← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

يَأْكُلُ النَّاسُ. فَطُلِبَ الرَّسُولُ فَلَمْ يُوجَدْ، فَوَصَلَ إِلَى حَسَّانَ وَقَدِ احْتَرَقَ الْكِتَابُ بِالنَّارِ، فَعَادَ إِلَى خَالِدٍ وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِمَا كَتَبَ أَوَّلًا، وَأَوْدَعَهُ قَرَبُوسَ السَّرْجِ. فَسَارَ حَسَّانُ، فَلَمَّا عَلِمَتِ الْكَاهِنَةُ بِمَسِيرِهِ إِلَيْهَا قَالَتْ: إِنَّ الْعَرَبَ يُرِيدُونَ الْبِلَادَ وَالذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، وَنَحْنُ إِنَّمَا نُرِيدُ الْمَزَارِعَ وَالْمَرَاعِيَ، وَلَا أَرَى إِلَّا [أَنْ] أُخَرِّبَ إِفْرِيقِيَّةَ حَتَّى يَيْأَسُوا مِنْهَا. وَفَرَّقَتْ أَصْحَابَهَا لِيُخَرِّبُوا الْبِلَادَ، فَخَرَّبُوهَا وَهَدَمُوا الْحُصُونَ وَنَهَبُوا الْأَمْوَالَ، وَهَذَا هُوَ الْخَرَابُ الْأَوَّلُ لِإِفْرِيقِيَّةَ. فَلَمَّا قَرُبَ حَسَّانُ مِنَ الْبِلَادِ لَقِيَهُ جَمْعٌ مِنْ أَهْلِهَا مِنَ الرُّومِ يَسْتَغِيثُونَ مِنَ الْكَاهِنَةِ، وَيَشْكُونَ إِلَيْهِ مِنْهَا، فَسَرَّهُ ذَلِكَ وَسَارَ إِلَى قَابِسَ، فَلَقِيَهُ أَهْلُهَا بِالْأَمْوَالِ وَالطَّاعَةِ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَتَحَصَّنُونَ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَجَعَلَ فِيهَا عَامِلًا، وَسَارَ إِلَى قَفْصَةَ لِيَتَقَرَّبَ الطَّرِيقَ، فَأَطَاعَهُ مَنْ بِهَا وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَعَلَى قَسْطِيلِيَةَ وَنَفْزَاوَةَ. وَبَلَغَ الْكَاهِنَةَ قُدُومُهُ، فَأَحْضَرَتْ وَلَدَيْنِ لَهَا وَخَالِدَ بْنَ يَزِيدَ، وَقَالَتْ لَهُمْ: إِنَّنِي مَقْتُولَةٌ، فَامْضُوا إِلَى حَسَّانَ، وَخُذُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْهُ أَمَانًا. فَسَارُوا إِلَيْهِ وَبَقُوا مَعَهُ، وَسَارَ حَسَّانُ نَحْوَهَا، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ حَتَّى ظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ الْفَنَاءُ، ثُمَّ نَصَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ، وَانْهَزَمَ الْبَرْبَرُ وَقُتِلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا، وَانْهَزَمَتِ الْكَاهِنَةُ، ثُمَّ أُدْرِكَتْ فَقُتِلَتْ. ثُمَّ إِنَّ الْبَرْبَرَ اسْتَأْمَنُوا إِلَى حَسَّانَ، فَآمَنَهُمْ وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ عَسْكَرٌ مَعَ الْمُسْلِمِينَ عُدَّتَهُمُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا يُجَاهِدُونَ الْعَدُوَّ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَجَعَلَ عَلَى هَذَا الْعَسْكَرِ ابْنَيِ الْكَاهِنَةِ. ثُمَّ فَشَا الْإِسْلَامُ فِي الْبَرْبَرِ، وَعَادَ حَسَّانُ إِلَى الْقَيْرَوَانِ فِي رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ، وَأَقَامَ لَا يُنَازِعُهُ أَحَدٌ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمَلِكِ. فَلَمَّا وَلِيَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَلَّى إِفْرِيقِيَّةَ عَمَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَرْوَانَ، فَعَزَلَ عَنْهَا حَسَّانَ، وَاسْتَعْمَلَ مُوسَى بْنَ نُصَيْرٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الْكَاهِنَةَ خَرَجَتْ غَضَبًا لِقَتْلِ كُسَيْلَةَ، وَمَلَكَتْ إِفْرِيقِيَّةَ جَمِيعَهَا، وَعَمِلَتْ بِأَهْلِهَا الْأَفَاعِيلَ الْقَبِيحَةَ، وَظَلَمَتْهُمُ الظُّلْمَ الشَّنِيعَ، وَنَالَ مَنْ بِالْقَيْرَوَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَذًى شَدِيدًا بَعْدَ قَتْلِ زُهَيْرِ بْنِ قَيْسٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ، فَاسْتَعْمَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ حَسَّانَ بْنَ النُّعْمَانِ، فَسَارَ فِي جُيُوشٍ كَثِيرَةٍ وَقَصَدَ الْكَاهِنَةَ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَقُتِلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَعَادَ حَسَّانُ مُنْهَزِمًا إِلَى نَوَاحِي بَرْقَةَ، فَأَقَامَ بِهَا إِلَى

стр. 1857

سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ جَيْشًا كَثِيفًا، وَأَمَرَهُ بِقَصْدِ الْكَاهِنَةِ، فَسَارَ إِلَيْهَا وَقَاتَلَهَا فَهَزَمَهَا، وَقَتَلَهَا وَقَتَلَ أَوْلَادَهَا، وَعَادَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا قَتَلَ الْكَاهِنَةَ عَادَ مِنْ فَوْرِهِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ رَجُلًا اسْمُهُ أَبُو صَالِحٍ، إِلَيْهِ يُنْسَبُ فَحْصُ صَالِحٍ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ حَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ، وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ الْمَدِينَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ شُرَيْحٌ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ هِشَامُ بْنُ هُبَيْرَةَ. وَقِيلَ: إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ اعْتَمَرَ هَذِهِ السَّنَةَ. وَلَا يَصِحُّ. (وَفِيهَا غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ الرُّومَ صَائِفَةً، فَبَلَغَ أَنْدُولِيَّةَ) . [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ السُّوَائِيُّ فِي إِمَارَةِ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ بِالْكُوفَةِ، وَفِي إِمَارَتِهِ أَيْضًا مَاتَ أَبُو جُحَيْفَةَ بِالْكُوفَةِ. وَفِيهَا مَاتَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونَ الْأَوْدِيُّ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَهُوَ مِنَ الْمُعَمِّرِينَ. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَكَانَ مِنْ عُمَّالِ عُمَرَ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ. وَفِيهَا مَاتَ

стр. 1858

عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ التَّيْمِيُّ، وَلَهُ صُحْبَةٌ. وَفِيهَا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ حَاطِبِ بْنِ الْحَارِثِ الْجُمَحِيُّ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ . وَفِيهَا مَاتَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ مُعَلَّى الْأَنْصَارِيُّ. وَفِيهَا مَاتَ أَوْسُ بْنُ ضَمْعَجٍ الْكُوفِيُّ. ضَمْعَجٌ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْجِيمِ.

стр. 1859

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ] ٧٥ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ الصَّائِفَةَ حِينَ خَرَجَتِ الرُّومُ مِنْ قِبَلِ مَرْعَشٍ. ذِكْرُ وِلَايَةِ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ الْعِرَاقَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَّى عَبْدُ الْمَلِكِ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ الْعِرَاقَ دُونَ خُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بِعَهْدِهِ عَلَى الْعِرَاقِ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ، وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْعِرَاقِ، فَسَارَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَاكِبًا عَلَى النَّجَائِبِ حَتَّى دَخَلَ الْكُوفَةَ حِينَ انْتَشَرَ النَّهَارُ، فَجْأَةً، وَقَدْ كَانَ بِشْرٌ بَعَثَ الْمُهَلَّبَ إِلَى الْخَوَارِجِ، فَبَدَأَ الْحَجَّاجُ بِالْمَسْجِدِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَهُوَ مُتَلَثِّمٌ بِعِمَامَةِ خَزٍّ حَمْرَاءَ فَقَالَ: عَلَيَّ بِالنَّاسِ، فَحَسِبُوهُ وَأَصْحَابَهُ خَارِجِيَّةً، فَهَمُّوا بِهِ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَنْتَظِرُ اجْتِمَاعَهُمْ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ وَهُوَ سَاكِتٌ قَدْ أَطَالَ السُّكُوتَ، فَتَنَاوَلَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَيْرٍ حَصْبَاءَ وَأَرَادَ [أَنْ] يَحْصِبَهُ بِهَا وَقَالَ: قَاتَلَهُ اللَّهُ مَا أَغْبَاهُ وَأَذَمَّهُ! وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحْسَبُ خَبَرَهُ كَرُوَائِهِ. فَلَمَّا تَكَلَّمَ الْحَجَّاجُ جَعَلَتِ الْحَصْبَاءُ تَنْتَثِرُ مِنْ يَدِهِ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ بِهِ، قَالَ: ثُمَّ كَشَفَ الْحَجَّاجُ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ: أَنَا ابْنُ جَلَا وَطَلَّاعُ الثَّنَايَا ... مَتَى أَضَعِ الْعِمَامَةَ تَعْرِفُونِي

стр. 1860

أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحْمِلُ الشَّرَّ مَحْمَلَهُ، وَأَحْذُوهُ بِنَعْلِهِ، وَأَجْزِيهِ بِمِثْلِهِ، وَإِنِّي لَأَرَى رُؤُوسًا قَدْ أَيْنَعَتْ وَقَدْ حَانَ قِطَافُهَا، إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى الدِّمَاءِ بَيْنَ الْعَمَائِمِ وَاللِّحَى: قَدْ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقِهَا تَشْمِيرًا ... هَذَا أَوَانُ الْحَرْبِ فَاشْتَدِّي زِيَمْ قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِسَوَّاقٍ حُطَمْ ... لَيْسَ بِرَاعِي إِبِلٍ وَلَا غَنَمْ وَلَا بِجَزَّارٍ عَلَى ظَهْرِ وَضَمْ ثُمَّ قَالَ: قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِعَصْلَبِيٍّ ... أَرْوَعَ خَرَّاجٍ مِنَ الدَّوِّيِّ مُهَاجِرٍ لَيْسَ بِأَعْرَابِيِّ ... لَيْسَ أَوَانَ بَكْرَةِ الْخِلَاطِ جَاءَتْ بِهِ وَالْقُلُّصِ الْأَعْلَاطِ ... تَهْوِي هُوِيَّ سَابِقِ الْغَطَاطِ إِنِّي وَاللَّهِ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ مَا أُغْمَزُ كَتِغْمَازِ التِّينِ، وَلَا يُقَعْقَعُ لِي بِالشِّنَانِ، وَلَقَدْ فُرِرْتُ عَنْ ذَكَاءٍ، وَجَرَيْتُ إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى. ثُمَّ قَرَأَ:

стр. 1861

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] ، وَأَنْتُمْ أُولَئِكَ وَأَشْبَاهُ أُولَئِكَ، إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدَ الْمَلِكِ نَثَرَ كِنَانَتَهُ، فَعَجَمَ عِيدَانَهَا، فَوَجَدَنِي أَمَرَّهَا عُودًا، وَأَصْلَبَهَا مَكْسَرًا، فَوَجَّهَنِي إِلَيْكُمْ، وَرَمَى بِي فِي نُحُورِكُمْ، فَإِنَّكُمْ أَهْلُ بَغْيٍ وَخِلَافٍ وَشِقَاقٍ وَنِفَاقٍ، فَإِنَّكُمْ طَالَمَا أَوْضَعْتُمْ فِي الشَّرِّ، وَسَنَنْتُمْ سُنَنَ الْغَيِّ، فَاسْتَوْثِقُوا وَاسْتَقِيمُوا، فَوَاللَّهِ لَأُذِيقَنَّكُمُ الْهَوَانَ، وَلَأُمْرِيَنَّكُمْ بِهِ حَتَّى تَدِرُّوا، وَلَأَلْحُوَنَّكُمْ لَحْوَ الْعُودِ، وَلَأَعْصُبَنَّكُمْ عَصْبَ السَّلَمَةِ حَتَّى تُذَلُّوا، وَلَأَضْرِبَنَّكُمْ ضَرْبَ غَرَائِبِ الْإِبِلِ حَتَّى تَذَرُوا الْعِصْيَانَ وَتَنْقَادُوا، وَلَأَقْرَعَنَّكُمْ قَرْعَ الْمَرْوَةِ حَتَّى تَلِينُوا، إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَعِدُ إِلَّا وَفَيْتُ، وَلَا أَخْلُقُ إِلَّا فَرَيْتُ، فَإِيَّايَ وَهَذِهِ الْجَمَاعَاتِ، فَلَا يَرْكَبَنَّ رَجُلٌ إِلَّا وَحْدَهُ، أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَتُقْبِلُنَّ عَلَى الْإِنْصَافِ، وَلَتَدَعُنَّ الْإِرْجَافَ، وَقِيلًا وَقَالًا وَمَا تَقُولُ وَمَا يَقُولُ وَأَخْبَرَنِي فُلَانٌ، أَوْ لَأَدَعَنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ شُغْلًا فِي جَسَدِهِ! فِيمَ أَنْتُمْ وَذَاكَ؟ وَاللَّهِ لَتَسْتَقِيمُنَّ عَلَى الْحَقِّ، أَوْ لَأَضْرِبَنَّكُمْ بِالسَّيْفِ ضَرْبًا يَدَعُ النِّسَاءَ أَيَامَى، وَالْوِلْدَانَ يَتَامَى، حَتَّى تَذَرُوا السُّمَّهَى، وَتُقْلِعُوا عَنْ هَا وَهَا، أَلَا إِنَّهُ لَوْ سَاغَ لِأَهْلِ الْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَتُهُمْ مَا جُبِيَ فَيْءٌ، وَلَا قُوتِلَ عَدُوٌّ، وَلَعُطِّلَتِ الثُّغُورُ، وَلَوْلَا أَنَّهُمْ يُغْزَوْنَ كَرْهًا مَا غُزُوا طَوْعًا! وَقَدْ بَلَغَنِي رَفْضُكُمُ الْمُهَلَّبَ، وَإِقْبَالُكُمْ عَلَى مِصْرِكُمْ عَاصِينَ مُخَالِفِينَ، وَإِنِّي

стр. 1862

أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَا أَجِدُ أَحَدًا مِنْ عَسْكَرِهِ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَأَنْهَبْتُ دَارَهُ! ثُمَّ أَمَرَ بِكِتَابِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَقُرِئَ عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَلَمَّا قَالَ الْقَارِئُ: أَمَّا بَعْدُ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، فَإِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكُمْ، قَالَ لَهُ: اقْطَعْ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَبِيدَ الْعَصَا، يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا يَرُدُّ رَادٌّ مِنْكُمُ السَّلَامَ! أَمَا وَاللَّهِ لَأُؤَدِّبَنَّكُمْ غَيْرَ هَذَا الْأَدَبِ! ثُمَّ قَالَ لِلْقَارِئِ: اقْرَأْ، فَلَمَّا قَرَأَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ قَالُوا بِأَجْمَعِهِمْ: سَلَامُ اللَّهِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. ثُمَّ دَخَلَ مُنْزِلَهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ دَعَا الْعُرَفَاءَ وَقَالَ: أَلْحِقُوا النَّاسَ بِالْمُهَلَّبِ، وَائْتُونِي بِالْبَرَاءَاتِ بِمُوَافَاتِهِمْ، وَلَا تَغْلِقُنَّ أَبْوَابَ الْجِسْرِ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا حَتَّى تَنْقَضِيَ هَذِهِ الْمُدَّةُ. تَفْسِيرُ هَذِهِ الْخُطْبَةِ قَوْلُهُ: أَنَا ابْنُ جَلَا، فَابْنُ جَلَا هُوَ الصُّبْحُ لِأَنَّهُ يَجْلُو الظُّلْمَةَ. وَقَوْلُهُ: (فَاشْتَدِّي زِيَمْ) ، هُوَ اسْمٌ لِلْحَرْبِ. وَالْحُطَمُ: الَّذِي يَحْطِمُ كُلَّ مَا مَرَّ بِهِ. وَالْوَضَمُ: مَا وُقِيَ بِهِ اللَّحْمُ عَنِ الْأَرْضِ. وَالْعَصْلَبِيُّ: الشَّدِيدُ. وَالْأَعْلَاطُ مِنَ الْإِبِلِ: الَّتِي لَا أَرْسَانَ عَلَيْهَا. وَقَوْلُهُ: فَعَجَمَ عِيدَانَهَا، أَيْ عَضَّهَا وَاخْتَبَرَهَا. وَقَوْلُهُ: لَأَعْصِبَنَّكُمْ عَصْبَ السَّلَمَةِ، فَالْعَصْبُ الْقَطْعُ، وَالسَّلَمُ شَجَرٌ مِنَ الْعِضَاهِ. وَقَوْلُهُ: لَا أَخْلُقُ إِلَّا فَرَيْتُ، فَالْخَلْقُ التَّقْدِيرُ، وَيُقَالُ: فَرَيْتُ الْأَدِيمَ إِذَا أَصْلَحْتُهُ. وَالسُّمَّهَى: الْبَاطِلُ، وَأَصْلُهُ مَا تُسَمِّيهِ الْعَامَّةُ مُخَاطَ الشَّيْطَانِ. وَالْعُطَاطُ، بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَقِيلَ بِفَتْحِهَا: ضَرْبٌ مِنَ الطَّيْرِ. فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ سَمِعَ تَكْبِيرًا فِي السُّوقِ، فَخَرَجَ حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ

стр. 1863

فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، وَأَهْلَ الشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ، وَمَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ! إِنِّي سَمِعْتُ تَكْبِيرًا لَيْسَ بِالتَّكْبِيرِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، وَلَكِنَّهُ التَّكْبِيرُ الَّذِي يُرَادُ بِهِ التَّرْهِيبُ، وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّهَا عَجَاجَةٌ تَحْتَهَا قَصْفٌ، يَا بَنِي اللَّكِيعَةِ وَعَبِيدَ الْعَصَا، وَأَبْنَاءَ الْأَيَامَى، أَلَا يَرْبَعُ رَجُلٌ مِنْكُمْ عَلَى ظَلْعِهِ، وَيُحْسِنُ حَقْنَ دَمِهِ، وَيَعْرِفُ مَوْضِعَ قَدَمِهِ! فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَأُوشِكُ أَنْ أُوقِعَ بِكُمْ وَقْعَةً تَكُونُ نَكَالًا لِمَا قَبْلَهَا، وَأَدَبًا لِمَا بَعْدَهَا. فَقَامَ عُمَيْرُ بْنُ ضَابِئٍ الْحَنْظَلِيُّ التَّمِيمِيُّ فَقَالَ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، أَنَا فِي هَذَا الْبَعْثِ، وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ عَلِيلٌ، وَابْنِي هَذَا أَشَبُّ مِنِّي. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: هَذَا خَيْرٌ لَنَا مِنْ أَبِيهِ، ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا عُمَيْرُ بْنُ ضَابِئٍ. قَالَ: أَسَمِعْتَ كَلَامَنَا بِالْأَمْسِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَلَسْتَ الَّذِي غَزَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، أَفَلَا إِلَى عُثْمَانَ بُعِثْتَ بَدَلًا؟ وَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: إِنَّهُ حَبَسَ أَبِي، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا. قَالَ: أَوَلَسْتَ الْقَائِلَ: هَمَمْتُ وَلَمْ أَفْعَلْ وَكِدْتُ وَلَيْتَنِي ... تَرَكْتُ عَلَى عُثْمَانَ تَبْكِي حَلَائِلُهْ إِنِّي لَأَحْسَبُ أَنَّ فِي قَتْلِكَ صَلَاحَ الْمِصْرَيْنِ. وَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَتْ رَقَبَتُهُ، وَأُنْهِبَ مَالُهُ. وَقِيلَ: إِنَّ عَنْبَسَةَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ قَالَ لِلْحَجَّاجِ: أَتَعْرِفُ هَذَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: هَذَا أَحَدُ قَتَلَةِ عُثْمَانَ. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ! أَفَلَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بُعِثْتَ بَدِيلًا؟ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، وَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: أَلَا إِنَّ عُمَيْرَ بْنَ ضَابِئٍ أَتَى بَعْدَ ثَلَاثَةٍ، وَكَانَ سَمِعَ النِّدَاءَ فَأَمَرْنَا بِقَتْلِهِ، أَلَا إِنَّ ذِمَّةَ اللَّهِ بَرِيئَةٌ مِمَّنْ لَمْ يَأْتِ اللَّيْلَةَ مِنْ جُنْدِ الْمُهَلَّبِ. فَخَرَجَ النَّاسُ فَازْدَحَمُوا عَلَى الْجِسْرِ، وَخَرَجَ الْعُرَفَاءُ إِلَى الْمُهَلَّبِ، وَهُوَ بِرَامَهُرْمُزَ، فَأَخَذُوا كُتُبَهُ بِالْمُوَافَاةِ. فَقَالَ الْمُهَلَّبُ: قَدِمَ الْعِرَاقَ الْيَوْمَ رَجُلٌ ذَكَرٌ، الْيَوْمَ قُوتِلَ الْعَدُوُّ. فَلَمَّا قَتَلَ الْحَجَّاجُ عُمَيْرًا لَقِيَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَامِرٍ الْأَسَدِيُّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزَّبِيرِ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْخَبَرِ، فَقَالَ:

стр. 1864

أَقُولُ لِإِبْرَاهِيمَ لَمَّا لَقِيتُهُ ... أَرَى الْأَمْرَ أَضْحَى مُنْصِبًا مُتَشَعِّبَا تَجَهَّزْ وَأَسْرِعْ فَالْحَقِ الْجَيْشَ لَا أَرَى ... سِوَى الْجَيْشِ إِلَّا فِي الْمَهَالِكِ مَذْهَبَا تَخَيَّرْ فَإِمَّا أَنْ تَزُورَ ابْنَ ضَابِئٍ ... عُمَيْرًا وَإِمَّا أَنْ تَزُورَ الْمُهَلَّبَا هُمَا خُطَّتَا خَسْفٍ نَجَاؤُكَ مِنْهُمَا ... رُكُوبُكَ حَوْلِيًّا مِنَ الثَّلْجِ أَشْهَبَا فَحَالَ وَلَوْ كَانَتْ خُرَاسَانُ دُونَهُ ... رَآهَا مَكَانَ السُّوقِ أَوْ هِيَ أَقْرَبَا فَكَائِنْ تَرَى مِنْ مُكْرَهِ الْغَزْوِ مُسْمِرًا ... تَحَمَّمَ حِنْوَ السَّرْجِ حَتَّى تَحَنَّبَا تَحَمَّمَ، أَيْ لَزِمَهُ حَتَّى صَارَ كَالْحَمِيمِ. وَتَحَنَّبَ: اعْوَجَّ. وَالزَّبِيرُ هَاهُنَا بِفَتْحِ الزَّايِ وَكَسْرِ الْبَاءِ. قِيلَ: وَكَانَ قُدُومُ الْحَجَّاجِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَوَجَّهَ الْحَكَمَ بْنَ أَيُّوبَ الثَّقَفِيَّ عَلَى الْبَصْرَةِ أَمِيرًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَدَّ عَلَى خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَبَلَغَ خَالِدًا الْخَبَرُ فَخَرَجَ عَنِ الْبَصْرَةِ، فَنَزَلَ الْجَلْحَاءَ، وَشَيَّعَهُ أَهْلُ الْبَصْرَةِ فَقَسَّمَ فِيهِمْ أَلْفَ أَلْفٍ. فَكَانَ الْحَجَّاجُ أَوَّلَ مَنْ عَاقَبَ بِالْقَتْلِ عَلَى التَّخَلُّفِ عَنِ الْوَجْهِ الَّذِي يُكْتَبُ إِلَيْهِ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَخَلَّ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُكْتَبُ إِلَيْهِ زَمَنَ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ نُزِعَتْ عِمَامَتُهُ، وَيُقَامُ لِلنَّاسِ، وَيُشْهَرُ أَمْرُهُ، فَلَمَّا وَلِيَ مُصْعَبٌ قَالَ: مَا هَذَا بِشَيْءٍ، وَأَضَافَ إِلَيْهِ حَلْقَ الرُّءُوسِ وَاللِّحَى، فَلَمَّا وَلِيَ بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ زَادَ فِيهِ، فَصَارَ يَرْفَعُ الرَّجُلَ عَنِ الْأَرْضِ وَيُسَمَّرُ فِي يَدَيْهِ مِسْمَارَانِ فِي حَائِطٍ، فَرُبَّمَا مَاتَ وَرُبَّمَا خَرَقَ الْمِسْمَارُ كَفَّهُ فَسَلِمَ، فَقَالَ شَاعِرٌ: لَوْلَا مَخَافَةُ بِشْرٍ أَوْ عُقُوبَتِهِ ... وَأَنْ يُنَوَّطَ فِي كَفَّيَّ مِسْمَارُ إِذًا لَعَطَّلْتُ ثَغْرِي ثُمَّ زُرْتُكُمُ ... إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يَهْوَاهُ زَوَّارُ فَلَمَّا كَانَ الْحَجَّاجُ قَالَ: هَذَا لَعِبٌ، أَضْرِبُ عُنُقَ مَنْ يَخْلُ مَكَانُهُ مِنَ الثَّغْرِ.

стр. 1865

ذِكْرُ وِلَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَسْلَمَ السِّنْدَ وَقَتْلِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى السِّنْدِ سَعِيدَ بْنَ أَسْلَمَ بْنِ زُرْعَةَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ مُعَاوِيَةُ وَمُحَمَّدٌ ابْنَا الْحَارِثِ الْعِلَاقِيَّانِ فَقَتَلَاهُ، وَغَلَبَا عَلَى الْبِلَادِ، فَأَرْسَلَ الْحَجَّاجُ مُجَّاعَةَ بْنَ سِعْرٍ التَّمِيمِيَّ إِلَى السِّنْدِ، فَغَلَبَ عَلَى ذَلِكَ الثَّغْرِ، وَغَزَا وَفَتَحَ أَمَاكِنَ مِنْ قَنْدَابِيلَ، وَمَاتَ مُجَّاعَةُ بَعْدَ سَنَةٍ بِمُكْرَانَ، فَقِيلَ فِيهِ: مَا مِنْ مَشَاهِدِكَ الَّتِي شَاهَدْتَهَا ... إِلَّا يَزِيدُكَ ذِكْرُهَا مُجَّاعَا ذِكْرُ وُثُوبِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ بِالْحَجَّاجِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ الْحَجَّاجُ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْكُوفَةِ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، فَلَمَّا قَدِمَ الْبَصْرَةَ خَطَبَهُمْ بِمِثْلِ خُطْبَتِهِ بِالْكُوفَةِ، وَتَوَعَّدَ مَنْ رَآهُ مِنْهُمْ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ وَلَمْ يَلْحَقْ بِالْمُهَلَّبِ، فَأَتَاهُ شَرِيكُ بْنُ عَمْرٍو الْيَشْكُرِيُّ، وَكَانَ بِهِ فَتْقٌ، وَكَانَ أَعْوَرَ يَضَعُ عَلَى عَيْنِهِ قِطْعَةً، فَلُقِّبَ ذَا الْكُرْسُفَةِ، فَقَالَ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، إِنَّ بِي فَتْقًا، وَقَدْ رَآهُ بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ فَعَذَرَنِي، وَهَذَا عَطَائِي مَرْدُودٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ. فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، فَلَمْ يَبْقَ بِالْبَصْرَةِ أَحَدٌ مِنْ عَسْكَرِ الْمُهَلَّبِ إِلَّا لَحِقَ بِهِ. فَقَالَ الْمُهَلَّبُ: لَقَدْ أَتَى الْعِرَاقَ رَجُلٌ ذَكَرٌ. وَتَتَابَعَ النَّاسُ مُزْدَحِمِينَ إِلَيْهِ حَتَّى كَثُرَ جَمْعُهُ. ثُمَّ سَارَ الْحَجَّاجُ إِلَى رُسْتَقْبَاذَ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُهَلَّبِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَشُدَّ ظَهْرَ الْمُهَلَّبِ وَأَصْحَابِهِ بِمَكَانِهِ، فَقَامَ بِرُسْتَقْبَاذَ خَطِيبًا حِينَ نَزَلَهَا فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْمِصْرَيْنِ! هَذَا الْمَكَانُ وَاللَّهِ مَكَانُكُمْ شَهْرًا بَعْدَ شَهْرٍ وَسَنَةً بَعْدَ سَنَةٍ، حَتَّى يُهْلِكَ اللَّهُ عَدُوَّكُمْ هَؤُلَاءِ الْخَوَارِجَ الْمُطِلِّينَ عَلَيْكُمْ. ثُمَّ إِنَّهُ خَطَبَ يَوْمًا فَقَالَ: إِنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي زَادَكُمْ إِيَّاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ إِنَّمَا هِيَ زِيَادَةٌ مُخْسِرَةٌ بَاطِلَةٌ [مِنْ] مُلْحِدٍ فَاسِقٍ مُنَافِقٍ، وَلَسْنَا نُجِيزُهَا! وَكَانَ مُصْعَبٌ قَدْ زَادَ النَّاسَ فِي الْعَطَاءِ مِائَةَ مِائَةٍ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَارُودِ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِزِيَادَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، إِنَّمَا هِيَ زِيَادَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ قَدْ أَنْفَذَهَا وَأَجَازَهَا عَلَى يَدِ أَخِيهِ بِشْرٍ. فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: مَا أَنْتَ

стр. 1866

وَالْكَلَامُ! لَتُحْسِنَنَّ حَمْلَ رَأْسِكَ أَوْ لَأَسْلُبَنَّكَ إِيَّاهُ! فَقَالَ: وَلِمَ؟ إِنِّي لَكَ لَنَاصِحٌ، وَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ وَرَائِي. فَنَزَلَ الْحَجَّاجُ وَمَكَثَ أَشْهُرًا لَا يَذْكُرُ الزِّيَادَةَ، ثُمَّ أَعَادَ الْقَوْلَ فِيهَا، فَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ الْجَارُودِ مِثْلَ رَدِّهِ الْأَوَّلِ. فَقَامَ مَصْقَلَةُ بْنُ كَرِبٍ الْعَبْدِيُّ أَبُو رَقَبَةَ بْنُ مَصْقَلَةَ الْمُحَدِّثُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ لِلرَّعِيَّةِ أَنْ تَرُدَّ عَلَى رَاعِيهَا، وَقَدْ سَمِعْنَا مَا قَالَ الْأَمِيرُ، فَسَمْعًا وَطَاعَةً فِيمَا أَحْبَبْنَا وَكَرِهْنَا. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَارُودِ: يَا ابْنَ الْجَرْمَقَانِيَّةِ! مَا أَنْتَ وَهَذَا! وَمَتَى كَانَ مِثْلُكَ يَتَكَلَّمُ وَيَنْطِقُ فِي مِثْلِ هَذَا؟ وَأَتَى الْوُجُوهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْجَارُودِ فَصَوَّبُوا رَأْيَهُ وَقَوْلَهُ، وَقَالَ الْهُذَيْلُ بْنُ عِمْرَانَ الْبَرْجَمِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمِ بْنِ زِيَادٍ الْمُجَاشِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا: نَحْنُ مَعَكَ وَأَعْوَانُكَ، إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ غَيْرُ كَافٍّ حَتَّى يُنْقِصَنَا هَذِهِ الزِّيَادَةَ، فَهَلُمَّ نُبَايِعُكَ عَلَى إِخْرَاجِهِ مِنَ الْعِرَاقِ، ثُمَّ نَكْتُبُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ نَسْأَلُهُ أَنْ يُوَلِّيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ، فَإِنْ أَبَى خَلَعْنَاهُ، فَإِنَّهُ هَائِبٌ لَنَا مَا دَامَتِ الْخَوَارِجُ. فَبَايَعَهُ النَّاسُ سِرًّا وَأَعْطَوْهُ الْمَوَاثِيقَ عَلَى الْوَفَاءِ، وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِهِمُ الْعُهُودَ. وَبَلَغَ الْحَجَّاجَ مَا هُمْ فِيهِ فَأَحْرَزَ بَيْتَ الْمَالِ وَاحْتَاطَ فِيهِ. فَلَمَّا تَمَّ لَهُمْ أَمْرُهُمْ أَظْهَرُوهُ، وَذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَارُودِ عَبْدَ الْقَيْسِ عَلَى رَايَاتِهِمْ، وَخَرَجَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى بَقِيَ الْحَجَّاجُ وَلَيْسَ مَعَهُ إِلَّا خَاصَّتُهُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ، فَخَرَجُوا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَقَطَعَ ابْنُ الْجَارُودِ وَمَنْ مَعَهُ الْجِسْرَ، وَكَانَتْ خَزَائِنُ الْحَجَّاجِ وَالسِّلَاحُ مِنْ وَرَائِهِ. فَأَرْسَلَ الْحَجَّاجُ أَعْيَنَ، صَاحِبَ حَمَّامِ أَعْيَنَ بِالْكُوفَةِ، إِلَى ابْنِ الْجَارُودِ يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ الْجَارُودِ: وَمَنِ الْأَمِيرُ! لَا وَلَا كَرَامَةَ لِابْنِ أَبِي رِغَالٍ! وَلَكِنْ لِيَخْرُجَ عَنَّا مَذْمُومًا مَدْحُورًا، وَإِلَّا قَاتَلْنَاهُ! فَقَالَ أَعْيَنُ: فَإِنَّهُ يَقُولُ لَكَ: أَتَطِيبُ نَفْسًا بِقَتْلِكَ وَقَتْلِ أَهْلِ بَيْتِكَ وَعَشِيرَتِكَ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ لَمْ يَأْتِنِي لَأَدَعَنَّ قَوْمَكَ عَامَّةً وَأَهْلَكَ خَاصَّةً حَدِيثًا لِلْغَابِرِينَ. وَكَانَ الْحَجَّاجُ قَدْ حَمَّلَ أَعْيَنَ هَذِهِ الرِّسَالَةَ. فَقَالَ ابْنُ الْجَارُودِ: لَوْلَا أَنَّكَ رَسُولٌ لَقَتَلْتُكَ يَا ابْنَ الْخَبِيثَةِ! وَأَمَرَ فَوُجِئَ فِي عُنُقِهِ، وَأُخْرِجَ. وَاجْتَمَعَ النَّاسُ لِابْنِ الْجَارُودِ، فَأَقْبَلَ بِهِمْ زَحْفًا نَحْوَ الْحَجَّاجِ، وَكَانَ رَأْيُهُمْ أَنْ يُخْرِجُوهُ عَنْهُمْ وَلَا يُقَاتِلُوهُ، فَلَمَّا صَارُوا إِلَيْهِ نَهَبُوهُ فِي فُسْطَاطِهِ، وَأَخَذُوا مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ مَتَاعِهِ وَدَوَابِّهِ، وَجَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ فَأَخَذُوا امْرَأَتَهُ ابْنَةَ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَجَاءَتْ مُضَرُ، فَأَخَذُوا امْرَأَتَهُ الْأُخْرَى أُمَّ سَلَمَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو أَخِي سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو. فَخَافَهُ

стр. 1867

السُّفَهَاءُ، ثُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ انْصَرَفُوا عَنِ الْحَجَّاجِ وَتَرَكُوهُ، فَأَتَاهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَصَارُوا مَعَهُ خَائِفِينَ مِنْ مُحَارَبَةِ الْخَلِيفَةِ. فَجَعَلَ الْغَضْبَانُ بْنُ الْقَبَعْثَرَى الشَّيْبَانِيُّ يَقُولُ لِابْنِ الْجَارُودِ: تَعَشَّ بِالْجَدْيِ قَبْلَ أَنْ يَتَغَدَّى بِكَ، أَمَا تَرَى مَنْ قَدْ أَتَاهُ مِنْكُمْ؟ وَلَئِنْ أَصْبَحَ لَيَكْثُرَنَ نَاصِرُهُ، وَلَتَضْعُفَنَّ مُنَّتُكُمْ! فَقَالَ: قَدْ قَرُبَ الْمَسَاءُ، وَلَكِنَّا نُعَاجِلُهُ بِالْغَدَاةِ. وَكَانَ مَعَ الْحَجَّاجِ عُثْمَانُ بْنُ قَطَنٍ، وَزِيَادُ بْنُ عَمْرٍو الْعَتَكِيُّ، وَكَانَ زِيَادٌ عَلَى شُرْطَةِ الْبَصْرَةِ، فَقَالَ لَهُمَا: مَا تَرَيَانِ؟ أَنْ آخُذَ لَكَ مِنَ الْقَوْمِ أَمَانًا، وَتَخْرُجَ حَتَّى تَلْحَقَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَدَ ارْفَضَّ أَكْثَرُ النَّاسِ عَنْكَ، وَلَا أَرَى لَكَ أَنْ تُقَاتِلَ بِمَنْ مَعَكَ. فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ قَطَنٍ الْحَارِثِيُّ: لَكِنِّي لَا أَرَى ذَلِكَ، إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ شَرِكَكَ فِي أَمْرِكَ، وَخَلَطَكَ بِنَفْسِهِ، وَاسْتَنْصَحَكَ وَسَلَّطَكَ، فَسِرْتَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ أَعْظَمُ النَّاسِ خَطَرًا، فَقَتَلْتَهُ، فَوَلَّاكَ اللَّهُ شَرَفَ ذَلِكَ وَسَنَاهُ، وَوَلَّاكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْحِجَازَ، ثُمَّ رُفِعْتَ فَوَلَّاكَ الْعِرَاقَيْنِ، فَحَيْثُ جَرَيْتَ إِلَى الْمَدَى، وَأَصَبْتَ الْغَرَضَ الْأَقْصَى، تَخْرُجُ عَلَى قَعُودٍ إِلَى الشَّامِ، وَاللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَ لَا نِلْتَ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ مِثْلَ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ مِنْ سُلْطَانٍ أَبَدًا، وَلَيَتَّضِعَنَّ شَأْنُكَ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ نَمْشِيَ بِسُيُوفِنَا مَعَكَ فَنُقَاتِلُ حَتَّى نَلْقَى ظَفَرًا، أَوْ نَمُوتَ كِرَامًا. فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: الرَّأْيُ مَا رَأَيْتَ. وَحَفِظَ هَذَا لِعُثْمَانَ، وَحَقَدَهَا عَلَى زِيَادِ بْنِ عَمْرٍو. وَجَاءَ عَامِلُ ابْنِ مِسْمَعٍ إِلَى الْحَجَّاجِ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ أَخَذْتُ لَكَ أَمَانًا مِنَ النَّاسِ، فَجَعَلَ الْحَجَّاجُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ لِيَسْمَعَ النَّاسُ وَيَقُولَ: وَاللَّهِ لَا أُؤَمِّنُهُمْ أَبَدًا حَتَّى يَأْتُوا بِالْهُذَيْلِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكِيمٍ. وَأَرْسَلَ إِلَى عُبَيْدِ بْنِ كَعْبٍ النُّمَيْرِيِّ يَقُولُ: هَلُمَّ إِلَيَّ فَامْنَعْنِي. فَقَالَ: قُلْ لَهُ: إِنْ أَتَيْتَنِي مَنَعْتُكَ. فَقَالَ: لَا وَلَا كَرَامَةَ! وَبَعَثَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عُطَارِدٍ كَذَلِكَ، فَأَجَابَهُ مِثْلَ الْجَوَابِ الْأَوَّلِ، فَقَالَ: لَا نَاقَتِي فِي هَذَا وَلَا جَمَلِي. وَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكِيمٍ الْمُجَاشِعِيِّ فَأَجَابَهُ كَذَلِكَ أَيْضًا. وَمَرَّ عَبَّادُ بْنُ الْحُصَيْنِ الْحَبَطِيُّ بِابْنِ الْجَارُودِ وَابْنِ الْهُذَيْلِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكِيمٍ وَهُمْ يَتَنَاجَوْنَ، فَقَالَ: أَشْرِكُونَا فِي نَجْوَاكُمْ. فَقَالُوا: هَيْهَاتَ أَنْ يَدْخُلَ فِي نَجْوَانَا أَحَدٌ مِنْ

стр. 1868

بَنِي الْحَبَطِ! فَغَضِبَ وَصَارَ إِلَى الْحَجَّاجِ فِي مِائَةِ رَجُلٍ، فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: مَا أُبَالِي مَنْ تَخَلَّفَ بَعْدَكَ. وَسَعَى قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ فِي قَوْمِهِ فِي بَنِي أَعْصُرَ؟ وَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا نَدَعُ قَيْسًا يُقْتَلُ وَلَا يُنْهَبُ مَالُهُ، يَعْنِي الْحَجَّاجَ، وَأَقْبَلَ إِلَى الْحَجَّاجِ. وَكَانَ الْحَجَّاجُ قَدْ يَئِسَ مِنَ الْحَيَاةِ، فَلَمَّا جَاءَهُ هَؤُلَاءِ اطْمَأَنَّ، ثُمَّ جَاءَهُ سَبْرَةُ بْنُ عَلِيٍّ الْكِلَابِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ أَسْلَمَ بْنِ زُرْعَةَ الْكِلَابِيُّ فَسَلَّمَ، فَأَدْنَاهُ مِنْهُ، وَأَتَاهُ جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِخْنَفٍ الْأَزْدِيُّ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مِسْمَعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ مِسْمَعٍ: إِنْ شِئْتَ أَتَيْتُكَ، وَإِنْ شِئْتَ أَقَمْتُ وَثَبَّطْتُ النَّاسَ عَنْكَ. فَقَالَ: أَقِمْ وَثَبِّطِ النَّاسَ عَنِّي. فَلَمَّا اجْتَمَعَ إِلَى الْحَجَّاجِ جَمْعٌ يُمْنَعُ بِمِثْلِهِمْ، خَرَجَ فَعَبَّأَ أَصْحَابَهُ، وَتَلَاحَقَ النَّاسُ بِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ إِذَا حَوْلَهُ نَحْوُ سِتَّةِ آلَافٍ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. فَقَالَ ابْنُ الْجَارُودِ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادِ بْنِ ظَبْيَانِ: مَا الرَّأْيُ؟ قَالَ: تَرَكْتَ الرَّأْيَ أَمْسِ حِينَ قَالَ لَكَ الْغَضْبَانُ تَعَشَّ بِالْجَدْيِ قَبْلَ أَنْ يَتَغَدَّى بِكَ، وَقَدْ ذَهَبَ الرَّأْيُ وَبَقِيَ الصَّبْرُ. فَدَعَا ابْنُ الْجَارُودِ بِدِرْعٍ فَلَبِسَهَا مَقْلُوبَةً، فَتَطَيَّرَ. وَحَرَّضَ الْحَجَّاجُ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: لَا يَهُولَنَّكُمْ مَا تَرَوْنَ مِنْ كَثْرَتِهِمْ. وَتَزَاحَفَ الْقَوْمُ وَعَلَى مَيْمَنَةِ ابْنِ الْجَارُودِ الْهُذَيْلُ بْنُ عِمْرَانَ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ ظَبْيَانَ، وَعَلَى مَيْمَنَةِ الْحَجَّاجِ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَيُقَالُ عَبَّادُ بْنُ الْحُصَيْنِ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ سَعِيدُ بْنُ أَسْلَمَ، فَحَمَلَ ابْنُ الْجَارُودِ فِي أَصْحَابِهِ حَتَّى جَازَ أَصْحَابَ الْحَجَّاجِ، فَعَطَفَ الْحَجَّاجُ عَلَيْهِ، ثُمَّ اقْتَتَلُوا سَاعَةً، وَكَادَ ابْنُ الْجَارُودِ يَظْفَرُ، فَأَتَاهُ سَهْمُ غَرْبٍ فَأَصَابَهُ فَوَقَعَ مَيِّتًا. وَنَادَى مُنَادِي الْحَجَّاجِ بِأَمَانِ النَّاسِ إِلَّا الْهُذَيْلَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَكِيمٍ، وَأَمَرَ أَنْ لَا يُتْبَعَ الْمُنْهَزِمُونَ، وَقَالَ: الِاتِّبَاعُ مِنْ سُوءِ الْغَلَبَةِ. فَانْهَزَمَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ ظَبْيَانَ، وَأَتَى سَعِيدَ بْنَ عِيَاذِ بْنِ الْجُلُنْدِيِّ الْأَزْدِيَّ بِعُمَانَ، فَقِيلَ لِسَعِيدٍ: إِنَّهُ رَجُلٌ فَاتِكٌ فَاحْذَرْهُ، فَلَمَّا جَاءَ الْبِطِّيخُ بَعَثَ إِلَيْهِ بِنِصْفِ بِطِّيخَةٍ مَسْمُومَةٍ وَقَالَ: هَذَا أَوَّلُ شَيْءٍ جَاءَ مِنَ الْبِطِّيخِ، وَقَدْ أَكَلْتُ نِصْفَ بِطِّيخَةٍ وَبَعَثْتُ بِنِصْفِهَا، فَأَكَلَهَا عُبَيْدُ اللَّهِ فَأَحَسَّ بِالشَّرِّ، فَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَقْتُلَهُ فَقَتَلَنِي. وَحُمِلَ رَأْسُ ابْنِ الْجَارُودِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَأْسًا مِنْ وُجُوهِ أَصْحَابِهِ إِلَى الْمُهَلَّبِ، فَنُصِبَتْ لِيَرَاهَا الْخَوَارِجُ وَيَيْأَسُوا مِنَ الِاخْتِلَافِ. وَحَبَسَ الْحَجَّاجُ عُبَيْدَ بْنَ كَعْبٍ، وَمُحَمَّدَ بْنَ عُمَيْرٍ ; حَيْثُ قَالَا لِلْحَجَّاجِ: تَأْتِينَا

стр. 1869

لِنَمْنَعَكَ. وَحَبَسَ الْغَضْبَانَ بْنَ الْقَبَعْثَرَى وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الْقَائِلُ تَعَشَّ بِالْجَدْيِ قَبْلَ أَنْ يَتَغَدَّى بِكَ؟ فَقَالَ: مَا نُفِعْتُ مِنْ قِيلَتِي لَهُ، وَلَا ضُرِرْتُ مِنْ قِيلَتِي فِيكَ. فَكَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ بِإِطْلَاقِهِ. وَقُتِلَ مَعَ ابْنِ الْجَارُودِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: أَلَا أَرَى أَنَسًا يُعِينُ عَلَيَّ! فَلَمَّا دَخَلَ الْبَصْرَةَ أَخَذَ مَالَهُ، فَحِينَ دَخَلَ عَلَيْهِ أَنَسٌ قَالَ: لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا بِكَ يَا ابْنَ الْخَبِيثَةِ! شَيْخُ ضَلَالَةٍ، جَوَّالٌ فِي الْفِتَنِ، مَرَّةً مَعَ أَبِي تُرَابٍ، وَمَرَّةً مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَمَرَّةً مَعَ ابْنِ الْجَارُودِ! أَمَا وَاللَّهِ لَأُجَرِّدَنَّكَ جَرْدَ الْقَضِيبِ، وَلَأَعْصِبَنَّكَ عَصْبَ السَّلَمَةِ، وَلَأَقْلَعَنَّكَ قَلْعَ الصَّمْغَةِ! فَقَالَ أَنَسٌ: مَنْ يَعْنِي الْأَمِيرُ؟ قَالَ إِيَّاكَ أَعْنِي،، أَصَمَّ اللَّهُ صَدَاكَ! فَرَجَعَ أَنَسٌ فَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ كِتَابًا يَشْكُو فِيهِ الْحَجَّاجَ وَمَا صَنَعَ بِهِ. فَكَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ: أَمَّا بَعْدُ، يَا ابْنَ أُمِّ الْحَجَّاجِ، فَإِنَّكَ عَبْدٌ طَمَتْ بِكَ الْأُمُورُ، فَعَلَوْتَ فِيهَا حَتَّى عَدَوْتَ طَوْرَكَ، وَجَاوَزْتَ قَدْرَكَ، يَا ابْنَ الْمُسْتَفْرِمَةِ بِعَجَمِ الزَّبِيبِ، لَأَغْمِزَنَّكَ غَمْزَةً كَبَعْضِ غَمَزَاتِ اللُّيُوثِ الثَّعَالِبَ، وَلَأَخْبِطَنَّكَ خَبْطَةً تَوَدُّ لَهَا أَنَّكَ رَجَعْتَ فِي مَخْرَجِكَ مِنْ بَطْنِ أُمِّكَ، أَمَا تَذْكُرُ حَالَ آبَائِكَ فِي الطَّائِفِ حَيْثُ كَانُوا يَنْقُلُونَ الْحِجَارَةَ عَلَى ظُهُورِهِمْ، وَيَحْتَفِرُونَ الْآبَارَ بِأَيْدِيهِمْ فِي أَوْدِيَتِهِمْ وَمِيَاهِهِمْ؟ أَنَسِيتَ حَالَ آبَائِكَ فِي اللُّؤْمِ وَالدَّنَاءَةِ فِي الْمُرُوَّةِ وَالْخُلُقِ؟ وَقَدْ بَلَغَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِي كَانَ مِنْكَ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ جُرْأَةً وَإِقْدَامًا، وَأَظُنُّكَ أَرَدْتَ أَنْ تَسْبُرَ مَا عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَمْرِهِ، فَتَعْلَمَ إِنْكَارَهُ ذَلِكَ وَإِغْضَاءَهُ عَنْكَ، فَإِنْ سَوَّغَكَ مَا كَانَ مِنْكَ مَضَيْتَ عَلَيْهِ قُدُمًا، فَعَلَيْكَ لَعْنَةُ اللَّهِ مِنْ عِنْدِ أَخْفَشِ الْعَيْنَيْنِ، أَصَكِّ الرِّجْلَيْنِ، مَمْسُوحِ الْجَاعِرَتَيْنِ! وَلَوْلَا أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَظُنُّ أَنَّ الْكَاتِبَ أَكْثَرَ فِي الْكِتَابَةِ عَنِ الشَّيْخِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِيكَ لَأَرْسَلَ مَنْ يَسْحَبُكَ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، حَتَّى يَأْتِيَ بِكَ أَنَسًا فَيَحْكُمُ فِيكَ، فَأَكْرِمْ أَنَسًا وَأَهْلَ بَيْتِهِ، وَاعْرِفْ لَهُ حَقَّهُ وَخِدْمَتَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلَا تُقَصِّرَنَّ فِي شَيْءٍ مِنْ حَوَائِجِهِ، وَلَا يَبْلُغَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْكَ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ فِيهِ إِلَيْكَ مِنْ

стр. 1870

أَمْرِ أَنَسٍ وَبِرِّهِ وَإِكْرَامِهِ، فَيَبْعَثُ إِلَيْكَ مَنْ يَضْرِبُ ظَهْرَكَ، وَيَهْتِكُ سِتْرَكَ، وَيُشْمِتُ بِكَ عَدُوَّكَ، وَالْقَهُ فِي مَنْزِلِهِ مُتَنَصِّلًا إِلَيْهِ، وَلْيَكْتُبْ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِرِضَاهُ عَنْكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالسَّلَامُ. وَبَعَثَ بِالْكِتَابِ مَعَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ، فَأَتَى إِسْمَاعِيلُ أَنَسًا بِكِتَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيْهِ فَقَرَأَهُ، وَأَتَى الْحَجَّاجَ بِالْكِتَابِ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ يَقْرَؤُهُ وَوَجْهُهُ يَتَغَيَّرُ وَيَتَغَبَّرُ، وَجَبِينُهُ يَرْشَحُ عَرَقًا وَيَقُولُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ اجْتَمَعَ بِأَنَسٍ، فَرَحَّبَ بِهِ الْحَجَّاجُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ وَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ يَعْلَمَ أَهْلُ الْعِرَاقِ إِذْ كَانَ مِنَ ابْنِكَ مَا كَانَ، وَإِذْ بَلَغْتُ مِنْكَ مَا بَلَغْتُ - أَنِّي إِلَيْهِمْ بِالْعُقُوبَةِ أَسْرَعُ. فَقَالَ أَنَسٌ: مَا شَكَوْتُ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ، وَحَتَّى زَعَمْتَ أَنَّا الْأَشْرَارُ وَقَدْ سَمَّانَا اللَّهُ الْأَنْصَارَ، وَزَعَمْتَ أَنَّا أَهْلُ النِّفَاقِ وَنَحْنُ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ، وَسَيَحْكُمُ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ، فَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى التَّغْيِيرِ، لَا يُشْبِهُ الْحَقُّ عِنْدَهُ الْبَاطِلَ، وَلَا الصِّدْقُ الْكَذِبَ، وَزَعَمْتَ أَنَّكَ اتَّخَذْتَنِي ذَرِيعَةً وَسُلَّمًا إِلَى مَسَاءَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ بِاسْتِحْلَالِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنِّي، وَلَمْ يَكُنْ لِي عَلَيْكَ قُوَّةٌ، فَوَكَّلْتُكَ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَحَفِظَ مِنْ حَقِّي مَا لَمْ تَحْفَظْ، فَوَاللَّهِ لَوْ أَنَّ النَّصَارَى عَلَى كُفْرِهِمْ رَأَوْا رَجُلًا خَدَمَ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ يَوْمًا وَاحِدًا، لَعَرَفُوا مِنْ حَقِّهِ مَا لَمْ تَعْرِفْ أَنْتَ مِنْ حَقِّي، وَقَدْ خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ. وَبَعْدُ فَإِنْ رَأَيْنَا خَيْرًا حَمِدْنَا اللَّهَ عَلَيْهِ وَأَثْنَيْنَا، وَإِنْ رَأَيْنَا غَيْرَ ذَلِكَ صَبَرْنَا، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. وَرَدَّ عَلَيْهِ الْحَجَّاجُ مَا كَانَ أَخَذَ مِنْهُ. ذِكْرُ شِيرَ زَنْجِي وَالزَّنْجِ مَعَهُ اجْتَمَعَ الزَّنْجُ بِفُرَاتِ الْبَصْرَةِ فِي آخِرِ أَيَّامِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَلَمْ يَكُونُوا بِالْكَثِيرِ، فَأَفْسَدُوا وَتَنَاوَلُوا الثِّمَارَ، وَوَلِيَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ الْبَصْرَةَ وَقَدْ كَثُرُوا، فَشَكَا النَّاسُ إِلَيْهِ مَا نَالَهُمْ مِنْهُمْ، فَجَمَعَ لَهُمْ جَيْشًا، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ ذَلِكَ تَفَرَّقُوا، وَأَخَذَ بَعْضَهُمْ فَقَتَلَهُمْ وَصَلَبَهُمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ ابْنِ الْجَارُودِ مَا ذَكَرْنَا خَرَجَ الزَّنْجُ أَيْضًا، فَاجْتَمَعَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ بِالْفُرَاتِ، وَجَعَلُوا عَلَيْهِمْ رَجُلًا اسْمُهُ رَبَاحٌ، وَيُلَقَّبُ شِيرَ زَنْجِي، يَعْنِي أَسَدَ الزَّنْجِ،

стр. 1871

فَأَفْسَدُوا، فَلَمَّا فَرَغَ الْحَجَّاجُ مِنَ ابْنِ الْجَارُودِ أَمَرَ زِيَادَ بْنَ عَمْرٍو، وَهُوَ عَلَى شُرْطَةِ الْبَصْرَةِ، أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا يُقَاتِلُهُمْ، فَفَعَلَ وَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا عَلَيْهِ ابْنُهُ حَفْصُ بْنُ زِيَادٍ، فَقَاتَلَهُمْ، فَقَتَلُوهُ وَهَزَمُوا أَصْحَابَهُ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا آخَرَ، فَهَزَمَ الزَّنْجَ وَقَتَلَهُمْ، وَاسْتَقَامَتِ الْبَصْرَةُ. ذِكْرُ إِجْلَاءِ الْخَوَارِجِ عَنْ رَامَهُرْمُزَ وَقَتْلِ ابْنِ مِخْنَفٍ لَمَّا أَتَى كِتَابُ الْحَجَّاجِ إِلَى الْمُهَلَّبِ وَابْنِ مِخْنَفٍ يَأْمُرُهُمَا بِمُنَاهَضَةِ الْخَوَارِجِ، زَحَفُوا إِلَيْهِمْ، وَقَاتَلُوهُمْ شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ، فَانْهَزَمَتِ الْخَوَارِجُ كَأَنَّهُمْ عَلَى حَامِيَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ قِتَالٌ، وَسَارَ الْخَوَارِجُ حَتَّى نَزَلُوا كَازَرُونَ، وَسَارَ الْمُهَلَّبُ وَابْنُ مِخْنَفٍ حَتَّى نَزَلُوا بِهِمْ، وَخَنْدَقَ الْمُهَلَّبُ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَالَ لِابْنِ مِخْنَفٍ: إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُخَنْدِقَ عَلَيْكَ فَافْعَلْ. فَقَالَ أَصْحَابُهُ: نَحْنُ خَنْدَقْنَا سُيُوفَنَا. فَأَتَى الْخَوَارِجُ الْمُهَلَّبَ لِيُبَيِّتُوهُ، فَوَجَدُوهُ قَدْ تَحَرَّزَ، فَمَالُوا نَحْوَ ابْنِ مِخْنَفٍ، فَوَجَدُوهُ لَمْ يُخَنْدِقْ فَقَاتَلُوهُ، فَانْهَزَمَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، فَنَزَلَ فَقَاتَلَ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقُتِلَ وَقُتِلُوا [حَوْلَهُ] ، فَقَالَ شَاعِرُهُمْ: لِمَنِ الْعَسْكَرُ الْمُكَلَّلُ بِالصَّرْ ... عَى فَهُمْ بَيْنَ مَيِّتٍ وَقَتِيلِ فَتَرَاهُمْ تَسْفِي الرِّيَاحُ عَلَيْهِمْ ... حَاصِبَ الرَّمْلِ بَعْدَ جَرِّ الذُّيُولِ هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ. فَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّهُ لَمَّا وَصَلَ كِتَابُ الْحَجَّاجِ بِمُنَاهَضَةِ الْخَوَارِجِ نَاهَضَهُمُ الْمُهَلَّبُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَمَالَتِ الْخَوَارِجُ إِلَى الْمُهَلَّبِ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى عَسْكَرِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَسْتَمِدُّهُ، فَأَمَدَّهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِالْخَيْلِ وَالرِّجَالِ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الظُّهْرِ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ وَرَأَتِ الْخَوَارِجُ مَا يَجِيءُ مِنْ عَسْكَرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنَ الرِّجَالِ، ظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ خَفَّ أَصْحَابُهُ، فَجَعَلُوا بِإِزَاءِ الْمُهَلَّبِ مَنْ يَشْغَلُهُ، وَانْصَرَفُوا بِجُنْدِهِمْ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَلَمَّا رَآهُمْ قَدْ قَصَدُوهُ نَزَلَ وَنَزَلَ مَعَهُ الْقُرَّاءُ، مِنْهُمْ: أَبُو الْأَحْوَصِ، صَاحِبُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَخُزَيْمَةُ بْنُ نَصْرٍ أَبُو نَصْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ الْعَبْسِيُّ، الَّذِي قُتِلَ مَعَ زَيْدِ بْنِ

стр. 1872

عَلِيٍّ، وَصُلِبَ مَعَهُ بِالْكُوفَةِ، وَنَزَلَ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ أَحَدٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا، وَحَمَلَتْ عَلَيْهِمُ الْخَوَارِجُ، فَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْكَشَفَ النَّاسُ عَنْهُ، وَبَقِيَ فِي عِصَابَةٍ مِنْ أَهْلِ الصَّبْرِ ثَبَتُوا مَعَهُ، وَكَانَ ابْنُهُ جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِيمَنْ بَعَثَهُ إِلَى الْمُهَلَّبِ، فَنَادَى فِي النَّاسِ لِيَتْبَعُوهُ إِلَى أَبِيهِ، فَلَمْ يَتْبَعْهُ إِلَّا نَاسٌ قَلِيلٌ، فَجَاءَ حَتَّى دَنَا مِنْ أَبِيهِ، فَحَالَتِ الْخَوَارِجُ بَيْنَهُمَا، فَقَاتَلَ حَتَّى جُرِحَ. وَقَاتَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى تَلٍّ مُشْرِفٍ، حَتَّى ذَهَبَ نَحْوٌ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قُتِلَ فِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا جَاءَ الْمُهَلَّبُ فَدَفَنَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بِذَلِكَ فَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، وَذَمَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ. وَبَعَثَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَسْكَرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَتَّابَ بْنَ وَرْقَاءَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْمَعَ لِلْمُهَلَّبِ، فَسَاءَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ طَاعَتِهِ، فَجَاءَ إِلَى الْعَسْكَرِ، وَقَاتَلَ الْخَوَارِجَ وَأَمْرُهُ إِلَى الْمُهَلَّبِ وَهُوَ يَقْضِي أُمُورَهُ، وَلَا يَكَادُ يَسْتَشِيرُ الْمُهَلَّبَ. فَوَضَعَ عَلَيْهِ الْمُهَلَّبُ رِجَالًا اصْطَنَعَهُمْ وَأَغْرَاهُمْ بِهِ، مِنْهُمْ بِسْطَامُ بْنُ مَصْقَلَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ. وَجَرَى بَيْنَ عَتَّابٍ وَالْمُهَلَّبِ ذَاتَ يَوْمٍ كَلَامٌ أَغْلَظَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، وَرَفَعَ الْمُهَلَّبُ الْقَضِيبَ عَلَى عَتَّابٍ، فَوَثَبَ إِلَيْهِ ابْنُهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، فَقَبَضَ الْقَضِيبَ وَقَالَ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ! شَيْخٌ مِنْ أَشْيَاخِ الْعَرَبِ، وَشَرِيفٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، إِنْ سَمِعْتَ [مِنْهُ] بَعْضَ مَا تَكْرَهُ، فَاحْتَمِلْهُ لَهُ فَإِنَّهُ لِذَلِكَ أَهْلٌ. فَفَعَلَ، فَافْتَرَقَا، فَأَرْسَلَ عَتَّابٌ إِلَى الْحَجَّاجِ يَشْكُو الْمُهَلَّبَ، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْعَوْدِ إِلَيْهِ، فَوَافَقَ ذَلِكَ حَاجَةً مِنَ الْحَجَّاجِ إِلَيْهِ فِيمَا لَقِيَ أَشْرَافُ الْكُوفَةِ مِنْ شَبِيبٍ، فَاسْتَقْدَمَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ الْجَيْشَ مَعَ الْمُهَلَّبِ، فَجَعَلَ الْمُهَلَّبُ عَلَيْهِمُ ابْنَهُ حَبِيبًا. وَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مِرْدَاسٍ الْبَارِقِيُّ يَرْثِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مِخْنَفٍ: ثَوَى سَيِّدُ الْأَزْدَيْنِ أَزْدِ شَنُوءَةَ ... وَأَزْدِ عُمَانَ رَهْنَ رَمْسٍ بِكَازِرِ وَضَارَبَ حَتَّى مَاتَ أَكْرَمَ مِيتَةٍ ... بِأَبْيَضَ صَافٍ كَالْعَقِيقَةِ بَاتِرِ وَصُرِّعَ عِنْدَ التَّلِّ تَحْتَ لِوَائِهِ ... كِرَامُ الْمَسَاعِي مِنْ كِرَامِ الْمَعَاشِرِ

стр. 1873

قَضَى نَحْبَهُ يَوْمَ اللِّقَاءِ ابْنُ مِخْنَفٍ ... وَأَدْبَرَ عَنْهُ كُلُّ أَلْوَثَ دَاثِرِ أَمَدَّ وَلَمْ يُمْدَدْ فَرَاحَ مُشَمِّرًا ... إِلَى اللَّهِ لَمْ يَذْهَبْ بِأَثْوَابِ غَادِرِ وَأَقَامَ الْمُهَلَّبُ بِسَابُورَ يُقَاتِلُهُمْ نَحْوًا مِنْ سَنَةٍ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَحَرَّكَ صَالِحُ بْنُ مُسَرَّحٍ أَحَدُ بَنِي امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ مِنْ تَمِيمٍ، وَكَانَ يَرَى رَأْيَ الصُّفْرِيَّةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَرَجَ فِيهِمْ، وَحَجَّ هَذِهِ السَّنَةَ وَمَعَهُ شَبِيبُ بْنُ يَزِيدَ، وَسُوَيْدٌ، وَالْبَطِينُ، وَأَشْبَاهُهُمْ، وَحَجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبْدُ الْمَلِكِبْنُ مَرْوَانَ، فَهَمَّ شَبِيبٌ أَنْ يَفْتِكَ بِهِ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ مِنْ خَبَرِهِمْ، فَكَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ بَعْدَ انْصِرَافِهِ يَأْمُرُهُ بِطَلَبِهِمْ، وَكَانَ شَيْخًا صَالِحًا يَأْتِي الْكُوفَةَ، فَيُقِيمُ بِهَا الشَّهْرَ وَنَحْوَهُ، فَيَلْقَى أَصْحَابَهُ وَيُعِدُّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا طَلَبَهُ الْحَجَّاجُ نَبَتْ بِهِ الْكُوفَةُ، فَتَرَكَهَا. وَفِيهَا غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ الصَّائِفَةَ عِنْدَ خُرُوجِ الرُّومِ إِلَى الْعُمْقِ مِنْ نَاحِيَةِ مَرْعَشٍ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَخَطَبَ النَّاسَ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي لَسْتُ بِالْخَلِيفَةِ الْمُسْتَضْعَفِ، يَعْنِي عُثْمَانَ، وَلَا بِالْخَلِيفَةِ الْمُدَاهِنِ، يَعْنِي مُعَاوِيَةَ، وَلَا بِالْخَلِيفَةِ الْمَأْفُونِ، يَعْنِي يَزِيدَ، أَلَا وَإِنِّي لَا أُدَاوِي هَذِهِ الْأُمَّةَ إِلَّا بِالسَّيْفِ حَتَّى تَسْتَقِيمَ لِي قَنَاتُكُمْ، وَإِنَّكُمْ تُحَفِّظُونَنَا أَعْمَالَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَلَا تَعْمَلُونَ مِثْلَ أَعْمَالِهِمْ، وَإِنَّكُمْ تَأْمُرُونَنَا بِتَقْوَى اللَّهِ وَتَنْسَوْنَ ذَلِكَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَاللَّهِ لَا يَأْمُرُنِي أَحَدٌ

стр. 1874

بِتَقْوَى اللَّهِ بَعْدَ مَقَامِي هَذَا إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ. ثُمَّ نَزَلَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ الْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ السُّلَمِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، وَقِيلَ: بَلْ مَاتَ بِالشَّامِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ.

стр. 1875

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسَبْعِينَ] ٧٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسَبْعِينَ ذِكْرُ خُرُوجِ صَالِحِ بْنِ مُسَرِّحٍ كَانَ صَالِحُ بْنُ مُسَرِّحٍ التَّمِيمِيُّ رَجُلًا نَاسِكًا، مُصْفَرَّ الْوَجْهِ، صَاحِبَ عِبَادَةٍ، وَكَانَ بِدَارَا وَأَرْضِ الْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ، وَلَهُ أَصْحَابٌ يَقْرَأُ بِهِمُ الْقُرْآنَ وَالْفِقْهَ وَيَقُصُّ عَلَيْهِمْ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْخُرُوجِ وَإِنْكَارِ الظُّلْمِ وَجِهَادِ الْمُخَالِفِينَ لَهُمْ، فَأَجَابُوهُ، وَحَثَّهُمْ عَلَيْهِمْ، فَرَاسَلَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ وَتَلَاقَوْا بِهِ، فَبَيْنَا هُمْ فِي ذَلِكَ إِذْ قَدِمَ عَلَيْهِ كِتَابُ شَبِيبٍ يَقُولُ لَهُ: إِنَّكَ كُنْتَ تُرِيدُ الْخُرُوجَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِكَ الْيَوْمَ، فَأَنْتَ شَيْخُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَنْ نَعْدِلَ بِكَ أَحَدًا، وَإِنْ أَرَدْتَ تَأْخِيرَ ذَلِكَ [الْيَوْمِ] أَعْلِمْنِي، فَإِنَّ الْآجَالَ غَادِيَةٌ وَرَائِحَةٌ، وَلَا آمَنُ أَنْ تَخْتَرِمَنِيَ الْمَنِيَّةُ وَلَمْ أُجَاهِدِ الظَّالِمِينَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ صَالِحٌ: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَّا انْتِظَارُكَ، فَأَقْبِلْ إِلَيْنَا، فَإِنَّكَ مِمَّنْ لَا يُسْتَغْنَى عَنْ رَأْيِهِ، وَلَا تُقْضَى دُونَهُ الْأُمُورُ. فَلَمَّا قَرَأَ شَبِيبٌ كِتَابَهُ دَعَا نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِهِ، مِنْهُمْ: أَخُوهُ مُصَادُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ نُعَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ، وَالْمُحَلِّلُ بْنُ وَائِلٍ الْيَشْكُرِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، وَخَرَجَ بِهِمْ حَتَّى قَدِمَ عَلَى صَالِحٍ بِدَارَا، فَلَمَّا لَقِيَهُ قَالَ: اخْرُجْ بِنَا رَحِمَكَ اللَّهُ، فَوَاللَّهِ مَا تَزْدَادُ [السُّنَّةُ] إِلَّا دُرُوسًا، وَلَا يَزْدَادُ الْمُجْرِمُونَ إِلَّا طُغْيَانًا. فَبَثَّ صَالِحٌ رُسُلَهُ، وَوَاعَدَ أَصْحَابَهُ الْخُرُوجَ إِلَى ذَلِكَ هِلَالَ صَفَرٍ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ، فَاجْتَمَعُوا عِنْدَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَسَأَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنِ الْقِتَالِ قَبْلَ الدُّعَاءِ أَمْ بَعْدَهُ؟ فَقَالَ: بَلْ نَدْعُوهُمْ، فَإِنَّهُ أَقْطَعُ لِحُجَّتِهِمْ. فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ تَرَى فِيمَنْ قَاتَلَنَا فَظَفِرْنَا بِهِ، مَا تَقُولُ فِي دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ؟ فَقَالَ لَهُمْ: إِنْ قَتَلْنَا وَغَنِمْنَا فَلَنَا، وَإِنْ عَفَوْنَا فَمُوَسَّعٌ عَلَيْنَا.

стр. 1876

ثُمَّ وَعَظَ أَصْحَابَهُ وَأَمَرَهُمْ بِأَمْرِهِ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَكْثَرَكُمْ رَجَّالَةٌ، وَهَذِهِ دَوَابٌّ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ، فَابْدَؤُوا بِهَا فَاحْمِلُوا عَلَيْهَا رِجَالَكُمْ، وَتَقَوَّوْا بِهَا عَلَى عَدُوِّكُمْ. فَخَرَجُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَأَخَذُوا الدَّوَابَّ فَاحْتَمَلُوا عَلَيْهَا، وَأَقَامُوا بِأَرْضِ دَارَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً. وَتَحَصَّنَ مِنْهُمْ أَهْلُهَا وَأَهْلُ نَصِيبِينَ وَسِنْجَارَ، وَكَانَ خُرُوجُهُ وَهُوَ فِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ: وَعَشْرَةٍ. وَبَلَغَ مُحَمَّدًا مَخْرَجُهُمْ، وَهُوَ أَمِيرُ الْجَزِيرَةِ، فَأَرْسَلَ عَدِيَّ بْنَ عَدِيٍّ الْكِنْدِيَّ إِلَيْهِمْ فِي أَلْفِ فَارِسٍ، فَسَارَ مِنْ حَرَّانَ، فَنَزَلَ دَوْغَانَ، وَكَانُوا أَوَّلَ جَيْشٍ سَارَ إِلَى صَالِحٍ، وَسَارَ عَدِيٌّ وَكَأَنَّهُ يُسَاقُ إِلَى الْمَوْتِ. وَأَرْسَلَ إِلَى صَالِحٍ يَسْأَلُهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ هَذِهِ الْبِلَادِ وَيُعْلِمُهُ أَنَّهُ يَكْرَهُ قِتَالَهُ، وَكَانَ عَدِيٌّ نَاسِكًا، فَأَعَادَ صَالِحٌ: إِنْ كُنْتَ تَرَى رَأْيَنَا خَرَجْنَا عَنْكَ، وَإِلَّا فَنَرَى رَأْيَنَا. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَدِيٌّ: إِنِّي لَا أَرَى رَأْيَكَ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ قِتَالَكَ وَقِتَالَ غَيْرِكَ. فَقَالَ صَالِحٌ لِأَصْحَابِهِ: ارْكَبُوا. فَرَكِبُوا، وَحَبَسَ الرَّسُولَ عِنْدَهُ وَمَضَى بِأَصْحَابِهِ، فَأَتَى عَدِيًّا وَهُوَ يُصَلِّي الضُّحَى، فَلَمْ يَشْعُرُوا إِلَّا وَالْخَيْلُ طَالِعَةٌ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهَا تَنَادَوْا، وَجَعَلَ صَالِحٌ شَبِيبًا فِي مَيْمَنَتِهِ، وَسُوَيْدَ بْنَ سُلَيْمٍ فِي مَيْسَرَتِهِ، وَوَقَفَ فِي الْقَلْبِ، فَأَتَاهُمْ وَهُمْ عَلَى غَيْرِ تَعْبِيَةٍ، وَبَعْضُهُمْ يَجُولُ فِي بَعْضٍ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ شَبِيبٌ وَسُوَيْدٌ فَانْهَزَمُوا، وَأُتِيَ عَدِيُّ بْنُ عَدِيٍّ بِدَابَّتِهِ فَرَكِبَهَا وَانْهَزَمَ، وَجَاءَ صَالِحٌ وَنَزَلَ فِي مُعَسْكَرِهِ، وَأَخَذُوا مَا فِيهِ. وَدَخَلَ أَصْحَابُ عَدِيٍّ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ، فَغَضِبَ عَلَى عَدِيٍّ، ثُمَّ دَعَا خَالِدَ بْنَ جَزْءٍ السُّلَمِيَّ، فَبَعَثَهُ فِي أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَدَعَا الْحَارِثَ بْنَ جَعْوَنَةَ الْعَامِرِيَّ، فَبَعَثَهُ فِي أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَقَالَ: اخْرُجَا إِلَى هَذِهِ الْمَارِقَةِ، وَأَغِذَّا السَّيْرَ، فَأَيُّكُمَا سَبَقَ فَهُوَ الْأَمِيرُ عَلَى صَاحِبِهِ. فَخَرَجَا مُتَسَانِدَيْنِ يَسْأَلَانِ عَنْ صَالِحٍ، فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهُ نَحْوَ آمِدَ، فَقَصَدَاهُ، فَوَجَّهَ صَالِحٌ شَبِيبًا فِي شَطْرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ جَعْوَنَةَ، وَتَوَجَّهَ هُوَ نَحْوَ خَالِدٍ، فَاقْتَتَلُوا مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ أَشَدَّ قِتَالٍ، فَلَمْ تَثْبُتْ خَيْلُ مُحَمَّدٍ لِخَيْلِ صَالِحٍ، فَلَمَّا رَأَى أَمِيرَاهُمْ ذَلِكَ تَرَجَّلَا، وَتَرَجَّلَ مَعَهُمَا أَكْثَرُ أَصْحَابِهِمَا، فَلَمْ يَقْدِرْ أَصْحَابُ صَالِحٍ حِينَئِذٍ عَلَيْهِمْ، وَكَانُوا إِذَا حَمَلُوا اسْتَقْبَلَتْهُمُ الرَّجَّالَةُ بِالرِّمَاحِ، وَرَمَاهُمُ الرُّمَاةُ بِالنَّبْلِ، وَطَارَدَهُمْ خَيَّالَتُهُمْ، فَقَاتَلُوهُمْ إِلَى الْمَسَاءِ، فَكَثُرَتِ الْجِرَاحُ فِي الْفَرِيقَيْنِ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ صَالِحٍ نَحْوُ ثَلَاثِينَ رَجُلًا، وَمِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِينَ. فَلَمَّا أَمْسَوْا تَرَاجَعُوا، فَاسْتَشَارَ صَالِحٌ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ شَبِيبٌ: إِنَّ الْقَوْمَ قَدِ اعْتَصَمُوا

стр. 1877

بِخَنْدَقِهِمْ، فَلَا أَرَى أَنْ نُقِيمَ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ صَالِحٌ: وَأَنَا أَرَى ذَلِكَ. فَخَرَجُوا مِنْ لَيْلَتِهِمْ سَائِرِينَ، فَقَطَعُوا أَرْضَ الْجَزِيرَةِ وَأَرْضَ الْمَوْصِلِ، وَانْتَهَوْا إِلَى الدَّسْكَرَةِ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْحَجَّاجَ سَرَّحَ إِلَيْهِمُ الْحَارِثَ بْنَ عُمَيْرَةَ بْنِ ذِي الشِّعَارِ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَسَارَ حَتَّى دَنَا مِنَ الدَّسْكَرَةِ، وَخَرَجَ صَالِحُ بْنُ مُسَرِّحٍ حَتَّى أَتَى قَرْيَةً يُقَالُ لَهَا مَدْبَجُ عَلَى تُخُومِ مَا بَيْنَ الْمَوْصِلِ وَجُوخَى، وَصَالِحٌ فِي تِسْعِينَ رَجُلًا، فَلَقِيَهُمُ الْحَارِثُ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ سُوَيْدُ بْنُ سُلَيْمٍ فِي مَيْسَرَةِ صَالِحٍ، وَثَبَتَ صَالِحٌ، فَقُتِلَ، وَقَاتَلَ شَبِيبٌ حَتَّى صُرِعَ عَنْ فَرَسِهِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ رَاجِلًا، فَانْكَشَفُوا عَنْهُ، فَجَاءَ إِلَى مَوْقِفٍ صَالِحٍ فَأَصَابَهُ قَتِيلًا، فَنَادَى: إِلَيَّ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَاذُوا بِهِ. فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: لِيَجْعَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ ظَهْرَهُ إِلَى ظَهْرِ صَاحِبِهِ، وَلِيُطَاعِنْ عَدُوَّهُ حَتَّى يَدْخُلَ هَذَا الْحُصَيْنَ وَنَرَى رَأْيَنَا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَدَخَلُوا الْحُصَيْنَ جَمِيعُهُمْ، وَهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا، وَأَحَاطَ بِهِمُ الْحَارِثُ وَأَحْرَقَ عَلَيْهِمُ الْبَابَ، وَقَالَ: إِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ. (مُسَرِّحٌ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا، وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ. وَجَعْوَنَةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الْوَاوِ، وَآخِرُهُ نُونٌ) . ذِكْرُ بَيْعَةِ شَبِيبٍ الْخَارِجِيِّ وَمُحَارَبَةِ الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْرَةَ فَلَمَّا أَحْرَقَ الْحَارِثُ الْبَابَ عَلَى شَبِيبٍ وَمَنْ مَعَهُ وَقَالَ: إِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ، وَنُصَبِّحُهُمْ غَدًا فَنُقَتِّلُهُمْ، وَانْصَرَفَ إِلَى عَسْكَرِهِ - قَالَ شَبِيبٌ لِأَصْحَابِهِ: مَا تَنْتَظِرُونَ؟ فَوَاللَّهِ لَئِنْ صَبَّحَكُمْ هَؤُلَاءِ غَدْوَةً إِنَّهُ لَهَلَاكُكُمْ. فَقَالُوا: مُرْنَا بِأَمْرِكَ. فَقَالَ: بَايِعُونِي أَوْ مَنْ شِئْتُمْ مِنْ أَصْحَابِكُمْ، وَاخْرُجُوا بِنَا حَتَّى نَشُدَّ عَلَيْهِمْ فِي عَسْكَرِهِمْ، فَإِنَّهُمْ آمِنُونَ. فَبَايَعُوا شَبِيبًا، وَهُوَ شَبِيبُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ نُعَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ، وَأَتَوْا بِاللُّبُودِ فَبَلُّوهَا، وَجَعَلُوهَا عَلَى جَمْرِ الْبَابِ وَخَرَجُوا، فَلَمْ يَشْعُرِ الْحَارِثُ إِلَّا وَشَبِيبٌ وَأَصْحَابُهُ يُضَارِبُونَهُمْ بِالسُّيُوفِ فِي جَوْفِ الْعَسْكَرِ، فَصُرِعَ الْحَارِثُ، فَاحْتَمَلَهُ أَصْحَابُهُ وَانْهَزَمُوا نَحْوَ الْمَدَائِنِ، وَحَوَى شَبِيبٌ عَسْكَرَهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ الْجَيْشُ أَوَّلَ جَيْشٍ هَزَمَهُ شَبِيبٌ.

стр. 1878

ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ أَصْحَابِ شَبِيبٍ وَغَيْرِهِ ثُمَّ إِنَّ شَبِيبًا لَقِيَ سَلَامَةَ بْنَ سِنَانٍ التَّيْمِيَّ، تَيْمِ شَيْبَانَ، بِأَرْضِ الْمَوْصِلِ، فَدَعَاهُ إِلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ، فَشَرَطَ عَلَيْهِ سَلَامَةُ أَنْ يَنْتَخِبَ فَارِسًا يَنْطَلِقُ بِهِمْ نَحْوَ عَنَزَةَ، فَيَشْفِي نَفْسَهُ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا قَتَلُوا أَخَاهُ فَضَالَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ فَضَالَةَ كَانَ خَرَجَ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا حَتَّى نَزَلَ مَاءً يُقَالُ لَهُ الشَّجَرَةُ، عَلَيْهِ أَثْلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَعَلَيْهِ عَنَزَةُ نَازِلُونَ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: نَقْتُلُ هَؤُلَاءِ، وَنَغْدُو عَلَى أَمِيرِنَا فَيُعْطِينَا شَيْئًا. فَقَالَ أَخْوَالُهُ مِنْ بَنِي نَصْرٍ: لَا نُسَاعِدُكُمْ عَلَى قَتْلِ ابْنِ أَخِينَا. فَنَهَضَتْ عَنَزَةُ فَقَتَلُوهُمْ، وَأَتَوْا بِرُءُوسِهِمْ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، فَلِذَلِكَ أَنْزَلَهُمْ بَانِقْيَا وَفَرَضَ لَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ فَرَائِضُ إِلَّا قَلِيلَةً، فَقَالَ سَلَامَةُ أَخُو فَضَالَةَ يَذْكُرُ قَتْلَ أَخِيهِ وَخُذْلَانَ أَخْوَالِهِ إِيَّاهُ: وَمَا خِلْتُ أَخْوَالَ الْفَتَى يُسْلِمُونَهُ ... لِوَقْعِ السِّلَاحِ قَبْلَ مَا فَعَلَتْ نَصْرُ وَكَانَ خُرُوجُ فَضَالَةَ قَبْلَ خُرُوجِ صَالِحٍ. فَأَجَابَهُ شَبِيبٌ، فَخَرَجَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى عَنَزَةَ، فَجَعَلَ يَقْتُلُ مَحَلَّةً بَعْدَ مَحَلَّةٍ حَتَّى انْتَهَى إِلَى فَرِيقٍ مِنْهُمْ فِيهِمْ خَالَتُهُ قَدْ أَكَبَّتْ عَلَى ابْنٍ لَهَا، وَهُوَ غُلَامٌ حِينَ احْتَلَمَ، فَأَخْرَجَتْ ثَدْيَهَا وَقَالَتْ: أَنْشُدُكَ بِرَحِمِ هَذَا يَا سَلَامَةُ! فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ فَضَالَةَ مُذْ أَنَاخَ بِأَصْلِ الشَّجَرَةِ - يَعْنِي أَخَاهُ - لَتَقُومِنَّ عَنْهُ أَوْ لَأَجْمَعَنَّكُمَا بِالرُّمْحِ! فَقَامَتْ عَنْهُ فَقَتَلَهُ. ذِكْرُ مَسِيرِ شَبِيبٍ إِلَى بَنِي شَيْبَانَ وَإِيقَاعِهِ بِهِمْ ثُمَّ أَقْبَلَ شَبِيبٌ فِي خَيْلِهِ نَحْوَ رَاذَانَ، فَهَرَبَ مِنْهُ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ وَمَعَهُمْ نَاسٌ مِنْ غَيْرِهِمْ قَلِيلٌ، حَتَّى نَزَلُوا دَيْرَ خُرَّزَادَ إِلَى جَنْبِ حَوْلَايَا، وَهُمْ نَحْوُ ثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَشَبِيبٌ فِي نَحْوِ سَبْعِينَ رَجُلًا أَوْ يَزِيدُونَ قَلِيلًا، فَنَزَلَ بِهِمْ فَتَحَصَّنُوا مِنْهُ. ثُمَّ إِنَّ شَبِيبًا سَرَى فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا إِلَى أُمِّهِ، وَكَانَتْ فِي صَفْحِ جَبَلِ سَاتِيدَمَا، فَقَالَ: لَآتِيَنَّ بِهَا تَكُونُ فِي عَسْكَرِي لَا تُفَارِقُنِي حَتَّى تَمُوتَ أَوْ أَمُوتَ. فَسَارَ بِهِمْ سَاعَةً، وَإِذَا هُوَ بِجَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ فِي أَمْوَالِهِمْ مُقِيمِينَ، لَا يَرَوْنَ أَنَّ شَبِيبًا يَمُرُّ بِهِمْ وَلَا يَشْعُرُ بِهِمْ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ، فَقَتَلَ ثَلَاثِينَ شَيْخًا فِيهِمْ حَوْثَرَةُ بْنُ أَسَدٍ، وَمَضَى شَبِيبٌ إِلَى أُمِّهِ فَحَمَلَهَا، وَأَشْرَفَ رَجُلٌ مِنَ الدَّيْرِ عَلَى أَصْحَابِ شَبِيبٍ، وَكَانَ قَدِ اسْتَخْلَفَ شَبِيبٌ عَلَيْهِمْ

стр. 1879

أَخَاهُ مُصَادَ بْنَ يَزِيدَ، وَهُمْ قَدْ حَصَرُوا مَنْ فِي الدَّيْرِ، فَقَالَ: يَا قَوْمُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْقُرْآنُ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] ، فَكُفُّوا عَنَّا حَتَّى نَخْرُجَ إِلَيْكُمْ عَلَى أَمَانٍ، وَتَعْرِضُوا عَلَيْنَا أَمْرَكُمْ، فَإِنْ قَبِلْنَاهُ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ دِمَاؤُنَا وَأَمْوَالُنَا، وَإِنْ نَحْنُ لَمْ نَقْبَلْهُ رَدَدْتُمُونَا إِلَى مَأْمَنِنَا، ثُمَّ رَأَيْتُمْ رَأْيَكُمْ. فَأَجَابُوهُمْ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِمْ، فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُ شَبِيبٍ قَوْلَهُمْ، فَقَبِلُوهُ كُلَّهُ، ثُمَّ خَالَطُوهُ وَنَزَلُوا إِلَيْهِمْ، وَجَاءَ شَبِيبٌ فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ: أَصَبْتُمْ وَوُفِّقْتُمْ. ذِكْرُ الْوَقْعَةِ بَيْنَ شَبِيبٍ وَسُفْيَانَ الْخَثْعَمِيِّ ثُمَّ إِنَّ شَبِيبًا ارْتَحَلَ، فَخَرَجَ مَعَهُ طَائِفَةٌ وَأَقَامَتْ طَائِفَةٌ، وَسَارَ شَبِيبٌ فِي أَرْضِ الْمَوْصِلِ نَحْوَ أَذْرَبِيجَانَ، وَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى سُفْيَانَ بْنِ أَبِي الْعَالِيَةِ الْخَثْعَمِيِّ يَأْمُرُهُ بِالْقُفُولِ، وَكَانَ مَعَهُ أَلْفُ فَارِسٍ، يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا طَبَرِسْتَانَ. فَلَمَّا أَتَاهُ كِتَابُ الْحَجَّاجِ صَالَحَ صَاحِبَ طَبَرِسْتَانَ وَرَجَعَ، فَأَمَرَهُ الْحَجَّاجُ بِنُزُولِ الدَّسْكَرَةِ حَتَّى يَأْتِيَهُ جَيْشُ الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْرَةَ الْهَمْدَانِيِّ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ صَالِحًا، وَحَتَّى تَأْتِيَهُ خَيْلُ الْمَنَاظِرِ، ثُمَّ يَسِيرُ إِلَى شَبِيبٍ. فَأَقَامَ بِالدَّسْكَرَةِ، وَنُودِيَ فِي جَيْشِ الْحَارِثِ: الْحَرْبُ بِالْكُوفَةِ وَالْمَدَائِنِ، فَخَرَجُوا حَتَّى أَتَوْا سُفْيَانَ، وَأَتَتْهُ خَيْلُ الْمَنَاظِرِ عَلَيْهِمْ سَوْرَةُ بْنُ الْحُرِّ التَّمِيمِيُّ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَوْرَةُ بِالتَّوَقُّفِ حَتَّى يَلْحَقَهُ، فَعَجَّلَ سُفْيَانُ فِي طَلَبِ شَبِيبٍ، فَلَحِقَهُ بِخَانِقِينَ، وَارْتَفَعَ شَبِيبٌ عَنْهُمْ حَتَّى كَأَنَّهُ يَكْرَهُ قِتَالَهُمْ، وَأَكْمَنَ أَخَاهُ مُصَادًا فِي هَزْمٍ مِنَ الْأَرْضِ فِي خَمْسِينَ رَجُلًا فَارِسًا، وَمَضَى فِي سَفْحِ الْجَبَلِ، فَقَالُوا: هَرَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، فَاتَّبَعُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ عَدِيُّ بْنُ عُمَيْرَةَ الشَّيْبَانِيُّ: لَا تُعَجِّلُوا حَتَّى نُبْصِرَ الْأَرْضَ لِئَلَّا يَكُونَ قَدْ كَمَّنَ فِيهَا كَمِينًا. فَلَمْ يَلْتَفِتُوا، فَاتَّبَعُوهُ، فَلَمَّا جَازُوا الْكَمِينَ رَجَعَ عَلَيْهِمْ شَبِيبٌ، وَخَرَجَ أَخُوهُ فِي الْكَمِينِ، فَانْهَزَمَ النَّاسُ بِغَيْرِ قِتَالٍ، وَثَبَتَ سُفْيَانُ فِي نَحْوٍ مِنْ مِائَتَيْ رَجُلٍ، فَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، وَحَمَلَ سُوَيْدُ بْنُ سُلَيْمٍ عَلَى سُفْيَانَ فَطَاعَنَهُ، ثُمَّ تَضَارَبَا بِالسُّيُوفِ، وَاعْتَنَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَوَقَعَا إِلَى الْأَرْضِ. ثُمَّ تَحَاجَزُوا، وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ شَبِيبٌ فَانْكَشَفُوا، وَأَتَى سُفْيَانَ غُلَامٌ لَهُ، فَنَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ وَأَرْكَبَهُ وَقَاتَلَ دُونَهُ، فَقُتِلَ الْغُلَامُ وَنَجَا سُفْيَانُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَابِلَ مَهْرُوذَ، وَكَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ بِالْخَبَرِ، وَيُعَرِّفُهُ وُصُولَ الْجُنْدِ إِلَّا سَوْرَةَ بْنَ

стр. 1880

الْحُرِّ، فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ مَعِيَ الْقِتَالَ، فَلَمَّا قَرَأَ الْحَجَّاجُ الْكِتَابَ أَثْنَى عَلَيْهِ. ذِكْرُ الْوَقْعَةَ بَيْنَ شَبِيبٍ وَسَوْرَةَ بْنِ الْحُرِّ فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُ سُفْيَانَ إِلَى الْحَجَّاجِ كَتَبَ إِلَى سَوْرَةَ بْنِ الْحُرِّ يَلُومُهُ وَيَتَهَدَّدُهُ، وَيَأْمُرُهُ أَنْ يَنْتَخِبَ مِنَ الْمَدَائِنِ خَمْسَمِائَةِ فَارِسٍ، وَيَسِيرَ بِهِمْ وَبِمَنْ مَعَهُ إِلَى شَبِيبٍ. فَفَعَلَ ذَلِكَ سَوْرَةُ وَسَارَ نَحْوَ شَبِيبٍ، وَشَبِيبٌ يَجُولُ فِي جُوخَى، وَسَوْرَةُ فِي طَلَبِهِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمَدَائِنِ، فَتَحَصَّنُوا مِنْهُ، وَأَخَذَ مِنْهَا دَوَابَّ وَقَتَلَ مَنْ ظَهَرَ لَهُ، فَأَتَى فَقِيلَ لَهُ: هَذَا سَوْرَةُ قَدْ أَقْبَلَ. فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى النَّهْرَوَانَ، فَصَلُّوا وَتَرَحَّمُوا عَلَى أَصْحَابِهِمُ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ، وَتَبَرَّءُوا مِنْ عَلِيٍّ وَأَصْحَابِهِ. وَأَخْبَرَتْ سَوْرَةَ عُيُونُهُ بِمَنْزِلِ شَبِيبٍ، فَدَعَا أَصْحَابَهُ فَقَالَ: إِنَّ شَبِيبًا لَا يَزِيدُ عَلَى مِائَةِ رَجُلٍ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَنْتَخِبَكُمْ فَأَسِيرُ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ شُجْعَانِكُمْ، فَآتِيهِ وَهُوَ آمِنٌ بَيَاتَكُمْ، فَإِنِّي أَرْجُو مِنَ اللَّهِ أَنْ يَصْرَعَهُمْ. فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ، فَانْتَخَبَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسَارَ بِهِمْ نَحْوَ النَّهْرَوَانِ، وَبَاتَ شَبِيبٌ وَقَدْ أَذْكَى الْحَرَسَ، فَلَمَّا دَنَا أَصْحَابُ سَوْرَةَ عَلِمُوا بِهِمْ، فَاسْتَوَوْا عَلَى خُيُولِهِمْ، وَتَعَبَّوْا تَعْبِيَتَهُمْ لِلْحَرْبِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِمْ سَوْرَةُ رَآهُمْ قَدْ حَذِرُوا، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ، فَثَبَتُوا لَهُ وَضَارَبُوهُمْ، وَصَاحَ شَبِيبٌ بِأَصْحَابِهِ، فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى تَرَكُوا الْعَرْصَةَ، وَشَبِيبٌ يَقُولُ: مَنْ يَنِكِ الْعَيْرَ يَنِكْ نَيَّاكَا جَنْدَلَتَانِ اصْطَكَّتَا اصْطِكَاكَا فَرَجَعَ سَوْرَةُ إِلَى عَسْكَرِهِ وَقَدْ هُزِمَ الْفُرْسَانُ وَأَهْلُ الْقُوَّةِ، فَتَحَمَّلَ بِهِمْ وَأَقْبَلَ نَحْوَ الْمَدَائِنِ، وَاتَّبَعَهُ شَبِيبٌ يَرْجُو أَنْ يُدْرِكَهُ فَيُصِيبَ عَسْكَرَهُ. فَوَصَلَ إِلَيْهِمْ وَقَدْ دَخَلَ النَّاسُ الْمَدَائِنَ، وَخَرَجَ ابْنُ أَبِي الْعُصَيْفِرِ أَمِيرُ الْمَدَائِنِ فِي أَهْلِ الْمَدَائِنِ، فَرَمَوْا أَصْحَابَ شَبِيبٍ بِالنَّبْلِ وَالْحِجَارَةِ، فَارْتَفَعَ شَبِيبٌ عَنِ الْمَدَائِنِ، فَمَرَّ عَلَى كَلْوَاذَى، فَأَصَابَ بِهَا دَوَابَّ كَثِيرَةً لِلْحَجَّاجِ، فَأَخَذَهَا وَمَضَى إِلَى تَكْرِيتَ، وَأُرْجِفَ النَّاسُ بِالْمَدَائِنِ بِوُصُولِ شَبِيبٍ إِلَيْهِمْ، فَهَرَبَ مَنْ بِهَا مِنَ الْجُنْدِ نَحْوَ الْكُوفَةِ، وَكَانَ شَبِيبٌ بِتَكْرِيتَ، وَلَامَ الْحَجَّاجُ سَوْرَةَ وَحَبَسَهُ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ.

стр. 1881

ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ شَبِيبٍ وَالْجَزْلِ بْنِ سَعِيدٍ، وَقَتْلِ سَعِيدِ بْنِ مُجَالِدٍ فَلَمَّا قَدِمَ الْفَلُّ الْكُوفَةَ سَيَّرَ الْحَجَّاجُ الْجَزْلَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ شُرَحْبِيلَ الْكِنْدِيَّ، وَاسْمُهُ عُثْمَانُ، نَحْوَ شَبِيبٍ، وَأَوْصَاهُ بِالِاحْتِيَاطِ وَتَرْكِ الْعَجَلَةِ، فَقَالَ لَهُ: لَا تَبْعَثْ مَعِي مِنَ الْجُنْدِ الْمَهْزُومِ أَحَدًا، فَإِنَّهُمْ قَدْ دَخَلَهُمُ الرُّعْبُ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ. قَالَ: قَدْ أَحْسَنْتَ. فَأَخْرَجَ مَعَهُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، فَسَارُوا مَعَهُ، فَقَدَّمَ الْجَزْلُ بَيْنَ يَدَيْهِ عِيَاضَ بْنَ أَبِي لُبْنَةَ الْكِنْدِيَّ، فَسَارُوا فِي طَلَبِ شَبِيبٍ، وَجَعَلَ شَبِيبٌ يُرِيهِ الْهَيْبَةَ لَهُ، فَيَخْرُجُ مِنْ رُسْتَاقٍ إِلَى رُسْتَاقٍ وَلَا يُقِيمُ، إِرَادَةَ أَنْ يُفَرِّقَ الْجَزْلُ أَصْحَابَهُ، فَيَلْقَاهُ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ تَعْبِيَةٍ. فَجَعَلَ الْجَزْلُ لَا يَسِيرُ إِلَّا عَلَى تَعْبِيَةٍ، وَلَا يَنْزِلُ إِلَّا خَنْدَقَ عَلَى نَفْسِهِ. فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَى شَبِيبٍ دَعَا أَصْحَابَهُ، وَكَانُوا مِائَةً وَسِتِّينَ رَجُلًا، فَفَرَّقَهُمْ أَرْبَعَ فِرَقٍ، عَلَى كُلِّ أَرْبَعِينَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَجَعَلَ أَخَاهُ مُصَادًا فِي أَرْبَعِينَ، وَسُوَيْدَ بْنَ سُلَيْمٍ فِي أَرْبَعِينَ، وَالْمُحَلِّلَ بْنَ وَائِلٍ فِي أَرْبَعِينَ، وَبَقِيَ هُوَ فِي أَرْبَعِينَ، وَأَتَتْهُ عُيُونُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْجَزْلَ بِدَيْرِ يَزْدَجِرْدَ، فَأَمَرَ شَبِيبٌ أَصْحَابَهُ فَعَلَّقُوا عَلَى دَوَابِّهِمْ، ثُمَّ سَارَ بِهِمْ، وَأَمَرَ كُلَّ رَأْسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ يَأْتِيَ الْجَزْلَ مِنْ جِهَةٍ ذَكَرَهَا لَهُ، وَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُبَيِّتَهُ، وَأَمَرَهُمْ بِالْجِدِّ فِي الْقِتَالِ، فَسَارَ أَخُوهُ فَانْتَهَى إِلَى دَيْرِ الْخَرَّارَةِ، فَرَأَى لِلْجَزْلِ مَسْلَحَةً مَعَ ابْنِ أَبِي لُبْنَةَ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ مُصَادٌ فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا، فَقَاتَلُوهُ سَاعَةً، ثُمَّ انْدَفَعُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَدْ أَدْرَكَهُمْ شَبِيبٌ، فَقَالَ: ارْكَبُوا أَكْتَافَهُمْ لِتَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ عَسْكَرَهُمْ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ. وَاتَّبَعُوهُمْ مُلِحِّينَ، فَانْتَهَوْا إِلَى عَسْكَرِهِمْ، فَمَنَعَهُمْ أَصْحَابُهُ مِنْ دُخُولِ خَنْدَقِهِمْ، وَكَانَ لِلْجَزْلِ مَسَالِحُ أُخْرَى، فَرَجَعَتْ فَمَنَعَتْهُمْ مِنْ دُخُولِ الْخَنْدَقِ، وَقَالَ: انْضَحُوا عَنْكُمْ بِالنَّبْلِ. وَجَعَلَ شَبِيبٌ يَحْمِلُ عَلَى الْمَسَالِحِ حَتَّى اضْطَرَّهُمْ إِلَى الْخَنْدَقِ، وَرَشَقَهُمْ أَهْلُ الْعَسْكَرِ بِالنَّبْلِ. فَلَمَّا رَأَى شَبِيبٌ أَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: سِيرُوا وَدَعُوهُمْ. فَمَضَى عَلَى الطَّرِيقِ، ثُمَّ نَزَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَاسْتَرَاحُوا، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهِمْ رَاجِعًا إِلَى الْجَزْلِ أَيْضًا عَلَى التَّعْبِيَةِ الْأُولَى وَقَالَ: أَطِيفُوا بِعَسْكَرِهِمْ. فَأَقْبَلُوا وَقَدْ أَدْخَلَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ مَسَالِحَهُمْ إِلَيْهِمْ (وَقَدْ أَمِنُوا، فَمَا شَعَرُوا إِلَّا بِوَقْعِ حَوَافِرِ الْخَيْلِ، فَانْتَهَوْا إِلَيْهِمْ) قَبْلَ الصُّبْحِ، وَأَحَاطُوا بِعَسْكَرِهِمْ مِنْ جِهَاتِهِ الْأَرْبَعِ، فَقَاتَلُوهُمْ.

стр. 1882

ثُمَّ إِنَّ شَبِيبًا أَرْسَلَ إِلَى أَخِيهِ مُصَادٍ، وَهُوَ يُقَاتِلُهُمْ مِنْ نَحْوِ الْكُوفَةِ، أَنْ أَقْبِلْ إِلَيْنَا وَخَلِّ لَهُمُ الطَّرِيقَ، فَفَعَلَ، وَقَاتَلُوهُمْ مِنَ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ حَتَّى أَصْبَحُوا، فَسَارَ شَبِيبٌ وَتَرَكَهُمْ وَلَمْ يَظْفَرْ بِهِمْ، فَنَزَلَ عَلَى مِيلٍ وَنِصْفٍ، ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاةَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى جَرْجَرَايَا. وَأَقْبَلَ الْجَزْلُ فِي طَلَبِهِمْ عَلَى تَعْبِيَةٍ وَلَا يَنْزِلُ إِلَّا فِي خَنْدَقٍ. وَسَارَ شَبِيبٌ فِي أَرْضِ جُوخَى وَغَيْرِهَا يَكْسِرُ الْخَرَاجَ، فَطَالَ ذَلِكَ عَلَى الْحَجَّاجِ، فَكَتَبَ إِلَى الْجَزْلِ يُنْكِرُ عَلَيْهِ إِبْطَاءَهُ، وَيَأْمُرُهُ بِمُنَاهَضَتِهِمْ، فَجَدَّ فِي طَلَبِهِمْ، وَبَعَثَ الْحَجَّاجُ سَعِيدَ بْنَ مُجَالِدٍ عَلَى جَيْشِ الْجَزْلِ، وَأَمَرَهُ بِالْجِدِّ فِي قِتَالِ شَبِيبٍ وَتَرْكِ الْمُطَاوَلَةِ. فَوَصَلَ سَعِيدٌ إِلَى الْجَزْلِ، وَهُوَ بِالنَّهْرَوَانِ قَدْ خَنْدَقَ عَلَيْهِ، وَقَامَ فِي الْعَسْكَرِ وَوَبَّخَهُمْ وَعَجَّزَهُمْ، ثُمَّ خَرَجَ وَأَخْرَجَ مَعَهُ النَّاسَ، وَضَمَّ إِلَيْهِ خُيُولَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ لِيَسِيرَ بِهِمْ جَرِيدَةً إِلَى شَبِيبٍ، وَيَتْرُكَ الْبَاقِينَ مَكَانَهُمْ، فَقَالَ لَهُ الْجَزْلُ: مَا تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ؟ قَالَ: أَقْدَمُ عَلَى شَبِيبٍ فِي هَذِهِ الْخَيْلِ. فَقَالَ لَهُ الْجَزْلُ: أَقِمْ أَنْتَ فِي جَمَاعَةِ النَّاسِ فَارِسِهِمْ وَرَاجِلِهِمْ وَأَبْرُزْ لَهُمْ، فَوَاللَّهِ لَيَقْدُمُنَّ عَلَيْكَ، وَلَا تُفَرِّقْ أَصْحَابَكَ. فَقَالَ: قِفْ أَنْتَ فِي الصَّفِّ. فَقَالَ الْجَزْلُ: يَا سَعِيدُ، لَيْسَ لِي فِي مَا صَنَعْتَ رَأْيٌ، أَنَا بَرِيءٌ مِنْهُ. وَوَقَفَ الْجَزْلُ فَصَفَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَقَدْ أَخْرَجَهُمْ مِنَ الْخَنْدَقِ. وَتَقَدَّمَ سَعِيدُ بْنُ مُجَالِدٍ وَمَعَهُ النَّاسُ، وَقَدْ أَخَذَ شَبِيبٌ إِلَى قَطِيطِيَا فَدَخَلَهَا، وَأَمَرَ دِهْقَانًا أَنْ يُصْلِحَ لَهُمْ غَدَاءً، فَفَعَلَ وَأَغْلَقَ الْبَابَ، فَلَمْ يَفْرَغْ مِنَ الْغَدَاءِ حَتَّى أَتَاهُ سَعِيدٌ فِي ذَلِكَ الْعَسْكَرِ، فَأَقْبَلَ الدِّهْقَانُ فَأَعْلَمَ شَبِيبًا بِهِمْ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ، قَرِّبِ الْغَدَاءَ. فَقَرَّبَهُ، فَأَكَلَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَرَكِبَ بَغْلًا لَهُ وَخَرَجَ عَلَيْهِ، وَسَعِيدٌ عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلْحَكَمِ (الْحَكِيمِ) ، أَنَا أَبُو مُدَلِّهِ، اثْبُتُوا إِنْ شِئْتُمْ. وَجَعَلَ سَعِيدٌ يَقُولُ: هَؤُلَاءِ إِنَّمَا هُمْ أَكَلَةُ رَأْسٍ، وَجَعَلَ يَجْمَعُ خَيْلَهُ وَيُرْسِلُهَا فِي أَثَرِ شَبِيبٍ، فَلَمَّا رَأَى شَبِيبٌ تَفَرُّقَهُمْ جَمَعَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: اسْتَعْرِضُوهُمْ، فَوَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّ أَمِيرَهُمْ أَوْ لَيَقْتُلَنِّي. وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ مُسْتَعْرِضًا، فَهَزَمَهُمْ، وَثَبَتَ سَعِيدٌ وَنَادَى أَصْحَابَهُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ شَبِيبٌ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ، وَانْهَزَمَ ذَلِكَ الْجَيْشُ، وَقُتِلُوا كُلَّ قِتْلَةٍ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْجَزْلِ، فَنَادَاهُمْ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِلَيَّ إِلَيَّ! وَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى حُمِلَ مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى جَرِيحًا، وَقَدِمَ الْمُنْهَزِمُونَ الْكُوفَةَ، وَكَتَبَ الْجَزْلُ إِلَى الْحَجَّاجِ بِالْخَبَرِ، وَيُخْبِرُهُ بِقَتْلِ سَعِيدٍ، وَأَقَامَ بِالْمَدَائِنِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ يُثْنِي عَلَيْهِ وَيَشْكُرُهُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ حَيَّانَ بْنَ أَبْجَرَ لِيُدَاوِيَ

стр. 1883

جِرَاحَتَهُ، وَأَلْفَيْ دِرْهَمٍ لِيُنْفِقَهَا، وَبَعَثَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عُصَيْفِرٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَكَانَ يَعُودُهُ وَيَتَعَاهَدُهُ بِالْهَدِيَّةِ. وَسَارَ شَبِيبٌ نَحْوَ الْمَدَائِنِ، فَعَلِمَ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ [لَهُ] إِلَى أَهْلِهَا مَعَ الْمَدِينَةِ، فَأَقْبَلَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْكَرْخِ، فَعَبَرَ دِجْلَةَ إِلَيْهَا، فَأَرْسَلَ إِلَى سُوقِ بَغْدَادَ فَآمَنَهُمْ، وَكَانَ يَوْمَ سُوقِهِمْ، وَبَلَغَهُ أَنَّهُمْ يَخَافُونَهُ، وَاشْتَرَى أَصْحَابُهُ دَوَابَّ وَأَشْيَاءَ يُرِيدُونَهَا. ذِكْرُ مَسِيرِ شَبِيبٍ إِلَى الْكُوفَةِ ثُمَّ سَارَ شَبِيبٌ إِلَى الْكُوفَةِ، فَنَزَلَ عِنْدَ حَمَّامِ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ، فَلَمَّا بَلَغَ الْحَجَّاجَ مَكَانُهُ بَعَثَ سُوَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّعْدِيَّ فِي أَلْفَيْ رَجُلٍ إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: الْقَ شَبِيبًا، فَإِنِ اسْتَطْرَدَ لَكَ فَلَا تَتْبَعْهُ. فَخَرَجَ وَعَسْكَرَ بِالسَّبْخَةِ، فَبَلَغَهُ أَنَّ شَبِيبًا قَدْ أَقْبَلَ، فَسَارَ نَحْوَهُ، فَكَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ، فَأَمَرَ الْحَجَّاجُ عُثْمَانَ بْنَ قَطَنٍ، فَعَسْكَرَ بِالنَّاسِ فِي السَّبْخَةِ، وَسَارَ سُوَيْدٌ إِلَى زُرَارَةَ، فَهُوَ يُعَبِّئُ أَصْحَابَهُ إِذْ قِيلَ: قَدْ أَتَاكَ شَبِيبٌ، فَنَزَلَ وَنَزَلَ مَعَهُ جُلُّ أَصْحَابِهِ، فَأُخْبِرَ أَنَّ شَبِيبًا قَدْ تَرَكَكَ وَعَبَرَ الْفُرَاتَ وَهُوَ يُرِيدُ الْكُوفَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فَنَادَى فِي أَصْحَابِهِ فَرَكِبُوا فِي آثَارِهِمْ، وَبَلَغَ مَنْ بِالسَّبْخَةِ مَعَ عُثْمَانَ إِقْبَالُ شَبِيبٍ إِلَيْهِمْ، فَصَاحَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَهَمُّوا أَنْ يَدْخُلُوا الْكُوفَةَ حَتَّى قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ سُوَيْدًا فِي آثَارِهِمْ قَدْ لَحِقَهُمْ وَهُوَ يُقَاتِلُهُمْ، وَحَمَلَ شَبِيبٌ عَلَى سُوَيْدٍ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ حَمْلَةً مُنْكَرَةً، فَلَمْ يَقْدِرْ مِنْهُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَأَخَذَ عَلَى بُيُوتِ الْكُوفَةِ نَحْوَ الْحِيرَةِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْمَسَاءِ، وَتَبِعَهُ سُوَيْدٌ إِلَى الْحِيرَةِ، فَرَآهُ قَدْ تَرَكَ الْحِيرَةَ وَذَهَبَ، فَتَرَكَهُ سُوَيْدٌ وَأَقَامَ حَتَّى أَصْبَحَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْحَجَّاجِ يُعْلِمُهُ بِمَسِيرِ شَبِيبٍ. ذِكْرُ مُحَارَبَةِ شَبِيبٍ أَهْلَ الْبَادِيَةِ وَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى سُوَيْدٍ يَأْمُرُهُ بِاتِّبَاعِهِ، فَاتَّبَعَهُ، وَمَضَى شَبِيبٌ حَتَّى أَغَارَ أَسْفَلَ الْفُرَاتِ عَلَى مَنْ وَجَدَ مِنْ قَوْمِهِ، وَارْتَفَعَ فِي الْبَرِّ وَرَاءَ خَفَّانِ، فَأَصَابَ رِجَالًا مِنْ بَنِي الْوَرَثَةِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، مِنْهُمْ حَنْظَلَةُ بْنُ مَالِكٍ، وَمَضَى شَبِيبٌ حَتَّى أَتَى

стр. 1884

بَنِي أَبِيهِ عَلَى اللَّصَفِ، وَعَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ الْفِزْرُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي الصَّلْتِ، وَكَانَ يَنْهَى شَبِيبًا عَنْ رَأْيِهِ، وَكَانَ شَبِيبٌ يَقُولُ: لَئِنْ مَلَكْتُ سَبْعَةَ أَعِنَّةٍ لَأَغْزُوَنَّ الْفِزْرَ، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ خَبَرُ شَبِيبٍ رَكِبَ الْفِزْرُ فَرَسًا، وَخَرَجَ مِنْ وَرَاءِ الْبُيُوتِ، وَانْهَزَمَ مِنْهُ الرِّجَالُ، وَرَجَعَ وَقَدْ أَخَافَ أَهْلَ الْبَادِيَةِ، فَأَخَذَ عَلَى الْقُطْقُطَانَةِ، ثُمَّ عَلَى قَصْرِ بَنِي مُقَاتِلٍ، ثُمَّ عَلَى الْحَصَّاصَةِ، ثُمَّ عَلَى الْأَنْبَارِ، وَمَضَى حَتَّى دَخَلَ دَقُوقَاءَ، ثُمَّ ارْتَفَعَ إِلَى أَدَانِي أَذْرَبِيجَانَ. فَلَمَّا أَبْعَدَ سَارَ الْحَجَّاجُ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْكُوفَةِ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ. فَمَا شَعَرَ النَّاسُ إِلَّا وَقَدْ أَتَاهُمْ كِتَابُ دِهْقَانِ بَابِلَ مَهْرُوذَ إِلَى عُرْوَةَ يَذْكُرُ لَهُ أَنَّ بَعْضَ جُبَاةِ الْخَرَاجِ أَخْبَرَهُ أَنْ شَبِيبًا قَدْ نَزَلَ خَانِيجَارَ، وَهُوَ عَلَى قَصْدِ الْكُوفَةِ، فَأَرْسَلَ عُرْوَةُ الْكِتَابَ إِلَى الْحَجَّاجِ بِالْبَصْرَةِ، فَأَقْبَلَ مُجِدًّا نَحْوَ الْكُوفَةِ يُسَابِقُ شَبِيبًا إِلَيْهَا. ذِكْرُ دُخُولِ شَبِيبٍ الْكُوفَةَ وَأَقْبَلَ شَبِيبٌ إِلَى قَرْيَةٍ اسْمُهَا حَرْبَى، فَقَالَ: حَرْبٌ يُصْلَى بِهَا عَدُوُّكُمْ. ثُمَّ سَارَ فَنَزَلَ عَقْرَقُوفَ، فَقَالَ لَهُ سُوَيْدُ بْنُ سُلَيْمٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ تَحَوَّلْتَ مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الْمَشْئُومَةِ الِاسْمِ. قَالَ: وَقَدْ تَطَيَّرْتَ أَيْضًا! وَاللَّهِ لَا أَسِيرُ إِلَى عَدُوِّي إِلَّا مِنْهَا، إِنَّمَا شُؤْمُهَا عَلَى عَدُوِّنَا، وَالْعَقْرُ لَهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ سَارَ مِنْهَا يُبَادِرُ الْحَجَّاجَ إِلَى الْكُوفَةِ، وَكَانَتْ كُتُبُ عُرْوَةَ تَرِدُ عَلَيْهِ، أَعْنِي الْحَجَّاجَ، يَحُثُّهُ عَلَى الْعَجَلِ إِلَيْهِمْ، فَطَوَى الْحَجَّاجُ الْمَنَازِلَ، فَنَزَلَهَا الْحَجَّاجُ صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَنَزَلَ شَبِيبٌ بِالسَّبْخَةِ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، فَأَكَلُوا شَيْئًا ثُمَّ رَكِبُوا خُيُولَهُمْ، فَدَخَلُوا الْكُوفَةَ وَبَلَغُوا السُّوقَ، وَضَرَبَ شَبِيبٌ بَابَ الْقَصْرِ بِعَمُودِهِ، فَأَثَّرَ فِيهِ أَثَرًا عَظِيمًا، ثُمَّ وَقَفَ عِنْدَ الْمِصْطَبَةِ وَقَالَ: عَبْدٌ دَعِيٌّ مِنْ ثَمُودٍ أَصْلُهُ ... لَا بَلْ يُقَالُ أَبُو أَبِيهِمْ يَقْدُمُ

стр. 1885

يَعْنِي الْحَجَّاجَ، فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُ: إِنَّ ثَقِيفًا بَقَايَا ثَمُودٍ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: هُمْ مِنْ نَسْلِ يَقْدُمَ الْإِيَادِيِّ. ثُمَّ اقْتَحَمُوا الْمَسْجِدَ الْأَعْظَمَ، وَكَانَ لَا يَزَالُ فِيهِ قَوْمٌ يُصَلُّونَ، فَقَتَلُوا عَقِيلَ بْنَ مُصْعَبٍ الْوَادِعِيَّ، وَعَدِيَّ بْنَ عَمْرٍو الثَّقَفِيَّ، وَأَبَا لَيْثِ بْنَ أَبِي سُلَيْمٍ، وَمَرُّوا بِدَارِ حَوْشَبٍ، وَهُوَ عَلَى الشَّرْطِ، فَقَالُوا: إِنَّ الْأَمِيرَ يَطْلُبُهُ، فَأَرَادَ الرُّكُوبَ، ثُمَّ أَنْكَرَهُمْ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ، فَقَتَلُوا غُلَامَهُ، ثُمَّ أَتَى الْجَحَّافَ بْنَ نُبَيْطٍ الشَّيْبَانِيَّ فَقَالَ لَهُ: انْزِلْ لِنَقْضِيَكَ ثَمَنَ الْبَكْرَةِ الَّتِي اشْتَرَيْتُ مِنْكَ بِالْبَادِيَةِ. فَقَالَ الْجَحَّافُ: أَمَا ذَكَرْتَ أَمَانَتَكَ إِلَّا وَاللَّيْلُ أَظْلَمُ وَأَنْتَ عَلَى فَرَسِكَ يَا سُوَيْدٌ؟ قَبَّحَ اللَّهُ دِينًا لَا يَصْلُحُ إِلَّا بِإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ وَقَتْلِ الْقَرَابَةِ. ثُمَّ مَرُّوا بِمَسْجِدِ ذُهْلٍ فَرَأَوْا ذُهْلَ بْنَ الْحَارِثِ، وَكَانَ يُطِيلُ الصَّلَاةَ فِيهِ، فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ خَرَجُوا مِنَ الْكُوفَةِ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّضْرُ بْنُ قَعْقَاعِ بْنِ شَوْرٍ الذُّهْلِيُّ، فَقَالَ لَهُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ. فَقَالَ لَهُ سُوَيْدٌ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَيْلَكَ! فَقَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ لَهُ شَبِيبٌ: يَا نَضْرُ، لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَرَادَ يَلْعَنُهُ، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. فَشَدَّ أَصْحَابُ شَبِيبٍ عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَكَانَ قَدْ أَقْبَلَ مَعَ الْحَجَّاجِ مِنَ الْبَصْرَةِ، فَتَخَلَّفَ عَنْهُ، وَكَانَتْ أُمُّ النَّضْرِ نَاجِيَةَ بِنْتَ هَانِئِ بْنِ قَبِيصَةَ الشَّيْبَانِيِّ، فَأَحَبَّ شَبِيبٌ نَجَاتَهُ. ثُمَّ خَرَجُوا نَحْوَ الْمَرْدَمَةِ، وَأَمَرَ الْحَجَّاجُ مُنَادِيًا فَنَادَى: يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي، وَهُوَ فَوْقَ بَابِ الْقَصْرِ، وَعِنْدَهُ مِصْبَاحٌ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَتَاهُ عُثْمَانُ بْنُ قَطَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُصَيْنِ ذِي الْغُصَّةِ، فَقَالَ: أَعْلِمُوا الْأَمِيرَ بِمَكَانِي. فَقَالَ لَهُ غُلَامٌ لِلْحَجَّاجِ: قِفْ بِمَكَانِكَ. وَجَاءَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. ثُمَّ إِنَّ الْحَجَّاجَ بَعَثَ بِشْرَ بْنَ غَالِبٍ الْأَسَدِيَّ فِي أَلْفَيْ رَجُلٍ، وَزَائِدَةَ بْنَ قُدَامَةَ الثَّقَفِيَّ فِي أَلْفَيْ رَجُلٍ، (وَأَبَا الضُّرَيْسِ مَوْلَى بَنِي تَمِيمٍ فِي أَلْفَيْ رَجُلٍ) ، وَعَبْدَ الْأَعْلَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، وَزِيَادَ بْنَ عَمْرٍو الْعَتَكِيَّ. وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ قَدِ اسْتَعْمَلَ مُحَمَّدَ بْنَ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلَى سِجِسْتَانَ، وَكَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ لِيُجَهِّزَهُ وَيُسَيِّرَهُ سَرِيعًا فِي أَلْفِ رَجُلٍ إِلَى عَمَلِهِ، فَأَقَامَ يَتَجَهَّزُ، وَحَدَثَ مِنْ أَمْرِ شَبِيبٍ مَا حَدَثَ، فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: تَلْقَى شَبِيبًا وَهَذِهِ الْخَارِجَةَ

стр. 1886

فَتُجَاهِدُهُمْ، وَيَكُونُ الظَّفَرُ لَكَ وَيَطِيرُ اسْمُكَ، ثُمَّ تَمْضِي إِلَى عَمَلِكَ. فَسَيَّرَهُ مَعَهُمْ، وَقَالَ لِهَؤُلَاءِ الْأُمَرَاءِ: إِنْ كَانَ حَرْبٌ فَأَمِيرُكُمْ زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ. فَسَارَ هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاءُ فَنَزَلُوا أَسْفَلَ الْفُرَاتِ، فَتَرَكَ شَبِيبٌ الْوَجْهَ الَّذِي هُمْ فِيهِ، وَأَخَذَ نَحْوَ الْقَادِسِيَّةِ. ذِكْرُ مُحَارَبَةِ شَبِيبٍ زَحْرَ بْنَ قَيْسٍ وَوَجَّهَ الْحَجَّاجُ جَرِيدَةَ خَيْلٍ نَقَاوَةَ أَلْفِ وَثَمَانِمِائَةِ فَارِسٍ مَعَ زَحْرِ بْنِ قَيْسٍ، وَقَالَ لَهُ: اتْبَعْ شَبِيبًا حَتَّى تُوَاقِعَهُ أَيْنَ أَدْرَكْتَهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَاهِبًا، فَاتْرُكْهُ مَا لَمْ يَعْطِفْ عَلَيْكَ أَوْ يُقِيمُ. فَخَرَجَ زَحْرٌ حَتَّى انْتَهَى إِلَى السَّيْلَحِينِ، وَأَقْبَلَ شَبِيبٌ نَحْوَهُ، فَالْتَقَيَا، فَجَمَعَ شَبِيبٌ خَيْلَهُ، ثُمَّ اعْتَرَضَ بِهِمُ الصَّفَّ حَتَّى انْتَهَى إِلَى زَحْرٍ، فَقَاتَلَ زَحْرٌ حَتَّى صُرِعَ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ، فَلَمَّا كَانَ السَّحَرُ وَأَصَابَهُ الْبَرْدُ قَامَ يَتَمَشَّى حَتَّى دَخَلَ قَرْيَةً فَبَاتَ بِهَا، وَحُمِلَ مِنْهَا إِلَى الْكُوفَةِ، وَبِوَجْهِهِ وَبِرَأْسِهِ بِضْعَ عَشْرَةَ جِرَاحَةً، فَمَكَثَ أَيَّامًا ثُمَّ أَتَى الْحَجَّاجَ فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ، وَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ وَهُوَ شَهِيدٌ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا. ذِكْرُ مُحَارَبَةِ الْأُمَرَاءِ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُمْ وَقَتْلِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ فَلَمَّا هُزِمَ أَصْحَابُ زَحْرٍ قَالَ أَصْحَابُ شَبِيبٍ لِشَبِيبٍ: قَدْ هَزَمْنَا لَهُمْ جُنْدًا، انْصَرِفْ بِنَا الْآنَ وَافْرِينَ. فَقَالَ لَهُمْ: هَذِهِ الْهَزِيمَةُ قَدْ أَرْعَبَتْ هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاءَ وَالْجُنُودَ الَّذِينَ فِي طَلَبِكُمْ، فَاقْصُدُوا بِنَا نَحْوَهُمْ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَاتَلْنَاهُمْ فَمَا دُونَ الْحَجَّاجِ مَانِعٌ، وَنَأْخُذُ الْكُوفَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. فَقَالُوا: نَحْنُ لِرَأْيِكَ تَبَعٌ. فَسَارَ وَسَأَلَ عَنِ الْأُمَرَاءِ فَأُخْبِرَ أَنَّهُمْ بِرُوذْبَارَ عَلَى أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ فَرْسَخًا مِنَ الْكُوفَةِ، فَقَصَدَهُمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الْحَجَّاجُ يُعْلِمُهُمْ بِمَسِيرِهِ وَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ أَمِيرَ الْجَمَاعَةِ زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ. وَانْتَهَى إِلَيْهِمْ شَبِيبٌ وَقَدْ تَعَبَّؤُوا لِلْحَرْبِ، فَكَانَ عَلَى مَيْمَنَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ زِيَادُ بْنُ عَمْرٍو الْعَتَكِيُّ، وَفِي مَيْسَرَتِهِمْ بِشْرُ بْنُ غَالِبٍ الْأَسَدِيُّ، وَكُلُّ أَمِيرٍ وَاقِفٌ فِي أَصْحَابِهِ، وَأَقْبَلَ

стр. 1887

شَبِيبٌ عَلَى فَرَسٍ كُمَيْتٍ أَغَرَّ فِي ثَلَاثِ كَتَائِبَ، كَتِيبَةٍ فِيهَا سُوَيْدُ بْنُ سُلَيْمٍ، فَوَقَفَ بِإِزَاءِ الْمَيْمَنَةِ، وَكَتِيبَةٍ فِيهَا مُصَادٌ، أَخُو شَبِيبٍ، فَوَقَفَ بِإِزَاءِ الْمَيْسَرَةِ، وَوَقَفَ شَبِيبٌ مُقَابِلَ الْقَلْبِ. فَخَرَجَ زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ يَسِيرُ فِي النَّاسِ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ لِعَدُوِّهِمْ وَالْقِتَالِ، وَيُطْمِعُهُمْ فِي عَدُوِّهِمْ لِقِلَّتِهِ وَبَاطِلِهِ، وَكَثْرَتِهِمْ وَأَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى مَوْقِفِهِ، فَحَمَلَ سُوَيْدُ بْنُ سُلَيْمٍ عَلَى زِيَادِ بْنِ عَمْرٍو، فَانْكَشَفُوا، وَثَبَتَ زِيَادٌ فِي نَحْوٍ مِنْ نِصْفِ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ ارْتَفَعَ عَنْهُمْ سُوَيْدٌ قَلِيلًا، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِمْ ثَانِيَةً، فَتَطَاعَنُوا سَاعَةً، وَصَبَرَ زِيَادٌ سَاعَةً، وَقَاتَلَ زِيَادٌ قِتَالًا شَدِيدًا، وَقَاتَلَ سُوَيْدٌ أَيْضًا قِتَالًا شَدِيدًا، وَإِنَّهُ لَأَشْجَعُ الْعَرَبِ، ثُمَّ ارْتَفَعَ سُوَيْدٌ عَنْهُمْ، وَإِذَا أَصْحَابُ زِيَادٍ يَتَفَرَّقُونَ، فَقَالَ لِسُوَيْدٍ أَصْحَابُهُ: أَلَا تَرَاهُمْ يَتَفَرَّقُونَ؟ احْمِلْ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ لَهُمْ شَبِيبٌ: خَلُّوهُمْ حَتَّى يَخِفُّوا. فَتَرَكَهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ حَمَلَ الثَّالِثَةَ فَانْهَزَمُوا، وَأَخَذَتْ زِيَادَ بْنَ عَمْرٍو السُّيُوفُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَمَا ضَرَّهُ مِنْهَا شَيْءٌ لِلُّبْسَةِ الَّتِي عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّهُ انْهَزَمَ وَقَدْ جُرِحَ جِرَاحَةً يَسِيرَةً، وَذَلِكَ عِنْدَ الْمَسَاءِ. ثُمَّ حَمَلُوا عَلَى عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ فَهَزَمُوهُ، وَلَمْ يُقَاتِلْ كَثِيرًا، وَلَحِقَ بِزِيَادِ بْنِ عَمْرٍو، فَمَضَيَا مُنْهَزِمَيْنِ، وَحَمَلَتِ الْخَوَارِجُ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عِنْدَ الْمَغْرِبِ، فَقَاتَلُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا وَصَبَرَ لَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ مُصَادًا أَخَا شَبِيبٍ حَمَلَ عَلَى بِشْرِ بْنِ غَالِبٍ وَهُوَ فِي مَيْسَرَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَصَبَرَ بِشْرٌ وَنَزَلَ، وَنَزَلَ مَعَهُ نَحْوُ خَمْسِينَ رَجُلًا، فَقَاتَلُوا حَتَّى قُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ. وَحَمَلَتِ الْخَوَارِجُ عَلَى أَبِي الضُّرَيْسِ مَوْلَى بَنِي تَمِيمٍ، وَهُوَ يَلِي بِشْرَ بْنَ غَالِبٍ، فَهَزَمُوهُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَوْقِفِ أَعْيَنَ فَهَزَمُوهُمَا، حَتَّى انْتَهَوْا بِهِمَا إِلَى زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهِ نَادَى: يَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ! الْأَرْضَ الْأَرْضَ، لَا يَكُونُوا عَلَى كُفْرِهِمْ أَصْبَرُ مِنْكُمْ عَلَى إِيمَانِكُمْ. فَقَاتَلَهُمْ عَامَّةَ اللَّيْلِ حَتَّى كَانَ السَّحَرُ. ثُمَّ إِنَّ شَبِيبًا حَمَلَ عَلَيْهِ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَتَلَهُ وَقَتَلَ أَصْحَابَهُ، وَتَرَكَهُمْ رِبْضَةً حَوْلَهُ. وَلَمَّا قُتِلَ زَائِدَةُ دَخَلَ أَبُو الضُّرَيْسِ وَأَعْيَنَ جَوْسَقًا عَظِيمًا، وَقَالَ شَبِيبٌ لِأَصْحَابِهِ: ارْفَعُوا السَّيْفَ [عَنِ النَّاسِ] وَادْعُوهُمْ إِلَى الْبَيْعَةِ. فَدَعَوْهُمْ إِلَى الْبَيْعَةِ عِنْدَ الْفَجْرِ فَبَايَعُوهُ. وَكَانَ فِيمَنْ بَايَعَهُ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ شَبِيبٌ لِأَصْحَابِهِ: هَذَا ابْنُ أَحَدِ الْحَكَمَيْنِ. فَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَقَالَ شَبِيبٌ: مَا ذَنْبُ هَذَا؟ وَتَرَكَهُ، وَسَلَّمُوا عَلَى شَبِيبٍ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَخَلَّى سَبِيلَهُمْ، فَبَقُوا كَذَلِكَ حَتَّى انْفَجَرَ الْفَجْرُ، فَلَمَّا ظَهَرَ الْفَجْرُ أَمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى مُؤَذِّنَهُ فَأَذَّنَ، وَكَانَ لَمْ يَنْهَزِمْ، فَسَمِعَ شَبِيبٌ الْأَذَانَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ

стр. 1888

طَلْحَةَ لَمْ يَبْرَحْ. فَقَالَ: قَدْ ظَنَنْتُ أَنَّ حُمْقَهُ وَخُيَلَاءَهُ يَحْمِلُهُ عَلَى هَذَا. ثُمَّ نَزَلَ شَبِيبٌ فَأَذَّنَ هُوَ وَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ الصُّبْحَ، ثُمَّ رَكِبُوا فَحَمَلُوا عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، فَانْهَزَمَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ وَثَبَتَتْ مَعَهُ طَائِفَةٌ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَأَخَذَتِ الْخَوَارِجُ مَا كَانَ فِي الْعَسْكَرِ، وَانْهَزَمَ الَّذِينَ كَانُوا بَايَعُوا شَبِيبًا، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ. ثُمَّ أَتَى شَبِيبٌ الْجَوْسَقَ الَّذِي فِيهِ أَعْيَنَ وَأَبُو الضُّرَيْسِ فَتَحَصَّنُوا مِنْهُ، فَأَقَامَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَسَارَ عَنْهُمْ. فَقَالَ أَصْحَابُهُ: مَا دُونَ الْكُوفَةِ أَحَدٌ يَمْنَعُ. فَنَظَرَ وَإِذَا أَصْحَابُهُ قَدْ جُرِحُوا، فَقَالَ لَهُمْ: مَا عَلَيْكُمْ أَكْثَرَ مِمَّا فَعَلْتُمْ. فَخَرَجَ بِهِمْ عَلَى نِفَّرَ، ثُمَّ عَلَى الصَّرَاةِ، فَأَتَى خَانِيجَارَ فَأَقَامَ بِهَا. فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ مَسِيرُهُ نَحْوَ نِفَّرَ فَظَنَّ أَنَّهُ يُرِيدُ الْمَدَائِنَ، وَهِيَ بَابُ الْكُوفَةِ، وَمَنْ أَخَذَهَا كَانَ فِي يَدِهِ مِنَ السَّوَادِ أَكْثَرُهُ، فَهَالَ ذَلِكَ الْحَجَّاجَ، فَبَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ قَطَنٍ أَمِيرًا عَلَى الْمَدَائِنِ وَجُوخَى وَالْأَنْبَارِ، وَعَزَلَ عَنْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي عُصَيْفِرٍ، وَكَانَ بِهَا الْجَزْلُ يُدَاوِي جِرَاحَتَهُ، فَلَمْ يَتَعَهَّدْهُ عُثْمَانُ كَمَا كَانَ ابْنُ أَبِي عُصَيْفِرٍ يَفْعَلُ، فَقَالَ الْجَزْلُ: اللَّهُمَّ زِدِ ابْنَ أَبِي عُصَيْفِرٍ جُودًا وَفَضْلًا، وَزِدْ عُثْمَانَ بْنَ قَطَنٍ بُخْلًا وَضِيقًا. وَقَدْ قِيلَ فِي مَقْتَلِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى غَيْرُ هَذَا، وَالَّذِي ذُكِرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مُوسَى كَانَ قَدْ شَهِدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ قِتَالَ أَبِي فُدَيْكٍ، وَكَانَ شُجَاعًا ذَا بَأْسٍ، فَزَوَّجَهُ عُمَرُ ابْنَتَهُ، وَكَانَتْ أُخْتُهُ تَحْتَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَوَلَّاهُ سِجِسْتَانَ، فَمَرَّ بِالْكُوفَةِ وَفِيهَا الْحَجَّاجُ فَقِيلَ لَهُ: إِنْ صَارَ هَذَا بِسِجِسْتَانَ مَعَ صِهْرِهِ، لِعَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَجَأَ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِمَّنْ تَطْلُبُ - مَنَعَكَ مِنْهُ فَقَالَ: وَمَا الْحِيلَةُ؟ قَالَ: تَأْتِيهِ وَتُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَتَذْكُرُ نَجْدَتَهُ وَبَأْسَهُ، وَأَنَّ شَبِيبًا فِي طَرِيقِهِ، وَأَنَّهُ قَدْ أَعْيَاكَ، وَتَرْجُو أَنْ يُرِيحَ اللَّهُ مِنْهُ عَلَى يَدِهِ، فَيَكُونُ لَهُ ذِكْرُهُ وَفَخْرُهُ. فَفَعَلَ الْحَجَّاجُ ذَلِكَ، فَأَجَابَهُ مُحَمَّدٌ وَعَدَلَ إِلَى شَبِيبٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ شَبِيبٌ: إِنَّكَ مَخْدُوعٌ، وَإِنَّ الْحَجَّاجَ قَدِ اتَّقَى بِكَ وَأَنْتَ جَارٌ لَكَ حَقٌّ، فَانْطَلِقْ لِمَا أُمِرْتَ بِهِ، وَلَكَ اللَّهُ لَا أُوذِيكَ. فَأَبَى إِلَّا مُحَارَبَتَهُ، فَوَاقَفَهُ شَبِيبٌ وَأَعَادَ إِلَيْهِ الرَّسُولَ، فَأَبَى وَطَلَبَ الْبِرَازَ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ الْبَطِينُ بْنُ قَعْنَبٍ، وَسُوَيْدُ بْنُ سُلَيْمٍ، فَأَبَى إِلَّا شَبِيبًا، فَقَالُوا ذَلِكَ لِشَبِيبٍ، فَبَرَزَ شَبِيبٌ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ فِي دَمِكَ، فَإِنَّ لَكَ جِوَارًا. فَأَبَى، فَحَمَلَ شَبِيبٌ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ

стр. 1889

بِعَمُودٍ حَدِيدٍ وَزْنُهُ اثْنَا عَشَرَ رَطْلًا بِالشَّامِيِّ، فَهَشَّمَ الْبَيْضَةَ وَرَأْسَهُ، فَسَقَطَ مَيِّتًا، ثُمَّ كَفَّنَهُ وَدَفَنَهُ، وَابْتَاعَ مَا غَنِمُوا مِنْ عَسْكَرِهِ فَبَعَثَهُ إِلَى أَهْلِهِ وَاعْتَذَرَ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَقَالَ: هُوَ جَارِي، وَلِي أَنْ أَهَبَ مَا غَنِمْتُ لِأَهْلِ الرِّدَّةِ. ذِكْرُ مُحَارَبَةِ شَبِيبٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، وَقَتْلِ عُثْمَانَ بْنِ قَطَنٍ ثُمَّ إِنَّ الْحَجَّاجَ دَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَنْتَخِبَ مِنَ النَّاسِ سِتَّةَ آلَافِ فَارِسٍ، وَيَسِيرُ فِي طَلَبِ شَبِيبٍ أَيْنَ كَانَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ وَسَارَ نَحْوَهُ، وَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَيْهِ وَإِلَى أَصْحَابِهِ يَتَهَدَّدُهُمْ بِالْقَتْلِ وَالتَّنْكِيدِ إِنِ انْهَزَمُوا. فَوَصَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَى الْمَدَائِنِ، فَأَتَى الْجَزْلَ يَعُودُهُ مِنْ جِرَاحَتِهِ، فَأَوْصَاهُ الْجَزْلُ بِالِاحْتِيَاطِ، وَحَذَّرَهُ مِنْ شَبِيبٍ وَأَصْحَابِهِ، وَأَعْطَاهُ فَرَسًا كَانَتْ لَهُ تُسَمَّى الْفُسَيْفِسَاءَ، وَكَانَتْ لَا تُجَارَى، ثُمَّ وَدَّعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَسَارَ إِلَى شَبِيبٍ. فَسَارَ شَبِيبٌ إِلَى دَقُوقَاءَ وَشَهْرَزُورَ، فَخَرَجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي طَلَبِهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالتُّخُومِ وَقَفَ وَقَالَ: هَذِهِ أَرْضُ الْمَوْصِلِ فَلْيُقَاتِلُوا عَنْهَا. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ: أَمَّا بَعْدُ، فَاطْلُبْ شَبِيبًا وَاسْلُكْ فِي أَثَرِهِ أَيْنَ سَلَكَ، حَتَّى تُدْرِكَهُ فَتَقْتُلَهُ أَوْ تَنْفِيهِ، فَإِنَّمَا السُّلْطَانُ سُلْطَانُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْجُنْدُ جُنْدُهُ، وَالسَّلَامُ. فَخَرَجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي أَثَرِ شَبِيبٍ، [فَكَانَ شَبِيبٌ] يَدَعُهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْهُ فَيُبَيِّتُهُ، فَيَجِدُهُ قَدْ خَنْدَقَ عَلَى نَفْسِهِ وَحَذِرَ، فَيَتْرُكُهُ وَيَسِيرُ، فَيَتْبَعُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. فَإِذَا بَلَغَ شَبِيبًا مَسِيرُهُ أَتَاهُمْ وَهُمْ سَائِرُونَ، فَيَجِدُهُمْ عَلَى تَعْبِيَةٍ فَلَا يُصِيبُ مِنْهُ غِرَّةً، ثُمَّ جَعَلَ إِذَا دَنَا مِنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَسِيرُ عِشْرِينَ فَرْسَخًا أَوْ مَا يُقَارِبُهَا فَيَنْزِلُ فِي أَرْضٍ خَشِنَةٍ غَلِيظَةٍ وَيَتْبَعُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَإِذَا دَنَا مِنْهُ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى عَذَّبَ ذَلِكَ الْجَيْشَ وَشَقَّ عَلَيْهِ وَأَحْفَى دَوَابَّهُمْ، وَلَقُوا مِنْهُ كُلَّ بَلَاءٍ، وَلَمْ يَزَلْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتْبَعُهُ حَتَّى مَرَّ بِهِ عَلَى خَانِقِينَ وَجَلُولَاءَ وَسَامِرَّا، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى الْبَتِّ، وَهِيَ مِنْ قُرَى الْمَوْصِلِ، لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَوَادِ الْكُوفَةِ إِلَّا نَهْرُ حَوْلَايَا، وَهُوَ فِي رَاذَانَ الْأَعْلَى مِنْ أَرْضِ جُوخَى، وَنَزَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي عَوَاقِيلَ مِنَ النَّهْرِ ; لِأَنَّهَا مِثْلُ الْخَنْدَقِ.

стр. 1890

فَأَرْسَلَ شَبِيبٌ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ عِيدٌ لَنَا وَلَكُمْ، يَعْنِي عِيدَ النَّحْرِ، فَهَلْ لَكَ فِي الْمُوَادَعَةِ حَتَّى تَمْضِيَ هَذِهِ الْأَيَّامُ؟ فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَكَانَ يُحِبُّ الْمُطَاوَلَةَ، وَكَتَبَ عُثْمَانُ بْنُ قَطَنٍ إِلَى الْحَجَّاجِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ قَدْ حَفَرَ جُوخَى كُلَّهَا خَنْدَقًا وَاحِدًا، وَكَسَرَ خَرَاجَهَا، وَخَلَّى شَبِيبًا يَأْكُلُ أَهْلَهَا، وَالسَّلَامُ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْجَيْشِ، وَجَعَلَهُ أَمِيرَهُمْ، وَعَزَلَ عَنْهُمْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَبَعَثَ الْحَجَّاجُ إِلَى الْمَدَائِنِ مُطَرِّفَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَسَارَ عُثْمَانُ حَتَّى قَدِمَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَسْكَرِ الْكُوفَةِ، فَوَصَلَ عَشِيَّةَ الثُّلَاثَاءِ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَنَادَى النَّاسَ وَهُوَ عَلَى بَغْلَةٍ: أَيُّهَا النَّاسُ، اخْرُجُوا إِلَى عَدُوِّكُمْ. فَوَثَبَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَقَالُوا: هَذَا الْمَسَاءُ قَدْ غَشِيَنَا، وَالنَّاسُ لَمْ يُوَطِّنُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الْحَرْبِ، فَبِتِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ اخْرُجْ عَلَى تَعْبِيَةٍ، وَهُوَ يَقُولُ: لَأُنَاجِزَنَّهُمْ، فَلَتَكُونَنَّ الْفُرْصَةُ لِي أَوْ لَهُمْ. فَأَتَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَأَنْزَلَهُ. وَكَانَ شَبِيبٌ قَدْ نَزَلَ بِبَيْعَةِ الْبَتِّ، فَأَتَاهُ أَهْلُهَا فَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ تَرْحَمُ الضُّعَفَاءَ وَأَهْلَ الذِّمَّةِ، وَيُكَلِّمُكَ مَنْ تَلِي عَلَيْهِ وَيَشْكُونَ إِلَيْكَ فَتَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ جَبَابِرَةٌ لَا يُكَلِّمُونَ وَلَا يَقْبَلُونَ الْعُذْرَ، وَاللَّهِ لَئِنْ بَلَغَهُمْ أَنَّكَ مُقِيمٌ فِي بَيْعَتِنَا لَيَقْتُلُنَّنَا إِذَا ارْتَحَلْتَ عَنَّا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَنْزِلَ جَانِبَ الْقَرْيَةِ وَلَا تَجْعَلْ عَلَيْنَا مَقَالًا فَافْعَلْ. فَخَرَجَ عَنِ الْبَيْعَةِ فَنَزَلَ جَانِبَ الْقَرْيَةِ. وَبَاتَ عُثْمَانُ لَيْلَتَهُ كُلَّهَا يُحَرِّضُ أَصْحَابَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ خَرَجَ بِالنَّاسِ كُلِّهِمْ، فَاسْتَقْبَلَتْهُمْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ وَغَبَرَةٌ شَدِيدَةٌ، فَصَاحَ النَّاسُ وَقَالُوا لَهُ: نَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ تَخْرُجَ بِنَا وَالرِّيحُ عَلَيْنَا. فَأَقَامَ بِهِمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِمْ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَقَدْ عَبَّأَ النَّاسَ، فَجَعَلَ فِي الْمَيْمَنَةِ خَالِدَ بْنَ نَهِيكِ بْنِ قَيْسٍ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ عَقِيلَ بْنَ شَدَّادٍ السَّلُولِيَّ، وَنَزَلَ هُوَ فِي الرَّجَّالَةِ، وَعَبَرَ شَبِيبٌ النَّهْرَ إِلَيْهِمْ، وَهُوَ يَوْمَئِذٌ فِي مِائَةٍ وَأَحَدٍ وَثَمَانِينَ رَجُلًا، فَوَقَفَ هُوَ فِي الْمَيْمَنَةِ، وَجَعَلَ أَخَاهُ مُصَادًا فِي الْقَلْبِ، وَجَعَلَ سُوَيْدَ بْنَ سُلَيْمٍ فِي الْمَيْسَرَةِ، وَزَحَفَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ. وَقَالَ شَبِيبٌ لِأَصْحَابِهِ: إِنِّي حَامِلٌ عَلَى مَيْسَرَتِهِمْ مِمَّا يَلِي النَّهْرَ، فَإِذَا هَزَمْتُهَا فَلْيَحْمِلْ صَاحِبُ مَيْسَرَتِي عَلَى مَيْمَنَتِهِمْ، وَلَا يَبْرَحْ صَاحِبُ الْقَلْبِ حَتَّى يَأْتِيَهُ أَمْرِي. وَحَمَلَ عَلَى مَيْسَرَةِ عُثْمَانَ فَانْهَزَمُوا، وَنَزَلَ عَقِيلُ بْنُ شَدَّادٍ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَقُتِلَ أَيْضًا مَالِكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَمْدَانِيُّ عَمُّ عَيَّاشِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَنْتُوفِ، وَدَخَلَ شَبِيبٌ عَسْكَرَهُمْ، وَحَمَلَ سُوَيْدٌ عَلَى مَيْمَنَةِ عُثْمَانَ، فَهَزَمَهَا وَعَلَيْهَا خَالِدُ بْنُ نَهِيكٍ، فَقَاتَلَهُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَحَمَلَ شَبِيبٌ مِنْ وَرَائِهِ فَقَتَلَهُ. وَتَقَدَّمَ عُثْمَانُ بْنُ قَطَنٍ وَقَدْ نَزَلَ مَعَهُ الْعُرَفَاءُ وَأَشْرَافُ النَّاسِ وَالْفُرْسَانُ نَحْوَ الْقَلْبِ، وَفِيهِ مُصَادٌ أَخُو شَبِيبٍ فِي نَحْوٍ مِنْ سِتِّينَ رَجُلًا، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُمْ عُثْمَانُ شَدَّ عَلَيْهِمْ فِيمَنْ

стр. 1891

مَعَهُ، فَضَارَبُوهُمْ حَتَّى فَرَّقُوا بَيْنَهُمْ، وَحَمَلَ شَبِيبٌ بِالْخَيْلِ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَمَا شَعَرَ عُثْمَانُ وَمَنْ مَعَهُ إِلَّا وَالرِّمَاحُ فِي أَكْتَافِهِمْ تُكِبُّهُمْ لِوُجُوهِهِمْ، وَعَطَفَ عَلَيْهِمْ سُوَيْدُ بْنُ سُلَيْمٍ أَيْضًا فِي خَيْلِهِ، وَرَجَعَ مُصَادٌ وَأَصْحَابُهُ فَاضْطَرَبُوا سَاعَةً، وَقَاتَلَ عُثْمَانُ بْنُ قَطَنٍ أَحْسَنَ قِتَالٍ، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَحَاطُوا بِهِ، وَضَرَبَهُ مُصَادٌ أَخُو شَبِيبٍ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ اسْتَدَارَ لَهَا وَقَالَ: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ قَتَلُوهُ، وَوَقَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَتَاهُ ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ الْجُعْفِيُّ، وَهُوَ عَلَى بَغْلِهِ، فَعَرَفَهُ فَأَرْكَبَهُ مَعَهُ، وَنَادَى فِي النَّاسِ: الْحَقُوا بِدَيْرِ أَبِي مَرْيَمَ، ثُمَّ انْطَلَقَا ذَاهِبَيْنِ. وَرَأَى وَاصِلٌ السَّكُونِيُّ فَرَسَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الَّتِي أَعْطَاهُ الْجَزْلُ تَجُولُ فِي الْعَسْكَرِ، فَأَخَذَهَا بَعْضُ أَصْحَابِ شَبِيبٍ، فَظَنَّ أَنَّهُ قُتِلَ، فَطَلَبَهُ فِي الْقَتْلَى فَلَمْ يَجِدْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ فَأُعْطِيَ خَبَرَهُ، فَاتَّبَعَهُ وَاصِلٌ عَلَى بِرْذَوْنِهِ وَمَعَهُ غُلَامُهُ عَلَى بَغْلٍ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُمَا نَزَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَابْنُ أَبِي سَبْرَةَ لِيُقَاتِلَا، فَلَمَّا رَآهُمَا وَاصِلٌ عَرَفَهُمَا وَقَالَ: إِنَّكُمَا تَرَكْتُمَا النُّزُولَ فِي مَوْضِعِهِ، فَلَا تَنْزِلَا الْآنَ! وَحَسَرَ عِمَامَتَهُ عَنْ وَجْهِهِ فَعَرَفَاهُ، وَقَالَ لِابْنِ الْأَشْعَثِ: قَدْ أَتَيْتُكَ بِهَذَا الْبِرْذَوْنِ لِتَرْكَبَهُ. فَرَكِبَهُ وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ دَيْرَ الْبَقَّارِ. وَأَمَرَ شَبِيبٌ أَصْحَابَهُ فَرَفَعُوا السَّيْفَ عَنِ النَّاسِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الْبَيْعَةِ فَبَايَعُوهُ. وَقُتِلَ مِنْ كِنْدَةَ يَوْمَئِذٍ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ، وَقُتِلَ مُعْظَمُ الْعُرَفَاءِ. وَبَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِدَيْرِ الْبَقَّارِ، فَأَتَاهُ فَارِسَانِ فَصَعِدَا إِلَيْهِ، فَخَلَا أَحَدُهُمَا بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ طَوِيلًا، ثُمَّ نَزَلَا، فَتَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ كَانَ شَبِيبًا، وَقَدْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُكَاتَبَةٌ، وَسَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَتَّى أَتَى دَيْرَ أَبِي مَرْيَمَ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ وَقَالُوا لَهُ: إِنْ سَمِعَ شَبِيبٌ بِمَكَانِكَ أَتَاكَ فَكُنْتَ لَهُ غَنِيمَةً. فَخَرَجَ إِلَى الْكُوفَةِ وَاخْتَفَى مِنَ الْحَجَّاجِ حَتَّى أُخِذَ لَهُ الْأَمَانُ مِنْهُ. ذِكْرُ ضَرْبِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ضَرَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ ضَرْبَهَا فِي الْإِسْلَامِ، فَانْتَفَعَ النَّاسُ بِذَلِكَ.

стр. 1892

وَكَانَ سَبَبُ ضَرْبِهَا أَنَّهُ كَتَبَ فِي صُدُورِ الْكُتُبِ إِلَى الرُّومِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ، وَذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ مَعَ التَّارِيخِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَلِكُ الرُّومِ: إِنَّكُمْ قَدْ أَحْدَثْتُمْ كَذَا وَكَذَا، فَاتْرُكُوهُ وَإِلَّا أَتَاكُمْ فِي دَنَانِيرِنَا مِنْ ذِكْرِ نَبِيِّكُمْ مَا تَكْرَهُونَ. فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ. فَأَحْضَرَ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَاسْتَشَارَهُ فِيهِ، فَقَالَ: حَرِّمْ دَنَانِيرَهُمْ، وَاضْرِبْ لِلنَّاسِ سَكَّةً فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ - تَعَالَى -. فَضَرَبَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ. ثُمَّ إِنَّ الْحَجَّاجَ ضَرَبَ الدَّرَاهِمَ وَنَقَشَ فِيهَا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ، فَكَرِهَ النَّاسُ ذَلِكَ لِمَكَانِ الْقُرْآنِ، لِأَنَّ الْجُنُبَ وَالْحَائِضَ يَمَسُّهَا، وَنَهَى أَنْ يَضْرِبَ أَحَدٌ غَيْرُهُ، فَضَرَبَ سُمَيْرٌ الْيَهُودِيُّ، فَأَخَذَهُ لِيَقْتُلَهُ، فَقَالَ لَهُ: عِيَارُ دِرْهَمِي أَجْوَدُ مِنْ دَرَاهِمِكَ، فَلِمَ تَقْتُلُنِي؟ فَلَمْ يَتْرُكْهُ، فَوَضَعَ لِلنَّاسِ سِنَجَ الْأَوْزَانِ لِيَتْرُكَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ، وَكَانَ النَّاسُ لَا يَعْرِفُونَ الْوَزْنَ، إِنَّمَا يَزِنُونَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ، فَلَمَّا وَضَعَ لَهُمْ سُمَيْرٌ السِّنَجَ كَفَّ بَعْضُهُمْ عَنْ غَبْنِ بَعْضٍ. وَأَوَّلُ مَنْ شَدَّدَ فِي أَمْرِ الْوَزْنِ وَخَلَّصَ الْفِضَّةَ أَبْلَغَ مِنْ تَخْلِيصِ مَنْ قَبْلَهُ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ أَيَّامَ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَجَوَّدَ الدَّرَاهِمَ، وَخَلَّصَ الْعِيَارَ وَاشْتَدَّ فِيهِ. ثُمَّ كَانَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ أَيَّامَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَاشْتَدَّ أَكْثَرَ مِنَ ابْنِ هُبَيْرَةَ. ثُمَّ وَلِيَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ، فَأَفْرَطَ فِي الشِّدَّةِ، فَامْتَحَنَ يَوْمًا الْعِيَارَ، فَوَجَدَ دِرْهَمًا يَنْقُصُ حَبَّةً، فَضَرَبَ كُلَّ صَانِعٍ أَلْفَ سَوْطٍ. وَكَانُوا مِائَةَ صَانِعٍ، فَضَرَبَ فِي حَبَّةٍ مِائَةَ أَلْفِ سَوْطٍ. وَكَانَتِ الْهُبَيْرِيَّةُ وَالْخَالِدِيَّةُ وَالْيُوسُفِيَّةُ أَجْوَدَ نُقُودِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَلَمْ يَكُنِ الْمَنْصُورُ يَقْبَلُ فِي الْخَرَاجِ غَيْرَهَا، فَسُمِّيَتِ الدَّرَاهِمُ الْأُولَى مَكْرُوهَةً. وَقِيلَ: إِنَّ الْمَكْرُوهَةَ الدَّرَاهِمُ الَّتِي ضَرَبَهَا الْحَجَّاجُ وَنَقَشَ عَلَيْهَا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ، فَكَرِهَهَا الْعُلَمَاءُ لِأَجْلِ مَسِّ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ. وَكَانَتْ دَرَاهِمُ الْأَعْجَامِ مُخْتَلِفَةً كِبَارًا وَصِغَارًا، وَكَانُوا يَضْرِبُونَ مِثْقَالًا، وَهُوَ وَزْنُ عِشْرِينَ قِيرَاطًا، وَمِنْهَا وَزْنُ اثْنَيْ عَشَرَ قِيرَاطًا، وَمِنْهَا وَزْنُ عَشَرَةِ قَرَارِيطَ، وَهِيَ أَصْنَافُ

стр. 1893

الْمَثَاقِيلِ، فَلَمَّا ضُرِبَ الدَّرَاهِمُ فِي الْإِسْلَامِ أَخَذُوا عِشْرِينَ قِيرَاطًا، وَاثْنَيْ عَشَرَ قِيرَاطًا، وَعَشَرَةَ قَرَارِيطَ، فَوَجَدُوا ذَلِكَ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ قِيرَاطًا، فَضَرَبُوا عَلَى الثُّلُثِ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِيرَاطًا، فَوَزَنَ الدِّرْهَمُ الْعَرَبِيُّ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِيرَاطًا، فَصَارَ وَزْنُ كُلِّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ سَبْعَةَ مَثَاقِيلَ. وَقِيلَ: إِنَّ مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْرِ ضَرَبَ دَرَاهِمَ قَلِيلَةً أَيَّامَ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ كُسِرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَيَّامَ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ فِي أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَفَدَ يَحْيَى بْنُ الْحَكَمِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ. وَفِيهَا وَلَّى عَبْدُ الْمَلِكِ الْمَدِينَةَ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ. وَفِيهَا وُلِدَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ. وَأَقَامَ الْحَجَّ لِلنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ. وَكَانَ عَلَى الْعِرَاقِ الْحَجَّاجُ، وَعَلَى خُرَاسَانَ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ شُرَيْحٌ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى. وَفِيهَا غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ الرُّومَ مِنْ نَاحِيَةِ مَلَطْيَةَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ حَبَّةُ بْنُ جُوَيْنٍ الْعُرَنِيُّ صَاحِبُ عَلِيٍّ. (حَبَّةُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى عُرَنَةَ، بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ الْمَضْمُومَةِ، وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالنُّونِ) .

стр. 1894

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ] ٧٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ ذِكْرُ مُحَارَبَةِ شَبِيبٍ عَتَّابَ بْنَ وَرْقَاءَ وَزُهْرَةَ بْنَ حَوِيَّةَ وَقَتْلِهِمَا وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَتَلَ شَبِيبٌ عَتَّابَ بْنَ وَرْقَاءَ الرِّيَاحِيَّ وَزُهْرَةَ بْنَ حَوِيَّةَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ شَبِيبًا لَمَّا هَزَمَ الْجَيْشَ الَّذِي كَانَ وَجَّهَهُ الْحَجَّاجُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، وَقُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ قَطَنٍ، كَانَ ذَلِكَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَأَتَى شَبِيبٌ مَاهَ بَهْرَاذَانَ فَصَيَّفَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَأَتَاهُ نَاسٌ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَطْلُبُ الدُّنْيَا، وَمِمَّنْ كَانَ الْحَجَّاجُ يَطْلُبُهُمْ بِمَالٍ أَوْ تَبِعَاتٍ. فَلَمَّا ذَهَبَ الْحَرُّ خَرَجَ شَبِيبٌ فِي نَحْوِ ثَمَانِمِائَةِ رَجُلٍ فَأَقْبَلَ نَحْوَ الْمَدَائِنِ، وَعَلَيْهَا مُطَرِّفُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، فَجَاءَ حَتَّى نَزَلَ قَنَاطِرَ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، فَكَتَبَ عَظِيمُ بَابِلَ مَهْرُوذُ إِلَى الْحَجَّاجِ بِذَلِكَ، فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ قَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، لَتُقَاتِلُنَّ عَنْ بِلَادِكُمْ وَعَنْ فَيْئِكُمْ، أَوْ لَأَبْعَثَنَّ إِلَى قَوْمٍ هُمْ أَطْوَعُ وَأَصْبَرُ عَلَى اللَّأْوَاءِ وَالْقَيْظِ مِنْكُمْ، فَيُقَاتِلُونَ عَدُوَّكُمْ وَيَأْكُلُونَ فَيْئَكُمْ. فَقَامَ إِلَيْهِ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَمَكَانٍ فَقَالُوا: نَحْنُ نُقَاتِلُهُمْ وَنَعْتِبُ الْأَمِيرَ، فَلْيَنْدُبْنَا الْأَمِيرُ إِلَيْهِمْ. وَقَامَ إِلَيْهِ زُهْرَةُ بْنُ حَوِيَّةَ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَتِمُّ قَائِمًا حَتَّى يُؤْخَذَ بِيَدِهِ، فَقَالَ [لَهُ] : أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، إِنَّمَا تَبْعَثُ إِلَيْهِمُ النَّاسَ مُتَقَطِّعِينَ، فَاسْتَنْفِرِ النَّاسَ إِلَيْهِمْ كَافَّةً، وَابْعَثْ إِلَيْهِمْ رَجُلًا شُجَاعًا مُجَرِّبًا مِمَّنْ يَرَى الْفِرَارَ هَضْمًا وَعَارًا، وَالصَّبْرَ مَجْدًا وَكَرَمًا. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: فَأَنْتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَاخْرُجْ. فَقَالَ زُهْرَةُ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، إِنَّمَا يَصْلُحُ الرَّجُلُ يَحْمِلُ الدِّرْعَ وَالرُّمْحَ، وَيَهُزُّ السَّيْفَ، وَيَثْبُتُ عَلَى [مَتْنِ] الْفَرَسِ، وَأَنَا لَا أُطِيقُ مِنْ هَذَا شَيْئًا، وَقَدْ ضَعُفَ بَصَرِي [وَضَعُفْتُ] ، وَلَكِنْ أَخْرِجْنِي مَعَ الْأَمِيرِ فِي

стр. 1895

النَّاسِ، فَأَكُونُ مَعَهُ وَأُشِيرُ عَلَيْهِ بِرَأْيِي. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا عَنِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ فِي أَوَّلِ أَمْرِكَ وَآخِرِهِ، فَقَدْ نَصَحْتَ. ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، سِيرُوا بِأَجْمَعِكُمْ كَافَّةً. فَانْصَرَفَ النَّاسُ يَتَجَهَّزُونَ وَلَا يَدْرُونَ مَنْ أَمِيرُهُمْ. وَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يُخْبِرُهُ أَنَّ شَبِيبًا قَدْ شَارَفَ الْمَدَائِنَ وَأَنَّهُ يُرِيدُ الْكُوفَةَ، وَقَدْ عَجَزَ أَهْلُ الْكُوفَةِ عَنْ قِتَالِهِ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ، [فِي كُلِّهَا] يَقْتُلُ أُمَرَاءَهُمْ وَيَهْزِمُ جُنُودَهُمْ، وَيَطْلُبُ إِلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ جُنْدًا مِنَ الشَّامِ، يُقَاتِلُونَ الْخَوَارِجَ وَيَأْكُلُونَ الْبِلَادَ. فَلَمَّا أَتَى الْكِتَابُ بَعَثَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ سُفْيَانَ بْنَ الْأَبْرَدِ الْكَلْبِيَّ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَحَبِيبَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَكَمِيَّ فِي أَلْفَيْنِ. فَبَعَثَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَتَّابِ بْنِ وَرْقَاءَ الرِّيَاحِيِّ، وَهُوَ مَعَ الْمُهَلَّبِ، يَسْتَدْعِيهِ، وَكَانَ عَتَّابٌ قَدْ كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ يَشْكُو مِنَ الْمُهَلَّبِ، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَضُمَّهُ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ عَتَّابًا طَلَبَ مِنَ الْمُهَلَّبِ أَنْ يَرْزُقَ أَهْلَ الْكُوفَةِ الَّذِينَ مَعَهُ مِنْ مَالِ فَارِسَ، فَأَبَى عَلَيْهِ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمَا مُنَافَرَةٌ، فَكَادَتْ تُؤَدِّي إِلَى الْحَرْبِ، فَدَخَلَ الْمُغِيرَةُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بَيْنَهُمَا فَأَصْلَحَ الْأَمْرَ، وَأَلْزَمَ أَبَاهُ بِرِزْقِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَكَتَبَ يَشْكُو مِنْهُ. فَلَمَّا وَرَدَ كِتَابُهُ سُرَّ الْحَجَّاجُ بِذَلِكَ وَاسْتَدْعَاهُ، ثُمَّ جَمَعَ الْحَجَّاجُ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَاسْتَشَارَهُمْ فِيمَنْ يُوَلِّيهِ أَمْرَ الْجَيْشِ، فَقَالُوا: رَأْيُكَ أَفْضَلُ. فَقَالَ: قَدْ بَعَثْتُ إِلَى عَتَّابٍ، وَهُوَ قَادِمٌ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ أَوِ الْقَابِلَةَ. فَقَالَ زُهْرَةُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، رَمَيْتَهُمْ بِحَجَرِهِمْ، وَاللَّهِ لَا نَرْجِعُ إِلَيْكَ حَتَّى نَظْفَرَ أَوْ نُقْتَلَ. وَقَالَ لَهُ قَبِيصَةُ بْنُ وَالِقٍ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ تَحَدَّثُوا أَنَّ جَيْشًا قَدْ وَصَلَ إِلَيْكَ مِنَ الشَّامِ، وَأَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ قَدْ هُزِمُوا، وَهَانَ عَلَيْهِمُ الْفِرَارُ، فَقُلُوبُهُمْ كَأَنَّهَا لَيْسَتْ فِيهِمْ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَبْعَثَ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ لِيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ، وَلَا يُبَيِّتُوا إِلَّا وَهُمْ مُحْتَاطُونَ، فَإِنَّكَ تُحَارِبُ حُوَّلًا قُلَّبًا ظَعَّانًا رَحَّالًا، وَقَدْ جَهَّزْتَ إِلَيْهِمْ أَهْلَ الْكُوفَةِ، وَلَسْتَ وَاثِقًا بِهِمْ كُلَّ الثِّقَةِ، وَإِنَّ شَبِيبًا بَيْنَا هُوَ فِي أَرْضٍ إِذَا هُوَ فِي أُخْرَى، وَلَا آمَنُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَ الشَّامِ وَهُمْ آمِنُونَ، فَإِنْ يَهْلِكُوا نَهْلِكْ وَيَهْلِكِ الْعِرَاقُ. قَالَ لَهُ: لِلَّهِ أَبُوكَ، مَا أَحْسَنَ مَا أَشَرْتَ بِهِ! وَأَرْسَلَ إِلَى الشَّامِ يُحَذِّرُهُمْ، وَيَأْمُرُهُمْ أَنْ يَأْتُوا عَلَى عَيْنِ التَّمْرِ. فَفَعَلُوا. وَقَدِمَ عَتَّابُ بْنُ وَرْقَاءَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَبَعَثَهُ الْحَجَّاجُ عَلَى ذَلِكَ الْجَيْشِ، فَعَسْكَرَ بِحَمَّامِ
следующие страницы →