← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

وَقِيلَ: كَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى يَزِيدَ: اغْزُ خَوَارِزْمَ، فَكَتَبَ: إِنَّهَا قَلِيلَةُ السَّلَبِ، شَدِيدَةُ الْكَلَبِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ: اسْتَخْلِفْ وَاقْدِمْ. فَكَتَبَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَغْزُوَ خَوَارِزْمَ. فَكَتَبَ الْحَجَّاجُ: لَا تَغْزُهَا فَإِنَّهَا كَمَا ذَكَرْتَ. فَغَزَا وَلَمْ يُطِعْهُ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا وَأَصَابَ سَبْيًا، وَقَتَلَ فِي الشِّتَاءِ، وَأَصَابَ النَّاسَ بَرْدٌ، فَأَخَذُوا ثِيَابَ الْأَسْرَى، فَمَاتَ ذَلِكَ السَّبْيُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ أَنِ اقْدِمْ. فَسَارَ إِلَيْهِ، فَكَانَ لَا يَمُرُّ بِبَلَدٍ إِلَّا فَرَشَ أَهْلُهُ الرَّيَاحِينَ. (حُضَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَضْمُومَةِ، وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَآخِرُهُ نُونٌ) . ذِكْرُ غَزْوِ الْمُفَضَّلِ بَاذَغِيسَ وَآخَرُونَ لَمَّا وَلِيَ الْمُفَضَّلُ خُرَاسَانَ غَزَا بَاذَغِيسَ فَفَتَحَهَا، وَأَصَابَ مَغْنَمًا فَقَسَّمَهُ، فَأَصَابَ كُلُّ رَجُلٍ ثَمَانِيَ مِائَةٍ. ثُمَّ غَزَا آخَرُونَ وَشُومَانَ، فَغَنِمَ وَقَسَّمَ مَا أَصَابَ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُفَضَّلِ بَيْتُ مَالٍ، كَانَ يُعْطِي النَّاسَ كُلَّمَا جَاءَ شَيْءٌ، وَإِنْ غَنِمَ شَيْئًا قَسَّمَهُ بَيْنَهُمْ. ذِكْرُ مَقْتَلِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ بِتِرْمِذَ. وَكَانَ سَبَبُ مَصِيرِهِ إِلَى تِرْمِذَ أَنَّ أَبَاهُ لَمَّا قَتَلَ مَنْ قَتَلَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ، تَفَرَّقَ عَنْهُ أَكْثَرُ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْهُمْ، فَخَرَجَ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَخَافَ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى ثَقَلِهِ بِمَرْوَ، فَقَالَ لِابْنِهِ مُوسَى: خُذْ ثَقَلِي، وَاقْطَعْ نَهْرَ بَلْخٍ حَتَّى تَلْتَجِئَ إِلَى بَعْضِ الْمُلُوكِ، وَإِلَى حِصْنٍ تُقِيمُ فِيهِ. فَرَحَلَ مُوسَى عَنْ مَرْوَ فِي عِشْرِينَ وَمِائَتَيْ فَارِسٍ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ تَتِمَّةُ أَرْبَعِمِائَةٍ، وَانْضَمَّ إِلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، فَأَتَى زَمَّ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا، فَظَفِرَ بِهِمْ فَأَصَابَ مَالًا، وَقَطَعَ النَّهْرَ وَأَتَى بُخَارَى، فَسَأَلَ صَاحِبَهَا أَنْ يَلْجَأَ إِلَيْهِ فَأَبَى. فَخَافَهُ وَقَالَ: رَجُلٌ فَاتِكٌ وَأَصْحَابُهُ مِثْلُهُ فَلَا آمَنُهُ. وَوَصَلَهُ وَسَارَ، فَلَمْ يَأْتِ مَلِكًا يَلْجَأُ إِلَيْهِ إِلَّا كَرِهَ مُقَامَهُ عِنْدَهُ، فَأَتَى سَمَرْقَنْدَ فَأَقَامَ بِهَا، وَأَكْرَمَهُ مَلِكُهَا طَرْخُونُ، وَأَذِنَ لَهُ فِي الْمُقَامِ، وَأَقَامَ مَا شَاءَ اللَّهُ.

стр. 1962

وَلِأَهْلِ الصُّغْدِ مَائِدَةٌ يُوضَعُ عَلَيْهَا لَحْمٌ وَخَلٌّ وَخُبْزٌ وَإِبْرِيقُ شَرَابٍ، وَذَلِكَ كُلُّ عَامٍ يَوْمًا، يَجْعَلُونَ ذَلِكَ لِفَارِسِ الصُّغْدِ، فَلَا يَقْرَبُهُ غَيْرُهُ، فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ أَحَدٌ بَارَزَهُ، فَأَيُّهُمَا قَتَلَ صَاحِبَهُ فَالْمَائِدَةُ لَهُ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ مُوسَى: مَا هَذِهِ الْمَائِدَةُ؟ فَأُخْبِرَ، فَجَلَسَ فَأَكَلَ مَا عَلَيْهَا، وَقِيلَ لِصَاحِبِ الْمَائِدَةِ فَجَاءَ مُغَضَبًا وَقَالَ: يَا عَرَبِيُّ بَارِزْنِي! فَبَارَزَهُ فَقَتَلَهُ صَاحِبُ مُوسَى، فَقَالَ مَلِكُ الصُّغْدِ: أَنْزَلْتُكُمْ وَأَكْرَمْتُكُمْ فَقَتَلْتُمْ فَارِسِي، لَوْلَا أَنِّي آمَنْتُكَ وَأَصْحَابَكَ لَقَتَلْتُكُمْ، اخْرُجُوا عَنْ بَلَدِي. فَخَرَجُوا. فَأَتَى كِشَّ، فَضَعُفَ صَاحِبُهَا عَنْهُ، فَاسْتَنْصَرَ طَرْخُونَ فَأَتَاهُ، فَخَرَجَ مُوسَى إِلَيْهِ وَقَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ سَبْعُمِائَةِ فَارِسٍ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى أَمْسَوْا وَتَحَاجَزُوا، وَبِأَصْحَابِ مُوسَى جِرَاحٌ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ لِزُرْعَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ: احْتَلْ لَنَا عَلَى طَرْخُونَ. فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، مَا حَاجَتُكَ إِلَى أَنْ تَقْتُلَ مُوسَى وَتُقْتَلَ مَعَهُ، فَإِنَّكَ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ حَتَّى يَقْتُلُوا [مِثْلَ] عِدَّتِهِمْ مِنْكُمْ، وَلَوْ قَتَلْتَهُ وَإِيَّاهُمْ جَمِيعًا (مَا نِلْتَ حَظًّا) ، لِأَنَّ لَهُ قَدْرًا فِي الْعَرَبِ، فَلَا يَأْتِي أَحَدٌ خُرَاسَانَ إِلَّا طَالَبَكَ بِدَمِهِ. فَقَالَ: لَيْسَ لِي إِلَى تَرْكِ كِشَّ فِي يَدِهِ سَبِيلٌ. قَالَ: فَكُفَّ عَنْهُ حَتَّى يَرْتَحِلَ. فَكَفَّ. وَسَارَ مُوسَى فَأَتَى تِرْمِذَ وَبِهَا حِصْنٌ يُشْرِفُ عَلَى جَانِبِ النَّهْرِ، فَنَزَلَ مُوسَى خَارِجَ الْحِصْنِ، وَسَأَلَ تِرْمِذَشَاهَ أَنْ يُدْخِلَهُ حِصْنَهُ فَأَبَى، فَأَهْدَى لَهُ مُوسَى وَلَاطَفَهُ حَتَّى حَصَلَ بَيْنَهُمَا مَوَدَّةٌ، وَخَرَجَ فَتَصَيَّدَ مَعَهُ. فَصَنَعَ صَاحِبُ تِرْمِذَ طَعَامًا، وَأَحْضَرَ مُوسَى لِيَأْكُلَ مَعَهُ، وَلَا يَحْضُرُ إِلَّا فِي مِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَاخْتَارَ مُوسَى مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، فَدَخَلُوا الْحِصْنَ وَأَكَلُوا، فَلَمَّا فَرَغُوا قَالَ لَهُ: اخْرُجْ. قَالَ: لَا أَخْرُجُ حَتَّى يَكُونَ الْحِصْنُ بَيْتِي أَوْ قَبْرِي. وَقَاتَلَهُمْ فَقُتِلَ مِنْهُمْ عِدَّةٌ، وَهَرَبَ الْبَاقُونَ، وَاسْتَوْلَى مُوسَى عَلَيْهَا، وَأَخْرَجَ تِرْمِذَشَاهَ مِنْهَا وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ وَلَا لِأَصْحَابِهِ، فَأَتَوُا التُّرْكَ يَسْتَنْصِرُونَهُمْ عَلَى مُوسَى فَلَمْ يَنْصُرُوهُمْ وَقَالُوا: لَا نُقَاتِلُ هَؤُلَاءِ. وَأَقَامَ مُوسَى بِتِرْمِذَ، فَأَتَاهُ جَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِيهِ فَقَوِيَ بِهِمْ، فَكَانَ يَخْرُجُ فَيُغِيرُ عَلَى مَا حَوْلَهُ. ثُمَّ وَلِيَ بُكَيْرُ بْنُ وَسَّاجٍ خُرَاسَانَ فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ، ثُمَّ قَدِمَ أُمَيَّةُ فَسَارَ بِنَفْسِهِ يُرِيدُ مُخَالَفَةَ بُكَيْرٍ فَرَجَعَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. ثُمَّ إِنَّ أُمَيَّةَ وَجَّهَ إِلَى مُوسَى بَعْدَ صُلْحِ بُكَيْرٍ رَجُلًا مِنْ خُزَاعَةَ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، وَعَادَ أَهْلُ تِرْمِذَ إِلَى التُّرْكِ، فَاسْتَنْصَرُوهُمْ وَأَعْلَمُوهُمْ أَنَّهُ قَدْ غَزَاهُ قَوْمٌ مِنَ الْعَرَبِ وَحَصَرُوهُ. فَسَارَتِ التُّرْكُ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ إِلَى الْخُزَاعِيِّ، فَأَطَافَ بِمُوسَى التُّرْكُ وَالْخُزَاعِيُّ، فَكَانَ يُقَاتِلُ الْخُزَاعِيَّ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَالتُّرْكَ آخِرَ النَّهَارِ، فَقَاتَلَهُمْ

стр. 1963

شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً. ثُمَّ إِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّتَ الْخُزَاعِيَّ وَعَسْكَرَهُ، فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ خَالِدِ بْنِ حُصَيْنٍ الْكِلَابِيُّ: لِيَكُنِ الْبَيَاتُ بِالْعَجَمِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ أَشَدُّ حَذَرًا وَأَجْرَأُ عَلَى اللَّيْلِ، فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ الْعَجَمِ تَفَرَّغْنَا لِلْعَرَبِ. فَأَقَامَ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وَخَرَجَ مُوسَى فِي أَرْبَعِمِائَةٍ وَقَالَ لِعَمْرِو بْنِ خَالِدٍ: اخْرُجْ بَعْدَنَا، فَكُنْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ قَرِيبًا، فَإِذَا سَمِعْتُمْ تَكْبِيرَنَا فَكَبِّرُوا. ثُمَّ سَارَ حَتَّى ارْتَفَعَ فَوْقَ عَسْكَرِ التُّرْكِ، وَرَجَعَ إِلَيْهِمْ، وَجَعَلَ أَصْحَابَهُ أَرْبَاعًا، وَأَقْبَلَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَآهُمْ أَصْحَابُ الْأَرْصَادِ قَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: عَابِرُو سَبِيلٍ. فَلَمَّا جَاوَزُوا الرَّصَدَ حَمَلُوا عَلَى التُّرْكِ وَكَبَّرُوا، فَلَمْ يَشْعُرِ التُّرْكُ إِلَّا بِوَقْعِ السُّيُوفِ فِيهِمْ، فَسَارُوا يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَوَلَّوْا، فَأُصِيبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَحَوُوا عَسْكَرَهُمْ وَأَصَابُوا سِلَاحًا كَثِيرًا وَمَالًا، وَأَصْبَحَ الْخُزَاعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَقَدْ كَسْرَهُمْ ذَلِكَ، فَخَافُوا مِثْلَهَا، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ لِمُوسَى: إِنَّنَا لَا نَظْفَرُ إِلَّا بِمَكِيدَةٍ، وَلَهُمْ أَمْدَادًا، وَهُمْ كَثِيرُونَ، فَدَعْنِي آتِهِ لَعَلِّي أُصِيبُ فُرْصَةً، فَاضْرِبْنِي وَخَلَاكَ ذَمٌّ. فَقَالَ لَهُ مُوسَى: تَتَعَجَّلُ الضَّرْبَ وَتَتَعَرَّضُ لِلْقَتْلِ. قَالَ: أَمَّا التَّعَرُّضُ لِلْقَتْلِ فَأَنَا كُلُّ يَوْمٍ مُتَعَرِّضٌ لَهُ، وَأَمَّا الضَّرْبُ فَمَا أَيْسَرَهُ فِي جَنْبِ مَا أُرِيدُ. فَضَرَبَهُ مُوسَى خَمْسِينَ سَوْطًا، فَخَرَجَ مِنْ عَسْكَرِ مُوسَى وَأَتَى عَسْكَرَ الْخُزَاعِيِّ مُسْتَأْمِنًا، وَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ، فَلَمَّا قُتِلَ أَتَيْتُ ابْنَهُ فَكُنْتُ مَعَهُ، وَإِنَّهُ اتَّهَمَنِي وَقَالَ: قَدْ تَعَصَّبْتَ لِعَدُوِّنَا وَأَنْتَ عَيْنٌ لَهُ، فَضَرَبَنِي وَلَمْ آمَنِ الْقَتْلَ فَهَرَبْتُ مِنْهُ. فَآمَنَهُ الْخُزَاعِيُّ وَأَقَامَ مَعَهُ، فَدَخَلَ يَوْمًا وَهُوَ خَالٍ وَلَمْ يَرَ عِنْدَهُ سِلَاحًا، فَقَالَ كَأَنَّهُ يَنْصَحُ لَهُ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، إِنَّ مِثْلَكَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ سِلَاحٍ. قَالَ: إِنَّ مَعِي سِلَاحًا. فَرَفَعَ طَرَفَ فِرَاشِهِ فَإِذَا سَيْفٌ مُنْتَضًى، فَأَخَذَهُ عَمْرٌو فَضَرَبَهُ حَتَّى قَتَلَهُ، وَخَرَجَ فَرَكِبَ فَرَسَهُ وَأَتَى مُوسَى، وَتَفَرَّقَ ذَلِكَ الْجَيْشُ، وَأَتَى بَعْضُهُمْ مُوسَى مُسْتَأْمِنًا فَآمَنَهُ، وَلَمْ يُوَجِّهْ إِلَيْهِ أُمَيَّةُ أَحَدًا. وَعُزِلَ أُمَيَّةُ وَقِدَمَ الْمُهَلَّبُ أَمِيرًا، فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمُوسَى وَقَالَ لِبْنَيْهِ: إِيَّاكُمْ وَمُوسَى، فَإِنَّكُمْ لَا تَزَالُونَ وُلَاةَ خُرَاسَانَ مَا دَامَ هَذَا الثَّبِطُ بِمَكَانِهِ، فَإِنْ قُتِلَ فَأَوَّلُ طَالِعٍ عَلَيْكُمْ أَمِيرٌ عَلَى خُرَاسَانَ مِنْ قَيْسٍ. فَلَمَّا مَاتَ الْمُهَلَّبُ وَوَلِيَ يَزِيدُ لَمْ يَتَعَرَّضْ أَيْضًا لِمُوسَى. وَكَانَ الْمُهَلَّبُ قَدْ ضَرَبَ حُرَيْثَ بْنَ قُطْبَةَ الْخُزَاعِيَّ، فَخَرَجَ هُوَ وَأَخُوهُ ثَابِتٌ إِلَى مُوسَى، فَلَمَّا وَلِيَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ أَخَذَ أَمْوَالَهُمَا وَحُرَمَهُمَا، وَقَتَلَ أَخَاهُمَا لِأُمِّهِمَا الْحَارِثَ بْنَ مُنْقِذٍ، فَخَرَجَ ثَابِتٌ إِلَى طَرْخُونَ، فَشَكَا إِلَيْهِ مَا صَنَعَ بِهِ، وَكَانَ ثَابِتٌ مَحْبُوبًا إِلَى التُّرْكِ بَعِيدَ الصَّوْتِ فِيهِمْ، فَغَضِبَ لَهُ طَرْخُونُ، وَجَمَعَ لَهُ نَيْزَكَ وَالسَّبْلَ وَأَهْلَ بُخَارَى وَالصَّغَانِيانَ، فَقَدِمُوا مَعَ ثَابِتٍ إِلَى مُوسَى، وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَى مُوسَى فَلُّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ

стр. 1964

الْعَبَّاسِ مِنْ هَرَاةَ، وَفَلُّ ابْنِ الْأَشْعَثِ مِنَ الْعِرَاقِ، وَمِنْ نَاحِيَةِ كَابُلَ، فَاجْتَمَعَ مَعَهُ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ، فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ وَحُرَيْثٌ: سِرْ حَتَّى تَقْطَعَ النَّهْرَ، وَتُخْرِجَ يَزِيدَ عَنْ خُرَاسَانَ وَنُوَلِّيكَ. فَهَمَّ أَنْ يَفْعَلَ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: إِنْ أَخْرَجْتَ يَزِيدَ عَنْ خُرَاسَانَ تَوَلَّى ثَابِتٌ وَأَخُوهُ خُرَاسَانَ وَغَلَبَاكَ عَلَيْهَا. فَلَمْ يَسِرْ وَقَالَ لِثَابِتٍ وَحُرَيْثٍ: إِنْ أَخْرَجْنَا يَزِيدَ قَدِمَ عَامِلٌ لِعَبْدِ الْمَلِكِ، وَلَكِنَّا نُخْرِجُ عُمَّالَ يَزِيدَ عَمَّا وَرَاءَ النَّهْرِ وَيَكُونُ لَنَا، فَأَخْرَجُوا عُمَّالَ يَزِيدَ عَمَّا وَرَاءَ النَّهْرِ وَجَبَوُا الْأَمْوَالَ، فَقَوِيَ أَمْرُهُمْ، وَانْصَرَفَ طَرْخُونُ وَمَنْ مَعَهُ، وَاسْتَبَدَّ ثَابِتٌ وَحُرَيْثٌ بِتَدْبِيرِ الْأَمْرِ، وَالْأَمِيرُ مُوسَى لَيْسَ لَهُ غَيْرُ الِاسْمِ. فَقِيلَ لِمُوسَى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأُمُورِ شَيْءٌ، وَالْأُمُورُ إِلَى ثَابِتٍ وَحُرَيْثٍ فَاقْتُلْهُمَا وَتَوَلَّ الْأَمْرَ. فَأَبَى، فَأَلَحُّوا عَلَيْهِ حَتَّى أَفْسَدُوا قَلْبَهُ عَلَيْهِمَا، وَهَمَّ بِقَتْلِهِمَا. فَإِنَّهُمْ لَفِي ذَلِكَ إِذْ خَرَجَ عَلَيْهِمُ الْهَيَاطِلَةُ وَالتُّبَّتُ وَالتُّرْكُ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا لَا يُعِدُّونَ الْحَاسِرَ، وَلَا صَاحِبَ الْبَيْضَةِ الْجَمَّاءِ، وَلَا يُعِدُّونَ إِلَّا صَاحِبَ بَيْضَةٍ ذَاتِ قَوْنَسٍ. فَخَرَجَ ابْنُ خَازِمٍ وَقَاتَلَهُمْ فِيمَنْ مَعَهُ، وَوَقَفَ مَلِكُ التُّرْكِ عَلَى تَلٍّ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ فِي أَكْمَلِ عُدَّةٍ، وَالْقِتَالُ أَشَدُّ مَا كَانَ، فَقَالَ مُوسَى: إِنْ أَزَلْتُمْ هَؤُلَاءِ فَلَيْسَ الْبَاقُونَ بِشَيْءٍ. فَقَصَدَ لَهُمْ حُرَيْثُ بْنُ قُطْبَةَ فَقَاتَلَهُمْ وَأَلَحَّ عَلَيْهِمْ حَتَّى أَزَالَهُمْ عَنِ التَّلِّ، وَرُمِيَ حُرَيْثٌ بِنَشَّابَةٍ فِي جَبْهَتِهِ، فَتَحَاجَزُوا، فَبَيَّتَهُمْ مُوسَى، وَحَمَلَ أَخُوهُ خَازِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ حَتَّى وَصَلَ إِلَى شَمْعَةِ مُلْكِهِمْ، فَوَجَأَ رَجُلًا مِنْهُمْ بِقَبِيعَةِ سَيْفِهِ، فَطَعَنَ فَرَسَهُ، فَاحْتَمَلَهُ الْفَرَسُ فَأَلْقَاهُ فِي نَهْرِ بَلْخٍ فَغَرِقَ، وَقُتِلَ مِنَ التُّرْكِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَنَجَا مَنْ نَجَا مِنْهُمْ بِشَرٍّ، وَمَاتَ حُرَيْثٌ بَعْدَ يَوْمَيْنِ. وَرَجَعَ مُوسَى، وَحَمَلَ مَعَهُ الرُّؤُوسَ فَبَنَى مِنْهَا جَوْسَقَيْنِ. وَقَالَ أَصْحَابُ مُوسَى: قَدْ كُفِينَا أَمْرَ حُرَيْثٍ، فَاكْفِنَا أَمْرَ ثَابِتٍ. فَأَبَى، وَبَلَغَ ثَابِتًا بَعْضُ مَا يَخُوضُونَ فِيهِ، فَدَسَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيَّ - عَمَّ نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَامِلَ أَبِي مُسْلِمٍ عَلَى الرَّيِّ - عَلَى مُوسَى، وَقَالَ: إِيَّاكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَإِنْ سَأَلُوكَ فَقُلْ: أَنَا مِنْ سَبْيِ الْبَامِيَانِ. فَفَعَلَ ذَلِكَ وَاتَّصَلَ بِمُوسَى، وَكَانَ يَخْدِمُهُ وَيَنْقُلُ إِلَى ثَابِتٍ خَبَرَهُمْ، فَحَذِرَ ثَابِتٌ، وَأَلَحَّ الْقَوْمُ عَلَى مُوسَى. فَقَالَ لَهُمْ لَيْلَةً: لَقَدْ أَكْثَرْتُمْ عَلَيَّ وَفِيمَا تُرِيدُونَ هَلَاكُكُمْ، فَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ تَقْتُلُونَهُ، وَأَنَا لَا أَغْدِرُ بِهِ؟ قَالَ لَهُ أَخُوهُ نُوحٌ: إِذَا أَتَاكَ غَدًا عَدَلْنَا بِهِ إِلَى بَعْضِ الدُّورِ، فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ فِيهَا قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ هَلَاكُكُمْ، وَأَنْتُمْ أَعْلَمُ.

стр. 1965

فَخَرَجَ الْغُلَامُ فَأَتَى ثَابِتًا فَأَخْبَرَهُ، فَخَرَجَ مِنْ لَيْلَتِهِ فِي عِشْرِينَ فَارِسًا وَمَضَى. وَأَصْبَحُوا فَلَمْ يَرَوْهُ وَلَمْ يَرَوُا الْغُلَامَ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ كَانَ عَيْنًا لَهُ. وَنَزَلَ ثَابِتٌ بِحُوشَرَا، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، فَأَقْبَلَ مُوسَى إِلَيْهِ وَقَاتَلَهُ، وَتَحَصَّنَ ثَابِتٌ بِالْمَدِينَةِ، وَأَتَاهُ طَرْخُونُ مُعِينًا لَهُ، فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى تِرْمِذَ، وَأَقْبَلَ ثَابِتٌ وَطَرْخُونُ وَمَعَهُمَا أَهْلُ بُخَارَى وَنَسَفَ وَكِشَّ، فَاجْتَمَعُوا فِي ثَمَانِينَ أَلْفًا، فَحَصَرُوا مُوسَى حَتَّى جَهِدَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ قَالَ يَزِيدُ بْنُ هُذَيْلٍ: وَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّ ثَابِتًا أَوْ لَأَمُوتَنَّ. فَخَرَجَ إِلَى ثَابِتٍ فَاسْتَأْمَنَهُ، فَقَالَ لَهُ ظُهَيْرٌ: أَنَا أَعْرَفُ بِهَذَا مِنْكَ، مَا أَتَاكَ إِلَّا بِغَدْرِهِ فَاحْذَرْهُ، فَأَخَذَ ابْنَيْهِ قُدَامَةَ وَالضَّحَّاكَ رَهْنًا، فَكَانَا فِي يَدِ ظُهَيْرٍ. وَأَقَامَ يَزِيدُ يَلْتَمِسُ غِرَّةَ ثَابِتٍ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَا يُرِيدُ حَتَّى مَاتَ ابْنٌ لِزِيَادٍ الْقَصِيرِ الْخُزَاعِيِّ، فَخَرَجَ ثَابِتٌ إِلَيْهِ لِيُعَزِّيَهُ وَهُوَ بِغَيْرِ سِلَاحٍ وَقَدْ غَابَتِ الشَّمْسُ، فَدَنَا يَزِيدُ مِنْ ثَابِتٍ فَضَرَبَهُ عَلَى رَأْسِهِ، فَوَصَلَ إِلَى الدِّمَاغِ وَهَرَبَ فَسَلِمَ، وَأَخَذَ طَرْخُونُ قُدَامَةَ وَالضَّحَّاكَ ابْنَيْ يَزِيدَ فَقَتَلَهُمَا، وَعَاشَ ثَابِتٌ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَمَاتَ، وَقَامَ بِأَمْرِ الْعَجَمِ بَعْدَ مَوْتِ ثَابِتٍ طَرْخُونُ، وَقَامَ ظُهَيْرٌ بِأَمْرِ أَصْحَابِ ثَابِتٍ، فَقَامَا قِيَامًا ضَعِيفًا، وَانْتَشَرَ أَمْرُهُمْ وَأَجْمَعَ مُوسَى عَلَى بَيَاتِهِمْ، فَأُخْبِرَ طَرْخُونُ بِذَلِكَ فَضَحِكَ، وَقَالَ: مُوسَى يَعْجِزُ أَنْ يَدْخُلَ مُتَوَضَّأَهُ، فَكَيْفَ يُبَيِّتُنَا؟ لَا يَحْرُسُ اللَّيْلَةَ أَحَدٌ. فَخَرَجَ مُوسَى فِي ثَمَانِمِائَةٍ وَجَعَلَهُمْ أَرْبَاعًا وَبَيَّتَهُمْ، وَكَانَ لَا يَمُرُّ بِشَيْءٍ إِلَّا ضَرَبُوهُ، مِنْ رَجُلٍ وَدَابَّةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَبِسَ نَيْزَكٌ سِلَاحَهُ وَوَقَفَ، وَأَرْسَلَ طَرْخُونُ إِلَى مُوسَى أَنْ كُفَّ أَصْحَابَكَ، فَإِنَّا نَرْحَلُ إِذَا أَصْبَحْنَا. فَرَجَعَ مُوسَى وَارْتَحَلَ طَرْخُونُ وَالْعَجَمُ جَمِيعًا. فَكَانَ أَهْلُ خُرَاسَانَ يَقُولُونَ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مُوسَى وَلَا سَمِعْنَا بِهِ، قَاتَلَ مَعَ أَبِيهِ سَنَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ يَسِيرُ فِي بِلَادِ خُرَاسَانَ، فَأَتَى مَلِكًا فَغَلَبَ عَلَى مَدِينَتِهِ وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا، وَسَارَ الْجُنُودُ مِنَ الْعَرَبِ وَالتُّرْكِ إِلَيْهِ، وَكَانَ يُقَاتِلُ الْعَرَبَ أَوَّلَ النَّهَارِ وَالتُّرْكَ آخِرَ النَّهَارِ. وَأَقَامَ مُوسَى فِي الْحِصْنِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَصَارَ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ لِمُوسَى لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ أَحَدٌ. فَلَمَّا عُزِلَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ وَوَلِيَ الْمُفَضَّلُ أَرَادَ أَنْ يَحْظَى عِنْدَ الْحَجَّاجِ بِقِتَالِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَسَيَّرَ عُثْمَانَ بْنَ مَسْعُودٍ إِلَيْهِ فِي جَيْشٍ، وَكَتَبَ إِلَى مُدْرِكِ بْنِ الْمُهَلَّبِ وَهُوَ بِبَلْخٍ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ مَعَهُ، فَعَبَرَ النَّهْرَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، فَكَتَبَ إِلَى السَّبْلِ وَإِلَى

стр. 1966

طَرْخُونَ فَقَدِمُوا عَلَيْهِ، فَحَصَرُوا مُوسَى وَضَيَّقُوا عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ. فَمَكَثَ شَهْرَيْنِ فِي ضِيقٍ، وَقَدْ خَنْدَقَ عُثْمَانُ عَلَيْهِ وَحَذِرَ الْبَيَاتَ، فَقَالَ مُوسَى لِأَصْحَابِهِ: اخْرُجُوا بِنَا، حَتَّى مَتَى نَصْبِرُ، فَاجْعَلُوا يَوْمَكُمْ مَعَهُمْ إِمَّا ظَفِرْتُمْ وَإِمَّا قُتِلْتُمْ، وَاقْصِدُوا التُّرْكَ. فَخَرَجُوا وَخَلَّفَ النَّضْرَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ فِي الْمَدِينَةِ، وَقَالَ لَهُ: إِنْ قُتِلْتُ فَلَا تَدْفَعَنَّ الْمَدِينَةَ إِلَى عُثْمَانَ، وَادْفَعْهَا إِلَى مُدْرِكِ بْنِ الْمُهَلَّبِ. وَخَرَجَ وَجَعَلَ ثُلُثَ أَصْحَابِهِ بِإِزَاءِ عُثْمَانَ، وَقَالَ: لَا تُقَاتِلُوهُ إِلَّا أَنْ يُقَاتِلَكُمْ. وَقَصَدَ لِطَرْخُونَ وَأَصْحَابَهُ فَصَدَقُوهُمُ الْقِتَالَ، فَانْهَزَمَ طَرْخُونُ وَأَخَذُوا عَسْكَرَهُمْ، وَزَحَفَتِ التُّرْكُ وَالصُّغْدُ فَحَالُوا بَيْنَ مُوسَى وَالْحِصْنِ، فَقَاتَلَهُمْ، فَعَقَرُوا فَرَسَهُ فَسَقَطَ، فَقَالَ لِمَوْلًى لَهُ: احْمِلْنِي، فَقَالَ: الْمَوْتُ كَرِيهٌ، وَلَكِنِ ارْتَدِفْ، فَإِنْ نَجَوْنَا نَجَوْنَا جَمِيعًا، وَإِنْ هَلَكْنَا هَلَكْنَا جَمِيعًا. قَالَ: فَارْتَدَفَ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ حِينَ وَثَبَ قَالَ: وَثْبَةُ مُوسَى وَرَبِّ الْكَعْبَةِ! وَقَصَدَ إِلَى مُوسَى، وَعُقِرَتْ دَابَّةُ مُوسَى فَسَقَطَ هُوَ وَمَوْلَاهُ، فَقَتَلُوهُ، وَنَادَى مُنَادِي عُثْمَانَ: مَنْ لَقِيتُمُوهُ فَخُذُوهُ أَسِيرًا، وَلَا تَقْتُلُوا أَحَدًا. فَقَتَلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنَ الْأَسْرَى خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الْعَرَبِ خَاصَّةً، فَكَانَ يَقْتُلُ الْعَرَبَ، وَيَضْرِبُ الْمَوْلَى وَيُطْلِقُهُ، وَكَانَ فَظًّا غَلِيظًّا. وَكَانَ الَّذِي أَجْهَزَ عَلَى مُوسَى وَاصِلُ بْنُ طَيْسَلَةَ الْعَنْبَرِيُّ. وَبَقِيَتِ الْمَدِينَةُ بِيَدِ النَّضْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، فَلَمْ يَدْفَعْهَا إِلَى عُثْمَانَ، وَسَلَّمَهَا إِلَى مُدْرِكِ بْنِ الْمُهَلَّبِ وَآمَنَهُ، فَسَلَّمَهَا مُدْرِكٌ إِلَى عُثْمَانَ. وَكَتَبَ الْمُفَضَّلُ إِلَى الْحَجَّاجِ بِقَتْلِ مُوسَى فَقَالَ: الْعَجَبُ مِنْهُ! أَكْتُبُ إِلَيْهِ بِقَتْلِ ابْنِ سَبْرَةَ فَيَكْتُبُ إِلَيَّ أَنَّهُ لِمَآبِهِ، وَيَكْتُبُ إِلَيَّ أَنَّهُ قَدْ قَتَلَ مُوسَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ. وَلَمْ يَسُرَّهُ قَتْلُ مُوسَى لِأَنَّهُ مِنْ قَيْسٍ. وَقُتِلَ مُوسَى سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ، وَضَرَبَ رَجُلٌ مِنَ الْجُنْدِ سَاقَ مُوسَى، فَلَمَّا وَلِيَ قُتَيْبَةُ قَالَ: مَا دَعَاكَ إِلَى مَا صَنَعْتَ بِفَتَى الْعَرَبِ بَعْدَ مَوْتِهِ؟ قَالَ: كَانَ قَتَلَ أَخِي. فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ. ذِكْرُ مَوْتِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ وَالْبَيْعَةِ لِلْوَلِيدِ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ أَرَادَ أَنْ يَخْلَعَ أَخَاهُ عَبْدَ الْعَزِيزِ مِنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ، وَيُبَايِعَ لِابْنِهِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ وَقَالَ: لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّكَ تَبْعَثُ

стр. 1967

عَلَى نَفْسِكَ صَوْتَ عَارٍ، وَلَعَلَّ الْمَوْتَ يَأْتِيهِ [فَتَسْتَرِيحَ مِنْهُ] . فَكَفَّ عَنْهُ وَنَفْسُهُ تُنَازِعُهُ إِلَى خَلْعِهِ. فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَوْحُ بْنُ زِنْبَاعٍ، وَكَانَ أَجَلَّ النَّاسِ عِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ خَلَعْتَهُ مَا انْتَطَحَ فِيهِ عَنْزَانِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُجِيبُكَ إِلَى ذَلِكَ. قَالَ: نُصْبِحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَنَامَ رَوْحٌ عِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمَا قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ وَهُمَا نَائِمَانِ، وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ قَدْ تَقَدَّمَ إِلَى حُجَّابِهِ أَنْ لَا يَحْجُبُوا قَبِيصَةَ عَنْهُ، وَكَانَ إِلَيْهِ الْخَاتَمُ وَالسِّكَّةُ، تَأْتِيهِ الْأَخْبَارُ قَبْلَ عَبْدِ الْمَلِكِ وَالْكُتُبُ. فَلَمَّا دَخَلَ سَلَّمَ عَلَيْهِ، قَالَ: آجَرَكَ اللَّهُ فِي عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخِيكَ. قَالَ: هَلْ تُوُفِّيَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى رَوْحٍ وَقَالَ: كَفَانَا اللَّهُ مَا كُنَّا نُرِيدُ، وَكَانَ ذَلِكَ مُخَالِفًا لَكَ يَا قَبِيصَةُ. فَقَالَ قَبِيصَةُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الرَّأْيَ كُلَّهُ فِي الْأَنَاةِ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَرُبَّمَا كَانَ فِي الْعَجَلَةِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، رَأَيْتَ أَمْرَ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، أَلَمْ تَكُنِ الْعَجَلَةُ فِيهِ خَيْرًا مِنَ الْأَنَاةِ؟ وَكَانَتْ وَفَاةُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي جُمَادَى الْأُولَى فِي مِصْرَ، فَضَمَّ عَبْدُ الْمَلِكِ عَمَلَهُ إِلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَوَلَّاهُ مِصْرَ. وَقِيلَ: إِنَّ الْحَجَّاجَ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يُزَيِّنُ لَهُ بَيْعَةَ الْوَلِيدِ، وَأَوْفَدَ فِي ذَلِكَ وَفْدًا، فَلَمَّا أَرَادَ عَبْدُ الْمَلِكِ خَلْعَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْبَيْعَةَ لِلْوَلِيدِ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِنْ رَأَيْتَ أَنْ يَصِيرَ هَذَا الْأَمْرُ لِابْنِ أَخِيكَ. فَأَبَى، فَكَتَبَ إِلَيْهِ لِيَجْعَلَ الْأَمْرَ لَهُ، وَيَجْعَلَهُ لَهُ أَيْضًا مِنْ بَعْدِهِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ: إِنِّي أَرَى فِي ابْنِي أَبِي بَكْرٍ مَا تَرَى فِي الْوَلِيدِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ لِيَحْمِلَ خَرَاجَ مِصْرَ، فَأَجَابَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ: إِنِّي وَإِيَّاكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ بَلَغْنَا سِنًّا لَمْ يَبْلُغْهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ إِلَّا كَانَ بَقَاؤُهُ قَلِيلًا، وَإِنَّا لَا نَدْرِي أَيُّنَا يَأْتِيهِ الْمَوْتُ أَوَّلًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ لَا تُفْسِدَ عَلَيَّ بَقِيَّةَ عُمُرِي فَافْعَلْ. فَرَقَّ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ وَتَرَكَهُ، وَقَالَ لِلْوَلِيدِ وَسُلَيْمَانَ: إِنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَكُمَا الْخِلَافَةَ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنَ الْعِبَادِ عَلَى رَدِّ ذَلِكَ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ حَيْثُ رَدَّهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ قَطَعَنِي فَاقْطَعْهُ. فَلَمَّا مَاتَ عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ أَهْلُ الشَّامِ: رُدَّ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَمْرَهُ. فَلَمَّا أَتَى خَبَرُ مَوْتِهِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ أَمَرَ النَّاسَ بِالْبَيْعَةِ لِابْنَيْهِ الْوَلِيدِ وَسُلَيْمَانَ، فَبَايَعُوا، وَكَتَبَ بِالْبَيْعَةِ لَهُمَا إِلَى الْبُلْدَانِ. وَكَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، فَدَعَا النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ فَأَجَابُوا، إِلَّا سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ فَإِنَّهُ أَبَى وَقَالَ: لَا أُبَايِعُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ حَيٌّ، فَضَرَبَهُ هِشَامٌ ضَرْبًا مُبَرِّحًا،

стр. 1968

وَطَافَ بِهِ وَهُوَ فِي تُبَّانِ شَعْرٍ حَتَّى بَلَغَ رَأْسَ الثَّنِيَّةِ الَّتِي يَقْتُلُونَ وَيَصْلُبُونَ عِنْدَهَا، ثُمَّ رَدُّوهُ وَحَبَسُوهُ. فَقَالَ سَعِيدٌ: لَوْ ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ [لَا] يَصْلُبُونَنِي مَا لَبِسْتُ ثِيَابَ مَسُوحٍ، وَلَكِنَّنِي قُلْتُ: يَصْلُبُونَنِي فَيَسْتُرُنِي. فَبَلَغَ عَبْدَ الْمَلِكِ الْخَبَرُ فَقَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ هِشَامًا، إِنَّمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوَهُ إِلَى الْبَيْعَةِ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يُبَايِعَ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ أَوْ يَكُفُّ عَنْهُ. وَكَتَبَ إِلَيْهِ يَلُومُهُ وَيَقُولُ لَهُ: إِنَّ سَعِيدًا لَيْسَ عِنْدَهُ شِقَاقٌ وَلَا خِلَافٌ. وَقَدْ كَانَ سَعِيدٌ امْتَنَعَ مِنْ بَيْعَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَقَالَ: لَا أُبَايِعُ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ. فَضَرَبَهُ جَابِرُ بْنُ الْأَسْوَدِ عَامِلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ سِتِّينَ سَوْطًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَكَتَبَ إِلَى جَابِرٍ يَلُومُهُ وَقَالَ: مَا لَنَا وَلِسَعِيدٍ، دَعْهُ لَا تَعْرِضْ لَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ بَيْعَةَ الْوَلِيدِ وَسُلَيْمَانَ كَانَتْ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، قَبْلَ قُدُومِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى أَخِيهِ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ مِصْرَ، فَلَمَّا فَارَقَهُ وَصَّاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ فَقَالَ: ابْسُطْ بِشْرَكَ، وَأَلِنْ كَنَفَكَ، وَآثِرِ الرِّفْقَ فِي الْأُمُورِ، فَهُوَ أَبْلَغُ بِكَ، وَانْظُرْ حَاجِبَكَ، وَلْيَكُنْ مِنْ خَيْرِ أَهْلِكَ، فَإِنَّهُ وَجْهُكَ وَلِسَانُكَ، وَلَا يَقِفَنَّ أَحَدٌ بِبَابِكَ إِلَّا أَعْلَمَكَ مَكَانَهُ، لِتَعْلَمَ أَنْتَ الَّذِي تَأْذَنُ لَهُ أَوْ تَرُدُّهُ، فَإِذَا خَرَجْتَ إِلَى مَجْلِسِكَ فَابْدَأْ جُلَسَاءَكَ بِالْكَلَامِ يَأْنَسُوا بِكَ، وَتَثْبُتَ فِي قُلُوبِهِمْ مَحَبَّتُكَ، وَإِذَا انْتَهَى إِلَيْكَ مُشْكِلٌ فَاسْتَظْهِرْ عَلَيْهِ بِالْمُشَاوَرَةِ، فَإِنَّهَا تَفْتَحُ مَغَالِيقَ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ لَكَ نِصْفَ الرَّأْيِ وَلِأَخِيكَ نَصْفَهُ، وَلَنْ يَهْلِكَ امْرُؤٌ عَنْ مَشُورَةٍ، وَإِذَا سَخِطْتَ عَلَى أَحَدٍ فَأَخِّرْ عُقُوبَتَهُ، فَإِنَّكَ عَلَى الْعُقُوبَةِ بَعْدَ التَّوَقُّفِ عَنْهَا أَقْدَرُ مِنْكَ عَلَى رَدِّهَا بَعْدَ إِمْضَائِهَا. وَالسَّلَامُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ حَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيُّ. وَكَانَ الْعَامِلَ عَلَى الْعِرَاقِ وَالْمَشْرِقِ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ. وَفِيهَا غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ أَرْمِينِيَّةَ، فَصَافَ فِيهَا وَشَتَّى.

стр. 1969

[الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ الْمَخْزُومِيُّ. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيُّ، وَقِيلَ سَنَةَ سَبْعٍ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ حَلِيفُ بَنِي عَدِيٍّ، وَكَانَ لَهُ لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعُ سِنِينَ.

стр. 1970

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَمَانِينَ] ٨٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَمَانِينَ ذِكْرُ وَفَاةِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ مُنْتَصَفَ شَوَّالٍ، وَكَانَ يَقُولُ: أَخَافُ الْمَوْتَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فِيهِ وُلِدْتُ، وَفِيهِ فُطِمْتُ، وَفِيهِ جَمَعْتُ الْقُرْآنَ، وَفِيهِ بَايَعَ لِي النَّاسُ. فَمَاتَ لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّالٍ حِينَ أَمِنَ الْمَوْتَ فِي نَفْسِهِ. وَكَانَ عُمُرُهُ سِتِّينَ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ مِنْ لَدُنْ قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ إِلَّا سَبْعَ لَيَالٍ، وَقِيلَ: وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ قَالَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ: إِنْ شَرِبَ الْمَاءَ مَاتَ. فَاشْتَدَّ عَطَشُهُ فَقَالَ: يَا وَلِيدُ، اسْقِنِي مَاءً. قَالَ: لَا أُعِينُ عَلَيْكَ. فَقَالَ لِابْنَتِهِ فَاطِمَةَ: اسْقِينِي مَاءً. فَمَنَعَهَا الْوَلِيدُ. فَقَالَ: لَتَدَعَنَّهَا أَوْ لَأَخْلَعَنَّكَ. فَقَالَ: لَمْ يَبْقَ بَعْدَ هَذَا شَيْءٌ، فَسَقَتْهُ فَمَاتَ. وَدَخَلَ الْوَلِيدُ عَلَيْهِ وَابْنَتُهُ فَاطِمَةُ عِنْدَ رَأْسِهِ تَبْكِي فَقَالَ: كَيْفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: هُوَ أَصْلَحُ. فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَمُسْتَخْبِرٌ عَنَّا يُرِيدُ لَنَا الرَّدَى وَمُسْتَخْبِرَاتٌ وَالدُّمُوعُ سَوَاجِمُ وَأَوْصَى بَنِيهِ فَقَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّهَا أَزْيَنُ حِلْيَةٍ وَأَحْصَنُ كَهْفٍ، لِيَعْطِفِ الْكَبِيرُ مِنْكُمْ عَلَى الصَّغِيرِ، وَلْيَعْرِفِ الصَّغِيرُ حَقَّ الْكَبِيرِ، وَانْظُرُوا مَسْلَمَةَ فَاصْدُرُوا عَنْ رَأْيِهِ، فَإِنَّهُ نَابُكُمُ الَّذِي عَنْهُ تَفْتَرُّونَ، وَمَجَنُّكُمُ الَّذِي عَنْهُ تَرْمُونَ، فَأَكْرِمُوا الْحَجَّاجَ، فَإِنَّهُ الَّذِي وَطَّأَ لَكُمُ الْمَنَابِرَ، وَدَوَّخَ لَكُمُ الْبِلَادَ، وَأَذَلَّ الْأَعْدَاءَ، وَكُونُوا بَنِي أُمٍّ بَرَرَةً لَا تَدِبُّ بَيْنَكُمُ الْعَقَارِبُ، وَكُونُوا فِي الْحَرْبِ أَمْرَارًا، فَإِنَّ الْقِتَالَ لَا يُقَرِّبُ مَيْتَةً، وَكُونُوا لِلْمَعْرُوفِ

стр. 1971

مَنَارًا، فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ يَبْقَى أَجْرُهُ وَذِكْرُهُ، وَضَعُوا مَعْرُوفَكُمْ عِنْدَ ذَوِي الْأَحْسَابِ، فَإِنَّهُمْ أَصْوَنُ لَهُ وَأَشْكَرُ لِمَا يُؤْتَى إِلَيْهِمْ مِنْهُ، وَتَمَغَّدُوا ذُنُوبَ أَهْلِ الذُّنُوبِ، فَإِنِ اسْتَقَالُوا فَأَقِيلُوا، وَإِنْ عَادُوا فَانْتَقِمُوا. وَلَمَّا تُوُفِّيَ دُفِنَ خَارِجَ بَابِ الْجَابِيَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْوَلِيدُ، فَتَمَثَّلَ هِشَامٌ: فَمَا كَانَ قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكَ وَاحِدٍ وَلَكِنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا فَقَالَ الْوَلِيدُ: اسْكُتْ، فَإِنَّكَ تَتَكَلَّمُ بِلِسَانِ شَيْطَانٍ، أَلَا قُلْتَ كَمَا قَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ: إِذَا مُقْرَمٌ مِنَّا ذَرَا حَدُّ نَابِهِ تَخَمَّطَ مِنَّا نَابُ آخَرَ مُقْرَمِ وَقِيلَ: إِنَّ سُلَيْمَانَ تَمَثَّلَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ. وَهُوَ الصَّحِيحُ ; لِأَنَّ هِشَامًا كَانَ صَغِيرًا لَهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَقَدْ رَثَى الشُّعَرَاءُ عَبْدَ الْمَلِكِ، كُثَيِّرُ عَزَّةَ وَغَيْرُهُ، فَمِمَّا قِيلَ فِيهِ: سَقَاكَ ابْنَ مَرْوَانٍ مِنَ الْغَيْثِ مُسْبِلُ أَجَشُّ شَمَالِيٌّ يَجُودُ وَيَهْطِلُ فَمَا فِي حَيَاةٍ بَعْدَ مَوْتِكَ رَغْبَةٌ لِحُرٍّ وَإِنْ كُنَّا الْوَلِيدَ نُؤَمَّلُ ذِكْرُ نَسَبِهِ وَأَوْلَادِهِ وَأَزْوَاجِهِ أَمَّا نَسَبُهُ فَهُوَ أَبُو الْوَلِيدِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. وَأُمُّهُ عَائِشَةُ بِنْتُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ. وَأَمَّا أَوْلَادُهُ وَأَزْوَاجُهُ فَمِنْهُمْ: الْوَلِيدُ، وَسُلَيْمَانُ، وَمَرْوَانُ الْأَكْبَرُ دَرَجَ، وَعَائِشَةُ، أُمُّهُمْ وَلَّادَةُ بِنْتُ الْعَبَّاسِ بْنِ جَزْءِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ خُزَيْمَةَ الْعَبْسِيَّةُ. وَمِنْهُمْ: يَزِيدُ، وَمَرْوَانُ، وَمُعَاوِيَةُ دَرَجَ، وَأُمُّ كُلْثُومٍ، وَأُمُّهُمْ عَاتِكَةُ ابْنَةُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ. وَمِنْهُمْ هِشَامٌ، وَأُمُّهُ أُمُّ هِشَامٍ بِنْتُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيَّةُ، وَاسْمُهَا عَائِشَةُ، وَمِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ بَكَّارٌ، أُمُّهُ عَائِشَةُ بِنْتُ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ. وَمِنْهُمُ الْحَكَمُ دَرَجَ، أُمُّهُ أُمُّ أَيُّوبَ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. وَمِنْهُمْ فَاطِمَةُ بِنْتُ

стр. 1972

عَبْدِ الْمَلِكِ، أُمُّهَا أُمُّ الْمُغِيرَةِ بِنْتُ الْمُغِيرَةِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ. وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ، وَمَسْلَمَةُ، وَالْمُنْذِرُ، وَعَنْبَسَةُ، وَمُحَمَّدٌ، وَسَعِيدُ الْخَيْرِ، وَالْحَجَّاجُ، لِأُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ. وَكَانَ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ شَقْرَاءُ بِنْتُ مُسْلِمِ بْنِ حُلَيْسٍ الطَّائِيِّ، وَأُمُّ أَبِيهَا ابْنَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَقِيلَ: كَانَ عِنْدَهُ ابْنَةٌ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَلَا يَصِحُّ. ذِكْرُ بَعْضِ أَخْبَارِهِ كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَاقِلًا، حَازِمًا، أَدِيبًا، لَبِيبًا، عَالِمًا. قَالَ أَبُو الزِّيَادِ: كَانَ فُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةً: سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَقَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ، وَعَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا ذَاكَرْتُ أَحَدًا إِلَّا وَجَدْتُ لِيَ الْفَضْلَ عَلَيْهِ إِلَّا عَبْدَ الْمَلِكِ، فَإِنِّي مَا ذَاكَرْتُهُ حَدِيثًا إِلَّا زَادَنِي فِيهِ، وَلَا شِعْرًا إِلَّا زَادَنِي فِيهِ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ عُقْبَةَ الْخَطَائِيُّ: قِيلَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ: أَسْرَعَ إِلَيْكَ الشَّيْبُ. فَقَالَ: شَيَّبَنِي ارْتِقَاءُ الْمَنَابِرِ وَخَوْفُ اللَّحْنِ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَقْوَى عَلَى هَذَا الْأَمْرِ مِنِّي، إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ لَطَوِيلُ الصَّلَاةِ، كَثِيرُ الصِّيَامِ، وَلَكِنْ لِبُخْلِهِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَائِسًا. قَالَ أَبُو مُسْهِرٍ: قِيلَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ فِي مَرَضِهِ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: أَجِدُنِي كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] الْآيَةَ. وَقَالَ الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ أَبِيهِ: اسْتَأْذَنَ قَوْمٌ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَهُوَ شَدِيدُ الْمَرَضِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَقَدْ أَسْنَدَهُ خَصِيٌّ إِلَى صَدْرِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ دَخَلْتُمْ عَلَيَّ عِنْدَ إِقْبَالِ آخِرَتِي وَإِدْبَارِ دُنْيَايَ، وَإِنِّي تَذَكَّرْتُ أَرْجَى عَمَلٍ لِي فَوَجَدْتُهَا غَزْوَةً

стр. 1973

غَزْوَتُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنَا خِلْوٌ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيًّا أَبْوَابَنَا هَذِهِ الْخَبِيثَةَ أَنْ تُطِيفُوا بِهَا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّنُوخِيُّ: لَمَّا نَزَلَ بِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ الْمَوْتُ أَمَرَ بِفَتْحِ بَابِ قَصْرِهِ، فَإِذَا قَصَّارٌ يُقَصِّرُ ثَوْبًا فَقَالَ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ قَصَّارًا! يَا لَيْتَنِي كُنْتُ قَصَّارًا! مَرَّتَيْنِ. فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَهُمْ يَفْزَعُونَ إِلَيْنَا وَلَا نَفْزَعُ إِلَيْهِمْ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ: إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ حِينَ ثَقُلَ جَعَلَ يَلُومُ نَفْسَهُ، وَيَضْرِبُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَالَ: وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ أَكْتَسِبُ يَوْمًا بِيَوْمٍ مَا يُقَوِّتُنِي، وَأَشْتَغِلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ. فَذُكِرَ ذَلِكَ لِابْنِ خَازِمٍ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَهُمْ يَتَمَنَّوْنَ عِنْدَ الْمَوْتِ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَلَا نَتَمَنَّى عِنْدَ الْمَوْتِ مَا هُمْ فِيهِ. وَقَالَ مَسْعُودُ بْنُ خَلَفٍ: قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ فِي مَرَضِهِ: وَاللَّهِ وَدِدْتُ أَنِّي عَبْدٌ لِرَجُلٍ مِنْ تِهَامَةَ أَرْعَى غَنَمًا فِي جِبَالِهَا، وَأَنِّي لَمْ أَكُ شَيْئًا. وَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى الْمُؤَدِّبُ: يُرْوَى أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ لَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ قَالَ: ارْفَعُونِي عَلَى شَرَفٍ. فَفُعِلَ ذَلِكَ. فَتَنَسَّمَ الرَّوْحَ ثُمَّ قَالَ: يَا دُنْيَا مَا أَطْيَبَكِ! إِنَّ طَوِيلَكِ لَقَصِيرٌ، وَإِنَّ كَبِيرَكِ لَحَقِيرٌ، وَإِنْ كُنَّا مِنْكِ لَفِي غُرُورٍ! وَتَمَثَّلَ بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ: إِنْ تُنَاقِشْ يَكُنْ نِقَاشُكَ يَارَبِّ عَذَابًا، لَا طَوْقَ لِي بِالْعَذَابِ أَوْ تُجَاوِزْ فَأَنْتَ رَبٌّ صَفُوحٌ عَنْ مُسِيءٍ ذُنُوبُهُ كَالتُّرَابِ وَيُرْوَى أَنَّ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ تَمَثَّلَ بِهَا مُعَاوِيَةُ، وَيَحِقُّ لِعَبْدِ الْمَلِكِ أَنْ يَحْذَرَ هَذَا الْحَذَرَ وَيَخَافَ، فَإِنَّ مَنْ يَكُنِ الْحَجَّاجُ بَعْضَ سَيِّئَاتِهِ يَعْلَمُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ يَقْدَمُ عَلَيْهِ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، صِرْتُ أَعْمَلُ الْخَيْرَ فَلَا أُسِرُّ بِهِ، وَأَصْنَعُ الشَّرَّ فَلَا أُسَاءُ بِهِ. فَقَالَ: الْآنَ تَكَامَلَ فِيكَ مَوْتُ الْقَلْبِ. وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ أَوَّلَ مَنْ غَدَرَ فِي الْإِسْلَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِعْلُهُ بِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ نَقَلَ الدِّيوَانَ مِنَ الْفَارِسِيَّةِ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ، وَأَوَّلَ مَنْ نَهَى عَنِ الْكَلَامِ فِي حَضْرَةِ الْخُلَفَاءِ، وَكَانَ النَّاسُ قَبْلَهُ يُرَاجِعُونَهُمْ، وَأَوَّلَ خَلِيفَةٍ بَخِلَ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ رَشْحُ

стр. 1974

الْحِجَارَةِ لِبُخْلِهِ، وَأَوَّلَ مَنْ نَهَى عَنِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ بَعْدَ قَتْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ: وَلَا يَأْمُرُنِي أَحَدٌ بِتَقْوَى اللَّهِ بَعْدَ مَقَامِي هَذَا إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ.

стр. 1975

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ذِكْرُ خِلَافَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَلَمَّا دُفِنَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ انْصَرَفَ الْوَلِيدُ عَنْ قَبْرِهِ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ، فَخَطَبَهُمْ، وَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مُصِيبَتِنَا لِمَوْتِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ عَلَيْنَا مِنَ الْخِلَافَةِ، قُومُوا فَبَايِعُوا. وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ عَزَّى نَفْسَهُ وَهَنَّأَهَا، وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ قَامَ لِبَيْعَتِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هَمَّامٍ السَّلُولِيَّ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُ أَعْطَاكَ الَّتِي لَا فَوْقَهَا ... وَقَدْ أَرَادَ الْمُلْحِدُونَ عَوْقَهَا عَنْكَ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا سَوْقَهَا ... إِلَيْكَ حَتَّى قَلَّدُوكَ طَوْقَهَا فَبَايَعَهُ ثُمَّ قَامَ النَّاسُ لِبَيْعَتِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْوَلِيدَ لَمَّا صَعِدَ الْمِنْبَرَ حَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، لَا مُقَدِّمَ لِمَا أَخَّرَ اللَّهُ، وَلَا مُؤَخِّرَ لِمَا قَدَّمَ، وَهَذَا كَانَ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ وَسَابِقِ عِلْمِهِ، وَمَا كَتَبَ عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَحَمَلَةِ عَرْشِهِ الْمَوْتُ، وَقَدْ صَارَ إِلَى مَنَازِلِ الْأَبْرَارِ وَلِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالَّذِي يَحِقُّ عَلَيْهِ لِلَّهِ مِنَ الشِّدَّةِ عَلَى الْمُرِيبِ، وَاللِّينِ لِأَهْلِ الْحَقِّ وَالْفَضْلِ، وَإِقَامَةِ مَنْ أَقَامَ اللَّهُ مِنْ مَنَارِ الْإِسْلَامِ، وَأَعْلَامِ مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ، وَغَزْوِ الثُّغُورِ، وَشَنِّ الْغَارَةِ عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ، فَلَمْ يَكُنْ عَاجِزًا وَلَا مُفَرِّطًا. أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَلُزُومِ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْفَرْدِ. أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ أَبْدَى لَنَا ذَاتَ نَفْسِهِ ضَرَبْنَا الَّذِي فِيهِ عَيْنَاهُ، وَمَنْ سَكَتَ مَاتَ

стр. 1976

بِدَائِهِ، ثُمَّ نَزَلَ، وَكَانَ جَبَّارًا عَنِيدًا. ذِكْرُ وِلَايَةِ قُتَيْبَةَ خُرَاسَانَ وَمَا كَانَ مِنْهُ هَذِهِ السَّنَةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَ قُتَيْبَةُ خُرَاسَانَ أَمِيرًا عَلَيْهَا لِلْحَجَّاجِ، فَقَدِمَهَا وَالْمُفَضَّلُ يَعْرِضُ الْجُنْدَ لِلْغَزَاةِ، فَخَطَبَ قُتَيْبَةُ النَّاسَ، وَحَثَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ، ثُمَّ عَرَضَهُمْ وَسَارَ، وَجَعَلَ بِمُرْوَ عَلَى حَرْبِهَا إِيَاسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَلَى الْخَرَاجِ عُثْمَانَ السَّعِيدِيَّ. فَلَمَّا كَانَ بِالطَّالْقَانِ أَتَاهُ دَهَاقِينُ بَلْخٍ وَسَارُوا مَعَهُ، فَقَطَعَ النَّهْرَ، فَتَلَقَّاهُ مَلِكُ الصَّغَانَيَانِ بِهَدَايَا وَمَفَاتِيحَ مِنْ ذَهَبٍ وَدَعَاهُ إِلَى بِلَادِهِ، فَمَضَى مَعَهُ، فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ ; لِأَنَّ مَلِكَ آخْرُونَ وَشُومَانَ كَانَ يُسِيءُ جِوَارَهُ. ثُمَّ سَارَ قُتَيْبَةُ مِنْهَا إِلَى آخْرُونَ وَشُومَانَ، وَهُمَا مِنْ طَخَارِسْتَانَ، فَصَالَحَهُ مَلِكُهَا عَلَى فِدْيَةٍ أَدَّاهَا إِلَيْهِ فَقَبِلَهَا قُتَيْبَةُ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى مَرْوَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْجُنْدِ أَخَاهُ صَالِحَ بْنَ مُسْلِمٍ، فَفَتَحَ صَالِحٌ بَعْدَ رُجُوعِ قُتَيْبَةَ كَاشَّانَ وَأُورِشْتَ، وَهِيَ مِنْ فَرْغَانَةَ، وَفَتَحَ أَخْسَيْكِتَ، وَهِيَ مَدِينَةُ فَرْغَانَةَ الْقَدِيمَةِ، وَكَانَ مَعَهُ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ، فَأَبْلَى بَلَاءً حَسَنًا. وَقِيلَ: إِنَّ قُتَيْبَةَ قَدِمَ خُرَاسَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ، فَعَرَضَ الْجُنْدَ، فَغَزَا آخْرُونَ وَشُومَانَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَرْوَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ أَقَامَ السَّنَةَ، وَلَمْ يَقْطَعِ النَّهْرَ لِسَبَبِ بِلْخَ، فَإِنَّ بَعْضَهَا كَانَ مُنْتَقِضًا عَلَيْهِ فَحَارَبَهُمْ، وَكَانَ مِمَّنْ سَبَى امْرَأَةَ بَرْمَكَ أَبِي خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ، وَكَانَ بَرْمَكُ عَلَى النُّوبْهَارِ، فَصَارَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ أَخِي قُتَيْبَةَ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا. ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ بَلْخَ صَالَحُوهُ، وَأَمَرَ قُتَيْبَةُ بِرَدِّ السَّبْيِ، فَقَالَتِ امْرَأَةُ بَرْمَكَ لِعَبْدِ اللَّهِ: إِنِّي قَدْ عَلِقْتُ مِنْكَ، وَحَضَرَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُسْلِمٍ الْوَفَاةُ، فَأَوْصَى أَنْ يُلْحَقَ بِهِ مَا فِي بَطْنِهَا، وَرُدَّتْ إِلَى بَرْمَكَ. فَذُكِرَ أَنَّ وَلَدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ جَاءُوا أَيَّامَ الْمَهْدِيِّ حِينَ قَدِمَ الرَّيَّ إِلَى خَالِدٍ فَادَّعُوهُ. فَقَالَ لَهُمْ مُسْلِمُ بْنُ قُتَيْبَةَ: إِنَّهُ لَا بُدَّ لَكُمْ إِنِ اسْتَلْحَقْتُمُوهُ فَفَعَلَ [مِنْ] أَنْ تُزَوِّجُوهُ. فَتَرَكُوهُ. وَكَانَ بَرْمَكُ طَبِيبًا.

стр. 1977

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَرْضَ الرُّومِ. وَفِيهَا حَبَسَ الْحَجَّاجُ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، وَعَزَلَ حَبِيبَ بْنَ الْمُهَلَّبِ عَنْ كَرْمَانَ، وَعَبْدَ الْمَلِكِ عَنْ شُرْطَتِهِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيُّ. وَكَانَ الْأَمِيرُ عَلَى الْعِرَاقِ وَالْمَشْرِقِ كُلِّهِ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي أَيَّامِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَاتَ أُسَيْدُ بْنُ ظُهَيْرٍ الْأَنْصَارِيُّ. (أُسَيْدٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ. وَظُهَيْرٌ بِضَمِّ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ) . وَفِيهَا مَاتَ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، وَهُوَ ابْنُ أُمِّ سَلَمَةَ. وَفِي أَيَّامِهِ مَاتَ عَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيُّ، وَلَهُ صُحْبَةٌ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ الْخُزَاعِيُّ، وَوُلِدَ أَوَّلَ سَنَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَحَنَّكَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَكَانَ عَلَى خَاتَمِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَكَانَ فَقِيهًا. وَفِي أَيَّامِهِ مَاتَ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَوُلِدَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ .

стр. 1978

وَفِي أَيَّامِهِ مَاتَ سَلَمَةُ بْنُ أُمِّ سَلَمَةَ رَبِيبُ النَّبِيِّ ﷺ . وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى الْأَسْلَمِيُّ، وَقِيلَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ، شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ وَخَيْبَرَ. وَفِي آخِرِ أَيَّامِهِ مَاتَ الْوَلِيدُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ الْأَنْصَارِيُّ، وَوُلِدَ فِي آخِرِ زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ لَاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ أَبُو مِجْلَزٍ السَّدُوسِيُّ.

стр. 1979

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ] ٨٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ ذِكْرُ إِمَارَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِالْمَدِينَةِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ الْوَلِيدُ هِشَامَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْمَدِينَةِ لِسَبْعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ عَلَيْهَا أَرْبَعَ سِنِينَ غَيْرَ شَهْرٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَوَلَّى عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَدِينَةَ، فَقَدِمَهَا وَالِيًا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَثَقَلُهُ عَلَى ثَلَاثِينَ بَعِيرًا، فَنَزَلَ دَارَ مَرْوَانَ، وَجَعَلَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ النَّاسُ فَيُسَلِّمُونَ، فَلَمَّا صَلَّى الظُّهْرَ دَعَا عَشْرَةً مِنَ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ فِي الْمَدِينَةِ: عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَأَبَا بَكْرِ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، وَالْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَخَارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّمَا دَعَوْتُكُمْ لِأَمْرٍ تُؤْجَرُونَ عَلَيْهِ، وَتَكُونُونَ فِيهِ أَعْوَانًا عَلَى الْحَقِّ، لَا أُرِيدُ أَنْ أَقْطَعَ أَمْرًا إِلَّا بِرَأْيِكُمْ أَوْ بِرَأْيِ مَنْ حَضَرَ مِنْكُمْ، فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَحَدًا يَتَعَدَّى، أَوْ بَلَغَكُمْ عَنْ عَامِلٍ لِي ظُلَامَةٌ فَأُحَرِّجُ اللَّهَ عَلَى مَنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ إِلَّا بَلَّغَنِي. فَخَرَجُوا يَجْزُونَهُ خَيْرًا وَافْتَرَقُوا. وَكَتَبَ الْوَلِيدُ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَأْمُرُهُ أَنْ يَقِفَ هِشَامَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ لِلنَّاسِ، وَكَانَ سَيِّئَ الرَّأْيِ فِيهِ، وَكَانَ هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ يُسِيءُ جِوَارَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، فَخَافَهُ هِشَامٌ، فَتَقَدَّمَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ إِلَى خَاصَّتِهِ أَلَّا يَعْرِضَ لَهُ أَحَدٌ بِكَلِمَةٍ، وَمَرَّ بِهِ عَلِيٌّ وَقَدْ وُقِفَ لِلنَّاسِ وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ، فَنَادَاهُ هِشَامٌ: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] . ذِكْرُ صُلْحِ قُتَيْبَةَ وَنِيزَكَ وَلَمَّا صَالَحَ قُتَيْبَةُ مَلِكَ شُومَانَ كَتَبَ إِلَى نِيزَكَ طَرْخَانَ صَاحِبِ بَاذَغِيسَ فِي إِطْلَاقِ مَنْ عِنْدَهُ مِنْ أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ يَتَهَدَّدُهُ، فَخَافَهُ نِيزَكُ فَأَطْلَقَ الْأَسْرَى وَبَعَثَ بِهِمْ

стр. 1980

إِلَيْهِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ قُتَيْبَةُ مَعَ سُلَيْمٍ النَّاصِحِ مَوْلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ يَدْعُوهُ إِلَى الصُّلْحِ وَإِلَى أَنْ يُؤَمِّنَهُ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ يَحْلِفُ بِاللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَقْدَمْ عَلَيْهِ لَيَغْزُونَّهُ ثُمَّ لَيَطْلُبَنَّهُ حَيْثُ كَانَ، حَتَّى يَظْفَرَ بِهِ أَوْ يَمُوتَ دُونَهُ. فَقَدِمَ سُلَيْمٌ بِالْكِتَابِ، فَقَالَ لَهُ نِيزَكُ، وَكَانَ يَسْتَنْصِحُهُ: يَا سُلَيْمُ مَا أَظُنُّ عِنْدَ صَاحِبِكَ خَيْرًا، كَتَبَ إِلَيَّ كِتَابًا لَا يُكْتَبُ إِلَى مِثْلِي. فَقَالَ لَهُ سُلَيْمٌ: إِنَّهُ رَجُلٌ شَدِيدٌ فِي سُلْطَانِهِ، سَهْلٌ إِذَا سُوهِلَ، صَعْبٌ إِذَا عُوسِرَ، فَلَا يَمْنَعْكَ مِنْهُ غِلْظَةُ كِتَابِهِ إِلَيْكَ، فَأَحْسِنْ حَالَكَ عِنْدَهُ. فَقَامَ نِيزَكُ مَعَ سُلَيْمٍ، فَصَالَحَهُ أَهْلُ بَاذَغِيسَ عَلَى أَنْ لَا يَدْخُلَهَا قُتَيْبَةُ. ذِكْرُ غَزْوِ الرُّومِ قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الرُّومَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ عَدَدًا كَثِيرًا بِسُوسْنَةَ مِنْ نَاحِيَةِ الْمِصِّيصَةِ، وَفَتَحَ حُصُونًا. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي غَزَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَفَتَحَ حِصْنَ بُولَقَ وَحِصْنَ الْأَخْرَمِ وَحِصْنَ بُولَسَ وَقُمْقُمَ، وَقَتَلَ مِنَ الْمُسْتَعْرِبَةِ نَحْوًا مِنْ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، وَسَبَى ذُرِّيَّتَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ. ذِكْرُ غَزْوِ قُتَيْبَةَ بِيكَنْدَ وَلَمَّا صَالَحَ قُتَيْبَةُ نِيزَكَ أَقَامَ إِلَى وَقْتِ الْغَزْوِ، فَغَزَا بِيكَنْدَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ، وَهِيَ أَدْنَى مَدَائِنِ بُخَارَى إِلَى النَّهْرِ، فَلَمَّا نَزَلَ بِهِمُ اسْتَنْصَرُوا الصُّغْدَ، وَاسْتَمَدُّوا مَنْ حَوْلَهُمْ، فَأَتَوْهُمْ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، وَأَخَذُوا الطُّرُقَ عَلَى قُتَيْبَةَ، فَلَمْ يَنْفُذْ لِقُتَيْبَةَ رَسُولٌ، وَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ خَبَرٌ شَهْرَيْنِ، وَأَبْطَأَ خَبَرُهُ عَلَى الْحَجَّاجِ فَأَشْفَقَ عَلَى الْجُنْدِ، فَأَمَرَ النَّاسَ بِالدُّعَاءِ لَهُمْ فِي الْمَسَاجِدِ، وَهُمْ يَقْتَتِلُونَ كُلَّ يَوْمٍ. وَكَانَ لِقُتَيْبَةَ عَيْنٌ مِنَ الْعَجَمِ، يُقَالُ لَهُ تَنْدُرُ، فَأَعْطَاهُ أَهْلُ بُخَارَى مَالًا لِيَرُدَّ عَنْهُمْ قُتَيْبَةَ، فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ سِرًّا مِنَ النَّاسِ: إِنَّ الْحَجَّاجَ قَدْ عُزِلَ، وَقَدْ أَتَى عَامِلٌ إِلَى خُرَاسَانَ، فَلَوْ رَجَعْتَ بِالنَّاسِ كَانَ أَصْلَحَ. فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُظْهِرَ الْخَبَرَ فَيَهْلِكَ النَّاسُ، ثُمَّ

стр. 1981

أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْجِدِّ فِي الْقِتَالِ، فَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ الْكُفَّارُ يُرِيدُونَ الْمَدِينَةَ وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ قَتْلًا وَأَسْرًا كَيْفَ شَاءُوا، وَتَحَصَّنَ مَنْ دَخَلَ الْمَدِينَةَ بِهَا، فَوَضَعَ قُتَيْبَةُ الْفَعَلَةَ لِيَهْدِمَ سُورَهَا، فَسَأَلُوهُ الصُّلْحَ، فَصَالَحَهُمْ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَامِلًا، وَارْتَحَلَ عَنْهُمْ يُرِيدُ الرُّجُوعَ، فَلَمَّا سَارَ خَمْسَةَ فَرَاسِخَ نَقَضُوا الصُّلْحَ وَقَتَلُوا الْعَامِلَ وَمَنْ مَعَهُ، فَرَجَعَ قُتَيْبَةُ فَنَقَبَ سُورَهُمْ فَسَقَطَ، فَسَأَلُوهُ الصُّلْحَ، فَلَمْ يَقْبَلْ، وَدَخَلَهَا عَنْوَةً، وَقَتَلَ مَنْ كَانَ بِهَا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ. وَكَانَ فِيمَنْ أُخِذُوا فِي الْمَدِينَةِ رَجُلٌ أَعْوَرُ هُوَ الَّذِي اسْتَجَاشَ التُّرْكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ لِقُتَيْبَةَ: أَنَا أَفْدِي نَفْسِي بِخَمْسَةِ آلَافِ حَرِيرَةٍ، قِيمَتُهَا أَلْفُ أَلْفٍ. فَاسْتَشَارَ قُتَيْبَةُ النَّاسَ فَقَالُوا: هَذِهِ زِيَادَةٌ فِي الْغَنَائِمِ، وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَ كَيْدُ هَذَا، قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا يُرَوَّعُ بِكَ مُسْلِمٌ أَبَدًا! فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ. وَأَصَابُوا فِيهَا مِنَ الْغَنَائِمِ وَالسِّلَاحِ، وَآنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَا لَا يُحْصَى، وَلَا أَصَابُوا بِخُرَاسَانَ مِثْلَهُ، فَقَوِيَ الْمُسْلِمُونَ، وَوَلِيَ قَسْمَ الْغَنَائِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَأْلَانَ الْعَدَوِيُّ أَحَدُ بَنِي مِلْكَانَ، وَكَانَ قُتَيْبَةُ يُسَمِّيهِ الْأَمِينَ ابْنَ الْأَمِينِ، فَإِنَّهُ كَانَ أَمِينًا. وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ أَمَانَةِ أَبِيهِ أَنَّ مُسْلِمًا الْبَاهِلِيَّ أَبَا قُتَيْبَةَ قَالَ لِوَأْلَانَ: إِنَّ عِنْدِي مَالًا أُحِبُّ أَنْ أَسْتَوْدِعَكَهُ وَلَا يَعْلَمَ بِهِ أَحَدٌ. قَالَ وَأْلَانُ: ابْعَثْ بِهِ مَعَ رَجُلٍ تَثِقُ بِهِ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا، وَمُرْهُ إِذَا رَأَى فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ رَجُلًا أَنْ يَضَعَ الْمَالَ وَيَنْصَرِفَ. فَجَعَلَ مُسْلِمٌ الْمَالَ فِي خُرْجٍ، وَحَمَلَهُ عَلَى بَغْلٍ، وَقَالَ لِمَوْلًى لَهُ: انْطَلِقْ بِهَذَا الْمَالِ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا رَأَيْتَ رَجُلًا جَالِسًا، فَخَلِّ الْبَغْلَ وَانْصَرِفْ. فَفَعَلَ الْمَوْلَى مَا أَمَرَهُ، وَأَتَى الْمَكَانَ، وَكَانَ وَأْلَانُ قَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهِ وَانْتَظَرَ، وَأَبْطَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ مُسْلِمٍ، فَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ بَدَا لَهُ فَانْصَرَفَ، وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ فَجَلَسَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَجَاءَ مَوْلَى مُسْلِمٍ فَرَآهُ فَسَلَّمَ إِلَيْهِ الْبَغْلَ وَرَجَعَ، فَأَخَذَ التَّغْلِبِيُّ الْبَغْلَ وَالْمَالَ وَرَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَظَنَّ مُسْلِمٌ أَنَّ الْمَالَ قَدْ أَخَذَهُ وَأْلَانُ، فَلَمْ يَسْأَلْهُ حَتَّى احْتَاجَ إِلَيْهِ، فَلَقِيَهُ فَقَالَ: مَالِي! فَقَالَ: مَا قَبَضْتُ شَيْئًا، وَلَا لَكَ عِنْدِي مَالٌ، فَكَانَ مُسْلِمٌ يَشْكُوهُ إِلَى النَّاسِ، فَشَكَاهُ يَوْمًا وَالتَّغْلِبِيُّ جَالِسٌ، فَخَلَا بِهِ التَّغَلِبِيُّ، وَسَأَلَهُ عَنِ الْمَالِ، فَأَخْبَرَهُ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَسَلَّمَ الْمَالَ إِلَيْهِ وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَكَانَ مُسْلِمٌ يَأْتِي النَّاسَ وَالْقَبَائِلَ، فَيَذْكُرُ لَهُمْ عُذْرَ وَأْلَانَ وَيُخْبِرُهُمُ الْخَبَرَ. قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ قُتَيْبَةُ مِنْ فَتْحِ بِيكَنْدَ رَجَعَ إِلَى مَرْوَ.

стр. 1982

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ حَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ. وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ الْمَدِينَةِ أَبُو بَكْرِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَزْمٍ. وَكَانَ عَلَى الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ الْحَجَّاجُ، وَكَانَ خَلِيفَتُهُ عَلَى الْبَصْرَةِ هَذِهِ السَّنَةِ الْجَرَّاحَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيَّ، وَعَلَى قَضَائِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُذَيْنَةَ، وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ بِالْمَدِينَةِ، وَقِيلَ بِالْيَمَنِ، وَكَانَ أَصْغَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بِسَنَةٍ. وَفِيهَا مَاتَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ فِي طَاعُونِ الْجَارِفِ بِالْبَصْرَةِ. وَفِيهَا مَاتَ الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ الْكِنْدِيُّ، لَهُ صُحْبَةٌ، وَقِيلَ مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ. وَفِيهَا مَاتَ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَسِيدٍ. (أَسِيدٌ: بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ. الشِّخِّيرُ: بِكَسْرِ الشِّينِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَتَيْنِ، وَتَشْدِيدِ الْخَاءِ وَبَعْدَهَا يَاءٌ) .

стр. 1983

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ] ٨٨ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ ذِكْرُ فَتْحِ طُوَانَةَ مِنْ بَلَدِ الرُّومِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بَلَدَ الرُّومِ، وَكَانَ الْوَلِيدُ قَدْ كَتَبَ إِلَى صَاحِبِ أَرْمِينِيَّةَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى مِلْكِ الرُّومِ يُعَرِّفُهُ أَنَّ الْخَزَرَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ مُلُوكِ جِبَالِ أَرْمِينِيَّةَ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى قَصْدِ بِلَادِهِ، فَفِعْلَ ذَلِكَ، وَقَطَعَ الْوَلِيدُ الْبَعْثَ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ إِلَى أَرْمِينِيَّةَ، وَأَكْثَرَ وَأَعْظَمَ جِهَازَهُ، وَسَارُوا نَحْوَ الْجَزِيرَةِ، ثُمَّ عَطَفُوا مِنْهَا إِلَى بَلَدِ الرُّومِ، فَاقْتَتَلُوا هُمْ وَالرُّومُ، فَانْهَزَمَ الرُّومُ ثُمَّ رَجَعُوا، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، فَبَقِيَ الْعَبَّاسُ فِي نَفَرٍ، مِنْهُمُ ابْنُ مُحَيْرِيزٍ الْجُمَحِيُّ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: أَيْنَ أَهْلُ الْقُرْآنِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ ابْنُ مُحَيْرِيزٍ: نَادِهِمْ يَأْتُوكَ. فَنَادَى الْعَبَّاسُ: يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ! فَأَقْبَلُوا جَمِيعًا، فَهَزَمَ اللَّهُ الرُّومَ حَتَّى دَخَلُوا طُوَانَةَ، وَحَصَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَفَتَحُوهَا فِي جُمَادَى الْأُولَى. قِيلَ: وَفِيهَا وُلِدَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. ذِكْرُ عِمَارَةِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَتَبَ الْوَلِيدُ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ يَأْمُرُهُ بِإِدْخَالِ حُجَرِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، وَأَنْ يَشْتَرِيَ مَا فِي نَوَاحِيهِ

стр. 1984

حَتَّى يَكُونَ مِائَتَيْ ذِرَاعٍ فِي مِائَتَيْ ذِرَاعٍ، وَيَقُولُ لَهُ: قَدِّمِ الْقِبْلَةَ إِنْ قَدَرْتَ، وَأَنْتَ تَقْدِرُ لِمَكَانِ أَخْوَالِكَ، وَإِنَّهُمْ لَا يُخَالِفُونَكَ، فَمَنْ أَبَى مِنْهُمْ، فَقَوِّمُوا مُلْكَهُ قِيمَةَ عَدْلٍ، وَاهْدِمْ عَلَيْهِمْ، وَادْفَعِ الْأَثْمَانَ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّ لَكَ فِي عُمَرَ وَعُثْمَانَ أُسْوَةٌ. فَأَحْضَرَهُمْ عُمَرُ وَأَقْرَأَهُمُ الْكِتَابَ، فَأَجَابُوهُ إِلَى الثَّمَنِ، فَأَعْطَاهُمْ إِيَّاهُ، وَأَخَذُوا فِي هَدْمِ بُيُوتِ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَبَنَى الْمَسْجِدَ، وَقَدِمَ عَلَيْهِمُ الْفَعَلَةُ مِنَ الشَّامِ، أَرْسَلَهُمُ الْوَلِيدُ، وَبَعَثَ الْوَلِيدُ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ يُعْلِمُهُ أَنَّهُ قَدْ هَدَمَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ ، لِيُعَمِّرَهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مَلِكُ الرُّومِ مِائَةَ أَلْفِ مِثْقَالِ ذَهَبٍ، وَمِائَةَ عَامِلٍ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ مِنَ الْفُسَيْفِسَاءِ بِأَرْبَعِينَ جَمَلًا، فَبَعَثَ الْوَلِيدُ بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَحَضَرَ عُمَرُ وَمَعَهُ النَّاسُ، فَوَضَعُوا أَسَاسَهُ، وَابْتَدَءُوا بِعِمَارَتِهِ. قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الرُّومَ أَيْضًا، فَفَتَحَ ثَلَاثَةَ حُصُونٍ: - أَحَدُهَا حِصْنُ قُسْطَنْطِينَ -، وَغَزَالَةَ، وَحِصْنَ الْأَخْرَمِ، وَقَتَلَ مِنَ الْمُسْتَعْرِبَةِ نَحْوًا مِنْ أَلْفٍ وَأَخَذَ الْأَمْوَالَ. ذِكْرُ غَزْوِ نُومُشَكَتَ وَرَامِثْنَةَ قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ نُومُشَكَثَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى مَرْوَ أَخَاهُ يَسَارَ بْنَ مُسْلِمٍ، فَتَلَقَّاهُ أَهْلُهَا فَصَالَحَهُمْ، ثُمَّ سَارَ إِلَى رَامِثْنَةَ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا وَانْصَرَفَ عَنْهُمْ. وَزَحَفَ إِلَيْهِ التُّرْكُ وَمَعَهُمُ الصُّغْدُ وَأَهْلُ فَرْغَانَةَ فِي مِائَتَيْ أَلْفٍ، وَمَلِكُهُمْ كُورْمَغَانُونُ بْنُ أُخْتِ مَلِكِ الصِّينِ، فَاعْتَرَضُوا الْمُسْلِمِينَ، فَلَحِقُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ

стр. 1985

مُسْلِمٍ أَخَا قُتَيْبَةَ وَهُوَ عَلَى السَّاقَةِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ قُتَيْبَةَ وَأَوَائِلِ الْعَسْكَرِ مِيلٌ، فَلَمَّا قَرُبُوا مِنْهُ أَرْسَلَ إِلَى قُتَيْبَةَ بِخَبَرِهِ، وَأَدْرَكَهُ التُّرْكُ فَقَاتَلُوهُ، وَرَجَعَ قُتَيْبَةُ فَانْتَهَى إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ يُقَاتِلُ التُّرْكَ، وَقَدْ كَادَ التُّرْكُ يَظْهَرُونَ، فَلَمَّا رَأَى الْمُسْلِمُونَ قُتَيْبَةَ طَابَتْ نُفُوسُهُمْ، وَقَاتَلُوا إِلَى الظُّهْرِ، وَأَبْلَى يَوْمَئِذٍ نِيزَكُ، وَهُوَ مَعَ قُتَيْبَةَ، فَانْهَزَمَ التُّرْكُ، وَرَجَعَ قُتَيْبَةُ فَقَطَعَ النَّهْرَ عِنْدَ تِرْمِذَ وَأَتَى مَرْوَ. ذِكْرُ مَا عَمِلَ الْوَلِيدُ مِنَ الْمَعْرُوفِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَتَبَ الْوَلِيدُ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي تَسْهِيلِ الثَّنَايَا وَحَفْرِ الْآبَارِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْمَلَ الْفَوَّارَةَ بِالْمَدِينَةِ، فَعَمِلَهَا وَأَجْرَى مَاءَهَا، فَلَمَّا حَجَّ الْوَلِيدُ وَرَآهَا أَعْجَبَتْهُ، فَأَمَرَ لَهَا بِقُوَّامٍ يَقُومُونَ عَلَيْهَا، وَأَمَرَ أَهْلَ الْمَسْجِدِ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْهَا، وَكَتَبَ إِلَى الْبُلْدَانِ جَمِيعِهَا بِإِصْلَاحِ الطُّرُقِ، وَعَمَلِ الْآبَارِ، وَمَنْعِ الْمُجَذَّمِينَ مِنَ الْخُرُوجِ عَلَى النَّاسِ، وَأَجْرَى لَهُمُ الْأَرْزَاقَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَوَصَلَ جَمَاعَةً مِنْ قُرَيْشٍ، وَسَاقَ مَعَهُ بُدْنًا وَأَحْرَمَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، فَلَمَّا كَانَ بِالتَّنْعِيمِ أُخْبِرَ أَنَّ مَكَّةَ قَلِيلَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهُمْ يَخَافُونَ عَلَى الْحَاجِّ الْعَطَشَ، فَقَالَ عُمَرُ: تَعَالَوْا نَدْعُ اللَّهَ تَعَالَى، فَدَعَا وَدَعَا مَعَهُ النَّاسُ، فَمَا وَصَلُوا الْبَيْتَ إِلَّا مَعَ الْمَطَرِ وَسَالَ الْوَادِي، فَخَافَ أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ شِدَّتِهِ، وَمُطِرَتْ عَرَفَةُ وَمَكَّةُ وَكَثُرَ الْخِصْبُ. وَقِيلَ إِنَّمَا حَجَّ هَذِهِ السَّنَةَ عُمَرُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَكَانَ الْعُمَّالُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ.

стр. 1986

[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ، وَقِيلَ: بَلْ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ، وَلَهُ مِائَةُ سَنَةٍ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ الْمَازِنِيُّ مِنْ مَازِنِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَكَانَ مِمَّنْ صَلَّى الْقِبْلَتَيْنِ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالشَّامِ مِنَ الصَّحَابَةِ. (بُسْرُ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ) .

стр. 1987

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ] ٨٩ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ ذِكْرُ غَزْوِ الرُّومِ قِيلَ: فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَالْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الرُّومَ، فَافْتَتَحَ مَسْلَمَةُ حِصْنَ عَمُّورِيَّةَ، وَفَتْحَ الْعَبَّاسُ أَذْرُولِيَّةَ، وَلَقِيَ مِنَ الرُّومِ جَمْعًا فَهَزَمَهُمْ. وَقِيلَ: إِنْ مَسْلَمَةَ قَصَدَ عَمُّورِيَّةَ، فَلَقِيَ بِهَا جَمْعًا مِنَ الرُّومِ كَثِيرًا، فَهَزَمَهُمْ وَافْتَتَحَ هِرَقْلَةَ وَقَمُونِيَةَ، وَغَزَا الْعَبَّاسُ الصَّائِفَةَ مِنْ نَاحِيَةٍ الْبَذَنْدُونِ. ذِكْرُ غَزْوِ قُتَيْبَةَ بُخَارَى وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَتَى قُتَيْبَةَ كِتَابُ الْحَجَّاجِ يَأْمُرُهُ بِقَصْدِ وَرْدَانَ خُذَاهْ، فَعَبَرَ النَّهْرَ مِنْ زَمٍّ، فَلَقِيَ الصُّغْدَ وَأَهْلَ كَشَّ وَنَسَفَ فِي طَرِيقِ الْمَفَازَةِ فَقَاتَلُوهُ، فَظَفِرَ بِهِمْ، وَمَضَى إِلَى بُخَارَى، فَنَزَلَ خَرْقَانَةَ السُّفْلَى عَنْ يَمِينِ وَرْدَانَ، فَلَقَوْهُ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَقَاتَلَهُمْ يَوْمَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ فَظَفِرَ بِهِمْ، وَغَزَا وَرْدَانَ خُذَاهْ مَلِكَ بُخَارَى، فَلَمْ يَظْفَرْ بِشَيْءٍ، فَرَجَعَ إِلَى مَرْوَ وَكَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ بِخَبَرِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ أَنَّ صَوِّرْهَا [لِي] ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِصُورَتِهَا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ أَنْ تُبْ إِلَى اللَّهِ، جَلَّ ثَنَاؤُهُ، مِمَّا كَانَ مِنْكَ، وَأْتِهَا مِنْ مَكَانِ كَذَا وَكَذَا، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَنَّ كِسْ بِكَشَّ، وَانْسِفْ نَسَفَ، وَرِدْ وَرْدَانَ، وَإِيَّاكَ وَالتَّحْوِيطَ، وَدَعْنِي مِنْ ثَنَيَاتِ الطَّرِيقِ.

стр. 1988

وَقِيلَ: إِنَّمَا كَانَ فَتْحُ بُخَارَى سَنَةَ تِسْعِينَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. ذِكْرُ وِلَايَةِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ مَكَّةَ قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلِيَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ مَكَّةَ، فَخَطَبَ أَهْلَهَا فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّهُمَا أَعْظَمُ، خَلِيفَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ، أَوْ رَسُولُهُ إِلَيْهِمْ؟ وَاللَّهِ لَوْ لَمْ تَعْلَمُوا فَضْلَ الْخَلِيفَةِ إِلَّا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ اسْتَسْقَاهُ فَسَقَاهُ مِلْحًا أُجَاجًا، وَاسْتَسْقَاهُ الْخَلِيفَةُ فَسَقَاهُ عَذْبًا فُرَاتًا، يَعْنِي بِالْمِلْحِ زَمْزَمَ، وَبِالْمَاءِ الْفُرَاتِ بِئْرًا حَفَرَهَا الْوَلِيدُ بِثَنِيَّةِ طِوًى فِي ثَنِيَّةِ الْحَجُونِ، وَكَانَ مَاؤُهَا عَذْبًا، وَكَانَ يَنْقُلُ مَاءَهَا وَيَضَعُهُ فِي حَوْضٍ إِلَى جَنْبِ زَمْزَمَ، لِيُعْرَفَ فَضْلُهُ عَلَى زَمْزَمَ، فَغَارَتِ الْبِئْرُ وَذَهَبَ مَاؤُهَا، فَلَا يُدْرَى أَيْنَ هُوَ الْيَوْمَ. وَقِيلَ: وَلِيَهَا سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ هُنَاكَ. ذِكْرُ قَتْلِ ذَاهِرَ مَلِكِ السِّنْدِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَتَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي عُقَيْلٍ الثَّقَفِيِّ، - يَجْتَمِعُ هُوَ وَالْحَجَّاجُ فِي الْحَكَمِ -، ذَاهِرَ بْنَ صَعْصَعَةَ مَلِكَ السِّنْدِ، وَمَلَكَ بِلَادَهُ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الثَّغْرِ وَسَيَّرَ مَعَهُ سِتَّةَ أَلَافِ مُقَاتِلٍ، وَجَهَّزَهُ بِكُلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ حَتَّى الْمَسَالِّ وَالْإِبَرِ وَالْخُيُوطِ، فَسَارَ مُحَمَّدُ إِلَى مُكْرَانَ فَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا، ثُمَّ أَتَى قَنَّزْبُورَ فَفَتَحَهَا، ثُمَّ سَارَ إِلَى أَرْمَائِيلَ فَفَتَحَهَا، ثُمَّ سَارَ إِلَى الدَّيْبُلِ، فَقَدِمَهَا يَوْمَ جُمُعَةٍ، وَوَافَتْهُ سُفُنٌ كَانَ حَمَلَ فِيهَا الرِّجَالَ وَالسِّلَاحَ وَالْأَدَاةَ، فَخَنْدَقَ حِينَ نَزَلَ الدَّيْبُلَ، وَأَنْزَلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ، وَنَصَبَ مَنْجَنِيقًا يُقَالُ لَهُ الْعَرُوسُ، كَانَ يَمُدُّ بِهِ خَمْسُمِائَةِ رَجُلٍ، وَكَانَ بِالدَّيْبُلِ بُدٌّ عَظِيمٌ عَلَيْهِ دَقَلٌ عَظِيمٌ، وَعَلَى الدَّقَلِ رَايَةٌ حَمْرَاءُ، إِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ أَطَافَتْ بِالْمَدِينَةِ،

стр. 1989

وَكَانَتْ تَدُورُ، وَالْبُدُّ صَنَمٌ فِي بِنَاءٍ عَظِيمٍ، تَحْتَ مَنَارَةٍ عَظِيمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ، وَفِي رَأْسِ الْمَنَارَةِ هَذَا الدَّقَلُ، وَكُلُّ مَا يُعْبَدُ فَهُوَ عِنْدَهُمْ بُدٌّ. فَحَصَرَهَا وَطَالَ حِصَارُهَا، فَرَمَى الدَّقَلَ بِحَجْرِ الْعَرُوسِ فَكَسَرَهُ، فَتَطَيَّرَ الْكُفَّارُ بِذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّ مُحَمَّدًا أَتَى وَنَاهَضَهُمْ وَقَدْ خَرَجُوا إِلَيْهِ، فَهَزَمَهُمْ حَتَّى رَدَّهُمْ إِلَى الْبَلَدِ، وَأَمَرَ بِالسَّلَالِيمِ فَنُصِبَتْ، وَصَعِدَ عَلَيْهَا الرِّجَالُ، وَكَانَ أَوَّلَهُمْ صُعُودًا رَجُلٌ مِنْ مُرَادٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَفُتِحَتْ عَنْوَةً، وَقَتَلَ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَهَرَبَ عَامِلُ ذَاهِرَ عَنْهَا، وَأَنْزَلَهَا مُحَمَّدٌ أَرْبَعَةَ آلَافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَبَنَى جَامِعَهَا، وَسَارَ عَنْهَا إِلَى الْبِيرُونَ، وَكَانَ أَهْلُهَا بَعَثُوا إِلَى الْحَجَّاجِ فَصَالَحُوهُ، فَلَقُوا مُحَمَّدًا بِالْمِيرَةِ وَأَدْخَلُوهُ مَدِينَتَهُمْ، وَسَارَ عَنْهَا وَجَعَلَ لَا يَمُرُّ بِمَدِينَةٍ إِلَّا فَتَحَهَا حَتَّى عَبَرَ نَهْرًا دُونَ مِهْرَانَ، فَأَتَاهُ أَهْلُ سَرْبَيْدِسَ فَصَالَحُوهُ، وَوَظَّفَ عَلَيْهِمُ الْخَرَاجَ وَسَارَ عَنْهُمْ إِلَى سَهْبَانَ فَفَتَحَهَا، ثُمَّ سَارَ إِلَى نَهْرِ مِهْرَانَ فَنَزَلَ فِي وَسَطِهِ. وَبَلَغَ خَبَرُهُ ذَاهِرَ، فَاسْتَعَدَّ لِمُحَارَبَتِهِ، وَبَعَثَ جَيْشًا إِلَى سَدُوسْتَانَ، فَطَلَبَ أَهْلُهَا الْأَمَانَ وَالصُّلْحَ، فَآمَنَهُمْ وَوَظَّفَ عَلَيْهِمُ الْخَرَاجَ، ثُمَّ عَبَرَ مُحَمَّدٌ مِهْرَانَ مِمَّا يَلِي بِلَادَ رَاسِلَ الْمَلِكِ عَلَى جِسْرٍ عَقَدَهُ، وَذَاهِرُ مُسْتَخِفٌّ بِهِ، فَلَقِيَهُ مُحَمَّدُ وَالْمُسْلِمُونَ وَهُوَ عَلَى فِيلٍ وَحَوْلَهُ الْفِيَلَةُ، وَمَعَهُ التَّكَاكِرَةُ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَتَرَجَّلَ ذَاهِرُ، فَقُتِلَ عِنْدَ الْمَسَاءِ، ثُمَّ انْهَزَمَ الْكُفَّارُ، وَقَتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ كَيْفَ شَاءُوا، وَقَالَ قَاتِلُهُ: الْخَيْلُ تَشْهَدُ يَوْمَ ذَاهِرَ وَالْقَنَا وَمُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ أَنِّي فَرَجْتُ الْجَمْعَ غَيْرَ مُعَرِّدٍ حَتَّى عَلَوْتُ عَظِيمَهُمْ بِمُهَنَّدِ فَتَرَكْتُهُ تَحْتَ الْعَجَاجِ مُجَنْدَلًا مَتَعَفِّرَ الْخَدَّيْنِ غَيْرَ مُوَسَّدِ فَلَمَّا قُتِلَ ذَاهِرُ غَلَبَ مُحَمَّدُ عَلَى بِلَادِ السِّنْدِ، وَفَتَحَ مَدِينَةَ رَاوَرَ عَنْوَةً، وَكَانَ بِهَا

стр. 1990

امْرَأَةٌ لِذَاهِرَ، فَخَافَتْ أَنْ تُؤْخَذَ، فَأَحْرَقَتْ نَفْسَهَا وَجَوَارِيَهَا وَجَمِيعَ مَالِهَا. ثُمَّ سَارَ إِلَى بِرْهَمِنْابَاذَ الْعَتِيقَةَ، وَهِيَ عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنَ الْمَنْصُورَةِ، وَلَمْ تَكُنِ الْمَنْصُورَةُ يَوْمَئِذٍ، كَانَ مَوْضِعُهَا غَيْضَةً، وَكَانَ الْمُنْهَزِمُونَ مِنَ الْكُفَّارِ بِهَا، فَقَاتَلُوهُ فَفَتَحَهَا مُحَمَّدُ عَنْوَةً، وَقَتَلَ بِهَا بَشَرًا كَثِيرًا وَخُرِّبَتْ. وَسَارَ يُرِيدُ الرُّورَ وَبَغْرُورَ، فَلَقِيَهُ أَهْلُ سَاوَنْدَرَى فَطَلَبُوا الْأَمَانَ، فَأَعْطَاهُمْ إِيَّاهُ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ ضِيَافَةَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ. ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى بِسَمْدَ وَصَالَحَ أَهْلَهَا، وَوَصَلَ إِلَى الرُّورَ، وَهِيَ مِنْ مَدَائِنِ السِّنْدِ عَلَى جَبَلٍ، فَحَصَرَهُمْ شُهُورًا فَصَالَحُوهُ، وَسَارَ إِلَى السِّكَّةِ فَفَتَحَهَا، ثُمَّ قَطَعَ نَهْرَ بَيَاسَ إِلَى الْمُلْتَانِ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا وَانْهَزَمُوا، فَحَصَرَهُمْ مُحَمَّدُ، فَجَاءَهُ إِنْسَانٌ وَدَلَّهُ عَلَى قَطْعِ الْمَاءِ الَّذِي يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ فَقَطَعَهُ، فَعَطِشُوا فَأَلْقَوْا بِأَيْدِيهِمْ وَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ، وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ وَسَدَنَةَ الْبُدِّ، وَهُمْ سِتَّةُ آلَافٍ، وَأَصَابُوا ذَهَبًا كَثِيرًا، فَجُمِعَ فِي بَيْتٍ طُولُهُ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ وَعَرْضُهُ ثَمَانِيَةُ أَذْرُعٍ يُلْقَى إِلَيْهِ مِنْ كُوَّةٍ فِي وَسَطِهِ، فَسُمِّيَتِ الْمُلْتَانَ: فَرْجُ بَيْتِ الذَّهَبِ، وَالْفَرْجُ الثَّغْرُ، وَكَانَ بُدُّ الْمُلْتَانِ تُهْدَى إِلَيْهِ الْأَمْوَالُ، وَيُحَجُّ مِنَ الْبِلَادِ، وَيَحْلِقُونَ رُءُوسَهُمْ وَلِحَاهُمْ عِنْدَهُ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ صَنَمَهُ هُوَ أَيُّوبُ النَّبِيُّ ﷺ . وَعَظُمَتْ فُتُوحُهُ، وَنَظَرَ الْحَجَّاجُ فِي النَّفَقَةِ عَلَى ذَلِكَ الثَّغْرِ، فَكَانَتْ سِتِّينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَنَظَرَ فِي الَّذِي حُمِلَ فَكَانَ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، فَقَالَ: رَبِحْنَا سِتِّينَ أَلْفًا، وَأَدْرَكْنَا ثَأْرَنَا وَرَأْسَ ذَاهِرَ. ثُمَّ مَاتَ الْحَجَّاجُ، وَنَذْكُرُ أَمْرَ مُحَمَّدٍ عِنْدَ مَوْتِ الْحَجَّاجِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ اسْتِعْمَالِ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَكَانَ نُصَيْرٌ وَالِدُهُ عَلَى حَرَسِ مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا سَارَ مُعَاوِيَةُ إِلَى صِفِّينَ لَمْ يَسِرْ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا يَمْنَعُكَ مِنَ الْمَسِيرِ مَعِي إِلَى قِتَالِ عَلِيٍّ وَيَدِي عِنْدَكَ مَعْرُوفَةٌ؟ فَقَالَ لَا أُشْرِكُكَ بِكُفْرِ مَنْ أَوْلَى بِالشُّكْرِ مِنْكَ، وَهُوَ اللَّهُ، . فَسَكَتَ عَنْهُ مُعَاوِيَةُ. فَوَصَلَ مُوسَى إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَبِهَا صَالِحٌ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ حَسَّانُ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَكَانَ

стр. 1991

الْبَرْبَرُ قَدْ طَمِعُوا فِي الْبِلَادِ بَعْدَ مَسِيرِ حَسَّانَ، فَلَمَّا وَصَلَ مُوسَى عَزَلَ صَالِحًا، وَبَلَغَهُ أَنَّ بِأَطْرَافِ الْبِلَادِ قَوْمًا خَارِجِينَ عَنِ الطَّاعَةِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمُ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ، فَقَاتَلَهُمْ فَظَفِرَ بِهِمْ، وَسَبَى مِنْهُمْ أَلْفَ رَأْسٍ، وَسَيَّرَهُ فِي الْبَحْرِ إِلَى جَزِيرَةٍ مَيُورْقَةَ، فَنَهَبَهَا وَغَنِمَ مِنْهَا مَا لَا يُحْصَى وَعَادَ سَالِمًا، فَوَجَّهَ ابْنَهُ هَارُونَ إِلَى طَائِفَةٍ أُخْرَى، فَظَفِرَ بِهِمْ وَسَبَى مِنْهُمْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَتَوَجَّهَ هُوَ بِنَفْسِهِ إِلَى طَائِفَةٍ أُخْرَى، فَغَنِمَ نَحْوَ ذَلِكَ، فَبَلَغَ الْخُمُسُ سِتِّينَ أَلْفَ رَأْسٍ مِنَ السَّبْيِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ أَنَّهُ سَمِعَ بِسَبْيٍ أَعْظَمَ مِنْ هَذَا. ثُمَّ إِنَّ إِفْرِيقِيَّةَ قَحَطَتْ وَاشْتَدَّ بِهَا الْغَلَاءُ، فَاسْتَسْقَى بِالنَّاسِ، وَخَطَبَهُمْ وَلَمْ يَذْكُرِ الْوَلِيدَ، وَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: هَذَا مَقَامٌ لَا يُدْعَى فِيهِ لِأَحَدٍ وَلَا يُذْكَرُ إِلَّا اللَّهُ، ، فَسُقِيَ النَّاسُ وَرَخُصَتِ الْأَسْعَارُ، ثُمَّ خَرَجَ غَازِيًا إِلَى طَنْجَةَ يُرِيدُ مَنْ بَقِيَ مِنَ الْبَرْبَرِ، وَقَدْ هَرَبُوا خَوْفًا مِنْهُ، فَتَبِعَهُمْ وَقَتَلَهُمْ قَتْلًا ذَرِيعًا حَتَّى بَلَغَ السُّوسَ الْأَدْنَى لَا يُدَافِعُهُ أَحَدٌ، فَاسْتَأْمَنَ الْبَرْبَرُ إِلَيْهِ وَأَطَاعُوهُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى طَنْجَةَ مَوْلَاهُ طَارِقَ بْنَ زِيَادٍ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ صَدَفِيٌّ. وَجَعَلَ مَعَهُ جَيْشًا كَثِيفًا جُلُّهُمْ مِنَ الْبَرْبَرِ، وَجَعَلَ مَعَهُمْ مَنْ يُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ وَالْفَرَائِضَ، وَعَادَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ. فَمَرَّ بِقَلْعَةِ مِجَّانَةَ، فَتَحَصَّنَ أَهْلُهَا مِنْهُ وَتَرَكَ عَلَيْهَا مَنْ يُحَاصِرُهَا مَعَ بِشْرِ بْنِ فُلَانٍ، فَفَتَحَهَا، فَسُمِّيَتْ قَلْعَةُ بِشْرٍ إِلَى الْآنِ، وَحِينَئِذٍ لَمْ يَبْقَ لَهُ

стр. 1992

فِي إِفْرِيقِيَّةَ مَنْ يُنَازِعُهُ. وَقِيلَ: كَانَتْ وِلَايَةُ مُوسَى سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ، اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ، وَهُوَ حِينَئِذٍ عَلَى مِصْرَ لِأَخِيهِ عَبْدِ الْمَلِكِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ التُّرْكَ مِنْ نَاحِيَةِ أَذْرَبِيجَانَ، فَفَتَحَ حُصُونًا وَمَدَائِنَ هُنَاكَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَكَانَ الْعُمَّالُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ الْعُذْرِيُّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ، وَقِيلَ: وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ. (صُعَيْرٌ: بِضَمِّ الصَّادِ، وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ) . وَفِيهَا مَاتَ ظَلِيمٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ بِإِفْرِيقِيَّةَ. (ظَلِيمٌ: بِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَكَسْرِ اللَّامِ) .

стр. 1993

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعِينَ] ٩٠ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعِينَ ذِكْرُ فَتْحِ بُخَارَى قَدْ ذَكَرْنَا وُرُودَ كِتَابِ الْحَجَّاجِ إِلَى قُتَيْبَةَ يَأْمُرُهُ بِالتَّوْبَةِ عَنِ انْصِرَافِهِ عَنْ وَرْدَانَ خُذَاهْ مَلِكَ بُخَارَى، وَيُعَرِّفُهُ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَأْتِي بَلَدَهُ مِنْهُ، فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ عَلَى قُتَيْبَةَ خَرَجَ غَازِيًا إِلَى بُخَارَى سَنَةَ تِسْعِينَ، فَاسْتَجَاشَ وَرَدَانُ خُذَاهُ بِالصُّغْدِ وَالتُّرْكِ مِنْ حَوْلِهِ فَأَتَوْهُ، وَقَدْ سَبَقَ إِلَيْهَا قُتَيْبَةُ فَحَصَرَهَا، فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ أَمْدَادُهُمْ خَرَجُوا إِلَى الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُونَهُمْ، فَقَالَتِ الْأَزْدُ: اجْعَلُونَا نَاحِيَةً وَخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ قِتَالِهِمْ. فَقَالَ قُتَيْبَةُ: تَقَدَّمُوا، فَتَقَدَّمُوا وَقَاتَلُوهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ إِنَّ الْأَزْدَ انْهَزَمُوا حَتَّى دَخَلُوا الْعَسْكَرَ، وَرَكِبَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَحَطَّمُوهُمْ حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ عَسْكَرَهُمْ، وَجَازُوهُ حَتَّى ضَرَبَ النِّسَاءُ وُجُوهَ الْخَيْلِ وَبَكَيْنَ، فَكَرُّوا رَاجِعِينَ، فَانْطَوَتْ مُجَنِّبَتَا الْمُسْلِمِينَ عَلَى التُّرْكِ، فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى رَدُّوهُمْ إِلَى مَوَاقِفِهِمْ، فَوَقَفَ التُّرْكُ عَلَى نَشَزٍ، فَقَالَ قُتَيْبَةُ: مَنْ يُزِيلُهُمْ عَنْ هَذَا الْمَوْضِعِ؟ فَلَمْ يَقْدُمْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَتَى بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ لَهُمْ: يَوْمٌ كَأَيَّامِكُمْ، فَأَخَذَ وَكِيعٌ اللِّوَاءَ وَقَالَ: يَا بَنِي تَمِيمٍ أَتُسَلِّمُونَنِي الْيَوْمَ؟ قَالُوا: لَا يَا أَبَا مُطَرِّفٍ. وَكَانَ هُرَيْمُ بْنُ أَبِي طَحْمَةَ عَلَى خَيْلِ تَمِيمٍ، وَوَكِيعٌ رَأَسَهُمْ، فَقَالَ وَكِيعٌ: يَا هُرَيْمُ قَدِّمْ خَيْلَكَ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ الرَّايَةَ، فَتَقَدَّمَ هُرَيْمٌ وَتَقَدَّمَ وَكِيعٌ فِي الرَّجَّالَةِ، فَانْتَهَى هُرَيْمٌ إِلَى نَهْرٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ التُّرْكِ، فَوَقَفَ فَقَالَ وَكِيعٌ: تَقَدَّمْ يَا هُرَيْمُ، فَنَظَرَ هُرَيْمٌ نَظَرَ الْجَمَلِ الْهَائِجِ الصَّائِلِ وَقَالَ: أَأُقْحِمُ الْخَيْلَ هَذَا النَّهْرَ؟ فَإِنِ انْكَشَفَتْ كَانَ هَلَاكُهَا يَا أَحْمَقُ. فَقَالَ وَكِيعٌ: يَابْنَ اللَّخْنَاءِ، أَتَرُدُّ أَمْرِي! فَحَذَفَهُ بِعَمُودٍ كَانَ مَعَهُ، فَعَبَرَ هُرَيْمٌ فِي الْخَيْلِ، وَانْتَهَى وَكِيعٌ إِلَى النَّهْرِ، فَعَمِلَ عَلَيْهِ جِسْرًا مِنْ خَشَبٍ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَنْ وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى الْمَوْتِ فَلْيَعْبُرْ، وَإِلَّا فَلْيَثْبُتْ مَكَانَهُ. فَمَا عَبَرَ مَعَهُ إِلَّا ثَمَانُمِائَةِ رَجُلٍ، فَلَمَّا عَبَرَ بِهِمْ وَدَنَا مِنَ الْعَدُوِّ قَالَ لِهُرَيْمٍ: إِنِّي مُطَاعِنُهُمْ، فَاشْغَلْهُمْ عَنَّا بِالْخَيْلِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ حَتَّى خَالَطَهُمْ، وَحَمَلَ هُرَيْمٌ فِي الْخَيْلِ فَطَاعَنُوهُمْ، وَلَمْ يَزَالُوا يُقَاتِلُونَهُمْ حَتَّى حَدَرُوهُمْ مِنَ التَّلِّ، وَنَادَى قُتَيْبَةُ: مَا تَرَوْنَ الْعَدُوَّ مُنْهَزِمِينَ؟ فَلَمْ يَعْبُرْ أَحَدٌ النَّهْرَ حَتَّى انْهَزَمُوا، وَعَبَرَ النَّاسُ، وَنَادَى قُتَيْبَةُ: مَنْ أَتَى بِرَأْسٍ فَلَهُ مِائَةٌ، فَأُتِيَ بِرُءُوسٍ كَثِيرَةٍ، فَجَاءَ يَوْمَئِذٍ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي قُرَيْعٍ، كُلُّ

стр. 1994

رَجُلٍ بِرَأْسٍ، فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: قُرَيْعِيُّ. فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَزْدِ بِرَأْسٍ، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: قُرَيْعِيُّ، فَعَرَفَهُ جَهْمُ بْنُ زَحْرٍ، فَقَالَ: كَذِبَ، وَاللَّهِ إِنَّهُ أَزْدِيٌّ. فَقَالَ لَهُ قُتَيْبَةُ: مَا دَعَاكَ إِلَى هَذَا؟ فَقَالَ: رَأَيْتُ كُلَّ مَنْ جَاءَ يَقُولُ: قُرَيْعِيُّ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ مَنْ جَاءَ بِرَأْسٍ أَنْ يَقُولَهُ، فَضَحِكَ قُتَيْبَةُ. وَجُرِحَ خَاقَانُ وَابْنُهُ، وَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَكَتَبَ [قُتَيْبَةُ] بِالْفَتْحِ إِلَى الْحَجَّاجِ. ذِكْرُ صُلْحِ قُتَيْبَةَ مَعَ الصُّغْدِ لَمَّا أَوْقَعَ قُتَيْبَةُ بِأَهْلِ بُخَارَى هَابَهُ الصُّغْدُ، فَرَجَعَ طَرْخُونُ مِلْكُهُمْ وَمَعَهُ فَارِسَانِ، فَدَنَا مِنْ عَسْكَرِ قُتَيْبَةَ، فَطَلَبَ رَجُلًا يُكَلِّمُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ قُتَيْبَةُ حَيَّانَ النَّبَطِيَّ، فَطَلَبَ الصُّلْحَ عَلَى فِدْيَةٍ يُؤَدِّيهَا إِلَيْهِمْ، فَأَجَابَهُ قُتَيْبَةُ إِلَى مَا طَلَبَ وَصَالَحَ، وَرَجَعَ طَرْخُونُ إِلَى بِلَادِهِ وَرَجَعَ قُتَيْبَةُ وَمَعَهُ نِيزَكُ. (حَيَّانُ: بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَآخِرُهُ نُونٌ) . ذِكْرُ غَدْرِ نِيزَكُ وَفَتْحِ الطَّالْقَانِ قِيلَ: لَمَّا رَجَعَ قُتَيْبَةُ مِنْ بُخَارَى وَمَعَهُ نِيزَكُ وَقَدْ خَافَ لِمَا يَرَى مِنَ الْفُتُوحِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَنَا مَعَ هَذَا، وَلَسْتُ آمَنُهُ، فَلَوِ اسْتَأْذَنْتُهُ وَرَجِعْتُ كَانَ الرَّأْيُ. قَالُوا: افْعَلْ. فَاسْتَأْذَنَ قُتَيْبَةَ، فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ بِآمُلَ، فَرَجَعَ طَخَارِسْتَانَ، وَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى أَتَى النُّوبَهَارَ، فَنَزَلَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَتَبَرَّكُ بِهِ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَا أَشُكُّ أَنَّ قُتَيْبَةَ قَدْ نَدِمَ عَلَى إِذْنِهِ لِي، وَسَيَبْعَثُ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَأْمُرُهُ بِحَبْسِي. وَنَدِمَ قُتَيْبَةُ عَلَى إِذْنِهِ لَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْمُغِيرَةِ يَأْمُرُهُ بِحَبْسِ نِيزَكَ، وَسَارَ نِيزَكُ وَتَبِعَهُ الْمُغَيَّرَةُ، فَوَجَدَهُ قَدْ دَخَلَ شِعْبَ خُلْمٍ، فَرَجَعَ الْمُغِيرَةُ، وَأَظْهَرَ نِيزَكُ الْخَلْعَ وَكَتَبَ إِلَى أَصْبَهْبَذَ بَلْخَ، وَإِلَى بَاذَانَ مَلِكِ مَرْوِ الرُّوذِ، وَإِلَى مَلِكِ الطَّالْقَانِ، وَإِلَى مَلِكِ الْفَارِيَابِ، وَإِلَى مَلِكٍ الْجُوزَجَانِ، أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى خَلْعِ قُتَيْبَةَ، فَأَجَابُوهُ، فَوَاعَدَهُمُ الرَّبِيعَ أَنْ يَجْتَمِعُوا

стр. 1995

وَيَغْزُوا قُتَيْبَةَ، وَكَتَبَ إِلَى كَابُلَ شَاهْ يَسْتَظْهِرُ بِهِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِثَقَلِهِ وَمَالِهِ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ إِنِ اضْطَرَّ إِلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهُ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ. وَكَانَ جَبْغَوَيْهِ مَلِكُ طَخَارِسْتَانَ ضَعِيفًا، فَأَخَذَهُ نِيزَكُ فَقَيَّدَهُ بِقَيْدٍ مِنْ ذَهَبٍ لِئَلَّا يُخَالِفَ عَلَيْهِ، وَكَانَ جَبْغَوَيْهِ هُوَ الْمَلِكَ، وَنِيزَكُ عَبْدَهُ، فَاسْتَوْثَقَ مِنْهُ وَأَخْرَجَ عَامِلَ قُتَيْبَةَ مِنْ بِلَادِ جَبْغَوَيْهِ. وَبَلَغَ قُتَيْبَةَ خَلْعُهُ قَبْلَ الشِّتَاءِ وَقَدْ تَفَرَّقَ الْجُنْدُ، فَبَعَثَ أَخَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُسْلِمٍ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا إِلَى الْبَرُوقَانِ، وَقَالَ: أَقِمْ بِهَا وَلَا تُحْدِثْ شَيْئًا، فَإِذَا انْقَضَى الشِّتَاءُ سِرْ نَحْوَ طَخَارِسْتَانَ، وَاعْلَمْ أَنِّي قَرِيبٌ مِنْكَ. فَسَارَ، فَلَمَّا كَانَ آخِرَ الشِّتَاءِ كَتَبَ قُتَيْبَةُ إِلَى نَيْسَابُورَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ لِيَقْدَمَ عَلَيْهِ الْجُنُودُ، فَقَدِمُوا قَبْلَ أَوَانِهِمْ، فَسَارَ نَحْوَ الطَّالْقَانِ، وَكَانَ مَلِكُهَا قَدْ خَلَعَ وَطَابَقَ نِيزَكَ عَلَى الْخَلْعِ، فَأَتَاهُ قُتَيْبَةُ فَأَوْقَعَ بِأَهْلِ الطَّالْقَانِ، فَقَتَلَ مِنْ أَهْلِهَا مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَصَلَبَ مِنْهُمْ سِمَاطَيْنِ أَرْبَعَةَ فَرَاسِخَ فِي نِظَامٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ انْقَضَتِ السَّنَةُ قَبْلَ مُحَارَبَةِ نِيزَكَ، وَسَنَذْكُرُ تَمَامَ خَبَرِهِ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ذِكْرُ هَرَبِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ وَإِخْوَتِهِ مِنْ سِجْنِ الْحَجَّاجِ قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ هَرَبَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ وَإِخْوَتُهُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ مِنْ سِجْنَ الْحَجَّاجِ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ قَدْ خَرَجَ إِلَى رُسْتَقَابَاذَ لِلْبَعْثِ، لِأَنَّ الْأَكْرَادَ كَانُوا قَدْ غَلَبُوا عَلَى فَارِسَ، وَخَرَجَ مَعَهُ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ وَإِخْوَتُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَالْمُفَضَّلُ فِي عَسْكَرِهِ، وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ كَهَيْئَةِ الْخَنْدَقِ، وَجَعَلَهُمْ فِي فُسْطَاطٍ قَرِيبٍ مِنْهُ، وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الْحَرَسَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَطَلَبَ مِنْهُمْ سِتَّةَ آلَافِ أَلْفٍ، وَأَخَذَ يُعَذِّبُهُمْ، فَكَانَ يَزِيدُ يَصْبِرُ صَبْرًا حَسَنًا، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَغِيظُ الْحَجَّاجَ مِنْهُ. فَقِيلَ لِلْحَجَّاجِ إِنَّهُ رُمِيَ فِي سَاقِهِ بِنُشَّابَةٍ، فَثَبَتَ نَصْلُهَا فِيهِ، فَهُوَ لَا يَمَسُّهَا إِلَّا صَاحَ، فَأَمَرَ أَنْ يُعَذَّبَ فِي سَاقِهِ، فَلَمَّا فَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ صَاحَ، وَأُخْتُهُ هِنْدُ بِنْتُ الْمُهَلَّبِ عِنْدَ الْحَجَّاجِ، فَلَمَّا سَمِعَتْ صَوْتَهُ صَاحَتْ وَنَاحَتْ، فَطَلَّقَهَا الْحَجَّاجُ، ثُمَّ إِنَّهُ كَفَّ عَنْهُمْ، وَأَقْبَلَ يَسْتَأْدِيهُمْ وَهُمْ يَعْمَلُونَ فِي التَّخَلُّصِ، فَبَعَثُوا إِلَى أَخِيهِمْ مَرْوَانَ، وَكَانَ بِالْبَصْرَةِ، أَنْ يَضْمَنَ لَهُمْ خَيْلًا وَيُرِيَ النَّاسَ أَنَّهُ يُرِيدُ بَيْعَهَا لِتَكُونَ عُدَّةً. فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَكَانَ أَخُوهُ حَبِيبٌ يُعَذَّبُ بِالْبَصْرَةِ أَيْضًا. فَصَنَعَ يَزِيدُ لِلْحَرَسِ طَعَامًا كَثِيرًا، وَأَمَرَ لَهُمْ بِشَرَابٍ، فَسُقُوا وَاشْتَغَلُوا بِهِ، وَلَبِسَ يَزِيدُ

стр. 1996

ثِيَابَ طَبَّاخِهِ، وَخَرَجَ وَقَدْ جَعَلَ لَهُ لِحْيَةً بَيْضَاءَ، فَرَآهُ بَعْضُ الْحَرَسِ فَقَالَ: كَانَتْ هَذِهِ مِشْيَةُ يَزِيدَ، فَجَاءَ إِلَيْهِ فَرَأَى لِحْيَتَهُ بَيْضَاءَ فِي اللَّيْلِ، فَتَرَكَهُ وَعَادَ، فَخَرَجَ الْمُفَضَّلُ وَلَمْ يُفْطَنْ لَهُ، فَجَاءُوا إِلَى سُفُنٍ مُعَدَّةٍ فَرَكِبُوهَا، يَزِيدُ وَالْمُفَضَّلُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ، وَسَارُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى أَصْبَحُوا، فَلَمَّا أَصْبَحُوا عَلِمَ بِهِمُ الْحَرَسُ فَرَفَعُوا خَبَرَهُمْ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَفَزِعَ وَظَنَّ أَنَّهُمْ يُفْسِدُونَ خُرَاسَانَ لِيَفْتِنُوا بِهَا، فَبَعَثَ الْبَرِيدَ إِلَى قُتَيْبَةَ بِخَبَرِهِمْ وَيَأْمُرُهُ بِالْحَذَرِ. وَلَمَّا دَنَا يَزِيدُ مِنَ الْبَطَائِحِ اسْتَقْبَلَتْهُ الْخَيْلُ فَخَرَجُوا عَلَيْهَا وَمَعَهُمْ دَلِيلٌ مِنْ كَلْبٍ، فَأَخَذُوا طَرِيقَ الشَّامِ عَلَى طَرِيقِ السَّمَاوَةِ، وَأَتَى الْحَجَّاجُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ أَخَذُوا طَرِيقَ الشَّامِ، فَبَعَثَ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ يُعْلِمُهُ. ثُمَّ سَارَ يَزِيدُ فَقَدِمَ فِلَسْطِينَ، فَنَزَلَ عَلَى وُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَزْدِيِّ، وَكَانَ كَرِيمًا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَجَاءَ وُهَيْبٌ إِلَى سُلَيْمَانَ، فَأَعْلَمَهُ بِحَالِ يَزِيدَ وَإِخْوَتِهِ، وَأَنَّهُمْ قَدِ اسْتَعَاذُوا بِهِ مِنَ الْحَجَّاجِ، قَالَ: فَأْتِنِي بِهِمْ فَهُمْ آمِنُونَ لَا يُوصَلُ إِلَيْهِمْ أَبَدًا وَأَنَا حَيٌّ. فَجَاءَ بِهِمْ إِلَيْهِ، وَكَانُوا فِي مَكَانٍ آمِنٍ. وَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى الْوَلِيدِ: إِنَّ آلَ الْمُهَلَّبِ خَانُوا أَمَانَ اللَّهِ وَهَرَبُوا مِنِّي وَلَحِقُوا بِسُلَيْمَانَ. وَكَانَ الْوَلِيدُ قَدْ حَذَّرَهُمْ، وَظَنَّ أَنَّهُمْ يَأْتُونَ خُرَاسَانَ لِلْفِتْنَةِ بِهَا، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُمْ عِنْدَ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ سَكَنَ بَعْضُ مَا بِهِ، وَطَارَ غَضَبًا لِلْمَالِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ، فَكَتَبَ سُلَيْمَانُ إِلَى الْوَلِيدِ: إِنَّ يَزِيدَ عِنْدِي وَقَدْ آمَنْتُهُ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ آلَافِ أَلْفٍ، لِأَنَّ الْحَجَّاجَ أَغْرَمَهُ سِتَّةَ آلَافِ أَلْفٍ، فَأَدَّى ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفٍ، وَالَّذِي بَقِيَ عَلَيْهِ أَنَا أُؤَدِّيهِ. فَكَتَبَ الْوَلِيدُ: وَاللَّهِ لَا أُؤَمِّنُهُ حَتَّى تَبْعَثَ بِهِ إِلَيَّ. فَكَتَبَ: لَئِنْ أَنَا بَعَثْتُ بِهِ إِلَيْكَ لَأَجِيئَنَّ مَعَهُ. فَكَتَبَ الْوَلِيدُ: وَاللَّهِ لَئِنْ جِئْتَنِي لَا أُؤَمِّنُهُ. فَقَالَ يَزِيدُ: أَرْسِلْنِي إِلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ أُوقِعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَكَ عَدَوَاةً، وَلَا أَنْ يَتَشَأَّمَ النَّاسُ بِي لَكُمَا، وَاكْتُبْ مَعِي بِأَلْطَفِ مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ. فَأَرْسَلَهُ وَأَرْسَلَ مَعَهُ ابْنَهُ أَيُّوبَ، وَكَانَ الْوَلِيدُ قَدْ أَمَرَهُ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ مُقَيَّدًا، فَقَالَ سُلَيْمَانُ لِابْنِهِ: إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَادْخُلْ أَنْتَ وَيَزِيدُ فِي سِلْسِلَةٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا رَأَى الْوَلِيدُ ابْنَ أَخِيهِ فِي سِلْسِلَةٍ قَالَ: لَقَدْ بَلَغْنَا مِنْ سُلَيْمَانَ. وَدَفَعَ أَيُّوبُ كِتَابَ أَبِيهِ إِلَى عَمِّهِ وَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَفْسِي فَدَاؤُكَ، لَا تَخْفِرْ ذِمَّةَ أَبِي وَأَنْتَ أَحَقُّ مَنْ مَنَعَهَا، وَلَا تَقْطَعْ مِنَّا رَجَاءَ مَنْ رَجَا السَّلَامَةَ فِي جِوَارِنَا لِمَكَانِنَا مِنْكَ، وَلَا تُذِلَّ مَنْ رَجَا الْعِزَّ فِي الِانْقِطَاعِ إِلَيْنَا لِعِزِّنَا بِكَ. فَقَرَأَ الْوَلِيدُ كِتَابَ سُلَيْمَانَ، فَإِذَا هُوَ يَسْتَعْطِفُهُ، وَيَشْفَعُ إِلَيْهِ، وَيَضْمَنُ إِيصَالَ الْمَالِ، فَلَمَّا

стр. 1997

قَرَأَ الْكِتَابَ قَالَ: لَقَدْ شَقَقْنَا عَلَى سُلَيْمَانَ. وَتَكَلَّمَ يَزِيدُ وَاعْتَذَرَ، فَأَمَّنَهُ الْوَلِيدُ، فَرَجَعَ إِلَى سُلَيْمَانَ، وَكَتَبَ الْوَلِيدُ إِلَى الْحَجَّاجِ: إِنِّي لَمْ أَصِلْ إِلَى يَزِيدَ وَأَهْلِهِ مَعَ سُلَيْمَانَ، فَاكْفُفْ عَنْهُمْ. فَكَفَّ عَنْهُمْ. وَكَانَ أَبُو عُيَيْنَةَ بْنُ الْمُهَلَّبِ عِنْدَ الْحَجَّاجِ عَلَيْهِ أَلْفُ أَلْفٍ، فَتَرَكَهَا وَكَفَّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ الْمُهَلَّبِ. وَأَقَامَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ عِنْدَ سُلَيْمَانَ يَهْدِي إِلَيْهِ الْهَدَايَا وَيَصْنَعُ لَهُ الْأَطْعِمَةَ، وَكَانَ لَا يَأْتِي [يَزِيدَ] هَدِيَّةٌ إِلَّا بَعَثَ بِهَا إِلَى سُلَيْمَانَ، وَلَا يَأْتِي سُلَيْمَانَ هَدِيَّةٌ إِلَّا بَعَثَ بِنِصْفِهَا إِلَى يَزِيدَ، وَكَانَ لَا تُعْجِبُهُ جَارِيَةٌ إِلَّا بَعَثَ بِهَا إِلَى يَزِيدَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَرْضَ الرُّومِ، فَفَتَحَ الْحُصُونَ الْخَمْسَةَ الَّتِي بِسُورِيَةَ، وَغَزَا عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ حَتَّى بَلَغَ أَرْزَنَ وَبَلَغَ سُورِيَةَ. وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قُرَّةَ بْنَ شَرِيكٍ عَلَى مِصْرَ، وَعَزَلَ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَفِيهَا أَسَرَتِ الرُّومُ خَالِدَ بْنَ كَيْسَانَ صَاحِبَ الْبَحْرِ، فَأَهْدَاهُ مَلِكُهُمْ إِلَى الْوَلِيدِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ. وَكَانَ عَلَى الْعِرَاقِ وَالْمَشْرِقِ كُلِّهِ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ، وَعَامِلُهُ عَلَى الْبَصْرَةِ

стр. 1998

الْجَرَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيُّ، وَعَلَى قَضَائِهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُذَيْنَةَ، وَعَلَى خُرَاسَانَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَعَلَى مِصْرَ قُرَّةُ بْنُ شَرِيكٍ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَقِيلَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ، وَقِيلَ: ثَلَاثَ وَتِسْعِينَ، وَكَانَ عُمُرُهُ سِتًّا وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: مِائَةً وَسِتَ سِنِينَ، وَقِيلَ: وَسَبْعَ، وَقِيلَ: وَثَلَاثَ. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الْعَالِيَةِ الرِّيَاحَيُّ، فِي شَوَّالٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ اللَّيْثِيُّ النَّحْوِيُّ، أَخَذَ النَّحْوَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ تِسْعِينَ.

стр. 1999

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَتِسْعِينَ] ٩١ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَتِسْعِينَ ذِكْرُ تَتِمَّةَ خَبَرِ قُتَيْبَةَ مَعَ نِيزَكَ قَدْ ذَكَرْنَا مَسِيرَ قُتَيْبَةَ إِلَى نِيزَكَ وَمَا جَرَى لَهُ بِالطَّالْقَانِ وَقَتْلِ مَنْ قَتَلَ بِهَا، فَلَمَّا فَتَحَ الطَّالْقَانَ اسْتَعْمَلَ أَخَاهُ عُمَرَ بْنَ مُسْلِمٍ، وَقِيلَ: إِنَّ مَلِكَهَا لَمْ يُحَارِبْ قُتَيْبَةَ، فَكَفَّ عَنْهُ، وَكَانَ بِهَا لُصُوصٌ، فَقَتَلَهُمْ قُتَيْبَةُ وَصَلَبَهُمْ، ثُمَّ سَارَ قُتَيْبَةُ إِلَى الْفَارِيَابِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ مَلِكُهَا مُقِرًّا مُذْعِنًا، فَقَبِلَ مِنْهُ وَلَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِهِ. وَبَلَغَ مَلِكَ الْجُوزَجَانِ خَبَرُهُمْ، فَهَرَبَ إِلَى الْجِبَالِ، وَسَارَ قُتَيْبَةُ إِلَى الْجُوزَجَانِ، فَلَقِيَهُ أَهْلُهَا سَامِعِينَ مُطِيعِينَ، فَقَبِلَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَقْتُلْ بِهَا أَحَدًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَامِرَ بْنَ مَالِكٍ الْحِمَّانِيَّ. ثُمَّ أَتَى بَلْخَ، فَلَقِيَهُ أَهْلُهَا، فَلَمْ يُقِمْ بِهَا إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا، وَسَارَ يَتْبَعُ أَخَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى شِعْبِ خُلْمٍ، وَمَضَى نِيزَكُ إِلَى بَغْلَانَ، وَخَلَّفَ مُقَاتِلَةً عَلَى فَمِ الشِّعْبِ وَمَضَايِقِهِ لِيَمْنَعُوهُ، وَوَضَعَ مُقَاتِلَتَهُ فِي قَلْعَةٍ حَصِينَةٍ مِنْ وَرَاءِ الشِّعْبِ. فَأَقَامَ قُتَيْبَةُ أَيَّامًا يُقَاتِلُهُمْ عَلَى مَضِيقِ الشِّعْبِ لَا يَقْدِرُ عَلَى دُخُولِهِ وَلَا يَعْرِفُ طَرِيقًا يَسْلُكُهُ إِلَى نِيزَكَ إِلَّا الشِّعْبَ أَوْ مَفَازَةٍ لَا تَحْتَمِلُهَا الْعَسَاكِرُ، فَبَقِيَ مُتَحَيِّرًا، فَقَدِمَ إِنْسَانٌ، فَاسْتَأْمَنَهُ عَلَى أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى مَدْخَلِ الْقَلْعَةِ الَّتِي مِنْ وَرَاءِ الشِّعْبِ، فَآمَنَهُ قُتَيْبَةُ، وَبَعَثَ مَعَهُ رِجَالًا، فَانْتَهَى بِهِمْ إِلَى الْقَلْعَةِ مِنْ وَرَاءِ شِعْبِ خُلْمٍ، فَطَرَقُوهُمْ وَهُمْ آمِنُونَ، فَقَتَلُوهُمْ، وَهَرَبَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ وَمَنْ كَانَ فِي الشِّعْبِ، فَدَخَلَ قُتَيْبَةُ الشِّعْبَ فَأَتَى الْقَلْعَةَ، وَمَضَى إِلَى سِمِنْجَانَ فَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا، ثُمَّ سَارَ إِلَى نِيزَكَ، وَقَدِمَ أَخَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. فَارْتَحَلَ نِيزَكُ مِنْ مَنْزِلِهِ فَقَطَعَ وَادِيَ فَرْغَانَةَ، وَوَجَّهَ ثَقَلَهُ وَأَمْوَالَهُ إِلَى كَابُلِ شَاهْ،

стр. 2000

وَمَضَى حَتَّى نَزَلَ الْكُرْزَ (وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتْبَعُهُ، فَنَزَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ حِذَاءَ الْكُرْزِ) ، وَنَزَلَ قُتَيْبَةُ بِمَنْزِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَرْسَخَانِ، فَتَحَصَّنَ نِيزَكُ فِي الْكُرْزِ وَلَيْسَ إِلَيْهِ مَسْلَكٌ إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ صَعْبٌ لَا تُطِيقُهُ الدَّوَابُّ، فَحَصَرَهُ قُتَيْبَةُ شَهْرَيْنِ حَتَّى قَلَّ مَا فِي يَدِ نِيزَكَ مِنَ الطَّعَامِ وَأَصَابَهُمُ الْجُدَرِيُّ، وَجُدِرَ جَبْغَوَيْهِ. وَخَافَ قُتَيْبَةُ الشِّتَاءَ، فَدَعَا سُلَيْمًا النَّاصِحَ، فَقَالَ: انْطَلِقْ إِلَى نِيزَكَ وَاحْتَلْ لِتَأْتِيَنِي بِهِ بِغَيْرِ أَمَانٍ، فَإِنِ احْتَالَ وَأَبَى فَآمِنْهُ، وَاعْلَمْ أَنِّي إِنْ عَايَنْتُكَ وَلَيْسَ هُوَ مَعَكَ صَلَبْتُكَ. قَالَ: فَاكْتُبْ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَا يُخَالِفْنِي، فَكَتَبَ إِلَيْهِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: ابْعَثْ رِجَالًا لِيَكُونُوا عَلَى فَمِ الشِّعْبِ، فَإِذَا خَرَجْتُ أَنَا وَنِيزَكُ فَلْيَعْطِفُوا مِنْ وَرَائِنَا فَيَحُولُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشِّعْبِ، فَبَعَثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ خَيْلًا، فَكَانَتْ هُنَاكَ، وَحَمَلَ سُلَيْمٌ مَعَهُ أَطْعِمَةً وَأَخْبِصَةً أَوَقَارًا، وَأَتَى نِيزَكَ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ أَسَأْتَ إِلَى قُتَيْبَةَ وَغَدَرْتَ. قَالَ نِيزَكُ: فَمَا الرَّأْيُ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تَأْتِيَهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِبَارِحٍ، وَقَدْ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَشْتُوَ مَكَانَهُ هَلَكَ أَوْ سَلِمَ. قَالَ نِيزَكُ: فَكَيْفَ آتِيهِ عَلَى غَيْرِ أَمَانٍ؟ قَالَ: مَا أَظُنُّهُ يُؤَمِّنُكَ; لِمَا فِي نَفْسِهِ عَلَيْكَ; لِأَنَّكَ قَدْ مَلَأْتَهُ غَيْظًا، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ لَا يَعْلَمَ [بِكَ] حَتَّى تَضَعَ يَدَكَ فِي يَدِهِ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يَسْتَحِيَ وَيَعْفُوَ [عَنْكَ] ، قَالَ: إِنِّي أَرَى نَفْسِي تَأْبَى هَذَا وَهُوَ إِنْ رَآنِي قَتَلَنِي، فَقَالَ سُلَيْمٌ: مَا أَتَيْتُكَ إِلَّا لِأُشِيرَ عَلَيْكَ بِهَذَا، وَلَوْ فَعَلْتَ لَرَجَوْتُ أَنْ تَسْلَمَ وَتَعُودَ حَالُكَ عِنْدَهُ، فَإِذَا أَبَيْتَ فَإِنِّي مُنْصَرِفٌ. وَقَدَّمَ سُلَيْمٌ الطَّعَامَ الَّذِي مَعَهُ، وَلَا عَهْدَ لَهُمْ بِمِثْلِهِ، فَانْتَهَبَهُ أَصْحَابُ نِيزَكَ، فَسَاءَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمٌ: إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ، أَرَى أَصْحَابَكَ قَدْ جَهِدُوا، وَإِنْ طَالَ بِهِمُ الْحِصَارُ لَمْ آمَنْهُمْ أَنْ يَسْتَأْمِنُوا بِكَ، فَأْتِ قُتَيْبَةَ، فَقَالَ: لَا آمَنُهُ عَلَى نَفْسِي وَلَا آتِيهِ إِلَّا بِأَمَانٍ، وَإِنَّ ظَنِّي أَنْ يَقْتُلَنِي وَإِنْ آمَنَنِي، وَلَكِنَّ الْأَمَانَ أَعْذَرُ إِلَيَّ. فَقَالَ سُلَيْمٌ: قَدْ آمَنَكَ، أَفَتَتَّهِمُنِي؟ قَالَ: لَا. وَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: اقْبَلْ قَوْلَ سُلَيْمٍ فَلَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا. فَخَرَجَ مَعَهُ وَمَعَ جَبْغَوَيْهِ وَصُولُ طَرْخَانَ، خَلِيفَةُ جَبْغَوَيْهِ، وَحَبَسَ طَرْخَانَ صَاحِبَ شُرْطَتِهِ وَشَقْرَانَ ابْنَ أَخِي نِيزَكَ، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الشِّعْبِ عَطَفَتِ الْخَيْلُ الَّتِي خَلَّفَهَا سُلَيْمٌ، فَحَالُوا بَيْنَ الْأَتْرَاكِ أَصْحَابِ نِيزَكَ وَالْخُرُوجِ، فَقَالَ نِيزَكُ: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ. قَالَ سُلَيْمٌ: تَخَلُّفُ هَؤُلَاءِ عَنْكَ خَيْرٌ لَكَ. وَأَقْبَلَ سُلَيْمٌ وَنِيزَكُ وَمَنْ مَعَهُ حَتَّى دَخَلُوا إِلَى قُتَيْبَةَ، فَحَبَسَهُمْ وَكَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْلِ نِيزَكَ، وَوَجَّهَ قُتَيْبَةُ [مُعَاوِيَةَ بْنَ عَامِرِ بْنِ عَلْقَمَةَ
следующие страницы →