← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

ذِكْرُ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ لَمَّا كَانَ بِدَابِقٍ مَرِضَ، عَلَى مَا وَصَفْنَا، فَلَمَّا ثَقُلَ عَهِدَ فِي كِتَابٍ كَتَبَهُ لِبَعْضِ بَنِيهِ، وَهُوَ غُلَامٌ لَمْ يَبْلُغْ، فَقَالَ لَهُ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ: مَا تَصْنَعُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ إِنَّهُ مِمَّا يَحْفَظُ الْخَلِيفَةَ فِي قَبْرِهِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَى النَّاسِ الرَّجُلَ الصَّالِحَ. فَقَالَ سُلَيْمَانُ: أَنَا أَسْتَخِيرُ اللَّهَ وَأَنْظُرُ [فِيهِ] . وَلَمْ أَعْزِمْ [عَلَيْهِ] ، فَمَكَثَ سُلَيْمَانُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ خَرَقَهُ وَدَعَا رَجَاءً، فَقَالَ: مَا تَرَى فِي وَلَدِي دَاوُدَ؟ فَقَالَ رَجَاءٌ: هُوَ غَائِبٌ عَنْكَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَلَا تَدْرِي أَحَيٌّ [هُوَ] أَمْ لَا. قَالَ: فَمَنْ تَرَى؟ قَالَ رَجَاءٌ: رَأْيُكَ. قَالَ: فَكَيْفَ تَرَى فِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟ قَالَ رَجَاءٌ: فَقُلْتُ: أَعْلَمُهُ وَاللَّهِ خَيِّرًا فَاضِلًا سَلِيمًا. قَالَ سُلَيْمَانُ: هُوَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَئِنْ وَلَّيْتُهُ وَلَمْ أُوَلِ أَحَدًا سِوَاهُ لِتَكُونَنَّ فِتْنَةً وَلَا يَتْرُكُونَهُ أَبَدًا يَلِي عَلَيْهِمْ، إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ أَحَدُهُمْ بَعْدَهُ، وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ قَدْ عَهِدَ إِلَى الْوَلِيدِ وَسُلَيْمَانَ أَنْ يَجْعَلَا أَخَاهُمَا يَزِيدَ وَلِيَّ عَهْدٍ، فَأَمَرَ سُلَيْمَانُ أَنْ يُجْعَلَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بَعْدَ عُمَرَ، وَكَانَ يَزِيدُ غَائِبًا فِي الْمَوْسِمِ. قَالَ رَجَاءٌ: قُلْتُ رَأْيَكَ. فَكَتَبَ: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ سُلَيْمَانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، إِنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ الْخِلَافَةَ بَعْدِي وَمِنْ بَعْدِكَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ، وَلَا تَخْتَلِفُوا فَيُطْمَعَ فِيكُمْ ". وَخَتَمَ الْكِتَابَ. فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ جَابِرٍ الْعَبْسِيِّ صَاحِبِ شُرْطَتِهِ، فَقَالَ: ادْعُ أَهْلَ بَيْتِي. فَجَمَعَهُمْ كَعْبٌ. ثُمَّ قَالَ سُلَيْمَانُ لِرَجَاءٍ بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمْ: اذْهَبْ بِكِتَابِي إِلَيْهِمْ، وَأَخْبِرْهُمْ بِكِتَابِي، وَمُرْهُمْ فَيُبَايِعُوا مَنْ وَلَّيْتُ فِيهِ. فَفَعَلَ رَجَاءٌ، فَقَالُوا: نَدْخُلُ وَنُسَلِّمُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَدَخَلُوا، فَقَالَ لَهُمْ سُلَيْمَانُ: فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَهُوَ يُشِيرُ إِلَى الْكِتَابِ الَّذِي فِي يَدِ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَهْدِي، فَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا لِمَنْ سَمَّيْتُ فِيهِ. فَبَايَعُوهُ رَجُلًا رَجُلًا، وَتَفَرَّقُوا. وَقَالَ رَجَاءٌ: فَأَتَانِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ: أَخْشَى أَنْ يَكُونَ هَذَا أَسْنَدَ إِلَيَّ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْأَمْرِ، فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ وَحُرْمَتِي وَمَوَدَّتِي إِلَّا أَعْلَمْتَنِي إِنْ كَانَ ذَلِكَ، حَتَّى أَسَتَعْفِيَهُ الْآنَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ حَالٌ لَا أَقْدِرُ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ. قَالَ رَجَاءٌ: مَا أَنَا بِمُخْبِرِكَ [حَرْفًا] . قَالَ: فَذَهَبَ عُمَرُ عَنِّي غَضْبَانَ. قَالَ رَجَاءٌ: وَلَقِيَنِي هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَقَالَ: إِنَّ لِي بِكَ حُرْمَةً وَمَوَدَّةً قَدِيمَةً، وَعِنْدِي شُكْرٌ، فَأَعْلِمْنِي بِهَذَا الْأَمْرِ، فَإِنْ كَانَ إِلَى غَيْرِي تَكَلَّمْتُ، وَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أَذْكُرَ،

стр. 2067

شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَبَدًا. قَالَ رَجَاءٌ: فَأَبَيْتُ أَنْ أُخْبِرَهُ حَرْفًا، فَانْصَرَفَ هِشَامٌ وَهُوَ يَضْرِبُ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى وَهُوَ يَقُولُ: فَإِلَى مَنْ إِذَا نُحِّيَتْ عَنِّي؟ أَتَخْرُجُ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمَلِكِ؟ قَالَ رَجَاءٌ: وَدَخَلْتُ عَلَى سُلَيْمَانَ فَإِذَا هُوَ يَمُوتُ، فَجَعَلْتُ إِذَا أَخَذَتْهُ سَكْرَةٌ مِنْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ حَرَّفْتُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَيَقُولُ حِينَ يُفِيقُ: لَمْ يَأْنِ بَعْدُ. فَفَعَلْتُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ قَالَ: مِنَ الْآنَ يَا رَجَاءُ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ شَيْئًا، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَحَرَّفْتُهُ، فَمَاتَ، فَلَمَّا غَمَّضْتُهُ وَسَجَّيْتُهُ وَأَغْلَقْتُ الْبَابَ، أَرْسَلَتْ إِلَيَّ زَوْجَتُهُ فَقَالَتْ: كَيْفَ أَصْبَحَ؟ فَقُلْتُ: هُوَ نَائِمٌ قَدْ تَغَطَّى. وَنَظَرَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ مُتَغَطِّيًا فَرَجَعَ فَأَخْبَرَهَا، فَظَنَّتْ أَنَّهُ نَائِمٌ، قَالَ: فَأَجْلَسْتُ عَلَى الْبَابِ مَنْ أَثِقُ بِهِ، وَأَوْصَيْتُهُ أَنْ لَا يَبْرَحَ وَلَا يَتْرُكَ أَحَدًا يَدْخُلُ عَلَى الْخَلِيفَةِ. قَالَ: فَخَرَجْتُ فَأَرْسَلْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ جَابِرٍ، فَجَمَعَ أَهْلَ بَيْتِ سُلَيْمَانَ، فَاجْتَمَعُوا فِي مَسْجِدِ دَابِقٍ، فَقُلْتُ: بَايِعُوا. فَقَالُوا: قَدْ بَايَعْنَا مَرَّةً. قُلْتُ: وَأُخْرَى، هَذَا عَهْدُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَبَايَعُوا الثَّانِيَةَ، فَلَمَّا بَايَعُوا بَعْدَ مَوْتِهِ رَأَيْتُ أَنِّي قَدْ أَحْكَمْتُ الْأَمْرَ، فَقُلْتُ: قُومُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ، فَقَدْ مَاتَ. قَالُوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ! وَقَرَأْتُ الْكِتَابَ، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى ذِكْرِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ هِشَامٌ: لَا نُبَايِعُهُ وَاللَّهِ أَبَدًا. قُلْتُ: أَضْرِبُ وَاللَّهِ عُنُقَكَ، قُمْ فَبَايِعْ، فَقَامَ يَجُرُّ رِجْلَيْهِ. قَالَ رَجَاءٌ: فَأَخَذْتُ بِضَبْعَيْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَأَجْلَسْتُهُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَسْتَرْجِعُ لِمَا وَقَعَ فِيهِ، وَهِشَامٌ يَسْتَرْجِعُ لِمَا أَخْطَأَهُ. فَبَايَعُوهُ. وَغُسِّلَ سُلَيْمَانُ وَكُفِّنَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَدُفِنَ. فَلَمَّا دُفِنَ أُتِيَ عُمَرُ بِمَرَاكِبِ الْخِلَافَةِ وَلِكُلِّ دَابَّةٍ سَائِسٌ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: مَرَاكِبُ الْخِلَافَةِ. قَالَ: دَابَّتِي أَوْفَقُ لِي، وَرَكِبَ دَابَّتَهُ وَصَرَفْتُ تِلْكَ الدَّوَابَ، ثُمَّ أَقْبَلَ سَائِرًا، فَقِيلَ لَهُ: أَمَنْزِلُ الْخِلَافَةِ؟ فَقَالَ: فِيهِ عِيَالُ أَبِي أَيُّوبَ، يَعْنِي سُلَيْمَانَ، وَفِي فُسْطَاطِي كِفَايَةٌ حَتَّى يَتَحَوَّلُوا. فَأَقَامَ فِي مَنْزِلِهِ حَتَّى فَرَّغُوهُ. قَالَ رَجَاءٌ: فَأَعْجَبَنِي مَا صَنَعَ فِي الدَّوَابِّ وَمَنْزِلِ سُلَيْمَانَ، ثُمَّ دَعَا كَاتِبًا فَأَمْلَى عَلَيْهِ كِتَابًا وَاحِدًا وَأَمْرَهُ أَنْ يَنْسَخَهُ وَيُسَيِّرَهُ إِلَى كُلِّ بَلَدٍ. وَبَلَغَ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَكَانَ غَائِبًا، عَنْ مَوْتِ سُلَيْمَانَ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِبَيْعَةِ عُمَرَ، فَعَقَدَ لِوَاءً وَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ، فَبَلَغَهُ بَيْعَةُ عُمَرَ بِعَهْدِ سُلَيْمَانَ، وَأَقْبَلَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ بَايَعْتَ مَنْ قِبَلَكَ وَأَرَدْتَ دُخُولَ دِمَشْقَ! فَقَالَ: قَدْ كَانَ ذَاكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ

стр. 2068

بَلَغَنِي أَنَّ سُلَيْمَانَ لَمْ يَكُنْ عَهِدَ لِأَحَدٍ، فَخِفْتُ عَلَى الْأَمْوَالِ أَنْ تُنْهَبَ. فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ بَايَعْتَ وَقُمْتَ بِالْأَمْرِ لَمْ أُنَازِعْكَ فِيهِ وَلَقَعَدْتُ فِي بَيْتِي. فَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: مَا أُحِبُّ أَنَّهُ وَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ غَيْرُكَ، وَبَايَعَهُ، وَكَانَ يُرْجَى لِسُلَيْمَانَ بِتَوْلِيَتِهِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَتَرْكِ وَلَدِهِ. فَلَمَّا اسْتَقَرَّتِ الْبَيْعَةُ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ لِامْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمَلِكِ: إِنْ أَرَدْتِ صُحْبَتِي فَرُدِّي مَا مَعَكِ مِنْ مَالٍ وَحُلِيٍّ وَجَوْهَرٍ إِلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ لَهُمْ، فَإِنِّي لَا أَجْتَمِعُ أَنَا وَأَنْتِ وَهُوَ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ. فَرَدَّتْهُ جَمِيعَهُ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ عُمَرُ وَوَلِيَ أَخُوهَا يَزِيدُ رَدَّهُ عَلَيْهَا، وَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ أَنَّ عُمَرَ ظَلَمَكِ. قَالَتْ: كَلَّا وَاللَّهِ. وَامْتَنَعَتْ مِنْ أَخْذِهِ، وَقَالَتْ: مَا كُنْتُ أُطِيعُهُ حَيًّا وَأَعْصِيهِ مَيِّتًا. فَأَخَذَهُ يَزِيدُ وَفَرَّقَهُ عَلَى أَهْلِهِ. ذِكْرُ تَرْكِ سَبِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ، ﵇ كَانَ بَنُو أُمَيَّةَ يَسُبُّونَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، ﵇، إِلَى أَنْ وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْخِلَافَةَ، فَتَرَكَ ذَلِكَ وَكَتَبَ إِلَى الْعُمَّالِ فِي الْآفَاقِ بِتَرْكِهِ. وَكَانَ سَبَبُ مَحَبَّتِهِ عَلِيًّا أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ بِالْمَدِينَةِ أَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ وَكُنْتُ أَلْزَمُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، فَبَلَغَهُ عَنِّي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُهُ يَوْمًا وَهُوَ يُصَلِّي، فَأَطَالَ الصَّلَاةَ، فَقَعَدْتُ أَنْتَظِرُ فَرَاغَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ لِي: مَتَى عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ وَبَيْعَةِ الرِّضْوَانِ بَعْدَ أَنْ رَضِيَ عَنْهُمْ؟ قُلْتُ: لَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ. قَالَ: فَمَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكَ فِي عَلِيٍّ؟ فَقُلْتُ: مَعْذِرَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكَ! وَتَرَكْتُ مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، وَكَانَ أَبِي إِذَا خَطَبَ فَنَالَ مِنْ عَلِيٍّ، ﵁، تَلَجْلَجَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَهْ، إِنَّكَ تَمْضِي فِي خُطْبَتِكَ فَإِذَا أَتَيْتَ عَلَى ذِكْرِ عَلِيٍّ عَرَفْتُ مِنْكَ تَقْصِيرًا؟ قَالَ: أَوَفَطِنْتَ لِذَلِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّ الَّذِينَ حَوْلَنَا لَوْ يَعْلَمُونَ مِنْ عَلِيٍّ مَا نَعْلَمُ تَفَرَّقُوا عَنَّا إِلَى أَوْلَادِهِ. فَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنَ الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا مَا يَرْتَكِبُ هَذَا الْأَمْرَ الْعَظِيمَ

стр. 2069

لِأَجْلِهَا، فَتَرَكَ ذَلِكَ، وَكَتَبَ بِتَرْكِهِ، وَقَرَأَ عِوَضَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠] الْآيَةَ، فَحَلَّ هَذَا الْفِعْلُ عِنْدَ النَّاسِ مَحَلًّا حَسَنًا، وَأَكْثَرُوا مَدْحَهُ بِسَبَبِهِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ كُثَيِّرِ عَزَّةَ: وَلِيتَ وَلَمْ تَشْتُمْ عَلِيًّا وَلَمْ تُخِفْ ... بَرِيًّا وَلَمْ تَتْبَعْ مَقَالَةَ مُجْرِمِ تَكَلَّمْتَ بِالْحَقِّ الْمُبِينِ وَإِنَّمَا ... تُبَيَّنُ آيَاتُ الْهُدَى بِالتَّكَلُّمِ وَصَدَّقْتَ مَعْرُوفَ الَّذِي قُلْتَ بِالَّذِي ... فَعَلْتَ فَأَضْحَى رَاضِيًا كُلُّ مُسْلِمِ أَلَا إِنَّمَا يَكْفِي الْفَتَى بَعْدَ زَيْغِهِ ... مِنَ الْأَوَدِ الْبَادِي ثِقَافُ الْمُقَوِّمِ فَقَالَ عُمَرُ حِينَ أَنْشَدَهُ هَذَا الشِّعْرَ: أَفْلَحْنَا إِذًا. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَجَّهَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى مَسْلَمَةَ، وَهُوَ بِأَرْضِ الرُّومِ، يَأْمُرُهُ بِالْقُفُولِ مِنْهَا بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَوَجَّهَ لَهُ خَيْلًا عِتَاقًا وَطَعَامًا كَثِيرًا، وَحَثَّ النَّاسَ عَلَى مَعُونَتِهِمْ. وَفِيهَا أَغَارَتِ التُّرْكُ عَلَى أَذْرَبِيجَانَ فَقَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ جَمَاعَةً، فَوَجَّهَ عُمَرُ: [عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ] حَاتِمِ بْنِ الْبَاهِلِيِّ فَقَتَلَ أُولَئِكَ التُّرْكَ وَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا الْيَسِيرَ، وَقَدِمَ عَلَى عُمَرَ مِنْهُمْ بِخَمْسِينَ أَسِيرًا.

стр. 2070

وَفِيهَا عَزَلَ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ عَنِ الْعِرَاقِ، وَوَجَّهَ إِلَى الْبَصْرَةِ عَدِيَّ بْنَ أَرْطَاةَ الْفَزَارِيَّ، وَعَلَى الْكُوفَةِ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ الْعَدَوِيُّ الْقُرَشِيُّ، وَضَمَّ إِلَيْهِ أَبَا الزِّنَادِ، وَكَانَ كَاتِبُهُ، وَبَعَثَ عَدِيٌّ فِي أَثَرِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ مُوسَى بْنَ الْوَجِيهِ الْحِمْيَرِيَّ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَازِمٍ، وَكَانَ عَامِلُ [عُمَرَ عَلَى] الْمَدِينَةِ. وَكَانَ الْعَامِلُ عَلَى مَكَّةَ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ. وَعَلَى الْكُوفَةِ عَبْدُ الْحَمِيدِ، وَعَلَى الْقَضَاءِ بِهَا عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ. وَكَانَ عَلَى الْبَصْرَةِ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ، وَعَلَى الْقَضَاءِ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ، ثُمَّ اسْتَعْفَى عَدِيًّا، فَأَعْفَاهُ وَاسْتَقْضَى إِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، وَقِيلَ: بَلْ شَكَا الْحَسَنُ، فَعَزَلَهُ عَدِيٌّ، وَاسْتَقْضَى إِيَاسًا. وَاسْتَعْمَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى خُرَاسَانَ: الْجَرَّاحَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيَّ. [الوَفَيَاتُ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ بِالْمَدِينَةِ. وَمَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ . وَأَبُو ظَبْيَانَ بْنُ حُصَيْنِ بْنِ جُنْدُبٍ الْجَنْبِيُّ وَالِدُ قَابُوسٍ، (ظَبْيَانَ بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ) .

стр. 2071

وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو هَاشِمٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ سُمٍّ سُقِيَهُ عِنْدَ عَوْدِهِ مِنَ الشَّامِ، وَضَعَ عَلَيْهِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ مَنْ سَقَاهُ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِذَلِكَ عَادَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ بِالْحُمَيْمَةِ، فَعَرَّفَهُ حَالَهُ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ الْخِلَافَةَ صَائِرَةٌ إِلَى وَلَدِهِ، وَأَعْلَمَهُ كَيْفَ يَصْنَعُ، ثُمَّ مَاتَ عِنْدَهُ. وَفِي أَيَّامِ سُلَيْمَانَ تُوُفِّيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحٍ الْمُغَنِّي الْمَشْهُورُ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَبُو الْخَطَّابِ.

стр. 2072

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ مِائَةٍ] ١٠٠ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ مِائَةٍ ذِكْرُ خُرُوجِ شَوْذَبٍ الْخَارِجِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ شَوْذَبٌ، وَاسْمُهُ بِسْطَامٌ، مِنْ بَنِي يَشْكُرَ، فِي جُوخَى، وَكَانَ فِي ثَمَانِينَ رَجُلًا، فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ عَامِلِهِ بِالْكُوفَةِ أَنْ لَا يُحَرِّكَهُمْ حَتَّى يَسْفِكُوا دِمَاءً، وَيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ، فَإِنْ فَعَلُوا وَجِّهْ إِلَيْهِمْ رَجُلًا صَلِيبًا حَازِمًا فِي جُنْدٍ. فَبَعَثَ عَبْدُ الْحَمِيدِ مُحَمَّدَ بْنَ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ فِي أَلْفَيْنِ وَأَمْرَهُ بِمَا كَتَبَ بِهِ عُمَرُ، وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى بِسْطَامٍ يَسْأَلُهُ عَنْ مَخْرَجِهِ، فَقَدِمَ كِتَابُ عُمَرَ عَلَيْهِ وَقَدْ قَدِمَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، فَقَامَ بِإِزَائِهِ لَا يَتَحَرَّكُ. فَكَانَ فِي كِتَابِ عُمَرَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ خَرَجْتَ غَضَبًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَلَسْتَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنِّي، فَهَلُمَّ إِلَيَّ أُنَاظِرُكَ، فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ بِأَيْدِينَا دَخَلْتَ فِيمَا دَخَلَ النَّاسُ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِكَ نَظَرْنَا فِي أَمْرِكَ. فَكَتَبَ بِسْطَامٌ إِلَى عُمَرَ: قَدْ أَنْصَفْتَ وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ رَجُلَيْنِ يُدَارِسَانِكَ وَيُنَاظِرَانِكَ. وَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ مَوْلًى لِبَنِي شَيْبَانَ حَبَشِيًّا اسْمُهُ عَاصِمٌ، وَرَجُلًا مِنْ بَنِي يَشْكُرَ، فَقَدِمَا عَلَى عُمَرَ بِخُنَاصِرَةَ، فَدَخَلَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمَا: مَا أَخْرَجَكُمَا هَذَا الْمَخْرَجَ، وَمَا الَّذِي نَقَمْتُمْ؟ فَقَالَ عَاصِمٌ: مَا نَقَمْنَا سِيرَتَكَ، إِنَّكَ لَتَتَحَرَّى الْعَدْلَ وَالْإِحْسَانَ، فَأَخْبِرْنَا عَنْ قِيَامِكَ بِهَذَا الْأَمْرِ، أَعَنْ رِضًى مِنَ النَّاسِ وَمَشُورَةٍ، أَمِ ابْتَزَزْتُمْ أَمْرَهُمْ؟ فَقَالَ عُمَرُ: مَا سَأَلْتُهُمُ الْوِلَايَةَ عَلَيْهِمْ، وَلَا غَلَبْتُهُمْ عَلَيْهَا، وَعَهِدَ إِلَيَّ رَجُلٌ كَانَ

стр. 2073

قَبْلِي فَقُمْتُ وَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيَّ أَحَدٌ، وَلَمْ يَكْرَهْهُ غَيْرُكُمْ، وَأَنْتُمْ تَرَوْنَ الرِّضَا بِكُلِّ مَنْ عَدَلَ وَأَنْصَفَ مَنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ، فَاتْرُكُونِي ذَلِكَ الرَّجُلَ، فَإِنْ خَالَفْتُ الْحَقَّ وَرَغِبْتُ عَنْهُ; فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ. قَالَا: بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ أَمْرٌ وَاحِدٌ. قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَا: رَأَيْنَاكَ خَالَفْتَ أَعْمَالَ أَهْلِ بَيْتِكَ، وَسَمَّيْتَهَا مَظَالِمَ، فَإِنْ كُنْتَ عَلَى هُدًى وَهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ، فَالْعَنْهُمْ وَابْرَأْ مِنْهُمْ. فَقَالَ عُمَرً: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ لَمْ تَخْرِجُوا طَلَبًا لِلدُّنْيَا، وَلَكِنَّكُمْ أَرَدْتُمُ الْآخِرَةَ، فَأَخْطَأْتُمْ طَرِيقَهَا، إِنَّ اللَّهَ، ، لَمْ يَبْعَثْ رَسُولَهُ، ﷺ ، لَعَّانًا، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] . وَقَالَ اللَّهُ، : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] . وَقَدْ سَمَّيْتُ أَعْمَالَهُمْ ظُلْمًا، وَكَفَى بِذَلِكَ ذَمًّا وَنَقْصًا، وَلَيْسَ لَعْنُ أَهْلِ الذُّنُوبِ فَرِيضَةً لَا بُدَّ مِنْهَا، فَإِنْ قُلْتُمْ إِنَّهَا فَرِيضَةٌ فَأَخْبِرْنِي مَتَى لَعَنْتَ فِرْعَوْنَ؟ قَالَ: مَا أَذْكُرُ مَتَى لَعَنْتُهُ. قَالَ: أَفَيَسَعُكَ أَنْ لَا تَلْعَنَ فِرْعَوْنَ وَهُوَ أَخْبَثُ الْخَلْقِ وَشَرُّهُمْ، وَلَا يَسَعُنِي أَنْ لَا أَلْعَنَ أَهْلَ بَيْتِي وَهُمْ مُصَلُّونَ صَائِمُونَ! قَالَ: أَمَا هُمْ كُفَّارٌ بِظُلْمِهِمْ؟ قَالَ: لَا، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، دَعَا النَّاسَ إِلَى الْإِيمَانِ، فَكَانَ مَنْ أَقَرَّ بِهِ وَبِشَرَائِعِهِ قَبِلَ مِنْهُ، فَإِنَّ أَحْدَثَ حَدَثًا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ. فَقَالَ الْخَارِجِيُّ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، دَعَا النَّاسَ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَالْإِقْرَارِ بِمَا نَزَلَ مِنْ عِنْدِهِ. قَالَ عُمَرُ: فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَقُولُ: لَا أَعْمَلُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَكِنَّ الْقَوْمَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ غَلَبَ عَلَيْهِمُ السَّفَاءُ. قَالَ عَاصِمٌ: فَابْرَأْ مِمَّا خَالَفَ عَمَلَكَ وَرُدَّ أَحْكَامَهُمْ. قَالَ عُمَرُ: أَخْبِرَانِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، أَلَيْسَا عَلَى حَقٍّ؟ قَالَا: بَلَى. قَالَ: أَتَعْلَمَانِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حِينَ قَاتَلَ أَهْلَ الرِّدَّةِ سَفَكَ دِمَاءَهُمْ، وَسَبَى الذَّرَارِيَّ، وَأَخَذَ الْأَمْوَالَ؟ قَالَا: بَلَى. قَالَ: أَتَعْلَمَانِ أَنَّ عُمَرَ رَدَّ السَّبَايَا بَعْدَهُ إِلَى عَشَائِرِهِمْ بِفِدْيَةٍ؟ قَالَا: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ عُمَرُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَا: لَا. قَالَ: أَفَتَبْرَءُونَ أَنْتُمْ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؟ قَالَا: لَا. قَالَ: فَأَخْبِرَانِي عَنْ أَهْلِ النَّهْرَوَانِ وَهُمْ أَسْلَافُكُمْ، هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ خَرَجُوا فَلَمْ يَسْفِكُوا دَمًا، وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا، وَأَنَّ مَنْ خَرَجَ إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ قَتَلُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبَّابٍ وَجَارِيَتَهُ وَهِيَ حَامِلٌ؟ قَالَا: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ بَرِئَ مَنْ لَمْ يَقْتُلْ مِمَّنْ قَتَلَ وَاسْتَعْرَضَ؟ قَالَا: لَا: أَفَتَبْرَءُونَ أَنْتُمْ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ؟ (قَالَا: لَا) . قَالَ: أَفَيَسَعُكُمْ أَنْ تَتَوَلَّوْا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَهْلَ الْبَصْرَةِ وَأَهْلَ الْكُوفَةِ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ

стр. 2074

اخْتِلَافَ أَعْمَالِهِمْ، وَلَا يَسَعُنِي إِلَّا الْبَرَاءَةُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي وَالدِّينُ وَاحِدٌ! فَاتَّقُوا اللَّهَ! فَإِنَّكُمْ جُهَّالٌ، تَقْبَلُونَ مِنَ النَّاسِ مَا رَدَّ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَتَرُدُّونَ عَلَيْهِمْ مَا قَبِلَ، وَيَأْمَنُ عِنْدَكُمْ مَنْ خَافَ عِنْدَهُ، وَيَخَافُ عِنْدَكُمْ مِنْ أَمْنِ عِنْدَهُ، فَإِنَّكُمْ يَخَافُ عِنْدَكُمْ مَنْ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَكَانَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ آمِنًا وَحَقَنَ دَمَهُ وَمَالَهُ، وَأَنْتُمْ تَقْتُلُونَهُ، وَيَأْمَنُ عِنْدَكُمْ سَائِرُ أَهْلِ الْأَدْيَانِ، فَتُحَرِّمُونَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ. قَالَ الْيَشْكُرِيُّ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَلِيَ قَوْمًا وَأَمْوَالَهُمْ، فَعَدَلَ فِيهَا، ثُمَّ صَيَّرَهَا بَعْدَهُ إِلَى رَجُلٍ غَيْرِ مَأْمُونٍ، أَتَرَاهُ أَدَّى الْحَقَّ الَّذِي يَلْزَمُهُ لِلَّهِ، ، أَوْ تَرَاهُ قَدْ سَلِمَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَفَتُسَلِّمُ هَذَا الْأَمْرَ إِلَى يَزِيدَ مِنْ بَعْدِكَ، وَأَنْتَ تَعْرِفُ أَنَّهُ لَا يَقُومُ فِيهِ بِالْحَقِّ؟ قَالَ: إِنَّمَا وَلَّاهُ غَيْرِي وَالْمُسْلِمُونَ أَوْلَى بِمَا يَكُونُ مِنْهُمْ فِيهِ بَعْدِي. قَالَ: أَفْتَرَى ذَلِكَ مِنْ صُنْعِ مَنْ وَلَّاهُ حَقًّا؟ فَبَكَى عُمَرُ وَقَالَ: أَنْظِرَانِي ثَلَاثًا. فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ عَادَا إِلَيْهِ، فَقَالَ عَاصِمٌ: أَشْهَدُ أَنَّكَ عَلَى حَقٍّ. فَقَالَ عُمَرُ لِلْيَشْكُرِيِّ: مَا تَقُولُ أَنْتَ؟ قَالَ: مَا أَحْسَنَ مَا وَصَفْتَ، وَلَكِنِّي لَا أَفْتَاتُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِأَمْرٍ، اعْرِضْ عَلَيْهِمْ مَا قُلْتَ وَاعْلَمْ مَا حُجَّتُهُمْ. فَأَمَّا عَاصِمٌ فَأَقَامَ عِنْدَ عُمَرَ، فَأَمَرَ لَهُ عُمَرُ بِالْعَطَاءِ، فَتُوُفِّيَ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. فَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: أَهْلَكَنِي أَمْرُ يَزِيدَ وَخُصِمْتُ فِيهِ، فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ. فَخَافَ بَنُو أُمَيَّةَ أَنْ يُخْرِجَ مَا بِأَيْدِيهمْ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَأَنْ يَخْلَعَ يَزِيدَ مِنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ، فَوَضَعُوا عَلَى عُمَرَ مَنْ سَقَاهُ سُمًّا، فَلَمْ يَلْبَثْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا ثَلَاثًا حَتَّى مَرِضَ وَمَاتَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ مُقَابِلٌ الْخَوَارِجَ لَا يَتَعَرَّضُ إِلَيْهِمْ وَلَا يَتَعَرَّضُونَ إِلَيْهِ، كُلٌّ مِنْهُمْ يَنْتَظِرُ عَوْدَ الرُّسُلِ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَتُوُفِّيَ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ. ذِكْرُ الْقَبْضِ عَلَى يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ وَاسْتِعْمَالِ الْجَرَّاحِ عَلَى خُرَاسَانَ قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ يَأْمُرُهُ بِإِنْفَاذِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ إِلَيْهِ مُوثَقًا، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَى عَمَلِهِ وَيُقْبِلَ إِلَيْهِ، فَاسْتَخْلَفَ مَخْلَدًا ابْنَهُ، وَقَدِمَ مِنْ خُرْسَانَ وَنَزَلَ وَاسِطًا، ثُمَّ رَكِبَ السُّفُنَ يُرِيدُ

стр. 2075

الْبَصْرَةَ، فَبَعَثَ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ مُوسَى بْنَ الْوَجِيهِ الْحِمْيَرِيَّ، فَلَحِقَهُ فِي نَهْرِ مَعْقِلٍ عِنْدَ الْجِسْرِ، فَأَوْثَقَهُ وَبَعَثَ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَدَعَا بِهِ عُمَرُ، وَكَانَ يُبْغِضُ يَزِيدَ وَأَهْلَ بَيْتِهِ، وَيَقُولُ: هَؤُلَاءِ جَبَابِرَةٌ وَلَا أُحِبُّ مِثْلَهُمْ. وَكَانَ يَزِيدُ يُبْغِضُ عُمَرَ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ مُرَاءٍ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ عَرَفَ يَزِيدُ أَنَّهُ بَعِيدٌ مِنَ الرِّيَاءِ، وَلَمَّا دَعَا عُمَرُ يَزِيدَ سَأَلَهُ عَنِ الْأَمْوَالِ الَّتِي كَتَبَ بِهَا إِلَى سُلَيْمَانَ، فَقَالَ: كُنْتُ مِنْ سُلَيْمَانَ بِالْمَكَانِ الَّذِي قَدْ رَأَيْتَ، وَإِنَّمَا كَتَبْتُ إِلَى سُلَيْمَانَ لِأُسْمِعَ النَّاسَ بِهِ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ سُلَيْمَانَ لَمْ يَكُنْ لِيَأْخُذَنِي بِهِ. فَقَالَ لَهُ: لَا أَجِدُ فِي أَمْرِكَ إِلَّا حَبْسَكَ، فَاتَّقِ اللَّهَ وَأَدِّ مَا قِبَلَكَ، فَإِنَّهَا حُقُوقُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَسَعُنِي تَرْكُهَا. وَحَبَسَهُ بِحِصْنِ حَلَبَ. وَبَعَثَ الْجَرَّاحَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيَّ، فَسَرَّحَهُ إِلَى خُرَاسَانَ أَمِيرًا عَلَيْهَا، وَأَقْبَلَ مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ مِنْ خُرَاسَانَ يُعْطِي النَّاسَ، فَفَرَّقَ أَمْوَالًا عَظِيمَةً، ثُمَّ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ صَنَعَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِوِلَايَتِكَ، وَقَدِ ابْتُلِينَا بِكَ، فَلَا نَكُنْ نَحْنُ أَشْقَى النَّاسِ بِوِلَايَتِكَ، عَلَامَ تَحْبِسُ هَذَا الشَّيْخَ؟ أَنَا أَتَحَمَّلُ مَا عَلَيْهِ، فَصَالِحْنِي عَلَى مَا تَسْأَلُ. فَقَالَ عُمَرُ: لَا إِلَّا أَنْ يَحْمِلَ الْجَمِيعَ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ كَانَتْ لَكَ بَيِّنَةٌ فَخُذْ بِهَا، وَإِلَّا فَصَدِّقْ مُقَالَةَ يَزِيدَ وَاسْتَحْلِفْهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَصَالِحْهُ. فَقَالَ عُمَرُ: مَا آخُذُهُ إِلَّا بِجَمِيعِ الْمَالِ. فَخَرَجَ مَخْلَدٌ مِنْ عِنْدِهِ، فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَبِيهِ. ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ مَخْلَدٌ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى مَاتَ، فَصَلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ: الْيَوْمَ مَاتَ فَتَى الْعَرَبِ، وَأَنْشَدَ: بَكَوْا حُذَيْفَةَ لَمْ يُبَكُّوا مِثْلَهُ ... حَتَّى تَبِيدَ خَلَائِقٌ لَمْ تُخْلَقِ فَلَمَّا أَبَى يَزِيدُ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى عُمَرَ شَيْئًا أَلْبَسَهُ جُبَّةَ صُوفٍ، وَحَمَلَهُ عَلَى جَمَلٍ، وَقَالَ: سِيرُوا بِهِ إِلَى دَهْلَكَ. فَلَمَّا خَرَجَ، وَمَرُّوا بِهِ عَلَى النَّاسِ، أَخَذَ يَقُولُ: أَمَا لِي عَشِيرَةٌ؟ إِنَّمَا يَذْهَبُ إِلَى دَهْلَكَ الْفَاسِقُ وَاللِّصُّ. فَدَخَلَ سَلَامَةُ بْنُ نُعَيْمٍ الْخَوْلَانِيُّ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ارْدُدْ يَزِيدَ إِلَى مَحْبِسِهِ فَإِنِّي أَخَافُ إِنْ أَمْضَيْتَهُ أَنْ يَنْتَزِعَهُ قَوْمُهُ، فَإِنَّهُمْ قَدْ عَصَبُوا لَهُ. فَرَدَّهُ إِلَى مَحْبِسِهِ، فَبَقِيَ فِيهِ حَتَّى بَلَغَهُ مَرَضُ عُمَرَ.

стр. 2076

ذِكْرُ عَزْلِ الْجَرَّاحِ وَاسْتِعْمَالِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُعَيْمٍ الْقُشَيْرِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَقِيلَ: فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ عُمَرُ الْجَرَّاحَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيَّ عَنْ خُرَاسَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ نُعَيْمٍ الْقُشَيْرِيَّ، وَكَانَ عَزْلُ الْجَرَّاحِ فِي رَمَضَانَ. كَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنْ يَزِيدَ لَمَّا عُزِلَ عَنْ خُرَاسَانَ أَرْسَلَ عَامِلُ الْعِرَاقِ عَامِلًا عَلَى جُرْجَانَ، فَأَخَذَ جَهْمَ بْنَ زَحْرٍ الْجُعْفِيَّ، وَكَانَ عَلَى جُرْجَانَ عَامِلًا لِيَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، فَحَبَسَهُ وَقَيَّدَهُ، وَحَبَسَ رَهْطًا قَدِمُوا مَعَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْجَرَّاحِ بِخُرَاسَانَ، فَأَطْلَقَ أَهْلُ جُرْجَانَ عَامِلَهُمْ، وَقَالَ الْجَرَّاحُ لِجَهْمٍ: لَوْلَا أَنَّكَ ابْنُ عَمِّي لَمْ أُسَوِّغْكَ هَذَا. فَقَالَ جَهْمٌ: وَلَوْلَا أَنَّكَ ابْنُ عَمِّي لَمْ آتِكَ. وَكَانَ جَهْمٌ سِلْفَ الْجَرَّاحِ مِنْ قِبَلِ ابْنَتَيِ الْحُصَيْنِ بْنِ الْحَارِثِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ ابْنَ عَمِّهِ فَلِأَنَّ الْحَكَمَ وَالْجُعْفِيَّ ابْنَا سَعْدٍ الْقُشَيْرِيِّ. فَقَالَ لَهُ الْجَرَّاحُ: خَالَفْتَ إِمَامَكَ، فَاغْزُ لَعَلَّكَ تَظْفَرُ، فَيَصْلُحُ أَمْرُكَ عِنْدَهُ. فَوَجَّهَهُ إِلَى الْخُتَّلِ، فَغَنِمَ مِنْهُمْ وَرَجِعَ، وَأَوْفَدَ الْجَرَّاحُ إِلَى عُمَرَ وَفْدًا، رَجُلَيْنِ مِنَ الْعَرَبِ، وَرَجُلًا مِنَ الْمَوَالِي يُكَنَّى أَبَا الصَّيْدِ، فَتَكَلَّمَ الْعَرَبِيَّانِ وَالْمَوْلَى سَاكِتٌ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَنْتَ مِنَ الْوَفْدِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الْكَلَامِ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عِشْرُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَوَالِي يَغْزُونَ بِلَا عَطَاءٍ وَلَا رِزْقٍ، وَمِثْلُهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا مِنَ الذِّمَّةِ يُؤْخَذُونَ بِالْخَرَاجِ، فَأَمِيرُنَا عَصَبِيٌّ جَافٍ يَقُومُ عَلَى مِنْبَرِنَا، فَيَقُولُ: أَتَيْتُكُمْ حَفِيًّا، وَأَنَا الْيَوْمُ عَصَبِيٌّ، وَاللَّهِ لَرَجُلٌ مِنْ قَوْمِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مِائَةٍ مِنْ غَيْرِهِمْ. وَهُوَ بَعْدُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ الْحَجَّاجِ، قَدْ عَمِلَ بِالظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ. قَالَ عُمَرُ: إِذَنْ بِمِثْلِكَ يُوفَدُ. فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى الْجَرَّاحِ: انْظُرْ مَنْ صَلَّى قِبَلَكَ [إِلَى الْقِبْلَةِ] فَضَعْ عَنْهُ الْجِزْيَةَ. فَسَارَعَ النَّاسُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقِيلَ لِلْجَرَّاحِ: إِنِ النَّاسَ قَدْ سَارَعُوا إِلَى الْإِسْلَامِ نُفُورًا مِنَ الْجِزْيَةِ، فَامْتَحِنْهُمْ بِالْخِتَانِ. فَكَتَبَ الْجَرَّاحُ بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَيْهِ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ

стр. 2077

مُحَمَّدًا ﷺ ، دَاعِيًا وَلَمْ يَبْعَثْهُ خَاتِنًا، وَقَالَ: إِيتُونِي رَجُلًا صَدُوقًا أَسْأَلُهُ عَنْ خُرَاسَانَ. فَقِيلَ لَهُ: عَلَيْكَ بِأَبِي مِجْلَزٍ. فَكَتَبَ إِلَى الْجَرَّاحِ: أَنْ أَقْبِلْ وَاحْمِلْ أَبَا مِجْلَزٍ، وَخَلِّفْ عَلَى حَرْبِ خُرَاسَانَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ نُعَيْمٍ الْعَامِرِيَّ. فَخَطَبَ الْجَرَّاحُ وَقَالَ: يَا أَهْلَ خُرَاسَانَ جِئْتُكُمْ فِي ثِيَابِي هَذِهِ الَّتِي عَلَيَّ وَعَلَى فَرَسِي، لَمْ أُصِبْ مِنْ مَالِكُمْ إِلَّا حِلْيَةَ سَيْفِي. وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا فَرَسٌ وَبَغْلَةٌ. فَسَارَ عَنْهُمْ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ قَالَ: مَتَى خَرَجْتَ؟ قَالَ: فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. قَالَ: صَدَقَ مَنْ وَصَفَكَ بِالْجَفَاءِ، هَلَّا أَقَمْتَ حَتَّى تُفْطِرَ ثُمَّ تَخْرُجَ! وَكَانَ الْجَرَّاحُ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ: إِنِّي قَدِمْتُ خُرَاسَانَ، فَوَجَدْتُ قَوْمًا قَدْ أَبْطَرَتْهُمُ الْفِتْنَةُ، فَأَحَبُّ الْأُمُورِ إِلَيْهِمْ أَنْ يَعُودُوا لِيَمْنَعُوا حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَلَيْسَ يَكْفِهِمْ إِلَّا السَّيْفُ وَالسَّوْطُ، فَكَرِهْتُ الْإِقْدَامَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِإِذْنِكَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: يَا ابْنَ أُمِّ الْجَرَّاحِ، أَنْتَ أَحْرَصُ عَلَى الْفِتْنَةِ مِنْهُمْ، لَا تَضْرِبَنَّ مُؤْمِنًا وَلَا مُعَاهِدًا سَوْطًا إِلَّا فِي الْحَقِّ، وَاحْذَرِ الْقِصَاصَ، فَإِنَّكَ صَائِرٌ إِلَى مَنْ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، وَتَقْرَأُ كِتَابًا: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩] . فَلَمَّا قَدِمَ الْجَرَّاحُ عَلَى عُمَرَ، وَقَدِمَ أَبُو مِجْلَزٍ، قَالَ لَهُ عُمَرُ: أَخْبِرْنِي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: يُكَافِي الْأَكْفَاءَ، وَيُعَادِي الْأَعْدَاءَ، وَهُوَ أَمِيرٌ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيُقْدِمُ إِنْ وَجَدَ مَنْ يُسَاعِدُهُ. قَالَ: فَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نُعَيْمٍ؟ قَالَ: يُحِبُّ الْعَافِيَةَ وَالتَّأَنِّي، وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ. فَوَلَّاهُ الصَّلَاةَ وَالْحَرْبَ، وَوَلَّى عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْقُشَيْرِيَّ الْخَرَاجَ، وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ خُرَاسَانَ: إِنِّي اسْتَعْمَلْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ عَلَى حَرْبِكُمْ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ [بْنَ عَبْدِ اللَّهِ] عَلَى خَرَاجِكُمْ، وَكَتَبَ إِلَيْهِمَا يَأْمُرُهُمَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ. فَلَمْ يَزَلْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نُعَيْمٍ عَلَى خُرَاسَانَ حَتَّى مَاتَ عُمَرُ، وَبَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، وَوَجَّهَ مَسْلَمَةُ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْحَارِثَ بْنَ الْحَكَمِ، فَكَانَتْ وِلَايَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ وَنِصْفٍ. ذِكْرُ ابْتِدَاءِ الدَّعْوَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَجَّهَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ الدُّعَاةَ فِي الْآفَاقِ.

стр. 2078

وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مُحَمَّدًا كَانَ يَنْزِلُ أَرْضَ الشَّرَاةِ مِنْ أَعْمَالِ الْبَلْقَاءِ بِالشَّامِ، فَسَارَ أَبُو هَاشِمٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى الشَّامِ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَاجْتَمَعَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُ، وَاجْتَمَعَ أَبُو هَاشِمٍ بِسُلَيْمَانَ وَأَكْرَمَهُ وَقَضَى حَوَائِجَهُ، وَرَأَى مِنْ عِلْمِهِ وَفَصَاحَتِهِ مَا حَسَدَهُ عَلَيْهِ وَخَافَهُ، فَوَضَعَ عَلَيْهِ مَنْ وَقَفَ عَلَى طَرِيقِهِ فَسَمَّهِ فِي لَبَنٍ. فَلَمَّا أَحَسَّ أَبُو هَاشِمٍ بِالشَّرِّ قَصْدَ الْحُمَيْمَةَ مِنْ أَرْضِ الشَّرَاةِ، وَبِهَا مُحَمَّدٌ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ وَأَعْلَمَهُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ صَائِرٌ إِلَى وَلَدِهِ، وَعَرَّفَهُ مَا يَعْمَلُ، وَكَانَ أَبُو هَاشِمٍ قَدْ أَعْلَمَ شِيعَتَهُ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ عِنْدَ تَرَدُّدِهِمْ إِلَيْهِ أَنَّ الْأَمْرَ صَائِرٌ إِلَى وَلَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأَمَرَهُمْ بِقَصْدِهِ بَعْدَهُ. فَلَمَّا مَاتَ أَبُو هَاشِمٍ قَصَدُوا مُحَمَّدًا وَبَايَعُوهُ، وَعَادُوا فَدَعُوا النَّاسَ إِلَيْهِ، فَأَجَابُوهُمْ، وَكَانَ الَّذِينَ سَيَّرَهُمْ إِلَى الْآفَاقِ جَمَاعَةٌ، فَوَجَّهَ مَيْسَرَةَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَوَجَّهَ مُحَمَّدَ بْنَ خُنَيْسٍ، وَأَبَا عِكْرِمَةَ السَّرَّاجَ، وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ، وَحَيَّانَ الْعَطَّارَ، خَالَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَلَمَةَ، إِلَى خُرَاسَانَ، وَعَلَيْهَا الْجَرَّاحُ الْحَكَمِيُّ، وَأَمْرَهُمْ بِالدُّعَاءِ إِلَيْهِ وَإِلَى أَهْلِ بَيْتِهِ. فَلَقُوا مَنْ لَقُوا. ثُمَّ انْصَرَفُوا بِكُتُبِ مَنِ اسْتَجَابَ لَهُمْ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، فَدَفَعُوهَا إِلَى مَيْسَرَةَ، فَبَعَثَ بِهَا مَيْسَرَةُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَاخْتَارَ أَبُو مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا نُقَبَاءً، مِنْهُمْ: سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ الْخُزَاعِيُّ، وَلَاهِزُ بْنُ قُرَيْظٍ التَّمِيمِيُّ، وَقَحْطَبَةُ بْنُ شَبِيبٍ الطَّائِيُّ، وَمُوسَى بْنُ كَعْبٍ التَّمِيمِيُّ، وَخَالِدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ بْنِ ذُهْلٍ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُجَاشِعٍ التَّمِيمِيُّ، وَعِمْرَانُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَبُو النَّجْمِ مَوْلَى آلِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَمَالِكُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْخُزَاعِيُّ، وَطَلْحَةُ بْنُ زُرَيْقٍ الْخُزَاعِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ أَعْيَنَ أَبُو حَمْزَةَ مَوْلَى خُزَاعَةَ، وَشِبْلُ بْنُ طَهْمَانَ أَبُو عَلِيٍّ الْهَرَوِيُّ مَوْلًى لِبَنِي حَنِيفَةَ، وَعِيسَى بْنُ أَعْيَنَ مَوْلَى خُزَاعَةَ، وَاخْتَارَ سَبْعِينَ رَجُلًا، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ كِتَابًا لِيَكُونَ لَهُمْ مِثَالًا وَسِيرَةً يَسِيرُونَ بِهَا. (الْحُمَيْمَةُ: بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالشَّرَاةِ: بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ) . ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمْرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَهْلَ طُرَنْدَةَ بِالْقُفُولِ عَنْهَا إِلَى مَلَطْيَةَ، وَطُرَنْدَةَ

стр. 2079

وَاغِلَةٌ فِي الْبِلَادِ الرُّومِيَّةِ مِنْ مَلَطْيَةَ بِثَلَاثِ مَرَاحِلَ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَدْ أَسْكَنَهَا الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ أَنْ غَزَاهَا سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ، وَمَلَطْيَةُ يَوْمَئِذٍ خَرَابٌ، وَكَانَ يَأْتِيهِمْ جُنْدٌ مِنَ الْجَزِيرَةِ يُقِيمُونَ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنْ يَنْزِلَ الثَّلْجُ، وَيَعُودُونَ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ إِلَى أَنْ وَلِيَ عُمَرُ، فَأَمَرَهُمْ بِالْعَوْدِ إِلَى مَلَطْيَةَ، وَأَخْلَى طُرَنْدَةَ خَوْفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْعَدِوِّ، وَأَخْرَبَ طُرَنْدَةَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى مَلَطْيَةَ جَعُونَةَ بْنَ الْحَارِثِ أَحَدَ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ. وَفِيهَا كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى مُلُوكِ السِّنْدِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ عَلَى أَنْ يُمَلِّكَهُمْ بِلَادَهُمْ، وَلَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ كَانَتْ سِيرَتُهُ بِلَغَتْهُمْ، فَأَسْلَمَ جَيْشَبَهْ بْنُ ذَاهِرَ، وَالْمُلُوكُ تَسَمَّوْا لَهُ بِأَسْمَاءِ الْعَرَبِ، وَكَانَ عُمَرُ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَلَى ذَلِكَ الثَّغْرِ عَمْرُو بْنُ مُسْلِمٍ أَخَا قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، فَغَزَا بَعْضَ الْهِنْدِ، فَظَفِرَ وَبَقِيَ مُلُوكُ السِّنْدِ مُسْلِمِينَ عَلَى بِلَادِهِمْ أَيَّامَ عُمَرَ وَيَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا كَانَ أَيَّامَ هِشَامٍ ارْتَدُوا عَنِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ سَبَبُهُ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِيهَا أَغْزَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْوَلِيدَ بْنَ هِشَامٍ الْمُعَيْطِيَّ، وَعَمْرَو بْنَ قَيْسٍ الْكِنْدِيَّ الصَّائِفَةَ. وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عُمَرَ بْنَ هُبَيْرَةَ الْفَزَارِيَّ عَلَى الْجَزِيرَةِ عَامِلًا عَلَيْهِمْ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو. وَكَانَ الْعُمَّالُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ إِلَّا عَامِلَ خُرَاسَانَ. وَكَانَ عَلَى حَرْبِهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نُعَيْمٍ، وَعَلَى خَرَاجِهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي آخِرِهَا. (وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى

стр. 2080

إِفْرِيقِيَّةَ، وَاسْتَعْمَلَ السَّمْحَ بْنَ مَالِكٍ الْخَوْلَانِيَّ عَلَى الْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ قَدْ رَأَى مِنْهُ أَمَانَةً وَدِيَانَةً عِنْدَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَاسْتَعْمَلَهُ) . [الوَفَيَاتُ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ بِمَكَّةَ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَفِيهَا مَاتَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، (وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ الْهَمْدَانِيُّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ الْفَقِيهُ) ، وَقِيلَ: سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ، وَكَانَ وُلِدَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَمَّاهُ وَكَنَّاهُ بِجَدِّهِ لِأُمِّهِ أَبِي أُمَامَةَ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، وَكَانَ قَدْ مَاتَ قَبْلَ بَدْرٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ مَوْلَى الْحَضْرَمِيِّينَ، (بُسْرُ: بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ) . وَعِيسَى بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ.

стр. 2081

وَمُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ. وَرِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ الْكُوفِيُّ، (حِرَاشٌ: بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ) ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ. وَحَنَشُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّنْعَانِيُّ، كَانَ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ، فَلَمَّا قُتِلَ انْتَقَلَ إِلَى مِصْرَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اخْتَطَّ جَامِعَ سَرَقُسْطَةَ بِالْأَنْدَلُسِ. (حَنَشٌ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ، وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ) .

стр. 2082

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَمِائَةٍ] ١٠١ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَمِائَةٍ ذِكْرُ هَرَبِ ابْنِ الْمُهَلَّبِ قَدْ ذَكَرْنَا حَبْسَ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، فَلَمْ يَزَلْ مَحْبُوسًا حَتَّى اشْتَدَّ مَرَضُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَعَمِلَ فِي الْهَرَبِ، فَخَافَ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ لِأَنَّهُ قَدْ عَذَّبَ أَصْهَارَهُ آلَ أَبِي عَقِيلٍ، وَكَانَتْ أُمُّ الْحَجَّاجِ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، وَهِيَ ابْنَةُ أَخِي الْحَجَّاجِ، زَوْجَةُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَكَانَ سَبَبُ تَعْذِيبِهِمْ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ طَلَبَ آلَ أَبِي عَقِيلٍ، فَأَخَذَهُمْ وَسَلَّمَهُمْ إِلَى يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ لِيُخَلِّصَ أَمْوَالَهُمْ، فَعَذَّبَهُمْ وَبَعَثَ ابْنُ الْمُهَلَّبِ إِلَى الْبَلْقَاءِ مِنْ أَعْمَالِ دِمَشْقَ، وَبِهَا خَزَائِنُ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ وَعِيَالُهُ، فَنَقَلَهُمْ وَمَا مَعَهُمْ إِلَيْهِ، وَكَانَ فِيمَنْ أُتِيَ بِهِ أُمُّ الْحَجَّاجِ زَوْجَةُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، (وَقِيلَ: بَلْ أُخْتٌ لَهَا، فَعَذَّبَهَا، فَأَتَى يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ) إِلَى ابْنِ الْمُهَلَّبِ فِي مَنْزِلِهِ فَشَفَعَ فِيهَا، فَلَمْ يُشَفِّعْهُ، فَقَالَ: الَّذِي قَرَّرْتُمْ عَلَيْهَا أَنَا أَحْمِلُهُ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، فَقَالَ لِابْنِ الْمُهَلَّبِ: أَمَّا وَاللَّهِ لَئِنْ وُلِّيتُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْئًا لَأَقْطَعَنَّ مِنْكَ عُضْوًا! فَقَالَ ابْنُ الْمُهَلَّبِ: وَأَنَا وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ ذَلِكَ لَأَرْمِيَنَّكَ بِمِائَةِ أَلْفِ سَيْفٍ. فَحَمَلَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ (مَا كَانَ عَلَيْهَا) ، وَكَانَ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَقِيلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. فَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ خَافَ ابْنُ الْمُهَلَّبِ مِنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَوَالِيهِ، فَأَعَدُّوا لَهُ إِبِلًا وَخَيْلًا، وَوَاعَدَهُمْ مَكَانًا يَأْتِيهِمْ فِيهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَامِلِ حَلَبَ مَالًا، وَإِلَى الْحَرَسِ الَّذِينَ يَحْفَظُونَهُ، وَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ ثَقُلَ وَلَيْسَ بِرَجَاءٍ، وَإِنْ وَلِيَ يَزِيدُ يَسْفِكُ دَمِي. فَأَخْرَجُوهُ، فَهَرَبَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي وَاعَدَ أَصْحَابَهُ فِيهِ، فَرَكِبَ الدَّوَابَّ وَقَصَدَ الْبَصْرَةَ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ كِتَابًا يَقُولُ: إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ وَثِقْتُ بِحَيَاتِكَ لَمْ أَخْرُجْ مِنْ مَحْبِسِكَ، وَلَكِنِّي خِفْتُ أَنْ يَلِيَ يَزِيدُ، فَيَقْتُلَنِي شَرَّ قِتْلَةٍ. فَوَرَدَ الْكِتَابُ

стр. 2083

وَبِهِ رَمَقٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ يُرِيدُ بِالْمُسْلِمِينَ سُوءًا فَأَلْحِقْهُ بِهِ وَهِضْهُ فَقَدْ هَاضَنِي. وَمَرَّ يَزِيدُ فِي طَرِيقِهِ بِالْهُذَيْلِ بْنِ زُفَرَ بْنِ الْحَارِثِ، وَكَانَ يَخَافُهُ، فَلَمْ يَشْعُرِ الْهُذَيْلُ إِلَّا وَقَدْ دَخَلَ يَزِيدُ وَدَعَا بِلَبَنٍ فَشَرِبَهُ، فَاسْتَحْيَا مِنْهُ الْهُذَيْلُ وَعَرَضَ عَلَيْهِ خَيْلَهُ وَغَيْرَهَا، فَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا. وَقِيلَ فِي سَبَبِ خَوْفِ ابْنِ الْمُهَلَّبِ مِنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ وَفَاةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قِيلَ: تُوُفِّيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي رَجَبٍ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ، وَكَانَتْ شَكْوَاهُ عِشْرِينَ يَوْمًا، وَلَمَّا مَرِضَ، قِيلَ لَهُ: لَوْ تَدَاوَيْتَ. قَالَ: لَوْ كَانَ دَوَائِي فِي مَسْحِ أُذُنِي مَا مَسَحْتُهَا، نِعْمَ الْمَذْهُوبُ إِلَيْهِ رَبِّي، وَكَانَ مَوْتُهُ بِدَيْرِ سَمْعَانَ، وَقِيلَ: بِخُنَاصِرَةَ، وَدُفِنَ بِدَيْرِ سَمْعَانَ. وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سَنَتَيْنِ وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ عُمُرُهُ تِسْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَشْهُرًا، وَقِيلَ: كَانَ عُمُرُهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَأَشْهُرًا، وَكَانَتْ كُنْيَتُهُ أَبَا حَفْصٍ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: أَشُجُّ بَنِي أُمَيَّةَ، وَكَانَ قَدْ رَمَحَتْهُ دَابَّةٌ مِنْ دَوَابِّ أَبِيهِ: فَشَجَّتْهُ وَهُوَ غُلَامٌ، فَدَخَلَ عَلَى أُمِّهِ، فَضَمَّتْهُ إِلَيْهَا وَعَذَلَتْ أَبَاهُ وَلَامَتْهُ حَيْثُ لَمْ يَجْعَلْ مَعَهُ حَاضِنًا، فَقَالَ لَهَا عَبْدُ الْعَزِيزِ: اسْكُتِي يَا أُمَّ عَاصِمٍ، فَطُوبَاكِ إِنْ كَانَ أَشُجَّ بَنِي أُمَيَّةَ. قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَمَّا وَضَعْتُ الْوَلِيدَ فِي حُفْرَتِهِ نَظَرْتُ فَإِذَا وَجْهُهُ قَدِ اسْوَدَّ، فَإِذْ مِتُّ وَدُفِنْتُ فَاكْشِفْ عَنْ وَجْهِي، فَفَعَلْتُ فَرَأَيْتُهُ أَحْسَنَ مِمَّا كَانَ أَيَّامَ تَنَعُّمِهِ. وَقِيلَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: يَا لَيْتَ شِعْرِي مِنْ هَذَا الَّذِي مِنْ وَلَدِ عُمَرَ، فِي وَجْهِهِ عَلَامَةٌ يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا؟

стр. 2084

وَكَانَتْ أُمُّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أُمُّ عَاصِمٍ بِنْتُ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَهُوَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَرَثَاهُ الشُّعَرَاءُ فَأَكْثَرُوا، فَقَالَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ: أَقُولُ لَمَّا أَتَانِي ثَمَّ مَهْلِكُهُ ... لَا تَبْعُدَنَّ قِوَامَ الْحَقِّ وَالدِّينِ قَدْ غَادَرُوا فِي ضَرِيحِ اللَّحْدِ مُنْجَدِلًا ... بِدَيْرِ سَمْعَانَ قِسْطَاسَ الْمَوَازِينِ وَرَثَاهُ جَرِيرٌ وَالْفَرَزْدَقُ وَغَيْرُهُمَا. ذِكْرُ بَعْضِ سِيرَتِهِ قِيلَ: لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ كَتَبَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَبَضَهُ وَاسْتَخْلَفَنِي، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ بَعْدِي إِنْ كَانَ، وَإِنَّ الَّذِي وَلَّانِي اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ وَقَدَّرَ لِي لَيْسَ عَلَيَّ بِهَيِّنٍ، وَلَوْ كَانَتْ رَغْبَتِي فِي اتِّخَاذِ أَزْوَاجٍ، أَوِ اعْتِقَادِ أَمْوَالٍ، لَكَانَ فِي الَّذِي أَعْطَانِي مِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ بَلَغَ بِي، أَفْضَلَ مَا بَلَغَ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَأَنَا أَخَافُ فِيمَا ابْتُلِيتُ بِهِ حِسَابًا شَدِيدًا، وَمَسْأَلَةً غَلِيظَةً، إِلَّا مَا عَفَا اللَّهُ وَرَحِمَ، وَقَدْ بَايَعَ مَنْ قِبَلَنَا، فَبَايِعْ مَنْ قِبَلَكَ. فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ قِيلَ لَهُ: لَسْتَ مِنْ عُمَّالِهِ، لِأَنَّ كَلَامَهُ لَيْسَ كَكَلَامِ مَنْ مَضَى مِنْ أَهْلِهِ. فَدَعَا يَزِيدُ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ، فَبَايَعُوا. قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُعَيْمٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَاعْمَلْ عَمَلَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ. قَالَ طُفَيْلُ بْنُ مِرْدَاسٍ: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي السَّرِيِّ: أَنِ اعْمَلْ خَانَاتٍ، فَمَنْ مَرَّ بِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَاقْرُوهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَتَعَهَّدُوا دَوَابَّهُمْ، وَمَنْ كَانَتْ بِهِ عِلَّةٌ فَاقْرُوهُ

стр. 2085

يَوْمَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا بِهِ، فَأَبْلِغْهُ بَلَدَهُ. فَلَمَّا أَتَاهُ كِتَابُ عُمَرَ قَالَ لَهُ أَهْلُ سَمَرْقَنْدَ: قُتَيْبَةُ ظَلَمَنَا وَغَدَرَ بِنَا فَأَخَذَ بِلَادَنَا، وَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ الْعَدْلَ وَالْإِنْصَافَ، فَأْذَنْ لَنَا فَلْيَقْدَمْ مِنَّا وَفْدٌ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَأَذِنَ لَهُمْ، فَوَجَّهُوا وَفْدًا إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ لَهُمْ إِلَى سُلَيْمَانَ: إِنَّ أَهْلَ سَمَرْقَنْدَ شَكَوْا ظُلْمًا وَتَحَامُلًا مِنْ قُتَيْبَةَ عَلَيْهِمْ، حَتَّى أَخْرَجَهُمْ مِنْ أَرْضِهِمْ، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي فَأَجْلِسْ لَهُمُ الْقَاضِي، فَلْيَنْظُرْ فِي أَمْرِهِمْ، فَإِنْ قَضَى لَهُمْ، فَأَخْرِجِ الْعَرَبَ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ كَمَا كَانُوا قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِمْ قُتَيْبَةُ. قَالَ: فَأَجْلَسَ لَهُمْ سُلَيْمَانُ جُمَيْعَ بْنَ حَاضِرٍ الْقَاضِيَ، فَقَضَى أَنْ يَخْرُجَ عَرَبُ سَمَرْقَنْدَ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ، وَيُنَابِذُوهُمْ عَلَى سَوَاءٍ، فَيَكُونُ صُلْحًا جَدِيدًا، أَوْ ظَفَرًا عَنْوَةً. فَقَالَ أَهْلُ الصُّغْدِ: بَلَى نَرْضَى بِمَا كَانَ وَلَا نُحْدِثُ حَرْبًا، وَتَرَاضَوْا بِذَلِكَ. قَالَ دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيُّ: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ قَدْ أَصَابَهُمْ بَلَاءٌ وَشِدَّةٌ وَجَوْرٌ فِي أَحْكَامِ اللَّهِ، وَسُنَّةٌ خَبِيثَةٌ سَنَّهَا عَلَيْهِمْ عُمَّالُ السُّوءِ، وَإِنَّ قِوَامَ الدِّينِ الْعَدْلُ وَالْإِحْسَانُ، فَلَا يَكُونَنَّ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّهُ لَا قَلِيلَ مِنَ الْإِثْمِ، وَلَا تَحْمِلْ خَرَابًا عَلَى عَامِرٍ، وَخُذْ مِنْهُ مَا أَطَاقَ، وَأَصْلِحْهُ حَتَّى يُعَمَّرَ، وَلَا يُؤْخَذَنَّ مِنَ الْعَامِرِ إِلَّا وَظِيفَةَ الْخَرَاجِ فِي رِفْقٍ وَتَسْكِينٍ لِأَهْلِ الْأَرْضِ، وَلَا تَأْخُذَنَّ أُجُورَ الضَّرَّابِينَ، وَلَا هَدِيَّةَ النَّوْرُوزِ وَالْمَهْرَجَانِ، وَلَا ثَمَنَ الصُّحُفِ، وَلَا أُجُورَ الْفُيُوجِ، وَلَا أُجُورَ الْبُيُوتِ، وَلَا دِرْهَمَ النِّكَاحِ، وَلَا خَرَاجَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَاتَّبِعْ فِي ذَلِكَ أَمْرِي، فَإِنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ مِنْ ذَلِكَ مَا وَلَّانِي اللَّهُ، وَلَا تُعَجِّلْ دُونِي بِقَطْعٍ وَلَا صَلْبٍ حَتَّى تُرَاجِعَنِي فِيهِ، وَانْظُرْ مَنْ أَرَادَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ أَنْ يَحُجَّ، فَعَجِّلْ لَهُ مِائَةً لِيَحُجَّ بِهَا، وَالسَّلَامُ. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمَلِكِ،

стр. 2086

رَحِمَهَا اللَّهُ، امْرَأَةُ عُمَرَ: لَمَّا مَرِضَ عُمَرُ اشْتَدَّ قَلَقُهُ لَيْلَةً، فَسَهِرْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَمَرْتُ وَصِيفًا لَهُ يُقَالُ لَهُ مَرْثَدٌ لِيَكُونَ عِنْدَهُ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ كُنْتُ قَرِيبًا مِنْهُ، ثُمَّ نِمْنَا، فَلَمَّا انْتَفَخَ النَّهَارُ اسْتَيْقَظْتُ، فَتَوَجَّهْتُ إِلَيْهِ، فَرَأَيْتُ مَرْثَدًا خَارِجًا مِنَ الْبَيْتِ نَائِمًا، فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَخْرَجَكَ؟ قَالَ: هُوَ أَخْرَجَنِي، وَقَالَ لِي: إِنِّي أَرَى شَيْئًا مَا هُوَ بِإِنْسٍ وَلَا جِنٍّ، فَخَرَجْتُ فَسَمِعْتُهُ يَتْلُو: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] . قَالَتْ: فَدَخَلْتُ فَوَجَدْتُهُ بَعْدَمَا دَخَلْتُ قَدْ وَجَّهَ نَفْسَهُ لِلْقِبْلَةِ وَهُوَ مَيِّتٌ. قَالَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ أَعُودُهُ فَإِذَا عَلَيْهِ قَمِيصٌ وَسِخَ، فَقُلْتُ لِامْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ، وَكَانَتْ أُخْتُ مَسْلَمَةَ: اغْسِلُوا ثِيَابَ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَتْ: نَفْعَلُ. ثُمَّ عُدْتُ فَإِذَا الْقَمِيصُ عَلَى حَالِهِ. فَقُلْتُ: أَلَمْ آمُرْكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا قَمِيصَهُ؟ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لَهُ غَيْرُهُ. قِيلَ: وَكَانَتْ نَفَقَتُهُ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمَيْنِ. قِيلَ: وَكَانَ عَبْدُ الْعَزِيزِ قَدْ بَعَثَ ابْنَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيَتَأَدَّبَ بِهَا، فَكَتَبَ إِلَى صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ أَنْ يَتَعَاهَدَهُ، فَأَبْطَأَ عُمَرُ يَوْمًا عَنِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: مَا حَبَسَكَ؟ فَقَالَ: كَانَتْ مُرَجِّلَتِي تُصْلِحُ شَعْرِي، فَكَتَبَ إِلَى أَبِيهِ بِذَلِكَ، فَأَرْسَلَ أَبُوهُ رَسُولًا، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى حَلَقَ شَعْرَهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَاقِرُ: إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ نَجِيبَةً، وَإِنَّ نَجِيبَةَ بَنِي أُمَيَّةَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَتَيْنَا عُمَرَ نُعَلِّمُهُ، فَلَمْ نَبْرَحْ حَتَّى تَعَلَّمْنَا مِنْهُ. وَقَالَ مَيْمُونٌ: كَانَتِ الْعُلَمَاءُ عِنْدَ عُمَرَ تَلَامِذَةً. وَقِيلَ لِعُمَرَ: مَا كَانَ بَدْءُ إِنَابَتِكَ؟

стр. 2087

قَالَ: أَرَدْتُ ضَرْبَ غُلَامٍ لِي فَقَالَ: اذْكُرْ لَيْلَةً صَبِيحَتُهَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ عُمَرُ: مَا كَذِبْتُ مُنْذُ عَلِمْتُ أَنَّ الْكَذِبَ يَضُرُّ أَهْلَهُ. وَقَالَ رِيَاحُ بْنُ عُبَيْدَةَ: خَرَجَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَشَيْخٌ مُتَوَكِّئٌ عَلَى يَدِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ وَدَخَلَ قُلْتُ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، مَنِ الشَّيْخُ الَّذِي كَانَ مُتَوَكِّئًا عَلَى يَدِكَ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ذَاكَ أَخِي الْخَضِرُ، أَعْلَمَنِي أَنِّي سَأَلِي أَمْرَ الْأُمَّةِ، وَأَنِّي سَأَعْدِلُ فِيهَا. قَالَ: وَأَتَاهُ أَصْحَابُ مَرَاكِبِ الْخِلَافَةِ يَطْلُبُونَ عَلَفَهَا، فَأَمَرَ بِهَا فَبِيعَتْ، وَجَعَلَ أَثْمَانَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ وَقَالَ: تَكْفِينِي بَغْلَتِي هَذِهِ. قَالَ: وَلَمَّا رَجَعَ مِنْ جِنَازَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ رَآهُ مَوْلًى لَهُ مُغْتَمًّا فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَلَا غَرْبِهَا إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُؤَدِّيَ إِلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ مِنْهُ. قَالَ: وَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَجَوَارِيهِ: إِنَّهُ قَدْ شُغِلَ بِمَا فِي عُنُقِهِ عَنِ النِّسَاءِ، وَخَيَّرَهُنَّ بَيْنَ أَنْ يُقِمْنَ عِنْدَهُ أَوْ يُفَارِقْنَهُ، فَبَكَيْنَ وَاخْتَرْنَ الْمُقَامَ مَعَهُ. قَالَ: وَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَكَانَتْ أَوَّلَ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ صَحِبَنَا فَلْيَصْحَبْنَا بِخَمْسٍ، وَإِلَّا فَلَا يَقْرَبْنَا: يَرْفَعُ إِلَيْنَا حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ رَفْعَهَا، وَيُعِينُنَا عَلَى الْخَيْرِ بِجُهْدِهِ، وَيَدُلُّنَا مِنَ الْخَيْرِ عَلَى مَا نَهْتَدِي إِلَيْهِ، وَلَا يَغْتَابَنَّ أَحَدًا، وَلَا يَعْتَرِضُ فِي مَا لَا يَعْنِيهِ. فَانْقَشَعَ الشُّعَرَاءُ وَالْخُطَبَاءُ، وَثَبَتَ عِنْدَهُ الْفُقَهَاءُ وَالزُّهَّادُ وَقَالُوا: مَا يَسَعُنَا أَنْ نُفَارِقَ هَذَا الرَّجُلَ حَتَّى يُخَالِفَ قَوْلُهُ فِعْلَهُ. قَالَ: فَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ أَحْضَرَ قُرَيْشًا وَوُجُوهَ النَّاسِ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ فَدَكَ كَانَتْ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، فَكَانَ يَضَعُهَا حَيْثُ أَرَاهُ اللَّهُ، ثُمَّ وَلِيَهَا أَبُو بَكْرٍ كَذَلِكَ وَعُمَرُ كَذَلِكَ، ثُمَّ

стр. 2088

أُقْطِعَهَا مَرْوَانُ، ثُمَّ إِنَّهَا صَارَتْ إِلَيَّ، وَلَمْ تَكُنْ مِنْ مَالِي أَعُودُ مِنْهَا عَلَيَّ، وَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ رَدَدْتُهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، قَالَ: فَانْقَطَعَتْ ظُهُورُ النَّاسِ وَيَئِسُوا مِنَ الظُّلْمِ. قَالَ: وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِمَوْلَاهُ مُزَاحِمٍ: إِنَّ أَهْلِي أَقْطَعُونِي مَا لَمْ يَكُنْ إِلَيَّ أَنْ آخُذَهُ، وَلَا لَهُمْ أَنْ يُعْطُونِيهِ، وَإِنِّي قَدْ هَمَمْتُ بِرَدِّهِ عَلَى أَرْبَابِهِ. قَالَ: فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِوَلَدِكَ؟ فَجَرَتْ دُمُوعُهُ وَقَالَ: أَكِلُهُمْ إِلَى اللَّهِ. قَالَ: وَجَدَ لِوَلَدِهِ مَا يَجِدُ النَّاسُ، فَخَرَجَ مُزَاحِمٌ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَزَمَ عَلَى كَذَا وَكَذَا، وَهَذَا أَمْرٌ يَضُرُّكُمْ وَقَدْ نَهَيْتُهُ عَنْهُ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: بِئْسَ وَزِيرُ الْخَلِيفَةِ أَنْتَ! ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ عَلَى أَبِيهِ، وَقَالَ لَهُ: إِنْ مُزَاحِمًا أَخْبَرَنِي بِكَذَا وَكَذَا فَمَا رَأْيُكَ؟ قَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَقُومَ بِهِ الْعَشِيَّةَ. قَالَ: عَجِّلْهُ فَمَا يُؤَمِّنُكَ أَنْ يَحْدُثَ لَكَ حَدَثٌ أَوْ يَحْدُثَ بِقَلْبِكَ حَدَثٌ؟ فَرَفَعَ عُمَرُ يَدَيْهِ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مِنْ ذُرِّيَّتِي مَنْ يُعِينُنِي عَلَى دِينِي! ثُمَّ قَامَ بِهِ مِنْ سَاعَتِهِ فِي النَّاسِ وَرَدَّهَا. قَالَ: لَمَّا وَلِيَ عُمَرُ الْخِلَافَةَ أَخَذَ مِنْ أَهْلِهِ مَا بِأَيْدِيهِمْ وَسَمَّى ذَلِكَ مَظَالِمَ، فَفَزِعَ بَنُو أُمَيَّةَ إِلَى عَمَّتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ مَرْوَانَ، فَأَتَتْهُ فَقَالَتْ لَهُ: تَكَلَّمْ أَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا، ﷺ ، رَحْمَةً وَلَمْ يَبْعَثْهُ عَذَابًا إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، ثُمَّ اخْتَارَ لَهُ مَا عِنْدَهُ، وَتَرَكَ لِلنَّاسِ نَهْرًا شُرْبُهُمْ سَوَاءٌ، ثُمَّ وَلِيَ أَبُو بَكْرٍ فَتَرَكَ النَّهْرَ عَلَى حَالِهِ، ثُمَّ وَلِيَ عُمَرُ فَعَمِلَ عَمَلَهُمَا، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ النَّهْرُ يَسْتَقِي مِنْهُ يَزِيدُ، وَمَرْوَانُ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ ابْنُهُ، وَالْوَلِيدُ وَسُلَيْمَانُ ابْنَا عَبْدِ الْمَلِكِ، حَتَّى أَفْضَى الْأَمْرُ إِلَيَّ، وَقَدْ يَبِسَ النَّهْرُ الْأَعْظَمُ، فَلَمْ يَرْوِ أَصْحَابَهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ. فَقَالَتْ: حَسْبُكَ، قَدْ أَرَدْتُ كَلَامَكَ، (فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ مَقَالَتُكَ هَذِهِ فَلَا أَذْكُرُ شَيْئًا أَبَدًا. فَرَجَعَتْ إِلَيْهِمْ فَأَخْبَرَتْهُمْ كَلَامَهُ) . وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا قَالَتْ لَهُ: إِنَّ بَنِيَ أُمَيَّةَ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا، فَلَمَّا قَالَ لَهَا هَذَا الْكَلَامَ قَالَتْ لَهُ: إِنَّهُمْ يُحَذِّرُونَكَ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِهِمْ، (فَغَضِبَ وَقَالَ: كُلُّ يَوْمٍ أَخَافُهُ غَيْرِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا أَمِنْتُ شَرَّهُ. فَرَجَعَتْ إِلَيْهِمْ) فَأَخْبَرَتْهُمْ وَقَالَتْ: أَنْتُمْ فَعَلْتُمْ هَذَا بِأَنْفُسِكُمْ، تَزَوَّجْتُمْ بِأَوْلَادِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَجَاءَ يُشْبِهُ جَدَّهُ. فَسَكَتُوا.

стр. 2089

قَالَ: وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: الْخُلَفَاءُ خَمْسَةٌ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَا كَانَ سِوَاهُمْ فَهُمْ مُنْتَزُونَ. قَالَ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مِثْلَهُ، قَالَ: وَكَانَ يَكْتُبُ إِلَى عُمَّالِهِ بِثَلَاثٍ، فَهِيَ تَدُورُ بَيْنَهُمْ: بِإِحْيَاءِ سُنَّةٍ، أَوْ إِطْفَاءِ بِدْعَةٍ، أَوْ قَسْمٍ فِي مَسْكَنَةٍ، أَوْ رَدِّ مَظْلَمَةٍ. قَالَ: وَكَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ تُثْنِي عَلَيْهِ وَتَقُولُ: لَوْ كَانَ بَقِيَ لَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَا احْتَجْنَا بِعَهْدِهِ إِلَى أَحَدٍ. قَالَتْ فَاطِمَةُ امْرَأَتُهُ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مُصَلَّاهُ وَدُمُوعُهُ تَجْرِي عَلَى لِحْيَتِهِ، فَقُلْتُ: أَحَدَثَ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: إِنِّي تَقَلَّدْتُ أَمْرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، فَتَفَكَّرْتُ فِي الْفَقِيرِ الْجَائِعِ، وَالْمَرِيضِ الضَّائِعِ، وَالْغَازِي، وَالْمَظْلُومِ الْمَقْهُورِ، وَالْغَرِيبِ الْأَسِيرِ، وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ، وَذِي الْعِيَالِ الْكَثِيرِ، وَالْمَالِ الْقَلِيلِ، وَأَشْبَاهِهِمْ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ، فَعَلِمْتُ أَنَّ رَبِّي سَيَسْأَلُنِي عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ خَصْمِي دُونَهُمْ مُحَمَّدٌ، ﷺ ، إِلَى اللَّهِ، فَخَشِيتُ أَنْ لَا تَثْبُتَ حُجَّتِي عِنْدَ الْخُصُومَةِ، فَرَحِمْتُ نَفْسِي فَبَكَيْتُ. قِيلَ: وَلَمَّا مَرِضَ ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ مَرَضَ مَوْتِهِ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ أَعْوَانِهِ عَلَى الْعَدْلِ، دَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: أَجِدُنِي فِي الْحَقِّ. قَالَ: يَا بُنَيَّ أَنْ تَكُونَ فِي مِيزَانِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكُونَ فِي مِيزَانِكَ. فَقَالَ ابْنُهُ: يَا أَبَتَاهُ لَأَنْ يَكُونَ مَا تُحِبُّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَا أُحِبُّ، فَمَاتَ فِي مَرَضِهِ وَلَهُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. قِيلَ: وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لِأَبِيهِ عُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا تَقُولُ لِرَبِّكَ إِذَا أَتَيْتَهُ، وَقَدْ تَرَكْتَ حَقًّا لَمْ تُحْيِهِ وَبَاطِلًا لَمْ تُمِتْهُ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّ أَبَاكَ وَأَجْدَادَكَ قَدْ دَعُّوُا النَّاسَ عَنِ الْحَقِّ، فَانْتَهَتِ الْأُمُورُ إِلَيَّ، وَقِيلَ أَقْبَلَ شَرُّهَا وَأَدْبَرَ خَيْرُهَا، وَلَكِنْ أَلَيْسَ حَسَنًا وَجَمِيلًا أَلَّا تَطْلُعَ الشَّمْسُ عَلَيَّ فِي يَوْمٍ إِلَّا أَحْيَيْتُ فِيهِ حَقًّا، وَأَمَتُّ فِيهِ بَاطِلًا، حَتَّى يَأْتِيَنِيَ الْمَوْتُ، فَأَنَا عَلَى ذَلِكَ؟ وَقَالَ لَهُ أَيْضًا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ انْقَدْ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَإِنْ جَاشَتْ بِي وَبِكَ الْقُدُورُ. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنْ بَادَهْتُ النَّاسَ بِمَا تَقُولُ أَحْوَجُونِي إِلَى السَّيْفِ، وَلَا خَيْرَ فِي خَيْرٍ لَا يَحْيَا إِلَّا بِالسَّيْفِ، فَكَرَّرَ ذَلِكَ. قِيلَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عُمَّالِهِ نُسْخَةً وَاحِدَةً: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ،

стр. 2090

عَزَّ وَجَلَّ، أَكْرَمَ بِالْإِسْلَامِ أَهْلَهُ، وَشَرَّفَهُمْ وَأَعَزَّهُمْ، وَضَرَبَ الذِّلَّةَ وَالصِّغَارَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ، وَجَعَلَهُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، فَلَا تُوَلِّيَنَّ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ ذِمَّتِهِمْ وَخَرَاجِهِمْ، فَتَتَبَسَّطَ عَلَيْهِ أَيْدِيهِمْ وَأَلْسِنَتُهُمْ، فَتُذِلَّهُمْ بَعْدَ أَنْ أَعَزَّهُمُ اللَّهُ، وَتُهِينَهُمْ بَعْدَ أَنْ أَكْرَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَتُعَرِّضَهُمْ لِكَيْدِهِمْ وَالِاسْتِطَالَةِ عَلَيْهِمْ، وَمَعَ هَذَا فَلَا يُؤْمَنُ غِشُّهُمْ إِيَّاهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ، ، يَقُولُ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] ، وَ ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١] ، وَالسَّلَامُ. فَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى فَضْلِهِ وَعَدْلِهِ. (وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ: مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ فِي قَوْلٍ، وَأَبُو صَالِحٍ ذَكْوَانُ) . ذِكْرُ خِلَافَةِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَفِيهَا تَوَلَّى يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ الْخِلَافَةَ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو خَالِدٍ، بِعَهْدٍ مِنْ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ بَعْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَلَمَّا احْتُضِرَ عُمَرُ، قِيلَ لَهُ: اكْتُبْ إِلَى يَزِيدَ فَأَوْصِهِ بِالْأُمَّةِ، قَالَ: بِمَاذَا أُوصِيهِ؟ إِنَّهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ فَاتَّقِ يَا يَزِيدُ الصَّرْعَةَ بَعْدَ الْغَفْلَةِ، حِينَ لَا تُقَالُ الْعَثْرَةُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى الرَّجْعَةِ، إِنَّكَ تَتْرُكُ مَا تَتْرُكُ لِمَنْ لَا يَحْمَدُكَ، وَتَصِيرُ إِلَى مَنْ لَا يَعْذُرُكَ، وَالسَّلَامُ. فَلَمَّا وَلِيَ يَزِيدُ نَزَعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ الْفِهْرِيَّ عَلَيْهَا، وَاسْتَقْضَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيَّ، وَأَرَادَ مُعَارَضَةَ ابْنِ حَزْمٍ فَلَمْ يَجِدْ عَلَيْهِ سَبِيلًا، حَتَّى شَكَا عُثْمَانُ بْنُ حَيَّانَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنِ ابْنِ حَزْمٍ، وَأَنَّهُ ضَرَبَهُ حَدَّيْنِ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ

стр. 2091

يُقِيدَهُ مِنْهُ، فَكَتَبَ يَزِيدُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الضَّحَّاكِ كِتَابًا: أَمَّا بَعْدُ فَانْظُرْ فِيمَا ضَرَبَ ابْنُ حَزْمٍ ابْنَ حَيَّانَ، فَإِنْ كَانَ ضَرَبَهُ فِي أَمْرٍ بَيِّنٍ أَوْ أَمْرٍ يُخْتَلَفُ فِيهِ، فَلَا تَلْتَفِتُ إِلَيْهِ. فَأَرْسَلَ ابْنُ الضَّحَّاكِ فَأَحْضَرَ ابْنَ حَزْمٍ، وَضَرَبَهُ حَدَّيْنِ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ شَيْءٍ. وَعَمَدَ يَزِيدُ إِلَى كُلِّ مَا صَنَعَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِمَّا لَمْ يُوَافِقْ هَوَاهُ، فَرَدَّهُ، وَلَمْ يَخَفْ شَنَاعَةً عَاجِلَةً، وَلَا إِثْمًا عَاجِلًا، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ أَخَا الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ كَانَ عَلَى الْيَمَنِ، فَجَعَلَ عَلَيْهِمْ خَرَاجًا مُجَدَّدًا، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ بِأَمْرِهِ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الْعُشْرِ وَنِصْفِ الْعُشْرِ، وَتَرْكِ مَا جَدَّدَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، وَقَالَ: لَأَنْ يَأْتِيَنِي مِنَ الْيَمَنِ حِصَّةُ ذُرَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ تَقْرِيرِ هَذِهِ الْوَضِيعَةِ، فَلَمَّا وَلِيَ يَزِيدُ بَعْدَ عُمَرَ أَمَرَ بَرَدِهَا، وَقَالَ لِعَامِلِهِ: خُذْهَا مِنْهُمْ وَلَوْ صَارُوا حَرَضًا، وَالسَّلَامُ. ذِكْرُ مَقْتَلِ شَوْذَبٍ الْخَارِجِيِّ قَدْ ذَكَرْنَا خُرُوجَهُ وَمُرَاسَلَتَهُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِمُنَاظَرَتِهِ، فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ أَحَبَّ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، وَهُوَ الْأَمِيرُ عَلَى الْكُوفَةِ، أَنْ يَحْظَى عِنْدَ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ يَأْمُرُهُ بِمُنَاجَزَةِ شَوْذَبٍ، وَاسْمُهُ بِسْطَامٌ، وَلَمْ يَرْجِعْ رَسُولَا شَوْذَبٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِمَوْتِ عُمَرَ. فَلَمَّا رَأَوْا مُحَمَّدًا يَسْتَعِدُّ لِلْحَرْبِ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ شَوْذَبٌ: مَا أَعْجَلَكُمْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ! أَلَيْسَ قَدْ تَوَاعَدْنَا إِلَى أَنْ يَرْجِعَ الرَّسُولَانِ؟ فَأَرْسَلَ مُحَمَّدٌ: إِنَّهُ لَا يَسَعُنَا تَرْكُكُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، فَقَالَتِ الْخَوَارِجُ: مَا فَعَلَ هَؤُلَاءِ هَذَا إِلَّا وَقَدْ مَاتَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ. فَاقْتَتَلُوا فَأُصِيبَ مِنَ الْخَوَارِجِ نَفَرٌ، وَقُتِلَ الْكَثِيرُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَانْهَزَمُوا، وَجُرِحُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ فِي اسْتِهِ، فَدَخْلَ الْكُوفَةَ، وَتَبِعَهُمُ الْخَوَارِجُ حَتَّى بَلَغُوا الْكُوفَةَ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى مَكَانِهِمْ. وَأَقَامَ شَوْذَبٌ يَنْتَظِرُ صَاحِبَيْهِ، فَقَدِمَا عَلَيْهِ وَأَخْبَرَاهُ بِمَوْتِ عُمَرَ، وَوَجَّهَ يَزِيدُ مَنْ عِنْدَ تَمِيمِ بْنِ الْحُبَابِ فِي أَلْفَيْنِ قَدْ أَرْسَلَهُمْ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ يَزِيدَ لَا يُفَارِقُهُمْ عَلَى مَا فَارَقَهُمْ عَلَيْهِ عُمَرُ، فَلَعَنُوهُ وَلَعَنُوا يَزِيدَ مَعَهُ وَحَارَبُوهُ، فَقَتَلُوهُ وَقَتَلُوا أَصْحَابَهُ، وَلَجَأَ

стр. 2092

بَعْضُهُمْ إِلَى الْكُوفَةِ، وَبَعْضُهُمْ إِلَى يَزِيدَ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَزِيدُ نَجْدَةَ بْنَ الْحَكَمِ الْأَزْدِيَّ فِي جَمْعٍ، فَقَتَلُوهُ وَهَزَمُوا أَصْحَابَهُ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ يَزِيدُ الشَّحَّاجُ بْنُ وَدَاعٍ فِي أَلْفَيْنِ، فَقَتَلُوهُ وَهَزَمُوا أَصْحَابَهُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ نَفَرٌ، مِنْهُمْ هُدْبَةُ ابْنُ عَمِّ شَوْذَبٍ. فَقَالَ أَيُّوبُ بْنُ خَوْلِيٍّ يَرْثِيهِمْ: تَرَكْنَا تَمِيمًا فِي الْغُبَارِ مُلَحَّبًا ... تُبَكِّي عَلَيْهِ عِرْسُهُ وَقَرَائِبُهْ وَقَدْ أَسْلَمَتْ قَيْسٌ تَمِيمًا وَمَالِكًا ... كَمَا أَسْلَمَ الشَّحَّاجَ أَمْسِ أَقَارِبُهْ وَأَقْبَلَ مِنْ حَرَّانَ يَحْمِلُ رَايَةً ... يُغَالِبُ أَمْرَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَالِبُهْ فَيَا هُدْبُ لِلْهَيْجَا، وَيَا هُدْبُ لِلنَّدَى ... وَيَا هُدْبُ لِلْخَصْمِ الْأَلَدِّ يُحَارِبُهْ وَيَا هُدْبُ كَمْ مِنْ مُلْجِمٍ قَدْ أَجَبْتَهُ ... وَقَدْ أَسْلَمَتْهُ لِلرِّيَاحِ جُوَالِبُهْ وَكَانَ أَبُو شَيْبَانَ خَيْرَ مُقَاتِلٍ ... يُرَجَّى وَيَخْشَى حَرْبَهُ مَنْ يُحَارِبُهْ فَفَازَ وَلَاقَى اللَّهَ فِي الْخَيْرِ كُلِّهِ ... وَخَذَّمَهُ بِالسَّيْفِ فِي اللَّهِ ضَارِبُهْ تَزَوَّدَ مِنْ دُنْيَاهُ دِرْعًا وَمِغْفَرًا ... وَعَضْبًا حُسَامًا لَمْ تَخُنْهُ مَضَارِبُهْ وَأَجْرَدَ مَحْبُوكَ السَّرَاةِ كَأَنَّهُ ... إِذَا انْقَضَّ وَافِي الرِّيشِ حُجْنٌ مَخَالِبُهْ وَأَقَامَ الْخَوَارِجُ بِمَكَانِهِمْ حَتَّى دَخَلَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْكُوفَةَ، فَشَكَا إِلَيْهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ، مَكَانَ شَوْذَبٍ وَخَوَّفُوهُ مِنْهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَسْلَمَةُ سَعِيدَ بْنَ عَمْرٍو الْحَرَشِيَّ، وَكَانَ فَارِسًا، فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، فَأَتَاهُ وَهُوَ بِمَكَانِهِ، فَرَأَى شَوْذَبٌ وَأَصْحَابُهُ مَا لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الشَّهَادَةَ فَقَدْ جَاءَتْهُ، وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ الدُّنْيَا فَقَدْ ذَهَبَتْ. فَكَسَرُوا أَغْمَادَ السُّيُوفِ وَحَمَلُوا فَكَشَفُوا سَعِيدًا وَأَصْحَابَهُ مِرَارًا، حَتَّى خَافَ سَعِيدٌ الْفَضِيحَةَ،

стр. 2093

فَوَبَّخَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: مِنْ هَذِهِ الشِّرْذِمَةِ - لَا أَبَ لَكُمْ - تَفِرُّونَ! يَا أَهْلَ الشَّامِ يَوْمًا كَأَيَّامِكُمْ! فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ فَطَحَنُوهُمْ طَحْنًا، وَقَتَلُوا بِسْطَامًا، وَهُوَ شَوْذَبٌ، وَأَصْحَابَهُ. ذِكْرُ مَوْتِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ أَخُو عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ قَدْ وَلِيَ الْجَزِيرَةَ وَأَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ، وَغَزَا الرُّومَ وَأَهْلَ أَرْمِينِيَّةَ عِدَّةَ دَفَعَاتٍ، وَكَانَ شُجَاعًا قَوِيًّا، وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَحْسُدُهُ لِذَلِكَ، فَلَمَّا انْتَظَمَتِ الْأُمُورُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ أَظْهَرَ مَا فِي نَفْسِهِ لَهُ، فَتَجَهَّزَ مُحَمَّدٌ لِيَسِيرَ إِلَى أَرْمِينِيَّةَ، فَلَمَّا وَدَّعَ عَبْدَ الْمَلِكِ سَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ مَسِيرِهِ، فَقَالَ وَأَنْشَدَ: وَإِنَّكَ لَا تَرَى طَرْدًا لِحُرٍّ ... كَإِلْصَاقٍ بِهِ بَعْضَ الْهَوَانِ فَلَوْ كُنَّا بِمَنْزِلَةٍ جَمِيعًا ... جَرَيْتُ وَأَنْتَ مُضْطَرِبُ الْعِنَانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَتُقِيمَنَّ، فَوَاللَّهِ لَا رَأَيْتَ مِنِّي مَا تَكْرَهُ، وَصَلُحَ لَهُ، وَلَمَّا أَرَادَ الْوَلِيدُ عَزْلَهُ طَلَبَ مَنْ يَسُدُّ مَكَانَهُ، فَلَمْ يُقْدِمْ أَحَدٌ عَلَيْهِ إِلَّا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ. ذِكْرُ دُخُولِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ الْبَصْرَةَ وَخَلْعِهِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ هَرَبَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ مِنْ حَبْسِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ وَبُويِعَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَإِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ يَأْمُرُهُمَا بِالتَّحَرُّزِ مِنْ يَزِيدَ وَيُعَرِّفْهُمَا هَرَبَهُ، وَأَمَرَ عَدِيًّا أَنْ يَأْخُذَ مَنْ بِالْبَصْرَةِ مِنْ آلِ الْمُهَلَّبِ، فَأَخَذَهُمْ وَحَبَسَهُمْ، فِيهِمْ: الْمُفَضَّلُ، وَحَبِيبٌ، وَمَرْوَانُ بَنُو الْمُهَلَّبِ، وَأَقْبَلَ يَزِيدُ حَتَّى ارْتَفَعَ عَلَى الْقُطقُطَانَةِ، وَبَعَثَ عَبْدُ الْحَمِيدِ جُنْدًا إِلَيْهِمْ، عَلَيْهِمْ هِشَامُ بْنُ مُسَاحِقٍ الْعَامِرِيُّ، عَامِرُ بَنِي لُؤَيٍّ، فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا الْعُذَيْبِ، وَمَرَّ يَزِيدُ قَرِيبًا مِنْهُمْ فَلَمْ يُقْدِمُوا عَلَيْهِ. وَمَضَى يَزِيدُ نَحْوَ الْبَصْرَةِ، وَقَدْ جَمَعَ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ وَخَنْدَقَ عَلَيْهَا، وَبَعَثَ عَلَى خَيْلِ الْبَصْرَةِ الْمُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَقِيلٍ الثَّقَفِيِّ، وَجَاءَ يَزِيدُ فِي أَصْحَابِهِ

стр. 2094

الَّذِينَ مَعَهُ، فَالتَّقَاهُ أَخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ فِيمَنِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَقَوْمِهِ وَمَوَالِيهِ، فَبَعَثَ عَدِيٌّ عَلَى كُلِّ خُمُسٍ مِنْ أَخْمَاسِ الْبَصْرَةِ رَجُلًا، فَبَعَثَ عَلَى الْأَزْدِ: الْمُغِيرَةَ بْنَ زِيَادِ بْنِ عَمْرٍو الْعَتَكِيَّ، وَبَعَثَ عَلَى تَمِيمٍ: مُحْرِزَ بْنَ حُمْرَانَ السَّعْدِيَّ، وَعَلَى خُمُسِ بَكْرٍ: مُفَرِّجَ بْنَ شَيْبَانَ بْنِ مَالِكِ بْنِ مِسْمَعٍ، وَعَلَى عَبْدِ الْقَيْسِ [مَالِكَ بْنَ] الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَارُودِ، وَعَلَى أَهْلِ الْعَالِيَةِ: عَبْدَ الْأَعْلَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، وَأَهْلُ الْعَالِيَةِ قُرَيْشٌ، وَكِنَانَةُ وَالْأَزْدُ، وَبَجِيلَةُ، وَخَثْعَمُ، وَقَيْسُ عَيْلَانَ كُلُّهَا، وَمُزَيْنَةُ، وَأَهْلُ الْعَالِيَةِ وَالْكُوفَةِ يُقَالُ لَهُمْ رُبُعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. فَأَقْبَلَ يَزِيدُ لَا يَمُرُّ بِخَيْلٍ (مِنْ خَيْلِهِمْ، وَلَا قَبِيلَةٍ مِنْ قَبَائِلِهِمْ إِلَّا تَنَحَّوْا لَهُ عَنْ طَرِيقِهِ، وَأَقْبَلَ يَزِيدُ حَتَّى نَزَلَ دَارَهُ) ، فَاخْتَلَفَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَدِيٍّ: أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ إِخْوَتِي، وَإِنِّي أُصَالِحُكَ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَأُخَلِّيكَ وَإِيَّاهَا حَتَّى آخُذَ لِنَفْسِي مِنْ يَزِيدَ مَا أُحِبُّ. فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، فَسَارَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنُ الْمُهَلَّبِ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَبَعَثَ مَعَهُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ خَالِدًا الْقَسْرِيَّ، وَعَمْرَو بْنَ يَزِيدٍ الْحَكَمِيَّ بِأَمَانِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ وَأَهْلِهِ. وَأَخَذَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ يُعْطِي مَنْ أَتَاهُ قِطَعَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَمَالَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَكَانَ عَدِيٌّ لَا يُعْطِي إِلَّا دِرْهَمَيْنِ دِرْهَمَيْنِ وَيَقُولُ: لَا يَحِلُّ لِي أَنْ أُعْطِيَكُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ دِرْهَمًا إِلَّا بِأَمْرِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَلَكِنْ تَبَلَّغُوا بِهَذِهِ حَتَّى يَأْتِيَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الْفَرَزْدَقُ: أَظُنُّ رِجَالَ الدِّرْهَمَيْنِ تَقُودُهُمْ ... إِلَى الْمَوْتِ آجَالٌ لَهُمْ وَمُصَارِعُ وَأَكْيَسُهُمْ مَنْ قَرَّ فِي قَعْرِ بَيْتِهِ ... وَأَيْقَنَ أَنَّ الْمَوْتَ لَا بُدَّ وَاقِعُ وَخَرَجَتْ بَنُو عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ مِنْ أَصْحَابِ عَدِيٍّ فَنَزَلُوا الْمِرْبَدَ، وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ مَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ دَارِسٌ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ فَهَزَمَهُمْ.

стр. 2095

وَخَرَجَ يَزِيدُ حِينَ اجْتَمَعَ النَّاسُ لَهُ حَتَّى نَزَلَ جَبَّانَةَ بَنِي يَشْكُرَ، وَهِيَ النِّصْفُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَصْرِ، فَلَقِيَهُ قَيْسٌ وَتَمِيمٌ وَأَهْلُ الشَّامِ وَاقْتَتَلُوا هُنَيْهَةَ، وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُ يَزِيدَ فَانْهَزَمُوا، وَتَبِعَهُمُ ابْنُ الْمُهَلَّبِ حَتَّى دَنَا مِنَ الْقَصْرِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَدِيٌّ بِنَفْسِهِ، فَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ مُوسَى بْنُ الْوَجِيهِ الْحِمْيَرِيُّ، وَالْحَارِثُ بْنُ الْمُصَرِّفِ الْأَوْدِيُّ، وَكَانَ مِنْ فُرْسَانِ الْحَجَّاجِ وَأَشْرَافِ أَهْلِ الشَّامِ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُ عَدِيٍّ، وَسَمِعَ إِخْوَةُ يَزِيدَ، وَهُمْ فِي مَحْبِسِ عَدِيٍّ، الْأَصْوَاتَ تَدْنُو وَالنُّشَّابَ تَقَعُ فِي الْقَصْرِ، وَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِنِّي أَرَى أَنَّ يَزِيدَ قَدْ ظَهَرَ، وَلَا آمَنُ مَنْ مَعَ عَدِيٍّ مِنْ مُضَرَ وَ [أَهْلِ] الشَّامِ أَنْ يَأْتُونَا فَيَقْتُلُونَا قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْنَا يَزِيدُ، فَأَغْلِقُوا الْبَابَ وَأَلْقُوا عَلَيْهِ الرَّحْلَ. فَفَعَلُوا، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ مَوْلَى بَنِي عَامِرٍ، وَكَانَ عَلَى حَرَسِ عَدِيٍّ، فَجَاءَ يَشْتَدُّ إِلَى الْبَابِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَأَخَذُوا يُعَالِجُونَ الْبَابَ، فَلَمْ يُطِيقُوا قَلْعَهُ، وَأَعْجَلَهُمُ النَّاسُ فَخَلَّوْا عَنْهُمْ. وَجَاءَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ حَتَّى نَزَلَ دَارًا لِسُلَيْمَانَ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَبِيهِ، إِلَى جَنْبِ الْقَصْرِ، وَأَتَى بِالسَّلَالِيمِ وَفَتَحَ الْقَصْرَ، وَأُتِيَ بِعَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ، فَحَبَسَهُ، وَقَالَ لَهُ: لَوْلَا حَبْسُكَ إِخْوَتِي لَمَا حَبَسْتُكَ. فَلَمَّا ظَهَرَ يَزِيدُ هَرَبَ رُءُوسُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِنْ تَمِيمٍ، وَقَيْسٍ، وَمَالِكِ بْنِ الْمُنْذِرِ، فَلَحِقُوا بِالْكُوفَةِ، وَلَحِقَ بَعْضُهُمْ بِالشَّامِ، وَخَرَجَ الْمُغِيرَةُ بْنُ زِيَادِ (بْنِ عَمْرٍو الْعَتَكِيُّ نَحْوَ الشَّامِ، فَلَقِيَ خَالِدًا الْقَسْرِيَّ، وَعَمْرَو بْنَ يَزِيدَ الْحَكَمِيَّ، وَمَعَهُمَا حُمَيْدَ بْنَ) عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمُهَلَّبِ قَدْ أَقْبَلُوا بِأَمَانِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَكُلِّ شَيْءٍ أَرَادَهُ، فَسَأَلَاهُ عَنِ الْخَبَرِ، فَخَلَا بِهِمَا سِرًّا مِنْ حُمَيْدٍ، وَأَخْبَرَهُمَا وَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدَانِ؟ فَأَخْبَرَاهُ بِأَمَانِ يَزِيدَ. فَقَالَ: إِنْ يَزِيدَ قَدْ ظَهَرَ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَقَتَلَ الْقَتْلَى وَحَبَسَ عَدِيًّا، فَارْجِعَا. فَرَجِعَا، وَأَخَذَا حُمَيْدًا مَعَهُمَا، فَقَالَ لَهُمَا حُمَيْدُ: أَنْشُدُكُمَا اللَّهُ أَنَّ تُخَالِفَا مَا بُعِثْتُمَا بِهِ، فَإِنَّ ابْنَ الْمُهَلَّبِ

стр. 2096

قَابِلٌ مِنْكُمَا، وَإِنَّ هَذَا وَأَهْلَ بَيْتِهِ لَمْ يَزَالُوا لَنَا أَعْدَاءً، فَلَا تَسْمَعَا مَقَالَتَهُ. فَلَمْ يَقْبَلَا قَوْلَهُ وَرَجَعَا بِهِ. وَأَخَذَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِالْكُوفَةِ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، وَحَمَّالَ بْنَ زَحْرٍ، وَلَمْ يَكُونَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَمْرِ، فَأَوْثَقَهُمَا وَسَيَّرَهُمَا إِلَى الشَّامِ، فَحَبَسَهُمَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمْ يُفَارِقَا السِّجْنَ حَتَّى هَلَكَا فِيهِ، وَأَرْسَلَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى الْكُوفَةِ شَيْئًا عَلَى أَهْلِهَا وَيُمَنِّيهِمُ الزِّيَادَةَ. وَجَهَّزَ أَخَاهُ مَسْلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَابْنَ أَخِيهِ الْعَبَّاسَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي سَبْعِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ، وَقِيلَ: كَانُوا ثَمَانِينَ أَلْفًا، فَسَارُوا إِلَى الْعِرَاقِ. وَكَانَ مَسْلَمَةُ يَعِيبُ الْعَبَّاسَ وَيَذُمُّهُ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافٌ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْعَبَّاسُ: أَلَا نَفْسِي فِدَاكَ أَبَا سَعِيدٍ ... وَتَقْصُرُ عَنْ مُلَاحَاتِي وَعَذْلِي فَلَوْلَا أَنَّ أَصْلَكَ حِينَ يُنْمَى ... وَفَرْعَكَ مُنْتَهَى فَرْعِي وَأَصْلِي وَأَنِّي إِنْ رَمَيْتُكَ هُضْتُ عَظْمِي ... وَنَالَتْنِي إِذَا نَالَتْكَ نَبْلِي لَقَدْ أَنْكَرْتَنِي إِنْكَارَ خَوْفٍ ... يُقَصِّرُ مِنْكَ عَنْ شَتْمِي وَأَكْلِي كَقَوْلِ الْمَرْءِ عَمْرٌو فِي الْقَوَافِي ... أُرِيدُ حَيَاتَهُ وَيُرِيدُ قَتْلِي قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ لِلْعَبَّاسِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا تَمَثَّلَ بِهَا. فَبَلَغَ ذَلِكَ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا وَأَصْلَحَ بَيْنَهُمَا، وَقَدِمَا الْكُوفَةَ وَنَزَلَا بِالنُّخَيْلَةِ، فَقَالَ مَسْلَمَةُ: لَيْتَ هَذَا الْمَزُونِيَّ، يَعْنِي ابْنَ الْمُهَلَّبِ، لَا كَلَّفَنَا اتِّبَاعَهُ فِي هَذَا الْبَرْدِ. فَقَالَ حَيَّانُ النَّبَطِيُّ مَوْلًى لِشَيْبَانَ: أَنَا أَضْمَنُ لَكَ أَنَّهُ لَا يَبْرَهُ الْأَرْصَةَ، يُرِيدُ أَضْمَنُ أَنَّهُ لَا يَبْرَحُ الْعَرْصَةَ. فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: لَا أُمَّ لَكَ أَنْتَ بِالنَّبَطِيَّةِ أَبْصَرُ مِنْكَ بِهَذَا! فَقَالَ حَيَّانُ: أَنَبَطَ اللَّهُ وَجْهَكَ أَسْقَرَ أَهَمَرَ لَيْسَ أَلَيْهِ طَابَئُ الْخِلَافَةِ، يُرِيدُ: أَشْقَرَ أَحْمَرَ لَيْسَ عَلَيْهِ طَابَعُ

стр. 2097

الْخِلَافَةِ. قَالَ مَسْلَمَةُ: يَا أَبَا سُفْيَانَ لَا يَهُولَنَّكَ كَلَامُ الْعَبَّاسِ. فَقَالَ: إِنَّهُ أَهْمَقُ، يُرِيدُ أَحْمَقَ. وَلَمَّا سَمِعَ أَصْحَابُ بْنُ الْمُهَلَّبِ وُصُولَ مَسْلَمَةَ وَأَهْلِ الشَّامِ رَاعَهُمْ ذَلِكَ، فَبَلَغَ ابْنَ الْمُهَلَّبِ، فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ أَهْلَ الْعَسْكَرِ وَخَوْفَهُمْ، يَقُولُونَ: جَاءَ أَهْلُ الشَّامِ وَمَسْلَمَةُ، وَمَا أَهْلُ الشَّامِ؟ هَلْ هُمْ إِلَّا تِسْعَةُ أَسْيَافٍ، سَبْعَةٌ مِنْهَا إِلَيَّ وَسَيْفَانِ عَلَيَّ؟ وَمَا مَسْلَمَةُ إِلَّا جَرَادَةٌ صَفْرَاءُ، أَتَاكُمْ فِي بَرَابِرَةٍ، وَجَرَامِقَةٍ، وَجَرَاجِمَةٍ، وَأَنْبَاطٍ، وَأَبْنَاءِ فَلَّاحِينَ وَأَوْبَاشٍ، وَأَخْلَاطٍ، أَوَلَيْسُوا بَشَرًا يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ، وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ؟ أَعِيرُونِي سَوَاعِدَكُمْ تُصَفِّقُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ وَقَدْ وَلَّوُا الْأَدْبَارَ. وَاسْتَوْسَقُوا أَهْلُ الْبَصْرَةِ لِيَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَبَعَثَ عُمَّالَهُ عَلَى الْأَهْوَازِ وَفَارِسَ وَكَرْمَانَ، وَبَعَثَ إِلَى خُرَاسَانَ مُدْرِكَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، وَعَلَيْهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نُعَيْمٍ، فَقَالَ لِأَهْلِهَا: هَذَا مُدْرِكٌ قَدْ أَتَاكُمْ لِيُلْقِيَ بَيْنَكُمُ الْحَرْبَ وَأَنْتُمْ فِي بِلَادِ عَافِيَةٍ وَطَاعَةٍ، فَسَارَ بَنُو تَمِيمٍ لِيَمْنَعُوهُ، وَبَلَغَ الْأَزْدَ بِخُرَاسَانَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ مِنْهُمْ نَحْوُ أَلْفَيْ فَارِسٍ، فَلَقُوا مُدْرِكًا عَلَى رَأْسِ الْمَفَازَةِ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّكَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْنَا، وَقَدْ خَرَجَ أَخُوكَ، فَإِنْ يَظْهَرْ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ لَنَا، وَنَحْنُ أَسْرَعُ النَّاسِ إِلَيْكُمْ وَأَحَقُّهُ بِذَلِكَ، وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى، فَمَا لَكَ فِي أَنْ تُغَشِّيَنَا الْبَلَاءَ رَاحَةً. فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ، فَلَمَّا اسْتَجْمَعَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ لِيَزِيدَ خَطْبَهُمْ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يَدْعُوهُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ، وَيَزْعُمُ أَنَّ جِهَادَ أَهْلِ الشَّامِ أَعْظَمُ ثَوَابًا مِنْ جِهَادِ التُّرْكِ وَالدَّيْلَمِ. وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَسْمَعُ، فَرَفَعَ صَوْتَهُ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْنَاكَ وَالِيًا وَمُولًى عَلَيْكَ، فَمَا يَنْبَغِي لَكَ ذَلِكَ. وَوَثَبَ أَصْحَابُهُ فَأَخَذُوا بِفَمِهِ وَأَجْلَسُوهُ، ثُمَّ خَرَجُوا مِنَ الْمَسْجِدِ وَعَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ النَّضْرُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَقُولُ: يَا عِبَادَ اللَّهِ مَا تَنْقِمُونَ مِنْ أَنْ تُجِيبُوا إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا ذَلِكَ [وَلَا رَأَيْتُمُوهُ] (مُنْذُ وُلِدْتُمْ إِلَّا هَذِهِ الْأَيَّامَ) [مِنْ إِمَارَةِ] عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. فَقَالَ الْحَسَنُ: وَالنَّضْرُ أَيْضًا قَدْ شَهِدَ. وَمَرَّ الْحَسَنُ بِالنَّاسِ وَقَدْ نَصَبُوا الرَّايَاتِ، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَ يَزِيدَ، وَهُمْ يَقُولُونَ: تَدْعُونَا إِلَى سُنَّةِ الْعُمَرَيْنِ. فَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ يَزِيدُ بِالْأَمْسِ يَضْرِبُ أَعْنَاقَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَرَوْنَ، ثُمَّ يُرْسِلُهَا إِلَى بَنِي مَرْوَانَ يُرِيدُ رِضَاهُمْ، فَلَمَّا غَضِبَ نَصَبَ قَصَبًا، ثُمَّ وَضَعَ عَلَيْهَا خِرَقًا، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي قَدْ خَالَفْتُهُمْ فَخَالِفُوهُمْ. قَالَ هَؤُلَاءِ: نَعَمْ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي

стр. 2098

أَعْدُوهُمْ إِلَى سُنَّةِ الْعُمَرَيْنِ، وَإِنَّ مِنْ سُنَّةِ الْعُمَرَيْنِ أَنْ يُوضَعَ فِي رِجْلِهِ قَيْدٌ، ثُمَّ رُدَّ إِلَى مَحْبِسِهِ. فَقَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: لَكَأَنَّكَ رَاضٍ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ؟ فَقَالَ: أَنَا رَاضٍ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ؟ قَبَّحَهُمُ اللَّهُ وَبَرَّحَهُمْ! أَلَيْسَ هُمُ الَّذِينَ أَحَلُّوا حَرَمَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، يَقْتُلُونَ أَهْلَهُ ثَلَاثًا؟ قَدْ أَبَاحُوهَا لِأَنْبَاطِهِمْ وَأَقْبَاطِهِمْ، يَحْمِلُونَ الْحَرَائِرَ ذَوَاتِ الدِّينِ، لَا يَنْتَهُونَ عَنِ انْتِهَاكِ حُرْمَةٍ، ثُمَّ خَرَجُوا إِلَى مَالِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، فَهَدَمُوا الْكَعْبَةَ، وَأَوْقَدُوا النِّيرَانَ بَيْنَ أَحْجَارِهَا وَأَسْتَارِهَا، عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَسُوءُ الدَّارِ. ثُمَّ إِنَّ يَزِيدَ سَارَ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا أَخَاهُ مَرْوَانَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، وَأَتَى وَاسِطًا، وَكَانَ قَدِ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ حِينَ تَوَجَّهَ نَحْوَ وَاسِطَ، فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ حَبِيبٌ وَغَيْرُهُ: نَرَى أَنْ نَخْرُجَ وَنَنْزِلَ بِفَارِسَ، فَنَأْخُذَ بِالشِّعَابِ وَالْعِقَابِ، وَنَدْنُو مِنْ خُرَاسَانَ، وَنُطَاوِلُ أَهْلَ الشَّامِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْجِبَالِ يَأْتُونَ إِلَيْكَ، وَفِي يَدِكَ الْقِلَاعُ وَالْحُصُونُ. فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا بِرَأْيٍ، تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُونِي طَائِرًا عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ. فَقَالَ حَبِيبٌ: إِنَّ الرَّأْيَ الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ الْأَمْرِ قَدْ فَاتَ، قَدْ أَمَرْتُكَ حَيْثُ ظَهَرْتَ عَلَى الْبَصْرَةِ أَنْ تُوَجِّهَ خَيْلًا عَلَيْهَا بَعْضُ أَهْلِكَ إِلَى الْكُوفَةِ، وَإِنَّمَا بِهَا عَبْدُ الْحَمِيدِ، مَرَرْتَ بِهِ فِي سَبْعِينَ رَجُلًا فَعَجَزَ عَنْكَ، فَهُوَ عَنْ خَيْلِكَ أَعْجَزُ، فَسَبَقَ إِلَيْهَا أَهْلُ الشَّامِ، وَأَكْثَرُ أَهْلِهَا يَرَوْنَ رَأْيَكَ، وَلَأَنْ تَلِيَ عَلَيْهِمْ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَنْ يَلِيَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الشَّامِ، (فَلَمْ تُطِعْنِي، وَأَنَا أُشِيرُ الْآنَ بِرَأْيٍ، سَرِّحْ مَعَ بَعْضِ أَهْلِكَ خَيْلًا كَثِيرَةً مِنْ خَيْلِكَ، فَتَأْتِيَ الْجَزِيرَةَ وَتُبَادِرَ إِلَيْهَا حَتَّى يَنْزِلُوا حِصْنًا مِنْ حُصُونِهِمْ، وَتَسِيرَ فِي أَثَرِهِمْ، فَإِذَا أَقْبَلَ أَهْلُ الشَّامِ) يُرِيدُونَكَ، لَمْ يَدَعُوَا جُنْدَكَ بِالْجَزِيرَةِ يُقْبِلُونَ إِلَيْكَ فَيُقِيمُونَ عَلَيْهِمْ، فَيَحْبِسُونَهُمْ عَنْكَ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ، وَيَأْتِيَكَ مَنْ بِالْمَوْصِلِ مِنْ قَوْمِكَ، وَيَنْفَضَّ إِلَيْكَ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَأَهْلُ الثُّغُورِ، وَتَقَاتِلُهُمْ فِي أَرْضٍ رَخِيصَةِ السِّعْرِ، وَقَدْ جَعَلْتَ الْعِرَاقَ كُلَّهُ وَرَاءَ ظَهْرِكَ. قَالَ: أَكْرَهُ أَنْ أُقَطِّعَ جَيْشِي. فَلَمَّا نَزَلَ وَاسِطًا أَقَامَ بِهَا أَيَّامًا يَسِيرَةً، وَخَرَجَتِ السَّنَةُ.

стр. 2099

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ حَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ عَامِلَ الْمَدِينَةِ. وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ، وَكَانَ عَلَى الْكُوفَةِ عَبْدُ الْحَمِيدِ، وَعَلَى قَضَائِهَا الشَّعْبِيُّ، وَكَانَتِ الْبَصْرَةُ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهَا ابْنُ الْمُهَلَّبِ. وَكَانَ عَلَى خُرَاسَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نُعَيْمٍ. وَفِيهَا عُزِلَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ إِفْرِيقِيَّةَ، وَاسْتُعْمِلَ مَكَانَهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ كَاتِبُ الْحَجَّاجِ، فَبَقِيَ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ قُتِلَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [الوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ، وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ، وَقِيلَ سَبْعٍ وَمِائَةٍ، وَلَهُ ثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَمَّارُ بْنُ جَبْرٍ، وَقِيلَ: وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو صَالِحٍ ذَكْوَانُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَامِرُ بْنُ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيُّ. وَأَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ، وَقِيلَ لَهُ الزَّيَّاتُ أَيْضًا لِأَنَّهُ كَانَ يَبِيعُهُمَا. وَأَبُو عَمْرٍو سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ الشَّيْبَانِيُّ، وَكَانَ عُمُرُهُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ، وَلَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ. وَفِي خِلَافَةِ عُمَرَ تُوُفِّيَ عُبَيْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ أَبُو الْقَاسِمِ الْعَامِرِيُّ.

стр. 2100

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَمِائَةٍ] ١٠٢ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَمِائَةٍ ذِكْرُ مَقْتَلِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ ثُمَّ إِنَّ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ سَارَ عَنْ وَاسِطَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا ابْنَهُ مُعَاوِيَةَ وَجَعَلَ عِنْدَهُ بَيْتَ الْمَالِ وَالْأُسَرَاءِ، وَسَارَ عَلَى فَمِ النِّيلِ حَتَّى نَزَلَ الْعَقْرَ، وَقَدَّمَ أَخَاهُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ الْمُهَلَّبِ نَحْوَ الْكُوفَةِ، فَاسْتَقْبَلَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بُسُورًا، فَاقْتَتَلُوا، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُ عَبْدِ الْمَلِكِ حَمْلَةً كَشَفُوهُمْ فِيهَا، وَمَعَهُمْ نَاسٌ مِنْ تَمِيمٍ وَقَيْسٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَنَادَوْا: يَا أَهْلَ الشَّامِ! اللَّهَ اللَّهَ أَنْ تُسْلِمُونَا! وَقَدِ اضْطَرَّهُمْ أَصْحَابُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى النَّهْرِ. فَقَالَ أَهْلُ الشَّامِ: لَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ، إِنَّ لَنَا جَوْلَةً فِي أَوَّلِ الْقِتَالِ، ثُمَّ كَرُّوا عَلَيْهِمْ فَانْكَشَفَ أَصْحَابُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَانْهَزَمُوا وَعَادُوا إِلَى يَزِيدَ. وَأَقْبَلَ مَسْلَمَةُ يَسِيرُ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ إِلَى الْأَنْبَارِ، وَعَقَدَ عَلَيْهَا الْجِسْرَ، فَعَبَرَ وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى ابْنِ الْمُهَلَّبِ، وَأَتَى إِلَى ابْنِ الْمُهَلَّبِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ كَثِيرٌ، وَمِنَ الثُّغُورِ، فَبَعَثَ عَلَى مَنْ خَرَجَ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَرُبُعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سُفْيَانَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الْمُغَفَّلِ الْأَزْدِيَّ، وَعَلَى رُبُعِ مَذْحِجٍ وَأَسَدٍ النُّعْمَانَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ، وَعَلَى كِنْدَةَ وَرَبِيعَةَ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ الْأَشْعَثِ، وَعَلَى تَمِيمٍ وَهَمْدَانَ حَنْظَلَةَ بْنَ عَتَّابِ بْنِ وَرْقَاءَ التَّمِيمِيَّ، وَجَمَعَهُمْ جَمِيعًا [مَعَ] الْمُفَضَّلِ بْنِ الْمُهَلَّبِ وَأَحْصَى دِيوَانَ ابْنِ الْمُهَلَّبِ مِائَةَ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا، فَقَالَ: لَوَدِدْتُ أَنَّ لِي بِهِمْ مَنْ بِخُرَاسَانَ مِنْ قَوْمِي، ثُمَّ قَامَ فِي أَصْحَابِهِ فَحَرَّضَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ. وَكَانَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَدْ عَسْكَرَ بِالنُّخَيْلَةِ، وَشَقَّ الْمِيَاهَ، وَجَعَلَ عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ الْأَرْصَادَ لِئَلَّا يَخْرُجُوا إِلَى ابْنِ الْمُهَلَّبِ، وَبَعَثَ بَعْثًا إِلَى مَسْلَمَةَ مَعَ سَبْرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِخْنَفٍ، وَبَعَثَ مَسْلَمَةُ فَعَزَلَ عَبْدَ الْحَمِيدِ عَنِ الْكُوفَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَهُوَ ذُو الشَّامَةِ. فَجَمَعَ يَزِيدُ رُءُوسَ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَجْمَعَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا فَأَبْعَثُهُمْ مَعَ

стр. 2101

أَخِي مُحَمَّدِ بْنِ الْمُهَلَّبِ حَتَّى يُبَيِّتُوا مَسْلَمَةَ، وَيَحْمِلُوا مَعَهُمُ الْبَرَاذِعَ وَالْأُكُفَ وَالزُّبْلَ لِدَفْنِ خَنْدَقِهِمْ، فَيُقَاتِلُهُمْ عَلَى خَنْدَقِهِمْ بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِ، وَأُمِدَّهُ بِالرِّجَالِ حَتَّى أُصْبِحَ، فَإِذَا أَصْبَحْتُ نَهَضْتُ إِلَيْهِمْ فِي النَّاسِ فَأُنَاجِزُهُمْ، فَإِنِّي أَرْجُو عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ يَنْصُرَنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ السَّمَيْدَعُ: إِنَّا قَدْ دَعَوْنَاهُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، ﷺ ، وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ قَبِلُوا هَذَا مِنَّا، فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَمْكُرَ وَلَا نَغْدُرَ حَتَّى يَرُدُّوا عَلَيْنَا [مَا زَعَمُوا أَنَّهُمْ قَابِلُوهُ مِنَّا] . وَقَالَ أَبُو رُؤْبَةَ، وَهُوَ رَأْسُ الطَّائِفَةِ الْمُرْجِئَةِ، وَمَعَهُ أَصْحَابٌ لَهُ: صَدَقَ، هَكَذَا يَنْبَغِي. فَقَالَ يَزِيدُ: وَيْحَكُمُ! أَتُصَدِّقُونَ بَنِي أُمَيَّةَ أَنَّهُمْ يَعْمَلُونَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَقَدْ ضَيَّعُوا ذَلِكَ مُنْذُ كَانُوا؟ إِنَّهُمْ يُخَادِعُونَكُمْ لِيَمْكُرُوا بِكُمْ فَلَا يَسْبِقُوكُمْ إِلَيْهِ، إِنِّي لَقِيتُ بَنِي مَرْوَانَ، فَمَا لَقِيتُ مِنْهُمْ أَمْكَرَ وَلَا (أَبْعَدَ غَدْرًا) مِنْ هَذِهِ الْجَرَادَةِ الصَّفْرَاءِ، يَعْنِي مَسْلَمَةَ. قَالُوا: لَا نَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى يَرُدُّوا عَلَيْنَا مَا زَعَمُوا أَنَّهُمْ قَابِلُوهُ مِنَّا. وَكَانَ مَرْوَانُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بِالْبَصْرَةِ يَحُثُّ النَّاسَ عَلَى حَرْبِ أَهْلِ الشَّامِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يُثَبِّطُهُمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ مَرْوَانَ، قَامَ فِي النَّاسِ يَأْمُرُهُمْ بِالْجِدِّ وَالِاحْتِشَادِ، ثُمَّ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ هَذَا الشَّيْخَ الضَّالَّ الْمُرَائِيَ، وَلَمْ يُسَمِّهِ، يُثَبِّطُ النَّاسَ، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ جَارَهُ نَزَعَ مِنْ خُصِّ دَارِهِ قَصَبَةً لَظَلَّ يَرْعُفُ أَنْفُهُ! وَايْمُ اللَّهِ لَيَكُفَّنَّ عَنْ ذِكْرِنَا وَعَنْ جَمْعِهِ إِلَيْهِ، سُقَّاطَ الْأُبُلَّةِ وَعُلُوجَ فُرَاتِ الْبَصْرَةِ، أَوْ لَأُنْحِيَنَّ عَلَيْهِ مِبْرَدًا خَشِنًا. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْحَسَنَ، قَالَ: وَاللَّهِ [مَا أَكْرَهُ] أَنْ يُكْرِمَنِي اللَّهُ بِهَوَانِهِ. فَقَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: لَوْ أَرَادَكَ ثُمَّ شِئْتَ لَمَنَعْنَاكَ. فَقَالَ لَهُمْ: فَقَدْ خَالَفْتُكُمْ إِذًا إِلَى مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، آمُرُكُمْ أَنْ لَا يَقْتُلَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا مَعَ غَيْرِي، وَآمُرُكُمْ أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا دُونِي! فَبَلَغَ ذَلِكَ مَرْوَانَ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ وَطَلَبَهُمْ وَتَفَرَّقُوا، وَكَفَّ عَنِ الْحَسَنِ. وَكَانَ اجْتِمَاعُ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ وَمَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ صَفَرٍ بَعَثَ مَسْلَمَةُ إِلَى الْوَضَّاحِ أَنْ يَخْرُجَ بِالسُّفُنِ حَتَّى يَحْرِقَ الْجِسْرَ، فَفَعَلَ، وَخَرَجَ مَسْلَمَةُ، فَعَبَّأَ جُنُودَ أَهْلِ الشَّامِ، ثُمَّ قَرُبَ مِنَ ابْنِ الْمُهَلَّبِ وَجَعَلَ عَلَى مَيْمَنَتِهِ جَبَلَةَ بْنَ مَخْرَمَةَ الْكِنْدِيَّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ الْهُذَيْلَ بْنَ زُفَرَ بْنَ الْحَارِثِ الْكِلَابِيَّ، وَجَعَلَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى مَيْمَنَتِهِ سَيْفَ بْنَ هَانِئٍ الْهَمْدَانِيَّ، وَعَلَى

стр. 2102

مَيْسَرَتِهِ سُوِيدَ بْنَ الْقَعْقَاعِ التَّمِيمِيَّ، وَكَانَ مَسْلَمَةُ عَلَى النَّاسِ. وَخَرَجَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ وَقَدْ جَعَلَ عَلَى مَيْمَنَتِهِ حَبِيبَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ الْمُفَضَّلَ بْنَ الْمُهَلَّبِ. فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَدَعَا إِلَى الْمُبَارَزَةِ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، فَضَرَبَهُ مُحَمَّدٌ، فَاتَّقَاهُ الرَّجُلُ بِيَدِهِ وَعَلَى كَفِّهِ كَفٌّ مِنْ حَدِيدٍ، فَضَرَبَهُ مُحَمَّدٌ فَقَطَعَ الْكَفَّ الْحَدِيدَ، وَأَسْرَعَ السَّيْفُ فِي كَفِّهِ وَاعْتَنَقَ فَرَسَهُ فَانْهَزَمَ. فَلَمَّا دِنَّا الْوَضَّاحُ مِنَ الْجِسْرِ أَلْهَبَ فِيهِ النَّارَ، فَسَطَعَ دُخَانُهُ، وَقَدْ أَقْبَلَ النَّاسُ، وَنَشِبَتِ الْحَرْبُ، وَلَمْ يَشْتَدِ الْقِتَالُ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ الدُّخَانَ، وَقِيلَ لَهُمْ أُحْرِقَ الْجِسْرُ، انْهَزَمُوا، فَقِيلَ لِيَزِيدَ: قَدِ انْهَزَمَ النَّاسُ. فَقَالَ: مِمَّ انْهَزَمُوا؟ هَلْ كَانَ قِتَالٌ يُنْهَزَمُ مِنْ مِثْلِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ قَالُوا أُحْرِقَ الْجِسْرُ فَلَمْ يَثْبُتْ أَحَدٌ. فَقَالَ: قَبَّحَهُمُ اللَّهُ! بَقٌّ دُخِّنَ عَلَيْهِ فَطَارَ! ثُمَّ خَرَجَ مَعَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالَ: اضْرِبُوا وُجُوهَ الْمُنْهَزِمِينَ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِمْ حَتَّى كَثُرُوا عَلَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَهُ أَمْثَالُ الْجِبَالِ، فَقَالَ: دَعَوْهُمْ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يَجْمَعَنِي وَإِيَّاهُمْ مَكَانٌ أَبَدًا، دَعُوهُمْ يَرْحَمْهُمُ اللَّهُ، غَنَمٌ عَدَا فِي نَوَاحِيهَا الذِّئْبُ! وَكَانَ يَزِيدُ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِالْفِرَارِ، وَكَانَ قَدْ أَتَاهُ يَزِيدُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيُّ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَالِدِ مَرْوَانَ نَسَبٌ، وَهُوَ بِوَاسِطَ، فَقَالَ لَهُ: إِنْ بَنِي مَرْوَانَ قَدْ بَادَ مُلْكُهُمْ، فَإِنْ كُنْتَ لَمْ تَشْعُرْ بِذَلِكَ فَاشْعُرْ. فَقَالَ: مَا شَعَرْتُ، فَقَالَ ابْنُ الْحَكَمِ: فَعِشْ مَلِكًا أَوْ مُتْ كَرِيمًا فَإِنْ تَمُتْ ... وَسَيْفُكَ مَشْهُورٌ بِكَفِّكِ تُعْذَرُ فَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَعَسَى. فَلَمَّا رَأَى يَزِيدُ انْهِزَامَ أَصْحَابِهِ، قَالَ: يَا سَمَيْدَعُ أَرَأْيِي أَجْوَدُ أَمْ رَأْيُكَ؟ أَلَمْ أُعْلِمْكَ مَا يُرِيدُ الْقَوْمُ؟ قَالَ: بَلَى، فَنَزَلَ سَمَيْدَعُ وَنَزَلَ يَزِيدُ فِي أَصْحَابِهِمَا. وَقِيلَ: كَانَ عَلَى فَرَسٍ أَشْهَبَ فَأَتَاهُ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ أَخَاكَ حَبِيبًا قَدْ قُتِلَ. فَقَالَ: لَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُ، قَدْ كُنْتُ وَاللَّهِ أَبْغَضُ الْحَيَاةَ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ، وَقَدِ ازْدَدْتُ لَهَا بُغْضًا، امْضُوا قُدُمًا. فَعَلِمُوا أَنَّهُ قَدِ اسْتَقْتَلَ، فَتَسَلَّلَ عَنْهُ مَنْ يَكْرَهُ الْقِتَالَ، وَبَقِيَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ حَسَنَةٌ وَهُوَ يَتَقَدَّمُ، فَكُلَّمَا مَرَّ بِخَيْلٍ كَشَفِهَا، أَوْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ عَدَلُوا عَنْهُ، وَأَقْبَلَ نَحْوَ مَسْلَمَةَ لَا يُرِيدُ غَيْرَهُ. فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ أَدْنَى مَسْلَمَةُ فَرَسَهُ لِيَرْكَبَ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ خُيُولُ أَهْلِ الشَّامِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ، فَقُتِلَ يَزِيدُ وَالسَّمَيْدَعُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ. وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ كَلْبٍ يُقَالُ لَهُ: الْقَحْلُ بْنُ عَيَّاشٍ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى يَزِيدَ، قَالَ: هَذَا وَاللَّهِ

стр. 2103

يَزِيدُ! وَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّهُ أَوْ لَيَقْتُلَنِّي! فَمَنْ يَحْمِلُ مَعِي يَكْفِينِي أَصْحَابَهُ، حَتَّى أَصِلَ إِلَيْهِ؟ فَحَمَلَ مَعَهُ نَاسٌ، فَاقْتَتَلُوا سَاعَةً، وَانْفَرَجَ الْفَرِيقَانِ عَنْ يَزِيدَ قَتِيلًا، وَعَنِ الْقَحْلِ بِآخِرِ رَمَقِهِ، فَأَوْمَأَ إِلَى أَصْحَابِهِ يُرِيهِمْ مَكَانَ يَزِيدَ، وَأَنَّهُ هُوَ قَاتِلُهُ وَأَنَّ يَزِيدَ قَتَلَهُ. وَأَتَى بِرَأْسِ يَزِيدَ مَوْلًى لِبَنِي مُرَّةَ، فَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ قَتَلْتَهُ؟ قَالَ: لَا، فَلَمَّا أَتَى مَسْلَمَةَ سَيَّرَهُ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ. وَقِيلَ: بَلْ قَتَلَهُ الْهُذَيْلُ بْنُ زُفَرَ بْنِ الْحَارِثِ الْكِلَابِيُّ، وَلَمْ يَنْزِلْ يَأْخُذُ رَأْسَهُ أَنَفَةً. وَلَمَّا قُتِلَ يَزِيدُ كَانَ الْمُفَضَّلُ بْنُ الْمُهَلَّبِ يُقَاتِلُ أَهْلَ الشَّامِ، وَمَا يَدْرِي بِقَتْلِ يَزِيدَ وَلَا بِهَزِيمَةِ النَّاسِ، وَكَانَ كُلَّمَا حَمَلَ عَلَى النَّاسِ انْكَشَفُوا، ثُمَّ يَحْمِلُ حَتَّى يُخَالِطَهُمْ، وَكَانَ مَعَهُ عَامِرُ بْنُ الْعُمَيْثَلِ الْأَزْدِيُّ يَضْرِبُ بِسَيْفِهِ وَيَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ أُمُّ الصَّبِيِّ الْمَوْلُودِ ... أَنِّي بِنَصْلِ السَّيْفِ غَيْرُ رِعْدِيدْ فَاقْتَتَلُوا سَاعَةً، فَانْهَزَمَتْ رَبِيعَةُ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ الْمُفَضَّلُ يُنَادِيهِمْ: يَا مَعْشَرَ رَبِيعَةَ الْكَرَّةَ الْكَرَّةَ! وَاللَّهِ مَا كُنْتُمْ بِكُشْفٍ وَلَا لِئَامٍ، وَلَا لَكُمْ هَذِهِ بِعَادَةٍ، فَلَا يُؤْتَيَّنَ أَهْلُ الْعِرَاقِ مِنْ قِبَلِكُمْ، فَدَتْكُمْ نَفْسِي! فَرَجَعُوا إِلَيْهِ يُرِيدُونَ الْحَمْلَةَ، فَأُتِي، وَقِيلَ لَهُ: مَا تَصَنَعُ هَاهُنَا وَقَدْ قُتِلَ يَزِيدُ وَحَبِيبٌ وَمُحَمَّدٌ، وَانْهَزَمَ النَّاسُ مُنْذُ طَوِيلٍ؟ فَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ، وَمَضَى الْمُفَضَّلُ إِلَى وَاسِطَ، فَمَا كَانَ مِنَ الْعَرَبِ أَضْرَبُ بِسَيْفِهِ، وَلَا أَحْسَنُ تَعْبِيَةً لِلْحَرْبِ، وَلَا أَغْشَى لِلنَّاسِ مِنْهُ. وَقِيلَ: بَلْ أَتَاهُ أَخُوهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَكَرِهَ أَنْ يُخْبِرَهُ بِقَتْلِ يَزِيدَ فَيَسْتَقْتِلَ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْأَمِيرَ قَدِ انْحَدَرَ إِلَى وَاسِطَ. فَانْحَدَرَ الْمُفَضَّلُ بِمَنْ بَقِيَ مِنْ وَلِدِ الْمُهَلَّبِ إِلَى وَاسِطَ، فَلَمَّا عَلِمَ بِقَتْلِ يَزِيدَ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُ عَبْدَ الْمَلِكِ أَبَدًا، فَمَا كَلَّمَهُ حَتَّى قُتِلَ بِقَنْدَابِيلَ. وَكَانَتْ عَيْنُهُ أُصِيبَتْ فِي الْحَرْبِ، فَقَالَ: فَضَحَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ، مَا عُذْرِي إِذَا رَآنِي النَّاسُ، فَقَالُوا شَيْخٌ أَعْوَرُ مَهْزُومٌ! أَلَا صَدَقَنِي فَقُتِلْتُ؟ ثُمَّ قَالَ: وَلَا خَيْرَ فِي طَعْنِ الصَّنَادِيدِ بِالْقَنَا ... وَلَا فِي لِقَاءِ الْحَرْبِ بَعْدَ يَزِيدِ فَلَمَّا فَارَقَ الْمُفَضَّلُ الْمَعْرَكَةَ، جَاءَ عَسْكَرُ الشَّامِ إِلَى عَسْكَرِ يَزِيدَ، فَقَاتَلَهُمْ أَبُو رُؤْبَةَ صَاحِبُ الْمُرْجِئَةِ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ، وَأَسَرَ مَسْلَمَةُ نَحْوَ ثَلَاثَمِائَةِ أَسِيرٍ، فَسَرَّحَهُمْ إِلَى الْكُوفَةِ، فَحُبِسُوا بِهَا، فَجَاءَ كِتَابُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْوَلِيدِ يَأْمُرُهُ بِضَرْبِ

стр. 2104

رِقَابِ الْأَسْرَى، فَأَمَرَ الْعُرْيَانَ بْنَ الْهَيْثَمِ، وَكَانَ عَلَى شُرْطَتِهِ، أَنْ يُخْرِجَهُمْ عِشْرِينَ عِشْرِينَ وَثَلَاثِينَ ثَلَاثِينَ، فَقَامَ نَحْوُ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ تَمِيمٍ فَقَالُوا: نَحْنُ انْهَزَمْنَا بِالنَّاسِ، فَابْدَءُوا بِنَا قَبْلَ النَّاسِ. فَأَخْرَجَهُمُ الْعُرْيَانُ، فَضَرَبَ رِقَابَهُمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ: انْهَزَمْنَا بِالنَّاسِ، فَكَانَ هَذَا جَزَاءُنَا. فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْهُمْ، جَاءَ رَسُولٌ بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ مَسْلَمَةَ يَأْمُرُهُ بِتَرْكِ قَتْلِ الْأَسْرَى. وَأَقْبَلَ مَسْلَمَةُ حَتَّى نَزَلَ الْحِيرَةَ. وَلَمَّا أَتَتْ هَزِيمَةُ يَزِيدَ إِلَى وَاسِطَ أَخْرَجَ ابْنُهُ مُعَاوِيَةُ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ أَسِيرًا كَانُوا عِنْدَهُ، فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ، مِنْهُمْ: عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ، وَمَالِكٌ وَعَبْدُ الْمَلِكِ ابْنَا مِسْمَعٍ، وَغَيْرُهُمَا، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى أَتَى الْبَصْرَةَ وَمَعَهُ الْمَالُ وَالْخَزَائِنُ، وَجَاءَ الْمُفَضَّلُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، وَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْمُهَلَّبِ بِالْبَصْرَةِ فَأَعَدُّوا السُّفُنَ وَتَجَهَّزُوا لِلرُّكُوبِ فِي الْبَحْرِ. وَكَانَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بَعَثَ وَدَّاعَ بْنَ حُمَيْدٍ الْأَزْدِيَّ عَلَى قَنْدَابِيلَ أَمِيرًا، وَقَالَ لَهُ: إِنِّي سَائِرٌ إِلَى هَذَا الْعَدُوِّ وَلَوْ قَدْ لَقِيتُهُمْ لَمْ أَبْرَحِ الْعَرْصَةَ حَتَّى يَكُونَ لِي أَوْ لَهُمْ، فَإِنْ ظَفِرْتُ أَكْرَمْتُكَ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى كُنْتَ بِقَنْدَابِيلَ حَتَّى يَقْدَمَ عَلَيْكَ أَهْلُ بَيْتِي فَيَتَحَصَّنُوا بِهَا حَتَّى يَأْخُذُوا [لِأَنْفُسِهِمْ] أَمَانًا، وَقَدِ اخْتَرْتُكَ لَهُمْ مِنْ بَيْنِ قَوْمِي، فَكُنْ عِنْدَ أَحْسَنِ ظَنِّي. وَأَخَذَ عَلَيْهِ الْعُهُودَ لَيُنَاصِحَنَّ أَهْلَ بَيْتِهِ إِنْ هُمْ لَجَأُوا إِلَيْهِ. فَلَمَّا اجْتَمَعَ آلُ الْمُهَلَّبِ بِالْبَصْرَةِ حَمَلُوا عِيَالَاتِهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ فِي السُّفُنِ الْبَحْرِيَّةِ، ثُمَّ لَجَّجُوا فِي الْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِحِيَالِ كَرْمَانَ خَرَجُوا مِنْ سُفُنِهِمْ، وَحَمَلُوا عِيَالَاتِهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ عَلَى الدَّوَابِّ، وَكَانَ الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِمُ الْمُفَضَّلَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، وَكَانَ بِكَرْمَانَ فُلُولٌ كَثِيرَةٌ، فَاجْتَمَعُوا إِلَى الْمُفَضَّلِ، وَبَعَثَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ مُدْرِكَ بْنَ ضَبٍّ الْكَلْبِيَّ فِي طَلَبِهِمْ وَفِي أَثَرِ الْفَلِّ، فَأَدْرَكَ مُدْرِكٌ الْمُفَضَّلَ، وَمَعَهُ الْفُلُولُ فِي عَقَبَةٍ، فَعَطَفُوا عَلَيْهِ فَقَاتَلُوهُ، وَاشْتَدَّ قِتَالُهُمْ [إِيَّاهُ] ، فَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ الْمُفَضَّلِ النُّعْمَانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ النَّخَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، وَأُخِذَ ابْنُ صُولٍ مَلِكُ قُهِسْتَانَ أَسِيرًا، وَجُرِحَ عُثْمَانُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، وَهَرَبَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى حُلْوَانَ، فَدُلَّ عَلَيْهِ، فَقُتِلَ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى مَسْلَمَةَ بِالْحِيرَةِ. وَرَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْمُهَلَّبِ، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ، فَأُومِنُوا، مِنْهُمْ: مَالِكُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ، وَالْوَرْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ السَّعْدِيُّ التَّمِيمِيُّ. وَمَضَى آلُ الْمُهَلَّبِ وَمَنْ مَعَهُمْ إِلَى قَنْدَابِيلَ، وَبَعَثَ مَسْلَمَةُ إِلَى مُدْرِكِ بْنِ ضَبٍّ

стр. 2105

فَرَدَّهُ وَسَيَّرَ فِي أَثَرِهِمْ هِلَالَ بْنَ أَحْوَزَ التَّمِيمِيَّ، فَلَحِقَهُمْ بِقَنْدَابِيلَ، فَأَرَادَ أَهْلُ الْمُهَلَّبِ دُخُولَهَا، فَمَنَعَهُمْ وَدَّاعُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَكَانَ هِلَالُ بْنُ أَحْوَزَ لَمْ يُبَايِنْ آلَ الْمُهَلَّبِ، فَلَمَّا الْتَقَوْا كَانَ وَدَاعٌ عَلَى الْمَيْمَنَةِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِلَالٍ عَلَى الْمَيْسَرَةِ، وَكِلَاهُمَا أَزْدِيٌّ، فَرَفَعَ هِلَالُ بْنُ أَحْوَزَ رَايَةَ أَمَانٍ، فَمَالَ إِلَيْهِ وَدَّاعُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِلَالٍ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْ آلِ الْمُهَلَّبِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مَرْوَانُ بْنُ الْمُهَلَّبِ أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى النِّسَاءِ فَيَقْتُلَهُنَّ، لِئَلَّا يَصِرْنَ إِلَى أُولَئِكَ، فَنَهَاهُ الْمُفَضَّلُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّا لَا نَخَافُ عَلَيْهِنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ. فَتَرَكَهُنَّ، وَتَقَدَّمُوا بِأَسْيَافِهِمْ، فَقَاتَلُوا حَتَّى قُتِلُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ، وَهُمْ: الْمُفَضَّلُ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ، وَزِيَادٌ، وَمَرْوَانُ بَنُو الْمُهَلَّبِ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَالْمِنْهَالُ بْنُ أَبِي عُيَيْنَةَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَعَمْرُو وَالْمُغَيَّرَةُ ابْنَا قَبِيصَةَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَحُمِلَتْ رُءُوسُهُمْ، وَفِي أُذُنِ كُلِّ وَاحِدٍ رُقْعَةٌ فِيهَا اسْمُهُ إِلَّا أَبَا عُيَيْنَةَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، وَعُمَرَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَعُثْمَانَ بْنَ الْمُفَضَّلِ بْنِ الْمُهَلَّبِ، فَإِنَّهُمْ لَحِقُوا بِرُتْبِيلَ. وَبَعَثَ هِلَالُ بْنُ أَحْوَزَ بِنِسَائِهِمْ وَرُءُوسِهِمْ وَالْأَسْرَى مِنْ آلِ الْمُهَلَّبِ إِلَى مَسْلَمَةَ بِالْحِيرَةِ، فَبَعَثَهُمْ مَسْلَمَةُ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَسَيَّرَهُمْ يَزِيدُ إِلَى الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ وَهُوَ عَلَى حَلَبَ، فَنَصَبَ الرُّءُوسَ، وَأَرَادَ مَسْلَمَةُ أَنْ يَبِيعَ الذُّرِّيَّةَ، فَاشْتَرَاهُمْ مِنْهُ الْجَرَّاحُ بْنُ عَبْدِ (اللَّهِ الْحَكَمِيُّ بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَخَلَّى سَبِيلَهُمْ، وَلَمْ يَأْخُذْ مَسْلَمَةُ مِنَ الْجَرَّاحِ شَيْئًا. وَلَمَّا بَلَغَ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ الْخَبَرُ بِقَتْلِ يَزِيدَ سَرَّهُ لِانْتِصَارِهِ، وَلِمَا فِي نَفْسِهِ مِنْهُ قَبْلَ الْخِلَافَةِ) . وَكَانَ سَبَبُ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُمَا أَنَّ ابْنَ الْمُهَلَّبِ خَرَجَ مِنَ الْحَمَّامِ أَيَّامَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَدْ تَضَمَّخَ بِالْغَالِيَةِ، فَاجْتَازَ بِيَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَهُوَ إِلَى جَانِبِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ الدُّنْيَا، لَوَدِدْتُ أَنَّ مِثْقَالَ غَالِيَةٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَلَا يَنَالُهَا إِلَّا كُلُّ شَرِيفٍ. فَسَمِعَ ابْنُ الْمُهَلَّبِ، فَقَالَ لَهُ: بَلْ وَدِدْتُ أَنَّ الْغَالِيَةَ كَانَتْ فِي جَبْهَةِ الْأَسَدِ، فَلَا يَنَالُهَا إِلَّا مِثْلِي. فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: وَاللَّهِ لَئِنْ وُلِّيتُ يَوْمًا لَأَقْتُلَنَّكَ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْمُهَلَّبِ: وَاللَّهِ لَئِنْ وُلِّيتَ هَذَا الْأَمْرَ وَأَنَا حَيٌّ لَأَضْرِبَنَّ وَجْهَكَ بِخَمْسِينَ أَلْفِ سَيْفٍ، فَهَذَا
следующие страницы →