Полный текст (6 163 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
نَحْوَ ابْنِ هُبَيْرَةَ فَلَقُوهُ، فَقَاتَلَهُمْ أَيَّامًا وَانْهَزَمَتِ الْخَوَارِجُ، وَأَتَى ابْنُ هُبَيْرَةَ إِلَى الْكُوفَةِ وَسَارَ إِلَى وَاسِطَ، وَلَمَّا بَلَغَ الضَّحَّاكَ مَا لَقِيَ أَصْحَابُهُ أَرْسَلَ عُبَيْدَةَ بْنَ سَوَّارٍ التَّغْلِبِيَّ إِلَيْهِمْ فَنَزَلَ الصَّرَاةَ، فَرَجَعَ ابْنُ هُبَيْرَةَ إِلَيْهِمْ فَالْتَقَوْا بِالصَّرَاةِ، وَسَيَرِدُ خَبَرُ خُرُوجِ الضَّحَّاكِ بَعْدَهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(الْحَرَشِيُّ: بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ) .
ذِكْرُ خُرُوجِ الضَّحَّاكِ مُحَكِّمًا
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ الشَّيْبَانِيُّ مُحَكِّمًا وَدَخَلَ الْكُوفَةَ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَلِيدَ حِينَ قُتِلَ خَرَجَ بِالْجَزِيرَةِ حَرُورِيٌّ يُقَالُ لَهُ: سَعِيدُ بْنُ بَهْدَلٍ الشَّيْبَانِيُّ فِي مِائَتَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ فِيهِمُ الضَّحَّاكُ، فَاغْتَنَمَ قَتْلَ الْوَلِيدِ وَاشْتِغَالَ مَرْوَانَ بِالشَّامِ فَخَرَجَ بِأَرْضِ كَفَرْتُوثَا، وَخَرَجَ بِسْطَامٌ الْبَيْهَسِيُّ، وَهُوَ مُفَارِقٌ لِرَأْيِهِ، فِي مِثْلِ عُدَّتِهِمْ مِنْ رَبِيعَةَ، فَسَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ، فَلَمَّا تَقَارَبَا أَرْسَلَ سَعِيدُ بْنُ بَهْدَلٍ الْخَيْبَرِيَّ، وَهُوَ أَحَدُ قُوَّادِهِ، فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ فَارِسًا، فَأَتَاهُمْ وَهُمْ غَارُّونَ، فَقَتَلُوا فِيهِمْ وَقَتَلُوا بِسْطَامًا وَجَمِيعَ مَنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، ثُمَّ مَضَى سَعِيدُ بْنُ بَهْدَلٍ إِلَى الْعِرَاقِ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ بِهَا، فَمَاتَ سَعِيدُ بْنُ بَهْدَلٍ فِي الطَّرِيقِ وَاسْتَخْلَفَ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ، فَبَايَعَهُ الشُّرَاةُ، فَأَتَى أَرْضَ الْمَوْصِلِ ثُمَّ شَهْرَزُورَ، وَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ الصُّفْرِيَّةُ حَتَّى صَارَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ.
وَهَلَكَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعَامِلُهُ عَلَى الْعِرَاقِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَرْوَانُ بِالْحِيرَةِ، فَكَتَبَ مَرْوَانُ إِلَى النَّضْرِ بْنِ سَعِيدٍ الْحَرَشِيِّ، وَهُوَ أَحَدُ قُوَّادِ ابْنِ عُمَرَ، بِوِلَايَةِ الْعِرَاقِ، فَلَمْ يُسَلِّمِ ابْنُ عُمَرَ إِلَيْهِ الْعَمَلَ، فَشَخَصَ النَّضْرُ إِلَى الْكُوفَةِ وَبَقِيَ ابْنُ عُمَرَ بِالْحِيرَةِ، فَتَحَارَبَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَأَمَدَّ مَرْوَانُ النَّضْرَ بِابْنِ الْغُزَيِّلِ، وَاجْتَمَعَتِ الْمُضَرِيَّةُ مَعَ النَّضْرِ عَصَبِيَّةً لِمَرْوَانَ حَيْثُ طَلَبَ بِدَمِ الْوَلِيدِ، وَكَانَتْ أُمُّ الْوَلِيدِ قَيْسِيَّةً مِنْ مُضَرَ، وَكَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ مَعَ ابْنِ عُمَرَ عَصَبِيَّةً لَهُ، حَيْثُ كَانُوا مَعَ يَزِيدَ فِي قَتْلِ الْوَلِيدِ حِينَ أَسْلَمَ خَالِدًا الْقَسْرِيَّ إِلَى يُوسُفَ فَقَتَلَهُ.
فَلَمَّا سَمِعَ الضَّحَّاكُ بِاخْتِلَافِهِمْ أَقْبَلَ نَحْوَهُمْ وَقَصَدَ الْعِرَاقَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ،
стр. 2312
فَأَرْسَلَ [ابْنُ] عُمَرَ إِلَى النَّضْرِ: " إِنَّ هَذَا لَا يُرِيدُ غَيْرِي وَغَيْرَكَ فَهَلُمَّ نَجْتَمِعُ عَلَيْهِ ". فَتَعَاقَدَا عَلَيْهِ وَاجْتَمَعَا بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ. وَأَقْبَلَ الضَّحَّاكُ فَنَزَلَ بِالنُّخَيْلَةِ فِي رَجَبٍ وَاسْتَرَاحَ، ثُمَّ اسْتَعَدُّوا لِلْقِتَالِ يَوْمَ الْخَمِيسِ مِنْ غَدِ يَوْمِ نُزُولِهِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَكَشَفُوا ابْنَ عُمَرَ وَقَتَلُوا أَخَاهُ عَاصِمًا وَجَعْفَرَ بْنَ الْعَبَّاسِ الْكِنْدِيَّ أَخَا عُبَيْدِ اللَّهِ، وَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ خَنْدَقَهُ، وَبَقِيَ الْخَوَارِجُ عَلَيْهِمْ إِلَى اللَّيْلِ ثُمَّ انْصَرَفُوا ثُمَّ اقْتَتَلُوا يَوْمَ الْجُمْعَةِ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ ابْنِ عُمَرَ فَدَخَلُوا خَنَادِقَهُمْ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا يَوْمَ السَّبْتِ تَسَلَّلَ أَصْحَابُهُ نَحْوَ وَاسِطَ، وَرَأَوْا قَوْمًا لَمْ يَرَوْا أَشَدَّ بَأْسًا مِنْهُمْ.
وَكَانَ مِمَّنْ لَحِقَ بِوَاسِطَ: النَّضْرُ بْنُ سَعِيدٍ الْحَرَشِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ أَخُو خَالِدٍ، وَمَنْصُورُ بْنُ جُمْهُورٍ، وَالْأَصْبَغُ بْنُ ذُؤَالَةَ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْوُجُوهِ، وَبَقِيَ ابْنُ عُمَرَ فِيمَنْ عِنْدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ لَمْ يَبْرَحْ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: قَدْ هَرَبَ النَّاسُ فَعَلَامَ تُقِيمُ؟ فَبَقِيَ يَوْمَيْنِ لَا يُرَى إِلَّا هَارِبًا، فَرَحَلَ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى وَاسِطَ، وَاسْتَوْلَى الضَّحَّاكُ عَلَى الْكُوفَةِ وَدَخَلَهَا، وَلَمْ يَأْمَنْهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ الْكِنْدِيُّ عَلَى نَفْسِهِ فَصَارَ مَعَ الضَّحَّاكِ وَبَايَعَهُ وَصَارَ فِي عَسْكَرِهِ، فَقَالَ أَبُو عَطَاءٍ السِّنْدِيُّ لَهُ، شِعْرٌ:
فَقُلْ لِعُبَيْدِ اللَّهِ لَوْ كَانَ جَعْفَرٌ ... هُوَ الْحَيُّ لَمْ يَجْنَحْ وَأَنْتَ قَتِيلُ
وَلَمْ يَتْبَعِ الْمُرَّاقُ وَالثَّارُ فِيهِمُ ... وَفِي كَفِّهِ عَضْبُ الذُّبَابِ صَقِيلُ
إِلَى مَعْشَرٍ أَرْدَوْا أَخَاكَ وَأْكَفَرُوا ... أَبَاكَ فَمَاذَا بَعْدَ ذَاكَ تَقُولُ
فَلَمَّا بَلَغَ عُبَيْدَ اللَّهِ هَذَا الْبَيْتُ مِنْ قَوْلِ أَبِي عَطَاءٍ قَالَ: أَقُولُ أَعَضَّكَ [اللَّهُ] بِبَظْرِ أُمِّكَ:
فَلَا وَصَلَتْكَ الرِّحْمُ مِنْ ذِي قَرَابَةٍ ... وَطَالِبُ وَتْرٍ وَالذَّلِيلُ ذَلِيلُ
تَرَكْتَ أَخَا شَيْبَانَ يَسْلُبُ بَزَّهُ ... وَنَجَّاكَ خَوَّارُ الْعِنَانِ مَطُولُ
وَوَصَلَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى وَاسِطَ فَنَزَلَ بِدَارِ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ. وَعَادَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَالنَّضْرِ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ قُدُومِ الضَّحَّاكِ إِلَى النَّضْرِ يَطْلُبُ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِ ابْنُ
стр. 2313
عُمَرَ وِلَايَةَ الْعِرَاقِ بِعَهْدِ مَرْوَانَ لَهُ، وَابْنُ عُمَرَ يَمْتَنِعُ، وَسَارَ الضَّحَّاكُ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى وَاسِطَ وَاسْتَخْلَفَ مِلْجَانَ الشَّيْبَانِيَّ، وَنَزَلَ الضَّحَّاكُ بَابَ الْمِضْمَارِ.
فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ وَالنَّضْرُ تَرَكَا الْحَرْبَ بَيْنَهُمَا وَاتَّفَقَا عَلَى قِتَالِ الضَّحَّاكِ، فَلَمْ يَزَالُوا عَلَى ذَلِكَ شَعْبَانَ وَشَهْرَ رَمَضَانَ وَشَوَّالٍ وَالْقِتَالُ بَيْنَهُمْ مُتَوَاصِلٌ.
ثُمَّ إِنَّ مَنْصُورَ بْنَ جُمْهُورٍ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَؤُلَاءِ! فَلِمَ تُحَارِبُهُمْ وَتَشْغَلُهُمْ عَنْ مَرْوَانَ؟ أَعْطِهِمُ الرِّضَا وَاجْعَلْهُمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَرْوَانَ فَإِنَّهُمْ يَرْجِعُونَ عَنَّا إِلَيْهِ وَيُوسِعُونَهُ شَرًّا، فَإِنْ ظَفِرُوا بِهِ كَانَ مَا أَرَدْتَ وَكُنْتَ عِنْدَهُمْ آمِنًا، وَإِنْ ظَفِرَ بِهِمْ وَأَرَدْتَ خِلَافَهُ وَقِتَالَهُ قَاتَلْتَهُ وَأَنْتَ مُسْتَرِيحٌ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا تَعْجَلْ حَتَّى نَنْظُرَ. فَلَحِقَ بِهِمْ مَنْصُورٌ، وَنَادَاهُمْ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُسْلِمَ وَأَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ وَهِيَ حُجَّتُهُمْ، فَدَخَلَ إِلَيْهِمْ وَبَايَعَهُمْ.
ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ خَرَجَ إِلَيْهِمْ فِي شَوَّالٍ فَصَالَحَهُمْ وَبَايَعَ الضَّحَّاكُ وَمَعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
ذِكْرُ خَلْعِ أَبِي الْخَطَّارِ أَمِيرَ الْأَنْدَلُسِ وَإِمَارَةِ ثَوَابَةَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَلَعَ أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ أَبَا الْخَطَّارِ الْحُسَامَ بْنَ ضِرَارٍ أَمِيرَهُمْ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ الْأَنْدَلُسَ أَمِيرًا أَظْهَرَ الْعَصَبِيَّةَ لِلْيَمَانِيَّةِ عَلَى الْمُضَرِيَّةِ، فَاتَّفَقَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ أَنَّهُ اخْتَصَمَ رَجُلٌ مِنْ كِنَانَةَ وَرَجُلٌ مِنْ غَسَّانَ، فَاسْتَعَانَ الْكِنَانِيُّ بِالصُّمَيْلِ بْنِ حَاتِمِ بْنِ ذِي الْجَوْشَنِ الضَّبَابِيِّ، فَكَلَّمَ فِيهِ أَبَا الْخَطَّارِ، فَاسْتَغْلَظَ لَهُ أَبُو الْخَطَّارِ، فَأَجَابَهُ الصُّمَيْلُ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُقِيمَ وَضُرِبَ قَفَاهُ، فَمَالَتْ عِمَامَتُهُ، فَلَمَّا خَرَجَ قِيلَ لَهُ: نَرَى عِمَامَتَكَ مَالَتْ! فَقَالَ: إِنْ كَانَ لِي قَوْمٌ فَسَيُقِيمُونَهَا.
وَكَانَ الصُّمَيْلُ مِنْ أَشْرَافِ مُضَرَ، فَلَمَّا دَخَلَ الْأَنْدَلُسَ مَعَ بَلْجٍ شَرُفَ فِيهَا بِنَفْسِهِ وَأَوَّلِيَّتِهِ. فَلَمَّا جَرَى لَهُ مَا ذَكَرْنَاهُ جَمَعَ قَوْمَهُ وَأَعْلَمَهُمْ، فَقَالُوا لَهُ: نَحْنُ تَبَعٌ لَكَ. فَقَالَ: أُرِيدُ أَنْ أُخْرِجَ أَبَا الْخَطَّارِ مِنَ الْأَنْدَلُسِ. فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: افْعَلْ وَاسْتَعِنْ بِمَنْ شِئْتَ وَلَا تَسْتَعِنْ بِأَبِي عَطَاءٍ الْقَيْسِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ قَيْسٍ، وَكَانَ يُنَاظِرُ الصُّمَيْلَ فِي
стр. 2314
الرِّيَاسَةِ وَيَحْسُدُهُ. وَقَالَ لَهُ غَيْرُهُ: الرَّأْيُ أَنَّكَ تَأْتِي أَبَا عَطَاءٍ وَتَشُدُّ أَمْرَكَ بِهِ فَإِنَّهُ تُحَرِّكُهُ الْحَمِيَّةُ (وَيَنْصُرُكَ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ مَالَ إِلَى أَبِي الْخَطَّارِ وَأَعَانَهُ عَلَيْكَ) لِيَبْلُغَ فِيكَ مَا يُرِيدُ، وَالرَّأْيُ أَيْضًا أَنْ تَسْتَعِينَ عَلَيْهِ بِأَهْلِ الْيَمَنِ فَضْلًا عَنْ مَعَدٍّ.
فَفَعَلَ ذَلِكَ وَسَارَ مِنْ لَيْلَتِهِ إِلَى أَبِي عَطَاءٍ، وَكَانَ يَسْكُنُ مَدِينَةَ إِسْتِجَةَ، فَعَظَّمَهُ أَبُو عَطَاءٍ وَسَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ قُدُومِهِ، فَأَعْلَمَهُ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُ حَتَّى قَامَ فَرَكِبَ فَرَسَهُ وَلَبِسَ سِلَاحَهُ وَقَالَ لَهُ: انْهَضِ الْآنَ حَيْثُ شِئْتَ فَأَنَا مَعَكَ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ وَأَصْحَابَهُ بِاتِّبَاعِهِ، (فَسَارُوا إِلَى مَرْوَ، وَبِهَا ثَوَابَةُ بْنُ سَلَامَةَ الْحُدَّانِيُّ، وَكَانَ مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ) ، وَكَانَ أَبُو الْخَطَّارِ قَدِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى إِشْبِيلِيَّةَ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ عَزَلَهُ فَفَسَدَ عَلَيْهِ، فَدَعَاهُ الصُّمَيْلُ إِلَى نَصْرِهِ وَوَعَدَهُ أَنَّهُ إِذَا أَخْرَجُوا أَبَا الْخَطَّارِ صَارَ أَمِيرًا، فَأَجَابَ إِلَى نَصْرِهِ وَدَعَا قَوْمَهُ فَأَجَابُوهُ فَسَارُوا إِلَى شَدُونَةَ.
وَسَارَ إِلَيْهِمْ أَبُو الْخَطَّارِ مِنْ قُرْطُبَةَ وَاسْتَخْلَفَ بِهَا إِنْسَانًا، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ، ثُمَّ وَقَعَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى أَبِي الْخَطَّارِ، وَقُتِلَ أَصْحَابُهُ أَشَدَّ قَتْلٍ وَأُسِرَ أَبُو الْخَطَّارِ. وَكَانَ بِقُرْطُبَةَ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قَطَنٍ، فَأَخْرَجَ مِنْهَا خَلِيفَةَ أَبِي الْخَطَّارِ، وَانْتَهَبَ مَا وَجَدَ لَهُمَا فِيهَا.
وَلَمَّا انْهَزَمَ أَبُو الْخَطَّارِ سَارَ ثَوَابَةُ بْنُ سَلَامَةَ وَالصُّمَيْلُ إِلَى قُرْطُبَةَ فَمَلَكَاهَا، وَاسْتَقَرَّ ثَوَابَةُ فِي الْإِمَارَةِ، فَثَارَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ الْكَلْبِيُّ، وَأَخْرَجَ أَبَا الْخَطَّارِ مِنَ السِّجْنِ، فَاسْتَجَاشَ الْيَمَانِيَّةَ، فَاجْتَمَعَ لَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَأَقْبَلَ بِهِمْ إِلَى قُرْطُبَةَ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ ثَوَابَةُ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْيَمَانِيَّةِ وَالْمُضَرِيَّةِ مَعَ الصُّمَيْلِ. فَلَمَّا تَقَاتَلَ الطَّائِفَتَانِ نَادَى رَجُلٌ مِنْ مُضَرَ: يَا مَعْشَرَ الْيَمَانِيَّةِ! مَا بَالُكُمْ تَتَعَرَّضُونَ لِلْحَرْبِ عَلَى أَبِي الْخَطَّارِ وَقَدْ جَعَلْنَا الْأَمِيرَ مِنْكُمْ؟ يَعْنِي ثَوَابَةَ، فَإِنَّهُ مِنَ الْيَمَنِ، وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ مِنَّا لَقَدْ كُنْتُمْ تَعْتَذِرُونَ فِي قِتَالِكُمْ لَنَا، وَمَا نَقُولُ هَذَا إِلَّا تَحَرُّجًا مِنَ الدِّمَاءِ وَرَغْبَةً فِي الْعَافِيَةِ لِلْعَامَّةِ. فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ كَلَامَهُ قَالُوا: صَدَقَ وَاللَّهِ، الْأَمِيرُ مِنَّا فَمَا بَالُنَا نُقَاتِلُ قَوْمَنَا؟ فَتَرَكُوا الْقِتَالَ وَافْتَرَقَ النَّاسُ، فَهَرَبَ أَبُو الْخَطَّارِ فَلَحِقَ بِبَاجَةَ، وَرَجَعَ ثَوَابَةُ إِلَى قُرْطُبَةَ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْعَسْكَرُ عَسْكَرَ الْعَافِيَةِ.
стр. 2315
ذِكْرُ شِيعَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَوَجَّهَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَلَاهِزُ بْنُ قُرَيْظٍ وَقَحْطَبَةُ إِلَى مَكَّةَ، فَلَقُوا إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْإِمَامَ بِهَا وَأَوْصَلُوا إِلَى مَوْلًى لَهُ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ وَمِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَمِسْكًا وَمَتَاعًا كَثِيرًا، وَكَانَ مَعَهُمْ أَبُو مُسْلِمٍ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ لِإِبْرَاهِيمَ: هَذَا مَوْلَاكَ.
وَفِيهَا كَتَبَ بُكَيْرُ بْنُ مَاهَانَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ أَنَّهُ فِي الْمَوْتِ، وَأَنَّهُ قَدِ اسْتَخْلَفَ أَبَا سَلَمَةَ حَفْصَ بْنَ سُلَيْمَانَ، وَهُوَ رِضًى لِلْأَمْرِ، فَكَتَبَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِي سَلَمَةَ يَأْمُرُهُ بِالْقِيَامِ بِأَمْرِ أَصْحَابِهِ، وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ خُرَاسَانَ (يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ قَدْ أَسْنَدَ) أَمْرَهُمْ إِلَيْهِ، وَمَضَى أَبُو سَلَمَةَ إِلَى خُرَاسَانَ) ، فَصَدَّقُوهُ وَقَبِلُوا أَمْرَهُ، وَدَفَعُوا إِلَيْهِ مَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُمْ مِنْ نَفَقَاتِ الشِّيعَةِ وَخُمُسِ أَمْوَالِهِمْ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ عَامِلُ مَرْوَانَ عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ، وَكَانَ الْعَامِلُ عَلَى الْعِرَاقِ النَّضْرَ بْنَ الْحَرَشِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ ابْنِ عُمَرَ وَالضَّحَّاكِ الْخَارِجِيِّ مَا ذَكَرْنَا. وَكَانَ بِخُرَاسَانَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ، وَبِهَا مَنْ يُنَازِعُهُ فِيهَا: الْكَرْمَانِيُّ وَالْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ، وَقِيلَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ، وَعُمُرُهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً،
стр. 2316
وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ الْجَزَرِيُّ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَفِيهَا مَاتَ أَبُو حَصِينٍ عُثْمَانُ بْنُ حَصِينٍ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ، (حَصِينٌ: بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَكَسْرِ الصَّادِ) .
وَفِيهَا مَاتَ أَبُو إِسْحَاقَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّبِيعِيُّ الْهَمْدَانِيُّ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ، وَعُمُرُهُ مِائَةُ سَنَةٍ، السَّبِيعِيُّ بِفَتْحِ السِّينِ، وَكَسْرِ الْبَاءِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، (وَقِيلَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ) . وَفِيهَا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ الْأَزْدِيُّ الْبَصْرِيُّ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو بَكْرٍ، وَدَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، وَاسْمُ أَبِي هِنْدٍ دِينَارٌ مَوْلَى بَنِي قُشَيْرٍ أَبُو مُحَمَّدٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَحْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ [أَبِي] إِسْحَاقَ مَوْلَى الْحَضْرَمِيِّ، وَكَانَ إِمَامًا فِي النَّحْوِ وَاللُّغَةِ، تَعَلَّمَ ذَلِكَ مِنْ يَحْيَى بْنِ النُّعْمَانِ، وَكَانَ يَعِيبُ الْفَرَزْدَقَ فِي شِعْرِهِ وَيَنْسُبُهُ إِلَى اللَّحْنِ، فَهَجَاهُ الْفَرَزْدَقُ يَقُولُ:
فَلَوْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ مَوْلًى هَجَوْتُهُ ... وَلَكِنَّ عَبْدَ اللَّهِ مَوْلًى مُوَالِيَا
فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَقَدْ لَحَنْتَ أَيْضًا فِي قَوْلِكَ مُوَالِيَا، يَنْبَغِي أَنْ تَقُولَ: مَوْلًى مُوَالٍ.
стр. 2317
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَة]
١٢٨ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ
ذِكْرُ قَتْلِ الْحَارِثِ بْنِ سُرَيْجٍ، وَغَلَبَةُ الْكَرْمَانِيِّ عَلَى مَرْوَ
قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أَمَانِ يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ لِلْحَارِثِ بْنِ سُرَيْجٍ وَعَوْدِهِ مِنْ بِلَادِ الْمُشْرِكِينَ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَمَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَصْرٍ مِنَ الِاخْتِلَافِ.
فَلَمَّا وَلِيَ ابْنُ هُبَيْرَةَ الْعِرَاقَ كَتَبَ إِلَى نَصْرٍ بِعَهْدِهِ عَلَى خُرَاسَانَ فَبَايَعَ لِمَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ الْحَارِثُ: إِنَّمَا آمَنَنِي يَزِيدُ وَلَمْ يَؤَمِّنِّي مَرْوَانُ، وَلَا يُجِيزُ مَرْوَانُ أَمَانَ يَزِيدَ، فَلَا آمَنُهُ. فَخَالَفَ نَصْرًا. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ نَصْرٌ يَدْعُوهُ إِلَى الْجَمَاعَةِ وَيَنْهَاهُ عَنِ الْفُرْقَةِ وَإِطْمَاعِ الْعَدُوِّ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى مَا أَرَادَ وَخَرَجَ فَعَسْكَرَ، وَأَرْسَلَ إِلَى نَصْرٍ: اجْعَلِ الْأَمْرَ شُورَى، فَأَبَى نَصْرٌ، وَأَمَرَ الْحَارِثُ جَهْمَ بْنَ صَفْوَانَ، رَأْسَ الْجَهْمِيَّةِ، وَهُوَ مَوْلَى رَاسِبٍ، أَنْ يَقْرَأَ سِيرَتَهُ وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ عَلَى النَّاسِ. فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ كَثُرُوا وَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَأَرْسَلَ الْحَارِثُ إِلَى نَصْرٍ لِيَعْزِلَ سَالِمَ بْنَ أَحْوَزَ عَنْ شُرْطَتِهِ، وَيُغَيِّرَ عُمَّالَهُ، وَيُقِرَّ الْأَمْرَ بَيْنَهُمَا أَنْ يَخْتَارُوا رِجَالًا يُسَمُّونَ لَهُمْ قَوْمًا يَعْمَلُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ، فَاخْتَارَ نَصْرٌ مُقَاتِلَ بْنَ سُلَيْمَانَ وَمُقَاتِلَ بْنَ حَيَّانَ، وَاخْتَارَ الْحَارِثُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ الْجَهْضَمِيَّ وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلَةَ، وَأَمَرَ نَصْرٌ كَاتِبَهُ أَنْ يَكْتُبَ مَا يُرْضِي هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةَ مِنَ السُّنَنِ، وَمَا يَخْتَارُونَهُ مِنَ الْعُمَّالِ، فَيُوَلِّيَهُمْ ثَغْرَ سَمَرْقَنْدَ وَطَخَارِسْتَانَ.
وَكَانَ الْحَارِثُ يُظْهِرُ أَنَّهُ صَاحِبُ الرَّايَاتِ السُّودِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ نَصْرٌ: إِنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكُمْ تَهْدِمُونَ سُورَ دِمَشْقَ، وَتُزِيلُونَ مُلْكَ بَنِي أُمَيَّةَ فَخُذْ مِنِّي خَمْسَمِائَةِ رَأْسٍ وَمِائَتَيْ بَعِيرٍ وَاحْمِلْ مِنَ الْأَمْوَالِ مَا شِئْتَ وَآلَةَ الْحَرْبِ وَسِرْ، فَلَعَمْرِي لَئِنْ كُنْتَ صَاحِبَ مَا ذَكَرْتَ إِنِّي لَفِي يَدِكَ، وَإِنْ كُنْتَ لَسْتَ ذَلِكَ فَقَدْ أَهْلَكْتَ عَشِيرَتَكَ.
فَقَالَ الْحَارِثُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا حَقٌّ، وَلَكِنْ لَا يُبَايِعُنِي عَلَيْهِ مَنْ صَحِبَنِي. فَقَالَ نَصْرٌ: فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى رَأْيِكَ، فَاذْكُرِ اللَّهَ فِي عِشْرِينَ أَلْفًا مِنْ رَبِيعَةَ وَالْيَمَنِ يَهْلِكُونَ فِيمَا بَيْنَكُمْ. وَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُوَلِّيَهُ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَيُعْطِيَهُ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفٍ، فَلَمْ
стр. 2318
يَقْبَلُ، (فَقَالَ لَهُ نَصْرٌ: فَابْدَأْ بِالْكَرْمَانِيِّ فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَأَنَا فِي طَاعَتِكَ. فَلَمْ يَقْبَلْ) .
ثُمَّ تَرَاضَيَا بِأَنْ حَكَّمَا جَهْمَ بْنَ صَفْوَانَ وَمُقَاتِلَ بْنَ حَيَّانَ، فَحَكَمَا بِأَنْ يَعْتَزِلَ نَصْرٌ، وَأَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ شُورَى، فَلَمْ يَقْبَلْ نَصْرٌ. فَخَالَفَهُ الْحَارِثُ وَاتَّهَمَ نَصْرٌ قَوْمًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ كَاتَبُوا الْحَارِثَ فَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ فَقَبِلَ عُذْرَهُمْ.
وَقَدِمَ عَلَيْهِ جَمْعٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ حِينَ سَمِعُوا بِالْفِتْنَةِ، مِنْهُمْ: عَاصِمُ بْنُ عُمَيْرٍ الصُّرَيْمِيُّ، وَأَبُو الذَّيَّالِ النَّاجِيُّ، وَمُسْلِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَغَيْرُهُمْ، وَأَمَرَ الْحَارِثُ أَنْ تُقْرَأَ سِيرَتُهُ فِي الْأَسْوَاقِ وَالْمَسَاجِدِ وَعَلَى بَابِ نَصْرٍ، فَقُرِئَتْ، فَأَتَاهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَقَرَأَهَا رَجُلٌ عَلَى بَابِ نَصْرٍ، فَضَرَبَهُ غِلْمَانُ نَصْرٍ، فَنَابَذَهُمُ الْحَارِثُ وَتَجَهَّزُوا لِلْحَرْبِ، وَدَلَّ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَرْوَ الْحَارِثَ عَلَى نَقْبٍ فِي سُورِهَا، فَمَضَى الْحَارِثُ إِلَيْهِ فَنَقَبَهُ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ مِنْ نَاحِيَةِ بَابِ بَالِينَ، فَقَاتَلَهُمْ جَهْمُ بْنُ مَسْعُودٍ النَّاجِيُّ فَقُتِلَ جَهْمٌ، (وَانْتَهَبُوا مَنْزِلَ سَالِمِ بْنِ أَحْوَزَ) وَقَتَلُوا مَنْ كَانَ يَحْرُسُ بَابَ بَالِينَ، وَذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ. وَعَدَلَ الْحَارِثُ فِي سِكَّةِ السُّغْدِ، فَرَأَى أَعْيَنَ مَوْلَى حَيَّانَ، فَقَاتَلَهُ فَقُتِلَ أَعْيَنُ.
وَرَكِبَ سَالِمٌ حِينَ أَصْبَحَ وَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: مَنْ جَاءَ بِرَأْسٍ فَلَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ. فَلَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ حَتَّى انْهَزَمَ الْحَارِثُ وَقَاتَلَهُمُ اللَّيْلَ كُلَّهُ، وَأَتَى سَالِمٌ عَسْكَرَ الْحَارِثِ فَقَتَلَ كَاتِبَهُ، وَاسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ دَاوُدَ، وَقَتَلَ الرَّجُلَ الَّذِي دَلَّ الْحَارِثَ عَلَى النَّقْبِ.
وَأَرْسَلَ نَصْرٌ إِلَى الْكَرْمَانِيِّ، فَأَتَاهُ عَلَى عَهْدٍ وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ، فَوَقَعَ بَيْنَ سَالِمِ بْنِ أَحْوَزَ وَمِقْدَامِ بْنِ نُعَيْمٍ كَلَامٌ، فَأَغْلَظَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، فَأَعَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَفَرٌ مِنَ الْحَاضِرِينَ، فَخَافَ الْكَرْمَانِيُّ أَنْ يَكُونَ مَكْرًا مِنْ نَصْرٍ فَقَامَ وَتَعَلَّقُوا بِهِ فَلَمْ يَجْلِسْ، وَرَكِبَ فَرَسَهُ وَرَجَعَ وَقَالَ: أَرَادَ نَصْرٌ الْغَدْرَ بِي.
وَأُسِرَ يَوْمَئِذٍ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ، وَكَانَ مَعَ الْكَرْمَانِيِّ، فَقُتِلَ، وَأَرْسَلَ الْحَارِثُ ابْنَهُ حَاتِمًا إِلَى الْكَرْمَانِيِّ، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى: هُمَا عَدُوَّاكَ دَعْهُمَا يَضْطَرِبَانِ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ رَكِبَ الْكَرْمَانِيُّ إِلَى بَابِ مَيْدَانِ يَزِيدَ فَقَاتَلَ أَصْحَابَ نَصْرٍ، وَأَقْبَلَ الْكَرْمَانِيُّ إِلَى بَابِ حَرْبِ بْنِ عَامِرٍ وَوَجَّهَ أَصْحَابَهُ إِلَى نَصْرٍ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَتَرَامَوْا ثُمَّ تَحَاجَزُوا، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْخَمِيسِ قِتَالٌ، وَالْتَقَوْا يَوْمَ الْجُمْعَةِ فَانْهَزَمَتِ الْأَزْدُ حَتَّى وَصَلُوا إِلَى الْكَرْمَانِيِّ،
стр. 2319
فَأَخَذَ اللِّوَاءَ بِيَدِهِ فَقَاتَلَ بِهِ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُ نَصْرٍ وَأَخَذُوا لَهُمْ ثَمَانِينَ فَرَسًا، وَصُرِعَ تَمِيمُ بْنُ نَصْرٍ وَأَخَذُوا لَهُ بِرْذَوْنَيْنِ، وَسَقَطَ سَالِمُ بْنُ أَحْوَزَ فَحُمِلَ إِلَى عَسْكَرِ نَصْرٍ. فَلَمَّا كَانَ بَعْضُ اللَّيْلِ خَرَجَ نَصْرٌ مِنْ مَرْوَ، وَقُتِلَ عِصْمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ، فَكَانَ يَحْمِي أَصْحَابَ نَصْرٍ، وَاقْتَتَلُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ الْكَرْمَانِيِّ فِي آخِرِ يَوْمٍ، وَهُمُ الْأَزْدُ وَرَبِيعَةُ، فَنَادَى الْخَلِيلُ بْنُ غَزْوَانَ: يَا مَعْشَرَ رَبِيعَةَ وَالْيَمَنِ قَدْ دَخَلَ الْحَارِثُ السُّوقَ وَقَتَلَ ابْنَ الْأَقْطَعِ! يَعْنِي نَصْرَ بْنَ سَيَّارٍ، فَفَتَّ فِي أَعْضَادِ الْمُضَرِيَّةِ، وَهُمْ أَصْحَابُ نَصْرٍ، فَانْهَزَمُوا، وَتَرَجَّلَ تَمِيمُ بْنُ نَصْرٍ فَقَاتَلَ.
فَلَمَّا هَزَمَتِ الْيَمَانِيَّةُ مُضَرًا أَرْسَلَ الْحَارِثُ إِلَى نَصْرٍ: إِنَّ الْيَمَانِيَّةَ يُعَيِّرُونَنِي بِانْهِزَامِكُمْ وَأَنَا كَافٌّ، فَاجْعَلْ حُمَاةَ أَصْحَابِكَ بِإِزَاءِ الْكَرْمَانِيِّ. فَأَخَذَ عَلَيْهِ نَصْرٌ الْعُهُودَ بِذَلِكَ. وَقَدِمَ عَلَى نَصْرٍ عَبْدُ الْحَكِيمِ بْنُ سَعِيدٍ الْعَوْذِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ عِيسَى بْنُ جُرْزٍ مِنْ مَكَّةَ، فَقَالَ نَصْرٌ لِعَبْدِ الْحَكِيمِ الْعَوْذِيِّ، وَهُمْ بَطْنٌ مِنَ الْأَزْدِ: أَمَا تَرَى مَا فَعَلَ سُفَهَاءُ قَوْمِكَ؟ فَقَالَ: بَلْ سُفَهَاءُ قَوْمِكَ طَالَتْ وِلَايَتُهَا بِوِلَايَتِكَ [وَصَيَّرْتَ الْوِلَايَةَ لِقَوْمِكَ] دُونَ رَبِيعَةَ وَالْيَمَنِ فَبَطِرُوا، وَفِي رَبِيعَةَ وَالْيَمَنِ عُلَمَاءُ وَسُفَهَاءُ، فَغَلَبَ السُّفَهَاءُ الْعُلَمَاءَ. فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عِيسَى لِنَصْرٍ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ حَسْبُكَ مِنِ الْوِلَايَةِ وَهَذِهِ الْأُمُورِ، فَإِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، سَيَقُومُ رَجُلٌ مَجْهُولُ النَّسَبِ يُظْهِرُ السَّوَادَ، وَيَدْعُو إِلَى دَوْلَةٍ تَكُونُ، فَيَغْلِبُ عَلَى الْأَمْرِ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ. فَقَالَ نَصْرٌ: مَا أَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ كَمَا تَقُولُ لِقِلَّةِ الْوَفَاءِ وَسُوءِ ذَاتِ الْبَيْنِ! فَقَالَ: إِنَّ الْحَارِثَ مَقْتُولٌ مَصْلُوبٌ، وَمَا الْكَرْمَانِيُّ مِنْ ذَلِكَ بِبَعِيدٍ.
فَلَمَّا خَرَجَ نَصْرٌ مِنْ مَرْوَ غَلَبَ عَلَيْهَا الْكَرْمَانِيُّ، وَخَطَبَ النَّاسَ فَآمَنَهُمْ، وَهَدَمَ الدُّورَ وَنَهَبَ الْأَمْوَالَ، فَأَنْكَرَ الْحَارِثُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَهَمَّ الْكَرْمَانِيُّ بِهِ ثُمَّ تَرَكَهُ.
وَاعْتَزَلَ بِشْرُ بْنُ جُرْمُوزٍ فِي خَمْسَةِ آلَافٍ وَقَالَ لِلْحَارِثِ: إِنَّمَا قَاتَلْتُ مَعَكَ طَلَبَ الْعَدْلِ، فَأَمَّا إِذْ كُنْتَ مَعَ الْكَرْمَانِيِّ فَمَا تُقَاتِلُ إِلَّا لِيُقَالَ غَلَبَ الْحَارِثُ، وَهَؤُلَاءِ يُقَاتِلُونَ عَصَبِيَّةً، فَلَسْتُ مُقَاتِلًا مَعَكَ، فَنَحْنُ الْفِئَةُ الْعَادِلَةُ لَا نُقَاتِلُ إِلَّا مَنْ يُقَاتِلُنَا.
стр. 2320
وَأَتَى الْحَارِثُ مَسْجِدَ عِيَاضٍ وَأَرْسَلَ إِلَى الْكَرْمَانِيِّ يَدْعُوهُ إِلَى أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ شُورَى، فَأَبَى الْكَرْمَانِيُّ، فَانْتَقَلَ الْحَارِثُ عَنْهُ وَأَقَامُوا أَيَّامًا.
ثُمَّ إِنَّ الْحَارِثَ أَتَى السُّورَ فَثَلَمَ فِيهِ ثُلْمَةً وَدَخَلَ الْبَلَدَ، وَأَتَى الْكَرْمَانِيَّ فَاقْتَتَلُوا فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، فَانْهَزَمَ الْحَارِثُ وَقَتَلُوا مَا بَيْنَ الثُّلْمَةِ وَعَسْكَرِهِمْ وَالْحَارِثُ عَلَى بَغْلٍ، فَنَزَلَ عَنْهُ وَرَكِبَ فَرَسًا وَبَقِيَ فِي مِائَةٍ، فَقُتِلَ عِنْدَ شَجَرَةِ زَيْتُونٍ أَوْ غُبَيْرَاءَ، وَقُتِلَ أَخُوهُ سَوَادَةُ وَغَيْرُهُمَا.
وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّ الْكَرْمَانِيَّ خَرَجَ إِلَى بِشْرِ بْنِ جُرْمُوزٍ، الَّذِي ذَكَرْنَا اعْتِزَالَهُ، وَمَعَهُ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ، فَأَقَامَ الْكَرْمَانِيُّ أَيَّامًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَسْكَرِ بِشْرٍ فَرْسَخَانِ، ثُمَّ قَرُبَ مِنْهُ لِيُقَاتِلَهُ، فَنَدِمَ الْحَارِثُ عَلَى اتِّبَاعِ الْكَرْمَانِيِّ وَقَالَ: لَا تَعْجَلْ إِلَى قِتَالِهِمْ فَأَنَا أَرُدُّهُمْ عَلَيْكَ. فَخَرَجَ فِي عَشَرَةِ فَوَارِسَ، فَأَتَى عَسْكَرَ بِشْرٍ فَأَقَامَ مَعَهُمْ، وَخَرَجَ الْمُضَرِيَّةُ أَصْحَابُ الْحَارِثِ مِنْ عَسْكَرِ الْكَرْمَانِيِّ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَ الْكَرْمَانِيِّ مُضَرِيٌّ غَيْرُ سَلَمَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَمْ أَرَ الْحَارِثَ إِلَّا غَادِرًا. وَغَيْرُ الْمُهَلَّبِ بْنِ إِيَاسٍ فَإِنَّهُ قَالَ: لَمْ أَرَ الْحَارِثَ قَطُّ إِلَّا فِي خَيْلٍ تُطْرَدُ، فَقَاتَلَهُمُ الْكَرْمَانِيُّ مِرَارًا، يَقْتَتِلُونَ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى خَنَادِقِهِمْ، مَرَّةً لِهَؤُلَاءِ وَمَرَّةً لِهَؤُلَاءِ.
ثُمَّ إِنَّ الْحَارِثَ ارْتَحَلَ بَعْدَ أَيَّامٍ فَنَقَبَ سُورَ مَرْوَ وَدَخَلَهَا، وَتَبِعَهُ الْكَرْمَانِيُّ فَدَخَلَهَا أَيْضًا، فَقَالَتِ الْمُضَرِيَّةُ لِلْحَارِثِ: تَرَكْنَا الْخَنَادِقَ فَهُوَ يَوْمُنَا، وَقَدْ فَرَرْتَ غَيْرَ مَرَّةٍ فَتَرَجَّلْ. فَقَالَ: أَنَا لَكُمْ فَارِسًا خَيْرٌ مِنِّي لَكُمْ رَاجِلًا. فَقَالُوا: لَا نَرْضَى إِلَّا أَنْ تَتَرَجَّلَ، وَتَرَجَّلَ فَاقْتَتَلُوا هُمْ وَالْكَرْمَانِيُّ، فَقُتِلَ الْحَارِثُ وَأَخُوهُ بِشْرُ بْنُ جُرْمُوزَ وَعِدَّةٌ مِنْ فُرْسَانِ تَمِيمٍ وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ وَصَفَتْ مَرْوُ لِلْيَمَنِ، فَهَدَمُوا دُورَ الْمُضَرِيَّةِ، فَقَالَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ لِلْحَارِثِ حِينَ قُتِلَ، شِعْرٌ:
يَا مُدْخِلَ الذُّلِّ عَلَى قَوْمِهِ ... بُعْدًا وَسُحْقًا لَكَ مِنْ هَالِكِ
شُؤْمُكُ أَرْدَى مُضَرًا كُلَّهَا ... وَحَزَّ مِنْ قَوْمِكَ بِالْحَارِكِ
مَا كَانَتِ الْأَزْدُ وَأَشْيَاعُهَا ... تَطْمَعُ فِي عَمْرٍو وَلَا مَالِكِ
وَلَا بَنِي سَعْدٍ إِذَا أَلْجَمُوا ... كُلَّ طِمِرٍّ لَوْنُهُ حَالِكِ
стр. 2321
عَمْرٌو وَمَالِكٌ وَسَعْدٌ: بُطُونٌ مِنْ تَمِيمٍ. وَقِيلَ: بَلْ قَالَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ نَصْرٌ لِعُثْمَانَ بْنِ صَدَقَةَ، وَقَالَتْ أُمُّ كَثِيرٍ الضَّبِّيَّةُ، شِعْرٌ:
لَا بَارَكَ اللَّهُ فِي أُنْثَى وَعَذَّبَهَا ... تَزَوَّجَتْ مُضَرِيًّا آخِرَ الدَّهْرِ
أَبْلِغْ رِجَالَ تَمِيمٍ قَوْلَ مُوجَعَةٍ ... أَحْلَلْتُمُوهَا بِدَارِ الذُّلِّ وَالْفَقْرِ
إِنْ أَنْتُمُ لَمْ تَكِرُّوا بَعْدَ جَوْلَتِكُمْ ... حَتَّى تُعِيدُوا رِجَالَ الْأَزْدِ فِي الظُّهْرِ
إِنِّي اسْتَحَيْتُ لَكُمْ مِنْ بَعْدِ طَاعَتِكُمْ ... هَذَا الْمَزُونِيَّ يَجْبِيكُمْ عَلَى قَهْرِ
ذِكْرُ شِيعَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَجَّهَ إِبْرَاهِيمُ الْإِمَامُ أَبَا مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيَّ، وَاسْمَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى خُرَاسَانَ، وَعُمْرُهُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَتَبَ إِلَى أَصْحَابِهِ: إِنِّي قَدْ أَمَرْتُهُ بِأَمْرِي فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، فَإِنِّي قَدْ أَمَّرْتُهُ عَلَى خُرَاسَانَ وَمَا غَلَبَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ. فَأَتَاهُمْ فَلَمْ يَقْبَلُوا قَوْلَهُ وَخَرَجُوا مِنْ قَابِلٍ فَالْتَقَوْا بِمَكَّةَ عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ، فَأَعْلَمَهُ أَبُو مُسْلِمٍ أَنَّهُمْ لَمْ يُنْفِذُوا كِتَابَهُ وَأَمْرَهُ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: قَدْ عَرَضْتُ هَذَا الْأَمْرَ عَلَى غَيْرِ وَاحِدٍ وَأَبَوْهُ عَلَيَّ.
وَكَانَ قَدْ عَرَضَهُ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ، فَقَالَ: لَا أَلِي عَلَى اثْنَيْنِ أَبَدًا. ثُمَّ عَرَضَهُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَلَمَةَ فَأَبَى، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ قَدْ أَجْمَعَ رَأْيَهُ عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ، وَأَمَرَهُمْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ رَجُلٌ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ، احْفَظْ وَصِيَّتِي، انْظُرْ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الْيَمَنِ فَالْزَمْهُمْ وَاسْكُنْ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُتِمُّ هَذَا الْأَمْرَ إِلَّا بِهِمْ، فَاتَّهِمْ رَبِيعَةَ فِي أَمْرِهُمْ، وَأَمَا مُضَرُ فَإِنَّهُمُ الْعَدُوُّ الْقَرِيبُ الدَّارِ، وَاقْتُلْ مَنْ شَكَكْتَ فِيهِ، وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تَدَعَ بِخُرَاسَانَ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِالْعَرَبِيَّةِ فَافْعَلْ، وَأَيُّمَا غُلَامٍ بَلَغَ خَمْسَةَ أَشْبَارٍ تَتَّهِمُهُ فَاقْتُلْهُ، وَلَا تُخَالِفْ هَذَا الشَّيْخَ، يَعْنِي سُلَيْمَانَ بْنَ كَثِيرٍ، وَلَا تَعْصِهِ، وَإِذَا أَشْكَلَ عَلَيْكَ أَمْرٌ فَاكْتَفِ بِهِ مِنِّي.
стр. 2322
وَسَيَرِدُ مِنْ خَبَرِ أَبِي مُسْلِمٍ غَيْرُ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ قَتْلِ الضَّحَّاكِ الْخَارِجِيِّ
قَدْ ذَكَرْنَا مُحَاصَرَةَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ الْخَارِجِيِّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِوَاسِطَ، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِ الْحِصَارُ أُشِيرَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَدْفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ إِلَى مَرْوَانَ، فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ إِلَيْهِ: إِنَّ مُقَامَكُمْ عَلَيَّ لَيْسَ بِشَيْءٍ، هَذَا مَرْوَانُ فَسِرْ إِلَيْهِ فَإِنْ قَاتَلْتَهُ فَأَنَا مَعَكَ. فَصَالَحَهُ وَخَرَجَ إِلَيْهِ وَصَلَّى خَلْفَهُ، فَانْصَرَفَ إِلَى الْكُوفَةِ، وَأَقَامَ ابْنُ عُمَرَ بِوَاسِطَ، وَكَاتَبَ أَهْلُ الْمَوْصِلِ الضَّحَّاكَ لِيَقْدَمَ عَلَيْهِمْ لِيُمَكِّنُوهُ مِنْهَا، فَسَارَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ جُنُودِهِ بَعْدَ عِشْرِينَ شَهْرًا حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهَا، وَعَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ لِمَرْوَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ يُقَالُ لَهُ الْقَطِرَانُ بْنُ أَكْمَهَ، فَفَتَحَ أَهْلُ الْمَوْصِلِ الْبَلَدَ، فَدَخَلَهُ الضَّحَّاكُ وَقَاتَلَهُمُ الْقَطِرَانُ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَهُمْ عِدَّةٌ يَسِيرَةٌ حَتَّى قُتِلُوا، وَاسْتَوْلَى الضَّحَّاكُ عَلَى الْمَوْصِلِ وَكُوَرِهَا.
وَبَلَغَ مَرْوَانَ خَبَرُهُ وَهُوَ مُحَاصِرٌ حِمْصَ مُشْتَغِلٌ بِقِتَالِ أَهْلِهَا، فَكَتَبَ إِلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ خَلِيفَتُهُ بِالْجَزِيرَةِ، يَأْمُرُهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى نَصِيبِينَ فِيمَنْ مَعَهُ يَمْنَعُ الضَّحَّاكَ عَنْ تَوَسُّطِ الْجَزِيرَةِ، فَسَارَ إِلَيْهَا فِي سَبْعَةِ آلَافٍ أَوْ ثَمَانِيَةِ آلَافٍ، وَسَارَ الضَّحَّاكُ إِلَى نَصِيبِينَ فَحَصَرَ عَبْدَ اللَّهِ فِيهَا، وَكَانَ مَعَ الضَّحَّاكِ مَا يَزِيدُ عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ، وَوَجَّهَ قَائِدَيْنِ مِنْ قُوَّادِهِ إِلَى الرَّقَّةِ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ أَوْ خَمْسَةِ آلَافٍ، فَقَاتَلَهُ مَنْ بِهَا، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ مَرْوَانُ مَنْ رَحَّلَهُمْ عَنْهَا.
ثُمَّ إِنَّ مَرْوَانَ سَارَ إِلَى الضَّحَّاكِ فَالْتَقَوْا بِنَوَاحِي كَفَرْتُوثَا مِنْ أَعْمَالِ مَارْدِينَ فَقَاتَلَهُ يَوْمَهُ أَجْمَعَ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْمَسَاءِ تَرَجَّلَ الضَّحَّاكُ وَمَعَهُ مِنْ ذَوِي الثَّبَاتِ وَأَرْبَابِ الْبَصَائِرِ نَحْوٌ مِنْ سِتَّةِ آلَافٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَكْثَرُ أَهْلِ عَسْكَرِهِ بِمَا كَانَ، فَأَحْدَقَتْ بِهِمْ خُيُولُ مَرْوَانَ وَأَلَحُّوا عَلَيْهِمِ فِي الْقِتَالِ حَتَّى قَتَلُوهُمْ عِنْدَ الْعَتَمَةِ، وَانْصَرَفَ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ الضَّحَّاكِ عِنْدَ الْعَتَمَةِ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَلَمْ يَعْلَمُوا بِقَتْلِ الضَّحَّاكِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ مَرْوَانُ أَيْضًا. وَجَاءَ بَعْضُ مَنْ عَايَنَهُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَأَخْبَرَهُمْ، فَبَكَوْا وَنَاحُوا عَلَيْهِ، وَخَرَجَ قَائِدٌ مِنْ قُوَّادِهِ إِلَى مَرْوَانَ فَأَخْبَرَهُ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ النِّيرَانَ وَالشَّمْعَ فَطَافُوا عَلَيْهِ فَوَجَدُوهُ قَتِيلًا وَفِي وَجْهِهِ وَفِي رَأْسِهِ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ ضَرْبَةً، فَكَبَّرُوا، فَعَرَفَ عَسْكَرُ الضَّحَّاكِ أَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا بِقَتْلِهِ، وَبَعَثَ مَرْوَانُ رَأْسَهُ إِلَى مَدَائِنِ الْجَزِيرَةِ فَطِيفَ بِهِ فِيهَا.
стр. 2323
وَقِيلَ: إِنَّ الضَّحَّاكَ وَالْخَيْبَرِيَّ إِنَّمَا قُتِلَا سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ.
ذِكْرُ قَتْلِ الْخَيْبَرِيِّ وَوِلَايَةِ شَيْبَانَ
وَلَمَّا قُتِلَ الضَّحَّاكُ أَصْبَحَ أَهْلُ عَسْكَرِهِ فَبَايَعُوا الْخَيْبَرِيَّ، وَأَقَامُوا يَوْمَئِذٍ وَغَادَوْهُ الْقِتَالَ مِنْ بَعْدِ الْغَدِ، وَصَافُّوهُ وَصَافَّهُمْ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَعَ الْخَيْبَرِيِّ، وَكَانَ قَبْلَهُ مَعَ الضَّحَّاكِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا سَبَبَ قُدُومِهِ.
وَقِيلَ: بَلْ قَدِمَ عَلَى الضَّحَّاكِ وَهُوَ بِنَصِيبِينَ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَمَوَالِيهِ، فَتَزَوَّجَ أُخْتَ شَيْبَانَ الْحَرُورِيِّ الَّذِي بُويِعَ بَعْدَ قَتْلِ الْخَيْبَرِيِّ، فَحَمَلَ الْخَيْبَرِيُّ عَلَى مَرْوَانَ فِي نَحْوٍ مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ فَارِسٍ مِنَ الشُّرَاةِ، فَهَزَمَ مَرْوَانَ، وَهُوَ فِي الْقَلْبِ، وَخَرَجَ مَرْوَانُ مِنَ الْعَسْكَرِ مُنْهَزِمًا، وَدَخَلَ الْخَيْبَرِيُّ وَمَنْ مَعَهُ عَسْكَرَهُ يُنَادُونَ بِشِعَارِهِمْ وَيَقْتُلُونَ مَنْ أَدْرَكُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى خَيْمَةِ مَرْوَانَ نَفْسِهِ فَقَطَعُوا أَطْنَابَهَا، وَجَلَسَ الْخَيْبَرِيُّ عَلَى فَرْشِهِ. وَمَيْمَنَةُ مَرْوَانَ وَعَلَيْهَا ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ ثَابِتَةٌ، وَمَيْسَرَتُهُ ثَابِتَةٌ، وَعَلَيْهَا إِسْحَاقُ بْنُ مُسْلِمٍ الْعَقِيلِيُّ، فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ الْعَسْكَرِ قِلَّةَ مَنْ مَعَ الْخَيْبَرِيِّ ثَارَ إِلَيْهِ عَبِيدُهُمْ بِعُمُدِ الْخِيَمِ فَقَتَلُوا الْخَيْبَرِيَّ وَأَصْحَابَهُ جَمِيعًا فِي خَيْمَةِ مَرْوَانَ وَحَوْلَهَا.
وَبَلَغَ مَرْوَانَ الْخَبَرُ وَقَدْ جَازَ الْعَسْكَرُ بِخَمْسَةِ أَمْيَالٍ أَوْ سِتَّةٍ مُنْهَزِمًا، فَانْصَرَفَ إِلَى عَسْكَرِهِ وَرَدَّ خُيُولَهُ عَنْ مَوَاقِعِهَا وَبَاتَ لَيْلَتَهُ فِي عَسْكَرِهِ، وَانْصَرَفَ أَهْلُ عَسْكَرِ الْخَيْبَرِيِّ فَوَلَّوْا عَلَيْهِمْ شَيْبَانَ وَبَايَعُوهُ، فَقَاتَلَهُمْ مَرْوَانُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْكَرَادِيسِ، وَأَبْطَلَ الصَّفَّ مُنْذُ يَوْمِئِذٍ.
ذِكْرُ خَبَرِ أَبِي حَمْزَةَ الْخَارِجِيِّ مَعَ طَالِبِ الْحَقِّ
كَانَ اسْمُ أَبِي حَمْزَةَ الْخَارِجِيِّ الْمُخْتَارَ بْنَ عَوْفٍ الْأَزْدِيَّ السُّلَمِيَّ الْبَصْرِيَّ، وَكَانَ أَوَّلُ أَمْرِهِ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْخَوَارِجِ الْإِبَاضِيَّةِ، يُوَافِي كُلَّ سَنَةٍ مَكَّةَ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى خِلَافِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى وَافَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَحْيَى الْمَعْرُوفَ بِطَالِبِ الْحَقِّ فِي آخِرِ سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَجُلُ أَسْمَعُ كَلَامًا حَسَنًا، وَأَرَاكَ تَدْعُو إِلَى حَقٍّ، فَانْطَلِقْ مَعِي فَإِنِّي رَجُلٌ مُطَاعٌ فِي قَوْمِهِ.
стр. 2324
فَخَرَجَ حَتَّى وَرَدَ حَضْرَمَوْتَ، فَبَايَعَهُ أَبُو حَمْزَةَ عَلَى الْخِلَافَةِ، دَعَا إِلَى خِلَافِ مَرْوَانَ وَآلِ مَرْوَانَ. وَكَانَ أَبُو حَمْزَةَ اجْتَازَ مَرَّةً بِمَعْدِنِ بَنِي سُلَيْمٍ، وَالْعَامِلُ عَلَيْهِ كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَسَمِعَ كَلَامَ أَبِي حَمْزَةَ فَجَلَدَهُ أَرْبَعِينَ سَوْطًا، فَلَمَّا مَلَكَ أَبُو حَمْزَةَ الْمَدِينَةَ وَافْتَتَحَهَا تَغَيَّبَ كَثِيرٌ حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِهِمَا مَا كَانَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ مَرْوَانُ يَزِيدَ بْنَ هُبَيْرَةَ إِلَى الْعِرَاقِ لِقِتَالِ مَنْ بِهِ مِنَ الْخَوَارِجِ فِي قَوْلٍ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ عَامِلُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.
وَكَانَ بِالْعِرَاقِ عُمَّالُ الضَّحَّاكِ الْخَارِجِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ: ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، وَبِخُرَاسَانَ: نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ، وَالْفِتْنَةُ بِهَا قَائِمَةٌ. [الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ صَاحِبُ الْقِرَاءَاتِ. وَيَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ الثَّقَفِيُّ الْمَدَنِيُّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ، وَكَانَ مِنْ غُلَاةِ الشِّيعَةِ يَقُولُ بِالرَّجْعَةِ. وَفِيهَا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ تَدْرُسَ أَبُو الزُّبَيْرِ الْمَكِّيُّ.
стр. 2325
وَجَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ. وَأَبُو قَبِيلٍ الْمَعَافِرِيُّ، وَاسْمُهُ حُيَيُّ بْنُ هَانِئٍ الْمُضَرِيُّ، (قَبِيلٌ: بِفَتْحِ الْقَافِ، وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ) .
وَسَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ الثَّوْرِيُّ وَالِدُ سُفْيَانَ، وَكَانَ ثِقَةً فِي الْحَدِيثِ.
стр. 2326
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَة]
١٢٩ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ
ذِكْرُ شَيْبَانَ الْحَرُورِيِّ إِلَى أَنْ قُتِلَ
وَهُوَ شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبُو الدُّلَفِ الْيَشْكُرِيُّ.
وَكَانَ سَبَبُ هَلَاكِهِ أَنَّ الْخَوَارِجَ لَمَّا بَايَعُوهُ بَعْدَ قَتْلِ الْخَيْبَرِيِّ أَقَامَ يُقَاتِلُ مَرْوَانَ، وَتَفَرَّقَ عَنْ شَيْبَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ الطَّمَعِ، فَبَقِيَ فِي نَحْوِ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَأَشَارَ عَلَيْهِمْ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ أَنْ يَنْصَرِفُوا إِلَى الْمَوْصِلِ فَيَجْعَلُوهَا ظَهْرَهُمْ، فَارْتَحَلُوا وَتَبِعَهُمْ مَرْوَانُ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْمَوْصِلِ، فَعَسْكَرُوا شَرْقِيَّ دِجْلَةَ وَعَقَدُوا جُسُورًا عَلَيْهَا مِنْ عَسْكَرِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَكَانَتْ مِيرَتُهُمْ وَمَرَافِقُهُمْ مِنْهَا، وَخَنْدَقَ مَرْوَانُ بِإِزَائِهِمْ، وَكَانَ الْخَوَارِجُ قَدْ نَزَلُوا بِالْكَارِ وَمَرْوَانُ بِخُصَّةَ، وَكَانَ أَهْلُ الْمَوْصِلِ يُقَاتِلُونَ مَعَ الْخَوَارِجِ، فَأَقَامَ مَرْوَانُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يُقَاتِلُهُمْ، وَقِيلَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ.
وَأُتِيَ مَرْوَانُ بِابْنِ أَخٍ لِسُلَيْمَانَ بْنِ هِشَامٍ يُقَالُ لَهُ أُمَيَّةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ، وَكَانَ مَعَ عَمِّهِ سُلَيْمَانَ فِي عَسْكَرِ شَيْبَانَ أَسِيرًا، فَقَطَعَ يَدَيْهِ وَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَعَمُّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ.
وَكَتَبَ مَرْوَانُ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ مِنْ قَرْقِيسِيَا بِجَمِيعِ مَنْ مَعَهُ إِلَى الْعِرَاقِ، وَعَلَى الْكُوفَةِ الْمُثَنَّى بْنُ عِمْرَانَ الْعَائِذِيُّ، عَائِذَةُ قُرَيْشٍ، وَهُوَ خَلِيفَةٌ لِلْخَوَارِجِ بِالْعِرَاقِ، فَلَقِيَ ابْنَ هُبَيْرَةَ بِعَيْنِ التَّمْرِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْصَرَفَتِ الْخَوَارِجُ (ثُمَّ اجْتَمَعُوا بِالْكُوفَةِ بِالنَّخِيلَةِ، فَهَزَمَهُمُ ابْنُ هُبَيْرَةَ. ثُمَّ اجْتَمَعُوا بِالْبَصْرَةِ، فَأَرْسَلَ شَيْبَانُ إِلَيْهِمْ عُبَيْدَةَ بْنَ سَوَّارٍ فِي خَيْلٍ عَظِيمَةٍ، فَالْتَقَوْا بِالْبَصْرَةِ، فَانْهَزَمَتِ الْخَوَارِجُ) وَقُتِلَ عُبَيْدَةُ،
стр. 2327
وَاسْتَبَاحَ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَسْكَرَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ هِمَّةٌ بِالْعِرَاقِ، وَاسْتَوْلَى ابْنُ هُبَيْرَةَ عَلَى الْعِرَاقِ.
وَكَانَ مَنْصُورُ بْنُ جُمْهُورٍ مَعَ الْخَوَارِجِ فَانْهَزَمَ وَغَلَبَ عَلَى الْمَاهَيْنِ وَعَلَى الْجَبَلِ أَجْمَعَ، وَسَارَ ابْنُ هُبَيْرَةَ إِلَى وَاسِطَ فَأَخَذَ ابْنَ عُمَرَ فَحَبَسَهُ، وَوَجَّهَ نَبَاتَةَ بْنَ حَنْظَلَةَ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ حَبِيبٍ، وَهُوَ عَلَى كُوَرِ الْأَهْوَازِ، فَسَمِعَ سُلَيْمَانُ الْخَبَرَ فَأَرْسَلَ إِلَى نَبَاتَةَ دَاوُدَ بْنَ حَاتِمٍ، فَالْتَقَوْا بِالْمَرَّتَانِ عَلَى شَاطِئِ دُجَيْلٍ، فَانْهَزَمَ النَّاسُ وَقُتِلَ دَاوُدُ بْنُ حَاتِمٍ.
وَكَتَبَ مَرْوَانُ إِلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ لَمَّا اسْتَوْلَى عَلَى الْعِرَاقِ يَأْمُرُهُ بِإِرْسَالِ عَامِرِ بْنِ ضُبَارَةَ الْمُرِّيِّ إِلَيْهِ، فَسَيَّرَهُ فِي سَبْعَةِ آلَافٍ أَوْ ثَمَانِيَةِ آلَافٍ، فَبَلَغَ شَيْبَانَ خَبَرُهُ فَأَرْسَلَ الْجَوْنَ بْنَ كِلَابٍ الْخَارِجِيَّ فِي جَمْعٍ، فَلَقُوا عَامِرًا بِالسِّنِّ فَهَزَمُوهُ وَمَنْ مَعَهُ، فَدَخَلَ السِّنَّ وَتَحَصَّنَ فِيهِ، وَجَعَلَ مَرْوَانُ يُمِدُّهُ بِالْجُنُودِ عَلَى طَرِيقِ الْبَرِّ حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى السِّنِّ، فَكَثُرَ جَمْعُ عَامِرٍ.
وَكَانَ مَنْصُورُ بْنُ جُمْهُورٍ يُمِدُّ شَيْبَانَ مِنَ الْجَبَلِ بِالْأَمْوَالِ، فَلَمَّا كَثُرَ مَنْ مَعَ عَامِرٍ نَهَضَ إِلَى الْجَوْنِ وَالْخَوَارِجِ فَقَاتَلَهُمْ فَهَزَمَهُمْ، وَقُتِلَ الْجَوْنُ، وَسَارَ ابْنُ ضُبَارَةَ مُصْعِدًا إِلَى الْمَوْصِلِ.
فَلَمَّا انْتَهَى خَبَرُ قَتْلِ الْجَوْنِ إِلَى شَيْبَانَ وَمَسِيرِ عَامِرٍ نَحْوَهُ كَرِهَ أَنْ يُقِيمَ بَيْنَ الْعَسْكَرَيْنِ فَارْتَحَلَ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَقَدِمَ عَامِرٌ عَلَى مَرْوَانَ بِالْمَوْصِلِ، فَسَيَّرَهُ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ فِي أَثَرِ شَيْبَانَ، فَإِنْ أَقَامَ أَقَامَ، وَإِنْ سَارَ سَارَ، وَأَنْ لَا يَبْدَأَهُ بِقِتَالٍ، فَإِنْ قَاتَلَهُ شَيْبَانُ قَاتَلَهُ، وَإِنْ أَمْسَكَ أَمْسَكَ عَنْهُ، وَإِنِ ارْتَحَلَ اتَّبَعَهُ. فَكَانَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَرَّ عَلَى الْجَبَلِ، وَخَرَجَ عَلَى بَيْضَاءِ فَارِسَ وَبِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ جَعْفَرٍ فِي جُمُوعٍ كَثِيرَةٍ، فَلَمْ يَتَهَيَّأِ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا، فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ جِيرَفْتَ مِنْ كَرْمَانَ، فَانْهَزَمَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ فَلَحِقَ بِهَرَاةَ، وَسَارَ ابْنُ ضُبَارَةَ بِمَنْ مَعَهُ فَلَقِيَ شَيْبَانَ بِجِيرَفْتَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا فَانْهَزَمَتِ الْخَوَارِجُ وَاسْتُبِيحَ عَسْكَرُهُمْ، وَمَضَى شَيْبَانُ إِلَى سِجِسْتَانَ فَهَلَكَ بِهَا، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ.
وَقِيلَ: بَلْ كَانَ قِتَالُ مَرْوَانَ وَشَيْبَانَ عَلَى الْمَوْصِلِ مِقْدَارَ شَهْرٍ، ثُمَّ انْهَزَمَ شَيْبَانُ حَتَّى لَحِقَ بِفَارِسَ وَعَامِرُ بْنُ ضُبَارَةَ يَتْبَعُهُ، وَسَارَ شَيْبَانُ إِلَى جَزِيرَةِ ابْنِ كَاوَانَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إِلَى
стр. 2328
عُمَانَ، فَقَتَلَهُ جُلُنْدَى بْنُ مَسْعُودِ بْنِ جَيْفَرَ بْنِ جُلُنْدَى الْأَزْدِيُّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، (وَنَذْكُرُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) . وَرَكِبَ سُلَيْمَانُ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَمَوَالِيهِ السُّفُنَ إِلَى السِّنْدِ.
وَلَمَّا وَلِيَ السَّفَّاحُ الْخِلَافَةَ حَضَرَ عِنْدَهُ سُلَيْمَانُ، فَأَكْرَمَهُ وَأَعْطَاهُ يَدَهُ فَقَبَّلَهَا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ سُدَيْفٌ مَوْلَى السَّفَّاحِ أَقْبَلَ عَلَيْهِ وَقَالَ: لَا يَغُرَّنَّكَ مَا تَرَى مِنْ رِجَالٍ إِنَّ تَحْتَ الضُّلُوعِ دَاءً دَوِيَّا
فَضَعِ السَّيْفَ وَارْفَعِ السَّوْطَ حَتَّى لَا تَرَى فَوْقَ ظَهْرِهَا أُمَوِيَّا
فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ سُلَيْمَانُ، وَقَالَ: قَتَلْتَنِي أَيُّهَا الشَّيْخُ! وَقَامَ السَّفَّاحُ فَدَخَلَ، فَأُخِذَ سُلَيْمَانَ فَقُتِلَ.
وَانْصَرَفَ مَرْوَانُ (بَعْدَ مَسِيرِ شَيْبَانَ عَنِ الْمَوْصِلِ) إِلَى مَنْزِلِهِ بِحَرَّانَ، فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى سَارَ إِلَى الزَّابِ.
ذِكْرُ إِظْهَارِ الدَّعْوَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ بِخُرَاسَانَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ شَخَصَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ مِنْ خُرَاسَانَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ، وَكَانَ يَخْتَلِفُ مِنْهُ إِلَى خُرَاسَانَ وَيَعُودُ إِلَيْهِ.
فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ السَّنَةُ كَتَبَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ يَسْتَدْعِيهِ لِيَسْأَلَهُ عَنْ أَخْبَارِ النَّاسِ، فَسَارَ نَحْوَهُ فِي النِّصْفِ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مَعَ سَبْعِينَ نَفْسًا مِنَ النُّقَبَاءِ، فَلَمَّا صَارُوا بِالدَّنْدَانَقَانِ مِنْ أَرْضِ خُرَاسَانَ عَرَضَ لَهُ كَامِلٌ أَوْ [أَبُو كَامِلٍ] ، فَسَأَلَهُ عَنْ مَقْصِدِهِ، فَقَالَ: الْحَجُّ، ثُمَّ خَلَا بِهِ أَبُو مُسْلِمٍ فَدَعَاهُ فَأَجَابَهُ، ثُمَّ سَارَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَى نَسَا، وَعَامِلُهَا سُلَيْمَانُ بْنُ قَيْسٍ السُّلَمِيُّ لِنَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهَا أَرْسَلَ الْفَضْلَ بْنَ سُلَيْمَانَ الطُّوسِيَّ إِلَى أُسَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيِّ لِيُعْلِمَهُ قُدُومَهُ، فَدَخَلَ قَرْيَةً مِنْ قُرَى نَسَا
стр. 2329
فَلَقِيَ رَجُلًا مِنَ الشِّيعَةِ فَسَأَلَهُ عَنْ أُسَيْدٍ، فَانْتَهَرَهُ وَقَالَ لَهُ: إِنَّهُ كَانَ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ شَرًّا، سَعَى إِلَى الْعَامِلِ بِرَجُلَيْنِ قِيلَ إِنَّهُمَا دَاعِيَانِ، فَأَخَذَهُمَا وَأَخَذَ الْأَحْجَمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَغَيْلَانَ بْنَ فُضَالَةَ وَغَالِبَ بْنَ سَعِيدٍ وَمُهَاجِرَ بْنَ عُثْمَانَ، فَانْصَرَفَ الْفَضْلُ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ وَأَخْبَرَهُ، فَتَنَكَّبَ الطَّرِيقَ، وَأَرْسَلَ طَرْخَانَ الْحَمَّالَ يَسْتَدْعِي أُسَيْدًا وَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ الشِّيعَةِ، فَدَعَا لَهُ أُسَيْدًا، فَأَتَاهُ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْأَخْبَارِ، فَقَالَ: قَدِمَ الْأَزْهَرُ بْنُ شُعَيْبٍ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ سَعْدٍ بِكُتُبِ الْإِمَامِ إِلَيْكَ، فَخَلَّفَا الْكُتُبَ عِنْدِي وَخَرَجَا فَأُخِذَا، فَلَا أَدْرِي مَنْ سَعَى بِهِمَا. قَالَ: فَأَيْنَ الْكُتُبُ؟ فَأَتَاهُ بِهَا.
ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَتَى قُومِسَ وَعَلَيْهَا بَيْهَسُ بْنُ بُدَيْلٍ الْعِجْلِيُّ، فَأَتَاهُمْ بَيْهَسُ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: الْحَجَّ، وَأَتَاهُ وَهُوَ بِقُومِسَ كِتَابُ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ إِلَيْهِ وَإِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ يَقُولُ لِأَبِي مُسْلِمٍ فِيهِ: إِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِرَايَةِ النَّصْرِ، فَارْجِعْ مِنْ حَيْثُ لَقِيَكَ كِتَابِي، وَوَجِّهْ إِلَيَّ قَحْطَبَةَ بِمَا مَعَكَ يُوَافِنِي بِهِ فِي الْمَوْسِمِ.
فَانْصَرَفَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَى خُرَاسَانَ، وَوَجَّهَ قَحْطَبَةَ إِلَى الْإِمَامِ بِمَا مَعَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْعُرُوضِ، فَلَمَّا كَانُوا بِنَيْسَابُورَ عَرَضَ لَهُمْ صَاحِبُ الْمَسْلَحَةِ فَسَأَلَهُمْ عَنْ حَالِهِمْ، فَقَالُوا: أَرَدْنَا الْحَجَّ فَبَلَغَنَا عَنِ الطَّرِيقِ شَيْءٌ خِفْنَاهُ. فَأَمَرَ الْمُفَضَّلَ بْنَ الشَّرْقِيِّ السُّلَمِيَّ بِإِزْعَاجِهِمْ، فَخَلَا بِهِ أَبُو مُسْلِمٍ وَعَرَضَ عَلَيْهِ أَمْرَهُمْ فَأَجَابَهُ، وَأَقَامَ عِنْدَهُمْ حَتَّى ارْتَحَلُوا عَلَى مَهَلٍ.
فَقَدِمَ أَبُو مُسْلِمٍ مَرْوَ فَدَفَعَ كِتَابَ الْإِمَامِ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ يَأْمُرُهُ فِيهِ بِإِظْهَارِ الدَّعْوَةِ، فَنَصَبُوا أَبَا مُسْلِمٍ وَقَالُوا: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَدَعَوْا إِلَى طَاعَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَأَرْسَلُوا إِلَى مَنْ قَرُبَ مِنْهُمْ أَوْ بَعُدَ مِمَّنْ أَجَابَهُمْ، فَأَمَرُوهُ بِإِظْهَارِ أَمْرِهِمْ وَالدُّعَاءِ إِلَيْهِمْ.
فَنَزَلَ أَبُو مُسْلِمٍ قَرْيَةً مِنْ قُرَى مَرْوَ يُقَالُ لَهَا فَنِينَ عَلَى أَبِي الْحَكَمِ عِيسَى بْنِ أَعْيَنَ النَّقِيبِ، وَوَجَّهَ مِنْهَا أَبَا دَاوُدَ النَّقِيبَ وَمَعَهُ عَمْرُو بْنُ أَعْيَنَ إِلَى طَخَارِسْتَانَ فَمَا دُونُ بَلْخٍ، فَأَمَرَهُمَا بِإِظْهَارِ الدَّعْوَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. وَكَانَ نُزُولُهُ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ فِي شَعْبَانَ، وَوَجَّهَ النَّضْرَ بْنَ صُبَيْحٍ التَّمِيمِيَّ وَشَرِيكَ بْنَ غُضَيٍّ التَّمِيمِيَّ إِلَى مَرْوِ الرُّوذِ بِإِظْهَارِ الدَّعْوَةِ فِي رَمَضَانَ، وَوَجَّهَ أَبَا عَاصِمٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سُلَيْمٍ إِلَى الطَّالَقَانِ، وَوَجَّهَ أَبَا الْجَهْمِ بْنَ عَطِيَّةَ إِلَى الْعَلَاءِ بْنِ حُرَيْثٍ بِخَوَارِزْمَ بِإِظْهَارِ الدَّعْوَةِ فِي رَمَضَانَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْهُ، فَإِنْ أَعْجَلَهُمْ عَدُوُّهُمْ دُونَ الْوَقْتِ بِالْأَذَى وَالْمَكْرُوهِ، فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَيُجَرِّدُوا
стр. 2330
السُّيُوفَ وَيُجَاهِدُوا أَعْدَاءَ اللَّهِ، وَمَنْ شَغَلَهُ مِنْهُمْ عَدُوُّهُمْ عَنِ الْوَقْتِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَظْهَرُوا بَعْدَ الْوَقْتِ.
ثُمَّ تَحَوَّلَ أَبُو مُسْلِمٍ مِنْ عِنْدِ أَبِي الْحَكَمِ، فَنَزَلَ قَرْيَةَ سَفِيذَنْجَ، فَنَزَلَ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ الْخُزَاعِيِّ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ رَمَضَانَ، وَالْكَرْمَانِيُّ وَشَيْبَانُ يُقَاتِلَانِ نَصْرَ بْنَ سَيَّارٍ، فَبَثَّ أَبُو مُسْلِمٍ دُعَاتَهُ فِي النَّاسِ وَأَظْهَرَ أَمْرَهُ، فَأَتَاهُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ أَهْلُ سِتِّينَ قَرْيَةً، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْخَمِيسِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ عَقَدَ اللِّوَاءَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ الْإِمَامُ الَّذِي يُدْعَى الظِّلَّ عَلَى رُمْحٍ طُولُهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا، وَعَقَدَ الرَّايَةَ الَّتِي بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِ، وَهِيَ الَّتِي تُدْعَى السَّحَابَ عَلَى رُمْحٍ طُولُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا، وَهُوَ يَتْلُو: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] ، وَلَبِسُوا السَّوَادَ هُوَ وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَإِخْوَةُ سُلَيْمَانَ وَمَوَالِيهِ وَمَنْ كَانَ أَجَابَ الدَّعْوَةَ مِنْ أَهْلِ سَفِيذَنْجَ، وَأَوْقَدُوا النِّيرَانَ لِلَيْلَتِهِمْ لِشِيعَتِهِمْ مِنْ سُكَّانِ رَبْعِ خَرْقَانَ، وَكَانَتْ عَلَامَتُهُمْ، فَتَجَمَّعُوا إِلَيْهِ حِينَ أَصْبَحُوا مُغِدِّينَ، وَتَأَوُّلُ الظِّلِّ وَالسَّحَابِ أَنَّ السَّحَابَ يُطْبِقُ عَلَى الْأَرْضِ، وَأَنَّ الْأَرْضَ كَمَا لَا تَخْلُو مِنَ الظِّلِّ، كَذَلِكَ لَا تَخْلُو مِنْ خَلِيفَةٍ عَبَّاسِيٍّ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ.
وَقَدِمَ عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ الدُّعَاةُ بِمَنْ أَجَابَ الدَّعْوَةَ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ أَهْلَ التَّقَادُمِ مَعَ أَبِي الْوَضَّاحِ فِي تِسْعِمِائَةِ رَاجِلٍ وَأَرْبَعَةِ فُرْسَانَ، وَمِنْ أَهْلِ هُرْمُزْفَرَّه جَمَاعَةٌ وَقَدِمَ أَهْلُ التَّقَادُمِ مَعَ أَبِي الْقَاسِمِ مُحْرِزِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْجُوبَانِيِّ فِي أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةِ رَاجِلٍ وَسِتَّةَ عَشَرَ فَارِسًا، فِيهِمْ مِنَ الدُّعَاةِ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَرْوَزِيُّ. فَجَعَلَ أَهْلُ التَّقَادُمِ يُكَبِّرُونَ مِنْ نَاحِيَتِهِمْ، وَيُجِيبُهُمْ أَهْلُ التَّقَادُمِ بِالتَّكْبِيرِ، فَدَخَلُوا عَسْكَرَ أَبِي مُسْلِمٍ بِسَفِيذَنْجَ بَعْدَ ظُهُورِهِ بِيَوْمَيْنِ. وَحَصَّنَ أَبُو مُسْلِمٍ حِصْنَ سَفِيذَنْجَ وَرَمَّهُ وَسَدَّ دُرُوبَهَا.
فَلَمَّا حَضَرَ عِيدُ الْفِطْرِ أَمَرَ أَبُو مُسْلِمٍ سُلَيْمَانَ بْنَ كَثِيرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ وَبِالشِّيعَةِ، وَنَصَبَ لَهُ مِنْبَرًا بِالْعَسْكَرِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، وَكَانَ بَنُو أُمَيَّةَ يَبْدَءُونَ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَأَمَرَ أَبُو مُسْلِمٍ أَيْضًا سُلَيْمَانَ بْنَ كَثِيرٍ بِسِتِّ تَكْبِيرَاتٍ تِبَاعًا، ثُمَّ يَقْرَأُ وَيَرْكَعُ بِالسَّابِعَةِ، وَيُكَبِّرُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ تِبَاعًا، ثُمَّ يَقْرَأُ وَيَرْكَعُ بِالسَّادِسَةِ، وَيَفْتَحُ الْخُطْبَةَ بِالتَّكْبِيرِ ثُمَّ يَخْتِمُهَا بِالْقُرْآنِ.
وَكَانَ بَنُو أُمَيَّةَ يُكَبِّرُونَ فِي الْأُولَى أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ يَوْمَ الْعِيدِ وَفِي الثَّانِيَةِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ.
стр. 2331
فَلَمَّا قَضَى سُلَيْمَانُ الصَّلَاةَ انْصَرَفَ أَبُو مُسْلِمٍ وَالشِّيعَةُ إِلَى طَعَامٍ قَدْ أَعَدَّهُ لَهُمْ، فَأَكَلُوا مُسْتَبْشِرِينَ.
وَكَانَ أَبُو مُسْلِمٍ وَهُوَ فِي الْخَنْدَقِ إِذَا كَتَبَ إِلَى نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ كِتَابًا يَكْتُبُ لِلْأَمِيرِ نَصْرٍ، فَلَمَّا قَوِيَ أَبُو مُسْلِمٍ بِمَنِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ، فَكَتَبَ إِلَى نَصْرٍ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَتْ أَسْمَاؤُهُ عَيَّرَ أَقْوَامًا فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا - اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٢ - ٤٣] . فَتَعَاظَمَ نَصْرٌ الْكِتَابَ وَكَسَرَ لَهُ إِحْدَى عَيْنَيْهِ وَقَالَ: هَذَا كِتَابٌ مَا لَهُ جَوَابٌ.
وَكَانَ مِنَ الْأَحْدَاثِ وَأَبُو مُسْلِمٍ بِسَفِيذَنْجَ أَنَّ نَصْرًا وَجَّهَ مَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ يَزِيدُ لِمُحَارَبَةِ أَبِي مُسْلِمٍ بَعْدَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ ظُهُورِهِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ أَبُو مُسْلِمٍ مَالِكَ بْنَ الْهَيْثَمِ الْخُزَاعِيَّ، فَالْتَقَوْا بِقَرْيَةِ أَلْيَنَ، فَدَعَاهُمْ مَالِكٌ إِلَى الرِّضَاءِ مِنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَكْبَرُوا عَنْ ذَلِكَ، فَقَاتَلَهُمْ مَالِكٌ، وَهُوَ فِي نَحْوِ مِائَتَيْنِ، مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ، وَقَدِمَ عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ صَالِحُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبِّيُّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ زَيْدٍ وَزِيَادُ بْنُ عِيسَى، فَسَيَّرَهُمْ إِلَى مَالِكٍ، فَقَوِيَ بِهِمْ، وَكَانَ قُدُومُهُمْ إِلَيْهِ مَعَ الْعَصْرِ، فَقَالَ مَوْلَى نَصْرٍ: إِنْ تَرَكْنَا هَؤُلَاءِ اللَّيْلَةَ أَتَتْهُمْ أَمْدَادُهُمْ، فَاحْمِلُوا عَلَى الْقَوْمِ. فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَحَمَلَ عَبْدُ اللَّهِ الطَّائِيُّ عَلَى مَوْلَى نَصْرٍ فَأَسَرَهُ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، فَأَرْسَلَ الطَّائِيُّ بِأَسِيرِهِ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ وَمَعَهُ رُءُوسُ الْقَتْلَى، فَنَصَبَ الرُءُوسَ، وَأَحْسَنَ إِلَى يَزِيدَ مَوْلَى نَصْرٍ، وَعَالَجَهُ حَتَّى انْدَمَلَتْ جِرَاحُهُ، وَقَالَ لَهُ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تُقِيمَ مَعَنَا فَقَدْ أَرْشَدَكَ اللَّهُ، وَإِنْ كَرِهْتَ فَارْجِعْ إِلَى مَوْلَاكَ سَالِمًا، وَأَعْطِنَا عَهْدَ اللَّهِ أَنَّكَ لَا تُحَارِبُنَا، وَلَا تَكْذِبُ عَلَيْنَا، وَأَنْ تَقُولَ فِينَا مَا رَأَيْتَ. فَرَجَعَ إِلَى مَوْلَاهُ. وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: إِنَّ هَذَا سَيَرُدُّ عَنْكُمْ أَهْلَ الْوَرَعِ وَالصَّلَاحِ فَمَا نَحْنُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ كَانَ عِنْدَهُمْ يُرْجِفُونَ عَلَيْهِمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَاسْتِحْلَالِ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْفُرُوجِ.
فَلَمَّا قَدِمَ يَزِيدُ عَلَى نَصْرٍ قَالَ: لَا مَرْحَبًا! فَوَاللَّهِ مَا اسْتَبَقَاكَ الْقَوْمُ إِلَّا لِيَتَّخِذُوكَ حُجَّةً
стр. 2332
عَلَيْنَا. فَقَالَ يَزِيدُ: هُوَ وَاللَّهِ مَا ظَنَنْتَ، وَقَدِ اسْتَحْلَفُونِي أَنْ لَا أَكْذِبَ عَلَيْهِمْ، وَأَنَا أَقُولُ: إِنَّهُمْ وَاللَّهِ يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ لِمَوَاقِيتِهَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَيَتْلُونَ الْقُرْآنَ، وَيَذْكُرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا، وَيَدْعُونَ إِلَى وِلَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا أَحْسَبُ أَمْرَهُمْ إِلَّا سَيَعْلُو، وَلَوْلَا أَنَّكَ مَوْلَايَ لَمَا رَجَعْتُ إِلَيْكَ وَلَأَقَمْتُ مَعَهُمْ. فَهَذِهِ أَوَّلُ حَرْبٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَلَبَ خَازِمُ بْنُ خُزَيْمَةَ عَلَى مَرْوِ الرُّوذِ وَقَتَلَ عَامِلَ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ بِمَرْوِ الرُّوذِ، وَهُوَ مِنْ شِيعَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، مَنَعَهُ بَنُو تَمِيمٍ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ أُرِيدُ أَنْ أَغْلِبَ عَلَى مَرْوَ، فَإِنْ ظَفِرْتُ فَهِيَ لَكُمْ، وَإِنْ قُتِلْتُ فَقَدْ كُفِيتُمْ أَمْرِي. فَكَفُّوا عَنْهُ، فَعَسْكَرَ بِقَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا كُنْجَ رُسْتَاقَ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ مِنْ عِنْدِ أَبِي مُسْلِمٍ النَّضْرُ بْنُ صُبَيْحٍ، فَلَمَّا أَمْسَى خَازِمٌ بَيَّتَ أَهْلَ مَرْوَ فَقَتَلَ بِشْرَ بْنَ جَعْفَرٍ السَّعْدِيَّ عَامِلَ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ عَلَيْهَا فِي أَوَّلِ ذِي الْقَعْدَةِ، وَبَعَثَ بِالْفَتْحِ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ مَعَ ابْنِهِ خُزَيْمَةَ بْنِ خَازِمٍ.
وَقَدْ قِيلَ فِي أَمْرِ أَبِي مُسْلِمٍ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا، وَالَّذِي قِيلَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامَ زَوَّجَ أَبَا مُسْلِمٍ لَمَّا تَوَجَّهَ إِلَى خُرَاسَانَ ابْنَةَ أَبِي النَّجْمِ وَسَاقَ عَنْهُ صَدَاقَهَا، وَكَتَبَ إِلَى النُّقَبَاءِ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَكَانَ أَبُو مُسْلِمٍ مِنْ أَهْلِ خُطَرْنِيَّةَ مِنْ سَوَادِ الْكُوفَةِ، وَكَانَ قَهْرَمَانًا لِإِدْرِيسَ بْنِ مَعْقِلٍ الْعِجْلِيِّ، فَصَارَ أَمْرُهُ وَمُنْتَهَى وَلَائِهِ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، ثُمَّ لِابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ لِلْأَئِمَّةِ مِنْ وَلَدِ مُحَمَّدٍ، فَقَدِمَ خُرَاسَانَ وَهُوَ حَدِيثُ السِّنِّ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَخَافَ أَنْ لَا يَقْوَى عَلَى أَمْرِهِمْ فَرَدَّهُ.
وَكَانَ أَبُو دَاوُدَ خَالِدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ غَائِبًا خَلْفَ نَهْرِ بَلْخٍ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَرْوَ أَقْرَءُوهُ كِتَابَ الْإِمَامِ إِبْرَاهِيمَ، فَسَأَلَ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ كَثِيرٍ رَدَّهُ، فَجَمَعَ النُّقَبَاءَ وَقَالَ لَهُمْ: أَتَاكُمْ كِتَابُ الْإِمَامِ فِيمَنْ بَعَثَهُ إِلَيْكُمْ فَرَدَدْتُمُوهُ، فَمَا حُجَّتُكُمْ؟ فَقَالَ سُلَيْمَانُ: حَدَاثَةُ سِنِّهِ وَتَخَوُّفًا أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ، فَخِفْنَا عَلَى مَنْ دَعَوْنَا وَعَلَى أَنْفُسِنَا. فَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ يُنْكِرُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا، ﷺ ، وَاصْطَفَاهُ وَبَعَثَهُ إِلَى جَمِيعِ
стр. 2333
خَلْقِهِ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: أَفَتَشُكُّونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ فِيهِ حَلَالُهُ وَحَرَامُهُ وَشَرَائِعُهُ وَأَنْبَاؤُهُ، وَأَخْبَرَ بِمَا كَانَ قَبْلَهُ وَبِمَا يَكُونُ بَعْدَهُ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: أَفَتَشُكُّونَ أَنَّ اللَّهَ قَبَضَهُ إِلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ رِسَالَةِ رَبِّهِ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: أَفَتَظُنُّونَ أَنَّ الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْهِ رُفِعَ مَعَهُ أَوْ خَلَّفَهُ؟ قَالُوا: بَلْ خَلَّفَهُ. قَالَ: أَفَتَظُنُّونَ خَلَّفَهُ عِنْدَ غَيْرِ عِتْرَتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: أَفَتَشُكُّونَ أَنَّ أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ مَعْدِنُ الْعِلْمِ وَأَصْحَابُ مِيرَاثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا. قَالَ: فَأَرَاكُمْ قَدْ شَكَكْتُمْ فِي أَمْرِكُمْ، وَرَدَدْتُمْ عَلَيْهِمْ عِلْمَهُمْ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقُومَ بِأَمْرِهِمْ لَمْ يَبْعَثُوهُ إِلَيْكُمْ. وَهُوَ لَا يُتَّهَمُ فِي نُصْرَتِهِمْ وَمُوَالَاتِهِمْ وَالْقِيَامِ بِحَقِّهِمْ.
فَبَعَثُوا إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ فَرَدُّوهُ مِنْ قُومِسَ بِقَوْلِ أَبِي دَاوُدَ وَوَلَّوْهُ أَمْرَهُمْ وَأَطَاعُوهُ، فَلَمْ تَزَلْ فِي نَفْسِ أَبِي مُسْلِمٍ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ، وَلَمْ يَزَلْ يَعْرِفُهَا لِأَبِي دَاوُدَ.
وَبَثَّ الدُّعَاةَ فِي أَقْطَارِ خُرَاسَانَ، فَدَخَلَ النَّاسُ أَفْوَاجًا وَكَثُرُوا، وَفَشَتِ الدُّعَاةُ بِخُرَاسَانَ كُلِّهَا، وَكَتَبَ إِلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ الْإِمَامُ أَنْ يُوَافِيَهُ فِي مَوْسِمِ سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ لِيَأْمُرَهُ بِأَمْرِهِ فِي إِظْهَارِ دَعْوَتِهِ، وَأَنْ يَقْدَمَ مَعَهُ قَحْطَبَةُ بْنُ شَبِيبٍ، وَيَحْمِلَ إِلَيْهِ مَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ. فَفَعَلَ ذَلِكَ وَسَارَ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ النُّقَبَاءِ وَالشِّيعَةِ، فَلَقِيَهُ كِتَابُ الْإِمَامِ يَأْمُرُهُ بِالرُّجُوعِ إِلَى خُرَاسَانَ وَإِظْهَارِ الدَّعْوَةِ بِهَا، وَذَكَرَ قَرِيبًا مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ تَسْيِيرِ الْمَالِ مَعَ قَحْطَبَةَ، وَأَنَّ قَحْطَبَةَ سَارَ فَنَزَلَ بِنَوَاحِي جُرْجَانَ، فَاسْتَدْعَى خَالِدَ بْنَ بَرْمَكَ وَأَبَا عَوْنٍ، فَقَدِمَا عَلَيْهِ وَمَعَهُمَا مَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُمَا مِنْ مَالِ الشِّيعَةِ، فَأَخَذَ مِنْهُمَا وَسَارَ نَحْوَ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ.
ذِكْرُ مَقْتَلِ الْكَرْمَانِيِّ
قَدْ ذَكَرْنَا مَقْتَلَ الْحَارِثِ بْنِ سُرَيْجٍ وَأَنَّ الْكَرْمَانِيَّ قَتَلَهُ، وَلَمَّا قَتَلَهُ خَلُصَتْ لَهُ مَرْوُ، وَتَنَحَّى نَصْرٌ عَنْهَا، فَأَرْسَلَ نَصْرٌ إِلَيْهِ سَالِمَ بْنَ أَحْوَزَ فِي رَابِطَتِهِ وَفُرْسَانِهِ، فَوَجَدَ يَحْيَى بْنَ نُعَيْمٍ الشَّيْبَانِيَّ وَاقِفًا فِي أَلْفِ رَجُلٍ مِنْ رَبِيعَةَ، وَمُحَمَّدَ بْنَ الْمُثَنَّى فِي سَبْعِمِائَةٍ مِنْ فُرْسَانِ الْأَزْدِ، وَابْنَ الْحَسَنِ بْنِ الشَّيْخِ فِي أَلْفٍ مِنْ فِتْيَانِهِمْ، وَالْجَرْمِيَّ السَّعْدِيَّ فِي أَلْفٍ مِنْ أَبْنَاءِ الْيَمَنِ. فَقَالَ سَالِمٌ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى: يَا مُحَمَّدُ قُلْ لِهَذَا الْمَلَّاحِ لِيَخْرُجْ إِلَيْنَا، يَعْنِي الْكَرْمَانِيَّ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَا ابْنَ الْفَاعِلَةِ لِأَبِي عَلِيٍّ تَقُولُ هَذَا! وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ سَالِمُ بْنُ أَحْوَزَ وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ زِيَادَةٌ عَلَى مِائَةٍ، وَمِنْ أَصْحَابِ الْكَرْمَانِيِّ زِيَادَةٌ عَلَى عِشْرِينَ.
فَلَمَّا قَدِمَ أَصْحَابُ نَصْرٍ عَلَيْهِ مُنْهَزِمِينَ قَالَ لَهُ عِصْمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ: يَا نَصْرُ
стр. 2334
شَأَمْتَ الْعَرَبَ! فَأَمَّا إِذْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ فَشَمِّرْ عَنْ سَاقٍ. فَوَجَّهَ عِصْمَةَ فِي جَمْعٍ، فَوَقَفَ مَوْقِفَ سَالِمٍ فَنَادَى: يَا مُحَمَّدُ بْنَ الْمُثَنَّى! لَتَعْلَمَنَّ أَنَّ السَّمَكَ لَا يَأْكُلُ اللُّخْمَ، وَاللُّخْمُ دَابَّةٌ مِنْ دَوَابِّ الْمَاءِ تُشْبِهُ السَّبْعَ يَأْكُلُ السَّمَكَ. فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدٌ: يَابْنَ الْفَاعِلَةِ قِفْ لَنَا إِذًا، وَأَمَرَ مُحَمَّدٌ السَّعْدِيَّ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فِي أَهْلِ الْيَمَنِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْهَزَمَ عِصْمَةُ حَتَّى أَتَى نَصْرًا وَقَدْ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَرْبَعُمِائَةٍ.
ثُمَّ أَرْسَلَ نَصْرٌ مَالِكَ بْنَ عَمْرٍو التَّمِيمِيَّ فِي أَصْحَابِهِ، فَنَادَى: يَابْنَ الْمُثَنَّى ابْرُزْ إِلَيَّ! فَبَرَزَ إِلَيْهِ، فَضَرَبَهُ مَالِكٌ عَلَى حَبَلِ عَاتِقِهِ فَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا، وَضَرَبَهُ مُحَمَّدٌ بِعَمُودٍ فَشَدَخَ رَأَسَهُ، وَالْتَحَمَ الْقِتَالُ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُ نَصْرٍ وَقَدْ قُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُمِائَةٍ، وَمِنْ أَصْحَابِ الْكَرْمَانِيِّ ثَلَاثُمِائَةٍ، وَلَمْ يَزَلِ الشَّرُّ بَيْنَهُمْ حَتَّى خَرَجُوا إِلَى الْخَنْدَقَيْنِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا.
فَلَمَّا اسْتَيْقَنَ أَبُو مُسْلِمٍ أَنَّ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ قَدْ أَثْخَنَ صَاحِبَهُ، وَأَنَّهُ لَا مَدَدَ لَهُمْ، جَعَلَ يَكْتُبُ إِلَى شَيْبَانَ ثُمَّ يَقُولُ لِلرَّسُولِ: اجْعَلْ طَرِيقَكَ عَلَى مُضَرَ فَإِنَّهُمْ سَيَأْخُذُونَ كُتُبَكَ، فَكَانُوا يَأْخُذُونَهَا فَيَقْرَءُونَ فِيهَا: إِنِّي رَأَيْتُ [أَهْلَ] الْيَمَنِ لَا وَفَاءَ لَهُمْ وَلَا خَيْرَ فِيهِمْ، فَلَا تَثِقَنَّ بِهِمْ وَلَا تَطْمَئِنَّنَّ إِلَيْهِمْ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُرِيَكَ اللَّهُ فِي الْيَمَانِيَّةِ مَا تُحِبُّ، وَلَئِنْ بَقِيتُ لَا أَدْعُ لَهَا شَعْرًا وَلَا ظُفْرًا. وَيُرْسِلُ رَسُولًا آخَرَ بِكِتَابٍ فِيهِ ذِكْرُ مُضَرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَيَأْمُرُ الرَّسُولَ أَنْ يَجْعَلَ طَرِيقَهُ عَلَى الْيَمَانِيَّةِ، حَتَّى صَارَ هَوَى الْفَرِيقَيْنِ مَعَهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَكْتُبُ إِلَى نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ وَإِلَى الْكَرْمَانِيِّ: إِنَّ الْإِمَامَ أَوْصَانِي بِكُمْ وَلَسْتُ أَعْدُو رَأْيَهُ فِيكُمْ. وَكَتَبَ إِلَى الْكُوَرِ بِإِظْهَارِ الْأَمْرِ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ سَوَّدَ أُسَيْدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيَّ بِنَسَا، وَمُقَاتِلَ بْنَ حَكِيمٍ، وَابْنَ غَزْوَانَ، وَنَادَوْا: يَا مُحَمَّدُ! يَا مَنْصُورُ! وَسَوَّدَ أَهْلُ أَبِيوَرْدَ وَأَهْلُ مَرْوِ الرُّوذِ وَقُرَى مَرْوَ.
وَأَقْبَلَ أَبُو مُسْلِمٍ حَتَّى نَزَلَ بَيْنَ خَنْدَقِ الْكَرْمَانِيِّ وَخَنْدَقِ نَصْرٍ، وَهَابَهُ الْفَرِيقَانِ، وَبَعَثَ إِلَى الْكَرْمَانِيِّ: إِنِّي مَعَكَ. فَقَبِلَ ذَلِكَ الْكَرْمَانِيُّ، فَانْضَمَّ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَيْهِ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْكَرْمَانِيِّ: وَيْحَكَ لَا تَغْتَرَّ! فَوَاللَّهِ إِنِّي لَخَائِفٌ عَلَيْكَ وَعَلَى أَصْحَابِكَ مِنْهُ، فَادْخُلْ مَرْوَ وَنَكْتُبُ كِتَابًا بَيْنَنَا بِالصُّلْحِ. وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي
стр. 2335
مُسْلِمٍ. فَدَخَلَ الْكَرْمَانِيُّ مَنْزِلَهُ، وَأَقَامَ أَبُو مُسْلِمٍ فِي الْعَسْكَرِ، وَخَرَجَ الْكَرْمَانِيُّ حَتَّى وَقَفَ فِي الرَّحْبَةِ فِي مِائَةِ فَارِسٍ وَعَلَيْهِ قُرْطَقٌ، وَأَرْسَلَ إِلَى نَصْرٍ: اخْرُجْ لِنَكْتُبَ بَيْنَنَا ذَلِكَ الْكِتَابَ. فَأَبْصَرَ مِنْهُ غِرَّةً، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ ابْنَ الْحَارِثِ بْنِ سُرَيْجٍ فِي نَحْوٍ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ فِي الرَّحْبَةِ، فَالْتَقَوْا بِهَا طَوِيلًا، ثُمَّ إِنَّ الْكَرْمَانِيَّ طُعِنَ فِي خَاصِرَتِهِ فَخَرَّ عَنْ دَابَّتِهِ وَحَمَاهُ أَصْحَابُهُ حَتَّى جَاءَهُمْ مَا لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهِ، فَقَتَلَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ الْكَرْمَانِيَّ وَصَلَبَهُ وَصَلَبَ مَعَهُ سَمَكَةً.
وَأَقْبَلَ ابْنُهُ عَلِيٌّ وَقَدْ جَمَعَ جَمْعًا كَثِيرًا، فَصَارَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ وَاسْتَصْحَبَهُ مَعَهُ فَقَاتَلُوا نَصْرَ بْنَ سَيَّارٍ حَتَّى أَخْرَجُوهُ مِنْ دَارِ الْإِمَارَةِ، فَمَالَ إِلَى بَعْضِ دُورِ مَرْوَ، وَأَقْبَلَ أَبُو مُسْلِمٍ حَتَّى دَخَلَ مَرْوَ، وَأَتَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْكَرْمَانِيِّ وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ مَعَهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْإِمْرَةِ وَقَالَ لَهُ: مُرْنِي بِأَمْرِكَ فَإِنِّي مُسَاعِدُكَ عَلَى مَا تُرِيدُ. فَقَالَ: أَقِمْ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ حَتَّى آمُرَكَ بِأَمْرِي. وَلَمَّا نَزَلَ أَبُو مُسْلِمٍ بَيْنَ خَنْدَقِ الْكَرْمَانِيِّ وَنَصْرٍ، وَرَأَى نَصْرٌ قُوَّتَهُ كَتَبَ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ يُعْلِمُهُ حَالَ أَبِي مُسْلِمٍ وَخُرُوجَهُ وَكَثْرَةَ مَنْ مَعَهُ، فَإِنَّهُ يَدْعُو إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَكَتَبَ بِأَبْيَاتِ شِعْرٍ:
أَرَى بَيْنَ الرَّمَادِ وَمِيضَ نَارٍ ... وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ لَهُ ضِرَامُ
فَإِنَّ النَّارَ بِالْعُودَيْنِ تُذْكَى ... وَإِنَّ الْحَرْبَ مَبْدَؤُهَا كَلَامُ
فَقُلْتُ مِنَ التَّعَجُّبِ لَيْتَ شِعْرِي ... أَأَيْقَاظٌ أُمَيَّةُ أَمْ نِيَامُ
فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَرْوَانُ: إِنَّ الشَّاهِدَ يَرَى مَا لَا يَرَى الْغَائِبُ، فَاحْسِمِ الثُّؤْلُولَ قِبَلَكَ. فَقَالَ نَصْرٌ: أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ أَعْلَمَكُمْ أَنَّهُ لَا نَصْرَ عِنْدِهِ. فَكَتَبَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ يَسْتَمِدُّهُ، وَكَتَبَ لَهُ بِأَبْيَاتِ شِعْرٍ:
стр. 2336
أَبْلِغْ يَزِيدَ وَخَيْرُ الْقَوْلِ أَصْدَقُهُ ... وَقَدْ تَيَقَّنْتُ أَنْ لَا خَيْرَ فِي الْكَذِبِ
أَنَّ خُرَاسَانَ أَرْضٌ قَدْ رَأَيْتُ بِهَا ... بَيْضًا لَوْ افْرَخَ قَدْ حُدِّثْتَ بِالْعَجَبِ
فِرَاخُ عَامَيْنِ إِلَّا أَنَّهَا كَبِرَتْ ... لَمَّا يَطِرْنَ وَقَدْ سُرْبِلْنَ بِالزَّغَبِ
أَلَا تَدَارَكْ بِخَيْلِ اللَّهِ مُعْلِمَةً ... أَلْهَبْنَ نِيرَانَ حَرْبٍ أَيَّمَا لَهَبِ
فَقَالَ يَزِيدُ: لَا تُكْثِرْ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدِي رَجُلٌ.
فَلَمَّا قَرَأَ مَرْوَانُ كِتَابَ نَصْرٍ تَصَادَفَ وُصُولُ كِتَابِهِ وُصُولَ رَسُولٍ لِأَبِي مُسْلِمٍ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، وَقَدْ عَادَ مِنْ عِنْدِ إِبْرَاهِيمَ وَمَعَهُ جَوَابُ أَبِي مُسْلِمٍ يَلْعَنُهُ إِبْرَاهِيمُ وَيَسُبُّهُ حَيْثُ لَمْ يَنْتَهِزِ الْفُرْصَةَ مِنْ نَصْرٍ وَالْكَرْمَانِيِّ إِذْ أَمْكَنَاهُ، وَيَأْمُرُهُ أَنْ لَا يَدَعَ بِخُرَاسَانَ مُتَكَلِّمًا بِالْعَرَبِيَّةِ إِلَّا قَتَلَهُ. فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ بِالْبَلْقَاءِ لِيَسِيرَ إِلَى الْحُمَيْمَةِ وَلِيَأْخُذَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدٍ فَيَشُدُّهُ وَثَاقًا وَيَبْعَثُ بِهِ إِلَيْهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَأَخَذَهُ مَرْوَانُ وَحَبَسَهُ.
ذِكْرُ تَعَاقُدِ أَهْلِ خُرَاسَانَ عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تَعَاقَدَتْ عَامَّةُ قَبَائِلِ الْعَرَبِ بِخُرَاسَانَ عَلَى قِتَالِ أَبِي مُسْلِمٍ، وَفِيهَا تَحَوَّلَ أَبُو مُسْلِمٍ مِنْ مُعَسْكَرِهِ بِسَفِيذَنْجَ إِلَى الْمَاخُوَانِ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ لَمَّا ظَهَرَ أَمْرُهُ سَارَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ، وَجَعَلَ أَهْلُ مَرْوَ يَأْتُونَهُ وَلَا يَعْرِضُ لَهُمْ نَصْرٌ وَلَا يَمْنَعُهُمْ، وَكَانَ الْكَرْمَانِيُّ وَشَيْبَانُ لَا يَكْرَهَانِ أَمْرَ أَبِي مُسْلِمٍ لِأَنَّهُ دَعَا إِلَى خَلْعِ مَرْوَانَ، وَأَبُو مُسْلِمٍ فِي خِبَاءٍ لَيْسَ لَهُ حَرَسٌ وَلَا حِجَابٌ، وَعَظُمَ أَمْرُهُ عِنْدَ النَّاسِ وَقَالُوا: ظَهَرَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ لَهُ حِلْمٌ وَوَقَارٌ وَسَكِينَةٌ. فَانْطَلَقَ فِتْيَةٌ مِنْ أَهْلِ مَرْوَ نُسَّاكٌ يَطْلُبُونَ الْفِقْهَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ فَسَأَلُوهُ عَنْ نَسَبِهِ، فَقَالَ: خَيْرِي خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ نَسَبِي، وَسَأَلُوهُ أَشْيَاءَ مِنَ الْفِقْهِ فَقَالَ: أَمْرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ هَذَا، وَنَحْنُ إِلَى عَوْنِكُمْ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَى مَسْأَلَتِكُمْ فَاعْفُونَا. فَقَالُوا: مَا نَعْرِفُ لَكَ نَسَبًا وَلَا نَظُنُّكَ تَبْقَى إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى تُقْتَلَ، وَمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَتَفَرَغَ أَحَدُ هَذَيْنِ الْأَمِيرَيْنِ.
стр. 2337
فَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: أَنَا أَقْتُلُهُمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَأَتَوْا نَصْرًا فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا، مِثْلُكُمْ مَنْ يَفْتَقِدُ هَذَا وَيَعْرِفُهُ. وَأَتَوْا شَيْبَانَ فَأَعْلَمُوهُ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ نَصْرٌ: إِنَّا قَدْ أَشْجَى بَعْضُنَا بَعْضًا، فَاكْفُفْ عَنِّي حَتَّى أُقَاتِلَهُ، وَإِنْ شِئْتَ فَجَامِعْنِي إِلَى حَرْبِهِ حَتَّى أَقْتُلَهُ أَوْ أَنْفِيَهُ ثُمَّ نَعُودُ إِلَى أَمْرِنَا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ. فَهَمَّ شَيْبَانُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، فَأَتَى الْخَبَرُ أَبَا مُسْلِمٍ، فَكَتَبَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْكَرْمَانِيِّ: إِنَّكَ مَوْتُورٌ قُتِلَ أَبُوكَ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّكَ لَسْتَ عَلَى رَأْيِ شَيْبَانَ، وَإِنَّمَا تُقَاتِلُ لِثَأْرِكَ. فَامْتَنَعَ شَيْبَانُ مِنْ صُلْحِ نَصْرٍ. فَدَخَلَ عَلَى شَيْبَانَ فَثَنَاهُ عَنْ رَأْيِهِ، فَأَرْسَلَ نَصْرٌ إِلَى شَيْبَانَ: إِنَّكَ لَمَغْرُورٌ، وَاللَّهِ لَيَتَفَاقَمَنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسْتَصْغِرَنِي فِي جَنْبِهِ كُلُّ كَبِيرٍ، وَقَالَ شِعْرًا يُخَاطِبُ بِهِ رَبِيعَةَ وَالْيَمَنَ وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الِاتِّفَاقِ مَعَهُ عَلَى حَرْبِ أَبِي مُسْلِمٍ:
أَبْلِغْ رَبِيعَةَ فِي مَرْوٍ وَفِي يَمَنٍ ... أَنِ اغْضَبُوا قَبْلَ أَنْ لَا يَنْفَعَ الْغَضَبُ
مَا بَالُكُمْ تُنْشِبُونَ الْحَرْبَ بَيْنَكُمُ ... كَأَنَّ أَهْلَ الْحِجَى عَنْ رَأْيِكُمْ غُيُبُ
وَتَتْرُكُونَ عَدُوًّا قَدْ أَحَاطَ بِكُمْ ... مِمَّنْ تَأَشَّبَ لَا دِينٌ وَلَا حَسَبُ
لَا عَرَبَ مِثْلُكُمُ فِي النَّاسِ نَعْرِفُهُمْ ... وَلَا صَرِيحَ مَوَالٍ إِنْ هُمُ نُسِبُوا
مَنْ كَانَ يَسْأَلُنِي عَنْ أَصْلِ دِينِهِمُ ... فَإِنَّ دِينَهُمُ أَنْ تَهْلِكَ الْعَرَبُ
قَوْمٌ يَقُولُونَ قَوْلًا مَا سَمِعْتُ بِهِ ... عَنِ النَّبِيِّ وَلَا جَاءَتْ بِهِ الْكُتُبُ
стр. 2338
فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ أَبُو مُسْلِمٍ النَّضْرَ بْنَ نُعَيْمٍ الضَّبِّيَّ إِلَى هَرَاةَ وَعَلَيْهَا عِيسَى بْنُ عَقِيلِ بْنِ مَعْقِلٍ اللَّيْثِيُّ، فَطَرَدَهُ عَنْهَا، فَقَدِمَ عَلَى نَصْرٍ مُنْهَزِمًا وَغَلَبَ النَّضْرُ عَلَى هَرَاةَ.
فَقَالَ يَحْيَى بْنُ نُعَيْمِ بْنِ هُبَيْرَةَ الشَّيْبَانِيُّ لِابْنِ الْكَرْمَانِيِّ وَشَيْبَانَ: اخْتَارُوا إِمَّا أَنَّكُمْ تَهْلِكُونَ أَنْتُمْ قَبْلَ مُضَرَ، أَوْ مُضَرُ قَبْلَكُمْ. قَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ إِنَّمَا ظَهَرَ أَمْرُهُ مُنْذُ شَهْرٍ، وَقَدْ صَارَ فِي عَسْكَرِهِ مِثْلَ عَسْكَرِكُمْ. قَالُوا: فَمَا الرَّأْيُ؟ قَالَ: صَالِحُوا نَصْرًا، فَإِنَّكُمْ إِنْ صَالَحْتُمُوهُ قَاتَلُوا نَصْرًا وَتَرَكُوكُمْ لِأَنَّ الْأَمْرَ فِي مُضَرَ، وَإِنْ لَمْ تُصَالِحُوا نَصْرًا صَالَحُوهُ وَقَاتَلُوكُمْ، فَقَدِّمُوا مُضَرَ قَبْلَكُمْ وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَتَقَرُّ أَعْيُنُكُمْ بِقَتْلِهِمْ.
فَأَرْسَلَ شَيْبَانُ إِلَى نَصْرٍ يَدْعُوهُ إِلَى الْمُوَادَعَةِ، فَأَجَابَهُ وَأَرْسَلَ سَالِمَ بْنَ أَحْوَزَ بِكِتَابِ الْمُوَادَعَةِ، فَأَتَى شَيْبَانَ وَعِنْدَهُ ابْنُ الْكَرْمَانِيِّ وَيَحْيَى بْنُ نُعَيْمٍ، فَقَالَ سَالِمٌ لِابْنِ الْكَرْمَانِيِّ: يَا أَعْوَرُ! مَا أَخْلَقَكَ أَنْ تَكُونَ الْأَعْوَرَ الَّذِي يَكُونُ هَلَاكُ مُضَرَ عَلَى يَدِهِ! ثُمَّ تَوَادَعُوا سَنَةً وَكَتَبُوا كِتَابًا.
فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا مُسْلِمٍ فَكَتَبَ إِلَى شَيْبَانَ: إِنَّا نُوَادِعُكَ أَشْهُرًا فَوَادِعْنَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ. فَقَالَ ابْنُ الْكَرْمَانِيِّ: إِنِّي مَا صَالَحْتُ نَصْرًا إِنَّمَا صَالَحَهُ شَيْبَانُ، وَأَنَا لِذَلِكَ كَارِهٌ، وَأَنَا مَوْتُورٌ بِقَتْلِهِ أَبِي وَلَا أَدَعُ قِتَالَهُ. فَعَاوَدَ الْقِتَالَ، وَلَمْ يُعِنْهُ شَيْبَانُ وَقَالَ: لَا يَحِلُّ الْغَدْرُ.
فَأَرْسَلَ ابْنُ الْكَرْمَانِيِّ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ يَسْتَنْصِرُهُ، فَأَقْبَلَ حَتَّى نَزَلَ الْمَاخُوَانَ، وَكَانَ مُقَامُهُ بِسَفِيذَنْجَ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَلَمَّا نَزَلَ الْمَاخُوَانَ حَفَرَ بِهَا خَنْدَقًا وَجَعَلَ لِلْخَنْدَقِ بَابَيْنِ فَعَسْكَرَ بِهِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الشُّرَطِ أَبَا نَصْرٍ مَالِكَ بْنَ الْهَيْثَمِ، وَعَلَى الْحَرَسِ أَبَا إِسْحَاقَ خَالِدَ بْنَ عُثْمَانَ، وَعَلَى دِيوَانِ الْجُنْدِ كَامِلَ بْنَ مُظَفَّرٍ أَبَا صَالِحٍ، وَعَلَى الرَّسَائِلِ أَسْلَمَ بْنَ صُبَيْحٍ، وَعَلَى الْقَضَاءِ الْقَاسِمَ بْنَ مُجَاشِعٍ النَّقِيبَ، وَكَانَ الْقَاسِمُ يُصَلِّي بِأَبِي مُسْلِمٍ فَيَقُصُّ الْقِصَصَ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَيَذْكُرُ فَضْلَ بَنِي هَاشِمٍ وَمَعَايِبَ بَنِي أُمَيَّةَ.
وَلَمَّا نَزَلَ أَبُو مُسْلِمٍ الْمَاخُوَانَ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الْكَرْمَانِيِّ: إِنِّي مَعَكَ عَلَى نَصْرٍ. فَقَالَ ابْنُ الْكَرْمَانِيِّ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَلْقَانِي أَبُو مُسْلِمٍ. فَأَتَاهُ أَبُو مُسْلِمٍ فَأَقَامَ عِنْدَهُ يَوْمَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَاخُوَانِ، وَذَلِكَ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ.
وَكَانَ أَوَّلُ عَامِلٍ اسْتَعْمَلَهُ أَبُو مُسْلِمٍ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْعَمَلِ دَاوُدَ بْنَ كَرَارَ، فَرَدَّ أَبُو مُسْلِمٍ الْعَبِيدَ عَنْهُ وَاحْتَفَرَ لَهُمْ خَنْدَقًا فِي قَرْيَةِ شَوَّالٍ، وَوَلَّى الْخَنْدَقَ دَاوُدَ بْنَ كَرَارَ،
стр. 2339
فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ لِلْعَبِيدِ جَمَاعَةٌ وَجَّهَهُمْ إِلَى مُوسَى بْنِ كَعْبٍ بِأَبِيوَرْدَ.
وَأَمَرَ أَبُو مُسْلِمٍ كَامِلَ بْنَ مُظَفَّرٍ أَنْ يَعْرِضَ الْجُنْدَ وَيَكْتُبَ أَسْمَاءَهُمْ وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ وَنِسْبَتَهُمْ إِلَى الْقُرَى، وَيَجْعَلَ ذَلِكَ فِي دَفْتَرٍ، فَبَلَغَتْ عِدَّتُهُمْ سَبْعَةَ آلَافِ رَجُلٍ.
ثُمَّ إِنَّ الْقَبَائِلَ مِنْ مُضَرَ وَرَبِيعَةَ وَالْيَمَنِ تَوَادَعُوا عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ، وَأَنْ تَجْتَمِعَ كَلِمَتُهُمْ عَلَى [مُحَارَبَةِ] أَبِي مُسْلِمٍ. وَبَلَغَ أَبَا مُسْلِمٍ الْخَبَرُ فَعَظُمَ عَلَيْهِ وَنَاظَرَ، فَإِذَا الْمَاخُوَانُ سَافِلَةُ الْمَاءِ، فَتَخَوَّفَ أَنْ يَقْطَعَ نَصْرٌ عَنْهُ الْمَاءَ فَتَحَوَّلَ إِلَى أَلْيَنَ، وَكَانَ مُقَامُهُ بِالْمَاخُوَانِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَنَزَلَ أَلْيَنَ وَخَنْدَقَ بِهَا.
وَعَسْكَرَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ عَلَى نَهْرِ عِيَاضٍ، وَجَعَلَ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو بِبَلَاشْجِرْدَ، وَأَبَا الذَّيَّالِ بِطُوسَانَ، فَأَنْزَلَ أَبُو الذَّيَّالِ جُنْدَهُ عَلَى أَهْلِهَا، وَكَانَ عَامَّةُ أَهْلِهَا مَعَ أَبِي مُسْلِمٍ فِي الْخَنْدَقِ، فَآذَوْا أَهْلَ طُوسَانَ وَعَسَفُوهُمْ، وَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ أَبُو مُسْلِمٍ جُنْدًا، فَلَقُوا أَبَا الذَّيَّالِ فَهَزَمُوهُ وَأَسَرُوا مِنْ أَصْحَابِهِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ رَجُلًا، فَكَسَاهُمْ أَبُو مُسْلِمٍ وَدَاوَى جِرَاحَهُمْ وَأَطْلَقَهُمْ.
وَلَمَّا اسْتَقَرَّ بِأَبِي مُسْلِمٍ مُعَسْكَرُهُ بِالْيَنِ أَمَرَ مُحْرِزَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَسِيرَ فِي جَمَاعَةٍ وَيُخَنْدِقَ بِجِيرَنْجَ، وَيَجْتَمِعَ عِنْدَهُ جَمْعٌ مِنَ الشِّيعَةِ لِيَقْطَعَ مَادَّةَ نَصْرٍ مِنْ مَرْوِ الرُّوذِ وَبَلْخٍ وَطَخَارِسْتَانَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ نَحْوٌ مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ، فَقَطَعَ الْمَادَّةَ عَنْ نَصْرٍ.
ذِكْرُ غَلَبَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَلَى فَارِسَ وَقَتْلِهِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَلَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَلَى فَارِسَ وَكُوَرِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ظُهُورِهِ بِالْكُوفَةِ وَانْهِزَامِهِ وَخُرُوجِهِ مِنَ الْكُوفَةِ نَحْوَ الْمَدَائِنِ.
فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا أَتَاهُ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَغَيْرِهَا، فَسَارَ إِلَى الْجِبَالِ وَغَلَبَ عَلَيْهَا وَعَلَى حُلْوَانَ وَقُومِسَ وَأَصْبَهَانَ وَالرَّيِّ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ عَبِيدُ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَقَامَ بِأَصْبَهَانَ.
وَكَانَ مُحَارِبُ بْنُ مُوسَى مَوْلَى بَنِي يَشْكُرَ عَظِيمَ الْقَدْرِ بِفَارِسَ، فَجَاءَ إِلَى دَارِ الْإِمَارَةِ بِإِصْطَخْرَ فَطَرَدَ عَامِلَ ابْنِ عُمَرَ عَنْهَا، وَبَايَعَ النَّاسُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَخَرَجَ مُحَارِبٌ إِلَى كَرْمَانَ فَأَغَارَ عَلَيْهَا، وَانْضَمَّ إِلَى مُحَارِبٍ قُوَّادٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَسَارَ إِلَى مُسْلِمِ بْنِ
стр. 2340
الْمُسَيَّبِ، وَهُوَ عَامِلُ ابْنِ عُمَرَ بِشِيرَازَ، فَقَتَلَهُ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ خَرَجَ مُحَارِبٌ إِلَى أَصْبَهَانَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَحَوَّلَهُ إِلَى إِصْطَخْرَ، فَأَقَامَ بِهَا، وَأَتَاهُ النَّاسُ بَنُو هَاشِمٍ وَغَيْرُهُمْ، وَجَبَا الْمَالَ وَبَعَثَ الْعُمَّالَ، وَكَانَ مَعَهُ مَنْصُورُ بْنُ جُمْهُورٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَأَتَاهُ شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْخَارِجِيُّ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَأَتَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ، وَأَتَاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَعِيسَى ابْنَا عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ.
وَلَمَّا قَدِمَ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَلَى الْعِرَاقِ أَرْسَلَ نَبَاتَةَ بْنَ حَنْظَلَةَ الْكِلَابِيَّ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَبَلَغَ سُلَيْمَانَ بْنَ حَبِيبٍ أَنَّ ابْنَ هُبَيْرَةَ اسْتَعْمَلَ نَبَاتَةَ عَلَى الْأَهْوَازِ فَسَرَّحَ دَاوُدَ بْنَ حَاتِمٍ، فَأَقَامَ بِكَرْخِ دِينَارٍ يَمْنَعُ نَبَاتَةَ مِنَ الْأَهْوَازِ، فَقَاتَلَهُ فَقُتِلَ دَاوُدُ وَهَرَبَ سُلَيْمَانُ مِنَ الْأَهْوَازِ إِلَى سَابُورَ، وَفِيهَا الْأَكْرَادُ قَدْ غَلَبُوا عَلَيْهَا، فَقَاتَلَهُمْ سُلَيْمَانُ وَطَرَدَهُمْ عَنْ سَابُورَ، وَكَتَبَ إِلَى ابْنِ مُعَاوِيَةَ بِالْبَيْعَةِ.
ثُمَّ إِنَّ مُحَارِبَ بْنَ مُوسَى الْيَشْكُرِيَّ نَافَرَ ابْنَ مُعَاوِيَةَ وَفَارَقَهُ، وَجَمَعَ جَمْعًا فَأَتَى سَابُورَ فَقَاتَلَهُ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ، فَانْهَزَمَ مُحَارِبٌ وَأَتَى كَرْمَانَ فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى قَدِمَ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ فَصَارَ مَعَهُ، ثُمَّ نَافَرَهُ فَقَتَلَهُ ابْنُ الْأَشْعَثِ وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ ابْنًا لَهُ، وَلَمْ يَزَلْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بِإِصْطَخْرَ حَتَّى أَتَاهُ ابْنُ ضُبَارَةَ مَعَ دَاوُدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ، وَسَيَّرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَيْضًا مَعْنَ بْنَ زَائِدَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فَقَاتَلَهُمْ مَعْنٌ عِنْدَ مَرْوِ شَاذَانَ، وَمَعْنٌ يَقُولُ:
لَيْسَ أَمِيرُ الْقَوْمِ بِالْخَبِّ الْخَدِعْ ... فَرَّ مِنَ الْمَوْتِ وَفِي الْمَوْتِ وَقَعْ
وَانْهَزَمَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ فَكَفَّ مَعْنٌ عَنْهُمْ، وَقُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ رَجُلٌ مِنْ آلِ أَبِي لَهَبٍ، وَكَانَ يُقَالُ: يُقْتَلُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ بِمَرْوِ الشَّاذَانِ، وَأَسَرُوا أَسْرَى كَثِيرَةً، فَقَتَلَ ابْنُ ضُبَارَةَ مِنْهُمْ عِدَّةً كَثِيرَةً، وَهَرَبَ مَنْصُورُ بْنُ جُمْهُورٍ إِلَى السِّنْدِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ إِلَى عُمَانَ، وَعَمْرُو بْنُ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ إِلَى مِصْرَ، وَبَعَثَ بِبَقِيَّةِ الْأَسْرَى إِلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ فَأَطْلَقَهُمْ، وَمَضَى ابْنُ مُعَاوِيَةَ إِلَى خُرَاسَانَ. فَسَارَ مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ يَطْلُبُ مَنْصُورَ بْنَ جُمْهُورٍ فَلَمْ يُدْرِكْهُ، فَرَجَعَ.
وَكَانَ مَعَ ابْنِ مُعَاوِيَةَ مِنَ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَأُسِرَ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ أَلْفًا، فِيهِمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَسَبَّهُ ابْنُ ضَبَارَةَ وَقَالَ لَهُ: مَا جَاءَ بِكَ إِلَى
стр. 2341
ابْنِ مُعَاوِيَةَ وَقَدْ عَرَفْتَ خِلَافَهُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: كَانَ عَلَيَّ دَيْنٌ فَأَدَّيْتُهُ. فَشَفَعَ فِيهِ حَرْبُ بْنُ قَطَنٍ الْهِلَالِيُّ وَقَالَ: هُوَ ابْنُ أُخْتِنَا، فَوَهَبَهُ لَهُ.
فَعَابَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُعَاوِيَةَ وَرَمَى أَصْحَابَهُ بِاللُّوَاطِ، فَسَيَّرَهُ ابْنُ ضُبَارَةَ إِلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ لِيُخْبِرَهُ أَخْبَارَ ابْنِ مُعَاوِيَةَ، وَسَارَ فِي طَلَبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ إِلَى شِيرَازَ فَحَصَرَهُ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ مِنْهَا هَارِبًا وَمَعَهُ أَخَوَاهُ الْحَسَنُ وَيَزِيدُ ابْنَا مُعَاوِيَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَسَلَكَ الْمَفَازَةَ عَلَى كَرْمَانَ، وَقَصَدَ خُرَاسَانَ طَمَعًا فِي أَبِي مُسْلِمٍ لِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الرِّضَاءِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ وَقَدِ اسْتَوْلَى عَلَى خُرَاسَانَ، فَوَصَلَ إِلَى نَوَاحِي هَرَاةَ وَعَلَيْهَا أَبُو نَصْرٍ مَالِكُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْخُزَاعِيُّ، فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ مُعَاوِيَةَ يَسْأَلُهُ عَنْ قُدُومِهِ، فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَدْعُونَ إِلَى الرِّضَاءِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ فَأَتَيْتُكُمْ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَالِكٌ: انْتَسِبْ نَعْرِفْكَ. فَانْتَسَبَ لَهُ، فَقَالَ: أَمَّا عَبْدُ اللَّهِ وَجَعْفَرُ فَمِنْ أَسْمَاءِ آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَلَا نَعْرِفُهُ فِي أَسْمَائِهِمْ، فَقَالَ: إِنَّ جَدِّي كَانَ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ لَمَّا وُلِدَ لَهُ أَبِي، فَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُسَمِّيَ ابْنَهُ بِاسْمِهِ فَفَعَلَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَالِكٌ: لَقَدِ اشْتَرَيْتُمْ الِاسْمَ الْخَبِيثَ بِالثَّمَنِ الْيَسِيرِ وَلَا نَرَى لَكَ حَقًّا فِيمَا تَدْعُو إِلَيْهِ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ يُعَرِّفُهُ خَبَرَهُ، فَأَمَرَهُ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ مَعَهُ، فَقَبَضَ عَلَيْهِمْ وَحَبَسَهُمْ، ثُمَّ وَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابُ أَبِي مُسْلِمٍ يَأْمُرُهُ بِإِطْلَاقِ الْحَسَنِ وَيَزِيدَ ابْنَيْ مُعَاوِيَةَ وَقَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَأَمَرَ مَنْ وَضَعَ فِرَاشًا عَلَى وَجْهِهِ فَمَاتَ، وَأُخْرِجَ فَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَدُفِنَ، وَقَبْرُهُ بِهَرَاةَ مَعْرُوفٌ يُزَارُ، ﵀.
ذِكْرُ أَبِي حَمْزَةَ الْخَارِجِيِّ وَطَالِبِ الْحَقِّ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَ أَبُو حَمْزَةَ وَبَلْجُ بْنُ عُقْبَةَ الْأَزْدِيُّ الْخَارِجِيُّ مِنَ الْحَجِّ مِنْ قِبَلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى الْحَضْرَمِيِّ طَالِبِ الْحَقِّ، مُحَكِّمًا لِلْخِلَافِ عَلَى مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَبَيْنَمَا النَّاسُ بِعَرَفَةَ مَا شَعَرُوا إِلَّا وَقَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمْ أَعْلَامٌ وَعَمَائِمُ سُودٌ عَلَى رُءُوسِ الرِّمَاحِ وَهُمْ سَبْعُمِائَةٍ، فَفَزِعَ النَّاسُ حِينَ رَأَوْهُمْ وَسَأَلُوهُمْ عَنْ حَالِهِمْ، فَأَخْبَرُوهُمْ بِخِلَافِهِمْ مَرْوَانَ وَآلَ مَرْوَانَ. فَرَاسَلَهُمْ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَطَلَبَ مِنْهُمُ الْهُدْنَةَ، فَقَالُوا: نَحْنُ بِحَجِّنَا أَضَنُّ وَعَلَيْهِ أَشَحُّ. فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ جَمِيعًا آمِنُونَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ حَتَّى يَنْفِرَ النَّاسُ النَّفْرَ الْأَخِيرِ، فَوَقَفُوا بِعَرَفَةَ عَلَى حِدَةٍ.
стр. 2342
فَدَفَعَ النَّاسُ عَبْدَ الْوَاحِدِ فَنَزَلَ بِمِنًى فِي مَنْزِلِ السُّلْطَانِ، وَنَزَلَ أَبُو حَمْزَةَ بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ. فَأَرْسَلَ عَبْدُ الْوَاحِدِ إِلَى أَبِي حَمْزَةَ الْخَارِجِيِّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَرَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي رِجَالٍ أَمْثَالِهِمْ، فَدَخَلُوا عَلَى أَبِي حَمْزَةَ وَعَلَيْهِ إِزَارُ قُطْنٍ غَلِيظٌ، فَتَقَدَّمَهُمْ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَنَسَبَهُمَا فَانْتَسَبَا لَهُ، فَعَبَسَ فِي وُجُوهِهِمَا وَأَظْهَرَ الْكَرَاهَةَ لَهُمَا ثُمَّ سَأَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَانْتَسَبَا لَهُ، فَهَشَّ إِلَيْهِمَا وَتَبَسَّمَ فِي وُجُوهِهِمَا وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا خَرَجْنَا لِنَسِيرَ بِسِيرَةِ أَبَوَيْكُمَا. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ: وَاللَّهِ مَا خَرَجْنَا لِتُفَضِّلَ بَيْنَ آبَائِنَا، وَلَكِنْ بَعَثْنَا إِلَيْكَ الْأَمِيرَ بِرِسَالَةٍ، وَهَذَا رَبِيعَةُ يُخْبِرُكُهَا.
فَلَمَّا ذَكَرَ لَهُ رَبِيعَةُ نَقْضَ الْعَهْدِ قَالَ أَبُو حَمْزَةَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنَّ نَنْقُضَ الْعَهْدَ أَوْ نَخِيسَ بِهِ، لَا وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ وَلَوْ قُطِعَتْ رَقَبَتِي هَذِهِ وَلَكِنْ تَنْقَضِي الْهُدْنَةُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ. فَرَجَعُوا إِلَى عَبْدِ الْوَاحِدِ فَأَبْلَغُوهُ. فَلَمَّا كَانَ النَّفْرُ الْأَوَّلُ نَفَرَ عَبْدُ الْوَاحِدِ فِيهِ وَخَلَّى مَكَّةَ، فَدَخَلَهَا أَبُو حَمْزَةَ بِغَيْرِ قِتَالٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي عَبْدِ الْوَاحِدِ:
زَارَ الْحَجِيجَ عِصَابَةٌ قَدْ خَالَفُوا ... دِينَ الْإِلَهِ فَفَرَّ عَبْدُ الْوَاحِدِ
تَرَكَ الْحَلَائِلَ وَالْإِمَارَةَ هَارِبًا ... وَمَضَى يُخَبِّطُ كَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ
ثُمَّ مَضَى عَبْدُ الْوَاحِدِ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ، فَضَرَبَ عَلَى أَهْلِهَا الْبَعْثَ، وَزَادَهَمْ فِي الْعَطَاءِ عَشَرَةً عَشَرَةً، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، فَخَرَجُوا، فَلَمَّا كَانُوا بِالْحَرَّةِ تَلَقَّتْهُمْ جُزُرٌ مَنْحُورَةٌ فَمَضَوْا.
ذِكْرُ وِلَايَةِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيِّ بِالْأَنْدَلُسِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ ثَوَابَةُ بْنُ سَلَامَةَ أَمِيرُ الْأَنْدَلُسِ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ سَنَتَيْنِ
стр. 2343
وَشُهُورًا، فَلَمَّا تُوُفِّيَ اخْتَلَفَ النَّاسُ، فَالْمُضَرِيَّةُ أَرَادَتْ أَنْ يَكُونَ الْأَمِيرُ مِنْهُمْ، وَالْيَمَانِيَّةُ أَرَادَتْ كَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْأَمِيرُ مِنْهُمْ، فَبَقَوْا بِغَيْرِ أَمِيرٍ، فَخَافَ الصُّمَيْلُ الْفِتْنَةَ فَأَشَارَ بِأَنْ يَكُونَ الْوَالِي مِنْ قُرَيْشٍ، فَرَضُوا كُلُّهُمْ بِذَلِكَ، فَاخْتَارَ لَهُمْ يُوسُفَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيَّ، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ بِإِلْبِيرَةَ، فَكَتَبُوا إِلَيْهِ بِمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ تَأْمِيرِهِ، فَامْتَنَعَ. فَقَالُوا لَهُ: إِنْ لَمْ تَفْعَلْ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ، وَيَكُونُ إِثْمُ ذَلِكَ عَلَيْكَ. فَأَجَابَ حِينَئِذٍ وَسَارَ إِلَى قُرْطُبَةَ فَدَخَلَهَا وَأَطَاعَهُ النَّاسُ.
فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى أَبِي الْخَطَّارِ مَوْتُ ثَوَابَةَ وَوِلَايَةُ يُوسُفَ قَالَ: إِنَّمَا أَرَادَ الصُّمَيْلُ أَنْ يَصِيرَ الْأَمْرُ إِلَى مُضَرَ، وَسَعَى فِي النَّاسِ حَتَّى ثَارَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ الْيَمَنِ وَمُضَرَ.
فَلَمَّا رَأَى يُوسُفُ ذَلِكَ فَارَقَ قَصْرَ الْإِمَارَةِ بِقُرْطُبَةَ وَعَادَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَسَارَ أَبُو الْخَطَّارِ إِلَى شَقُنْدَةَ، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ الْيَمَانِيَّةُ، وَاجْتَمَعَتِ الْمُضَرِيَّةُ وَتَزَاحَفُوا وَاقْتَتَلُوا أَيَّامًا كَثِيرَةً (قِتَالًا لَمْ يَكُنْ بِالْأَنْدَلُسِ أَعْظَمُ مِنْهُ، ثُمَّ أَجْلَتِ الْحَرْبُ عَنْ هَزِيمَةِ الْيَمَانِيَّةِ) ، وَمَضَى أَبُو الْخَطَّارِ مُنْهَزِمًا فَاسْتَتَرَ فِي رَحًى كَانَتْ لِلصُّمَيْلِ، فَدُلَّ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ الصُّمَيْلُ وَقَتَلَهُ، وَرَجَعَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى الْقَصْرِ، وَازْدَادَ الصُّمَيْلُ شَرَفًا، وَكَانَ اسْمُ الْإِمَارَةِ لِيُوسُفَ وَالْحُكْمُ إِلَى الصُّمَيْلِ.
ثُمَّ خَرَجَ عَلَى يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلْقَمَةَ اللَّخْمِيِّ بِمَدِينَةِ أَرْبُونَةَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى قُتِلَ وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى يُوسُفَ.
وَخَرَجَ عَلَيْهِ عُذْرَةُ الْمَعْرُوفُ بِالذِّمِّيِّ، فَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْتَعَانَ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ يُوسُفُ عَامِرَ بْنَ عَمْرٍو، وَهُوَ الَّذِي تُنْسَبُ إِلَيْهِ مَقْبَرَةُ عَامِرٍ مِنْ (أَبْوَابِ قُرْطُبَةَ) ، فَلَمْ يَظْفَرْ بِهِ وَعَادَ مَفْلُولًا، فَسَارَ إِلَيْهِ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَاتَلَهُ فَقَتَلَهُ وَاسْتَبَاحَ عَسْكَرَهُ.
وَقَدْ وَرَدَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَفِيهَا بَعْضُ الْخِلَافِ، وَسَنَذْكُرُهَا سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ عِنْدَ دُخُولِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيِّ الْأَنْدَلُسَ.
стр. 2344
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَحَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ الْوَاحِدِ، وَهُوَ كَانَ الْعَامِلَ عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ.
وَكَانَ عَلَى الْعِرَاقِ يَزِيدُ [بْنُ عُمَرَ] بْنِ هُبَيْرَةَ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ: الْحَجَّاجُ بْنُ عَاصِمٍ الْمُحَارِبِيُّ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ: عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَكَانَ عَلَى خُرَاسَانَ: نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ وَالْفِتْنَةُ بِهَا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ. وَفِيهَا مَاتَ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ الْعَدَوِيُّ بِخُرَاسَانَ، وَكَانَ قَدْ تَعَلَّمَ النَّحْوَ مِنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، وَكَانَ مِنْ فُصَحَاءِ التَّابِعِينَ. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الزِّنَادِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذَكْوَانَ. وَفِيهَا مَاتَ وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ الْيَمَامِيُّ أَبُو نَصْرٍ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ. وَأَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ.
стр. 2345
وَالْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَرَقَبَةُ بْنُ مَصْقَلَةَ الْكُوفِيُّ. وَمَنْصُورُ بْنُ زَاذَانَ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَقِيلٍ الثَّقَفِيِّ، وَشَهِدَ جِنَازَتَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسُ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى صَلَاحِهِ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ.
стр. 2346
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ]
١٣٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ
ذِكْرُ دُخُولِ أَبِي مُسْلِمٍ مَرْوَ وَالْبَيْعَةِ بِهَا
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ دَخَلَ أَبُو مُسْلِمٍ مَدِينَةَ مَرْوَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَقِيلَ فِي جُمَادَى الْأُولَى.
وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ اتِّفَاقَ ابْنِ الْكَرْمَانِيِّ مَعَهُ. إِنَّ ابْنَ الْكَرْمَانِيِّ وَمَنْ مَعَهُ وَسَائِرَ الْقَبَائِلِ بِخُرَاسَانَ لَمَّا عَاقَدُوا نَصْرًا عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ عَظُمَ عَلَيْهِ وَجَمَعَ أَصْحَابَهُ لِحَرْبِهِمْ، فَكَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ بِإِزَاءِ ابْنِ الْكَرْمَانِيِّ، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: إِنَّ أَبَا مُسْلِمٍ يَقُولُ لَكَ: أَمَا تَأْنَفُ مِنْ مُصَالَحَةِ نَصْرٍ وَقَدْ قَتَلَ بِالْأَمْسِ أَبَاكَ وَصَلَبَهُ؟ وَمَا كُنْتُ أَحْسَبُكَ تُجَامِعُ نَصْرًا فِي مَسْجِدٍ تُصَلِّيَانِ فِيهِ! فَأَحْفَظَهُ هَذَا الْكَلَامَ، فَرَجَعَ عَنْ رَأْيِهِ وَانْتَقَضَ صُلْحُ الْعَرَبِ.
فَلَمَّا انْتَقَضَ صُلْحُهُمْ بَعَثَ نَصْرٌ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ يَلْتَمِسُ مِنْهُ أَنْ يَدْخُلَ مَعَ مُضَرَ، وَبَعَثَ أَصْحَابُ ابْنِ الْكَرْمَانِيِّ، وَهُمْ رَبِيعَةُ وَالْيَمَنُ، إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَرَاسَلُوهُ بِذَلِكَ أَيَّامًا، فَأَمَرَهُمْ أَبُو مُسْلِمٍ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ وَفْدُ الْفَرِيقَيْنِ حَتَّى يَخْتَارَ أَحَدَهُمَا، فَفَعَلُوا، وَأَمَرَ أَبُو مُسْلِمٍ الشِّيعَةَ أَنْ تَخْتَارَ رَبِيعَةَ وَالْيَمَنَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ فِي مُضَرَ، وَهُمْ أَصْحَابُ مَرْوَانَ وَعُمَّالُهُ وَقَتَلَةُ يَحْيَى بْنِ زَيْدٍ.
فَقَدِمَ الْوَفْدَانِ، فَجَلَسَ أَبُو مُسْلِمٍ وَأَجْلَسَهُمْ وَجَمَعَ عِنْدَهُ مِنَ الشِّيعَةِ سَبْعِينَ رَجُلًا فَقَالَ لَهُمْ لِيَخْتَارُوا أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ. فَقَامَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ مِنَ الشِّيعَةِ، فَتَكَلَّمَ وَكَانَ خَطِيبًا مُفَوَّهًا، فَاخْتَارَ ابْنَ الْكَرْمَانِيِّ وَأَصْحَابَهُ، ثُمَّ قَامَ أَبُو مَنْصُورٍ طَلْحَةُ بْنُ زُرَيْقٍ النَّقِيبُ فَاخْتَارَهُمْ أَيْضًا، ثُمَّ قَامَ مَرْثَدُ بْنُ شَقِيقٍ السُّلَمِيُّ فَقَالَ: إِنَّ مُضَرَ قَتَلَةُ آلِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَعْوَانُ بَنِي أُمَيَّةَ، وَشِيعَةُ مَرْوَانَ الْجَعْدِيِّ وَعُمَّالُهُ، وَدِمَاؤُنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأَمْوَالُنَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَنَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ عَامِلُ مَرْوَانَ يُنَفِّذُ أُمُورَهُ وَيَدْعُو لَهُ عَلَى مِنْبَرِهِ وَيُسَمِّيهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَنَحْنُ نَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ نَصْرٌ عَلَى هُدًى، وَقَدِ اخْتَرْنَا عَلِيَّ بْنَ
стр. 2347
الْكَرْمَانِيِّ وَأَصْحَابَهُ. فَقَالَ السَبْعُونَ: الْقَوْلُ مَا قَالَ مَرْثَدُ بْنُ شَقِيقٍ. فَنَهَضَ وَفْدُ نَصْرٍ عَلَيْهِمُ الْكَآبَةُ وَالذِّلَّةُ، وَرَجَعَ وَفْدُ ابْنِ الْكَرْمَانِيِّ مَنْصُورِينَ. وَرَجَعَ أَبُو مُسْلِمٍ مِنَ الْيَنِ إِلَى الْمَاخُوَانِ وَأَمَرَ الشِّيعَةَ أَنْ يَبْنُوا الْمَسَاكِنَ فَقَدْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ مِنَ اجْتِمَاعِ كَلِمَةِ الْعَرَبِ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى [أَبِي مُسْلِمٍ] عَلِيُّ بْنُ الْكَرْمَانِيِّ لِيَدْخُلَ مَدِينَةَ مَرْوَ مِنْ نَاحِيَتِهِ، وَلِيَدْخُلَ هُوَ وَعَشِيرَتُهُ مِنَ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَبُو مُسْلِمٍ: إِنِّي لَسْتُ آمَنُ أَنْ تَجْتَمِعَ يَدُكَ وَيَدُ نَصْرٍ عَلَى مُحَارَبَتِي، وَلَكِنِ ادْخُلْ أَنْتَ فَأَنْشِبِ الْحَرْبَ مَعَ أَصْحَابِ نَصْرٍ.
فَدَخَلَ ابْنُ الْكَرْمَانِيِّ فَأَنْشَبَ الْحَرْبَ، وَبَعَثَ أَبُو مُسْلِمٍ شِبْلَ بْنَ طَهْمَانَ النَّقِيبَ فِي خَيْلٍ فَدَخَلُوهَا، وَنَزَلَ شِبْلٌ بِقَصْرِ بُخَارَاخُذَاهْ، وَبَعَثَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ لِيَدْخُلَ إِلَيْهِمْ، فَسَارَ مِنَ الْمَاخُوَانَ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ أُسَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيُّ، وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ مَالِكُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْخُزَاعِيُّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ الْقَاسِمُ بْنُ مُجَاشِعٍ التَّمِيمِيُّ. فَدَخَلَ مَرْوَ وَالْفَرِيقَانِ يَقْتَتِلَانِ، فَأَمَرَهُمَا بِالْكَفِّ وَهُوَ يَتْلُو مِنْ كِتَابِ اللَّهِ : ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] الْآيَةَ.
وَمَضَى أَبُو مُسْلِمٍ إِلَى قَصْرِ الْإِمَارَةِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْفَرِيقَيْنِ أَنْ كُفُّوا وَلْيَنْصَرِفْ كُلُّ فَرِيقٍ إِلَى عَسْكَرِهِ، فَفَعَلُوا وَصَفَتْ مَرْوُ لِأَبِي مُسْلِمٍ، فَأَمَرَ بِأَخْذِ الْبَيْعَةِ مِنَ الْجُنْدِ، وَكَانَ الَّذِي يَأْخُذُهَا أَبُو مَنْصُورٍ طَلْحَةُ بْنُ رُزَيْقٍ، وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ عَالِمًا بِحُجَجِ الْهَاشِمِيَّةِ وَمَعَايِبِ الْأُمَوِيَّةِ. وَكَانَ النُّقَبَاءُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، اخْتَارَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ مِنَ السَبْعِينَ الَّذِينَ كَانُوا اسْتَجَابُوا لَهُ حِينَ بَعَثَ رَسُولَهُ إِلَى خُرَاسَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ، وَوَصَفَ لَهُ مِنَ الْعَدْلِ صِفَةً، وَكَانَ مِنْهُمْ مِنْ خُزَاعَةَ: سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، وَمَالِكُ بْنُ الْهَيْثَمِ، وَزِيَادُ بْنُ صَالِحٍ، وَطَلْحَةُ بْنُ رُزَيْقٍ، وَعَمْرُو بْنُ أَعْيَنَ، وَمِنْ طَيِّئٍ: قَحْطَبَةُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، وَمِنْ تَمِيمٍ: مُوسَى بْنُ كَعْبٍ أَبُو عُيَيْنَةَ، وَلَاهِزُ بْنُ قُرَيْظٍ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُجَاشِعٍ، وَأَسْلَمُ بْنُ سَلَّامٍ، وَمِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ: أَبُو دَاوُدَ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشَّيْبَانِيُّ، وَأَبُو عَلِيٍّ الْهَرَوِيُّ، وَيُقَالُ شِبْلُ بْنُ طَهْمَانَ مَكَانَ عَمْرِو بْنِ أَعْيَنَ، وَعِيسَى بْنُ كَعْبٍ، وَأَبُو النَّجْمِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِمْرَانَ مَكَانَ أَبِي عَلِيٍّ الْهَرَوِيِّ، وَهُوَ خَتَنُ أَبِي مُسْلِمٍ، وَلَمْ يَكُنْ فِي النُّقَبَاءِ أَحَدٌ وَالِدُهُ حَيٌّ غَيْرَ أَبِي مَنْصُورٍ طَلْحَةَ بْنِ رُزَيْقِ بْنِ سَعْدٍ، وَهُوَ أَبُو زَيْنَبَ الْخُزَاعِيُّ، وَكَانَ قَدْ شَهِدَ حَرْبَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، وَصَحِبَ الْمُهَلَّبَ وَغَزَا مَعَهُ، وَكَانَ أَبُو مُسْلِمٍ يُشَاوِرُهُ فِي الْأُمُورِ وَيَسْأَلُهُ عَنْهَا وَعَمَّا شَهِدَ مِنَ الْحُرُوبِ.
стр. 2348
وَكَانَتِ الْبَيْعَةُ: أُبَايِعُكُمْ [عَلَى] كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَالطَّاعَةِ لِلرِّضَا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْكُمْ بِذَلِكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ، وَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالْمَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَعَلَى أَنْ لَا تَسْأَلُوا رِزْقًا وَلَا طُعْمًا حَتَّى يَبْتَدِئَكُمْ بِهِ وُلَاتُكُمْ.
(رُزَيْقٌ بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ عَلَى الزَّايِ) .
ذِكْرُ هَرَبِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ مِنْ مَرْوَ
ثُمَّ أَرْسَلَ أَبُو مُسْلِمٍ لَاهِزَ بْنَ قُرَيْظٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَى نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ يَدْعُوهُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَالرِّضَاءِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، فَلَمَّا رَأَى مَا جَاءَهُ مِنَ الْيَمَانِيَّةِ وَالرَّبِيعِيَّةِ وَالْعَجَمِ، وَأَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِمْ أَظْهَرَ قَبُولَ مَا أَتَاهُ بِهِ، وَأَنَّهُ يَأْتِيهِ وَيُبَايِعُهُ، وَجَعَلَ يَرْبُثُهُمْ لِمَا هُمْ [بِهِ] مِنَ الْغَدْرِ وَالْهَرَبِ، إِلَى أَنْ أَمْسَوْا، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ لَيْلَتِهِمْ إِلَى مَكَانٍ يَأْمَنُونَ فِيهِ، فَقَالَ لَهُ سَالِمُ بْنُ أَحْوَزَ: لَا يَتَهَيَّأُ لَنَا الْخُرُوجُ (اللَّيْلَةَ وَلَكِنَّنَا نَخْرُجُ) الْقَابِلَةَ.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ عَبَّأَ أَبُو مُسْلِمٍ أَصْحَابَهُ وَكَتَائِبَهُ إِلَى بَعْدِ الظُّهْرِ، وَأَعَادَ إِلَى نَصْرٍ لَاهِزَ بْنَ قُرَيْظٍ وَجَمَاعَةً مَعَهُ، فَدَخَلُوا عَلَى نَصْرٍ. فَقَالَ: مَا أَسْرَعَ مَا عُدْتُمْ! فَقَالَ لَهُ لَاهِزُ بْنُ قُرَيْظٍ: لَا بُدَّ لَكَ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ نَصْرٌ: إِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ فَإِنِّي أَتَوَضَّأُ وَأَخْرُجُ إِلَيْهِ، وَأُرْسِلُ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ، فَإِنْ كَانَ هَذَا رَأْيُهُ وَأَمْرُهُ أَتَيْتُهُ، وَأَتَهَيَّأُ إِلَى أَنْ يَجِيءَ رَسُولِي. فَقَامَ نَصْرٌ، فَلَمَّا قَامَ قَرَأَ لَاهِزُ بْنُ قُرَيْظٍ: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] . فَدَخَلَ نَصْرٌ مَنْزِلَهُ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ انْصِرَافَ رَسُولِهِ مِنْ عِنْدِ أَبِي مُسْلِمٍ. فَلَمَّا جَنَّهُ اللَّيْلُ خَرَجَ مِنْ خَلْفِ حُجْرَتِهِ وَمَعَهُ تَمِيمٌ ابْنُهُ وَالْحَكَمُ بْنُ نُمَيْلَةَ النُّمَيْرِيُّ وَامْرَأَتُهُ الْمَرْزُبَانَةُ وَانْطَلَقُوا هُرَّابًا، فَلَمَّا اسْتَبْطَأَهُ لَاهِزٌ وَأَصْحَابُهُ دَخَلُوا مَنْزِلَهُ فَوَجَدُوهُ قَدْ هَرَبَ.
فَلَمَّا بَلَغَ أَبَا مُسْلِمٍ سَارَ إِلَى مُعَسْكَرِ نَصْرٍ، وَأَخَذَ ثِقَاتِ أَصْحَابِهِ وَصَنَادِيدَهُمْ فَكَتَّفَهُمْ، وَكَانَ فِيهِمْ سَالِمُ بْنُ أَحْوَزَ صَاحِبُ شُرْطَةِ نَصْرٍ، وَالْبَخْتَرِيُّ كَاتِبُهُ، وَابْنَانِ لَهُ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدَوَيْهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ قَطَنٍ، وَمُجَاهِدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حُضَيْنٍ، وَغَيْرُهُمْ، فَاسْتَوْثَقَ مِنْهُمْ بِالْحَدِيدِ، وَكَانُوا فِي الْحَبْسِ عِنْدَهُ، وَسَارَ أَبُو مُسْلِمٍ وَابْنُ الْكَرْمَانِيِّ فِي طَلَبِ نَصْرٍ لَيْلَتَهُمَا، فَأَدْرَكَا امْرَأَتَهُ قَدْ خَلَّفَهَا وَسَارَ، فَرَجَعَ أَبُو مُسْلِمٍ وَابْنُ الْكَرْمَانِيِّ إِلَى مَرْوَ،
стр. 2349
وَسَارَ نَصْرٌ إِلَى سَرْخَسَ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُ ثَلَاثَةُ آلَافِ رَجُلٍ، وَلَمَّا رَجَعَ أَبُو مُسْلِمٍ سَأَلَ مَنْ كَانَ أَرْسَلَهُ إِلَى نَصْرٍ: مَا الَّذِي ارْتَابَ بِهِ نَصْرٌ حَتَّى هَرَبَ؟ قَالُوا: لَا نَدْرِي. قَالَ: فَهَلْ تَكَلَّمَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِشَيْءٍ؟ قَالُوا: تَلَا لَاهِزٌ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ [القصص: ٢٠] . قَالَ: هَذَا الَّذِي دَعَاهُ إِلَى الْهَرَبِ. ثُمَّ قَالَ: يَا لَاهِزُ تُدْغِلُ فِي الدِّينِ! ثُمَّ قَتَلَهُ.
وَاسْتَشَارَ أَبُو مُسْلِمٍ أَبَا طَلْحَةَ فِي أَصْحَابِ نَصْرٍ فَقَالَ: اجْعَلْ سَوْطَكَ السَّيْفَ وَسِجْنَكَ الْقَبْرَ. فَقَتَلَهُمْ أَبُو مُسْلِمٍ، وَكَانَ عِدَّتُهُمْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ رَجُلًا.
وَأَمَّا نَصْرٌ فَإِنَّهُ سَارَ مِنْ سَرْخَسَ إِلَى طُوسٍ فَأَقَامَ بِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَبِسَرْخَسَ يَوْمًا، ثُمَّ سَارَ إِلَى نَيْسَابُورَ فَأَقَامَ بِهَا، وَدَخَلَ ابْنُ الْكَرْمَانِيِّ مَرْوَ مَعَ أَبِي مُسْلِمٍ، وَتَابَعَهُ عَلَى رَأْيٍ وَعَاقَدَهُ عَلَيْهِ.
(يَحْيَى بْنُ حُضَيْنٍ: بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَآخِرُهُ نُونٌ) .
ذِكْرُ قَتْلِ شَيْبَانَ الْحَرُورِيِّ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ شَيْبَانُ بْنُ سَلَمَةَ الْحَرُورِيُّ.
وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَعَلِيُّ بْنُ الْكَرْمَانِيِّ مُجْتَمِعَيْنِ عَلَى قِتَالِ نَصْرٍ لِمُخَالَفَةِ شَيْبَانَ نَصْرًا لِأَنَّهُ مِنْ عُمَّالِ مَرْوَانَ، وَشَيْبَانُ يَرَى رَأْيَ الْخَوَارِجِ، وَمُخَالَفَةِ ابْنِ الْكَرْمَانِيِّ نَصْرًا لِأَنَّ نَصْرًا قَتَلَ أَبَاهُ الْكَرْمَانِيَّ، وَأَنَّ نَصْرًا مُضَرِيٌّ وَابْنَ الْكَرْمَانِيِّ يَمَانِيٌّ، وَبَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ مَا هُوَ مَشْهُورٌ، فَلَمَّا صَالَحَ ابْنُ الْكَرْمَانِيِّ أَبَا مُسْلِمٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَفَارَقَ شَيْبَانَ تَنَحَّى شَيْبَانُ عَنْ مَرْوَ إِذْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقْوَى لِحَرْبِهِمَا، وَقَدْ هَرَبَ نَصْرٌ إِلَى سَرْخَسَ.
وَلَمَّا اسْتَقَامَ الْأَمْرُ لِأَبِي مُسْلِمٍ أَرْسَلَ إِلَى شَيْبَانَ يَدْعُوهُ إِلَى الْبَيْعَةِ، فَقَالَ شَيْبَانُ: أَنَا أَدْعُوكَ إِلَى بَيْعَتِي. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَبُو مُسْلِمٍ: إِنْ لَمْ تَدْخُلْ فِي أَمْرِنَا فَارْتَحِلْ عَنْ مَنْزِلِكَ الَّذِي أَنْتَ بِهِ. فَأَرْسَلَ شَيْبَانُ إِلَى ابْنِ الْكَرْمَانِيِّ يَسْتَنْصِرُهُ، فَأَبَى، فَسَارَ شَيْبَانُ إِلَى سَرْخَسَ وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَبُو مُسْلِمٍ تِسْعَةً مِنَ الْأَزْدِ يَدْعُوهُ وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَكُفَّ، فَأَخَذَ الرُّسُلَ فَسَجَنَهُمْ. فَكَتَبَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَى بَسَّامِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ مَوْلَى بَنِي لَيْثٍ بِأَبِيوَرْدَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى شَيْبَانَ فَيُقَاتِلَهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ فَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ شَيْبَانُ وَاتَّبَعَهُ بِسَّامٌ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَقَتَلَ شَيْبَانَ وَعِدَّةً مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ. فَقِيلَ لِأَبِي مُسْلِمٍ: إِنَّ بَسَّامًا ارْتَدَّ ثَانِيَةً، وَهُوَ يَقْتُلُ الْبَرِيءَ بِالسَّقِيمِ، فَاسْتَقْدَمَهُ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى عَسْكَرِهِ
стр. 2350
رَجُلًا. فَلَمَّا قُتِلَ شَيْبَانُ مَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ بِرُسُلِ أَبِي مُسْلِمٍ فَقَتَلَهُمْ.
وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا مُسْلِمٍ وَجَّهَ إِلَى شَيْبَانَ عَسْكَرًا مِنْ عِنْدِهِ عَلَيْهِمْ خُزَيْمَةُ بْنُ خَازِمٍ وَبَسَّامُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ.
ذِكْرُ قَتْلِ ابْنَيِ الْكَرْمَانِيِّ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَتَلَ أَبُو مُسْلِمٍ عَلِيًّا وَعُثْمَانَ ابْنَيِ الْكَرْمَانِيِّ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ كَانَ وَجَّهَ مُوسَى بْنَ كَعْبٍ إِلَى أَبِيوَرْدَ فَافْتَتَحَهَا وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ بِذَلِكَ، وَوَجَّهَ أَبَا دَاوُدَ إِلَى بَلْخٍ، وَبِهَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُشَيْرِيُّ، فَلَمَّا بَلَغَهُ قَصْدُ أَبِي دَاوُدَ بَلْخًا خَرَجَ فِي أَهْلِ بَلْخٍ وَتِرْمِذَ وَغَيْرِهِمَا مَنْ كُوَرِ طَخَارِسْتَانَ إِلَى الْجُوزَجَانِ، فَلَمَّا دَنَا أَبُو دَاوُدَ مِنْهُمُ انْصَرَفُوا مُنْهَزِمِينَ إِلَى تِرْمِذَ، وَدَخَلَ أَبُو دَاوُدَ مَدِينَةَ بَلْخٍ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو مُسْلِمٍ يَأْمُرُهُ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ، وَوَجَّهَ مَكَانَهُ يَحْيَى بْنَ نُعَيْمٍ أَبَا الْمَيْلَاءِ عَلَى بَلْخٍ، فَلَمَّا قَدِمَ يَحْيَى مَدِينَةَ بَلْخٍ كَاتَبَهُ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْ يَرْجِعَ وَتَصِيرَ أَيْدِيهِمْ وَاحِدَةً، فَأَجَابَهُ، فَرَجَعَ زِيَادٌ وَمُسْلِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُسْلِمٍ الْبَاهِلِيُّ وَعِيسَى بْنُ زُرْعَةَ السُّلَمِيُّ وَأَهْلُ بَلْخٍ وَتِرْمِذَ وَمُلُوكُ طَخَارِسْتَانَ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَدُونَهُ فَنَزَلُوا عَلَى فَرْسَخٍ مِنْ بَلْخٍ، وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ يَحْيَى بْنُ نُعَيْمٍ بِمَنْ مَعَهُ، فَصَارَتْ كَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةً مُضَرَ وَرَبِيعَةَ وَالْيَمَنِ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْعَجَمِ عَلَى قِتَالِ الْمُسَوِّدَةِ، وَجَعَلُوا الْوِلَايَةَ عَلَيْهِمْ لِمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ النَّبَطِيِّ كَرَاهَةَ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَاحِدٍ مِنَ الْفِرَقِ الثَّلَاثَةِ.
وَأَمَرَ أَبُو مُسْلِمٍ أَبَا دَاوُدَ بِالْعَوْدِ، فَأَقْبَلَ بِمَنْ مَعَهُ حَتَّى اجْتَمَعُوا عَلَى نَهْرِ السَّرَجْنَانِ، وَكَانَ زِيَادٌ وَأَصْحَابُهُ قَدْ وَجَّهُوا أَبَا سَعِيدٍ الْقُرَشِيَّ مَسْلَحَةً لِئَلَّا يَأْتِيَهُمْ أَصْحَابُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ خَلْفِهِمْ، وَكَانَتْ أَعْلَامُ أَبِي دَاوُدَ سُودًا، فَلَمَّا اقْتَتَلَ أَبُو دَاوُدَ وَزِيَادٌ وَأَصْحَابُهُمَا أَمَرَ أَبُو سَعِيدٍ أَصْحَابَهُ أَنْ يَأْتُوا زِيَادًا وَأَصْحَابَهُ، فَأَتَوْهُمْ مِنْ خَلْفِهِمْ، فَلَمَّا رَأَى زِيَادٌ وَمَنْ مَعَهُ أَعْلَامَ أَبِي سَعِيدٍ وَرَايَاتِهِ سُودًا ظَنُّوهُ كَمِينًا لِأَبِي دَاوُدَ فَانْهَزَمُوا، وَتَبِعَهُمْ أَبُو دَاوُدَ، فَوَقَعَ عَامَّةُ أَصْحَابِ زِيَادٍ فِي نَهْرِ السَّرَجَنَانِ وَقُتِلَ عَامَّةُ رِجَالِهِمُ الْمُتَخَلِّفِينَ، وَنَزَلَ أَبُو دَاوُدَ مُعَسْكَرَهُمْ وَحَوَى مَا فِيهِ.
وَمَضَى زِيَادٌ وَيَحْيَى وَمَنْ مَعَهُمَا إِلَى تِرْمِذَ، وَاسْتَصْفَى أَبُو دَاوُدَ أَمْوَالَ مَنْ قُتِلَ وَمَنْ هَرَبَ وَاسْتَقَامَتْ لَهُ بَلْخٌ.
وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو مُسْلِمٍ يَأْمُرُهُ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ، وَوَجَّهَ النَّضْرَ بْنَ صُبَيْحٍ الْمُرِّيَّ عَلَى بَلْخٍ.
следующие страницы →