← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

فَجَاءَ يَوْمًا صَعْصَعَةُ وَبَحِيرٌ عِنْدَ الْمُهَلَّبِ عَلَيْهِ قَمِيصٌ وَرِدَاءٌ، فَقَعَدَ خَلْفَهُ، وَدَنَا مِنْهُ كَأَنَّهُ يُكَلِّمُهُ، فَوَجَأَهُ بِخِنْجَرٍ مَعَهُ فِي خَاصِرَتِهِ، فَغَيَّبَهُ فِي جَوْفِهِ، وَنَادَى: يَا لِثَارَاتِ بُكَيْرٍ! فَأُخِذَ وَأُتِيَ بِهِ الْمُهَلَّبَ، فَقَالَ لَهُ: بُؤْسًا لَكَ! مَا أَدْرَكْتَ بِثَأْرِكَ وَقَتَلْتَ نَفْسَكَ، وَمَا عَلَى بَحِيرٍ بَأْسٌ. فَقَالَ: لَقَدْ طَعَنْتُهُ طَعْنَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ النَّاسِ لَمَاتُوا، وَلَقَدْ وَجَدْتُ رِيحَ بَطْنِهِ فِي يَدِي. فَحَبَسَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنَ الْأَبْنَاءِ فَقَبَّلُوا رَأْسَهُ. وَمَاتَ بَحِيرٌ مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ صَعْصَعَةُ لَمَّا مَاتَ بَحِيرٌ: اصْنَعُوا الْآنَ مَا شِئْتُمْ، أَلَيْسَ قَدْ حَلَّتْ نُذُورُ أَبْنَاءِ بَنِي عَوْفٍ وَأَدْرَكْتُ بِثَأْرِي؟ وَاللَّهِ لَقَدْ أَمْكَنَنِي مِنْهُ خَالِيًا غَيْرَ مَرَّةٍ فَكَرِهْتُ أَنْ أَقْتُلَهُ سِرًّا. فَقَالَ الْمُهَلَّبُ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَسْخَى نَفْسًا بِالْمَوْتِ مِنْ هَذَا. وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ فَقُتِلَ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُهَلَّبَ بَعَثَهُ إِلَى بَحِيرٍ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، فَقَتَلَهُ، وَمَاتَ بَحِيرٌ بَعْدَهُ. وَعَظُمَ مَوْتُهُ عَلَى الْمُهَلَّبِ، وَغَضِبَتْ عَوْفٌ وَالْأَبْنَاءُ وَقَالُوا: عَلَامَ قُتِلَ صَاحِبُنَا، وَإِنَّمَا أَخَذَ بِثَأْرِهِ؟ فَنَازَعَهُمْ مُقَاعِسُ وَالْبُطُونُ، وَكُلُّهُمْ بُطُونٌ مِنْ تَمِيمٍ، حَتَّى خَافَ النَّاسُ أَنْ يَعْظُمَ الْأَمْرُ، فَقَالَ أَهْلُ الْحِجَى: احْمِلُوا دَمَ صَعْصَعَةَ، وَاجْعَلُوا دَمَ بَحِيرٍ بِبُكَيْرٍ، فَوَدَوْا صَعْصَعَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَبْنَاءِ يَمْدَحُ صَعْصَعَةَ: لِلَّهِ دَرُّ فَتًى تَجَاوَزَ هَمُّهُ ... دُونَ الْعِرَاقِ مَفَاوِزًا وَبُحُورَا مَا زَالَ يُدْئِبُ نَفْسَهُ وَرِكَابَهُ ... حَتَّى تَنَاوَلَ فِي الْحُرُوبِ بَحِيرَا ذِكْرُ دُخُولِ الدَّيْلَمِ قَزْوِينَ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ كَانَتْ قَزْوِينُ ثَغْرَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ نَاحِيَةِ دَيْلَمَ، فَكَانَتِ الْعَسَاكِرُ لَا تَبْرَحُ مُرَابِطَةً بِهَا، يَتَحَارَسُونَ لَيْلًا وَنَهَارًا، فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةُ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ رَابِطٍ بِهَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَبْرَةَ الْجُعْفِيُّ، وَكَانَ فَارِسًا شُجَاعًا عَظِيمَ الْغَنَاءِ فِي حُرُوبِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَزْوِينَ رَأَى النَّاسَ يَتَحَارَسُونَ فَلَا يَنَامُونَ اللَّيْلَ، فَقَالَ لَهُمْ: أَتَخَافُونَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْكُمُ الْعَدُوُّ مَدِينَتَكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: لَقَدْ أَنْصَفُوكُمْ إِنْ فَعَلُوا، افْتَحُوا الْأَبْوَابَ وَلَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ. فَفَتَحُوهَا. وَبَلَغَ ذَلِكَ الدَّيْلَمَ فَسَارُوا إِلَيْهِمْ وَبَيَّتُوهُمْ وَهَجَمُوا إِلَى الْبَلَدِ، وَتَصَايَحَ النَّاسُ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ: أَغْلِقُوا أَبْوَابَ الْمَدِينَةِ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ، فَقَدْ أَنْصَفُونَا وَقَاتِلُوهُمْ. فَأَغْلَقُوا

стр. 1927

الْأَبْوَابَ وَقَاتَلُوهُمْ، وَأَبْلَى ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ بَلَاءً عَظِيمًا، وَظَفِرَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ، فَلَمْ يَفْلِتْ مِنَ الدَّيْلَمِ أَحَدٌ، وَاشْتَهَرَ اسْمُهُ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَعُدِ الدَّيْلَمُ بَعْدَهَا يُقْدِمُونَ عَلَى مُفَارَقَةِ أَرْضِهِمْ. فَصَارَ مُحَمَّدٌ فَارِسَ ذَلِكَ الثَّغْرِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَكَانَ يُدْمِنُ شُرْبَ الْخَمْرِ، وَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى أَيَّامِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَأَمَرَ بِتَسْيِيرِهِ إِلَى زُرَارَةَ، وَهِيَ دَارُ الْفُسَّاقِ بِالْكُوفَةِ، فَسُيِّرَ إِلَيْهَا، فَأَغَارَتِ الدَّيْلَمُ وَنَالَتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَظَهَرَ الْخَلَلُ بَعْدَهُ، فَكَتَبُوا إِلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمِيرِ الْكُوفَةِ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمُ ابْنَ أَبِي سَبْرَةَ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ، فَأَذِنَ لَهُ فِي عَوْدِهِ إِلَى الثَّغْرِ، فَعَادَ إِلَيْهِ وَحَمَاهُ. وَلِمُحَمَّدٍ أَخٌ يُقَالُ لَهُ خُثَيْمَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ اسْمُ أَبِي سَبْرَةَ، وَكَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ. ذِكْرُ خِلَافِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ عَلَى الْحَجَّاجِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَالَفَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ جُنْدِ الْعِرَاقِ عَلَى الْحَجَّاجِ، وَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ لِحَرْبِهِ، وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ لَمَّا بَعَثَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُحَمَّدٍ عَلَى الْجَيْشِ إِلَى بِلَادِ رُتْبِيلَ فَدَخَلَهَا وَأَخَذَ مِنْهَا الْغَنَائِمَ وَالْحُصُونَ - كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ يُعَرِّفُهُ ذَلِكَ، وَأَنَّ رَأْيَهُ أَنْ يَتْرُكُوا التَّوَغُّلَ فِي بِلَادِ رُتْبِيلَ حَتَّى يَعْرِفُوا طَرِيقَهَا وَيَجْبُوا خَرَاجَهَا، عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ. فَلَمَّا أَتَى كِتَابُهُ إِلَى الْحَجَّاجِ كَتَبَ جَوَابَهُ: إِنَّ كِتَابَكَ كِتَابُ امْرِئٍ يُحِبُّ الْهُدْنَةَ وَيَسْتَرِيحُ إِلَى الْمُوَادَعَةِ، قَدْ صَانَعَ عَدُوًّا قَلِيلًا ذَلِيلًا، قَدْ أَصَابُوا [مِنَ] الْمُسْلِمِينَ جُنْدًا كَانَ بَلَاؤُهُمْ حَسَنًا، وَغَنَاؤُهُمْ عَظِيمًا، وَإِنَّكَ حَيْثُ تَكُفُّ عَنْ ذَلِكَ الْعَدُوِّ بِجُنْدِي وَحَدِّي لَسَخِيُّ النَّفْسِ بِمَنْ أُصِيبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَامْضِ لِمَا أَمَرْتُكَ بِهِ مِنَ الْوُغُولِ فِي أَرْضِهِمْ، وَالْهَدْمِ لِحُصُونِهِمْ، وَقَتْلِ مُقَاتِلَتِهِمْ، وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ، ثُمَّ أَرْدَفَهُ كِتَابًا آخَرَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، وَفِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَمُرْ مَنْ قِبَلِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَحْرِقُوا وَلِيُقِيمُوا بِهَا، فَإِنَّهَا دَارُهُمُ حَتَّى يَفْتَحَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ ثَالِثًا بِذَلِكَ وَيَقُولُ لَهُ: إِنْ مَضَيْتَ لِمَا أَمَرْتُكَ، وَإِلَّا فَأَخُوكَ إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَمِيرُ النَّاسِ.

стр. 1928

فَدَعَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَقَالَ لَهُمْ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي لَكُمْ نَاصِحٌ وَلِصَلَاحِكُمْ مُحِبٌّ، وَلَكُمْ فِي كُلِّ مَا يُحِيطُ بِكُمْ نَفْعُهُ نَاظِرٌ، وَقَدْ كَانَ رَأْيِي فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَدُوِّي بِمَا رَضِيَهُ ذَوُو أَحْلَامِكُمْ وَأُولُو التَّجْرِبَةِ مِنْكُمْ، وَكَتَبْتُ بِذَلِكَ إِلَى أَمِيرِكُمُ الْحَجَّاجِ، فَأَتَانِي كِتَابُهُ يُعَجِّزُنِي وَيُضَعِّفُنِي، وَيَأْمُرُنِي بِتَعْجِيلِ الْوُغُولِ بِكُمْ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ، وَهِيَ الْبِلَادُ الَّتِي هَلَكَ فِيهَا إِخْوَانُكُمْ بِالْأَمْسِ، وَإِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ أَمْضِي إِذَا مَضَيْتُمْ، وَآبَى إِذَا أَبَيْتُمْ. فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَقَالُوا: بَلْ نَأْبَى عَلَى عَدُوِّ اللَّهِ، وَلَا نَسْمَعُ لَهُ وَلَا نُطِيعُ. فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ الْكِنَانِيُّ، وَلَهُ صُحْبَةٌ، فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْحَجَّاجَ يَرَى بِكُمْ مَا رَأَى الْقَائِلُ الْأَوَّلُ: احْمِلْ عَبْدَكَ عَلَى الْفَرَسِ، فَإِنْ هَلَكَ هَلَكَ، وَإِنْ نَجَا فَلَكَ. إِنَّ الْحَجَّاجَ مَا يُبَالِي أَنْ يُخَاطِرَ بِكُمْ فَيُقْحِمَكُمْ بِلَادًا كَثِيرَةً، وَيَغْشَى اللُّهُوبَ وَاللُّصُوبَ، فَإِنْ ظَفَرْتُمْ وَغَنِمْتُمْ أَكَلَ الْبِلَادَ وَحَازَ الْمَالَ، وَكَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي سُلْطَانِهِ، وَإِنْ ظَفِرَ عَدُوُّكُمْ كُنْتُمْ أَنْتُمُ الْأَعْدَاءَ الْبُغَضَاءَ الَّذِينَ لَا يُبَالِي عَنَتَهُمْ، وَلَا يُبْقِي عَلَيْهِمْ. اخْلَعُوا عَدُوَّ اللَّهِ الْحَجَّاجَ، وَبَايِعُوا الْأَمِيرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي أَوَّلُ خَالِعٍ. فَنَادَى النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ: فَعَلْنَا فَعَلْنَا، قَدْ خَلَعْنَا عَدُوَّ اللَّهِ. وَقَامَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ شَبَثِ بْنِ رِبْعِيٍّ فَقَالَ: عِبَادَ اللَّهِ! إِنَّكُمْ إِنْ أَطَعْتُمُ الْحَجَّاجَ جَعَلَ هَذِهِ الْبِلَادَ بِلَادَكُمْ مَا بَقِيتُمْ، وَجَمَّرَكُمْ تَجْمِيرَ فِرْعَوْنَ الْجُنُودَ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ جَمَّرَ الْبُعُوثَ، وَلَنْ تُعَايِنُوا الْأَحِبَّةَ أَوْ يَمُوتَ أَكْثَرُكُمْ فِيمَا أَرَى، فَبَايِعُوا أَمِيرَكُمْ، وَانْصَرِفُوا إِلَى عَدُوِّكُمُ الْحَجَّاجِ فَانْفُوهُ عَنْ بِلَادِكُمْ. فَوَثَبَ النَّاسُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَبَايَعُوهُ عَلَى خَلْعِ الْحَجَّاجِ، وَنَفْيِهِ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ، وَعَلَى النُّصْرَةِ لَهُ. وَلَمْ يُذْكَرْ عَبْدُ الْمَلِكِ. وَجَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى بُسْتٍ عِيَاضَ بْنَ هِمْيَانَ الشَّيْبَانِيَّ، وَعَلَى زَرَنْجَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ التَّمِيمِيَّ، وَصَالَحَ رُتْبِيلَ عَلَى أَنَّ ابْنَ الْأَشْعَثِ إِنْ ظَهَرَ فَلَا خَرَاجَ عَلَيْهِ أَبَدًا مَا بَقِيَ، وَإِنْ هُزِمَ فَأَرَادَ مَنَعَهُ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْعِرَاقِ، فَسَارَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَعْشَى هَمْدَانَ وَهُوَ يَقُولُ:

стр. 1929

شَطَّتْ نَوَى مَنْ دَارُهُ بِالْإِيوَانْ ... إِيوَانِ كِسْرَى ذِي الْقُرَى وَالرَّيْحَانْ مِنْ عَاشِقٍ أَمْسَى بِزَابُلِسْتَانْ ... إِنَّ ثَقِيفًا مِنْهُمُ الْكَذَّابَانْ كَذَّابُهَا الْمَاضِي وَكَذَّابٌ ثَانْ ... أَمْكَنَ رَبِّي مِنْ ثَقِيفِ هَمْدَانْ يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ يُسَلِّي مَا كَانْ ... إِنَّا سَمَوْنَا لِلْكَفُورِ الْفَتَّانْ حِينَ طَغَى فِي الْكُفْرِ بَعْدَ الْإِيمَانْ ... بِالسَّيِّدِ الْغِطْرِيفِ عَبْدِ الرَّحْمَنْ سَارَ بِجَمْعٍ كَالدَّبَا مِنْ قَحْطَانْ ... وَمِنْ مَعَدٍّ قَدْ أَتَى ابْنُ عَدْنَانْ بِجَحْفَلٍ جَمٍّ شَدِيدِ الْأَرْكَانْ ... فَقُلْ لِحَجَّاجٍ وَلِيِّ الشَّيْطَانْ يَثْبُتْ بِجَمْعِ مَذْحِجٍ وَهَمْدَانْ ... فَإِنَّهُمْ سَاقُوهُ كَأْسَ الذَّيْفَانْ وَمُلْحِقُوهُ بِقُرَى ابْنِ مَرْوَانْ وَجَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ عَطِيَّةَ بْنَ عَمْرٍو الْعَنْبَرِيَّ، وَجَعَلَ عَلَى كَرْمَانَ حُرَيْثَةَ بْنَ عَمْرٍو التَّمِيمِيَّ، فَلَمَّا بَلَغَ فَارِسَ اجْتَمَعَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَقَالُوا: إِذَا خَلَعْنَا الْحَجَّاجَ عَامِلَ عَبْدِ الْمَلِكِ فَقَدْ خَلَعْنَا عَبْدَ الْمَلِكِ. فَاجْتَمَعُوا إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَكَانَ أَوَّلَ النَّاسِ خَلَعَ عَبْدَ الْمَلِكِ تِيجَانُ بْنُ أَبْجَرَ مِنْ تَيْمِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، قَامَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي خَلَعْتُ أَبَا ذِبَّانَ كَخَلْعِي قَمِيصِي. فَخَلَعَهُ النَّاسُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، وَبَايَعُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَكَانَتْ بَيْعَتُهُ: نُبَايِعُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ وَعَلَى جِهَادِ أَهْلِ الضَّلَالَةِ وَخَلْعِهِمْ، وَجِهَادِ الْمُحِلِّينَ. فَلَمَّا بَلَغَ الْحَجَّاجَ خَلْعُهُ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بِخَبَرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يُعَجِّلَ بِعْثَةَ الْجُنُودِ إِلَيْهِ. وَسَارَ الْحَجَّاجُ حَتَّى نَزَلَ الْبَصْرَةَ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمُهَلَّبَ خَبَرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ مِنْ خُرَاسَانَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ قَدْ أَقْبَلُوا إِلَيْكَ وَهُمْ مِثْلُ السَّيْلِ، لَيْسَ يَرُدُّهُمْ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى قَرَارِهِ، وَإِنَّ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ شِرَّةٌ فِي أَوَّلِ مَخْرَجِهِمْ،

стр. 1930

وَصَبَابَةٌ إِلَى أَبْنَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، فَاتْرُكْهُمْ حَتَّى يَسْقُطُوا إِلَى أَهَالِيهِمْ وَيَشُمُّوا أَوْلَادَهُمْ، ثُمَّ وَاقِعْهُمْ عِنْدَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكَ عَلَيْهِمْ. فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَهُ سَبَّهُ وَقَالَ: مَا إِلَيَّ نَظَرٌ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ لِابْنِ عَمِّهِ. يَعْنِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ. وَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُ الْحَجَّاجِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ هَالَهُ، وَدَعَا خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ، فَأَقْرَأَهُ الْكِتَابَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ كَانَ الْحَدَثُ مِنْ سِجِسْتَانَ فَلَا تَخَفْهُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ خُرَاسَانَ فَإِنِّي أَتَخَوَّفُهُ. فَجَهَّزَ عَبْدُ الْمَلِكِ الْجُنْدَ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَكَانُوا يَصِلُونَ إِلَى الْحَجَّاجِ عَلَى الْبَرِيدِ، مِنْ مِائَةٍ، وَمِنْ خَمْسِينَ، وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ، وَكُتُبُ الْحَجَّاجِ تَتَّصِلُ بِعَبْدِ الْمَلِكِ كُلَّ يَوْمٍ بِخَبَرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. فَسَارَ الْحَجَّاجُ مِنَ الْبَصْرَةِ لِيَلْتَقِيَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَنَزَلَ تُسْتَرَ، وَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ مُقَدِّمَةً إِلَى دُجَيْلٍ، فَلَقُوا عِنْدَهُ خَيْلًا لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ الْحَجَّاجِ بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْأَضْحَى سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ جَمْعٌ كَثِيرٌ. فَلَمَّا أَتَى خَبَرُ الْهَزِيمَةِ إِلَى الْحَجَّاجِ رَجَعَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَتَبِعَهُ أَصْحَابُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ وَأَصَابُوا بَعْضَ أَثْقَالِهِمْ، وَأَقْبَلَ الْحَجَّاجُ حَتَّى نَزَلَ الزَّاوِيَةَ، وَجَمَعَ عِنْدَهُ الطَّعَامَ، وَتَرَكَ الْبَصْرَةَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ، وَلَمَّا رَجَعَ نَظَرَ فِي كِتَابِ الْمُهَلَّبِ فَقَالَ: لِلَّهِ دَرُّهُ أَيُّ صَاحِبِ حَرْبٍ هُوَ! وَفَرَّقَ فِي النَّاسِ مِائَةً وَخَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. فَأَقْبَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَتَّى دَخَلَ الْبَصْرَةَ، فَبَايَعَهُ جَمِيعُ أَهْلِهَا قُرَّاؤُهَا وَكُهُولُهَا، مُسْتَبْصِرِينَ فِي قِتَالِ الْحَجَّاجِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي سُرْعَةِ إِجَابَتِهِمْ إِلَى بَيْعَتِهِ أَنَّ عُمَّالَ الْحَجَّاجِ كَتَبُوا إِلَيْهِ: إِنَّ الْخَرَاجَ قَدِ انْكَسَرَ، وَإِنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ قَدْ أَسْلَمُوا وَلَحِقُوا بِالْأَمْصَارِ. فَكَتَبَ إِلَى الْبَصْرَةِ وَغَيْرِهَا: إِنَّ مَنْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ مِنْ قَرْيَةٍ فَلْيَخْرُجْ إِلَيْهَا. فَأَخْرَجَ النَّاسَ لِتُؤْخَذَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ، فَجَعَلُوا يَبْكُونَ وَيُنَادُونَ: يَا مُحَمَّدَاهُ يَا مُحَمَّدَاهُ! وَلَا يَدْرُونَ أَيْنَ يَذْهَبُونَ، وَجَعَلَ قُرَّاءُ الْبَصْرَةِ يَبْكُونَ لِمَا يَرَوْنَ، فَلَمَّا قَدِمَ ابْنُ الْأَشْعَثِ عُقَيْبَ ذَلِكَ بَايَعُوهُ عَلَى حَرْبِ الْحَجَّاجِ وَخَلْعِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَخَنْدَقَ الْحَجَّاجُ عَلَى نَفْسِهِ، وَخَنْدَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَكَانَ دُخُولُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَصْرَةَ فِي آخِرِ ذِي الْحِجَّةِ.

стр. 1931

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَكَانَ مِمَّنْ حَجَّ أُمُّ الدَّرْدَاءِ الصُّغْرَى. وَفِيهَا وُلِدَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ. وَكَانَ الْعَامِلُ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ، وَعَلَى الْعِرَاقِ وَالْمَشْرِقِ كُلِّهِ الْحَجَّاجَ، وَعَلَى خُرَاسَانَ الْمُهَلَّبَ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ أَبَا بُرْدَةَ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أُذَيْنَةَ. وَكَانَتْ سِجِسْتَانُ وَكَرْمَانُ وَفَارِسُ وَالْبَصْرَةُ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

стр. 1932

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ] ٨٢ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ الْحَجَّاجِ وَابْنِ الْأَشْعَثِ قِيلَ: فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ اقْتَتَلَ عَسْكَرُ الْحَجَّاجِ وَعَسْكَرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَشْعَثِ قِتَالًا شَدِيدًا، فَتَزَاحَفُوا فِي الْمُحَرَّمِ عِدَّةَ دَفَعَاتٍ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي آخِرِ الْمُحَرَّمِ اشْتَدَّ قِتَالُهُمْ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ الْحَجَّاجِ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَيْهِ، وَقَاتَلُوا عَلَى خَنَادِقِهِمْ، ثُمَّ إِنَّهُمْ تَزَاحَفُوا آخِرَ يَوْمٍ مِنَ الْمُحَرَّمِ، فَجَالَ أَصْحَابُ الْحَجَّاجِ وَتَقَوَّضَ صَفُّهُمْ، فَجَثَا الْحَجَّاجُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَقَالَ: لِلَّهِ دَرُّ مُصْعَبٍ، مَا كَانَ أَكْرَمَهُ حِينَ نَزَلَ بِهِ مَا نَزَلْ وَعَزَمَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَفِرُّ. فَحَمَلَ سُفْيَانُ بْنُ الْأَبْرَدِ الْكَلْبِيُّ عَلَى الْمَيْمَنَةِ الَّتِي لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَهَزَمَهَا، وَانْهَزَمَ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَأَقْبَلُوا نَحْوَ الْكُوفَةِ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، مِنْهُمْ عُقْبَةُ بْنُ عَبْدِ الْغَافِرِ الْأَزْدِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، قُتِلُوا رِبْضَةً وَاحِدَةً مَعَهُ. وَلَمَّا بَلَغَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْكُوفَةَ تَبِعَهُ أَهْلُ الْقُوَّةِ وَأَصْحَابُ الْخَيْلِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَاجْتَمَعَ مَنْ بَقِيَ فِي الْبَصْرَةِ (مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَبَايَعُوهُ، فَقَاتَلَ بِهِمُ الْحَجَّاجَ خَمْسَ لَيَالٍ أَشَدَّ قِتَالٍ رَآهُ النَّاسُ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَحِقَ بِابْنِ الْأَشْعَثِ، وَتَبِعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ) ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ طُفَيْلُ بْنُ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، فَقَالَ أَبُوهُ يَرْثِيهِ، وَهُوَ مِنَ الصَّحَابَةِ: خَلَّى طُفَيْلٌ عَلَيَّ الْهَمَّ فَانْشَعَبَا ... وَهَدَّ ذَلِكَ رُكْنِي هَدَّةً عَجَبَا مَهْمَا نَسِيتُ فَلَا أَنْسَاهُ إِذْ حَدَقَتْ ... بِهِ الْأَسِنَّةُ مَقْتُولًا وَمُنْسَلِبَا

стр. 1933

وَأَخْطَأَتْنِي الْمَنَايَا لَا تُطَالِعُنِي حَتَّى كَبِرْتُ وَلَمْ يَتْرُكْنَ لِي نَشَبَا ... وَكُنْتُ بَعْدَ طُفَيْلٍ كَالَّذِي نَضَبَتْ عَنْهُ السُّيُولُ وَغَاضَ الْمَاءُ فَانْقَضَبَا وَهِيَ أَبْيَاتٌ عِدَّةٌ، وَهَذِهِ الْوَقْعَةُ تُسَمَّى يَوْمَ الزَّاوِيَةِ. فَأَقَامَ الْحَجَّاجُ أَوَّلَ صَفَرٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْبَصْرَةِ الْحَكَمَ بْنَ أَيُّوبَ الثَّقَفِيَّ. وَسَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَى الْكُوفَةِ، وَقَدْ كَانَ الْحَجَّاجُ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عِنْدَ مَسِيرِهِ إِلَى الْبَصْرَةِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الْحَضْرَمِيَّ حَلِيفَ بَنِي أُمَيَّةَ، فَقَصَدَهُ مَطَرُ بْنُ نَاجِيَةَ الْيَرْبُوعِيُّ، فَتَحَصَّنَ مِنْهُ ابْنُ الْحَضْرَمِيِّ فِي الْقَصْرِ، وَوَثَبَ أَهْلُ الْكُوفَةِ مَعَ مَطَرٍ، فَأَخْرَجَ ابْنَ الْحَضْرَمِيِّ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَكَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَاسْتَوْلَى مَطَرٌ عَلَى الْقَصْرِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ، وَفَرَّقَ فِيهِمْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، مِائَتَيْ دِرْهَمٍ. فَلَمَّا وَصَلَ ابْنُ الْأَشْعَثِ إِلَى الْكُوفَةِ كَانَ مَطَرٌ بِالْقَصْرِ، فَخَرَجَ أَهْلُ الْكُوفَةِ يَسْتَقْبِلُونَهُ، وَدَخَلَ الْكُوفَةَ وَقَدْ سَبَقَ إِلَيْهِ هَمْدَانُ، فَكَانُوا حَوْلَهُ، فَأَتَى الْقَصْرَ، فَمَنَعَهُ مَطَرُ بْنُ نَاجِيَةَ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَأَصْعَدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ النَّاسَ فِي السَّلَالِيمِ إِلَى الْقَصْرِ، فَأَخَذُوهُ، فَأُتِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِمَطَرِ بْنِ نَاجِيَةَ فَحَبَسَهُ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ وَصَارَ مَعَهُ. فَلَمَّا اسْتَقَرَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِالْكُوفَةِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ، وَقَصَدَهُ أَهْلُ الْبَصْرَةِ، مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ الْهَاشِمِيُّ بَعْدَ قِتَالِهِ الْحَجَّاجَ بِالْبَصْرَةِ. وَقَتَلَ الْحَجَّاجُ يَوْمَ الزَّاوِيَةِ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ أَحَدَ عَشَرَ أَلْفًا خَدَعَهُمْ بِالْأَمَانِ، وَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: لَا أَمَانَ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، فَسَمَّى رِجَالًا، فَقَالَ الْعَامَّةُ: قَدْ آمَنَ النَّاسَ، فَحَضَرُوا عِنْدَهُ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُتِلُوا. ذِكْرُ وَقْعَةِ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ وَكَانَتْ وَقْعَةُ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: كَانَتْ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ. وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ الْحَجَّاجَ سَارَ مِنَ الْبَصَرِهِ إِلَى الْكُوفَةِ لِقِتَالِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَنَزَلَ دَيْرَ قُرَّةَ، وَخَرَجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنَ الْكُوفَةِ، فَنَزَلَ دَيْرَ الْجَمَاجِمِ. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: إِنَّ

стр. 1934

عَبْدَ الرَّحْمَنِ نَزَلَ دَيْرَ الْجَمَاجِمِ، وَنَزَلْتُ دَيْرَ الْقُرَّةِ، أَمَا تُزْجَرُ الطَّيْرُ؟ وَاجْتَمَعَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَالْقُرَّاءُ وَأَهْلُ الثُّغُورِ وَالْمَسَالِحُ بِدَيْرِ الْجَمَاجِمِ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى حَرْبِ الْحَجَّاجِ لِبُغْضِهِ، وَكَانُوا مِائَةَ أَلْفٍ مِمَّنْ يَأْخُذُ الْعَطَاءَ، وَمَعَهُمْ مِثْلُهُمْ، وَجَاءَتِ الْحَجَّاجَ أَيْضًا أَمْدَادٌ مِنَ الشَّامِ قَبْلَ نُزُولِهِ بِدَيْرِ قُرَّةَ، وَخَنْدَقَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى نَفْسِهِ، فَكَانَ النَّاسُ يَقْتَتِلُونَ كُلَّ يَوْمٍ، وَلَا يَزَالُ أَحَدُهُمَا يُدْنِي خَنْدَقَهُ مِنَ الْآخَرِ. ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ وَأَهْلَ الشَّامِ قَالُوا: إِنْ كَانَ يَرْضَى أَهْلُ الْعِرَاقِ بِنَزْعِ الْحَجَّاجِ عَنْهُمْ نَزَعْنَاهُ، فَإِنَّ عَزْلَهُ أَيْسَرُ مِنْ حَرْبِهِمْ، وَنَحْقِنُ بِذَلِكَ الدِّمَاءَ. فَبَعَثَ عَبْدُ الْمَلِكِ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ وَأَخَاهُ مُحَمَّدَ بْنَ مَرْوَانَ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ بِأَرْضِ الْمَوْصِلِ، إِلَى الْحَجَّاجِ فِي جُنْدٍ كَثِيفٍ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَعْرِضَا عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ عَزْلَ الْحَجَّاجِ، وَأَنْ يُجْرِيَا عَلَيْهِمْ أُعْطِيَاتِهِمْ كَمَا تُجْرَى عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، وَأَنْ يَنْزِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَيَّ بَلَدٍ شَاءَ مِنْ بَلَدِ الْعِرَاقِ، فَإِذَا نَزَلَهُ كَانَ وَالِيًا عَلَيْهِ مَا دَامَ حَيًّا وَعَبْدُ الْمَلِكِ خَلِيفَةً، فَإِنْ أَجَابَ أَهْلُ الْعِرَاقِ إِلَى ذَلِكَ عَزَلَا الْحَجَّاجَ عَنْهَا، وَصَارَ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ أَمِيرَ الْعِرَاقِ، وَإِنْ أَبَى أَهْلُ الْعِرَاقِ قَبُولَ ذَلِكَ، فَالْحَجَّاجُ أَمِيرُ الْجَمَاعَةِ، وَوَالِي الْقِتَالِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي طَاعَتِهِ. فَلَمْ يَأْتِ الْحَجَّاجَ أَمْرٌ قَطُّ كَانَ أَشَدَّ عَلَيْهِ وَلَا أَوْجَعَ لِقَلْبِهِ مِنْ ذَلِكَ، مَخَافَةَ أَنْ يَقْبَلَ أَهْلُ الْعِرَاقِ عَزْلَهُ، فَيُعْزَلُ عَنْهُمْ، فَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ: وَاللَّهِ لَوْ أَعْطَيْتَ أَهْلَ الْعِرَاقِ نَزْعِي لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى يُخَالِفُوكَ وَيَسِيرُوا إِلَيْكَ، وَلَا يَزِيدُهُمْ ذَلِكَ إِلَّا جُرْأَةً عَلَيْكَ، أَلَمْ تَرَ وَيَبْلُغْكَ وُثُوبُ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَعَ الْأَشْتَرِ عَلَى ابْنِ عَفَّانَ، وَسُؤَالُهُمْ نَزْعَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، فَلَمَّا نَزَعَهُ لَمْ تَتِمَّ لَهُمُ السَّنَةُ حَتَّى سَارُوا إِلَى عُثْمَانَ فَقَتَلُوهُ، وَإِنَّ الْحَدِيدَ بِالْحَدِيدِ يُفْلَحُ. فَأَبَى عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَّا عَرْضَ عَزْلِهِ عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ. فَلَمَّا اجْتَمَعَ عَبْدُ اللَّهِ وَمُحَمَّدٌ مَعَ الْحَجَّاجِ خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَالَ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، أَنَا ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ يُعْطِيكُمْ كَذَا وَكَذَا. وَخَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ وَقَالَ: أَنَا رَسُولُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْكُمْ كَذَا وَكَذَا، فَذَكَرَ هَذِهِ الْخِصَالَ. فَقَالُوا: نَرْجِعُ الْعَشِيَّةَ. فَرَجَعُوا وَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ عِنْدَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَقَالَ لَهُمْ: قَدْ أُعْطِيتُمْ أَمْرًا، انْتِهَازُكُمُ الْيَوْمَ إِيَّاهُ فُرْصَةٌ، وَإِنَّكُمُ الْيَوْمَ عَلَى النِّصْفِ، فَإِنْ كَانُوا اعْتَدُوا عَلَيْكُمْ بِيَوْمِ الزَّاوِيَةِ، فَأَنْتُمْ تَعْتَدُونَ عَلَيْهِمْ بِيَوْمِ تُسْتَرَ،

стр. 1935

فَاقْبَلُوا مَا عَرَضُوا عَلَيْكُمْ، وَأَنْتُمْ أَعِزَّاءُ أَقْوِيَاءُ لِقَوْمٍ هُمْ لَكُمْ هَائِبُونَ، وَأَنْتُمْ لَهُمْ مُنْتَقِصُونَ، فَوَاللَّهِ لَا زِلْتُمْ عَلَيْهِمْ جُرَآءُ، وَعِنْدَهُمْ أَعِزَّاءُ، أَبَدًا مَا بَقِيتُمْ، إِنْ أَنْتُمْ قَبِلْتُمْ. فَوَثَبَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَهُمْ، فَأَصْبَحُوا فِي الضَّنْكِ وَالْمَجَاعَةِ وَالْقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ، وَنَحْنُ ذَوُو الْعَدَدِ الْكَثِيرِ، وَالسِّعْرِ الرَّخِيصِ، وَالْمَادَّةِ الْقَرِيبَةِ، لَا وَاللَّهِ لَا نَقْبَلُ! وَأَعَادُوا خَلْعَهُ ثَانِيَةً. وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قَامَ بِخَلْعِهِ بِدَيْرِ الْجَمَاجِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذُؤَابٍ السُّلَمِيُّ، وَعُمَيْرُ بْنُ تِيجَانَ، وَكَانَ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى خَلْعِهِ بِالْجَمَاجِمِ أَجْمَعَ مِنْ خَلْعِهِمْ إِيَّاهُ بِفَارِسَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ لِلْحَجَّاجِ: شَأْنُكَ بِعَسْكَرِكَ وَجُنْدِكَ، وَاعْمَلْ بِرَأْيِكَ، فَإِنَّا قَدْ أُمِرْنَا أَنْ نَسْمَعَ لَكَ وَنُطِيعَ. فَقَالَ: قَدْ قُلْتُ: إِنَّهُ لَا يُرَادُ بِهَذَا الْأَمْرِ غَيْرُكُمْ. فَكَانَا يُسَلِّمَانِ عَلَيْهِ بِالْإِمْرَةِ، وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمَا بِالْإِمْرَةِ. فَلَمَّا اجْتَمَعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ بِالْجَمَاجِمِ عَلَى خَلْعِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَلَا إِنَّ بَنِي مَرْوَانَ يُعَيَّرُونَ بِالزُّرَقَاءِ، وَاللَّهِ مَا لَهُمْ نَسَبٌ أَصَحُّ مِنْهُ، إِلَّا أَنَّ بَنِي [أَبِي] الْعَاصِ أَعْلَاجٌ مِنْ أَهْلِ صَفُّورِيَةَ، فَإِنْ يَكُنْ هَذَا الْأَمْرُ (فِي قُرَيْشٍ فَعَنِّي فُقِئَتْ) بَيْضَةُ قُرَيْشٍ، وَإِنْ يَكُ فِي الْعَرَبِ فَأَنَا ابْنُ الْأَشْعَثِ، وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ يُسْمِعُ النَّاسَ، وَبَرَزُوا لِلْقِتَالِ. فَجَعَلَ الْحَجَّاجُ عَلَى مَيْمَنَتِهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سُلَيْمٍ الْكَلْبِيَّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ عِمَارَةَ بْنَ تَمِيمٍ اللَّخْمِيَّ، وَعَلَى خَيْلِهِ سُفْيَانَ بْنَ الْأَبْرَدِ الْكَلْبِيَّ، وَعَلَى رَجَّالِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبِيبٍ الْحَكَمِيَّ، وَجَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى مَيْمَنَتِهِ الْحَجَّاجَ بْنَ حَارِثَةَ الْخَثْعَمِيَّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ الْأَبْرَدَ بْنَ قُرَّةَ التَّمِيمِيَّ، وَعَلَى خَيْلِهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْعَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ الْهَاشِمِيَّ، وَعَلَى رَجَّالِهِ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَلَى مُجَنَّبَتِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رِزَامٍ الْحَارِثِيَّ، وَجَعَلَ عَلَى الْقُرَّاءِ جَبَلَةَ بْنَ زَحْرِ بْنِ قَيْسٍ الْجُعْفِيَّ، وَفِيهِمْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى. ثُمَّ أَخَذُوا يَتَزَاحَفُونَ كُلَّ يَوْمٍ وَيَقْتَتِلُونَ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ تَأْتِيهِمْ مَوَادُّهُمْ مِنَ الْكُوفَةِ وَسَوَادِهَا، وَهُمْ فِي خِصْبٍ، وَأَهْلُ الشَّامِ فِي ضَنْكٍ شَدِيدٍ، قَدْ غَلَتْ عَلَيْهِمُ الْأَسْعَارُ، وَفُقِدَ عِنْدَهُمُ اللَّحْمُ كَأَنَّهُمْ فِي حِصَارٍ، وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ يُغَادُونَ الْقِتَالَ وَيُرَاوِحُونَ. فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ جَبَلَةُ بْنُ زَحْرِ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَتْ كَتِيبَتُهُ تُدْعَى الْقُرَّاءَ تُحُمِّلَ عَلَيْهِمْ فَلَا

стр. 1936

يَبْرَحُونَ، وَكَانُوا قَدْ عُرِفُوا بِذَلِكَ، وَكَانَ فِيهِمْ كُمَيْلُ بْنُ زِيَادٍ، وَكَانَ رَجُلًا رَكِينًا. فَخَرَجُوا ذَاتَ يَوْمٍ كَمَا كَانُوا يَخْرُجُونَ، وَعَبَّأَ الْحَجَّاجُ صُفُوفَهُ، وَعَبَّأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَصْحَابَهُ، وَعَبَّأَ الْحَجَّاجُ لِكَتِيبَةِ الْقُرَّاءِ ثَلَاثَ كَتَائِبَ، وَبَعَثَ عَلَيْهَا الْجَرَّاحَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيَّ، فَأَقْبَلُوا نَحْوَهُمْ، فَحَمَلُوا عَلَى الْقُرَّاءِ ثَلَاثَ حَمَلَاتٍ، كُلُّ كَتِيبَةٍ تَحْمِلُ حَمْلَةً، فَلَمْ يَبْرَحُوا وَصَبَرُوا. ذِكْرُ وَفَاةِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْمُهَلَّبِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ الْمُغِيرَةُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بِخُرَاسَانَ، وَكَانَ قَدِ اسْتَخْلَفَهُ أَبُوهُ الْمُهَلَّبُ عَلَى عَمَلِهِ بِخُرَاسَانَ، فَمَاتَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ، فَأَتَى الْخَبَرُ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ وَأَهْلَ الْعَسْكَرِ، فَلَمْ يُخْبِرُوا الْمُهَلَّبَ، فَأَمَرَ يَزِيدُ النِّسَاءَ فَصَرَخْنَ، فَقَالَ الْمُهَلَّبُ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: مَاتَ الْمُغِيرَةُ. فَاسْتَرْجَعَ وَجَزِعَ حَتَّى ظَهَرَ جَزَعُهُ، فَلَامَهُ بَعْضُ خَاصَّتِهِ، ثُمَّ دَعَا يَزِيدَ وَوَجَّهَهُ إِلَى مَرْوَ، وَوَصَّاهُ بِمَا يَعْمَلُ وَإِنَّ دُمُوعَهُ لَتَنْحَدِرُ عَلَى لِحْيَتِهِ. فَكَانَ الْمُهَلَّبُ مُقِيمًا بِكِشَّ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ يُحَارِبُ أَهْلَهَا، فَسَارَ يَزِيدُ فِي سِتِّينَ فَارِسًا، وَيُقَالُ سَبْعِينَ، فَلَقِيَهُمْ خَمْسُمِائَةٍ مِنَ التُّرْكِ فِي مَفَازَةِ بُسْتٍ، فَقَالُوا: مَا أَنْتُمْ؟ قَالُوا: تُجَّارٌ. قَالُوا: فَأَعْطُونَا شَيْئًا. فَأَبَى يَزِيدُ، فَأَعْطَاهُمْ مُجَّاعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَتَكِيُّ ثَوْبًا وَكَرَابِيسَ وَقَوْسًا، فَانْصَرَفُوا، ثُمَّ غَدَرُوا وَعَادُوا إِلَيْهِمْ فَقَاتَلُوهُمْ، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، وَمَعَ يَزِيدَ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ كَانَ قَدْ أَخَذَهُ، فَقَالَ: اسْتَبْقِنِي. فَاسْتَبْقَاهُ. فَحَمَلَ الْخَارِجِيُّ عَلَيْهِمْ حَتَّى خَالَطَهُمْ وَصَارَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَقَتَلَ رَجُلًا، ثُمَّ كَرَّ حَتَّى خَالَطَهُمْ وَقَتَلَ رَجُلًا، وَرَجَعَ إِلَى يَزِيدَ، وَقَتَلَ يَزِيدُ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ، وَرُمِيَ يَزِيدُ فِي سَاقِهِ، فَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُمْ، وَصَبَرَ [لَهُمْ] يَزِيدُ حَتَّى حَاجَزُوهُمْ، فَقَالُوا: قَدْ غَدَرْنَا، وَلَا نَنْصَرِفُ حَتَّى نَمُوتَ أَوْ تَمُوتُوا، أَوْ تُعْطُونَا شَيْئًا. فَلَمْ يُعْطِهِمْ يَزِيدُ شَيْئًا. فَقَالَ مُجَّاعَةُ: أُذَكِّرُكَ اللَّهَ، قَدْ هَلَكَ الْمُغِيرَةُ، فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ تَهْلِكَ فَتَجْتَمِعُ عَلَى الْمُهَلَّبِ الْمُصِيبَةُ. فَقَالَ: إِنَّ الْمُغِيرَةَ لَمْ يَعْدُ أَجْلَهُ، وَلَسْتُ أَعْدُو أَجْلِي. فَرَمَى إِلَيْهِمْ مُجَّاعَةُ بِعِمَامَةٍ صَفْرَاءَ، فَأَخَذُوهَا وَانْصَرَفُوا.

стр. 1937

ذِكْرُ صُلْحِ الْمُهَلَّبِ أَهْلَ كِشَّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ صَالَحَ الْمُهَلَّبُ أَهْلَ كِشَّ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ اتَّهَمَ قَوْمًا مِنْ مُضَرَ فَحَبَسَهُمْ، وَصَالَحَ وَقَفَلَ، وَخَلَّفَ حُرَيْثَ بْنَ قُطْبَةَ مَوْلَى خُزَاعَةَ وَقَالَ: إِذَا اسْتَوْفَيْتَ الْفِدْيَةَ فَرُدَّ عَلَيْهِمُ الرَّهْنَ. وَسَارَ الْمُهَلَّبُ، فَلَمَّا صَارَ بِبَلْخٍ كَتَبَ إِلَى حُرَيْثٍ: إِنِّي لَسْتُ آمَنُ إِنْ رَدَدْتُ عَلَيْهِمُ الرَّهْنَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْكَ، فَإِذَا قَبَضْتَ الْفِدْيَةَ فَلَا تُخَلِّ الرَّهْنَ حَتَّى تَقْدَمَ أَرْضَ بَلْخٍ. فَقَالَ حُرَيْثٌ لِمَلِكِ كِشَّ: إِنَّ الْمُهَلَّبَ كَتَبَ إِلَيَّ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ عَجَّلْتَ الْفِدْيَةَ سَلَّمْتُ إِلَيْكَ الرَّهْنَ وَسِرْتُ وَأَخْبَرْتُهُ أَنَّ كِتَابَهُ وَرَدَ وَقَدِ اسْتَوْفَيْتُهَا مِنْكُمْ، وَرَدَدْتُ عَلَيْكُمُ الرَّهْنَ. فَعَجَّلَ مَلِكُ كِشَّ الْفِدْيَةَ وَأَخَذَ الرَّهْنَ، وَرَجَعَ حُرَيْثٌ، فَعَرَضَ لَهُمُ التُّرْكُ فَقَالُوا لَهُ: افْدِ نَفْسَكَ وَمَنْ مَعَكَ، فَقَدْ لَقِينَا يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ فَفَدَى نَفْسَهُ. فَقَالَ حُرَيْثٌ: وَلَدَتْنِي إِذًا أُمُّ يَزِيدَ. وَقَاتَلَهُمْ فَقَتَلَهُمْ وَأَسَرَ مِنْهُمْ أَسْرَى، فَفَدَوْهُمْ، فَأَطْلَقَهُمْ وَرَدَّ عَلَيْهِمُ الْفِدَاءَ. وَبَلَغَ الْمُهَلَّبَ قَوْلُهُ فَقَالَ: يَأْنَفُ الْعَبْدُ أَنْ تَلِدَهُ أُمُّ يَزِيدَ. فَغَضِبَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ بِبَلْخٍ قَالَ: أَيْنَ الرَّهْنُ؟ قَالَ: خَلَّيْتُهُمْ قَبْلَ وُصُولِ كِتَابِكَ، وَقَدْ كُفِيتُ مَا خِفْتَ. قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَقَرَّبْتَ إِلَيْهِمْ. وَأَمَرَ بِتَجْرِيدِهِ، فَجَزِعَ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى ظَنَّ الْمُهَلَّبُ أَنَّ بِهِ مَرَضًا، فَجَرَّدَهُ وَضَرَبَهُ ثَلَاثِينَ سَوْطًا. فَقَالَ حُرَيْثٌ: وَدِدْتُ أَنَّهُ ضَرَبَنِي ثَلَاثَمِائَةٍ وَلَمْ يُجَرِّدْنِي، أَنَفَةً وَحَيَاءً. وَحَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ الْمُهَلَّبَ. فَرَكِبَ يَوْمًا مَعَ الْمُهَلَّبِ فَأَمَرَ غُلَامَيْنِ لَهُ أَنْ يَضْرِبَا الْمُهَلَّبَ، فَلَمْ يَفْعَلَا وَقَالَا: نَخَافُ عَلَيْكَ أَنْ تُقْتَلَ. وَتَرَكَ حُرَيْثٌ إِتْيَانَ الْمُهَلَّبِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَخَاهُ ثَابِتَ بْنَ قُطْبَةَ لِيَأْتِيَهُ بِهِ وَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ كَبَعْضِ وَلَدِي أَدِّبْهُ كَبَعْضِهِمْ. فَأَتَى ثَابِتٌ أَخَاهُ وَسَأَلَهُ أَنْ يَرْكَبَ إِلَى الْمُهَلَّبِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَحَلَفَ لَيَقْتُلَنَّهُ، فَقَالَ ثَابِتٌ: إِنْ كَانَ هَذَا رَأْيَكَ فَاخْرُجْ بِنَا إِلَى مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ. وَخَافَ ثَابِتٌ أَنْ يَقْتُلَ حُرَيْثٌ الْمُهَلَّبَ فَيُقْتَلُونَ جَمِيعًا، فَخَرَجَا فِي ثَلَاثِمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِمَا الْمُنْقَطِعِينَ إِلَيْهِمَا. ذِكْرُ وَفَاةِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ وَوِلَايَةِ ابْنِهِ يَزِيدَ خُرَاسَانَ لَمَّا صَالَحَ الْمُهَلَّبُ أَهْلَ كِشَّ رَجَعَ يُرِيدُ مَرْوَ، فَلَمَّا كَانَ بِمَرْوِ الرُّوذِ أَخَذَتْهُ الشَّوْصَةُ، وَقِيلَ الشَّوْكَةُ، فَمَاتَ مِنْهَا، وَأَوْصَى إِلَى ابْنِهِ حَبِيبٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُمْ:

стр. 1938

قَدِ اسْتُخْلِفَ عَلَيْكُمْ يَزِيدُ فَلَا تُخَالِفُوهُ. فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ الْمُفَضَّلُ: لَوْ لَمْ تُقَدِّمْهُ لَقَدَّمْنَاهُ. وَأَحْضَرَ وَلَدَهُ فَوَصَّاهُمْ، وَأَحْضَرَ سِهَامًا فَحُزِّمَتْ، فَقَالَ: أَتَكْسِرُونَهَا مُجْتَمِعَةً؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: أَفَتَكْسِرُونَهَا مُتَفَرِّقَةً؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَهَكَذَا الْجَمَاعَةُ. ثُمَّ قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ ; فَإِنَّهَا تُنْسِئُ فِي الْأَجَلِ، وَتُثْرِي الْمَالَ، وَتُكْثِرُ الْعَدَدَ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْقَطِيعَةِ ; فَإِنَّهَا تُعْقِبُ النَّارَ وَالْقِلَّةَ وَالذِّلَّةَ، وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَلْيَكُنْ فِعَالُكُمْ أَفْضَلَ مِنْ مَقَالِكُمْ، وَاتَّقُوا الْجَوَابَ وَزِلَّةَ اللِّسَانِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ تَزِلُّ قَدَمُهُ فَيَنْتَعِشُ مِنْهَا، وَيَزِلُّ لِسَانُهُ فَيَهْلِكُ، اعْرَفُوا لِمَنْ يَغْشَاكُمْ حَقَّهُ، فَكَفَى بِغُدُوِّ الرَّجُلِ وَرَوَاحِهِ إِلَيْكُمْ تَذْكِرَةً لَهُ، وَآثِرُوا الْجُودَ عَلَى الْبُخْلِ، وَأَحْيُوا الْعُرْفَ، وَاصْنَعُوا الْمَعْرُوفَ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنَ الْعَرَبِ تَعِدُهُ الْعِدَةَ، فَيَمُوتُ دُونَكَ، فَكَيْفَ بِالصَّنِيعَةِ عِنْدَهُ! عَلَيْكُمْ فِي الْحَرْبِ بِالتُّؤَدَةِ وَالْمَكِيدَةِ، فَإِنَّهَا أَنْفَعُ مِنَ الشَّجَاعَةِ، وَإِذَا كَانَ اللِّقَاءُ نَزَلَ الْقَضَاءُ، فَإِنْ أَخَذَ الرَّجُلُ بِالْحَزْمِ فَظَفِرَ قِيلَ: أَتَى الْأَمْرَ مِنْ وَجْهِهِ فَظَفِرَ، فَحُمِدَ، وَإِنْ لَمْ يَظْفَرْ قِيلَ: مَا فَرَّطَ وَلَا ضَيَّعَ وَلَكِنَّ الْقَضَاءَ غَالِبٌ، وَعَلَيْكُمْ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَتَعْلِيمِ السُّنَنِ وَأَدَبِ الصَّالِحِينَ، وَإِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْكَلَامِ فِي مَجَالِسِكُمْ. ثُمَّ مَاتَ ﵀ فَقَالَ نَهَارُ بْنُ تَوْسِعَةَ التَّمِيمِيُّ يَرْثِيهِ: أَلَا ذَهَبَ الْمَعْرُوفُ وَالْعِزُّ وَالْغِنَى وَمَاتَ النَّدَى وَالْجُودُ بَعْدَ الْمُهَلَّبِ أَقَامَ بِمَرْوِ الرُّوذِ رَهْنَ ضَرِيحِهِ وَقَدْ غَابَ عَنْهُ كُلُّ شَرْقٍ وَمَغْرِبِ إِذَا قِيلَ أَيُّ النَّاسِ أَوْلَى بِنِعْمَةٍ عَلَى النَّاسِ؟ قُلْنَا هُوَ وَلَمْ نَتَهَيَّبِ فَلَمَّا تُوُفِّيَ كَتَبَ ابْنُهُ يَزِيدُ إِلَى الْحَجَّاجِ يُعْلِمُهُ بِوَفَاتِهِ، فَأَقَرَّ يَزِيدَ عَلَى خُرَاسَانَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ عَنِ الْمَدِينَةِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ،

стр. 1939

وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا هِشَامَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيَّ، فَعَزَلَ هِشَامٌ نَوْفَلَ بْنَ مُسَاحِقٍ عَنْ قَضَاءِ الْمَدِينَةِ، وَوَلَّى عَلَى الْقَضَاءِ عَمْرَو بْنَ خَالِدٍ الزُّرَقِيَّ، وَفِيهَا غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ أَرْمِينِيَّةَ فَهَزَمَهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ الصُّلْحَ فَصَالَحَهُمْ، وَوَلَّى عَلَيْهِمْ أَبَا شَيْخٍ ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَغَدَرُوا بِهِ فَقَتَلُوهُ، وَقِيلَ: بَلْ قَتَلُوهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ اللَّيْثِيُّ بِدُجَيْلٍ. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الْجَوْزَاءِ أَوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرِّبْعِيُّ، وَعَطَاءُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّلِيمِيُّ الْعَابِدُ. (السَّلِيمِيُّ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَسْرِ اللَّامِ) . وَفِيهَا مَاتَ زَاذَانُ، وَأَبُو وَائِلٍ. وَعُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ التَّيْمِيُّ، وَعُمُرُهُ سِتُّونَ سَنَةً. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ، وَقِيلَ: سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ.

стр. 1940

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ] ٨٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ ذِكْرُ بَقِيَّةِ الْوَقْعَةِ بِدَيْرِ الْجَمَاجِمِ فَلَمَّا حَمَلَتْ كَتَائِبُ الْحَجَّاجِ الثَّلَاثِ عَلَى الْقُرَّاءِ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَلَيْهِمْ جَبَلَةُ بْنُ زَحْرٍ نَادَى جَبَلَةُ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى! يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ! إِنَّ الْفِرَارَ لَيْسَ بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ بِأَقْبَحَ مِنْهُ بِكُمْ، إِنِّي سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَفَعَ اللَّهُ دَرَجَتَهُ فِي الصَّالِحِينَ، وَآتَاهُ ثَوَابَ الصَّادِقِينَ وَالشُّهَدَاءِ - يَقُولُ يَوْمَ لَقِينَا أَهْلَ الشَّامِ: أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّهُ مَنْ رَأَى عُدْوَانًا يُعْمَلُ بِهِ، وَمُنْكَرًا يُدْعَى إِلَيْهِ، فَأَنْكَرَهُ بِقَلْبِهِ - فَقَدْ سَلِمَ وَبَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَهُ بِلِسَانِهِ فَقَدْ أُجِرَ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ، وَمَنْ أَنْكَرَهُ بِالسَّيْفِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَكَلِمَةُ الظَّالِمِينَ السُّفْلَى، فَذَلِكَ الَّذِي أَصَابَ سَبِيلَ الْهُدَى، وَنَوَّرَ فِي قَلْبِهِ الْيَقِينُ، فَقَاتِلُوا هَؤُلَاءِ الْمُحِلِّينَ الْمُحْدِثِينَ الْمُبْتَدِعِينَ الَّذِينَ جَهِلُوا الْحَقَّ فَلَا يَعْرِفُونَهُ، وَعَمِلُوا بِالْعُدْوَانِ فَلَيْسَ يُنْكِرُونَهُ. وَقَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: أَيُّهَا النَّاسُ، قَاتِلُوهُمْ عَلَى دِينِكُمْ وَدُنْيَاكُمْ. فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: أَيُّهَا النَّاسُ، قَاتِلُوهُمْ وَلَا يَأْخُذْكُمْ حَرَجٌ مِنْ قِتَالِهِمْ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ عَلَى بَسِيطِ الْأَرْضِ أَعْمَلَ بِظُلْمٍ، وَلَا أَجْوَرَ فِي حُكْمٍ، مِنْهُمْ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ نَحْوَ ذَلِكَ، وَقَالَ جَبَلَةُ: احْمِلُوا عَلَيْهِمْ حَمْلَةً صَادِقَةً، وَلَا تَرُدُّوا وُجُوهَكُمْ عَنْهُمْ حَتَّى تُوَاقِعُوا صَفَّهُمْ. فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ حَمْلَةً صَادِقَةً، فَضَرَبُوا الْكَتَائِبَ حَتَّى أَزَالُوهَا وَفَرَّقُوهَا، وَتَقَدَّمُوا حَتَّى وَاقَعُوا صَفَّهُمْ، فَأَزَالُوهُ عَنْ مَكَانِهِ، ثُمَّ رَجَعُوا فَوَجَدُوا جَبَلَةَ بْنَ زَحْرٍ قَتِيلًا لَا يَدْرُونَ كَيْفَ قُتِلَ. وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّ أَصْحَابَهُ لَمَّا حَمَلُوا عَلَى أَهْلِ الشَّامِ فَفَرَّقُوهُمْ وَقَفَ لِأَصْحَابِهِ لِيَرْجِعُوا إِلَيْهِ، فَافْتَرَقَتْ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَوَقَفَتْ نَاحِيَةً، فَلَمَّا رَأَوْا أَصْحَابَ جَبَلَةَ قَدْ

стр. 1941

تَقَدَّمُوا، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَذَا جَبَلَةُ، احْمِلُوا عَلَيْهِ مَا دَامَ أَصْحَابُهُ مَشَاغِيلَ بِالْقِتَالِ. فَحَمَلُوا عَلَيْهِ فَلَمْ يُوَلِّ، لَكِنَّهُ حَمَلَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوهُ، وَكَانَ الَّذِي قَتَلَهُ، الْوَلِيدُ بْنُ نُحَيْتٍ الْكَلْبِيُّ، وَجِيءَ بِرَأْسِهِ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَبَشَّرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ. فَلَمَّا رَجَعَ أَصْحَابُ جَبَلَةَ وَرَأَوْهُ قَتِيلًا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَتَنَاعُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: لَا يَظْهَرَنَّ عَلَيْكُمْ قَتْلُ جَبَلَةَ، إِنَّمَا كَانَ كَرَجُلٍ مِنْكُمْ أَتَتْهُ مَنِيَّتُهُ، فَلَمْ يَكُنْ لِيَتَقَدَّمَ [يَوْمَهُ] وَلَا لِيَتَأَخَّرَ [عَنْهُ] . وَظَهَرَ الْفَشَلُ فِي الْقُرَّاءِ، وَنَادَاهُمْ أَهْلُ الشَّامِ: يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ، قَدْ هَلَكْتُمْ، وَقَدْ قُتِلَ طَاغِيَتُكُمْ! وَقَدِمَ عَلَيْهِمْ بِسْطَامُ بْنُ مَصْقَلَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ الشَّيْبَانِيُّ، فَفَرِحُوا بِهِ وَقَالُوا: تَقَدَّمْ مَقَامَ جَبَلَةَ. وَكَانَ قُدُومُهُ مِنَ الرَّيِّ، فَلَمَّا أَتَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ جَعَلَهُ عَلَى رَبِيعَةَ، وَكَانَ شُجَاعًا، فَقَاتَلَ يَوْمًا، فَدَخَلَ عَسْكَرَ الْحَجَّاجِ، فَأَخَذَ أَصْحَابُهُ ثَلَاثِينَ امْرَأَةً فَأَطْلَقَهُنَّ. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: مَنَعُوا نِسَاءَهُمْ، لَوْ لَمْ يَرُدُّوهُنَّ لَسَبَيْتُ نِسَاءَهُمْ إِذَا ظَهَرْتُ عَلَيْهِمْ. وَخَرَجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الرُّؤَاسِيُّ أَبُو حُمَيْدٍ، فَدَعَا إِلَى الْمُبَارَزَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَتَضَارَبَا، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا الْغُلَامُ الْكِلَابِيُّ. فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَنْ أَنْتَ؟ وَإِذَا هُمَا ابْنَا عَمٍّ، فَتَحَاجَزَا. وَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رِزَامٍ الْحَارِثِيُّ، فَطَلَبَ الْمُبَارَزَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ عَسْكَرِ الْحَجَّاجِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ خَرَجَ، فَقَالُوا: جَاءَ لَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ! فَطَلَبَ الْمُبَارَزَةَ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ لِلْجَرَّاحِ: اخْرُجْ إِلَيْهِ. فَخَرَجَ إِلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَكَانَ لَهُ صَدِيقًا: وَيْحَكَ يَا جَرَّاحُ مَا أَخْرَجَكَ؟ قَالَ: ابْتُلِيتُ بِكَ. قَالَ: فَهَلْ لَكَ فِي خَيْرٍ؟ قَالَ الْجَرَّاحُ: مَا هُوَ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَنْهَزِمُ لَكَ وَتَرْجِعُ إِلَى الْحَجَّاجِ، وَقَدْ أَحْسَنْتَ عِنْدَهُ وَحَمَدَكَ، وَأَمَّا أَنَا فَأَحْتَمِلُ مُقَالَةَ النَّاسِ فِي انْهِزَامِي حُبًّا لِسَلَامَتِكَ، فَإِنِّي لَا أُحِبُّ قَتْلَ مِثْلِكَ مِنْ قَوْمِي. قَالَ: افْعَلْ. فَحَمَلَ الْجَرَّاحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَاسْتَطْرَدَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ الْجَرَّاحُ بِجِدٍّ يُرِيدُ قَتْلَهُ، فَصَاحَ لِعَبْدِ اللَّهِ غُلَامُهُ، وَكَانَ نَاحِيَةً مَعَهُ مَاءٌ لِيَشْرَبَهُ، وَقَالَ لَهُ: يَا سَيِّدِي، إِنَّ الرَّجُلَ يُرِيدُ قَتْلَكَ! فَعَطَفَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى الْجَرَّاحِ، فَضَرَبَهُ بِعَمُودٍ عَلَى رَأْسِهِ فَصَرَعَهُ، وَقَالَ لَهُ: يَا جَرَّاحُ، بِئْسَ مَا جَزَيْتَنِي! أَرَدْتُ بِكَ الْعَافِيَةَ وَأَرَدْتَ قَتْلِي! انْطَلِقْ فَقَدْ تَرَكْتُكَ لِلْقَرَابَةِ وَالْعَشِيرَةِ. وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيُّ يَحْمِلَانِ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ بَعْدَ قَتْلِ جَبَلَةَ بْنِ زَحْرٍ حَتَّى يُخَالِطَاهُمْ، وَكَانَتْ مُدَّةُ الْحَرْبِ مِائَةَ يَوْمٍ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ; لِأَنَّهُ كَانَ نُزُولُهُمْ

стр. 1942

بِالْجَمَاجِمِ لِثَلَاثٍ مَضَيْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ مَضَيْنَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْهَزِيمَةِ اقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، وَاسْتَظْهَرَ أَصْحَابُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى أَصْحَابِ الْحَجَّاجِ، وَاسْتَعْلُوا عَلَيْهِمْ وَهُمْ آمِنُونَ أَنْ يُهْزَمُوا. فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ حَمَلَ سُفْيَانُ بْنُ الْأَبْرَدِ، وَهُوَ فِي مَيْمَنَةِ الْحَجَّاجِ، عَلَى الْأَبْرَدِ بْنِ قُرَّةَ التَّمِيمِيِّ، وَهُوَ عَلَى مَيْسَرَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَانْهَزَمَ الْأَبْرَدُ بْنُ قُرَّةَ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ يُذْكَرُ، فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ صُولِحَ عَلَى أَنْ يَنْهَزِمَ بِالنَّاسِ، فَلَمَّا انْهَزَمَ تَقَوَّضَتِ الصُّفُوفُ مِنْ نَحْوِهِ وَرَكِبَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَصَعِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمِنْبَرُ يُنَادِي النَّاسَ: إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ. فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ، فَثَبَتَ حَتَّى دَنَا مِنْهُ أَهْلُ الشَّامِ، فَقَاتَلَ مَنْ مَعَهُ، وَدَخَلَ أَهْلُ الشَّامِ الْعَسْكَرَ، فَأَتَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ الْمُفَضَّلِ الْأَزْدِيُّ فَقَالَ لَهُ: انْزِلْ، فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ أَنْ تُؤْسَرَ، وَلَعَلَّكَ إِنِ انْصَرَفْتَ أَنْ تَجْمَعَ لَهُمْ جَمْعًا يُهْلِكُهُمُ اللَّهُ بِهِ. فَنَزَلَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ لَا يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ، ثُمَّ رَجَعَ الْحَجَّاجُ إِلَى الْكُوفَةِ، وَعَادَ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى الشَّامِ، وَأَخَذَ الْحَجَّاجُ يُبَايِعُ النَّاسَ، وَكَانَ يُبَايِعُ أَحَدًا إِلَّا قَالَ لَهُ: اشْهَدْ أَنَّكَ كَفَرْتَ، فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، بَايَعَهُ، وَإِلَّا قَتَلَهُ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ خَشْعَمٍ كَانَ مُعْتَزِلًا لِلنَّاسِ جَمِيعًا، فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ فَأَخْبَرَهُ بِاعْتِزَالِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ مُتَرَبِّصٌ، أَتَشْهَدُ أَنَّكَ كَافِرٌ؟ قَالَ: بِئْسَ الرَّجُلُ أَنَا! أَعْبُدُ اللَّهَ ثَمَانِينَ سَنَةً ثُمَّ أَشْهَدُ عَلَى نَفْسِي بِالْكُفْرِ! قَالَ: إِذًا أَقْتُلُكَ. قَالَ: وَإِنْ قَتَلْتَنِي. فَقَتَلَهُ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ إِلَّا رَحِمَهُ. ثُمَّ دَعَا بِكُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الْمُقْتَصُّ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ؟ (قَدْ كُنْتُ أُحِبُّ مِنْ أَنْ أَجِدَ) عَلَيْكَ سَبِيلًا. قَالَ: عَلَى أَيِّنَا أَنْتَ أَشَدُّ غَضَبًا، عَلَيْهِ حِينَ أَقَادَ مِنْ نَفْسِهِ، أَمْ عَلَيَّ حِينَ عَفَوْتُ عَنْهُ؟ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ مِنْ ثَقِيفٍ، (لَا تَصْرِفْ عَلَيَّ أَنْيَابَكَ، وَلَا تُكَشِّرْ) عَلَيَّ كَالذِّئْبِ، وَاللَّهِ مَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِي إِلَّا ظِمْءَ الْحِمَارِ، اقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ، فَإِنَّ الْمَوْعِدَ اللَّهُ، وَبَعْدَ الْقَتْلِ الْحِسَابَ. قَالَ الْحَجَّاجُ: فَإِنَّ الْحُجَّةَ عَلَيْكَ. قَالَ: ذَلِكَ إِذَا كَانَ الْقَضَاءُ إِلَيْكَ. فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ، وَكَانَ خِصِّيصًا بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. وَأُتِيَ بِآخَرَ مِنْ بَعْدِهِ، فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: أَرَى رَجُلًا مَا أَظُنُّهُ يَشْهَدُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْكُفْرِ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَتُخَادِعَنِي عَنْ نَفْسِي؟ أَنَا أَكْفَرُ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَأَكْفَرُ مِنْ فِرْعَوْنَ. فَضَحِكَ مِنْهُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ.

стр. 1943

وَأَقَامَ بِالْكُوفَةِ شَهْرًا، وَأَنْزَلَ أَهْلَ الشَّامِ بُيُوتَ أَهْلِ الْكُوفَةِ، أَنْزَلَهُمُ الْحَجَّاجُ فِيهَا مَعَ أَهْلِهَا، (وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَنْزَلَ الْجُنْدَ فِي بُيُوتِ غَيْرِهِمْ، وَهُوَ إِلَى الْآنَ لَا سِيَّمَا فِي بِلَادِ الْعَجَمِ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) . ذِكْرُ الْوَقْعَةِ بِمَسْكِنٍ وَلَمَّا انْهَزَمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَتَى الْبَصْرَةَ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنَ الْمُنْهَزِمِينَ جَمْعٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ فِيهِمْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ الْقُرَشِيُّ، وَكَانَ بِالْمَدَائِنِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَسَارَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ، فَلَحِقَ ابْنُ سَعْدٍ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ نَحْوَ الْحَجَّاجِ وَمَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ فِيهِمْ بِسْطَامُ بْنُ مَصْقَلَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ الشَّيْبَانِيُّ، وَقَدْ بَايَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ عَلَى الْمَوْتِ، فَاجْتَمَعُوا بِمَسْكِنٍ، وَخَنْدَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَجَعَلَ الْقِتَالَ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ. وَقَدِمَ عَلَيْهِ خَالِدُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ خُرَاسَانَ فِي نَاسٍ مِنْ بَعْثِ الْكُوفَةِ، فَاقْتَتَلُوا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَشَدَّ قِتَالٍ، فَقُتِلَ زِيَادُ بْنُ غَيْثَمٍ الْقَيْنِيُّ، وَكَانَ عَلَى مَسَالِحِ الْحَجَّاجِ، فَهَدَّهُ ذَلِكَ وَهَدَّ أَصْحَابَهُ. وَبَاتَ الْحَجَّاجُ يُحَرِّضُ أَصْحَابَهُ، وَلَمَّا أَصْبَحُوا بَاكَرُوا الْقِتَالَ، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ كَانَ بَيْنَهُمْ، فَانْكَشَفَتْ خَيْلُ سُفْيَانَ بْنِ الْأَبْرَدِ، فَأَمَرَ الْحَجَّاجُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ الْمُهَلَّبِ فَحَمَلَ عَلَى أَصْحَابِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَحَمَلَ أَصْحَابُ الْحَجَّاجِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَانْهَزَمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَصْحَابُهُ، وَقُتِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى الْفَقِيهُ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيُّ، وَمَشَى بِسْطَامُ بْنُ مَصْقَلَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ فَارِسٍ مِنْ شُجْعَانِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ، فَكَسَرُوا جُفُونَ سُيُوفِهِمْ، وَحَثَّ أَصْحَابَهُ عَلَى الْقِتَالِ، فَحَمَلُوا عَلَى أَهْلِ الشَّامِ فَكَشَفُوهُمْ مِرَارًا، فَدَعَا الْحَجَّاجُ الرُّمَاةَ فَرَمَوْهُمْ، وَأَحَاطَ بِهِمُ النَّاسُ، فَقُتِلُوا إِلَّا قَلِيلًا، وَمَضَى ابْنُ الْأَشْعَثِ نَحْوَ سِجِسْتَانَ. وَقَدْ قِيلَ فِي هَزِيمَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِمَسْكِنٍ غَيْرُ هَذَا، وَالَّذِي قِيلَ: إِنَّهُ اجْتَمَعَ هُوَ وَالْحَجَّاجُ بِمَسْكِنٍ، وَكَانَ عَسْكَرُ ابْنِ الْأَشْعَثِ وَالْحَجَّاجِ بَيْنَ دِجْلَةَ وَالسِّيبِ وَالْكَرْخِ، فَاقْتَتَلُوا شَهْرًا وَدُونَهُ، فَأَتَى شَيْخٌ فَدَلَّ الْحَجَّاجَ عَلَى طَرِيقٍ مِنْ وَرَاءِ الْكَرْخِ فِي أَجَمَةٍ وَضَحْضَاحٍ مِنَ الْمَاءِ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَقَالَ لِقَائِدِهِمْ: إِنْ صَدَقَ فَأَعْطِهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَإِنَّ كَذَبَ فَاقْتُلْهُ. فَسَارَ بِهِمْ، ثُمَّ إِنَّ الْحَجَّاجَ قَاتَلَ أَصْحَابَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَانْهَزَمَ

стр. 1944

الْحَجَّاجُ فَعَبَرَ السِّيبَ، وَرَجَعَ ابْنُ الْأَشْعَثِ إِلَى عَسْكَرِهِ آمِنًا، وَنَهَبَ عَسْكَرَ الْحَجَّاجِ فَأَمِنُوا وَأَلْقَوُا السِّلَاحَ، فَلَمْ يَشْعُرُوا نِصْفَ اللَّيْلِ إِلَّا وَالسَّيْفُ يَأْخُذُهُمْ مِنْ تِلْكَ السَّرِيَّةِ، فَغَرِقَ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَكْثَرُ مِمَّنْ قُتِلَ، وَرَجَعَ الْحَجَّاجُ فِي عَسْكَرِهِ عَلَى الصَّوْتِ، فَقَتَلُوا مَنْ وَجَدُوا، فَكَانَ عِدَّةُ مَنْ قُتِلَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، وَبِسْطَامُ بْنُ مَصْقَلَةَ، وَعَمْرُو بْنُ ضُبَيْعَةَ الرَّقَاشِيُّ، وَبِشْرُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَارُودِ، وَغَيْرُهُمْ. ذِكْرُ مَسِيرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى رُتْبِيلَ وَمَا جَرَى لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ وَلَمَّا انْهَزَمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ مَسْكِنٍ سَارَ إِلَى سِجِسْتَانَ، فَأَتْبَعَهُ الْحَجَّاجُ ابْنَهُ مُحَمَّدًا، وَعُمَارَةَ بْنَ تَمِيمٍ اللَّخْمِيَّ، وَعُمَارَةُ عَلَى الْجَيْشِ، فَأَدْرَكَهُ عُمَارَةُ بِالسُّوسِ فَقَاتَلَهُ سَاعَةً، فَانْهَزَمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَمَنْ مَعَهُ، وَسَارُوا حَتَّى أَتَوْا سَابُورَ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْأَكْرَادُ، فَقَاتَلَهُمْ عُمَارَةُ قِتَالًا شَدِيدًا عَلَى الْعَقَبَةِ، فَجُرِحَ عُمَارَةُ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَانْهَزَمَ عُمَارَةُ وَتَرَكَ لَهُمُ الْعَقَبَةَ. وَسَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَتَّى أَتَى كَرْمَانَ وَعُمَارَةُ يَتْبَعُ أَثَرَهُمْ، فَدَخَلَ بَعْضُ أَهْلِ الشَّامِ قَصْرًا فِي مَفَازَةِ كَرْمَانَ، فَإِذَا فِيهِ كِتَابٌ قَدْ كَتَبَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْ شِعْرِ ابْنِ جِلْدَةَ الْيَشْكُرِيِّ، وَهِيَ طَوِيلَةٌ: أَيَا لَهَفًا وَيَا حَزَنًا جَمِيعًا ... وَيَا حَرَّ الْفُؤَادِ لِمَا لَقِينَا تَرَكْنَا الدِّينَ وَالدُّنْيَا جَمِيعًا ... وَأَسْلَمْنَا الْحَلَائِلَ وَالْبَنِينَا فَمَا كُنَّا أُنَاسًا أَهْلَ دِينٍ ... فَنَصْبِرَ فِي الْبَلَاءِ إِذَا ابْتُلِينَا فَمَا كُنَّا أُنَاسًا أَهْلَ دُنْيَا ... فَنَمْنَعُهَا وَلَوْ لَمْ نَرْجُ دِينَا تَرَكْنَا دُورَنَا لِطَغَامِ عَكٍّ ... وَأَنْبَاطِ الْقُرَى وَالْأَشْعَرِينَا

стр. 1945

فَلَمَّا وَصَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَى كَرْمَانَ أَتَاهُ عَامِلُهُ، وَقَدْ هَيَّأَ لَهُ نُزُلًا فَنَزَلَ، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى سِجِسْتَانَ، فَأَتَى زَرَنْجَ وَفِيهَا عَامِلُهُ، فَأَغْلَقَ بَابَهَا وَمَنَعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ مِنْ دُخُولِهَا، فَأَقَامَ عَلَيْهَا أَيَّامًا لِيَفْتَحَهَا فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا، فَسَارَ إِلَى بُسْتٍ، وَكَانَ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عِيَاضَ بْنَ هِمْيَانَ بْنِ هِشَامٍ السَّدُوسِيَّ الشَّيْبَانِيَّ، فَاسْتَقْبَلَهُ وَأَنْزَلَهُ، فَلَمَّا غَفَلَ أَصْحَابُهُ قَبَضَ عَلَيْهِ عِيَاضٌ وَأَوْثَقَهُ، وَأَرَادَ أَنْ يَأْمَنَ بِهِ عِنْدَ الْحَجَّاجِ. وَقَدْ كَانَ رُتْبِيلُ مَلِكُ التُّرْكِ سَمِعَ بِمَقْدَمِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَسَارَ إِلَيْهِ لِيَسْتَقْبِلَهُ، فَلَمَّا قَبَضَهُ عِيَاضٌ نَزَلَ رُتْبِيلُ عَلَى بُسْتٍ، وَبَعَثَ إِلَى عِيَاضٍ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَئِنْ آذَيْتَهُ بِمَا يَقْذِي عَيْنَهُ، أَوْ ضَرَرْتَهُ بِبَعْضِ الضَّرَرِ، أَوْ أَخَذْتَ مِنْهُ وَلَوْ حَبْلًا مِنْ شَعْرٍ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَسْتَنْزِلَكَ وَأَقْتُلَكَ وَجَمِيعَ مَنْ مَعَكَ، وَأَسْبِي ذَرَارِيَّكُمْ، وَأَغْنَمَ أَمْوَالَكُمْ. فَاسْتَأْمَنَهُ عِيَاضٌ، فَأَطْلَقَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَرَادَ قَتْلَ عِيَاضٍ فَمَنَعَهُ رُتْبِيلُ. ثُمَّ سَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مَعَ رُتْبِيلَ إِلَى بِلَادِهِ، فَأَنْزَلَهُ وَأَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهِ. وَكَانَ نَاسٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمُنْهَزِمِينَ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنَ الرُّءُوسِ وَالْقَادَةِ الَّذِينَ لَمْ يَقْبَلُوا أَمَانَ الْحَجَّاجِ وَنَصَبُوا لَهُ الْعَدَاوَةَ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ - قَدْ تَبِعُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَبَلَغُوا سِجِسْتَانَ فِي نَحْوِ سِتِّينَ أَلْفًا، وَنَزَلُوا عَلَى زَرَنْجَ يُحَاصِرُونَ مَنْ بِهَا، وَكَتَبُوا إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَسْتَدْعُونَهُ وَيُخْبِرُونَهُ أَنَّهُمْ عَلَى قَصْدِ خُرَاسَانَ لِيَقْوَوْا بِمَنْ بِهَا مِنْ عَشَائِرِهِمْ، فَأَتَاهُمْ، وَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِلَى أَنْ قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. فَلَمَّا أَتَتْ كُتُبُهُمْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ سَارَ إِلَيْهِمْ، فَفَتَحُوا زَرَنْجَ، وَسَارَ نَحْوَهُمْ عُمَارَةُ بْنُ تَمِيمٍ فِي أَهْلِ الشَّامِ، فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ أَصْحَابُهُ: اخْرُجْ بِنَا عَنْ سِجِسْتَانَ إِلَى خُرَاسَانَ. فَقَالَ: إِنَّ بِهَا يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ وَهُوَ رَجُلٌ شُجَاعٌ، وَلَا يَتْرُكُ لَكُمْ سُلْطَانَهُ، وَلَوْ دَخَلْنَاهَا لَقَاتَلَنَا وَتَبِعَنَا أَهْلُ الشَّامِ، فَيَجْتَمِعُ عَلَيْنَا أَهْلُ خُرَاسَانَ وَأَهْلُ الشَّامِ. فَقَالُوا: لَوْ دَخَلْنَا خُرَاسَانَ لَكَانَ مَنْ يَتْبَعُنَا أَكْثَرَ مِمَّنْ يُقَاتِلُنَا. فَسَارَ مَعَهُمْ حَتَّى بَلَغُوا هَرَاةَ، فَهَرَبَ مِنْ أَصْحَابِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ الْقُرَشِيُّ فِي أَلْفَيْنِ، فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إِنِّي كُنْتُ فِي مَأْمَنٍ وَمَلْجَإٍ، فَجَاءَتْنِي كُتُبُكُمْ أَنْ أَقْبِلْ فَإِنَّ أَمْرَنَا وَاحِدٌ، فَلَعَلَّنَا نُقَاتِلُ عَدُوَّنَا، فَأَتَيْتُكُمْ، فَرَأَيْتُمْ أَنْ أَمْضِيَ إِلَى خُرَاسَانَ، وَزَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ تَجْتَمِعُونَ إِلَيَّ وَأَنَّكُمْ لَا تَتَفَرَّقُونَ، وَهَذَا عُبَيْدُ اللَّهِ قَدْ صَنَعَ مَا رَأَيْتُمْ، فَاصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ، أَمَّا أَنَا فَمُنْصَرِفٌ إِلَى صَاحِبِي الَّذِي أَتَيْتُ مِنْ عِنْدِهِ. فَتَفَرَّقَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ وَبَقِيَ مَعَهُ طَائِفَةٌ، وَبَقِيَ أَعْظَمُ الْعَسْكَرِ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ فَبَايَعُوهُ، وَمَضَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَشْعَثِ إِلَى رُتْبِيلَ، وَسَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ

стр. 1946

الْعَبَّاسِ إِلَى هَرَاةَ، فَلَقُوا بِهَا الرُّقَادَ الْأَزْدِيَّ فَقَتَلُوهُ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ. وَقِيلَ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَشْعَثِ لَمَّا انْهَزَمَ مِنْ مَسْكِنٍ أَتَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ هَرَاةَ، وَأَتَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَبَّاسِ سِجِسْتَانَ، فَاجْتَمَعَ فَلُّ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَسَارَ إِلَى خُرَاسَانَ فِي عِشْرِينَ أَلْفًا، فَنَزَلَ هَرَاةَ، وَلَقُوا الرُّقَادَ فَقَتَلُوهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ: قَدْ كَانَ لَكَ فِي الْبِلَادِ مُتَّسَعٌ وَمَنْ هُوَ أَهْوَنُ مِنِّي شَوْكَةً، فَارْتَحِلْ إِلَى بَلَدٍ لَيْسَ لِي فِيهِ سُلْطَانٌ، فَإِنِّي أَكْرَهُ قِتَالَكَ، وَإِنْ أَرَدْتَ مَالًا أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ. فَأَعَادَ الْجَوَابَ: إِنَّا مَا نَزَلْنَا لِمُحَارَبَةٍ وَلَا لِمُقَامٍ، وَلَكِنَّا أَرَدْنَا أَنْ نُرِيحَ ثُمَّ نَرْحَلُ عَنْكَ، وَلَيْسَتْ بِنَا إِلَى الْمَالِ حَاجَةٌ. وَأَقْبَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَبَّاسِ عَلَى الْجِبَايَةِ، وَبَلَغَ ذَلِكَ يَزِيدَ فَقَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَرِيحَ ثُمَّ يَرْتَحِلَ لَمْ يَجْبِ الْخَرَاجَ. فَسَارَ يَزِيدُ نَحْوَهُ وَأَعَادَ مُرَاسَلَتَهُ: إِنَّكَ قَدْ أَرَحْتَ وَسَمِنْتَ وَجَبَيْتَ الْخَرَاجَ، فَلَكَ مَا جَبَيْتَ وَزِيَادَةٌ، فَاخْرُجْ عَنِّي فَإِنِّي أَكْرَهُ قِتَالَكَ. فَأَبَى إِلَّا الْقِتَالَ، وَكَاتَبَ جُنْدَ يَزِيدَ يَسْتَمِيلُهُمْ، وَيَدْعُوهُمْ إِلَى نَفْسِهِ، فَعَلِمَ يَزِيدُ فَقَالَ: جَلَّ الْأَمْرُ عَنِ الْعِتَابِ. ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ فَقَاتَلَهُ، فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ كَثِيرُ قِتَالٍ حَتَّى تَفَرَّقَ أَصْحَابُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْهُ، وَصَبَرَ وَصَبَرَتْ مَعَهُ طَائِفَةٌ ثُمَّ انْهَزَمُوا، وَأَمَرَ يَزِيدُ أَصْحَابَهُ بِالْكَفِّ عَنِ اتِّبَاعِهِمْ، وَأَخَذُوا مَا كَانَ فِي عَسْكَرِهِمْ، وَأَسَرُوا مِنْهُمْ أَسْرَى، وَكَانَ مِنْهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعُمَرُ بْنُ مُوسَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ، وَعَبَّاسُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ، وَالْهِلْقَامُ بْنُ نُعَيْمِ بْنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ، وَفَيْرُوزُ حُصَيْنٍ، وَأَبُو الْفَلْجِ مَوْلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ، وَسَوَّارُ بْنُ مَرْوَانَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الْخُزَاعِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ الزَّهْرَانِيُّ الْأَزْدِيُّ. وَلَحِقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَبَّاسِ بِالسِّنْدِ، وَأَتَى ابْنُ سَمُرَةَ مَرْوَ، وَانْصَرَفَ يَزِيدُ إِلَى مَرْوَ، وَبَعَثَ الْأَسْرَى إِلَى الْحَجَّاجِ مَعَ سَبْرَةَ وَنَجْدَةَ، فَلَمَّا أَرَادَ تَسْيِيرَهُمْ قَالَ لَهُ أَخُوهُ حَبِيبٌ: بِأَيِّ وَجْهٍ تَنْظُرُ إِلَى الْيَمَانِيَّةِ وَقَدْ بَعَثْتَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ طَلْحَةَ؟ فَقَالَ يَزِيدُ: إِنَّهُ الْحَجَّاجُ وَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُ. قَالَ: وَطِّنْ نَفْسَكَ عَلَى الْعَزْلِ، وَلَا تُرْسِلْ بِهِ، فَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا يَدًا. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: أُلْزِمَ الْمُهَلَّبُ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَأَدَّاهَا طَلْحَةُ عَنْهُ. فَأَطْلَقَهُ يَزِيدُ، وَلَمْ يُرْسِلْ يَزِيدُ أَيْضًا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ فَضَالَةَ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَزْدِ، وَأَرْسَلَ الْبَاقِينَ. فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى الْحَجَّاجِ قَالَ لِحَاجِبِهِ: إِذَا دَعَوْتُكَ بِسَيِّدِهِمْ فَأْتِنِي بِفَيْرُوزَ. وَكَانَ بِوَاسِطِ الْقَصَبِ قَبْلَ أَنْ تُبْنَى مَدِينَةُ وَاسِطٍ. فَقَالَ لِحَاجِبِهِ: ائْتِنِي بِسَيِّدِهِمْ. فَقَالَ

стр. 1947

لِفَيْرُوزَ: قُمْ. فَقَامَ، فَأَحْضَرَهُ عِنْدَهُ. فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: أَبَا عُثْمَانَ، مَا أَخْرَجَكَ مَعَ هَؤُلَاءِ؟ فَوَاللَّهِ مَا لَحْمُكَ مِنْ لُحُومِهِمْ، وَلَا دَمُكَ مِنْ دِمَائِهِمْ! قَالَ: فِتْنَةٌ عَمَّتِ النَّاسَ. قَالَ: اكْتُبْ إِلَيَّ أَمْوَالَكَ. قَالَ: اكْتُبْ يَا غُلَامُ أَلْفَ أَلْفٍ وَأَلْفَيْ أَلْفٍ، فَذَكَرَ مَالًا كَثِيرًا. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: أَيْنَ هَذِهِ الْأَمْوَالُ؟ قَالَ: عِنْدِي. قَالَ: فَأَدِّهَا. قَالَ: وَأَنَا آمَنُ عَلَى دَمِي؟ قَالَ: وَاللَّهِ لَتُؤَدِّيَنَّهَا ثُمَّ لَأَقْتُلَنَّكَ. قَالَ: وَاللَّهِ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ دَمِي وَمَالِي. فَأَمَرَ بِهِ فَنُحِّيَ. ثُمَّ أَحْضَرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَقَالَ لَهُ: يَا ظِلَّ الشَّيْطَانِ! أَعْظَمَ النَّاسِ تِيهًا وَكِبْرًا تَأْبَى بَيْعَةَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَتَتَشَبَّهُ بِالْحُسَيْنِ وَبِابْنِ عُمَرَ، ثُمَّ ضَرَبْتَ مُؤَذِّنًا؟ وَجَعَلَ يَضْرِبُ رَأْسَهُ بِعُودٍ فِي يَدِهِ حَتَّى أَدْمَاهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ. ثُمَّ دَعَا بِعُمَرَ بْنِ مُوسَى فَقَالَ: يَا عَبْدَ الْمَرْأَةِ! أَتَقُومُ بِالْعَمُودِ عَلَى رَأْسِ ابْنِ الْحَائِكِ، يَعْنِي ابْنَ الْأَشْعَثِ، وَتَشْرَبُ مَعَهُ فِي الْحَمَّامِ! فَقَالَ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، كَانَتْ فِتْنَةً شَمِلَتِ الْبَرَّ وَالْفَاجِرَ فَدَخَلْنَا فِيهَا، فَقَدْ أَمْكَنَكَ اللَّهُ مِنَّا، فَإِنْ عَفَوْتَ فَبِحِلْمِكَ وَبِفَضْلِكَ، وَإِنْ عَاقَبْتَ عَاقَبْتَ ظَلَمَةً مُذْنِبِينَ. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: أَمَّا أَنَّهَا شَمَلَتِ الْبَرَّ فَكَذَبْتَ، وَلَكِنَّهَا شَمَلَتِ الْفَاجِرَ، وَعُوفِيَ مِنْهَا الْأَبْرَارُ، وَأَمَّا اعْتِرَافُكَ فَعَسَى أَنْ يَنْفَعَكَ. وَرَجَا لَهُ النَّاسُ السَّلَامَةَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ. ثُمَّ دَعَا بِالْهِلْقَامِ بْنِ نُعَيْمٍ فَقَالَ: أَحْبَبْتَ أَنَّ ابْنَ الْأَشْعَثِ طَلَبَ مَا طَلَبَ، مَا الَّذِي أَمَّلْتَ أَنْتَ مَعَهُ؟ قَالَ: أَمَّلْتُ أَنْ يَمْلِكَ فَيُوَلِّينِي الْعِرَاقَ كَمَا وَلَّاكَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِيَّاهُ. فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ. ثُمَّ دَعَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ، فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: لَا رَأَتْ عَيْنُكَ الْجَنَّةَ إِنْ أَفْلَتَّ! فَقَالَ: جَزَى اللَّهُ ابْنَ الْمُهَلَّبِ بِمَا صَنَعَ. قَالَ: وَمَا صَنَعَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ كَاسَ فِي إِطْلَاقِ أُسْرَتِهِ وَقَادَ نَحْوَكَ فِي أَغْلَالِهَا مُضَرَا وَقَى بِقَوْمِكَ وِرْدَ الْمَوْتِ أُسْرَتَهُ وَكَانَ قَوْمُكَ أَدْنَى عِنْدَهُ خَطَرَا فَأَطْرَقَ الْحَجَّاجُ وَوَقَرَتْ فِي قَلْبِهِ وَقَالَ: وَمَا أَنْتَ وَذَاكَ؟ فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ. وَلَمْ تَزَلْ كَلِمَتُهُ فِي نَفْسِ الْحَجَّاجِ حَتَّى عَزَلَ يَزِيدَ عَنْ خُرَاسَانَ وَحَبَسَهُ. ثُمَّ أَمَرَ بِفَيْرُوزَ فَعُذِّبَ، وَكَانَ يَشُدُّ عَلَيْهِ الْقَصَبَ الْفَارِسِيَّ الْمَشْقُوقَ، يُجَرُّ عَلَيْهِ حَتَّى يُجْرَحَ بِهِ، ثُمَّ يُنْضَحُ عَلَيْهِ الْخَلُّ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالْمَوْتِ قَالَ لِصَاحِبِ الْعَذَابِ: إِنَّ النَّاسَ لَا يَشُكُّونَ أَنْ قَدْ قُتِلْتُ، وَلِي وَدَائِعُ وَأَمْوَالٌ عِنْدَ النَّاسِ لَا تُؤَدَّى إِلَيْكُمْ أَبَدًا، فَأَظْهِرْنِي لِلنَّاسِ لِيَعْلَمُوا أَنِّي حَيٌّ فَيُؤَدُّوا الْمَالَ. فَأَعْلَمَ الْحَجَّاجَ، فَقَالَ: أَظْهِرْهُ. فَأُخْرِجَ إِلَى بَابِ الْمَدِينَةِ، فَصَاحَ فِي النَّاسِ: مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا فَيْرُوزُ حُصَيْنٍ،

стр. 1948

إِنَّ لِي عِنْدَ أَقْوَامٍ مَالًا، فَمَنْ كَانَ لِي عِنْدَهُ شَيْءٌ فَهُوَ لَهُ، وَهُوَ مِنْهُ فِي حِلٍّ، فَلَا يُؤَدِّ أَحَدٌ مِنْهُمْ دِرْهَمًا، لِيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ. فَأَمَرَ بِهِ الْحَجَّاجُ فَقُتِلَ. وَأَمَرَ بِقَتْلِ عُمَرَ بْنِ أَبِي قُرَّةَ الْكِنْدِيِّ، وَكَانَ شَرِيفًا، وَأَمَرَ بِإِحْضَارِ أَعْشَى هَمْدَانَ، فَقَالَ: إِيهِ عَدُوَّ اللَّهِ! أَنْشِدْنِي قَوْلَكَ بَيْنَ الْأَشَجِّ وَبَيْنَ قَيْسٍ. قَالَ: بَلْ أُنْشِدُكَ مَا قُلْتُ لَكَ. قَالَ: بَلْ أَنْشِدْنِي هَذِهِ. فَأَنْشَدَهُ: أَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتَمِّمَ نُورَهُ ... وَيُطْفِئَ نَارَ الْفَاسِقِينَ فَتَخْمُدَا وَيُظْهِرَ أَهْلَ الْحَقِّ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ ... وَيُعْدِلَ وَقْعَ السَّيْفِ مَنْ كَانَ أَصْيَدَا وَيُنْزِلَ ذُلًّا بِالْعِرَاقِ وَأَهْلِهِ ... لِمَا نَقَضُوا الْعَهْدَ الْوَثِيقَ الْمُؤَكَّدَا وَمَا أَحْدَثُوا مِنْ بِدْعَةٍ وَعَظِيمَةٍ ... مِنَ الْقَوْلِ لَمْ تَصْعَدْ إِلَى اللَّهِ مَصْعَدَا وَمَا نَكَثُوا مِنْ بَيْعَةٍ بَعْدَ بَيْعَةٍ ... إِذَا ضَمِنُوهَا الْيَوْمَ خَاسُوا بِهَا غَدَا وَجُبْنًا حَشَاهُ رَبُّهُمْ فِي قُلُوبِهِمْ ... فَمَا يَقْرَبُونَ النَّاسَ إِلَّا تَهَدُّدَا فَلَا صِدْقَ فِي قَوْلٍ وَلَا صَبْرَ ... عِنْدَهُمْ وَلَكِنَّ فَخْرًا فِيهِمُ وَتَزَيُّدَا فَكَيْفَ رَأَيْتَ اللَّهَ فَرَّقَ جَمْعَهَمْ ... وَمَزَّقَهُمْ عَرْضَ الْبِلَادِ وَشَرَّدَا فَقَتْلَاهُمُ قَتْلَى ضَلَالٍ وَفِتْنَةٍ ... وَجَيْشُهُمْ أَمْسَى ذَلِيلًا مُطَرَّدَا وَلَمَّا زَحَفْنَا لِابْنِ يُوسُفَ غُدْوَةً ... وَأَبْرَقَ مِنْهُ الْعَارِضَانِ وَأَرْعَدَا قَطَعْنَا إِلَيْهِ الْخَنْدَقَيْنِ وَإِنَّمَا ... قَطَعْنَا وَأَفْضَيْنَا إِلَى الْمَوْتِ مُرْصِدَا فَكَافَحَنَا الْحَجَّاجُ دُونَ صُفُوفِنَا ... كِفَاحًا وَلَمْ يَضْرِبْ لِذَلِكَ مَوْعِدَا

стр. 1949

بِصَفٍّ كَأَنَّ الْمَوْتَ فِي حُجُزَاتِهِمْ إِذَا مَا تَجَلَّى بَيْضُهُ وَتَوَقَّدَا ... دَلَفْنَا إِلَيْهِ فِي صُفُوفٍ كَأَنَّهَا جِبَالُ شَرَوْرَى أَوْ نِعَافٍ فَشَهْمَدَا ... فَمَا لَبِثَ الْحَجَّاجُ أَنْ سَلَّ سَيْفَهُ عَلَيْنَا فَوَلَّى جَمْعُنَا وَتَبَدَّدَا ... وَمَا زَاحَفَ الْحَجَّاجُ إِلَّا رَأَيْتَهُ مُعَانًا مُلَقًى لِلْفُتُوحِ مُعَوَّدَا ... وَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَفِي مُرْجَحِنَّةٍ نُشَبِّهُهَا قِطْعًا مِنَ اللَّيْلِ أَسْوَدَا ... فَمَا شَرَعُوا رُمْحًا وَلَا جَرَّدُوا ظُبًى أَلَا إِنَّمَا لَاقَى الْجَبَانُ فَجَرَّدَا ... وَكَرَّتْ عَلَيْنَا خَيْلُ سُفْيَانَ كَرَّةً بِفُرْسَانِهَا وَالسَّمْهَرِيِّ مُقَصَّدَا ... وَسُفْيَانُ يَهْدِيهَا كَأَنَّ لِوَاءَهَا مِنَ الطَّعْنِ سِنْدٌ بَاتَ بِالصِّبْغِ مُجْسَدَا ... كُهُولٌ وَمُرْدٌ مِنْ قُضَاعَةَ حَوْلَهُ مَسَاعِيرُ أَبْطَالٍ إِذَا النِّكْسُ عَرَّدَا ... إِذَا قَالَ شُدُّوا شَدَّةً حَمَلُوا مَعًا فَأَنْهَلَ خِرْصَانَ الرِّمَاحِ وَأَوْرَدَا ... جُنُودُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَخَيْلِهِ وَسُلْطَانُهُ أَمْسَى عَزِيزًا مُؤَيَّدَا ... فَيَهْنِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ظُهُورُهُ عَلَى أُمَّةٍ كَانُوا سُعَاةً وَحُسَّدَا ... نَزَوْا يَشْتَكُونَ الْبَغْيَ مِنْ أُمَرَائِهِمْ وَكَانُوا هُمُ أَبَغَى الْبُغَاةِ وَأَعْنَدَا ... وَجَدْنَا بَنِي مَرْوَانَ خَيْرَ أَئِمَّةٍ وَأَفْضَلَ هَذَا النَّاسِ حِلْمًا وَسُؤْدُدَا ... وَخَيْرَ قُرَيْشٍ فِي قُرَيْشٍ أَرُومَةً وَأَكْرَمَهُمْ إِلَّا النَّبِيَّ مُحَمَّدَا

стр. 1950

إِذَا مَا تَدَبَّرْنَا عَوَاقِبَ أَمْرِهِ ... وَجَدْنَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مُسَدَّدَا سَيَغْلِبُ قَوْمًا حَارَبُوا اللَّهَ ... جَهْرَةً وَإِنْ كَايَدُوهُ كَانَ أَقْوَى وَأَكْيَدَا كَذَاكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ كَانَ قَلْبُهُ ... مَرِيضًا وَمَنْ وَالَى النِّفَاقَ وَأَلْحَدَا وَقَدْ تَرَكُوا الْأَهْلِينَ وَالْمَالَ خَلْفَهُمْ ... وَبِيضًا عَلَيْهِنَّ الْجَلَابِيبُ خُرَّدَا يُنَادِيهِمُ مُسْتَعْبِرَاتٍ إِلَيْهِمُ وَيُذْرِينَ ... دَمْعًا فِي الْخُدُودِ وَإِثْمِدَا أَنَكْثًا وَعِصْيَانًا وَغَدْرًا وَذِلَّةً ... أَهَانَ الْإِلَهُ مَنْ أَهَانَ وَأَبْعَدَا لَقَدْ شَأَمَ الْمِصْرَيْنِ فَرْخُ مُحَمَّدٍ ... بِحَقٍّ وَمَا لَاقَى مِنَ الطَّيْرِ أَسْعَدَا كَمَا شَأَمَ اللَّهُ النُّجَيْرَ وَأَهْلَهُ ... بِجَدٍّ لَهُ قَدْ كَانَ أَشْقَى وَأَنْكَدَا فَقَالَ. أَهْلُ الشَّامِ: أَحْسَنَ، أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: لَا، لَمْ يُحْسِنْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَا أَرَادَ بِهَا. ثُمَّ قَالَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ! وَاللَّهِ لَا نَحْمِدُكَ [عَلَى هَذَا الْقَوْلِ] ، إِنَّمَا قُلْتَ تَأَسُّفَ أَنْ لَا يَكُونَ ظَهَرَ وَظَفِرَ، وَتَحْرِيضًا لِأَصْحَابِكَ عَلَيْنَا، وَلَيْسَ عَنْ هَذَا سَأَلْنَاكَ، أَنْشِدْنَا قَوْلَكَ بَيْنَ الْأَشَجِّ وَبَيْنَ قَيْسِ بَاذِخٍ، فَأَنْشَدَهُ، فَلَمَّا قَالَ: بَخٍ بَخٍ لِوَالِدِهِ وَلِلْمَوْلُودِ قَالَ الْحَجَّاجُ: وَاللَّهِ لَا تُبَخْبِخُ بَعْدَهَا أَبَدًا! فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ: ابْنُ عَبَّاسٍ، هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَقَوْلُهُ: سُفْيَانُ، هُوَ ابْنُ الْأَبْرَدِ الْكَلْبِيُّ مِنْ قُوَّادِ الْعَسَاكِرِ الشَّامِيَّةِ. وَقَوْلُهُ: فَرْخُ مُحَمَّدٍ، هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ. وَقَوْلُهُ:

стр. 1951

الْأَشَجُّ، هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ. وَقَوْلُهُ: بَيْنَ قَيْسٍ، هُوَ مَعْقِلُ بْنُ قَيْسٍ الرِّيَاحِيُّ، وَهُوَ جَدُّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ لِأُمِّهِ. وَقَوْلُهُ: كَمَا شَأَمَ اللَّهُ النُّجَيْرَ وَأَهْلَهُ بِجَدٍّ لَهُ، يَعْنِي لَمَّا ارْتَدَّ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ جَدُّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَبِعَهُ كِنْدَةُ، فَلَمَّا حَارَبَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَحَصَرُوهُمْ بِالنُّجَيْرِ أَخَذُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي قَتْلِ أَهْلِ الرِّدَّةِ. قِيلَ: وَأُتِيَ الْحَجَّاجُ بِأَسِيرَيْنِ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمَا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّ لِي عِنْدَكَ يَدًا. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: ذَكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَوْمًا أُمَّكَ بِسُوءٍ فَنَهَيْتُهُ. قَالَ: وَمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ؟ قَالَ: هَذَا الْأَسِيرُ الْآخَرُ، فَسَأَلَهُ الْحَجَّاجُ فَصَدَّقَهُ، فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: فَلِمَ لَمْ تَفْعَلْ كَمَا فَعَلَ؟ قَالَ: وَيَنْفَعُنِي الصِّدْقُ عِنْدَكَ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ: مَنَعَنِي الْبُغْضُ لَكَ وَلِقَوْمِكَ. قَالَ: خَلُّوا عَنْ هَذَا لِفِعْلِهِ، وَعَنْ هَذَا لِصِدْقِهِ. قِيلَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، قُتِلَ جَدِّي يَوْمَ بَدْرٍ، وَقُتِلَ جَدِّي فُلَانٌ يَوْمَ أُحُدٍ، وَجَعَلَ يَذْكُرُ مَنَاقِبَ سَلَفِهِ، فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَى عَنْبَسَةَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ: هَذِهِ الْمَنَاقِبُ وَاللَّهِ، لَا يَوْمَ مَسْكِنٍ وَيَوْمَ الْجَمَاجِمِ وَيَوْمَ رَاهِطٍ! وَأَنْشَدَ: تِلْكَ الْمَكَارِمُ لَا قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ شِيبَا بِمَاءٍ فَعَادَا بَعْدُ أَبْوَالَا ذِكْرُ مَا جَرَى لِلشَّعْبِيِّ مَعَ الْحَجَّاجِ لَمَّا انْهَزَمَ أَصْحَابُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِالْجَمَاجِمِ نَادَى مُنَادِي الْحَجَّاجِ: مَنْ لَحِقَ بِقُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ فَهُوَ آمِنٌ، وَكَانَ قَدْ وَلَّاهُ الرَّيَّ وَسَارَ إِلَيْهِ، فَلَحِقَ بِهِ نَاسٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ مِنْهُمُ الشَّعْبِيُّ، فَذَكَرَهُ الْحَجَّاجُ يَوْمًا فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ: إِنَّهُ لَحِقَ بِقُتَيْبَةَ بِالرَّيِّ، فَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى قُتَيْبَةَ يَأْمُرُهُ بِإِرْسَالِ الشَّعْبِيِّ، فَأَرْسَلَهُ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى الْحَجَّاجِ لَقِيتُ ابْنَ أَبِي مُسْلِمٍ، وَكَانَ صَدِيقًا لِي، فَاسْتَشَرْتُهُ [فَقَالَ] : اعْتَذِرْ مَهْمَا اسْتَطَعْتَ. وَأَشَارَ بِمِثْلِ ذَلِكَ إِخْوَانِي وَنُصَحَائِي، فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَى الْحَجَّاجِ رَأَيْتُ غَيْرَ مَا ذَكَرُوا لِي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ بِالْإِمْرَةِ وَقُلْتُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَمَرُونِي أَنْ أَعْتَذِرَ بِغَيْرِ مَا يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُ الْحَقُّ، وَايْمُ اللَّهِ لَا أَقُولُ فِي هَذَا الْمَقَامِ

стр. 1952

إِلَّا الْحَقَّ، قَدْ وَاللَّهِ مَرَدْنَا عَلَيْكَ، وَحَرَّضْنَا وَجَهِدْنَا، فَمَا كُنَّا بِالْأَقْوِيَاءِ الْفَجَرَةِ، وَلَا بِالْأَتْقِيَاءِ الْبَرَرَةِ، وَلَقَدْ نَصَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَأَظْفَرَكَ بِنَا، فَإِنْ سَطَوْتَ فَبِذُنُوبِنَا وَمَا جَرَتْ إِلَيْهِ أَيْدِينَا، وَإِنْ عَفَوْتَ عَنَّا فَبِحِلْمِكَ، وَبَعْدُ فَالْحُجَّةُ لَكَ عَلَيْنَا. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: أَنْتَ وَاللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ قَوْلًا مِمَّنْ يَدْخُلُ عَلَيْنَا يَقْطُرُ سَيْفُهُ مِنْ دِمَائِنَا، ثُمَّ يَقُولُ: مَا فَعَلْتُ وَلَا شَهِدْتُ، وَقَدْ أَمِنْتَ يَا شَعْبِيُّ، كَيْفَ وَجَدْتَ النَّاسَ بَعْدَنَا؟ فَقُلْتُ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، اكْتَحَلْتُ بَعْدَكَ السَّهَرَ، وَاسْتَوْعَرْتُ الْجَنَابَ، وَاسْتَحْلَسْتُ الْخَوْفَ، وَفَقَدْتُ صَالِحَ الْإِخْوَانِ، وَلَمْ أَجِدْ مِنَ الْأَمِيرِ خَلَفًا. قَالَ: انْصَرِفْ يَا شَعْبِيُّ. فَانْصَرَفْتُ. ذِكْرُ خَلْعِ عُمَرَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ بِالرَّيِّ وَمَا كَانَ مِنْهُ لَمَّا ظَفِرَ الْحَجَّاجُ بِابْنِ الْأَشْعَثِ لَحِقَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمُنْهَزِمِينَ بِعُمَرَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ، وَكَانَ قَدْ غَلَبَ عَلَى الرَّيِّ فِي تِلْكَ الْفِتْنَةِ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا بِالرَّيِّ أَرَادُوا أَنْ يَحْظَوْا عِنْدَ الْحَجَّاجِ بِأَمْرٍ يَمْحُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ عَثْرَةَ الْجَمَاجِمِ، فَأَشَارُوا عَلَى عُمَرَ بِخَلْعِ الْحَجَّاجِ وَقُتَيْبَةَ، فَامْتَنَعَ، فَوَضَعُوا عَلَيْهِ أَبَاهُ أَبَا الصَّلْتِ، وَكَانَ بِهِ بَارًّا، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَأَلْزَمَهُ بِهِ وَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ، إِذَا سَارَ هَؤُلَاءِ تَحْتَ لِوَائِكَ لَا أُبَالِي أَنْ تُقْتَلَ غَدًا. فَفَعَلَ. فَلَمَّا قَارَبَ قُتَيْبَةُ الرَّيَّ بَلَغَهُ الْخَبَرُ فَاسْتَعَدَّ لِقِتَالِهِ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَغَدَرَ أَصْحَابُ عُمَرَ بِهِ، وَأَكْثَرُهُمْ مِنْ تَمِيمٍ، فَانْهَزَمَ وَلَحِقَ بِطَبَرِسْتَانَ، فَآوَاهُ الْأَصْبَهْبَذُ وَأَكْرَمَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ. فَقَالَ عُمَرُ لِأَبِيهِ: إِنَّكَ أَمَرْتَنِي بِخَلْعِ الْحَجَّاجِ وَقُتَيْبَةَ فَأَطَعْتُكَ، وَكَانَ خِلَافَ رَأْيِي فَلَمْ أَحْمِدْ رَأْيَكَ، وَقَدْ نَزَلْنَا بِهَذَا الْعِلْجِ الْأَصْبَهْبَذِ فَدَعْنِي حَتَّى أَثِبَ عَلَيْهِ، فَأَقْتُلَهُ وَأَجْلِسَ مَمْلَكَتَهُ، فَقَدْ عَلِمَتِ الْأَعَاجِمُ أَنِّي أَشْرَفُ مِنْهُ. فَقَالَ أَبُوهُ: مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ هَذَا لِرَجُلٍ آوَانَا وَنَحْنُ خَائِفُونَ، وَأَكْرَمَنَا وَأَنْزَلَنَا. فَقَالَ عُمَرُ: أَنْتَ أَعْلَمُ وَسَتَرَى. وَدَخَلَ قُتَيْبَةُ الرَّيَّ وَكَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ بِخَبَرِ عُمَرَ وَانْهِزَامِهِ إِلَى طَبَرِسْتَانَ، فَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى الْأَصْبَهْبَذِ: أَنِ ابْعَثْ بِهِمْ أَوْ بِرُءُوسِهِمْ، وَإِلَّا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْكَ الذِّمَّةُ. فَصَنَعَ لَهُمُ الْأَصْبَهْبَذُ طَعَامًا وَأَحْضَرَهُمَا، فَقَتَلَ عُمَرَ وَبَعَثَ أَبَاهُ أَسِيرًا، وَقِيلَ: بَلْ قَتَلَهُمَا وَبَعَثَ بِرُءُوسِهِمَا.

стр. 1953

ذِكْرُ بِنَاءِ مَدِينَةِ وَاسِطٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَنَى الْحَجَّاجُ وَاسِطًا. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ ضَرَبَ الْبَعْثَ عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَى خُرَاسَانَ، وَعَسْكَرَ بِحَمَّامِ عُمَرَ، وَكَانَ فَتًى مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، فَانْصَرَفَ مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَى ابْنَةِ عَمِّهِ لَيْلًا، فَطَرَقَ الْبَابَ طَارِقٌ، وَدَقَّهُ دَقًّا شَدِيدًا، فَإِذَا سَكْرَانُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَقَالَتْ لِلرَّجُلِ ابْنَةُ عَمِّهِ: لَقَدْ لَقِينَا مِنْ هَذَا الشَّامِيِّ شَرًّا، يَفْعَلُ بِنَا كُلَّ لَيْلَةٍ مَا تَرَى، يُرِيدُ الْمَكْرُوهَ، وَقَدْ شَكَوْتُهُ إِلَى مَشْيَخَةِ أَصْحَابِهِ. فَقَالَ لَهَا زَوْجُهَا: ائْذَنِي لَهُ، فَأَذِنَتْ لَهُ، فَقَتَلَهُ زَوْجُهَا، فَلَمَّا أَذَّنَ الْفَجْرُ خَرَجَ إِلَى الْعَسْكَرِ، وَقَالَ لِابْنَةِ عَمِّهِ: إِذَا صَلَّيْتِ الْفَجْرَ فَابْعَثِي إِلَى الشَّامِيِّينَ لِيَأْخُذُوا صَاحِبَهُمْ، فَإِذَا أَحْضَرُوكِ عِنْدَ الْحَجَّاجِ فَاصْدُقِيهِ الْخَبَرَ عَلَى وَجْهِهِ. فَفَعَلَتْ فَأُحْضِرَتْ عِنْدَ الْحَجَّاجِ فَأَخْبَرَتْهُ، فَقَالَ: صَدَقْتِنِي. وَقَالَ لِلشَّامِيِّينَ: خُذُوا صَاحِبَكُمْ لَا قَوَدَ لَهُ وَلَا عَقْلَ، فَإِنَّهُ قَتِيلُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ. ثُمَّ نَادَى مُنَادٍ: لَا يَنْزِلَنَّ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ. وَكَانَ الْحَجَّاجُ قَدْ أَنْزَلَ أَهْلَ الشَّامِ عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَخَرَجَ أَهْلُ الشَّامِ فَعَسْكَرُوا، وَبَعَثَ رُوَّادًا يَرْتَادُونَ لَهُ مَنْزِلًا، وَأَقْبَلَ حَتَّى نَزَلَ مَوْضِعَ وَاسِطٍ، فَإِذَا رَاهِبٌ قَدْ أَقْبَلَ عَلَى حِمَارٍ لَهُ، فَلَمَّا كَانَ بِمَوْضِعِ وَاسِطٍ بَالَ الْحِمَارُ، فَنَزَلَ الرَّاهِبُ فَاحْتَفَرَ ذَلِكَ الْبَوْلَ، وَاحْتَمَلَهُ وَرَمَاهُ فِي دِجْلَةَ وَالْحَجَّاجُ يَرَاهُ. فَقَالَ: عَلَيَّ بِهِ. فَأُتِيَ بِهِ. فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَهُ؟ قَالَ: نَجِدُ فِي الْكُتُبِ أَنَّهُ يُبْنَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَسْجِدٌ يُعْبَدُ اللَّهُ فِيهِ مَا دَامَ فِي الْأَرْضِ أَحَدٌ يُوَحِّدُهُ. فَاخْتَطَّ الْحَجَّاجُ مَدِينَةَ وَاسِطٍ وَبَنَى الْمَسْجِدَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ مِنَ الْمَدِينَةِ، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا هِشَامَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ. وَكَانَ الْعُمَّالُ هَذِهِ السَّنَةَ سِوَى الْمَدِينَةِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ فِي السَّنَةِ قَبْلَهَا. قِيلَ: وَكَانَ الْحَجَّاجُ قَدْ سَيَّرَ نِسَاءَهُ وَأَهْلَهُ إِلَى الشَّامِ خَوْفًا مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَشْعَثِ، وَفِيهِنَّ أُخْتُهُ زَيْنَبُ الَّتِي ذَكَرَهَا النُّمَيْرُ فِي شِعْرِهِ، فَلَمَّا هُزِمَ ابْنُ الْأَشْعَثِ أَرْسَلَ

стр. 1954

الْبَشِيرُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بِذَلِكَ، وَكَتَبَ كِتَابًا إِلَى أُخْتِهِ زَيْنَبَ، فَأَخَذَتِ الْكِتَابَ وَهِيَ رَاكِبَةٌ، فَنَفَرَتِ الْبَغْلَةُ مِنْ قَعْقَعَةِ الْكِتَابِ، فَسَقَطَتْ زَيْنَبُ فَمَاتَتْ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَمِائَةِ سَنَةٍ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً. وَفِيهَا مَاتَ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وَعُمُرُهُ مِائَةٌ وَاثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ سَنَةً. وَأَبُو وَائِلٍ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ إِحْدَى مِنَ الْهِجْرَةِ.

стр. 1955

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ] ٨٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ ذِكْرُ قَتْلِ ابْنِ الْقِرِّيَةِ وَفِيهَا قَتَلَ الْحَجَّاجُ أَيُّوبَ بْنَ الْقِرِّيَةِ، وَكَانَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ بِدَيْرِ الْجَمَاجِمِ، فَلَمَّا هُزِمَ ابْنُ الْأَشْعَثِ الْتَحَقَ أَيُّوبُ بِحَوْشَبِ بْنِ يَزِيدَ عَامِلِ الْحَجَّاجِ عَلَى الْكُوفَةِ، فَاسْتَحْضَرَهُ الْحَجَّاجُ، فَقَالَ لَهُ: أَقِلْنِي عَثْرَتِي، وَاسْقِنِي رِيقِي، فَإِنَّهُ لَيْسَ جَوَادٌ إِلَّا لَهُ كَبْوَةٌ، وَلَا شُجَاعٌ إِلَّا لَهُ هَبْوَةٌ، وَلَا صَارِمٌ إِلَّا لَهُ نَبْوَةٌ. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: كَلَّا، وَاللَّهِ لَأُزِيرَنَّكَ جَهَنَّمَ. قَالَ: فَأَرِحْنِي فَإِنِّي أَجِدُ حَرَّهَا! فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. فَلَمَّا رَآهُ قَتِيلًا قَالَ: لَوْ تَرَكْنَاهُ حَتَّى نَسْمَعَ مِنْ كَلَامِهِ. ذِكْرُ فَتْحِ قَلْعَةِ نَيْزَكٍ بِبَاذَغِيسَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَتَحَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ قَلْعَةَ نَيْزَكٍ، وَكَانَ يَزِيدُ قَدْ وَضَعَ عَلَى نَيْزَكٍ الْعُيُونَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ خَرُوجُ نَيْزَكٍ عَنْهَا سَارَ إِلَيْهَا فَحَاصَرَهَا، فَمَلَكَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالذَّخَائِرِ، وَكَانَتْ مِنْ أَحْصَنِ الْقِلَاعِ وَأَمْنَعِهَا، وَكَانَ نَيْزَكٌ إِذَا رَآهَا سَجَدَ لَهَا تَعْظِيمًا لَهَا، وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَعْدَانَ الْأَشْقَرِيُّ يَذْكُرُهَا: وَبَاذَغِيسُ الَّتِي مَنْ حَلَّ ذُرْوَتَهَا ... عَزَّ الْمُلُوكَ فَإِنْ شَاءَ جَارَ أَوْ ظَلَمَا مَنِيعَةٌ لَمْ يَكِدْهَا قَبْلَهُ مَلِكٌ ... إِلَّا إِذَا وَاجَهَتْ جَيْشًا لَهُ وَجَمَا تُخَالُ نِيرَانُهَا مِنْ بُعْدِ مَنْظَرِهَا ... بَعْضَ النُّجُومِ إِذَا مَا لَيْلُهَا عَتَمَا

стр. 1956

وَهِيَ أَبْيَاتٌ عِدَّةٌ، وَقَالَ أَيْضًا يَذْكُرُ يَزِيدَ وَفَتْحَهَا: نَفَى نَيْزَكًا عَنْ بَاذَغِيسَ وَنَيْزَكٌ ... بِمَنْزِلَةٍ أَعْيَا الْمُلُوكَ اغْتِصَابُهَا مُحَلِّقَةٍ دُونَ السَّمَاءِ كَأَنَّهَا ... غَمَامَةُ صَيْفٍ زَالَ عَنْهَا سَحَابُهَا وَلَا تَبْلُغُ الْأَرْوَى شَمَارِيخَهَا ... الْعُلَى وَلَا الطَّيْرُ إِلَّا نَسْرُهَا وَعُقَابُهَا وَمَا خُوِّفَتْ بِالذِّئْبِ وِلْدَانُ أَهْلِهَا ... وَلَا نَبَحَتْ إِلَّا النُّجُومَ كِلَابُهَا فِي أَبْيَاتِ غَيْرِهَا. فَلَمَّا فَتَحَهَا كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ بِالْفَتْحِ، وَكَانَ يَكْتُبُ لَهُ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ الْعَدْوَانِيُّ حَلِيفُ هُذَيْلٍ: إِنَّا لَحِقْنَا الْعَدُوَّ فَمَنَحَنَا اللَّهُ أَكْتَافَهُمْ، فَقَتَلْنَا طَائِفَةً وَأَسَرْنَا طَائِفَةً، وَلَحِقَتْ طَائِفَةٌ بِرُءُوسِ الْجِبَالِ وَعَرَاعِرِ الْأَوْدِيَةِ، فَأَهْضَامِ الْغِيطَانِ، وَأَثْنَاءِ الْأَنْهَارِ. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: مَنْ يَكْتُبُ لِيَزِيدَ؟ فَقِيلَ: يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِحَمْلِهِ عَلَى الْبَرِيدِ. فَقَدِمَ إِلَيْهِ أَفْصَحُ النَّاسِ. فَقَالَ: أَيْنَ وُلِدْتَ؟ قَالَ: بِالْأَهْوَازِ. [قَالَ] : فَهَذِهِ الْفَصَاحَةُ مِنْ أَيْنَ؟ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ كَلَامِ أَبِي، وَكَانَ فَصِيحًا. قَالَ: أَخْبِرْنِي، هَلْ يَلْحَنُ عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَثِيرًا. قَالَ: فَفُلَانٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي هَلْ أَلْحَنُ؟ قَالَ: نَعَمْ تَلْحَنُ لَحْنًا خَفِيًّا، تَزِيدُ حَرْفًا، وَتُنْقِصُ حَرْفًا، وَتَجْعَلُ أَنْ فِي مَوْضِعٍ إِنْ، وَإِنْ فِي مَوْضِعِ أَنْ. قَالَ: قَدْ أَجَّلْتُكَ ثَلَاثًا، فَإِنْ وَجَدْتُكَ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ قَتَلْتُكَ. فَرَجَعَ إِلَى خُرَاسَانَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الرُّومَ فَفَتَحَ الْمِصِّيصَةَ وَبَنَى حِصْنَهَا، وَوَضَعَ بِهَا ثَلَاثَمِائَةِ مُقَاتِلٍ مِنْ ذَوِي الْبَأْسِ، وَلَمْ يَكُنِ الْمُسْلِمُونَ سَكَنُوهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَبَنَى مَسْجِدَهَا.

стр. 1957

وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ. وَكَانَ الْعُمَّالُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ. وَفِيهَا غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ أَرْمِينِيَّةَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنُ نَوْفَلٍ الْمُلَقَّبُ بِبَبَّةَ بِعُمَانَ، وَكَانَ يَسْكُنُ الْبَصْرَةَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

стр. 1958

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ] ٨٥ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ ذِكْرُ هِلَاكِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ لَمَّا انْصَرَفَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَى رُتْبِيلَ مِنْ هَرَاةَ قَالَ لَهُ عَلْقَمَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَوْدِيُّ: مَا أُرِيدُ أَنْ أَدْخُلَ مَعَكَ لِأَنِّي أَتَخَوَّفُ عَلَيْكَ وَعَلَى مَنْ مَعَكَ، [وَاللَّهِ] لَكَأَنِي بِالْحَجَّاجِ وَقَدْ كَتَبَ إِلَى رُتْبِيلَ يُرَغِّبُهُ وَيُرَهِّبُهُ، فَإِذَا هُوَ قَدْ بَعَثَ بِكَ سَلْمًا أَوْ قَتَلَكُمْ، وَلَكِنْ مَعِي خَمْسُمِائَةٍ قَدْ تَبَايَعْنَا عَلَى أَنْ نَدْخُلَ مَدِينَةً نَتَحَصَّنُ بِهَا حَتَّى نُعْطَى الْأَمَانَ، أَوْ نَمَوْتَ كِرَامًا، وَلَمْ يَدْخُلْ إِلَى بِلَادِ رُتْبِيلَ مَعَهُ، وَخَرَجَ هَؤُلَاءِ الْخَمْسُمِائَةِ وَجَعَلُوا عَلَيْهِمْ مَوْدُودًا الْبَصْرِيَّ، وَقَدِمَ عَلَيْهِمْ عُمَارَةُ بْنُ تَمِيمٍ اللَّخْمِيُّ فَحَاصَرَهُمْ، فَامْتَنَعُوا حَتَّى آمَنَهُمْ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ، فَوَفَى لَهُمْ. وَتَتَابَعَتْ كُتُبُ الْحَجَّاجِ إِلَى رُتْبِيلَ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنِ ابْعَثْ بِهِ إِلَيَّ، وَإِلَّا وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَأُوطِئَنَّ أَرْضَكَ أَلْفَ أَلْفِ مُقَاتِلٍ. وَكَانَ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَجُلٌ مِنْ تَمِيمٍ يُقَالُ لَهُ عُبَيْدُ بْنُ سُبَيْعٍ التَّمِيمِيُّ، وَكَانَ رَسُولَهُ إِلَى رُتْبِيلٍ، فَخُصَّ بِرُتْبِيلَ وَخَفَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ لِأَخِيهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ: إِنِّي لَا آمَنُ غَدْرَ هَذَا التَّمِيمِيِّ، فَاقْتُلْهُ. فَخَافَهُ عُبَيْدٌ وَوَشَى بِهِ إِلَى رُتْبِيلَ، وَخَوَّفَهُ الْحَجَّاجَ، وَدَعَاهُ إِلَى الْغَدْرِ بِابْنِ الْأَشْعَثِ وَقَالَ لَهُ: أَنَا آخِذٌ لَكَ مِنَ الْحَجَّاجِ عَهْدًا لَيَكُفَّنَّ عَنْ أَرْضِكَ سَبْعَ سِنِينَ، عَلَى أَنْ تَدْفَعَ إِلَيْهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ. فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَخَرَجَ عُبَيْدٌ إِلَى عُمَارَةَ سِرًّا، فَذَكَرَ لَهُ مَا اسْتَقَرَّ مَعَ رُتْبِيلَ وَمَا بَذَلَ لَهُ، وَكَتَبَ عُمَارَةُ إِلَى الْحَجَّاجِ بِذَلِكَ، وَأَجَابَهُ إِلَيْهِ أَيْضًا، وَبَعَثَ رُتْبِيلُ بِرَأْسِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى الْحَجَّاجِ. وَقِيلَ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ كَانَ قَدْ أَصَابَهُ السُّلُّ فَمَاتَ، فَأَرْسَلَ رُتْبِيلُ إِلَيْهِ، فَقَطَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْفَنَ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْحَجَّاجِ.

стр. 1959

وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ رُتْبِيلَ لَمَّا صَالَحَ عُمَارَةَ بْنَ تَمِيمٍ اللَّخْمِيَّ عَلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ - كَتَبَ عُمَارَةُ إِلَى الْحَجَّاجِ بِذَلِكَ، فَأَطْلَقَ لَهُ خَرَاجَ بِلَادِهِ عَشْرَ سِنِينَ، فَأَرْسَلَ رُتْبِيلُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَثَلَاثِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فَحَضَرُوا، فَقَيَّدَهُمْ وَأَرْسَلَهُمْ إِلَى عُمَارَةَ، فَأَلْقَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ نَفْسَهُ مِنْ سَطْحِ قَصْرٍ فَمَاتَ، فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ وَسَيَّرَهُ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَسَيَّرَهُ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، وَسَيَّرَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى أَخِيهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ: هَيْهَاتَ مَوْضِعُ جُثَّةٍ مِنْ رَأْسِهَا ... رَأْسٌ بِمِصْرَ وَجُثَّةٌ بِالرُّخَّجِ وَقِيلَ: إِنَّ هَلَاكَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ. ذِكْرُ عَزْلِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ عَنْ خُرَاسَانَ وَوِلَايَةِ أَخِيهِ الْمُفَضَّلِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ الْحَجَّاجُ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ عَنْ خُرَاسَانَ. وَكَانَ سَبَبُ عَزْلِهِ إِيَّاهُ أَنَّ الْحَجَّاجَ وَفَدَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَمَرَّ فِي طَرِيقِهِ بِرَاهِبٍ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا. فَدَعَا بِهِ وَسَأَلَهُ: هَلْ تَجِدُونَ فِي كُتُبِكُمْ مَا أَنْتُمْ فِيهِ وَنَحْنُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مُسَمًّى أَمْ مَوْصُوفٌ؟ فَقَالَ: كُلُّ ذَلِكَ نَجِدُهُ مَوْصُوفًا بِغَيْرِ اسْمٍ، وَمُسَمًّى بِغَيْرِ صِفَةٍ. قَالَ: فَمَا تَجِدُونَ صِفَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: نَجِدُهُ فِي زَمَانِنَا: مَلِكٌ أَفْرَعْ، مَنْ يَقُمْ لِسَبِيلِهِ يُصْرَعْ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ اسْمُ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ الْوَلِيدُ، ثُمَّ رَجُلٌ اسْمُهُ اسْمُ نَبِيٍّ يُفْتَحُ بِهِ عَلَى النَّاسِ. قَالَ: أَفَتَعْلَمُ مَنْ يَلِي بَعْدِي؟ قَالَ: نَعَمْ، رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ يَزِيدُ. قَالَ: أَفَتَعْرِفُ صِفَتَهُ؟ قَالَ: يَغْدِرُ غَدْرَةً، لَا أَعْرِفُ غَيْرَ هَذَا. فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، ثُمَّ سَارَ وَهُوَ وَجِلٌ مِنْ قَوْلِ الرَّاهِبِ. ثُمَّ عَادَ وَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يَذُمُّ يَزِيدَ وَآلَ الْمُهَلَّبِ، وَيُخْبِرُهُ أَنَّهُمْ زُبَيْرِيَّةٌ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِنِّي لَا أَرَى طَاعَتَهُمْ لِآلِ الزُّبَيْرِ نَقْصًا بِآلِ الْمُهَلَّبِ، وَفَاؤُهُمْ لَهُمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْوَفَاءِ لِي. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ يُخَوِّفُهُ غَدْرَهُ وَبِمَا قَالَ الرَّاهِبُ. فَكَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَيْهِ: إِنَّكَ قَدْ أَكْثَرْتَ فِي يَزِيدَ وَآلِ الْمُهَلَّبِ، فَسَمِّ لِي رَجُلًا يَصْلُحُ لِخُرَاسَانَ. فَسَمَّى قُتَيْبَةَ بْنَ مُسْلِمٍ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ وَلِّهِ. وَبَلَغَ يَزِيدَ أَنَّ الْحَجَّاجَ عَزَلَهُ، فَقَالَ لِأَهْلِ بَيْتِهِ: مَنْ تَرَوْنَ الْحَجَّاجُ يُوَلِّي خُرَاسَانَ؟

стр. 1960

قَالُوا: رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ. قَالَ: كَلَّا، وَلَكِنَّهُ يَكْتُبُ إِلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ بِعَهْدِهِ، فَإِذَا قَدِمْتُ عَلَيْهِ عَزَلَهُ، وَوَلَّى رَجُلًا مِنْ قَيْسٍ، وَأَخْلِقْ بِقُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ. فَلَمَّا أَذِنَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي عَزْلِ يَزِيدَ كَرِهَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ بِعَزْلِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ أَخَاهُ الْمُفَضَّلَ وَيُقْبِلَ إِلَيْهِ. وَاسْتَشَارَ يَزِيدُ حُضَيْنَ بْنَ الْمُنْذِرِ الرَّقَاشِيَّ، فَقَالَ لَهُ: أَقِمْ وَاعْتَلَّ، وَاكْتُبْ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لِيُقِرَّكَ، فَإِنَّهُ حَسَنُ الْحَالِ وَالرَّأْيِ فِيكَ. قَالَ يَزِيدُ: نَحْنُ أَهْلُ بَيْتٍ قَدْ بُورِكَ لَنَا فِي الطَّاعَةِ، وَأَنَا أَكْرَهُ الْخِلَافَ. فَأَخَذَ يَتَجَهَّزُ، فَأَبْطَأَ، فَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى الْمُفَضَّلِ: إِنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ خُرَاسَانَ. فَجَعَلَ الْمُفَضَّلُ يَسْتَحِثُّ يَزِيدَ، فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ: إِنَّ الْحَجَّاجَ لَا يُقِرُّكَ بَعْدِي، وَإِنَّمَا دَعَاهُ إِلَى مَا صَنَعَ مَخَافَةَ أَنْ أَمْتَنِعَ عَلَيْهِ، وَسَتَعْلَمُ. وَخَرَجَ يَزِيدُ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ، وَأَقَرَّ الْحَجَّاجُ أَخَاهُ الْمُفَضَّلَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ عَزَلَهُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ سَبَبَ عَزْلِهِ أَنَّ الْحَجَّاجَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَشْعَثِ لَمْ يَكُنْ لَهُ هَمٌّ إِلَّا يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ وَأَهْلَ بَيْتِهِ، وَقَدْ كَانَ أَذَلَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ كُلَّهُمْ إِلَّا آلَ الْمُهَلَّبِ وَمَنْ مَعَهُمْ بِخُرَاسَانَ، وَتَخَوَّفَهُ عَلَى الْعِرَاقِ، وَكَانَ يَبْعَثُ إِلَيْهِ لِيَأْتِيَهُ فَيَعْتَلَّ عَلَيْهِ بِالْعَدُوِّ وَالْحُرُوبِ، فَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يُشِيرُ عَلَيْهِ بِعَزْلِ يَزِيدَ، وَيُخْبِرُهُ بِطَاعَتِهِمْ لِآلِ الزُّبَيْرِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ، وَسَاقَ بَاقِيَ الْخَبَرِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ حُضَيْنٌ لِيَزِيدَ: أَمَرْتُكَ أَمْرًا حَازِمًا فَعَصَيْتَنِي فَأَصْبَحْتَ مَسْلُوبَ الْإِمَارَةِ نَادِمَا فَمَا أَنَا بِالْبَاكِي عَلَيْكَ صَبَابَةً وَمَا أَنَا بِالدَّاعِي لِتَرْجِعَ سَالِمَا قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ قُتَيْبَةُ خُرَاسَانَ قَالَ لِحُضَيْنٍ: مَا قُلْتَ لِيَزِيدَ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَمَرْتُكَ أَمْرًا حَازِمًا فَعَصَيْتَنِي فَنَفْسُكَ أَوْلِ اللَّوْمَ إِنْ كُنْتَ لَائِمَا فَإِنْ يَبْلُغِ الْحَجَّاجَ أَنْ قَدْ عَصَيْتَهُ فَإِنَّكَ تَلْقَى أَمْرَهُ مُتَفَاقِمَا قَالَ: فَمَاذَا أَمَرْتَهُ بِهِ فَعَصَاكَ؟ قَالَ: أَمَرْتُهُ أَنْ لَا يَدَعَ صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إِلَّا حَمَلَهَا إِلَى الْأَمِيرِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: فَوَجَدَهُ قُتَيْبَةُ قَارِحًا.

стр. 1961

وَقِيلَ: كَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى يَزِيدَ: اغْزُ خَوَارِزْمَ، فَكَتَبَ: إِنَّهَا قَلِيلَةُ السَّلَبِ، شَدِيدَةُ الْكَلَبِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ: اسْتَخْلِفْ وَاقْدِمْ. فَكَتَبَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَغْزُوَ خَوَارِزْمَ. فَكَتَبَ الْحَجَّاجُ: لَا تَغْزُهَا فَإِنَّهَا كَمَا ذَكَرْتَ. فَغَزَا وَلَمْ يُطِعْهُ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا وَأَصَابَ سَبْيًا، وَقَتَلَ فِي الشِّتَاءِ، وَأَصَابَ النَّاسَ بَرْدٌ، فَأَخَذُوا ثِيَابَ الْأَسْرَى، فَمَاتَ ذَلِكَ السَّبْيُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ أَنِ اقْدِمْ. فَسَارَ إِلَيْهِ، فَكَانَ لَا يَمُرُّ بِبَلَدٍ إِلَّا فَرَشَ أَهْلُهُ الرَّيَاحِينَ. (حُضَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَضْمُومَةِ، وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَآخِرُهُ نُونٌ) . ذِكْرُ غَزْوِ الْمُفَضَّلِ بَاذَغِيسَ وَآخَرُونَ لَمَّا وَلِيَ الْمُفَضَّلُ خُرَاسَانَ غَزَا بَاذَغِيسَ فَفَتَحَهَا، وَأَصَابَ مَغْنَمًا فَقَسَّمَهُ، فَأَصَابَ كُلُّ رَجُلٍ ثَمَانِيَ مِائَةٍ. ثُمَّ غَزَا آخَرُونَ وَشُومَانَ، فَغَنِمَ وَقَسَّمَ مَا أَصَابَ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُفَضَّلِ بَيْتُ مَالٍ، كَانَ يُعْطِي النَّاسَ كُلَّمَا جَاءَ شَيْءٌ، وَإِنْ غَنِمَ شَيْئًا قَسَّمَهُ بَيْنَهُمْ. ذِكْرُ مَقْتَلِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ بِتِرْمِذَ. وَكَانَ سَبَبُ مَصِيرِهِ إِلَى تِرْمِذَ أَنَّ أَبَاهُ لَمَّا قَتَلَ مَنْ قَتَلَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ، تَفَرَّقَ عَنْهُ أَكْثَرُ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْهُمْ، فَخَرَجَ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَخَافَ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى ثَقَلِهِ بِمَرْوَ، فَقَالَ لِابْنِهِ مُوسَى: خُذْ ثَقَلِي، وَاقْطَعْ نَهْرَ بَلْخٍ حَتَّى تَلْتَجِئَ إِلَى بَعْضِ الْمُلُوكِ، وَإِلَى حِصْنٍ تُقِيمُ فِيهِ. فَرَحَلَ مُوسَى عَنْ مَرْوَ فِي عِشْرِينَ وَمِائَتَيْ فَارِسٍ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ تَتِمَّةُ أَرْبَعِمِائَةٍ، وَانْضَمَّ إِلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، فَأَتَى زَمَّ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا، فَظَفِرَ بِهِمْ فَأَصَابَ مَالًا، وَقَطَعَ النَّهْرَ وَأَتَى بُخَارَى، فَسَأَلَ صَاحِبَهَا أَنْ يَلْجَأَ إِلَيْهِ فَأَبَى. فَخَافَهُ وَقَالَ: رَجُلٌ فَاتِكٌ وَأَصْحَابُهُ مِثْلُهُ فَلَا آمَنُهُ. وَوَصَلَهُ وَسَارَ، فَلَمْ يَأْتِ مَلِكًا يَلْجَأُ إِلَيْهِ إِلَّا كَرِهَ مُقَامَهُ عِنْدَهُ، فَأَتَى سَمَرْقَنْدَ فَأَقَامَ بِهَا، وَأَكْرَمَهُ مَلِكُهَا طَرْخُونُ، وَأَذِنَ لَهُ فِي الْمُقَامِ، وَأَقَامَ مَا شَاءَ اللَّهُ.

стр. 1962

وَلِأَهْلِ الصُّغْدِ مَائِدَةٌ يُوضَعُ عَلَيْهَا لَحْمٌ وَخَلٌّ وَخُبْزٌ وَإِبْرِيقُ شَرَابٍ، وَذَلِكَ كُلُّ عَامٍ يَوْمًا، يَجْعَلُونَ ذَلِكَ لِفَارِسِ الصُّغْدِ، فَلَا يَقْرَبُهُ غَيْرُهُ، فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ أَحَدٌ بَارَزَهُ، فَأَيُّهُمَا قَتَلَ صَاحِبَهُ فَالْمَائِدَةُ لَهُ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ مُوسَى: مَا هَذِهِ الْمَائِدَةُ؟ فَأُخْبِرَ، فَجَلَسَ فَأَكَلَ مَا عَلَيْهَا، وَقِيلَ لِصَاحِبِ الْمَائِدَةِ فَجَاءَ مُغَضَبًا وَقَالَ: يَا عَرَبِيُّ بَارِزْنِي! فَبَارَزَهُ فَقَتَلَهُ صَاحِبُ مُوسَى، فَقَالَ مَلِكُ الصُّغْدِ: أَنْزَلْتُكُمْ وَأَكْرَمْتُكُمْ فَقَتَلْتُمْ فَارِسِي، لَوْلَا أَنِّي آمَنْتُكَ وَأَصْحَابَكَ لَقَتَلْتُكُمْ، اخْرُجُوا عَنْ بَلَدِي. فَخَرَجُوا. فَأَتَى كِشَّ، فَضَعُفَ صَاحِبُهَا عَنْهُ، فَاسْتَنْصَرَ طَرْخُونَ فَأَتَاهُ، فَخَرَجَ مُوسَى إِلَيْهِ وَقَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ سَبْعُمِائَةِ فَارِسٍ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى أَمْسَوْا وَتَحَاجَزُوا، وَبِأَصْحَابِ مُوسَى جِرَاحٌ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ لِزُرْعَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ: احْتَلْ لَنَا عَلَى طَرْخُونَ. فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، مَا حَاجَتُكَ إِلَى أَنْ تَقْتُلَ مُوسَى وَتُقْتَلَ مَعَهُ، فَإِنَّكَ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ حَتَّى يَقْتُلُوا [مِثْلَ] عِدَّتِهِمْ مِنْكُمْ، وَلَوْ قَتَلْتَهُ وَإِيَّاهُمْ جَمِيعًا (مَا نِلْتَ حَظًّا) ، لِأَنَّ لَهُ قَدْرًا فِي الْعَرَبِ، فَلَا يَأْتِي أَحَدٌ خُرَاسَانَ إِلَّا طَالَبَكَ بِدَمِهِ. فَقَالَ: لَيْسَ لِي إِلَى تَرْكِ كِشَّ فِي يَدِهِ سَبِيلٌ. قَالَ: فَكُفَّ عَنْهُ حَتَّى يَرْتَحِلَ. فَكَفَّ. وَسَارَ مُوسَى فَأَتَى تِرْمِذَ وَبِهَا حِصْنٌ يُشْرِفُ عَلَى جَانِبِ النَّهْرِ، فَنَزَلَ مُوسَى خَارِجَ الْحِصْنِ، وَسَأَلَ تِرْمِذَشَاهَ أَنْ يُدْخِلَهُ حِصْنَهُ فَأَبَى، فَأَهْدَى لَهُ مُوسَى وَلَاطَفَهُ حَتَّى حَصَلَ بَيْنَهُمَا مَوَدَّةٌ، وَخَرَجَ فَتَصَيَّدَ مَعَهُ. فَصَنَعَ صَاحِبُ تِرْمِذَ طَعَامًا، وَأَحْضَرَ مُوسَى لِيَأْكُلَ مَعَهُ، وَلَا يَحْضُرُ إِلَّا فِي مِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَاخْتَارَ مُوسَى مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، فَدَخَلُوا الْحِصْنَ وَأَكَلُوا، فَلَمَّا فَرَغُوا قَالَ لَهُ: اخْرُجْ. قَالَ: لَا أَخْرُجُ حَتَّى يَكُونَ الْحِصْنُ بَيْتِي أَوْ قَبْرِي. وَقَاتَلَهُمْ فَقُتِلَ مِنْهُمْ عِدَّةٌ، وَهَرَبَ الْبَاقُونَ، وَاسْتَوْلَى مُوسَى عَلَيْهَا، وَأَخْرَجَ تِرْمِذَشَاهَ مِنْهَا وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ وَلَا لِأَصْحَابِهِ، فَأَتَوُا التُّرْكَ يَسْتَنْصِرُونَهُمْ عَلَى مُوسَى فَلَمْ يَنْصُرُوهُمْ وَقَالُوا: لَا نُقَاتِلُ هَؤُلَاءِ. وَأَقَامَ مُوسَى بِتِرْمِذَ، فَأَتَاهُ جَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِيهِ فَقَوِيَ بِهِمْ، فَكَانَ يَخْرُجُ فَيُغِيرُ عَلَى مَا حَوْلَهُ. ثُمَّ وَلِيَ بُكَيْرُ بْنُ وَسَّاجٍ خُرَاسَانَ فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ، ثُمَّ قَدِمَ أُمَيَّةُ فَسَارَ بِنَفْسِهِ يُرِيدُ مُخَالَفَةَ بُكَيْرٍ فَرَجَعَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. ثُمَّ إِنَّ أُمَيَّةَ وَجَّهَ إِلَى مُوسَى بَعْدَ صُلْحِ بُكَيْرٍ رَجُلًا مِنْ خُزَاعَةَ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، وَعَادَ أَهْلُ تِرْمِذَ إِلَى التُّرْكِ، فَاسْتَنْصَرُوهُمْ وَأَعْلَمُوهُمْ أَنَّهُ قَدْ غَزَاهُ قَوْمٌ مِنَ الْعَرَبِ وَحَصَرُوهُ. فَسَارَتِ التُّرْكُ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ إِلَى الْخُزَاعِيِّ، فَأَطَافَ بِمُوسَى التُّرْكُ وَالْخُزَاعِيُّ، فَكَانَ يُقَاتِلُ الْخُزَاعِيَّ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَالتُّرْكَ آخِرَ النَّهَارِ، فَقَاتَلَهُمْ

стр. 1963

شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً. ثُمَّ إِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّتَ الْخُزَاعِيَّ وَعَسْكَرَهُ، فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ خَالِدِ بْنِ حُصَيْنٍ الْكِلَابِيُّ: لِيَكُنِ الْبَيَاتُ بِالْعَجَمِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ أَشَدُّ حَذَرًا وَأَجْرَأُ عَلَى اللَّيْلِ، فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ الْعَجَمِ تَفَرَّغْنَا لِلْعَرَبِ. فَأَقَامَ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وَخَرَجَ مُوسَى فِي أَرْبَعِمِائَةٍ وَقَالَ لِعَمْرِو بْنِ خَالِدٍ: اخْرُجْ بَعْدَنَا، فَكُنْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ قَرِيبًا، فَإِذَا سَمِعْتُمْ تَكْبِيرَنَا فَكَبِّرُوا. ثُمَّ سَارَ حَتَّى ارْتَفَعَ فَوْقَ عَسْكَرِ التُّرْكِ، وَرَجَعَ إِلَيْهِمْ، وَجَعَلَ أَصْحَابَهُ أَرْبَاعًا، وَأَقْبَلَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَآهُمْ أَصْحَابُ الْأَرْصَادِ قَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: عَابِرُو سَبِيلٍ. فَلَمَّا جَاوَزُوا الرَّصَدَ حَمَلُوا عَلَى التُّرْكِ وَكَبَّرُوا، فَلَمْ يَشْعُرِ التُّرْكُ إِلَّا بِوَقْعِ السُّيُوفِ فِيهِمْ، فَسَارُوا يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَوَلَّوْا، فَأُصِيبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَحَوُوا عَسْكَرَهُمْ وَأَصَابُوا سِلَاحًا كَثِيرًا وَمَالًا، وَأَصْبَحَ الْخُزَاعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَقَدْ كَسْرَهُمْ ذَلِكَ، فَخَافُوا مِثْلَهَا، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ لِمُوسَى: إِنَّنَا لَا نَظْفَرُ إِلَّا بِمَكِيدَةٍ، وَلَهُمْ أَمْدَادًا، وَهُمْ كَثِيرُونَ، فَدَعْنِي آتِهِ لَعَلِّي أُصِيبُ فُرْصَةً، فَاضْرِبْنِي وَخَلَاكَ ذَمٌّ. فَقَالَ لَهُ مُوسَى: تَتَعَجَّلُ الضَّرْبَ وَتَتَعَرَّضُ لِلْقَتْلِ. قَالَ: أَمَّا التَّعَرُّضُ لِلْقَتْلِ فَأَنَا كُلُّ يَوْمٍ مُتَعَرِّضٌ لَهُ، وَأَمَّا الضَّرْبُ فَمَا أَيْسَرَهُ فِي جَنْبِ مَا أُرِيدُ. فَضَرَبَهُ مُوسَى خَمْسِينَ سَوْطًا، فَخَرَجَ مِنْ عَسْكَرِ مُوسَى وَأَتَى عَسْكَرَ الْخُزَاعِيِّ مُسْتَأْمِنًا، وَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ، فَلَمَّا قُتِلَ أَتَيْتُ ابْنَهُ فَكُنْتُ مَعَهُ، وَإِنَّهُ اتَّهَمَنِي وَقَالَ: قَدْ تَعَصَّبْتَ لِعَدُوِّنَا وَأَنْتَ عَيْنٌ لَهُ، فَضَرَبَنِي وَلَمْ آمَنِ الْقَتْلَ فَهَرَبْتُ مِنْهُ. فَآمَنَهُ الْخُزَاعِيُّ وَأَقَامَ مَعَهُ، فَدَخَلَ يَوْمًا وَهُوَ خَالٍ وَلَمْ يَرَ عِنْدَهُ سِلَاحًا، فَقَالَ كَأَنَّهُ يَنْصَحُ لَهُ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، إِنَّ مِثْلَكَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ سِلَاحٍ. قَالَ: إِنَّ مَعِي سِلَاحًا. فَرَفَعَ طَرَفَ فِرَاشِهِ فَإِذَا سَيْفٌ مُنْتَضًى، فَأَخَذَهُ عَمْرٌو فَضَرَبَهُ حَتَّى قَتَلَهُ، وَخَرَجَ فَرَكِبَ فَرَسَهُ وَأَتَى مُوسَى، وَتَفَرَّقَ ذَلِكَ الْجَيْشُ، وَأَتَى بَعْضُهُمْ مُوسَى مُسْتَأْمِنًا فَآمَنَهُ، وَلَمْ يُوَجِّهْ إِلَيْهِ أُمَيَّةُ أَحَدًا. وَعُزِلَ أُمَيَّةُ وَقِدَمَ الْمُهَلَّبُ أَمِيرًا، فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمُوسَى وَقَالَ لِبْنَيْهِ: إِيَّاكُمْ وَمُوسَى، فَإِنَّكُمْ لَا تَزَالُونَ وُلَاةَ خُرَاسَانَ مَا دَامَ هَذَا الثَّبِطُ بِمَكَانِهِ، فَإِنْ قُتِلَ فَأَوَّلُ طَالِعٍ عَلَيْكُمْ أَمِيرٌ عَلَى خُرَاسَانَ مِنْ قَيْسٍ. فَلَمَّا مَاتَ الْمُهَلَّبُ وَوَلِيَ يَزِيدُ لَمْ يَتَعَرَّضْ أَيْضًا لِمُوسَى. وَكَانَ الْمُهَلَّبُ قَدْ ضَرَبَ حُرَيْثَ بْنَ قُطْبَةَ الْخُزَاعِيَّ، فَخَرَجَ هُوَ وَأَخُوهُ ثَابِتٌ إِلَى مُوسَى، فَلَمَّا وَلِيَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ أَخَذَ أَمْوَالَهُمَا وَحُرَمَهُمَا، وَقَتَلَ أَخَاهُمَا لِأُمِّهِمَا الْحَارِثَ بْنَ مُنْقِذٍ، فَخَرَجَ ثَابِتٌ إِلَى طَرْخُونَ، فَشَكَا إِلَيْهِ مَا صَنَعَ بِهِ، وَكَانَ ثَابِتٌ مَحْبُوبًا إِلَى التُّرْكِ بَعِيدَ الصَّوْتِ فِيهِمْ، فَغَضِبَ لَهُ طَرْخُونُ، وَجَمَعَ لَهُ نَيْزَكَ وَالسَّبْلَ وَأَهْلَ بُخَارَى وَالصَّغَانِيانَ، فَقَدِمُوا مَعَ ثَابِتٍ إِلَى مُوسَى، وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَى مُوسَى فَلُّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ

стр. 1964

الْعَبَّاسِ مِنْ هَرَاةَ، وَفَلُّ ابْنِ الْأَشْعَثِ مِنَ الْعِرَاقِ، وَمِنْ نَاحِيَةِ كَابُلَ، فَاجْتَمَعَ مَعَهُ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ، فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ وَحُرَيْثٌ: سِرْ حَتَّى تَقْطَعَ النَّهْرَ، وَتُخْرِجَ يَزِيدَ عَنْ خُرَاسَانَ وَنُوَلِّيكَ. فَهَمَّ أَنْ يَفْعَلَ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: إِنْ أَخْرَجْتَ يَزِيدَ عَنْ خُرَاسَانَ تَوَلَّى ثَابِتٌ وَأَخُوهُ خُرَاسَانَ وَغَلَبَاكَ عَلَيْهَا. فَلَمْ يَسِرْ وَقَالَ لِثَابِتٍ وَحُرَيْثٍ: إِنْ أَخْرَجْنَا يَزِيدَ قَدِمَ عَامِلٌ لِعَبْدِ الْمَلِكِ، وَلَكِنَّا نُخْرِجُ عُمَّالَ يَزِيدَ عَمَّا وَرَاءَ النَّهْرِ وَيَكُونُ لَنَا، فَأَخْرَجُوا عُمَّالَ يَزِيدَ عَمَّا وَرَاءَ النَّهْرِ وَجَبَوُا الْأَمْوَالَ، فَقَوِيَ أَمْرُهُمْ، وَانْصَرَفَ طَرْخُونُ وَمَنْ مَعَهُ، وَاسْتَبَدَّ ثَابِتٌ وَحُرَيْثٌ بِتَدْبِيرِ الْأَمْرِ، وَالْأَمِيرُ مُوسَى لَيْسَ لَهُ غَيْرُ الِاسْمِ. فَقِيلَ لِمُوسَى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأُمُورِ شَيْءٌ، وَالْأُمُورُ إِلَى ثَابِتٍ وَحُرَيْثٍ فَاقْتُلْهُمَا وَتَوَلَّ الْأَمْرَ. فَأَبَى، فَأَلَحُّوا عَلَيْهِ حَتَّى أَفْسَدُوا قَلْبَهُ عَلَيْهِمَا، وَهَمَّ بِقَتْلِهِمَا. فَإِنَّهُمْ لَفِي ذَلِكَ إِذْ خَرَجَ عَلَيْهِمُ الْهَيَاطِلَةُ وَالتُّبَّتُ وَالتُّرْكُ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا لَا يُعِدُّونَ الْحَاسِرَ، وَلَا صَاحِبَ الْبَيْضَةِ الْجَمَّاءِ، وَلَا يُعِدُّونَ إِلَّا صَاحِبَ بَيْضَةٍ ذَاتِ قَوْنَسٍ. فَخَرَجَ ابْنُ خَازِمٍ وَقَاتَلَهُمْ فِيمَنْ مَعَهُ، وَوَقَفَ مَلِكُ التُّرْكِ عَلَى تَلٍّ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ فِي أَكْمَلِ عُدَّةٍ، وَالْقِتَالُ أَشَدُّ مَا كَانَ، فَقَالَ مُوسَى: إِنْ أَزَلْتُمْ هَؤُلَاءِ فَلَيْسَ الْبَاقُونَ بِشَيْءٍ. فَقَصَدَ لَهُمْ حُرَيْثُ بْنُ قُطْبَةَ فَقَاتَلَهُمْ وَأَلَحَّ عَلَيْهِمْ حَتَّى أَزَالَهُمْ عَنِ التَّلِّ، وَرُمِيَ حُرَيْثٌ بِنَشَّابَةٍ فِي جَبْهَتِهِ، فَتَحَاجَزُوا، فَبَيَّتَهُمْ مُوسَى، وَحَمَلَ أَخُوهُ خَازِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ حَتَّى وَصَلَ إِلَى شَمْعَةِ مُلْكِهِمْ، فَوَجَأَ رَجُلًا مِنْهُمْ بِقَبِيعَةِ سَيْفِهِ، فَطَعَنَ فَرَسَهُ، فَاحْتَمَلَهُ الْفَرَسُ فَأَلْقَاهُ فِي نَهْرِ بَلْخٍ فَغَرِقَ، وَقُتِلَ مِنَ التُّرْكِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَنَجَا مَنْ نَجَا مِنْهُمْ بِشَرٍّ، وَمَاتَ حُرَيْثٌ بَعْدَ يَوْمَيْنِ. وَرَجَعَ مُوسَى، وَحَمَلَ مَعَهُ الرُّؤُوسَ فَبَنَى مِنْهَا جَوْسَقَيْنِ. وَقَالَ أَصْحَابُ مُوسَى: قَدْ كُفِينَا أَمْرَ حُرَيْثٍ، فَاكْفِنَا أَمْرَ ثَابِتٍ. فَأَبَى، وَبَلَغَ ثَابِتًا بَعْضُ مَا يَخُوضُونَ فِيهِ، فَدَسَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيَّ - عَمَّ نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَامِلَ أَبِي مُسْلِمٍ عَلَى الرَّيِّ - عَلَى مُوسَى، وَقَالَ: إِيَّاكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَإِنْ سَأَلُوكَ فَقُلْ: أَنَا مِنْ سَبْيِ الْبَامِيَانِ. فَفَعَلَ ذَلِكَ وَاتَّصَلَ بِمُوسَى، وَكَانَ يَخْدِمُهُ وَيَنْقُلُ إِلَى ثَابِتٍ خَبَرَهُمْ، فَحَذِرَ ثَابِتٌ، وَأَلَحَّ الْقَوْمُ عَلَى مُوسَى. فَقَالَ لَهُمْ لَيْلَةً: لَقَدْ أَكْثَرْتُمْ عَلَيَّ وَفِيمَا تُرِيدُونَ هَلَاكُكُمْ، فَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ تَقْتُلُونَهُ، وَأَنَا لَا أَغْدِرُ بِهِ؟ قَالَ لَهُ أَخُوهُ نُوحٌ: إِذَا أَتَاكَ غَدًا عَدَلْنَا بِهِ إِلَى بَعْضِ الدُّورِ، فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ فِيهَا قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ هَلَاكُكُمْ، وَأَنْتُمْ أَعْلَمُ.

стр. 1965

فَخَرَجَ الْغُلَامُ فَأَتَى ثَابِتًا فَأَخْبَرَهُ، فَخَرَجَ مِنْ لَيْلَتِهِ فِي عِشْرِينَ فَارِسًا وَمَضَى. وَأَصْبَحُوا فَلَمْ يَرَوْهُ وَلَمْ يَرَوُا الْغُلَامَ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ كَانَ عَيْنًا لَهُ. وَنَزَلَ ثَابِتٌ بِحُوشَرَا، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، فَأَقْبَلَ مُوسَى إِلَيْهِ وَقَاتَلَهُ، وَتَحَصَّنَ ثَابِتٌ بِالْمَدِينَةِ، وَأَتَاهُ طَرْخُونُ مُعِينًا لَهُ، فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى تِرْمِذَ، وَأَقْبَلَ ثَابِتٌ وَطَرْخُونُ وَمَعَهُمَا أَهْلُ بُخَارَى وَنَسَفَ وَكِشَّ، فَاجْتَمَعُوا فِي ثَمَانِينَ أَلْفًا، فَحَصَرُوا مُوسَى حَتَّى جَهِدَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ قَالَ يَزِيدُ بْنُ هُذَيْلٍ: وَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّ ثَابِتًا أَوْ لَأَمُوتَنَّ. فَخَرَجَ إِلَى ثَابِتٍ فَاسْتَأْمَنَهُ، فَقَالَ لَهُ ظُهَيْرٌ: أَنَا أَعْرَفُ بِهَذَا مِنْكَ، مَا أَتَاكَ إِلَّا بِغَدْرِهِ فَاحْذَرْهُ، فَأَخَذَ ابْنَيْهِ قُدَامَةَ وَالضَّحَّاكَ رَهْنًا، فَكَانَا فِي يَدِ ظُهَيْرٍ. وَأَقَامَ يَزِيدُ يَلْتَمِسُ غِرَّةَ ثَابِتٍ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَا يُرِيدُ حَتَّى مَاتَ ابْنٌ لِزِيَادٍ الْقَصِيرِ الْخُزَاعِيِّ، فَخَرَجَ ثَابِتٌ إِلَيْهِ لِيُعَزِّيَهُ وَهُوَ بِغَيْرِ سِلَاحٍ وَقَدْ غَابَتِ الشَّمْسُ، فَدَنَا يَزِيدُ مِنْ ثَابِتٍ فَضَرَبَهُ عَلَى رَأْسِهِ، فَوَصَلَ إِلَى الدِّمَاغِ وَهَرَبَ فَسَلِمَ، وَأَخَذَ طَرْخُونُ قُدَامَةَ وَالضَّحَّاكَ ابْنَيْ يَزِيدَ فَقَتَلَهُمَا، وَعَاشَ ثَابِتٌ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَمَاتَ، وَقَامَ بِأَمْرِ الْعَجَمِ بَعْدَ مَوْتِ ثَابِتٍ طَرْخُونُ، وَقَامَ ظُهَيْرٌ بِأَمْرِ أَصْحَابِ ثَابِتٍ، فَقَامَا قِيَامًا ضَعِيفًا، وَانْتَشَرَ أَمْرُهُمْ وَأَجْمَعَ مُوسَى عَلَى بَيَاتِهِمْ، فَأُخْبِرَ طَرْخُونُ بِذَلِكَ فَضَحِكَ، وَقَالَ: مُوسَى يَعْجِزُ أَنْ يَدْخُلَ مُتَوَضَّأَهُ، فَكَيْفَ يُبَيِّتُنَا؟ لَا يَحْرُسُ اللَّيْلَةَ أَحَدٌ. فَخَرَجَ مُوسَى فِي ثَمَانِمِائَةٍ وَجَعَلَهُمْ أَرْبَاعًا وَبَيَّتَهُمْ، وَكَانَ لَا يَمُرُّ بِشَيْءٍ إِلَّا ضَرَبُوهُ، مِنْ رَجُلٍ وَدَابَّةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَبِسَ نَيْزَكٌ سِلَاحَهُ وَوَقَفَ، وَأَرْسَلَ طَرْخُونُ إِلَى مُوسَى أَنْ كُفَّ أَصْحَابَكَ، فَإِنَّا نَرْحَلُ إِذَا أَصْبَحْنَا. فَرَجَعَ مُوسَى وَارْتَحَلَ طَرْخُونُ وَالْعَجَمُ جَمِيعًا. فَكَانَ أَهْلُ خُرَاسَانَ يَقُولُونَ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مُوسَى وَلَا سَمِعْنَا بِهِ، قَاتَلَ مَعَ أَبِيهِ سَنَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ يَسِيرُ فِي بِلَادِ خُرَاسَانَ، فَأَتَى مَلِكًا فَغَلَبَ عَلَى مَدِينَتِهِ وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا، وَسَارَ الْجُنُودُ مِنَ الْعَرَبِ وَالتُّرْكِ إِلَيْهِ، وَكَانَ يُقَاتِلُ الْعَرَبَ أَوَّلَ النَّهَارِ وَالتُّرْكَ آخِرَ النَّهَارِ. وَأَقَامَ مُوسَى فِي الْحِصْنِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَصَارَ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ لِمُوسَى لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ أَحَدٌ. فَلَمَّا عُزِلَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ وَوَلِيَ الْمُفَضَّلُ أَرَادَ أَنْ يَحْظَى عِنْدَ الْحَجَّاجِ بِقِتَالِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَسَيَّرَ عُثْمَانَ بْنَ مَسْعُودٍ إِلَيْهِ فِي جَيْشٍ، وَكَتَبَ إِلَى مُدْرِكِ بْنِ الْمُهَلَّبِ وَهُوَ بِبَلْخٍ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ مَعَهُ، فَعَبَرَ النَّهْرَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، فَكَتَبَ إِلَى السَّبْلِ وَإِلَى
следующие страницы →