Полный текст (6 163 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
أَخِي مُحَمَّدِ بْنِ الْمُهَلَّبِ حَتَّى يُبَيِّتُوا مَسْلَمَةَ، وَيَحْمِلُوا مَعَهُمُ الْبَرَاذِعَ وَالْأُكُفَ وَالزُّبْلَ لِدَفْنِ خَنْدَقِهِمْ، فَيُقَاتِلُهُمْ عَلَى خَنْدَقِهِمْ بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِ، وَأُمِدَّهُ بِالرِّجَالِ حَتَّى أُصْبِحَ، فَإِذَا أَصْبَحْتُ نَهَضْتُ إِلَيْهِمْ فِي النَّاسِ فَأُنَاجِزُهُمْ، فَإِنِّي أَرْجُو عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ يَنْصُرَنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ السَّمَيْدَعُ: إِنَّا قَدْ دَعَوْنَاهُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، ﷺ ، وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ قَبِلُوا هَذَا مِنَّا، فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَمْكُرَ وَلَا نَغْدُرَ حَتَّى يَرُدُّوا عَلَيْنَا [مَا زَعَمُوا أَنَّهُمْ قَابِلُوهُ مِنَّا] . وَقَالَ أَبُو رُؤْبَةَ، وَهُوَ رَأْسُ الطَّائِفَةِ الْمُرْجِئَةِ، وَمَعَهُ أَصْحَابٌ لَهُ: صَدَقَ، هَكَذَا يَنْبَغِي.
فَقَالَ يَزِيدُ: وَيْحَكُمُ! أَتُصَدِّقُونَ بَنِي أُمَيَّةَ أَنَّهُمْ يَعْمَلُونَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَقَدْ ضَيَّعُوا ذَلِكَ مُنْذُ كَانُوا؟ إِنَّهُمْ يُخَادِعُونَكُمْ لِيَمْكُرُوا بِكُمْ فَلَا يَسْبِقُوكُمْ إِلَيْهِ، إِنِّي لَقِيتُ بَنِي مَرْوَانَ، فَمَا لَقِيتُ مِنْهُمْ أَمْكَرَ وَلَا (أَبْعَدَ غَدْرًا) مِنْ هَذِهِ الْجَرَادَةِ الصَّفْرَاءِ، يَعْنِي مَسْلَمَةَ. قَالُوا: لَا نَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى يَرُدُّوا عَلَيْنَا مَا زَعَمُوا أَنَّهُمْ قَابِلُوهُ مِنَّا.
وَكَانَ مَرْوَانُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بِالْبَصْرَةِ يَحُثُّ النَّاسَ عَلَى حَرْبِ أَهْلِ الشَّامِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يُثَبِّطُهُمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ مَرْوَانَ، قَامَ فِي النَّاسِ يَأْمُرُهُمْ بِالْجِدِّ وَالِاحْتِشَادِ، ثُمَّ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ هَذَا الشَّيْخَ الضَّالَّ الْمُرَائِيَ، وَلَمْ يُسَمِّهِ، يُثَبِّطُ النَّاسَ، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ جَارَهُ نَزَعَ مِنْ خُصِّ دَارِهِ قَصَبَةً لَظَلَّ يَرْعُفُ أَنْفُهُ! وَايْمُ اللَّهِ لَيَكُفَّنَّ عَنْ ذِكْرِنَا وَعَنْ جَمْعِهِ إِلَيْهِ، سُقَّاطَ الْأُبُلَّةِ وَعُلُوجَ فُرَاتِ الْبَصْرَةِ، أَوْ لَأُنْحِيَنَّ عَلَيْهِ مِبْرَدًا خَشِنًا.
فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْحَسَنَ، قَالَ: وَاللَّهِ [مَا أَكْرَهُ] أَنْ يُكْرِمَنِي اللَّهُ بِهَوَانِهِ. فَقَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: لَوْ أَرَادَكَ ثُمَّ شِئْتَ لَمَنَعْنَاكَ. فَقَالَ لَهُمْ: فَقَدْ خَالَفْتُكُمْ إِذًا إِلَى مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، آمُرُكُمْ أَنْ لَا يَقْتُلَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا مَعَ غَيْرِي، وَآمُرُكُمْ أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا دُونِي! فَبَلَغَ ذَلِكَ مَرْوَانَ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ وَطَلَبَهُمْ وَتَفَرَّقُوا، وَكَفَّ عَنِ الْحَسَنِ.
وَكَانَ اجْتِمَاعُ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ وَمَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ صَفَرٍ بَعَثَ مَسْلَمَةُ إِلَى الْوَضَّاحِ أَنْ يَخْرُجَ بِالسُّفُنِ حَتَّى يَحْرِقَ الْجِسْرَ، فَفَعَلَ، وَخَرَجَ مَسْلَمَةُ، فَعَبَّأَ جُنُودَ أَهْلِ الشَّامِ، ثُمَّ قَرُبَ مِنَ ابْنِ الْمُهَلَّبِ وَجَعَلَ عَلَى مَيْمَنَتِهِ جَبَلَةَ بْنَ مَخْرَمَةَ الْكِنْدِيَّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ الْهُذَيْلَ بْنَ زُفَرَ بْنَ الْحَارِثِ الْكِلَابِيَّ، وَجَعَلَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى مَيْمَنَتِهِ سَيْفَ بْنَ هَانِئٍ الْهَمْدَانِيَّ، وَعَلَى
стр. 2102
مَيْسَرَتِهِ سُوِيدَ بْنَ الْقَعْقَاعِ التَّمِيمِيَّ، وَكَانَ مَسْلَمَةُ عَلَى النَّاسِ.
وَخَرَجَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ وَقَدْ جَعَلَ عَلَى مَيْمَنَتِهِ حَبِيبَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ الْمُفَضَّلَ بْنَ الْمُهَلَّبِ. فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَدَعَا إِلَى الْمُبَارَزَةِ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، فَضَرَبَهُ مُحَمَّدٌ، فَاتَّقَاهُ الرَّجُلُ بِيَدِهِ وَعَلَى كَفِّهِ كَفٌّ مِنْ حَدِيدٍ، فَضَرَبَهُ مُحَمَّدٌ فَقَطَعَ الْكَفَّ الْحَدِيدَ، وَأَسْرَعَ السَّيْفُ فِي كَفِّهِ وَاعْتَنَقَ فَرَسَهُ فَانْهَزَمَ.
فَلَمَّا دِنَّا الْوَضَّاحُ مِنَ الْجِسْرِ أَلْهَبَ فِيهِ النَّارَ، فَسَطَعَ دُخَانُهُ، وَقَدْ أَقْبَلَ النَّاسُ، وَنَشِبَتِ الْحَرْبُ، وَلَمْ يَشْتَدِ الْقِتَالُ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ الدُّخَانَ، وَقِيلَ لَهُمْ أُحْرِقَ الْجِسْرُ، انْهَزَمُوا، فَقِيلَ لِيَزِيدَ: قَدِ انْهَزَمَ النَّاسُ. فَقَالَ: مِمَّ انْهَزَمُوا؟ هَلْ كَانَ قِتَالٌ يُنْهَزَمُ مِنْ مِثْلِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ قَالُوا أُحْرِقَ الْجِسْرُ فَلَمْ يَثْبُتْ أَحَدٌ. فَقَالَ: قَبَّحَهُمُ اللَّهُ! بَقٌّ دُخِّنَ عَلَيْهِ فَطَارَ! ثُمَّ خَرَجَ مَعَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالَ: اضْرِبُوا وُجُوهَ الْمُنْهَزِمِينَ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِمْ حَتَّى كَثُرُوا عَلَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَهُ أَمْثَالُ الْجِبَالِ، فَقَالَ: دَعَوْهُمْ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يَجْمَعَنِي وَإِيَّاهُمْ مَكَانٌ أَبَدًا، دَعُوهُمْ يَرْحَمْهُمُ اللَّهُ، غَنَمٌ عَدَا فِي نَوَاحِيهَا الذِّئْبُ!
وَكَانَ يَزِيدُ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِالْفِرَارِ، وَكَانَ قَدْ أَتَاهُ يَزِيدُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيُّ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَالِدِ مَرْوَانَ نَسَبٌ، وَهُوَ بِوَاسِطَ، فَقَالَ لَهُ: إِنْ بَنِي مَرْوَانَ قَدْ بَادَ مُلْكُهُمْ، فَإِنْ كُنْتَ لَمْ تَشْعُرْ بِذَلِكَ فَاشْعُرْ. فَقَالَ: مَا شَعَرْتُ، فَقَالَ ابْنُ الْحَكَمِ:
فَعِشْ مَلِكًا أَوْ مُتْ كَرِيمًا فَإِنْ تَمُتْ ... وَسَيْفُكَ مَشْهُورٌ بِكَفِّكِ تُعْذَرُ
فَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَعَسَى. فَلَمَّا رَأَى يَزِيدُ انْهِزَامَ أَصْحَابِهِ، قَالَ: يَا سَمَيْدَعُ أَرَأْيِي أَجْوَدُ أَمْ رَأْيُكَ؟ أَلَمْ أُعْلِمْكَ مَا يُرِيدُ الْقَوْمُ؟ قَالَ: بَلَى، فَنَزَلَ سَمَيْدَعُ وَنَزَلَ يَزِيدُ فِي أَصْحَابِهِمَا. وَقِيلَ: كَانَ عَلَى فَرَسٍ أَشْهَبَ فَأَتَاهُ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ أَخَاكَ حَبِيبًا قَدْ قُتِلَ. فَقَالَ: لَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُ، قَدْ كُنْتُ وَاللَّهِ أَبْغَضُ الْحَيَاةَ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ، وَقَدِ ازْدَدْتُ لَهَا بُغْضًا، امْضُوا قُدُمًا. فَعَلِمُوا أَنَّهُ قَدِ اسْتَقْتَلَ، فَتَسَلَّلَ عَنْهُ مَنْ يَكْرَهُ الْقِتَالَ، وَبَقِيَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ حَسَنَةٌ وَهُوَ يَتَقَدَّمُ، فَكُلَّمَا مَرَّ بِخَيْلٍ كَشَفِهَا، أَوْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ عَدَلُوا عَنْهُ، وَأَقْبَلَ نَحْوَ مَسْلَمَةَ لَا يُرِيدُ غَيْرَهُ. فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ أَدْنَى مَسْلَمَةُ فَرَسَهُ لِيَرْكَبَ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ خُيُولُ أَهْلِ الشَّامِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ، فَقُتِلَ يَزِيدُ وَالسَّمَيْدَعُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ.
وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ كَلْبٍ يُقَالُ لَهُ: الْقَحْلُ بْنُ عَيَّاشٍ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى يَزِيدَ، قَالَ: هَذَا وَاللَّهِ
стр. 2103
يَزِيدُ! وَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّهُ أَوْ لَيَقْتُلَنِّي! فَمَنْ يَحْمِلُ مَعِي يَكْفِينِي أَصْحَابَهُ، حَتَّى أَصِلَ إِلَيْهِ؟ فَحَمَلَ مَعَهُ نَاسٌ، فَاقْتَتَلُوا سَاعَةً، وَانْفَرَجَ الْفَرِيقَانِ عَنْ يَزِيدَ قَتِيلًا، وَعَنِ الْقَحْلِ بِآخِرِ رَمَقِهِ، فَأَوْمَأَ إِلَى أَصْحَابِهِ يُرِيهِمْ مَكَانَ يَزِيدَ، وَأَنَّهُ هُوَ قَاتِلُهُ وَأَنَّ يَزِيدَ قَتَلَهُ.
وَأَتَى بِرَأْسِ يَزِيدَ مَوْلًى لِبَنِي مُرَّةَ، فَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ قَتَلْتَهُ؟ قَالَ: لَا، فَلَمَّا أَتَى مَسْلَمَةَ سَيَّرَهُ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ. وَقِيلَ: بَلْ قَتَلَهُ الْهُذَيْلُ بْنُ زُفَرَ بْنِ الْحَارِثِ الْكِلَابِيُّ، وَلَمْ يَنْزِلْ يَأْخُذُ رَأْسَهُ أَنَفَةً.
وَلَمَّا قُتِلَ يَزِيدُ كَانَ الْمُفَضَّلُ بْنُ الْمُهَلَّبِ يُقَاتِلُ أَهْلَ الشَّامِ، وَمَا يَدْرِي بِقَتْلِ يَزِيدَ وَلَا بِهَزِيمَةِ النَّاسِ، وَكَانَ كُلَّمَا حَمَلَ عَلَى النَّاسِ انْكَشَفُوا، ثُمَّ يَحْمِلُ حَتَّى يُخَالِطَهُمْ، وَكَانَ مَعَهُ عَامِرُ بْنُ الْعُمَيْثَلِ الْأَزْدِيُّ يَضْرِبُ بِسَيْفِهِ وَيَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ أُمُّ الصَّبِيِّ الْمَوْلُودِ ... أَنِّي بِنَصْلِ السَّيْفِ غَيْرُ رِعْدِيدْ
فَاقْتَتَلُوا سَاعَةً، فَانْهَزَمَتْ رَبِيعَةُ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ الْمُفَضَّلُ يُنَادِيهِمْ: يَا مَعْشَرَ رَبِيعَةَ الْكَرَّةَ الْكَرَّةَ! وَاللَّهِ مَا كُنْتُمْ بِكُشْفٍ وَلَا لِئَامٍ، وَلَا لَكُمْ هَذِهِ بِعَادَةٍ، فَلَا يُؤْتَيَّنَ أَهْلُ الْعِرَاقِ مِنْ قِبَلِكُمْ، فَدَتْكُمْ نَفْسِي! فَرَجَعُوا إِلَيْهِ يُرِيدُونَ الْحَمْلَةَ، فَأُتِي، وَقِيلَ لَهُ: مَا تَصَنَعُ هَاهُنَا وَقَدْ قُتِلَ يَزِيدُ وَحَبِيبٌ وَمُحَمَّدٌ، وَانْهَزَمَ النَّاسُ مُنْذُ طَوِيلٍ؟ فَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ، وَمَضَى الْمُفَضَّلُ إِلَى وَاسِطَ، فَمَا كَانَ مِنَ الْعَرَبِ أَضْرَبُ بِسَيْفِهِ، وَلَا أَحْسَنُ تَعْبِيَةً لِلْحَرْبِ، وَلَا أَغْشَى لِلنَّاسِ مِنْهُ. وَقِيلَ: بَلْ أَتَاهُ أَخُوهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَكَرِهَ أَنْ يُخْبِرَهُ بِقَتْلِ يَزِيدَ فَيَسْتَقْتِلَ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْأَمِيرَ قَدِ انْحَدَرَ إِلَى وَاسِطَ. فَانْحَدَرَ الْمُفَضَّلُ بِمَنْ بَقِيَ مِنْ وَلِدِ الْمُهَلَّبِ إِلَى وَاسِطَ، فَلَمَّا عَلِمَ بِقَتْلِ يَزِيدَ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُ عَبْدَ الْمَلِكِ أَبَدًا، فَمَا كَلَّمَهُ حَتَّى قُتِلَ بِقَنْدَابِيلَ. وَكَانَتْ عَيْنُهُ أُصِيبَتْ فِي الْحَرْبِ، فَقَالَ: فَضَحَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ، مَا عُذْرِي إِذَا رَآنِي النَّاسُ، فَقَالُوا شَيْخٌ أَعْوَرُ مَهْزُومٌ! أَلَا صَدَقَنِي فَقُتِلْتُ؟ ثُمَّ قَالَ:
وَلَا خَيْرَ فِي طَعْنِ الصَّنَادِيدِ بِالْقَنَا ... وَلَا فِي لِقَاءِ الْحَرْبِ بَعْدَ يَزِيدِ
فَلَمَّا فَارَقَ الْمُفَضَّلُ الْمَعْرَكَةَ، جَاءَ عَسْكَرُ الشَّامِ إِلَى عَسْكَرِ يَزِيدَ، فَقَاتَلَهُمْ أَبُو رُؤْبَةَ صَاحِبُ الْمُرْجِئَةِ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ، وَأَسَرَ مَسْلَمَةُ نَحْوَ ثَلَاثَمِائَةِ أَسِيرٍ، فَسَرَّحَهُمْ إِلَى الْكُوفَةِ، فَحُبِسُوا بِهَا، فَجَاءَ كِتَابُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْوَلِيدِ يَأْمُرُهُ بِضَرْبِ
стр. 2104
رِقَابِ الْأَسْرَى، فَأَمَرَ الْعُرْيَانَ بْنَ الْهَيْثَمِ، وَكَانَ عَلَى شُرْطَتِهِ، أَنْ يُخْرِجَهُمْ عِشْرِينَ عِشْرِينَ وَثَلَاثِينَ ثَلَاثِينَ، فَقَامَ نَحْوُ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ تَمِيمٍ فَقَالُوا: نَحْنُ انْهَزَمْنَا بِالنَّاسِ، فَابْدَءُوا بِنَا قَبْلَ النَّاسِ. فَأَخْرَجَهُمُ الْعُرْيَانُ، فَضَرَبَ رِقَابَهُمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ: انْهَزَمْنَا بِالنَّاسِ، فَكَانَ هَذَا جَزَاءُنَا. فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْهُمْ، جَاءَ رَسُولٌ بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ مَسْلَمَةَ يَأْمُرُهُ بِتَرْكِ قَتْلِ الْأَسْرَى. وَأَقْبَلَ مَسْلَمَةُ حَتَّى نَزَلَ الْحِيرَةَ.
وَلَمَّا أَتَتْ هَزِيمَةُ يَزِيدَ إِلَى وَاسِطَ أَخْرَجَ ابْنُهُ مُعَاوِيَةُ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ أَسِيرًا كَانُوا عِنْدَهُ، فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ، مِنْهُمْ: عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ، وَمَالِكٌ وَعَبْدُ الْمَلِكِ ابْنَا مِسْمَعٍ، وَغَيْرُهُمَا، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى أَتَى الْبَصْرَةَ وَمَعَهُ الْمَالُ وَالْخَزَائِنُ، وَجَاءَ الْمُفَضَّلُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، وَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْمُهَلَّبِ بِالْبَصْرَةِ فَأَعَدُّوا السُّفُنَ وَتَجَهَّزُوا لِلرُّكُوبِ فِي الْبَحْرِ. وَكَانَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بَعَثَ وَدَّاعَ بْنَ حُمَيْدٍ الْأَزْدِيَّ عَلَى قَنْدَابِيلَ أَمِيرًا، وَقَالَ لَهُ: إِنِّي سَائِرٌ إِلَى هَذَا الْعَدُوِّ وَلَوْ قَدْ لَقِيتُهُمْ لَمْ أَبْرَحِ الْعَرْصَةَ حَتَّى يَكُونَ لِي أَوْ لَهُمْ، فَإِنْ ظَفِرْتُ أَكْرَمْتُكَ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى كُنْتَ بِقَنْدَابِيلَ حَتَّى يَقْدَمَ عَلَيْكَ أَهْلُ بَيْتِي فَيَتَحَصَّنُوا بِهَا حَتَّى يَأْخُذُوا [لِأَنْفُسِهِمْ] أَمَانًا، وَقَدِ اخْتَرْتُكَ لَهُمْ مِنْ بَيْنِ قَوْمِي، فَكُنْ عِنْدَ أَحْسَنِ ظَنِّي. وَأَخَذَ عَلَيْهِ الْعُهُودَ لَيُنَاصِحَنَّ أَهْلَ بَيْتِهِ إِنْ هُمْ لَجَأُوا إِلَيْهِ.
فَلَمَّا اجْتَمَعَ آلُ الْمُهَلَّبِ بِالْبَصْرَةِ حَمَلُوا عِيَالَاتِهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ فِي السُّفُنِ الْبَحْرِيَّةِ، ثُمَّ لَجَّجُوا فِي الْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِحِيَالِ كَرْمَانَ خَرَجُوا مِنْ سُفُنِهِمْ، وَحَمَلُوا عِيَالَاتِهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ عَلَى الدَّوَابِّ، وَكَانَ الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِمُ الْمُفَضَّلَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، وَكَانَ بِكَرْمَانَ فُلُولٌ كَثِيرَةٌ، فَاجْتَمَعُوا إِلَى الْمُفَضَّلِ، وَبَعَثَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ مُدْرِكَ بْنَ ضَبٍّ الْكَلْبِيَّ فِي طَلَبِهِمْ وَفِي أَثَرِ الْفَلِّ، فَأَدْرَكَ مُدْرِكٌ الْمُفَضَّلَ، وَمَعَهُ الْفُلُولُ فِي عَقَبَةٍ، فَعَطَفُوا عَلَيْهِ فَقَاتَلُوهُ، وَاشْتَدَّ قِتَالُهُمْ [إِيَّاهُ] ، فَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ الْمُفَضَّلِ النُّعْمَانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ النَّخَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، وَأُخِذَ ابْنُ صُولٍ مَلِكُ قُهِسْتَانَ أَسِيرًا، وَجُرِحَ عُثْمَانُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، وَهَرَبَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى حُلْوَانَ، فَدُلَّ عَلَيْهِ، فَقُتِلَ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى مَسْلَمَةَ بِالْحِيرَةِ. وَرَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْمُهَلَّبِ، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ، فَأُومِنُوا، مِنْهُمْ: مَالِكُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ، وَالْوَرْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ السَّعْدِيُّ التَّمِيمِيُّ.
وَمَضَى آلُ الْمُهَلَّبِ وَمَنْ مَعَهُمْ إِلَى قَنْدَابِيلَ، وَبَعَثَ مَسْلَمَةُ إِلَى مُدْرِكِ بْنِ ضَبٍّ
стр. 2105
فَرَدَّهُ وَسَيَّرَ فِي أَثَرِهِمْ هِلَالَ بْنَ أَحْوَزَ التَّمِيمِيَّ، فَلَحِقَهُمْ بِقَنْدَابِيلَ، فَأَرَادَ أَهْلُ الْمُهَلَّبِ دُخُولَهَا، فَمَنَعَهُمْ وَدَّاعُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَكَانَ هِلَالُ بْنُ أَحْوَزَ لَمْ يُبَايِنْ آلَ الْمُهَلَّبِ، فَلَمَّا الْتَقَوْا كَانَ وَدَاعٌ عَلَى الْمَيْمَنَةِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِلَالٍ عَلَى الْمَيْسَرَةِ، وَكِلَاهُمَا أَزْدِيٌّ، فَرَفَعَ هِلَالُ بْنُ أَحْوَزَ رَايَةَ أَمَانٍ، فَمَالَ إِلَيْهِ وَدَّاعُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِلَالٍ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْ آلِ الْمُهَلَّبِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مَرْوَانُ بْنُ الْمُهَلَّبِ أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى النِّسَاءِ فَيَقْتُلَهُنَّ، لِئَلَّا يَصِرْنَ إِلَى أُولَئِكَ، فَنَهَاهُ الْمُفَضَّلُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّا لَا نَخَافُ عَلَيْهِنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ. فَتَرَكَهُنَّ، وَتَقَدَّمُوا بِأَسْيَافِهِمْ، فَقَاتَلُوا حَتَّى قُتِلُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ، وَهُمْ: الْمُفَضَّلُ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ، وَزِيَادٌ، وَمَرْوَانُ بَنُو الْمُهَلَّبِ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَالْمِنْهَالُ بْنُ أَبِي عُيَيْنَةَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَعَمْرُو وَالْمُغَيَّرَةُ ابْنَا قَبِيصَةَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَحُمِلَتْ رُءُوسُهُمْ، وَفِي أُذُنِ كُلِّ وَاحِدٍ رُقْعَةٌ فِيهَا اسْمُهُ إِلَّا أَبَا عُيَيْنَةَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، وَعُمَرَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَعُثْمَانَ بْنَ الْمُفَضَّلِ بْنِ الْمُهَلَّبِ، فَإِنَّهُمْ لَحِقُوا بِرُتْبِيلَ.
وَبَعَثَ هِلَالُ بْنُ أَحْوَزَ بِنِسَائِهِمْ وَرُءُوسِهِمْ وَالْأَسْرَى مِنْ آلِ الْمُهَلَّبِ إِلَى مَسْلَمَةَ بِالْحِيرَةِ، فَبَعَثَهُمْ مَسْلَمَةُ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَسَيَّرَهُمْ يَزِيدُ إِلَى الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ وَهُوَ عَلَى حَلَبَ، فَنَصَبَ الرُّءُوسَ، وَأَرَادَ مَسْلَمَةُ أَنْ يَبِيعَ الذُّرِّيَّةَ، فَاشْتَرَاهُمْ مِنْهُ الْجَرَّاحُ بْنُ عَبْدِ (اللَّهِ الْحَكَمِيُّ بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَخَلَّى سَبِيلَهُمْ، وَلَمْ يَأْخُذْ مَسْلَمَةُ مِنَ الْجَرَّاحِ شَيْئًا.
وَلَمَّا بَلَغَ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ الْخَبَرُ بِقَتْلِ يَزِيدَ سَرَّهُ لِانْتِصَارِهِ، وَلِمَا فِي نَفْسِهِ مِنْهُ قَبْلَ الْخِلَافَةِ) .
وَكَانَ سَبَبُ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُمَا أَنَّ ابْنَ الْمُهَلَّبِ خَرَجَ مِنَ الْحَمَّامِ أَيَّامَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَدْ تَضَمَّخَ بِالْغَالِيَةِ، فَاجْتَازَ بِيَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَهُوَ إِلَى جَانِبِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ الدُّنْيَا، لَوَدِدْتُ أَنَّ مِثْقَالَ غَالِيَةٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَلَا يَنَالُهَا إِلَّا كُلُّ شَرِيفٍ. فَسَمِعَ ابْنُ الْمُهَلَّبِ، فَقَالَ لَهُ: بَلْ وَدِدْتُ أَنَّ الْغَالِيَةَ كَانَتْ فِي جَبْهَةِ الْأَسَدِ، فَلَا يَنَالُهَا إِلَّا مِثْلِي. فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: وَاللَّهِ لَئِنْ وُلِّيتُ يَوْمًا لَأَقْتُلَنَّكَ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْمُهَلَّبِ: وَاللَّهِ لَئِنْ وُلِّيتَ هَذَا الْأَمْرَ وَأَنَا حَيٌّ لَأَضْرِبَنَّ وَجْهَكَ بِخَمْسِينَ أَلْفِ سَيْفٍ، فَهَذَا
стр. 2106
كَانَ سَبَبُ الْبُغْضِ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
وَأَمَّا الْأَسْرَى فَكَانُوا ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَلَمَّا قَدِمَ بِهِمْ عَلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَعِنْدَهُ كُثَيِّرُ عَزَّةَ، فَأَنْشَدَ:
حَلِيمٌ إِذَا مَا نَالَ عَاقَبَ مُجْمِلًا ... أَشَدَّ الْعِقَابِ أَوْ عَفَا لَمْ يُثَرِّبِ
فَعَفْوًا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَحِسْبَةً ... فَمَا تَأْتِهِ مِنْ صَالِحٍ لَكَ يُكْتَبِ
أَسَاءُوا فَإِنْ تَصَفَحْ فَإِنَّكَ قَادِرٌ ... وَأَفْضَلُ حِلْمٍ حِسْبَةً حِلْمُ مُغْضَبِ
قَالَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: هَيْهَاتَ يَا أَبَا صَخْرٍ! طَفَّ بِكَ الرَّحِمُ لَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ، إِنَّ اللَّهَ ، أَفَادَنِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمِ الْخَبِيثَةِ. ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ، فَقُتِلُوا، وَبَقِيَ غُلَامٌ صَغِيرٌ، فَقَالَ: اقْتُلُونِي، فَمَا أَنَا بِصَغِيرٍ. فَقَالَ: انْظُرُوا أَنْبَتَ. فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي، فَقَدِ احْتَلَمْتُ، وَوَطِئْتُ النِّسَاءَ. فَأَمَرَ بِهِ يَزِيدُ فَقُتِلَ.
وَأَسْمَاءُ الْأَسْرَى الَّذِينَ قُتِلُوا: الْمُعَارِكُ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَالْمُغِيرَةُ، وَالْمُفَضَّلُ، وَمِنْجَابُ أَوْلَادُ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَدُرَيْدٌ، وَالْحَجَّاجٌ، وَغَسَّانٌ، وَشَبِيبٌ، وَالْفَضْلُ أَوْلَادُ الْمُفَضَّلِ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَالْمُفَضَّلُ بْنُ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُهَلَّبِ. وَقَالَ ثَابِتُ قُطْنَةَ يَرْثِي يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ:
أَبَى طُولُ هَذَا اللَّيْلِ أَنْ يَتَصَرَّمَا ... وَهَاجَ لَكَ الْهَمُّ الْفُؤَادَ الْمُتَيَّمَا
أَرِقْتُ وَلَمْ تَأْرَقْ مَعِي أُمُّ خَالِدٍ ... وَقَدْ أَرِقَتْ عَيْنَايَ حَوْلًا مُجَرَّمَا
عَلَى هَالِكٍ هَدَّ الْعَشِيرَةَ فَقْدُهُ ... دَعَتْهُ الْمَنَايَا فَاسْتَجَابَ وَسَلَّمَا
стр. 2107
عَلَى مَلِكٍ بِالْعَقْرِ يَا صَاحِ جُبِّنَتْ
كَتَائِبُهُ وَاسْتَوْرَدَ الْمَوْتَ مُعْلِمَا ... أُصِيبَ وَلَمْ أَشْهَدْ وَلَوْ كُنْتُ شَاهِدًا
لَسَلَّبْتُ إِنْ لَمْ يَجْمَعِ الْحَيُّ مَأْتَمَا ... وَفِي غِيَرِ الْأَيَّامِ يَا هِنْدُ فَاعْلَمِي
لِطَالِبِ وِتْرٍ نَظْرَةٌ إِنْ تَلَوَّمَا ... فَعَلِّيَ إِنْ مَالَتْ بِيَ الرِّيحُ مَيْلَةً
عَلَى ابْنِ أَبِي ذِبَّانَ أَنْ يَتَنَدَّمَا ... أَمَسْلَمَ إِنْ تَقْدِرْ عَلَيْكَ رِمَاحُنَا
نُذِقْكَ بِهَا قَيْءَ الْأَسَاوِدِ مُسْلَمَا ... وَإِنْ نَلْقَ لِلْعَبَّاسِ فِي الدَّهْرِ عَثْرَةً
نُكَافِئُهُ بِالْيَوْمِ الَّذِي كَانَ قَدَّمَا ... قِصَاصًا وَلَمْ نَعْدُ الَّذِي كَانَ قَدْ أَتَى
إِلَيْنَا وَإِنْ كَانَ ابْنُ مَرْوَانَ أَظْلَمَا ... سَتَعْلَمُ إِنْ زَلَّتْ بِكَ النَّعْلُ زَلَّةً
وَأَظْهَرَ أَقْوَامٌ حَيَاءً مُجَمْجَمَا ... مَنِ الظَّالِمُ الْجَانِي عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ
إِذَا أُحْضِرَتْ أَسْبَابُ أَمْرٍ وَأُبْهِمَا ... وَإِنَّا لَعَطَّافُونَ بِالْحِلْمِ بَعْدَمَا
نَرَى الْجَهْلَ مِنْ فَرْطِ اللَّئِيمِ تَكَرُّمَا ... وَإِنَّا لَحَلَّالُونَ بِالثَّغْرِ لَا نَرَى
بِهِ سَاكِنًا إِلَّا الْخَمِيسَ الْعَرَمْرَمَا ... نَرَى أَنَّ لِلْجِيرَانِ حَقًّا وَذِمَّةً
إِذَا النَّاسُ لَمْ يَرْعَوْا لِذِي الْجَارِ مَحْرَمَا ... وَإِنَّا لَنَقْرِي الضَّيْفَ مِنْ قَمَعِ الذُّرَى
إِذَا كَانَ رَفْدُ الرَّافِدِينَ تَجَشُّمَا
وَلَهُ فِيهِ مَرْثِيَّاتٌ كَثِيرَةٌ.
وَأَمَّا أَبُو عُيَيْنَةَ بْنُ الْمُهَلَّبِ فَأَرْسَلَتْ هِنْدُ بِنْتُ الْمُهَلَّبِ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي أَمَانِهِ، فَآمَنَهُ، وَبَقِيَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ حَتَّى وَلِيَ أَسَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ خُرَاسَانَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمَا بِأَمَانِهِمَا، فَقَدِمَا خُرَاسَانَ.
(قُطْنَةُ: بِالنُّونِ، وَهُوَ ثَابِتُ بْنُ كَعْبِ بْنِ جَابِرٍ الْعَتَكِيُّ الْأَزْدِيُّ، أُصِيبَتْ عَيْنُهُ بِخُرَاسَانَ،
стр. 2108
فَجَعَلَ عَلَيْهَا قُطْنَةً فَعُرِفَ بِذَلِكَ، وَهُوَ يَشْتَبِهُ بِثَابِتِ بْنِ قُطْبَةَ، بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ خُزَاعِيٌّ وَذَاكَ عَتَكِيٌّ) .
ذِكْرُ اسْتِعْمَالِ مَسْلَمَةَ عَلَى الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ
وَلَمَّا فَرَغَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ حَرْبِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ جَمَعَ لَهُ أَخُوهُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وِلَايَةَ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَخُرَاسَانَ، فَأَقَرَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْكُوفَةِ، وَكَانَ قَدْ قَامَ بِأَمْرِ الْبَصْرَةِ بَعْدَ آلِ الْمُهَلَّبِ شَبِيبُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، فَبَعَثَ عَلَيْهَا مَسْلَمَةُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سُلَيْمَانَ الْكَلْبِيَّ، وَعَلَى شُرْطَتِهَا وَأَحْدَاثِهَا عَمْرَو بْنَ يَزِيدَ التَّمِيمِيَّ، فَأَرَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَنْ يَسْتَعْرِضَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ فَيَقْتُلَهُمْ، فَنَهَاهُ عَمْرٌو وَاسْتَمْهَلَهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَكَتَبَ إِلَى مَسْلَمَةَ بِالْخَبَرِ، فَعَزَلَهُ وَوَلَّى الْبَصْرَةَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ، وَأَقَرَّ عَمْرَو بْنَ يَزِيدَ عَلَى الشُّرَطِ وَالْأَحْدَاثِ.
ذِكْرُ اسْتِعْمَالِ سَعِيدِ خُذَيْنَةَ عَلَى خُرَاسَانَ لِمَسْلَمَةَ
اسْتَعْمَلَ مَسْلَمَةُ عَلَى خُرَاسَانَ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ سَعِيدُ خُذَيْنَةَ، وَإِنَّمَا لُقِّبَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ رَجُلًا لَيِّنًا مُتَنَعِّمًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ مَلِكُ أَبْغَرَ وَسَعِيدٌ فِي ثِيَابٍ مُصَبَّغَةٍ، وَحَوْلَهُ مَرَافِقُ مُصَبَّغَةٌ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ قَالُوا: كَيْفَ رَأَيْتَ الْأَمِيرَ؟ قَالَ: خُذَيْنَةَ، فَلُقِّبَ خُذَيْنَةَ، وَخُذَيْنَةُ هِيَ الدِّهْقَانَةُ رَبَّةُ الْبَيْتِ.
وَكَانَ سَعِيدٌ تَزَوَّجَ ابْنَةَ مَسْلَمَةَ، فَلِهَذَا اسْتَعْمَلَهُ عَلَى خُرَاسَانَ. فَلَمَّا اسْتَعْمَلَ مَسْلَمَةُ سَعِيدًا عَلَى خُرَاسَانَ، سَارَ إِلَيْهَا، فَاسْتَعْمَلَ شُعْبَةَ بْنَ ظُهَيْرٍ النَّهْشَلِيَّ عَلَى سَمَرْقَنْدَ، فَسَارَ إِلَيْهَا، فَقَدِمَ الصُّغْدَ، وَكَانَ أَهْلُهَا كَفَرُوا فِي وِلَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُعَيْمٍ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى الصُّلْحِ، فَخَطَبَ شُعْبَةُ أَهْلَ الصُّغْدِ، وَوَبَّخَ سُكَّانَهَا مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ بِالْجُبْنِ، وَقَالَ: مَا أَرَى فِيكُمْ جَرِيحًا، وَلَا أَسْمَعُ أَنَّةً. فَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ بِأَنْ جَبَّنُوا أَمِيرَهُمْ عِلْبَاءَ بْنَ حَبِيبٍ الْعَبْدِيَّ.
وَأَخَذَ سَعِيدٌ عُمَّالَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِينَ وُلُّوا أَيَّامَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَحَبَسَهُمْ ثُمَّ أَطْلَقَهُمْ، ثُمَّ رُفِعَ إِلَى سَعِيدٍ أَنَّ جَهْمَ بْنَ زَحْرٍ الْجُعْفِيَّ، وَعَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَجَّاجِ الزَّبِيدِيَّ، وَالْمُنْتَجِعَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَزْدِيَّ، وُلُّوا لِيَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ فِي
стр. 2109
ثَمَانِيَةِ نَفَرٍ وَعِنْدَهُمْ أَمْوَالٌ قَدِ اخْتَانُوهَا [مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ] فَحَبَسَهُمْ بِقُهُنْدُزِ مَرْوَ، وَحَمَلَ جَهْمَ بْنَ زَحْرٍ عَلَى حِمَارٍ وَأَطَافَ بِهِ، فَضَرَبَهُ مِائَتَيْ سَوْطٍ، وَأَمَرَ بِهِ وَبِالثَّمَانِيَةِ الَّذِينَ حُبِسُوا مَعَهُ فَسُلِّمُوا إِلَى وَرْقَاءَ بْنِ نَصْرٍ الْبَاهِلِيِّ فَاسْتَعْفَاهُ، فَأَعْفَاهُ، فَسَلَّمَهُمْ إِلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ دِثَارٍ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ دِثَارٍ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ نَشِيطٍ مَوْلَى بَاهِلَةَ، فَقَتَلُوا فِي الْعَذَابِ جَهْمَ بْنَ زَحْرٍ، وَعَبْدَ الْعَزِيزِ، وَالْمُنْتَجِعَ، وَعَذَّبُوا الْقَعْقَاعَ وَقُومًا حَتَّى أَشْفَوْا عَلَى الْمَوْتِ، فَلَمْ يَزَالُوا فِي السِّجْنِ حَتَّى غَزَاهُمُ التُّرْكُ وَالصُّغْدُ، فَأَمَرَ سَعِيدٌ بِإِخْرَاجِهِمْ، وَكَانَ يَقُولُ: قَبَّحَ اللَّهُ الزُّبَيْرَ، فَإِنَّهُ قَتَلَ جَهْمًا!
ذِكْرُ الْبَيْعَةِ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ لِهِشَامٍ وَالْوَلِيدِ
لَمَّا وَجَّهَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْجُيُوشَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْجَيْشِ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَخَاهُ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ ابْنُ أَخِيهِ، قَالَا لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ أَهْلُ غَدْرٍ وَإِرْجَافٍ، وَقَدْ تَوَجَّهْنَا مُحَارِبِينَ وَالْحَوَادِثُ تَحْدُثُ، وَلَا نَأْمَنُ أَنْ يَرْجُفَ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَيَقُولُوا: مَاتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَفُتُّ ذَلِكَ فِي أَعَضَادِنَا، فَلَوْ عَهِدْتَ عَهْدَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْوَلِيدِ لَكَانَ رَأْيًا صَوَابًا.
فَبَلَغَ ذَلِكَ مَسْلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَتَى أَخَاهُ يَزِيدَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ أَخُوكَ أَمِ ابْنُ أَخِيكَ؟ فَقَالَ: بَلْ أَخِي. فَقَالَ: فَأَخُوكَ أَحَقُّ بِالْخِلَافَةِ. فَقَالَ يَزِيدُ: إِذَا لَمْ تَكُنْ فِي وَلَدِي فَأَخِي أَحَقُّ بِهَا مِنِ ابْنِ أَخِي كَمَا ذَكَرْتَ. قَالَ: فَابْنُكَ لَمْ يَبْلُغْ فَبَايِعْ لِهِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ثُمَّ بَعْدَهُ لِابْنِكَ الْوَلِيدِ، وَكَانَ الْوَلِيدُ يَوْمَئِذٍ ابْنُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً، فَبَايَعَ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ لِهِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَخِيهِ، وَبَعْدَهُ لِابْنِهِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ، ثُمَّ عَاشَ يَزِيدُ حَتَّى بَلَغَ ابْنُهُ الْوَلِيدُ، فَكَانَ إِذَا رَآهُ يَقُولُ: اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَنْ جَعَلَ هِشَامًا بَيْنِي وَبَيْنَكَ.
ذِكْرُ غَزْوِ التُّرْكِ
لَمَّا وَلِيَ سَعِيدٌ خُرَاسَانَ اسْتَضْعَفَهُ النَّاسُ وَسَمَّوْهُ خُذَيْنَةَ، وَكَانَ قَدِ اسْتَعْمَلَ شُعْبَةَ
стр. 2110
عَلَى سَمَرْقَنْدَ ثُمَّ عَزَلَهُ، فَطَمِعَتِ التُّرْكُ، فَجَمَعَهُمْ خَاقَانُ وَوَجَّهَهُمْ إِلَى الصُّغْدِ، وَعَلَى التُّرْكِ كُورْ صُولَ، فَأَقْبَلُوا حَتَّى نَزَلُوا بِقَصْرِ الْبَاهِلِيِّ.
وَقِيلَ: أَرَادَ عَظِيمٌ مِنْ عُظَمَاءِ الدَّهَاقِينِ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ بَاهِلَةَ كَانَتْ فِي ذَلِكَ الْقَصْرِ، فَأَبَتْ، فَاسْتَجَاشَ، وَرَجَوْا أَنْ يَسْبُوا مَنْ فِي الْقَصْرِ، فَأَقْبَلَ كُورْ صُولَ حَتَّى حَصَرَ أَهْلَ الْقَصْرِ، وَفِيهِ مِائَةُ أَهْلِ بَيْتٍ بِذَرَارِيهِمْ، وَكَانَ عَلَى سَمَرْقَنْدَ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ، قَدِ اسْتَعْمَلَهُ سَعِيدٌ بَعْدَ شُعْبَةَ، فَكَتَبُوا إِلَيْهِ، وَخَافُوا أَنْ يُبْطِئَ عَنْهُمُ الْمُدَدُ فَصَالَحُوا التُّرْكَ عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَأَعْطَوْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا رَهِينَةً.
وَنَدَبَ عُثْمَانُ النَّاسَ، فَانْتَدَبَ الْمُسَيَّبَ بْنَ بِشْرٍ الرِّيَاحَيَّ، وَانْتَدَبَ مَعَهُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ مِنْ جَمِيعِ الْقَبَائِلِ، وَفِيهِمْ شُعْبَةُ بْنُ ظُهَيْرٍ، وَثَابِتُ قُطْنَةَ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْفُرْسَانِ، فَلَمَّا عَسْكَرُوا، قَالَ لَهُمُ الْمُسَيَّبُ: إِنَّكُمْ تُقْدِمُونَ عَلَى حَلْبَةِ التُّرْكِ عَلَيْهِمْ خَاقَانُ، وَالْعِوَضُ إِنْ صَبَرْتُمُ الْجَنَّةُ، وَالْعِقَابُ إِنْ فَرَرْتُمُ النَّارُ، فَمَنْ أَرَادَ الْغَزْوَ وَالصَّبْرَ فَلْيُقْدِمْ، فَرَجَعَ عَنْهُ أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةٍ، فَلَمَّا سَارَ فَرْسَخًا رَجَعَ بِمِثْلِ مَقَالَتِهِ الْأُولَى، فَاعْتَزَلَهُ أَلْفٌ، (ثُمَّ سَارَ فَرْسَخًا آخَرَ فَقَالَ لَهُمْ مِثْلُ ذَلِكَ، فَاعْتَزَلَهُ أَلْفٌ، ثُمَّ سَارَ) فَلَمَّا كَانَ عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْهُمْ نَزَلَ، فَأَتَاهُمْ تُرْكُ خَاقَانَ مَلِكُ (قِي) فَقَالَ: لَمْ يَبْقَ هَاهُنَا دِهْقَانٌ إِلَّا وَقَدْ بَايَعَ التُّرْكَ غَيْرِي، وَأَنَا فِي ثَلَاثِمِائَةِ مُقَاتِلٍ، فَهُمْ مَعَكَ، وَعِنْدِي الْخَبَرُ قَدْ كَانُوا صَالَحُوهُمْ، وَأَعْطَوْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا يَكُونُونَ رَهِينَةً فِي أَيْدِيهِمْ، حَتَّى يَأْخُذُوا صُلْحَهُمْ، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ مَسِيُرُكُمْ إِلَيْهِمْ قَتَلُوا الرَّهَائِنَ، وَمِيعَادُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا غَدًا وَيَفْتَحُوا لَهُمُ الْقَصْرَ.
فَبَعَثَ الْمُسَيَّبُ رَجُلَيْنِ، رَجُلًا مِنَ الْعَرَبِ، وَرَجُلًا مِنَ الْعَجَمِ، لِيَعْلَمَا عِلْمَ الْقَوْمِ، فَأَقْبَلَا فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ وَقَدْ أَخَذَتِ التُّرْكُ الْمَاءَ فِي نَوَاحِي الْقَصْرِ، فَلَيْسَ يَصِلُ إِلَيْهِ أَحَدٌ، وَدَنَوْا مِنَ الْقَصْرِ، فَصَاحَ بِهِمَا الرَّبِيئَةُ، فَقَالَا لَهُ: اسْكُتْ وَادْعُ لَنَا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ دِثَارٍ. فَدَعَاهُ، فَأَعْلَمَاهُ بِقُرْبِ الْمُسَيَّبِ مِنْهُمْ، وَقَالَا: هَلْ عِنْدَكُمُ امْتِنَاعٌ اللَّيْلَةَ وَغَدًا؟ قَالُوا: قَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى تَقْدِيمِ نِسَائِنَا لِلْمَوْتِ أَمَامَنَا، حَتَّى نَمُوتَ جَمِيعًا غَدًا. فَرَجِعَا إِلَى الْمُسَيَّبِ فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ: إِنِّي سَائِرٌ إِلَى هَذَا الْعَدُوِّ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ، فَلَمْ يُفَارِقْهُ أَحَدٌ وَبَايَعُوهُ عَلَى الْمَوْتِ.
فَأَصْبَحَ وَسَارَ وَقَدِ ازْدَادَ الْقَصْرُ تَحْصِينًا بِالْمَاءِ الَّذِي أَجْرَاهُ التُّرْكُ، فَلَمَّا صَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التُّرْكِ نِصْفُ فَرْسَخٍ نَزَلَ وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَى بَيَاتِهِمْ، فَلَمَّا أَمْسَى أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالصَّبْرِ وَحَثَّهُمْ عَلَيْهِ وَقَالَ: لِيَكُنْ شِعَارُكُمْ يَا مُحَمَّدُ، وَلَا تَتْبَعُوا مُوَلِّيًا، وَعَلَيْكُمْ بِالدَّوَابِّ فَاعْقِرُوهَا، فَإِنَّهَا
стр. 2111
إِذَا عُقِرَتْ كَانَتْ أَشَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْكُمْ، وَلَيْسَتْ بِكُمْ قِلَّةٌ، فَإِنَّ سَبْعَمِائَةِ سَيْفٍ لَا يُضْرَبُ بِهَا فِي عَسْكَرٍ إِلَّا أَوْهَنُوهُ وَإِنْ كَثُرَ أَهْلُهُ. وَجَعَلَ عَلَى مَيْمَنَتِهِ كَثِيرًا الدَّبُّوسِيَّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ ثَابِتُ قُطْنَةَ، وَهُوَ مِنَ الْأَزْدِ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُمْ، كَبَّرُوا، وَذَلِكَ فِي السَّحَرَ، وَثَارَ التُّرْكُ وَخَالَطَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَعَقَرُوا الدَّوَابَّ، وَتَرَجَّلَ الْمُسَيَّبُ فِي رِجَالٍ مَعَهُ، فَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْقَطَعَتْ يَمِينُ الْبَخْتَرِيِّ الْمُرَائِيِّ، فَأَخَذَ السَّيْفَ بِشَمَالِهِ فَقُطِعَتْ، فَجَعَلَ يَذُبُّ بِيَدَيْهِ حَتَّى اسْتُشْهِدَ. وَضَرَبَ ثَابِتُ قُطْنَةَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَاءِ التُّرْكِ، فَقَتَلَهُ، وَانْهَزَمَتِ التُّرْكُ، وَنَادَى مُنَادِي الْمُسَيَّبِ: لَا تَتْبَعُوهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ مِنَ الرُّعْبِ أَتَّبَعْتُمُوهُمْ أَمْ لَا، وَاقْصُدُوا الْقَصْرَ، وَلَا تَحْمِلُوا إِلَّا الْمَاءَ، وَلَا تَحْمِلُوا إِلَّا مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ، وَمَنْ حَمَلَ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا أَوْ ضَعِيفًا; حِسْبَةً، فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَبَى فَلَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَإِنْ كَانَ فِي الْقَصْرِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ عَهْدِكُمْ فَاحْمِلُوهُ. فَحَمَلُوا مَنْ فِي الْقَصْرِ وَأَتَوْا تُرْكَ خَاقَانَ، فَأَنْزَلَهُمْ قَصْرَهُ وَأَتَاهُمْ بِطَعَامٍ، ثُمَّ سَارُوا إِلَى سَمَرْقَنْدَ. وَرَجَعَتِ التُّرْكُ مِنَ الْغَدِ، فَلَمْ يَرَوْا فِي الْقَصْرِ أَحَدًا، وَرَأَوْا قَتْلَاهُمْ فَقَالُوا: لَمْ يَكُنِ الَّذِي جَاءَنَا مِنَ الْإِنْسِ، فَقَالَ ثَابِتُ قُطْنَةَ:
فَدَتْ نَفْسِي فَوَارِسَ مِنْ تَمِيمٍ ... غَدَاةَ الرَّوْعِ فِي ضَنْكِ الْمَقَامِ
فَدَتْ نَفْسِي فَوَارِسَ أَكْنَفُونِي ... عَلَى الْأَعْدَاءِ فِي رَهَجِ الْقَتَامِ
بِقَصْرِ الْبَاهِلِيِّ وَقَدْ رَأَوْنِي ... أُحَامِي حَيْثُ ضَنَّ بِهِ الْمُحَامِي
بِسَيْفِي بَعْدَ حَطْمِ الرُّمْحِ قُدْمًا ... أَذَوْدُهُمُ بِذِي شُطَبٍ حُسَامِ
أُكِرُّ عَلَيْهِمُ الْيَحْمُومَ كَرًا ... كَكَرِّ الشَّرْبِ آنِيَةَ الْمُدَامِ
أَكُرُّ بِهِ لَدَى الْغَمَرَاتِ حَتَّى ... تَجَلَّتْ لَا يَضِيقُ بِهِ مَقَامِي
فَلَوْلَا اللَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ ... وَضَرْبِي قَوْنَسَ الْمَلِكِ الْهُمَامِ
إِذًا لَسَعَتْ نِسَاءُ بَنِي دِثَارٍ ... أَمَامَ التُّرْكِ بَادِيَةَ الْخِدَامِ
فَمَنْ مِثْلُ الْمُسَيَّبِ فِي تَمِيمٍ ... أَبِي بِشْرٍ كَقَادِمَةِ الْحَمَامِ
стр. 2112
وَعَوِرَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ الطَّائِيُّ، وَشُلَّتْ يَدُهُ، وَكَانَ قَدْ وَلِيَ وِلَايَةً قَبْلَ سَعِيدٍ، فَأَخَذَهُ سَعِيدٌ بِشَيْءٍ بَقِيَ عَلَيْهِ، فَدَفَعَهُ إِلَى شَدَّادِ بْنِ خُلَيْدٍ الْبَاهِلِيِّ لِيَسْتَأْدِيَهُ، فَضَيَّقَ عَلَيْهِ شَدَّادٌ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: يَا مَعْشَرَ قَيْسٍ سِرْتُ إِلَى قَصْرِ الْبَاهِلِيِّ وَأَنَا شَدِيدُ الْبَطْشِ حَدِيدُ الْبَصَرِ، فَعَوِرْتُ وَشُلَّتْ يَدِي، وَقَاتَلْتُ حَتَّى اسْتَنْقَذْنَاهُمْ بَعْدَمَا أَشْرَفُوا عَلَى الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ وَالسَّبْيِ، وَهَذَا صَاحِبُكُمْ يَصْنَعُ بِي مَا يَصْنَعُ فَكُفُّوهُ عَنِّي، فَخَلَّاهُ.
قَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ بِالْقَصْرِ: لَمَّا الْتَقَوْا ظَنَنَّا أَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ لِمَا سَمِعْنَا مِنْ هَمَاهِمِ الْقَوْمِ، وَوَقَعِ الْحَدِيدِ، وَصَهِيلِ الْخَيْلِ.
ذِكْرُ غَزْوِ الصُّغْدِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبَرَ سَعِيدُ خُذَيْنَةَ النَّهْرَ وَغَزَا الصُّغْدَ، (وَكَانُوا قَدْ نَقَضُوا الْعَهْدَ وَأَعَانُوا التُّرْكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ النَّاسُ لِسَعِيدٍ: إِنَّكَ قَدْ تَرَكْتَ الْغَزْوَ، وَقَدْ أَغَارَ التُّرْكُ، وَكَفَرَ أَهْلُ الصُّغْدِ. فَقَطَعَ النَّهْرَ، وَقَصَدَ الصُّغْدَ) ، فَلَقِيَهُ التُّرْكُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الصُّغْدِ، فَهَزَمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ سَعِيدٌ: لَا تَتْبَعُوهُمْ، فَإِنَّ الصُّغْدَ بُسْتَانُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَقَدْ هَزَمْتُمُوهُمْ، أَفَتُرِيدُونَ بَوَارَهُمْ؟ وَقَدْ قَاتَلْتُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ الْخُلَفَاءَ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَهَلْ أَبَادُوكُمْ؟ وَقَالَ سَوْرَةُ بْنُ الْحُرِّ لَحَيَّانَ النَّبَطِيِّ: ارْجِعْ عَنْهُمْ يَا حَيَّانُ. قَالَ: عَقِيرَةُ اللَّهِ لَا أَدَعُهَا. قَالَ: انْصَرِفْ يَا نَبَطِيُّ. قَالَ: أَنَبَطَ اللَّهُ وَجْهَكَ!
وَسَارَ الْمُسْلِمُونَ فَانْتَهَوْا إِلَى وَادٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَرْجِ، فَقَطَعَهُ بَعْضُهُمْ وَقَدْ أَكْمَنَ لَهُمُ التُّرْكُ، فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْمُسْلِمُونَ خَرَجُوا عَلَيْهِمْ، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْوَادِي، فَصَبَرُوا حَتَّى انْكَشَفُوا لَهُمْ. وَقِيلَ: بَلْ كَانَ الْمُنْهَزِمُونَ مَسْلَحَةَ الْمُسْلِمِينَ، فَمَا شَعَرُوا إِلَّا وَالتُّرْكُ قَدْ خَرَجُوا عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْضَةٍ، وَعَلَى الْخَيْلِ شُعْبَةُ بْنُ ظُهَيْرٍ، فَأَعْجَلَهُمُ التُّرْكُ عَنِ الرُّكُوبِ، فَقَاتَلَهُمْ شُعْبَةُ، فَقُتِلَ، وَقُتِلَ نَحْوٌ مِنْ خَمْسِينَ رَجُلًا، وَانْهَزَمَ أَهْلُ الْمَسْلَحَةِ، وَأَتَى الْمُسْلِمِينَ الْخَبَرُ، فَرَكِبَ الْخَلِيلُ بْنُ أَوْسٍ الْعَبْشَمِيُّ أَحَدُ بَنِي ظَالِمٍ وَنَادَى: يَا بَنِي تَمِيمٍ إِلَيَّ أَنَا الْخَلِيلُ! فَاجْتَمَعَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ، فَحَمَلَ بِهِمْ عَلَى الْعَدُوِّ، فَكَفُّوهُمْ حَتَّى جَاءَ الْأَمِيرُ وَالنَّاسُ، فَانْهَزَمَ الْعَدُوُّ، فَصَارَ الْخَلِيلُ عَلَى خَيْلِ بَنِي تَمِيمٍ حَتَّى وَلِيَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ، ثُمَّ صَارَتْ رِيَاسَتُهُمْ لِأَخِيهِ الْحَكَمِ بْنِ أَوْسٍ.
فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ بَعَثَ رِجَالًا مِنْ تَمِيمٍ إِلَى وَزْغِيشَ، فَقَالُوا: لَيْتَنَا نَلْقَى الْعَدُوَّ
стр. 2113
فَنُطَارِدُهُمْ. وَكَانَ سَعِيدٌ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً، فَأَصَابُوا أَوْ غَنِمُوا وَسَبَوْا رَدَّ السَّبْيَ وَعَاقَبَ السَّرِيَّةَ، فَقَالَ الْهَجَرِيُّ الشَّاعِرُ:
سَرَيْتَ إِلَى الْأَعْدَاءِ تَلْهُو بِلُعْبَةٍ ... وَأَيْرُكَ مَسْلُولٌ وَسَيْفُكَ مُغْمَدُ
وَأَنْتَ لِمَنْ عَادَيْتَ عِرْسٌ خَفِيَّةٌ ... وَأَنْتِ عَلَيْنَا كَالْحُسَامِ الْمُهَنَّدِ
فَقَعَدَ سَعِيدٌ عَلَى النَّاسِ وَضَعَّفُوهُ. وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهُ: إِسْمَاعِيلُ مُنْقَطِعًا إِلَى مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ عِنْدَ خُذَيْنَةَ مَوَدَّتَهُ لِمَرْوَانَ، فَقَالَ خُذَيْنَةُ: وَمَا ذَاكَ الْمِلْطُ؟ فَقَالَ إِسْمَاعِيلُ:
زَعَمَتْ خُذَيْنَةُ أَنَّنِي مِلْطُ ... لِخُذَيْنَةَ الْمِرْآةُ وَالْمُشْطُ
وَمَجَامِرٌ وَمَكَاحِلٌ جُعِلَتْ ... وَمَعَازِفٌ وَبِخَدِّهَا نُقْطُ
أَفَذَاكَ أَمْ زَغَفٌ مُضَاعَفَةٌ ... وَمُهَنَّدٌ مِنْ شَأْنِهِ الْقَطُّ
لِمُقْرَسٍ ذَكَرٍ أَخِي ثِقَةٍ ... لَمْ يَغْذُهُ التَّأْنِيثُ وَاللَّقْطُ
فِي أَبْيَاتِ غَيْرِهَا.
ذِكْرُ مَوْتِ حَيَّانَ النَّبَطِيِّ
وَقَدْ ذُكِرَ مِنْ أَمْرِ حَيَّانَ فِيمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَتْلِ قُتَيْبَةَ، وَأَنَّهُ سَادَ وَتَقَدَّمَ بِخُرَاسَانَ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ سَوْرَةُ بْنُ الْحُرِّ: يَا نَبَطِيُّ، وَأَجَابَهُ حَيَّانُ، فَقَالَ: أَنَبَطَ اللَّهُ وَجْهَكَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ آنِفًا، حَقَدَهَا عَلَيْهِ سَوْرَةُ، فَقَالَ لِسَعِيدِ خُذَيْنَةَ: إِنَّ هَذَا الْعَبْدَ أَعْدَى النَّاسِ لِلْعَرَبِ وَالْوَالِي، وَهُوَ أَفْسَدَ خُرَاسَانَ عَلَى قُتَيْبَةَ، وَهُوَ وَاثِبٌ بِكَ، مُفْسِدٌ عَلَيْكَ خُرَاسَانَ، ثُمَّ يَتَحَصَّنُ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْقِلَاعِ. فَقَالَ سَعِيدٌ: لَا تُسْمِعَنَّ هَذَا أَحَدًا. ثُمَّ دَعَا فِي مَجْلِسِهِ بِلَبَنٍ وَقَدْ أَمَرَ بِذَهَبٍ، فَسُحِقَ وَأُلْقِيَ فِي اللَّبَنِ الَّذِي فِي إِنَاءِ حَيَّانَ، فَشَرِبَهُ حَيَّانُ، ثُمَّ رَكَضَ سَعِيدٌ
стр. 2114
وَالنَّاسُ مَعَهُ أَرْبَعَةَ فَرَاسِخَ ثُمَّ رَجَعَ، فَعَاشَ حَيَّانُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ وَمَاتَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ هَذِهِ السَّنَةَ، وَسَيَرِدُ ذِكْرُهُ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ عَزْلِ مَسْلَمَةَ عَنِ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَوِلَايَةِ ابْنِ هُبَيْرَةَ
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ وَلِيَ الْعِرَاقَ وَخُرَاسَانَ، فَلَمْ يَرْفَعْ مِنَ الْخَرَاجِ شَيْئًا، وَاسْتَحْيَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنْ يَعْزِلَهُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: اسْتَخْلِفْ عَلَى عَمَلِكَ وَأَقْبِلْ.
وَقِيلَ إِنَّ مَسْلَمَةَ شَاوَرَ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ حَاتِمِ بْنِ النُّعْمَانِ فِي الشُّخُوصِ إِلَى يَزِيدَ لِيَزُورَهُ. قَالَ: أَمِنْ شَوْقٍ إِلَيْهِ؟ إِنَّ عَهْدَكَ مِنْهُ لَقَرِيبٌ. قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: إِذًا لَا تَخْرُجْ مِنْ عَمَلِكَ حَتَّى تَلْقَى الْوَالِيَ عَلَيْهِ. فَسَارَ مَسْلَمَةُ فَلَقِيَهُ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ الْفَزَارِيُّ بِالْعِرَاقِ عَلَى دَوَابِّ الْبَرِيدِ، فَسَأَلَهُ عَنْ مَقْدِمِهِ، فَقَالَ عُمَرُ: وَجَّهَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي حِيَازَةِ أَمْوَالِ بَنِي الْمُهَلَّبِ.
فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ أَحْضَرَ مَسْلَمَةُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ حَاتِمٍ، وَأَخْبَرَهُ خَبَرَ ابْنِ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ: قَدْ قُلْتُ لَكَ. قَالَ مَسْلَمَةُ: فَإِنَّهُ جَاءَ لِحِيَازَةِ أَمْوَالِ آلِ الْمُهَلَّبِ. قَالَ: هَذَا أَعْجَبُ مِنَ الْأَوَّلِ، يَكُونُ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَلَى الْجَزِيرَةِ، فَيُعْزَلُ عَنْهَا، وَيُبْعَثُ لِحِيَازَةِ أَمْوَالِ بَنِي الْمُهَلَّبِ، وَلَمْ يُكْتَبْ مَعَهُ إِلَيْكَ كِتَابٌ! فَلَمْ يَلْبَثْ حَتَّى أَتَاهُ عَزْلُ ابْنِ هُبَيْرَةَ عُمَّالَهُ وَالْغِلْظَةُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ الْفَرَزْدَقُ:
رَاحَتْ بِمَسْلَمَةَ الْبِغَالُ عَشِيَّةً ... فَارْعَيْ فَزَارَةُ لَا هَنَاكِ الْمَرْتَعُ
عُزِلَ ابْنُ بِشْرٍ وَابْنُ عَمْرٍو قَبْلَهُ ... وَأَخُو هَرَاةَ لِمِثْلِهَا يَتَوَقَّعُ
يَعْنِي بِابْنِ بِشْرٍ: عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ، وَبِابْنِ عَمْرٍو: مُحَمَّدًا ذَا الشَّامَةِ، وَبِأَخِي هَرَاةَ: سَعِيدَ خُذَيْنَةَ.
(وَأَمَّا ابْتِدَاءُ أَمْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ حَتَّى وَلِيَ الْعِرَاقَ) ، فَإِنَّهُ قَدِمَ مِنَ الْبَادِيَةِ مِنْ بِنِي فَزَارَةَ، فَافْتُرِضَ مَعَ بَعْضِ وُلَاةِ الْحَرْبِ، وَكَانَ يَقُولُ: لَأَرْجُو أَنْ لَا تَنْقَضِيَ الْأَيَّامُ حَتَّى أَلِيَ الْعِرَاقَ. وَسَارَ مَعَ عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ الْعُقَيْلِيِّ إِلَى غَزْوِ الرُّومِ، فَأُتِيَ بِفَرَسٍ رَائِعٍ، إِلَّا أَنَّهُ
стр. 2115
لَا يُسْتَطَاعُ رُكُوبُهُ، فَقَالَ: مَنْ رَكِبَهُ فَهُوَ لَهُ، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ وَتَنَحَّى عَنِ الْفَرَسِ، وَأَقْبَلَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِحَيْثُ تَنَالُهُ رِجْلَا الْفَرَسِ إِذَا رَمَحَهُ وَثَبَ فَصَارَ عَلَى سَرْجِهِ، فَأَخَذَ الْفَرَسَ.
فَلَمَّا خَلَعَ مُطَرِّفُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ الْحَجَّاجَ سَارَ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ فِي الْجَيْشِ الَّذِينَ حَارَبُوهُ مِنَ الرَّيِّ، فَلَمَّا الْتَقَى الْعَسْكَرَانِ الْتَحَقَ ابْنُ هُبَيْرَةَ بِمُطَرِّفٍ مُظْهِرًا أَنَّهُ مَعَهُ، فَلَمَّا جَالَ النَّاسُ كَانَ مِمَّنْ قَتَلَهُ وَأَخَذَ رَأْسَهُ، وَقِيلَ قَتَلَهُ غَيْرُهُ وَأَخَذَ هُوَ رَأْسَهُ، وَأَتَى بِهِ عَدِيًّا، فَأَعْطَاهُ مَالًا، وَأَوْفَدَهُ إِلَى الْحَجَّاجِ بِالرَّأْسِ، فَسَيَّرَهُ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَقْطَعَهُ بِبَرْزَةَ، وَهِيَ قَرْيَةٌ بِدِمَشْقَ، وَعَادَ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَوَجَّهَهُ إِلَى كَرْدَمِ بْنِ مَرْثَدٍ الْفَزَارِيِّ لِيُخَلِّصَ مِنْهُ مَالًا، فَأَخَذَهُ مِنْهُ وَهَرَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَالَ: أَنَا عَائِذٌ بِاللَّهِ وَبِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْحَجَّاجِ، فَإِنَّنِي قَتَلْتُ ابْنَ عَمِّهِ مُطَرِّفَ بْنَ الْمُغِيرَةِ، وَأَتَيْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَأَرَادَ قَتْلِي، وَلَسْتُ آمَنُ أَنْ يَنْسِبَنِي إِلَى أَمْرٍ يَكُونُ فِيهِ هَلَاكِي. فَقَالَ: أَنْتَ فِي جِوَارِي. فَأَقَامَ عِنْدَهُ، فَكَتَبَ فِيهِ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يَذْكُرُ أَخْذَهُ الْمَالَ وَهَرَبَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَمْسِكْ عَنْهُ.
وَتَزَوَّجَ بَعْضُ وَلَدِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِنْتًا لِلْحَجَّاجِ، فَكَانَ ابْنُ هُبَيْرَةَ يُهْدِي لَهَا، وَيَبَرَّهَا، وَيُيَسِّرُ عَلَيْهَا، فَكَتَبَتْ إِلَى أَبِيهَا تُثْنِي عَلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ يَأْمُرُهُ أَنْ يُنْزِلَ بِهِ حَاجَاتَهُ، وَعَظُمَ شَأْنُهُ بِالشَّامِ. فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْجَزِيرَةِ، فَلَمَّا وَلِيَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَرَأَى ابْنُ هُبَيْرَةَ تَحَكُّمَ حَبَابَةَ عَلَيْهِ تَابَعَ هَدَايَاهُ إِلَيْهِ وَإِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَعَمِلَتْ لَهُ فِي وِلَايَةِ الْعِرَاقِ، فَوَلَّاهُ يَزِيدُ.
وَكَانَ ابْنُ هُبَيْرَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَعْقَاعِ بْنِ خُلَيْدٍ الْعَبْسِيِّ تَحَاسَدٌ، فَقَالَ الْقَعْقَاعُ: مَنْ يُطِيقُ ابْنَ هُبَيْرَةَ، حَبَابَةُ بِاللَّيْلِ، وَهَدَايَاهُ بِالنَّهَارِ! فَلَمَّا مَاتَتْ حَبَابَةُ، قَالَ الْقَعْقَاعُ:
هَلُمَّ فَقَدْ مَاتَتْ حَبَابَةُ سَامِنِي ... بِنَفْسِكَ يُقْدِمْكَ الذُّرَى وَالْكَوَاهِلُ
أَغَرَّكَ إِنْ كَانَتْ حَبَابَةُ مَرَّةً تَمِيحُكَ
،
فَانْظُرْ كَيْفَ مَا أَنْتَ فَاعِلُ
فِي أَبْيَاتٍ. وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَعْقَاعِ يَوْمًا كَلَامٌ، فَقَالَ لَهُ الْقَعْقَاعُ: يَابْنَ اللَّخْنَاءِ مَنْ قَدَّمَكَ؟ فَقَالَ: قَدَّمَكَ أَنْتَ وَأَهْلَكَ أَعْجَازُ الْغَوَانِي، وَقَدَّمَنِي صُدُورُ الْعَوَالِي. فَسَكَتَ الْقَعْقَاعُ. يَعْنِي أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ قَدَّمَهُمْ لَمَّا تَزَوَّجَ إِلَيْهِمْ فَإِنَّ أُمَّ الْوَلِيدِ وَسُلَيْمَانَ ابْنَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ عَبْسِيَّةٌ.
стр. 2116
ذِكْرُ بَعْضِ الدُّعَاةِ لِلدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَجَّهَ مَيْسَرَةُ رُسُلَهُ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى خُرَاسَانَ، فَظَهَرَ أَمْرُ الدُّعَاةِ بِهَا، فَجَاءَ عَمْرُو بْنُ بَحِيرِ بْنِ وَرْقَاءَ السَّعْدِيُّ إِلَى سَعِيدِ خُذَيْنَةَ، فَقَالَ لَهُ: إِنْ هَاهُنَا قَوْمًا قَدْ ظَهَرَ مِنْهُمْ كَلَامٌ قَبِيحٌ، وَأَعْلَمَهُ حَالَهُمْ، فَبَعَثَ سَعِيدٌ إِلَيْهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَاسٌ مِنَ التُّجَّارِ. قَالَ: فَمَا هَذَا الَّذِي يُحْكَى عَنْكُمْ؟ قَالُوا: لَا نَدْرِي. قَالَ: جِئْتُمْ دُعَاةً؟ قَالُوا: إِنَّ لَنَا فِي أَنْفُسِنَا وَتِجَارِتِنَا شُغْلًا عَنْ هَذَا. فَقَالَ: مَنْ يَعْرِفُ هَؤُلَاءِ؟ فَجَاءَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ أَكْثَرُهُمْ مِنْ رَبِيعَةَ وَالْيَمَنِ فَقَالُوا: نَحْنُ نَعْرِفُهُمْ، وَهُمْ عَلَيْنَا إِنْ أَتَاكَ مِنْهُمْ شَيْءٌ تَكْرَهُهُ. فَخَلَّى سَبِيلَهُمْ.
ذِكْرُ قَتْلِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ
قِيلَ: كَانَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَدِ اسْتَعْمَلَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي مُسْلِمٍ بِإِفْرِيقِيَّةَ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ، وَقِيلَ هَذِهِ السَّنَةَ، وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ عَزَمَ أَنْ يَسِيرَ فِيهِمْ بِسِيرَةِ الْحَجَّاجِ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ سَكَنُوا الْأَمْصَارَ مِمَّنْ كَانَ أَصْلُهُ مِنَ السَّوَادِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَأَسْلَمَ بِالْعِرَاقِ، فَإِنَّهُ رَدَّهُمْ إِلَى قُرَاهُمْ وَوَضَعَ الْجِزْيَةَ عَلَى رِقَابِهِمْ عَلَى نَحْوِ مَا كَانَتْ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ وَهُمْ كُفَّارٌ، فَلَمَّا عَزَمَ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ اجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى قَتْلِهِ، فَقَتَلُوهُ، وَوَلَّوْا عَلَى أَنْفُسِهِمُ الْوَالِي الَّذِي كَانَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، فَوَلِيَ الْأَمْصَارَ، وَكَانَ عِنْدَهُمْ، وَكَتَبُوا إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ: إِنَّا لَمْ نَخْلَعْ أَيْدِيَنَا مِنْ طَاعَةٍ، وَلَكِنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي مُسْلِمٍ سَامَنَا مَا لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ وَالْمُسْلِمُونَ، فَقَتَلْنَاهُ وَأَعَدْنَا عَامِلَكَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: إِنِّي لَمْ أَرْضَ مَا صَنَعَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ، وَأَقَرَّ مُحَمَّدَ بْنَ يَزِيدَ عَلَى عَمَلِهِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ الرُّومَ مِنْ نَاحِيَةِ أَرْمِينِيَّةَ وَهُوَ عَلَى الْجَزِيرَةِ قَبْلَ أَنْ
стр. 2117
يَلِيَ الْعِرَاقَ، فَهَزَمَهُمْ وَأَسَرَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا قِيلَ سَبْعُمِائَةِ أَسِيرٍ. وَفِيهَا غَزَا عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الرُّومَ فَافْتَتَحَ دَلْسَةَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الضَّحَّاكِ، وَهُوَ عَامِلُ الْمَدِينَةِ.
وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ: عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ. وَكَانَ عَلَى الْكُوفَةِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ذُو الشَّامَةِ، وَعَلَى قَضَائِهَا: الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ إِلَى أَنْ عَزَلَهُ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ، وَعَلَى خُرَاسَانَ: سَعِيدُ خُذَيْنَةَ، وَعَلَى مِصْرَ: أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ.
стр. 2118
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ]
١٠٣ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ
ذِكْرُ اسْتِعْمَالِ سَعِيدٍ الْحَرَشِيِّ عَلَى خُرَاسَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ سَعِيدَ خُذَيْنَةَ عَنْ خُرَاسَانَ، وَكَانَ سَبَبُ عَزْلِهِ أَنَّ الْمُجَشِّرَ بْنَ مُزَاحِمٍ السُّلَمِيَّ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيَّ قَدِمَا عَلَى عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ فَشَكَوَاهُ، فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ سَعِيدَ بْنَ عَمْرٍو الْحَرَشِيَّ، (بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، مِنْ بَنِي الْحَرِيشِ بْنِ كَعْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ) . وَكَانَ خُذَيْنَةُ [غَازِيًا] بِبَابِ سَمَرْقَنْدَ، فَبَلَغَهُ عَزْلُهُ، وَخَلَّفَ بِسَمَرْقَنْدَ أَلْفَ رَجُلٍ.
وَقِيلَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ هُبَيْرَةَ كَتَبَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِأَسْمَاءِ مَنْ أَبْلَى يَوْمَ الْعَقْرِ وَلَمْ يَذْكُرْ سَعِيدًا الْحَرَشِيَّ، فَقَالَ يَزِيدُ: لِمَ لَمْ يَذْكُرِ الْحَرَشِيَّ؟ وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ أَنْ وَلِّ الْحَرَشِيَّ خُرَاسَانَ، فَوَلَّاهُ، فَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ الْمُجَشِّرَ بْنَ مُزَاحِمٍ السُّلَمِيَّ، فَقَالَ نَهَارُ بْنُ تَوْسِعَةَ:
فَهَلْ مِنْ مُبْلِغٍ فِتْيَانَ قَوْمِي ... بِأَنَّ النَّبْلَ رِيشَتْ كُلَّ رَيْشِ
وَأَنَّ اللَّهَ أَبْدَلَ مِنْ سَعِيدٍ ... سَعِيدًا لَا الْمُخَنَّثَ مِنْ قُرَيْشِ
وَقَدِمَ سَعِيدٌ الْحَرَشِيُّ خُرَاسَانَ، فَلَمْ يَعْرِضْ لِعُمَّالِ خُذَيْنَةَ، وَقَرَأَ رَجُلٌ عَهْدَهُ فَلَحَنَ فِيهِ، فَقَالَ: صَهٍ، مَهْمَا سَمِعْتُمْ فَهُوَ مِنَ الْكَاتِبِ، وَالْأَمِيرُ مِنْهُ بَرِيءٌ. وَلَمَّا قَدِمَ الْحَرَشِيُّ خُرَاسَانَ كَانَ النَّاسُ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، وَكَانُوا قَدْ نَكَبُوا، فَخَطَبَهُمْ وَحَثَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ، وَقَالَ: إِنَّكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ بِكَثْرَةٍ وَلَا بِعُدَّةٍ، وَلَكِنْ بِنْصِرِ اللَّهِ وَعِزِّ الْإِسْلَامِ، فَقُولُوا: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ [الْعَلِيِّ] الْعَظِيمِ، وَقَالَ:
فَلَسْتُ لِعَامِرٍ إِنْ لَمْ تَرَوْنِي ... أَمَامَ الْخَيْلِ أَطْعَنُ بِالْعَوَالِي
стр. 2119
وَأَضْرِبُ هَامَةَ الْجَبَّارِ مِنْهُمْ
بِعَضْبِ الْحَدِّ حُودِثَ بِالصِّقَالِ ... فَمَا أَنَا فِي الْحُرُوبِ بِمُسْتَكِينٍ
وَلَا أَخْشَى مُصَاوَلَةَ الرِّجَالِ ... أَبَى لِي وَالِدِي مِنْ كُلِّ ذَمٍّ
وَخَالِي فِي الْحَوَادِثِ خَيْرُ خَالِ
فَلَمَّا سَمِعَ أَهْلُ الصُّغْدِ بِقُدُومِ الْحَرَشِيِّ خَافُوا عَلَى نُفُوسِهِمْ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ أَعَانُوا التُّرْكَ أَيَّامَ خُذَيْنَةَ، فَاجْتَمَعَ عُظَمَاؤُهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ بِلَادِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ مَلِكُهُمْ: لَا تَفْعَلُوا، أَقِيمُوا وَاحْمِلُوا الْخَرَاجَ مَا مَضَى، وَاضْمَنُوا لَهُ خَرَاجَ مَا يَأْتِي وَعِمَارَةَ الْأَرْضِ، وَالْغَزْوَ مَعَهُ إِنْ أَرَادَ ذَلِكَ، وَاعْتَذِرُوا مِمَّا كَانَ مِنْكُمْ وَأَعْطُوهُ رَهَائِنَ. قَالُوا: نَخَافُ أَنْ لَا يَرْضَى وَلَا يَقْبَلَ ذَلِكَ مِنَّا، وَلَكِنَّا نَأْتِي خُجَنْدَةَ فَنَسْتَجِيرُ مَلِكَهَا، وَنُرْسِلُ إِلَى الْأَمِيرِ، فَنَسْأَلُهُ الصَّفْحَ عَمَّا كَانَ مِنَّا، وَنُوَثِّقُ [لَهُ] أَنَّهُ لَا يَرَى [مِنَّا] أَمْرًا يَكْرَهُهُ. فَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ، وَالَّذِي أَشَرْتُ بِهِ عَلَيْكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ.
فَأَبَوْا وَخَرَجُوا إِلَى خُجَنْدَةَ، وَأَرْسَلُوا إِلَى مَلِكِ فَرْغَانَةَ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَمْنَعَهُمْ وَيُنْزِلَهُمْ مَدِينَتَهُ، فَأَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ فَقَالَتْ أُمُّهُ: لَا يَدْخُلْ هَؤُلَاءِ الشَّيَاطِينُ مَدِينَتَكَ، وَلَكِنْ فَرِّغْ لَهُمْ رُسْتَاقًا يَكُونُونَ فِيهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: سَمُّوا رُسْتَاقًا تَكُونُونَ فِيهِ حَتَّى أُفَرِّغَهُ لَكُمْ، وَأَجِّلُونِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقِيلَ عِشْرِينَ يَوْمًا. فَاخْتَارُوا شِعْبَ عِصَامِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَاهِلِيِّ، وَكَانَ قُتَيْبَةُ قَدْ خَلَّفَهُ فِيهِمْ، فَقَالَ: نَعَمْ، وَلَيْسَ [لَكُمْ] عَلَيَّ عَقْدٌ وَجِوَارٌ حَتَّى تَدْخُلُوهُ، وَإِنْ أَتَتْكُمْ [الْعَرَبُ] قَبْلَ أَنْ تَدْخُلُوهُ لَمْ أَمْنَعْكُمْ. فَرَضُوا، فَفَرَّغَ لَهُمُ الشِّعْبَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَغَارَتِ التُّرْكُ عَلَى اللَّانِ،
стр. 2120
وَفِيهَا غَزَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الرُّومَ، فَفَتَحَ مَدِينَةً يُقَالُ لَهَا دَلْسَةَ. وَفِيهَا جُمِعَتْ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الضَّحَّاكِ. وَفِيهَا وُلِّيَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّضْرِيُّ الطَّائِفَ، وَعُزِلَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ عَنْهُ وَعَنْ مَكَّةَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الضَّحَّاكِ، وَكَانَ عَامِلُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَكَانَ عَلَى الْعِرَاقِ: عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ، وَعَلَى خُرَاسَانَ: الْحَرَشِيُّ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ: الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَعْلَى.
[الوَفَيَاتُ]
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ الشَّعْبِيُّ، وَقِيلَ خَمْسٌ، وَقِيلَ سَبْعٌ وَمِائَةٌ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. وَفِيهَا مَاتَ يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ، وَعُمُرُهُ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ. وَيَزِيدُ بْنُ الْحُصَيْنِ بْنُ نُمَيْرٍ السَّكُونِيُّ،
стр. 2121
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، وَهُوَ أَخُو سُلَيْمَانَ، (يَسَارٌ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتَ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ) . وَفِيهَا تُوُفِّيَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيَّةُ، وَهِيَ ابْنَةُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ الْأَسَدِيُّ الْمِنْقَرِيُّ. وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ حَاتِمِ بْنِ النُّعْمَانِ الْبَاهِلِيُّ، وَكَانَ عَامِلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الْجَزِيرَةِ.
стр. 2122
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ]
١٠٤ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ
ذِكْرُ الْوَقْعَةِ بَيْنَ الْحَرَشِيِّ وَالصُّغْدِ
قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا الْحَرَشِيُّ فَقَطَعَ النَّهْرَ، وَسَارَ، فَنَزَلَ فِي قَصْرِ الرِّيحِ عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنَ الدَّبُّوسِيَّةِ، وَلَمْ يَجْتَمِعْ إِلَيْهِ جُنْدُهُ، فَأَمَرَ بِالرَّحِيلِ، (فَقَالَ لَهُ هِلَالُ بْنُ عَلِيمٍ الْحَنْظَلِيُّ: يَا هَنَاهْ، إِنَّكَ وَزِيرًا خَيْرٌ مِنْكَ أَمِيرًا، لَمْ يَجْتَمِعْ إِلَيْكَ جُنْدُكَ وَقَدْ أَمَرْتَ بِالرَّحِيلِ) . فَعَادَ فَأَمَرَ بِالنُّزُولِ، وَأَتَاهُ ابْنُ عَمِّ مَلِكَ فَرْغَانَةَ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أَهْلَ الصُّغْدِ بِخُجَنْدَةَ، وَأَخْبَرَهُ بِخَبَرِهِمْ، وَقَالَ: عَاجِلْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إِلَى الشِّعْبِ، فَلَيْسَ لَهُمْ جِوَارٌ عَلَيْنَا حَتَّى يَمْضِيَ الْأَجَلُ. فَوَجَّهَ مَعَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْقُشَيْرِيَّ، وَزِيَادَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ نَدِمَ بَعْدَمَا فَصَلُوا، وَقَالَ: جَاءَنِي عِلْجٌ لَا أَعْلَمُ أَصَدَقَ أَمْ كَذِبَ، فَغَرَّرْتُ بِجُنْدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَارْتَحَلَ فِي أَثَرِهِمْ حَتَّى نَزَلَ أَشْرُوسَنَةَ فَصَالَحَهُمْ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ.
فَبَيْنَا هُوَ يَتَعَشَّى إِذْ قِيلَ لَهُ هَذَا عَطَاءٌ الدَّبُّوسِيُّ، وَكَانَ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَسَقَطَتِ اللُّقْمَةُ مِنْ يَدِهِ، وَدَعَا بِعَطَاءٍ، فَقَالَ: وَيْلَكَ قَاتَلْتُمْ أَحَدًا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: لِلَّهِ الْحَمْدُ! وَتَعَشَّى وَأَخْبَرَهُ بِمَا قَدِمَ لَهُ، فَسَارَ مُسْرِعًا حَتَّى لَحِقَ الْقُشَيْرِيَّ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَسَارَ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى خُجَنْدَةَ، قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: مَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى الْمُعَاجَلَةَ. قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ، إِنْ جُرِحَ رَجُلٌ فَإِلَى أَيْنَ يَرْجِعُ، أَوْ قُتِلَ قَتِيلٌ فَإِلَى مَنْ يُحْمَلْ؟ وَلَكِنِّي أَرَى النُّزُولَ وَالتَّأَنِّي وَالِاسْتِعْدَادَ لِلْحَرْبِ. فَنَزَلَ فَأَخَذَ فِي التَّأَهُّبِ، فَلَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنَ الْعَدُوِّ، فَجَبَّنَ النَّاسُ الْحُرَشِيَّ وَقَالُوا: كَانَ يُذْكَرُ بِشَجَاعَةٍ وَدِيَانَةٍ، فَلَمَّا صَارَ بِخُرَاسَانَ مَاقَ. فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ فَضَرَبَ بَابَ خُجَنْدَةَ بِعَمُودٍ فَفَتَحَ الْبَابَ، وَكَانُوا حَفَرُوا فِي رِبْضِهِمْ وَرَاءَ الْبَابِ الْخَارِجِ خَنْدَقًا وَغَطَّوْهُ بِقَصَبٍ وَتُرَابٍ مَكِيدَةً، وَأَرَادُوا إِذَا الْتَقَوْا إِنِ انْهَزَمُوا كَانُوا قَدْ
стр. 2123
عَرَفُوا الطَّرِيقَ، وَيُشْكِلُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَيَسْقُطُونَ فِي الْخَنْدَقِ، فَلَمَّا خَرَجُوا قَاتَلُوهُمْ فَانْهَزَمُوا، وَأَخْطَأَهُمُ الطَّرِيقُ فَسَقَطُوا فِي الْخَنْدَقِ، وَأَخْرَجَ مِنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا. وَحَصَرَهُمُ الْحَرَشِيُّ وَنَصَبَ عَلَيْهِمُ الْمَجَانِيقَ. فَأَرْسَلُوا إِلَى مَلِكِ فَرْغَانَةَ: إِنَّكَ غَدَرْتَ بِنَا، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَنْصُرَهُمْ، فَقَالَ: قَدْ أَتَوْكُمْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ، وَلَسْتُمْ فِي جِوَارِي. فَطَلَبُوا الصُّلْحَ وَسَأَلُوا الْأَمَانَ وَأَنْ يَرُدَّهُمْ إِلَى الصُّغْدِ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرُدُّوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ نِسَاءِ الْعَرَبِ وَذَرَارِيهِمْ، وَأَنْ يُؤَدُّوا مَا كَسَرُوا مِنَ الْخَرَاجِ، وَلَا يَغْتَالُوا أَحَدًا، وَلَا يَتَخَلَّفُ مِنْهُمْ بِخُجَنْدَةَ أَحَدٌ، فَإِنْ أَحْدَثُوا حَدَثًا حَلَّتْ دِمَاؤُهُمْ.
فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الْمُلُوكُ وَالتُّجَّارُ مِنَ الصُّغْدِ، وَتَرَكَ أَهْلَ خُجَنْدَةَ عَلَى حَالِهِمْ، وَنَزَلَ عُظَمَاءُ الصُّغْدِ عَلَى الْجُنْدِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَهُمْ، وَنَزَلَ كَارَزَنْجُ عَلَى أَيُّوبَ بْنِ أَبِي حَسَّانَ. وَبَلَغَ الْحَرَشِيُّ أَنَّهُمْ قَتَلُوا امْرَأَةً مِمَّنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ، فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ ثَابِتًا قَتْلَ امْرَأَةً وَدَفَنَهَا، فَجَحَدَ، فَسَأَلَ فَإِذَا الْخَبَرُ صَحِيحٌ، فَدَعَا بِثَابِتٍ إِلَى خَيْمَتِهِ فَقَتَلَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ كَارَزَنْجُ بِقَتْلِهِ خَافَ أَنْ يُقْتَلَ، وَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ أَخِيهِ لِيَأْتِيَهُ بِسَرَاوِيلَ، وَكَانَ قَدْ قَالَ لِابْنِ أَخِيهِ: إِذَا طَلَبْتُ سَرَاوِيلَ فَاعْلَمْ أَنَّهُ الْقَتْلُ، فَبَعَثَ بِهِ إِلَيْهِ، وَخَرَجَ، وَاعْتَرَضَ النَّاسَ، فَقَتَلَ نَاسًا، وَتَضَعْضَعَ الْعَسْكَرُ، وَلَقُوا مِنْهُ شَرًّا، وَانْتَهَى إِلَى ثَابِتِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ مَسْعُودٍ، فَقَتَلَهُ ثَابِتٌ.
وَقَتَلَ الصُّغْدُ أَسْرَى عِنْدَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِائَةً وَخَمْسِينَ رَجُلًا، فَأُخْبِرَ الْحَرَشِيُّ بِذَلِكَ، فَسَأَلَ، فَرَأَى الْخَبَرَ صَحِيحًا، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ وَعَزْلِ التُّجَّارِ عَنْهُمْ، فَقَاتَلَهُمُ الصُّغْدُ بِالْخَشَبِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ سِلَاحٌ، فَقُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وَكَانُوا ثَلَاثَةَ آلَافٍ، وَقِيلَ: سَبْعَةَ آلَافٍ، وَاصْطَفَى أَمْوَالَ الصُّغْدِ وَذَرَارِيهِمْ، وَأَخَذَ مِنْهَا مَا أَعْجَبَهُ، ثُمَّ دَعَا مُسْلِمَ بْنَ بُدَيْلٍ الْعَدَوِيَّ عَدِيٌّ الرَّبَابُ، وَقَالَ: وَلَّيْتُكَ الْمَقْسَمَ. فَقَالَ: بَعْدَمَا عَمِلَ فِيهِ عُمَّالُكَ لَيْلَةً! وَلِّهِ غَيْرِي، فَوَلَّاهُ غَيْرَهُ. وَكَتَبَ الْحَرَشِيُّ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَلَمْ يَكْتُبْ إِلَى عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ، فَكَانَ هَذَا مِمَّا أَوْغَرَ صَدْرَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ ثَابِتُ قُطْنَةَ يَذْكُرُ مَا أَصَابُوا مِنْ عُظَمَائِهِمْ:
أَقَرَّ الْعَيْنَ مَصْرَعُ كَارَزَنْجٍ ... وَكَشْكِيرٍ وَمَا لَاقَى يُبَادُ
وَدَيْوَشْتَى وَمَا لَاقَى خَلَنْجٌ ... بِحِصْنِ خُجَنْدَ إِذْ دَمَرُوا فَبَادُوا
стр. 2124
يُقَالُ: إِنَّ دَيْوَشْتَى دِهْقَانُ سَمَرْقَنْدَ، وَاسْمُهُ دَيْوَ أَشْنَجِ فَأَعْرَبُوهُ، وَقِيلَ: كَانَ عَلَى أَقْبَاضِ خُجَنْدَةَ عِلْبَاءُ بْنُ أَحْمَرَ الْيَشْكُرِيُّ، فَاشْتَرَى رَجُلٌ مِنْهُمْ جُونَةً بِدِرْهَمَيْنِ، فَوَجَدَ فِيهَا سَبَائِكَ ذَهَبٍ، فَرَجَعَ وَقَدْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ كَأَنَّهُ رَمِدَ، فَرَدَّ الْجُونَةَ، وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ، فَطُلِبَ فَلَمْ يُعْرَفْ.
وَسَرَّحَ الْحَرَشِيُّ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي السَّرِيِّ إِلَى حِصْنٍ يُطِيفُ بِهِ وَادِي الصُّغْدِ إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَمَعَهُ خُوَارَزْمُشَاهْ، وَصَاحِبُ آخْرُونَ، وَشُومَانَ، فَسَيَّرَ سُلَيْمَانُ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ الْمُسَيَّبَ بْنَ بِشْرٍ الرِّيَاحِيَّ، فَتَلْقَوْهُ عَلَى فَرْسَخٍ، فَهَزَمَهُمْ حَتَّى رَدَّهُمْ إِلَى حِصْنِهِمْ فَحَصَرَهُمْ، فَطَلَبَ الدَّيْوَشْتَى أَنْ يَنْزِلَ عَلَى حُكْمِ الْحَرَشِيِّ، فَسَيَّرَهُ إِلَيْهِ، فَأَكْرَمَهُ، وَطَلَبَ أَهْلُ الْقَلْعَةِ الصُّلْحَ عَلَى أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِنِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ وَيُسَلِّمُونَ الْقَلْعَةَ. فَبَعَثَ سُلَيْمَانُ إِلَى الْحَرَشِيِّ لِيَبْعَثَ الْأُمَنَاءَ لِقَبْضِ مَا فِي الْقَلْعَةِ، فَبَعَثَ مَنْ قَبَضَهُ وَبَاعُوهُ وَقَسَّمُوهُ.
وَسَارَ الْحَرَشِيُّ إِلَى كَشَّ، وَصَالَحُوهُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ رَأْسٍ، وَقِيلَ سِتَّةِ آلَافِ رَأْسٍ. وَسَارَ إِلَى زَرَنْجَ، فَوَافَاهُ كِتَابُ ابْنِ هُبَيْرَةَ بِإِطْلَاقِ دَيْوَشْتَى، فَقَتَلَهُ وَصَلَبَهُ، وَوَلَّى نَصْرَ بْنَ سَيَّارٍ قَبْضَ صُلْحِ كَشَّ، وَاسْتَعْمَلَ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي السَّرِيِّ عَلَى كَشَّ وَنَسَفَ حَرْبِهَا وَخَرَاجِهَا. وَكَانَتْ خَزَائِنَ مَنِيعَةً، فَقَالَ الْمُجَشِّرِ لِلْحَرَشِيِّ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَنْ يَفْتَحُهَا لَكَ بِغَيْرِ قِتَالٍ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: الْمُسَرْبَلُ بْنُ الْخِرِّيتِ بْنِ رَاشِدٍ النَّاجِي، فَوَجَّهَهُ إِلَيْهَا، وَكَانَ صَدِيقًا لِمَلِكِهَا، وَاسْمُ الْمَلِكِ سُبُقْرَى، فَأَخْبَرَ الْمَلِكَ بِمَا صَنَعَ الْحَرَشِيُّ بِأَهْلِ خُجَنْدَةَ وَخَوَّفَهُ، قَالَ: فَمَا تَرَى؟ قَالَ: أَنْ تَنْزِلَ بِأَمَانٍ. قَالَ: فَمَا أَصْنَعُ بِمَنْ لَحِقَ بِي؟ قَالَ: تَجْعَلُهُمْ فِي أَمَانِكَ، فَصَالَحَهُمْ فَآمَنُوهُ وَبِلَادَهُ، وَرَجَعَ الْحَرَشِيُّ إِلَى بِلَادِهِ وَمَعَهُ سُبُقْرَى، فَقُتِلَ سُبُقْرَى وَصُلِبَ وَمَعَهُ الْأَمَانُ.
ذِكْرُ ظَفَرِ الْخَزَرِ بِالْمُسْلِمِينَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ دَخَلَ جَيْشٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِلَادَ الْخَزَرِ مِنْ أَرْمِينِيَّةَ وَعَلَيْهِمْ ثُبَيْتٌ النَّهْرَانِيُّ، فَاجْتَمَعَتِ الْخَزَرُ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ وَأَعَانَهُمْ قُفْجَاقٌ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَنْوَاعِ التُّرْكِ، فَلَقُوا الْمُسْلِمِينَ فِي مَكَانٍ يُعْرَفُ بِمَرْجِ الْحِجَارَةِ، فَاقْتَتَلُوا هُنَالِكَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَشَرٌ كَثِيرٌ وَاحْتَوَتِ الْخَزَرُ عَلَى عَسْكَرِهِمْ، وَغَنِمُوا جَمِيعَ مَا فِيهِ، وَأَقْبَلَ
стр. 2125
الْمُنْهَزِمُونَ إِلَى الشَّامِ فَقَدِمُوا عَلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَفِيهِمْ ثُبَيْتٌ، فَوَبَّخَهُمْ يَزِيدُ عَلَى الْهَزِيمَةِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا جَبُنْتُ وَلَا نَكَبْتُ عَنْ لِقَاءِ الْعَدُوِّ، وَلَقَدْ لَصَقْتُ الْخَيْلَ بِالْخَيْلِ وَالرَّجُلَ بِالرَّجُلِ، وَلَقَدْ طَاعَنْتُ حَتَّى انْقَصَفَ رُمْحِي، وَضَارَبْتُ حَتَّى انْقَطَعَ سَيْفِي، غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ ﵎، يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ.
ذِكْرُ وِلَايَةِ الْجَرَّاحِ أَرْمِينِيَّةَ وَفَتْحِ بَلَنْجَرَ وَغَيْرِهَا
لَمَّا تَمَّتِ الْهَزِيمَةُ الْمَذْكُورَةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَمِعَ الْخَزَرُ فِي الْبِلَادِ، فَجَمَعُوا وَحَشَدُوا، وَاسْتَعْمَلَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْجَرَّاحَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيَّ حِينَئِذٍ عَلَى أَرْمِينِيَّةَ، وَأَمَدَّهُ بِجَيْشٍ كَثِيفٍ، وَأَمْرَهُ بِغَزْوِ الْخَزَرِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَعْدَاءِ وَبِقَصْدِ بِلَادِهِ. فَسَارَ الْجَرَّاحُ، وَتَسَامَعَ الْخَزَرِيَّةُ، فَعَادُوا حَتَّى نَزَلُوا بِالْبَابِ وَالْأَبْوَابِ، وَوَصَلَ الْجَرَّاحُ إِلَى بَرْذَعَةَ، فَأَقَامَ حَتَّى اسْتَرَاحَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَسَارَ نَحْوَ الْخَزَرِ، فَعَبَرَ نَهْرَ الْكَرِّ، فَسَمِعَ بِأَنَّ بَعْضَ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْجِبَالِ قَدْ كَاتَبَ مَلِكَ الْخَزَرِ يُخْبِرُهُ بِمُسَيَّرِ الْجَرَّاحِ إِلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ أَمَرَ الْجَرَّاحُ مُنَادِيَهُ فَنَادَى فِي النَّاسِ: إِنَّ الْأَمِيرَ مُقِيمٌ هَاهُنَا عِدَّةَ أَيَّامٍ، فَاسْتَكْثِرُوا مِنَ الْمِيرَةِ ; فَكَتَبَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَى مَلِكِ الْخَزَرِ يُخْبِرُهُ أَنَّ الْجَرَّاحَ مُقِيمٌ، وَيُشِيرُ عَلَيْهِ بِتَرْكِ الْحَرَكَةِ لِئَلَّا يَطْمَعَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ.
فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ أَمَرَ الْجَرَّاحُ بِالرَّحِيلِ، فَسَارَ مُجِدًّا حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَدِينَةِ الْبَابِ وَالْأَبْوَابِ، فَلَمْ يَرَ الْخَزَرَ، فَدَخَلَ الْبَلَدَ فَبَثَّ سَرَايَاهُ فِي النَّهْبِ وَالْغَارَةِ عَلَى مَا يُجَاوِرُهُ، فَغَنِمُوا وَعَادُوا مِنَ الْغَدِ، وَسَارَ الْخَزَرُ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ ابْنُ مَلِكِهِمْ، فَالْتَقَوْا عِنْدَ نَهْرِ الرَّانِ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَحَرَّضَ الْجَرَّاحُ أَصْحَابَهُ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَظَفِرُوا بِالْخَزَرِ وَهَزَمُوهُمْ، وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعَ مَا مَعَهُمْ، وَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حِصْنٍ يُعْرَفُ بِالْحُصَيْنِ، فَنَزَلَ أَهْلُهُ بِالْأَمَانِ عَلَى مَالٍ يَحْمِلُونَهُ، فَأَجَابَهُمْ وَنَقَلَهُمْ عَنْهَا.
ثُمَّ سَارَ إِلَى مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا يَرْغُوَا، فَأَقَامَ عَلَيْهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ، وَهُوَ مُجِدٌّ فِي قِتَالِهِمْ، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ، فَآمَنَهُمْ وَتَسَلَّمَ حِصْنَهُمْ وَنَقَلَهُمْ مِنْهُ.
ثُمَّ سَارَ الْجَرَّاحُ إِلَى بَلَنْجَرَ، وَهُوَ حِصْنٌ مَشْهُورٌ مِنْ حُصُونِهِمْ، فَنَازَلَهُ، وَكَانَ أَهْلُ
стр. 2126
الْحِصْنِ قَدْ جَمَعُوا ثَلَاثَمِائَةِ عَجَلَةٍ، فَشَدُّوا بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، وَجَعَلُوهَا بِحَوْلِ حِصْنِهِمْ لِيَحْتَمُوا بِهَا، وَتَمْنَعَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْحِصْنِ، وَكَانَتْ تِلْكَ الْعَجَلُ أَشَدُّ شَيْءٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي قِتَالِهِمْ. فَلَمَّا رَأَوُا الضَّرَرَ الَّذِي عَلَيْهِمْ مِنْهَا انْتَدَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ نَحْوَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا، وَتَعَاهَدُوا عَلَى الْمَوْتِ، وَكَسَرُوا جُفُونَ سُيُوفِهِمْ، وَحَمَلُوا حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَتَقَدَّمُوا نَحْوَ الْعَجَلِ، وَجَدَّ الْكُفَّارُ فِي قِتَالِهِمْ، وَرَمَوْا مِنَ النُّشَّابِ مَا كَانَ يَحْجُبُ الشَّمْسَ، فَلَمْ يَرْجِعْ أُولَئِكَ حَتَّى وَصَلُوا إِلَى الْعَجَلِ، وَتَعَلَّقُوا بِبَعْضِهَا، وَقَطَعُوا الْحَبْلَ الَّذِي يُمْسِكُهَا، وَجَذَبُوهَا فَانْحَدَرَتْ، وَتَبِعَهَا سَائِرُ الْعَجَلِ، لِأَنَّ بَعْضَهَا كَانَ مَشْدُودًا إِلَى بَعْضٍ، وَانْحَدَرَ الْجَمِيعُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالْتَحَمَ الْقِتَالُ وَاشْتَدَّ، وَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَى الْجَمِيعِ حَتَّى بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ. ثُمَّ إِنَّ الْخَزَرَ انْهَزَمُوا وَاسْتَوْلَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْحِصْنِ عَنْوَةً وَغَنِمُوا جَمِيعَ مَا فِيهِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَأَصَابَ الْفَارِسُ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا.
ثُمَّ إِنَّ الْجَرَّاحَ أَخَذَ أَوْلَادَ صَاحِبِ بَلَنْجَرَ وَأَهْلَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأَحْضَرَهُ، وَرَدَّ إِلَيْهِ أَمْوَالَهُ وَأَهْلَهُ وَحِصْنَهُ، وَجَعَلَهُ عَيْنًا لَهُمْ يُخْبِرُهُمْ بِمَا يَفْعَلُهُ الْكُفَّارُ.
ثُمَّ سَارَ عَنْ بَلَنْجَرَ فَنَزَلَ عَلَى حِصْنِ الْوَبَنْدَرِ، وَبِهِ نَحْوُ أَرْبَعِينَ أَلْفَ بَيْتٍ مِنَ التُّرْكِ، فَصَالَحُوا الْجَرَّاحَ عَلَى مَالٍ يُؤَدُّونَهُ. ثُمَّ إِنْ أَهْلَ تِلْكَ الْبِلَادِ تَجَمَّعُوا وَأَخَذُوا الطُّرُقَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَكَتَبَ صَاحِبُ بَلَنْجَرَ إِلَى الْجَرَّاحِ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ. فَعَادَ مُجِدًّا حَتَّى وَصَلَ إِلَى رُسْتَاقِ مَلَّى، وَأَدْرَكَهُمُ الشِّتَاءُ، فَأَقَامَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ، وَكَتَبَ الْجَرَّاحُ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ يُخْبِرُهُ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَبِمَا اجْتَمَعَ مِنَ الْكُفَّارِ وَيَسْأَلُهُ الْمَدَدَ. فَوَعَدَهُ إِنْفَاذَ الْعَسَاكِرِ إِلَيْهِ، فَأَدْرَكَهُ أَجْلُهُ قَبْلَ إِنْفَاذِ الْجَيْشِ، فَأَرْسَلَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى الْجَرَّاحِ، فَأَقَرَّهُ عَلَى عَمَلِهِ، وَوَعَدَهُ الْمَدَدَ.
ذِكْرُ عَزْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الضَّحَّاكِ عَنِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الضَّحَّاكِ عَنِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، وَكَانَ عَامِلَهُ عَلَيْهِمَا ثَلَاثَ سِنِينَ، وَوَلَّى عَبْدَ الْوَاحِدِ النَّضْرِيَّ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ خَطَبَ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَقَالَتْ: مَا أُرِيدُ النِّكَاحَ وَلَقَدْ قَعَدْتُ عَلَى بَنِيَّ هَؤُلَاءِ. فَأَلَحَّ عَلَيْهَا وَقَالَ: لَئِنْ لَمْ تَفْعَلِي لَأَجْلِدَنَّ أَكْبَرَ بَنِيكِ فِي الْخَمْرِ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَكَانَ عَلَى الدِّيوَانِ
стр. 2127
بِالْمَدِينَةِ ابْنُ هُرْمُزَ، رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَقَدْ رَفَعَ حِسَابَهُ وَيُرِيدُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى يَزِيدَ، فَدَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ يُوَدِّعُهَا [فَقَالَ: هَلْ مِنْ حَاجَةٍ؟] فَقَالَتْ: تُخْبِرُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَلْقَى مِنِ ابْنِ الضَّحَّاكِ، وَمَا يَتَعَرَّضُ مِنِّي، وَبَعَثَتْ رَسُولًا بِكِتَابٍ إِلَى يَزِيدَ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ.
وَقَدِمَ ابْنُ هُرْمُزَ عَلَى يَزِيدَ، فَاسْتَخْبَرَهُ عَنِ الْمَدِينَةِ وَقَالَ: هَلْ مِنْ مَغْرَبَةِ خَبَرٍ؟ فَلَمْ يَذْكُرْ شَأْنَ فَاطِمَةَ. فَقَالَ الْحَاجِبُ لِيَزِيدَ: بِالْبَابِ رَسُولٌ مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ. فَقَالَ ابْنُ هُرْمُزَ: إِنَّهَا حَمَّلَتْنِي رِسَالَةً. وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ. فَنَزَلَ مِنْ فِرَاشِهِ، وَقَالَ: لَا أُمَّ لَكَ! عِنْدَكَ هَذَا وَلَا تُخْبِرُنِيهِ؟ فَاعْتَذَرَ بِالنِّسْيَانِ، وَأَذِنَ لِرَسُولِهَا فَأَدْخَلَهُ، وَأَخَذَ الْكِتَابَ، فَقَرَأَهُ، وَجَعَلَ يَضْرِبُ بِخَيْزُرَانٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ: لَقَدِ اجْتَرَأَ ابْنُ الضَّحَّاكِ، هَلْ مِنْ رَجُلٍ يُسْمُعُنِي صَوْتَهُ فِي الْعَذَابِ؟ قِيلَ لَهُ: عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّضْرِيُّ. فَكَتَبَ بِيَدِهِ إِلَى عَبْدِ الْوَاحِدِ: قَدْ وَلَّيْتُكَ الْمَدِينَةَ، فَاهْبِطْ إِلَيْهَا، وَاعْزِلْ عَنْهَا ابْنَ الضَّحَّاكِ، وَأَغْرِمْهُ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَذِّبْهُ حَتَّى أَسْمَعَ صَوْتَهُ وَأَنَا عَلَى فِرَاشِي.
وَسَارَ الْبَرِيدُ بِالْكِتَابِ، وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى ابْنِ الضَّحَّاكِ، فَأُخْبِرَ ابْنُ الضَّحَّاكِ، فَأَحْضَرَ الْبَرِيدَ، وَأَعْطَاهُ أَلْفَ دِينَارٍ لِيُخْبِرَهُ خَبَرَهُ، فَأَخْبَرَهُ، فَسَارَ ابْنُ الضَّحَّاكِ مُجِدًّا، فَنَزَلَ عَلَى مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَاسْتَجَارَهُ، فَحَضَرَ مَسْلَمَةُ عِنْدَ يَزِيدَ، فَطَلَبَ إِلَيْهِ حَاجَةَ خَالِهِ، فَقَالَ: كُلُّ حَاجَةٍ فَهِيَ لَكَ إِلَّا ابْنَ الضَّحَّاكِ. فَقَالَ: هِيَ وَاللَّهِ ابْنُ الضَّحَّاكِ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أُعْفِيهِ أَبَدًا. وَرَدَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ إِلَى عَبْدِ الْوَاحِدِ، فَعَذَّبَهُ وَلَقِيَ شَرًّا، ثُمَّ لَبِسَ جُبَّةَ صُوفٍ يَسْأَلُ النَّاسَ.
وَكَانَ قُدُومُ النَّضْرِيِّ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ. وَكَانَ ابْنُ الضَّحَّاكِ قَدْ آذَى الْأَنْصَارَ طُرًّا، فَهَجَاهُ الشُّعَرَاءُ وَذَمَّهُ الصَّالِحُونَ، وَلَمَّا وَلِيَهُمُ النَّضْرِيُّ أَحْسَنَ السِّيرَةَ فَأَحَبُّوهُ، وَكَانَ خَيِّرًا يَسْتَشِيرُ فِيمَا يُرِيدُ فِعْلَهُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
ذِكْرُ وِلَادَةِ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحِ
وَقِيلَ: وَفِيهَا وُلِدَ أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَهُوَ السَّفَّاحُ، وَوَصَلَ إِلَى أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَبُو مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ مِنْ خُرَاسَانَ فِي عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَخْرَجَ إِلَيْهِمْ أَبَا الْعَبَّاسِ فِي خِرْقَةٍ، وَلَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقَالَ لَهُمْ: هَذَا صَاحِبُكُمُ الَّذِي يَتِمُّ الْأَمْرُ عَلَى يَدِهِ فَقَبَّلُوا أَطْرَافَهُ، وَقَالَ لَهُمْ: وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى تُدْرِكُوا ثَأْرَكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ.
стр. 2128
ذِكْرُ عَزْلِ سَعِيدٍ الْحَرَشِيِّ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ سَعِيدًا الْحَرَشِيَّ عَنْ خُرَاسَانَ، وَوَلَّاهَا مُسْلِمَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ زُرْعَةَ الْكِلَابِيَّ.
وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ مَا كَانَ كَتَبَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ إِلَى الْحَرَشِيِّ بِإِطْلَاقِ الدَّيْوَشْتَى، فَقَتَلَهُ، وَكَانَ يَسْتَخِفُّ بِابْنِ هُبَيْرَةَ وَيَذْكُرُهُ بِأَبِي الْمُثَنَّى، [وَلَا يَقُولُ الْأَمِيرُ] فَيَقُولُ: [قَالَ] أَبُو الْمُثَنَّى، (وَفَعَلَ أَبُو الْمُثَنَّى، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنُ هُبَيْرَةَ، فَأَرْسَلَ جَمِيلَ بْنَ عِمْرَانَ ; لِيَعْلَمَ حَالَ الْحَرَشِيِّ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يَنْظُرُ فِي الدَّوَاوِينِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى الْحَرَشِيِّ، قَالَ: كَيْفَ أَبُو الْمُثَنَّى) ؟ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ جَمِيلًا لَمْ يَقْدَمْ إِلَّا لِيَعْلَمَ عِلْمَكَ. فَسَمَّ بَطِّيخَةً وَبَعَثَ بِهَا إِلَيْهِ، فَأَكَلَهَا، وَمَرِضَ، وَسَقَطَ شَعْرُهُ، وَرَجَعَ إِلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ، وَقَدْ عُولِجَ، فَصَحَّ، فَقَالَ لَهُ: الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِمَّا بَلَغَكَ، مَا يَرَى الْحَرَشِيُّ إِلَّا أَنَّكَ عَامِلٌ لَهُ، فَغَضِبَ وَعَزَلَهُ، وَنَفْحَ فِي بَطْنِهِ النَّمْلَ، وَعَذَّبَهُ حَتَّى أَدَّى الْأَمْوَالَ.
وَسَمَرَ لَيْلَةً ابْنُ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ: مَنْ سَيِّدُ قَيْسٍ؟ فَقَالُوا: الْأَمِيرُ. قَالَ: دَعُوا هَذَا: سَيِّدُ قَيْسٍ: الْكَوْثَرُ بْنُ زُفَرَ، لَوْ ثَوَّرَ بِلَيْلٍ لَوَافَاهُ عِشْرُونَ أَلْفًا لَا يَقُولُونَ لِمَ دَعَوْتَنَا، وَفَارِسُهَا هَذَا الْحِمَارُ الَّذِي فِي الْحَبْسِ، وَقَدْ أَمَرْتُ بِقَتْلِهِ، يَعْنِي الْحَرَشِيَّ، فَأَمَّا خَيْرُ قَيْسٍ لَهَا فَعَسَى أَنْ أَكُونَهُ. فَقَالَ لَهُ أَعْرَابِيٌّ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ: لَوْ كُنْتَ كَمَا تَقُولُ مَا أَمَرْتَ بِقَتْلِ فَارِسِهَا. فَأَرْسَلَ إِلَى مَعْقِلِ بْنِ عُرْوَةَ أَنْ كُفَّ عَنْ قَتْلِهِ، وَكَانَ قَدْ سَلَّمَهُ إِلَيْهِ لِيَقْتُلَهُ، (وَكَانَ ابْنُ هُبَيْرَةَ لَمَّا وَلَّى مُسْلِمَ بْنَ سَعِيدٍ خُرَاسَانَ أَمَرَهُ بِأَخْذِ الْحَرَشِيِّ وَتَقْيِيدِهِ) وَإِنْفَاذِهِ إِلَيْهِ، فَقَدِمَ مُسْلِمٌ دَارَ الْإِمَارَةِ، فَرَأَى الْبَابَ مُغْلَقًا، فَقِيلَ لِلْحَرَشِيِّ: قَدِمَ مُسْلِمٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: أَقَدِمْتَ أَمِيرًا أَوْ وَزِيرًا أَوْ زَائِرًا؟ فَقَالَ: مِثْلِي لَا يَقْدَمُ زَائِرًا وَلَا وَزِيرًا. فَأَتَاهُ الْحَرَشِيُّ فَشَتَمَهُ وَقَيَّدَهُ وَأَمَّرَ بِحَبْسِهِ، ثُمَّ أَمَرَ صَاحِبَ الْحَبْسِ أَنْ يَزِيدَهُ قَيْدًا، فَأُخْبِرَ الْحَرَشِيُّ بِذَلِكَ، فَقَالَ لِكَاتِبِهِ: اكْتُبْ إِلَيْهِ إِنَّ صَاحِبَ سِجْنِكَ ذَكَرَ أَنَّكَ أَمَرْتَهُ أَنْ يَزِيدَنِي قَيْدًا، فَإِنْ كَانَ أَمْرًا فَوْقَكَ فَسَمْعًا وَطَاعَةً، وَإِنْ كَانَ رَأْيًا رَأَيْتَهُ فَسَيْرُكَ الْحَقْحَقَةِ! وَهِيَ أَشَدُّ السِّيَرِ، وَتَمَثَّلَ:
стр. 2129
فَإِمَّا تَثْقَفُونِي فَاقْتُلُونِي ... وَمَنْ يُثَقَفْ فَلَيْسَ لَهُ خُلُودُ
هُمُ الْأَعْدَاءُ إِنْ شَهِدُوا وَغَابُوا ... أُولُوا الْأَحْقَادِ وَالْأَكْبَادُ سُودُ
فَلَمَّا هَرَبَ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنِ الْعِرَاقِ أَرْسَلَ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ فِي طَلَبِ الْحَرَشِيِّ، فَأَدْرَكَهُ عَلَى الْفُرَاتِ، فَقَالَ: مَا ظَنُّكَ بِي؟ قَالَ: ظَنِّي بِكَ أَنَّكَ لَا تَدْفَعُ رَجُلًا مِنْ قَوْمِكَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ قَيْسٍ. فَقَالَ: هُوَ ذَاكَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّضْرِيُّ.
وَعَلَى الْعِرَاقِ وَالْمَشْرِقِ: عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ. وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ: حُسَيْنُ بْنُ حَسَنٍ الْكِنْدِيُّ. وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَعْلَى.
[الوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ أَبُو قِلَابَةَ الْجَرْمِيُّ، وَقِيلَ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَةٍ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ.
стр. 2130
وَفِيهَا مَاتَ عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ. وَعُمَيْرٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ. وَخَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي كَرْبٍ الْكُلَاعِيُّ، سَكَنَ الشَّامَ.
стр. 2131
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَمِائَةٍ]
١٠٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَمِائَةٍ
ذِكْرُ خُرُوجِ عُقْفَانَ
فِي أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ خَرَجَ حَرُورِيٌّ اسْمُهُ عُقْفَانُ فِي ثَمَانِينَ رَجُلًا، فَأَرَادَ يَزِيدُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ جُنْدًا يُقَاتِلُونَهُ: فَقِيلَ لَهُ: إِنْ قُتِلَ بِهَذِهِ الْبِلَادِ اتَّخَذَهَا الْخَوَارِجُ دَارَ هِجْرَةٍ، وَالرَّأْيُ أَنْ تَبْعَثَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ يُكَلِّمُهُ وَيَرُدُّهُ. فَفَعَلَ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: إِنَّا نَخَافُ أَنْ نُؤْخَذَ بِكُمْ. وَأُومِنُوا وَبَقِيَ عُقْفَانُ وَحْدَهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ يَزِيدُ أَخَاهُ، فَاسْتَعْطَفَهُ، فَرَدَّهُ، فَلَمَّا وَلِيَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَلَّاهُ أَمْرَ الْعُصَاةِ، فَقَدِمَ ابْنُهُ مِنْ خُرَاسَانَ غَاضِبًا، فَشَدَّهُ وَثَاقًا وَبَعَثَ بِهِ إِلَى هِشَامٍ، فَأَطْلَقَهُ لِأَبِيهِ وَقَالَ: لَوْ خَانَنَا عُقْفَانُ لَكَتَمَ أَمْرَ ابْنِهِ. وَاسْتَعْمَلَ عُقْفَانَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَبَقِيَ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ هِشَامٌ.
ذِكْرُ خُرُوجِ مَسْعُودٍ الْعَبْدِيِّ
وَخَرَجَ مَسْعُودُ بْنُ أَبِي زَيْنَبَ الْعَبْدِيُّ بِالْبَحْرَيْنِ عَلَى الْأَشْعَثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَارُودِ، فَفَارَقَ الْأَشْعَثُ الْبَحْرَيْنِ، وَسَارَ مَسْعُودٌ إِلَى الْيَمَامَةِ، وَعَلَيْهَا سُفْيَانُ بْنُ عَمْرٍو الْعُقَيْلِيُّ، وَلَّاهُ إِيَّاهَا عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ سُفْيَانُ، فَاقْتَتَلُوا بِالْخِضْرِمَةِ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ مَسْعُودٌ، وَقَامَ بِأَمْرِ الْخَوَارِجِ بَعْدَهُ هِلَالُ بْنُ مُدْلِجٍ فَقَاتَلَهُمْ يَوْمَهُ كُلَّهُ، فَقُتِلَ نَاسٌ مِنَ الْخَوَارِجِ وَقُتِلَتْ زَيْنَبُ أُخْتُ مَسْعُودٍ، فَلَمَّا أَمْسَى هِلَالٌ تَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَبَقِيَ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، فَدَخَلَ قَصْرًا فَتَحَصَّنَ بِهِ، فَنَصَبُوا عَلَيْهِ السَّلَالِيمَ، وَصَعِدُوا إِلَيْهِ، فَقَتَلُوهُ وَاسْتَأْمَنَ أَصْحَابُهُ فَآمَنَهُمْ، وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ فِي هَذَا الْيَوْمِ:
стр. 2132
لَعَمْرِي لَقَدْ سَلَّتْ حَنِيفَةُ سَلَّةً ... سُيُوفًا أَبَتْ يَوْمَ الْوَغَى أَنْ تُغَيَّرَا
تَرَكْنَ لِمَسْعُودٍ وَزَيْنَبَ أُخْتِهِ ... رِدَاءً وَسِرْبَالًا مِنَ الْمَوْتِ أَحْمَرَا
أَرَيْنَ الْحَرُورِيَّيْنِ يَوْمَ لِقَائِهِمْ ... بِبُرْقَانَ يَوْمًا يَجْعَلُ الْمَوْتَ أَشْقَرَا
وَقِيلَ: إِنَّ مَسْعُودًا غَلَبَ عَلَى الْبَحْرَيْنِ وَالْيَمَامَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً حَتَّى قَتَلَهُ سُفْيَانُ بْنُ عَمْرٍو الْعُقَيْلِيُّ.
(الْخِضْرِمَةُ: بِكَسْرِ الْخَاءِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ) .
ذِكْرُ مُصْعَبِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْوَالِبِيِّ
كَانَ مُصْعَبٌ مِنْ رُؤَسَاءِ الْخَوَارِجِ، وَطَلَبَهُ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ، وَطَلَبَ مَعَهُ مَالِكَ بْنَ الصَّعْبِ، وَجَابِرَ بْنَ سَعْدٍ، فَخَرَجُوا وَاجْتَمَعُوا بِالْخَوَرْنَقِ، وَأَمَّرُوا عَلَيْهِمْ مُصْعَبًا، وَمَعَهُ أُخْتُهُ آمِنَةُ، وَسَارُوا عَنْهُ. فَلَمَّا وَلِيَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْعِرَاقِ خَالِدًا الْقَسْرِيَّ سَيَّرَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا، وَكَانُوا قَدْ صَارُوا بِحَزَّةَ مِنْ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ الْخَوَارِجُ، وَقِيلَ: كَانَ قَتْلُهُمْ آخِرَ أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ فِيهِمُ الشُّعَرَاءُ:
فِتْيَةٌ تَعْرِفُ التَّخَشُّعَ فِيهِمْ ... كُلُّهُمْ أَحْكَمَ الْقُرَانَ إِمَامًا
قَدْ بَرَى لَحْمَهُ التَّهَجُّدُ حَتَّى ... عَادَ جِلْدًا مُصَفَّرًا وَعِظَامَا
غَادَرُوهُمْ بِقَاعِ حَزَّةَ صَرْعَى ... فَسَقَى الْغَيْثُ أَرْضَهُمْ يَا إِمَامَا
ذِكْرُ مَوْتِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، (وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ وَشَهْرًا وَأَيَّامًا) ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو خَالِدٍ، وَكَانَ مَرَضُهُ السُّلُّ.
وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّ حَبَابَةَ لَمَّا مَاتَتْ وَجَدَ عَلَيْهَا وَجْدًا شَدِيدًا، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَخَرَجَ مُشَيِّعًا لِجِنَازَتِهَا وَمَعَهُ أَخُوهُ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ لِيُسَلِّيَهُ وَيُعَزِّيَهُ، فَلَمْ يُجِبْهُ بِكَلِمَةٍ، وَقِيلَ: إِنَّ يَزِيدَ لَمْ يُطِقِ الرُّكُوبَ مِنَ الْجَزَعِ، وَعَجَزَ عَنِ الْمَشْيِ، فَأَمَرَ
стр. 2133
مَسْلَمَةَ فَصَلَّى عَلَيْهَا، وَقِيلَ: مَنَعَهُ مَسْلَمَةُ عَنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَرَى النَّاسُ مِنْهُ مَا يَعِيبُونَهُ بِهِ. فَلَمَّا دُفِنَتْ بَقِيَ بَعْدَهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَمَاتَ وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِهَا، وَقِيلَ: بَقِيَ بَعْدَهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَمَّا مَاتَ صَلَّى عَلَيْهِ أَخُوهُ مَسْلَمَةُ، وَقِيلَ: ابْنُهُ الْوَلِيدُ، وَكَانَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِحِمْصَ.
ذِكْرُ بَعْضِ سِيرَتِهِ
كَانَ يَزِيدُ مِنْ فِتْيَانِهِمْ، فَقَالَ يَوْمًا وَقَدْ طَرِبَ وَعِنْدَهُ حَبَابَةُ وَسَلَّامَةُ الْقَسِّ: دَعُونِي أَطِيرُ. قَالَتْ حَبَابَةُ: عَلَى مَنْ تَدَعُ الْأُمَّةَ؟ قَالَ: عَلَيْكِ، قِيلَ وَغَنَّتْهُ يَوْمًا:
وَبَيْنَ التَّرَاقِي وَاللَّهَاةِ حَرَارَةٌ ... مَا تَطْمَئِنُّ وَمَا تَسُوغُ فَتَبْرُدَا
فَأَهْوَى لِيَطِيرَ، فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ لَنَا فِيكَ حَاجَةً. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَطِيرَنَّ! فَقَالَتْ: عَلَى مَنْ تُخَلِّفُ الْأُمَّةَ وَالْمُلْكَ؟ قَالَ: عَلَيْكِ وَاللَّهِ! وَقَبَّلَ يَدَهَا، فَخَرَجَ بَعْضُ خَدَمِهِ وَهُوَ يَقُولُ: سَخِنَتْ عَيْنُكَ فَمَا أَسْخَفَكَ!
وَخَرَجَتْ مَعَهُ إِلَى نَاحِيَةِ الْأُرْدُنِّ يَتَنَزَّهَانِ، فَرَمَاهَا بِحَبَّةِ عِنَبٍ، فَدَخَلَتْ حَلْقَهَا، فَشَرِقَتْ وَمَرِضَتْ وَمَاتَتْ، فَتَرَكَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَمْ يَدْفِنْهَا، حَتَّى أَنْتَنَتْ وَهُوَ يَشُمُّهَا وَيُقَبِلُهَا وَيَنْظُرُ إِلَيْهَا وَيَبْكِي، فَكُلِّمَ فِي أَمْرِهَا حَتَّى أَذِنَ فِي دَفْنِهَا، وَعَادَ إِلَى قَصْرِهِ كَئِيبًا حَزِينًا، وَسَمِعَ جَارِيَةً لَهُ تَتَمَثَّلُ بَعْدَهَا:
كَفَى حَزَنًا بِالْهَائِمِ الصَّبِّ أَنْ يَرَى ... مَنَازِلَ مَنْ يَهْوَى مُعَطَّلَةً قَفْرَا
فَبَكَى، وَبَقِيَ يَزِيدُ بَعْدَ مَوْتِهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ لَا يَظْهَرُ لِلنَّاسِ، أَشَارَ عَلَيْهِ مَسْلَمَةُ بِذَلِكَ، وَخَافَ أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ مَا يُسَفِّهُهُ عِنْدَهُمْ.
وَكَانَ يَزِيدُ قَدْ حَجَّ أَيَّامَ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ، فَاشْتَرَى حَبَابَةَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِينَارٍ، وَكَانَ
стр. 2134
اسْمُهَا الْعَالِيَةَ، وَقَالَ سُلَيْمَانُ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَحْجُرَ عَلَى يَزِيدَ، فَرَدَّهَا يَزِيدُ، فَاشْتَرَاهَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، فَلَمَّا أَفْضَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى يَزِيدَ قَالَتِ امْرَأَتُهُ سُعْدَةُ: هَلْ بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ تَتَمَنَّاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، حَبَابَةُ. فَأَرْسَلَتْ فَاشْتَرَتْهَا، ثُمَّ صَيَّغَتْهَا، وَأَتَتْ بِهَا يَزِيدَ، فَأَجْلَسَتْهَا مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ، وَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ بَقِيَ فِي الدُّنْيَا شَيْءٌ تَتَمَنَّاهُ؟ قَالَ: قَدْ أَعْلَمْتُكِ. فَرَفَعَتِ السِّتْرَ وَقَالَتْ: هَذِهِ حَبَابَةُ، وَقَامَتْ وَتَرَكَتْهَا عِنْدَهُ، فَحَظِيَتْ سُعْدَةُ عِنْدَهُ وَأَكْرَمَهَا. وَسُعْدَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ. وَلَمَّا مَاتَ يَزِيدُ لَمْ يُعْلَمْ بِمَوْتِهِ حَتَّى نَاحَتْ سَلَّامَةُ فَقَالَتْ:
لَا تَلُمْنَا إِنْ خَشَعْنَا أَوْ هَمَمْنَا بِخُشُوعِ ... قَدْ لَعَمْرِي بِتُّ لَيْلِي كَأَخِي الدَّاءِ الْوَجِيعِ
ثُمَّ بَاتَ الْهَمُّ مِنِّي دُونَ مَنْ لِي بِضَجِيعِ ... لِلَّذِي حَلَّ بِنَا الْيَوْمَ مِنَ الْأَمْرِ الْفَظِيعِ
كُلَّمَا أَبْصَرْتُ رَبْعًا خَالِيًا فَاضَتْ دُمُوعِي ... قَدْ خَلَا مِنْ سَيِّدٍ كَانَ لَنَا غَيْرُ مُضِيعِ
ثُمَّ نَادَتْ: وَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَاهْ! فَعَلِمُوا بِمَوْتِهِ. وَالشِّعْرُ لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ.
وَأَخْبَارُ يَزِيدَ مَعَ سَلَّامَةَ وَحَبَابَةَ كَثِيرَةٌ، لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ ذِكْرِهَا.
وَإِنَّمَا قِيلَ لِسَلَّامَةَ [سَلَّامَةُ] الْقَسِّ، لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ أَحَدَ بَنِي جُشَمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بُكَيْرٍ كَانَ فَقِيهًا عَابِدًا مُجْتَهِدًا فِي الْعِبَادَةِ، وَكَانَ يُسَمَّى الْقَسَّ لِعِبَادَتِهِ، مَرَّ يَوْمًا بِمَنْزِلِ مَوْلَاهَا، فَسَمِعَ غِنَاءَهَا، فَوَقَفَ يَسْمَعُهُ، فَرَآهُ مَوْلَاهَا، فَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ أَنْ تَنْظُرَ وَتَسْمَعَ؟ فَأَبَى، فَقَالَ: أَنَا أُقْعِدُهَا بِمَكَانٍ لَا تَرَاهَا، وَتَسْمَعُ غِنَاءَهَا، فَدَخَلَ مَعَهُ فَغَنَّتْهُ، فَأَعْجَبَهُ غِنَاؤُهَا، ثُمَّ أَخْرَجَهَا مَوْلَاهَا إِلَيْهِ، فَشُغِفَ بِهَا وَأَحَبَّهَا، وَأَحَبَّتْهُ هِيَ أَيْضًا، وَكَانَ شَابًّا جَمِيلًا. فَقَالَتْ لَهُ يَوْمًا عَلَى خَلْوَةٍ: أَنَا وَاللَّهِ أُحِبُّكَ! قَالَ: وَأَنَا وَاللَّهِ أُحِبُّكِ! قَالَتْ:
стр. 2135
وَأُحِبُّ أَنْ أُقَبِّلَكَ! قَالَ: وَأَنَا وَاللَّهِ! قَالَتْ: وَأُحِبُّ أَنْ أَضَعَ بَطْنِي عَلَى بَطْنِكَ! قَالَ: وَأَنَا وَاللَّهِ! قَالَتْ: فَمَا يَمْنَعُكَ؟ قَالَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَؤُولَ خُلَّتُنَا إِلَى عَدَاوَةٍ، ثُمَّ قَامَ، وَانْصَرَفَ عَنْهَا، وَعَادَ إِلَى عِبَادَتِهِ، وَلَهُ فِيهَا أَشْعَارٌ، مِنْهَا:
أَلَمْ تَرَهَا لَا يُبْعِدُ اللَّهُ دَارَهَا ... إِذَا طَرَّبَتْ فِي صَوْتِهَا كَيْفَ تَصْنَعُ
تَمُدُّ نِظَامَ الْقَوْلِ ثُمَّ تَرُدُّهُ ... إِلَى صَلْصَلٍ مِنْ صَوْتِهَا يَتَرَجَّعُ
وَلَهُ فِيهَا:
أَلَا قُلْ لِهَذَا الْقَلْبِ هَلْ أَنْتَ مُبْصِرُ ... وَهَلْ أَنْتَ عَنْ سَلَّامَةَ الْيَوْمَ مُقْصِرُ
أَلَا لَيْتَ أَنِّي حَيْثُ صَارَتْ بِهَا النَّوَى ... جَلِيسٌ لِسَلْمَى كُلَّمَا عَجَّ مِزْهَرُ
إِذَا أَخَذَتْ فِي الصَّوْتِ كَادَ جَلِيسُهَا ... يَطِيرُ إِلَيْهَا قَلْبُهُ حِينَ يَنْظُرُ
فَقِيلَ لَهَا: سَلَّامَةُ الْقَسِّ لِذَلِكَ.
(سَلَّامَةُ: بِتَشْدِيدِ اللَّامِ، وَحَبَابَةُ: بِتَخْفِيفِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ) .
ذِكْرُ خِلَافَةِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتُخْلِفَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ لِلَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ، وَكَانَ عُمُرُهُ يَوْمَ اسْتُخْلِفَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَشْهُرًا، وَكَانَتْ وِلَادَتُهُ عَامَ قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ، فَسَمَّاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ مَنْصُورًا، وَسَمَّتْهُ أُمُّهُ بِاسْمِ أَبِيهَا هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَبْدُ الْمَلِكِ ذَلِكَ. وَكَانَتْ أُمُّهُ عَائِشَةُ بِنْتُ هِشَامٍ حَمْقَاءَ، فَطَلَّقَهَا عَبْدُ الْمَلِكِ. وَكَانَتْ كُنْيَةُ هِشَامٍ: أَبَا الْوَلِيدِ، وَأَتَتْهُ الْخِلَافَةُ وَهُوَ بِالرُّصَافَةِ، أَتَاهُ الْبَرِيدُ بِالْخَاتَمِ وَالْقَضِيبِ، وَسُلِّمَ عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ، فَرَكِبَ مِنْهَا حَتَّى أَتَى دِمَشْقَ.
стр. 2136
ذِكْرُ وِلَايَةِ خَالِدٍ الْقَسْرِيِّ الْعِرَاقَ
فِيهَا عَزَلَ هِشَامٌ عُمَرَ بْنَ هُبَيْرَةَ عَنِ الْعِرَاقِ، وَاسْتَعْمَلَ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ فِي شَوَّالٍ.
قَالَ عُمَرُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عُمَيْرٍ الْأُسَيِّدِيُّ: دَخَلْتُ عَلَى هِشَامٍ وَخَالِدٌ عِنْدَهُ، وَهُوَ يَذْكُرُ طَاعَةَ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ هَكَذَا خَطَأً وَخَطَلًا، وَاللَّهِ مَا فُتِحَتْ فِتْنَةٌ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا بِأَهْلِ الْيَمَنِ، هُمْ قَتَلُوا عُثْمَانَ، وَهُمْ خَلَعُوا عَبْدَ الْمَلِكِ، وَإِنَّ سُيُوفَنَا لَتَقْطُرُ مِنْ دِمَاءِ أَهْلِ الْمُهَلَّبِ. قَالَ: فَلَمَّا قُمْتُ تَبِعَنِي رَجُلٌ مِنْ آلِ مَرْوَانَ، فَقَالَ: يَا أَخَا بَنِي تَمِيمٍ وَرَتْ بِكَ زِنَادِي، قَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتَكَ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ وَلَّى خَالِدًا الْعِرَاقَ، وَلَيْسَتْ لَكَ بِدَارٍ! فَسَارَ خَالِدٌ إِلَى الْعِرَاقِ مِنْ يَوْمِهِ.
(الْأُسَيِّدِيُّ: بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، هَكَذَا يَقُولُهُ الْمُحَدِّثُونَ، وَأَمَّا النُّحَاةُ فَإِنَّهُمْ يُخَفِّفُونَ الْيَاءَ، وَهِيَ عِنْدُ الْجَمِيعِ نِسْبَةٌ إِلَى أُسَيِّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ) .
ذِكْرُ دُعَاةِ بَنِي عَبَّاسٍ
قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَ بُكَيْرُ بْنُ مَاهَانَ مِنَ السِّنْدِ، وَكَانَ بِهَا مَعَ الْجُنَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. فَلَمَّا عُزِلَ الْجُنَيْدُ قَدِمَ بُكَيْرٌ الْكُوفَةَ، وَمَعَهُ أَرْبَعُ لَبِنَاتٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَلَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبَ، فَلَقِيَ أَبَا عِكْرِمَةَ الصَّادِقَ وَمَيْسَرَةَ وَمُحَمَّدَ بْنَ خُنَيْسٍ، وَسَالِمًا الْأَعْيَنَ، وَأَبَا يَحْيَى مَوْلَى بَنِي سَلِمَةَ، فَذَكَرُوا لَهُ أَمْرَ دَعْوَةِ بَنِي هَاشِمٍ، فَقَبِل ذَلِكَ وَرَضِيَهُ وَأَنْفَقَ مَا مَعَهُ عَلَيْهِمْ، وَدَخَلَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَمَاتَ مَيْسَرَةُ فَأَقَامَهُ مَقَامَهُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا الْجَرَّاحُ الْحَكَمِيُّ اللَّانَ حَتَّى جَازَ ذَلِكَ إِلَى مَدَائِنَ وَحُصُونٍ وَرَاءَ بَلَنْجَرَ، فَفَتَحَ بَعْضَ ذَلِكَ، وَأَصَابَ غَنَائِمَ كَثِيرَةً.
стр. 2137
وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَرْضَ الرُّومِ، فَبَعَثَ سَرِيَّةً فِي نَحْوِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ فَأُصِيبُوا جَمِيعًا.
وَفِيهَا غَزَا مُسْلِمُ بْنُ سَعِيدٍ الْكِلَابِيُّ أَمِيرُ خُرَاسَانَ التُّرْكَ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، فَلَمْ يَفْتَحْ شَيْئًا وَقَفَلَ، فَتَبِعَهُ التُّرْكُ، فَلَحِقُوهُ وَالنَّاسُ يَعْبُرُونَ جَيْحُونَ، وَعَلَى السَّاقَةِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَيَّانَ عَلَى خَيْلِ تَمِيمٍ، فَحَامُوا حَتَّى عَبَرَ النَّاسُ.
وَغَزَا مَسْلَمَةُ أَفْشِينَ، فَصَالَحَ أَهْلَهَا عَلَى سِتَّةِ آلَافِ رَأْسٍ، وَدُفِعَ إِلَيْهِ الْقَلْعَةُ، وَذَلِكَ لِتَمَامِ خَمْسٍ وَمِائَةٍ بَعْدَ مَوْتِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
وَفِيهَا غَزَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِفَةَ الْيُمْنَى، فَافْتَتَحَ قُونِيَةَ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ وَكُمْخَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامٍ خَالُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَطَاءٍ: مَتَى أَخْطُبُ؟ قَالَ: بَعْدَ الظُّهْرِ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ، فَخَطَبَ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَقَالَ: أَخْبَرَنِي رَسُولِي عَنْ عَطَاءٍ، فَقَالَ عَطَاءٌ: مَا أَمَرْتُهُ إِلَّا بَعْدَ الظُّهْرِ، فَاسْتَحْيَا.
وَكَانَ هَذِهِ السَّنَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالطَّائِفِ عَبْدُ الْوَاحِدِ النَّضْرِيُّ. وَكَانَ عَلَى الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ: عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ. وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ: حُسَيْنُ بْنُ حَسَنٍ الْكِنْدِيُّ. وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ: مُوسَى بْنُ أَنَسٍ.
стр. 2138
[الوَفَيَاتُ]
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ. وَعِكْرِمَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ عِكْرِمَةُ زَوْجَ أُمِّ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَفِيهَا مَاتَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. (وَفِيهَا تُوُفِّيَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً) ، وَأَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وَلَهُ تِسْعُونَ سَنَةً، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ رَبِيعَةَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أُمُّهُ صَفِيَّةُ أُخْتُ الْمُخْتَارِ، وَأَوْصَى إِلَيْهِ أَبُوهُ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَخُوهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَهُوَ أَخُو سَالِمٍ لِأُمِّهِ، أُمُّهُمَا أُمُّ وَلَدٍ. فِي أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ تُوُفِّيَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَكَانَ قَدْ فُلِجَ.
стр. 2139
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عُمَارَةُ بْنُ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَلَهُ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً.
وَفِي أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَاتَ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ. وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ الْجُنْدَعِيُّ اللَّيْثِيُّ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، سَكَنَ الشَّامَ، (الْجُنْدَعِيُّ بِضَمِّ الْجِيمِ، وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَالنُّونِ) . وَعِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ الْغِفَارِيُّ وَالِدُ خَيْثَمَ بْنِ عِرَاكَ. وَمُوَرِّقٌ الْعِجْلِيُّ.
стр. 2140
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَمِائَةٍ]
١٠٦ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَمِائَةٍ
ذَكَّرَ الْوَقْعَةِ بَيْنَ مُضَرَ وَالْيَمَنِ بِخُرَاسَانَ
قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتِ الْوَقْعَةُ بَيْنَ الْمُضَرِيَّةِ وَالْيَمَانِيَّةِ بِالْبَرُوقَانِ مِنْ أَرْضِ بَلْخٍ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مُسْلِمَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ زُرْعَةَ غَزَا، فَتَبَطَّأَ النَّاسُ عَنْهُ، وَكَانَ مِمَّنْ تَبَطَّأَ عَنْهُ الْبَخْتَرِيُّ بْنُ دِرْهَمٍ، فَرَدَّ مُسْلِمٌ نَصْرَ بْنَ سَيَّارٍ، وَبَلْعَاءَ بْنَ مُجَاهِدٍ، وَغَيْرَهُمَا إِلَى بَلْخٍ، فَأَمَرَهُمَا أَنْ يُخْرِجُوا النَّاسَ، فَأَحْرَقَ نَصْرُ بَابَ الْبَخْتَرِيِّ، وَزِيَادِ بْنِ طَرِيفٍ الْبَاهِلِيِّ، فَمَنَعَهُمْ عَمْرُو بْنُ مُسْلِمٍ أَخُو قُتَيْبَةَ دُخُولَ بَلْخٍ وَكَانَ عَلَيْهَا، وَقَطَعَ مُسْلِمُ بْنُ سَعِيدٍ النَّهْرَ، وَنَزَلَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ الْبَرُوقَانِ، وَأَتَاهُ أَهْلُ الصَّغَانَيَانِ، وَمَسْلَمَةُ التَّمِيمِيُّ، وَحَسَّانُ بْنُ خَالِدٍ الْأَسَدِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، وَتَجَمَّعَتْ رَبِيعَةُ وَالْأَزْدُ بِالْبَرُوقَانِ، عَلَى نِصْفِ فَرْسَخٍ مِنْ نَصْرٍ، وَخَرَجَتْ مُضَرُ إِلَى نَصْرٍ، وَخَرَجَتْ رَبِيعَةُ وَالْأَزْدُ إِلَى عَمْرِو بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَرْسَلَتْ تَغْلِبُ إِلَى عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ: إِنَّكَ مِنَّا، وَأَنْشَدُوهُ شِعْرًا قَالَهُ رَجُلٌ عَزَا بَاهِلَةَ إِلَى تَغْلِبَ، وَكَانَ بَنُو قُتَيْبَةَ مِنْ بَاهِلَةَ، فَلَمْ يَقْبَلْ عَمْرُو ذَلِكَ.
وَسَفَرَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ، وَيَزِيدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ الْحُدَّانِيُّ فِي الصُّلْحِ، وَكَلَّمَا نَصْرًا، فَانْصَرَفَ، فَحَمَلَ أَصْحَابُ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ وَالْبَخْتَرِيِّ عَلَى نَصْرٍ، وَكَرَّ نَصْرُ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ رَجُلٌ مِنْ بَاهِلَةَ مِنْ أَصْحَابِ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَانْهَزَمَ عَمْرٌو، وَأَرْسَلَ يَطْلُبُ الْأَمَانَ مِنْ نَصْرٍ، فَآمَنُهُ، وَقِيلَ: أَصَابُوا عَمْرًا فِي طَاحُونَةٍ، فَأَتَوْا بِهِ نَصْرًا وَفِي عُنُقِهِ حَبْلٌ، فَآمَنَهُ وَضَرَبَهُ مِائَةً، وَضَرَبَ الْبَخْتَرِيَّ وَزِيَادَ بْنَ طَرِيفٍ مِائَةً مِائَةً، وَحَلَقَ رُءُوسَهُمْ وَلِحَاهُمْ، وَأَلْبَسَهُمُ الْمُسُوحَ.
وَقِيلَ إِنَّ الْهَزِيمَةَ كَانَتْ أَوَّلًا عَلَى نَصْرٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ مُضَرَ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ مُسْلِمٍ لِرَجُلٍ مَعَهُ مِنْ تَمِيمٍ: كَيْفَ تَرَى أَسْتَاهُ قَوْمِكَ يَا أَخَا تَمِيمٍ؟ يُعَيِّرُهُ بِذَلِكَ. ثُمَّ كَرَّتْ
следующие страницы →