ فِي عَدُوِّكَ بِرَأْيٍ حَتَّى يَحْضُرَهُ الْمُهَلَّبُ، وَالسَّلَامُ. وَكَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى بِشْرٍ أَخِيهِ بِالْكُوفَةِ يَأْمُرُهُ بِإِنْفَاذِ خَمْسَةِ آلَافٍ مَعَ رَجُلٍ يَرْضَاهُ لِقِتَالِ الْخَوَارِجِ، فَإِذَا قَضَوْا غَزْوَتَهُمْ سَارُوا إِلَى الرَّيِّ، فَقَاتَلُوا عَدُوَّهُمْ، وَكَانُوا مَسْلَحَةً. فَبَعَثَ بِشْرٌ خَمْسَةَ آلَافٍ، وَعَلَيْهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، فَكَتَبَ لَهُ عَهْدًا عَلَى الرَّيِّ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ قِتَالِهِ. وَخَرَجَ خَالِدٌ بِأَهْلِ الْبَصْرَةِ حَتَّى قَدِمَ الْأَهْوَازَ، وَقَدِمَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَجَاءَتِ الْأَزَارِقَةُ حَتَّى دَنَوْا مِنَ الْأَهْوَازِ، فَقَالَ الْمُهَلَّبُ لِخَالِدٍ: إِنِّي أَرَى هَاهُنَا سُفُنًا كَثِيرَةً، فَضُمَّهَا إِلَيْكَ فَإِنَّهُمْ سَيَحْرِقُونَهَا. فَلَمْ يَمْضِ إِلَّا سَاعَةً حَتَّى أَرْسَلُوا إِلَيْهَا فَأَحْرَقُوهَا. وَجَعَلَ خَالِدٌ الْمُهَلَّبَ عَلَى مَيْمَنَتِهِ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ دَاوُدَ بْنَ قَحْذَمٍ مِنْ بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَمَرَّ الْمُهَلَّبُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَلَمْ يُخَنْدِقْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا يَمْنَعُكَ مِنَ الْخَنْدَقِ؟ فَقَالَ: هُمْ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ ضَرْطَةِ الْجَمَلِ. فَقَالَ: لَا يَهُونُوا عَلَيْكَ، فَإِنَّهُمْ سِبَاعُ الْعَرَبِ.

стр. 1834

وَلَمْ يَبْرَحِ الْمُهَلَّبُ حَتَّى خَنْدَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ، فَأَقَامُوا نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ زَحَفَ إِلَيْهِمْ بِالنَّاسِ، فَرَأَوْا أَمْرًا هَالَهُمْ مِنْ كَثْرَةِ النَّاسِ، فَكَثُرَتْ عَلَيْهِمُ الْخَيْلُ وَزَحَفَتْ إِلَيْهِمْ، فَانْصَرَفُوا كَأَنَّهُمْ عَلَى حَامِيَةٍ وَهُمْ مُوَلُّونَ، لَا يَرَوْنَ طَاقَةً بِقِتَالِ جَمَاعَةِ النَّاسِ، فَأَرْسَلَ خَالِدٌ دَاوُدَ بْنَ قَحْذَمٍ فِي آثَارِهِمْ، وَانْصَرَفَ خَالِدٌ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَسَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَى الرَّيِّ، وَأَقَامَ الْمُهَلَّبُ بِالْأَهْوَازِ، وَكَتَبَ خَالِدٌ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بِذَلِكَ. فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُهُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ كَتَبَ إِلَى أَخِيهِ بِشْرٍ يَأْمُرُهُ أَنْ يَبْعَثَ أَرْبَعَةَ آلَافِ فَارِسٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ مَعَ رَجُلٍ بَصِيرٍ بِالْحَرْبِ إِلَى فَارِسَ فِي طَلَبِ الْأَزَارِقَةِ، وَيَأْمُرُ صَاحِبَهُ بِمُوَافَقَةِ دَاوُدَ بْنِ قَحْذَمٍ إِنِ اجْتَمَعَا. فَبَعَثَ بِشْرٌ عَتَّابَ بْنَ وَرْقَاءَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ فَارِسٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَسَارُوا حَتَّى لَحِقُوا دَاوُدَ فَاجْتَمَعُوا، ثُمَّ اتَّبَعُوا الْخَوَارِجَ حَتَّى هَلَكَتْ خُيُولُ عَامَّتِهِمْ، وَأَصَابَهُمُ الْجُوعُ وَالْجُهْدُ، وَرَجَعَ عَامَّةُ الْجَيْشَيْنِ مُشَاةً إِلَى الْأَهْوَازِ. [خُرُوجُ أَبِي فُدَيْكٍ الْخَارِجِيِّ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ خُرُوجُ أَبِي فُدَيْكٍ الْخَارِجِيِّ، وَهُوَ مِنْ بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، فَغَلَبَ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، وَقَتَلَ نَجْدَةَ بْنَ عَامِرٍ الْحَنَفِيَّ، فَاجْتَمَعَ عَلَى خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نُزُولُ قَطَرِيٍّ الْأَهْوَازَ وَأَمْرُ أَبِي فُدَيْكٍ، فَبَعَثَ أَخَاهُ أُمَيَّةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي جُنْدٍ كَثِيفٍ إِلَى أَبِي فُدَيْكٍ، فَهَزَمَهُ أَبُو فُدَيْكٍ، وَأَخَذَ جَارِيَةً لَهُ فَاتَّخَذَهَا لِنَفْسِهِ، فَكَتَبَ خَالِدٌ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بِذَلِكَ. ذِكْرُ قَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ وَلَمَّا قُتِلَ مُصْعَبٌ كَانَ ابْنُ خَازِمٍ يُقَاتِلُ بَحِيرَ بْنَ وَرْقَاءَ الصُّرَيْمِيَّ التَّمِيمِيَّ بِنَيْسَابُورَ، فَكَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى ابْنِ خَازِمٍ يَدْعُوهُ إِلَى الْبَيْعَةِ لَهُ وَيُطْعِمُهُ خُرَاسَانَ سَبْعَ سِنِينَ، وَأَرْسَلَ الْكِتَابَ مَعَ سَوَادَةَ بْنِ أَشْتَمَ النُّمَيْرِيِّ، وَقِيلَ: مَعَ مُكَمِّلٍ الْغَنَوِيِّ. فَقَالَ ابْنُ خَازِمٍ: لَوْلَا أَنْ أُضَرِّبَ بَيْنَ [بَنِي] سُلَيْمٍ وَ [بَنِي] عَامِرٍ لَقَتَلْتُكَ، وَلَكِنْ كُلْ كِتَابَكَ. فَأَكَلَهُ. وَقِيلَ: بَلْ كَانَ الْكِتَابُ مَعَ سَوَادَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ النُّمَيْرِيِّ، وَقِيلَ: مَعَ مُكَمِّلٍ الْغَنَوِيِّ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ خَازِمٍ: إِنَّمَا بَعَثَكَ أَبُو الذِّبَّانِ لِأَنَّكَ مِنْ غَنِيٍّ، وَقَدْ عَلِمَ أَنِّي لَا أَقْتُلُ رَجُلًا مِنْ قَيْسٍ، وَلَكِنْ كُلْ كِتَابَهُ.

стр. 1835

وَكَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى بُكَيْرِ بْنِ وَسَّاجٍ، وَكَانَ خَلِيفَةَ ابْنِ خَازِمٍ عَلَى مَرْوَ، بِعَهْدِهِ عَلَى خُرَاسَانَ، وَوَعْدِهِ وَمُنَاهُ، فَخَلَعَ بُكَيْرٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَدَعَا إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَجَابَهُ أَهْلُ مَرْوَ، وَبَلَغَ ابْنَ خَازِمٍ، فَخَافَ أَنْ يَأْتِيَهُ بُكَيْرٌ فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أَهْلُ مَرْوَ وَأَهْلُ نَيْسَابُورَ، فَتَرَكَ بَحِيرًا وَأَقْبَلَ إِلَى مَرْوَ وَيَزِيدُ ابْنُهُ بِتِرْمِذَ، فَاتَّبَعَهُ بَحِيرٌ، فَلَحِقَهُ بِقَرْيَةٍ عَلَى ثَمَانِيَةِ فَرَاسِخَ مِنْ مَرْوَ، فَقَاتَلَهُ ابْنُ خَازِمٍ، فَقُتِلَ ابْنُ خَازِمٍ، وَكَانَ الَّذِي قَتَلَهُ وَكِيعُ بْنُ عَمْرٍو الْقُرَيْعِيُّ، أَعْثَرَهُ وَكِيعٌ، وَبَحِيرُ بْنُ وَرْقَاءَ، وَعَمَّارُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَطَعَنُوهُ فَصَرَعُوهُ، وَقَعَدَ وَكِيعٌ عَلَى صَدْرِهِ فَقَتَلَهُ. فَقَالَ بَعْضُ الْوُلَاةِ لِوَكِيعٍ: كَيْفَ قَتَلْتَهُ؟ قَالَ: غَلَبْتُهُ بِفَضْلِ الْقَنَا، فَلَمَّا صُرِعَ قَعَدْتُ عَلَى صَدْرِهِ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَقُومَ، قُلْتُ: يَا لِثَارَاتِ دُوَيْلَةَ! وَهُوَ أَخُو وَكِيعٍ لِأُمِّهِ، قُتِلَ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْحُرُوبِ. قَالَ وَكِيعٌ: فَتَنَخَّمَ فِي وَجْهِي وَقَالَ: لَعَنَكَ اللَّهُ! أَتَقْتُلُ كَبْشَ مُضَرَ بِأَخِيكَ وَهُوَ لَا يُسَاوِي كَفًّا مِنْ نَوًى؟ أَوْ قَالَ: مِنْ تُرَابٍ. قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ أَكْثَرَ رِيقًا مِنْهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ عِنْدَ الْمَوْتِ. وَبَعَثَ بَحِيرٌ سَاعَةَ قَتْلِ ابْنِ خَازِمٍ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يُخْبِرُهُ بِقَتْلِهِ، وَلَمْ يَبْعَثْ بِالرَّأْسِ، وَبَعَثَ بَحِيرٌ بُكَيْرَ بْنَ وَسَّاجٍ فِي أَهْلِ مَرْوَ، فَوَافَاهُمْ حِينَ قُتِلَ ابْنُ خَازِمٍ، فَأَرَادَ أَخْذَ الرَّأْسِ وَإِنْفَاذَهُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَمَنَعَهُ بَحِيرٌ، فَضَرَبَهُ بُكَيْرٌ بِعَمُودٍ وَحَبَسَهُ، وَسَيَّرَ الرَّأْسَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ. فَلَمَّا قَدِمَ الرَّأْسُ دَعَا عَبْدُ الْمَلِكِ بِرَسُولِ بَحِيرٍ وَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، وَمَا فَارَقْتُ الْقَوْمَ حَتَّى قُتِلَ ابْنُ خَازِمٍ. وَقِيلَ: إِنَّ ابْنَ خَازِمٍ إِنَّمَا قُتِلَ بَعْدَ قَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَإِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ أَنْفَذَ إِلَيْهِ رَأْسَ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَدَعَاهُ إِلَى نَفْسِهِ، فَغَسَّلَ الرَّأْسَ وَكَفَّنَهُ وَبَعَثَهُ إِلَى أَهْلِهِ بِالْمَدِينَةِ، وَأَطْعَمَ الرَّسُولَ الْكِتَابَ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّكَ رَسُولٌ لَقَتَلْتُكَ. وَقِيلَ: بَلْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَقَتَلَهُ، وَحَلَفَ أَنْ لَا يُطِيعَ عَبْدَ الْمَلِكِ أَبَدًا. (بَحِيرٌ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ) .

стр. 1836

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ كَانَ الْعَامِلُ عَلَى الْمَدِينَةِ طَارِقًا لِعَبْدِ الْمَلِكِ، وَعَلَى الْكُوفَةِ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ، وَعَلَى قَضَائِهَا عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى قَضَائِهَا هِشَامَ بْنَ هُبَيْرَةَ، وَعَلَى خُرَاسَانَ، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، بُكَيْرَ بْنَ وَسَّاجٍ، وَفِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَازِمٍ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ. عَبِيدَةُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ.

стр. 1837

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ] ٧٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ ذِكْرُ قَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ لَمَّا بُويِعَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِالشَّامِ بَعَثَ إِلَى الْمَدِينَةِ عُرْوَةَ بْنَ أُنَيْفٍ فِي سِتَّةِ آلَافٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْمَدِينَةَ، وَأَنْ يُعَسْكِرَ بِالْعَرْصَةِ، وَكَانَ عَامِلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى الْمَدِينَةِ الْحَارِثُ بْنُ حَاطِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَعْمَرٍ الْجُمَحِيُّ، فَهَرَبَ الْحَارِثُ، وَكَانَ ابْنُ أُنَيْفٍ يَدْخُلُ وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى مُعَسْكَرِهِ، فَأَقَامَ شَهْرًا وَلَمْ يَبْعَثْ إِلَيْهِمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَحَدًا. وَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بِالْعَوْدِ إِلَيْهِ، فَعَادَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدٍ الْقُرَظِيُّ، ثُمَّ عَادَ الْحَارِثُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَبَعَثَ ابْنُ الزُّبَيْرِ سُلَيْمَانَ بْنَ خَالِدٍ الزُّرَقِيَّ الْأَنْصَارِيَّ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا عَامِلًا عَلَى خَيْبَرَ وَفَدَكَ، فَنَزَلَ فِي عَمَلِهِ، فَبَعَثَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ الْحَكَمِ - وَقِيلَ: اسْمُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَهُوَ أَصَحُّ - فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ وَادِي الْقُرَى، وَسَيَّرَ سَرِيَّةً عَلَيْهَا أَبُو الْقَمْقَامِ فِي خَمْسِمِائَةٍ إِلَى سُلَيْمَانَ، فَوَجَدَهُ قَدْ هَرَبَ، فَطَلَبُوهُ فَأَدْرَكُوهُ، فَقَتَلُوهُ وَمَنْ مَعَهُ. فَاغْتَمَّ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ لِقَتْلِهِ وَقَالَ: قَتَلُوا رَجُلًا مُسْلِمًا صَالِحًا بِغَيْرِ ذَنْبٍ. وَعَزَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْحَارِثَ، وَاسْتَعْمَلَ مَكَانَهُ جَابِرَ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيَّ، فَوَجَّهَ جَابِرٌ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي قَيْسٍ فِي سِتِّمِائَةِ فَارِسٍ وَأَرْبَعِينَ فَارِسًا إِلَى خَيْبَرَ، فَوَجَدُوا أَبَا الْقَمْقَامِ وَمَنْ مَعَهُ مُقِيمِينَ بِفَدَكَ يَعْسِفُونَ النَّاسَ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ أَبِي الْقَمْقَامِ، وَأُسِرَ مِنْهُمْ ثَلَاثُونَ رَجُلًا، فَقُتِلُوا صَبْرًا. وَقِيلَ: بَلْ قُتِلَ الْخَمْسُمِائَةِ أَوْ أَكْثَرُهُمْ. وَوَجَّهَ عَبْدُ الْمَلِكِ طَارِقَ بْنَ عَمْرٍو مَوْلَى عُثْمَانَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَنْزِلَ بَيْنَ أَيْلَةَ وَوَادِي الْقُرَى، وَيَمْنَعَ عُمَّالَ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِنَ الِانْتِشَارِ، وَيَسُدَّ خَلَلًا إِنْ ظَهَرَ لَهُ. فَوَجَّهَ طَارِقٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ خَيْلًا، فَاقْتَتَلُوا، فَأُصِيبَ أَبُو بَكْرٍ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَأُصِيبَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَكْثَرُ مِنْ مِائَتَيْ رَجُلٍ.

стр. 1838

وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ قَدْ كَتَبَ إِلَى الْقُبَاعِ أَيَّامَ كَانَ عَامِلَهُ عَلَى الْبَصْرَةِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ أَلْفَيْ فَارِسٍ لِيُعِينُوا عَامِلَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ أَلْفَيْ رَجُلٍ، فَلَمَّا قُتِلَ أَبُو بَكْرٍ أَمَرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ جَابِرَ بْنَ الْأَسْوَدِ أَنْ يُسَيِّرَ جَيْشَ الْبَصْرَةِ إِلَى قِتَالِ طَارِقٍ، فَسَارَ الْبَصْرِيُّونَ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَبَلَغَ طَارِقًا الْخَبَرُ، فَسَارَ نَحْوَهُ، فَالْتَقَيَا، فَقُتِلَ مُقَدِّمُ الْبَصْرِيِّينَ، وَقُتِلَ أَصْحَابُهُ قَتْلًا ذَرِيعًا، وَطَلَبَ طَارِقٌ مُدْبِرَهُمْ، وَأَجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَلَمْ يَسْتَبْقِ أَسِيرَهُمْ. وَرَجَعَ طَارِقٌ إِلَى وَادِي الْقُرَى، وَكَانَ عَامِلَ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِالْمَدِينَةِ جَابِرُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَعَزَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ جَابِرًا، وَاسْتَعْمَلَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ، الَّذِي يُعْرَفُ بِطَلْحَةِ النَّدَى، سَنَةَ سَبْعِينَ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى أَخْرَجَهُ طَارِقٌ. فَلَمَّا قَتَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ مُصْعَبًا وَأَتَى الْكُوفَةَ، وَجَّهَ مِنْهَا الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ الثَّقَفِيَّ فِي أَلْفَيْنِ، وَقِيلَ: فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، لِقِتَالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي تَسْيِيرِهِ دُونَ غَيْرِهِ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ: قَدْ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَخَذْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ فَسَلَخْتُهُ، فَابْعَثْنِي إِلَيْهِ وَوَلِّنِي قِتَالَهُ. فَبَعَثَهُ وَكَتَبَ مَعَهُ أَمَانًا لِابْنِ الزُّبَيْرِ وَمَنْ مَعَهُ إِنْ أَطَاعُوا، فَسَارَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ، وَلَمْ يَعْرِضْ لِلْمَدِينَةِ، وَنَزَلَ الطَّائِفَ، وَكَانَ يَبْعَثُ الْخَيْلَ إِلَى عَرَفَةَ، وَيَبْعَثُ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَيْضًا فَيَقْتَتِلُونَ بِعَرَفَةَ، فَتَنْهَزِمُ خَيْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَتَعُودُ خَيْلُ الْحَجَّاجِ بِالظَّفَرِ. ثُمَّ كَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يَسْتَأْذِنُهُ فِي دُخُولِ الْحَرَمِ وَحَصْرِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَيُخْبِرُهُ بِضَعْفِهِ وَتَفَرُّقِ أَصْحَابِهِ، وَيَسْتَمِدُّهُ، فَكَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى طَارِقٍ يَأْمُرُهُ بِاللِّحَاقِ بِالْحَجَّاجِ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ، وَأَخْرَجَ عَامِلَ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنْهَا، وَجَعَلَ عَلَيْهَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ اسْمُهُ ثَعْلَبَةُ، فَكَانَ ثَعْلَبَةُ يُخْرِجُ الْمُخَّ وَهُوَ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَأْكُلُهُ وَيَأْكُلُ عَلَيْهِ التَّمْرَ لِيَغِيظَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ شَدِيدًا عَلَى أَهْلِ الزُّبَيْرِ، وَقَدِمَ طَارِقٌ عَلَى الْحَجَّاجِ بِمَكَّةَ فِي سَلْخِ ذِي الْحِجَّةِ فِي خَمْسَةِ آلَافٍ. وَأَمَّا الْحَجَّاجُ فَإِنَّهُ قَدِمَ مَكَّةَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَقَدْ أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ، فَنَزَلَ بِئْرَ مَيْمُونٍ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ تِلْكَ السَّنَةَ الْحَجَّاجُ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَطُفْ بِالْكَعْبَةِ، وَلَا سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، مَنَعَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ ذَلِكَ، فَكَانَ يَلْبَسُ السِّلَاحَ وَلَا يَقْرُبُ النِّسَاءَ وَلَا الطِّيبَ إِلَى أَنْ قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَلَمْ يَحُجَّ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَلَا أَصْحَابُهُ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقِفُوا بِعَرَفَةَ، وَلَمْ يَرْمُوا الْجِمَارَ،

стр. 1839

وَنَحَرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بُدْنَهُ بِمَكَّةَ. وَلَمَّا حَصَرَ الْحَجَّاجُ ابْنَ الزُّبَيْرِ نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ، وَرَمَى بِهِ الْكَعْبَةَ، وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ يُنْكِرُ ذَلِكَ أَيَّامَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ، فَكَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ: خُذِلَ فِي دِينِهِ. وَحَجَّ ابْنُ عُمَرَ تِلْكَ السَّنَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْحَجَّاجِ: أَنِ اتَّقِ اللَّهَ، وَاكْفُفْ هَذِهِ الْحِجَارَةَ عَنِ النَّاسِ، فَإِنَّكَ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ وَبَلَدٍ حَرَامٍ، وَقَدْ قَدِمَتْ وُفُودُ اللَّهِ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ لِيُؤَدُّوا فَرِيضَةَ اللَّهِ وَيَزْدَادُوا خَيْرًا، وَإِنَّ الْمَنْجَنِيقَ قَدْ مَنَعَهُمْ عَنِ الطَّوَافِ، فَاكْفُفْ عَنِ الرَّمْيِ حَتَّى يَقْضُوا مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ بِمَكَّةَ. فَبَطَّلَ الرَّمْيَ حَتَّى عَادَ النَّاسُ مِنْ عَرَفَاتٍ وَطَافُوا وَسَعَوْا، وَلَمْ يَمْنَعِ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْحَاجَّ مِنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ نَادَى مُنَادِي الْحَجَّاجِ: انْصَرِفُوا إِلَى بِلَادِكُمْ، فَإِنَّا نَعُودُ بِالْحِجَارَةِ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ الْمُلْحِدِ. وَأَوَّلُ مَا رُمِيَ بِالْمَنْجَنِيقِ إِلَى الْكَعْبَةِ رَعَدَتِ السَّمَاءُ وَبَرَقَتْ، وَعَلَا صَوْتُ الرَّعْدِ عَلَى الْحِجَارَةِ، فَأَعْظَمَ ذَلِكَ أَهْلُ الشَّامِ وَأَمْسَكُوا أَيْدِيَهُمْ، فَأَخَذَ الْحَجَّاجُ حَجَرَ الْمَنْجَنِيقِ بِيَدِهِ، فَوَضَعَهُ فِيهِ وَرَمَى بِهِ مَعَهُمْ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا جَاءَتِ الصَّوَاعِقُ فَقَتَلَتْ مِنْ أَصْحَابِهِ اثْنَيْ عَشْرَ رَجُلًا، فَانْكَسَرَ أَهْلُ الشَّامِ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: يَا أَهْلَ الشَّامِ، لَا تُنْكِرُوا هَذَا، فَإِنِّي ابْنُ تِهَامَةَ وَهَذِهِ صَوَاعِقُهَا، وَهَذَا الْفَتْحُ قَدْ حَضَرَ، فَأَبْشِرُوا. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ جَاءَتِ الصَّاعِقَةُ، فَأَصَابَتْ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عِدَّةً، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: أَلَا تَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُصَابُونَ وَأَنْتُمْ عَلَى الطَّاعَةِ وَهُمْ عَلَى خِلَافِهَا؟ وَكَانَ الْحَجَرُ يَقَعُ بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلَا يَنْصَرِفُ، وَكَانَ أَهْلُ الشَّامِ يَقُولُونَ: يَا ابْنَ الزُّبَيْرِ طَالَمَا عَصَيْكَا وَطَالَمَا عَنَّيْتَنَا إِلَيْكَا لَتُجْزَيَنَّ بِالَّذِي أَتَيْكَا

стр. 1840

يَعْنُونَ: عَصَيْتَ وَأَتَيْتَ. وَقَدِمَ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنَ الْأَعْرَابِ فَقَالُوا: قَدِمْنَا لِلْقِتَالِ مَعَكَ، فَنَظَرَ فَإِذَا مَعَ كُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ سَيْفٌ كَأَنَّهُ شَفْرَةٌ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ غِمْدِهِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَعْرَابِ، لَا قَرَّبَكُمُ اللَّهُ! فَوَاللَّهِ إِنَّ سِلَاحَكُمْ لَرَثٌّ، وَإِنَّ حَدِيثَكُمْ لَغَثٌّ، وَإِنَّكُمْ لَقُتَّالٌ فِي الْجَدْبِ، أَعْدَاءٌ فِي الْخِصْبِ. فَتَفَرَّقُوا، وَلَمْ يَزَلِ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ دَائِمًا، فَغَلَتِ الْأَسْعَارُ عِنْدَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ حَتَّى ذَبَحَ فَرَسَهُ، وَقَسَّمَ لَحْمَهَا فِي أَصْحَابِهِ، وَبِيعَتِ الدَّجَاجَةُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَالْمُدُّ الذُّرَةُ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَإِنَّ بُيُوتَ ابْنِ الزُّبَيْرِ لَمَمْلُوءَةٌ قَمْحًا وَشَعِيرًا وَذُرَةً وَتَمْرًا، وَكَانَ أَهْلُ الشَّامِ يَنْتَظِرُونَ فَنَاءَ مَا عِنْدَهُ، وَكَانَ يَحْفَظُ ذَلِكَ وَلَا يُنْفِقُ مِنْهُ إِلَّا مَا يُمْسِكُ الرَّمَقَ، وَيَقُولُ: أَنْفُسُ أَصْحَابِي قَوِيَّةٌ مَا لَمْ يَفْنَ. فَلَمَّا كَانَ قُبَيْلَ مَقْتَلِهِ تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ وَخَرَجُوا إِلَى الْحَجَّاجِ بِالْأَمَانِ، خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ نَحْوُ عَشَرَةِ آلَافٍ، وَكَانَ مِمَّنْ فَارَقَهُ ابْنَاهُ حَمْزَةُ وَخُبَيْبٌ، أَخَذَا لِأَنْفُسِهِمَا أَمَانًا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِابْنِهِ الزُّبَيْرِ: خُذْ لِنَفْسِكَ أَمَانًا كَمَا فَعَلَ أَخَوَاكَ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ بَقَاءَكُمْ. فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَرْغَبَ بِنَفْسِي عَنْكَ. فَصَبَرَ مَعَهُ فَقُتِلَ. وَلَمَّا تَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ عَنْهُ خَطَبَ الْحَجَّاجُ النَّاسَ وَقَالَ: قَدْ تَرَوْنَ قِلَّةَ مَنْ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْجَهْدِ وَالضِّيقِ. فَفَرِحُوا وَاسْتَبْشَرُوا، فَتَقَدَّمُوا، فَمَلَئُوا مَا بَيْنَ الْحَجُونِ إِلَى الْأَبْوَاءِ. فَدَخَلَ عَلَى أُمِّهِ فَقَالَ: يَا أُمَّاهُ، قَدْ خَذَلَنِي النَّاسُ حَتَّى وَلَدَيَّ وَأَهْلِي، وَلَمْ يَبْقَ مَعِي إِلَّا الْيَسِيرُ، وَمَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ صَبْرِ سَاعَةٍ، وَالْقَوْمُ يُعْطُونِي مَا أَرَدْتُ مِنَ الدُّنْيَا، فَمَا رَأْيُكِ؟ فَقَالَتْ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِنَفْسِكَ، إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ عَلَى حَقٍّ وَإِلَيْهِ تَدْعُو، فَامْضِ لَهُ، فَقَدْ قُتِلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُكَ، وَلَا تُمَكِّنْ مِنْ رَقَبَتِكَ يَتَلَعَّبْ بِهَا غِلْمَانُ بَنِي أُمَيَّةَ، وَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا أَرَدْتَ الدُّنْيَا، فَبِئْسَ الْعَبْدُ أَنْتَ، أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ وَمَنْ قُتِلَ مَعَكَ، وَإِنْ قُلْتَ: كُنْتُ عَلَى حَقٍّ، فَلَمَّا وَهَنَ أَصْحَابِي ضَعُفْتُ - فَهَذَا لَيْسَ فِعْلُ الْأَحْرَارِ وَلَا أَهْلِ الدِّينِ، كَمْ خُلُودُكَ فِي الدُّنْيَا! الْقَتْلُ أَحْسَنُ! فَقَالَ: يَا أُمَّاهُ، أَخَافُ إِنْ قَتَلَنِي أَهْلُ الشَّامِ أَنْ يُمَثِّلُوا بِي وَيَصْلُبُونِي. قَالَتْ: يَا بُنَيَّ، إِنَّ الشَّاةَ [إِذَا ذُبِحَتْ] لَا تَتَأَلَّمُ بِالسَّلْخِ، فَامْضِ عَلَى بَصِيرَتِكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ.

стр. 1841

فَقَبَّلَ رَأْسَهَا وَقَالَ: هَذَا رَأْيَيٌ وَالَّذِي (قُمْتُ بِهِ دَاعِيًا) إِلَى يَوْمِي هَذَا، مَا رَكَنْتُ إِلَى الدُّنْيَا وَلَا أَحْبَبْتُ الْحَيَاةَ فِيهَا، وَمَا دَعَانِي إِلَى الْخُرُوجِ إِلَّا الْغَضَبُ لِلَّهِ، وَأَنْ تُسْتَحَلَّ حُرُمَاتُهُ، وَلَكِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أَعْلَمَ رَأْيَكِ، فَقَدْ زِدْتِنِي بَصِيرَةً، فَانْظُرِي يَا أُمَّاهُ، فَإِنِّي مَقْتُولٌ فِي يَوْمِي هَذَا، فَلَا يَشْتَدَّ حُزْنُكِ، وَسَلِّمِي الْأَمْرَ إِلَى اللَّهِ، فَإِنَّ ابْنَكَ لَمْ يَتَعَمَّدْ إِتْيَانَ مُنْكَرٍ، وَلَا عَمَلًا بِفَاحِشَةٍ، وَلَمْ يَجُرْ فِي حُكْمِ اللَّهِ، وَلَمْ يَغْدِرْ فِي أَمَانٍ، وَلَمْ يَتَعَمَّدْ ظُلْمَ مُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ، وَلَمْ يَبْلُغْنِي ظُلْمٌ عَنْ عُمَّالِي فَرَضِيتُ بِهِ، بَلْ أَنْكَرْتُهُ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ آثَرَ عِنْدِي مِنْ رِضَا رَبِّي، اللَّهُمَّ لَا أَقُولُ هَذَا تَزْكِيَةً لِنَفْسِي، وَلَكِنِّي أَقُولُهُ تَعْزِيَةً لِأُمِّي حَتَّى تَسْلُوَ عَنِّي! . فَقَالَتْ أُمُّهُ: [إِنِّي] لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ عَزَائِي فِيكَ جَمِيلًا، إِنْ تَقَدَّمْتَنِي احْتَسَبْتُكَ، وَإِنْ ظَفَرْتَ سُرِرْتُ بِظَفَرِكَ، اخْرُجْ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُكَ. فَقَالَ: جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا، فَلَا تَدَعِي الدُّعَاءَ لِي. قَالَتْ: لَا أَدَعُهُ لَكَ أَبَدًا، فَمَنْ قُتِلَ عَلَى بَاطِلٍ فَقَدْ قُتِلْتَ عَلَى حَقٍّ. ثُمَّ قَالَتْ: اللَّهُمَّ ارْحَمْ طُولَ ذَاكَ الْقِيَامِ فِي اللَّيْلِ الطَّوِيلِ، وَذَلِكَ النَّحِيبَ وَالظَّمَأَ فِي هَوَاجِرِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَبِرَّهُ بِأَبِيهِ وَبِي! اللَّهُمَّ قَدْ سَلَّمْتُهُ لِأَمْرِكَ فِيهِ، وَرَضِيتُ بِمَا قَضَيْتَ، فَأَثِبْنِي فِيهِ ثَوَابَ الصَّابِرِينَ الشَّاكِرِينَ! . فَتَنَاوَلَ يَدَيْهَا لِيُقَبِّلَهُمَا فَقَالَتْ: هَذَا وَدَاعٌ فَلَا تَبْعَدْ. فَقَالَ لَهَا: جِئْتُ مُوَدِّعًا ; لِأَنِّي أَرَى هَذَا آخِرَ أَيَّامِي مِنَ الدُّنْيَا. قَالَتْ: امْضِ عَلَى بَصِيرَتِكَ، وَادْنُ مِنِّي حَتَّى أُوَدِّعَكَ. فَدَنَا مِنْهَا فَعَانَقَهَا وَقَبَّلَهَا، فَوَقَعَتْ يَدُهَا عَلَى الدِّرْعِ فَقَالَتْ: مَا هَذَا صَنِيعُ مَنْ يُرِيدُ مَا تُرِيدُ. فَقَالَ: مَا لَبِسْتُهُ إِلَّا لِأَشُدَّ مِنْكِ. قَالَتْ: فَإِنَّهُ لَا يَشُدُّ مِنِّي. فَنَزَعَهَا ثُمَّ دَرَجَ كُمَّيْهِ، وَشَدَّ أَسْفَلَ قَمِيصِهِ وُجَبَّةَ خَزٍّ تَحْتَ أَثْنَاءِ السَّرَاوِيلِ، وَأَدْخَلَ أَسْفَلَهَا تَحْتَ الْمِنْطَقَةِ، وَأُمُّهُ تَقُولُ لَهُ: الْبَسْ ثِيَابَكَ مُشَمَّرَةً. فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: إِنِّي إِذَا أَعْرِفُ يَوْمِي أَصْبِرْ وَإِنَّمَا يَعْرِفُ يَوْمَهُ الْحُرُّ

стр. 1842

إِذْ بَعْضُهُمْ يَعْرِفُ ثُمَّ يُنْكِرْ فَسَمِعَتْهُ فَقَالَتْ: تَصْبِرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَبَوَاكَ أَبُو بَكْرٍ وَالزُّبَيْرُ، وَأُمُّكَ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبَدِ الْمُطَّلِبِ. فَحَمَلَ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ (حَمْلَةً مُنْكَرَةً فَقَتَلَ مِنْهُمْ، ثُمَّ انْكَشَفَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: لَوْ لَحِقْتَ بِمَوْضِعِ كَذَا. قَالَ: بِئْسَ الشَّيْخُ أَنَا إِذًا فِي الْإِسْلَامِ لَئِنْ أَوْقَعْتُ قَوْمًا فَقُتِلُوا ثُمَّ فَرَرْتُ عَنْ مِثْلِ مَصَارِعِهِمْ. وَدَنَا أَهْلُ الشَّامِ) حَتَّى امْتَلَأَتْ مِنْهُمُ الْأَبْوَابُ، وَكَانُوا يَصِيحُونَ بِهِ: يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ، فَيَقُولُ: وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا وَجَعَلَ أَهْلُ الشَّامِ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ، فَكَانَ لِأَهْلِ حِمْصٍ الْبَابُ الَّذِي يُوَاجِهُ بَابَ الْكَعْبَةِ، وَلِأَهْلِ دِمَشْقَ بَابُ بَنِي شَيْبَةَ، وَلِأَهْلِ الْأُرْدُنِّ بَابُ الصَّفَا، وَلِأَهْلِ فَلَسْطِينَ بَابُ بَنِي جُمَحٍ، وَلِأَهْلِ قِنَّسْرِينَ بَابُ بَنِي تَمِيمٍ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ وَطَارِقٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْأَبْطَحِ إِلَى الْمَرْوَةِ، فَمَرَّةً يَحْمِلُ ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي هَذِهِ النَّاحِيَةِ وَمَرَّةً فِي هَذِهِ النَّاحِيَةِ، فَكَأَنَّهُ أَسَدٌ فِي أَجَمَةٍ مَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، يَعْدُو فِي أَثَرِ الْقَوْمِ حَتَّى يُخْرِجَهُمْ، ثُمَّ يَصِيحُ: أَبَا صَفْوَانَ! وَيْلُ أُمِّهِ فَتْحًا لَوْ كَانَ لَهُ رِجَالٌ: لَوْ كَانَ قِرْنِي وَاحِدًا كَفَيْتُهُ! فَيَقُولُ أَبُو صَفْوَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ: إِي وَاللَّهِ وَأَلْفُ. فَلَمَّا رَأَى الْحَجَّاجُ أَنَّ النَّاسَ لَا يُقْدِمُونَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ غَضِبَ وَتَرَجَّلَ، وَأَقْبَلَ يَسُوقُ

стр. 1843

النَّاسَ وَيَصْمُدُ بِهِمْ صَمْدَ صَاحِبِ عَلَمِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَتَقَدَّمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى صَاحِبِ عَلَمِهِ وَضَارَبَهُمْ وَانْكَشَفُوا، وَعَرَجَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْمَقَامِ، فَحَمَلُوا عَلَى صَاحِبِ عَلَمِهِ فَقَتَلُوهُ عِنْدَ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، وَصَارَ الْعَلَمُ بِأَيْدِي أَصْحَابِ الْحَجَّاجِ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ تَقَدَّمَ فَقَاتَلَ بِغَيْرِ عَلَمٍ، فَضَرَبَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَقَالَ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْحَوَارِيِّ! وَضَرَبَ آخَرُ وَكَانَ حَبَشِيًّا، فَقَطَعَ يَدَهُ وَقَالَ: اصْبِرْ أَبَا حُمَمَةَ، اصْبِرِ ابْنَ حَامٍ. وَقَاتَلَ مَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا الَّذِي فَرَرْتُ يَوْمَ الْحَرَّهْ ... وَالْحُرُّ لَا يَفِرُّ إِلَّا مَرَّهْ وَالْيَوْمَ أَجْزِي فَرَّةً بِكَرَّهْ وَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَصَابَتْهُ جِرَاحٌ فَمَاتَ مِنْهَا بَعْدَ أَيَّامٍ. وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِأَصْحَابِهِ وَأَهْلِهِ - يَوْمَ قُتِلَ - بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ: اكْشِفُوا وُجُوهَكُمْ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْكُمْ - وَعَلَيْهِمُ الْمَغَافِرُ -. فَفَعَلُوا. فَقَالَ: يَا آلَ الزُّبَيْرِ، لَوْ طِبْتُمْ بِي نَفْسًا عَنْ أَنْفُسِكُمْ كُنَّا أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ الْعَرَبِ اصْطَلَحْنَا فِي اللَّهِ، فَلَا يَرُعْكُمْ وَقْعُ السُّيُوفِ، فَإِنَّ أَلَمَ الدَّوَاءِ لِلْجِرَاحِ أَشَدُّ مِنْ أَلَمِ وَقْعِهَا، صُونُوا سُيُوفَكُمْ كَمَا تَصُونُونَ وُجُوهَكُمْ، غُضُّوا أَبْصَارَكُمْ مِنَ الْبَارِقَةِ، وَلْيَشْغَلْ كُلَّ امْرِئٍ قِرْنُهُ، وَلَا تَسْأَلُوا عَنِّي، فَمَنْ كَانَ سَائِلًا عَنِّي فَإِنِّي فِي الرَّعِيلِ الْأَوَّلِ، احْمِلُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ. ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِمْ حَتَّى بَلَغَ بِهِمُ الْحَجُونَ، فَرُمِيَ بِآجُرَّةٍ، رَمَاهُ رَجُلٌ مِنَ السَّكُونِ، فَأَصَابَتْهُ فِي وَجْهِهِ، فَأُرْعِشَ لَهَا وَدَمِيَ وَجْهُهُ، فَلَمَّا وَجَدَ الدَّمَ عَلَى وَجْهِهِ قَالَ: فَلَسْنَا عَلَى الْأَعْقَابِ تُدْمَى كُلُومُنَا ... وَلَكِنْ عَلَى أَقْدَامِنَا تَقْطُرُ الدِّمَا وَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، فَتَعَاوَرُوا عَلَيْهِ، فَقَتَلُوهُ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ وَلَهُ

стр. 1844

ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَتَوَلَّى قَتْلَهُ رَجُلٌ مِنْ مُرَادٍ، وَحَمَلَ رَأْسَهُ إِلَى الْحَجَّاجِ فَسَجَدَ، وَوَفَّدَ السَّكُونِيَّ وَالْمُرَادِيَّ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بِالْخَبَرِ، فَأَعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ. وَسَارَ الْحَجَّاجُ وَطَارِقٌ حَتَّى وَقَفَا عَلَيْهِ، فَقَالَ طَارِقٌ: مَا وَلَدَتِ النِّسَاءُ أَذْكَرَ مِنْ هَذَا. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: أَتَمْدَحُ مُخَالِفَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ هُوَ أَعْذَرُ لَنَا، وَلَوْلَا هَذَا لَمَا كَانَ لَنَا عُذْرٌ، إِنَّا مُحَاصِرُوهُ مُنْذُ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ وَهُوَ فِي غَيْرِ جُنْدٍ وَلَا حِصْنٍ وَلَا مَنَعَةٍ، فَيَنْتَصِفُ مِنَّا، بَلْ يَفْضُلُ عَلَيْنَا. فَبَلَغَ كَلَامُهُمَا عَبْدَ الْمَلِكِ، فَصَوَّبَ طَارِقًا. وَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ كَبَّرَ أَهْلُ الشَّامِ فَرَحًا بِقَتْلِهِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: انْظُرُوا إِلَى هَؤُلَاءِ، وَلَقَدْ كَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ فَرَحًا بِوِلَادَتِهِ، وَهَؤُلَاءِ يُكَبِّرُونَ [فَرَحًا] بِقَتْلِهِ. وَبَعَثَ الْحَجَّاجُ بِرَأْسِهِ وَرَأْسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ وَرَأْسِ عِمَارَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ ذُهِبَ بِهَا إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَأَخَذَ جُثَّتَهُ فَصَلَبَهَا عَلَى الثَّنِيَّةِ الْيُمْنَى بِالْحَجُونِ. فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أَسْمَاءُ: قَاتَلَكَ اللَّهُ! عَلَى مَاذَا صَلَبْتَهُ؟ قَالَ: اسْتَبَقْتُ أَنَا وَهُوَ إِلَى هَذِهِ الْخَشَبَةِ وَكَانَتْ لَهُ. فَاسْتَأْذَنَتْهُ فِي تَكْفِينِهِ وَدَفْنِهِ، فَأَبَى وَوَكَّلَ بِالْخَشَبَةِ مَنْ يَحْرُسُهَا، وَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يُخْبِرُهُ بِصَلْبِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَلُومُهُ وَيَقُولُ: أَلَا خَلَّيْتَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّهِ! فَأَذِنَ لَهَا الْحَجَّاجُ، فَدَفَنَتْهُ بِالْحَجُونِ، فَمَرَّ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا خُبَيْبٍ! أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، وَلَقَدْ كُنْتَ صَوَّامًا قَوَّامًا وَصُولًا لِلرَّحِمِ، أَمَا وَاللَّهِ إِنَّ قَوْمًا أَنْتَ شَرُّهُمْ لَنِعْمَ الْقَوْمُ. وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ قَبْلَ قَتْلِهِ بَقِيَ أَيَّامًا يَسْتَعْمِلُ الصَّبْرَ وَالْمِسْكَ لِئَلَّا يُنْتِنَ، فَلَمَّا صُلِبَ ظَهَرَتْ مِنْهُ رَائِحَةُ الْمِسْكِ، فَقِيلَ: (إِنَّ الْحَجَّاجَ صَلَبَ مَعَهُ كَلْبًا مَيِّتًا، فَغَلَبَ عَلَى رِيحِ الْمِسْكِ، وَقِيلَ: بَلْ صَلَبَ مَعَهُ سِنَّوْرًا) . وَلَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ رَكِبَ أَخُوهُ عُرْوَةُ نَاقَةً لَمْ يُرَ مِثْلُهَا، فَسَارَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَقَدِمَ الشَّامَ قَبْلَ وُصُولِ رُسُلِ الْحَجَّاجِ بِقَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ، فَأَتَى بَابَ عَبْدِ الْمَلِكِ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأَذِنَ

стр. 1845

لَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ سَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ وَرَحَّبَ بِهِ وَعَانَقَهُ، وَأَجْلَسَهُ عَلَى السَّرِيرِ، فَقَالَ عُرْوَةُ: مَتَّتْ بِأَرْحَامٍ إِلَيْكَ قَرِيبَةٍ ... وَلَا قُرْبَ لِلْأَرْحَامِ مَا لَمْ تُقَرَّبِ ثُمَّ تَحَدَّثَا حَتَّى جَرَى ذِكْرُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ عُرْوَةُ: إِنَّهُ كَانَ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَمَا فَعَلَ؟ قَالَ: قُتِلَ. فَخَرَّ سَاجِدًا، فَقَالَ عُرْوَةُ: إِنَّ الْحَجَّاجَ صَلَبَهُ، فَهَبْ جُثَّتَهُ لِأُمِّهِ. قَالَ: نَعَمْ. وَكَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ يُعَظِّمُ صَلْبَهُ. وَكَانَ الْحَجَّاجُ لَمَّا فَقَدَ عُرْوَةَ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يَقُولُ لَهُ: إِنَّ عُرْوَةَ كَانَ مَعَ أَخِيهِ، فَلَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ أَخَذَ مَالًا مِنْ مَالِ اللَّهِ فَهَرَبَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِنَّهُ لَمْ يَهْرَبْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي مُبَايِعًا وَقَدْ آمَنْتُهُ وَحَلَّلْتُهُ مِمَّا كَانَ، وَهُوَ قَادِمٌ عَلَيْكَ فَإِيَّاكَ وَعُرْوَةَ. وَعَادَ عُرْوَةُ إِلَى مَكَّةَ، وَكَانَتْ غَيْبَتُهُ عَنْهَا ثَلَاثِينَ يَوْمًا. فَأَنْزَلَ الْحَجَّاجُ جُثَّةَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْخَشَبَةِ وَبَعَثَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ، فَغَسَّلَتْهُ، فَلَمَّا أَصَابَهُ الْمَاءُ تَقَطَّعَ، فَغَسَّلَتْهُ عُضْوًا عُضْوًا فَاسْتَمْسَكَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عُرْوَةُ، فَدَفَنَتْهُ. وَقِيلَ: إِنَّ عُرْوَةَ لَمَّا كَانَ غَائِبًا عِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ كَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ وَعَاوَدَهُ فِي إِنْفَاذِ عُرْوَةَ إِلَيْهِ، فَهَمَّ عَبْدُ الْمَلِكِ بِإِنْفَاذِهِ فَقَالَ عُرْوَةُ: لَيْسَ الذَّلِيلُ مَنْ قَتَلْتُمُوهُ، وَلَكِنَّ الذَّلِيلَ مَنْ مَلَكْتُمُوهُ، وَلَيْسَ بِمَلُومٍ مَنْ صَبَرَ فَمَاتَ، وَلَكِنَّ الْمَلُومَ مَنْ فَرَّ مِنَ الْمَوْتِ. فَسَمِعَ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، لَنْ تَسْمَعَ مِنَّا شَيْئًا تَكْرَهُهُ. وَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ أَحَدٌ، مَنَعَ الْحَجَّاجُ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّمَا أَمَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِدَفْنِهِ، وَقِيلَ: صَلَّى عَلَيْهِ غَيْرُ عُرْوَةَ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أُلْقِيَ فِي مَقَابِرِ الْيَهُودِ، وَعَاشَتْ أُمُّهُ بَعْدَهُ قَلِيلًا وَمَاتَتْ، وَكَانَتْ قَدْ أُضِرَّتْ، وَهِيَ أُمُّ عُرْوَةَ أَيْضًا. فَلَمَّا فَرَغَ الْحَجَّاجُ مِنْ أَمْرِ ابْنِ الزُّبَيْرِ دَخَلَ مَكَّةَ، فَبَايَعَهُ أَهْلُهَا لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَأَمَرَ بِكَنْسِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالدَّمِ، وَسَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ قَدِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَقَامَ بِهَا شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ، فَأَسَاءَ إِلَى أَهْلِهَا وَاسْتَخَفَّ بِهِمْ، وَقَالَ: أَنْتُمْ قَتَلَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ، وَخَتَمَ أَيْدِي جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالرُّصَاصِ اسْتِخْفَافًا بِهِمْ، كَمَا يُفْعَلُ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ، مِنْهُمْ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ،

стр. 1846

وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، ثُمَّ عَادَ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ حِينَ خَرَجَ مِنْهَا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْرَجَنِي مِنْ (أُمِّ نَتَنٍ) ، أَهْلُهَا أَخْبَثُ بَلَدٍ وَأَغَشُّهُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَحْسَدُهُمْ لَهُ عَلَى نِعْمَةِ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ مَا كَانَتْ تَأْتِينِي كُتُبُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِيهِمْ لَجَعَلْتُهَا مِثْلَ جَوْفِ الْحِمَارِ أَعْوَادًا يَعُودُونَ بِهَا، وَرِمَّةً قَدْ بَلِيَتْ، يَغُولُونَ مِنْبَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَبَلَغَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَوْلُهُ فَقَالَ: إِنَّ وَرَاءَهُ مَا يَسُوءُهُ، قَدْ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا قَالَ، ثُمَّ أَخَذَهُ اللَّهُ بَعْدَ أَنْ أَنْظَرَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ وِلَايَةَ الْحَجَّاجِ الْمَدِينَةَ وَمَا فَعَلَهُ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ فِي صَفَرٍ. (خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَبِبَائَيْنِ مُوَحَّدَتَيْنِ بَيْنَهُمَا يَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ تَحْتٍ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُكَنَّى بِهِ وَبِأَبِي بَكْرٍ أَيْضًا) . ذِكْرُ عُمُرِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَسِيرَتِهِ كَانَ لَهُ مِنَ الْعُمُرِ حِينَ قُتِلَ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ تِسْعَ سِنِينَ، لِأَنَّهُ بُويِعَ لَهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، وَكَانَتْ لَهُ جَمَّةٌ مَفْرُوقَةٌ طَوِيلَةٌ. قَالَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِذَا سَجَدَ وَقَعَتِ الْعَصَافِيرُ عَلَى ظَهْرِهِ، تَظُنُّهُ حَائِطًا لِسُكُونِهِ وَطُولِ سُجُودِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: قَسَّمَ عَبْدُ اللَّهِ الدَّهْرَ ثَلَاثَ حَالَاتٍ: فَلَيْلَةٌ قَائِمٌ حَتَّى الصَّبَاحِ، وَلَيْلَةٌ رَاكِعٌ حَتَّى الصَّبَاحِ، وَلَيْلَةٌ سَاجِدٌ حَتَّى الصَّبَاحِ. وَقِيلَ: أَوَّلُ مَا عُلِمَ مِنْ هِمَّةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ وَهُوَ صَبِيٌّ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَصَاحَ عَلَيْهِمْ فَفَرُّوا، وَمَشَى ابْنُ الزُّبَيْرِ الْقَهْقَرَى وَقَالَ: يَا صِبْيَانُ، اجْعَلُونِي أَمِيرَكُمْ، وَشُدُّوا بِنَا عَلَيْهِ. فَفَعَلُوا. وَمَرَّ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَلْعَبُ، فَفَرَّ

стр. 1847

الصِّبْيَانُ وَوَقَفَ هُوَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا لَكَ لَمْ تَفِرَّ مَعَهُمْ؟ فَقَالَ: لَمْ أُجْرِمْ فَأَخَافَكَ، وَلَمْ تَكُنِ الطَّرِيقُ ضَيِّقَةً فَأُوَسِّعَ لَكَ. وَقَالَ قَطَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُوَاصِلُ مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ. قَالَ خَالِدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُفْطِرُ فِي الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَمَكَثَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ يَنْزِعْ (ثِيَابَهُ عَنْ ظَهْرِهِ) . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَمْ يَكُنْ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْعِبَادَةِ يَعْجِزُ عَنْهُ النَّاسُ إِلَّا تَكَلَّفَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَلَقَدْ جَاءَ سَيْلٌ طَبَّقَ الْبَيْتَ، فَجَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَطُوفُ سِبَاحَةً. قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: كَانَ أَوَّلَ مَا أَفْصَحَ بِهِ عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَهُوَ صَغِيرٌ - السَّيْفُ، فَكَانَ لَا يَضَعُهُ مِنْ يَدِهِ، فَكَانَ الزُّبَيْرُ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَيَكُونَنَّ لَكَ مِنْهُ يَوْمٌ وَأَيَّامٌ. قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: مَا شَيْءٌ كَانَ يُحَدِّثُنَا بِهِ كَعْبٌ إِلَّا وَقَدْ جَاءَ عَلَى مَا قَالَ إِلَّا قَوْلَهُ: فَتَى ثَقِيفٍ يَقْتُلُنِي، وَهَذَا رَأْسُهُ بَيْنَ يَدَيَّ - يَعْنِي الْمُخْتَارَ -. قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: وَلَا يَشْعُرُ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ الْحَجَّاجَ قَدْ خُبِّئَ لَهُ. وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي جَمِيلَةَ الْأَنْصَارِيُّ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ مَرَّ بِابْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ مَصْلُوبٌ بَعْدَ قَتْلِهِ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ أَبَا خُبَيْبٍ! إِنَّكَ كُنْتَ لَصَوَّامًا قَوَّامًا، وَلَقَدْ أَفْلَحَتْ قُرَيْشٌ إِنْ كُنْتَ شَرَّهَا. وَكَانَ الْحَجَّاجُ قَدْ صَلَبَهُ، ثُمَّ أَلْقَاهُ فِي مَقَابِرِ الْيَهُودِ، وَأَرْسَلَ إِلَى أُمِّهِ يَسْتَحْضِرُهَا، فَلَمْ تَحْضُرْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا: لَتَأْتِيَنِّي أَوْ لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكِ مَنْ يَسْحَبُكِ بِقُرُونِكِ. فَلَمْ تَأْتِهِ، فَقَامَ إِلَيْهَا. فَلَمَّا حَضَرَ قَالَ لَهَا: كَيْفَ رَأَيْتِنِي صَنَعْتُ بِعَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عَلَى ابْنِي دُنْيَاهُ، وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَنَا «أَنَّ فِي ثَقِيفٍ (كَذَّابًا وَمُبِيرًا» ، فَأَمَّا الْكَذَّابُ) فَقَدْ رَأَيْنَاهُ - تَعْنِي الْمُخْتَارَ - وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَأَنْتَ هُوَ. وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ.

стр. 1848

وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ: أَتَذْكُرُ يَوْمَ لَقِينَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَأَنْتَ، فَأَخَذَ ابْنَيْ فَاطِمَةَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ فَحَمَلَنَا وَتَرَكَكَ. وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يَقُولُ لَهُ هَذَا مَا سَأَلَهُ. ذِكْرُ وِلَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ الْجَزِيرَةَ وَأَرْمِينِيَّةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ أَخَاهُ مُحَمَّدًا عَلَى الْجَزِيرَةِ وَأَرْمِينِيَّةَ، فَغَزَا مِنْهَا وَأَثْخَنَ [فِي] الْعَدُوِّ، وَكَانَتْ بُحَيْرَةُ الطِّرِّيخِ الَّتِي بِأَرْمِينِيَّةَ مُبَاحَةً لَمْ يَعْرِضْ لَهَا أَحَدٌ، بَلْ يَأْخُذُ مِنْهَا مَنْ شَاءَ، فَمَنَعَ مِنْ صَيْدِهَا، وَجَعَلَ عَلَيْهَا مَنْ يَأْخُذُهُ وَيَبِيعُهُ وَيَأْخُذُ ثَمَنَهُ، ثُمَّ صَارَتْ بَعْدَهُ لِابْنِهِ مَرْوَانَ، ثُمَّ أُخِذَتْ مِنْهُ لَمَّا انْتَقَلَتِ الدَّوْلَةُ عَنْهُمْ، وَهِيَ إِلَى الْآنَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ مِنَ الْحَجَرِ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ. وَهَذَا الطِّرِّيخُ مِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا ; لِأَنَّ سَمَكَهُ صَغِيرٌ، لَهُ كُلُّ سَنَةٍ مَوْسِمٌ، يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ فِي نَهْرٍ يَصُبُّ إِلَيْهَا كَثِيرًا، يُؤْخَذُ بِالْأَيْدِي وَالْآلَاتِ الْمَصْنُوعَةِ لَهُ، فَإِذَا انْقَضَى مَوْسِمُهُ لَا يُوجَدُ مِنْهُ شَيْءٌ. ذِكْرُ قَتْلِ أَبِي فُدَيْكٍ الْخَارِجِيِّ قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ قَتْلَ نَجْدَةَ بْنِ عَامِرٍ الْخَارِجِيِّ وَطَاعَةَ أَصْحَابِهِ أَبَا فُدَيْكٍ، وَثَبَتَ قَدَمُ أَبِي فُدَيْكٍ إِلَى الْآنَ، فَأَمَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ أَنْ يَنْدُبَ النَّاسَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ، وَيَسِيرُ إِلَى قِتَالِهِ، فَنَدَبَهُمْ وَانْتَدَبَ مَعَهُ عَشَرَةَ آلَافٍ، فَأَخْرَجَ لَهُمْ أَرْزَاقَهُمْ، ثُمَّ سَارَ بِهِمْ، وَجَعَلَ أَهْلَ الْكُوفَةِ عَلَى الْمَيْمَنَةِ، وَعَلَيْهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَأَهْلَ الْبَصْرَةِ عَلَى الْمَيْسَرَةِ وَعَلَيْهِمْ عُمَرُ بْنُ مُوسَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي عُمَرَ، وَجَعَلَ خَيْلَهُ فِي الْقَلْبِ، وَسَارُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْبَحْرَيْنِ، فَالْتَقَوْا وَاصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ، فَحَمَلَ أَبُو فُدَيْكٍ وَأَصْحَابُهُ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَكَشَفُوا مَيْسَرَةَ عُمَرَ حَتَّى أَبْعَدُوا، إِلَّا الْمُغِيرَةَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، وَمُجَّاعَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَفُرْسَانَ النَّاسِ، فَإِنَّهُمْ مَالُوا إِلَى صَفِّ أَهْلِ الْكُوفَةِ بِالْمَيْمَنَةِ، وَجُرِحَ عُمَرُ بْنُ مُوسَى. فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ الْمَيْسَرَةِ أَهْلَ الْمَيْمَنَةِ لَمْ يَنْهَزِمُوا رَجَعُوا وَقَاتَلُوا وَمَا عَلَيْهِمْ أَمِيرٌ، لِأَنَّ

стр. 1849

أَمِيرَهُمْ عُمَرَ بْنَ مُوسَى كَانَ جَرِيحًا، فَحَمَلُوهُ مَعَهُمْ، وَاشْتَدَّ قِتَالُهُمْ حَتَّى دَخَلُوا عَسْكَرَ الْخَوَارِجِ، وَحَمَلَ أَهْلُ الْكُوفَةِ مِنَ الْمَيْمَنَةِ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَيْسَرَةِ حَتَّى اسْتَبَاحُوا عَسْكَرَهُمْ، وَقَتَلُوا أَبَا فُدَيْكٍ، وَحَصَرُوا أَصْحَابَهُ بِالْمُشَقَّرِ، فَنَزَلُوا عَلَى الْحُكْمِ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ نَحْوُ سِتَّةِ آلَافٍ وَأُسِرَ ثَمَانُمِائَةٍ، وَوَجَدُوا جَارِيَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ حُبْلَى مِنْ أَبِي فُدَيْكٍ، وَعَادُوا إِلَى الْبَصْرَةِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْبَصْرَةِ، وَوَلَّاهَا أَخَاهُ بِشْرًا، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، فَاجْتَمَعَ لَهُ الْمِصْرَانِ الْكُوفَةُ وَالْبَصْرَةُ، فَسَارَ بِشْرٌ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْكُوفَةِ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ. وَفِيهَا غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ الرُّومَ صَائِفَةً فَهَزَمَهُمْ، وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ عُثْمَانَ بْنِ الْوَلِيدِ بِالرُّومِ مِنْ نَاحِيَةِ أَرْمِينِيَّةَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَالرُّومُ فِي سِتِّينَ أَلْفًا، فَهَزَمَهُمْ وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهِمْ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ الْحَجَّاجُ، وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ وَالْيَمَنِ وَالْيَمَامَةِ. وَكَانَ عَلَى الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ، وَقِيلَ: كَانَ عَلَى الْكُوفَةِ بِشْرٌ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ شُرَيْحُ بْنُ الْحَارِثِ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ هِشَامُ بْنُ هُبَيْرَةَ، وَعَلَى خُرَاسَانَ بُكَيْرُ بْنُ وَسَّاجٍ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بِمَكَّةَ، وَدُفِنَ بِذِي طَوًى، وَقِيلَ بِفَخٍّ، وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّ الْحَجَّاجَ أَمَرَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ فَضَرَبَ ظَهْرَ قَدَمِهِ بِزُجِّ رُمْحٍ مَسْمُومٍ، فَمَاتَ مِنْهَا، وَعَادَهُ الْحَجَّاجُ فِي مَرَضِهِ، فَقَالَ: مَنْ فَعَلَ بِكَ هَذَا؟ قَالَ: أَنْتَ ; لِأَنَّكَ أَمَرْتَ بِحَمْلِ السِّلَاحِ فِي بَلَدٍ لَا يَحِلُّ حَمْلُهُ فِيهِ. وَكَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ غَيْرُ

стр. 1850

ذَلِكَ، وَكَانَ عُمُرُهُ سَبْعًا وَثَمَانِينَ سَنَةً. وَفِيهَا مَاتَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ. وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ. وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ. وَمَالِكُ بْنُ مِسْمَعٍ أَبُو غَسَّانَ الْبَكْرِيُّ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، وَوُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَتُوُفِّيَ سَلْمُ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَبِيهِ قَبْلَ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ. وَأَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ ابْنِهَا بِقَلِيلٍ، وَكَانَتْ قَدْ عَمِيَتْ، وَكَانَتْ مُطَلَّقَةً مِنَ الزُّبَيْرِ، قِيلَ: إِنَّ ابْنَهَا عَبْدَ اللَّهِ قَالَ لَهُ: مِثْلِي لَا تُوطَأُ أُمُّهُ، فَطَلَّقَهَا. وَفِيهَا مَاتَ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ، وَكَانَ أَوَّلَ مَشَاهِدِهِ خَيْبَرُ. وَمُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ قَبْلَ ابْنِ عُمَرَ بِيَسِيرٍ. وَفِيهَا مَاتَ مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَلَهُ صُحْبَةٌ. وَفِيهَا قُتِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَلَهُ صُحْبَةٌ. رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ. وَمُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ بِضَمِّ الْحَاءِ، وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَآخِرُهُ جِيمٌ.

стр. 1851

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ] ٧٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ طَارِقًا عَنِ الْمَدِينَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّاجَ، فَأَقَامَ بِهَا شَهْرًا، وَفَعَلَ بِالصَّحَابَةِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَخَرَجَ عَنْهَا مُعْتَمِرًا. وَفِيهَا هَدَمَ الْحَجَّاجُ بِنَاءَ الْكَعْبَةِ الَّذِي كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بَنَاهُ، وَأَعَادَهَا إِلَى الْبِنَاءِ الْأَوَّلِ، وَأَخْرَجَ الْحِجْرَ مِنْهَا، وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَقُولُ: كَذَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى عَائِشَةَ فِي أَنَّ الْحِجْرَ مِنَ الْبَيْتِ، فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: قَالَ غَيْرُ ابْنِ الزُّبَيْرِ: إِنَّهَا رَوَتْ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَدِدْتُ أَنِّي تَرَكْتُهُ وَمَا يُحَمَّلُ. وَفِيهَا اسْتَقْضَى عَبْدُ الْمَلِكِ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ. ذِكْرُ وِلَايَةِ الْمُهَلَّبِ حَرْبَ الْأَزَارِقَةِ لَمَّا اسْتَعْمَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ أَخَاهُ بِشْرًا عَلَى الْبَصْرَةِ سَارَ إِلَيْهَا، فَأَتَاهُ كِتَابُ عَبْدِ الْمَلِكِ يَأْمُرُهُ أَنْ يَبْعَثَ الْمُهَلَّبَ إِلَى حَرْبِ الْأَزَارِقَةِ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَوُجُوهِهِمْ، وَكَانَ يَنْتَخِبُ مِنْهُمْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتْرُكَهُ وَرَاءَهُ فِي الْحَرْبِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَبْعَثَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ رَجُلًا شَرِيفًا مَعْرُوفًا بِالْبَأْسِ وَالنَّجْدَةِ وَالتَّجْرِبَةِ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ إِلَى الْمُهَلَّبِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتْبَعُوا الْخَوَارِجَ أَيْنَ كَانُوا حَتَّى يُهْلِكُوهُمْ. فَأَرْسَلَ الْمُهَلَّبُ جُدَيْعَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ قَبِيصَةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَنْتَخِبَ النَّاسَ مِنَ الدِّيوَانِ،

стр. 1852

وَشَقَّ عَلَى بِشْرٍ أَنَّ إِمْرَةَ الْمُهَلَّبِ جَاءَتْ مِنْ [قِبَلِ] عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَوْغَرَتْ صَدْرَهُ عَلَيْهِ حَتَّى كَأَنَّهُ أَذْنَبَ إِلَيْهِ، فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مِخْنَفٍ فَقَالَ لَهُ: قَدْ عَرَفْتَ مَنْزِلَتَكَ عِنْدِي، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أُوَلِّيَكَ هَذَا الْجَيْشَ الَّذِي أُسَيِّرُهُ مِنَ الْكُوفَةِ لِلَّذِي عَرَفْتُهُ مِنْكَ، فَكُنْ عِنْدَ أَحْسَنِ ظَنِّي بِكَ، وَانْظُرْ إِلَى هَذَا الْكَذَا كَذَا، يَقَعُ فِي الْمُهَلَّبِ، فَاسْتَبِدَّ عَلَيْهِ بِالْأَمْرِ، وَلَا تَقْبَلَنَّ لَهُ مَشُورَةً وَلَا رَأْيًا، وَتَنَقَّصْهُ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَتَرَكَ أَنْ يُوصِيَنِي بِالْجَيْشِ، وَقِتَالِ الْعَدُوِّ، وَالنَّظَرِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَأَقْبَلَ يُغْرِينِي بِابْنِ عَمِّي كَأَنِّي مِنَ السُّفَهَاءِ، مَا رَأَيْتُ شَخْصًا مِثْلِي طُمِعَ مِنْهُ فِي مِثْلِ هَذَا، قَالَ: فَلَمَّا رَأَى أَنِّي لَسْتُ بِنَشِيطٍ إِلَى جَوَابِهِ قَالَ لِي: مَا لَكَ؟ قُلْتُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، وَهَلْ يَسَعُنِي إِلَّا إِنْفَاذُ أَمْرِكَ فِيمَا أَحْبَبْتُ وَكَرِهْتُ! وَسَارَ الْمُهَلَّبُ حَتَّى نَزَلَ رَامَهُرْمُزَ، فَلَقِيَ بِهَا الْخَوَارِجَ فَخَنْدَقَ عَلَيْهِ، وَأَقْبَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ وَمَعَهُ بِشْرُ بْنُ جَرِيرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، وَزَحْرُ بْنُ قَيْسٍ، فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى مِيلٍ مِنَ الْمُهَلَّبِ، حَيْثُ يَتَرَاءَى الْعَسْكَرَانِ بِرَامَهُرْمُزَ، فَلَمْ يَلْبَثِ الْعَسْكَرُ إِلَّا عَشْرًا حَتَّى أَتَاهُمْ نَعْيُ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ، تُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ، فَتَفَرَّقَ نَاسٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ، وَاسْتَخْلَفَ بِشْرٌ عَلَى الْبَصْرَةِ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ، وَكَانَ خَلِيفَتَهُ عَلَى الْكُوفَةِ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ. وَكَانَ الَّذِينَ انْصَرَفُوا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ زَحْرُ بْنُ قَيْسٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ، فَأَتَوُا الْأَهْوَازَ، فَاجْتَمَعَ بِهَا نَاسٌ كَثِيرٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ يَأْمُرُهُمْ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْمُهَلَّبِ، وَيُهَدِّدُهُمْ - إِنْ لَمْ يَفْعَلُوا - بِالضَّرْبِ وَالْقَتْلِ، وَيُحَذِّرُهُمْ عُقُوبَةَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا قَرَأَ الرَّسُولُ مِنَ الْكِتَابِ عَلَيْهِمْ سَطْرًا أَوْ سَطْرَيْنِ قَالَ زَحْرٌ: أَوْجِزْ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ لَمْ يَلْتَفِتِ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَأَقْبَلَ زَحْرٌ وَمَنْ مَعَهُ حَتَّى نَزَلُوا إِلَى جَانِبِ الْكُوفَةِ، وَأَرْسَلَ إِلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ: إِنَّ النَّفَرَ لَمَّا بَلَغَهُمْ وَفَاةُ الْأَمِيرِ تَفَرَّقُوا، فَأَقْبَلْنَا إِلَى مِصْرِنَا وَأَحْبَبْنَا أَلَّا نَدْخُلَ إِلَّا بِإِذْنِ الْأَمِيرِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ عَوْدَهُمْ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْمُهَلَّبِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْكُوفَةِ، فَانْتَظَرُوا اللَّيْلَ ثُمَّ دَخَلُوا إِلَى بُيُوتِهِمْ، فَأَقَامُوا حَتَّى قَدِمَ الْحَجَّاجُ أَمِيرًا.

стр. 1853

ذِكْرُ عَزْلِ بُكَيْرٍ عَنْ خُرَاسَانَ، وَوِلَايَةِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ بُكَيْرَ بْنَ وَسَّاجٍ عَنْ خُرَاسَانَ، وَوَلَّاهَا أُمَيَّةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ، وَكَانَتْ وِلَايَةُ بُكَيْرٍ سَنَتَيْنِ. وَكَانَ سَبَبُ عَزْلِهِ أَنَّ تَمِيمًا اخْتَلَفَتْ بِهَا، فَصَارَتْ مُقَاعِسُ وَالْبُطُونُ يَتَعَصَّبُونَ لِبَحِيرٍ، وَيَطْلُبُونَ بُكَيْرًا، وَصَارَتْ عَوْفٌ وَالْأَبْنَاءُ يَتَعَصَّبُونَ لِبُكَيْرٍ، وَكُلُّ هَذِهِ بُطُونٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَخَافَ أَهْلُ خُرَاسَانَ أَنْ تَعُودَ الْحَرْبُ وَتَفْسَدَ الْبِلَادُ وَيَقْهَرَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، فَكَتَبُوا إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بِذَلِكَ، وَأَنَّهَا لَا تَصْلُحُ إِلَّا عَلَى رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ لَا يَحْسُدُونَهُ وَلَا يَتَعَصَّبُونَ عَلَيْهِ، فَاسْتَشَارَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِيمَنْ يُوَلِّيهِ، فَقَالَ أُمَيَّةُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، تَدَارَكْهُمْ بِرَجُلٍ مِنْكَ. قَالَ: لَوْلَا انْهِزَامُكَ عَنْ أَبِي فُدَيْكٍ كُنْتَ لَهَا. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهِ مَا انْهَزَمْتُ حَتَّى خَذَلَنِيَ النَّاسُ، وَلَمْ أَجِدْ مُقَاتِلًا، فَرَأَيْتُ أَنَّ انْحِيَازِي إِلَى فِئَةٍ أَفْضَلُ مِنْ تَعْرِيضِي عُصْبَةً بَقِيَتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِلْهَلَكَةِ، وَقَدْ كَتَبَ إِلَيْكَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِعُذْرِي، وَقَدْ عَلِمَ النَّاسُ ذَلِكَ. فَوَلَّاهُ خُرَاسَانَ. وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ يُحِبُّهُ، فَقَالَ النَّاسُ: مَا رَأَيْنَا أَحَدًا عُوِّضَ مِنْ هَزِيمَةٍ مَا عُوِّضَ أُمَيَّةُ. فَلَمَّا سَمِعَ بُكَيْرٌ بِمَسِيرِهِ أَرْسَلَ إِلَى بَحِيرٍ وَهُوَ فِي حَبْسِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي مَقْتَلِ ابْنِ خَازِمٍ، يَطْلُبُ مِنْهُ الصُّلْحَ، فَامْتَنَعَ بَحِيرٌ وَقَالَ: ظَنَّ بُكَيْرٌ أَنَّ خُرَاسَانَ تَبْقَى لَهُ فِي الْجَمَاعَةِ. وَمَشَتِ السُّفَرَاءُ بَيْنَهُمْ، فَأَبَى ذَلِكَ بَحِيرٌ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ ضِرَارُ بْنُ حُصَيْنٍ الضَّبِّيُّ فَقَالَ: أَرَاكَ أَحْمَقَ! يُرْسِلُ إِلَيْكَ ابْنُ عَمِّكَ يَعْتَذِرُ إِلَيْكَ، وَأَنْتَ أَسِيرُهُ وَالسَّيْفُ بِيَدِهِ، وَلَوْ قَتَلَكَ مَا حَبِقْتَ، فَلَا تَقْبَلُ مِنْهُ؟ ! اقْبَلِ الصُّلْحَ، وَاخْرُجْ وَأَنْتَ عَلَى رَأْسِ أَمْرِكَ. فَقَبِلَ مِنْهُ وَصَالَحَ بُكَيْرًا. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بُكَيْرٌ بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَأَخَذَ عَلَيْهِ أَلَّا يُقَاتِلَهُ، وَخَرَجَ بَحِيرٌ فَأَقَامَ يَسْأَلُ عَنْ مَسِيرِ أُمَيَّةَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّهُ قَدْ قَارَبَ نَيْسَابُورَ سَارَ إِلَيْهِ وَلَقِيَهُ بِهَا، فَأَخْبَرَهُ عَنْ خُرَاسَانَ وَمَا يَحْسُنُ بِهِ طَاعَةُ أَهْلِهَا، وَرَفَعَ عَلَى بُكَيْرٍ أَمْوَالًا أَخَذَهَا، وَحَذَّرَهُ غَدْرَهُ وَسَارَ مَعَهُ حَتَّى قَدِمَ مَرْوَ، وَكَانَ أُمَيَّةُ كَرِيمًا، وَلَا يَعَرِضُ لِبُكَيْرٍ وَلَا لِعُمَّالِهِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِ شُرْطَتَهُ فَأَبَى، فَوَلَّاهَا بَحِيرَ بْنَ وَرْقَاءَ، فَلَامَ بُكَيْرًا رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ: كُنْتُ بِالْأَمْسِ أَمِيرًا تُحْمَلُ الْحِرَابُ بَيْنَ يَدَيَّ، فَأَصِيرُ الْيَوْمَ أَحْمِلُ الْحَرْبَةَ! ثُمَّ خَيَّرَ أُمَيَّةُ بُكَيْرًا أَنْ يُوَلِّيَهُ مَا شَاءَ مِنْ خُرَاسَانَ، فَاخْتَارَ طَخَارِسْتَانَ، قَالَ: فَتَجَهَّزَ لَهَا، فَأَنْفَقَ مَالًا كَثِيرًا. فَقَالَ بَحِيرٌ لِأُمَيَّةَ: إِنْ أَتَى طَخَارِسْتَانَ خَلَعَكَ. وَحَذَّرَهُ، فَلَمْ يُولِّهِ.

стр. 1854

أَسِيدٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَكَسْرِ السِّينِ. وَبَحِيرٌ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكَسْرِ الْحَاءِ. ذِكْرُ وِلَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ سِجِسْتَانَ لَمَّا وَصَلَ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى كَرْمَانَ اسْتَعْمَلَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ عَلَى سِجِسْتَانَ، فَلَمَّا قَدِمَهَا غَزَا رُتْبِيلَ الَّذِي مَلَكَ بَعْدَ الْمَقْتُولِ الْأَوَّلِ، وَكَانَ رُتْبِيلُ هَائِبًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا وَصَلَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى بُسْتٍ أَرْسَلَ رُتْبِيلُ يَطْلُبُ الصُّلْحَ وَبَذَلَ أَلْفَ أَلْفٍ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِهَدَايَا وَرَقِيقٍ، فَأَبَى عَبْدُ اللَّهِ قَبُولَ ذَلِكَ وَقَالَ: إِنْ مَلَأَ لِي هَذَا الرِّوَاقَ ذَهَبًا، وَإِلَّا فَلَا صُلْحَ. وَكَانَ غِرًّا، فَخَلَى لَهُ رُتْبِيلُ الْبِلَادَ حَتَّى أَوْغَلَ فِيهَا، وَأَخَذَ عَلَيْهِ الشِّعَابَ وَالْمَضَايِقَ، وَطَلَبَ أَنْ يُخَلِّيَ عَنْهُ وَعَنِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، فَأَبَى رُتْبِيلُ وَقَالَ: بَلْ يَأْخُذُ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ صُلْحًا، وَيَكْتُبُ لَنَا بِهِ كِتَابًا، وَلَا يَغْزُو بِلَادَنَا مَا كُنْتُ أَمِيرًا، وَلَا يَحْرِقْ وَلَا يُخَرِّبْ. فَفَعَلَ، وَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الْمَلِكِ فَعَزَلَهُ. ذِكْرُ وِلَايَةِ حَسَّانَ بْنِ النُّعْمَانِ إِفْرِيقِيَّةَ قَدْ ذَكَرْنَا وِلَايَةَ زُهَيْرِ بْنِ قَيْسٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، وَكَانَ قَتْلُهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ، فَلَمَّا عَلِمَ عَبْدُ الْمَلِكِ قَتْلَهُ عَظُمَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَهَمَّهُ ذَلِكَ، وَشَغَلَهُ عَنْ إِفْرِيقِيَّةَ مَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ، جَهَّزَ جَيْشًا كَثِيرًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى إِفْرِيقِيَّةَ حَسَّانَ بْنَ النُّعْمَانِ الْغَسَّانِيَّ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَيْهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَلَمْ يَدْخُلْ إِفْرِيقِيَّةَ قَطُّ جَيْشٌ مِثْلُهُ. فَلَمَّا وَرَدَ الْقَيْرَوَانَ تَجَهَّزَ مِنْهَا وَسَارَ إِلَى قَرْطَاجَنَّةَ، وَكَانَ صَاحِبُهَا أَعْظَمَ مُلُوكِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَلَمْ يَكُنِ الْمُسْلِمُونَ قَطُّ حَارَبُوهَا، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا رَأَى بِهَا مِنَ الرُّومِ وَالْبَرْبَرِ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً، فَقَاتَلَهُمْ وَحَصَرَهُمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ كَثِيرًا، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ اجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى الْهَرَبِ، فَرَكِبُوا فِي مَرَاكِبِهِمْ، وَسَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى صِقِلِّيَةَ، وَبَعْضُهُمْ إِلَى الْأَنْدَلُسِ، وَدَخَلَهَا حَسَّانُ بِالسَّيْفِ، فَسَبَى وَنَهَبَ، وَقَتَلَهُمْ قَتْلًا ذَرِيعًا، وَأَرْسَلَ الْجُيُوشَ فِيمَا حَوْلَهَا، فَأَسْرَعُوا إِلَيْهِ خَوْفًا، فَأَمَرَهُمْ فَهَدَمُوا مِنْ قَرْطَاجَنَّةَ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ.

стр. 1855

ثُمَّ بَلَغَهُ أَنَّ الرُّومَ وَالْبَرْبَرَ قَدِ اجْتَمَعُوا لَهُ فِي صَطْفُورَةَ وَبَنْزِرْتَ، وَهُمَا مَدِينَتَانِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَقَاتَلَهُمْ، وَلَقِيَ مِنْهُمْ شِدَّةً وَقُوَّةً، فَصَبَرَ لَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَانْهَزَمَتِ الرُّومُ وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى بِلَادِهِمْ، وَلَمْ يَتْرُكْ حَسَّانُ مَوْضِعًا مِنْ بِلَادِهِمْ إِلَّا وَطِئَهُ، وَخَافَهُ أَهْلُ إِفْرِيقِيَّةَ خَوْفًا شَدِيدًا، وَلَجَأَ الْمُنْهَزِمُونَ مِنَ الرُّومِ إِلَى مَدِينَةِ بَاجَةَ، فَتَحَصَّنُوا بِهَا، وَتَحَصَّنَ الْبَرْبَرُ بِمَدِينَةِ بُونَةَ، فَعَادَ حَسَّانُ إِلَى الْقَيْرَوَانِ لِأَنَّ الْجِرَاحَ قَدْ كَثُرَتْ فِي أَصْحَابِهِ، فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى صَحُّوا. ذِكْرُ تَخْرِيبِ إِفْرِيقِيَّةَ لَمَّا صَلُحَ النَّاسُ قَالَ حَسَّانُ: دُلُّونِي عَلَى أَعْظَمِ مَنْ بَقِيَ مِنْ مُلُوكِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَدَلُّوهُ عَلَى امْرَأَةٍ تَمْلِكُ الْبَرْبَرَ تُعْرَفُ بِالْكَاهِنَةِ، وَكَانَتْ تُخْبِرُهُمْ بِأَشْيَاءَ مِنَ الْغَيْبِ، وَلِهَذَا سُمِّيَتِ الْكَاهِنَةَ، وَكَانَتْ بَرْبَرِيَّةً، وَهِيَ بِجَبَلِ أُورَاسَ، وَقَدِ اجْتَمَعَ حَوْلَهَا الْبَرْبَرُ بَعْدَ قَتْلِ كُسَيْلَةَ، فَسَأَلَ أَهْلَ إِفْرِيقِيَّةَ عَنْهَا، فَعَظَّمُوا مَحَلَّهَا وَقَالُوا لَهُ: إِنْ قَتَلْتَهَا لَمْ تَخْتَلِفِ الْبَرْبَرُ بَعْدَهَا عَلَيْكَ. فَسَارَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا قَارَبَهَا هَدَمَتْ حِصْنَ بَاغَايَةَ ظَنًّا مِنْهَا أَنَّهُ يُرِيدُ الْحُصُونَ، فَلَمْ يُعَرِّجْ حَسَّانُ عَلَى ذَلِكَ وَسَارَ إِلَيْهَا، فَالْتَقَوْا عَلَى نَهْرِ نِينِي، وَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ رَآهُ النَّاسُ، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَانْهَزَمَ حَسَّانُ وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ أَطْلَقَتْهُمُ الْكَاهِنَةُ، سِوَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ الْقَيْسِيِّ، وَكَانَ شَرِيفًا شُجَاعًا، فَاتَّخَذَتْهُ وَلَدًا. وَسَارَ حَسَّانُ حَتَّى فَارَقَ إِفْرِيقِيَّةَ، وَأَقَامَ وَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يُعْلِمُهُ الْحَالَ، فَأَمَرَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بِالْمُقَامِ إِلَى أَنْ يَأْتِيَهُ أَمْرُهُ. فَأَقَامَ بِعَمَلِ بَرْقَةَ خَمْسَ سِنِينَ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَكَانُ قُصُورَ حَسَّانَ إِلَى الْآنِ، وَمَلَكَتِ الْكَاهِنَةُ إِفْرِيقِيَّةَ كُلَّهَا، وَأَسَاءَتِ السِّيرَةَ فِي أَهْلِهَا وَعَسَفَتْهُمْ وَظَلَمَتْهُمْ. ثُمَّ سَيَّرَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ الْجُنُودَ وَالْأَمْوَالَ، وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَقِتَالِ الْكَاهِنَةِ، فَأَرْسَلَ حَسَّانُ رَسُولًا سِرًّا إِلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، وَهُوَ عِنْدَ الْكَاهِنَةِ، بِكِتَابٍ يَسْتَعْلِمُ مِنْهُ الْأُمُورَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ خَالِدٌ جَوَابَهُ فِي رُقْعَةٍ يُعَرِّفُهُ تَفَرُّقَ الْبَرْبَرِ، وَيَأْمُرُهُ بِالسُّرْعَةِ، وَجَعَلَ الرُّقْعَةَ فِي خُبْزَةٍ، وَعَادَ الرَّسُولُ، فَخَرَجَتِ الْكَاهِنَةُ نَاشِرَةً شَعْرَهَا تَقُولُ: ذَهَبَ مُلْكُهُمْ فِيمَا

стр. 1856

يَأْكُلُ النَّاسُ. فَطُلِبَ الرَّسُولُ فَلَمْ يُوجَدْ، فَوَصَلَ إِلَى حَسَّانَ وَقَدِ احْتَرَقَ الْكِتَابُ بِالنَّارِ، فَعَادَ إِلَى خَالِدٍ وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِمَا كَتَبَ أَوَّلًا، وَأَوْدَعَهُ قَرَبُوسَ السَّرْجِ. فَسَارَ حَسَّانُ، فَلَمَّا عَلِمَتِ الْكَاهِنَةُ بِمَسِيرِهِ إِلَيْهَا قَالَتْ: إِنَّ الْعَرَبَ يُرِيدُونَ الْبِلَادَ وَالذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، وَنَحْنُ إِنَّمَا نُرِيدُ الْمَزَارِعَ وَالْمَرَاعِيَ، وَلَا أَرَى إِلَّا [أَنْ] أُخَرِّبَ إِفْرِيقِيَّةَ حَتَّى يَيْأَسُوا مِنْهَا. وَفَرَّقَتْ أَصْحَابَهَا لِيُخَرِّبُوا الْبِلَادَ، فَخَرَّبُوهَا وَهَدَمُوا الْحُصُونَ وَنَهَبُوا الْأَمْوَالَ، وَهَذَا هُوَ الْخَرَابُ الْأَوَّلُ لِإِفْرِيقِيَّةَ. فَلَمَّا قَرُبَ حَسَّانُ مِنَ الْبِلَادِ لَقِيَهُ جَمْعٌ مِنْ أَهْلِهَا مِنَ الرُّومِ يَسْتَغِيثُونَ مِنَ الْكَاهِنَةِ، وَيَشْكُونَ إِلَيْهِ مِنْهَا، فَسَرَّهُ ذَلِكَ وَسَارَ إِلَى قَابِسَ، فَلَقِيَهُ أَهْلُهَا بِالْأَمْوَالِ وَالطَّاعَةِ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَتَحَصَّنُونَ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَجَعَلَ فِيهَا عَامِلًا، وَسَارَ إِلَى قَفْصَةَ لِيَتَقَرَّبَ الطَّرِيقَ، فَأَطَاعَهُ مَنْ بِهَا وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَعَلَى قَسْطِيلِيَةَ وَنَفْزَاوَةَ. وَبَلَغَ الْكَاهِنَةَ قُدُومُهُ، فَأَحْضَرَتْ وَلَدَيْنِ لَهَا وَخَالِدَ بْنَ يَزِيدَ، وَقَالَتْ لَهُمْ: إِنَّنِي مَقْتُولَةٌ، فَامْضُوا إِلَى حَسَّانَ، وَخُذُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْهُ أَمَانًا. فَسَارُوا إِلَيْهِ وَبَقُوا مَعَهُ، وَسَارَ حَسَّانُ نَحْوَهَا، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ حَتَّى ظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ الْفَنَاءُ، ثُمَّ نَصَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ، وَانْهَزَمَ الْبَرْبَرُ وَقُتِلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا، وَانْهَزَمَتِ الْكَاهِنَةُ، ثُمَّ أُدْرِكَتْ فَقُتِلَتْ. ثُمَّ إِنَّ الْبَرْبَرَ اسْتَأْمَنُوا إِلَى حَسَّانَ، فَآمَنَهُمْ وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ عَسْكَرٌ مَعَ الْمُسْلِمِينَ عُدَّتَهُمُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا يُجَاهِدُونَ الْعَدُوَّ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَجَعَلَ عَلَى هَذَا الْعَسْكَرِ ابْنَيِ الْكَاهِنَةِ. ثُمَّ فَشَا الْإِسْلَامُ فِي الْبَرْبَرِ، وَعَادَ حَسَّانُ إِلَى الْقَيْرَوَانِ فِي رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ، وَأَقَامَ لَا يُنَازِعُهُ أَحَدٌ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمَلِكِ. فَلَمَّا وَلِيَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَلَّى إِفْرِيقِيَّةَ عَمَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَرْوَانَ، فَعَزَلَ عَنْهَا حَسَّانَ، وَاسْتَعْمَلَ مُوسَى بْنَ نُصَيْرٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الْكَاهِنَةَ خَرَجَتْ غَضَبًا لِقَتْلِ كُسَيْلَةَ، وَمَلَكَتْ إِفْرِيقِيَّةَ جَمِيعَهَا، وَعَمِلَتْ بِأَهْلِهَا الْأَفَاعِيلَ الْقَبِيحَةَ، وَظَلَمَتْهُمُ الظُّلْمَ الشَّنِيعَ، وَنَالَ مَنْ بِالْقَيْرَوَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَذًى شَدِيدًا بَعْدَ قَتْلِ زُهَيْرِ بْنِ قَيْسٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ، فَاسْتَعْمَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ حَسَّانَ بْنَ النُّعْمَانِ، فَسَارَ فِي جُيُوشٍ كَثِيرَةٍ وَقَصَدَ الْكَاهِنَةَ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَقُتِلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَعَادَ حَسَّانُ مُنْهَزِمًا إِلَى نَوَاحِي بَرْقَةَ، فَأَقَامَ بِهَا إِلَى

стр. 1857

سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ جَيْشًا كَثِيفًا، وَأَمَرَهُ بِقَصْدِ الْكَاهِنَةِ، فَسَارَ إِلَيْهَا وَقَاتَلَهَا فَهَزَمَهَا، وَقَتَلَهَا وَقَتَلَ أَوْلَادَهَا، وَعَادَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا قَتَلَ الْكَاهِنَةَ عَادَ مِنْ فَوْرِهِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ رَجُلًا اسْمُهُ أَبُو صَالِحٍ، إِلَيْهِ يُنْسَبُ فَحْصُ صَالِحٍ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ حَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ، وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ الْمَدِينَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ شُرَيْحٌ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ هِشَامُ بْنُ هُبَيْرَةَ. وَقِيلَ: إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ اعْتَمَرَ هَذِهِ السَّنَةَ. وَلَا يَصِحُّ. (وَفِيهَا غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ الرُّومَ صَائِفَةً، فَبَلَغَ أَنْدُولِيَّةَ) . [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ السُّوَائِيُّ فِي إِمَارَةِ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ بِالْكُوفَةِ، وَفِي إِمَارَتِهِ أَيْضًا مَاتَ أَبُو جُحَيْفَةَ بِالْكُوفَةِ. وَفِيهَا مَاتَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونَ الْأَوْدِيُّ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَهُوَ مِنَ الْمُعَمِّرِينَ. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَكَانَ مِنْ عُمَّالِ عُمَرَ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ. وَفِيهَا مَاتَ

стр. 1858

عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ التَّيْمِيُّ، وَلَهُ صُحْبَةٌ. وَفِيهَا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ حَاطِبِ بْنِ الْحَارِثِ الْجُمَحِيُّ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ . وَفِيهَا مَاتَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ مُعَلَّى الْأَنْصَارِيُّ. وَفِيهَا مَاتَ أَوْسُ بْنُ ضَمْعَجٍ الْكُوفِيُّ. ضَمْعَجٌ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْجِيمِ.

стр. 1859

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ] ٧٥ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ الصَّائِفَةَ حِينَ خَرَجَتِ الرُّومُ مِنْ قِبَلِ مَرْعَشٍ. ذِكْرُ وِلَايَةِ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ الْعِرَاقَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَّى عَبْدُ الْمَلِكِ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ الْعِرَاقَ دُونَ خُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بِعَهْدِهِ عَلَى الْعِرَاقِ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ، وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْعِرَاقِ، فَسَارَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَاكِبًا عَلَى النَّجَائِبِ حَتَّى دَخَلَ الْكُوفَةَ حِينَ انْتَشَرَ النَّهَارُ، فَجْأَةً، وَقَدْ كَانَ بِشْرٌ بَعَثَ الْمُهَلَّبَ إِلَى الْخَوَارِجِ، فَبَدَأَ الْحَجَّاجُ بِالْمَسْجِدِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَهُوَ مُتَلَثِّمٌ بِعِمَامَةِ خَزٍّ حَمْرَاءَ فَقَالَ: عَلَيَّ بِالنَّاسِ، فَحَسِبُوهُ وَأَصْحَابَهُ خَارِجِيَّةً، فَهَمُّوا بِهِ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَنْتَظِرُ اجْتِمَاعَهُمْ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ وَهُوَ سَاكِتٌ قَدْ أَطَالَ السُّكُوتَ، فَتَنَاوَلَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَيْرٍ حَصْبَاءَ وَأَرَادَ [أَنْ] يَحْصِبَهُ بِهَا وَقَالَ: قَاتَلَهُ اللَّهُ مَا أَغْبَاهُ وَأَذَمَّهُ! وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحْسَبُ خَبَرَهُ كَرُوَائِهِ. فَلَمَّا تَكَلَّمَ الْحَجَّاجُ جَعَلَتِ الْحَصْبَاءُ تَنْتَثِرُ مِنْ يَدِهِ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ بِهِ، قَالَ: ثُمَّ كَشَفَ الْحَجَّاجُ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ: أَنَا ابْنُ جَلَا وَطَلَّاعُ الثَّنَايَا ... مَتَى أَضَعِ الْعِمَامَةَ تَعْرِفُونِي

стр. 1860

أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحْمِلُ الشَّرَّ مَحْمَلَهُ، وَأَحْذُوهُ بِنَعْلِهِ، وَأَجْزِيهِ بِمِثْلِهِ، وَإِنِّي لَأَرَى رُؤُوسًا قَدْ أَيْنَعَتْ وَقَدْ حَانَ قِطَافُهَا، إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى الدِّمَاءِ بَيْنَ الْعَمَائِمِ وَاللِّحَى: قَدْ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقِهَا تَشْمِيرًا ... هَذَا أَوَانُ الْحَرْبِ فَاشْتَدِّي زِيَمْ قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِسَوَّاقٍ حُطَمْ ... لَيْسَ بِرَاعِي إِبِلٍ وَلَا غَنَمْ وَلَا بِجَزَّارٍ عَلَى ظَهْرِ وَضَمْ ثُمَّ قَالَ: قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِعَصْلَبِيٍّ ... أَرْوَعَ خَرَّاجٍ مِنَ الدَّوِّيِّ مُهَاجِرٍ لَيْسَ بِأَعْرَابِيِّ ... لَيْسَ أَوَانَ بَكْرَةِ الْخِلَاطِ جَاءَتْ بِهِ وَالْقُلُّصِ الْأَعْلَاطِ ... تَهْوِي هُوِيَّ سَابِقِ الْغَطَاطِ إِنِّي وَاللَّهِ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ مَا أُغْمَزُ كَتِغْمَازِ التِّينِ، وَلَا يُقَعْقَعُ لِي بِالشِّنَانِ، وَلَقَدْ فُرِرْتُ عَنْ ذَكَاءٍ، وَجَرَيْتُ إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى. ثُمَّ قَرَأَ:
следующие страницы →