Полный текст (6 163 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
ثِيَابَ طَبَّاخِهِ، وَخَرَجَ وَقَدْ جَعَلَ لَهُ لِحْيَةً بَيْضَاءَ، فَرَآهُ بَعْضُ الْحَرَسِ فَقَالَ: كَانَتْ هَذِهِ مِشْيَةُ يَزِيدَ، فَجَاءَ إِلَيْهِ فَرَأَى لِحْيَتَهُ بَيْضَاءَ فِي اللَّيْلِ، فَتَرَكَهُ وَعَادَ، فَخَرَجَ الْمُفَضَّلُ وَلَمْ يُفْطَنْ لَهُ، فَجَاءُوا إِلَى سُفُنٍ مُعَدَّةٍ فَرَكِبُوهَا، يَزِيدُ وَالْمُفَضَّلُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ، وَسَارُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى أَصْبَحُوا، فَلَمَّا أَصْبَحُوا عَلِمَ بِهِمُ الْحَرَسُ فَرَفَعُوا خَبَرَهُمْ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَفَزِعَ وَظَنَّ أَنَّهُمْ يُفْسِدُونَ خُرَاسَانَ لِيَفْتِنُوا بِهَا، فَبَعَثَ الْبَرِيدَ إِلَى قُتَيْبَةَ بِخَبَرِهِمْ وَيَأْمُرُهُ بِالْحَذَرِ.
وَلَمَّا دَنَا يَزِيدُ مِنَ الْبَطَائِحِ اسْتَقْبَلَتْهُ الْخَيْلُ فَخَرَجُوا عَلَيْهَا وَمَعَهُمْ دَلِيلٌ مِنْ كَلْبٍ، فَأَخَذُوا طَرِيقَ الشَّامِ عَلَى طَرِيقِ السَّمَاوَةِ، وَأَتَى الْحَجَّاجُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ أَخَذُوا طَرِيقَ الشَّامِ، فَبَعَثَ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ يُعْلِمُهُ.
ثُمَّ سَارَ يَزِيدُ فَقَدِمَ فِلَسْطِينَ، فَنَزَلَ عَلَى وُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَزْدِيِّ، وَكَانَ كَرِيمًا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَجَاءَ وُهَيْبٌ إِلَى سُلَيْمَانَ، فَأَعْلَمَهُ بِحَالِ يَزِيدَ وَإِخْوَتِهِ، وَأَنَّهُمْ قَدِ اسْتَعَاذُوا بِهِ مِنَ الْحَجَّاجِ، قَالَ: فَأْتِنِي بِهِمْ فَهُمْ آمِنُونَ لَا يُوصَلُ إِلَيْهِمْ أَبَدًا وَأَنَا حَيٌّ. فَجَاءَ بِهِمْ إِلَيْهِ، وَكَانُوا فِي مَكَانٍ آمِنٍ.
وَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى الْوَلِيدِ: إِنَّ آلَ الْمُهَلَّبِ خَانُوا أَمَانَ اللَّهِ وَهَرَبُوا مِنِّي وَلَحِقُوا بِسُلَيْمَانَ. وَكَانَ الْوَلِيدُ قَدْ حَذَّرَهُمْ، وَظَنَّ أَنَّهُمْ يَأْتُونَ خُرَاسَانَ لِلْفِتْنَةِ بِهَا، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُمْ عِنْدَ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ سَكَنَ بَعْضُ مَا بِهِ، وَطَارَ غَضَبًا لِلْمَالِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ، فَكَتَبَ سُلَيْمَانُ إِلَى الْوَلِيدِ: إِنَّ يَزِيدَ عِنْدِي وَقَدْ آمَنْتُهُ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ آلَافِ أَلْفٍ، لِأَنَّ الْحَجَّاجَ أَغْرَمَهُ سِتَّةَ آلَافِ أَلْفٍ، فَأَدَّى ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفٍ، وَالَّذِي بَقِيَ عَلَيْهِ أَنَا أُؤَدِّيهِ. فَكَتَبَ الْوَلِيدُ: وَاللَّهِ لَا أُؤَمِّنُهُ حَتَّى تَبْعَثَ بِهِ إِلَيَّ. فَكَتَبَ: لَئِنْ أَنَا بَعَثْتُ بِهِ إِلَيْكَ لَأَجِيئَنَّ مَعَهُ. فَكَتَبَ الْوَلِيدُ: وَاللَّهِ لَئِنْ جِئْتَنِي لَا أُؤَمِّنُهُ. فَقَالَ يَزِيدُ: أَرْسِلْنِي إِلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ أُوقِعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَكَ عَدَوَاةً، وَلَا أَنْ يَتَشَأَّمَ النَّاسُ بِي لَكُمَا، وَاكْتُبْ مَعِي بِأَلْطَفِ مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ.
فَأَرْسَلَهُ وَأَرْسَلَ مَعَهُ ابْنَهُ أَيُّوبَ، وَكَانَ الْوَلِيدُ قَدْ أَمَرَهُ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ مُقَيَّدًا، فَقَالَ سُلَيْمَانُ لِابْنِهِ: إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَادْخُلْ أَنْتَ وَيَزِيدُ فِي سِلْسِلَةٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا رَأَى الْوَلِيدُ ابْنَ أَخِيهِ فِي سِلْسِلَةٍ قَالَ: لَقَدْ بَلَغْنَا مِنْ سُلَيْمَانَ. وَدَفَعَ أَيُّوبُ كِتَابَ أَبِيهِ إِلَى عَمِّهِ وَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَفْسِي فَدَاؤُكَ، لَا تَخْفِرْ ذِمَّةَ أَبِي وَأَنْتَ أَحَقُّ مَنْ مَنَعَهَا، وَلَا تَقْطَعْ مِنَّا رَجَاءَ مَنْ رَجَا السَّلَامَةَ فِي جِوَارِنَا لِمَكَانِنَا مِنْكَ، وَلَا تُذِلَّ مَنْ رَجَا الْعِزَّ فِي الِانْقِطَاعِ إِلَيْنَا لِعِزِّنَا بِكَ.
فَقَرَأَ الْوَلِيدُ كِتَابَ سُلَيْمَانَ، فَإِذَا هُوَ يَسْتَعْطِفُهُ، وَيَشْفَعُ إِلَيْهِ، وَيَضْمَنُ إِيصَالَ الْمَالِ، فَلَمَّا
стр. 1997
قَرَأَ الْكِتَابَ قَالَ: لَقَدْ شَقَقْنَا عَلَى سُلَيْمَانَ. وَتَكَلَّمَ يَزِيدُ وَاعْتَذَرَ، فَأَمَّنَهُ الْوَلِيدُ، فَرَجَعَ إِلَى سُلَيْمَانَ، وَكَتَبَ الْوَلِيدُ إِلَى الْحَجَّاجِ: إِنِّي لَمْ أَصِلْ إِلَى يَزِيدَ وَأَهْلِهِ مَعَ سُلَيْمَانَ، فَاكْفُفْ عَنْهُمْ. فَكَفَّ عَنْهُمْ.
وَكَانَ أَبُو عُيَيْنَةَ بْنُ الْمُهَلَّبِ عِنْدَ الْحَجَّاجِ عَلَيْهِ أَلْفُ أَلْفٍ، فَتَرَكَهَا وَكَفَّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ الْمُهَلَّبِ.
وَأَقَامَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ عِنْدَ سُلَيْمَانَ يَهْدِي إِلَيْهِ الْهَدَايَا وَيَصْنَعُ لَهُ الْأَطْعِمَةَ، وَكَانَ لَا يَأْتِي [يَزِيدَ] هَدِيَّةٌ إِلَّا بَعَثَ بِهَا إِلَى سُلَيْمَانَ، وَلَا يَأْتِي سُلَيْمَانَ هَدِيَّةٌ إِلَّا بَعَثَ بِنِصْفِهَا إِلَى يَزِيدَ، وَكَانَ لَا تُعْجِبُهُ جَارِيَةٌ إِلَّا بَعَثَ بِهَا إِلَى يَزِيدَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَرْضَ الرُّومِ، فَفَتَحَ الْحُصُونَ الْخَمْسَةَ الَّتِي بِسُورِيَةَ، وَغَزَا عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ حَتَّى بَلَغَ أَرْزَنَ وَبَلَغَ سُورِيَةَ.
وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قُرَّةَ بْنَ شَرِيكٍ عَلَى مِصْرَ، وَعَزَلَ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ.
وَفِيهَا أَسَرَتِ الرُّومُ خَالِدَ بْنَ كَيْسَانَ صَاحِبَ الْبَحْرِ، فَأَهْدَاهُ مَلِكُهُمْ إِلَى الْوَلِيدِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ. وَكَانَ عَلَى الْعِرَاقِ وَالْمَشْرِقِ كُلِّهِ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ، وَعَامِلُهُ عَلَى الْبَصْرَةِ
стр. 1998
الْجَرَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيُّ، وَعَلَى قَضَائِهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُذَيْنَةَ، وَعَلَى خُرَاسَانَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَعَلَى مِصْرَ قُرَّةُ بْنُ شَرِيكٍ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَقِيلَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ، وَقِيلَ: ثَلَاثَ وَتِسْعِينَ، وَكَانَ عُمُرُهُ سِتًّا وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: مِائَةً وَسِتَ سِنِينَ، وَقِيلَ: وَسَبْعَ، وَقِيلَ: وَثَلَاثَ.
وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الْعَالِيَةِ الرِّيَاحَيُّ، فِي شَوَّالٍ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ اللَّيْثِيُّ النَّحْوِيُّ، أَخَذَ النَّحْوَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ تِسْعِينَ.
стр. 1999
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَتِسْعِينَ]
٩١ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَتِسْعِينَ
ذِكْرُ تَتِمَّةَ خَبَرِ قُتَيْبَةَ مَعَ نِيزَكَ
قَدْ ذَكَرْنَا مَسِيرَ قُتَيْبَةَ إِلَى نِيزَكَ وَمَا جَرَى لَهُ بِالطَّالْقَانِ وَقَتْلِ مَنْ قَتَلَ بِهَا، فَلَمَّا فَتَحَ الطَّالْقَانَ اسْتَعْمَلَ أَخَاهُ عُمَرَ بْنَ مُسْلِمٍ، وَقِيلَ: إِنَّ مَلِكَهَا لَمْ يُحَارِبْ قُتَيْبَةَ، فَكَفَّ عَنْهُ، وَكَانَ بِهَا لُصُوصٌ، فَقَتَلَهُمْ قُتَيْبَةُ وَصَلَبَهُمْ، ثُمَّ سَارَ قُتَيْبَةُ إِلَى الْفَارِيَابِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ مَلِكُهَا مُقِرًّا مُذْعِنًا، فَقَبِلَ مِنْهُ وَلَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِهِ.
وَبَلَغَ مَلِكَ الْجُوزَجَانِ خَبَرُهُمْ، فَهَرَبَ إِلَى الْجِبَالِ، وَسَارَ قُتَيْبَةُ إِلَى الْجُوزَجَانِ، فَلَقِيَهُ أَهْلُهَا سَامِعِينَ مُطِيعِينَ، فَقَبِلَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَقْتُلْ بِهَا أَحَدًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَامِرَ بْنَ مَالِكٍ الْحِمَّانِيَّ.
ثُمَّ أَتَى بَلْخَ، فَلَقِيَهُ أَهْلُهَا، فَلَمْ يُقِمْ بِهَا إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا، وَسَارَ يَتْبَعُ أَخَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى شِعْبِ خُلْمٍ، وَمَضَى نِيزَكُ إِلَى بَغْلَانَ، وَخَلَّفَ مُقَاتِلَةً عَلَى فَمِ الشِّعْبِ وَمَضَايِقِهِ لِيَمْنَعُوهُ، وَوَضَعَ مُقَاتِلَتَهُ فِي قَلْعَةٍ حَصِينَةٍ مِنْ وَرَاءِ الشِّعْبِ. فَأَقَامَ قُتَيْبَةُ أَيَّامًا يُقَاتِلُهُمْ عَلَى مَضِيقِ الشِّعْبِ لَا يَقْدِرُ عَلَى دُخُولِهِ وَلَا يَعْرِفُ طَرِيقًا يَسْلُكُهُ إِلَى نِيزَكَ إِلَّا الشِّعْبَ أَوْ مَفَازَةٍ لَا تَحْتَمِلُهَا الْعَسَاكِرُ، فَبَقِيَ مُتَحَيِّرًا، فَقَدِمَ إِنْسَانٌ، فَاسْتَأْمَنَهُ عَلَى أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى مَدْخَلِ الْقَلْعَةِ الَّتِي مِنْ وَرَاءِ الشِّعْبِ، فَآمَنَهُ قُتَيْبَةُ، وَبَعَثَ مَعَهُ رِجَالًا، فَانْتَهَى بِهِمْ إِلَى الْقَلْعَةِ مِنْ وَرَاءِ شِعْبِ خُلْمٍ، فَطَرَقُوهُمْ وَهُمْ آمِنُونَ، فَقَتَلُوهُمْ، وَهَرَبَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ وَمَنْ كَانَ فِي الشِّعْبِ، فَدَخَلَ قُتَيْبَةُ الشِّعْبَ فَأَتَى الْقَلْعَةَ، وَمَضَى إِلَى سِمِنْجَانَ فَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا، ثُمَّ سَارَ إِلَى نِيزَكَ، وَقَدِمَ أَخَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
فَارْتَحَلَ نِيزَكُ مِنْ مَنْزِلِهِ فَقَطَعَ وَادِيَ فَرْغَانَةَ، وَوَجَّهَ ثَقَلَهُ وَأَمْوَالَهُ إِلَى كَابُلِ شَاهْ،
стр. 2000
وَمَضَى حَتَّى نَزَلَ الْكُرْزَ (وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتْبَعُهُ، فَنَزَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ حِذَاءَ الْكُرْزِ) ، وَنَزَلَ قُتَيْبَةُ بِمَنْزِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَرْسَخَانِ، فَتَحَصَّنَ نِيزَكُ فِي الْكُرْزِ وَلَيْسَ إِلَيْهِ مَسْلَكٌ إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ صَعْبٌ لَا تُطِيقُهُ الدَّوَابُّ، فَحَصَرَهُ قُتَيْبَةُ شَهْرَيْنِ حَتَّى قَلَّ مَا فِي يَدِ نِيزَكَ مِنَ الطَّعَامِ وَأَصَابَهُمُ الْجُدَرِيُّ، وَجُدِرَ جَبْغَوَيْهِ.
وَخَافَ قُتَيْبَةُ الشِّتَاءَ، فَدَعَا سُلَيْمًا النَّاصِحَ، فَقَالَ: انْطَلِقْ إِلَى نِيزَكَ وَاحْتَلْ لِتَأْتِيَنِي بِهِ بِغَيْرِ أَمَانٍ، فَإِنِ احْتَالَ وَأَبَى فَآمِنْهُ، وَاعْلَمْ أَنِّي إِنْ عَايَنْتُكَ وَلَيْسَ هُوَ مَعَكَ صَلَبْتُكَ. قَالَ: فَاكْتُبْ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَا يُخَالِفْنِي، فَكَتَبَ إِلَيْهِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: ابْعَثْ رِجَالًا لِيَكُونُوا عَلَى فَمِ الشِّعْبِ، فَإِذَا خَرَجْتُ أَنَا وَنِيزَكُ فَلْيَعْطِفُوا مِنْ وَرَائِنَا فَيَحُولُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشِّعْبِ، فَبَعَثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ خَيْلًا، فَكَانَتْ هُنَاكَ، وَحَمَلَ سُلَيْمٌ مَعَهُ أَطْعِمَةً وَأَخْبِصَةً أَوَقَارًا، وَأَتَى نِيزَكَ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ أَسَأْتَ إِلَى قُتَيْبَةَ وَغَدَرْتَ. قَالَ نِيزَكُ: فَمَا الرَّأْيُ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تَأْتِيَهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِبَارِحٍ، وَقَدْ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَشْتُوَ مَكَانَهُ هَلَكَ أَوْ سَلِمَ. قَالَ نِيزَكُ: فَكَيْفَ آتِيهِ عَلَى غَيْرِ أَمَانٍ؟ قَالَ: مَا أَظُنُّهُ يُؤَمِّنُكَ; لِمَا فِي نَفْسِهِ عَلَيْكَ; لِأَنَّكَ قَدْ مَلَأْتَهُ غَيْظًا، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ لَا يَعْلَمَ [بِكَ] حَتَّى تَضَعَ يَدَكَ فِي يَدِهِ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يَسْتَحِيَ وَيَعْفُوَ [عَنْكَ] ، قَالَ: إِنِّي أَرَى نَفْسِي تَأْبَى هَذَا وَهُوَ إِنْ رَآنِي قَتَلَنِي، فَقَالَ سُلَيْمٌ: مَا أَتَيْتُكَ إِلَّا لِأُشِيرَ عَلَيْكَ بِهَذَا، وَلَوْ فَعَلْتَ لَرَجَوْتُ أَنْ تَسْلَمَ وَتَعُودَ حَالُكَ عِنْدَهُ، فَإِذَا أَبَيْتَ فَإِنِّي مُنْصَرِفٌ.
وَقَدَّمَ سُلَيْمٌ الطَّعَامَ الَّذِي مَعَهُ، وَلَا عَهْدَ لَهُمْ بِمِثْلِهِ، فَانْتَهَبَهُ أَصْحَابُ نِيزَكَ، فَسَاءَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمٌ: إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ، أَرَى أَصْحَابَكَ قَدْ جَهِدُوا، وَإِنْ طَالَ بِهِمُ الْحِصَارُ لَمْ آمَنْهُمْ أَنْ يَسْتَأْمِنُوا بِكَ، فَأْتِ قُتَيْبَةَ، فَقَالَ: لَا آمَنُهُ عَلَى نَفْسِي وَلَا آتِيهِ إِلَّا بِأَمَانٍ، وَإِنَّ ظَنِّي أَنْ يَقْتُلَنِي وَإِنْ آمَنَنِي، وَلَكِنَّ الْأَمَانَ أَعْذَرُ إِلَيَّ. فَقَالَ سُلَيْمٌ: قَدْ آمَنَكَ، أَفَتَتَّهِمُنِي؟ قَالَ: لَا. وَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: اقْبَلْ قَوْلَ سُلَيْمٍ فَلَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا.
فَخَرَجَ مَعَهُ وَمَعَ جَبْغَوَيْهِ وَصُولُ طَرْخَانَ، خَلِيفَةُ جَبْغَوَيْهِ، وَحَبَسَ طَرْخَانَ صَاحِبَ شُرْطَتِهِ وَشَقْرَانَ ابْنَ أَخِي نِيزَكَ، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الشِّعْبِ عَطَفَتِ الْخَيْلُ الَّتِي خَلَّفَهَا سُلَيْمٌ، فَحَالُوا بَيْنَ الْأَتْرَاكِ أَصْحَابِ نِيزَكَ وَالْخُرُوجِ، فَقَالَ نِيزَكُ: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ. قَالَ سُلَيْمٌ: تَخَلُّفُ هَؤُلَاءِ عَنْكَ خَيْرٌ لَكَ. وَأَقْبَلَ سُلَيْمٌ وَنِيزَكُ وَمَنْ مَعَهُ حَتَّى دَخَلُوا إِلَى قُتَيْبَةَ، فَحَبَسَهُمْ وَكَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْلِ نِيزَكَ، وَوَجَّهَ قُتَيْبَةُ [مُعَاوِيَةَ بْنَ عَامِرِ بْنِ عَلْقَمَةَ
стр. 2001
الْعَلِيمِيَّ، فَاسْتَخْرَجَ] مَا كَانَ فِي الْكُرْزِ مِنْ مَتَاعٍ وَمَنْ كَانَ فِيهِ فَقَدِمَ بِهِ عَلَى قُتَيْبَةَ. فَانْتَظَرَ بِهِمْ كِتَابَ الْحَجَّاجِ، فَأَتَاهُ كِتَابُ الْحَجَّاجِ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَأْمُرُهُ بِقَتْلِ نِيزَكَ، فَدَعَا قُتَيْبَةُ النَّاسَ وَاسْتَشَارَهُمْ فِي قَتْلِهِ، وَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ ضِرَارُ بْنُ حُصَيْنٍ: إِنِّي سَمِعْتُكَ تَقُولُ: أَعْطَيْتُ اللَّهَ عَهْدًا إِنْ أَمْكَنَكَ مِنْهُ أَنْ تَقْتُلَهُ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَلَا يَنْصُرُكَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَبَدًا.
فَدَعَا نِيزَكَ فَضَرَبَ رَقَبَتَهُ بِيَدِهِ، وَأَمَرَ بِقَتْلِ صُولٍ، وَابْنِ أَخِي نِيزَكَ، وَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ سَبْعَمِائَةٍ، وَقِيلَ: اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَصَلَبَ نِيزَكَ وَابْنَ أَخِيهِ، وَبَعْثَ بِرَأْسِهِ إِلَى الْحَجَّاجِ، وَقَالَ نَهَارُ بْنُ تَوْسِعَةَ فِي قَتْلِ نِيزَكَ:
لَعَمْرِي لَنَعِمَتْ غَزْوَةُ الْجُنْدِ غَزْوَةً قَضَتْ نَحْبَهَا مِنْ نِيزَكٍ وَتَعَلَّتِ
وَأَخَذَ الزُّبَيْرُ مَوْلَى عَبَّاسٍ الْبَاهِلِيِّ حُقًّا لِنِيزَكَ فِيهِ جَوْهَرٌ، وَكَانَ أَكْثَرُ مَنْ فِي بِلَادِهِ مَالًا وَعَقَارًا مِنْ ذَلِكَ الْجَوْهَرِ، وَأَطْلَقَ قُتَيْبَةُ جَبْغَوَيْهِ وَمَنَّ عَلَيْهِ وَبَعَثَ بِهِ إِلَى الْوَلِيدِ، فَلَمْ يَزَلْ بِالشَّامِ حَتَّى مَاتَ الْوَلِيدُ.
كَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ: غَدَرَ قُتَيْبَةُ بِنِيزَكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ:
فَلَا تَحْسَبَنَّ الْغَدْرَ حَزْمًا فَرُبَّمَا ... تَرَقَّتْ بِهِ الْأَقْدَامُ يَوْمًا فَزَلَّتِ
فَلَمَّا قَتَلَ قُتَيْبَةُ نِيزَكَ رَجَعَ إِلَى مَرْوَ، وَأَرْسَلَ مَلِكُ الْجُوزَجَانِ يَطْلُبُ الْأَمَانَ، فَآمَنُهُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَهُ، فَطَلَبَ رَهْنًا وَيُعْطِيَ رَهَائِنَ، فَأَعْطَاهُ قُتَيْبَةُ حَبِيبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ الْبَاهِلِيَّ، وَأَعْطَى مَلِكُ الْجُوزَجَانِ رَهَائِنَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَقَدِمَ عَلَى قُتَيْبَةَ [فَصَالَحَهُ] ، ثُمَّ رَجَعَ فَمَاتَ بِالطَّالْقَانِ، فَقَالَ أَهْلُ الْجُوزَجَانِ: إِنَّهُمْ سَمُّوهُ، فَقَتَلُوا حَبِيبًا، وَقَتَلَ قُتَيْبَةُ الرَّهَائِنَ الَّذِينَ كَانُوا عِنْدَهُ.
ذِكْرُ غَزْوِ شُومَانَ وَكِشَّ وَنَسَفَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ قُتَيْبَةُ إِلَى شُومَانَ فَحَصَرَهَا.
стр. 2002
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مَلِكَهَا طَرَدَ عَامِلَ قُتَيْبَةَ مِنْ عِنْدِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ قُتَيْبَةُ رَسُولَيْنِ، أَحَدُهُمَا مِنَ الْعَرَبِ اسْمُهُ عَيَّاشٌ، وَالْآخَرُ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، يَدْعُوَانِ مَلِكَ شُومَانَ أَنْ يُؤَدِّيَ مَا كَانَ صَالَحَ عَلَيْهِ. فَقَدِمَا شُومَانَ، فَخَرَجَ أَهْلُهَا إِلَيْهِمَا فَرَمَوْهُمَا، فَانْصَرَفَ الْخُرَاسَانِيُّ، وَقَاتَلَهُمْ عِيَاشٌ فَقَتَلُوهُ، وَوَجَدُوا بِهِ سِتِّينَ جِرَاحَةً.
وَبَلَغَ قَتْلُهُ قُتَيْبَةَ فَسَارَ إِلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ، فَلَمَّا أَتَاهَا أَرْسَلَ صَالِحُ بْنُ مُسْلِمٍ أَخُو قُتَيْبَةَ [رَجُلًا] إِلَى مَلِكِهَا، وَكَانَ صَدِيقًا لَهُ، يَأْمُرُهُ بِالطَّاعَةِ وَيَضْمَنُ لَهُ رِضَا قُتَيْبَةَ إِنْ رَجَعَ إِلَى الصُّلْحِ، فَأَبَى وَقَالَ لِرَسُولِ صَالِحٍ: أَتُخَوِّفُنِي مِنْ قُتَيْبَةَ وَأَنَا أَمْنَعُ الْمُلُوكِ حِصْنًا؟ فَأَتَاهُ قُتَيْبَةُ وَقَدْ تَحَصَّنَ بِبَلَدِهِ فَوَضَعَ عَلَيْهِ الْمَجَانِيقَ، وَرَمَى الْحِصْنَ فَهَشَّمَهُ، وَقَتَلَ رَجُلًا فِي مَجْلِسِ الْمَلِكِ بِحَجَرٍ، فَلَمَّا خَافَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ قُتَيْبَةُ جَمَعَ مَا كَانَ بِالْحِصْنِ مِنْ مَالٍ وَجَوْهَرٍ وَرَمَى بِهِ فِي بِئْرٍ بِالْقَلْعَةِ لَا يُدْرَكُ قَعْرُهَا، ثُمَّ فَتَحَ الْقَلْعَةَ وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ، وَأَخَذَ قُتَيْبَةُ الْقَلْعَةَ عَنْوَةً، فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ.
ثُمَّ سَارَ إِلَى كَشَّ وَنَسَفَ فَفَتَحَهُمَا. وَامْتَنَعَتْ عَلَيْهِ فَارَيَابُ فَأَحْرَقَهَا، فَسُمِّيَتِ الْمُحْتَرِقَةَ، وَسَيَّرَ مِنْ كَشَّ وَنَسَفَ أَخَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى الصُّغْدِ، وَمَلِكُهَا طَرْخُونُ، فَقَبَضَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ طَرْخُونَ مَا كَانَ صَالَحَهُ عَلَيْهِ قُتَيْبَةُ، وَدَفْعَ إِلَيْهِ رُهُنًا كَانُوا مَعَهُ، وَرَجَعَ إِلَى قُتَيْبَةَ بِبُخَارَى، وَكَانَ قَدْ سَارَ إِلَيْهَا مِنْ كَشَّ وَنَسَفَ، فَرَجَعُوا إِلَى مَرْوَ. وَلَمَّا كَانَ قُتَيْبَةُ بِبُخَارَى مَلَّكَ بُخَارَاخُذَاهْ، وَكَانَ غُلَامًا حَدَثًا، وَقَتَلَ مَنْ يَخَافُ أَنْ يُضَادَّهُ.
وَقِيلَ: إِنَّ قُتَيْبَةَ سَارَ بِنَفْسِهِ إِلَى الصُّغْدِ، فَلَمَّا رَجَعَ عَنْهُمْ قَالَتِ الصُّغْدُ لِطَرْخُونَ: إِنَّكَ قَدْ رَضِيتَ بِالذُّلِّ، وَاسْتَطَبْتَ الْجِزْيَةَ، وَأَنْتَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيكَ، فَحَبَسُوهُ وَوَلَّوْا غَوْزَكَ، فَقَتَلَ طَرْخُونُ نَفْسَهُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
قِيلَ: فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ الْوَلِيدُ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ عَلَى مَكَّةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَالِيًا عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَ الْوَلِيدُ، وَكَانَ قَدْ تَقَدَّمَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ ذِكْرُهُ أَيْضًا، فَلَمَّا وَلِيَ مَكَّةَ خَطَبَهُمْ وَعَظَّمَ أَمْرَ الْخِلَافَةِ وَحَثَّهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ، فَقَالَ: لَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْوَحْشَ الَّتِي تَأْمَنُ فِي الْحَرَمِ لَوْ نَطَقَتْ لَمْ تُقِرَّ بِالطَّاعَةِ لَأَخْرَجْتُهَا مِنْهُ، فَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَلُزُومِ الْجَمَاعَةِ،
стр. 2003
فَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَوُتَى بِأَحَدٍ يَطْعَنُ عَلَى إِمَامِهِ إِلَّا صَلَبْتُهُ فِي الْحَرَمِ، إِنِّي لَا أَرَى فِيمَا كَتَبَ بِهِ الْخَلِيفَةُ أَوْ رَآهُ إِلَّا إِمْضَاءَهُ. وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ يَنْظُرُ إِلَى بِنَائِهِ، وَأَخْرَجَ النَّاسَ مِنْهُ، وَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ لَمْ يَجْرُؤْ أَحَدٌ مِنَ الْحَرَسِ أَنْ يُخْرِجَهُ، فَقِيلَ لَهُ: لَوْ قُمْتَ. قَالَ: لَا أَقُومُ حَتَّى يَأْتِيَ الْوَقْتُ الَّذِي كُنْتُ أَقُومُ فِيهِ. فَقِيلَ: لَوْ سَلَّمْتَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ. قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: فَجَعَلْتُ أَعْدِلُ بِالْوَلِيدِ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ لِئَلَّا يَرَاهُ، فَالْتَفَتَ الْوَلِيدُ [إِلَى] الْقِبْلَةِ فَقَالَ: مَنْ ذَلِكَ الشَّيْخُ؟ أَهْوَ سَعِيدٌ؟ قَالَ عُمَرُ: نَعَمْ، وَمِنْ حَالِهِ كَذَا وَكَذَا، فَلَوْ عَلِمَ بِمَكَانِكَ; لَقَامَ فَسَلَّمَ عَلَيْكَ، وَهُوَ ضَعِيفُ الْبَصَرِ. قَالَ الْوَلِيدُ: قَدْ عَلِمْتُ حَالَهُ وَنَحْنُ نَأْتِيهِ. فَدَارَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى أَتَاهُ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ أَيُّهَا الشَّيْخُ؟ فَوَاللَّهِ مَا تَحَرَّكَ سَعِيدٌ بَلْ قَالَ: بِخَيْرٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، فَكَيْفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَكَيْفَ حَالُهُ؟ فَانْصَرَفَ وَهُوَ يَقُولُ لِعُمَرَ: هَذَا بَقِيَّةُ النَّاسِ!
وَقَسَّمَ بِالْمَدِينَةِ دَقِيقًا كَثِيرًا وَآنِيَةً مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَأَمْوَالًا، وَصَلَّى بِالْمَدِينَةِ الْجُمُعَةَ فَخَطَبَ الْخُطْبَةَ الْأُولَى جَالِسًا، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ الْخُطْبَةَ الثَّانِيَةَ قَائِمًا. قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى: فَقُلْتُ لِرَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ وَهُوَ مَعَهُ: أَهَكَذَا تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ، مُكَرِّرًا، وَهَكَذَا صَنَعَ مُعَاوِيَةُ وَهَلُمَّ جَرَّا. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: هَلَّا تُكَلِّمُهُ؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ أَنَّهُ كَلَّمَ عَبْدَ الْمَلِكِ وَلَمْ يَتْرُكِ الْقُعُودَ، وَقَالَ: هَكَذَا خَطَبَ عُثْمَانُ. قَالَ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا خَطَبَ إِلَّا قَائِمًا. قَالَ رَجَاءٌ: رُوِيَ لَهُمْ شَيْءٌ فَاقْتَدَوْا بِهِ. قَالَ إِسْحَاقُ: وَلَمْ نَرَ مِنْهُمْ أَشَدَّ تَجَبُّرًا مِنْهُ.
وَكَانَ الْعُمَّالُ عَلَى الْبِلَادِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ غَيْرَ مَكَّةَ، فَإِنَّ خَالِدًا كَانَ عَامِلَهَا، وَقِيلَ: إِنَّ عَامِلَهَا هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ.
стр. 2004
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْوَلِيدِ الصَّائِفَةَ، وَكَانَ عَلَى ذَلِكَ الْجَيْشِ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ.
وَفِيهَا عَزَلَ الْوَلِيدُ عَمَّهُ مُحَمَّدَ بْنَ مَرْوَانَ عَنِ الْجَزِيرَةِ وَأَرْمِينِيَّةَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا أَخَاهُ مَسْلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَغَزَا مَسْلَمَةُ التُّرْكَ مِنْ نَاحِيَةِ أَذْرَبِيجَانَ حَتَّى بَلَغَ الْبَابَ، وَفَتَحَ مَدَائِنَ وَحُصُونًا، وَنَصَبَ عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ.
стр. 2005
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ]
٩٢ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَرْضَ الرُّومِ، فَفَتَحَ حُصُونًا ثَلَاثَةً، وَجَلًّا أَهْلَ سُوسَنَةَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ.
ذِكْرُ فَتْحِ الْأَنْدَلُسِ
وَفِيهَا غَزَا طَارِقُ بْنُ زِيَادٍ مَوْلَى مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ الْأَنْدَلُسَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فِلْقَيْ مَلِكَ الْأَنْدَلُسِ، وَاسْمُهُ أَذْرِينُوقُ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ، وَهُمْ مُلُوكِ عَجَمِ الْأَنْدَلُسِ، فَزَحَفَ لَهُ طَارِقٌ بِجَمِيعِ مَنْ مَعَهُ، وَزَحَفَ الْأَذْرِينُوقُ وَعَلَيْهِ تَاجُهُ وَجَمِيعُ الْحِلْيَةِ الَّتِي كَانَ يَلْبَسُهَا الْمُلُوكُ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ الْأَذْرِينُوقُ، وَفُتِحَ الْأَنْدَلُسُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ.
هَذَا جَمِيعُهُ ذَكَرَهُ أَبُو جَعْفَرٍ فِي فَتْحِ الْأَنْدَلُسِ، وَبِمِثْلِ ذَلِكَ الْإِقْلِيمِ الْعَظِيمِ وَالْفَتْحِ الْمُبِينِ لَا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ، وَأَنَا أَذْكُرُ فَتْحَهَا عَلَى وَجْهٍ أَتَمَّ مِنْ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، مِنْ تَصَانِيفِ أَهْلِهَا، إِذْ هُمْ أَعْلَمُ بِبِلَادِهِمْ.
قَالُوا: أَوَّلُ مَنْ سَكَنَهَا قَوْمٌ يُعْرَفُونَ بِالْأَنْدَلُشِ، بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ، فَسُمِّيَ الْبَلَدُ بِهِمْ، ثُمَّ عُرِّبَ بَعْدَ ذَلِكَ بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ، وَالنَّصَارَى يُسَمُّونَ الْأَنْدَلُسَ أَشْبَانِيَّةَ، بِاسْمِ رَجُلٍ صُلِبَ فِيهَا يُقَالُ لَهُ: أَشْبَانِسُ، وَقِيلَ: بِاسْمِ مَلِكٍ كَانَ بِهَا فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ اسْمُهُ إِشْبَانُ بْنُ طِيطَسَ، وَهَذَا هُوَ اسْمُهَا عِنْدَ بَطْلَيْمُوسَ. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِأَنْدَلُسَ بْنِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ عَمَّرَهَا.
قِيلَ: أَوَّلُ مَنْ سَكَنَ الْأَنْدَلُسَ بَعْدَ الطُّوفَانِ قَوْمٌ يُعْرَفُونَ بِالْأَنْدَلُسِ، فَعَمَرُوهَا وَتَدَاوَلُوا مُلْكَهَا دَهْرًا طَوِيلًا، وَكَانُوا مَجُوسًا، ثُمَّ حَبَسَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْمَطَرَ، وَتَوَالَى عَلَيْهِمُ الْقَحْطُ،
стр. 2006
فَهَلَكَ أَكْثَرُهُمْ، وَفَرَّ مِنْهَا مَنْ أَطَاقَ الْفِرَارَ، فَخَلَتِ الْأَنْدَلُسُ مِائَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ ابْتَعَثَ اللَّهُ لِعِمَارَتِهَا الْأَفَارِقَةَ، فَدَخَلَ إِلَيْهَا قَوْمٌ مِنْهُمْ أَجْلَاهُمْ مَلِكُ إِفْرِيقِيَّةَ تَخَفُّفًا مِنْهُمْ لِقَحْطٍ تَوَالَى عَلَى بِلَادِهِ حَتَّى كَادَ يُفْنِي أَهْلَهَا، فَحَمَلَهُمْ فِي السُّفُنِ مَعَ أَمِيرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَأَرْسَوْا بِجَزِيرَةِ قَادِسَ، وَرَأَوُا الْأَنْدَلُسَ قَدْ أَخْصَبَتْ بِلَادُهَا، وَجَرَتْ أَنْهَارُهَا، فَسَكَنُوهَا، وَعَمَّرُوهَا، وَنَصَبُوا لَهُمْ مُلُوكًا يَضْبِطُونَ أَمْرَهُمْ، وَهُمْ عَلَى دِينِ مَنْ قَبْلَهُمْ، وَكَانَتْ دَارُ مَمْلَكَتِهِمْ طَالِقَةَ الْخَرَابِ مِنْ أَرْضِ إِشْبِيلِيَّةَ بَنَوْهَا وَسَكَنُوهَا، وَأَقَامُوا مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى مِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، مَلَكَ مِنْهُمْ فِيهَا أَحَدَ عَشَرَ مَلِكًا.
ثُمَّ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَجَمَ رُومَةَ، وَمَلِكُهُمْ إِشْبَانُ بْنُ طِيطَسَ، فَغَزَاهُمْ وَمَزَّقَهُمْ وَقَتَلَ فِيهِمْ، وَحَاصَرَهُمْ بِطَالِقَةَ وَقَدْ تَحَصَّنُوا فِيهَا فَابْتَنَى عَلَيْهِمْ إِشْبَانِيَّةَ، وَهِيَ إِشْبِيلِيَّةَ، وَاتَّخَذَهَا دَارَ مَمْلَكَتِهِ، وَكَثُرَتْ جُمُوعُهُ وَعَتَا وَتَجَبَّرَ، وَغَزَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَغَنِمَ مَا فِيهِ وَقَتَلَ فِيهِ مِائَةَ أَلْفٍ، وَنَقَلَ الْمَرْمَرَ مِنْهُ إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ وَغَيْرِهَا، وَغَنِمَ أَيْضًا مَائِدَةَ سُلَيْمَانَبْنِ دَاوُدَ، ﵇، وَهِيَ الَّتِي غَنِمَهَا طَارِقٌ مِنْ طُلَيْطِلَةَ لَمَّا افْتَتَحَهَا، وَغَنِمَ أَيْضًا قُلَيْلَةَ الذَّهَبِ وَالْحَجَرِ الَّذِي لُقِيَ بِمَارِدَةَ.
وَكَانَ هَذَا إِشْبَانُ قَدْ وَقَفَ عَلَيْهِ الْخَضِرُ وَهُوَ يَحْرُثُ الْأَرْضَ فَقَالَ لَهُ: يَا إِشْبَانُ سَوْفَ تَحْظَى وَتَمْلِكُ وَتَعْلُو، فَإِذَا مَلَكْتَ إِيلِيَاءَ فَارْفُقْ بِذُرِّيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ. فَقَالَ: أَتُسْخَرُ مِنِّي؟ كَيْفَ يَنَالُ مِثْلِي الْمُلْكَ؟ فَقَالَ: قَدْ جَعَلَهُ فِيكَ مَنْ جَعَلَ عَصَاكَ هَذِهِ كَمَا تَرَى. فَنَظَرَ فَإِذَا هِيَ قَدْ أَوْرَقَتْ، فَارْتَاعَ وَذَهَبَ عَنْهُ الْخَضِرُ، وَقَدْ وَثِقَ إِشْبَانُ بِقَوْلِهِ، فَدَاخَلَ النَّاسَ، فَارْتَقَى حَتَّى مَلَكَ مُلْكًا عَظِيمًا، وَكَانَ مُلْكُهُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَدَامَ مُلْكُ الْإِشْبَانِيِّينَ بَعْدَهُ إِلَى أَنْ مُلِّكَ مِنْهُمْ خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ مَلِكًا.
ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ عَجَمِ رُومَةَ أَمَّةٌ يُدْعَونَ الْبَشْنُولِيَّاتِ، وَمَلِكُهُمْ طُوَيْشُ بْنُ نِيطَهْ، وَذَلِكَ حِينَ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ، فَغَلَبُوا عَلَيْهَا، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى مُلْكِهَا، وَكَانَتْ مَدِينَةُ مَارِدَةَ دَارَ مَمْلَكَتِهِمْ، وَمَلَكَ مِنْهُمْ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ مَلِكًا.
ثُمَّ دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ أُمَّةُ الْقُوطِ مَعَ مَلِكٍ لَهُمْ، فَغَلَبُوا عَلَى الْأَنْدَلُسِ فَاقْتَطَعُوهَا مِنْ يَوْمِئِذٍ
стр. 2007
عَنْ صَاحِبِ رُومَةَ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ ظُهُورِهِمْ مِنْ نَاحِيَةِ إِيطَالِيَّةَ شَرْقِ الْأَنْدَلُسِ، فَأَغَارَتْ عَلَى بِلَادِ مَجْدُونِيَّةَ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَذَلِكَ فِي أَيَّامِ قِلْيُوذِيُوسَ قَيْصَرَ، ثَالِثِ الْقَيَاصِرَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ وَهَزَمَهُمْ وَقَتَلَ فِيهِمْ، وَلَمْ يَظْهَرُوا بَعْدَهَا إِلَى أَيَّامِ قُسْطَنْطِينَ الْأَكْبَرِ وَأَعَادُوا الْغَارَةَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا فَلَمْ يَثْبُتُوا لَهُ، وَانْقَطَعَ خَبَرُهُمْ إِلَى ثُلُثِ دَوْلَةِ قَيْصَرَ، فَإِنَّهُمْ قَدَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَمِيرًا اسْمُهُ لُذْرِيقُ، وَكَانَ يَعْبُدُ الْأَوْثَانَ، فَسَارَ إِلَى رُومَةَ لِيَحْمِلَ النَّصَارَى عَلَى السُّجُودِ لِأَوْثَانِهِ، فَظَهَرَ مِنْهُ سُوءُ سِيرَتِهِ، فَتَخَاذَلَ أَصْحَابُهُ عَنْهُ وَمَالُوا إِلَى أَخِيهِ وَحَارَبُوهُ، فَاسْتَعَانَ بِصَاحِبِ رُومَةَ فَبَعَثَ إِلَيْهِ جَيْشًا، فَهَزَمَ أَخَاهُ، وَدَانَ بِدِينِ النَّصَارَى، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَهُ إِقْرِيطُ، وَبَعْدَهُ إِمْلَرِيقُ، وَبَعْدَهُ وَغْدِيشُ، وَكَانُوا قَدْ عَادُوا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، فَجَمَعَ مِنْ أَصْحَابِهِ مِائَةَ أَلْفٍ وَسَارَ إِلَى رُومَةَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ مَلِكُ الرُّومِ جَيْشًا، فَهَزَمُوهُ وَقَتَلُوهُ.
ثُمَّ بَعْدَهُ الرِّيقُ، وَكَانَ زِنْدِيقًا شُجَاعًا، فَسَارَ لِيَأْخُذَ بِثَأْرِ وَغْدِيشَ وَمَنْ قُتِلَ مَعَهُ، وَنَازَلَ رُومِيَّةَ وَحَاصَرَهَا، وَضَيَّقَ عَلَى أَهْلِهَا، وَدَخَلَهَا عَنْوَةً وَغَنِمَ أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ جَمَعَ أُسْطُولَ الْبَحْرِ وَسَارَ إِلَى صِقِلِّيَةَ لِيَفْتَحَهَا وَيَغْنَمَ مَا فِيهَا، فَغَرَقَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ فِي الْبَحْرِ، وَهُوَ فِيمَنْ غَرِقَ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ أَطْلُوفُ سِتَّ سِنِينَ، وَخَرَجَ عَنْ بَلَدِ إِيطَالِيَّةَ، وَأَقَامَ بِبَلَدِ غَالِيِسَ مُجَاوِرًا أَقْصَى الْأَنْدَلُسِ، ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْهَا إِلَى بَرْشِلُونَةَ.
ثُمَّ بَعْدَهُ أَخُوهُ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ بَعْدَهُ وَالْيَا، ثُمَّ بُورَدَزَارِيشُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ ابْنُهُ طَرَشْمَنْدُ، ثُمَّ بَعْدَهُ أَخُوهُ لُذْرِيقُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ بَعْدَهُ أُورِيقُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ بَعْدَهُ الرِّيقُ بِطَلُوشَةَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ عِشْلِيقُ، ثُمَّ أَمْلِيقُ سَنَتَيْنِ، ثُمَّ تُوذِيُوشُ
стр. 2008
سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ بَعْدَهُ طُودِتِقْلِيسُ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ بَعْدَهُ أَثْلَةُ خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ بَعْدَهُ أَطْلَنْجَهْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ بَعْدَهُ لِيُوبَا ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ بَعْدَهُ أَخُوهُ لُوِيلْدُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ طُلَيْطِلَةَ دَارَ مُلْكٍ، وَنَزَلَهَا لِيَكُونَ مُتَوَسِّطًا لِمُلْكِهِ لِيُحَارِبَ مَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ عَنْ قَرِيبٍ، فَلَمْ يَزَلْ يُحَارِبُ مَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ حَتَّى احْتَوَى عَلَى جَمِيعِ الْأَنْدَلُسِ، وَبَنَى مَدِينَةَ رُقُوبَلَ وَأَتْقَنَهَا وَأَكْثَرَ بَسَاتِينَهَا، وَهُوَ عَلَى الْقُرْبِ مِنْ طُلَيْطِلَةَ، وَسَمَّاهَا بِاسْمِ وَلَدِهِ، وَغَزَا بِلَادَ الْبَشْقَنْسِ حَتَّى أَذَلَّهُمْ، وَخَطَبَ إِلَى مَلِكِ الْفِرِنْجِ ابْنَتَهُ لِوَلَدِهِ أَرْمِنْجِلْدَ، فَزَوَّجَهُ وَأَسْكَنَهُ إِشْبِيلِيَّةَ، فَحَسَّنَتْ لَهُ عِصْيَانَ وَالِدِهِ، فَفَعَلَ، فَسَارَ إِلَيْهِ أَبَوْهُ وَحَصَرَهُمَا وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، وَطَالَ مَقَامُهُ إِلَى أَنْ أَخَذَهُ عَنْوَةً، وَسَجَنَهُ إِلَى أَنْ مَاتَ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَ لُوِيلِدَ ابْنُهُ رِكُرْدُ، وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ، فَجَمَعَ الْأَسَاقِفَةَ وَغَيَّرَ سِيرَةَ أَبِيهِ وَسَلَّمَ الْبِلَادَ إِلَيْهِمْ، وَكَانُوا نَحْوَ ثَمَانِينَ أُسْقُفًا، وَكَانَ تَقِيًّا عَفِيفًا قَدْ لَبِسَ ثِيَابَ الرُّهْبَانِ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى الْكَنِيسَةَ الْمَعْرُوفَةَ بِالْوَزْقَةِ بِإِزَاءِ مَدِينَةِ وَادِي آشْ. ثُمَّ بَعْدَهُ ابْنُهُ لِيُوبَا فَسَارَ كَسِيرَةِ أَبِيهِ، فَاغْتَالَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقُوطِ يُقَالُ لَهُ بِتْرِيقُ، فَقَتَلَهُ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ بِتْرِيقُ هَذَا بِغَيْرِ رِضَا أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ مُجْرِمًا طَاغِيًا فَاسِقًا، فَثَارَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ خَاصَّتِهِ فَقَتَلَهُ.
(ثُمَّ مَلَكَ مِنْ بَعْدِهِ غَنْدِمَارُ سَنَتَيْنِ) ، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ سَيْسَيْفُوطُ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ تِسْعَ سِنِينَ، وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ، ثُمَّ بَعْدَهُ ابْنُهُ رِكْرِيدُ، وَكَانَ صَغِيرًا عُمْرُهُ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، وَمَاتَ، ثُمَّ مَلَكَ شَنْتَلَهْ، وَكَانَ مُلْكُهُ عِنْدَ الْبَعْثِ، وَكَانَ مَشْكُورًا، ثُمَّ بَعْدَهُ سِشْنِنْدُ خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ بَعْدَهُ خَنْتَلَةُ سِتَّةَ أَعْوَامٍ، ثُمَّ بَعْدَهُ (خِنِدْسُ أَرْبَعَةَ أَعْوَامٍ، ثُمَّ
стр. 2009
بَعْدَهُ بُنْبَانُ ثَمَانِيَةُ أَعْوَامٍ، ثُمَّ بَعْدَهُ) أَرَوَى سَبْعَ سِنِينَ.
وَكَانَ فِي دَوْلَتِهِ قَحْطٌ شَدِيدٌ حَتَّى كَادَتْ بِلَادُ الْأَنْدَلُسِ تَخْرَبُ لِشِدَّةِ الْجُوعِ.
ثُمَّ بَعْدَهُ أَبْقَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ جَائِرًا مَذْمُومًا، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ غِيطْشَةَ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ لِلْهِجْرَةِ، وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ لَيِّنَ الْعَرِيكَةِ وَأَطْلَقَ كُلَّ مَحْبُوسٍ كَانَ فِي سِجْنِ أَبِيهِ، وَأَدَّى الْأَمْوَالَ إِلَى أَرْبَابِهَا.
ثُمَّ تُوُفِّيَ وَخَلَفَ وَلَدَيْنِ، فَلَمْ يَرْضَ بِهِمَا أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ، وَتَرَاضَوْا بِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ رُذَرِيقُ، وَكَانَ شُجَاعًا وَلَيْسَ مِنْ بَيْتِ الْمُلْكِ، وَكَانَتْ عَادَةُ مُلُوكِ الْأَنْدَلُسِ أَنَّهُمْ يَبْعَثُونَ أَوْلَادَهُمُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ إِلَى مَدِينَةِ طُلَيْطِلَةَ يَكُونُونَ فِي خِدْمَةِ الْمَلِكِ، لَا يَخْدُمُهُ غَيْرُهُمْ يَتَأَدَّبُونَ بِذَلِكَ، فَإِذَا بَلَغُوا الْحُلُمَ أَنْكَحَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَتَوَلَّى تَجْهِيزَهُمْ، فَلَمَّا وَلِيَ رُذَرِيقُ أَرْسَلَ إِلَيْهِ يُولْيَانُ، وَهُوَ صَاحِبُ الْجَزِيرَةِ الْخَضْرَاءِ وَسَبْتَةَ وَغَيْرِهِمَا، ابْنَةً لَهُ، فَاسْتَحْسَنَهَا رُذَرِيقُ وَافْتَضَّهَا، فَكَتَبَتْ إِلَى أَبِيهَا، فَأَغْضَبَهُ ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَى مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ عَامِلِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ بِالطَّاعَةِ، وَاسْتَدْعَاهُ إِلَيْهِ، فَسَارَ إِلَيْهِ فَأَدْخَلَهُ يُولْيَانُ مَدَائِنَهُ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ الْعُهُودَ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ بِمَا يَرْضَى بِهِ، ثُمَّ وَصَفَ لَهُ الْأَنْدَلُسَ وَدَعَاهُ إِلَيْهَا، وَذَلِكَ آخِرُ سِنَةِ تِسْعِينَ.
فَكَتَبَ مُوسَى إِلَى الْوَلِيدِ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَمَا دَعَاهُ إِلَيْهِ يُولْيَانُ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْوَلِيدُ: خُضْهَا بِالسَّرَايَا، وَلَا تُغَرِّرْ بِالْمُسْلِمِينَ فِي بَحْرٍ شَدِيدِ الْأَهْوَالِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُوسَى: إِنَّهُ لَيْسَ بِبَحْرٍ مُتَّسِعٍ، وَإِنَّمَا هُوَ خَلِيجٌ يَبِينُ مَا وَرَاءَهُ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْوَلِيدُ أَنِ اخْتَبِرْهَا بِالسَّرَايَا، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا حَكَيْتَ.
فَبَعَثَ رَجُلًا مِنْ مَوَالِيهِ يُقَالُ لَهُ طَرِيفٌ فِي أَرْبَعِمِائَةِ رَجُلٍ وَمَعَهُمْ مِائَةُ فَرَسٍ، فَسَارَ فِي أَرْبَعِ سَفَائِنَ، فَخَرَجَ فِي جَزِيرَةٍ بِالْأَنْدَلُسِ، فَسُمِّيَتْ جَزِيرَةُ طَرِيفٍ لِنُزُولِهِ فِيهَا، ثُمَّ أَغَارَ عَلَى الْجَزِيرَةِ الْخَضْرَاءِ، فَأَصَابَ غَنِيمَةً كَثِيرَةً، وَرَجَعَ سَالِمًا فِي رَمَضَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ. فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ تَسَرَّعُوا إِلَى الْغَزْوِ.
ثُمَّ إِنَّ مُوسَى دَعَا مَوْلًى لَهُ كَانَ عَلَى مُقَدِّمَاتِ جُيُوشِهِ يُقَالُ لَهُ طَارِقُ بْنُ زِيَادٍ، فَبَعَثَهُ فِي سَبْعَةِ آلَافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرُهُمُ الْبَرْبَرُ وَالْمُوَالِي وَأَقَلُّهُمُ الْعَرَبُ، فَسَارُوا فِي الْبَحْرِ، وَقَصَدَ إِلَى جَبَلٍ مُنِيفٍ، وَهُوَ مُتَّصِلٌ بِالْبَرِّ فَنَزَلَهُ، فَسُمِّيَ الْجَبَلُ جَبَلَ طَارِقٍ إِلَى الْيَوْمِ، وَلَمَّا مَلَكَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ الْبِلَادَ أَمَرَ بِبِنَاءِ مَدِينَةٍ عَلَى هَذَا الْجَبَلِ وَسَمَّاهُ جَبَلَ الْفَتْحِ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ هَذَا الِاسْمُ وَجَرَتِ الْأَلْسِنَةُ عَلَى الْأَوَّلِ.
стр. 2010
وَكَانَ حُلُولُ طَارِقٍ فِيهِ فِي رَجَبٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَلَمَّا رَكِبَ طَارِقٌ الْبَحْرَ غَلَبَتْهُ عَيْنُهُ، فَرَأَى النَّبِيَّ وَمَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ قَدْ تَقَلَّدُوا السُّيُوفَ وَتَنْكَبُّوا الْقِسِيَّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : يَا طَارِقُ تَقَدَّمْ لِشَأْنِكَ. وَأَمَرَهُ بِالرِّفْقِ بِالْمُسْلِمِينَ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، فَنَظَرَ طَارِقٌ فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَصْحَابَهُ قَدْ دَخَلُوا الْأَنْدَلُسَ أَمَامَهُ، فَاسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهُ مُسْتَبْشِرًا، وَبَشَّرَ أَصْحَابَهُ، وَقَوِيَتْ نَفْسُهُ، وَلَمْ يَشُكَّ فِي الظَّفَرِ.
فَلَمَّا تَكَامَلَ أَصْحَابُ طَارِقٍ بِالْجَبَلِ نَزَلَ إِلَى الصَّحْرَاءِ، وَفَتَحَ الْجَزِيرَةَ الْخَضْرَاءَ، فَأَصَابَ بِهَا عَجُوزًا، فَقَالَتْ لَهُ: إِنِّي كَانَ لِي زَوْجٌ، وَكَانَ عَالِمًا بِالْحَوَادِثِ، وَكَانَ يُحَدِّثُهُمْ عَنْ أَمِيرٍ يَدْخُلُ بَلَدَهُمْ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ، وَوَصَفَ مِنْ نَعْتِهِ أَنَّهُ ضَخْمُ الْهَامَةِ، وَأَنَّ فِي كَتِفِهِ الْيُسْرَى شَامَةٌ عَلَيْهَا شَعْرٌ، فَكَشَفَ طَارِقٌ ثَوْبَهُ، فَإِذَا الشَّامَةُ كَمَا ذَكَرَتْ، فَاسْتَبْشَرَ طَارِقٌ أَيْضًا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ. وَنَزَلَ مِنَ الْجَبَلِ إِلَى الصَّحْرَاءِ، وَافْتَتَحَ الْجَزِيرَةَ الْخَضْرَاءَ وَغَيْرَهَا، وَفَارَقَ الْحِصْنَ الَّذِي فِي الْجَبَلِ.
وَلَمَّا بَلَغَ رُذَرِيقُ غَزْوَ طَارِقٍ بِلَادَهُ عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَكَانَ غَائِبًا فِي غَزَاتِهِ، فَرَجَعَ مِنْهَا وَطَارِقٌ قَدْ دَخَلَ بِلَادَهُ، فَجَمَعَ لَهُ جَمْعًا يُقَالُ بَلَغَ مِائَةَ أَلْفٍ، فَلَمَّا بَلَغَ طَارِقًا الْخَبَرُ كَتَبَ إِلَى مُوسَى يَسْتَمِدُّهُ وَيُخْبِرُهُ بِمَا فَتَحَ، وَأَنَّهُ زَحَفَ إِلَيْهِ مَلِكُ الْأَنْدَلُسِ بِمَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِخَمْسَةِ آلَافٍ، فَتَكَامَلَ الْمُسْلِمُونَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَمَعَهُمْ يُولْيَانُ يَدُلُّهُمْ عَلَى عَوْرَةِ الْبِلَادِ، وَيَتَجَسَّسُ لَهُمُ الْأَخْبَارَ. فَأَتَاهُمْ رُذَرِيقُ فِي جُنْدِهِ، فَالْتَقَوْا عَلَى نَهْرِ لَكَّةَ مِنْ أَعْمَالِ شَذُونَةَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ، وَاتَّصَلَتِ الْحَرْبُ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، وَكَانَ عَلَى مَيْمَنَتِهِ وَمَيْسَرَتِهِ وَلَدَا الْمَلِكِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى الْهَزِيمَةِ بُغْضًا لِرُذَرِيقَ، وَقَالُوا: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ إِذَا امْتَلَأَتْ أَيْدِيهِمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ عَادُوا إِلَى بِلَادِهِمْ وَبَقِيَ الْمُلْكُ لَنَا. فَانْهَزَمُوا وَهَزَمَ اللَّهُ رُذَرِيقَ وَمَنْ مَعَهُ، وَغَرِقَ رُذَرِيقُ فِي النَّهْرِ، وَسَارَ طَارِقٌ إِلَى مَدِينَةِ إِسْتِجَةَ مُتَّبِعًا لَهُمْ، فَلَقِيَهُ أَهْلُهَا وَمَعَهُمْ مِنَ الْمُنْهَزِمِينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَقَاتَلُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ انْهَزَمَ أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ، وَلَمْ يَلْقَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهَا حَرْبًا مِثْلَهَا. وَنَزَلَ طَارِقٌ عَلَى عَيْنٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَدِينَةِ إِسْتِجَةَ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ، فَسُمِّيَتْ عَيْنُ طَارِقٍ إِلَى الْآنِ.
стр. 2011
وَلَمَّا سَمِعَتِ الْقُوطُ بِهَاتَيْنِ الْهَزِيمَتَيْنِ قَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّهُ يَفْعَلُ فِعْلَ طَرِيفٍ، فَهَرَبُوا إِلَى طُلَيْطِلَةَ، وَكَانَ قَدْ أَوْهَمَهُمْ أَنَّهُ يَأْكُلُهُمْ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ. فَلَمَّا دَخَلُوا طُلَيْطِلَةَ، وَأَخْلَوْا مَدَائِنَ الْأَنْدَلُسِ قَالَ لَهُ يُولْيَانُ: قَدْ فَرَغْتَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ، فَفَرِّقْ جُيُوشَكَ وَسِرْ أَنْتَ إِلَى طُلَيْطِلَةَ. فَفَرَّقَ جُيُوشَهُ مِنْ مَدِينَةِ إِسْتِجَةَ، وَبَعَثَ جَيْشًا إِلَى قُرْطُبَةَ، وَجَيْشًا إِلَى غَرْنَاطَةَ، وَجَيْشًا إِلَى مَالِقَةَ، وَجَيْشًا إِلَى تُدْمِيرَ، وَسَارَ هُوَ وَمُعْظَمُ الْجَيْشِ إِلَى جَيَّانَ يُرِيدُ طُلَيْطِلَةَ. فَلَمَّا بَلَغَ طُلَيْطِلَةَ وَجَدَهَا خَالِيَةً، وَقَدْ لَحِقَ مَنْ كَانَ بِهَا بِمَدِينَةٍ خَلْفَ الْجَبَلِ يُقَالُ لَهَا: مَايَةَ.
فَأَمَّا الْجَيْشُ الَّذِي سَارَ إِلَى قُرْطُبَةَ فَإِنَّهُمْ دَلَّهُمْ رَاعٍ عَلَى ثَغْرَةٍ فِي سُورِهَا، فَدَخَلُوا مِنْهَا الْبَلَدَ وَمَلَكُوهُ.
وَأَمَّا الَّذِينَ قَصَدُوا تُدْمِيرَ فَلَقِيَهُمْ صَاحِبُهَا، وَاسْمُهُ تُدْمِيرُ وَبِهِ سُمِّيَتْ، وَكَانَ اسْمُهَا أَرْوَيُولَةَ، وَكَانَ مَعَهُ جَيْشٌ كَثِيفٌ، فَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ انْهَزَمَ فَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَأَمَرَ تُدْمِيرُ النِّسَاءَ، فَلَبِسْنَ السِّلَاحَ، ثُمَّ صَالَحَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا، وَفَتَحَ سَائِرُ الْجُيُوشِ مَا قَصَدُوا إِلَيْهِ مِنَ الْبِلَادِ.
وَأَمَّا طَارِقٌ، فَلَمَّا رَأَى طُلَيْطِلَةَ فَارِغَةً ضَمَّ إِلَيْهَا الْيَهُودَ، وَتَرَكَ مَعَهُمْ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَسَارَ هُوَ إِلَى وَادِي الْحِجَارَةِ، فَقَطَعَ الْجَبَلَ مِنْ فَجٍّ فِيهِ، فَسُمِّيَ بِفَجِّ طَارِقٍ إِلَى الْيَوْمِ. وَانْتَهَى إِلَى مَدِينَةٍ خَلْفَ الْجَبَلِ تُسَمَّى مَدِينَةَ الْمَائِدَةِ، وَفِيهَا وَجَدَ مَائِدَةَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، ﵇، وَهِيَ مِنْ زَبَرْجَدٍ خُضْرٍ، حَافَّاتُهَا وَأَرْجُلُهَا مِنْهَا مُكَلَّلَةٌ بِاللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ وَالْيَاقُوتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَ لَهَا ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ رِجْلًا. ثُمَّ مَضَى إِلَى مَدِينَةِ مَايَةَ، فَغَنِمَ مِنْهَا وَرَجَعَ إِلَى طُلَيْطِلَةَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ.
وَقِيلَ: اقْتَحَمَ أَرْضَ جِلِّيقِيَّةَ، فَخَرَقَهَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَدِينَةِ إِسْتَرْقَةَ، وَانْصَرَفَ إِلَى طُلَيْطِلَةَ، وَوَافَتْهُ جُيُوشُهُ الَّتِي وَجَّهَهَا مِنْ إِسْتِجَةَ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ مِنْ فَتْحِ تِلْكَ الْمُدُنِ الَّتِي سَيَّرَهُمْ إِلَيْهَا.
وَدَخْلَ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ الْأَنْدَلُسَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَهُ مَا صَنَعَ طَارِقٌ فَحَسَدَهُ، فَلَمَّا عَبَرَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ وَنَزَلَ الْجَزِيرَةَ الْخَضْرَاءَ قِيلَ لَهُ: تَسْلُكُ طَرِيقَ طَارِقٍ، فَأَبَى، فَقَالَ لَهُ الْأَدِلَّاءُ: نَحْنُ نَدُلُّكَ عَلَى طَرِيقٍ أَشْرَفَ مِنْ طَرِيقِهِ وَمَدَائِنَ لَمْ تُفْتَحْ بَعْدُ، وَوَعَدَهُ يُولْيَانُ بِفَتْحٍ عَظِيمٍ، فَسُرَّ بِذَلِكَ، وَكَانَ قَدْ غَمَّهُ.
стр. 2012
فَسَارُوا بِهِ إِلَى مَدِينَةِ ابْنِ السُّلَيْمِ فَافْتَتَحَهَا عَنْوَةً، ثُمَّ سَارَ إِلَى مَدِينَةِ قَرْمُونَةَ، وَهِيَ أَحْصَنُ مُدُنِ الْأَنْدَلُسِ، فَقَدِمَ إِلَيْهَا يُولْيَانُ وَخَاصَّتُهُ، فَأَتَوْهُمْ عَلَى حَالِ الْمُنْهَزِمِينَ مَعَهُمُ السِّلَاحُ، فَأَدْخَلُوهُمْ مَدِينَتَهُمْ، فَأَرْسَلَ مُوسَى إِلَيْهِمُ الْخَيْلَ، فَفَتَحُوهَا لَهُمْ لَيْلًا، فَدَخَلَهَا الْمُسْلِمُونَ وَمَلَكُوهَا، ثُمَّ سَارَ مُوسَى إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ مَدَائِنِ الْأَنْدَلُسِ بُنْيَانًا وَأَعَزِّهَا آثَارًا، فَحَصَرَهَا أَشْهُرًا، وَفَتَحَهَا وَهَرَبَ مَنْ بِهَا، فَأَنْزَلَهَا مُوسَى الْيَهُودَ، وَسَارَ إِلَى مَدِينَةٍ مَارِدَةَ فَحَصَرَهَا، وَقَدْ كَانَ أَهْلُهَا خَرَجُوا إِلَيْهِ فَقَاتَلُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَكَمِنَ لَهُمْ مُوسَى لَيْلًا فِي مَقَاطِعِ الصَّخْرِ، فَلَمْ يَرَهُمُ الْكُفَّارُ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا زَحَفَ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجُوا إِلَى الْمُسْلِمِينَ عَلَى عَادَتِهِمْ، فَخَرَجُوا عَلَيْهِمْ مِنَ الْكَمِينِ وَأَحْدَقُوا بِهِمْ، وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْبَلَدِ، وَقَتَلُوهُمْ قَتْلًا ذَرِيعًا، وَنَجَا مَنْ نَجَا مِنْهُمْ، فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ، وَكَانَتْ حَصِينَةً، فَحَصَرَهُمْ بِهَا أَشْهُرًا، وَقَاتَلَهُمْ، وَزَحَفَ إِلَيْهِمْ بِدَبَّابَةٍ عَمِلَهَا وَنَقَبُوا سُورَهَا، فَخَرَجَ أَهْلُهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَتَلُوهُمْ عِنْدَ الْبُرْجِ، فَسَمِّي بُرْجَ الشُّهَدَاءِ إِلَى الْيَوْمِ، ثُمَّ افْتَتَحَهَا آخِرَ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ يَوْمَ الْفِطْرِ صُلْحًا عَلَى أَنَّ جَمِيعَ أَمْوَالِ الْقَتْلَى يَوْمَ الْكَمِينِ وَأَمْوَالَ الْهَارِبِينَ إِلَى جِلِّيقِيَّةَ وَأَمْوَالَ الْكَنَائِسِ وَحُلِيَّهَا لِلْمُسْلِمِينَ.
ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ إِشْبِيلِيَّةَ اجْتَمَعُوا وَقَصَدُوهَا، فَقَتَلُوا مَنْ بِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَسَيَّرَ مُوسَى إِلَيْهَا ابْنَهُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بِجَيْشٍ، فَحَصَرَهَا وَمَلَكَهَا عَنْوَةً، وَقَتَلَ مَنْ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا، وَسَارَ عَنْهَا إِلَى لَبْلَةَ وَبَاجَةَ، فَمَلَكَهَا، وَعَادَ إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ.
وَسَارَ مُوسَى مِنْ مَدِينَةٍ مَارِدَةَ فِي شَوَّالٍ يُرِيدُ طُلَيْطِلَةَ، فَخَرَجَ طَارِقٌ إِلَيْهِ فَلَقِيَهُ، فَلَمَّا أَبْصَرَهُ نَزَلَ إِلَيْهِ، فَضَرَبَهُ مُوسَى بِالسَّوْطِ عَلَى رَأْسِهِ، وَوَبَّخَهُ عَلَى مَا كَانَ مِنْ خِلَافِهِ، ثُمَّ سَارَ بِهِ إِلَى مَدِينَةِ طُلَيْطِلَةَ، فَطَلَبَ مِنْهُ مَا غَنِمَ وَالْمَائِدَةَ أَيْضًا، فَأَتَاهُ بِهَا وَقَدِ انْتَزَعَ رِجْلًا مِنْ أَرْجُلِهَا، فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي، كَذَلِكَ وَجَدْتُهَا، فَعَمِلَ عِوَضَهَا مِنْ ذَهَبٍ.
وَسَارَ مُوسَى إِلَى سَرَقُسْطَةَ وَمَدَائِنِهَا، فَافْتَتَحَهَا وَأَوْغَلَ فِي بِلَادِ الْفِرِنْجِ، فَانْتَهَى إِلَى مَفَازَةٍ كَبِيرَةٍ وَأَرْضٍ سَهْلَةٍ ذَاتَ آثَارٍ، فَأَصَابَ فِيهَا صَنَمًا قَائِمًا فِيهِ مَكْتُوبٌ بِالنَّقْرِ: يَا بَنِي إِسْمَاعِيلَ إِلَى هَاهُنَا مُنْتَهَاكُمْ فَارْجِعُوا، وَإِنْ سَأَلْتُمْ إِلَى مَاذَا تَرْجِعُونَ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّكُمْ تَرْجِعُونَ إِلَى الِاخْتِلَافِ فِيمَا بَيْنَكُمْ، حَتَّى يَضْرِبَ بَعْضُكُمْ أَعْنَاقَ بَعْضٍ، وَقَدْ فَعَلْتُمْ.
فَرَجَعَ وَوَافَاهُ رَسُولُ الْوَلِيدِ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ يَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ عَنِ الْأَنْدَلُسِ وَالْقُفُولِ إِلَيْهِ،
стр. 2013
فَسَاءَهُ ذَلِكَ وَمَطَلَ الرَّسُولَ، وَهُوَ يَقْصِدُ بِلَادَ الْعَدُوِّ فِي غَيْرِ نَاحِيَةِ الصَّنَمِ، يَقْتُلُ، وَيَسْبِي، وَيَهْدِمُ الْكَنَائِسَ، وَيُكَسِّرُ النَّوَاقِيسَ، حَتَّى بَلَغَ صَخْرَةَ بِلَايْ عَلَى الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ، وَهُوَ فِي قُوَّةٍ وَظُهُورٍ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ رَسُولٌ آخَرُ لِلْوَلِيدِ يَسْتَحِثُّهُ، وَأَخَذَ بِعِنَانِ بَغْلَتِهِ وَأَخْرَجَهُ، وَكَانَ مُوَافَاةُ الرَّسُولِ بِمَدِينَةٍ لَكَّ بِجِلِّيقِيَّةَ، وَخَرَجَ عَلَى الْفَجِّ الْمَعْرُوفِ بِفَجِّ مُوسَى، وَوَافَاهُ طَارِقٌ مِنَ الثَّغْرِ الْأَعْلَى، فَأَقْفَلَهُ مَعَهُ وَمَضَيَا جَمِيعًا.
وَاسْتَخْلَفَ مُوسَى عَلَى الْأَنْدَلُسِ ابْنَهُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ مُوسَى، فَلَمَّا عَبَرَ الْبَحْرَ إِلَى سَبْتَهَ اسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا وَعَلَى طَنْجَةَ وَمَا وَالَاهُمَا ابْنَهُ عَبْدَ الْمَلِكِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَأَعْمَالِهَا ابْنَهُ الْكَبِيرَ عَبْدَ اللَّهِ، وَسَارَ إِلَى الشَّامِ، وَحَمَلَ الْأَمْوَالَ الَّتِي غُنِمَتْ مِنَ الْأَنْدَلُسِ وَالذَّخَائِرَ وَالْمَائِدَةَ، وَمَعَهُ ثَلَاثُونَ أَلْفَ بِكْرٍ مِنْ بَنَاتِ مُلُوكِ الْقُوطِ وَأَعْيَانِهِمْ، وَمِنْ نَفِيسِ الْجَوْهَرِ وَالْأَمْتِعَةِ مَا لَا يُحْصَى، فَوَرَدَ الشَّامَ، وَقَدْ مَاتَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَاسْتُخْلِفَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ مُنْحَرِفًا عَنْ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ، فَعَزَلَهُ عَنْ جَمِيعِ أَعْمَالِهِ، وَأَقْصَاهُ وَحَبَسَهُ وَأَغْرَمَهُ حَتَّى احْتَاجَ أَنْ يَسْأَلَ الْعَرَبَ فِي مَعُونَتِهِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ قَدِمَ الشَّامَ وَالْوَلِيدُ حَيٌّ، وَكَانَ قَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ وَادَّعَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي فَتَحَ الْأَنْدَلُسَ، وَأَخْبَرَهُ خَبَرَ الْمَائِدَةِ، فَلَمَّا حَضَرَ عِنْدَهُ عَرَضَ عَلَيْهِ مَا مَعَهُ وَعَرْضَ الْمَائِدَةَ، وَمَعَهُ طَارِقٌ، فَقَالَ طَارِقٌ: أَنَا غَنِمْتُهَا. فَكَذَّبَهُ مُوسَى. فَقَالَ طَارِقٌ لِلْوَلِيدِ: سَلْهُ عَنْ رِجْلِهَا الْمَعْدُومَةِ. فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنْهَا عِلْمٌ، فَأَظْهَرَهَا طَارِقٌ، وَذَكَرَ أَنَّهُ أَخْفَاهَا لِهَذَا السَّبَبِ. فَعَلِمَ الْوَلِيدُ صِدْقَ طَارِقٍ، وَإِنَّمَا فَعَلَ هَذَا لِأَنَّهُ كَانَ حَبَسَهُ وَضَرَبَهُ حَتَّى أَرْسَلَ الْوَلِيدُ فَأَخْرَجَهُ، وَقِيلَ: لَمْ يَحْبِسْهُ.
قَالُوا: وَلَمَّا دَخَلَتِ الرُّومُ بِلَادَ الْأَنْدَلُسِ كَانَ فِي مَمْلَكَتِهِمْ بَيْتٌ إِذَا وَلِيَ مَلِكٌ مِنْهُمْ أَقْفَلَ عَلَيْهِ قُفْلًا، فَلَمَّا مَلَكَتِ الْقُوطُ فَعَلُوا كَفِعْلِهِمْ، فَلَمَّا مَلَكَ رُذَرِيقُ أَرَادَ فَتْحَ الْأَقْفَالِ، فَنَهَاهُ أَكَابِرُ أَهْلِ الْبِلَادِ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ، وَفَتَحَ الْأَقْفَالَ، فَرَأَى فِي الْبَيْتِ صُوَرَ الْعَرَبِ وَعَلَيْهِمُ الْعَمَائِمُ الْحُمْرُ عَلَى خُيُولٍ شُهُبٍ، وَفِيهِ كِتَابٌ: إِذَا فُتِحَ هَذَا الْبَيْتُ دَخَلَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ هَذَا الْبَلَدَ. فَفُتِحَتِ الْأَنْدَلُسُ تِلْكَ السَّنَةَ.
فَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ فِي فَتْحِ الْأَنْدَلُسِ، وَنَذْكُرُ بَاقِيَ أَخْبَارِ الْأَنْدَلُسِ عِنْدَ أَوْقَاتِ حُدُوثِهَا عَلَى مَا شَرَطْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 2014
ذِكْرُ غَزْوَةِ جَزِيرَةِ سَرْدَانِيَّةَ
هَذِهِ الْجَزِيرَةُ فِي بَحْرِ الرُّومِ، وَهِيَ مِنْ أَكْبَرِ الْجَزَائِرِ مَا عَدَا جَزِيرَةَ صِقِلِّيَةَ وَأَقْرِيطِشَ، وَهِيَ كَثِيرَةُ الْفَوَاكِهِ، وَلَمَّا فَتَحَ مُوسَى بِلَادَ الْأَنْدَلُسِ سَيَّرَ طَائِفَةً مِنْ عَسْكَرِهِ فِي الْبَحْرِ إِلَى هَذِهِ الْجَزِيرَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ، فَدَخَلُوهَا، وَعَمَدَ النَّصَارَى إِلَى مَالِهِمْ مِنْ آنِيَةِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، فَأَلْقَوُا الْجَمِيعَ فِي الْمِينَاءِ الَّذِي لَهُمْ، وَجَعَلُوا أَمْوَالَهُمْ فِي سَقْفٍ بَنَوْهُ لِلْبَيْعَةِ الْعُظْمَى الَّتِي لَهُمْ تَحْتَ السَّقْفِ الْأَوَّلِ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ فِيهَا مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ، وَأَكْثَرُوا الْغُلُولَ. فَاتَّفَقَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ اغْتَسَلَ فِي الْمِينَاءِ، فَعَلِقَتْ رِجْلُهُ فِي شَيْءٍ، فَأَخْرَجَهُ فَإِذَا صَحْفَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى تِلْكَ الْكَنِيسَةِ، فَنَظَرَ إِلَى حَمَامٍ فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَأَخْطَأَهُ، وَوَقَعَ فِي السَّقْفِ، وَانْكَسَرَ لَوْحٌ، فَنَزَلَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنَ الدَّنَانِيرِ، وَأَخَذُوا الْجَمِيعَ، وَازْدَادَ الْمُسْلِمُونَ غُلُولًا، فَكَانَ بَعْضُهُمْ يَذْبَحُ الْهِرَّةَ وَيَرْمِي مَا فِي جَوْفِهَا فَيَمْلَأُهُ دَنَانِيرَ وَيَخِيطُ عَلَيْهَا وَيُلْقِيهَا فِي الطَّرِيقِ، فَإِذَا خَرَجَ أَخَذَهَا، وَكَانَ يَضَعُ قَائِمَ سَيْفِهِ عَلَى الْجَفْنِ، وَيَمْلَأَهُ ذَهَبًا.
فَلَمَّا رَكِبُوا فِي الْبَحْرِ سَمِعُوا قَائِلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ غَرِّقْهُمْ، فَغَرِقُوا عَنْ آخِرِهِمْ، فَوَجَدُوا أَكْثَرَ الْغَرْقَى وَالدَّنَانِيرُ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ.
[سَنَةَ ١٣٥ هـ]
وَفِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ غَزَاهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ الْفِهْرِيُّ، فَقَتَلَ مَنْ بِهَا قَتْلًا ذَرِيعًا، ثُمَّ صَالَحُوهُ عَلَى الْجِزْيَةِ، فَأُخِذَتْ مِنْهُمْ وَبَقِيَتْ وَلَمْ يَغْزُهَا بَعْدَهُ أَحَدٌ، فَعَمَّرَهَا الرُّومُ.
[سَنَةَ ٣٢٣ هـ]
فَلَمَّا كَانَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، أَخْرَجَ إِلَيْهَا الْمَنْصُورُ بْنُ الْقَائِمِ الْعَلَوِيُّ، صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ أُسْطُولًا مِنَ الْمَهْدِيَّةِ، فَمَرُّوا بِجِنْوَةَ، فَفَتَحُوا الْمَدِينَةَ، وَأَوْقَعُوا بِأَهْلٍ سَرْدَانِيَّةَ وَسَبَوْا فِيهَا، وَأَحْرَقُوا مَرَاكِبَ كَثِيرَةً، وَأَخْرَبُوا جِنْوَةَ وَغَنِمُوا مَا فِيهَا.
стр. 2015
[سَنَةَ ٦٠٤ هـ]
وَفِي سَنَةِ سِتٍّ وَأَرْبَعِمِائَةٍ غَزَاهَا مُجَاهِدٌ الْعَامِرِيُّ مِنْ دَانِيَةَ، وَكَانَ صَاحِبُهَا فِي الْبَحْرِ فِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ مَرْكِبًا، فَفَتَحَهَا، وَقَتَلَ فَأَكْثَرَ، وَسَبَى النِّسَاءَ وَالذُّرِّيَّةَ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ مُلُوكُ الرُّومِ، فَجَمَعُوا إِلَيْهِ، وَسَارُوا إِلَيْهِ مِنَ الْبَرِّ الْكَبِيرِ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ، فَاقْتَتَلُوا، وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، وَأُخْرِجُوا مِنْ جَزِيرَةِ سَرْدَانِيَّةَ، وَأُخِذَتْ بَعْضُ مَرَاكِبِهِمْ، وَأُسِرَ أَخُو مُجَاهِدٍ وَابْنُهُ عَلِيُّ بْنُ مُجَاهِدٍ، وَرَجَعَ بِمَنْ بَقِيَ إِلَى دَانِيَةَ، وَلَمْ تَغْزَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا جَمِيعَ أَخْبَارِهَا هَاهُنَا لِقِلَّتِهَا، وَإِذَا تَفَرَّقَتْ لَمْ تُعْرَفْ كَمَا يَجِبُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَرْضَ الرُّومِ، فَفَتَحَ حُصُونًا ثَلَاثَةً، وَجَلًّا أَهْلَ سُوسَنَةَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا قُتَيْبَةُ سِجِسْتَانَ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَأَرَادَ قَصْدَ رُتْبِيلَ الْأَعْظَمَ، فَلَمَّا نَزَلَ قُتَيْبَةُ سِجِسْتَانَ أَرْسَلَ رُتْبِيلُ إِلَيْهِ رُسُلًا بِالصُّلْحِ، فَقَبِلَ ذَلِكَ وَانْصَرَفَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ رَبِّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيَّ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ عَلَى الْمَدِينَةِ.
وَكَانَ عُمَّالُ الْأَمْصَارِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ الْبَصْرِيُّ، وَمِنْ وَلَدِ نَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، بِالْمَدِينَةِ، وَلَهُ أَرْبَعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً.
стр. 2016
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ]
٩٣ -
ذِكْرُ صُلْحِ خُوَارَزْمِشَاهْ وَفَتْحِ خَامْ جُرْدَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ صَالَحَ قُتَيْبَةُ خُوَارَزْمَشَاهْ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مَلِكَ خُوَارَزْمَ كَانَ ضَعِيفًا، فَغَلَبَهُ أَخُوهُ خُرَّزَادُ عَلَى أَمْرِهِ، وَكَانَ أَصْغَرَ مِنْهُ، وَكَانَ إِذَا بَلَغَهُ أَنَّ عِنْدَ أَحَدٍ مِمَّنْ هُوَ مُنْقَطِعٌ إِلَى الْمَلِكِ جَارِيَةً أَوْ مَالًا أَوْ دَابَّةً أَوْ بِنْتًا أَوْ أُخْتًا أَوِ امْرَأَةً جَمِيلَةً أَرْسَلَ إِلَيْهِ وَأَخَذَهُ مِنْهُ، وَكَانَ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَلَا الْمَلِكُ، فَإِذَا قِيلَ لِلْمَلِكِ، قَالَ: لَا أَقْوَى بِهِ وَهُوَ مُغْتَاظٌ عَلَيْهِ.
فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَتَبَ إِلَى قُتَيْبَةَ يَدْعُوهُ إِلَى أَرْضِهِ لِيُسَلِّمَهَا إِلَيْهِ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ أَخَاهُ وَكُلَّ مَنْ يُضَادَّهُ لِيَحْكُمَ فِيهِمْ بِمَا يَرَى، وَلَمْ يَطَّلِعْ أَحَدٌ مِنْ مَرَازِبَتِهِ عَلَى ذَلِكَ، فَأَجَابَهُ قُتَيْبَةُ إِلَى مَا طَلَبَ، وَتَجَهَّزُ لِلْغَزْوِ، وَأَظْهَرَ قُتَيْبَةُ أَنَّهُ يُرِيدُ الصُّغْدَ، وَسَارَ مِنْ مَرْوَ، وَجَمَعَ خُوَارَزْمَشَاهْ أَجْنَادُهُ وَدَهَاقِنَتَهُ، فَقَالَ: إِنَّ قُتَيْبَةَ يُرِيدُ الصُّغْدَ وَلَيْسَ يُغَازِيكُمْ، فَهَلُمُّوا نَتَنَعَّمُ فِي رَبِيعِنَا هَذَا.
فَأَقْبَلُوا عَلَى الشُّرْبِ وَالتَّنَعُّمِ، فَلَمْ يَشْعُرُوا حَتَّى نَزَلَ قُتَيْبَةُ فِي هِزَارَسِبَ، فَقَالَ خُوَارَزْمَشَاهْ لِأَصْحَابِهِ: مَا تَرَوْنَ؟ قَالُوا: نَرَى أَنْ نُقَاتِلَهُ. قَالَ: لَكِنِّي لَا أَرَى ذَلِكَ; لِأَنَّهُ قَدْ عَجَزَ عَنْهُ مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنَّا وَأَشَدُّ شَوْكَةً، وَلَكِنْ أَصْرِفُهُ بِشَيْءٍ أُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ. فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ.
فَسَارَ خُوَارَزْمَشَاهْ فَنَزَلَ بِمَدِينَةِ الْفِيلِ مِنْ وَرَاءِ النَّهْرِ، وَهِيَ أَحْصَنُ بِلَادِهِ، وَقُتَيْبَةُ لَمْ يَعْبُرِ النَّهْرَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ خُوَارَزْمُشَاهْ، فَصَالَحَهُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ رَأْسٍ وَعَيْنٍ وَمَتَاعٍ، وَعَلَى أَنْ يُعِينَهُ عَلَى خَامَ جُرْدَ، فَقَبِلَ قُتَيْبَةُ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: صَالَحَهُ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ رَأْسٍ، ثُمَّ بَعَثَ قُتَيْبَةُ أَخَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى خَامَ جُرْدَ، وَكَانَ يُغَازِي خُوَارَزْمَشَاهْ، فَقَاتَلَهُ فَقَتَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَغَلَبَ عَلَى أَرْضِهِ، وَقَدِمَ مِنْهُمْ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ أَسِيرٍ، فَقَتَلَهُمْ قُتَيْبَةُ، وَسَلَّمَ قُتَيْبَةُ إِلَى خُوَارَزْمَشَاهْ أَخَاهُ وَمَنْ كَانَ يُخَالِفُهُ، فَقَتَلَهُمْ وَدَفَعَ أَمْوَالَهُمْ إِلَى قُتَيْبَةَ.
стр. 2017
ذِكْرُ فَتْحِ سَمَرْقَنْدَ
فَلَمَّا قَبَضَ قُتَيْبَةُ صُلْحَ خُوَارَزْمَشَاهْ قَامَ إِلَيْهِ الْمُجَشِّرُ بْنُ مُزَاحِمٍ السُّلَمِيُّ. فَقَالَ لَهُ سِرًّا: إِنْ أَرَدْتَ الصُّغْدَ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَالْآنَ، فَإِنَّهُمْ آمِنُونَ مِنْ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَامِلُ هَذَا، وَإِنَّمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ عَشْرَةُ أَيَّامٍ. قَالَ: أَشَارَ عَلَيْكَ بِهَذَا أَحَدٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَسَمِعَهُ مِنْكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ تَكَلَّمَ بِهِ أَحَدٌ لَأَضْرِبَّنَ عُنُقَكَ.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَمَرَ أَخَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَسَارَ فِي الْفُرْسَانِ وَالرُّمَاةِ، وَقَدَّمَ الْأَثْقَالَ إِلَى مَرْوَ، فَسَارَ يَوْمَهُ، فَلَمَّا أَمْسَى كَتَبَ إِلَيْهِ قُتَيْبَةُ: إِذَا أَصْبَحْتَ فَوَجِّهِ الْأَثْقَالَ إِلَى مَرْوَ، وَسِرْ بِالْفُرْسَانِ وَالرُّمَاةِ نَحْوَ الصُّغْدِ، وَاكْتُمِ الْأَخْبَارَ، فَإِنِّي فِي الْأَثَرِ. فَفَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مَا أَمَرَهُ، وَخَطَبَ قُتَيْبَةُ النَّاسَ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الصُّغْدَ شَاغِرَةٌ بِرِجْلِهَا، وَقَدْ نَقَضُوا الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَنَا وَصَنَعُوا مَا بَلَغَكُمْ، وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خُوَارَزْمُ وَالصُّغْدُ كَقُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ. ثُمَّ سَارَ فَأَتَى الصُّغْدَ فَبَلَغَهَا بَعْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ، وَقَدِمَ مَعَهُ أَهْلُ خُوَارَزْمَ وَبُخَارَى، فَقَاتَلُوهُ شَهْرًا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ وَهُمْ مَحْصُورُونَ.
وَخَافَ أَهْلُ الصُّغْدِ طُولَ الْحِصَارِ، فَكَتَبُوا إِلَى الْمَلِكِ الشَّاشِ وَخَاقَانَ وَأَخْشَادَ فَرْغَانَةَ: إِنَّ الْعَرَبَ [إِنْ] ظَفِرُوا بِنَا أَتَوْكُمْ بِمِثْلِ مَا أَتَوْنَا بِهِ، فَانْظُرُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَهْمَا كَانَ عِنْدَكُمْ مِنْ قُوَّةٍ فَابْذُلُوهَا. فَنَظَرُوا، وَقَالُوا: إِنَّمَا نُؤْتَى مِنْ سَفِلَتِنَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ كَوَجْدِنَا. فَانْتَخَبُوا مِنْ أَوْلَادِ الْمُلُوكِ وَأَهْلِ النَّجْدَةِ مِنْ أَبْنَاءِ الْمَرَازِبَةِ وَالْأَسَاوِرَةِ وَالْأَبْطَالِ، وَأَمَرُوهُمْ أَنْ يَأْتُوا عَسْكَرَ قُتَيْبَةَ فَيُبَيِّتُوهُ، فَإِنَّهُ مَشْغُولٌ عَنْهُ بِحِصَارِ سَمَرْقَنْدَ، وَوَلَّوْا عَلَيْهِ ابْنًا لِخَاقَانَ، فَسَارُوا.
وَبَلَغَ قُتَيْبَةَ الْخَبَرُ، فَانْتَخَبَ مِنْ عَسْكَرِهِ أَرْبَعَمِائَةٍ، وَقِيلَ: سِتَّمِائَةٍ مِنْ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَأَعْلَمَهُمُ الْخَبَرَ، وَأَمَرَهُمْ بِالْمَسِيرِ إِلَى عَدُوِّهِمْ، فَسَارُوا وَعَلَيْهِمْ صَالِحُ بْنُ مُسْلِمٍ، فَنَزَلُوا عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنَ الْعَسْكَرِ عَلَى طَرِيقِ الْقَوْمِ، فَجَعَلَ صَالِحٌ لَهُ كَمِينَيْنِ، فَلَمَّا مَضَى نِصْفُ اللَّيْلِ جَاءَهُمْ عَدُوُّهُمْ، فَلَمَّا رَأَوْا صَالِحًا حَمَلُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا اقْتَتَلُوا شَدَّ الْكَمِينَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ، فَلَمْ يُرَ قَوْمٌ كَانُوا أَشَدَّ مِنْ أُولَئِكَ. قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّا لَنُقَاتِلُهُمْ إِذْ رَأَيْتُ تَحْتَ اللَّيْلِ قُتَيْبَةَ وَقَدْ جَاءَ سِرًّا، فَضَرَبْتُ ضَرْبَةً أَعْجَبَتْنِي. فَقُلْتُ: كَيْفَ تَرَى بِأُمِّي وَأَبِي؟ قَالَ: اسْكُتْ فَضَّ اللَّهُ فَاكَ. قَالَ: فَقَتَلْنَاهُمْ فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ، وَحَوَيْنَا أَسَلَابَهُمْ وَسِلَاحَهُمْ، فَاحْتَزَزْنَا رُءُوسَهُمْ وَأَسَرْنَا مِنْهُمْ أَسْرَى، فَسَأَلْنَاهُمْ عَمَّنْ قَتَلْنَا
стр. 2018
فَقَالُوا: مَا قَتَلْتُمْ إِلَّا ابْنَ مَلِكٍ أَوْ عَظِيمًا أَوْ بَطَلًا، كَانَ الرَّجُلُ يُعَدُّ بِمِائَةِ رَجُلٍ، وَكَتَبْنَا أَسْمَاءَهُمْ عَلَى آذَانِهِمْ، ثُمَّ دَخَلْنَا الْعَسْكَرَ حِينَ أَصْبَحْنَا، فَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا جِئْنَا بِهِ مِنَ الْقَتْلَى وَالْأَسْرَى وَالْخَيْلِ وَمَنَاطِقِ الذَّهَبِ وَالسِّلَاحِ، قَالَ: وَأَكْرَمَنِي قُتَيْبَةُ وَأَكْرَمَ مَعِي جَمَاعَةً، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ رَأَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي رَأَى مِنِّي.
وَلَمَّا رَأَى الصُّغْدُ ذَلِكَ انْكَسَرُوا، وَنَصَبَ قُتَيْبَةُ عَلَيْهِمُ الْمَجَانِيقَ فَرَمَاهُمْ وَثَلَمَ ثُلْمَةً، فَقَامَ عَلَيْهَا رَجُلٌ شَتَمَ قُتَيْبَةَ، فَرَمَاهُ بَعْضُ الرُّمَاةِ فَقَتَلَهُ، فَأَعْطَاهُ قُتَيْبَةُ عَشَرَةَ آلَافٍ. وَسَمِعَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ قُتَيْبَةَ وَهُوَ يَقُولُ كَأَنَّمَا يُنَاجِي نَفْسَهُ: حَتَّى مَتَى يَا سَمَرْقَنْدُ يُعَشِّشُ فِيكِ الشَّيْطَانُ؟ أَمَّا وَاللَّهِ [لَئِنْ] أَصْبَحْتُ لَأُحَاوِلَنَّ مِنْ أَهْلِكِ أَقْصَى غَايَةٍ. فَانْصَرَفَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: كَمْ مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ غَدًا! وَأَخْبَرَ الْخَبَرَ.
فَلَمَّا أَصْبَحَ قُتَيْبَةُ أَمَرَ النَّاسَ بِالْجِدِّ فِي الْقِتَالِ، فَقَاتَلُوهُمْ وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَأَمَرَهُمْ قُتَيْبَةُ أَنْ يَبْلُغُوا ثُلْمَةَ الْمَدِينَةِ، فَجَعَلُوا التِّرَسَةَ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَحَمَلُوا، فَبَلَغُوهَا وَوَقَفُوا عَلَيْهَا، وَرَمَاهُمُ الصُّغْدُ بِالنُّشَّابِ فَلَمْ يَبْرَحُوا. فَأَرْسَلَ الصُّغْدُ إِلَى قُتَيْبَةَ فَقَالُوا لَهُ: انْصَرِفْ عَنَّا الْيَوْمَ حَتَّى نُصَالِحَكَ غَدًا. فَقَالَ قُتَيْبَةُ: لَا نُصَالِحُهُمْ إِلَّا وَرِجَالُنَا عَلَى الثُّلْمَةِ، وَقِيلَ: بَلْ قَالَ قُتَيْبَةُ: جَزِعَ الْعَبِيدُ، انْصَرِفُوا عَلَى ظَفَرِكُمْ، فَانْصَرَفُوا فَصَالَحَهُمْ مِنَ الْغَدِ عَلَى أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفِ مِثْقَالٍ فِي كُلِّ عَامٍ، وَأَنْ يُعْطُوهُ تِلْكَ السَّنَةَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَأَنْ يُخْلُوا الْمَدِينَةَ لِقُتَيْبَةَ فَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِيهَا مُقَاتِلٌ، فَيَبْنِي فِيهَا مَسْجِدًا، وَيَدْخُلُ وَيُصَلِّي وَيَخْطُبُ وَيَتَغَدَّى وَيَخْرُجُ.
فَلَمَّا تَمَّ الصُّلْحُ وَأَخْلَوُا الْمَدِينَةَ وَبَنَوُا الْمَسْجِدَ دَخَلَهَا قُتَيْبَةُ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ انْتَخَبَهُمْ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى فِيهِ وَخَطَبَ، وَأَكَلَ طَعَامًا ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى الصُّغْدِ: مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَأْخُذَ مَتَاعَهُ فَلْيَأْخُذْ فَإِنِّي لَسْتُ خَارِجًا مِنْهَا وَلَسْتُ آخُذُ مِنْكُمْ إِلَّا مَا صَالَحْتُكُمْ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ الْجُنْدَ يُقِيمُونَ فِيهَا.
وَقِيلَ: إِنَّهُ شَرَطَ عَلَيْهِمْ فِي الصُّلْحِ مِائَةَ أَلْفِ فَارِسٍ، وَبُيُوتَ النِّيرَانِ وَحِلْيَةَ الْأَصْنَامِ، فَقَبَضَ ذَلِكَ، وَأُتِيَ بِالْأَصْنَامِ فَكَانَتْ كَالْقَصْرِ الْعَظِيمِ، وَأَخَذَ مَا عَلَيْهَا، وَأَمَرَ بِهَا فَأُحْرِقَتْ. فَجَاءَهُ غَوْزَكُ فَقَالَ: إِنْ شُكْرَكَ عَلَيَّ وَاجِبٌ، لَا تَتَعَرَّضْ لِهَذِهِ الْأَصْنَامِ، فَإِنَّ مِنْهَا أَصْنَامًا مَنْ أَحْرَقَهَا هَلَكَ. فَقَالَ قُتَيْبَةُ: أَنَا أَحْرِقُهَا بِيَدِي، فَدَعَا بِالنَّارِ فَكَبَّرَ، ثُمَّ أَشْعَلَهَا فَاحْتَرَقَتْ، فَوَجَدُوا مِنْ بَقَايَا مَسَامِيرِ الذَّهَبِ خَمْسِينَ أَلْفَ مِثْقَالٍ.
وَأَصَابَ بِالصُّغْدِ جَارِيَةً مِنْ وَلَدِ يَزْدِجَرْدَ، فَأَرْسَلَهَا إِلَى الْحَجَّاجِ، فَأَرْسَلَهَا الْحَجَّاجُ
стр. 2019
إِلَى الْوَلِيدِ، فَوَلَدَتْ لَهُ يَزِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ.
وَأَمَرَ غَوْزَكَ بِالِانْتِقَالِ عَنْهَا فَانْتَقَلَ.
وَقِيلَ: إِنَّ أَهْلَ سَمَرْقَنْدَ خَرَجُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ يُقَاتِلُونَهُمْ يَوْمَ فَتْحِهَا، وَقَدْ أَمَرَ قُتَيْبَةُ بِسَرِيرٍ فَأُبْرِزَ وَقَعَدَ عَلَيْهِ، فَطَاعَنُوهُمْ حَتَّى جَازُوا قُتَيْبَةَ وَإِنَّهُ لِمُحْتَبٍ بِسَيْفِهِ مَا حَلَّ حَبَوْتَهُ، وَانْطَوَتْ مُجَنِّبَتَا الْمُسْلِمِينَ عَلَى الَّذِينَ هَزَمُوا الْقَلْبَ، فَهَزَمُوهُمْ حَتَّى رَدُّوهُمْ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَدَدٌ كَثِيرٌ، وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ فَصَالَحُوهُمْ، وَصَنَعَ غَوْزَكُ طَعَامًا وَدَعَا قُتَيْبَةَ، فَأَتَاهُ فِي عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا بَعُدَ اسْتَوْهَبَ مِنْهُ سَمَرْقَنْدَ وَقَالَ لِلْمَلِكِ: انْتَقِلْ عَنْهَا، فَلَمْ نَجِدْ بُدًّا مِنْ طَاعَتِهِ، وَتَلَا قُتَيْبَةُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٠] ، ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ [النجم: ٥١] .
وَحُكِيَ عَنِ الَّذِي أَرْسَلَهُ قُتَيْبَةُ إِلَى الْحَجَّاجِ بِفَتْحِ سَمَرْقَنْدَ قَالَ: فَأَرْسَلَنِي الْحَجَّاجُ إِلَى الْوَلِيدِ، فَقَدِمْتُ دِمَشْقَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَدَخَلَتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا إِلَى جَنْبِي رَجُلٌ ضَرِيرٌ، فَسَأَلَنِي: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: مِنْ خُرَاسَانَ، وَأَخْبَرْتُهُ خَبَرَ سَمَرْقَنْدَ. فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ مَا افْتَتَحْتُمُوهَا إِلَّا غَدْرًا! وَإِنَّكُمْ يَا أَهْلَ خُرَاسَانَ الَّذِينَ تَسْلُبُونَ بَنِي أُمَيَّةَ مُلْكَهُمْ، ثُمَّ تَنْقُضُونَ دِمَشْقَ حَجَرًا حَجَرًا. فَلَمَّا فَتَحَ قُتَيْبَةُ سَمَرْقَنْدَ قِيلَ: [إِنَّ] هَذَا لَأَعْدَى الْعَيْرَيْنِ، لِأَنَّهُ فَتَحَ سَمَرْقَنْدَ وَخُوَارَزْمَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْفَارِسَ إِذَا صَرَعَ فِي طَلْقٍ وَاحِدٍ عَيْرَيْنِ قِيلَ: عَادَى عَيْرَيْنِ. فَلَمَّا فَتَحَهَا قُتَيْبَةُ دَعَا نَهَارَ بْنَ تَوْسِعَةَ فَقَالَ: يَا نَهَارُ أَيْنَ قَوْلُكَ:
أَلَا ذَهَبَ الْغَزْوُ الْمُقَرِّبُ لِلْغِنَى ... وَمَاتَ النَّدَى وَالْجُودُ بَعْدَ الْمُهَلَّبِ
أَقَامَا بِمُرْوِ الرُّوذِ رَهَنَ ضَرِيحِهِ ... وَقَدْ غُيِّبَا عَنْ كُلِّ شَرْقٍ وَمَغْرِبِ
أَفَغَزْوٌ هَذَا؟ قَالَ: لَا، هَذَا أَحْسَنُ، وَأَنَا الَّذِي أَقُولُ:
وَمَا كَانَ مُذْ كُنَّا وَلَا كَانَ قَبْلَنَا ... وَلَا هُوَ فِيمَا بَعْدَنَا كَابْنِ مُسْلِمِ
стр. 2020
أَعَمَّ لِأَهْلِ الشِّرْكِ قَتْلًا بِسَيْفِهِ
وَأَكْثَرَ فِينَا مَقْسِمًا بَعْدَ مَقْسِمِ
قَالَ: وَقَالَ الشُّعَرَاءُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ الْكُمَيْتُ مِنْ قَصِيدَةٍ:
(
كَانَتْ سَمَرْقَنْدُ أَحْقَابًا يَمَانِيَةً ... فَالْيَوْمَ تَنْسُبُهَا قَيْسِيَّةً مُضَرُ
وَقَالَ كَعْبٌ الْأَشْقَرِيُّ، وَقِيلَ رَجُلٌ مِنْ جُعْفَى) :
كُلَّ يَوْمٍ يَحْوِي قُتَيْبَةُ نَهْبًا ... وَيَزِيدُ الْأَمْوَالَ مَالًا جَدِيدَا
بَاهِلِيٌّ قَدْ أُلْبِسَ التَّاجَ حَتَّى ... شَابَ مِنْهُ مَفَارِقٌ كُنَّ سُودَا
دَوَّخَ الصُّغْدَ بِالْكَتَائِبِ حَتَّى ... تَرَكَ الصُّغْدَ بِالْعَرَاءِ قُعُودَا
فَوَلِيدٌ يَبْكِي لِفَقْدِ أَبِيهِ ... وَأَبٌ مُوجَعٌ يُبَكِّي الْوَلِيدَا
ثُمَّ رَجَعَ قُتَيْبَةُ إِلَى مَرْوَ، وَكَانَ أَهْلُ خُرَاسَانَ يَقُولُونَ: إِنْ قُتَيْبَةَ غَدَرَ بِأَهْلِ سَمَرْقَنْدَ فَمَلَكَهَا غَدْرًا.
وَكَانَ عَامِلُهُ عَلَى خُوَارَزْمَ إِيَاسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى حَرْبِهَا، وَكَانَ ضَعِيفًا، وَكَانَ عَلَى خَرَاجِهَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ مَوْلَى مُسْلِمٍ. فَاسْتَضْعَفَ أَهْلُ خُوَارَزْمَ إِيَاسًا، فَجَمَعُوا لَهُ، فَكَتَبَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى قُتَيْبَةَ، فَبَعَثَ قُتَيْبَةُ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ عَامِلًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَضْرِبَ إِيَاسًا وَحَيَّانَ النَّبَطِيَّ مِائَةً مِائَةً وَيَحْلِقَهُمَا. فَلَمَّا قَرُبَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ خُوَارَزْمَ أَرْسَلَ إِلَى إِيَاسٍ فَأَنْذَرَهُ، فَتَنَحَّى، وَقَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَخَذَ حَيَّانَ فَضَرَبَهُ وَحَلَقَهُ. ثُمَّ وَجَّهَ قُتَيْبَةُ الْجُنُودَ إِلَى خُوَارَزْمَ مَعَ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَبَلَغَهُمْ ذَلِكَ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمُغِيرَةُ اعْتَزَلَ أَبْنَاءُ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ خُوَارَزْمَشَاهْ وَقَالُوا: لَا نُعِينُكَ، فَهَرَبَ إِلَى بِلَادِ التُّرْكِ، وَقَدِمَ الْمُغِيرَةُ فَقَتَلَ وَسَبَى، فَصَالَحَهُ الْبَاقُونَ عَلَى الْجِزْيَةِ، وَقَدِمَ عَلَى قُتَيْبَةَ فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى نَيْسَابُورَ.
стр. 2021
ذِكْرُ فَتْحِ طُلَيْطِلَةَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَضِبَ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ عَلَى مَوْلَاهُ طَارِقٍ فَسَارَ إِلَيْهِ فِي رَجَبٍ مِنْهَا، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُوسَى، وَعَبَرَ مُوسَى إِلَى طَارِقٍ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، فَتَلَقَّاهُ وَتَرَضَّاهُ، فَرَضِيَ عَنْهُ، وَقَبِلَ عُذْرَهُ، وَسَيَّرَهُ إِلَى طُلَيْطِلَةَ، وَهِيَ مِنْ عِظَامِ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ، وَهِيَ مِنْ قُرْطُبَةَ عَلَى عِشْرِينَ يَوْمًا، فَفَتَحَهَا وَأَصَابَ فِيهَا مَائِدَةَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، ﵇، وَمَا فِيهَا مِنَ الذَّهَبِ وَالْجَوْهَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ.
قُلْتُ: لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ مِنْ فَتْحِ الْأَنْدَلُسِ وَدُخُولِ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ إِلَى طَارِقٍ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى إِعَادَتِهِ، إِلَّا أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ قَدْ ذَكَرَ أَنَّ مُوسَى هُوَ الَّذِي سَيَّرَ طَارِقًا وَهُوَ بِالْأَنْدَلُسِ، فَفَتَحَ مَدِينَةَ طُلَيْطِلَةَ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ فِي تَوَارِيخِهِمْ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
ذِكْرُ عَزْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ الْحِجَازِ
قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ الْوَلِيدُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ الْحِجَازِ وَالْمَدِينَةِ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ يُخْبِرُهُ بِعَسْفِ الْحَجَّاجِ أَهْلَ الْعِرَاقِ وَاعْتِدَائِهِ عَلَيْهِمْ وَظُلْمِهِ لَهُمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْحَجَّاجَ فَكَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ: إِنَّ مَنْ عِنْدِي مِنَ الْمُرَّاقِ وَأَهْلِ الشِّقَاقِ قَدْ جَلَوْا عَنِ الْعِرَاقِ وَلَحِقُوا بِالْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، وَإِنَّ ذَلِكَ وَهَنٌ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْوَلِيدُ يَسْتَشِيرُهُ فِيمَنْ يُوَلِّيهِ الْمَدِينَةَ وَمَكَّةَ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِخَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعُثْمَانَ بْنِ حَيَّانَ، فَوَلَّى خَالِدًا مَكَّةَ، وَعُثْمَانَ الْمَدِينَةَ، وَعَزَلَ عُمَرَ عَنْهُمَا.
فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ مِنَ الْمَدِينَةِ قَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ نَفَتْهُ الْمَدِينَةُ، يَعْنِي بِذَلِكَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ : «تَنْفِي خَبَثَهَا» .
وَكَانَ عَزْلُهُ عَنْهَا فِي شَعْبَانَ، وَلَمَّا قَدِمَ خَالِدٌ مَكَّةَ أَخْرَجَ مَنْ بِهَا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ كَرْهًا، وَتَهَدَّدَ مَنْ أَنْزَلَ عِرَاقِيًّا أَوْ أَجَّرَهُ دَارًا، وَاشْتَدَّ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعَسَفَهُمْ وَجَارَ فِيهِمْ، وَمَنَعَهُمْ مِنْ إِنْزَالِ عِرَاقِيٍّ، وَكَانُوا أَيَّامَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ كُلُّ مَنْ خَافَ الْحَجَّاجَ لَجَأَ إِلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.
стр. 2022
(وَقِيلَ: إِنَّمَا اسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ عُثْمَانَ بْنَ حَيَّانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وِلَايَةُ خَالِدٍ مَكَّةَ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الرُّومَ فَفَتَحَ سَبَسْطِيَةَ، وَالْمَرْزُبَانِينَ، وَطَرَسُوسَ.
وَفِيهَا غَزَا مَرْوَانُ بْنُ الْوَلِيدِ فَبَلَغَ خُنْجَرَةَ.
وَفِيهَا غَزَا مَسْلَمَةُ الرُّومَ أَيْضًا، فَفَتَحَ مَاسِيسَةَ، وَحِصْنَ الْحَدِيدِ، وَغَزَالَةَ مِنْ نَاحِيَةِ مَلَطْيَةَ.
وَفِيهَا أَجْدَبَ أَهْلُ إِفْرِيقِيَّةَ، فَاسْتَسْقَى مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ فَسُقُوا.
وَفِيهَا كَتَبَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَبْلَ أَنْ يَعْزِلَهُ يَأْمُرُهُ بِضَرْبِ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَيَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ مَاءً بَارِدًا، فَضَرَبَهُ خَمْسِينَ سَوْطًا، وَصَبَّ عَلَيْهِ مَاءً بَارِدًا فِي يَوْمٍ شَاتٍ، وَوَقَفَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ.
стр. 2023
(خُبَيْبٌ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَبَائَيْنِ مُوَحَّدَتَيْنِ، بَيْنَهُمَا يَاءٌ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ) .
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْوَلِيدِ. وَكَانَ عَلَى الْأَمْصَارِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ إِلَّا الْمَدِينَةَ، فَإِنَّ عَامِلَهَا عُثْمَانَ بْنَ حَيَّانَ قَدِمَهَا فِي شَوَّالٍ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ وِلَايَةِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَكَّةَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ، وَفِي سَنَةِ إِحْدَى وَتِسْعِينَ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ وَلِيَهَا هَذِهِ السَّنَةَ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الشَّعْثَاءِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ.
وَأَبُو الْعَالِيَةِ الْبَرَاءُ، وَاسْمُهُ زِيَادُ بْنُ فَيْرُوزَ، وَكَانَ مَوْلًى لِأَعْرَابِيَّةٍ مِنْ بَنِي رِيَاحٍ، وَلَيْسَ بِأَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ، ذَاكَ كَانَ مَوْتُهُ سَنَةَ تِسْعِينَ.
وَفِيهَا مَاتَ بِلَالُ بْنُ أَبِي الدَّرْدَاءِ الْأَنْصَارِيُّ قَاضِي دِمَشْقَ.
стр. 2024
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ]
٩٤ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ
ذِكْرُ قَتْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ
قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ خُرُوجَهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ قَدْ جَعَلَهُ عَلَى عَطَاءِ الْجُنْدِ حِينَ وَجَّهَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى رُتْبِيلَ لِقِتَالِهِ، فَلَمَّا خَلَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْحَجَّاجَ كَانَ سَعِيدٌ فِيمَنْ خَلَعَ، فَلَمَّا هُزِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَدَخَلَ بِلَادَ رُتْبِيلَ هَرَبَ سَعِيدٌ إِلَى أَصْبَهَانَ، فَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَامِلِهَا بِأَخْذِ سَعِيدٍ، فَخَرَجَ الْعَامِلُ مِنْ ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَى سَعِيدٍ يُعَرِّفُهُ ذَلِكَ وَيَأْمُرُهُ بِمُفَارَقَتِهِ، فَسَارَ عَنْهُ فَأَتَى أَذْرَبِيجَانَ، فَطَالَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فَاغْتَمَّ بِهَا، فَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ بِهَا هُوَ وَأُنَاسٌ أَمْثَالُهُ يَسْتَخْفُونَ، فَلَا يُخْبِرُونَ أَحَدًا أَسْمَاءَهُمْ.
فَلَمَّا وَلِيَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَكَّةَ، قِيلَ لِسَعِيدٍ: إِنَّهُ رَجُلُ سَوْءٍ، فَلَوْ سِرْتَ عَنْ مَكَّةَ. قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ فَرَرْتُ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنَ اللَّهِ، وَسَيَجِيئُنِي مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي. فَلَمَّا قَدِمَ خَالِدٌ مَكَّةَ كَتَبَ إِلَيْهِ الْوَلِيدُ بِحَمْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَأَخَذَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدًا وَطَلْقَ بْنَ حَبِيبٍ، فَأَرْسَلَهُمْ إِلَيْهِ، فَمَاتَ طَلْقٌ بِالطَّرِيقِ، وَحُبِسَ مُجَاهِدٌ حَتَّى مَاتَ الْحَجَّاجُ.
وَكَانَ سَيْرُهُمْ مَعَ حَرَسَيْنِ، فَانْطَلَقَ أَحَدُهُمَا لِحَاجَةٍ وَبَقِيَ الْآخَرُ، فَقَالَ لِسَعِيدٍ، وَقَدِ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ لَيْلًا: يَا سَعِيدُ، إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ مِنْ دَمِكَ، إِنِّي رَأَيْتُ فِي مَنَامِي، فَقِيلَ لِي: وَيْلَكَ! تَبَرَّأْ مِنْ دَمِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ! فَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنِّي لَا أَطْلُبُكَ. فَأَبَى سَعِيدٌ، فَرَأَى ذَلِكَ الْحَرَسُ مِثْلَ تِلْكَ الرُّؤْيَا ثَلَاثًا، وَيَأْذَنُ لِسَعِيدٍ فِي الذَّهَابِ وَهُوَ لَا يَفْعَلُ.
فَقَدِمُوا بِهِ الْكُوفَةَ، فَأُنْزِلَ فِي دَارِهِ، وَأَتَاهُ قُرَّاءُ الْكُوفَةِ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ وَهُوَ يَضْحَكُ وَبُنَيَّةٌ لَهُ فِي حِجْرِهِ، فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَى الْقَيْدِ فِي رِجْلِهِ بَكَتْ، ثُمَّ أَدْخَلُوهُ عَلَى الْحَجَّاجِ، فَلَمَّا أُتِيَ بِهِ، قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ ابْنَ النَّصْرَانِيَّةِ! يَعْنِي خَالِدًا، وَكَانَ هُوَ أَرْسَلَهُ، أَمَّا كُنْتُ أَعْرِفُ مَكَانَهُ؟ بَلَى وَاللَّهِ وَالْبَيْتِ الَّذِي هُوَ فِيهِ بِمَكَّةَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا سَعِيدُ أَلَمْ أُشْرِكْكَ فِي
стр. 2025
إِمَامَتِي؟ أَلَمْ أَفْعَلْ؟ أَلَمْ أَسْتَعْمِلْكَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَمَا أَخْرَجَكَ عَلَيَّ؟ قَالَ: إِنَّمَا أَنَا امْرُؤٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يُخْطِئُ مَرَّةً وَيُصِيبُ مَرَّةً. فَطَابَتْ نَفْسُ الْحَجَّاجِ، ثُمَّ عَاوَدَهُ فِي شَيْءٍ، فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَتْ بَيْعَةً فِي عُنُقِي، فَغَضِبَ الْحَجَّاجُ وَانْتَفَخَ، وَقَالَ: يَا سَعِيدُ أَلَمْ أَقْدَمْ مَكَّةَ، فَقَتَلْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَأَخَذْتُ بَيْعَةَ أَهْلِهَا، وَأَخَذْتُ بَيْعَتَكَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: ثُمَّ قَدِمْتُ الْكُوفَةَ وَالِيًا، فَجَدَّدْتُ الْبَيْعَةَ، فَأَخَذْتُ بَيْعَتَكَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ثَانِيَةً؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَتَنْكُثُ بَيْعَتَيْنِ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَتُوفِي بِوَاحِدَةٍ لِلْحَائِكِ ابْنِ الْحَائِكِ، وَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّكَ! قَالَ: إِنِّي إِذًا لَسَعِيدٌ كَمَا سَمَّتْنِي أُمِّي. فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَتْ رَقَبَتُهُ، فَبَدَرَ رَأْسُهُ عَلَيْهِ كُمَّةٌ بَيْضَاءُ لَاطِيَةٌ، فَلَمَّا سَقَطَ رَأْسُهُ هَلَّلَ ثَلَاثًا، أَفْصَحَ بِمَرَّةٍ وَلَمْ يُفْصِحْ بِمَرَّتَيْنِ.
فَلَمَّا قُتِلَ الْتَبَسَ عَقْلُ الْحَجَّاجِ، فَجَعَلَ يَقُولُ: قُيُودُنَا قُيُودُنَا! فَظَنُّوا أَنَّهُ يُرِيدُ الْقُيُودَ، فَقَطَعُوا رِجْلَيْ سَعِيدٍ مِنْ أَنْصَافِ سَاقَيْهِ وَأَخَذُوا الْقُيُودَ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ إِذَا نَامَ يَرَاهُ فِي مَنَامِهِ يَأْخُذُ بِمَجَامِعِ ثَوْبِهِ، فَيَقُولُ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ فِيمَ قَتَلْتَنِي؟ فَيَقُولُ: مَا لِي وَلِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ! مَا لِي وَلِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ!
ذِكْرُ غَزْوَةِ الشَّاشِ وَفَرْغَانَةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَطَعَ قُتَيْبَةُ النَّهْرَ، وَفَرَضَ عَلَى أَهْلِ بُخَارَى وَكَشَّ وَنَسَفَ وَخُوَارَزْمَ عِشْرِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، فَسَارُوا مَعَهُ، فَوَجَّهَهُمْ إِلَى الشَّاشِ، وَتَوَجَّهَ هُوَ إِلَى فَرْغَانَةَ فَأَتَى خُجَنْدَةَ، فَجَمَعَ لَهُ أَهْلُهَا فَلَقُوهُ فَاقْتَتَلُوا مِرَارًا، كُلُّ ذَلِكَ يَكُونُ الظَّفَرُ لِلْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ إِنَّ قُتَيْبَةَ أَتَى كَاشَانَ مَدِينَةَ فَرْغَانَةَ، وَأَتَاهُ الْجُنُودُ الَّذِينَ وَجَّهَهُمْ إِلَى الشَّاشِ وَقَدْ فَتَحُوهَا وَأَحْرَقُوا أَكْثَرَهَا، وَانْصَرَفَ إِلَى مَرْوَ، وَقَالَ سَحْبَانُ يَذْكُرُ قِتَالَهُمْ بِخُجَنْدَةَ فَقَالَ:
فَسَلِ الْفَوَارِسَ فِي خُجَنْ ... دَةَ تَحْتَ مُرْهَفَةِ الْعَوَالِي
هَلْ كُنْتُ أَجْمَعَهُمْ إِذَا ... هُزِمُوا وَأُقْدِمُ فِي الْقِتَالِ
أَمْ كُنْتُ أَضْرِبُ هَامَةَ الْ ... عَاتِي وَأَصْبِرُ لِلْعَوَالِي
стр. 2026
هَذَا وَأَنْتَ قَرِيعُ قَيْ
سٍ كُلِّهَا ضَخَمُ النَّوَالِ ... وَفَضَلْتَ قَيْسًا فِي النَّدَى
وَأَبُوكَ فِي الْحِجَجِ الْخَوَالِي ... وَلَقَدْ تَبَيَّنَ عَدْلُ حُكْ
مِكَ فِيهِمُ فِي كُلِّ حَالِ ... تَمَّتْ مُرُوءَتُكُمْ وَنَا
غَى
عِزُّكُمْ غُلْبَ الْجِبَالِ
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ أَرْضَ الرُّومِ فَفَتَحَ أَنْطَاكِيَّةَ.
وَفِيهَا غَزَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْوَلِيدِ فَبَلَغَ غَزَالَةَ، وَبَلَغَ الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ الْمُعَيْطِيُّ بُرْجَ الْحَمَامِ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي كَبْشَةَ أَرْضَ سُورِيَةَ.
وَفِيهَا كَانَتِ الزَّلَازِلُ بِالشَّامِ، وَدَامَتْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَخَرَّبَتِ الْبِلَادَ، وَكَانَ عِظَمُ ذَلِكَ فِي أَنْطَاكِيَّةَ.
وَفِيهَا افْتَتَحَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ أَرْضَ الْهِنْدِ.
стр. 2027
[الْوَفَيَاتُ]
وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فِي أَوَّلِهَا.
ثُمَّ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ.
ثُمَّ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ.
وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ.
وَاسْتَقْضَى الْوَلِيدُ عَلَى الشَّامِ سُلَيْمَانَ بْنَ حَبِيبٍ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَقِيلَ: عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْوَلِيدِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ.
وَكَانَ الْعَامِلُ بِمَكَّةَ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَبِالْمَدِينَةِ عُثْمَانُ بْنُ حَيَّانَ، وَبِمِصْرَ قُرَّةُ بْنُ شَرِيكٍ، وَبِخُرَاسَانَ قُتَيْبَةُ مِنْ قِبَلِ الْحَجَّاجِ.
стр. 2028
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ]
٩٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ
ذِكْرُ غَزْوَةِ الشَّاشِ
قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعَثَ الْحَجَّاجُ جَيْشًا مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى قُتَيْبَةَ فَغَزَا بِهِمْ، فَلَمَّا كَانَ بِالشَّاشِ أَوْ بِكَشَّ مَاهَانَ أَتَاهُ مَوْتُ الْحَجَّاجِ فِي شَوَّالٍ مِنْهَا، فَغَمَّهُ ذَلِكَ وَتَمَثَّلَ يَقُولُ:
لَعَمْرِي لَنِعْمَ الْمَرْءُ مِنْ آلِ جَعْفَرٍ ... بِحَوْرَانَ أَمْسَى أَعَلَقَتْهُ الْحَبَائِلُ
فَإِنْ تَحْيَ لَا أَمْلَلْ حَيَاتِي وَإِنْ تَمُتْ ... فَمَا فِي حَيَاةٍ بَعْدَ مَوْتِكَ طَائِلُ
وَرَجَعَ إِلَى مَرْوَ وَتَفَرَّقَ بالنَّاسِ، فَأَتَاهُ كِتَابُ الْوَلِيدِ: قَدْ عَرَفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بَلَاءَكَ وَجِدَّكَ وَاجْتِهَادَكَ فِي جِهَادِ أَعْدَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ رَافِعُكَ وَصَانِعٌ بِكَ الَّذِي يَجِبُ لَكَ، فَالْمُمْ مَغَازِيَكَ، وَانْتَظِرْ ثَوَابَ رَبِّكَ، وَلَا تَغِبْ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ كُتُبُكَ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَلَائِكَ وَالثَّغْرَ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ.
ذِكْرُ وَفَاةِ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ
قِيلَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ذُكِرَ عِنْدَهُ ظُلْمُ الْحَجَّاجِ وَغَيْرِهِ مِنْ وُلَاةِ الْأَمْصَارِ أَيَّامَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: الْحَجَّاجُ بِالْعِرَاقِ، وَالْوَلِيدُ بِالشَّامِ، وَقُرَّةُ بِمِصْرَ، وَعُثْمَانُ بِالْمَدِينَةِ، وَخَالِدٌ بِمَكَّةَ، اللَّهُمَّ قَدِ امْتَلَأَتِ الدُّنْيَا ظُلْمًا وَجَوْرًا فَأَرِحِ النَّاسَ! فَلَمْ يَمْضِ غَيْرُ قَلِيلٍ حَتَّى تُوُفِّيَ الْحَجَّاجُ وَقُرَّةُ بْنُ شَرِيكٍ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ تَبِعَهُمَا الْوَلِيدُ، وَعُزِلَ عُثْمَانُ وَخَالِدٌ، وَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَعُمَرَ.
стр. 2029
وَمَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْقِصَّةَ بِقِصَّةِ [ابْنِ] عُمَرَ مَعَ زِيَادِ بْنِ أَبِيهِ، حَيْثُ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يَقُولُ لَهُ: قَدْ ضَبَطْتُ الْعِرَاقَ بِشَمَالِي وَيَمِينِي فَارِغَةٌ. يُعَرِّضُ بِإِمَارَةِ الْحِجَازِ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ لَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ: اللَّهُمَّ أَرِحْنَا مِنْ يَمِينِ زِيَادٍ، وَأَرِحْ أَهْلَ الْعِرَاقِ مِنْ شِمَالِهِ. فَكَانَ أَوَّلُ خَبَرٍ جَاءَهُ مَوْتَ زِيَادٍ.
وَكَانَتْ وَفَاةُ الْحَجَّاجِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ، وَقِيلَ: كَانَتْ وَفَاتُهُ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ أَرْبَعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ الْعِرَاقَ عِشْرِينَ سَنَةً، وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ اسْتَخْلَفَ عَلَى الصَّلَاةِ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَجَّاجِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى حَرْبِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ يَزِيدَ بْنَ أَبِي كَبْشَةَ، وَعَلَى خَرَاجِهِمَا يَزِيدَ بْنَ أَبِي مُسْلِمٍ، فَأَقَرَّهُمَا الْوَلِيدُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَمْ يُغَيِّرْ أَحَدًا مِنْ عُمَّالِ الْحَجَّاجِ.
ذِكْرُ نَسَبِهِ وَشَيْءٍ مِنْ سِيرَتِهِ
هُوَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي عَقِيلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مُعَتِّبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ ثَقِيفٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ.
قَالَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ: خَطَبَنَا الْحَجَّاجُ فَذَكَرَ الْقَبْرَ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: إِنَّهُ بَيْتُ الْوَحْدَةِ، إِنَّهُ بَيْتُ الْغُرْبَةِ، وَبَيْتُ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى بَكَى وَأَبْكَى، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ: سَمِعْتُ مَرْوَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: خَطَبَنَا عُثْمَانُ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: «مَا نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، إِلَى قَبْرٍ أَوْ ذَكَرَهُ إِلَّا بَكَى» . وَقَدْ رُوِيَ أَحَادِيثُ غَيْرُ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَوْفٍ: كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ يَقْرَأُ عَرَفْتُ أَنَّهُ طَالَمَا دَرَسَ الْقُرْآنَ. وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: مَا رَأَيْتُ أَفْصَحَ مِنَ الْحَجَّاجِ وَمِنَ الْحَسَنِ، وَكَانَ الْحَسَنُ أَفْصَحَ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ: قَالَ الْحَجَّاجُ يَوْمًا: مَنْ كَانَ لَهُ بَلَاءٌ فَلْيَقُمْ،
стр. 2030
فَنُعْطِيهِ عَلَى بَلَائِهِ. فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَعْطِنِي عَلَى بَلَائِي. قَالَ: وَمَا بَلَاؤُكَ؟ قَالَ: قَتَلْتُ الْحُسَيْنَ. قَالَ: كَيْفَ قَتَلْتَهُ؟ قَالَ: دَسَرْتُهُ بِالرُّمْحِ دَسْرًا، وَهَبَرْتُهُ بِالسَّيْفِ هَبْرًا، وَمَا أَشْرَكْتُ مَعِيَ فِي قَتْلِهِ أَحَدًا. قَالَ: فَإِنَّكَ لَا تَجْتَمِعُ أَنْتَ وَهُوَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ. وَقَالَ: اخْرُجْ! وَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا.
قِيلَ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ يَأْمُرُهُ بِقَتْلِ أَسْلَمَ بْنِ عَبْدٍ الْبِكْرِيِّ بِشَيْءٍ بَلَغَهُ عَنْهُ، فَأَحْضَرَهُ الْحَجَّاجُ وَقَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ غَائِبٌ وَأَنْتَ حَاضِرٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] الْآيَةَ، وَالَّذِي بَلَغَهُ عَنِّي بَاطِلٌ، فَاكْتُبْ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنِّي أَعُولُ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ امْرَأَةً وَهُنَّ بِالْبَابِ، فَأَحْضَرَهُنَّ، فَهَذِهِ أُمُّهُ، وَهَذِهِ عَمَّتُهُ وَزَوْجَتُهُ وَابْنَتُهُ، وَكَانَ فِي آخِرِهِنَّ جَارِيَةٌ قَارَبَتْ عَشْرَ سِنِينَ. فَقَالَ لَهَا: مَنْ أَنْتِ مِنْهُ؟ قَالَتِ: ابْنَتُهُ، أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ! ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ:
أَحَجَّاجُ لَمْ تَشْهَدْ مَقَامَ بَنَاتِهِ ... وَعَمَّاتِهِ يَنْدُبْنَهُ اللَّيْلَ أَجْمَعَا
أَحَجَّاجُ لَمْ تَقْبَلْ بِهِ أَنْ قَتَلْتَهُ ... ثَمَانًا وَعَشْرًا وَاثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعَا
أَحَجَّاجُ مَنْ هَذَا يَقُومُ مَقَامَهُ ... عَلَيْنَا فَمَهْلًا إِنْ تَزِدْنَا تَضَعْضُعَا
أَحَجَّاجُ إِمَّا أَنْ تَجُودَ بِنِعْمَةٍ
عَلَيْنَا وَإِمَّا أَنْ تُقَتِّلَنَا
مَعَا فَبَكَى الْحَجَّاجُ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَعَنْتُ الدَّهْرَ عَلَيْكُنَّ، وَلَا زِدْتُكُنَّ تَضَعْضُعَا.
وَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بِخَبَرِ الرَّجُلِ وَالْجَارِيَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْتَ، فَأَحْسِنْ صِلَتَهُ، وَتَفَقَّدِ الْجَارِيَةَ. فَفَعَلَ.
وَقَالَ عَاصِمُ ابْنُ بَهْدَلَةَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ يَقُولُ: اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، هَذَا وَاللَّهِ مَثْنَوِيَّةٌ، وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ لَيْسَ فِي مَثْنَوِيَّةٍ، وَاللَّهِ لَوْ أَمَرْتُكُمْ أَنْ تَخْرُجُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فَخَرَجْتُمْ مِنْ هَذَا حَلَّتْ لِي دِمَاؤُكُمْ، وَلَا أَجِدُ أَحَدًا يَقْرَأُ عَلَيَّ قِرَاءَةَ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ، يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ، إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَلَأَحُكَّنَّهَا مِنَ الْمُصْحَفِ وَلَوْ بِضِلَعِ
стр. 2031
خِنْزِيرٍ، قَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ عِنْدَ الْأَعْمَشِ. فَقَالَ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي لَأَقْرَأَنَّهَا عَلَى رَغْمِ أَنْفِكَ.
قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَوْ جَاءَتْ كُلُّ أَمَةٍ بِخَبِيثِهَا وَجِئْنَا بِالْحَجَّاجِ لَغَلَبْنَاهُمْ. قَالَ مَنْصُورٌ: سَأَلْنَا إِبْرَاهِيمَ الشُّجَاعِيَّ، عَنِ الْحَجَّاجِ فَقَالَ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] ؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ قَالَ لِلْحَجَّاجِ: مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَهُوَ عَارِفٌ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ، فَعِبْ نَفْسَكَ وَلَا تَخْبَأْ مِنْهَا شَيْئًا. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَا لَجُوجٌ حَقُودٌ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِذًا بَيْنَكَ وَبَيْنَ إِبْلِيسَ نَسَبٌ. فَقَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا رَآنِي سَالَمَنِي.
قَالَ الْحَسَنُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ائْتَمَنْتُهُمْ فَخَانُونِي، وَنَصَحْتُهُمْ فَغَشُّونِي، اللَّهُمَّ فَسَلِّطْ عَلَيْهِمْ غُلَامَ ثَقِيفٍ يَحْكُمُ فِي دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ بِحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ! فَوَصَفَهُ وَهُوَ يَقُولُ: الزَّيَّالُ، مُفَجِّرُ الْأَنْهَارِ، يَأْكُلُ خُضْرَتَهَا، وَيَلْبَسُ فَرْوَتَهَا. قَالَ الْحَسَنُ: هَذِهِ وَاللَّهِ صِفَةُ الْحَجَّاجِ.
قَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ: قَالَ عَلِيٌّ لِرَجُلٍ: لَا تَمُوتُ حَتَّى تُدْرِكَ فَتَى ثَقِيفٍ، قِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا فَتَى ثَقِيفٍ؟ قَالَ: لَيُقَالَنَّ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: اكْفِنَا زَاوِيَةً مِنْ زَوَايَا جَهَنَّمَ، رَجُلٌ يَمْلِكُ عِشْرِينَ أَوْ بِضْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، لَا يَدَعُ لِلَّهِ مَعْصِيَةً إِلَّا ارْتَكَبَهَا حَتَّى لَوْ لَمْ تَبْقَ إِلَّا مَعْصِيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بَابٌ مُغْلَقٌ لَكَسَرَهُ حَتَّى يَرْتَكِبَهَا، يَقْتُلُ بِمَنْ أَطَاعَهُ مَنْ عَصَاهُ.
وَقِيلَ: أُحْصِيَ مَنْ قَتَلَهُ الْحَجَّاجُ صَبْرًا فَكَانُوا مِائَةَ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا. وَقِيلَ: إِنِ الْحَجَّاجَ مَرَّ بِخَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ يَخْطُرُ فِي مِشْيَتِهِ، فَقَالَ رَجُلٌ لِخَالِدٍ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ خَالِدٌ؟ بَخٍ بَخٍ! هَذَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ. فَسَمِعَهَا الْحَجَّاجُ فَرَجَعَ وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا يَسُرُّنِي
стр. 2032
أَنَّ الْعَاصَ وَلَدَنِي، وَلَكِنِّي ابْنُ الْأَشْيَاخِ مِنْ ثَقِيفٍ وَالْعَقَائِلِ مِنْ قُرَيْشٍ، وَأَنَا الَّذِي ضَرَبْتُ بِسَيْفِي هَذَا مِائَةَ أَلْفٍ كُلُّهُمْ يَشْهَدُ أَنَّ أَبَاكَ كَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَيُضْمِرُ الْكُفْرَ. ثُمَّ وَلَّى وَهُوَ يَقُولُ: بَخٍ بَخٍ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ! فَهُوَ قَدِ اعْتَرَفَ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ بِمِائَةِ أَلْفِ قَتِيلٍ عَلَى ذَنْبٍ وَاحِدٍ.
ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بَعْدَ مَوْتِ الْحَجَّاجِ وَقَتْلِهِ
لَمَّا مَاتَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بِالْمُلْتَانِ، فَأَتَاهُ خَبَرُ وَفَاتِهِ، فَرَجَعَ إِلَى الرُّورِ وَالْبَغْرُورِ، وَكَانَ قَدْ فَتَحَهُمَا، فَأَعْطَى النَّاسَ، وَوَجَّهَ إِلَى الْبَيْلَمَانِ جَيْشًا، فَلَمْ يُقَاتِلُوا وَأَعْطَوُا الطَّاعَةَ، وَسَأَلَهُ أَهْلُ سُرَشْتَ، وَهِيَ مَغْزَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَأَهْلُهَا يَقْطَعُونَ فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ أَتَى مُحَمَّدٌ الْكَيْرَجَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ دَوْهَرُ فَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ دَوْهَرُ وَهَرَبَ، وَقِيلَ: بَلْ قُتِلَ، وَنَزَلَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَلَى حُكْمِ مُحَمَّدٍ فَقَتَلَ وَسَبَى، قَالَ الشَّاعِرُ:
نَحْنُ قَتَلْنَا ذَاهِرًا وَدَوْهَرَا ... وَالْخَيْلُ تَرْدِي مِنْسَرًا فَمِنْسَرَا
وَمَاتَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَوَلِيَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَوَلَّى يَزِيدَ بْنَ أَبِي كَبْشَةَ السَّكْسَكِيَّ السِّنْدَ، فَأَخَذَ مُحَمَّدًا وَقَيَّدَهُ وَحَمَلَهُ إِلَى الْعِرَاقِ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ مُتَمَثِّلًا:
أَضَاعُونِي وَأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا ... لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وَسِدَادِ ثَغْرِ
فَبَكَى أَهْلُ السِّنْدِ عَلَى مُحَمَّدٍ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْعِرَاقِ حَبَسَهُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِوَاسِطَ، فَقَالَ:
فَلَئِنْ ثَوَيْتُ بِوَاسِطٍ وَبِأَرْضِهَا ... رَهْنَ الْحَدِيدِ مُكَبَّلًا مَغْلُولَا
فَلَرُبَّ قَيْنَةِ فَارِسٍ قَدْ رُعْتُهَا ... وَلَرُبَّ قَرْنٍ قَدْ تَرَكْتُ قَتِيلَا
وَقَالَ:
стр. 2033
وَلَوْ كُنْتُ أَجْمَعْتُ الْفِرَارَ لَوُطِّئَتْ ... إِنَاثٌ أُعِدَّتْ لِلْوَغَى وَذُكُورُ
وَمَا دَخَلَتْ خَيْلُ السَّكَاسِكِ أَرْضَنَا ... وَلَا كَانَ مِنْ عَكٍّ عَلَيَّ أَمِيرُ
وَمَا كُنْتُ لِلْبُدِّ الْمَزُونِيِّ تَابِعًا ... فَيَا لَكَ دَهْرٌ بِالْكِرَامِ عَثُورُ
فَعَذَّبَهُ صَالِحٌ فِي رِجَالٍ مِنْ آلِ أَبِي عَقِيل حَتَّى قَتَلَهُ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ قَتْلَ آدَمَ أَخَا صَالِحٍ، وَكَانَ يَرَى رَأْيَ الْخَوَارِجِ، وَقَالَ حَمْزَةُ بْنُ بَيْضٍ الْحَنَفِيُّ يَرْثِي مُحَمَّدًا:
إِنَّ الْمُرُوءَةَ وَالسَّمَاحَةَ وَالنَّدَى ... لِمُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ
سَاسَ الْجُيُوشَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ حِجَّةً ... يَا قُرْبَ ذَلِكَ سُؤْدُدًا مِنْ مَوْلِدِ
وَقَالَ آخَرُ:
سَاسَ الرِّجَالَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ حِجَّةً ... وَلِدَاتُهُ إِذْ ذَاكَ فِي أَشْغَالِ
وَمَاتَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي كَبْشَةَ بَعْدَ قُدُومِهِ أَرْضَ السِّنْدِ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَاسْتَعْمَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى السِّنْدِ حَبِيبَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، فَقَدِمَهَا وَقَدْ رَجَعَ مُلُوكُ السِّنْدِ إِلَى مَمَالِكِهِمْ وَرَجَعَ جَيْشَبَهْ بْنُ ذَاهِرٍ إِلَى بِرْهَمْنَابَاذَ، فَنَزَلَ حَبِيبٌ عَلَى شَاطِئِ مِهْرَانَ، فَأَعْطَاهُ أَهْلُ الرُّورِ الطَّاعَةَ، وَحَارَبَ قَوْمًا فَظَفِرَ بِهِمْ.
ثُمَّ مَاتَ سُلَيْمَانُ وَاسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَكَتَبَ إِلَى الْمُلُوكِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَالطَّاعَةِ عَلَى أَنْ يُمَلِّكَهُمْ، وَلَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْهِمْ. فَأَسْلَمَ جَيْشَبَهْ وَالْمُلُوكُ، وَتَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْعَرَبِ.
وَكَانَ عَمْرُو بْنُ مُسْلِمٍ الْبَاهِلِيُّ عَامِلَ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ الثَّغْرِ، فَغَزَا بَعْضَ الْهِنْدِ
стр. 2034
فَظَفِرَ. ثُمَّ إِنَّ الْجُنَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَلِيَ السِّنْدَ أَيَّامَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَتَى الْجُنَيْدُ شَطَّ مِهْرَانَ فَمَنَعَهُ جَيْشَبَهْ بْنُ ذَاهِرٍ الْعُبُورَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَوَلَّانِي الرَّجُلُ الصَّالِحُ بِلَادِي وَلَسْتُ آمَنُكَ، فَأَعْطَاهُ رُهُنًا وَأَخَذَ مِنْهُ رُهُنًا عَلَى خَرَاجِ بِلَادِهِ، ثُمَّ تَرَادَّا وَكَفَرَ جَيْشَبَهْ وَحَارَبَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يُحَارِبْ وَلَكِنَّ الْجُنَيْدَ تَجَنَّى عَلَيْهِ، فَأَتَى الْهِنْدَ فَجَمَعَ جُمُوعًا، وَأَعَدَّ السُّفُنَ وَاسْتَعَدَّ لِلْحَرْبِ، فَسَارَ إِلَيْهِ الْجُنَيْدُ بِالسُّفُنِ، فَالْتَقَوْا فِي بَطِيحَةَ، فَأُخِذَ جَيْشَبَهْ أَسِيرًا، وَقَدْ جَنَحَتْ سَفِينَتُهُ، فَقَتَلَهُ الْجُنَيْدُ وَهَرَبَ صَصَّةُ بْنُ ذَاهِرٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَمْضِيَ إِلَى الْعِرَاقِ فَيَشْكُوَ غَدْرَ الْجُنَيْدِ، فَلَمْ يَزَلِ الْجُنَيْدُ يُؤْنِسُهُ حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ فَقَتَلَهُ.
وَغَزَا الْجُنَيْدُ الْكَيْرَجَ، وَكَانُوا قَدْ نَقَضُوا، فَاتَّخَذُوا كَبْشًا وَصَكَّ بِهَا سُورَ الْمَدِينَةِ، فَثَلَمَهُ وَدَخَلَهَا، فَقَتَلَ وَسَبَى، وَوَجَّهَ الْعُمَّالَ إِلَى الْمَرْمَذِ وَالْمَنْدَلِ وَدَهْنَجَ وَبُرُوَنْجَ. وَكَانَ الْجُنَيْدُ يَقُولُ: الْقَتْلُ فِي الْجَزَعِ أَكْبَرُ مِنْهُ فِي الصَّبْرِ. وَوَجَّهَ جَيْشًا إِلَى أَزِينَ فَأَغَارُوا عَلَيْهَا وَحَرَّقُوا رَبْضَهَا، وَفَتَحَ الْبَيْلَمَانَ، وَحَصَلَ عِنْدَهُ سِوَى مَا حَمَلَ أَرْبَعُونَ أَلْفَ أَلْفٍ وَحَمَلَ مِثْلَهَا، وَوَلَّى الْجُنَيْدُ تَمِيمَ بْنَ زَيْدٍ الْقَيْنِيَّ، فَضَعُفَ وَوَهَنَ، وَمَاتَ قَرِيبًا مِنَ الدَّيْبُلِ.
وَفِي أَيَّامِهِ خَرَجَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ بِلَادِ الْهِنْدِ وَرَفَضُوا مَرَاكِزَهُمْ، ثُمَّ وُلِّيَ الْحَكَمُ بْنُ عَوَّامٍ الْكَلْبِيُّ، وَقَدْ كَفَرَ أَهْلُ الْهِنْدِ إِلَّا أَهْلَ قَصَّةَ، فَبَنَى مَدِينَةً سَمَّاهَا الْمَحْفُوظَةَ، وَجَعَلَهَا مَأْوَى الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مَعَهُ عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ، وَكَانَ يُفَوِّضُ إِلَيْهِ عَظِيمَ الْأُمُورِ، فَأَغْزَاهُ مِنَ الْمَحْفُوظَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ وَقَدْ ظَفِرَ أَمَرَهُ فَبَنَى مَدِينَةً وَسَمَّاهَا الْمَنْصُورَةَ، فَهِيَ الَّتِي يَنْزِلُهَا الْأُمَرَاءُ، وَاسْتَخْلَصَ مَا كَانَ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْعَدُوُّ، وَرَضِيَ النَّاسُ بِوِلَايَتِهِ، وَكَانَ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ يَقُولُ: وَاعْجَبَا! وَلَّيْتُ فَتَى الْعَرَبِ، يَعْنِي تَمِيمًا، فَرُفِضَ وَتُرِكَ، وَوَلَّيْتُ
стр. 2035
أَبْخَلَ الْعَرَبِ فَرُضِيَ بِهِ. ثُمَّ قُتِلَ الْحَكَمُ، وَكَانَ الْعُمَّالُ يُقَاتِلُونَ الْعَدُوَّ، فَكَانُوا يَفْتَتِحُونَ نَاحِيَةً وَيَأْخُذُونَ مَا تَيَسَّرَ لَهُمْ لِضَعْفِ الدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ، إِلَى أَنْ جَاءَتِ الدَّوْلَةُ الْمُبَارَكَةُ الْعَبَّاسِيَّةُ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَيَّامَ الْمَأْمُونِ بَقِيَّةَ أَخْبَارِ السِّنْدِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الرُّومَ فَفَتَحَ هِرَقْلَةَ وَغَيْرَهَا.
وَفِيهَا فُتِحَ آخِرُ الْهِنْدِ إِلَّا الْكَيْرَجَ وَالْمَنْدَلَ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ افْتَتَحَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ قِنَّسْرِينَ. وَفِيهَا قُتِلَ الْوَضَّاحِيُّ بِأَرْضِ الرُّومِ وَنَحْوُ أَلْفِ رَجُلٍ مَعَهُ.
وَفِيهَا وُلِدَ الْمَنْصُورُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
وَكَانَ عُمَّالُ الْأَمْصَارِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ.
[الوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَلٍّ، وَكَانَ عُمُرُهُ مِائَةً وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَقِيلَ فِي مَوْتِهِ غَيْرُ ذَلِكَ.
следующие страницы →