← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

مَعَهُ، فَضَارَبُوهُمْ حَتَّى فَرَّقُوا بَيْنَهُمْ، وَحَمَلَ شَبِيبٌ بِالْخَيْلِ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَمَا شَعَرَ عُثْمَانُ وَمَنْ مَعَهُ إِلَّا وَالرِّمَاحُ فِي أَكْتَافِهِمْ تُكِبُّهُمْ لِوُجُوهِهِمْ، وَعَطَفَ عَلَيْهِمْ سُوَيْدُ بْنُ سُلَيْمٍ أَيْضًا فِي خَيْلِهِ، وَرَجَعَ مُصَادٌ وَأَصْحَابُهُ فَاضْطَرَبُوا سَاعَةً، وَقَاتَلَ عُثْمَانُ بْنُ قَطَنٍ أَحْسَنَ قِتَالٍ، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَحَاطُوا بِهِ، وَضَرَبَهُ مُصَادٌ أَخُو شَبِيبٍ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ اسْتَدَارَ لَهَا وَقَالَ: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ قَتَلُوهُ، وَوَقَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَتَاهُ ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ الْجُعْفِيُّ، وَهُوَ عَلَى بَغْلِهِ، فَعَرَفَهُ فَأَرْكَبَهُ مَعَهُ، وَنَادَى فِي النَّاسِ: الْحَقُوا بِدَيْرِ أَبِي مَرْيَمَ، ثُمَّ انْطَلَقَا ذَاهِبَيْنِ. وَرَأَى وَاصِلٌ السَّكُونِيُّ فَرَسَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الَّتِي أَعْطَاهُ الْجَزْلُ تَجُولُ فِي الْعَسْكَرِ، فَأَخَذَهَا بَعْضُ أَصْحَابِ شَبِيبٍ، فَظَنَّ أَنَّهُ قُتِلَ، فَطَلَبَهُ فِي الْقَتْلَى فَلَمْ يَجِدْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ فَأُعْطِيَ خَبَرَهُ، فَاتَّبَعَهُ وَاصِلٌ عَلَى بِرْذَوْنِهِ وَمَعَهُ غُلَامُهُ عَلَى بَغْلٍ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُمَا نَزَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَابْنُ أَبِي سَبْرَةَ لِيُقَاتِلَا، فَلَمَّا رَآهُمَا وَاصِلٌ عَرَفَهُمَا وَقَالَ: إِنَّكُمَا تَرَكْتُمَا النُّزُولَ فِي مَوْضِعِهِ، فَلَا تَنْزِلَا الْآنَ! وَحَسَرَ عِمَامَتَهُ عَنْ وَجْهِهِ فَعَرَفَاهُ، وَقَالَ لِابْنِ الْأَشْعَثِ: قَدْ أَتَيْتُكَ بِهَذَا الْبِرْذَوْنِ لِتَرْكَبَهُ. فَرَكِبَهُ وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ دَيْرَ الْبَقَّارِ. وَأَمَرَ شَبِيبٌ أَصْحَابَهُ فَرَفَعُوا السَّيْفَ عَنِ النَّاسِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الْبَيْعَةِ فَبَايَعُوهُ. وَقُتِلَ مِنْ كِنْدَةَ يَوْمَئِذٍ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ، وَقُتِلَ مُعْظَمُ الْعُرَفَاءِ. وَبَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِدَيْرِ الْبَقَّارِ، فَأَتَاهُ فَارِسَانِ فَصَعِدَا إِلَيْهِ، فَخَلَا أَحَدُهُمَا بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ طَوِيلًا، ثُمَّ نَزَلَا، فَتَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ كَانَ شَبِيبًا، وَقَدْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُكَاتَبَةٌ، وَسَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَتَّى أَتَى دَيْرَ أَبِي مَرْيَمَ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ وَقَالُوا لَهُ: إِنْ سَمِعَ شَبِيبٌ بِمَكَانِكَ أَتَاكَ فَكُنْتَ لَهُ غَنِيمَةً. فَخَرَجَ إِلَى الْكُوفَةِ وَاخْتَفَى مِنَ الْحَجَّاجِ حَتَّى أُخِذَ لَهُ الْأَمَانُ مِنْهُ. ذِكْرُ ضَرْبِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ضَرَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ ضَرْبَهَا فِي الْإِسْلَامِ، فَانْتَفَعَ النَّاسُ بِذَلِكَ.

стр. 1892

وَكَانَ سَبَبُ ضَرْبِهَا أَنَّهُ كَتَبَ فِي صُدُورِ الْكُتُبِ إِلَى الرُّومِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ، وَذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ مَعَ التَّارِيخِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَلِكُ الرُّومِ: إِنَّكُمْ قَدْ أَحْدَثْتُمْ كَذَا وَكَذَا، فَاتْرُكُوهُ وَإِلَّا أَتَاكُمْ فِي دَنَانِيرِنَا مِنْ ذِكْرِ نَبِيِّكُمْ مَا تَكْرَهُونَ. فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ. فَأَحْضَرَ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَاسْتَشَارَهُ فِيهِ، فَقَالَ: حَرِّمْ دَنَانِيرَهُمْ، وَاضْرِبْ لِلنَّاسِ سَكَّةً فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ - تَعَالَى -. فَضَرَبَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ. ثُمَّ إِنَّ الْحَجَّاجَ ضَرَبَ الدَّرَاهِمَ وَنَقَشَ فِيهَا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ، فَكَرِهَ النَّاسُ ذَلِكَ لِمَكَانِ الْقُرْآنِ، لِأَنَّ الْجُنُبَ وَالْحَائِضَ يَمَسُّهَا، وَنَهَى أَنْ يَضْرِبَ أَحَدٌ غَيْرُهُ، فَضَرَبَ سُمَيْرٌ الْيَهُودِيُّ، فَأَخَذَهُ لِيَقْتُلَهُ، فَقَالَ لَهُ: عِيَارُ دِرْهَمِي أَجْوَدُ مِنْ دَرَاهِمِكَ، فَلِمَ تَقْتُلُنِي؟ فَلَمْ يَتْرُكْهُ، فَوَضَعَ لِلنَّاسِ سِنَجَ الْأَوْزَانِ لِيَتْرُكَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ، وَكَانَ النَّاسُ لَا يَعْرِفُونَ الْوَزْنَ، إِنَّمَا يَزِنُونَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ، فَلَمَّا وَضَعَ لَهُمْ سُمَيْرٌ السِّنَجَ كَفَّ بَعْضُهُمْ عَنْ غَبْنِ بَعْضٍ. وَأَوَّلُ مَنْ شَدَّدَ فِي أَمْرِ الْوَزْنِ وَخَلَّصَ الْفِضَّةَ أَبْلَغَ مِنْ تَخْلِيصِ مَنْ قَبْلَهُ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ أَيَّامَ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَجَوَّدَ الدَّرَاهِمَ، وَخَلَّصَ الْعِيَارَ وَاشْتَدَّ فِيهِ. ثُمَّ كَانَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ أَيَّامَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَاشْتَدَّ أَكْثَرَ مِنَ ابْنِ هُبَيْرَةَ. ثُمَّ وَلِيَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ، فَأَفْرَطَ فِي الشِّدَّةِ، فَامْتَحَنَ يَوْمًا الْعِيَارَ، فَوَجَدَ دِرْهَمًا يَنْقُصُ حَبَّةً، فَضَرَبَ كُلَّ صَانِعٍ أَلْفَ سَوْطٍ. وَكَانُوا مِائَةَ صَانِعٍ، فَضَرَبَ فِي حَبَّةٍ مِائَةَ أَلْفِ سَوْطٍ. وَكَانَتِ الْهُبَيْرِيَّةُ وَالْخَالِدِيَّةُ وَالْيُوسُفِيَّةُ أَجْوَدَ نُقُودِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَلَمْ يَكُنِ الْمَنْصُورُ يَقْبَلُ فِي الْخَرَاجِ غَيْرَهَا، فَسُمِّيَتِ الدَّرَاهِمُ الْأُولَى مَكْرُوهَةً. وَقِيلَ: إِنَّ الْمَكْرُوهَةَ الدَّرَاهِمُ الَّتِي ضَرَبَهَا الْحَجَّاجُ وَنَقَشَ عَلَيْهَا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ، فَكَرِهَهَا الْعُلَمَاءُ لِأَجْلِ مَسِّ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ. وَكَانَتْ دَرَاهِمُ الْأَعْجَامِ مُخْتَلِفَةً كِبَارًا وَصِغَارًا، وَكَانُوا يَضْرِبُونَ مِثْقَالًا، وَهُوَ وَزْنُ عِشْرِينَ قِيرَاطًا، وَمِنْهَا وَزْنُ اثْنَيْ عَشَرَ قِيرَاطًا، وَمِنْهَا وَزْنُ عَشَرَةِ قَرَارِيطَ، وَهِيَ أَصْنَافُ

стр. 1893

الْمَثَاقِيلِ، فَلَمَّا ضُرِبَ الدَّرَاهِمُ فِي الْإِسْلَامِ أَخَذُوا عِشْرِينَ قِيرَاطًا، وَاثْنَيْ عَشَرَ قِيرَاطًا، وَعَشَرَةَ قَرَارِيطَ، فَوَجَدُوا ذَلِكَ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ قِيرَاطًا، فَضَرَبُوا عَلَى الثُّلُثِ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِيرَاطًا، فَوَزَنَ الدِّرْهَمُ الْعَرَبِيُّ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِيرَاطًا، فَصَارَ وَزْنُ كُلِّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ سَبْعَةَ مَثَاقِيلَ. وَقِيلَ: إِنَّ مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْرِ ضَرَبَ دَرَاهِمَ قَلِيلَةً أَيَّامَ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ كُسِرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَيَّامَ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ فِي أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَفَدَ يَحْيَى بْنُ الْحَكَمِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ. وَفِيهَا وَلَّى عَبْدُ الْمَلِكِ الْمَدِينَةَ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ. وَفِيهَا وُلِدَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ. وَأَقَامَ الْحَجَّ لِلنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ. وَكَانَ عَلَى الْعِرَاقِ الْحَجَّاجُ، وَعَلَى خُرَاسَانَ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ شُرَيْحٌ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى. وَفِيهَا غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ الرُّومَ مِنْ نَاحِيَةِ مَلَطْيَةَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ حَبَّةُ بْنُ جُوَيْنٍ الْعُرَنِيُّ صَاحِبُ عَلِيٍّ. (حَبَّةُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى عُرَنَةَ، بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ الْمَضْمُومَةِ، وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالنُّونِ) .

стр. 1894

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ] ٧٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ ذِكْرُ مُحَارَبَةِ شَبِيبٍ عَتَّابَ بْنَ وَرْقَاءَ وَزُهْرَةَ بْنَ حَوِيَّةَ وَقَتْلِهِمَا وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَتَلَ شَبِيبٌ عَتَّابَ بْنَ وَرْقَاءَ الرِّيَاحِيَّ وَزُهْرَةَ بْنَ حَوِيَّةَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ شَبِيبًا لَمَّا هَزَمَ الْجَيْشَ الَّذِي كَانَ وَجَّهَهُ الْحَجَّاجُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، وَقُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ قَطَنٍ، كَانَ ذَلِكَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَأَتَى شَبِيبٌ مَاهَ بَهْرَاذَانَ فَصَيَّفَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَأَتَاهُ نَاسٌ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَطْلُبُ الدُّنْيَا، وَمِمَّنْ كَانَ الْحَجَّاجُ يَطْلُبُهُمْ بِمَالٍ أَوْ تَبِعَاتٍ. فَلَمَّا ذَهَبَ الْحَرُّ خَرَجَ شَبِيبٌ فِي نَحْوِ ثَمَانِمِائَةِ رَجُلٍ فَأَقْبَلَ نَحْوَ الْمَدَائِنِ، وَعَلَيْهَا مُطَرِّفُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، فَجَاءَ حَتَّى نَزَلَ قَنَاطِرَ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، فَكَتَبَ عَظِيمُ بَابِلَ مَهْرُوذُ إِلَى الْحَجَّاجِ بِذَلِكَ، فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ قَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، لَتُقَاتِلُنَّ عَنْ بِلَادِكُمْ وَعَنْ فَيْئِكُمْ، أَوْ لَأَبْعَثَنَّ إِلَى قَوْمٍ هُمْ أَطْوَعُ وَأَصْبَرُ عَلَى اللَّأْوَاءِ وَالْقَيْظِ مِنْكُمْ، فَيُقَاتِلُونَ عَدُوَّكُمْ وَيَأْكُلُونَ فَيْئَكُمْ. فَقَامَ إِلَيْهِ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَمَكَانٍ فَقَالُوا: نَحْنُ نُقَاتِلُهُمْ وَنَعْتِبُ الْأَمِيرَ، فَلْيَنْدُبْنَا الْأَمِيرُ إِلَيْهِمْ. وَقَامَ إِلَيْهِ زُهْرَةُ بْنُ حَوِيَّةَ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَتِمُّ قَائِمًا حَتَّى يُؤْخَذَ بِيَدِهِ، فَقَالَ [لَهُ] : أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، إِنَّمَا تَبْعَثُ إِلَيْهِمُ النَّاسَ مُتَقَطِّعِينَ، فَاسْتَنْفِرِ النَّاسَ إِلَيْهِمْ كَافَّةً، وَابْعَثْ إِلَيْهِمْ رَجُلًا شُجَاعًا مُجَرِّبًا مِمَّنْ يَرَى الْفِرَارَ هَضْمًا وَعَارًا، وَالصَّبْرَ مَجْدًا وَكَرَمًا. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: فَأَنْتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَاخْرُجْ. فَقَالَ زُهْرَةُ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، إِنَّمَا يَصْلُحُ الرَّجُلُ يَحْمِلُ الدِّرْعَ وَالرُّمْحَ، وَيَهُزُّ السَّيْفَ، وَيَثْبُتُ عَلَى [مَتْنِ] الْفَرَسِ، وَأَنَا لَا أُطِيقُ مِنْ هَذَا شَيْئًا، وَقَدْ ضَعُفَ بَصَرِي [وَضَعُفْتُ] ، وَلَكِنْ أَخْرِجْنِي مَعَ الْأَمِيرِ فِي

стр. 1895

النَّاسِ، فَأَكُونُ مَعَهُ وَأُشِيرُ عَلَيْهِ بِرَأْيِي. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا عَنِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ فِي أَوَّلِ أَمْرِكَ وَآخِرِهِ، فَقَدْ نَصَحْتَ. ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، سِيرُوا بِأَجْمَعِكُمْ كَافَّةً. فَانْصَرَفَ النَّاسُ يَتَجَهَّزُونَ وَلَا يَدْرُونَ مَنْ أَمِيرُهُمْ. وَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يُخْبِرُهُ أَنَّ شَبِيبًا قَدْ شَارَفَ الْمَدَائِنَ وَأَنَّهُ يُرِيدُ الْكُوفَةَ، وَقَدْ عَجَزَ أَهْلُ الْكُوفَةِ عَنْ قِتَالِهِ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ، [فِي كُلِّهَا] يَقْتُلُ أُمَرَاءَهُمْ وَيَهْزِمُ جُنُودَهُمْ، وَيَطْلُبُ إِلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ جُنْدًا مِنَ الشَّامِ، يُقَاتِلُونَ الْخَوَارِجَ وَيَأْكُلُونَ الْبِلَادَ. فَلَمَّا أَتَى الْكِتَابُ بَعَثَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ سُفْيَانَ بْنَ الْأَبْرَدِ الْكَلْبِيَّ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَحَبِيبَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَكَمِيَّ فِي أَلْفَيْنِ. فَبَعَثَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَتَّابِ بْنِ وَرْقَاءَ الرِّيَاحِيِّ، وَهُوَ مَعَ الْمُهَلَّبِ، يَسْتَدْعِيهِ، وَكَانَ عَتَّابٌ قَدْ كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ يَشْكُو مِنَ الْمُهَلَّبِ، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَضُمَّهُ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ عَتَّابًا طَلَبَ مِنَ الْمُهَلَّبِ أَنْ يَرْزُقَ أَهْلَ الْكُوفَةِ الَّذِينَ مَعَهُ مِنْ مَالِ فَارِسَ، فَأَبَى عَلَيْهِ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمَا مُنَافَرَةٌ، فَكَادَتْ تُؤَدِّي إِلَى الْحَرْبِ، فَدَخَلَ الْمُغِيرَةُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بَيْنَهُمَا فَأَصْلَحَ الْأَمْرَ، وَأَلْزَمَ أَبَاهُ بِرِزْقِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَكَتَبَ يَشْكُو مِنْهُ. فَلَمَّا وَرَدَ كِتَابُهُ سُرَّ الْحَجَّاجُ بِذَلِكَ وَاسْتَدْعَاهُ، ثُمَّ جَمَعَ الْحَجَّاجُ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَاسْتَشَارَهُمْ فِيمَنْ يُوَلِّيهِ أَمْرَ الْجَيْشِ، فَقَالُوا: رَأْيُكَ أَفْضَلُ. فَقَالَ: قَدْ بَعَثْتُ إِلَى عَتَّابٍ، وَهُوَ قَادِمٌ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ أَوِ الْقَابِلَةَ. فَقَالَ زُهْرَةُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، رَمَيْتَهُمْ بِحَجَرِهِمْ، وَاللَّهِ لَا نَرْجِعُ إِلَيْكَ حَتَّى نَظْفَرَ أَوْ نُقْتَلَ. وَقَالَ لَهُ قَبِيصَةُ بْنُ وَالِقٍ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ تَحَدَّثُوا أَنَّ جَيْشًا قَدْ وَصَلَ إِلَيْكَ مِنَ الشَّامِ، وَأَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ قَدْ هُزِمُوا، وَهَانَ عَلَيْهِمُ الْفِرَارُ، فَقُلُوبُهُمْ كَأَنَّهَا لَيْسَتْ فِيهِمْ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَبْعَثَ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ لِيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ، وَلَا يُبَيِّتُوا إِلَّا وَهُمْ مُحْتَاطُونَ، فَإِنَّكَ تُحَارِبُ حُوَّلًا قُلَّبًا ظَعَّانًا رَحَّالًا، وَقَدْ جَهَّزْتَ إِلَيْهِمْ أَهْلَ الْكُوفَةِ، وَلَسْتَ وَاثِقًا بِهِمْ كُلَّ الثِّقَةِ، وَإِنَّ شَبِيبًا بَيْنَا هُوَ فِي أَرْضٍ إِذَا هُوَ فِي أُخْرَى، وَلَا آمَنُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَ الشَّامِ وَهُمْ آمِنُونَ، فَإِنْ يَهْلِكُوا نَهْلِكْ وَيَهْلِكِ الْعِرَاقُ. قَالَ لَهُ: لِلَّهِ أَبُوكَ، مَا أَحْسَنَ مَا أَشَرْتَ بِهِ! وَأَرْسَلَ إِلَى الشَّامِ يُحَذِّرُهُمْ، وَيَأْمُرُهُمْ أَنْ يَأْتُوا عَلَى عَيْنِ التَّمْرِ. فَفَعَلُوا. وَقَدِمَ عَتَّابُ بْنُ وَرْقَاءَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَبَعَثَهُ الْحَجَّاجُ عَلَى ذَلِكَ الْجَيْشِ، فَعَسْكَرَ بِحَمَّامِ

стр. 1896

أَعْيَنَ، وَأَقْبَلَ شَبِيبٌ حَتَّى انْتَهَى إِلَى كَلْوَاذَى، فَقَطَعَ فِيهَا دِجْلَةَ، (ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ مَدِينَةَ بَهُرَسِيرَ الدُّنْيَا، فَصَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُطَرِّفٍ [جِسْرُ] دِجْلَةَ) ، وَقَطَعَ مُطَرِّفٌ الْجِسْرَ وَبَعَثَ إِلَى شَبِيبٍ: أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ رِجَالًا مِنْ وُجُوهِ أَصْحَابِكَ أُدَارِسُهُمُ الْقُرْآنَ، وَأَنْظُرُ فِيمَا يَدْعُونَ إِلَيْهِ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ قَعْنَبَ بْنَ سُوَيْدٍ وَالْمُحَلِّلَ وَغَيْرَهُمَا، وَأَخَذَ مِنْهُ رَهَائِنَ إِلَى أَنْ يَعُودُوا، فَأَقَامُوا عِنْدَهُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى شَيْءٍ. فَلَمَّا لَمْ يَتْبَعْهُ مُطَرِّفٌ تَهَيَّأَ لِلْمَسِيرِ إِلَى عَتَّابٍ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنِّي كُنْتُ عَازِمًا أَنْ آتِيَ أَهْلَ الشَّامِ جَرِيدَةً، وَأَلْقَاهُمْ عَلَى غِرَّةٍ قَبْلَ أَنْ يَتَّصِلُوا بِأَمِيرٍ مِثْلِ الْحَجَّاجِ، وَمِصْرٍ مِثْلِ الْكُوفَةِ، فَثَبَّطَنِي عَنْهُمْ مُطَرِّفٌ، وَقَدْ جَاءَتْنِي عُيُونِي، فَأَخْبَرُونِي أَنَّ أَوَائِلَهُمْ قَدْ دَخَلُوا عَيْنَ التَّمْرِ، فَهُمُ الْآنَ قَدْ شَارَفُوا الْكُوفَةَ، وَقَدْ أَخْبَرُونِي أَنَّ عَتَّابًا وَمَنْ مَعَهُ بِالْبَصْرَةِ، فَمَا أَقْرَبُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَتَيَسَّرُوا لِلْمَسِيرِ إِلَى عَتَّابٍ. وَخَافَ مُطَرِّفُ بْنُ الْمُغِيرَةِ أَنْ يَبْلُغَ خَبَرُهُ مَعَ شَبِيبٍ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَخَرَجَ نَحْوَ الْجِبَالِ. فَأَرْسَلَ شَبِيبٌ أَخَاهُ مُصَادًا إِلَى الْمَدَائِنِ وَعَقَدَ الْجِسْرَ، وَأَقْبَلَ عَتَّابٌ إِلَيْهِ حَتَّى نَزَلَ بِسُوقِ حَكَمَةَ، وَقَدْ خَرَجَ مَعَهُ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ أَرْبَعُونَ أَلْفًا، وَمِنَ الشَّبَابِ وَالْأَتْبَاعِ عَشَرَةُ آلَافٍ، فَكَانُوا خَمْسِينَ أَلْفًا، وَكَانَ الْحَجَّاجُ قَدْ قَالَ لَهُمْ حِينَ سَارُوا: إِنَّ لِلسَّائِرِ الْمُجْتَهِدِ الْكَرَامَةَ وَالْأَثَرَةَ، وَلِلْهَارِبِ الْهَوَانَ وَالْجَفْوَةَ، وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَئِنْ فَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ كَفِعْلِكُمْ فِي الْمَوَاطِنِ الْأُخَرِ لَأُوَلِّيَنَّكُمْ كَنَفًا خَشِنًا، وَلَأُعْرِكَنَّكُمْ بِكَلْكَلٍ ثَقِيلٍ. فَلَمَّا بَلَغَ عَتَّابٌ سُوقَ حَكَمَةَ أَتَاهُ شَبِيبٌ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ بِالْمَدَائِنِ أَلْفَ رَجُلٍ، فَحَثَّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، وَسَارَ بِهِمْ، فَتَخَلَّفَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ بِسَابَاطَ، وَصَلَّى الْعَصْرَ وَسَارَ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى عَتَّابٍ وَعَسْكَرِهِ، فَلَمَّا رَآهُمْ نَزَلَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، وَكَانَ عَتَّابٌ قَدْ عَبَّأَ أَصْحَابَهُ، فَجَعَلَ فِي الْمَيْمَنَةِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ، وَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، إِنَّكَ شَرِيفٌ صَابِرٌ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَصْبِرَنَّ مَا ثَبَتَ مَعِيَ إِنْسَانٌ. وَقَالَ لِقَبِيصَةَ بْنِ وَالِقٍ الثَّعْلَبِيِّ: اكْفِنِي الْمَيْسَرَةَ. فَقَالَ: أَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، لَا أَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ إِلَّا أَنْ أُقَامَ. فَجَعَلَ عَلَيْهَا نُعَيْمَ بْنَ عُلَيْمٍ، وَبَعَثَ حَنْظَلَةَ بْنَ الْحَارِثِ الْيَرْبُوعِيَّ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ وَشَيْخُ أَهْلِ بَيْتِهِ، عَلَى الرَّجَّالَةِ، وَصَفَّهُمْ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ: صَفٌّ فِيهِمْ أَصْحَابُ السُّيُوفِ، وَصَفٌّ فِيهِمْ أَصْحَابُ الرِّمَاحِ، وَصَفٌّ فِيهِمُ الرُّمَاةُ، ثُمَّ سَارَ فِي النَّاسِ يُحَرِّضُهُمْ عَلَى الْقِتَالِ وَيَقُصُّ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ الْقَصَّاصُ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ. ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ مَنْ يَرْوِي شِعْرَ عَنْتَرَةَ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ. فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ، كَأَنِّي بِكُمْ قَدْ فَرَرْتُمْ عَنْ عَتَّابِ بْنِ وَرْقَاءَ، وَتَرَكْتُمُوهُ تَسْفِي فِي اسْتِهِ الرِّيحُ!

стр. 1897

ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى جَلَسَ فِي الْقَلْبِ وَمَعَهُ زُهْرَةُ بْنُ حَوِيَّةَ جَالِسٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي جَهْمٍ الْعَدَوِيُّ. وَأَقْبَلَ شَبِيبٌ وَهُوَ فِي سِتِّمِائَةٍ وَقَدْ تَخَلَّفَ عَنْهُ مِنْ أَصْحَابِهِ أَرْبَعُمِائَةٍ، فَقَالَ: لَقَدْ تَخَلَّفَ عَنَّا مَنْ لَا أُحِبُّ أَنْ يَرَى فِينَا، فَجَعَلَ سُوَيْدَ بْنَ سُلَيْمٍ فِي مِائَتَيْنِ فِي الْمَيْسَرَةِ، وَجَعَلَ الْمُحَلِّلَ بْنَ وَائِلٍ فِي مِائَتَيْنِ فِي الْقَلْبِ، وَمَضَى هُوَ فِي مِائَتَيْنِ إِلَى الْمَيْمَنَةِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ حِينَ أَضَاءَ الْقَمَرُ، فَنَادَاهُمْ: لِمَنْ هَذِهِ الرَّايَاتُ؟ فَقَالُوا: رَايَاتٌ لِرَبِيعَةَ. قَالَ: طَالَمَا نَصَرَتِ الْحَقَّ، وَطَالَمَا نَصَرَتِ الْبَاطِلَ، وَاللَّهِ لَأُجَاهِدَنَّكُمْ مُحْتَسِبًا، أَنَا شَبِيبٌ، لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، لِلْحَكَمِ، اثْبُتُوا إِنْ شِئْتُمْ! ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِمْ فَفَضَّهُمْ، فَثَبَتَ أَصْحَابُ رَايَاتِ قَبِيصَةَ بْنِ وَالِقٍ، وَعُبَيْدِ بْنِ الْحُلَيْسِ، وَنُعَيْمِ بْنِ عُلَيْمٍ فَقُتِلُوا، وَانْهَزَمَتِ الْمَيْسَرَةُ كُلُّهَا، وَنَادَى النَّاسُ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ: قُتِلَ قَبِيصَةُ! وَقَالَ شَبِيبٌ: قَتَلْتُمُوهُ، وَمِثْلَهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٧٥] . ثُمَّ وَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: وَيْحَكَ لَوْ ثَبَتَّ عَلَى إِسْلَامِكَ الْأَوَّلِ سَعِدْتَ! وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ هَذَا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ جَاءَ يُقَاتِلُكُمْ مَعَ الْفَسَقَةِ. ثُمَّ إِنَّ شَبِيبًا حَمَلَ مِنَ الْمَيْسَرَةِ عَلَى عَتَّابٍ، وَحَمَلَ سُوَيْدُ بْنُ سُلَيْمٍ عَلَى الْمَيْمَنَةِ، وَعَلَيْهِمَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَاتَلَهُمْ فِي رِجَالٍ مِنْ تَمِيمٍ وَهَمْدَانَ، فَمَا زَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى قِيلَ لَهُمْ قُتِلَ عَتَّابٌ، فَانْفَضُّوا. وَلَمْ يَزَلْ عَتَّابٌ جَالِسًا عَلَى طَنْفَسَةٍ فِي الْقَلْبِ وَمَعَهُ زُهْرَةُ بْنُ حَوِيَّةَ إِذْ غَشِيَهُمْ شَبِيبٌ، فَقَالَ لَهُ عَتَّابٌ: يَا زُهْرَةُ، هَذَا يَوْمٌ كَثُرَ فِيهِ الْعَدَدُ، وَقَلَّ فِيهِ الْغَنَاءُ، وَالَهَفِي عَلَى خَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ تَمِيمٍ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ، أَلَا صَابِرٌ لِعَدُوِّهِ؟ أَلَا مُوَاسٍ بِنَفْسِهِ؟ فَانْفَضُّوا عَنْهُ وَتَرَكُوهُ، فَقَالَ [لَهُ] زُهْرَةُ: أَحْسَنْتَ يَا عَتَّابُ، فَعَلْتَ فِعْلًا [لَا يَفْعَلُهُ] مِثْلُكَ. أَبْشِرْ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - قَدْ أَهْدَى إِلَيْنَا الشَّهَادَةَ عِنْدَ فَنَاءِ أَعْمَارِنَا. فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ شَبِيبٌ وَثَبَ فِي عِصَابَةٍ قَلِيلَةٍ صَبَرَتْ مَعَهُ وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَشْعَثِ قَدْ هَرَبَ وَتَبِعَهُ نَاسٌ كَثِيرٌ. فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ ذَلِكَ الْفَتَى يُبَالِي مَا صَنَعَ. ثُمَّ قَاتَلَهُمْ سَاعَةً، فَرَآهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ شَبِيبٍ يُقَالُ لَهُ عَامِرُ بْنُ عُمَرَ التَّغْلِبِيُّ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَطَعَنَهُ، وَوَطِئَتِ الْخَيْلُ زُهْرَةَ بْنَ حَوِيَّةَ، فَأَخَذَ يَذُبُّ بِسَيْفِهِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُومَ،

стр. 1898

فَجَاءَهُ الْفَضْلُ بْنُ عَامِرٍ الشَّيْبَانِيُّ فَقَتَلَهُ، فَانْتَهَى إِلَيْهِ شَبِيبٌ فَرَآهُ صَرِيعًا فَعَرَفَهُ، فَقَالَ: هَذَا زُهْرَةُ بْنُ حَوِيَّةَ، أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ كُنْتَ قُتِلْتَ عَلَى ضَلَالَةٍ لَرُبَّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْمُسْلِمِينَ قَدْ حَسُنَ فِيهِ بَلَاؤُكَ، وَعَظُمَ فِيهِ غَنَاؤُكَ! وَلَرُبَّ خَيْلٍ لِلْمُشْرِكِينَ هَزَمْتَهَا، وَقَرْيَةٍ مِنْ قُرَاهُمْ جَمٍّ أَهْلُهَا قَدِ افْتَتَحْتَهَا! ثُمَّ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّكَ تُقْتَلُ نَاصِرًا لِلظَّالِمِينَ. وَتَوَجَّعَ لَهُ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: إِنَّكَ لَتَتَوَجَّعُ لِرَجُلٍ كَافِرٍ. فَقَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ بِأَعْرَفَ بِضَلَالَتِهِمْ مِنِّي، وَلَكِنِّي أَعْرِفُ مِنْ قَدِيمِ أَمْرِهِمْ مَا لَا تَعْرِفُ، مَا لَوْ ثَبَتُوا عَلَيْهِ لَكَانُوا إِخْوَانَنَا. فَاسْتَمْسَكَ شَبِيبٌ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ وَالنَّاسِ، فَقَالَ: ارْفَعُوا السَّيْفَ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الْبَيْعَةِ، فَبَايَعَهُ النَّاسُ وَهَرَبُوا مِنْ تَحْتِ لَيْلَتِهِمْ، وَحَوَى مَا فِي الْعَسْكَرِ، وَبَعَثَ إِلَى أَخِيهِ فَأَتَاهُ مِنَ الْمَدَائِنِ. وَأَقَامَ شَبِيبٌ بَعْدَ الْوَقْعَةِ بِبَيْتِ قُرَّةَ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ سَارَ نَحْوَ الْكُوفَةِ، فَنَزَلَ بُسُورَا وَقَتَلَ عَامِلَهَا. وَكَانَ سُفْيَانُ بْنُ الْأَبْرَدِ وَعَسْكَرُ الشَّامِ قَدْ دَخَلُوا الْكُوفَةَ، فَشَدُّوا ظَهْرَ الْحَجَّاجِ وَاسْتَغْنَى بِهِ وَبِعَسْكَرِهِ عَنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، لَا أَعَزَّ اللَّهُ مَنْ أَرَادَ بِكُمُ الْعِزَّ، وَلَا نَصَرَ مَنْ أَرَادَ بِكُمُ النَّصْرَ، اخْرُجُوا عَنَّا فَلَا تَشْهَدُوا مَعَنَا قِتَالَ عَدُوِّنَا، انْزِلُوا بِالْحِيرَةِ مَعَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَا يُقَاتِلْ مَعَنَا إِلَّا مَنْ لَمْ يَشْهَدْ قِتَالَ عَتَّابٍ. ذِكْرُ قُدُومِ شَبِيبٍ الْكُوفَةَ أَيْضًا وَانْهِزَامِهِ عَنْهَا ثُمَّ سَارَ شَبِيبٌ مِنْ سُورَا فَنَزَلَ حَمَّامَ أَعْيَنَ، فَدَعَا الْحَجَّاجُ الْحَارِثَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الثَّقَفِيَّ، فَوَجَّهَهُ فِي نَاسٍ مِنَ الشُّرَطِ لَمْ يَشْهَدُوا يَوْمَ عَتَّابٍ وَغَيْرِهِمْ، فَخَرَجَ فِي نَحْوِ أَلْفٍ، فَنَزَلَ زُرَارَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ شَبِيبًا، فَعَجَّلَ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ حَمَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَجَاءَ الْمُنْهَزِمُونَ فَدَخَلُوا الْكُوفَةَ، وَجَاءَ شَبِيبٌ فَعَسْكَرَ بِنَاحِيَةِ الْكُوفَةِ وَأَقَامَ ثَلَاثًا، فَلَمْ يَكُنْ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ غَيْرُ قَتْلِ الْحَارِثِ. فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي أَخْرَجَ الْحَجَّاجُ مَوَالِيَهُ، فَأَخَذُوا بِأَفْوَاهِ السِّكَكِ، وَجَاءَ شَبِيبٌ فَنَزَلَ السَّبْخَةَ وَابْتَنَى بِهَا مَسْجِدًا، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ أَخْرَجَ الْحَجَّاجُ أَبَا الْوَرْدِ مَوْلَاهُ،

стр. 1899

عَلَيْهِ تِجْفَافٌ، وَمَعَهُ غِلْمَانٌ لَهُ وَقَالُوا: هَذَا الْحَجَّاجُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ شَبِيبٌ فَقَتَلَهُ، وَقَالَ: إِنْ كَانَ هَذَا الْحَجَّاجُ فَقَدْ أَرَحْتُكُمْ مِنْهُ. ثُمَّ أَخْرَجَ الْحَجَّاجُ غُلَامَهُ طَهْمَانَ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْعُدَّةِ وَالْحَالَةِ، فَقَتَلَهُ شَبِيبٌ وَقَالَ: إِنْ كَانَ هَذَا الْحَجَّاجُ فَقَدْ أَرَحْتُكُمْ مِنْهُ. ثُمَّ إِنَّ الْحَجَّاجَ خَرَجَ ارْتِفَاعَ النَّهَارِ مِنَ الْقَصْرِ، فَطَلَبَ بَغْلًا يَرْكَبُهُ إِلَى السَّبْخَةِ، فَأُتِيَ بِبَغْلٍ، فَرَكِبَهُ وَمَعَهُ أَهْلُ الشَّامِ، فَخَرَجَ، فَلَمَّا رَأَى الْحَجَّاجُ شَبِيبًا وَأَصْحَابَهُ نَزَلَ، وَكَانَ شَبِيبٌ فِي سِتِّمِائَةِ فَارِسٍ، فَأَقْبَلَ نَحْوَ الْحَجَّاجِ، وَجَعَلَ الْحَجَّاجُ سَبْرَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِخْنَفٍ عَلَى أَفْوَاهِ السِّكَكِ فِي جَمَاعَةِ النَّاسِ، وَدَعَا الْحَجَّاجُ بِكُرْسِيٍّ فَقَعَدَ عَلَيْهِ ثُمَّ نَادَى: [يَا] أَهْلَ الشَّامِ، أَنْتُمْ أَهْلُ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ [وَالصَّبْرِ] وَالْيَقِينِ، فَلَا يَغْلِبَنَّ بَاطِلُ هَؤُلَاءِ الْأَرْجَاسِ حَقَّكُمْ، غُضُّوا الْأَبْصَارَ، وَاجْثُوا عَلَى الرُّكَبِ، وَاسْتَقْبِلُوهُمْ بِأَطْرَافِ الْأَسِنَّةِ. فَفَعَلُوا وَأَشْرَعُوا الرِّمَاحَ، وَكَأَنَّهُمْ حَرَّةٌ سَوْدَاءُ، وَأَقْبَلَ شَبِيبٌ فِي ثَلَاثَةِ كَرَادِيسَ، كَتِيبَةٌ مَعَهُ، وَكَتِيبَةٌ مَعَ سُوَيْدِ بْنِ سُلَيْمٍ، وَكَتِيبَةٌ مَعَ الْمُحَلِّلِ بْنِ وَائِلٍ، وَقَالَ لِسُوَيْدٍ: احْمِلْ عَلَيْهِمْ فِي خَيْلِكَ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ، فَثَبَتُوا لَهُ وَوَثَبُوا فِي وَجْهِهِ بِأَطْرَافِ الرِّمَاحِ، فَطَعَنُوهُ حَتَّى انْصَرَفَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ. وَصَاحَ الْحَجَّاجُ: هَكَذَا فَافْعَلُوا، وَأَمَرَ بِكُرْسِيِّهِ فَقُدِّمَ، وَأَمَرَ شَبِيبٌ الْمُحَلِّلَ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ فَفَعَلُوا بِهِ كَذَلِكَ، فَنَادَاهُمُ الْحَجَّاجُ: هَكَذَا فَافْعَلُوا، وَأَمَرَ بِكُرْسِيِّهِ فَقُدِّمَ. ثُمَّ إِنَّ شَبِيبًا حَمَلَ عَلَيْهِمْ فِي كَتِيبَتِهِ، فَثَبَتُوا لَهُ وَصَنَعُوا بِهِ كَذَلِكَ، فَقَاتَلَهُمْ طَوِيلًا، ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الشَّامِ طَاعَنُوهُ حَتَّى أَلْحَقُوهُ بِأَصْحَابِهِ. فَلَمَّا رَأَى صَبْرَهُمْ نَادَى: يَا سُوَيْدُ، احْمِلْ عَلَيْهِمْ بِأَصْحَابِكَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ السِّكَّةِ، لَعَلَّكَ تُزِيلُ أَهْلَهَا، وَتَأْتِي الْحَجَّاجَ مِنْ وَرَائِهِ، وَنَحْمِلُ نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ أَمَامِهِ. فَحَمَلَ سُوَيْدٌ، فَرُمِيَ مِنْ فَوْقِ الْبُيُوتِ وَأَفْوَاهِ السِّكَكِ فَرَجَعَ. وَكَانَ الْحَجَّاجُ قَدْ جَعَلَ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ رِدْءًا لَهُ، لِئَلَّا يُؤْتَوْا مِنْ خَلْفِهِمْ، فَجَمَعَ شَبِيبٌ أَصْحَابَهُ لِيَحْمِلَ بِهِمْ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: اصْبِرُوا لِهَذِهِ الشِّدَّةِ الْوَاحِدَةِ، ثُمَّ هُوَ الْفَتْحُ. فَجَثَوْا عَلَى الرُّكَبِ. وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ شَبِيبٌ بِجَمِيعِ أَصْحَابِهِ، فَوَثَبُوا فِي وَجْهِهِ، وَمَا زَالُوا يُطَاعِنُونَهُ وَيُضَارِبُونَهُ قُدُمًا، وَيَدْفَعُونَهُ وَأَصْحَابَهُ حَتَّى أَجَازُوهُمْ مَكَانَهُمْ، وَأَمَرَ شَبِيبٌ أَصْحَابَهُ بِالنُّزُولِ، فَنَزَلَ نِصْفُهُمْ، وَجَاءَ الْحَجَّاجُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَسْجِدِ شَبِيبٍ ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ الشَّامِ، هَذَا أَوَّلُ الْفَتْحِ، وَصَعِدَ الْمَسْجِدَ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مَعَهُمُ النَّبْلُ لِيَرْمُوهُمْ إِنْ دَنَوْا مِنْهُ، فَاقْتَتَلُوا عَامَّةَ النَّهَارِ أَشَدَّ قِتَالٍ رَآهُ النَّاسُ حَتَّى أَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لِصَاحِبِهِ.

стр. 1900

ثُمَّ إِنَّ خَالِدَ بْنَ عَتَّابٍ قَالَ لِلْحَجَّاجِ: ائْذَنْ لِي فِي قِتَالِهِمْ فَإِنِّي مَوْتُورٌ، فَأَذِنَ لَهُ، فَخَرَجَ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَقَصَدَ عَسْكَرَهُمْ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَقَتَلَ مُصَادًا أَخَا شَبِيبٍ، وَقَتَلَ امْرَأَتَهُ غَزَالَةَ، وَحَرَّقَ فِي عَسْكَرِهِ. وَأَتَى الْخَبَرُ الْحَجَّاجَ وَشَبِيبًا، فَكَبَّرَ الْحَجَّاجُ وَأَصْحَابُهُ، وَأَمَّا شَبِيبٌ فَرَكِبَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَقَالَ الْحَجَّاجُ لِأَهْلِ الشَّامِ: احْمِلُوا عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَتَاهُمْ مَا أَرْعَبَهُمْ. فَشَدُّوا عَلَيْهِمْ فَهَزَمُوهُمْ، وَتَخَلَّفَ شَبِيبٌ فِي حَامِيَةِ النَّاسِ. فَبَعَثَ الْحَجَّاجُ إِلَى خَيْلِهِ: أَنْ دَعُوهُ، فَتَرَكُوهُ وَرَجَعُوا، وَدَخَلَ الْحَجَّاجُ الْكُوفَةَ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا قُوتِلَ شَبِيبٌ قَبْلَهَا، وَلَّى وَاللَّهِ هَارِبًا وَتَرَكَ امْرَأَتَهُ يُكْسَرُ فِي اسْتِهَا الْقَصَبُ. ثُمَّ دَعَا حَبِيبَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَكَمِيَّ فَبَعَثَهُ فِي ثَلَاثَةِ آلَافِ فَارِسٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فِي أَثَرِ شَبِيبٍ وَقَالَ لَهُ: احْذَرْ بَيَاتَهُ، وَحَيْثُ لَقِيتَهُ فَانْزِلْ لَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَدْ فَلَّ حَدَّهُ، وَقَصَمَ نَابَهُ. فَخَرَجَ فِي أَثَرِهِ حَتَّى نَزَلَ الْأَنْبَارَ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ قَدْ نَادَى عِنْدَ انْهِزَامِهِمْ: مَنْ جَاءَنَا مِنْكُمْ فَهُوَ آمِنٌ. فَتَفَرَّقَ عَنْ شَبِيبٍ نَاسٌ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ. فَلَمَّا نَزَلَ حَبِيبٌ الْأَنْبَارَ أَتَاهُمْ شَبِيبٌ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُمْ نَزَلَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، وَكَانَ حَبِيبٌ قَدْ جَعَلَ أَصْحَابَهُ أَرْبَاعًا، وَقَالَ لِكُلِّ رُبُعٍ مِنْهُمْ: لِيَمْنَعْ كُلُّ رُبُعٍ مِنْكُمْ جَانِبَهُ، فَإِنْ قَاتَلَ هَذَا الرُّبُعُ فَلَا يُعِنْهُمُ الرُّبُعُ الْآخَرُ، فَإِنَّ الْخَوَارِجَ قَرِيبٌ مِنْكُمْ، فَوَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى أَنَّكُمْ مُبَيَّتُونَ وَمُقَاتَلُونَ. فَأَتَاهُمْ شَبِيبٌ وَهُمْ عَلَى تَعْبِيَةٍ، فَحَمَلَ عَلَى رُبُعٍ فَقَاتَلَهُمْ طَوِيلًا، فَمَا زَالَتْ قَدَمُ إِنْسَانٍ عَنْ مَوْضِعِهَا، ثُمَّ تَرَكَهُمْ وَأَقْبَلَ إِلَى رُبُعٍ آخَرَ فَكَانُوا كَذَلِكَ، ثُمَّ أَتَى رُبُعًا آخَرَ فَكَانُوا كَذَلِكَ، ثُمَّ الرُّبُعَ الرَّابِعَ، فَمَا بَرِحَ يُقَاتِلُهُمْ حَتَّى ذَهَبَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ اللَّيْلِ، ثُمَّ نَازَلَهُمْ رَاجِلًا، فَسَقَطَتْ مِنْهُمُ الْأَيْدِي، وَكَثُرَتِ الْقَتْلَى، وَفُقِئَتِ الْأَعْيُنُ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ شَبِيبٍ نَحْوُ ثَلَاثِينَ رَجُلًا، وَمِنْ أَهْلِ الشَّامِ نَحْوُ مِائَةٍ، وَاسْتَوْلَى التَّعَبُ وَالْإِعْيَاءُ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ، (حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَضْرِبُ بِسَيْفِهِ فَلَا يَصْنَعُ شَيْئًا) ، وَحَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيُقَاتِلُ جَالِسًا، فَمَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُومَ مِنَ التَّعَبِ. فَلَمَّا يَئِسَ شَبِيبٌ مِنْهُمْ تَرَكَهُمْ وَانْصَرَفَ عَنْهُمْ. ثُمَّ قَطَعَ دِجْلَةَ وَأَخَذَ فِي أَرْضِ جُوخَى، ثُمَّ قَطَعَ دِجْلَةَ مَرَّةً أُخْرَى عِنْدَ وَاسِطَ، ثُمَّ أَخَذَ نَحْوَ الْأَهْوَازِ، ثُمَّ إِلَى فَارِسَ، ثُمَّ إِلَى كَرْمَانَ لِيَسْتَرِيحَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ.

стр. 1901

وَقِيلَ فِي هَزِيمَتِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ الْحَجَّاجَ كَانَ قَدْ بَعَثَ إِلَى شَبِيبٍ أَمِيرًا فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أَمِيرًا فَقَتَلَهُ، أَحَدُهُمَا أَعْيَنُ صَاحِبُ حَمَّامِ أَعْيَنَ، ثُمَّ جَاءَ شَبِيبٌ حَتَّى دَخَلَ الْكُوفَةَ وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ غَزَالَةُ، وَكَانَتْ نَذَرَتْ أَنْ تُصَلِّيَ فِي جَامِعِ الْكُوفَةِ رَكْعَتَيْنِ تَقْرَأُ فِيهِمَا الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، وَاتَّخَذَ فِي عَسْكَرِهِ أَخْصَاصًا. فَجَمَعَ الْحَجَّاجُ لَيْلًا بَعْدَ أَنْ لَقِيَ مِنْ شَبِيبٍ النَّاسُ مَا لَقُوا، فَاسْتَشَارَهُمْ فِي أَمْرِ شَبِيبٍ، فَأَطْرَقُوا، وَفَصَلَ قُتَيْبَةَ مِنَ الصَّفِّ فَقَالَ: أَتَأْذَنُ لِي فِي الْكَلَامِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّ الْأَمِيرَ مَا رَاقَبَ اللَّهَ وَلَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا نُصْحَ الرَّعِيَّةِ. قَالَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لِأَنَّكَ تَبْعَثُ الرَّجُلَ الشَّرِيفَ وَتَبْعَثُ مَعَهُ رَعَاعًا، فَيَنْهَزِمُونَ وَيَسْتَحْيِي أَنْ يَنْهَزِمَ فَيُقْتَلُ. قَالَ: فَمَا الرَّأْيُ؟ قَالَ: الرَّأْيُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِ فَتُحَاكِمَهُ. قَالَ: فَانْظُرْ لِي مُعَسْكَرًا. فَخَرَجَ النَّاسُ يَلْعَنُونَ عَنْبَسَةَ بْنَ سَعِيدٍ ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَلَّمَ الْحَجَّاجَ فِيهِ حَتَّى جَعَلَهُ مِنْ صَحَابَتِهِ، وَصَلَّى الْحَجَّاجُ مِنَ الْغَدِ الصُّبْحَ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ، وَأَقْبَلَ قُتَيْبَةُ وَقَدْ رَأَى مُعَسْكَرًا حَسَنًا، فَدَخَلَ إِلَى الْحَجَّاجِ، ثُمَّ خَرَجَ وَمَعَهُ لِوَاءٌ مَنْشُورٌ، وَخَرَجَ الْحَجَّاجُ يَتْبَعُهُ حَتَّى خَرَجَ إِلَى السَّبْخَةِ وَبِهَا شَبِيبٌ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، فَتَوَاقَفُوا، وَقِيلَ لِلْحَجَّاجِ: لَا تُعَرِّفْهُ مَكَانَكَ، فَأَخْفَى مَكَانَهُ، وَشَبَّهَ لَهُ أَبَا الْوَرْدِ مَوْلَاهُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ شَبِيبٌ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ بِعَمُودٍ فَقَتَلَهُ، وَحَمَلَ شَبِيبٌ عَلَى خَالِدِ بْنِ عَتَّابٍ وَمَنْ مَعَهُ وَهُوَ عَلَى مَيْسَرَةِ الْحَجَّاجِ، فَبَلَغَ بِهِمُ الرَّحْبَةَ، وَحَمَلَ عَلَى مَطَرِ بْنِ نَاجِيَةَ وَهُوَ عَلَى مَيْمَنَةِ الْحَجَّاجِ فَكَشَفَهُ، فَنَزَلَ عِنْدَ ذَلِكَ الْحَجَّاجُ، وَنَزَلَ أَصْحَابُهُ، وَجَلَسَ عَلَى عَبَاءَةٍ وَمَعَهُ عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ، فَإِنَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ تَنَاوَلَ مَصْقَلَةُ بْنُ مُهَلْهِلٍ الضَّبِّيُّ لِجَامَ شَبِيبٍ وَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي صَالِحِ بْنِ مُسَرِّحٍ، وَبِمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: أَعَلَى هَذِهِ الْحَالِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَبَرِئَ مِنْ صَالِحٍ. فَقَالَ لَهُ مَصْقَلَةُ: بَرِئَ اللَّهُ مِنْكَ، وَفَارَقَهُ إِلَّا أَرْبَعِينَ فَارِسًا، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: قَدِ اخْتَلَفُوا، وَأَرْسَلَ إِلَى خَالِدِ بْنِ عَتَّابٍ، فَأَتَى بِهِمْ فِي عَسْكَرِهِمْ فَقَاتَلَهُمْ فَقُتِلَتْ غَزَالَةُ، وَمُرَّ بِرَأْسِهَا إِلَى الْحَجَّاجِ مَعَ فَارِسٍ، فَعَرَفَهُ شَبِيبٌ، فَأَمَرَ رَجُلًا فَحَمَلَ عَلَى الْفَارِسِ فَقَتَلَهُ وَجَاءَ بِالرَّأْسِ، فَأَمَرَ بِهِ فَغُسِّلَ ثُمَّ دَفَنَهُ. وَمَضَى الْقَوْمُ عَلَى حَامِيَتِهِمْ، وَرَجَعَ خَالِدٌ فَأَخْبَرَ الْحَجَّاجَ بِانْصِرَافِهِمْ، فَأَمَرَهُ بِاتِّبَاعِهِمْ، فَاتَّبَعَهُمْ يَحْمِلُ عَلَيْهِمْ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ فَقَاتَلُوهُ حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الرَّحْبَةَ، وَأُتِيَ شَبِيبٌ بِخُوطِ بْنِ عُمَيْرٍ السَّدُوسِيِّ فَقَالَ: يَا خُوطُ لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ. فَقَالَ: (إِنَّ خُوطًا مِنْ أَصْحَابِكُمْ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَخَافُ. فَأَطْلَقَهُ، وَأُتِيَ بِعُمَيْرِ بْنِ الْقَعْقَاعِ فَقَالَ: يَا عُمَيْرُ،

стр. 1902

لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ. فَقَالَ: فِي) سَبِيلِ اللَّهِ شَبَابِي. فَرَدَّدَ عَلَيْهِ شَبِيبٌ: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ. فَلَمْ يَفْقَهْ مَا يُرِيدُ، فَقَتَلَهُ. وَقُتِلَ مُصَادٌ أَخُو شَبِيبٍ، وَجَعَلَ شَبِيبٌ يَنْتَظِرُ الثَّمَانِيَةَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا خَالِدًا، فَأَبْطَئُوا وَلَمْ يَقْدَمْ أَصْحَابُ الْحَجَّاجِ عَلَى شَبِيبٍ هَيْبَةً لَهُ، وَأَتَى إِلَى شَبِيبٍ أَصْحَابُهُ الثَّمَانِيَةُ، فَسَارُوا وَاتَّبَعَهُمْ خَالِدٌ وَقَدْ دَخَلُوا إِلَى دَيْرٍ بِنَاحِيَةِ الْمَدَائِنِ، فَحَصَرَهُمْ فِيهِ، فَخَرَجُوا عَلَيْهِ فَهَزَمُوهُ نَحْوَ فَرْسَخَيْنِ، فَأَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ فِي دِجْلَةَ مُنْهَزِمِينَ، وَأَلْقَى خَالِدٌ نَفْسَهُ فِيهَا بِفَرَسِهِ وَلِوَاؤُهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ شَبِيبٌ: قَاتَلَهُ اللَّهُ، هَذَا أَسَدُ النَّاسٍ! فَقِيلَ: هُوَ خَالِدُ بْنُ عَتَّابٍ. فَقَالَ: مُعْرَقٌ [لَهُ] فِي الشَّجَاعَةِ، وَلَوْ عَرَفْتُهُ لَأَقْحَمْتُ خَلْفَهُ وَلَوْ دَخَلَ النَّارَ. ثُمَّ سَارَ إِلَى كَرْمَانَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يَسْتَمِدُّهُ، وَيُعَرِّفُهُ عَجْزَ أَهْلِ الْكُوفَةِ عَنْ قِتَالِ شَبِيبٍ، فَسَيَّرَ سُفْيَانَ بْنَ الْأَبْرَدِ فِي جَيْشٍ إِلَيْهِ. ذِكْرُ مَهْلَكِ شَبِيبٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ هَلَكَ شَبِيبٌ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ أَنْفَقَ فِي أَصْحَابِ سُفْيَانَ بْنِ الْأَبْرَدِ مَالًا عَظِيمًا بَعْدَ أَنْ عَادَ شَبِيبٌ عَنْ مُحَارَبَتِهِمْ وَقَصَدَ كَرْمَانَ بِشَهْرَيْنِ، وَأَمَرَ سُفْيَانَ وَأَصْحَابَهُ بِقَصْدِ شَبِيبٍ، فَسَارَ نَحْوَهُ، وَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى الْحَكَمِ بْنِ أَيُّوبَ زَوْجِ ابْنَتِهِ، وَهُوَ عَامِلُهُ عَلَى الْبَصْرَةِ، يَأْمُرُهُ أَنْ يُرْسِلَ أَرْبَعَةَ آلَافِ فَارِسٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ إِلَى سُفْيَانَ، فَسَيَّرَهُمْ مَعَ زِيَادِ بْنِ عَمْرٍو الْعَتَكِيِّ، فَلَمْ يَصِلْ إِلَى سُفْيَانَ حَتَّى الْتَقَى سُفْيَانُ مَعَ شَبِيبٍ، وَكَانَ شَبِيبٌ قَدْ أَقَامَ بِكَرْمَانَ، فَاسْتَرَاحَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ ثُمَّ أَقْبَلَ رَاجِعًا، فَالْتَقَى مَعَ سُفْيَانَ بِجِسْرِ دُجَيْلِ الْأَهْوَازِ، فَعَبَرَ شَبِيبٌ الْجِسْرَ إِلَى سُفْيَانَ، فَوَجَدَ سُفْيَانَ قَدْ نَزَلَ فِي الرِّجَالِ، (وَجَعَلَ مُهَاصِرَ بْنَ سَيْفٍ عَلَى الْخَيْلِ. وَأَقْبَلَ شَبِيبٌ فِي ثَلَاثَةِ كَرَادِيسَ فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، وَرَجَعَ شَبِيبٌ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِمْ هُوَ وَأَصْحَابُهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ حَمْلَةً، وَلَا يَزُولُ أَهْلُ الشَّامِ، وَقَالَ لَهُمْ سُفْيَانُ: لَا تَتَفَرَّقُوا، وَلْيَزْحَفِ الرِّجَالُ) إِلَيْهِمْ زَحْفًا. فَمَا زَالُوا يُضَارِبُونَهُمْ وَيُطَاعِنُونَهُمْ حَتَّى اضْطَرُّوهُمْ إِلَى الْجِسْرِ. فَلَمَّا انْتَهَى شَبِيبٌ إِلَى الْجِسْرِ نَزَلَ، وَنَزَلَ مَعَهُ

стр. 1903

نَحْوُ مِائَةٍ، فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى الْمَسَاءِ، وَأَوْقَعُوا بِأَهْلِ الشَّامِ مِنَ الضَّرْبِ وَالطَّعْنِ مَا لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ. فَلَمَّا رَأَى سُفْيَانُ عَجْزَهُ عَنْهُمْ، وَخَافَ أَنْ يُنْصَرُوا عَلَيْهِ - أَمَرَ الرُّمَاةَ أَنْ يَرْمُوهُمْ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْمَسَاءِ، وَكَانُوا نَاحِيَةً، فَتَقَدَّمُوا وَرَمَوْا شَبِيبًا سَاعَةً، فَحَمَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى الرُّمَاةِ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ رَجُلًا، ثُمَّ عَطَفَ عَلَى سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى اخْتَلَطَ الظَّلَامُ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ سُفْيَانُ لِأَصْحَابِهِ: لَا تَتْبَعُوهُمْ. فَلَمَّا انْتَهَى شَبِيبٌ إِلَى الْجِسْرِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: اعْبُرُوا، وَإِذَا أَصْبَحْنَا بَاكَرْنَاهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَعَبَرُوا أَمَامَهُ وَتَخَلَّفَ فِي آخِرِهِمْ، وَجَاءَ لِيَعْبُرَ وَهُوَ عَلَى حِصَانٍ، وَكَانَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَرَسٌ أُنْثَى، فَنَزَا فَرَسُهُ عَلَيْهَا وَهُوَ عَلَى الْجِسْرِ، فَاضْطَرَبَتِ الْحَجَرُ تَحْتَهُ، وَنَزَلَ حَافِرُ فَرَسِ شَبِيبٍ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَسَقَطَ فِي الْمَاءِ، فَلَمَّا سَقَطَ قَالَ: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢] ، وَانْغَمَسَ فِي الْمَاءِ، ثُمَّ ارْتَفَعَ وَقَالَ: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦] ، وَغَرِقَ. وَقِيلَ فِي قَتْلِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ عَشِيرَتِهِ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ تِلْكَ الْبَصِيرَةُ النَّافِذَةُ، وَكَانَ قَدْ قَتَلَ مِنْ عَشَائِرِهِمْ رِجَالًا، فَكَانَ قَدْ أَوْجَعَ قُلُوبَهُمْ، وَكَانَ مِنْهُمْ رَجُلٌ اسْمُهُ مُقَاتِلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ شَيْبَانَ، فَلَمَّا قَتَلَ شَبِيبٌ مِنْ بَنِي تَيْمٍ أَغَارَ هُوَ عَلَى بَنِي مُرَّةَ بْنِ هَمَّامٍ رَهْطِ شَبِيبٍ فَقَتَلَ مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُ شَبِيبٌ: مَا حَمَلَكَ عَلَى قَتْلِهِمْ بِغَيْرِ أَمْرِي؟ فَقَالَ لَهُ: قَتَلْتَ كُفَّارَ قَوْمِي، فَقَتَلْتُ كُفَّارَ قَوْمِكَ، وَمِنْ دِينِنَا قَتْلُ مَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ رَأْيِنَا، وَمَا أَصَبْتَ مِنْ رَهْطِي أَكْثَرُ مِمَّا أَصَبْتُ مِنْ رَهْطِكَ، وَمَا يَحِلُّ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَجِدَ عَلَى قَتْلِ الْكَافِرِينَ. قَالَ: لَا أَجِدُ. وَكَانَ مَعَهُ أَيْضًا رِجَالٌ كَثِيرٌ قَدْ قَتَلَ مِنْ عَشَائِرِهِمْ، فَلَمَّا تَخَلَّفَ فِي آخِرِ النَّاسِ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَلْ لَكُمْ أَنْ نَقْطَعَ بِهِ الْجِسْرَ فَنُدْرِكَ ثَأْرَنَا؟ فَقَطَعُوا الْجِسْرَ، فَمَالَتْ بِهِ السُّفُنُ، فَنَفَرَ بِهِ الْفَرَسُ، فَوَقَعَ فِي الْمَاءِ فَغَرِقَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ. وَكَانَ أَهْلُ الشَّامِ يُرِيدُونَ الِانْصِرَافَ، فَأَتَاهُمْ صَاحِبُ الْجِسْرِ فَقَالَ لِسُفْيَانَ: إِنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ، فَنَادُوا بَيْنَهُمْ: غَرِقَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ! ثُمَّ إِنَّهُمُ انْصَرَفُوا رَاجِعِينَ وَتَرَكُوا عَسْكَرَهُمْ لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ، فَكَبَّرَ سُفْيَانُ وَكَبَّرَ أَصْحَابُهُ، وَأَقْبَلَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْجِسْرِ، وَبَعَثَ إِلَى الْعَسْكَرِ وَإِذَا لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ، وَإِذَا هُوَ أَكْثَرُ الْعَسَاكِرِ خَيْرًا، ثُمَّ

стр. 1904

اسْتَخْرَجُوا شَبِيبًا، فَشَقُّوا جَوْفَهُ وَأَخْرَجُوا قَلْبَهُ، وَكَانَ صَلْبًا كَأَنَّهُ صَخْرَةٌ، فَكَانَ يُضْرَبُ بِهِ الصَّخْرَةَ فَيَثِبُ عَنْهَا قَامَةَ الْإِنْسَانِ. قِيلَ: وَكَانَ شَبِيبٌ يُنْعَى إِلَى أُمِّهِ، فَيُقَالُ: قُتِلَ، فَلَا تَقْبَلُ ذَلِكَ، فَلَمَّا قِيلَ لَهَا غَرِقَ صَدَّقَتْ ذَلِكَ وَقَالَتْ: إِنِّي رَأَيْتُ حِينَ وَلَدْتُهُ أَنَّهُ خَرَجَ مِنِّي شِهَابُ نَارٍ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَا يُطْفِئُهُ إِلَّا الْمَاءُ. وَكَانَتْ أُمُّهُ جَارِيَةً رُومِيَّةً قَدِ اشْتَرَاهَا أَبُوهُ، فَأَوْلَدَهَا شَبِيبًا مِنْهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ يَوْمَ النَّحْرِ، وَقَالَتْ: إِنِّي رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ قُبُلِي شِهَابُ نَارٍ، فَذَهَبَ سَاطِعًا فِي السَّمَاءِ وَبَلَغَ الْآفَاقَ كُلَّهَا، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ وَقَعَ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ فَخَبَا، وَقَدْ وَلَدْتُهُ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا الَّذِي تُهْرِيُقُونَ فِيهِ الدِّمَاءَ، وَقَدْ أَوَّلْتُ ذَلِكَ أَنَّ وَلَدِي يَكُونُ صَاحِبَ دِمَاءٍ، وَأَنَّ أَمْرَهُ سَيَعْلُو فَيَعْظُمُ سَرِيعًا. وَكَانَ أَبُوهُ يَخْتَلِفُ بِهِ إِلَى اللَّصَفِ أَرْضِ قَوْمِهِ، وَهُوَ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ. ذِكْرُ خُرُوجِ مُطَرِّفِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قِيلَ: إِنَّ بَنِي الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ كَانُوا صُلَحَاءَ أَشْرَافًا بِأَنْفُسِهِمْ مَعَ شَرَفِ أَبِيهِمْ وَمَنْزِلَتِهِمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ الْحَجَّاجُ وَرَآهُمْ عَلِمَ أَنَّهُمْ رِجَالُ قَوْمِهِمْ، فَاسْتَعْمَلَ عُرْوَةَ عَلَى الْكُوفَةِ، وَمُطَرِّفًا عَلَى الْمَدَائِنِ، وَحَمْزَةَ عَلَى هَمَذَانَ، وَكَانُوا فِي أَعْمَالِهِمْ أَحْسَنَ النَّاسِ سِيرَةً، وَأَشَدَّهُمْ عَلَى الْمُرِيبِ، وَكَانَ مُطَرِّفٌ عَلَى الْمَدَائِنِ عِنْدَ خُرُوجِ شَبِيبٍ وَقُرْبِهِ مِنْهَا، كَمَا سَبَقَ، فَكَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ يَسْتَمِدُّهُ، فَأَمَدَّهُ بِسَبْرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِخْنَفٍ وَغَيْرِهِ، وَأَقْبَلَ شَبِيبٌ حَتَّى نَزَلَ بَهُرَسِيرَ، وَكَانَ مُطَرِّفٌ بِالْمَدِينَةِ الْعَتِيقَةِ، وَهِيَ الَّتِي فِيهَا إِيوَانُ كِسْرَى، فَقَطَعَ مُطَرِّفٌ الْجِسْرَ، وَبَعَثَ إِلَى شَبِيبٍ يَطْلُبُ إِلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ لِيَنْظُرَ فِيمَا يَدْعُونَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عِدَّةً مِنْهُمْ، فَسَأَلَهُمْ مُطَرِّفٌ عَمَّا يَدْعُونَ إِلَيْهِ، فَقَالُوا: نَدْعُوا إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَإِنَّ الَّذِي نَقَمْنَا مِنْ قَوْمِنَا الِاسْتِئْثَارَ بِالْفَيْءِ، وَتَعْطِيلَ الْحُدُودِ، (وَالتَّسَلُّطَ بِالْجَبْرِيَّةِ) . فَقَالَ لَهُمْ مُطَرِّفٌ: مَا دَعَوْتُمْ إِلَّا إِلَى حَقٍّ، وَمَا نَقَمْتُمْ إِلَّا جَوْرًا ظَاهِرًا، أَنَا لَكُمْ مُتَابِعٌ

стр. 1905

فَتَابِعُونِي عَلَى مَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ ; لِيَجْتَمِعَ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ. فَقَالُوا: اذْكُرْهُ فَإِنْ يَكُنْ حَقًّا نُجِبْكَ إِلَيْهِ. قَالَ: أَدْعُوكُمْ إِلَى أَنْ نُقَاتِلَ هَؤُلَاءِ الظَّلَمَةَ عَلَى إِحْدَاثِهِمْ، وَنَدْعُوَهُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، وَأَنْ يَكُونَ هَذَا الْأَمْرُ شُورَى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، يُؤَمِّرُونَ مَنْ يَرْتَضُونَ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ الَّتِي تَرَكَهُمْ عَلَيْهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ إِذَا عَلِمَتْ أَنَّ مَا يُرَادُ بِالشُّورَى الرِّضَى مِنْ قُرَيْشٍ رَضُوا، وَكَثُرَ تَبَعُكُمْ وَأَعْوَانُكُمْ. فَقَالُوا: هَذَا مَا لَا نُجِيبُكَ إِلَيْهِ. وَقَامُوا مِنْ عِنْدِهِ وَتَرَدَّدُوا بَيْنَهُمْ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، فَلَمْ تَجْتَمِعْ كَلِمَتُهُمْ، فَسَارُوا مِنْ عِنْدِهِ. وَأَحْضَرَ مُطَرِّفٌ نُصَحَاءَهُ وَثِقَاتِهِ، فَذَكَرَ لَهُمْ ظُلْمَ الْحَجَّاجِ وَعَبْدِ الْمَلِكِ، وَأَنَّهُ مَا زَالَ يُؤْثِرُ مُخَالَفَتَهُمْ وَمُنَاهَضَتَهُمْ، وَأَنَّهُ يَرَى ذَلِكَ دِينًا لَوْ وَجَدَ عَلَيْهِ أَعْوَانًا، وَذَكَرَ لَهُمْ مَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِ شَبِيبٍ، وَأَنَّهُمْ لَوْ تَابَعُوهُ عَلَى رَأْيِهِ لَخَلَعَ عَبْدَ الْمَلِكِ وَالْحَجَّاجَ، وَاسْتَشَارَهُمْ فِيمَا يَفْعَلُ. فَقَالُوا لَهُ: اخْفِ هَذَا الْكَلَامَ وَلَا تُظْهِرْهُ لِأَحَدٍ. فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، مَوْلَى أَبِيهِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: وَاللَّهِ لَا يَخْفَى عَلَى الْحَجَّاجِ مِمَّا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً، وَلَيُزَادَنَّ عَلَى كُلِّ كَلِمَةٍ عَشْرُ أَمْثَالِهَا، وَلَوْ كُنْتَ فِي السَّحَابِ لَالْتَمَسَكَ الْحَجَّاجُ حَتَّى يَهْلِكَ، فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ! فَوَافَقَهُ أَصْحَابُهُ عَلَى ذَلِكَ، فَسَارَ عَنِ الْمَدَائِنِ نَحْوَ الْجِبَالِ، فَلَقِيَهُ قَبِيصَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخَثْعَمِيُّ بِدَيْرِ يَزْدَجِرْدَ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَأَعْطَاهُ نَفَقَةً وَكِسْوَةً، فَصَحِبَهُ ثُمَّ عَادَ عَنْهُ، ثُمَّ ذَكَرَ مُطَرِّفٌ لِأَصْحَابِهِ بِالدَّسْكَرَةِ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ، وَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ، وَكَانَ رَأْيُهُ خَلْعَ عَبْدِ الْمَلِكِ وَالْحَجَّاجِ، وَالدُّعَاءَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، وَأَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ شُورَى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، يَرْتَضُونَ لِأَنْفُسِهِمْ مَنْ أَحَبُّوهُ. فَبَايَعَهُ الْبَعْضُ عَلَى ذَلِكَ، وَرَجَعَ عَنْهُ الْبَعْضُ. وَكَانَ مِمَّنْ رَجَعَ عَنْهُ سَبْرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِخْنَفٍ، فَجَاءَ إِلَى الْحَجَّاجِ، وَقَاتَلَ شَبِيبًا مَعَ أَهْلِ الشَّامِ. وَسَارَ مُطَرِّفٌ نَحْوَ حُلْوَانَ، وَكَانَ بِهَا سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّعْدِيُّ مِنْ قِبَلِ الْحَجَّاجِ، فَأَرَادَ هُوَ وَالْأَكْرَادُ مَنْعَهُ لِيُعْذَرَ عِنْدَ الْحَجَّاجِ، فَجَازَهُ مُطَرِّفٌ بِمُوَاطَأَةٍ مِنْهُ، وَأَوْقَعَ مُطَرِّفٌ بِالْأَكْرَادِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ وَسَارَ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ هَمَذَانَ وَبِهَا أَخُوهُ حَمْزَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ تَرَكَهَا ذَاتَ الْيَسَارِ، وَقَصَدَ مَاهَ دِينَارٍ، وَأَرْسَلَ إِلَى أَخِيهِ حَمْزَةَ يَسْتَمِدُّهُ بِالْمَالِ وَالسِّلَاحِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ سِرًّا مَا طَلَبَ. وَسَارَ مُطَرِّفٌ حَتَّى بَلَغَ قُمَّ وَقَاشَانَ، وَبَعَثَ عُمَّالَهُ عَلَى تِلْكَ النَّوَاحِي،

стр. 1906

وَأَتَاهُ النَّاسُ، وَكَانَ مِمَّنْ أَتَاهُ: سُوَيْدُ بْنُ سِرْحَانَ الثَّقَفِيُّ، وَبُكَيْرُ بْنُ هَارُونَ النَّخَعِيُّ، مِنَ الرَّيِّ، فِي نَحْوِ مِائَةِ رَجُلٍ. وَكَتَبَ الْبَرَاءُ بْنُ قَبِيصَةَ، وَهُوَ عَامِلُ الْحَجَّاجِ عَلَى أَصْبَهَانَ، إِلَيْهِ يُعَرِّفُهُ حَالَ مُطَرِّفٍ وَيَسْتَمِدُّهُ، فَأَمَدَّهُ بِالرِّجَالِ بَعْدَ الرِّجَالِ عَلَى دَوَابِّ الْبَرِيدِ، وَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَدِيِّ بْنِ زِيَادٍ عَامِلِ الرَّيِّ يَأْمُرُهُ بِقَصْدِ مُطَرِّفٍ، وَأَنْ يَجْتَمِعَ هُوَ وَالْبَرَاءُ عَلَى مُحَارَبَتِهِ، فَسَارَ عَدِيٌّ مِنَ الرَّيِّ، فَاجْتَمَعَ هُوَ وَالْبَرَاءُ بْنُ قَبِيصَةَ، وَكَانَ عَدِيٌّ هُوَ الْأَمِيرُ، فَاجْتَمَعُوا فِي نَحْوِ سِتَّةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ، وَكَانَ حَمْزَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى الْحَجَّاجِ يَعْتَذِرُ، فَأَظْهَرَ قَبُولَ عُذْرِهِ وَأَرَادَ عَزْلَهُ، وَخَافَ أَنْ يَمْتَنِعَ عَلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَى قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ الْعِجْلِيِّ، وَهُوَ عَلَى شُرْطَةِ حَمْزَةَ بِهَمَذَانَ، بِعَهْدِهِ عَلَى هَمَذَانَ، وَيَأْمُرُهُ أَنْ يَقْبِضَ عَلَى حَمْزَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ. وَكَانَ بِهَمَذَانَ مِنْ عِجْلٍ وَرَبِيعَةَ جَمْعٌ كَثِيرٌ، فَسَارَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ إِلَى حَمْزَةَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ عَشِيرَتِهِ، فَأَقْرَأَهُ الْعَهْدَ بِوِلَايَةِ هَمَذَانَ وَكِتَابَ الْحَجَّاجِ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ، وَقَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً. فَقَبَضَ قَيْسٌ عَلَى حَمْزَةَ وَجَعَلَهُ فِي السِّجْنِ، وَتَوَلَّى قَيْسٌ هَمَذَانَ، وَتَفَرَّغَ قَلْبُ الْحَجَّاجِ مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ لِقِتَالِ مُطَرِّفٍ، وَكَانَ يَخَافُ مَكَانَ حَمْزَةَ بِهَمَذَانَ لِئَلَّا يَمُدَّ أَخَاهُ بِالْمَالِ وَالسِّلَاحِ، وَلَعَلَّهُ يُنْجِدُهُ بِالرِّجَالِ. فَلَمَّا قُبِضَ عَلَيْهِ سَكَنَ قَلْبُهُ وَتَفَرَّغَ بَالُهُ، وَلَمَّا اجْتَمَعَ عَدِيُّ بْنُ زِيَادٍ الْإِيَادِيُّ، وَالْبَرَاءُ بْنُ قَبِيصَةَ - سَارَا نَحْوَ مُطَرِّفٍ فَخَنْدَقَا عَلَيْهِ، فَلَمَّا دَنَوُا اصْطَفُّوا لِلْحَرْبِ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ مُطَرِّفٍ، وَقُتِلَ مُطَرِّفٌ وَجَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، قَتَلَهُ عُمَيْرُ بْنُ هُبَيْرَةَ الْفَزَارِيُّ، وَحَمَلَ رَأْسَهُ فَتَقَدَّمَ بِذَلِكَ عِنْدَ بَنِي أُمَيَّةَ، وَقَاتَلَ ابْنُ هُبَيْرَةَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَأَبْلَى بَلَاءً حَسَنًا. وَقُتِلَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ، وَكَانَ صَاحِبَ رَايَةِ مُطَرِّفٍ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَفِيفٍ الْأَزْدِيُّ، وَكَانَ نَاسِكًا صَالِحًا. وَبَعَثَ عَدِيُّ بْنُ زِيَادٍ إِلَى الْحَجَّاجِ أَهْلَ الْبَلَاءِ، فَأَكْرَمَهُمْ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَآمَنَ عَدِيٌّ بُكَيْرَ بْنَ هَارُونَ، وَسُوَيْدَ بْنَ سِرْحَانَ، وَغَيْرَهُمَا، وَطَلَبَ مِنْهُ الْأَمَانَ لِلْحَجَّاجِ بْنِ حَارِثَةَ الْخَثْعَمِيِّ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ كِتَابَ الْحَجَّاجِ يَأْمُرُهُ بِإِرْسَالِهِ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ حَيًّا، فَاخْتَفَى ابْنُ حَارِثَةَ حَتَّى عُزِلَ عَدِيٌّ، ثُمَّ ظَهَرَ فِي إِمَارَةِ خَالِدِ بْنِ عَتَّابِ بْنِ وَرْقَاءَ. وَكَانَ الْحَجَّاجُ يَقُولُ: إِنَّ مُطَرِّفًا لَيْسَ بِوَلَدٍ لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، إِنَّمَا هُوَ وَلَدُ مَصْقَلَةَ بْنِ

стр. 1907

سَبْرَةَ الشَّيْبَانِيِّ، وَكَانَ مَصْقَلَةُ وَالْمُغِيرَةُ يَدَّعِيَانِهِ، فَأُلْحِقَ بِالْمُغِيرَةِ وَجُلِدَ مَصْقَلَةُ الْحَدَّ، فَلَمَّا أُظْهِرَ رَأْيُ الْخَوَارِجِ قَالَ الْحَجَّاجُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ رَبِيعَةَ كَانُوا مِنْ خَوَارِجَ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ أَحَدٌ مِنْ قَيْسِ عَيْلَانَ. ذِكْرُ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْأَزَارِقَةِ قَدْ ذَكَرْنَا مَسِيرَ الْمُهَلَّبِ إِلَى الْأَزَارِقَةِ وَمُحَارَبَتَهُمْ إِلَى أَنْ فَارَقَهُ عَتَّابُ بْنُ وَرْقَاءَ الرِّيَاحِيُّ وَرَجَعَ إِلَى الْحَجَّاجِ، وَأَقَامَ الْمُهَلَّبُ بَعْدَ مَسِيرِ عَتَّابٍ عَنْهُ يُقَاتِلُ الْخَوَارِجَ، فَقَاتَلَهُمْ عَلَى سَابُورَ نَحْوَ سَنَةٍ قِتَالًا شَدِيدًا. ثُمَّ إِنَّهُ زَاحَفَهُمْ يَوْمَ الْبُسْتَانِ فَقَاتَلَهُمْ أَشَدَّ قِتَالٍ، وَكَانَتْ كَرْمَانُ بِيَدِ الْخَوَارِجِ، وَفَارِسَ بِيَدِ الْمُهَلَّبِ. فَضَاقَ عَلَى الْخَوَارِجِ مَكَانُهُمْ، لَا يَأْتِيهِمْ مِنْ فَارِسَ مَادَّةٌ، فَخَرَجُوا حَتَّى أَتَوْا كَرْمَانَ، وَتَبِعَهُمُ الْمُهَلَّبُ بِالْعَسَاكِرِ حَتَّى نَزَلَ بِجِيرَفْتَ، وَهِيَ مَدِينَةُ كَرْمَانَ، فَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا. فَلَمَّا صَارَتْ فَارِسُ كُلُّهَا فِي يَدِ الْمُهَلَّبِ أَرْسَلَ الْحَجَّاجُ الْعُمَّالَ عَلَيْهَا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ يَأْمُرُهُ أَنْ يَتْرُكَ بِيَدِ الْمُهَلَّبِ فَسَا، وَدَرَابَجَرْدَ، وَكُورَةَ إِصْطَخْرَ، تَكُونُ لَهُ مَعُونَةً عَلَى الْحَرْبِ، فَتَرَكَهَا لَهُ، وَبَعَثَ الْحَجَّاجُ إِلَى الْمُهَلَّبِ الْبَرَاءَ بْنَ قَبِيصَةَ لِيُحِثَّهُ عَلَى قِتَالِ الْخَوَارِجِ، وَيَأْمُرَهُ بِالْجِدِّ، وَأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ عِنْدَهُ. فَخَرَجَ الْمُهَلَّبُ بِالْعَسَاكِرِ، فَقَاتَلَ الْخَوَارِجَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ إِلَى الظُّهْرِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَالْبَرَاءُ عَلَى مَكَانٍ عَالٍ يَرَاهُمْ، فَجَاءَ إِلَى الْمُهَلَّبِ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَتِيبَةً وَلَا فُرْسَانًا أَصْبَرَ وَلَا أَشَدَّ مِنَ الْفُرْسَانِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكَ. ثُمَّ إِنَّ الْمُهَلَّبَ رَجَعَ الْعَصْرَ، فَقَاتَلَهُمْ كَقِتَالِهِمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، لَا يَصُدُّ كَتِيبَةً عَنْ كَتِيبَةٍ، وَخَرَجَتْ كَتِيبَةٌ مِنْ كَتَائِبِ الْخَوَارِجِ لِكَتِيبَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْمُهَلَّبِ، فَاشْتَدَّ بَيْنَهُمُ الْقِتَالُ إِلَى أَنْ حَجَزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ، فَقَالَتْ إِحْدَاهُمَا لِلْأُخْرَى: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَقَالَ هَؤُلَاءِ: نَحْنُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ. وَقَالَ هَؤُلَاءِ: نَحْنُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ. وَانْصَرَفُوا عِنْدَ الْمَسَاءِ. فَقَالَ الْمُهَلَّبُ لِلْبَرَاءِ بْنِ قَبِيصَةَ: كَيْفَ رَأَيْتَ قَوْمًا مَا يُعِينُكَ عَلَيْهِمْ إِلَّا اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ -؟ فَأَحْسَنَ الْمُهَلَّبُ إِلَى الْبَرَاءِ، وَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ. وَانْصَرَفَ الْبَرَاءُ إِلَى الْحَجَّاجِ، وَعَرَّفَهُ عُذْرَ الْمُهَلَّبِ. ثُمَّ إِنَّ الْمُهَلَّبَ قَاتَلَهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، لَا يَقْدِرُ مِنْهُمْ عَلَى شَيْءٍ. ثُمَّ إِنَّ عَامِلًا لِقَطَرِيٍّ عَلَى نَاحِيَةِ كَرْمَانَ يُدْعَى الْمُقَعْطَرَ الضَّبِّيَّ قَتَلَ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَوَثَبَتِ الْخَوَارِجُ إِلَى قَطَرِيٍّ وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُقِيدَهُمْ مِنَ الْمُقَعْطَرِ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَقَالَ: إِنَّهُ تَأَوَّلَ فَأَخْطَأَ التَّأْوِيلَ، مَا

стр. 1908

أَرَى أَنْ تَقْتُلُوهُ، وَهُوَ مِنْ ذَوِي السَّابِقَةِ فِيكُمْ. فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ الِاخْتِلَافُ. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ فِي عَسْكَرِهِمْ يَعْمَلُ النُّصُولَ الْمَسْمُومَةَ، فَيَرْمِي بِهَا أَصْحَابَ الْمُهَلَّبِ، فَشَكَا أَصْحَابُهُ مِنْهَا، فَقَالَ: أَكْفِيكُمُوهُ، فَوَجَّهَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ وَمَعَهُ كِتَابٌ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُلْقِيَهُ فِي عَسْكَرِ قَطَرِيٍّ وَلَا يَرَاهُ أَحَدٌ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَوَقَعَ الْكِتَابُ إِلَى قَطَرِيٍّ، فَرَأَى فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ نِصَالَكَ وَصَلَتْ، وَقَدْ أَنْفَذْتُ إِلَيْكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. فَأَحْضَرَ الصَّانِعَ فَسَأَلَهُ فَجَحَدَ، فَقَتَلَهُ قَطَرِيٌّ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ عَبْدُ رَبِّهُ الْكَبِيرُ قَتْلَهُ، وَاخْتَلَفُوا. ثُمَّ وَضَعَ الْمُهَلَّبُ رَجُلًا نَصْرَانِيًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْصِدَ قَطَرِيًّا وَيَسْجُدَ لَهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ الْخَوَارِجُ: إِنَّ هَذَا قَدِ اتَّخَذَكَ إِلَهًا. وَوَثَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى النَّصْرَانِيِّ فَقَتَلَهُ، فَزَادَ اخْتِلَافُهُمْ، وَفَارَقَ بَعْضُهُمْ قَطَرِيًّا، ثُمَّ وَلُّوا عَبْدَ رَبِّهِ الْكَبِيرَ وَخَلَعُوا قَطَرِيًّا، وَبَقِيَ مَعَ قَطَرِيٍّ مِنْهُمْ نَحْوٌ مِنْ رُبْعِهِمْ أَوْ خُمُسِهِمْ، وَاقْتَتَلُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ نَحْوًا مِنْ شَهْرٍ. وَكَتَبَ الْمُهَلَّبُ إِلَى الْحَجَّاجِ بِذَلِكَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ يَأْمُرُهُ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ عَلَى حَالِ اخْتِلَافِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعُوا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُهَلَّبُ: إِنِّي لَسْتُ أَرَى أَنْ أُقَاتِلَهُمْ مَا دَامَ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَإِنْ تَمُّوا عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ الَّذِي نُرِيدُ، وَفِيهِ هَلَاكُهُمْ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا لَمْ يَجْتَمِعُوا إِلَّا وَقَدْ رَقَّقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَأُنَاهِضُهُمْ حِينَئِذٍ وَهُمْ أَهْوَنُ مَا كَانُوا وَأَضْعَفُهُ شَوْكَةً إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَالسَّلَامُ. فَسَكَتَ عَنْهُ الْحَجَّاجُ، وَتَرَكَهُمُ الْمُهَلَّبُ يَقْتَتِلُونَ شَهْرًا لَا يُحَرِّكُهُمْ، ثُمَّ إِنَّ قَطَرِيًّا خَرَجَ بِمَنِ اتَّبَعَهُ نَحْوَ طَبَرِسْتَانَ، وَبَايَعَ الْبَاقُونَ عَبَدَ رَبِهِ الْكَبِيرَ. ذِكْرُ مَقْتَلِ عَبْدِ رَبِّهِ الْكَبِيرِ لَمَّا سَارَ قَطَرِيٌّ إِلَى طَبَرِسْتَانَ وَأَقَامَ عَبْدُ رَبِّهِ الْكَبِيرُ بِكَرْمَانَ نَهَضَ إِلَيْهِمُ الْمُهَلَّبُ، فَقَاتَلُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَحَصَرَهُمْ بِجِيرَفْتَ، وَكَرَّرَ قِتَالَهُمْ وَهُوَ لَا يَنَالُ مِنْهُمْ حَاجَتَهُ. ثُمَّ إِنَّ الْخَوَارِجَ طَالَ عَلَيْهِمُ الْحِصَارُ فَخَرَجُوا مِنْ جِيرَفْتَ بِأَمْوَالِهِمْ وَحُرَمِهِمْ، فَقَاتَلَهُمُ الْمُهَلَّبُ قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى عُقِرَتِ الْخَيْلُ، وَتَكَسَّرَالسِّلَاحُ، وَقُتِلَ الْفُرْسَانُ، فَتَرَكَهُمْ، فَسَارُوا،

стр. 1909

وَدَخَلَ الْمُهَلَّبُ جِيرَفْتَ، ثُمَّ سَارَ يَتْبَعُهُمْ إِلَى أَنْ لَحِقَهُمْ عَلَى أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ مِنْ جِيرَفْتَ، فَقَاتَلَهُمْ مِنْ بُكْرَةٍ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ وَكَفَّ عَنْهُمْ، وَأَقَامَ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ إِنَّ عَبَدَ رَبِّهِ جَمَعَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ! إِنَّ قَطَرِيًا وَمَنْ مَعَهُ هَرَبُوا، طَلَبَ الْبَقَاءِ وَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، فَالْقَوْا عَدُوَّكُمْ وَهَبُوا أَنْفُسَكُمْ لِلَّهِ. ثُمَّ عَادَ لِلْقِتَالِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا أَنْسَاهُمْ مَا قَبْلَهُ، فَبَايَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمُهَلَّبِ عَلَى الْمَوْتِ، ثُمَّ تَرَجَّلَتِ الْخَوَارِجُ وَعَقَرُوا دَوَابَّهُمْ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ وَعَظُمَ الْخَطْبُ حَتَّى قَالَ الْمُهَلَّبُ: مَا مَرَّ بِي مِثْلُ هَذَا. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَنْزَلَ نَصْرَهُ عَلَى الْمُهَلَّبِ وَأَصْحَابِهِ، وَهُزِمَ الْخَوَارِجُ وَكَثُرَ الْقَتْلَى فِيهِمْ، وَكَانَ فِيمَنْ قُتِلَ عَبْدُ رَبِّهِ الْكَبِيرِ، وَكَانَ عَدَدُ الْقَتْلَى أَرْبَعَةَ آلَافِ قَتِيلٍ، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ، وَأُخِذَ عَسْكَرُهُمْ وَمَا فِيهِ وَسُبُوا ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْبُونَ نِسَاءَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ يَذْكُرُ قَتْلَ عَبْدِ رَبِّهِ الْكَبِيرِ وَأَصْحَابِهِ: لَقَدْ مَسَّ مِنَّا عَبَدَ رَبٍّ وَجُنْدَهُ ... عِقَابٌ فَأَمْسَى سَبْيُهُمْ فِي الْمَقَاسِمِ سَمَا لَهُمْ بِالْجَيْشِ حَتَّى أَزَاحَهُمْ ... بِكَرْمَانَ عَنْ مَثْوًى مِنَ الْأَرْضِ نَاعِمِ وَمَا قَطَرِيُّ الْكُفْرِ إِلَّا نَعَامَةٌ ... طَرِيدٌ يُدَوِّي لَيْلَهُ غَيْرَ نَائِمِ إِذَا فَرَّ مِنَّا هَارِبًا كَانَ وَجْهُهُ ... طَرِيقًا سِوَى قَصْدِ الْهُدَى وَالْمَعَالِمِ فَلَيْسَ بِمُنْجِيهِ الْفِرَارُ وَإِنَّ جَرَتْ ... بِهِ الْفُلْكُ فِي لُجٍّ مِنَ الْبَحْرِ دَائِمِ وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا تَرَكْنَاهَا لِشُهْرَتِهَا. وَأَحْسَنَ الْحَجَّاجُ إِلَى أَهْلِ الْبَلَاءِ وَزَادَهُمْ، وَسَيَّرَ الْمُهَلَّبُ إِلَى الْحَجَّاجِ مُبَشِّرًا، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَخْبَرَهُ عَنِ الْجَيْشِ وَعَنِ الْخَوَارِجِ، وَذَكَرَ حُرُوبَهُمْ، وَأَخْبَرَهُ عَنْ بَنِي الْمُهَلَّبِ فَقَالَ: الْمُغِيرَةُ فَارِسُهُمْ وَسَيِّدُهُمْ، وَكَفَى بِيَزِيدَ فَارِسًا شُجَاعًا، وَجَوَّادُهُمْ وَسَخِيُّهُمْ قَبِيصَةُ، وَلَا يَسْتَحْيِي الشُّجَاعُ أَنْ يَفِرَّ مِنْ مُدْرِكَةٍ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ سُمٌّ نَاقِعٌ، وَحَبِيبٌ مَوْتٌ زُعَافٌ، وَمُحَمَّدٌ لَيْثُ غَابٍ، وَكَفَاكَ بِالْمُفَضَّلِ نَجْدَةً. قَالَ: فَأَيُّهُمْ كَانَ أَنْجَدُ؟ قَالَ: كَانُوا كَالْحَلْقَةِ الْمُفْرَغَةِ لَا يُعْرَفُ طَرَفُهَا. فَاسْتَحْسَنَ قَوْلَهُ وَكَتَبَ إِلَى الْمُهَلَّبِ يَشْكُرُهُ، وَيَأْمُرُهُ أَنْ يُوَلِّيَ كَرْمَانَ مَنْ يَثِقُ بِهِ، وَيَجْعَلَ فِيهَا مَنْ يَحْمِيهَا وَيَقْدَمُ إِلَيْهِ. فَاسْتَعْمَلَ عَلَى كَرْمَانَ يَزِيدَ ابْنَهُ، وَسَارَ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَكْرَمَهُ وَأَجْلَسَهُ إِلَى جَانِبِهِ وَقَالَ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، أَنْتُمْ عَبِيدُ الْمُهَلَّبِ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَنْتَ كَمَا قَالَ لَقِيطُ بْنُ يَعْمُرَ الْإِيَادِيُّ فِي صِفَةِ أُمَرَاءِ الْجُيُوشِ:

стр. 1910

وَقَلِّدُوا أَمْرَكُمْ لِلَّهِ دَرُّكُمُ ... رَحْبَ الذِّرَاعِ بِأَمْرِ الْحَرْبِ مُضْطَلِعَا لَا مُتْرَفًا إِنْ رَخَاءُ الْعَيْشِ سَاعَدَهُ ... وَلَا إِذَا عَضَّ مَكْرُوهٌ بِهِ خَشَعَا مُسَهَّدَ النَّوْمِ تَعْنِيهِ ثُغُورُكُمُ ... يَرُومُ مِنْهَا إِلَى الْأَعْدَاءِ مُطَّلَعَا مَا انْفَكَّ يَحْلِبُ هَذَا الدَّهْرَ أَشْطُرَهُ ... يَكُونُ مُتَّبِعًا طَوْرًا وَمُتَّسِعَا وَلَيْسَ يَشْغَلُهُ مَالٌ يُثَمِّرُهُ ... عَنْكُمْ وَلَا وَلَدٌ يَبْغِي لَهُ الرَّفَعَا حَتَّى اسْتَمَرَّتْ عَلَى شَزْرٍ مَرِيرَتُهُ ... مُسْتَحْكِمَ السِّنِّ لَا قَحْمًا وَلَا ضَرَعَا وَهِيَ قَصِيدَةٌ طَوِيلَةٌ هَذَا هُوَ الْأَجْوَدُ مِنْهَا. ذِكْرُ قَتْلِ قَطَرِيِّ بْنِ الْفُجَاءَةِ وَعُبَيْدَةَ بْنِ هِلَالٍ قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ هَلَكَةُ قَطَرِيٍّ وَعُبَيْدَةُ بْنُ هِلَالٍ وَمَنْ [كَانَ] مَعَهُمَا مِنَ الْأَزَارِقَةِ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ أَمْرَهُمْ لَمَّا تَشَتَّتَ بِالِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَسَارَ قَطَرِيٌّ نَحْوَ طَبَرِسْتَانَ، وَبَلَغَ خَبَرُهُ الْحَجَّاجَ - سَيَّرَ إِلَيْهِ سُفْيَانَ بْنَ الْأَبْرَدِ فِي جَيْشٍ عَظِيمٍ. وَسَارَ سُفْيَانُ وَاجْتَمَعَ مَعَهُ إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ فِي جَيْشٍ لِأَهْلِ الْكُوفَةِ بِطَبَرِسْتَانَ، فَأَقْبَلُوا فِي طَلَبِ قَطَرِيٍّ، فَلَحِقُوهُ فِي شِعْبٍ مِنْ شِعَابِ طَبَرِسْتَانَ فَقَاتَلُوهُ، فَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَوَقَعَ عَنْ دَابَّتِهِ، فَتَدَهْدَهَ إِلَى أَسْفَلِ الشِّعْبِ، وَأَتَاهُ عِلْجٌ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، فَقَالَ لَهُ قَطَرِيٌّ: اسْقِنِي الْمَاءَ. فَقَالَ الْعِلْجُ: أَعْطِنِي شَيْئًا. فَقَالَ: مَا مَعِي إِلَّا سِلَاحِي، وَأَنَا أُعْطِيكَهُ إِذَا أَتَيْتَنِي بِالْمَاءِ. فَانْطَلَقَ الْعِلْجُ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى قَطَرِيٍّ، ثُمَّ حَدَّرَ عَلَيْهِ حَجَرًا مِنْ فَوْقِهِ، فَأَصَابَ وَرِكَهُ فَأَوْهَنَهُ، فَصَاحَ بِالنَّاسِ، فَأَقْبَلُوا نَحْوَهُ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْعِلْجُ، غَيْرَ أَنَّهُ يَظُنُّ أَنَّهُ مِنْ أَشْرَافِهِمْ لِكَمَالِ سِلَاحِهِ وَحُسْنِ هَيْئَتِهِ، فَجَاءَ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَقَتَلُوهُ، مِنْهُمْ: سَوْرَةُ بْنُ الْحُرِّ التَّمِيمِيُّ، وَجَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِخْنَفٍ، وَالصَّبَّاحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، وَبَاذَانُ مَوْلَاهُمْ، وَعُمَرُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ ادَّعَى قَتْلَهُ.

стр. 1911

فَجَاءَ إِلَيْهِمْ أَبُو الْجَهْمِ بْنُ كِنَانَةَ فَقَالَ لَهُمُ: ادْفَعُوا رَأْسَهُ إِلَيَّ حَتَّى تَصْطَلِحُوا، فَدَفَعُوهُ إِلَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِ إِلَى إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ عَلَى الْكُوفَةِ، فَأَرْسَلَهُ مَعَهُ إِلَى سُفْيَانَ، فَسَيَّرَ سُفْيَانُ الرَّأْسَ مَعَ أَبِي الْجَهْمِ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَسَيَّرَهُ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَجَعَلَ عَطَاءَهُ فِي أَلْفَيْنِ. ثُمَّ إِنَّ سُفْيَانَ سَارَ إِلَيْهِمْ فَأَحَاطَ بِهِمْ، ثُمَّ أَمَرَ مُنَادِيهِ فَنَادَى: مَنَ قَتَلَ صَاحِبَهُ وَجَاءَ إِلَيْنَا فَهُوَ آمِنٌ. فَقَالَ عُبَيْدَةُ بْنُ هِلَالٍ فِي ذَلِكَ: لَعَمْرِي لَقَدْ قَامَ الْأَصَمُّ بِخُطْبَةٍ ... لِذِي الشَّكِّ مِنْهَا فِي الصُّدُورِ غَلِيلُ لَعَمْرِي لَئِنْ أَعْطَيْتُ سُفْيَانَ بَيْعَتِي ... وَفَارَقْتُ دِينِي إِنَّنِي لَجَهُولُ إِلَى اللَّهِ أَشْكُو مَا تَرَى بِجِيَادِنَا ... تَسَاوَكُ هَزْلَى مُخُّهُنَّ قَلِيلُ تَعَاوَرَهَا الْقُذَّافُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ... بِقُومِسَ حَتَّى صَعْبَهُنَّ ذَلُولُ فَإِنْ يَكُ أَفْنَاهَا الْحِصَارُ فَرُبَّمَا ... تَشَحَّطَ فِيمَا بَيْنَهُنَّ قَتِيلُ وَقَدْ كُنَّ مِمَّا إِنْ يُقَدْنَ عَلَى الْوَجَى ... لَهُنَّ بِأَبْوَابِ الْقِبَابِ صَهِيلُ وَحَصَرَهُمْ سُفْيَانُ حَتَّى أَكَلُوا دَوَابَّهُمْ، ثُمَّ خَرَجُوا إِلَيْهِ فَقَاتَلُوهُ، فَقَتَلَهُمْ وَبَعَثَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى الْحَجَّاجِ. ثُمَّ دَخَلَ سُفْيَانُ دُنْبَاوَنْدَ وَطَبَرِسْتَانَ، فَكَانَ هُنَاكَ حَتَّى عَزَلَهُ الْحَجَّاجُ قَبْلَ الْجَمَاجِمِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَانْقَرَضَتِ الْأَزَارِقَةُ بَعْدَ مَقْتَلِ قَطَرِيٍّ وَعُبَيْدَةَ، إِنَّمَا كَانُوا دُفْعَةً مُتَّصِلَةً أَهْلَ عَسْكَرٍ وَاحِدٍ، وَأَوَّلُ رُؤَسَائِهِمْ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ، وَآخِرُهُمْ قَطَرِيٌّ وَعُبَيْدَةُ، وَاتَّصَلَ أَمْرُهُمْ بِضْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، إِلَّا أَنِّي أَشُكُّ فِي صُبَيْحٍ الْمَازِنِيِّ التَّمِيمِيِّ مَوْلَى سَوَّارِ بْنِ الْأَشْعَرِ الْخَارِجِ أَيَّامِ هِشَامٍ، قِيلَ: هُوَ مِنَ الْأَزَارِقَةِ أَوِ الصُّفْرِيَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ تَطُلْ أَيَّامُهُ، بَلْ قُتِلَ عُقَيْبَ خُرُوجِهِ. ذِكْرُ قَتْلِ بُكَيْرِ بْنِ وَسَّاجٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَتَلَ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ بْنِ أُمَيَّةَ بُكَيْرَ بْنَ وَسَّاجٍ.

стр. 1912

وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ عَامِلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ عَلَى خُرَاسَانَ، أَمَرَ بُكَيْرًا بِالتَّجْهِيزِ لِغَزْوِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَّاهُ طُخَارِسْتَانَ، فَتَجَهَّزَ لَهُ، فَوَشَى بِهِ بَحِيرُ بْنُ وَرْقَاءَ إِلَى أُمَيَّةَ، فَمَنَعَهُ عَنْهَا، فَلَمَّا أَمَرَهُ بِغَزْوِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ تَجَهَّزَ وَأَنْفَقَ نَفَقَةً كَثِيرَةً وَادَّانَ فِيهَا، فَقَالَ بَحِيرٌ لِأُمَيَّةَ: إِنْ صَارَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ النَّهْرُ خَلَعَ الْخَلِيفَةَ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أُمَيَّةُ: أَنْ أَقِمْ لَعَلِّي أَغْزُو فَتَكُونَ مَعِيَ. فَغَضِبَ بُكَيْرٌ وَقَالَ: كَأَنَّهُ يُضَارُّنِي. وَكَانَ عُقَابُ ذُو اللِّقْوَةِ الْغُدَانِيُّ اسْتَدَانَ لِيَخْرُجَ مَعَ بُكَيْرٍ، فَأَخَذَهُ غُرَمَاؤُهُ فَحُبِسَ حَتَّى أَدَّى عَنْهُ بُكَيْرٌ. ثُمَّ إِنَّ أُمَيَّةَ تَجَهَّزَ لِلْغَزْوِ إِلَى بُخَارَى، ثُمَّ يَعُودُ مِنْهَا إِلَى مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ بِتِرْمِذَ، وَتَجَهَّزَ النَّاسُ مَعَهُ وَفِيهِمْ بُكَيْرٌ، وَسَارُوا، فَلَمَّا بَلَغُوا النَّهْرَ وَأَرَادُوا قَطْعَهُ قَالَ أُمَيَّةُ لِبُكَيْرٍ: إِنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُ ابْنِي عَلَى خُرَاسَانَ، وَأَخَافُ أَنَّهُ لَا يَضْبِطُهَا لِأَنَّهُ غُلَامٌ حَدَثٌ، فَارْجِعْ إِلَى مَرْوَ فَاكْفِنِيهَا، فَإِنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَهَا، فَقُمْ بِأَمْرِ ابْنِي. فَانْتَخَبَ بُكَيْرٌ فُرْسَانًا كَانَ عَرَفَهُمْ وَوَثِقَ بِهِمْ وَرَجَعَ، وَمَضَى أُمَيَّةُ إِلَى بُخَارَى لِلْغُزَاةِ. فَقَالَ عُقَابٌ ذُو اللِّقْوَةِ لِبُكَيْرٍ: إِنَّا طَلَبْنَا أَمِيرًا مِنْ قُرَيْشٍ، فَجَاءَنَا أَمِيرٌ يَلْعَبُ بِنَا وَيُحَوِّلُنَا مِنْ سِجْنٍ إِلَى سِجْنٍ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَحْرِقَ هَذِهِ السُّفُنَ، وَنَمْضِيَ إِلَى مَرْوَ، وَنَخْلَعَ أُمَيَّةَ وَنُقِيمَ بِمَرْوَ وَنَأْكُلَهَا إِلَى يَوْمٍ مَا. وَوَافَقَهُ الْأَحْنَفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيُّ عَلَى هَذَا. قَالَ بُكَيْرٌ: أَخَافَ أَنْ يَهْلِكَ هَؤُلَاءِ الْفُرْسَانُ الَّذِينَ مَعِي. قَالَ: إِنْ هَلَكَ هَؤُلَاءِ فَأَنَا أَتِيكَ مِنْ أَهْلِ مَرْوَ بِمَا شِئْتَ. قَالَ: يَهْلِكُ الْمُسْلِمُونَ. قَالَ: إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ يُنَادِيَ مُنَادٍ: مَنْ أَسْلَمَ رَفَعْنَا عَنْهُ الْخَرَاجَ، فَيَأْتِيكَ خَمْسُونَ أَلْفًا أَسْمَعُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَأَطْوَعُ. قَالَ: فَيَهْلِكُ أُمَيَّةُ وَمَنْ مَعَهُ. قَالَ: وَلِمَ يَهْلِكُونَ وَلَهُمْ عَدَدٌ وَعِدَّةٌ وَنَجْدَةٌ وَسِلَاحٌ ظَاهِرٌ، لِيُقَاتِلُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَبْلُغُوا الصِّينَ! فَحَرَقَ بُكَيْرٌ السُّفُنَ وَرَجَعَ إِلَى مَرْوَ، فَأَخَذَ ابْنُ أُمَيَّةَ بِحَبْسِهِ وَخَلْعِ أُمَيَّةَ. وَبَلَغَ أُمَيَّةَ الْخَبَرُ فَصَالَحَ أَهْلَ بُخَارَى عَلَى فِدْيَةٍ قَلِيلَةٍ، وَرَجَعَ وَأَمَرَ بِاتِّخَاذِ السُّفُنِ، وَعَبَرَ وَذَكَرَ لِلنَّاسِ إِحْسَانَهُ إِلَى بُكَيْرٍ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَأَنَّهُ كَافَأَهُ بِالْعِصْيَانِ، وَسَارَ إِلَى مَرْوَ، وَأَتَاهُ مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ، وَأَرْسَلَ أُمَيَّةُ شَمَّاسَ بْنَ دِثَارٍ فِي ثَمَانِمِائَةٍ، فَسَارَ إِلَيْهِ بُكَيْرٌ وَبَيَّتَهُ فَهَزَمَهُ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ لَا يَقْتُلُوا مِنْهُمْ أَحَدًا، فَكَانُوا يَأْخُذُونَ سِلَاحَهُمْ وَيُطْلِقُونَهُمْ، وَقَدِمَ أُمَيَّةُ فَتَلَقَّاهُ شَمَّاسٌ، فَقَدَّمَ أُمَيَّةُ ثَابِتَ بْنَ قُطْبَةَ، فَلَقِيَهُ بُكَيْرٌ فَأَسَرَ ثَابِتًا وَفَرَّقَ جَمْعَهُ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ لِيَدٍ كَانَتْ لِثَابِتٍ عِنْدَهُ.

стр. 1913

وَأَقْبَلَ أُمَيَّةُ وَقَاتَلَهُ بُكَيْرٌ، فَانْكَشَفَ يَوْمًا أَصْحَابُهُ، فَحَمَاهُمْ بُكَيْرٌ، ثُمَّ الْتَقَوْا يَوْمًا آخَرَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ الْتَقَوْا يَوْمًا آخَرَ، فَضَرَبَ بُكَيْرٌ ثَابِتَ بْنَ قُطْبَةَ عَلَى رَأْسِهِ، فَحَمَلَ حُرَيْثُ بْنُ قُطْبَةَ أَخُو ثَابِتٍ عَلَى بُكَيْرٍ، فَانْحَازَ بُكَيْرٌ وَانْكَشَفَ أَصْحَابُهُ، وَاتَّبَعَ حُرَيْثٌ بُكَيْرًا حَتَّى بَلَغَ الْقَنْطَرَةَ، وَنَادَاهُ: إِلَى أَيْنَ يَا بُكَيْرُ؟ فَرَجَعَ، فَضَرَبَهُ حُرَيْثٌ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَطَعَ الْمِغْفَرَ، وَعَضَّ السَّيْفُ رَأْسَهُ فَصُرِعَ، وَاحْتَمَلَهُ أَصْحَابُهُ فَأَدْخَلُوهُ الْمَدِينَةَ، وَكَانُوا يُقَاتِلُونَهُمْ. فَكَانَ أَصْحَابُ بُكَيْرٍ يَغْدُونَ فِي الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَةِ مِنْ أَحْمَرَ وَأَصْفَرَ، فَيَجْلِسُونَ يَتَحَدَّثُونَ وَيُنَادِي مُنَادِيهِمْ: مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ رَمَيْنَا إِلَيْهِ بِرَأْسِ رَجُلٍ مِنْ وَلَدِهِ وَأَهْلِهِ. فَلَا يَرْمِيهِمْ أَحَدٌ. وَخَافَ بُكَيْرٌ إِنْ طَالَ الْحِصَارُ أَنْ يَخْذُلَهُ النَّاسُ، فَطَلَبَ الصُّلْحَ، وَأَحَبَّ ذَلِكَ أَيْضًا أَصْحَابُ أُمَيَّةَ، فَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَقْضِيَ أُمَيَّةُ عَنْهُ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفٍ، وَيَصِلَ أَصْحَابَهُ، وَيُوَلِّيَهُ أَيَّ كُوَرِ خُرَاسَانَ شَاءَ، وَلَا يَسْمَعُ قَوْلَ بَحِيرٍ فِيهِ، وَإِنْ رَابَهُ رَيْبٌ فَهُوَ آمِنٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَدَخَلَ أُمَيَّةُ مَدِينَةَ مَرْوَ وَوَفَى لِبُكَيْرٍ وَعَادَ إِلَى مَا كَانَ مِنْ إِكْرَامِهِ، وَأَعْطَى أُمَيَّةُ عُقَابًا عِشْرِينَ أَلْفًا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ بُكَيْرًا لَمْ يَصْحَبْ أُمَيَّةَ إِلَى النَّهْرِ، كَانَ أُمَيَّةُ قَدِ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى مَرْوَ، فَلَمَّا سَارَ أُمَيَّةُ وَعَبَرَ النَّهْرَ خَلَعَهُ، فَجَرَى الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. وَكَانَ أُمَيَّةُ سَهْلًا لَيِّنًا سَخِيًّا، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ ثَقِيلًا عَلَى أَهْلِ خُرَاسَانَ، وَكَانَ فِيهِ زَهْوٌ شَدِيدٌ، وَكَانَ يَقُولُ: مَا تَكْفِينِي خُرَاسَانُ لِمَطْبَخِي. وَعَزَلَ أُمَيَّةُ بَحِيرًا عَنْ شُرْطَتِهِ، وَوَلَّاهَا عَطَاءَ بْنَ أَبِي السَّائِبِ. وَطَالَبَ أُمَيَّةُ النَّاسَ بِالْخَرَاجِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ بُكَيْرٌ يَوْمًا فِي الْمَسْجِدِ وَعِنْدَهُ النَّاسُ، فَذَكَرُوا شِدَّةَ أُمَيَّةَ وَذَمُّوهُ، وَبَحِيرٌ وَضِرَارُ بْنُ حُصَيْنٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَارِيَةَ بْنِ قُدَامَةَ فِي الْمَسْجِدِ، فَنَقَلَ بَحِيرٌ ذَلِكَ إِلَى أُمَيَّةَ، فَكَذَّبَهُ، فَادَّعَى شَهَادَةَ هَؤُلَاءِ، فَشَهِدَ مُزَاحِمُ بْنُ أَبِي الْمُجَشَّرِ السُّلَمِيُّ أَنَّهُ كَانَ يَمْزَحُ فَتَرَكَهُ أُمَيَّةُ. ثُمَّ إِنَّ بَحِيرًا أَتَى أُمَيَّةَ وَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ إِنَّ بُكَيْرًا قَدْ دَعَانِي إِلَى خَلْعِكَ، وَقَالَ: لَوْلَا مَكَانُكَ لَقَتَلْتُ هَذَا الْقُرَشِيَّ وَأَكَلْتُ خُرَاسَانَ، فَلَمْ يُصَدِّقْهُ أُمَيَّةُ، فَاسْتَشْهَدَ جَمَاعَةً ذَكَرَ بُكَيْرٌ أَنَّهُمْ أَعْدَاؤُهُ، فَقَبَضَ أُمَيَّةُ عَلَى بُكَيْرٍ وَعَلَى بَدَلٍ وَشَمَرْدَلٍ ابْنَيْ أَخِيهِ، ثُمَّ أَمَرَ أُمَيَّةُ

стр. 1914

بَعْضَ رُؤَسَاءِ مَنْ مَعَهُ بِقَتْلِ بُكَيْرٍ، فَامْتَنَعُوا، فَأَمَرَ بَحِيرًا بِقَتْلِهِ فَقَتَلَهُ، وَقَتَلَ أُمَيَّةُ ابْنَيْ أَخِي بُكَيْرٍ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبَرَ أُمَيَّةُ نَهْرَ بَلْخٍ لِلْغَزْوِ، فَحُوصِرَ حَتَّى جَهِدَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ نَجَوْا بَعْدَمَا أَشْرَفُوا عَلَى الْهَلَاكِ، وَرَجَعُوا إِلَى مَرْوَ. وَحَجَّ هَذِهِ السَّنَةَ بِالنَّاسِ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ. وَكَانَ عَلَى الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ الْحَجَّاجُ، وَعَلَى خُرَاسَانَ أُمَيَّةُ. وَغَزَا هَذِهِ السَّنَةَ الصَّائِفَةَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ.

стр. 1915

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ] ٧٨ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ ذِكْرُ عَزْلِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَوِلَايَةِ الْمُهَلَّبِ خُرَاسَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ أُمَيَّةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ خُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ، وَضَمَّهُمَا إِلَى أَعْمَالِ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، فَفَرَّقَ عُمَّالَهُ فِيهِمَا، فَبَعَثَ الْمُهَلَّبَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ عَلَى خُرَاسَانَ، وَقَدْ فَرَغَ مِنَ الْأَزَارِقَةِ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَى الْحَجَّاجِ وَهُوَ بِالْبَصْرَةِ، فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ، وَدَعَا أَصْحَابَ الْبَلَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الْمُهَلَّبِ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَزَادَهُمْ. وَبَعَثَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ عَلَى سِجِسْتَانَ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ قَدِ اسْتَخْلَفَ عَلَى الْكُوفَةِ عِنْدَ مَسِيرِهِ إِلَى الْبَصْرَةِ الْمُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَقِيلٍ، فَلَمَّا اسْتَعْمَلَ الْمُهَلَّبَ عَلَى خُرَاسَانَ سَيَّرَ ابْنَهُ حَبِيبًا إِلَيْهَا، فَلَمَّا وَدَّعَ الْحَجَّاجَ أَعْطَاهُ بَغْلَةً خَضْرَاءَ، فَسَارَ عَلَيْهَا وَأَصْحَابُهُ عَلَى الْبَرِيدِ، فَسَارَ عِشْرِينَ يَوْمًا حَتَّى وَصَلَ خُرَاسَانَ، فَلَمَّا دَخَلَ بَابَ مَرْوَ لَقِيَهُ حَمْلُ حَطَبٍ فَنَفَرَتِ الْبَغْلَةُ، فَعَجِبُوا مِنْ نِفَارِهَا بَعْدَ ذَلِكَ التَّعَبِ وَشِدَّةِ السَّيْرِ. فَلَمَّا وَصَلَ خُرَاسَانَ لَمْ يَعْرِضْ لِأُمَيَّةَ وَلَا لِعُمَّالِهِ، وَأَقَامَ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ الْمُهَلَّبُ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، وَكَانَ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ. وَكَانَ أَمِيرُ الْكُوفَةِ

стр. 1916

وَالْبَصْرَةِ وَخُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ وَكَرْمَانَ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ، وَكَانَ نَائِبُهُ بِخُرَاسَانَ الْمُهَلَّبَ، وَبِسِجِسْتَانَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ، وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ شُرَيْحٌ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ مُوسَى بْنُ أَنَسٍ، فِيمَا قِيلَ. [الْوَفَيَاتُ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ «مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَارِيُّ وَلَهُ ثَمَانٍ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَمَسَحَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَأْسِهِ» . (الْقَارِيُّ بِالْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ) . وَفِيهَا مَاتَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَتُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ الْأَشْعَرِيُّ، أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَلَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ.

стр. 1917

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ] ٧٩ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ ذِكْرُ غَزْوِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ رُتْبِيلَ لَمَّا وَلَّى الْحَجَّاجُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ سِجِسْتَانَ، وَذَلِكَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ، مَكَثَ سَنَةً لَمْ يَغْزُ، وَكَانَ رُتْبِيلُ مُصَالِحًا، وَكَانَ يُؤَدِّي الْخَرَاجَ، وَرُبَّمَا امْتَنَعَ مِنْهُ. فَبَعَثَ الْحَجَّاجُ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ يَأْمُرُهُ بِمُنَاجَزَتِهِ، وَأَنْ لَا يَرْجِعَ حَتَّى يَسْتَبِيحَ بِلَادَهُ، وَيَهْدِمَ قِلَاعَهُ، وَيُقَيِّدَ رِجَالَهُ. فَسَارَ عُبَيْدُ اللَّهِ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ، وَكَانَ عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ شُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ، وَمَضَى عُبَيْدُ اللَّهِ حَتَّى دَخَلَ بِلَادَ رُتْبِيلَ، فَأَصَابَ مِنَ الْغَنَائِمِ مَا شَاءَ، وَهَدَمَ حُصُونًا، وَغَلَبَ عَلَى أَرْضٍ مِنْ أَرَاضِيهِمْ، وَأَصْحَابُ رُتْبِيلَ مِنَ التُّرْكِ يَتْرُكُونَ لَهُمْ أَرْضًا بَعْدَ أَرْضٍ، حَتَّى أَمْعَنُوا فِي بِلَادِهِمْ وَدَنَوْا مِنْ مَدِينَتِهِمْ، وَكَانُوا مِنْهَا عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، فَأَخَذُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْعِقَابَ وَالشِّعَابَ، فَسُقِطَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، فَظَنُّوا أَنْ قَدْ هَلَكُوا، فَصَالَحَهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عَلَى سَبْعِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ يُوَصِّلُهَا إِلَى رُتْبِيلَ لِيُمَكِّنَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْ أَرْضِهِ، فَلَقِيَهُ شُرَيْحٌ فَقَالَ لَهُ: إِنَّكُمْ لَا تُصَالِحُونَ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا حَسَبَهُ السُّلْطَانُ مِنْ أُعْطِيَّاتِكُمْ، وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْعُمُرِ طَوِيلًا، وَقَدْ كُنْتُ أَطْلُبُ الشَّهَادَةَ مُنْذُ زَمَانٍ، وَإِنْ فَاتَتْنِي الْيَوْمَ الشَّهَادَةُ مَا أُدْرِكُهَا حَتَّى أَمُوتَ. ثُمَّ قَالَ شُرَيْحٌ: يَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، تَعَاوَنُوا عَلَى عَدُوِّكُمْ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي بَكْرَةَ: إِنَّكَ شَيْخٌ قَدْ خَرِفْتَ. فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ: إِنَّمَا حَسْبُكَ أَنْ يُقَالَ بُسْتَانُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَحَمَّامُ عُبَيْدِ اللَّهِ. يَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ مَنْ أَرَادَ مِنْكُمُ الشَّهَادَةَ فَإِلَيَّ. فَاتَّبَعَهُ نَاسٌ مِنَ الْمُتَطَوِّعَةِ غَيْرُ كَثِيرٍ، وَفُرْسَانُ النَّاسِ، وَأَهْلُ الْحُفَّاظِ، فَقَاتَلُوا حَتَّى أُصِيبُوا إِلَّا قَلِيلًا، وَجَعَلَ شُرَيْحٌ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:

стр. 1918

أَصْبَحْتُ ذَا بَثٍّ أُقَاسِي الْكِبَرَا ... قَدْ عِشْتُ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ أَعْصُرَا ثَمَّةَ أَدْرَكْنَا النَّبِيَّ الْمُنْذِرَا ... وَبَعْدَهُ صِدِّيقَهُ وَعُمَرَا وَيَوْمَ مِهْرَانَ وَيَوْمَ تُسْتَرَا ... وَالْجَمْعَ فِي صِفِّينِهِمْ وَالنَّهَرَا وَبَاجُمَيْرَاتٍ مَعَ الْمُشَقَّرَا ... هَيْهَاتَ مَا أَطْوَلَ هَذَا عُمُرَا وَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَنَجَا مَنْ نَجَا مِنْهُمْ، فَخَرَجُوا مِنْ بِلَادِ رُتْبِيلَ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّاسُ بِالْأَطْعِمَةِ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا أَكَلَ وَشَبِعَ مَاتَ، فَحَذِرَ النَّاسُ وَجَعَلُوا يُطْعِمُونَهُمُ السَّمْنَ قَلِيلًا حَتَّى اسْتَمْرَءُوا، وَبَلَغَ ذَلِكَ الْحَجَّاجَ، فَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يُعَرِّفُهُ ذَلِكَ، وَيُخْبِرُهُ أَنَّهُ قَدْ جَهَّزَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ جَيْشًا كَثِيفًا، وَيَسْتَأْذِنُهُ فِي إِرْسَالِهِ إِلَى بِلَادِ رُتْبِيلَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَصَابَ أَهْلَ الشَّامِ طَاعُونٌ شَدِيدٌ حَتَّى كَادُوا يَفْنَوْنَ، فَلَمْ يَغْزُ تِلْكَ السَّنَةَ أَحَدٌ فِيمَا قِيلَ. وَفِيهَا أَصَابَ أَهْلُ الرُّومِ أَهْلَ أَنْطَاكِيَّةَ وَظَفِرُوا بِهِمْ. وَفِيهَا اسْتَعْفَى شُرَيْحُ بْنُ الْحَارِثِ عَنِ الْقَضَاءِ، فَأَعْفَاهُ الْحَجَّاجُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْقَضَاءِ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ أَبِي مُوسَى. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، وَكَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ عَلَى الْعِرَاقِ وَالشَّرْقِ كُلِّهِ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ. وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ مُوسَى بْنُ أَنَسٍ.

стр. 1919

[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ، وَوُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.

стр. 1920

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِينَ] ٨٠ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَتَى سَيْلٌ بِمَكَّةَ فَذَهَبَ بِالْحُجَّاجِ، وَكَانَ يَحْمِلُ الْإِبِلَ عَلَيْهَا الْأَحْمَالُ وَالرِّجَالُ مَا لِأَحَدٍ فِيهِمْ حِيلَةٌ، وَغَرِقَتْ بُيُوتُ مَكَّةَ، وَبَلَغَ السَّيْلُ الرُّكْنَ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْعَامُ الْجُحَافَ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَ بِالْبَصْرَةِ طَاعُونُ الْجَارِفِ. ذِكْرُ غَزْوَةِ الْمُهَلَّبِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَطَعَ الْمُهَلَّبُ نَهْرَ بَلْخٍ وَنَزَلَ عَلَى كِشَّ، وَكَانَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ أَبُو الْأَدْهَمِ الزَّمَانِيُّ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَهُوَ فِي خَمْسَةِ آلَافٍ، وَكَانَ أَبُو الْأَدْهَمِ يُغْنِي غَنَاءَ أَلْفَيْنِ فِي الْبَأْسِ وَالتَّدْبِيرِ وَالنَّصِيحَةِ، فَأَتَى الْمُهَلَّبَ وَهُوَ نَازِلٌ عَلَى كِشَّ ابْنُ عَمِّ مَلِكِ الْخُتَّلِ، فَدَعَاهُ إِلَى غَزْوِ الْخُتَّلِ، فَوَجَّهَ مَعَهُ ابْنَهُ يَزِيدَ، وَكَانَ اسْمُ مَلِكِ الْخُتَّلِ الشِّبْلُ، فَنَزَلَ يَزِيدُ وَنَزَلَ ابْنُ عَمِّ الْمَلِكِ نَاحِيَةً، فَبَيَّتَهُ الشِّبْلُ وَأَخَذَهُ فَقَتَلَهُ، وَحَصَرَ يَزِيدُ قَلْعَةَ الشِّبْلِ، فَصَالَحُوهُ عَلَى فِدْيَةٍ حُمِلَتْ إِلَيْهِ، وَرَجَعَ يَزِيدُ عَنْهُمْ، وَوَجَّهَ الْمُهَلَّبُ ابْنَهُ حَبِيبًا فَوَافَى صَاحِبَ بُخَارَى فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَنَزَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَدُوِّ قَرْيَةً، فَسَارَ إِلَيْهِمْ حَبِيبٌ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ فَقَتَلَهُمْ وَأَحْرَقَ الْقَرْيَةَ، فَسُمِّيَتِ الْمُحْتَرِقَةَ، وَرَجَعَ حَبِيبٌ إِلَى أَبِيهِ. وَأَقَامَ الْمُهَلَّبُ بِكِشَّ سَنَتَيْنِ، فَقِيلَ لَهُ: لَوْ تَقَدَّمْتَ إِلَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ. فَقَالَ: لَيْتَ حَظِّيَ مِنْ هَذِهِ الْغَزَاةِ سَلَامَةُ هَذَا الْجُنْدِ وَعَوْدُهُمْ سَالِمِينَ.

стр. 1921

وَلَمَّا كَانَ الْمُهَلَّبُ بِكِشَّ أَتَاهُمْ قَوْمٌ مِنْ مُضَرَ، فَحَبَسَهُمْ بِهَا، فَلَمَّا رَجَعَ أَطْلَقَهُمْ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ: إِنْ كُنْتَ أَصَبْتَ بِحَبْسِهِمْ، فَقَدْ أَخْطَأْتَ بِإِطْلَاقِهِمْ، وَإِنْ كُنْتَ أَصَبْتَ بِإِطْلَاقِهِمْ، فَقَدْ ظَلَمْتَهُمْ إِذْ حَبَسْتَهُمْ. فَكَتَبَ الْمُهَلَّبُ: خِفْتُهُمْ وَحَبَسْتُهُمْ، فَلَمَّا أَمِنْتُهُمْ خَلَّيْتُهُمْ. وَكَانَ فِيمَنْ حُبِسَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي شَيْخٍ الْقُشَيْرِيُّ. وَصَالَحَ الْمُهَلَّبُ أَهْلَ كِشَّ عَلَى فِدْيَةٍ يَأْخُذُهَا مِنْهُمْ، وَأَتَاهُ كِتَابُ ابْنِ الْأَشْعَثِ بِخَلْعِ الْحَجَّاجِ وَيَدْعُوهُ إِلَى مُسَاعَدَتِهِ، فَبَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى الْحَجَّاجِ وَأَقَامَ بِكِشَّ. ذِكْرُ تَسْيِيرِ الْجُنُودِ إِلَى رُتْبِيلَ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ قَدْ ذَكَرْنَا حَالَ الْمُسْلِمِينَ حِينَ دَخَلَ بِهِمُ ابْنُ أَبِي بَكْرَةَ بِلَادَ رُتْبِيلَ، وَاسْتَأْذَنَ الْحَجَّاجُ عَبْدَ الْمَلِكِ فِي تَسْيِيرِ الْجُنُودِ نَحْوَ رُتْبِيلَ، فَأَذِنَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي ذَلِكَ، فَأَخَذَ الْحَجَّاجُ فِي تَجْهِيزِ الْجَيْشِ، فَجَعَلَ عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَعَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَجَدَّ فِي ذَلِكَ، وَأَعْطَى النَّاسَ أُعْطِيَاتِهِمْ كَمَلًا، وَأَنْفَقَ فِيهِمْ أَلْفَيْ أَلْفٍ سِوَى أُعْطِيَاتِهِمْ، وَأَنْجَدَهُمْ بِالْخَيْلِ الرَّائِقَةِ وَالسِّلَاحِ الْكَامِلِ، وَأَعْطَى كُلَّ رَجُلٍ يُوصَفُ بِشَجَاعَةٍ وَغَنَاءٍ، مِنْهُمْ عُبَيْدُ بْنُ أَبِي مِحْجَنٍ الثَّقَفِيُّ وَغَيْرُهُ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ أَمْرِ الْجُنْدَيْنِ بَعَثَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ يُبْغِضُهُ وَيَقُولُ: مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ إِلَّا أَرَدْتُ قَتْلَهُ. وَسَمِعَ الشَّعْبِيُّ ذَلِكَ مِنَ الْحَجَّاجِ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَخْبَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بِهِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأُحَاوِلَنَّ أَنْ أُزِيلَ الْحَجَّاجَ عَنْ سُلْطَانِهِ. فَلَمَّا أَرَادَ الْحَجَّاجُ أَنْ يَبْعَثَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ عَلَى ذَلِكَ الْجَيْشِ أَتَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْأَشْعَثِ فَقَالَ لَهُ: لَا تَبْعَثْهُ، فَوَاللَّهِ مَا جَازَ جِسْرَ الْفُرَاتِ فَرَأَى لِوَالٍ عَلَيْهِ طَاعَةً، وَإِنِّي أَخَافُ خِلَافَهُ. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: هُوَ أَهْيَبُ لِي مِنْ أَنْ يُخَالِفَ أَمْرِي. وَسَيَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَيْشِ، فَسَارَ بِهِمْ حَتَّى قَدِمَ سِجِسْتَانَ، فَجَمَعَ أَهْلَهَا فَخَطَبَهُمْ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْحَجَّاجَ وَلَّانِي ثَغْرَكُمْ، وَأَمَرَنِي بِجِهَادِ

стр. 1922

عَدُوِّكُمُ الَّذِي اسْتَبَاحَ بِلَادَكُمْ، فَإِيَّاكُمْ أَنْ يَتَخَلَّفَ مِنْكُمْ أَحَدٌ، فَتَمَسَّهُ الْعُقُوبَةُ. فَعَسْكَرُوا مَعَ النَّاسِ وَتَجَهَّزُوا، وَسَارَ بِأَجْمَعِهِمْ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ رُتْبِيلَ، فَأَرْسَلَ يَعْتَذِرُ وَيَبْذُلُ الْخَرَاجَ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، وَسَارَ إِلَيْهِ وَدَخَلَ بِلَادَهُ، وَتَرَكَ لَهُ رُتْبِيلُ أَرْضًا أَرْضًا، وَرُسْتَاقًا رُسْتَاقًا، وَحِصْنًا حِصْنًا، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ يَحْوِي ذَلِكَ، وَكُلَّمَا حَوَى بَلَدًا بَعَثَ إِلَيْهِ عَامِلًا، وَجَعَلَ مَعَهُ أَعْوَانًا، وَجَعَلَ الْأَرْصَادَ عَلَى الْعِقَابِ وَالشِّعَابِ، وَوَضَعَ الْمَسَالِحَ بِكُلِّ مَكَانٍ مَخُوفٍ، حَتَّى إِذَا جَازَ مِنْ أَرْضِهِ [أَرْضًا] عَظِيمَةً، وَمَلَأَ النَّاسُ أَيْدِيهِمْ مِنَ الْغَنَائِمِ الْعَظِيمَةِ - مَنَعَ النَّاسَ مِنَ الْوُغُولِ فِي أَرْضِ رُتْبِيلَ، وَقَالَ: نَكْتَفِي بِمَا قَدْ أَصَبْنَاهُ الْعَامَ مِنْ بِلَادِهِمْ حَتَّى نَجْبِيَهَا وَنَعْرِفَهَا، وَيَجْتَرِئُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى طُرُقِهَا، وَفِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ نَأْخُذُ مَا وَرَاءَهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - حَتَّى نُقَاتِلَهُمْ فِي آخِرِ ذَلِكَ عَلَى كُنُوزِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَأَقْصَى بِلَادِهِمْ، حَتَّى يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى -. ثُمَّ كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَبِمَا يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ. وَقَدْ قِيلَ فِي إِرْسَالِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا، وَهُوَ أَنَّ الْحَجَّاجَ كَانَ قَدْ تَرَكَ بِكَرْمَانَ هِمْيَانَ بْنَ عَدِيٍّ السَّدُوسِيَّ، يَكُونُ بِهَا مَسْلَحَةً إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ عَامِلُ سِجِسْتَانَ وَالسِّنْدَ، فَعَصَى هِمْيَانُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُحَمَّدٍ، فَحَارَبَهُ فَانْهَزَمَ هِمْيَانُ، وَأَقَامَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِمَوْضِعِهِ. ثُمَّ إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ مَاتَ، وَكَانَ عَامِلًا عَلَى سِجِسْتَانَ، فَكَتَبَ الْحَجَّاجُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ عَهْدَهُ عَلَيْهَا، وَجَهَّزَ إِلَيْهِ هَذَا الْجَيْشَ، فَكَانَ يُسَمَّى جَيْشَ الطَّوَاوِيسِ لِحُسْنِهِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، وَكَانَ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ. وَكَانَ عَلَى الْعِرَاقِ وَالْمَشْرِقِ الْحَجَّاجُ، وَكَانَ عَلَى خُرَاسَانَ الْمُهَلَّبُ مِنْ قِبَلِ الْحَجَّاجِ، وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ مُوسَى بْنُ أَنَسٍ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ أَبُو بُرْدَةَ.

стр. 1923

[الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ أَسْلَمُ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ، وَقِيلَ سَنَةَ خَمْسٍ، وَقِيلَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ تِسْعِينَ. وَفِيهَا قُتِلَ مَعْبَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ الْجُهَنِيُّ الَّذِي يَرْوِي حَدِيثَ الدِّبَاغِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَالَ بِالْقَدَرِ فِي الْبَصْرَةِ، قَتَلَهُ الْحَجَّاجُ، وَقِيلَ: قَتَلَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بِدِمَشْقَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَلَهُ صُحْبَةٌ، وَكَانَ عَلَى غَزْوِ الْبَحْرِ أَيَّامَ مُعَاوِيَةَ كُلِّهَا. وَفِيهَا مَاتَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أُخْتِ النَّمِرِ، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ، وُلِدَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ . وَفِيهَا تُوُفِّيَ سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ، (بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ) . وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْكُوفَةِ. وَجُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرِ بْنِ مَالِكٍ الْحَضْرَمِيُّ، أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَلَيْسَ لَهُ صُحْبَةٌ.

стр. 1924

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ] ٨١ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ ابْنَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ فَفَتَحَ قَالِيقَلَا. ذِكْرُ مَقْتَلِ بَحِيرِ بْنِ وَرْقَاءَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ بَحِيرُ بْنُ وَرْقَاءَ الصُّرَيْمِيُّ. وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ بُكَيْرُ بْنُ وَسَّاجٍ، وَكِلَاهُمَا تَمِيمِيَّانِ، بِأَمْرِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ إِيَّاهُ بِذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، قَالَ عُثْمَانُ بْنُ رَجَاءَ بْنِ جَابِرٍ أَحَدُ بَنِي عَوْفِ بْنِ سَعْدٍ مِنَ الْأَبْنَاءِ يُحَرِّضُ بَعْضَ آلِ بُكَيْرٍ مِنَ الْأَبْنَاءِ، وَالْأَبْنَاءُ عِدَّةُ بُطُونٍ مِنْ تَمِيمٍ سُمُّوا بِذَلِكَ: لَعَمْرِي لَقَدْ أَغْضَيْتَ عَيْنًا عَلَى الْقَذَى ... وَبِتَّ بَطِينًا مِنْ رَحِيقٍ مُرَوَّقِ وَخَلَّيْتَ ثَأْرًا طُلَّ وَاخْتَرْتَ نَوْمَةً ... وَمَنْ يَشْرَبِ الصَّهْبَاءَ بِالْوِتْرِ يُسْبَقِ فَلَوْ كُنْتَ مِنْ عَوْفِ بْنِ سَعْدٍ ذُؤَابَةً ... تَرَكْتَ بَحِيرًا فِي دَمٍ مُتَرَقْرِقِ فَقُلْ لِبَحِيرٍ نَمْ وَلَا تَخْشَ ثَائِرًا ... بِبَكْرٍ فَعَوْفٌ أَهْلُ شَاءٍ حَبَلَّقِ دَعِ الضَّأْنَ يَوْمًا قَدْ سُبِقْتُمْ بِوِتْرِكُمْ ... وَصِرْتُمْ حَدِيثًا بَيْنَ غَرْبٍ وَمَشْرِقِ

стр. 1925

وَهُبُّوا فَلَوْ أَمْسَى بُكَيْرٌ كَعَهْدِهِ لَغَادَاهُمُ زَحْفًا بِجَأْوَاءَ فَيْلَقِ وَقَالَ أَيْضًا: فَلَوْ كَانَ بَكْرٌ بَارِزًا فِي أَدَاتِهِ ... وَذِي الْعَرْشِ لَمْ يُقْدِمْ عَلَيْهِ بَحِيرُ فَفِي الدَّهْرِ إِنْ أَبْقَانِيَ الدَّهْرُ مَطْلَبٌ ... وَفِي اللَّهِ طَلَّابٌ بِذَاكَ جَدِيرُ فَبَلَغَ بَحِيرًا أَنَّ رَهْطَ بُكَيْرٍ مِنَ الْأَبْنَاءِ يَتَوَعَّدُونَهُ فَقَالَ: تَوَعَّدَنِي الْأَبْنَاءُ جَهْلًا كَأَنَّمَا يَرَوْنَ فِنَائِي مُقْفِرًا مِنْ بَنِي كَعْبِ رَفَعْتُ لَهُ كَفِّي بِعَضْبٍ مُهَنَّدٍ حُسَامٍ كَلَوْنِ الثَّلْجِ ذِي رَوْنَقٍ عَضْبِ فَتَعَاقَدَ سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَوْفٍ عَلَى الطَّلَبِ بِدَمِ بُكَيْرٍ، فَخَرَجَ فَتًى مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ شَمَرْدَلٌ مِنَ الْبَادِيَةِ حَتَّى قَدِمَ خُرَاسَانَ فَرَأَى بَحِيرًا وَاقِفًا فَحَمَلَ عَلَيْهِ، فَطَعَنَهُ فَصَرَعَهُ، وَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ قَتَلَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: خَارِجِيٌّ، وَرَاكَضَهُمْ، فَعَثَرَ بِهِ فَرَسُهُ، فَسَقَطَ عَنْهُ فَقُتِلَ. وَخَرَجَ صَعْصَعَةُ بْنُ حَرْبٍ الْعَوْفِيُّ مِنَ الْبَادِيَةِ، وَقَدْ بَاعَ غُنَيْمَاتٍ لَهُ وَمَضَى إِلَى سِجِسْتَانَ، فَجَاوَرَ قَرَابَةً لِبَحِيرٍ مُدَّةً، وَادَّعَى إِلَى بَنِي حَنِيفَةَ مِنَ الْيَمَامَةِ، وَأَطَالَ مُجَالَسَتَهُمْ حَتَّى أَنِسُوا بِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: إِنَّ لِي بِخُرَاسَانَ مِيرَاثًا، فَاكْتُبُوا لِي إِلَى بَحِيرٍ كِتَابًا لِيُعِينَنِي عَلَى حَقِّي. فَكَتَبُوا لَهُ، وَسَارَ فَقَدِمَ عَلَى بَحِيرٍ وَهُوَ مَعَ الْمُهَلَّبِ فِي غَزْوَتِهِ، فَلَقِيَ قَوْمًا مِنْ بَنِي عَوْفٍ، فَأَخْبَرَهُمْ أَمْرَهُ، وَلَقِيَ بَحِيرًا فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَأَنَّ لَهُ مَالًا بِسِجِسْتَانَ وَمِيرَاثًا بِمَرْوَ، وَقَدِمَ لِيَبِيعَهُ وَيَعُودَ إِلَى الْيَمَامَةِ. فَأَنْزَلَهُ بَحِيرٌ وَأَمَرَ لَهُ بِنَفَقَةٍ وَوَعَدَهُ، فَقَالَ صَعْصَعَةُ: أُقِيمُ عِنْدَكَ حَتَّى يَرْجِعَ النَّاسُ. فَأَقَامَ شَهْرًا يَحْضَرُ مَعَهُ بَابَ الْمُهَلَّبِ، وَكَانَ بَحِيرٌ قَدْ حَذِرَ، فَلَمَّا أَتَاهُ صَعْصَعَةُ بِكِتَابِ أَصْحَابِهِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ مِنْ حَنِيفَةَ، آمَنَهُ.

стр. 1926

فَجَاءَ يَوْمًا صَعْصَعَةُ وَبَحِيرٌ عِنْدَ الْمُهَلَّبِ عَلَيْهِ قَمِيصٌ وَرِدَاءٌ، فَقَعَدَ خَلْفَهُ، وَدَنَا مِنْهُ كَأَنَّهُ يُكَلِّمُهُ، فَوَجَأَهُ بِخِنْجَرٍ مَعَهُ فِي خَاصِرَتِهِ، فَغَيَّبَهُ فِي جَوْفِهِ، وَنَادَى: يَا لِثَارَاتِ بُكَيْرٍ! فَأُخِذَ وَأُتِيَ بِهِ الْمُهَلَّبَ، فَقَالَ لَهُ: بُؤْسًا لَكَ! مَا أَدْرَكْتَ بِثَأْرِكَ وَقَتَلْتَ نَفْسَكَ، وَمَا عَلَى بَحِيرٍ بَأْسٌ. فَقَالَ: لَقَدْ طَعَنْتُهُ طَعْنَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ النَّاسِ لَمَاتُوا، وَلَقَدْ وَجَدْتُ رِيحَ بَطْنِهِ فِي يَدِي. فَحَبَسَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنَ الْأَبْنَاءِ فَقَبَّلُوا رَأْسَهُ. وَمَاتَ بَحِيرٌ مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ صَعْصَعَةُ لَمَّا مَاتَ بَحِيرٌ: اصْنَعُوا الْآنَ مَا شِئْتُمْ، أَلَيْسَ قَدْ حَلَّتْ نُذُورُ أَبْنَاءِ بَنِي عَوْفٍ وَأَدْرَكْتُ بِثَأْرِي؟ وَاللَّهِ لَقَدْ أَمْكَنَنِي مِنْهُ خَالِيًا غَيْرَ مَرَّةٍ فَكَرِهْتُ أَنْ أَقْتُلَهُ سِرًّا. فَقَالَ الْمُهَلَّبُ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَسْخَى نَفْسًا بِالْمَوْتِ مِنْ هَذَا. وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ فَقُتِلَ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُهَلَّبَ بَعَثَهُ إِلَى بَحِيرٍ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، فَقَتَلَهُ، وَمَاتَ بَحِيرٌ بَعْدَهُ. وَعَظُمَ مَوْتُهُ عَلَى الْمُهَلَّبِ، وَغَضِبَتْ عَوْفٌ وَالْأَبْنَاءُ وَقَالُوا: عَلَامَ قُتِلَ صَاحِبُنَا، وَإِنَّمَا أَخَذَ بِثَأْرِهِ؟ فَنَازَعَهُمْ مُقَاعِسُ وَالْبُطُونُ، وَكُلُّهُمْ بُطُونٌ مِنْ تَمِيمٍ، حَتَّى خَافَ النَّاسُ أَنْ يَعْظُمَ الْأَمْرُ، فَقَالَ أَهْلُ الْحِجَى: احْمِلُوا دَمَ صَعْصَعَةَ، وَاجْعَلُوا دَمَ بَحِيرٍ بِبُكَيْرٍ، فَوَدَوْا صَعْصَعَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَبْنَاءِ يَمْدَحُ صَعْصَعَةَ: لِلَّهِ دَرُّ فَتًى تَجَاوَزَ هَمُّهُ ... دُونَ الْعِرَاقِ مَفَاوِزًا وَبُحُورَا مَا زَالَ يُدْئِبُ نَفْسَهُ وَرِكَابَهُ ... حَتَّى تَنَاوَلَ فِي الْحُرُوبِ بَحِيرَا ذِكْرُ دُخُولِ الدَّيْلَمِ قَزْوِينَ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ كَانَتْ قَزْوِينُ ثَغْرَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ نَاحِيَةِ دَيْلَمَ، فَكَانَتِ الْعَسَاكِرُ لَا تَبْرَحُ مُرَابِطَةً بِهَا، يَتَحَارَسُونَ لَيْلًا وَنَهَارًا، فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةُ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ رَابِطٍ بِهَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَبْرَةَ الْجُعْفِيُّ، وَكَانَ فَارِسًا شُجَاعًا عَظِيمَ الْغَنَاءِ فِي حُرُوبِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَزْوِينَ رَأَى النَّاسَ يَتَحَارَسُونَ فَلَا يَنَامُونَ اللَّيْلَ، فَقَالَ لَهُمْ: أَتَخَافُونَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْكُمُ الْعَدُوُّ مَدِينَتَكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: لَقَدْ أَنْصَفُوكُمْ إِنْ فَعَلُوا، افْتَحُوا الْأَبْوَابَ وَلَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ. فَفَتَحُوهَا. وَبَلَغَ ذَلِكَ الدَّيْلَمَ فَسَارُوا إِلَيْهِمْ وَبَيَّتُوهُمْ وَهَجَمُوا إِلَى الْبَلَدِ، وَتَصَايَحَ النَّاسُ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ: أَغْلِقُوا أَبْوَابَ الْمَدِينَةِ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ، فَقَدْ أَنْصَفُونَا وَقَاتِلُوهُمْ. فَأَغْلَقُوا

стр. 1927

الْأَبْوَابَ وَقَاتَلُوهُمْ، وَأَبْلَى ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ بَلَاءً عَظِيمًا، وَظَفِرَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ، فَلَمْ يَفْلِتْ مِنَ الدَّيْلَمِ أَحَدٌ، وَاشْتَهَرَ اسْمُهُ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَعُدِ الدَّيْلَمُ بَعْدَهَا يُقْدِمُونَ عَلَى مُفَارَقَةِ أَرْضِهِمْ. فَصَارَ مُحَمَّدٌ فَارِسَ ذَلِكَ الثَّغْرِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَكَانَ يُدْمِنُ شُرْبَ الْخَمْرِ، وَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى أَيَّامِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَأَمَرَ بِتَسْيِيرِهِ إِلَى زُرَارَةَ، وَهِيَ دَارُ الْفُسَّاقِ بِالْكُوفَةِ، فَسُيِّرَ إِلَيْهَا، فَأَغَارَتِ الدَّيْلَمُ وَنَالَتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَظَهَرَ الْخَلَلُ بَعْدَهُ، فَكَتَبُوا إِلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمِيرِ الْكُوفَةِ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمُ ابْنَ أَبِي سَبْرَةَ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ، فَأَذِنَ لَهُ فِي عَوْدِهِ إِلَى الثَّغْرِ، فَعَادَ إِلَيْهِ وَحَمَاهُ. وَلِمُحَمَّدٍ أَخٌ يُقَالُ لَهُ خُثَيْمَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ اسْمُ أَبِي سَبْرَةَ، وَكَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ. ذِكْرُ خِلَافِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ عَلَى الْحَجَّاجِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَالَفَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ جُنْدِ الْعِرَاقِ عَلَى الْحَجَّاجِ، وَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ لِحَرْبِهِ، وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ لَمَّا بَعَثَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُحَمَّدٍ عَلَى الْجَيْشِ إِلَى بِلَادِ رُتْبِيلَ فَدَخَلَهَا وَأَخَذَ مِنْهَا الْغَنَائِمَ وَالْحُصُونَ - كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ يُعَرِّفُهُ ذَلِكَ، وَأَنَّ رَأْيَهُ أَنْ يَتْرُكُوا التَّوَغُّلَ فِي بِلَادِ رُتْبِيلَ حَتَّى يَعْرِفُوا طَرِيقَهَا وَيَجْبُوا خَرَاجَهَا، عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ. فَلَمَّا أَتَى كِتَابُهُ إِلَى الْحَجَّاجِ كَتَبَ جَوَابَهُ: إِنَّ كِتَابَكَ كِتَابُ امْرِئٍ يُحِبُّ الْهُدْنَةَ وَيَسْتَرِيحُ إِلَى الْمُوَادَعَةِ، قَدْ صَانَعَ عَدُوًّا قَلِيلًا ذَلِيلًا، قَدْ أَصَابُوا [مِنَ] الْمُسْلِمِينَ جُنْدًا كَانَ بَلَاؤُهُمْ حَسَنًا، وَغَنَاؤُهُمْ عَظِيمًا، وَإِنَّكَ حَيْثُ تَكُفُّ عَنْ ذَلِكَ الْعَدُوِّ بِجُنْدِي وَحَدِّي لَسَخِيُّ النَّفْسِ بِمَنْ أُصِيبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَامْضِ لِمَا أَمَرْتُكَ بِهِ مِنَ الْوُغُولِ فِي أَرْضِهِمْ، وَالْهَدْمِ لِحُصُونِهِمْ، وَقَتْلِ مُقَاتِلَتِهِمْ، وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ، ثُمَّ أَرْدَفَهُ كِتَابًا آخَرَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، وَفِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَمُرْ مَنْ قِبَلِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَحْرِقُوا وَلِيُقِيمُوا بِهَا، فَإِنَّهَا دَارُهُمُ حَتَّى يَفْتَحَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ ثَالِثًا بِذَلِكَ وَيَقُولُ لَهُ: إِنْ مَضَيْتَ لِمَا أَمَرْتُكَ، وَإِلَّا فَأَخُوكَ إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَمِيرُ النَّاسِ.

стр. 1928

فَدَعَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَقَالَ لَهُمْ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي لَكُمْ نَاصِحٌ وَلِصَلَاحِكُمْ مُحِبٌّ، وَلَكُمْ فِي كُلِّ مَا يُحِيطُ بِكُمْ نَفْعُهُ نَاظِرٌ، وَقَدْ كَانَ رَأْيِي فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَدُوِّي بِمَا رَضِيَهُ ذَوُو أَحْلَامِكُمْ وَأُولُو التَّجْرِبَةِ مِنْكُمْ، وَكَتَبْتُ بِذَلِكَ إِلَى أَمِيرِكُمُ الْحَجَّاجِ، فَأَتَانِي كِتَابُهُ يُعَجِّزُنِي وَيُضَعِّفُنِي، وَيَأْمُرُنِي بِتَعْجِيلِ الْوُغُولِ بِكُمْ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ، وَهِيَ الْبِلَادُ الَّتِي هَلَكَ فِيهَا إِخْوَانُكُمْ بِالْأَمْسِ، وَإِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ أَمْضِي إِذَا مَضَيْتُمْ، وَآبَى إِذَا أَبَيْتُمْ. فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَقَالُوا: بَلْ نَأْبَى عَلَى عَدُوِّ اللَّهِ، وَلَا نَسْمَعُ لَهُ وَلَا نُطِيعُ. فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ الْكِنَانِيُّ، وَلَهُ صُحْبَةٌ، فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْحَجَّاجَ يَرَى بِكُمْ مَا رَأَى الْقَائِلُ الْأَوَّلُ: احْمِلْ عَبْدَكَ عَلَى الْفَرَسِ، فَإِنْ هَلَكَ هَلَكَ، وَإِنْ نَجَا فَلَكَ. إِنَّ الْحَجَّاجَ مَا يُبَالِي أَنْ يُخَاطِرَ بِكُمْ فَيُقْحِمَكُمْ بِلَادًا كَثِيرَةً، وَيَغْشَى اللُّهُوبَ وَاللُّصُوبَ، فَإِنْ ظَفَرْتُمْ وَغَنِمْتُمْ أَكَلَ الْبِلَادَ وَحَازَ الْمَالَ، وَكَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي سُلْطَانِهِ، وَإِنْ ظَفِرَ عَدُوُّكُمْ كُنْتُمْ أَنْتُمُ الْأَعْدَاءَ الْبُغَضَاءَ الَّذِينَ لَا يُبَالِي عَنَتَهُمْ، وَلَا يُبْقِي عَلَيْهِمْ. اخْلَعُوا عَدُوَّ اللَّهِ الْحَجَّاجَ، وَبَايِعُوا الْأَمِيرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي أَوَّلُ خَالِعٍ. فَنَادَى النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ: فَعَلْنَا فَعَلْنَا، قَدْ خَلَعْنَا عَدُوَّ اللَّهِ. وَقَامَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ شَبَثِ بْنِ رِبْعِيٍّ فَقَالَ: عِبَادَ اللَّهِ! إِنَّكُمْ إِنْ أَطَعْتُمُ الْحَجَّاجَ جَعَلَ هَذِهِ الْبِلَادَ بِلَادَكُمْ مَا بَقِيتُمْ، وَجَمَّرَكُمْ تَجْمِيرَ فِرْعَوْنَ الْجُنُودَ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ جَمَّرَ الْبُعُوثَ، وَلَنْ تُعَايِنُوا الْأَحِبَّةَ أَوْ يَمُوتَ أَكْثَرُكُمْ فِيمَا أَرَى، فَبَايِعُوا أَمِيرَكُمْ، وَانْصَرِفُوا إِلَى عَدُوِّكُمُ الْحَجَّاجِ فَانْفُوهُ عَنْ بِلَادِكُمْ. فَوَثَبَ النَّاسُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَبَايَعُوهُ عَلَى خَلْعِ الْحَجَّاجِ، وَنَفْيِهِ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ، وَعَلَى النُّصْرَةِ لَهُ. وَلَمْ يُذْكَرْ عَبْدُ الْمَلِكِ. وَجَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى بُسْتٍ عِيَاضَ بْنَ هِمْيَانَ الشَّيْبَانِيَّ، وَعَلَى زَرَنْجَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ التَّمِيمِيَّ، وَصَالَحَ رُتْبِيلَ عَلَى أَنَّ ابْنَ الْأَشْعَثِ إِنْ ظَهَرَ فَلَا خَرَاجَ عَلَيْهِ أَبَدًا مَا بَقِيَ، وَإِنْ هُزِمَ فَأَرَادَ مَنَعَهُ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْعِرَاقِ، فَسَارَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَعْشَى هَمْدَانَ وَهُوَ يَقُولُ:

стр. 1929

شَطَّتْ نَوَى مَنْ دَارُهُ بِالْإِيوَانْ ... إِيوَانِ كِسْرَى ذِي الْقُرَى وَالرَّيْحَانْ مِنْ عَاشِقٍ أَمْسَى بِزَابُلِسْتَانْ ... إِنَّ ثَقِيفًا مِنْهُمُ الْكَذَّابَانْ كَذَّابُهَا الْمَاضِي وَكَذَّابٌ ثَانْ ... أَمْكَنَ رَبِّي مِنْ ثَقِيفِ هَمْدَانْ يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ يُسَلِّي مَا كَانْ ... إِنَّا سَمَوْنَا لِلْكَفُورِ الْفَتَّانْ حِينَ طَغَى فِي الْكُفْرِ بَعْدَ الْإِيمَانْ ... بِالسَّيِّدِ الْغِطْرِيفِ عَبْدِ الرَّحْمَنْ سَارَ بِجَمْعٍ كَالدَّبَا مِنْ قَحْطَانْ ... وَمِنْ مَعَدٍّ قَدْ أَتَى ابْنُ عَدْنَانْ بِجَحْفَلٍ جَمٍّ شَدِيدِ الْأَرْكَانْ ... فَقُلْ لِحَجَّاجٍ وَلِيِّ الشَّيْطَانْ يَثْبُتْ بِجَمْعِ مَذْحِجٍ وَهَمْدَانْ ... فَإِنَّهُمْ سَاقُوهُ كَأْسَ الذَّيْفَانْ وَمُلْحِقُوهُ بِقُرَى ابْنِ مَرْوَانْ وَجَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ عَطِيَّةَ بْنَ عَمْرٍو الْعَنْبَرِيَّ، وَجَعَلَ عَلَى كَرْمَانَ حُرَيْثَةَ بْنَ عَمْرٍو التَّمِيمِيَّ، فَلَمَّا بَلَغَ فَارِسَ اجْتَمَعَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَقَالُوا: إِذَا خَلَعْنَا الْحَجَّاجَ عَامِلَ عَبْدِ الْمَلِكِ فَقَدْ خَلَعْنَا عَبْدَ الْمَلِكِ. فَاجْتَمَعُوا إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَكَانَ أَوَّلَ النَّاسِ خَلَعَ عَبْدَ الْمَلِكِ تِيجَانُ بْنُ أَبْجَرَ مِنْ تَيْمِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، قَامَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي خَلَعْتُ أَبَا ذِبَّانَ كَخَلْعِي قَمِيصِي. فَخَلَعَهُ النَّاسُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، وَبَايَعُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَكَانَتْ بَيْعَتُهُ: نُبَايِعُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ وَعَلَى جِهَادِ أَهْلِ الضَّلَالَةِ وَخَلْعِهِمْ، وَجِهَادِ الْمُحِلِّينَ. فَلَمَّا بَلَغَ الْحَجَّاجَ خَلْعُهُ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بِخَبَرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يُعَجِّلَ بِعْثَةَ الْجُنُودِ إِلَيْهِ. وَسَارَ الْحَجَّاجُ حَتَّى نَزَلَ الْبَصْرَةَ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمُهَلَّبَ خَبَرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ مِنْ خُرَاسَانَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ قَدْ أَقْبَلُوا إِلَيْكَ وَهُمْ مِثْلُ السَّيْلِ، لَيْسَ يَرُدُّهُمْ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى قَرَارِهِ، وَإِنَّ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ شِرَّةٌ فِي أَوَّلِ مَخْرَجِهِمْ،

стр. 1930

وَصَبَابَةٌ إِلَى أَبْنَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، فَاتْرُكْهُمْ حَتَّى يَسْقُطُوا إِلَى أَهَالِيهِمْ وَيَشُمُّوا أَوْلَادَهُمْ، ثُمَّ وَاقِعْهُمْ عِنْدَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكَ عَلَيْهِمْ. فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَهُ سَبَّهُ وَقَالَ: مَا إِلَيَّ نَظَرٌ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ لِابْنِ عَمِّهِ. يَعْنِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ. وَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُ الْحَجَّاجِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ هَالَهُ، وَدَعَا خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ، فَأَقْرَأَهُ الْكِتَابَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ كَانَ الْحَدَثُ مِنْ سِجِسْتَانَ فَلَا تَخَفْهُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ خُرَاسَانَ فَإِنِّي أَتَخَوَّفُهُ. فَجَهَّزَ عَبْدُ الْمَلِكِ الْجُنْدَ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَكَانُوا يَصِلُونَ إِلَى الْحَجَّاجِ عَلَى الْبَرِيدِ، مِنْ مِائَةٍ، وَمِنْ خَمْسِينَ، وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ، وَكُتُبُ الْحَجَّاجِ تَتَّصِلُ بِعَبْدِ الْمَلِكِ كُلَّ يَوْمٍ بِخَبَرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. فَسَارَ الْحَجَّاجُ مِنَ الْبَصْرَةِ لِيَلْتَقِيَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَنَزَلَ تُسْتَرَ، وَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ مُقَدِّمَةً إِلَى دُجَيْلٍ، فَلَقُوا عِنْدَهُ خَيْلًا لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ الْحَجَّاجِ بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْأَضْحَى سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ جَمْعٌ كَثِيرٌ. فَلَمَّا أَتَى خَبَرُ الْهَزِيمَةِ إِلَى الْحَجَّاجِ رَجَعَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَتَبِعَهُ أَصْحَابُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ وَأَصَابُوا بَعْضَ أَثْقَالِهِمْ، وَأَقْبَلَ الْحَجَّاجُ حَتَّى نَزَلَ الزَّاوِيَةَ، وَجَمَعَ عِنْدَهُ الطَّعَامَ، وَتَرَكَ الْبَصْرَةَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ، وَلَمَّا رَجَعَ نَظَرَ فِي كِتَابِ الْمُهَلَّبِ فَقَالَ: لِلَّهِ دَرُّهُ أَيُّ صَاحِبِ حَرْبٍ هُوَ! وَفَرَّقَ فِي النَّاسِ مِائَةً وَخَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. فَأَقْبَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَتَّى دَخَلَ الْبَصْرَةَ، فَبَايَعَهُ جَمِيعُ أَهْلِهَا قُرَّاؤُهَا وَكُهُولُهَا، مُسْتَبْصِرِينَ فِي قِتَالِ الْحَجَّاجِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي سُرْعَةِ إِجَابَتِهِمْ إِلَى بَيْعَتِهِ أَنَّ عُمَّالَ الْحَجَّاجِ كَتَبُوا إِلَيْهِ: إِنَّ الْخَرَاجَ قَدِ انْكَسَرَ، وَإِنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ قَدْ أَسْلَمُوا وَلَحِقُوا بِالْأَمْصَارِ. فَكَتَبَ إِلَى الْبَصْرَةِ وَغَيْرِهَا: إِنَّ مَنْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ مِنْ قَرْيَةٍ فَلْيَخْرُجْ إِلَيْهَا. فَأَخْرَجَ النَّاسَ لِتُؤْخَذَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ، فَجَعَلُوا يَبْكُونَ وَيُنَادُونَ: يَا مُحَمَّدَاهُ يَا مُحَمَّدَاهُ! وَلَا يَدْرُونَ أَيْنَ يَذْهَبُونَ، وَجَعَلَ قُرَّاءُ الْبَصْرَةِ يَبْكُونَ لِمَا يَرَوْنَ، فَلَمَّا قَدِمَ ابْنُ الْأَشْعَثِ عُقَيْبَ ذَلِكَ بَايَعُوهُ عَلَى حَرْبِ الْحَجَّاجِ وَخَلْعِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَخَنْدَقَ الْحَجَّاجُ عَلَى نَفْسِهِ، وَخَنْدَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَكَانَ دُخُولُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَصْرَةَ فِي آخِرِ ذِي الْحِجَّةِ.
следующие страницы →