← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

خِنْزِيرٍ، قَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ عِنْدَ الْأَعْمَشِ. فَقَالَ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي لَأَقْرَأَنَّهَا عَلَى رَغْمِ أَنْفِكَ. قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَوْ جَاءَتْ كُلُّ أَمَةٍ بِخَبِيثِهَا وَجِئْنَا بِالْحَجَّاجِ لَغَلَبْنَاهُمْ. قَالَ مَنْصُورٌ: سَأَلْنَا إِبْرَاهِيمَ الشُّجَاعِيَّ، عَنِ الْحَجَّاجِ فَقَالَ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] ؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ قَالَ لِلْحَجَّاجِ: مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَهُوَ عَارِفٌ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ، فَعِبْ نَفْسَكَ وَلَا تَخْبَأْ مِنْهَا شَيْئًا. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَا لَجُوجٌ حَقُودٌ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِذًا بَيْنَكَ وَبَيْنَ إِبْلِيسَ نَسَبٌ. فَقَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا رَآنِي سَالَمَنِي. قَالَ الْحَسَنُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ائْتَمَنْتُهُمْ فَخَانُونِي، وَنَصَحْتُهُمْ فَغَشُّونِي، اللَّهُمَّ فَسَلِّطْ عَلَيْهِمْ غُلَامَ ثَقِيفٍ يَحْكُمُ فِي دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ بِحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ! فَوَصَفَهُ وَهُوَ يَقُولُ: الزَّيَّالُ، مُفَجِّرُ الْأَنْهَارِ، يَأْكُلُ خُضْرَتَهَا، وَيَلْبَسُ فَرْوَتَهَا. قَالَ الْحَسَنُ: هَذِهِ وَاللَّهِ صِفَةُ الْحَجَّاجِ. قَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ: قَالَ عَلِيٌّ لِرَجُلٍ: لَا تَمُوتُ حَتَّى تُدْرِكَ فَتَى ثَقِيفٍ، قِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا فَتَى ثَقِيفٍ؟ قَالَ: لَيُقَالَنَّ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: اكْفِنَا زَاوِيَةً مِنْ زَوَايَا جَهَنَّمَ، رَجُلٌ يَمْلِكُ عِشْرِينَ أَوْ بِضْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، لَا يَدَعُ لِلَّهِ مَعْصِيَةً إِلَّا ارْتَكَبَهَا حَتَّى لَوْ لَمْ تَبْقَ إِلَّا مَعْصِيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بَابٌ مُغْلَقٌ لَكَسَرَهُ حَتَّى يَرْتَكِبَهَا، يَقْتُلُ بِمَنْ أَطَاعَهُ مَنْ عَصَاهُ. وَقِيلَ: أُحْصِيَ مَنْ قَتَلَهُ الْحَجَّاجُ صَبْرًا فَكَانُوا مِائَةَ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا. وَقِيلَ: إِنِ الْحَجَّاجَ مَرَّ بِخَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ يَخْطُرُ فِي مِشْيَتِهِ، فَقَالَ رَجُلٌ لِخَالِدٍ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ خَالِدٌ؟ بَخٍ بَخٍ! هَذَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ. فَسَمِعَهَا الْحَجَّاجُ فَرَجَعَ وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا يَسُرُّنِي

стр. 2032

أَنَّ الْعَاصَ وَلَدَنِي، وَلَكِنِّي ابْنُ الْأَشْيَاخِ مِنْ ثَقِيفٍ وَالْعَقَائِلِ مِنْ قُرَيْشٍ، وَأَنَا الَّذِي ضَرَبْتُ بِسَيْفِي هَذَا مِائَةَ أَلْفٍ كُلُّهُمْ يَشْهَدُ أَنَّ أَبَاكَ كَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَيُضْمِرُ الْكُفْرَ. ثُمَّ وَلَّى وَهُوَ يَقُولُ: بَخٍ بَخٍ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ! فَهُوَ قَدِ اعْتَرَفَ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ بِمِائَةِ أَلْفِ قَتِيلٍ عَلَى ذَنْبٍ وَاحِدٍ. ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بَعْدَ مَوْتِ الْحَجَّاجِ وَقَتْلِهِ لَمَّا مَاتَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بِالْمُلْتَانِ، فَأَتَاهُ خَبَرُ وَفَاتِهِ، فَرَجَعَ إِلَى الرُّورِ وَالْبَغْرُورِ، وَكَانَ قَدْ فَتَحَهُمَا، فَأَعْطَى النَّاسَ، وَوَجَّهَ إِلَى الْبَيْلَمَانِ جَيْشًا، فَلَمْ يُقَاتِلُوا وَأَعْطَوُا الطَّاعَةَ، وَسَأَلَهُ أَهْلُ سُرَشْتَ، وَهِيَ مَغْزَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَأَهْلُهَا يَقْطَعُونَ فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ أَتَى مُحَمَّدٌ الْكَيْرَجَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ دَوْهَرُ فَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ دَوْهَرُ وَهَرَبَ، وَقِيلَ: بَلْ قُتِلَ، وَنَزَلَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَلَى حُكْمِ مُحَمَّدٍ فَقَتَلَ وَسَبَى، قَالَ الشَّاعِرُ: نَحْنُ قَتَلْنَا ذَاهِرًا وَدَوْهَرَا ... وَالْخَيْلُ تَرْدِي مِنْسَرًا فَمِنْسَرَا وَمَاتَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَوَلِيَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَوَلَّى يَزِيدَ بْنَ أَبِي كَبْشَةَ السَّكْسَكِيَّ السِّنْدَ، فَأَخَذَ مُحَمَّدًا وَقَيَّدَهُ وَحَمَلَهُ إِلَى الْعِرَاقِ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ مُتَمَثِّلًا: أَضَاعُونِي وَأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا ... لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وَسِدَادِ ثَغْرِ فَبَكَى أَهْلُ السِّنْدِ عَلَى مُحَمَّدٍ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْعِرَاقِ حَبَسَهُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِوَاسِطَ، فَقَالَ: فَلَئِنْ ثَوَيْتُ بِوَاسِطٍ وَبِأَرْضِهَا ... رَهْنَ الْحَدِيدِ مُكَبَّلًا مَغْلُولَا فَلَرُبَّ قَيْنَةِ فَارِسٍ قَدْ رُعْتُهَا ... وَلَرُبَّ قَرْنٍ قَدْ تَرَكْتُ قَتِيلَا وَقَالَ:

стр. 2033

وَلَوْ كُنْتُ أَجْمَعْتُ الْفِرَارَ لَوُطِّئَتْ ... إِنَاثٌ أُعِدَّتْ لِلْوَغَى وَذُكُورُ وَمَا دَخَلَتْ خَيْلُ السَّكَاسِكِ أَرْضَنَا ... وَلَا كَانَ مِنْ عَكٍّ عَلَيَّ أَمِيرُ وَمَا كُنْتُ لِلْبُدِّ الْمَزُونِيِّ تَابِعًا ... فَيَا لَكَ دَهْرٌ بِالْكِرَامِ عَثُورُ فَعَذَّبَهُ صَالِحٌ فِي رِجَالٍ مِنْ آلِ أَبِي عَقِيل حَتَّى قَتَلَهُ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ قَتْلَ آدَمَ أَخَا صَالِحٍ، وَكَانَ يَرَى رَأْيَ الْخَوَارِجِ، وَقَالَ حَمْزَةُ بْنُ بَيْضٍ الْحَنَفِيُّ يَرْثِي مُحَمَّدًا: إِنَّ الْمُرُوءَةَ وَالسَّمَاحَةَ وَالنَّدَى ... لِمُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ سَاسَ الْجُيُوشَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ حِجَّةً ... يَا قُرْبَ ذَلِكَ سُؤْدُدًا مِنْ مَوْلِدِ وَقَالَ آخَرُ: سَاسَ الرِّجَالَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ حِجَّةً ... وَلِدَاتُهُ إِذْ ذَاكَ فِي أَشْغَالِ وَمَاتَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي كَبْشَةَ بَعْدَ قُدُومِهِ أَرْضَ السِّنْدِ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَاسْتَعْمَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى السِّنْدِ حَبِيبَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، فَقَدِمَهَا وَقَدْ رَجَعَ مُلُوكُ السِّنْدِ إِلَى مَمَالِكِهِمْ وَرَجَعَ جَيْشَبَهْ بْنُ ذَاهِرٍ إِلَى بِرْهَمْنَابَاذَ، فَنَزَلَ حَبِيبٌ عَلَى شَاطِئِ مِهْرَانَ، فَأَعْطَاهُ أَهْلُ الرُّورِ الطَّاعَةَ، وَحَارَبَ قَوْمًا فَظَفِرَ بِهِمْ. ثُمَّ مَاتَ سُلَيْمَانُ وَاسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَكَتَبَ إِلَى الْمُلُوكِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَالطَّاعَةِ عَلَى أَنْ يُمَلِّكَهُمْ، وَلَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْهِمْ. فَأَسْلَمَ جَيْشَبَهْ وَالْمُلُوكُ، وَتَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْعَرَبِ. وَكَانَ عَمْرُو بْنُ مُسْلِمٍ الْبَاهِلِيُّ عَامِلَ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ الثَّغْرِ، فَغَزَا بَعْضَ الْهِنْدِ

стр. 2034

فَظَفِرَ. ثُمَّ إِنَّ الْجُنَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَلِيَ السِّنْدَ أَيَّامَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَتَى الْجُنَيْدُ شَطَّ مِهْرَانَ فَمَنَعَهُ جَيْشَبَهْ بْنُ ذَاهِرٍ الْعُبُورَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَوَلَّانِي الرَّجُلُ الصَّالِحُ بِلَادِي وَلَسْتُ آمَنُكَ، فَأَعْطَاهُ رُهُنًا وَأَخَذَ مِنْهُ رُهُنًا عَلَى خَرَاجِ بِلَادِهِ، ثُمَّ تَرَادَّا وَكَفَرَ جَيْشَبَهْ وَحَارَبَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يُحَارِبْ وَلَكِنَّ الْجُنَيْدَ تَجَنَّى عَلَيْهِ، فَأَتَى الْهِنْدَ فَجَمَعَ جُمُوعًا، وَأَعَدَّ السُّفُنَ وَاسْتَعَدَّ لِلْحَرْبِ، فَسَارَ إِلَيْهِ الْجُنَيْدُ بِالسُّفُنِ، فَالْتَقَوْا فِي بَطِيحَةَ، فَأُخِذَ جَيْشَبَهْ أَسِيرًا، وَقَدْ جَنَحَتْ سَفِينَتُهُ، فَقَتَلَهُ الْجُنَيْدُ وَهَرَبَ صَصَّةُ بْنُ ذَاهِرٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَمْضِيَ إِلَى الْعِرَاقِ فَيَشْكُوَ غَدْرَ الْجُنَيْدِ، فَلَمْ يَزَلِ الْجُنَيْدُ يُؤْنِسُهُ حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ فَقَتَلَهُ. وَغَزَا الْجُنَيْدُ الْكَيْرَجَ، وَكَانُوا قَدْ نَقَضُوا، فَاتَّخَذُوا كَبْشًا وَصَكَّ بِهَا سُورَ الْمَدِينَةِ، فَثَلَمَهُ وَدَخَلَهَا، فَقَتَلَ وَسَبَى، وَوَجَّهَ الْعُمَّالَ إِلَى الْمَرْمَذِ وَالْمَنْدَلِ وَدَهْنَجَ وَبُرُوَنْجَ. وَكَانَ الْجُنَيْدُ يَقُولُ: الْقَتْلُ فِي الْجَزَعِ أَكْبَرُ مِنْهُ فِي الصَّبْرِ. وَوَجَّهَ جَيْشًا إِلَى أَزِينَ فَأَغَارُوا عَلَيْهَا وَحَرَّقُوا رَبْضَهَا، وَفَتَحَ الْبَيْلَمَانَ، وَحَصَلَ عِنْدَهُ سِوَى مَا حَمَلَ أَرْبَعُونَ أَلْفَ أَلْفٍ وَحَمَلَ مِثْلَهَا، وَوَلَّى الْجُنَيْدُ تَمِيمَ بْنَ زَيْدٍ الْقَيْنِيَّ، فَضَعُفَ وَوَهَنَ، وَمَاتَ قَرِيبًا مِنَ الدَّيْبُلِ. وَفِي أَيَّامِهِ خَرَجَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ بِلَادِ الْهِنْدِ وَرَفَضُوا مَرَاكِزَهُمْ، ثُمَّ وُلِّيَ الْحَكَمُ بْنُ عَوَّامٍ الْكَلْبِيُّ، وَقَدْ كَفَرَ أَهْلُ الْهِنْدِ إِلَّا أَهْلَ قَصَّةَ، فَبَنَى مَدِينَةً سَمَّاهَا الْمَحْفُوظَةَ، وَجَعَلَهَا مَأْوَى الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مَعَهُ عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ، وَكَانَ يُفَوِّضُ إِلَيْهِ عَظِيمَ الْأُمُورِ، فَأَغْزَاهُ مِنَ الْمَحْفُوظَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ وَقَدْ ظَفِرَ أَمَرَهُ فَبَنَى مَدِينَةً وَسَمَّاهَا الْمَنْصُورَةَ، فَهِيَ الَّتِي يَنْزِلُهَا الْأُمَرَاءُ، وَاسْتَخْلَصَ مَا كَانَ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْعَدُوُّ، وَرَضِيَ النَّاسُ بِوِلَايَتِهِ، وَكَانَ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ يَقُولُ: وَاعْجَبَا! وَلَّيْتُ فَتَى الْعَرَبِ، يَعْنِي تَمِيمًا، فَرُفِضَ وَتُرِكَ، وَوَلَّيْتُ

стр. 2035

أَبْخَلَ الْعَرَبِ فَرُضِيَ بِهِ. ثُمَّ قُتِلَ الْحَكَمُ، وَكَانَ الْعُمَّالُ يُقَاتِلُونَ الْعَدُوَّ، فَكَانُوا يَفْتَتِحُونَ نَاحِيَةً وَيَأْخُذُونَ مَا تَيَسَّرَ لَهُمْ لِضَعْفِ الدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ، إِلَى أَنْ جَاءَتِ الدَّوْلَةُ الْمُبَارَكَةُ الْعَبَّاسِيَّةُ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَيَّامَ الْمَأْمُونِ بَقِيَّةَ أَخْبَارِ السِّنْدِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الرُّومَ فَفَتَحَ هِرَقْلَةَ وَغَيْرَهَا. وَفِيهَا فُتِحَ آخِرُ الْهِنْدِ إِلَّا الْكَيْرَجَ وَالْمَنْدَلَ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ افْتَتَحَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ قِنَّسْرِينَ. وَفِيهَا قُتِلَ الْوَضَّاحِيُّ بِأَرْضِ الرُّومِ وَنَحْوُ أَلْفِ رَجُلٍ مَعَهُ. وَفِيهَا وُلِدَ الْمَنْصُورُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَكَانَ عُمَّالُ الْأَمْصَارِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ. [الوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَلٍّ، وَكَانَ عُمُرُهُ مِائَةً وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَقِيلَ فِي مَوْتِهِ غَيْرُ ذَلِكَ.

стр. 2036

وَفِيهَا مَاتَ سَعْدُ بْنُ إِيَاسٍ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ، وَلَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً. وَفِي إِمَارَةِ الْحَجَّاجِ مَاتَ سَفِينَةُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ . وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ. وَفِيهَا مَاتَ جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وَهُوَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَرْوَانَ مِنَ الرَّضَاعَةِ. وَفِي إِمَارَةِ الْحَجَّاجِ قُتِلَ أَبُو الْأَحْوَصِ عَوْفُ بْنُ مَالِكِ بْنِ نَضْلَةَ الْجُشَمِيُّ الْكُوفِيُّ، قَتَلَهُ الْخَوَارِجُ.

стр. 2037

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ] ٩٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ ذِكْرُ فَتَحِ قُتَيْبَةَ مَدِينَةَ كَاشْغَرَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا قُتَيْبَةُ كَاشْغَرَ، فَسَارَ وَحَمَلَ مَعَ النَّاسِ عِيَالَاتِهِمْ لِيَضَعَهُمْ بِسَمَرْقَنْدَ، فَلَمَّا عَبَرَ النَّهْرَ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى مَعْبَرِ النَّهْرِ لِيَمْنَعَ مَنْ يَرْجِعُ إِلَّا بِجَوَازٍ مِنْهُ، وَمَضَى إِلَى فَرْغَانَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى شِعْبِ عِصَامٍ مَنْ يُسَهِّلُ الطَّرِيقَ إِلَى كَاشْغَرَ، وَهِيَ أَدْنَى مَدَائِنِ الصِّينِ، وَبَعَثَ جَيْشًا مَعَ كَبِيرِ بْنِ فُلَانٍ إِلَى كَاشْغَرَ، فَغَنِمَ وَسَبَى سَبْيًا، فَخَتَمَ أَعْنَاقَهُمْ، وَأَوْغَلَ حَتَّى بَلَغَ قَرِيبَ الصِّينِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَلِكُ الصِّينِ: أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ رَجُلًا شَرِيفًا يُخْبِرُنِي عَنْكُمْ وَعَنْ دِينِكُمْ. فَانْتَخَبَ قُتَيْبَةُ عَشَرَةً لَهُمْ جَمَالٌ وَأَلْسُنٌ وَبَأْسٌ وَعَقْلٌ وَصَلَاحٌ، فَأَمَرَ لَهُمْ بِعُدَّةٍ حَسَنَةٍ وَمَتَاعٍ حَسَنٍ مِنَ الْخَزِّ وَالْوَشْيِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَخُيُولٍ حَسَنَةٍ، وَكَانَ مِنْهُمْ هُبَيْرَةُ بْنُ مُشَمْرَجٍ الْكِلَابِيُّ، فَقَالَ لَهُمْ: إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَيْهِ، فَأَعْلِمُوهُ أَنِّي قَدْ حَلَفْتُ أَنِّي لَا أَنْصَرِفُ حَتَّى أَطَأَ بِلَادَهُمْ، وَأَخْتِمَ مُلُوكَهُمْ وَأَجْبِيَ خَرَاجَهُمْ. فَسَارُوا وَعَلَيْهِمْ هُبَيْرَةُ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِمْ دَعَاهُمْ مَلِكُ الصِّينِ، فَلَبِسُوا ثِيَابًا بَيَاضًا تَحْتَهَا الْغَلَائِلُ، وَتَطَيَّبُوا وَلَبِسُوا النِّعَالَ وَالْأَرْدِيَةَ، وَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَعِنْدَهُ عُظَمَاءُ قَوْمِهِ، فَجَلَسُوا، فَلَمْ يُكَلِّمْهُمُ الْمَلِكُ وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ عِنْدَهُ، فَنَهَضُوا. فَقَالَ الْمَلِكُ لِمَنْ حَضَرَهُ: كَيْفَ رَأَيْتُمْ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالُوا: رَأَيْنَا قَوْمًا مَا هُمْ إِلَّا نِسَاءٌ، مَا بَقِيَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا انْتَشَرَ مَا عِنْدَهُ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ دَعَاهُمْ، فَلَبِسُوا الْوَشْيَ وَالْعَمَائِمَ الْخَزَّ وَالْمَطَارِفَ، وَغَدَوْا عَلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلُوا قِيلَ لَهُمْ: ارْجِعُوا، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: كَيْفَ رَأَيْتُمْ هَذِهِ الْهَيْئَةَ؟ قَالُوا: هَذِهِ أَشْبَهُ بِهَيْئَةِ الرِّجَالِ مِنْ تِلْكَ. فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ دَعَاهُمْ، فَشَدُّوا سِلَاحَهُمْ وَلَبِسُوا الْبَيْضَ وَالْمَغَافِرَ، وَأَخَذُوا السُّيُوفَ وَالرِّمَاحَ وَالْقِسِيَّ وَرَكِبُوا. فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ مَلِكُ الصِّينِ فَرَأَى مِثْلَ الْجَبَلِ، فَلَمَّا دَنَوْا رَكَزُوا رِمَاحَهُمْ وَأَقْبَلُوا مُشَمِّرِينَ، فَقِيلَ لَهُمْ: ارْجِعُوا، فَرَكِبُوا خُيُولَهُمْ وَأَخَذُوا رِمَاحَهُمْ وَدَفَعُوا خَيْلَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَتَطَارَدُونَ. فَقَالَ الْمَلِكُ لِأَصْحَابِهِ: كَيْفَ تَرَوْنَهُمْ؟ قَالُوا: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هَؤُلَاءِ.

стр. 2038

فَلَمَّا أَمْسَى بَعَثَ إِلَيْهِمْ: أَنِ ابْعَثُوا إِلَيَّ زَعِيمَكُمْ. فَبَعَثُوا إِلَيْهِ هُبَيْرَةُ بْنُ مُشَمْرَجٍ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ رَأَيْتُمْ عِظَمَ مُلْكِي وَأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مَنَعَكُمْ مِنِّي، وَأَنْتُمْ فِي يَدِي بِمَنْزِلَةِ الْبَيْضَةِ فِي كَفِّي، وَإِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ أَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ تَصْدُقُونِي قَتَلْتُكُمْ. قَالَ: سَلْ. قَالَ: لِمَ صَنَعْتُمْ بِزِيِّكُمُ الْأَوَّلِ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ وَالثَّالِثَ مَا صَنَعْتُمْ؟ قَالَ: أَمَّا زِيُّنَا الْيَوْمَ الْأَوَّلَ فَلِبَاسُنَا فِي أَهْلِنَا، وَأَمَّا الْيَوْمَ الثَّانِي فَزِيُّنَا إِذْ أَمِنَّا أُمَرَاءَنَا، وَأَمَّا الثَّالِثَ فَزِيُّنَا لِعَدِوِّنَا. قَالَ: مَا أَحْسَنَ مَا دَبَّرْتُمْ دَهْرَكُمْ، فَقُولُوا لِصَاحِبِكُمْ يَنْصَرِفُ، فَإِنِّي قَدْ عَرَفْتُ قِلَّةَ أَصْحَابِهِ، وَإِلَّا بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ مَنْ يُهْلِكُكُمْ. قَالَ: كَيْفَ يَكُونُ قَلِيلُ الْأَصْحَابِ مَنْ أَوَّلُ خَيْلِهِ فِي بِلَادِكَ وَآخِرُهَا فِي مَنَابِتِ الزَّيْتُونِ؟ وَأَمَّا تَخْوِيفُكَ إِيَّانَا بِالْقَتْلِ، فَإِنَّ لَنَا آجَالًا إِذَا حَضَرَتْ فَأَكْرَمُهَا الْقَتْلُ، وَلَسْنَا نَكْرَهُهُ وَلَا نَخَافُهُ، وَقَدْ حَلَفَ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ حَتَّى يَطَأَ أَرْضَكُمْ، وَيَخْتِمَ مُلُوكَكُمْ، وَيُعْطَى الْجِزْيَةَ. فَقَالَ: فَإِنَّا نُخْرِجُهُ مِنْ يَمِينِهِ وَنَبْعَثُ تُرَابَ أَرْضِنَا فَيَطَأَهُ، وَنَبْعَثُ إِلَيْهِ بِبَعْضِ أَبْنَائِنَا فَيَخْتِمَهُمْ، وَنَبْعَثُ إِلَيْهِ بِجِزْيَةٍ يَرْضَاهَا. فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ وَأَرْبَعَةِ غِلْمَانٍ مِنْ أَبْنَاءِ مُلُوكِهِمْ، ثُمَّ أَجَازَهُمْ فَأَحْسَنَ، فَقَدِمُوا عَلَى قُتَيْبَةَ، فَقَبِلَ قُتَيْبَةُ الْجِزْيَةَ، وَخَتَمَ الْغِلْمَانَ وَرَدَّهُمْ، وَوَطِئَ التُّرَابَ. فَقَالَ سَوَادَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ السَّلُولِيُّ: لَا عَيْبَ فِي الْوَفْدِ الَّذِينَ بَعَثْتَهُمْ ... لِلصِّينِ إِنْ سَلَكُوا طَرِيقَ الْمَنْهَجِ كَسَرُوا الْجُفُونَ عَلَى الْقَذَى خَوْفَ الرَّدَى حَاشَا الْكَرِيمَ هُبَيْرَةَ بْنَ مُشَمْرَجٍ ... أَدَّى رِسَالَتَكَ الَّتِي اسْتَرْعَيْتَهُ فَأَتَاكَ مِنْ حِنْثِ الْيَمِينِ بِمَخْرَجِ فَأَوْفَدَ قُتَيْبَةُ هُبَيْرَةَ إِلَى الْوَلِيدِ، فَمَاتَ بِقَرْيَةَ مِنْ فَارِسَ، فَرَثَاهُ سَوَادَةُ فَقَالَ: لِلَّهِ دَرُّ هُبَيْرَةَ بْنِ مُشَمْرَجِ ... مَاذَا تَضَمَّنَ مِنْ نَدًى وَجَمَالِ وَبَدِيهَةٍ يَعْيَا بِهَا أَبْنَاؤُهَا ... عِنْدَ احْتِفَالِ مَشَاهِدِ الْأَقْوَالِ كَانَ الرَّبِيعَ إِذَا السُّيُوفُ تَتَابَعَتْ ... وَاللَّيْثَ عِنْدَ تَكَعْكُعِ الْأَبْطَالِ

стр. 2039

فَسَقَى بِقَرْيَةَ حَيْثُ أَمْسَى قَبْرُهُ غُرٌّ يَرُحْنَ بِمُسْبِلٍ هَطَّالِ ... بَكَتِ الْجِيَادُ الصَّافِنَاتُ لِفَقْدِهِ وَبَكَاهُ كُلُّ مُثَقَّفٍ عَسَّالِ ... وَبَكَتْهُ شُعْثٌ لَمْ يَجِدْنَ مُوَاسِيًا فِي الْعَامِ ذِي السَّنَوَاتِ وَالْإِمْحَالِ وَوَصْلَ الْخَبَرُ إِلَى قُتَيْبَةَ فِي هَذِهِ الْغَزَاةِ بِمَوْتِ الْوَلِيدِ. وَكَانَ قُتَيْبَةُ إِذَا رَجَعَ مِنْ غَزَاتِهِ كُلَّ سَنَةٍ اشْتَرَى اثْنَيْ عَشَرَ فَرَسًا وَاثْنَيْ عَشَرَ هَجِينًا، فَتَحَدَّرَ إِلَى وَقْتِ الْغَزْوِ، فَإِذَا تَأَهَّبَ لِلْغَزْوِ ضَمَّرَهَا وَحَمَلَ عَلَيْهَا الطَّلَائِعَ، وَكَانَ يَجْعَلُ الطَّلَائِعَ فُرْسَانَ النَّاسِ وَأَشْرَافَهُمْ وَمَعَهُمْ مِنَ الْعَجَمِ مَنْ يَسْتَنْصِحُهُ، وَإِذَا بَعَثَ طَلِيعَةً أَمَرَ بِلَوْحٍ فَنُقِشَ، ثُمَّ شَقَّهُ بِنِصْفَيْنِ، وَجَعَلَ شِقَّةً عِنْدَهُ، وَيُعْطِي نِصْفَهُ الطَّلِيعَةَ، وَيَأْمُرُهُمْ أَنْ يَدْفِنُوهُ فِي مَوْضِعٍ يَصِفُهُ لَهُمْ مِنْ شَجَرَةٍ أَوْ مَخَاضَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، ثُمَّ يَبْعَثُ بَعْدَ الطَّلِيعَةِ مَنْ يَسْتَخْرِجُهُ لِيَعْلَمَ أَصْدَقَتِ الطَّلِيعَةُ أَمْ لَا. وَفِيهَا غَزَا بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ الشَّاتِيَةَ وَرَجَعَ وَقَدْ مَاتَ الْوَلِيدُ. ذِكْرُ مَوْتِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَفِي النِّصْفِ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي قَوْلِ جَمِيعِهِمْ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ تِسْعَ سِنِينَ وَسَبْعَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: تِسْعَ سِنِينَ وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِدَيْرِ مُرَّانَ، وَدُفِنَ خَارِجَ الْبَابِ الصَّغِيرِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكَانَ عُمُرُهُ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: كَانَ عُمُرُهُ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: سِتًّا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَأَشْهُرًا، وَقِيلَ: تِسْعًا وَأَرْبَعِينَ. وَخَلَّفَ تِسْعَةَ عَشَرَ ابْنًا، وَكَانَ دَمِيمًا يَتَبَخْتَرُ فِي مِشْيَتِهِ، وَكَانَ سَائِلَ الْأَنْفِ جِدًّا، فَقِيلَ فِيهِ:

стр. 2040

فَقَدْتُ الْوَلِيدَ وَأَنْفًا لَهُ ... كَمِثْلِ الْفَصِيلِ بَدَا أَنْ يَبُولَا وَلَمَّا دُلِّيَ فِي جِنَازَتِهِ جُمِعَتْ رُكْبَتَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، فَقَالَ ابْنُهُ: أَعَاشَ أَبِي؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكَانَ فِيمَنْ دَفَنَهُ: عُوجِلَ وَاللَّهِ أَبُوكَ! وَاتَّعَظَ بِهِ عُمَرُ. ذِكْرُ بَعْضِ سِيرَةِ الْوَلِيدِ وَكَانَ الْوَلِيدُ عِنْدَ أَهْلِ الشَّامِ مِنْ أَفْضَلِ خَلَائِفِهِمْ، بَنَى الْمَسَاجِدَ، مَسْجِدَ دِمَشْقَ، وَمَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، عَلَى سَاكِنِهَا السَّلَامُ، وَالْمَسْجِدَ الْأَقْصَى، وَوَضَعَ الْمَنَائِرَ، وَأَعْطَى الْمُجَذَّمِينَ، وَمَنَعَهُمْ مِنْ سُؤَالِ النَّاسِ، وَأَعْطَى كُلَّ مُقْعَدٍ خَادِمًا، وَكُلَّ ضَرِيرِ قَائِدًا، وَفَتَحَ فِي وِلَايَتِهِ فُتُوحًا عِظَامًا، مِنْهَا: الْأَنْدَلُسُ، وَكَاشْغَرَ، وَالْهِنْدَ. وَكَانَ يَمُرُّ بِالْبَقَّالِ فَيَقِفُ عَلَيْهِ وَيَأْخُذُ مِنْهُ حُزْمَةَ بَقْلٍ فَيَقُولُ: بِكَمْ هَذِهِ؟ فَيَقُولُ: بِفَلْسٍ. فَيَقُولُ: زِدْ فِيهَا. وَكَانَ صَاحِبَ بِنَاءٍ وَاتِّخَاذِ الْمَصَانِعِ وَالضَّيَاعِ، وَكَانَ النَّاسُ يَلْتَقُونَ فِي زَمَانِهِ فَيَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَنِ الْبِنَاءِ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ صَاحِبَ طَعَامٍ وَنِكَاحٍ، فَكَانَ النَّاسُ يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَنِ النِّكَاحِ وَالطَّعَامِ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ صَاحِبَ عِبَادَةٍ، وَكَانَ النَّاسُ يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَنِ الْخَيْرِ مَا وِرْدُكَ اللَّيْلَةَ؟ وَكَمْ تَحْفَظُ مِنَ الْقُرْآنِ؟ وَكَمْ تَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ؟ وَمَرِضَ الْوَلِيدُ مَرْضَةً قَبْلَ وَفَاتِهِ وَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَبَقِيَ يَوْمَهُ ذَلِكَ كَأَنَّهُ مَيِّتٌ، فَبَكَوْا عَلَيْهِ وَسَارَتِ الْبُرُدُ بِمَوْتِهِ، فَاسْتَرْجَعَ الْحَجَّاجُ وَشَدَّ فِي يَدِهِ حَبْلًا إِلَى أُسْطُوَانَةٍ وَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ مَنْ لَا رَحْمَةَ لَهُ، فَقَدْ طَالَ مَا سَأَلْتُكَ أَنْ تَجْعَلَ مَنِيَّتِي قَبْلَهُ! فَإِنَّهُ كَذَلِكَ يَدْعُو إِذْ قَدِمَ عَلَيْهِ الْبَرِيدُ بِإِفَاقَتِهِ. وَلَمَّا أَفَاقَ الْوَلِيدُ قَالَ: مَا أَحَدٌ أَشَدُّ سُرُورًا بِعَافِيَتِي مِنَ الْحَجَّاجِ، ثُمَّ لَمْ يَمُتْ حَتَّى ثَقُلَ الْحَجَّاجُ عَلَيْهِ. وَكَانَ الْوَلِيدُ أَرَادَ أَنْ يَخْلَعَ أَخَاهُ سُلَيْمَانَ وَيُبَايِعَ لِوَلَدِهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَأَبَى سُلَيْمَانُ،

стр. 2041

فَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ وَدَعَا النَّاسَ إِلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَّا الْحَجَّاجُ وَقُتَيْبَةُ وَخَوَاصٌّ مِنَ النَّاسِ، فَكَتَبَ الْوَلِيدُ إِلَى سُلَيْمَانَ يَأْمُرُهُ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ، فَأَبْطَأَ، فَعَزَمَ الْوَلِيدُ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَيْهِ لِيَخْلَعَهُ، وَأَخْرَجَ خِيَمَهُ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهِ. وَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدَ دِمَشْقَ كَانَ فِيهِ كَنِيسَةٌ، فَهَدَمَهَا وَبَنَاهَا مَسْجِدًا، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ شَكَوْا إِلَيْهِ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ: إِنَّ مَا كَانَ خَارِجَ الْمَدِينَةِ فُتِحَ عَنْوَةً، وَنَحْنُ نَرُدُّ عَلَيْكُمْ كَنِيسَتَكُمْ وَنَهْدِمُ كَنِيسَةَ تُومَا، فَإِنَّهَا فُتِحْتَ عَنْوَةً وَنَبْنِيهَا مَسْجِدًا. فَقَالُوا: بَلْ نَدَعُ لَكُمْ هَذَا وَدَعَوْا كَنِيسَةَ تُومَا. وَكَانَ الْوَلِيدُ لَحَّانًا لَا يُحْسِنُ النَّحْوَ، دَخَلَ عَلَيْهِ أَعْرَابِيٌّ فَمَتَّ إِلَيْهِ بِصِهْرٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَرَابَتِهِ، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ: مَنْ خَتَنَكَ؟ بِفَتْحِ النُّونِ، وَظَنَّ الْأَعْرَابِيُّ أَنَّهُ يُرِيدُ الْخِتَانَ، فَقَالَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ. فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: إِنَّمَا يُرِيدُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ خَتَنُكَ؟ وَضَمَّ النُّونَ. فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: نَعَمْ فُلَانٌ، وَذَكَرَ خَتْنَهُ. وَعَاتَبَهُ أَبُوهُ عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَلِي الْعَرَبَ إِلَّا مَنْ يُحْسِنُ كَلَامَهُمْ. فَجَمَعَ أَهْلَ النَّحْوِ، وَدَخَلَ بَيْتًا فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ خَرَجَ وَهُوَ أَجْهَلُ مِنْهُ يَوْمَ دَخَلَ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: قَدْ أَعْذَرَ. فَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ [كَانَ] يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي رَمَضَانَ كُلَّ يَوْمٍ خَتْمَةً، وَخَطَبَ يَوْمًا فَقَالَ: يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةُ، وَضَمَّ التَّاءَ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: عَلَيْكَ وَأَرَاحَتْنَا مِنْكَ. ذِكْرُ خِلَافَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَبَيْعَتِهِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بُويِعَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ الْوَلِيدُ وَهُوَ بِالرَّمْلَةِ. وَفِيهَا عَزَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عُثْمَانَ بْنَ حَيَّانَ عَنِ الْمَدِينَةِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ، وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَجْلِدَ أَبَا بَكْرٍ وَيَحْلِقَ لِحْيَتَهُ مِنَ الْغَدِ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ جَاءَ الْبَرِيدُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِتَأْمِيرِهِ وَعَزْلِ عُثْمَانَ وَحَدِّهِ، [وَأَنْ] يُقَيِّدَهُ.

стр. 2042

وَفِيهَا عَزَلَ سُلَيْمَانُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي مُسْلِمٍ عَنِ الْعِرَاقِ، وَاسْتَعْمَلَ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، وَجَعَلَ صَالِحَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى الْخَرَاجِ، وَأَمَرَهُ بِقَتْلِ بَنِي عَقِيلٍ وَبَسْطِ الْعَذَابِ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ أَهْلُ الْحَجَّاجِ، فَكَانَ يُعَذِّبُهُمْ وَيَلِي عَذَابَهُمْ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمُهَلَّبِ، وَكَانَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ قَدِ اسْتَعْمَلَ أَخَاهُ زِيَادًا عَلَى حَرْبِ عُثْمَانَ. ذِكْرُ مَقْتَلِ قُتَيْبَةَ قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ الْبَاهِلِيِّ بِخُرَاسَانَ. وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ أَرَادَ أَنْ يَنْزِعَ أَخَاهُ سُلَيْمَانَ مِنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ، وَيَجْعَلَ [بَدَلَهُ] ابْنَهُ عَبْدَ الْعَزِيزِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ الْحَجَّاجُ وَقُتَيْبَةُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. فَلَمَّا مَاتَ الْوَلِيدُ وَوَلِيَ سُلَيْمَانُ خَافَهُ قُتَيْبَةُ، وَخَافَ أَنْ يُوَلِّيَ سُلَيْمَانُ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ خُرَاسَانَ، فَكَتَبَ قُتَيْبَةُ إِلَى سُلَيْمَانَ كِتَابًا يُهَنِّئُهُ بِالْخِلَافَةِ وَيَذْكُرُ بَلَاءَهُ وَطَاعَتَهُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ وَالْوَلِيدِ، وَأَنَّهُ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَعْزِلْهُ عَنْ خُرَاسَانَ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا آخَرَ يُعْلِمْهُ فِيهِ فُتُوحَهُ وَنِكَايَتَهُ، وَعِظَمَ قَدْرِهِ عِنْدَ مُلُوكِ الْعَجَمِ وَهَيْبَتِهِ فِي صُدُورِهِمْ، وَعِظَمِ صَوْلَتِهِ فِيهِمْ، وَيَذُمُّ أَهْلَ الْمُهَلَّبِ، وَيَحْلِفُ بِاللَّهِ لَئِنِ اسْتَعْمَلَ يَزِيدَ عَلَى خُرَاسَانَ لَيَخْلَعَنَّهُ. وَكَتَبَ كِتَابًا ثَالِثًا فِيهِ خَلْعُهُ، وَبَعَثَ الْكُتُبَ مَعَ رَجُلٍ مِنْ بَاهِلَةَ، فَقَالَ لَهُ: ادْفَعِ الْكِتَابَ الْأَوَّلَ إِلَيْهِ، فَإِنَّ كَانَ يَزِيدُ حَاضِرًا فَقَرَأَهُ ثُمَّ أَلْقَاهُ إِلَى يَزِيدَ فَادْفَعْ إِلَيْهِ هَذَا الثَّانِي، فَإِنَّ قَرَأَهُ وَدَفَعَهُ إِلَى يَزِيدَ، فَادْفَعْ إِلَيْهِ هَذَا الثَّالِثَ، فَإِنْ قَرَأَ الْكِتَابَ الْأَوَّلَ وَلَمْ يَدْفَعْهُ إِلَى يَزِيدَ فَاحْبِسِ الْكِتَابَيْنِ الْآخَرَيْنِ. فَقَدِمَ رَسُولُ قُتَيْبَةَ عَلَى سُلَيْمَانَ وَعِنْدَهُ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ الْكِتَابَ، فَقَرَأَهُ وَأَلْقَاهُ إِلَى يَزِيدَ، فَدَفْعَ إِلَيْهِ الْكِتَابَ الْآخَرَ، فَقَرَأَهُ، وَأَلْقَاهُ إِلَى يَزِيدَ، فَأَعْطَاهُ الْكِتَابَ الثَّالِثَ، فَقَرَأَهُ، فَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَخَتَمَهُ وَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ. وَقِيلَ: كَانَ فِي الْكِتَابِ الثَّالِثِ: لَئِنْ لَمْ تُقِرَّنِي عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ وَتُؤَمِّنُنِي لَأَخْلَعَنَّكَ، وَلَأَمْلَأَنَّهَا عَلَيْكَ رِجَالًا وَخَيْلًا.

стр. 2043

ثُمَّ أَمَرَ سُلَيْمَانُ بِرَسُولِ قُتَيْبَةَ فَأُنْزِلَ، فَأَحْضَرَهُ لَيْلًا فَأَعْطَاهُ دَنَانِيرَ جَائِزَتَهُ، وَأَعْطَاهُ عَهْدَ قُتَيْبَةَ عَلَى خُرَاسَانَ، وَسَيَّرَ مَعَهُ رَسُولًا بِذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَا بِحُلْوَانَ بَلَغَهُمَا خَلْعُ قُتَيْبَةَ، فَرَجَعَ رَسُولُ سُلَيْمَانَ. وَكَانَ قُتَيْبَةُ لَمَّا هَمَّ بِخَلْعِ سُلَيْمَانَ اسْتَشَارَ إِخْوَتَهُ، فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: اقْطَعْ بَعْثًا فَوَجِّهْ فِيهِ كُلَّ مَنْ تَخَافُهُ، وَوَجِّهْ قَوْمًا إِلَى مَرْوَ، وَسِرْ حَتَّى تَنْزِلَ سَمَرْقَنْدَ، وَقُلْ لِمَنْ مَعَكَ: مَنْ أَحَبَّ الْمُقَامَ فَلَهُ الْمُوَاسَاةُ، وَمَنْ أَرَادَ الِانْصِرَافَ فَغَيْرُ مُسْتَكْرَهٍ، فَلَا يُقِيمُ عِنْدَكَ إِلَّا مُنَاصِحٌ، وَلَا يَخْتَلِفُ عَلَيْكَ أَحَدٌ. وَقَالَ لَهُ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ: اخْلَعْهُ مَكَانَكَ، فَلَا يَخْتَلِفُ عَلَيْكَ رَجُلَانِ. فَخَلَعَ سُلَيْمَانَ مَكَانَهُ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى خَلْعِهِ، وَذَكَرَ أَثَرَهُ فِيهِمْ وَسُوءَ أَثَرِ مَنْ تَقَدَّمَهُ، فَلَمْ يَجُبْهُ أَحَدٌ، فَغَضِبَ وَقَالَ: لَا أَعَزَّ اللَّهُ مَنْ نَصَرْتُمْ! ثُمَّ وَاللَّهِ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى عَنْزٍ مَا كَسَرْتُمْ قَرْنَهَا! يَا أَهْلَ السَّافِلَةِ، وَلَا أَقُولُ يَا أَهْلَ الْعَالِيَةِ، أَوْبَاشَ الصَّدَقَةِ (جَمَعْتُكُمْ كَمَا تُجْمَعُ إِبِلُ الصَّدَقَةِ) مِنْ كُلِّ أَوْبٍ! يَا مَعْشَرَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ! يَا أَهْلَ النَّفْخِ وَالْكَذِبِ وَالْبُخْلِ! بِأَيِّ يَوْمَيْكُمْ تَفْخَرُونَ؟ بِيَوْمِ حَرْبِكُمْ، أَوْ بِيَوْمِ سِلْمِكُمْ! يَا أَصْحَابَ مُسَيْلِمَةَ! يَا بَنِي ذَمِيمٍ، وَلَا أَقُولُ تَمِيمٍ! يَا أَهْلَ الْجَوْرِ وَالْقَصْفِ، كُنْتُمْ تُسَمَّوْنَ الْغَدْرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَيْسَانَ! يَا أَصْحَابَ سِجَاحَ! يَا مَعْشَرَ عَبْدِ الْقَيْسِ الْقُسَاةِ، تَبَدَّلْتُمْ بِتَأْبِيرِ النَّخْلِ أَعِنَّةَ الْخَيْلِ! يَا مَعْشَرَ الْأَزْدِ تَبَدَّلْتُمْ بِقُلُوسِ السُّفُنِ أَعِنَّةَ الْخَيْلِ! إِنَّ هَذَا بِدْعَةٌ فِي الْإِسْلَامِ، الْأَعْرَابُ وَمَا الْأَعْرَابُ! لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ! يَا كُنَاسَةَ الْمِصْرَيْنِ، جَمَعْتُكُمْ مِنْ مَنَابِتِ الشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ، تَرْكَبُونَ الْبَقَرَ وَالْحُمُرَ، فَلَمَّا جَمَعْتُكُمْ قُلْتُمْ كَيْتَ وَكَيْتَ! أَمَّا وَاللَّهِ إِنِّي لَابْنُ أَبِيهِ وَأَخُو

стр. 2044

أَخِيهِ! وَاللَّهِ لَأَعْصِبَنَّكُمْ عَصْبَ السَّلِمَةِ! إِنَّ حَوْلَ الصِّلِّيَانِ لَزَمْزَمَةٌ! يَا أَهْلَ خُرَاسَانَ أَتُدْرُونَ مَنْ وَلِيُّكُمْ؟ [وَلِيُّكُمْ] يَزِيدُ بْنُ ثَرْوَانَ. كَأَنِّي بِأَمِيرٍ جَاءَكُمْ فَغَلَبَكُمْ عَلَى فَيْئِكُمْ وَظِلَالِكُمْ! ارْمُوا غَرَضَكُمُ الْقَصِيَّ! حَتَّى مَتَى يَتَبَطَّحُ أَهْلُ الشَّامِ بِأَفْنِيَتِكُمْ! يَا أَهْلَ خُرَاسَانَ انْسُبُونِي تَجِدُونِي عِرَاقِيَّ الْأُمِّ وَالْمَوْلِدِ وَالرَّأْيِ وَالْهَوَى وَالدِّينِ، وَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِيمَا تَرَوْنَ مِنَ الْأَمْنِ وَالْعَافِيَةِ! قَدْ فَتَحَ اللَّهُ لَكُمُ الْبِلَادَ وَآمَنَ سُبُلَكُمْ، فَالظَّعِينَةُ تَخْرُجُ مِنْ مَرْوَ إِلَى بَلْخٍ بِغَيْرِ جَوَازٍ، فَاحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى الْعَافِيَةِ وَاسْأَلُوهُ الشُّكْرَ وَالْمَزِيدَ. ثُمَّ نَزَلَ فَدَخَلَ بَيْتَهُ، فَأَتَاهُ أَهْلُهُ وَقَالُوا: مَا رَأَيْنَاكَ كَالْيَوْمِ قَطُّ، وَلَامُوهُ. فَقَالَ: لَمَّا تَكَلَّمْتُ فَلَمْ يُجِبْنِي أَحَدٌ غَضِبْتُ فَلَمْ أَدْرِ مَا قُلْتُ. وَغَضِبَ النَّاسُ، وَكَرِهُوا خَلْعَ سُلَيْمَانَ، فَأَجْمَعُوا عَلَى خَلْعِ قُتَيْبَةَ وَخِلَافِهِ، وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ الْأَزْدَ، فَأَتَوْا حُضَيْنَ بْنَ الْمُنْذِرِ (بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ) ، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا قَدْ دَعَا إِلَى خَلْعِ الْخَلِيفَةِ، وَفِيهِ فَسَادُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَقَدْ شَتَمَنَا، فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ: إِنَّ مُضَرَ بِخُرَاسَانَ كَثِيرَةٌ، وَتَمِيمٌ أَكْثَرُهَا، وَهُمْ فُرْسَانُ خُرَاسَانَ، وَلَا يَرْضَوْنَ أَنْ يَصِيرَ الْأَمْرُ فِي غَيْرِ مُضَرَ، فَإِنْ أَخْرَجْتُمُوهُمْ مِنْهُ أَعَانُوا قُتَيْبَةَ. فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ وَقَالُوا: مَنْ تَرَى مِنْ تَمِيمٍ؟ قَالَ: لَا أَرَى غَيْرَ وَكِيعٍ. فَقَالَ حَيَّانُ النَّبَطِيُّ مَوْلَى بَنِي شَيْبَانَ: إِنَّ أَحَدًا لَا يَتَوَلَّى هَذَا غَيْرُ وَكِيعٍ، فَيَصْلَى بِحَرِّهِ، وَيَبْذُلُ دَمَهُ، وَيَتَعَرَّضُ لِلْقَتْلِ، فَإِنْ قَدِمَ أَمِيرٌ أَخَذَهُ بِمَا جَنَى، فَإِنَّهُ لَا يَنْظُرُ فِي عَاقِبَةٍ، وَلَهُ عَشِيرَةٌ تُطِيعُهُ، وَهُوَ مَوْتُورٌ يَطْلُبُ قُتَيْبَةَ بِرِيَاسَتِهِ الَّتِي صَرَفَهَا عَنْهُ، وَصَيَّرَهَا لِضِرَارِ بْنِ حُصَيْنٍ الضَّبِّيِّ، فَمَشَى النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ سِرًّا. وَقِيلَ لِقُتَيْبَةَ: لَيْسَ يُفْسِدُ أَمْرَ النَّاسِ إِلَّا حَيَّانَ، فَأَرَادَ أَنْ يَغْتَالَهُ، وَكَانَ حَيَّانُ يُلَاطِفُ

стр. 2045

خَدَمَ الْوُلَاةِ، فَدَعَا قُتَيْبَةُ رَجُلًا فَأَمَرَهُ بِقَتْلِ حَيَّانَ، وَسَمْعِ بَعْضُ الْخَدَمِ فَأَتَى حَيَّانَ فَأَخْبَرَهُ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُهُ يَدْعُوهُ تَمَارَضَ. وَأَتَى النَّاسُ وَكِيعًا وَسَأَلُوهُ أَنْ يَلِيَ أَمْرَهُمْ، فَفَعَلَ. وَبِخُرَاسَانَ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالْعَالِيَةِ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ تِسْعَةُ آلَافٍ، وَمَنْ بَكْرٍ سَبْعَةُ آلَافٍ، وَرَئِيسُهُمْ حُضَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ، وَمِنْ تَمِيمٍ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَعَلَيْهِمْ ضِرَارُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَعَبْدُ الْقَيْسِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَعَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُلْوَانَ، وَالْأَزْدُ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَعَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَوْذَانَ، وَمِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ سَبْعَةُ آلَافٍ، وَعَلَيْهِمْ جَهْمُ بْنُ زَحْرٍ، وَالْمَوَالِي سَبْعَةُ آلَافٍ، عَلَيْهِمْ حَيَّانُ، وَهُوَ مِنَ الدَّيْلَمِ، وَقِيلَ: مِنْ خُرَاسَانَ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ نَبَطِيٌّ لِلُكْنَتِهِ. فَأَرْسَلَ حَيَّانُ إِلَى وَكِيعٍ: إِنْ أَنَا كَفَفْتُ عَنْكَ وَأَعَنْتُكَ أَتَجْعَلُ لِي الْجَانِبَ الشَّرْقِيَّ مِنْ نَهْرِ بِلْخٍ [وَ] خَرَاجُهُ مَا دُمْتُ حَيًّا، وَمَا دُمْتُ أَمِيرًا؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ حَيَّانُ لِلْعَجَمِ: هَؤُلَاءِ يُقَاتِلُونَ عَلَى غَيْرِ دِينٍ، فَدَعُوهُمْ يَقْتُلْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. فَفَعَلُوا فَبَايَعُوا وَكِيعًا سِرًّا. وَقِيلَ لِقُتَيْبَةَ: إِنَّ النَّاسَ يُبَايِعُونَ وَكِيعًا. فَدَسَّ ضِرَارَ بْنَ سِنَانٍ الضَّبِّيَّ إِلَى وَكِيعٍ، فَبَايَعَهُ سِرًّا، فَظَهَرَ لِقُتَيْبَةَ أَمْرُهُ، فَأَرْسَلَ يَدَعُوهُ، فَوَجَدَهُ قَدْ طَلَى رِجْلَيْهِ بِمَغْرَةٍ، وَعَلَّقَ عَلَى رَأْسِهِ حِرْزًا، وَعِنْدَهُ رَجُلَانِ يَرْقِيَانِ رِجْلَهُ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: قَدْ تَرَى مَا بِرِجْلِي. فَرَجَعَ فَأَخْبَرَ قُتَيْبَةَ، فَأَعَادَهُ إِلَيْهِ يَقُولُ لَهُ: لَتَأْتِيَنِّي مَحْمُولًا. قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ. فَقَالَ قُتَيْبَةُ لِصَاحِبِ شُرْطَتِهِ: انْطَلِقْ إِلَى وَكِيعٍ فَأْتِنِي بِهِ، فَإِنْ أَبَى فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، وَوَجَّهَ مَعَهُ خَيْلًا، وَقِيلَ: أَرْسَلَ إِلَيْهِ شُعْبَةَ بْنَ ظُهَيْرٍ التَّمِيمِيَّ، فَقَالَ لَهُ وَكِيعٌ: يَا ابْنَ ظُهَيْرٍ، الْبَثْ قَلِيلًا تَلْحَقِ الْكَتَائِبَ. وَلَبِسَ سِلَاحَهُ وَنَادَى فِي النَّاسِ، فَأَتَوْهُ، وَرَكِبَ فَرَسَهُ وَخَرَجَ، فَتَلَقَّاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ بَنِي أَسَدٍ. قَالَ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: ضِرْغَامَةُ. قَالَ: ابْنُ مَنْ؟ قَالَ: ابْنُ لَيْثٍ، فَأَعْطَاهُ رَايَتَهُ، وَقِيلَ كَانَتْ مَعَ عُقْبَةَ بْنِ شِهَابٍ الْمَازِنِيِّ. وَأَتَاهُ النَّاسُ أَرْسَالًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ،، فَتَقَدَّمَ بِهِمْ وَهُوَ يَقُولُ: قَرْمٌ إِذَا حُمِّلَ مَكْرُوهَةً شَدَّ الشَّرَاسِيفَ لَهَا وَالْحَزِيمْ وَاجْتَمَعَ إِلَى قُتَيْبَةَ أَهْلُ بَيْتِهِ وَخَوَاصُّ أَصْحَابِهِ وَثِقَاتُهُ، مِنْهُمْ إِيَاسُ بْنُ بَيْهَسَ بْنِ

стр. 2046

عَمْرٍو، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ قُتَيْبَةَ، فَأَمَرَ قُتَيْبَةُ رَجُلًا فَنَادَى: أَيْنَ بَنُو عَامِرٍ؟ فَقَالَ لَهُ مُحَقِّرُ بْنُ جَزْءٍ الْعَلَائِيُّ، وَهُوَ قَيْسِيٌّ أَيْضًا، وَكَانَ قُتَيْبَةُ قَدْ جَفَاهُمْ: نَادِهِمْ حَيْثُ وَضَعْتَهُمْ. قَالَ قُتَيْبَةُ: نَادِ: أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ وَالرَّحِمَ. قَالَ مُحَقِّرٌ: أَنْتَ قَطَعْتَهَا. قَالَ: نَادِ: لَكُمُ الْعُتْبَى. قَالَ مُحَقِّرٌ: لَا أَقَالَنَا اللَّهُ إِذَنْ، فَقَالَ قُتَيْبَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: يَا نَفْسُ صَبْرًا عَلَى مَا كَانَ مِنْ أَلَمٍ ... إِذْ لَمْ أَجِدْ لِفُضُولِ الْعَيْشِ أَقْرَانَا وَدَعَا بِبِرْذَوْنٍ لَهُ مُدَرَّبٍ لِيَرْكَبَهُ، فَجَعَلَ يَمْنَعُهُ حَتَّى أَعْيَا. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَادَ إِلَى سَرِيرِهِ فَجَلَسَ عَلَيْهِ وَقَالَ: دَعُوهُ، إِنَّ هَذَا أَمْرٌ يُرَادُ. وَجَاءَ حَيَّانُ النَّبَطِيُّ فِي الْعَجَمِ وَقُتَيْبَةُ وَاجِدٌّ عَلَيْهِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَخُو قُتَيْبَةَ لَحَيَّانَ: احْمِلْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ حَيَّانُ: لَمْ يَأْنِ بَعْدُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: نَاوِلْنِي قَوْسِي. فَقَالَ حَيَّانُ: لَيْسَ هَذَا بِيَوْمِ قَوْسٍ. وَقَالَ حَيَّانُ لِابْنِهِ: إِذَا رَأَيْتَنِي قَدْ حَوَّلْتُ قَلَنْسُوَتِي وَمَضَيْتُ نَحْوَ عَسْكَرِ وَكِيعٍ، فَمِلْ بِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْعَجَمِ إِلَيَّ. فَلَمَّا حَوَّلَ حَيَّانُ قَلَنْسُوَتَهُ مَالَتِ الْأَعَاجِمُ إِلَى عَسْكَرِ وَكِيعٍ وَكَبَّرُوا. فَبَعَثَ قُتَيْبَةُ أَخَاهُ صَالِحًا إِلَى النَّاسِ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي ضَبَّةَ، وَقِيلَ: مِنْ بَلْعَمٍ، فَأَصَابَ رَأْسَهُ، فَحُمِلَ إِلَى قُتَيْبَةَ وَرَأْسُهُ مَائِلٌ، فَوُضِعَ فِي مُصَلَّاهُ، وَجَلَسَ قُتَيْبَةُ عِنْدَهُ سَاعَةً. وَتَهَايَجَ النَّاسُ، وَأَقْبَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَخُو قُتَيْبَةَ نَحْوَهُمْ، فَرَمَاهُ أَهْلُ السُّوقِ وَالْغَوْغَاءِ فَقَتَلُوهُ، وَأَحْرَقَ النَّاسُ مَوْضِعًا كَانَتْ فِيهِ إِبِلٌ لِقُتَيْبَةَ وَدَوَابِّهِ، وَدَنَوْا مِنْهُ. فَقَاتَلَ عَنْهُ رَجُلٌ مِنْ بَاهِلَةَ، فَقَالَ لَهُ قُتَيْبَةُ: انْجُ بِنَفْسِكَ. فَقَالَ: بِئْسَ مَا جَزَيْتُكَ إِذًا، وَقَدْ أَطْعَمْتَنِي الْجَرْدَقَ، وَأَلْبَسَتْنِي النَّرْمَقَ. وَجَاءَ النَّاسُ حَتَّى بَلَغُوا فُسْطَاطَهُ فَقَطَّعُوا أَطْنَابَهُ، وَجُرِحَ قُتَيْبَةُ جِرَاحَاتٍ كَثِيرَةٍ، فَقَالَ جَهْمُ بْنُ زَحْرِ بْنِ قَيْسٍ لِسَعْدٍ: انْزِلْ فَخُذْ رَأْسَهُ، فَنَزَلَ سَعْدٌ فَشَقَّ الْفُسْطَاطَ، وَاحْتَزَّ رَأْسَهُ، وَقُتِلَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ إِخْوَتِهِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَصَالِحٌ، وَحَصِينٌ،

стр. 2047

وَعَبْدُ الْكَرِيمِ، وَمُسْلِمٌ، وَقُتِلَ كَثِيرٌ ابْنُهُ، وَقِيلَ: قُتِلَ عَبْدُ الْكَرِيمِ بِقَزْوِينَ. وَكَانَ عِدَّةُ مَنْ قُتِلَ مَعَ قُتَيْبَةَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا، وَنَجَا عُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ أَخُو قُتَيْبَةَ، نَجَّاهُ أَخْوَالُهُ. وَكَانَتْ أُمُّهُ الْغَبْرَاءَ بِنْتَ ضِرَارِ بْنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ الْقَيْسِيَّةَ. فَلَمَّا قُتِلَ قُتَيْبَةُ صَعِدَ وَكِيعٌ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: مَثَلِي وَمَثَلُ قُتَيْبَةَ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ: مَنْ يَنِكِ الْعِيرَ يَنِكْ نَيَّاكَا أَرَادَ قُتَيْبَةُ قَتْلِي وَأَنَا قَتَّالٌ قَدْ جَرَّبُونِي ثُمَّ جَرَّبُونِي ... مِنْ غَلْوَتَيْنِ وَمِنَ الْمِئَيْنِ حَتَّى إِذَا شِبْتُ وَشَيَّبُونِي ... خَلَّوْا عَنَانِي وَتَنَكَّبُونِي أَنَا أَبُو مُطَرِّفٍ! ثُمَّ قَالَ: أَنَا ابْنُ خِنْدِفَ تَنْمِينِي قَبَائِلُهَا ... بِالصَّالِحَاتِ وَعَمِّي قَيْسُ عَيْلَانَا ثُمَّ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ فَقَالَ: شَيْخٌ إِذَا حُمِّلَ مَكْرُوهَةً ... شَدَّ الشَّرَاسِيفَ لَهَا وَالْحَزِيمْ وَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّ ثُمَّ لَأَقْتُلَنَّ! وَلَأُصَلِّبَنَّ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّ! إِنَّ مَرْزُبَانَكُمْ هَذَا ابْنَ الزَّانِيَةِ قَدْ أَغْلَى أَسْعَارَكُمْ! وَاللَّهِ لَيَصِيرَنَّ الْقَفِيزُ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ أَوْ لَأُصَلَّبَنَّهُ! صَلُّوا عَلَى نَبِيِّكُمْ. ثُمَّ نَزَلَ، وَطَلَبَ وَكِيعٌ رَأْسَ قُتَيْبَةَ وَخَاتَمَهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ الْأَزْدَ أَخَذَتْهُ. فَخَرَجَ وَكِيعٌ مُشْهِرًا وَقَالَ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، لَا أَبْرَحُ حَتَّى أُوتَى بِالرَّأْسِ، أَوْ يَذْهَبَ رَأْسِي مَعَهُ. فَقَالَ لَهُ حُضَيْنٌ: اسْكُنْ يَا أَبَا مُطَرِّفٍ فَإِنَّكَ تُؤْتَى بِهِ. وَذَهَبَ حُضَيْنٌ إِلَى الْأَزْدِ، وَهُوَ سَيِّدُهُمْ، فَأَمَرَهُمْ بِتَسْلِيمِ الرَّأْسِ إِلَى وَكِيعٍ، فَسَلَّمُوهُ إِلَيْهِ، فَسَيَّرَهُ إِلَى سُلَيْمَانَ مَعَ نَفَرٍ لَيْسَ فِيهِمْ تَمِيمِيٌّ، وَوَفَى وَكِيعٌ لَحَيَّانَ النَّبَطِيِّ بِمَا كَانَ ضَمِنَ لَهُ. فَلَمَّا أُتِيَ سُلَيْمَانُ بِرَأْسِ قُتَيْبَةَ وَرُءُوسِ أَهْلِهِ كَانَ عِنْدَهُ الْهُذَيْلُ بْنُ زُفَرَ بْنَ الْحَارِثِ،

стр. 2048

فَقَالَ لَهُ: هَلْ سَاءَكَ هَذَا يَا هُذَيْلُ؟ فَقَالَ: لَوْ سَاءَنِي لَسَاءَ قَوْمًا كَثِيرًا. فَقَالَ سُلَيْمَانُ: مَا أَرَدْتُ هَذَا كُلَّهُ. وَإِنَّمَا قَالَ سُلَيْمَانُ هَذَا لِلْهُذَيْلِ ; لِأَنَّهُ هُوَ وَقُتَيْبَةُ مِنْ قَيْسِ عَيْلَانَ، ثُمَّ أَمَرَ بِالرِّءُوسِ فَدُفِنَتْ، وَلَمَّا قُتِلَ قُتَيْبَةُ قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ قَتَلْتُمْ قُتَيْبَةَ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ مِنَّا فَمَاتَ لَجَعَلْنَاهُ فِي تَابُوتٍ، فَكُنَّا نَسْتَسْقِي بِهِ وَنَسْتَفْتِحُ بِهِ إِذَا غَزَوْنَا، وَمَا صَنَعَ أَحَدٌ بِخُرَاسَانَ قَطُّ مَا صَنَعَ قُتَيْبَةُ، إِلَّا أَنَّهُ غَدَرَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ كَتَبَ إِلَيْهِ: أَنِ اخْتَلْهُمْ وَاقْتُلْهُمْ لِلَّهِ. وَقَالَ الْإِصْبَهْبَذُ: قَتَلْتُمْ قُتَيْبَةَ وَيَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ وَهُمَا سَيِّدَا الْعَرَبِ. قِيلَ لَهُ أَيُّهُمَا كَانَ أَعَظَمُ عِنْدَكُمْ وَأَهْيَبُ؟ قَالَ: لَوْ كَانَ قُتَيْبَةُ بِأَقْصَى جُحْرٍ فِي الْغَرْبِ مُكَبَّلًا وَيَزِيدُ مَعَنَا فِي بِلَادِنَا وَالٍ عَلَيْنَا، لَكَانَ قُتَيْبَةُ أَهْيَبَ فِي صُدُورِنَا وَأَعْظَمَ مِنْ يَزِيدَ. وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ فِي ذَلِكَ: أَتَانِي وَرَحْلِي فِي الْمَدِينَةِ وَقْعَةٌ ... لِآلِ تَمِيمٍ أَقْعَدَتْ كُلَّ قَائِمِ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُمَانَةَ الْبَاهِلِيُّ يَرْثِي قُتَيْبَةَ: كَأَنَّ أَبَا حَفْصٍ قُتَيْبَةَ لَمْ يَسِرْ ... بِجَيْشٍ إِلَى جَيْشٍ وَلَمْ يَعْلُ مِنْبَرَا وَلَمْ تَخْفُقِ الرَّايَاتُ وَالْجَيْشُ حَوْلَهُ ... وُقُوفٌ وَلَمْ يَشْهَدْ لَهُ النَّاسُ عَسْكَرَا دَعَتْهُ الْمَنَايَا فَاسْتَجَابَ لِرَبِّهِ ... وَرَاحَ إِلَى الْجَنَّاتِ عَفًّا مُطَهَّرَا فَمَا رُزِئَ الْإِسْلَامُ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ... بِمِثْلِ أَبِي حَفْصٍ فَبَكِّيهِ عَبْهَرَا وَعَبْهَرُ: أَمْ وَلَدٍ لَهُ. قِيلَ: وَقَالَ شُيُوخٌ مِنْ غَسَّانَ: كُنَّا بِثَنِيَّةِ الْعُقَابِ، إِذَا نَحْنُ بَرْجُلٍ مَعَهُ عَصًا وَجِرَابٌ، قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قَالَ: مِنْ خُرَاسَانَ. قُلْنَا: هَلْ كَانَ بِهَا مِنْ خَبَرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُتِلَ بِهَا قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ أَمْسِ. فَعَجِبْنَا لِقَوْلِهِ، فَلَمَّا رَأَى إِنْكَارَنَا قَالَ: أَيْنَ

стр. 2049

يَرَوْنِي اللَّيْلَةَ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ؟ وَتَرَكَنَا وَمَضَى، فَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى خُيُولِنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْبِقُ الطَّرْفَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ قُرَّةُ بْنُ شَرِيكٍ الْعَبْسِيُّ أَمِيرُ مِصْرَ فِي صَفَرٍ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ فِي الشَّهْرِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ الْحَجَّاجُ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ. وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ (بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ السِّينِ) . وَعَلَى حَرْبِ الْعِرَاقِ وَصَلَاتِهَا: يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ. وَعَلَى خَرَاجِهَا: صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَعَلَى الْبَصْرَةِ: سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنْدِيُّ مِنْ قِبَلِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ. وَعَلَى قَضَائِهَا: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُذَيْنَةَ. وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُوسَى. وَعَلَى حَرْبِ خُرَاسَانَ وَكِيعُ بْنُ أَبِي سُودٍ. [الوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي، وَقِيلَ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ، وَلَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةٌ. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ.

стр. 2050

وَمَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَلَهُ صُحْبَةٌ. وَفِي وِلَايَةِ الْوَلِيدِ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَيْرِيزٍ، قِيلَ لَهُ صُحْبَةٌ. وَأَبُو سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ، كَانَ يَسْكُنُ الْمَقَابِرَ فَنُسِبَ إِلَيْهَا. وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ الْفَقِيهُ. وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَلَهُ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فِي أَيَّامِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَعَبَّاسُ بْنُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ.

стр. 2051

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ] ٩٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ ذِكْرُ مَقْتَلِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّ أَبَاهُ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْأَنْدَلُسِ، كَمَا ذَكَرْنَا، عِنْدَ عَوْدِهِ إِلَى الشَّامِ، فَضَبَطَهَا وَسَدَّدَ أُمُورَهَا، وَحَمَى ثُغُورَهَا، وَافْتَتَحَ فِي إِمَارَتِهِ مَدَائِنَ بَقِيَتْ بَعْدَ أَبِيهِ، وَكَانَ خَيِّرًا فَاضِلًا، وَتَزَوَّجَ امْرَأَةَ رُذَرِيقَ، فَحَظِيَتْ عِنْدَهُ وَغَلَبَتْ عَلَيْهِ، فَحَمَلَتْهُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَصْحَابَهُ وَرَعِيَّتَهُ بِالسُّجُودِ لَهُ إِذَا دَخَلُوا عَلَيْهِ كَمَا كَانَ يُفْعَلُ لِزَوْجِهَا رُذَرِيقَ. فَقَالَ لَهَا: إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي دِينِنَا. فَلَمْ تَزَلْ بِهِ حَتَّى أَمَرَ فَفُتِحَ بَابٌ قَصِيرٌ لِمَجْلِسِهِ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ فِيهِ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا دَخَلَ مِنْهُ طَأْطَأَ رَأْسَهُ فَيَصِيرُ كَالرَّاكِعِ، فَرَضِيَتْ بِهِ، فَصَارَ كَالسُّجُودِ عِنْدَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: الْآنَ لَحِقْتَ بِالْمُلُوكِ، وَبَقِيَ أَنْ أَعْمَلَ لَكَ تَاجًا مِمَّا عِنْدِي مِنَ الذَّهَبِ وَاللُّؤْلُؤِ، فَأَبَى، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ حَتَّى فَعَلَ. فَانْكَشَفَ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَقِيلَ: تَنَصَّرَ، وَفَطِنُوا لِلْبَابِ، فَثَارُوا عَلَيْهِ، فَقَتَلُوهُ فِي آخِرِ سَنَةِ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ. وَقِيلَ: إِنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بَعْثَ إِلَى الْجُنْدِ فِي قَتْلِهِ عِنْدَ سُخْطِهِ عَلَى وَالِدِهِ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمِحْرَابِ، فَصَلَّى الصُّبْحَ وَقَدْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةَ الْوَاقِعَةِ، فَضَرَبُوهُ بِالسُّيُوفِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، وَأَخَذُوا رَأْسَهُ فَسَيَّرُوهُ إِلَى سُلَيْمَانَ، فَعَرَضَهُ سُلَيْمَانُ عَلَى أَبِيهِ، فَتَجَلَّدَ لِلْمُصِيبَةِ، وَقَالَ: هَنِيئًا لَهُ بِالشَّهَادَةِ، فَقَدْ قَتَلْتُمُوهُ وَاللَّهِ صَوَّامًا قَوَّامًا. وَكَانُوا يَعُدُّونَهَا مِنْ زَلَّاتِ سُلَيْمَانَ. وَكَانَ قَتْلُهُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ فِي آخِرِهَا. ثُمَّ إِنْ سُلَيْمَانَ وَلَّى الْأَنْدَلُسَ الْحُرَّ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الثَّقَفِيَّ، فَأَقَامَ وَالِيًا عَلَيْهَا إِلَى أَنِ

стр. 2052

اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَعَزَلَهُ، هَذَا آخِرُ مَا أَرَدْنَا ذِكْرَهُ مِنْ قَتْلِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِصَارِ. وَفِيهَا عَزَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ عَنْ إِفْرِيقِيَّةَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مُحَمَّدَ بْنَ يَزِيدَ الْقُرَشِيَّ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَ سُلَيْمَانُ فَعُزِلَ، فَاسْتَعْمَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَكَانَهُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ سَنَةَ مِائَةٍ، وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ، فَأَسْلَمَ الْبَرْبَرُ فِي أَيَّامِهِ جَمِيعُهُمْ. ذِكْرُ وِلَايَةِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ خُرَاسَانَ وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ لَمَّا وَلَّى يَزِيدَ الْعِرَاقَ فَوَّضَ إِلَيْهِ حَرْبَهَا وَالصَّلَاةَ بِهَا وَخَرَاجَهَا، فَنَظَرَ يَزِيدُ لِنَفْسِهِ، وَقَالَ: إِنَّ الْعِرَاقَ قَدْ أَخْرَبَهَا الْحَجَّاجُ، وَأَنَا الْيَوْمَ رَجُلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَمَتَى قَدِمْتُهَا وَأَخَذْتُ النَّاسَ بِالْخَرَاجِ وَعَذَّبْتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ صِرْتُ مِثْلَ الْحَجَّاجِ، وَأَعَدْتُ عَلَيْهِمُ السُّجُونَ، وَمَا عَافَاهُمُ اللَّهُ مِنْهُ، وَمَتَى لَمْ آتِ سُلَيْمَانَ بِمِثْلِ مَا كَانَ الْحَجَّاجُ أَتَى بِهِ لَمْ يَقْبَلْ مِنِّي. فَأَتَى يَزِيدُ سُلَيْمَانَ وَقَالَ: أَدُلُّكَ عَلَى رَجُلٍ بَصِيرٍ بِالْخَرَاجِ تَوَلِّيهِ إِيَّاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى [بَنِي] تَمِيمٍ، فَوَلَّاهُ الْخَرَاجَ وَسَيَّرَهُ قَبْلَ يَزِيدَ، فَنَزَلَ وَاسِطًا، وَأَقْبَلَ يَزِيدُ، فَخَرَجَ النَّاسُ يَتَلَقَّوْنَهُ، وَلَمْ يَخْرُجْ صَالِحٌ حَتَّى قَرُبَ يَزِيدُ، فَخَرَجَ صَالِحٌ فِي الدُّرَّاعَةِ، بَيْنَ يَدَيْهِ أَرْبَعُمِائَةٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَلَقِيَ يَزِيدَ وَسَايَرَهُ، فَنَزَلَ يَزِيدُ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ صَالِحٌ فَلَمْ يُمَكِّنْهُ مِنْ شَيْءٍ، وَاتَّخَذَ [يَزِيدُ] أَلْفَ خِوَانٍ يُطْعِمُ النَّاسَ عَلَيْهَا، فَأَخَذَهَا صَالِحٌ، فَقَالَ يَزِيدُ: اكْتُبْ ثَمَنَهَا عَلَيَّ. وَاشْتَرَى يَزِيدُ مَتَاعًا وَكَتَبَ صَكًّا بِثَمَنِهِ إِلَى صَالِحٍ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ وَقَالَ لِيَزِيدَ: إِنَّ الْخَرَاجَ لَا يَقُومُ بِمَا تُرِيدُ وَلَا يَرْضَى بِهَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَتُؤْخَذُ بِهِ. فَضَاحَكَهُ يَزِيدُ، وَقَالَ: أَجْرِ هَذَا الْمَالَ هَذِهِ الْمَرَّةَ وَلَا أَعُودُ. فَفَعَلَ صَالِحٌ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ لَمْ يَجْعَلْ خُرَاسَانَ إِلَى يَزِيدَ، فَضَجِرَ يَزِيدُ مِنَ الْعِرَاقِ لِتَضْيِيقِ صَالِحٍ عَلَيْهِ، فَدَعَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْأَهْتَمِ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أُرِيدُكَ لِأَمْرٍ قَدْ أَهَمَّنِي فَأُحِبُّ أَنْ تَكْفِيَنِيهِ. قَالَ: أَفْعَلُ. قَالَ: أَنَا فِيمَا تَرَى مِنَ الضِّيقِ وَقَدْ ضَجِرْتُ مِنْهُ، وَخُرَاسَانُ شَاغِرَةٌ بِرَجُلِهَا فَهَلْ

стр. 2053

مِنْ حِيلَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَرِّحْنِي إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: فَاكْتُمْ مَا أَخْبَرْتُكَ. وَكَتَبَ إِلَى سُلَيْمَانَ يُخْبِرُهُ بِحَالِ الْعِرَاقِ، وَأَثْنَى عَلَى ابْنِ الْأَهْتَمِ، وَذَكَرَ عِلْمَهُ بِهَا، وَسَيَّرَ ابْنَ الْأَهْتَمِ عَلَى الْبَرِيدِ. فَأَتَى سُلَيْمَانَ وَاجْتَمَعَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: إِنْ يَزِيدَ كَتَبَ إِلَيَّ يَذْكُرُ عِلْمَكَ بِالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ، فَكَيْفَ عِلْمُكَ بِهَا؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَا، بِهَا وُلِدْتُ وَبِهَا نَشَأَتْ، وَلِي بِهَا وَبِأَهْلِهَا خَبَرٌ وَعِلْمٌ. قَالَ: فَأَشِرْ عَلَيَّ بِرَجُلٍ أُوَلِّيهِ خُرَاسَانَ. قَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَعْلَمُ بِمَنْ يُرِيدُ، فَإِنْ ذَكَرَ مِنْهُمْ أَحَدًا أَخْبَرْتُهُ بِرَأْيِي فِيهِ. فَسَمَّى رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: لَيْسَ مِنْ رِجَالِ خُرَاسَانَ. قَالَ: فَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمُهَلَّبِ. قَالَ: لَا يَصْلُحُ فَإِنَّهُ يَصْبُوَا عَنْ هَذَا، فَلَيْسَ لَهُ مَكْرُ أَبِيهِ، وَلَا شَجَاعَةُ أَخِيهِ. حَتَّى عَدَّدَ رِجَالًا، وَكَانَ آخِرُ مَنْ ذَكَرَ وَكِيعُ بْنُ أَبِي سُودٍ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَكِيعٌ رَجُلٌ شُجَاعٌ صَارِمٌ رَئِيسٌ مِقْدَامٌ، وَمَا أَحَدٌ أَوْجَبُ شُكْرًا وَلَا أَعْظَمُ عِنْدِي يَدًا مِنْ وَكِيعٍ، لَقَدْ أَدْرَكَ بِثَأْرِي وَشَفَانِي مِنْ عَدُوِّي، وَلَكِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَعْظَمُ حَقًّا وَالنَّصِيحَةُ لَهُ تَلْزَمُنِي، إِنَّ وَكِيعًا لَمْ تَجْتَمِعْ لَهُ مِائَةُ عِنَانٍ قَطُّ إِلَّا حَدَّثَ نَفْسَهُ بِغَدْرَةٍ، خَامِلٌ فِي الْجَمَاعَةِ ثَابِتٌ فِي الْفِتْنَةِ، قَالَ: مَا هُوَ مِمَّنْ تَسْتَعِينُ بِهِ، فَمَنْ لَهَا وَيْحَكَ؟ قَالَ: رَجُلٌ أَعْلَمُهُ لَمْ يُسِمِّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: فَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: لَا أَذْكُرُهُ حَتَّى يَضْمَنَ لِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ سَتْرَ ذَلِكَ، وَأَنْ يُجِيرَنِي مِنْهُ إِنْ عَلِمَ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ. قَالَ: الْعِرَاقُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ خُرَاسَانَ. قَالَ ابْنُ الْأَهْتَمِ: قَدْ عَلِمْتُ وَلَكِنْ تُكْرِهُهُ فَيَسْتَخْلِفُ عَلَى الْعِرَاقِ وَيَسِيرُ. قَالَ: أَصَبْتَ الرَّأْيَ. فَكَتَبَ عَهْدَ يَزِيدَ عَلَى خُرَاسَانَ، وَسَيَّرَهُ مَعَ ابْنِ الْأَهْتَمِ، فَأَتَى يَزِيدَ بِهِ، فَأَمَرَهُ بِالْجِهَازِ لِلْمَسِيرِ سَاعَتَهُ، وَقَدَّمَ ابْنَهُ مَخْلَدًا إِلَى خُرَاسَانَ مِنْ يَوْمِهِ، ثُمَّ سَارَ يَزِيدُ بَعْدَهُ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى وَاسِطَ الْجَرَّاحَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيَّ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْبَصْرَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هِلَالٍ الْكِلَابِيَّ، وَجَعَلَ أَخَاهُ مَرْوَانَ بْنَ الْمُهَلَّبِ عَلَى حَوَائِجِهِ وَأُمُورِهِ بِالْبَصْرَةِ، وَكَانَ أَوْثَقَ إِخْوَتِهِ عِنْدَهُ، وَاسْتَخْلَفَ بِالْكُوفَةِ حَرْمَلَةَ بْنَ عُمَيْرٍ اللَّخْمِيَّ أَشْهُرًا ثُمَّ عَزَلَهُ، وَوَلَّى بَشِيرَ بْنَ حَيَّانَ النَّهْدِيَّ. وَكَانَتْ قَيْسُ تَزْعُمُ أَنَّ قُتَيْبَةَ لَمْ يَخْلَعْ، فَلَمَّا سَارَ يَزِيدُ إِلَى خُرَاسَانَ أَمَرَهُ سُلَيْمَانُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ قُتَيْبَةَ، فَإِنْ أَقَامَتْ قَيْسٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّ قُتَيْبَةَ لَمْ يَخْلَعْ أَنْ يُقِيدَ وَكِيعًا بِهِ، وَلَمَّا وَصَلَ مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ مَرْوَ أَخَذَهُ، فَحَبَسَهُ وَعَذَّبَهُ، وَأَخَذَ أَصْحَابَهُ وَعَذَّبَهُمْ قَبْلَ قُدُومِ أَبِيهِ، وَكَانَتْ وِلَايَةُ وَكِيعٍ خُرَاسَانَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ عَشْرَةَ أَشْهُرٍ. ثُمَّ قَدِمَ يَزِيدُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خُرَاسَانَ فَأَدْنَى أَهْلَ الشَّامِ وَقَوْمًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، فَقَالَ نَهَارُ بْنُ تَوْسِعَةَ فِي ذَلِكَ:

стр. 2054

وَمَا كُنَّا نُؤَمِّلُ مِنْ أَمِيرٍ ... كَمَا كُنَّا نُؤَمِّلُ مِنْ يَزِيدِ فَأَخْطَأَ ظَنُّنَا فِيهِ وَقِدَمًا ... زَهِدْنَا فِي مُعَاشَرَةِ الزَّهِيدِ إِذَا لَمْ يُعْطِنَا نَصَفًا أَمِيرٌ ... مَشَيْنَا نَحْوَهُ مَشْيَ الْأَسْوَدِ فَمَهْلًا يَا يَزِيدُ أَنِبْ إِلَيْنَا ... وَدَعْنَا مِنْ مُعَاشَرَةِ الْعَبِيدِ نَجِيءُ وَلَا نَرَى إِلَّا صُدُودًا ... عَلَى أَنَّا نُسَلِّمُ مِنْ بَعِيدِ وَنَرْجِعُ خَائِبِينَ بِلَا نَوَالٍ ... فَمَا بَالُ التَّجَهُّمِ وَالصُّدُودِ ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَهَّزَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْجُيُوشَ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَاسْتَعْمَلَ ابْنَهُ دَاوُدَ عَلَى الصَّائِفَةِ فَافْتَتَحَ حِصْنَ الْمَرْأَةِ. وَفِيهَا غَزَا مَسْلَمَةُ أَرْضَ الْوَضَّاحِيَّةَ، فَفَتَحَ الْحِصْنَ الَّذِي فَتَحَهُ الْوَضَّاحُ صَاحِبُ الْوَضَّاحِيَّةَ. وَفِيهَا غَزَا عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ أَرْضَ الرُّومِ فِي الْبَحْرِ، فَشَتَّى فِيهَا. وَفِيهَا حَجَّ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالنَّاسِ. وَفِيهَا عُزِلَ دَاوُدُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَضْرَمِيُّ عَنْ مَكَّةَ، وَكَانَ عَمَلُهُ عَلَيْهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَوُلِّيَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ. وَكَانَ عُمَّالُ الْأَمْصَارِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ.

стр. 2055

[الوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ. وَفِيهَا مَاتَ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ الَّذِي فَتَحَ الْأَنْدَلُسَ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِطَرِيقِ مَكَّةَ مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ الْبَجَلِيُّ وَقَدْ جَاوَزَ مِائَةَ سَنَةٍ، وَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، لِيُسَلِّمَ، فَرَآهُ قَدْ تُوُفِّيَ، وَرَوَى عَنِ الْعَشَرَةِ، وَقِيلَ: لَمْ يَرْوِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَذَهَبَ عَقْلُهُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ. حَازِمٌ: بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ مَوْلَى أَشْجَعَ، وَاسْمُ أَبِي الْجَعْدِ رَافِعٌ.

стр. 2056

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ] ٩٨ - ذِكْرُ مُحَاصَرَةِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى دَابِقٍ، وَجَهَّزَ جَيْشًا مَعَ أَخِيهِ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ لِيَسِيرَ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَمَاتَ مَلِكُ الرُّومِ، فَأَتَاهُ أَلْيُونُ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ فَأَخْبَرَهُ، فَضَمِنَ لَهُ فَتْحَ الرُّومِ، فَوَجَّهَ مَسْلَمَةَ مَعَهُ، فَسَارَا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا أَمَرَ كُلَّ فَارِسٍ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ مُدَّيْنِ مِنْ طَعَامٍ عَلَى عَجُزِ فَرَسِهِ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَفَعَلُوا، فَلَمَّا أَتَاهَا أَمَرَ بِالطَّعَامِ فَأُلْقِيَ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، وَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: لَا تَأْكُلُوا مِنْهُ شَيْئًا، وَأَغِيرُوا فِي أَرْضِهِمْ وَازْرَعُوا. وَعَمِلَ بُيُوتًا مِنْ خَشَبٍ، فَشَتَّى فِيهَا وَصَافَ، وَزَرَعَ النَّاسُ، وَبَقِيَ الطَّعَامُ فِي الصَّحْرَاءِ وَالنَّاسُ يَأْكُلُونَ مَا أَصَابُوا مِنَ الْغَارَاتِ وَمِنَ الزَّرْعِ، وَأَقَامَ مَسْلَمَةُ قَاهِرًا لِلرُّومِ مَعَهُ أَعْيَانُ النَّاسِ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ، وَمُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا الْخُزَاعِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. فَأَرْسَلَ الرُّومُ إِلَى مَسْلَمَةَ يُعْطُونَهُ عَنْ كُلِّ رَأْسٍ دِينَارًا، فَلَمْ يَقْبَلْ. فَقَالَتِ الرُّومُ لَأَلْيُونَ: إِنْ صَرَفْتَ عَنَّا الْمُسْلِمِينَ مَلَّكْنَاكَ. فَاسْتَوْثَقَ مِنْهُمْ، فَأَتَى مَسْلَمَةَ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الرُّومَ قَدْ عَلِمُوا أَنَّكَ لَا تَصْدُقُهُمُ الْقِتَالَ، وَأَنَّكَ تُطَاوِلُهُمْ مَا دَامَ الطَّعَامُ عِنْدَكَ، فَلَوْ أَحْرَقْتَهُ أَعْطَوُا الطَّاعَةَ بِأَيْدِيهِمْ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُحْرِقَ، فَقَوِيَ الرُّومُ وَضَاقَ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى كَادُوا يَهْلِكُونَ، وَبَقُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ سُلَيْمَانُ. وَقِيلَ: إِنَّمَا خَدَعَ أَلْيُونَ مَسْلَمَةَ بِأَنْ يَسْأَلَهُ أَنْ يُدْخِلَ الطَّعَامَ إِلَى الرُّومِ بِمِقْدَارِ مَا يَعِيشُونَ بِهِ لَيْلَةً وَاحِدَةً، لِيُصَدِّقُوهُ أَنَّ أَمْرَهُ وَأَمْرَ مَسْلَمَةَ وَاحِدٌ، وَأَنَّهُمْ فِي أَمَانٍ مِنَ السَّبْيِ وَالْخُرُوجِ مِنْ بِلَادِهِمْ، فَأَذِنَ لَهُ، وَكَانَ أَلْيُونُ قَدِ اعَدَّ السُّفُنَ وَالرِّجَالَ، فَنَقَلُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ الطَّعَامَ، فَلَمْ يَتْرُكُوا فِي تِلْكَ الْحَظَائِرِ إِلَّا مَا لَا يَذْكَرُ، وَأَصْبَحَ أَلْيُونُ مُحَارِبًا، وَقَدْ خُدِعَ

стр. 2057

خَدِيعَةً لَوْ كَانَتِ امْرَأَةً لَعِيبَتْ بِهَا، وَلَقِيَ الْجُنْدُ مَا لَمْ يَلْقَهُ جَيْشٌ آخَرُ، حَتَّى إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَخَافُ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْعَسْكَرِ وَحْدَهُ، وَأَكَلُوا الدَّوَابَّ وَالْجُلُودَ وَأُصُولَ الشَّجَرِ وَالْوَرَقِ، وَكُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ التُّرَابِ، وَسُلَيْمَانُ مُقِيمٌ بِدَابِقٍ، وَتَوَلَّى الشِّتَاءُ فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُمِدَّهُمْ حَتَّى مَاتَ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَايَعَ سُلَيْمَانُ لِابْنِهِ أَيُّوبَ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ، فَمَاتَ أَيُّوبُ قَبْلَ أَبِيهِ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فُتِحَتْ مَدِينَةُ الصَّقَالِبَةِ، وَكَانَتْ بُرْجَانُ قَدْ أَغَارَتْ عَلَى مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ فِي قِلَّةٍ، فَكَتَبَ إِلَى سُلَيْمَانَ يَسْتَمِدُّهُ، فَأَمَدَّهُ، فَمَكَرَتْ بِهِمُ الصَّقَالِبَةُ ثُمَّ انْهَزَمُوا. وَفِيهَا غَزَا الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ وَعَمْرُو بْنُ قَيْسٍ، فَأُصِيبَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ أَنْطَاكِيَّةَ، وَأَصَابَ الْوَلِيدُ نَاسًا مِنْ ضَوَاحِي الرُّومِ، وَأَسَرَ مِنْهُمْ بَشَرًا كَثِيرًا. ذِكْرُ فَتَحِ جُرْجَانَ وَطَبَرِسْتَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ جُرْجَانَ وَطَبَرِسْتَانَ لَمَّا قَدِمَ خُرَاسَانَ. وَسَبَبُ غَزْوِهِمَا وَاهْتِمَامِهِ بِهِمَا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ عِنْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالشَّامِ كَانَ سُلَيْمَانُ كُلَّمَا فَتَحَ قُتَيْبَةُ فَتْحًا يَقُولُ لِيَزِيدَ: أَلَا تَرَى إِلَى مَا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى قُتَيْبَةَ؟ فَيَقُولُ يَزِيدُ: مَا فَعَلَتْ جُرْجَانُ (الَّتِي قَطَعَتِ الطَّرِيقَ، وَأَفْسَدَتْ قُومِسَ وَنَيْسَابُورَ وَيَقُولُ: هَذِهِ الْفُتُوحُ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، الشَّانُ هِيَ جُرْجَانُ. فَلَمَّا وَلَّاهُ سُلَيْمَانُ خُرَاسَانَ لَمْ يَكُنْ لَهُ هِمَّةٌ غَيْرُ جُرْجَانَ) ، فَسَارَ إِلَيْهَا فِي مِائَةِ أَلْفٍ

стр. 2058

مِنَ أَهْلِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ، سِوَى الْمَوَالِي وَالْمُتَطَوِّعَةِ، وَلَمْ تَكُنْ جُرْجَانُ يَوْمَئِذٍ مَدِينَةً، إِنَّمَا هِيَ جِبَالٌ وَمَخَارِمُ وَأَبْوَابٌ، يَقُومُ الرَّجُلُ عَلَى بَابٍ مِنْهَا فَلَا يُقْدِمُ عَلَيْهِ أَحَدٌ. فَابْتَدَأَ بِقُهِسْتَانَ فَحَاصَرَهَا، وَكَانَ أَهْلُهَا طَائِفَةً مِنَ التُّرْكِ، وَأَقَامَ عَلَيْهَا. وَكَانَ أَهْلُهَا يَخْرُجُونَ وَيُقَاتِلُونَ، فَيَهْزِمُهُمُ الْمُسْلِمُونَ فِي كُلِّ ذَلِكَ، فَإِذَا هُزِمُوا دَخَلُوا الْحِصْنَ. فَخَرَجُوا ذَاتَ يَوْمٍ وَخَرَجَ إِلَيْهِمُ النَّاسُ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَحَمَلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَبْرَةَ عَلَى تُرْكِيٍّ قَدْ صَدَّ النَّاسَ عَنْهُ، فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، فَثَبَتَ سَيْفُ التُّرْكِيِّ فِي بَيْضَةِ ابْنِ أَبِي سَبْرَةَ، وَضَرَبَهُ ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ فَقَتَلَهُ، وَرَجَعَ وَسَيْفُهُ يَقْطُرُ دَمًا، وَسَيْفُ التُّرْكِيِّ فِي بَيْضَتِهِ، فَنَظَرَ النَّاسُ إِلَى أَحْسَنِ مَنْظَرٍ رَأَوْهُ. وَخَرَجَ يَزِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ يَوْمًا يَنْظُرُ مَكَانًا يَدْخُلُ مِنْهُ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ وُجُوهِ النَّاسِ وَفُرْسَانِهِمْ، فَلَمْ يَشْعُرُوا حَتَّى هَجَمَ عَلَيْهِمُ التُّرْكُ فِي نَحْوِ أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَقَاتَلُوهُمْ سَاعَةً، وَقَاتَلَ يَزِيدُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَسَلِمُوا وَانْصَرَفُوا، وَكَانُوا قَدْ عَطِشُوا، فَانْتَهَوْا إِلَى الْمَاءِ فَشَرِبُوا، وَرَجَعَ عَنْهُمُ الْعَدُوُّ. ثُمَّ إِنَّ يَزِيدَ أَلَحَّ عَلَيْهِمْ فِي الْقِتَالِ، وَقَطَعَ عَنْهُمُ الْمَوَادَّ حَتَّى ضَعِفُوا وَعَجَزُوا. فَأَرْسَلَ صُولُ، دِهْقَانُ قُهِسْتَانَ، إِلَى يَزِيدَ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُصَالِحَهُ وَيُؤَمِّنَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ، لِيَدْفَعَ إِلَيْهِ الْمَدِينَةَ بِمَا فِيهَا، فَصَالَحَهُ وَوَفَى لَهُ، وَدَخْلَ الْمَدِينَةَ، فَأَخَذَ مَا كَانَ فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْكُنُوزِ وَالسَّبْيِ مَا لَا يُحْصَى، وَقَتْلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ تُرْكِيٍّ صَبْرًا، وَكَتَبَ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بِذَلِكَ. ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى جُرْجَانَ. وَكَانَ أَهْلُ جُرْجَانَ قَدْ صَالَحَهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، وَكَانُوا يَجْبُونَ أَحْيَانًا مِائَةَ أَلْفٍ، وَأَحْيَانًا مِائَتَيْ أَلْفٍ، وَأَحْيَانًا ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفٍ، وَرُبَّمَا أَعْطَوْا ذَلِكَ وَرُبَّمَا مَنَعُوهُ، ثُمَّ امْتَنَعُوا وَكَفَرُوا، فَلَمْ يُعْطُوا خَرَاجًا، وَلَمْ يَأْتِ جُرْجَانَ بَعْدَ سَعِيدٍ أَحَدٌ، وَمَنَعُوا ذَلِكَ الطَّرِيقَ، فَلَمْ يَكُنْ يَسْلُكُ طَرِيقَ خُرَاسَانَ أَحَدٌ إِلَّا عَلَى فَارِسَ وَكَرْمَانَ. وَأَوَّلُ مَنْ صَيَّرَ الطَّرِيقَ مِنْ قُومِسَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ حِينَ وَلِيَ خُرَاسَانَ. وَبَقِيَ أَمْرُ جُرْجَانَ كَذَلِكَ حَتَّى وَلِيَ يَزِيدُ وَأَتَاهُمْ، فَاسْتَقْبَلُوهُ بِالصُّلْحِ، وَزَادُوهُ وَهَابُوهُ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ وَصَالَحَهُمْ. فَلَمَّا فَتَحَ قُهِسْتَانَ وَجُرْجَانَ طَمِعَ فِي طَبَرِسْتَانَ أَنْ يَفْتَحَهَا، فَعَزَمَ عَلَى أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهَا، فَاسْتَعْمَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُعَمَّرِ الْيَشْكُرِيَّ عَلَى السَّاسَانِ وَقُهِسْتَانَ، وَخَلَّفَ مَعَهُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى أَدَانِي جُرْجَانَ مِمَّا يَلِي طَبَرِسْتَانَ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَى أَيْذُوسَا رَاشِدَ بْنَ عَمْرٍو، وَجَعَلَهُ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَدَخَلَ بِلَادَ طَبَرِسْتَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْإِصْبَهْبَذُ صَاحِبُهَا يَسْأَلُهُ الصُّلْحَ وَأَنْ يَخْرُجَ مِنْ طَبَرِسْتَانَ، فَأَبَى يَزِيدُ، وَرَجَا أَنْ يَفْتَتِحَهَا، وَوَجَّهَ أَخَاهُ أَبَا عُيَيْنَةَ مِنْ

стр. 2059

وَجْهٍ، وَابْنَهُ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ مِنْ وَجْهٍ، وَأَبَا الْجَهْمِ الْكَلْبِيَّ مِنْ وَجْهٍ، وَقَالَ: إِذَا اجْتَمَعْتُمْ فَأَبُوا عُيَيْنَةَ عَلَى النَّاسِ. فَسَارَ أَبُو عُيَيْنَةَ وَأَقَامَ يَزِيدُ مُعَسْكَرًا. وَاسْتَجَاشَ الْإِصْبَهْبَذُ أَهْلَ جِيلَانَ وَالدَّيْلَمَ، فَأَتَوْهُ فَالْتَقَوْا فِي سَفْحِ جَبَلٍ، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ فِي الْجَبَلِ، فَاتَّبَعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى فَمِ الشِّعْبِ، فَدَخَلَهُ الْمُسْلِمُونَ وَصَعِدَ الْمُشْرِكُونَ فِي الْجَبَلِ وَاتَّبَعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ يَرُومُونَ الصُّعُودَ، فَرَمَاهُمُ الْعَدُوُّ بِالنُّشَّابِ وَالْحِجَارَةِ، فَانْهَزَمَ أَبُو عُيَيْنَةَ وَالْمُسْلِمُونَ يَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، يَتَسَاقَطُونَ فِي الْجَبَلِ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى عَسْكَرِ يَزِيدَ، وَكَفَّ عَدُّوهُمْ عَنِ اتِّبَاعِهِمْ، وَخَافَهُمُ الْإِصْبَهْبَذُ، فَكَانَ أَهْلُ جُرْجَانَ وَمُقَدِّمُهُمُ الْمَرْزُبَانُ يَسْأَلُهُمْ أَنْ يُبَيِّتُوا مِنْ عِنْدَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يَقْطَعُوا عَنْ يَزِيدَ الْمَادَّةَ وَالطَّرِيقَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَيَعِدُهُمْ أَنْ يُكَافِئَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَثَارُوا بِالْمُسْلِمِينَ، فَقَتَلُوهُمْ أَجْمَعِينَ وَهُمْ غَارُّونَ فِي لَيْلَةٍ، وَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعَمَّرِ وَجَمِيعُ مَنْ مَعَهُ فَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَكَتَبُوا إِلَى الْإِصْبَهْبَذِ بِأَخْذِ الْمَضَايِقِ وَالطُّرُقِ. وَبَلَغَ ذَلِكَ يَزِيدَ وَأَصْحَابَهُ فَعَظُمَ عَلَيْهِمْ وَهَالَهُمْ، وَفَزِعَ يَزِيدُ إِلَى حَيَّانَ النَّبَطِيَّ وَقَالَ لَهُ: لَا يَمْنَعُكَ مَا كَانَ مِنِّي إِلَيْكَ مِنْ نَصِيحَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ جَاءَنَا عَنْ جُرْجَانَ مَا جَاءَنَا فَاعْمَلْ فِي الصُّلْحِ. فَقَالَ: نَعَمْ. فَأَتَى حَيَّانُ الْإِصْبَهْبَذَ فَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ، وَإِنْ كَانَ الدِّينُ فَرَّقَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، فَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ، فَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ يَزِيدَ، وَقَدْ بَعَثَ يَسْتَمِدُّ وَأَمْدَادُهُ مِنْهُ قَرِيبَةٌ، وَإِنَّمَا أَصَابُوا مِنْهُ طَرَفًا، وَلَسْتُ آمَنُ أَنْ يَأْتِيَكَ مَنْ لَا تَقُومُ لَهُ، فَأَرِحْ نَفْسَكَ وَصَالِحْهُ، فَإِنْ صَالَحْتَهُ صَيَّرَ حَدَّهُ عَلَى أَهْلِ جُرْجَانَ بِغَدْرِهِمْ وَقَتْلِهِمْ أَصْحَابَهُ. فَصَالَحَهُ عَلَى سَبْعِمِائَةِ أَلْفٍ، وَقِيلَ خَمْسِمِائَةِ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ وَقْرِ زَعْفَرَانَ، أَوْ قِيمَتِهِ مِنَ الْعَيْنِ، وَأَرْبَعِمِائَةِ رَجُلٍ، عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ تُرْسٌ وَطَيْلَسَانُ، وَمَعَ كُلِّ رَجُلٍ جَامٌ مِنْ فِضَّةٍ وَخِرْقَةُ حَرِيرٍ وَكُسْوَةٌ. ثُمَّ رَجَعَ حَيَّانُ إِلَى يَزِيدَ، فَقَالَ: ابْعَثْ مِنْ (يَحْمِلُ صُلْحَهُمْ) ، فَقَالَ: مِنْ عِنْدِهِمْ أَوْ مِنْ عِنْدِنَا؟ قَالَ: مِنْ عِنْدِهِمْ، وَكَانَ يَزِيدُ قَدْ طَابَتْ نَفْسُهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مَا سَأَلُوا وَيَرْجِعَ إِلَى جُرْجَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَى يَزِيدَ مَنْ يَقْبِضُ مَا صَالَحَهُمْ عَلَيْهِ حَيَّانُ، فَانْصَرَفَ إِلَى جُرْجَانَ. وَكَانَ يَزِيدُ قَدْ أَغْرَمَ حَيَّانَ مِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ حَيَّانَ كَتَبَ إِلَى مَخْلَدِ بْنِ يَزِيدَ، فَبَدَأَ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: تَكْتُبُ إِلَى مَخْلَدٍ وَتَبْدَأُ بِنَفْسِكَ. قَالَ: نَعَمْ،

стр. 2060

وَإِنْ لَمْ يَرْضَ لَقِيَ مَا لَقِيَ قُتَيْبَةُ. فَبَعَثَ مَخْلَدٌ الْكِتَابَ إِلَى أَبِيهِ يَزِيدَ، فَأَغْرَمَهُ مِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَقِيلَ: إِنَّ سَبَبَ مَسِيرِ يَزِيدَ إِلَى جُرْجَانَ أَنَّ صُولًا التُّرْكِيَّ كَانَ يَنْزِلُ قُهِسْتَانَ وَالْبُحَيْرَةَ، وَهِيَ جَزِيرَةٌ فِي الْبَحْرِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ قُهِسْتَانَ خَمْسَةُ فَرَاسِخَ، وَهُمَا مِنْ جُرْجَانَ مِمَّا يَلِي خُوَارَزْمَ، وَكَانَ يُغِيرُ عَلَى فَيْرُوزَ [بْنِ] قَوْلٍ مَرْزُبَانِ جُرْجَانَ، فَيُصِيبُ مِنْ بِلَادِهِ. فَخَافَهُ فَيْرُوزُ، فَسَارَ إِلَى يَزِيدَ بِخُرَاسَانَ وَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَسَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ قُدُومِهِ، فَقَالَ: خِفْتُ صُولًا فَهَرَبْتُ مِنْهُ، وَأَخَذَ صُولٌ جُرْجَانَ. فَقَالَ يَزِيدُ لِفَيْرُوزَ: هَلْ مِنْ حِيلَةٍ لِقِتَالِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، شَيْءٌ وَاحِدٌ إِنْ ظَفِرْتَ بِهِ قَتَلْتَهُ وَأَعْطَى بِيَدِهِ. قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: تَكْتُبُ إِلَى الْإِصْبَهْبَذِ كِتَابًا تَسْأَلُهُ فِيهِ أَنْ يَحْتَالَ لِصُولٍ حَتَّى يُقِيمَ بِجُرْجَانَ، وَاجْعَلْ لَهُ عَلَى ذَلِكَ جُعْلًا، فَإِنَّهُ يَبْعَثُ بِكِتَابِكَ إِلَى صُولٍ يَتَقَرَّبُ [بِهِ] إِلَيْهِ فَيَتَحَوَّلُ عَنْ جُرْجَانَ فَيَنْزِلُ الْبُحَيْرَةَ، وَإِنْ تَحَوَّلَ عَنْ جُرْجَانَ وَحَاصَرْتَهُ ظَفِرْتَ بِهِ. فَفَعَلَ يَزِيدُ ذَلِكَ، وَضَمِنَ لِلْإصْبَهْبَذَ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ إِنْ هُوَ حَبَسَ صُولًا عَنِ الْبُحَيْرَةِ لِيُحَاصِرَهُ بِجُرْجَانَ، فَأَرْسَلَ الْإِصْبَهْبَذُ الْكِتَابَ إِلَى صُولٍ، فَلَمَّا أَتَاهُ الْكِتَابُ رَحَلَ إِلَى الْبُحَيْرَةِ لِيَتَحَصَّنَ بِهَا، وَبَلَغَ يَزِيدُ مَسِيرَهُ فَخَرَجَ إِلَى جُرْجَانَ وَمَعَهُ فَيْرُوزُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى خُرَاسَانَ ابْنَهُ مَخْلَدًا، وَعَلَى سَمَرْقَنْدَ وَكَشَّ وَنَسَفَ وَبُخَارَى ابْنَهُ مُعَاوِيَةَ، وَعَلَى طَخَارِسْتَانَ حَاتِمَ بْنَ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَأَقْبَلَ حَتَّى أَتَى جُرْجَانَ، فَدَخَلَهَا وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْهَا أَحَدٌ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى الْبُحَيْرَةِ فَحَصَرَ صُولًا بِهَا، فَكَانَ يَخْرُجُ إِلَيْهِ صُولٌ فَيُقَاتِلُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ، فَمَكَثُوا بِذَلِكَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَأَصَابَهُمْ مَرَضٌ وَمَوْتٌ، فَأَرْسَلَ صُولٌ يَطْلُبُ الصُّلْحَ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَثَلَاثِمِائَةٍ مِنْ أَهْلِهِ وَخَاصَّتِهِ، وَيُسَلِّمُ إِلَيْهِ الْبُحَيْرَةَ، فَأَجَابَهُ يَزِيدُ، فَخَرَجَ بِمَالِهِ وَثَلَاثِمِائَةٍ مِمَّنْ أَحَبَّ. وَقَتْلَ يَزِيدُ مِنَ الْأَتْرَاكِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا صَبْرًا، وَأَطْلَقَ الْبَاقِينَ. وَطَلَبَ الْجُنْدُ أَرْزَاقَهُمْ، فَقَالَ لِإِدْرِيسَ بْنِ حَنْظَلَةَ الْعَمِّيِّ: أَحْصِ لَنَا مَا فِي الْبُحَيْرَةِ حَتَّى نُعْطِيَ الْجُنْدَ. فَدَخَلَهَا إِدْرِيسُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِحْصَاءِ مَا فِيهَا، فَقَالَ لِيَزِيدَ: لَا أَسْتَطِيعُ ذَلِكَ وَهُوَ فِي ظُرُوفٍ، فَتُحْصَى الْجَوَالِيقُ وَيُعَلَّمُ مَا فِيهَا وَيُعْطَى الْجُنْدُ فَمَنْ أَخَذَ شَيْئًا عَرَفْنَا مَا أَخَذَ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْأُرْزِ وَالسِّمْسِمِ وَالْعَسَلِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَأَخَذُوا شَيْئًا كَثِيرًا، وَكَانَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَلَى خَزَائِنِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، فَرَفَعُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ أَخَذَ خَرِيطَةً، فَسَأَلَهُ يَزِيدُ عَنْهَا، فَأَتَاهُ بِهَا فَأَعْطَاهَا شَهْرًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ:

стр. 2061

لَقَدْ بَاعَ شَهْرٌ دِينَهُ بِخَرِيطَةٍ ... فَمَنْ يَأْمَنِ الْقُرَّاءَ بِعْدَكَ يَا شَهْرُ وَقَالَ مُرَّةُ الْحَنَفِيُّ: يَا ابْنَ الْمُهَلَّبِ مَا أَرَدْتَ إِلَى امْرِئٍ ... لَوْلَاكَ كَانَ كَصَالِحِ الْقُرَّاءِ وَأَصَابَ يَزِيدُ بِجُرْجَانَ تَاجًا فِيهِ جَوْهَرٌ فَقَالَ: أَتَرَوْنَ أَحَدًا يَزْهَدُ فِي هَذَا؟ قَالُوا: لَا. فَدَعَا مُحَمَّدَ بْنَ وَاسِعٍ الْأَزْدِيَّ فَقَالَ: خُذْ هَذَا التَّاجَ. قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. قَالَ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ. فَأَخَذَهُ، فَأَمْرَ يَزِيدُ رَجُلًا يَنْظُرُ مَا يَصْنَعُ بِهِ، فَلَقِيَ سَائِلًا فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ، فَأَخَذَ الرَّجُلُ السَّائِلَ وَأَتَى بِهِ يَزِيدَ وَأَخْبَرَهُ، فَأَخَذَ يَزِيدُ التَّاجَ وَعَوَّضَ السَّائِلَ مَالًا كَثِيرًا. ذِكْرُ فَتَحِ جُرْجَانَ الْفَتْحَ الثَّانِي قَدْ ذَكَرْنَا فَتْحَ جُرْجَانَ وَقُهِسْتَانَ وَغَدْرَ أَهْلِ جُرْجَانَ، فَلَمَّا صَالَحَ يَزِيدُ أَصْبَهْبَذَ طَبَرِسْتَانَ سَارَ إِلَى جُرْجَانَ، وَعَاهَدَ اللَّهَ تَعَالَى لَئِنْ ظَفِرَ بِهِمْ لَا يَرْفَعُ السَّيْفَ حَتَّى يَطْحَنَ بِدِمَائِهِمْ، وَيَأْكُلُ مِنْ ذَلِكَ الطَّحِينِ. فَأَتَاهَا وَحَصَرَ أَهْلَهَا بِحِصْنِ فَجَاهْ وَمَنْ يَكُونُ بِهَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى عُدَّةٍ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ، فَحَصَرَهُمْ يَزِيدُ فِيهَا سَبْعَةَ أَشْهُرٍ، وَهُمْ يَخْرُجُونَ إِلَيْهِ فِي الْأَيَّامِ فَيُقَاتِلُونَهُ وَيَرْجِعُونَ. فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ عَجَمِ خُرَاسَانَ يَتَصَيَّدُ، وَقِيلَ: رَجُلٌ مِنْ طَيْءٍ، فَأَبْصَرَ وَعْلًا فِي الْجَبَلِ، وَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى هَجَمَ عَلَى عَسْكَرِهِمْ، فَرَجَعَ كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَصْحَابَهُ، وَجَعَلَ يُخَرِّقُ قَبَاءَهُ وَيَعْقِدُ عَلَى الشَّجَرِ عَلَامَاتٍ، فَأَتَى يَزِيدَ فَأَخْبَرَهُ، فَضَمِنَ لَهُ يَزِيدُ دِيَةً إِنْ دَلَّهُمْ عَلَى الْحِصْنِ، فَانْتَخَبَ مَعَهُ ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمُ ابْنَهُ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ، وَقَالَ لَهُ: إِنْ غُلِبْتَ عَلَى الْحَيَاةِ فَلَا تُغْلَبَنَّ عَلَى الْمَوْتِ، وَإِيَّاكَ أَنْ أَرَاكَ عِنْدِي مَهْزُومًا. وَضَمَّ إِلَيْهِ جَهْمَ بْنَ زَحْرٍ، وَقَالَ لِلرَّجُلِ: مَتَى تَصِلُونَ؟ قَالَ: غَدًا الْعَصْرُ. قَالَ يَزِيدُ: سَأَجْهَدُ عَلَى مُنَاهَضَتِهِمْ عِنْدَ الظُّهْرِ. فَسَارُوا فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ وَقْتَ الظُّهْرِ أَحْرَقَ يَزِيدُ كُلَّ حَطَبٍ كَانَ عِنْدَهُمْ، فَصَارَ مِثْلَ الْجِبَالِ مِنَ النِّيرَانِ، فَنَظَرَ الْعَدُوُّ إِلَى النِّيرَانِ فَهَالَهُمْ ذَلِكَ فَخَرَجُوا إِلَيْهِمْ، وَتَقَدَّمَ يَزِيدُ إِلَيْهِمْ

стр. 2062

فَاقْتَتَلُوا، وَهَجَمَ أَصْحَابُ يَزِيدَ الَّذِينَ سَارُوا عَلَى عَسْكَرِ التُّرْكِ قَبْلَ الْعَصْرِ وَهُمْ آمَنُونَ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ، وَيَزِيدُ يُقَاتِلُهُمْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَمَا شَعَرُوا إِلَّا بِالتَّكْبِيرِ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَانْقَطَعُوا جَمِيعًا إِلَى حِصْنِهِمْ، وَرَكِبَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَأَعْطَوْا بِأَيْدِيهِمْ، وَنَزَلُوا عَلَى حَكَمِ يَزِيدَ، فَسَبَى ذَرَارِيَهُمْ وَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَصَلَبَهُمْ فَرْسَخَيْنِ إِلَى يَمِينِ الطَّرِيقِ وَيَسَارِهِ، وَقَادَ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا إِلَى وَادِي جُرْجَانَ وَقَالَ: مَنْ طَلَبَهُمْ بِثَأْرٍ فَلْيُقْتَلْ. فَكَانَ الرَّجُلُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُ الْأَرْبَعَةَ وَالْخَمْسَةَ، وَأَجْرَى الْمَاءَ عَلَى الدَّمِ وَعَلَيْهِ أَرْحَاءٌ لِيَطْحَنَ بِدِمَائِهِمْ لِيُبِرَّ يَمِينَهُ، فَطَحَنَ وَخَبَزَ وَأَكَلَ، وَقِيلَ: قَتَلَ مِنْهُمْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا. وَبَنَى مَدِينَةَ جُرْجَانَ، وَلَمْ تَكُنْ بُنِيَتْ قَبْلَ ذَلِكَ مَدِينَةً، وَرَجَعَ إِلَى خُرَاسَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى جُرْجَانَ جَهْمَ بْنَ زَحْرٍ الْجَعْفِيَّ، وَقِيلَ: بَلْ قَالَ يَزِيدُ لِأَصْحَابِهِ لَمَّا سَارُوا: إِذَا وَصَلْتُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ انْتَظِرُوا، فَإِذَا كَانَ السَّحَرُ كَبِّرُوا وَاقْصُدُوا الْبَابَ، فَسَتَجِدُونِي قَدْ نَهَضْتُ بِالنَّاسِ إِلَيْهِ. فَلَمَّا دَخَلَ ابْنُ زَحْرٍ الْمَدِينَةَ أَمْهَلَ حَتَّى كَانَتِ السَّاعَةُ الَّتِي أَمَرَهُ يَزِيدُ أَنْ يَنْهَضَ فِيهَا، فَكَبَّرَ، فَفَزِعَ أَهْلُ الْحِصْنِ، وَكَانَ أَصْحَابُ يَزِيدَ لَا يَلْقَوْنَ أَحَدًا إِلَّا قَتَلُوهُ، وَدَهِشَ التُّرْكُ، فَبَقُوا لَا يَدْرُونَ أَيْنَ يَتَوَجَّهُونَ، وَسَمِعَ يَزِيدُ التَّكْبِيرَ، فَسَارَ فِي النَّاسِ إِلَى الْبَابِ، فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ أَحَدًا يَمْنَعُهُ وَهُمْ مَشْغُولُونَ بِالْمُسْلِمِينَ، فَدَخَلَ الْحِصْنَ مِنْ سَاعَتِهِ وَأَخْرَجَ مَنْ فِيهِ وَصَلَبَهُمْ فَرْسَخَيْنِ مِنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ وَيَسَارِهِ، فَصَلَبَهُمْ أَرْبَعَةَ فَرَاسِخَ، وَسَبَى أَهْلَهَا وَغَنِمَ مَا فِيهَا، وَكَتَبَ إِلَى سُلَيْمَانَ بِالْفَتْحِ يُعَظِّمُهُ وَيُخْبِرُهُ أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ عِنْدَهُ مِنَ الْخُمُسِ سِتُّمِائَةِ أَلْفِ أَلْفٍ، فَقَالَ لَهُ كَاتِبُهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ أَبِي قُرَّةَ مَوْلَى بَنِي سَدُوسٍ: لَا تَكْتُبْ تَسْمِيَةَ الْمَالِ، فَإِنَّكَ مِنْ ذَلِكَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، إِمَّا اسْتَكْثَرَهُ فَأَمَرَكَ بِحَمْلِهِ، وَإِمَّا سَمَحَتْ نَفْسُهُ لَكَ بِهِ فَأَعْطَاكَهُ، فَتُكَلَّفُ الْهَدِيَّةَ، فَلَا يَأْتِيهِ مِنْ قَبِلَكِ شَيْءٌ إِلَّا اسْتَقَلَّهُ، فَكَأَنِّي بِكَ قَدِ اسْتَغْرَقْتَ مَا سَمَّيْتَ وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ مَوْقِعًا، وَيَبْقَى الْمَالُ الَّذِي سَمَّيْتَ مُخَلَّدًا فِي دَوَاوِينِهِمْ، فَإِنْ وَلِيَ وَالٍ بَعْدَهُ أَخَذَكَ بِهِ، وَإِنْ وَلِيَ مَنْ يَتَحَامَلُ عَلَيْكَ لَمْ يَرْضَ بِأَضْعَافِهِ، وَلَكِنِ اكْتُبْ فَسَلْهُ الْقُدُومَ، وَشَافِهْهُ بِمَا أَحْبَبْتَ فَهُوَ أَسْلَمُ. فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ وَأَمْضَى الْكِتَابَ، وَقِيلَ: كَانَ الْمَبْلَغُ أَرْبَعَةُ آلَافِ أَلْفٍ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ وَلِيُّ عَهْدٍ.

стр. 2063

وَفِيهَا فُتِحَتْ مَدِينَةُ الصَّقَالِبَةِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَفِيهَا غَزَا دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَرْضَ الرُّومِ، فَفَتَحَ حِصْنَ الْمَرْأَةِ مِمَّا يَلِي مَلَطْيَةَ. وَفِيهَا كَانَتِ الزَّلَازِلُ فِي الدُّنْيَا كَثِيرَةٌ وَدَامَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ. [الوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَيُعْرَفُ بِمَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ الْأَنْصَارِيُّ. وَسَعِيدُ بْنُ مَرْجَانَةَ مَوْلَى قُرَيْشٍ، وَهِيَ أُمُّهُ، وَاسْمُ أَبِيهِ عَبْدُ اللَّهِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى مَكَّةَ، وَكَانَ الْعُمَّالُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ إِلَّا الْبَصْرَةَ، فَإِنَّ يَزِيدَ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا سُفْيَانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنْدِيَّ.

стр. 2064

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ] ٩٩ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ ذِكْرُ مَوْتِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ، فَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سَنَتَيْنِ وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ. وَقِيلَ تُوُفِّيَ فِيهَا لِعَشَرٍ مَضَيْنَ مِنْ صِفْرٍ، فَتَكُونُ وِلَايَتُهُ سَنَتَيْنِ وَثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ إِلَّا خَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَكَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ: سُلَيْمَانُ مِفْتَاحُ الْخَيْرِ، ذَهَبَ عَنْهُمُ الْحَجَّاجُ، وَوَلِيَ سُلَيْمَانُ، فَأَطْلَقَ الْأَسْرَى، وَأَخْلَى السُّجُونَ، وَأَحْسَنَ إِلَى النَّاسِ، وَاسْتَخْلَفَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَكَانَ مَوْتُهُ بِدَابِقٍ مِنْ أَرْضِ قِنَّسْرِينَ، لَبِسَ يَوْمًا حُلَّةً خَضْرَاءَ وَعِمَامَةً خَضْرَاءَ، وَنَظَرَ فِي الْمِرْآةِ، فَقَالَ: أَنَا الْمَلِكُ الْفَتَى، فَمَا عَاشَ جُمُعَةً، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ جَارِيَةٌ، فَقَالَ: مَا تَنْظُرِينَ؟ فَقَالَتْ: أَنْتَ نِعْمَ الْمَتَاعُ لَوْ كُنْتَ تَبْقَى ... غَيْرَ أَنْ لَا بَقَاءَ لِلْإِنْسَانِ لَيْسَ فِيمَا عَلِمْتُهُ فِيكَ عَيْبٌ ... كَانَ فِي النَّاسِ غَيْرَ أَنَّكَ فَانِ

стр. 2065

قِيلَ: وَشَهِدَ سُلَيْمَانُ جِنَازَةً بِدَابِقٍ، فَدُفِنَتْ فِي حَقْلٍ، فَجَعَلَ سُلَيْمَانَ يَأْخُذُ مِنْ تِلْكَ التُّرْبَةِ وَيَقُولُ: مَا أَحْسَنَ هَذِهِ [التُّرْبَةَ] وَأَطْيَبَهَا! فَمَا أَتَى عَلَيْهِ جُمُعَةٌ حَتَّى دُفِنَ إِلَى جَنْبِ [ذَلِكَ] الْقَبْرِ. قِيلَ: حَجَّ سُلَيْمَانُ وَحَجَّ الشُّعَرَاءُ، فَلَمَّا كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَافِلًا تَلَقَّوْهُ بِنَحْوِ أَرْبَعِمِائَةِ أَسِيرٍ مِنَ الرُّومِ، فَقَعَدَ سُلَيْمَانُ وَأَقْرَبُهُمْ مِنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَدَّمَ بِطْرِيقَهُمْ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اضْرِبْ عُنُقَهُ! فَأَخَذَ سَيْفًا مِنْ حَرَسِيٍّ فَضَرَبَهُ، فَأَبَانَ الرَّأْسَ، وَأَطَنَّ السَّاعِدَ وَبَعْضَ الْغُلِّ، وَدَفَعَ الْبَقِيَّةَ إِلَى الْوُجُوهِ يَقْتُلُونَهُمْ، وَدَفَعَ إِلَى جَرِيرٍ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَأَعْطَاهُ بَنُو عَبْسٍ سَيْفًا جَيِّدًا، فَضَرَبَهُ فَأَبَانَ رَأْسَهُ، وَدَفَعَ إِلَى الْفَرَزْدَقِ أَسِيرًا فَأَعْطَوْهُ سَيْفًا رَدِيًّا لَا يَقْطَعُ، فَضَرَبَ بِهِ الْأَسِيرَ ضَرَبَاتٍ، فَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا، فَضَحِكَ سُلَيْمَانُ وَالْقَوْمُ، وَشَمِتَتْ بِهِ بَنُو عَبْسٍ أَخْوَالُ سُلَيْمَانَ، وَأَلْقَى السَّيْفَ وَأَنْشَأَ يَقُولُ: وَإِنْ يَكُ سَيْفٌ خَانَ أَوْ قَدَرٌ أَتَى ... بِتَأْخِيرِ نَفْسٍ حَتْفُهَا غَيْرُ شَاهِدِ فَسَيْفُ بَنِي عَبْسٍ وَقَدْ ضَرَبُوا بِهِ ... نَبَا بِيَدَيْ وَرْقَاءَ عَنْ رَأْسِ خَالِدِ كَذَاكَ سُيُوفُ الْهِنْدِ تَنْبُو ظُبَاتُهَا ... وَتَقْطَعُ أَحْيَانًا مَنَاطَ الْقَلَائِدِ وَرْقَاءُ هُوَ وَرْقَاءُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ جَذِيمَةَ الْعَبْسِيُّ، ضَرَبَ خَالِدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ، وَخَالِدٌ قَدْ أَكَبَّ عَلَى [أَبِيهِ] زُهَيْرٍ وَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَصَرَعَهُ، فَأَقْبَلَ وَرْقَاءُ فَضَرَبَ خَالِدًا ضَرَبَاتٍ، فَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا، فَقَالَ وَرْقَاءُ بْنُ زُهَيْرٍ: رَأَيْتُ زُهَيْرًا تَحْتَ كَلْكَلِ خَالِدٍ ... فَأَقْبَلْتُ أَسْعَى كَالْعُجُولِ أُبَادِرُ فَشُلَّتْ يَمِينِي يَوْمَ أَضْرِبُ خَالِدًا ... وَيَمْنَعُهُ مِنِّي الْحَدِيدُ الْمُظَاهَرُ

стр. 2066

ذِكْرُ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ لَمَّا كَانَ بِدَابِقٍ مَرِضَ، عَلَى مَا وَصَفْنَا، فَلَمَّا ثَقُلَ عَهِدَ فِي كِتَابٍ كَتَبَهُ لِبَعْضِ بَنِيهِ، وَهُوَ غُلَامٌ لَمْ يَبْلُغْ، فَقَالَ لَهُ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ: مَا تَصْنَعُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ إِنَّهُ مِمَّا يَحْفَظُ الْخَلِيفَةَ فِي قَبْرِهِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَى النَّاسِ الرَّجُلَ الصَّالِحَ. فَقَالَ سُلَيْمَانُ: أَنَا أَسْتَخِيرُ اللَّهَ وَأَنْظُرُ [فِيهِ] . وَلَمْ أَعْزِمْ [عَلَيْهِ] ، فَمَكَثَ سُلَيْمَانُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ خَرَقَهُ وَدَعَا رَجَاءً، فَقَالَ: مَا تَرَى فِي وَلَدِي دَاوُدَ؟ فَقَالَ رَجَاءٌ: هُوَ غَائِبٌ عَنْكَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَلَا تَدْرِي أَحَيٌّ [هُوَ] أَمْ لَا. قَالَ: فَمَنْ تَرَى؟ قَالَ رَجَاءٌ: رَأْيُكَ. قَالَ: فَكَيْفَ تَرَى فِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟ قَالَ رَجَاءٌ: فَقُلْتُ: أَعْلَمُهُ وَاللَّهِ خَيِّرًا فَاضِلًا سَلِيمًا. قَالَ سُلَيْمَانُ: هُوَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَئِنْ وَلَّيْتُهُ وَلَمْ أُوَلِ أَحَدًا سِوَاهُ لِتَكُونَنَّ فِتْنَةً وَلَا يَتْرُكُونَهُ أَبَدًا يَلِي عَلَيْهِمْ، إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ أَحَدُهُمْ بَعْدَهُ، وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ قَدْ عَهِدَ إِلَى الْوَلِيدِ وَسُلَيْمَانَ أَنْ يَجْعَلَا أَخَاهُمَا يَزِيدَ وَلِيَّ عَهْدٍ، فَأَمَرَ سُلَيْمَانُ أَنْ يُجْعَلَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بَعْدَ عُمَرَ، وَكَانَ يَزِيدُ غَائِبًا فِي الْمَوْسِمِ. قَالَ رَجَاءٌ: قُلْتُ رَأْيَكَ. فَكَتَبَ: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ سُلَيْمَانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، إِنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ الْخِلَافَةَ بَعْدِي وَمِنْ بَعْدِكَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ، وَلَا تَخْتَلِفُوا فَيُطْمَعَ فِيكُمْ ". وَخَتَمَ الْكِتَابَ. فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ جَابِرٍ الْعَبْسِيِّ صَاحِبِ شُرْطَتِهِ، فَقَالَ: ادْعُ أَهْلَ بَيْتِي. فَجَمَعَهُمْ كَعْبٌ. ثُمَّ قَالَ سُلَيْمَانُ لِرَجَاءٍ بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمْ: اذْهَبْ بِكِتَابِي إِلَيْهِمْ، وَأَخْبِرْهُمْ بِكِتَابِي، وَمُرْهُمْ فَيُبَايِعُوا مَنْ وَلَّيْتُ فِيهِ. فَفَعَلَ رَجَاءٌ، فَقَالُوا: نَدْخُلُ وَنُسَلِّمُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَدَخَلُوا، فَقَالَ لَهُمْ سُلَيْمَانُ: فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَهُوَ يُشِيرُ إِلَى الْكِتَابِ الَّذِي فِي يَدِ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَهْدِي، فَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا لِمَنْ سَمَّيْتُ فِيهِ. فَبَايَعُوهُ رَجُلًا رَجُلًا، وَتَفَرَّقُوا. وَقَالَ رَجَاءٌ: فَأَتَانِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ: أَخْشَى أَنْ يَكُونَ هَذَا أَسْنَدَ إِلَيَّ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْأَمْرِ، فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ وَحُرْمَتِي وَمَوَدَّتِي إِلَّا أَعْلَمْتَنِي إِنْ كَانَ ذَلِكَ، حَتَّى أَسَتَعْفِيَهُ الْآنَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ حَالٌ لَا أَقْدِرُ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ. قَالَ رَجَاءٌ: مَا أَنَا بِمُخْبِرِكَ [حَرْفًا] . قَالَ: فَذَهَبَ عُمَرُ عَنِّي غَضْبَانَ. قَالَ رَجَاءٌ: وَلَقِيَنِي هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَقَالَ: إِنَّ لِي بِكَ حُرْمَةً وَمَوَدَّةً قَدِيمَةً، وَعِنْدِي شُكْرٌ، فَأَعْلِمْنِي بِهَذَا الْأَمْرِ، فَإِنْ كَانَ إِلَى غَيْرِي تَكَلَّمْتُ، وَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أَذْكُرَ،

стр. 2067

شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَبَدًا. قَالَ رَجَاءٌ: فَأَبَيْتُ أَنْ أُخْبِرَهُ حَرْفًا، فَانْصَرَفَ هِشَامٌ وَهُوَ يَضْرِبُ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى وَهُوَ يَقُولُ: فَإِلَى مَنْ إِذَا نُحِّيَتْ عَنِّي؟ أَتَخْرُجُ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمَلِكِ؟ قَالَ رَجَاءٌ: وَدَخَلْتُ عَلَى سُلَيْمَانَ فَإِذَا هُوَ يَمُوتُ، فَجَعَلْتُ إِذَا أَخَذَتْهُ سَكْرَةٌ مِنْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ حَرَّفْتُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَيَقُولُ حِينَ يُفِيقُ: لَمْ يَأْنِ بَعْدُ. فَفَعَلْتُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ قَالَ: مِنَ الْآنَ يَا رَجَاءُ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ شَيْئًا، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَحَرَّفْتُهُ، فَمَاتَ، فَلَمَّا غَمَّضْتُهُ وَسَجَّيْتُهُ وَأَغْلَقْتُ الْبَابَ، أَرْسَلَتْ إِلَيَّ زَوْجَتُهُ فَقَالَتْ: كَيْفَ أَصْبَحَ؟ فَقُلْتُ: هُوَ نَائِمٌ قَدْ تَغَطَّى. وَنَظَرَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ مُتَغَطِّيًا فَرَجَعَ فَأَخْبَرَهَا، فَظَنَّتْ أَنَّهُ نَائِمٌ، قَالَ: فَأَجْلَسْتُ عَلَى الْبَابِ مَنْ أَثِقُ بِهِ، وَأَوْصَيْتُهُ أَنْ لَا يَبْرَحَ وَلَا يَتْرُكَ أَحَدًا يَدْخُلُ عَلَى الْخَلِيفَةِ. قَالَ: فَخَرَجْتُ فَأَرْسَلْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ جَابِرٍ، فَجَمَعَ أَهْلَ بَيْتِ سُلَيْمَانَ، فَاجْتَمَعُوا فِي مَسْجِدِ دَابِقٍ، فَقُلْتُ: بَايِعُوا. فَقَالُوا: قَدْ بَايَعْنَا مَرَّةً. قُلْتُ: وَأُخْرَى، هَذَا عَهْدُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَبَايَعُوا الثَّانِيَةَ، فَلَمَّا بَايَعُوا بَعْدَ مَوْتِهِ رَأَيْتُ أَنِّي قَدْ أَحْكَمْتُ الْأَمْرَ، فَقُلْتُ: قُومُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ، فَقَدْ مَاتَ. قَالُوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ! وَقَرَأْتُ الْكِتَابَ، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى ذِكْرِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ هِشَامٌ: لَا نُبَايِعُهُ وَاللَّهِ أَبَدًا. قُلْتُ: أَضْرِبُ وَاللَّهِ عُنُقَكَ، قُمْ فَبَايِعْ، فَقَامَ يَجُرُّ رِجْلَيْهِ. قَالَ رَجَاءٌ: فَأَخَذْتُ بِضَبْعَيْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَأَجْلَسْتُهُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَسْتَرْجِعُ لِمَا وَقَعَ فِيهِ، وَهِشَامٌ يَسْتَرْجِعُ لِمَا أَخْطَأَهُ. فَبَايَعُوهُ. وَغُسِّلَ سُلَيْمَانُ وَكُفِّنَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَدُفِنَ. فَلَمَّا دُفِنَ أُتِيَ عُمَرُ بِمَرَاكِبِ الْخِلَافَةِ وَلِكُلِّ دَابَّةٍ سَائِسٌ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: مَرَاكِبُ الْخِلَافَةِ. قَالَ: دَابَّتِي أَوْفَقُ لِي، وَرَكِبَ دَابَّتَهُ وَصَرَفْتُ تِلْكَ الدَّوَابَ، ثُمَّ أَقْبَلَ سَائِرًا، فَقِيلَ لَهُ: أَمَنْزِلُ الْخِلَافَةِ؟ فَقَالَ: فِيهِ عِيَالُ أَبِي أَيُّوبَ، يَعْنِي سُلَيْمَانَ، وَفِي فُسْطَاطِي كِفَايَةٌ حَتَّى يَتَحَوَّلُوا. فَأَقَامَ فِي مَنْزِلِهِ حَتَّى فَرَّغُوهُ. قَالَ رَجَاءٌ: فَأَعْجَبَنِي مَا صَنَعَ فِي الدَّوَابِّ وَمَنْزِلِ سُلَيْمَانَ، ثُمَّ دَعَا كَاتِبًا فَأَمْلَى عَلَيْهِ كِتَابًا وَاحِدًا وَأَمْرَهُ أَنْ يَنْسَخَهُ وَيُسَيِّرَهُ إِلَى كُلِّ بَلَدٍ. وَبَلَغَ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَكَانَ غَائِبًا، عَنْ مَوْتِ سُلَيْمَانَ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِبَيْعَةِ عُمَرَ، فَعَقَدَ لِوَاءً وَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ، فَبَلَغَهُ بَيْعَةُ عُمَرَ بِعَهْدِ سُلَيْمَانَ، وَأَقْبَلَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ بَايَعْتَ مَنْ قِبَلَكَ وَأَرَدْتَ دُخُولَ دِمَشْقَ! فَقَالَ: قَدْ كَانَ ذَاكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ

стр. 2068

بَلَغَنِي أَنَّ سُلَيْمَانَ لَمْ يَكُنْ عَهِدَ لِأَحَدٍ، فَخِفْتُ عَلَى الْأَمْوَالِ أَنْ تُنْهَبَ. فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ بَايَعْتَ وَقُمْتَ بِالْأَمْرِ لَمْ أُنَازِعْكَ فِيهِ وَلَقَعَدْتُ فِي بَيْتِي. فَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: مَا أُحِبُّ أَنَّهُ وَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ غَيْرُكَ، وَبَايَعَهُ، وَكَانَ يُرْجَى لِسُلَيْمَانَ بِتَوْلِيَتِهِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَتَرْكِ وَلَدِهِ. فَلَمَّا اسْتَقَرَّتِ الْبَيْعَةُ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ لِامْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمَلِكِ: إِنْ أَرَدْتِ صُحْبَتِي فَرُدِّي مَا مَعَكِ مِنْ مَالٍ وَحُلِيٍّ وَجَوْهَرٍ إِلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ لَهُمْ، فَإِنِّي لَا أَجْتَمِعُ أَنَا وَأَنْتِ وَهُوَ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ. فَرَدَّتْهُ جَمِيعَهُ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ عُمَرُ وَوَلِيَ أَخُوهَا يَزِيدُ رَدَّهُ عَلَيْهَا، وَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ أَنَّ عُمَرَ ظَلَمَكِ. قَالَتْ: كَلَّا وَاللَّهِ. وَامْتَنَعَتْ مِنْ أَخْذِهِ، وَقَالَتْ: مَا كُنْتُ أُطِيعُهُ حَيًّا وَأَعْصِيهِ مَيِّتًا. فَأَخَذَهُ يَزِيدُ وَفَرَّقَهُ عَلَى أَهْلِهِ. ذِكْرُ تَرْكِ سَبِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ، ﵇ كَانَ بَنُو أُمَيَّةَ يَسُبُّونَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، ﵇، إِلَى أَنْ وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْخِلَافَةَ، فَتَرَكَ ذَلِكَ وَكَتَبَ إِلَى الْعُمَّالِ فِي الْآفَاقِ بِتَرْكِهِ. وَكَانَ سَبَبُ مَحَبَّتِهِ عَلِيًّا أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ بِالْمَدِينَةِ أَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ وَكُنْتُ أَلْزَمُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، فَبَلَغَهُ عَنِّي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُهُ يَوْمًا وَهُوَ يُصَلِّي، فَأَطَالَ الصَّلَاةَ، فَقَعَدْتُ أَنْتَظِرُ فَرَاغَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ لِي: مَتَى عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ وَبَيْعَةِ الرِّضْوَانِ بَعْدَ أَنْ رَضِيَ عَنْهُمْ؟ قُلْتُ: لَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ. قَالَ: فَمَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكَ فِي عَلِيٍّ؟ فَقُلْتُ: مَعْذِرَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكَ! وَتَرَكْتُ مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، وَكَانَ أَبِي إِذَا خَطَبَ فَنَالَ مِنْ عَلِيٍّ، ﵁، تَلَجْلَجَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَهْ، إِنَّكَ تَمْضِي فِي خُطْبَتِكَ فَإِذَا أَتَيْتَ عَلَى ذِكْرِ عَلِيٍّ عَرَفْتُ مِنْكَ تَقْصِيرًا؟ قَالَ: أَوَفَطِنْتَ لِذَلِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّ الَّذِينَ حَوْلَنَا لَوْ يَعْلَمُونَ مِنْ عَلِيٍّ مَا نَعْلَمُ تَفَرَّقُوا عَنَّا إِلَى أَوْلَادِهِ. فَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنَ الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا مَا يَرْتَكِبُ هَذَا الْأَمْرَ الْعَظِيمَ

стр. 2069

لِأَجْلِهَا، فَتَرَكَ ذَلِكَ، وَكَتَبَ بِتَرْكِهِ، وَقَرَأَ عِوَضَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠] الْآيَةَ، فَحَلَّ هَذَا الْفِعْلُ عِنْدَ النَّاسِ مَحَلًّا حَسَنًا، وَأَكْثَرُوا مَدْحَهُ بِسَبَبِهِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ كُثَيِّرِ عَزَّةَ: وَلِيتَ وَلَمْ تَشْتُمْ عَلِيًّا وَلَمْ تُخِفْ ... بَرِيًّا وَلَمْ تَتْبَعْ مَقَالَةَ مُجْرِمِ تَكَلَّمْتَ بِالْحَقِّ الْمُبِينِ وَإِنَّمَا ... تُبَيَّنُ آيَاتُ الْهُدَى بِالتَّكَلُّمِ وَصَدَّقْتَ مَعْرُوفَ الَّذِي قُلْتَ بِالَّذِي ... فَعَلْتَ فَأَضْحَى رَاضِيًا كُلُّ مُسْلِمِ أَلَا إِنَّمَا يَكْفِي الْفَتَى بَعْدَ زَيْغِهِ ... مِنَ الْأَوَدِ الْبَادِي ثِقَافُ الْمُقَوِّمِ فَقَالَ عُمَرُ حِينَ أَنْشَدَهُ هَذَا الشِّعْرَ: أَفْلَحْنَا إِذًا. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَجَّهَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى مَسْلَمَةَ، وَهُوَ بِأَرْضِ الرُّومِ، يَأْمُرُهُ بِالْقُفُولِ مِنْهَا بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَوَجَّهَ لَهُ خَيْلًا عِتَاقًا وَطَعَامًا كَثِيرًا، وَحَثَّ النَّاسَ عَلَى مَعُونَتِهِمْ. وَفِيهَا أَغَارَتِ التُّرْكُ عَلَى أَذْرَبِيجَانَ فَقَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ جَمَاعَةً، فَوَجَّهَ عُمَرُ: [عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ] حَاتِمِ بْنِ الْبَاهِلِيِّ فَقَتَلَ أُولَئِكَ التُّرْكَ وَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا الْيَسِيرَ، وَقَدِمَ عَلَى عُمَرَ مِنْهُمْ بِخَمْسِينَ أَسِيرًا.

стр. 2070

وَفِيهَا عَزَلَ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ عَنِ الْعِرَاقِ، وَوَجَّهَ إِلَى الْبَصْرَةِ عَدِيَّ بْنَ أَرْطَاةَ الْفَزَارِيَّ، وَعَلَى الْكُوفَةِ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ الْعَدَوِيُّ الْقُرَشِيُّ، وَضَمَّ إِلَيْهِ أَبَا الزِّنَادِ، وَكَانَ كَاتِبُهُ، وَبَعَثَ عَدِيٌّ فِي أَثَرِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ مُوسَى بْنَ الْوَجِيهِ الْحِمْيَرِيَّ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَازِمٍ، وَكَانَ عَامِلُ [عُمَرَ عَلَى] الْمَدِينَةِ. وَكَانَ الْعَامِلُ عَلَى مَكَّةَ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ. وَعَلَى الْكُوفَةِ عَبْدُ الْحَمِيدِ، وَعَلَى الْقَضَاءِ بِهَا عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ. وَكَانَ عَلَى الْبَصْرَةِ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ، وَعَلَى الْقَضَاءِ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ، ثُمَّ اسْتَعْفَى عَدِيًّا، فَأَعْفَاهُ وَاسْتَقْضَى إِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، وَقِيلَ: بَلْ شَكَا الْحَسَنُ، فَعَزَلَهُ عَدِيٌّ، وَاسْتَقْضَى إِيَاسًا. وَاسْتَعْمَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى خُرَاسَانَ: الْجَرَّاحَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيَّ. [الوَفَيَاتُ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ بِالْمَدِينَةِ. وَمَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ . وَأَبُو ظَبْيَانَ بْنُ حُصَيْنِ بْنِ جُنْدُبٍ الْجَنْبِيُّ وَالِدُ قَابُوسٍ، (ظَبْيَانَ بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ) .
следующие страницы →