← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

حَنِيفَةَ: أَرَاكَ سَكَتَّ يَا شَيْخُ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَبَاحُوكَ مَا لَا يَمْلِكُونَ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ امْرَأَةً أَبَاحَتْ فَرْجَهَا بِغَيْرِ عَقْدِ نِكَاحٍ وَمِلْكِ يَمِينٍ، أَكَانَ يَجُوزُ أَنْ تُوطَأَ؟ قَالَ: لَا! وَكَفَّ عَنْ أَهْلِ الْمَوْصِلِ وَأَمَرَ أَبَا حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ بِالْعَوْدِ إِلَى الْكُوفَةِ. ذِكْرُ اسْتِعْمَالِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الْمَنْصُورُ عَلَى الْمَوْصِلِ خَالِدَ بْنَ بَرْمَكَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَهُ انْتِشَارُ الْأَكْرَادِ بِوِلَايَتِهَا وَإِفْسَادُهُمْ، فَقَالَ: مَنْ لَهَا؟ فَقَالُوا: الْمُسَيَّبُ بْنُ زُهَيْرٍ، فَأَشَارَ عُمَارَةُ بْنُ غَمْرَةَ بِخَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ، فَوَلَّاهُ وَسَيَّرَهُ إِلَيْهَا، وَأَحْسَنَ إِلَى النَّاسِ، وَقَهَرَ الْمُفْسِدِينَ وَكَفَّهُمْ، وَهَابَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ هَيْبَةً شَدِيدَةً مَعَ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ. [وِلَادَةُ الْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى] وَفِيهَا وُلِدَ الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ الرَّشِيدُ بْنُ الْمَهْدِيِّ بِسَبْعَةِ أَيَّامٍ، فَأَرْضَعَتْهُ الْخَيْزُرَانُ أُمُّ الرَّشِيدِ بِلَبَنِ ابْنِهَا، فَكَانَ الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى أَخَا الرَّشِيدِ مِنَ الرَّضَاعَةِ. وَلِذَلِكَ يَقُولُ سَلْمٌ الْخَاسِرُ: أَصْبَحَ الْفَضْلُ وَالْخَلِيفَةُ هَارُو ... نُ رَضِيعَيْ لِبَانِ خَيْرِ النِّسَاءِ. وَقَالَ أَبُو الْجَنُوبِ: كَفَى لَكَ فَضْلًا أَنَّ أَفْضَلَ حُرَّةٍ ... غَذَّتْكَ بِثَدْيٍ وَالْخَلِيفَةَ وَاحِدِ. ذِكْرُ وِلَايَةِ الْأَغْلَبِ بْنِ سَالِمٍ إِفْرِيقِيَّةَ لَمَّا بَلَغَ الْمَنْصُورَ خُرُوجُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ بَعَثَ إِلَى الْأَغْلَبِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عِقَالِ بْنِ خَفَاجَةَ التَّمِيمِيِّ عَهْدًا بِوِلَايَةِ إِفْرِيقِيَّةَ. وَكَانَ هَذَا الْأَغْلَبُ مِمَّنْ قَامَ مَعَ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَقَدِمَ إِفْرِيقِيَّةَ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، فَلَمَّا أَتَاهُ الْعَهْدُ قَدِمَ الْقَيْرَوَانَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ وَأَخْرَجَ جَمَاعَةً مِنْ قُوَّادِ الْمُضَرِيَّةِ، وَسَكَنَ النَّاسُ. وَخَرَجَ عَلَيْهِ أَبُو قُرَّةَ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الْبَرْبَرِ، فَسَارَ إِلَيْهِ الْأَغْلَبُ، فَهَرَبَ أَبُو قُرَّةَ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، وَسَارَ الْأَغْلَبُ يُرِيدُ طَنْجَةَ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْجُنْدِ وَكَرِهُوا الْمَسِيرَ وَتَسَلَّلُوا عَنْهُ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ.

стр. 2522

وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ حَرْبٍ الْكِنْدِيُّ بِمَدِينَةِ تُونُسَ، وَكَاتَبَ الْجُنْدَ وَدَعَاهُمْ إِلَى نَفْسِهِ، فَأَجَابُوهُ، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ الْقَيْرَوَانَ مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ. وَبَلَغَ الْأَغْلَبَ الْخَبَرُ فَعَادَ مُجِدًّا، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: لَيْسَ مِنَ الرَّأْيِ (أَنْ تَعْدِلَ [إِلَى] لِقَاءِ الْعَدُوِّ فِي هَذِهِ الْعُدَّةِ الْقَلِيلَةِ، وَلَكِنَّ الرَّأْيَ أَنْ تَعَدِلَ إِلَى قَابِسَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ مَنْ مَعَهُ يَجِيءُ إِلَيْكَ، لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا كَرِهُوا الْمَسِيرَ إِلَى طَنْجَةَ لَا غَيْرُ وَتَقْوَى بِهِمْ وَتُقَاتِلُ عَدُوَّكَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ وَكَثُرَ جَمْعُهُ وَسَارَ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ حَرْبٍ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ الْحَسَنُ وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ، وَمَضَى الْحَسَنُ إِلَى تُونُسَ (فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ) ، وَدَخَلَ الْأَغْلَبُ الْقَيْرَوَانَ. وَحَشَدَ الْحَسَنُ وَجَمَعَ فَصَارَ فِي عُدَّةٍ عَظِيمَةٍ، فَقَصَدَ الْأَغْلَبَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْأَغْلَبُ مِنَ الْقَيْرَوَانِ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَأَصَابَ الْأَغْلَبَ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ، وَثَبَتَ أَصْحَابُهُ، (فَتَقَدَّمَ عَلَيْهِمُ الْمُخَارِقُ بْنُ غِفَارٍ، فَحَمَلَ الْمُخَارِقُ عَلَى الْحَسَنِ، وَكَانَ فِي مَيْمَنَةِ الْأَغْلَبِ، فَهَزَمَهُ، فَمَضَى مُنْهَزِمًا إِلَى تُونُسَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ. وَوَلِيَ الْمُخَارِقُ إِفْرِيقِيَّةَ فِي رَمَضَانَ، وَوَجَّهَ الْخَيْلَ فِي طَلَبِ الْحَسَنِ، فَهَرَبَ الْحَسَنُ مِنْ تُونُسَ إِلَى كِنَايَهْ فَأَقَامَ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى تُونُسَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ مَنْ بِهَا مِنَ الْجُنْدِ فَقَتَلُوهُ. (وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْحَسَنَ قُتِلَ بَعْدَ قَتْلِ الْأَغْلَبِ، لِأَنَّ أَصْحَابَ الْأَغْلَبِ ثَبَتُوا بَعْدَ قَتْلِهِ) فِي الْمَعْرَكَةِ، فَقُتِلَ الْحَسَنُ بْنُ حَرْبٍ أَيْضًا، وَوَلَّى أَصْحَابُهُ مُنْهَزِمِينَ وَصُلِبَ الْحَسَنُ، وَدُفِنَ الْأَغْلَبُ وَسُمِّيَ الشَّهِيدَ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ. ذِكْرُ الْفِتَنِ بِالْأَنْدَلُسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ سَعِيدٌ الْيَحْصُبِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْمَطَرِيِّ بِالْأَنْدَلُسِ بِمَدِينَةِ لِبْلَةَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ سَكِرَ يَوْمًا، فَتَذَكَّرَ مَنْ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ الْيَمَانِيَّةِ مَعَ الْعَلَاءِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، فَعَقَدَ لِوَاءً، فَلَمَّا صَحَا رَآهُ مَعْقُودًا فَسَأَلَ عَنْهُ فَأُخْبِرَ بِهِ، فَأَرَادَ حَلَّهُ ثُمَّ قَالَ: مَا كُنْتُ لَأَعْقِدَ لِوَاءً ثُمَّ أَحُلَّهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ! وَشَرَعَ فِي الْخِلَافِ، فَاجْتَمَعَتِ الْيَمَانِيَّةُ إِلَيْهِ وَقَصَدَ إِشْبِيلِيَّةَ وَتَغَلَّبَ عَلَيْهَا وَكَثُرَ جَمْعُهُ. فَبَادَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ فِي جُمُوعِهِ، فَامْتَنَعَ

стр. 2523

الْمَطَرِيُّ فِي قَلْعَةِ زَعْوَاقَ لِإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَحَصَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِيهَا، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، وَمَنَعَ أَهْلَ الْخِلَافِ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ. وَكَانَ قَدْ وَافَقَهُ عَلَى الْخِلَافِ غِيَاثُ بْنُ عَلْقَمَةَ اللَّخْمِيُّ، وَكَانَ بِمَدِينَةِ شَذُونَةَ، وَقَدِ انْضَافَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ رُؤَسَاءِ الْقَبَائِلِ يُرِيدُونَ إِمْدَادَ الْمَطَرِيِّ، وَهُمْ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ. فَلَمَّا سَمِعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ذَلِكَ سَيَّرَ إِلَيْهِمْ بَدْرًا مَوْلَاهُ فِي جَيْشٍ، فَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْوُصُولِ إِلَى الْمَطَرِيِّ، فَطَالَ الْحِصَارُ عَلَيْهِ وَقَلَّتْ رِجَالُهُ بِالْقَتْلِ، فَفَارَقَهُ بَعْضُهُمْ، فَخَرَجَ يَوْمًا مِنَ الْقَلْعَةِ وَقَاتَلَ وَقُتِلَ وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ. فَقَدَّمَ أَهْلُ الْقَلْعَةِ عَلَيْهِمْ خَلِيفَةَ بْنَ مَرْوَانَ، فَدَامَ الْحِصَارُ عَلَيْهِمْ، فَأَرْسَلَ أَهْلُهَا يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِيُسَلِّمُوا إِلَيْهِ خَلِيفَةَ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ وَآمَنَهُمْ، فَسَلَّمُوا إِلَيْهِ الْحِصْنَ وَخَلِيفَةَ، فَخَرَّبَ الْحِصْنَ وَقَتَلَ خَلِيفَةَ وَمَنْ مَعَهُ. ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى غِيَاثٍ، وَكَانَ مُوَافِقًا لِلْمَطَرِيِّ عَلَى الْخِلَافِ، فَحَصَرَهُمْ وَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ فَآمَنَهُمْ إِلَّا نَفَرًا كَانَ يَعْرِفُ كَرَاهَتَهُمْ لِدَوْلَتِهِ، فَإِنَّهُ قَبَضَ عَلَيْهِمْ، وَعَادَ إِلَى قُرْطُبَةَ، فَلَمَّا عَادَ إِلَيْهَا خَرَجَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خُرَاشَةَ الْأَسَدِيُّ بِكُورَةِ جَيَّانَ، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ جُمُوعٌ، فَأَغَارَ عَلَى قُرْطُبَةَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ جَيْشًا، فَتَفَرَّقَ جَمْعُهُ، فَطَلَبَ الْأَمَانَ، فَبَذَلَهُ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَوَفَّى لَهُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا عَسْكَرَ صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ بِدَابِقٍ وَلَمْ يَغْزُ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ، وَكَانَ وُلَاةُ الْأَمْصَارِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ الْأَعْمَشُ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ سِتِّينَ. وَفِيهَا مَاتَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ، وَقَبْرُهُ بِالْمَدِينَةِ يُزَارُ، وَهُوَ وَأَبُوهُ وَجَدُّهُ فِي قَبْرٍ

стр. 2524

وَاحِدٍ مَعَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَفِيهَا مَاتَ زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ. وَأَبُو أُمَيَّةَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بْنِ يَعْقُوبَ مَوْلَى قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ تِسْعِينَ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ، وَيُقَالُ مَوْلَى تَمِيمٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ. وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى الْقَاضِي. وَمُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ. وَمُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ الْمَدَنِيُّ. وَعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُوَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ الْوَاسِطِيُّ. وَيَحْيَى بْنُ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيُّ، مِنْ أَهْلِ الرَّمَلَةِ. (سَيْبَانُ: بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، ثُمَّ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتَ، ثُمَّ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ: بَطْنٌ مِنْ حِمْيَرَ) .

стр. 2525

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ] ١٤٩ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ وَفِيهَا غَزَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِفَةَ أَرْضَ الرُّومِ وَمَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ قَحْطَبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ، فَمَاتَ مُحَمَّدٌ فِي الطَّرِيقِ. وَفِيهَا اسْتَتَمَّ الْمَنْصُورُ بِنَاءَ سُورِ بَغْدَاذَ وَخَنْدَقِهَا، وَفَرَغَ مِنْ جَمِيعِ أُمُورِهَا، وَسَارَ إِلَى حَدِيثَةِ الْمَوْصِلِ ثُمَّ عَادَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. وَفِيهَا عُزِلَ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ مَكَّةَ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَاسْتُعْمِلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. وَكَانَ عُمَّالُ الْأَمْصَارِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ سِوَى مَكَّةَ وَالطَّائِفِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا أَغْزَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ بَدْرًا مَوْلَاهُ إِلَى بِلَادِ الْعَدُوِّ فَجَاوَزَ إِلَيْهِ وَأَخَذَ جِزْيَتَهَا. وَكَانَ أَبُو الصَّبَّاحِ حُيَىُّ بْنُ يَحْيَى عَلَى إِشْبِيلِيَّةَ فَعَزَلَهُ فَدَعَا إِلَى الْخِلَافِ، فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَخَدَعَهُ حَتَّى حَضَرَ عِنْدَهُ فَقَتَلَهُ.

стр. 2526

[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ الْبَاهِلِيُّ بِالرَّيِّ. وَكَانَ مَشْهُورًا عَظِيمَ الْقَدْرِ. وَكَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ الْبَصْرِيُّ. (وَفِيهَا تُوُفِّيَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ النَّحْوِيُّ الْمَشْهُورُ، وَعَنْهُ أَخَذَ الْخَلِيلُ النَّحْوَ، وَلَهُ فِيهِ تَصْنِيفٌ) .

стр. 2527

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ] ١٥٠ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ خُرُوجِ أُسْتَاذْ سِيسْ. وَفِيهَا خَرَجَ أُسْتَاذْ سِيسْ فِي أَهْلِ هَرَاةَ وَبَاذَغِيسَ وَسِجِسْتَانَ وَغَيْرِهَا مِنْ خُرَاسَانَ، وَكَانَ فِيمَا قِيلَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، فَغَلَبُوا عَلَى عَامَّةِ خُرَاسَانَ، وَسَارُوا حَتَّى الْتَقَوْا هُمْ وَأَهْلُ مَرْوِ الرُّوذِ. فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الْأَجْثَمُ الْمَرْوَرُّوذِيُّ فِي أَهْلِ مَرْوِ الرُّوذِ، فَقَاتَلُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ الْأَجْثَمُ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي أَصْحَابِهِ، وَهُزِمَ عِدَّةٌ مِنَ الْقُوَّادِ، مِنْهُمْ: مُعَاذُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَجِبْرَائِيلُ بْنُ يَحْيَى، وَحَمَّادُ بْنُ عَمْرٍو، وَأَبُو النَّجْمِ السِّجِسْتَانِيُّ، وَدَاوُدُ بْنُ كَرَّارٍ. وَوَجَّهَ الْمَنْصُورُ، وَهُوَ بِالرَّاذَانِ، خَازِمَ بْنَ خُزَيْمَةَ إِلَى الْمَهْدِيِّ، فَوَلَّاهُ الْمَهْدِيُّ مُحَارَبَةَ أُسْتَاذْ سِيسْ وَضَمَّ إِلَيْهِ الْقُوَّادَ. فَسَارَ خَازِمٌ وَأَخَذَ مَعَهُ مَنِ انْهَزَمَ، وَجَعَلَهُمْ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ يُكَثِّرُ بِهِمْ مَنْ مَعَهُ، وَكَانَ مَعَهُ مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ أَلْفًا. ثُمَّ انْتَخَبَ مِنْهُمْ سِتَّةَ آلَافِ رَجُلٍ وَضَمَّهُمْ إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا كَانُوا مَعَهُ مِنَ الْمُنْتَخَبِينَ، وَكَانَ بَكَّارُ بْنُ سَلْمٍ فِيمَنِ انْتُخِبَ، وَتَعَبَّأَ لِلْقِتَالِ، فَجَعَلَ الْهَيْثَمَ بْنَ شُعْبَةَ بْنِ ظُهَيْرٍ عَلَى مَيْمَنَتِهِ، وَنَهَارَ بْنَ حُصَيْنٍ السَّعْدِيَّ عَلَى مَيْسَرَتِهِ، وَبَكَّارَ بْنَ سَلْمٍ الْعُقَيْلِيَّ فِي مُقَدِّمَتِهِ، وَكَانَ لِوَاؤُهُ مَعَ الزِّبْرِقَانِ. فَمَكَرَ بِهِمْ وَرَاوَغَهُمْ (فِي أَنْ يَنْقُلَهُمْ) مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ وَخَنْدَقٍ إِلَى خَنْدَقٍ حَتَّى قَطَعَهُمْ، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ رَجَّالَةً، ثُمَّ سَارَ خَازِمٌ إِلَى مَوْضِعٍ فَنَزَلَهُ وَخَنْدَقَ عَلَيْهِ وَعَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِهِ، وَجَعَلَ لَهُ أَرْبَعَةَ أَبْوَابٍ، وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ بَابٍ أَلْفًا مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ انْتَخَبَ. وَأَتَى أَصْحَابُ أُسْتَاذْ سِيسْ وَمَعَهُمُ الْفُئُوسُ وَالْمُرُورُ وَالزُّبُلُ لِيَطُمُّوا الْخَنْدَقَ، فَأَتَوُا

стр. 2528

الْخَنْدَقَ مِنَ الْبَابِ الَّذِي عَلَيْهِ بَكَّارُ بْنُ سَلْمٍ، فَحَمَلُوا عَلَى أَصْحَابِ بَكَّارٍ حَمْلَةً هَزَمُوهُمْ بِهَا، فَرَمَى بَكَّارٌ بِنَفْسِهِ، فَتَرَجَّلَ عَلَى بَابِ الْخَنْدَقِ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَا يُؤْتَى الْمُسْلِمُونَ مِنْ نَاحِيَتِنَا. تَرَجَّلَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَعَشِيرَتِهِ نَحْوٌ مِنْ خَمْسِينَ رُجَلًا وَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى رَدُّوهُمْ مِنْ بَابِهِمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى الْبَابِ الَّذِي عَلَيْهِ خَازِمٌ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ أُسْتَاذْ سِيسْ مِنْ أَهْلِ سِجِسْتَانَ اسْمُهُ الْحَرِيشُ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُدَبِّرُ أَمْرَهُ، فَلَمَّا رَآهُ خَازِمٌ مُقْبِلًا بَعَثَ إِلَى الْهَيْثَمِ بْنِ شُعْبَةَ، وَكَانَ فِي الْمَيْمَنَةِ، يَأْمُرُهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْبَابِ الَّذِي عَلَيْهِ بَكَّارٌ، فَإِنَّ مَنْ بِإِزَائِهِ قَدْ شُغِلُوا عَنْهُمْ، وَيَسِيرُ حَتَّى يَغِيبَ عَنْ أَبْصَارِهِمْ، ثُمَّ يَرْجِعُ مِنْ خَلْفِ الْعَدُوِّ، وَقَدْ كَانُوا يَتَوَقَّعُونَ قُدُومَ أَبِي عَوْنٍ، وَعَمْرِو بْنِ سَلْمِ بْنِ قُتَيْبَةَ مِنْ طَخَارِسْتَانَ. وَبَعَثَ خَازِمٌ إِلَى بَكَّارٍ: إِذَا رَأَيْتَ رَايَاتِ الْهَيْثَمِ قَدْ جَاءَتْ كَبِّرُوا وَقُولُوا: قَدْ جَاءَ أَهْلُ طَخَارِسْتَانَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ الْهَيْثَمُ، وَخَرَجَ خَازِمٌ فِي الْقَلْبِ عَلَى الْحَرِيشِ وَشَغَلَهُمْ بِالْقِتَالِ، وَصَبَرَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ. فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ نَظَرُوا إِلَى أَعْلَامِ الْهَيْثَمِ فَتَنَادَوْا بَيْنَهُمْ: جَاءَ أَهْلُ طَخَارِسْتَانَ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهَا حَمَلَ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُ خَازِمٍ فَكَشَفُوهُمْ، وَلَقِيَهُمْ أَصْحَابُ الْهَيْثَمِ فَطَعَنُوهُمْ بِالرِّمَاحِ وَرَمَوْهُمْ بِالنُّشَّابِ. وَخَرَجَ [عَلَيْهِمْ] نَهَارُ بْنُ حُصَيْنٍ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَيْسَرَةِ، وَبَكَّارُ بْنُ سَلْمٍ وَأَصْحَابُهُ مِنْ نَاحِيَتِهِمْ، فَهَزَمُوهُمْ وَوَضَعُوا فِيهِمُ السُّيُوفَ، فَقَتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَأَكْثَرُوا، وَكَانَ عَدَدُ مَنْ قُتِلَ سَبْعِينَ أَلْفًا، وَأَسَرُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَنَجَا أُسْتَاذْ سِيسْ إِلَى جَبَلٍ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، فَحَصَرَهُمْ خَازِمٌ، وَقَتَلَ الْأَسْرَى. وَوَافَاهُ أَبُو عَوْنٍ وَعَمْرُو بْنُ سَلْمٍ وَمَنْ مَعَهُمَا، فَنَزَلَ أُسْتَاذْ سِيسْ عَلَى حُكْمِ أَبِي عَوْنٍ، فَحَكَمَ أَنْ يُوثَقَ أُسْتَاذْ سِيسْ وَبَنُوهُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ بِالْحَدِيدِ، وَأَنْ يُعْتَقَ الْبَاقُونَ وَهُمْ ثَلَاثُونَ أَلْفًا، فَأَمْضَى خَازِمٌ حُكْمَهُ وَكَسَا كُلَّ رَجُلٍ ثَوْبَيْنِ، وَكَتَبَ إِلَى الْمَهْدِيِّ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ الْمَهْدِيُّ إِلَى الْمَنْصُورِ. وَقِيلَ: إِنَّ خُرُوجَ أُسْتَاذْ سِيسْ كَانَ سَنَةَ خَمْسِينَ، وَكَانَتْ هَزِيمَتُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أُسْتَاذْ سِيسْ ادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَأَظْهَرَ أَصْحَابُهُ الْفِسْقَ وَقَطْعَ السَّبِيلِ.

стр. 2529

وَقِيلَ: إِنَّهُ جَدُّ الْمَأْمُونِ أَبُو أُمِّهِ مَرَاجِلُ، وَابْنُهُ غَالِبٌ خَالُ الْمَأْمُونِ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ ذَا الرِّيَاسَتَيْنِ الْفَضْلَ بْنَ سَهْلٍ لِمُوَاطَأَةٍ مِنَ الْمَأْمُونِ، وَسَيَرِدُ ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ الْمَنْصُورُ جَعْفَرَ بْنَ سُلَيْمَانَ عَنِ الْمَدِينَةِ وَوَلَّاهَا الْحَسَنَ بْنَ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ. وَفِيهَا خَرَجَ بِالْأَنْدَلُسِ غِيَاثُ بْنُ الْمُسَيَّرِ الْأَسَدِيُّ بِنَائِحَةَ، فَجَمَعَ الْعُمَّالُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ جَمْعًا كَثِيرًا، وَسَارَ إِلَى غِيَاثٍ، فَوَاقَعَهُ، فَانْهَزَمَ غِيَاثٌ وَمَنْ مَعَهُ وَقُتِلَ غِيَاثٌ وَبُعِثَ بِرَأْسِهِ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِقُرْطُبَةَ) . وَفِيهَا مَاتَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ أَبُوهُ، وَدُفِنَ لَيْلًا فِي مَقَابِرِ قُرَيْشٍ، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ [فِي هَذِهِ السَّنَةِ] صَائِفَةٌ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ، وَكَانَ هُوَ الْعَامِلَ عَلَى مَكَّةَ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ كَانَ الْعَامِلُ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ. وَكَانَ عَلَى الْكُوفَةِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ عُقْبَةُ بْنُ سَلْمٍ، وَعَلَى قَضَائِهَا سَوَّارٌ، وَعَلَى مِصْرَ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ. وَمَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ.

стр. 2530

وَعُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، وَقِيلَ: مَاتَ عُمَرُ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ، يَقُولُ بِالْإِرْجَاءِ. وَفِي سَنَةِ خَمْسِينَ مَاتَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ. وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ صَاحِبُ الْمَغَازِي، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ. وَفِيهَا مَاتَ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَلْخِيُّ الْمُفَسِّرُ، وَكَانَ ضَعِيفًا فِي الْحَدِيثِ، وَأَبُو جَنَابٍ الْكَلْبِيُّ، وَعُثْمَانُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، وَاسْمُ أَبِي عَرُوبَةَ مِهْرَانُ مَوْلَى بَنِي يَشْكُرَ، كُنْيَتُهُ أَبُو النَّضْرِ. (يَسَارٌ بِالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ) .

стр. 2531

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَمِائَة] ١٥١ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ فِيهَا أَغَارَتِ الْكُرْكُ عَلَى جُدَّةَ. ذِكْرُ عَزْلِ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ عَنِ السِّنْدِ وَوِلَايَةِ هِشَامِ بْنِ عَمْرٍو وَفِيهَا عَزَلَ الْمَنْصُورُ عُمَرَ بْنَ حَفْصِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ قَبِيصَةَ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ الْمَعْرُوفَ بِهَزَارْمَرْدَ، يَعْنِي أَلْفَ رَجُلٍ، عَنِ السِّنْدِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا هِشَامَ بْنَ عَمْرٍو التَّغْلِبِيَّ، وَاسْتَعْمَلَ عُمَرَ بْنَ حَفْصٍ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ. وَكَانَ سَبَبُ عَزْلِهِ عَنِ السِّنْدِ أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا لَمَّا ظَهَرَ مُحَمَّدُ وَإِبْرَاهِيمُ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، فَوَجَّهَ مُحَمَّدُ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ الْمَعْرُوفَ بِالْأَشْتَرِ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَاشْتَرَى مِنْهَا خَيْلًا عِتَاقًا لِيَكُونَ سَبَبَ وُصُولِهِمْ إِلَى عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، لِأَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ بَايَعَهُ مِنْ قُوَّادِ الْمَنْصُورِ، وَكَانَ يَتَشَيَّعُ. وَسَارُوا فِي الْبَحْرِ إِلَى السِّنْدِ، فَأَمَرَهُمْ عُمَرُ أَنْ يُحْضِرُوا خَيْلَهُمْ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: إِنَّا جِئْنَاكَ بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنَ الْخَيْلِ وَبِمَا لَكَ فِيهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَأَعْطِنَا الْأَمَانَ إِمَّا قَبِلْتَ مِنَّا وَإِمَّا سَتَرْتَ وَأَمْسَكْتَ عَنْ إِيذَائِنَا حَتَّى نَخْرُجَ عَنْ بِلَادِكَ رَاجِعِينَ. فَآمَنُهُ. فَذَكَرَ لَهُ حَالَهُمْ وَحَالَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَرْسَلَهُ أَبُوهُ إِلَيْهِ، فَرَحَّبَ بِهِمْ وَبَايَعَهُمْ وَأَنْزَلَ الْأَشْتَرَ عِنْدَهُ مُخْتَفِيًا، وَدَعَا كُبَرَاءَ أَهْلِ الْبَلَدِ وَقُوَّادَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ إِلَى الْبَيْعَةِ، فَأَجَابُوهُ، فَقَطَعَ أَلْوِيَتَهُمُ الْبِيضَ، وَهَيَّأَ لُبْسَهُ مِنَ الْبَيَاضِ لِيَخْطُبَ فِيهِ وَتَهَيَّأَ لِذَلِكَ يَوْمَ الْخَمِيسِ. فَوَصَلَهُ مَرْكَبٌ لَطِيفٌ فِيهِ رَسُولٌ مِنِ امْرَأَةِ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ تُخْبِرُهُ بِقَتْلِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَدَخَلَ عَلَى الْأَشْتَرِ فَأَخْبَرَهُ وَعَزَّاهُ، فَقَالَ لَهُ الْأَشْتَرُ: إِنَّ أَمْرِي قَدْ ظَهَرَ وَدَمِي فِي عُنُقِكَ. قَالَ عُمَرُ: قَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا، هَاهُنَا مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ السِّنْدِ عَظِيمُ الشَّأْنِ كَثِيرُ الْمَمْلَكَةِ، وَهُوَ عَلَى شَوْكَةٍ، أَشَدُّ النَّاسِ تَعْظِيمًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ وَفِيٌّ، أَرْسِلْ إِلَيْهِ فَاعْقِدْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَقْدًا، فَأُوَجِّهُكَ إِلَيْهِ فَلَسْتَ تُرَامُ مَعَهُ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَسَارَ إِلَيْهِ الْأَشْتَرُ،

стр. 2532

فَأَكْرَمَهُ وَأَظْهَرَ بِرَّهُ، وَتَسَلَّلَتْ إِلَيْهِ الزَّيْدِيَّةُ حَتَّى اجْتَمَعَ مَعَهُ أَرْبَعُمِائَةِ إِنْسَانٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصَائِرِ، فَكَانَ يَرْكَبُ فِيهِمْ وَيَتَصَيَّدُ فِي هَيْئَةِ الْمُلُوكِ وَآلَاتِهِمْ. فَلَمَّا انْتَهَى [ذَلِكَ] إِلَى الْمَنْصُورِ بَلَغَ مِنْهُ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ يُخْبِرُهُ مَا بَلَغَهُ، فَقَرَأَ الْكِتَابَ عَلَى أَهْلِهِ وَقَالَ لَهُمْ: إِنْ أَقْرَرْتُ بِالْقِصَّةِ عَزَلَنِي، وَإِنْ صِرْتُ إِلَيْهِ قَتَلَنِي، وَإِنِ امْتَنَعْتُ حَارَبَنِي. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَلْقِ الذَّنْبَ عَلَيَّ وَخُذْنِي وَقَيِّدْنِي، فَإِنَّهُ سَيَكْتُبُ فِي حَمْلِي إِلَيْهِ، فَاحْمِلْنِي فَإِنَّهُ لَا يَقْدَمُ عَلَيَّ لِمَكَانِكَ فِي السِّنْدِ وَحَالِ أَهْلِ بَيْتِكَ بِالْبَصْرَةِ. فَقَالَ عُمَرُ: أَخَافُ عَلَيْكَ خِلَافَ مَا تَظُنُّ. قَالَ: إِنْ قُتِلْتُ فَنَفْسِي فِدًا لِنَفْسِكَ. فَقَيَّدَهُ وَحَبَسَهُ وَكَتَبَ إِلَى الْمَنْصُورِ بِأَمْرِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمَنْصُورُ يَأْمُرُهُ بِحَمْلِهِ، فَلَمَّا صَارَ إِلَيْهِ ضَرَبَ عُنُقَهُ. ثُمَّ اسْتَعْمَلَ عَلَى السِّنْدِ هِشَامَ بْنَ عَمْرٍو التَّغْلِبِيَّ، وَكَانَ سَبَبُ اسْتِعْمَالِهِ أَنَّ الْمَنْصُورَ كَانَ تَفَكَّرَ فِيمَنْ يُوَلِّيهِ السِّنْدَ، فَبَيْنَا هُوَ رَاكِبٌ وَالْمَنْصُورُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذْ غَابَ يَسِيرًا ثُمَّ عَادَ فَاسْتَأْذَنَ عَلَى الْمَنْصُورِ، فَأَدْخَلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي لَمَّا انْصَرَفْتُ مِنَ الْمَوْكِبِ لَقِيَتْنِي أُخْتِي فُلَانَةُ، فَرَأَيْتُ مِنْ جِمَالِهَا وَعَقْلِهَا وَدِينِهَا مَا رَضِيتُهَا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَأَطْرَقَ ثُمَّ قَالَ: اخْرُجْ يَأْتِكَ أَمْرِي. فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ الْمَنْصُورُ لِحَاجِبِهِ الرَّبِيعِ: لَوْلَا قَوْلُ جَرِيرٍ: لَا تَطْلُبَنَّ خَئُولَةً فِي تَغْلِبٍ ... فَالزِّنْجُ أَكْرَمُ مِنْهُمْ أَخْوَالَا لَتَزَوَّجْتُ إِلَيْهِ، قُلْ لَهُ: لَوْ كَانَ لَنَا حَاجَةٌ فِي النِّكَاحِ لَقَبِلْتُ، فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، وَقَدْ وَلَّيْتُكَ السِّنْدَ. فَتَجَهَّزَ إِلَيْهَا، وَأَمَرَهُ أَنْ يُكَاتِبَ ذَلِكَ الْمَلِكَ بِتَسْلِيمِ عَبْدِ اللَّهِ، فَإِنْ سَلَّمَهُ وَإِلَّا حَارِبْهُ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ بِوِلَايَتِهِ إِفْرِيقِيَّةَ. فَسَارَ هِشَامٌ إِلَى السِّنْدِ فَمَلَكَهَا، وَسَارَ عُمَرُ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ فَوَلِيَهَا. فَلَمَّا صَارَ هِشَامٌ بِالسِّنْدِ كَرِهَ أَخْذَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَشْتَرِ، وَأَقْبَلَ يُرِي النَّاسَ أَنَّهُ يُكَاتِبُ ذَلِكَ الْمَلِكَ، وَاتَّصَلَتِ الْأَخْبَارُ بِالْمَنْصُورِ بِذَلِكَ، فَجَعَلَ يَكْتُبُ إِلَيْهِ يَسْتَحِثُّهُ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ خَرَجَتْ خَارِجَةٌ بِبِلَادِ السِّنْدِ، فَوَجَّهَ هِشَامٌ أَخَاهُ سَفَنَّجًا، فَخَرَجَ فِي جَيْشِهِ وَطَرِيقُهُ بِجَنَبَاتِ ذَلِكَ الْمَلِكِ. فَبَيْنَا هُوَ يَسِيرُ إِذَا غُبْرَةٌ قَدِ ارْتَفَعَتْ، فَظَنَّ أَنَّهُمْ مُقَدِّمَةُ الْعَدُوِّ الَّذِي يَقْصِدُهُ، فَوَجَّهَ طَلَائِعَهُ، فَزَحَفَتْ إِلَيْهِ، فَقَالُوا: هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيُّ يَتَنَزَّهُ عَلَى شَاطِئِ مِهْرَانَ. فَمَضَى يُرِيدُهُ، فَقَالَ نُصَحَاؤُهُ: هَذَا ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ تَرَكَهُ أَخُوكَ

стр. 2533

مُتَعَمِّدًا مَخَافَةَ أَنْ يَبُوءَ بِدَمِهِ، فَلَمْ يَقْصِدْهُ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَدَعَ أَخْذَهُ، وَلَا أَدَعُ أَحَدًا يَحْظَى بِأَخْذِهِ أَوْ قَتْلِهِ عِنْدَ الْمَنْصُورِ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ فِي عَشَرَةٍ، فَقَصَدَهُ فَقَاتَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَقَاتَلَ أَصْحَابُهُ حَتَّى قُتِلَ وَقُتِلُوا جَمِيعًا، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ مُخْبِرٌ، وَسَقَطَ عَبْدُ اللَّهِ بَيْنَ الْقَتْلَى فَلَمْ يُشْعَرْ بِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ أَصْحَابَهُ قَذَفُوهُ فِي مِهْرَانَ حَتَّى لَا يُحْمَلَ رَأْسُهُ، فَكَتَبَ هِشَامٌ بِذَلِكَ إِلَى الْمَنْصُورِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمَنْصُورُ يَشْكُرُهُ وَيَأْمُرُهُ بِمُحَارَبَةِ ذَلِكَ الْمَلِكِ، فَحَارَبَهُ حَتَّى ظَفِرَ بِهِ وَقَتَلَهُ وَغَلَبَ عَلَى مَمْلَكَتِهِ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ قَدِ اتَّخَذَ سَرَارِيَّ فَأَوْلَدَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ وَلَدًا، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْأَشْتَرِ، فَأَخَذَ هِشَامٌ السَّرَارِيَّ وَالْوَلَدَ مَعَهُنَّ فَسَيَّرَهَنُ إِلَى الْمَنْصُورِ، فَسَيَّرَ الْمَنْصُورُ الْوَلَدَ إِلَى عَامِلِهِ بِالْمَدِينَةِ، وَكَتَبَ مَعَهُ بِصِحَّةِ نَسَبِهِ وَتَسْلِيمِهِ إِلَى أَهْلِهِ. ذِكْرُ وِلَايَةِ أَبِي جَعْفَرٍ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ إِفْرِيقِيَّةَ. فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ الْمَنْصُورُ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ أَبَا جَعْفَرٍ عُمَرَ بْنَ حَفْصٍ مِنْ وَلَدِ قَبِيصَةَ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ أَخِي الْمُهَلَّبِ، وَإِنَّمَا نُسِبَ [إِلَى] بَيْتِ الْمُهَلَّبِ لِشُهْرَتِهِ. وَكَانَ سَبَبُ مَسِيرِهِ إِلَيْهَا أَنَّ الْمَنْصُورَ لَمَّا بَلَغَهُ قَتْلُ الْأَغْلَبِ بْنِ سَالِمٍ خَافَ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهَا عُمَرَ وَالِيًا، فَقَدِمَ الْقَيْرَوَانَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ فِي خَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ، فَاجْتَمَعَ وُجُوهُ الْبَلَدِ فَوَصَلَهُمْ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَأَقَامَ وَالْأُمُورُ مُسْتَقِيمَةٌ ثَلَاثَ سِنِينَ. فَسَارَ إِلَى الزَّابِ لِبِنَاءِ مَدِينَةِ طُبْنَةَ بِأَمْرِ الْمَنْصُورِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْقَيْرَوَانِ حَبِيبَ بْنَ حَبِيبٍ الْمُهَلَّبِيَّ، فَخَلَتْ إِفْرِيقِيَّةُ مِنَ الْجُنْدِ، فَثَارَ بِهَا الْبَرْبَرُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ حَبِيبٌ فَقُتِلَ، وَاجْتَمَعَ الْبَرْبَرُ بِطَرَابُلُسَ وَوَلَّوْا عَلَيْهِمْ أَبَا حَاتِمٍ الْإِبَاضِيَّ، وَاسْمُهُ يَعْقُوبُ بْنُ حَبِيبٍ مَوْلَى كِنْدَةَ. وَكَانَ عَامِلُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ عَلَى طَرَابُلُسَ الْجُنَيْدَ بْنَ بَشَّارٍ الْأَسَادِيَّ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ يَسْتَمِدُّهُ، فَأَمَدَّهُ بِعَسْكَرٍ، فَالْتَقَوْا وَقَاتَلُوا أَبَا حَاتِمٍ الْإِبَاضِيَّ، فَهَزَمَهُمْ فَسَارُوا إِلَى قَابِسٍ، وَحَصَرَهُمْ أَبُو حَاتِمٍ وَعُمَرُ مُقِيمٌ بِالزَّابِ عَلَى عِمَارَةِ طُبْنَةَ، وَانْتَقَضَتْ إِفْرِيقِيَّةُ مِنْ كُلِّ

стр. 2534

نَاحِيَةٍ. وَمَضَوْا إِلَى طُبْنَةَ فَأَحَاطُوا بِهَا فِي اثْنَيْ عَشَرَ عَسْكَرًا، مِنْهُمْ: أَبُو قُرَّةَ الصُّفْرِيُّ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا، (وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رُسْتُمٍ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا) وَأَبُو حَاتِمٍ فِي عَسْكَرٍ كَثِيرٍ، وَعَاصِمٌ السَّدِرَاتِيُّ الْإِبَاضِيُّ فِي سِتَّةِ آلَافٍ، وَالْمَسْعُودُ الزَّنَاتِيُّ الْإِبَاضِيُّ فِي عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ، وَغَيْرُ مَنْ ذَكَرْنَا. فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ إِحَاطَتَهُمْ بِهِ عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى قِتَالِهِمْ، فَمَنَعَهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا: إِنْ أُصِبْتَ تَلِفَ الْعَرَبُ. فَعَدَلَ إِلَى إِعْمَالِ الْحِيلَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي قُرَّةَ مُقَدَّمِ الصُّفْرِيَّةِ يَبْذُلُ لَهُ سِتِّينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ لِيَرْجِعَ عَنْهُ، فَقَالَ: بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ عَلَيَّ بِالْخِلَافَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَبِيعُ حَرْبَكُمْ بِعَرَضٍ قَلِيلٍ مِنَ الدُّنْيَا؟ فَلَمْ يُجِبْهُمْ [إِلَى] ذَلِكَ. فَأَرْسَلَ إِلَى أَخِي أَبِي قُرَّةَ فَدَفَعَ إِلَيْهِ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَثِيَابًا عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِي صَرْفِ أَخِيهِ وَالصُّفْرِيَّةِ، فَأَجَابَهُمْ وَارْتَحَلَ مِنْ لَيْلَتِهِ وَتَبِعَهُ الْعَسْكَرُ مُنْصَرِفِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَاضْطَرَّ أَبُو قُرَّةَ إِلَى اتِّبَاعِهِمْ. فَلَمَّا سَارَتِ الصُّفْرِيَّةُ سَيَّرَ عُمَرُ جَيْشًا إِلَى ابْنِ رُسْتُمٍ وَهُوَ فِي تَهُوذَا، (قَبِيلَةٍ مِنَ الْبَرْبَرِ) ، فَقَاتَلُوهُ، فَانْهَزَمَ ابْنُ رُسْتُمٍ إِلَى تَاهَرْتَ، فَضَعُفَ أَمْرُ الْإِبَاضِيَّةِ عَنْ مُقَاوَمَةِ عُمَرَ، فَسَارُوا عَنْ طُبْنَةَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَحَصَرَهَا أَبُو حَاتِمٍ، وَعُمَرُ بِطُبْنَةَ يُصْلِحُ أُمُورَهَا وَيَحْفَظُهَا مِمَّنْ يُجَاوِرُهُ مِنَ الْخَوَارِجِ، فَلَمَّا عَلِمَ ضِيقَ الْحَالِ بِالْقَيْرَوَانِ سَارَ إِلَيْهَا. وَلَمَّا سَارَ عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ إِلَى الْقَيْرَوَانِ اسْتَخْلَفَ عَلَى طُبْنَةَ عَسْكَرًا. فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو قُرَّةَ بِمَسِيرِ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ سَارَ هُوَ إِلَى طُبْنَةَ فَحَصَرَهَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ مَنْ بِهَا مِنَ الْعَسَاكِرِ وَقَاتَلُوهُ، فَانْهَزَمَ مِنْهُمْ وَقُتِلَ مِنْ عَسْكَرِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ. وَأَمَّا أَبُو حَاتِمٍ فَإِنَّهُ لَمَّا حَصَرَ الْقَيْرَوَانَ كَثُرَ جَمْعُهُ وَلَازَمَ حِصَارَهَا وَلَيْسَ فِي بَيْتِ مَالِهَا دِينَارٌ وَلَا فِي أَهْرَائِهَا شَيْءٌ مِنَ الطَّعَامِ، فَدَامَ الْحِصَارُ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ الْجُنْدُ يَخْرُجُونَ فَيُقَاتِلُونَ الْخَوَارِجَ طَرَفَيِ النَّهَارِ حَتَّى جَهَدَهُمُ الْجُوعُ وَأَكَلُوا دَوَابَّهُمْ وَكِلَابَهُمْ. وَلَحِقَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا بِالْبَرْبَرِ، وَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ دُخُولِ الْخَوَارِجِ إِلَيْهَا، فَأَتَاهُمُ الْخَبَرُ بِوُصُولِ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ مِنْ طُبْنَةَ، فَنَزَلَ الْهَرِيشَ، وَهُوَ فِي سَبْعِمِائَةِ فَارِسٍ، فَزَحَفَ الْخَوَارِجُ إِلَيْهِ بِأَجْمَعِهِمْ وَتَرَكُوا الْقَيْرَوَانَ، فَلَمَّا فَارَقُوهَا سَارَ عُمَرُ إِلَى تُونِسَ، فَتَبِعَهُ الْبَرْبَرُ، فَعَادَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ مُجِدًّا وَأَدْخَلَ إِلَيْهَا مَا يَحْتَاجُ مِنْ طَعَامٍ وَدَوَابَّ وَحَطَبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَوَصَلَ أَبُو حَاتِمٍ وَالْبَرْبَرُ إِلَيْهِ فَحَصَرُوهُ، فَطَالَ الْحِصَارُ حَتَّى أَكَلُوا دَوَابَّهُمْ، وَفِي

стр. 2535

كُلِّ يَوْمٍ يَكُونُ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ وَحَرْبٌ. فَلَمَّا ضَاقَ الْأَمْرُ بِعُمَرَ وَبِمَنْ مَعَهُ قَالَ لَهُمْ: الرَّأْيُ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْحِصَارِ، وَأُغِيرَ عَلَى بِلَادِ الْبَرْبَرِ، وَأَحْمِلَ إِلَيْكُمُ الْمِيرَةَ. قَالُوا: إِنَّا نَخَافُ بَعْدَكَ، قَالَ: فَأُرْسِلُ فُلَانًا وَفُلَانًا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ، فَأَجَابُوهُ، فَلَمَّا قَالَ لِلرَّجُلَيْنِ قَالَا: لَا نَتْرُكُكَ فِي الْحِصَارِ وَنَسِيرُ عَنْكَ. فَعَزَمَ عَلَى إِلْقَاءِ نَفْسِهِ إِلَى الْمَوْتِ، فَأَتَى الْخَبَرُ أَنَّ الْمَنْصُورَ قَدْ سَيَّرَ إِلَيْهِ يَزِيدَ بْنَ حَاتِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ بْنِ الْمُهَلَّبِ فِي سِتِّينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ مَنْ عِنْدَهُ بِالتَّوَقُّفِ عَنِ الْقِتَالِ إِلَى أَنْ يَصِلَ الْعَسْكَرُ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَخَرَجَ وَقَاتَلَ، فَقُتِلَ مُنْتَصَفَ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ. وَقَامَ بِأَمْرِ النَّاسِ حُمَيْدُ بْنُ صَخْرٍ، وَهُوَ أَخُو عُمَرَ لِأُمِّهِ، فَوَادَعَ أَبَا حَاتِمٍ وَصَالَحَهُ عَلَى أَنَّ حُمَيْدًا وَمَنْ مَعَهُ لَا يَخْلَعُونَ الْمَنْصُورَ وَلَا يُنَازِعُهُمْ أَبُو حَاتِمٍ فِي سَوَادِهِمْ وَسِلَاحِهِمْ، وَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ وَفُتِحَتْ لَهُ الْقَيْرَوَانُ، وَخَرَجَ أَكْثَرُ الْجُنْدِ إِلَى طُبْنَةَ، وَأَحْرَقَ أَبُو حَاتِمٍ أَبْوَابَ الْقَيْرَوَانِ وَثَلَمَ سُورَهَا. وَبَلَغَهُ وُصُولُ يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ، فَسَارَ إِلَى طَرَابُلُسَ، وَأَمَرَ صَاحِبَهُ بِالْقَيْرَوَانِ بِأَخْذِ سِلَاحِ الْجُنْدِ، وَأَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ، فَخَالَفَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَقَالُوا: لَا نَغْدِرُ بِهِمْ، وَكَانَ الْمُقَدَّمَ عَلَى الْمُخَالِفِينَ عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ الْفِهْرِيُّ، وَقَامَ فِي الْقَيْرَوَانِ وَقَتَلَ أَصْحَابَ أَبِي حَاتِمٍ، فَعَادَ أَبُو حَاتِمٍ، فَهَرَبَ عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ إِلَى تُونِسَ، وَعَادَ أَبُو حَاتِمٍ إِلَى طَرَابُلُسَ لِقِتَالِ يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ. فَقِيلَ: كَانَ بَيْنَ الْخَوَارِجِ وَالْجُنُودِ مِنْ لَدُنْ قَاتَلُوا عُمَرَ بْنَ حَفْصٍ إِلَى انْقِضَاءِ أَمْرِهِمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسٌ وَسَبْعُونَ وَقْعَةً. ذِكْرُ وِلَايَةِ يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ إِفْرِيقِيَّةَ وَقِتَالِ الْخَوَارِجِ لَمَّا بَلَغَ الْمَنْصُورَ مَا حَلَّ بِعُمَرَ بْنِ حَفْصٍ مِنَ الْخَوَارِجِ جَهَّزَ يَزِيدَ بْنَ حَاتِمِ بْنِ قَبِيصَةَ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ فِي سِتِّينَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَسَيَّرَهُ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، فَوَصَلَهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ. فَلَمَّا قَارَبَهَا سَارَ إِلَيْهِ بَعْضُ جُنْدِهَا وَاجْتَمَعُوا بِهِ وَسَارُوا مَعَهُ إِلَى

стр. 2536

طَرَابُلُسَ، فَسَارَ أَبُو حَاتِمٍ الْخَارِجِيُّ إِلَى جِبَالِ نَفُوسَةَ، وَسَيَّرَ يَزِيدُ طَائِفَةً مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَى قَابِسَ، فَلَقِيَهُمْ أَبُو حَاتِمٍ فَهَزَمَهُمْ، فَعَادُوا إِلَى يَزِيدَ، وَنَزَلَ أَبُو حَاتِمٍ فِي مَكَانٍ وَعْرٍ وَخَنْدَقَ عَلَى عَسْكَرِهِ. وَعَبَّأَ يَزِيدُ أَصْحَابَهُ وَسَارَ إِلَيْهِ، فَالْتَقَوْا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، فَانْهَزَمَتِ الْبَرْبَرُ، وَقُتِلَ أَبُو حَاتِمٍ وَأَهْلُ نَجْدَتِهِ، وَطَلَبَهُمْ يَزِيدُ فِي كُلِّ سَهْلٍ وَجَبَلٍ فَقَتَلَهُمْ قَتْلًا ذَرِيعًا، وَكَانَ عِدَّةُ مَنْ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ ثَلَاثِينَ أَلْفًا. وَجَعَلَ آلُ الْمُهَلَّبِ يَقْتُلُونَ الْخَوَارِجَ وَيَقُولُونَ: يَالَثَارَاتِ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ! وَأَقَامَ شَهْرًا يَقْتُلُ الْخَوَارِجَ، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ. فَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيُّ مَعَ أَبِي حَاتِمٍ، فَهَرَبَ إِلَى كُتَامَةَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ جَيْشًا فَحَصَرُوا الْبَرْبَرَ وَظَفِرُوا بِهِمْ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَهَرَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَقُتِلَ جَمِيعُ مَنْ كَانَ مَعَهُ وَصَفَتْ إِفْرِيقِيَّةُ. وَأَحْسَنَ يَزِيدُ السِّيرَةَ وَآمَنَ النَّاسَ إِلَى أَنِ انْتَقَضَتْ وَرْفَجُومَةُ (سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ بِأَرْضِ الزَّابِ) وَعَلَيْهَا أَيُّوبُ الْهَوَّارِيُّ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرًا كَثِيرًا (وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ يَزِيدَ بْنَ مَجْزَاءَ الْمُهَلَّبِيَّ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ يَزِيدُ وَقُتِلَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقُتِلَ الْمُخَارِقُ بْنُ غِفَارٍ صَاحِبُ الزَّابِ. فَوَلِيَ مَكَانَهُ الْمُهَلَّبُ بْنُ يَزِيدَ الْمُهَلَّبِيُّ، وَأَمَدَّهُمْ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ بِجَمْعٍ كَثِيرٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمُ الْعَلَاءَ بْنَ سَعِيدٍ الْمُهَلَّبِيَّ، وَانْضَمَّ إِلَيْهِمُ الْمُنْهَزِمُونَ وَلَقُوا وَرْفَجُومَةَ) وَاقْتَتَلُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَانْهَزَمَتِ الْبَرْبَرُ وَأَيُّوبُ، وَقُتِلُوا بِكُلِّ مَكَانٍ حَتَّى أُتِيَ عَلَى آخِرِهِمْ، وَلَمْ يُقْتَلْ مِنَ الْجُنْدِ أَحَدٌ. ثُمَّ مَاتَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَاسْتَخْلَفَ ابْنَهُ دَاوُدَ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ. ذِكْرُ بِنَاءِ الرُّصَافَةِ لِلْمَهْدِيِّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَ الْمَهْدِيُّ مِنْ خُرَاسَانَ فِي شَوَّالٍ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ أَهْلُ بَيْتِهِ مِنَ الشَّامِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَغَيْرِهَا، فَهَنَّأُوهُ بِمَقْدَمِهِ، فَأَجَازَهُمْ وَحَمَلَهُمْ وَكَسَاهُمْ، وَفَعَلَ بِهِمُ الْمَنْصُورُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَبَنَى لَهُ الرُّصَافَةَ. وَكَانَ سَبَبُ بِنَائِهَا أَنَّ بَعْضَ الْجُنْدِ شَغَبُوا عَلَى الْمَنْصُورِ وَحَارَبُوهُ عَلَى بَابِ الذَّهَبِ،

стр. 2537

فَدَخَلَ عَلَيْهِ قُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ شَيْخُهُمْ، وَلَهُ الْحُرْمَةُ وَالتَّقَدُّمُ عِنْدَهُمْ، فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ: أَمَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ مِنِ الْتِيَاثِ الْجُنْدِ عَلَيْنَا؟ وَقَدْ خِفْتُ أَنْ تُجْمَعَ كَلِمَتُهُمْ فَيَخْرُجَ هَذَا الْأَمْرُ مِنْ أَيْدِينَا، فَمَا تَرَى؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عِنْدِي رَأْيٌ إِنْ أَظْهَرْتُهُ لَكَ فَسَدَ، وَإِنْ تَرَكْتَنِي أُمْضِيهِ صَلُحَتْ [لَكَ] خِلَافَتُكَ وَهَابَكَ جُنْدُكَ. قَالَ لَهُ: أَفَتُمْضِي فِي خِلَافَتِي شَيْئًا لَا أَعْلَمُهُ؟ فَقَالَ لَهُ: إِنْ كُنْتُ عِنْدَكَ مُتَّهَمًا فَلَا تُشَاوِرْنِي، وَإِنْ كُنْتُ مَأْمُونًا عَلَيْهَا فَدَعْنِي أَفْعَلْ رَأْيِي. قَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ: فَأَمْضِهِ. فَانْصَرَفَ قُثَمُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَدَعَا غُلَامًا لَهُ فَقَالَ [لَهُ] : إِذَا كَانَ غَدًا فَتَقَدَّمْنِي وَاجْلِسْ فِي دَارِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِذَا رَأَيْتَنِي قَدْ دَخَلْتُ وَتَوَسَّطْتُ أَصْحَابَ الْمَرَاتِبِ فَخُذْ بِعِنَانِ بَغْلَتِي فَاسْتَحْلِفْنِي بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، (وَبِحَقِّ الْعَبَّاسِ) ، وَبِحَقِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا مَا وَقَفْتُ لَكَ، وَسَمِعْتُ مَسْأَلَتَكَ، وَأَجَبْتُكَ عَنْهَا، فَإِنِّي سَأَنْتَهِرُكَ وَأُغْلِظُ لَكَ [الْقَوْلَ] فَلَا تَخَفْ وَعَاوِدَ الْمَسْأَلَةَ، فَإِنِّي سَأَضْرِبُكَ فَعَاوِدْ وَقُلْ لِي: أَيُّ الْحَيَّيْنِ أَشْرَفُ، الْيَمَنُ أَمْ مُضَرُ؟ فَإِذَا أَجَبْتُكَ فَاتْرُكِ الْبَغْلَةَ وَأَنْتَ حُرٌّ. فَفَعَلَ الْغُلَامُ مَا أَمَرَهُ، وَفَعَلَ قُثَمُ بِهِ مَا قَالَهُ، ثُمَّ قَالَ: مُضَرُ أَشْرَفُ لِأَنَّ مِنْهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَفِيهَا كِتَابُ اللَّهِ، وَفِيهَا بَيْتُ اللَّهِ، وَمِنْهَا خَلِيفَةُ اللَّهِ. فَامْتَعَضَتْ لِذَلِكَ الْيَمَنُ إِذْ لَمْ يَذْكُرْ لَهُمْ شَيْئًا [مِنْ شَرَفِهِمْ] ، وَقَالَ بَعْضُ قُوَّادِهِمْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ مُطْلَقًا بِغَيْرِ فَضِيلَةٍ لِلْيَمَنِ، ثُمَّ قَالَ لِغُلَامٍ لَهُ: قُمْ إِلَى بَغْلَةِ الشَّيْخِ فَاكْبَحْهَا. فَفَعَلَ حَتَّى كَادَ يُقْعِيهَا، فَامْتَعَضَتْ مُضَرُ وَقَالُوا: أَيُفْعَلُ هَذَا بِشَيْخِنَا! فَأَمَرَ بَعْضُهُمْ غُلَامَهُ فَضَرَبَ يَدَ ذَلِكَ الْغُلَامِ فَقَطَعَهَا، فَنَفَرَ الْحَيَّانِ. وَدَخَلَ قُثَمُ عَلَى الْمَنْصُورِ فَافْتَرَقَ الْجُنْدُ، فَصَارَتْ مُضَرُ فِرْقَةً، وَرَبِيعَةُ فِرْقَةً، وَالْخُرَاسَانِيَّةُ فِرْقَةً. فَقَالَ قُثَمُ لِلْمَنْصُورِ: قَدْ فَرَّقْتُ بَيْنَ جُنْدِكَ وَجَعَلْتُهُمْ أَحْزَابًا كُلُّ حِزْبٍ مِنْهُمْ يَخَافُ أَنْ يُحْدِثَ [عَلَيْكَ] حَدَثًا فَتَضْرِبَهُ بِالْحِزْبِ الْآخَرِ. وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْكَ فِي التَّدْبِيرِ بَقِيَّةٌ، وَهِيَ أَنْ تَعْبُرَ بِابْنِكَ فَتُنْزِلَهُ فِي ذَلِكَ الْجَانِبِ، وَتُحَوِّلَ مَعَهُ قِطْعَةً مِنْ جَيْشِكَ فَيَصِيرُ ذَلِكَ بَلَدًا وَهَذَا بَلَدًا، فَإِنْ فَسَدَ عَلَيْكَ أُولَئِكَ ضَرَبْتَهُمْ بِهَؤُلَاءِ، وَإِنْ فَسَدَ عَلَيْكَ هَؤُلَاءِ ضَرَبْتَهُمْ بِأُولَئِكَ، وَإِنْ فَسَدَ عَلَيْكَ بَعْضُ الْقَبَائِلِ ضَرَبْتَهُمْ بِالْقَبِيلَةِ الْأُخْرَى. فَقَبِلَ رَأْيَهُ

стр. 2538

وَاسْتَقَامَ مُلْكُهُ وَبَنَى الرُّصَافَةَ، وَتَوَلَّى صَالِحٌ صَاحِبُ الْمُصَلَّى ذَلِكَ. ذِكْرُ قَتْلِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الْعَبْدِيِّ. فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ عُقْبَةُ بْنُ سَلْمٍ مِنَ الْبَصْرَةِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا نَافِعَ بْنَ عُقْبَةَ إِلَى الْبَحْرَيْنِ فَقَتَلَ سُلَيْمَانَ بْنَ حَكِيمٍ وَسَبَى أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ، وَأَنْفَذَ بَعْضَ السَّبْيِ وَالْأُسَارَى إِلَى الْمَنْصُورِ، فَقَتَلَ بَعْضَهُمْ وَوَهَبَ الْبَاقِينَ لِلْمَهْدِيِّ، فَأَطْلَقَهُمْ وَكَسَاهُمْ، ثُمَّ عَزَلَ عُقْبَةَ عَنِ الْبَصْرَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَقْصِ عَلَى أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ. (وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمَنْصُورَ اسْتَعْمَلَ مَعْنَ بْنَ زَائِدَةَ الشَّيْبَانِيَّ عَلَى سِجِسْتَانَ هَذِهِ السَّنَةَ) . وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ، وَكَانَ هُوَ الْعَامِلَ بِمَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَعَلَى الْمَدِينَةِ الْحَسَنُ بْنُ يَزِيدَ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ جَابِرُ بْنُ تَوْبَةَ الْكِلَابِيُّ، وَعَلَى الْكُوفَةِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَلَى مِصْرَ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ. ذِكْرُ ابْتِدَاءِ أَمْرِ شَقْنَا وَخُرُوجِهِ بِالْأَنْدَلُسِ وَفِيهَا ثَارَ فِي الشَّرْقِ مِنَ الْأَنْدَلُسِ رَجُلٌ مِنْ بَرْبَرِ مِكْنَاسَةَ كَانَ يُعَلِّمُ الصِّبْيَانَ، وَكَانَ اسْمُهُ شَقْنَا بْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ تُسَمَّى فَاطِمَةَ، وَادَّعَى أَنَّهُ مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ، ﵍، (ثُمَّ مِنْ وَلَدِ الْحُسَيْنِ، ﵇ . وَتَسَمَّى بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَسَكَنَ شَنْتَ بَرِيَّةَ، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْبَرْبَرِ، وَعَظُمَ أَمْرُهُ، وَسَارَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ فَلَمْ يَقِفْ لَهُ وَرَاغَ فِي الْجِبَالِ، فَكَانَ إِذَا أَمِنَ انْبَسَطَ، وَإِذَا خَافَ صَعِدَ الْجِبَالَ بِحَيْثُ يَصْعُبُ طَلَبُهُ.

стр. 2539

فَاسْتَعْمَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى طُلَيْطِلَةَ حَبِيبَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَاسْتَعْمَلَ حَبِيبٌ عَلَى شَنْتَ بَرِيَّةَ سُلَيْمَانَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَأَمَرَهُ بِطَلَبِ شَقْنَا. فَنَزَلَ شَقْنَا إِلَى شَنْتَ بَرِيَّةَ وَأَخَذَ سُلَيْمَانَ فَقَتَلَهُ، وَاشْتَدَّ أَمْرُهُ، وَطَارَ ذِكْرُهُ، وَغَلَبَ عَلَى نَاحِيَةِ قُورِيَّةَ، وَأَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ. فَعَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ فَغَزَاهُ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ بِنَفْسِهِ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ فَأَعْيَاهُ أَمْرُهُ، فَعَادَ عَنْهُ وَسَيَّرَ إِلَيْهِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ بَدْرًا مَوْلَاهُ، فَهَرَبَ شَقْنَا وَأَخْلَى حِصْنَهُ شَطْرَانَ، ثُمَّ غَزَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ بِنَفْسِهِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ شَقْنَا. ثُمَّ سَيَّرَ إِلَيْهِ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ أَبَا عُثْمَانَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُثْمَانَ، فَخَدَعَهُ شَقْنَا، وَأَفْسَدَ عَلَيْهِ جُنْدَهُ، فَهَرَبَ عُبَيْدُ اللَّهِ، وَغَنِمَ شَقْنَا عَسْكَرَهُ (وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ كَانُوا فِي الْعَسْكَرِ) . وَفِي سَنَةِ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ أَيْضًا سَارَ شَقْنَا بَعْدَ أَنْ غَنِمَ عَسْكَرَ عُبَيْدِ اللَّهِ إِلَى حِصْنِ الْهَوَارِيِّينَ الْمَعْرُوفِ بِمَدَائِنَ، وَبِهِ عَامِلٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَمَكَرَ بِهِ شَقْنَا حَتَّى خَرَجَ إِلَيْهِ، فَقَتَلَهُ شَقْنَا وَأَخَذَ خَيْلَهُ وَسِلَاحَهُ وَجَمِيعَ مَا كَانَ مَعَهُ) . ذِكْرُ قَتْلِ مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ الشَّيْبَانِيُّ بِسِجِسْتَانَ، وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهَا، فَلَمَّا وَصَلَهَا أَرْسَلَ إِلَى رُتْبِيلَ يَأْمُرُهُ بِحَمْلِ الْقَرَارِ الَّذِي عَلَيْهِ كُلَّ سَنَةٍ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عُرُوضًا، وَزَادَ فِي ثَمَنِهَا، فَغَضِبَ مَعْنٌ وَسَارَ إِلَى الرُّخَّجِ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ ابْنُ أَخِيهِ مَزِيدُ بْنُ زَائِدَةَ، فَوَجَدَ رُتْبِيلَ قَدْ خَرَجَ عَنْهَا إِلَى زَابُلِسْتَانَ لِيُصَيِّفَ بِهَا، فَفَتَحَهَا وَأَصَابَ سَبْيًا كَثِيرًا، وَكَانَ فِي السَّبْيِ فَرَجٌ الرُّخَّجِيُّ، وَهُوَ صَبِيُّ، وَأَبُوهُ زِيَادٌ. فَرَأَى مَعْنٌ غُبَارًا سَاطِعًا أَثَارَتْهُ حُمُرُ الْوَحْشِ، فَظَنَّ أَنَّهُ جَيْشٌ أَقْبَلَ نَحْوَهُ لِيُخَلِّصَ السَّبْيَ وَالْأَسْرَى، فَأَمَرَ بِوَضْعِ السَّيْفِ فِيهِمْ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ عِدَّةً كَثِيرَةً، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ أَمْرُ الْغُبَارِ فَأَمْسَكَ. فَخَافَ مَعْنٌ الشِّتَاءَ وَهُجُومَهُ فَانْصَرَفَ إِلَى بُسْتَ، وَأَنْكَرَ قَوْمٌ مِنَ الْخَوَارِجِ سِيرَتَهُ فَانْدَسُّوا مَعَ فَعَلَةٍ كَانُوا يَبْنُونَ فِي مَنْزِلِهِ، فَلَمَّا بَلَغُوا التَّسْقِيفَ أَخْفَوْا سُيُوفَهُمْ فِي الْقَصَبِ ثُمَّ دَخَلُوا عَلَيْهِ بَيْتَهُ وَهُوَ يَحْتَجِمُ فَفَتَكُوا بِهِ، وَشَقَّ بَعْضُهُمْ بَطْنَهُ بِخِنْجَرٍ كَانَ مَعَهُ، وَقَالَ أَحَدُهُمْ لَمَّا ضَرَبَهُ: أَنَا الْغُلَامُ الطَّاقِيُّ! وَالطَّاقُ رُسْتَاقٌ بِقُرْبِ زَرَنْجَ، فَقَتَلَهُمْ يَزِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ، فَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ.

стр. 2540

ثُمَّ إِنَّ يَزِيدَ قَامَ بِأَمْرِ سِجِسْتَانَ، وَاشْتَدَّتْ عَلَى الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ مِنْ أَهْلِهَا وَطْأَتُهُ، فَاحْتَالَ بَعْضُ الْعَرَبِ فَكَتَبَ عَلَى لِسَانِهِ إِلَى الْمَنْصُورِ كِتَابًا يُخْبِرُهُ فِيهِ أَنَّ كُتُبَ الْمَهْدِيِّ إِلَيْهِ قَدْ حَيَّرَتْهُ وَأَدْهَشَتْهُ، وَيَسْأَلُ أَنْ يُعْفِيَهُ مِنْ مُعَامَلَتِهِ، فَأَغْضَبَ ذَلِكَ الْمَنْصُورَ وَشَتَمَهُ وَأَقَرَّ الْمَهْدِيُّ كِتَابَهُ، فَعَزَلَهُ وَأَمَرَ بِحَبْسِهِ، وَبَيْعِ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ، ثُمَّ إِنَّهُ كُلِّمَ فِيهِ فَأُشْخِصَ إِلَى مَدِينَةِ السَّلَامِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا مَجْفُوًّا حَتَّى لَقِيَهُ الْخَوَارِجُ عَلَى الْجِسْرِ فَقَاتَلَهُمْ، فَتَحَرَّكَ أَمْرُهُ قَلِيلًا، ثُمَّ وُجِّهَ إِلَى يُوسُفَ الْبَرْمِ بِخُرَاسَانَ فَلَمْ يَزَلْ فِي ارْتِفَاعٍ إِلَى أَنْ مَاتَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا الصَّائِفَةَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ. وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الْمَنْصُورُ عَلَى الْمَوْصِلِ إِسْمَاعِيلَ بْنَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ. وَفِيهَا مَاتَ أُسَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَهُوَ أَمِيرُ خُرَاسَانَ. وَحَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيُّ. وَعَلِيُّ بْنُ صَالِحِ بْنِ حُبِيٍّ أَخُو الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَكَانَا تَقِيَّيْنِ، فِيهِمَا تَشَيُّعٌ.

стр. 2541

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ] ١٥٢ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ وَفِيهَا غَزَا حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ كَابِلَ، وَكَانَ قَدِ اسْتَعْمَلَهُ الْمَنْصُورُ عَلَى خُرَاسَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ. وَغَزَا الصَّائِفَةَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَقِيلَ أَخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ، وَلَمْ يُدْرِبْ. وَفِيهَا عَزَلَ الْمَنْصُورُ جَابِرَ بْنَ تَوْبَةَ عَنِ الْبَصْرَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا يَزِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ. وَفِيهَا قَتَلَ الْمَنْصُورُ هَاشِمَ بْنَ الْأَسَاجِيجِ، وَ [كَانَ] قَدْ خَالَفَ وَعَصَى بِإِفْرِيقِيَّةَ، فَحُمِلَ إِلَيْهِ فَقَتَلَهُ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ الْمَنْصُورُ. وَفِيهَا عَزَلَ يَزِيدَ بْنَ حَاتِمٍ عَنْ مِصْرَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مُحَمَّدَ بْنَ سَعِيدٍ، وَكَانَ عُمَّالُ الْأَمْصَارِ سِوَى مَا ذَكَرْنَا الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ.

стр. 2542

[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي مُحَمَّدِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، رَوَى عَنْهُ عَمُّهُ. وَفِيهَا مَاتَ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ، رَوَى عَنِ الزُّهْرِيِّ أَيْضًا. وَفِيهَا مَاتَ طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْحَضْرَمِيُّ. وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ، وَاسْمُ أَبِي عَبْلَةَ شَمِرُ بْنُ يَقْظَانَ بْنِ عَامِرٍ الْعُقَيْلِيُّ. (الْأَيْلِيُّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَبِالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ. وَالْعُقَيْلِيُّ بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَفَتْحِ الْقَافِ) .

стр. 2543

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ] ١٥٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ فِيهَا عَادَ الْمَنْصُورُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْبَصْرَةِ فَجَهَّزَ جَيْشًا فِي الْبَحْرِ إِلَى الْكُرْكِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُ إِغَارَتِهِمْ عَلَى جُدَّةَ. وَفِيهَا قَبَضَ الْمَنْصُورُ عَلَى أَبِي أَيُّوبَ الْمُورِيَانِيِّ، وَعَلَى أَخِيهِ وَبَنِي أَخِيهِ، وَكَانَتْ مَنَازِلَهُمُ الْمَنَاذِرُ، وَكَانَ قَدْ سَعَى بِهِ كَاتِبُهُ أَبَانُ بْنُ صَدَقَةَ. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ قَبْضِهِ أَنَّ الْمَنْصُورَ فِي دَوْلَةِ بَنِي أُمَيَّةَ وَرَدَ عَلَى الْمَوْصِلِ وَأَقَامَ بِهَا مُسْتَتِرًا وَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الْأَزْدِ،، فَحَمَلَتْ مِنْهُ، ثُمَّ فَارَقَ الْمَوْصِلَ وَأَعْطَاهَا تَذْكِرَةً وَقَالَ لَهَا: إِذَا سَمِعْتِ بِدَوْلَةٍ لِبَنِي هَاشِمٍ فَأَرْسِلِي هَذِهِ التَّذْكِرَةَ إِلَى صَاحِبِ الْأَمْرِ فَهُوَ يَعْرِفُهَا، فَوَضَعَتِ الْمَرْأَةُ وَلَدًا سَمَّتْهُ جَعْفَرًا، فَنَشَأَ وَتَعَلَّمَ الْكِتَابَةَ، وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْكَاتِبُ. وَوَلِيَ الْمَنْصُورُ الْخِلَافَةَ، فَقَدِمَ جَعْفَرٌ إِلَى بَغْدَاذَ، وَاتَّصَلَ بِأَبِي أَيُّوبَ فَجَعَلَهُ كَاتِبًا بِالدِّيوَانِ، فَطَلَبَ الْمَنْصُورُ يَوْمًا مِنْ أَبِي أَيُّوبَ كَاتِبًا يَكْتُبُ لَهُ شَيْئًا، فَأَرْسَلَ جَعْفَرًا إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ الْمَنْصُورُ مَالَ إِلَيْهِ وَأَحَبَّهُ، فَلَمَّا أَمَرَهُ بِالْكِتَابَةِ رَآهُ حَاذِقًا مَاهِرًا، فَسَأَلَهُ مِنْ أَيْنَ هُوَ، وَمَنْ أَبُوهُ، فَذَكَرَ لَهُ الْحَالَ وَأَرَاهُ التَّذْكِرَةَ، وَكَانَتْ مَعَهُ، فَعَرَفَهُ الْمَنْصُورُ وَصَارَ يَطْلُبُهُ كُلَّ وَقْتٍ بِحُجَّةِ الْكِتَابَةِ، فَخَافَهُ أَبُو أَيُّوبَ. ثُمَّ إِنَّ الْمَنْصُورَ أَحْضَرَهُ يَوْمًا وَأَعْطَاهُ مَالًا، وَأَمَرَ أَنْ يَصْعَدَ إِلَى الْمَوْصِلِ وَيُحْضِرَ وَالِدَتَهُ، فَسَارَ مِنْ بَغْدَاذَ، وَكَانَ أَبُو أَيُّوبَ قَدْ وَضَعَ عَلَيْهِ الْعُيُونَ يَأْتُونَهُ بِأَخْبَارِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ مَسِيرَهُ سَيَّرَ وَرَاءَهُ مَنِ اغْتَالَهُ فِي الطَّرِيقِ فَقَتَلَهُ. فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَى الْمَنْصُورِ أَرْسَلَ إِلَى [أُمِّهِ] بِالْمَوْصِلِ مَنْ يَسْأَلُهَا عَنْهُ، فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّهَا لَا عِلْمَ لَهَا بِهِ إِلَّا أَنَّهُ بِبَغْدَاذَ يَكْتُبُ فِي دِيوَانِ

стр. 2544

الْخَلِيفَةِ، فَلَمَّا عَلِمَ الْمَنْصُورُ ذَلِكَ أَرْسَلَ مَنْ يَقُصُّ أَثَرَهُ، فَانْتَهَى إِلَى مَوْضِعٍ وَانْقَطَعَ خَبَرُهُ، فَعَلِمَ أَنَّهُ قُتِلَ هُنَاكَ، وَكَشَفَ الْخَبَرَ فَرَأَى أَنَّ قَتْلَهُ مِنْ يَدِ أَبِي أَيُّوبَ، فَنَكَبَهُ وَفَعَلَ بِهِ مَا فَعَلَ. وَقَبَضَ الْمَنْصُورُ أَيْضًا عَلَى عَبَّادٍ مَوْلَاهُ، وَعَلَى هَرْثَمَةَ بْنِ أَعْيَنَ بِخُرَاسَانَ، وَأُحْضِرَا مُقَيَّدَيْنِ لِتَعَصُّبِهِمَا لِعِيسَى بْنِ مُوسَى. وَفِيهَا أَخَذَ الْمَنْصُورُ النَّاسَ بِتَلْبِيسِ الْقَلَانِسِ الطِّوَالِ الْمُفْرِطَةِ الطُّولِ، فَقَالَ أَبُو دُلَامَةَ: وَكُنَّا نُرَجِّي مِنْ إِمَامٍ زِيَادَةً ... فَزَادَ الْإِمَامُ الْمُصْطَفَى فِي الْقَلَانِسِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عُبَيْدُ ابْنُ بِنْتِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَاضِي الْكُوفَةِ، فَاسْتُقْضِيَ [مَكَانَهُ] شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ. وَفِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ مَعْيُوفُ بْنُ يَحْيَى الْحَجُورِيُّ فَوَصَلَ إِلَى حِصْنٍ مِنْ حُصُونِ الرُّومِ لَيْلًا وَأَهْلُهُ نِيَامٌ، فَسَبَى وَأَسَرَ مَنْ كَانَ فِيهِ، ثُمَّ قَصَدَ اللَّاذِقِيَّةَ الْخَرَابَ، فَسَبَى مِنْهَا سِتَّةَ آلَافِ رَأْسٍ سِوَى الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ.

стр. 2545

وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ الْمَهْدِيُّ، وَكَانَ أَمِيرَ مَكَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَمِيرَ الْمَدِينَةِ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَمِيرَ مِصْرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَكَانَ يَزِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَلَى الْيَمَنِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَعَلَى الْمَوْصِلِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ هِشَامُ بْنُ الْغَازِ بْنِ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيُّ، (وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ: تِسْعٍ وَخَمْسِينَ) . وَالْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ. وَثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ. وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ.

стр. 2546

وَالضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ حِزَامٍ مِنْ وَلَدِ أَخِي حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ. وَفِطْرُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكُوفِيُّ. فِطْرٌ: بِالْفَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ. (وَالْجُرَشِيُّ: بِضَمِّ الْجِيمِ، وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ) .

стр. 2547

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ] ١٥٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الْمَنْصُورُ إِلَى الشَّامِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَسَيَّرَ يَزِيدَ بْنَ حَاتِمِ بْنِ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ فِي خَمْسِينَ أَلْفًا لِحَرْبِ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ قَتَلُوا عُمَرَ بْنَ حَفْصٍ، وَأَرَادَ الْمَنْصُورُ بِنَاءَ الرَّافِقَةِ فَمَنَعَهُ أَهْلُ الرَّقَّةِ، فَهَمَّ لِمُحَارَبَتِهِمْ. وَسَقَطَتْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الصَّاعِقَةُ فَقَتَلَتْ بِالْمَسْجِدِ خَمْسَةَ نَفَرٍ. وَفِيهَا هَلَكَ أَبُو أَيُّوبَ الْمُورِيَانِيُّ، وَأَخُوهُ خَالِدٌ، وَأَمَرَ الْمَنْصُورُ بِقَطْعِ أَيْدِي بَنِي أَخِيهِ وَأَرْجُلِهِمْ [وَضَرْبِ أَعْنَاقِهِمْ] . وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ عَلَى الْبَصْرَةِ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ ظَبْيَانَ النُّمَيْرِيَّ، وَغَزَا الصَّائِفَةَ زُفَرُ بْنُ عَاصِمٍ الْهِلَالِيُّ فَبَلَغَ الْفُرَاتَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ عَلَى مَكَّةَ،

стр. 2548

وَكَانَ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَكَانَ الْعُمَّالُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ، وَكَانَ عُمُرُهُ سِتًّا وَثَمَانِينَ سَنَةً. وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشُّعَيْثِيُّ النَّضْرِيُّ (بِالنُّونِ) . وَفِيهَا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ، وَجَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ الْجَزَرِيُّ، وَأَشْعَبُ الطَّامِعُ، وَعَلِيُّ بْنُ صَالِحِ بْنِ حُيَيٍّ، وَعُمَرُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ أَخُو مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ. وَوُهَيْبُ بْنُ الْوَرْدِ الْمَكِّيُّ الزَّاهِدُ، وَقُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو خَالِدٍ السَّدُوسِيُّ الْبَصْرِيُّ، وَهِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ، وَهُوَ هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ. (الشُّعَيْثِيُّ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَفِي آخِرِهِ ثَاءٌ مُثَلَّثَةٌ) .

стр. 2549

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ] ١٥٥ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ فِيهَا دَخَلَ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ إِفْرِيقِيَّةَ، وَقَتَلَ أَبَا حَاتِمٍ، وَمَلَكَ الْقَيْرَوَانَ وَسَائِرَ الْغَرْبِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَسِيرِهِ وَحُرُوبِهِ مُسْتَقْصًى. وَفِيهَا سَيَّرَ الْمَهْدِيَّ لِبِنَاءِ الرَّافِقَةِ، فَسَارَ إِلَيْهَا فَبَنَاهَا عَلَى بِنَاءِ مَدِينَةِ بَغْدَاذَ، وَعَمِلَ لِلْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ سُورًا وَخَنْدَقًا، وَجَعَلَ مَا أَنْفَقَ فِيهِ مِنَ الْأَمْوَالِ عَلَى أَهْلِهَا. وَلَمَّا أَرَادَ الْمَنْصُورُ مَعْرِفَةَ عَدَدِهِمْ أَمَرَ أَنْ يُقَسَّمَ فِيهِمْ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَلَمَّا عَلِمَ عَدَدَهُمْ، أَمَرَ بِجِبَايَتِهِمْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا لِكُلِّ وَاحِدٍ، فَقَالَ الشَّاعِرُ: يَا لَقَوْمِي مَا لَقِينَا مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَا ... قَسَمَ الْخَمْسَةَ فِينَا وَجَبَانَا الْأَرْبَعِينَا. وَفِيهَا طَلَبَ مَلِكُ الرُّومِ الصُّلْحَ إِلَى الْمَنْصُورِ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ [إِلَيْهِ] الْجِزْيَةَ. وَفِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ يَزِيدُ بْنُ أُسَيْدٍ السُّلَمِيُّ. وَعُزِلَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ ظَبْيَانَ عَنِ الْبَصْرَةِ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا الْهَيْثَمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْعَتَكِيُّ.

стр. 2550

ذِكْرُ عَزْلِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْجَزِيرَةِ، وَاسْتِعْمَالِ مُوسَى بْنِ كَعْبٍ وَفِيهَا عَزَلَ الْمَنْصُورُ أَخَاهُ الْعَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ الْجَزِيرَةِ،، وَغَضِبَ عَلَيْهِ، وَغَرَّمَهُ مَالًا، فَلَمْ يَزَلْ سَاخِطًا عَلَيْهِ، حَتَّى غَضِبَ عَلَى عَمِّهِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ، فَشَفَعَ فِيهِ عُمُومَةُ الْمَنْصُورِ، وَضَيَّقُوا عَلَيْهِ، حَتَّى رَضِيَ عَنْهُ. فَقَالَ عِيسَى بْنُ مُوسَى لِلْمَنْصُورِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَرَى آلَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَتْ نِعَمُكَ عَلَيْهِمْ سَابِغَةً، فَإِنَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَى الْحَسَدِ لَنَا، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّكَ غَضِبْتَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ، مُنْذُ أَيَّامٍ، فَضَيَّقُوا عَلَيْكَ حَتَّى رَضِيتَ عَنْهُ، وَأَنْتَ غَضْبَانُ عَلَى أَخِيكَ الْعَبَّاسِ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا، فَمَا كَلَّمَكَ فِيهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، فَرَضِيَ عَنْهُ. وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدِ اسْتَعْمَلَ الْعَبَّاسَ عَلَى الْجَزِيرَةِ بَعْدَ يَزِيدَ بْنِ أُسَيْدٍ، فَشَكَا يَزِيدُ مِنْهُ وَقَالَ: إِنَّهُ أَسَاءَ عَزْلِي، وَشَتَمَ عِرْضِي. فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ: اجْمَعْ بَيْنَ إِحْسَانِي وَإِسَاءَتِهِ يَعْتَدِلَا. فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ بْنُ أُسَيْدٍ: إِذَا كَانَ إِحْسَانُكُمْ جَزَاءً لِإِسَاءَتِكُمْ كَانَتْ طَاعَتُنَا تَفَضُّلًا مِنَّا عَلَيْكَمْ. وَلَمَّا عَزَلَ الْمَنْصُورُ أَخَاهُ عَنِ الْجَزِيرَةِ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مُوسَى بْنَ كَعْبٍ. ذِكْرُ عَزْلِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنِ الْكُوفَةِ، وَاسْتِعْمَالِ عَمْرِو بْنِ زُهَيْرٍ وَفِيهَا عَزَلَ [الْمَنْصُورُ] مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الْكُوفَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَمْرَو بْنَ زُهَيْرٍ الضَّبِّيَّ أَخَا الْمُسَيَّبِ بْنِ زُهَيْرٍ. وَقِيلَ: إِنَّمَا عُزِلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ، وَكَانَ عَزْلُهُ لِأَسْبَابٍ بَلَغَتْهُ عَنْهُ، مِنْهَا أَنَّهُ قَتَلَ عَبْدَ الْكَرِيمِ بْنَ أَبِي الْعَوْجَاءِ وَكَانَ قَدْ حَبَسَهُ عَلَى الزَّنْدَقَةِ وَهُوَ خَالُ مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ الشَّيْبَانِيِّ، فَكَثُرَ شُفَعَاؤُهُ عِنْدَ الْمَنْصُورِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ إِلَّا ظَنِينٌ مِنْهُمْ، فَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بِالْكَفِّ عَنْهُ إِلَى أَنْ يَأْتِيَهُ رَأْيُهُ. وَكَانَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ يَسْأَلُهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَيُعْطِيَهُ مِائَةَ أَلْفٍ، فَلَمَّا ذُكِرَ لِمُحَمَّدٍ أَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَلَمَّا أَيْقَنَ أَنَّهُ مَقْتُولٌ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ

стр. 2551

وَضَعْتُ أَرْبَعَةَ آلَافِ حَدِيثٍ حَلَّلْتُ فِيهَا الْحَرَامَ، وَحَرَّمْتُ فِيهَا الْحَلَالَ، وَاللَّهِ لَقَدْ فَطَّرْتُكُمْ يَوْمَ صَوْمِكُمْ، وَصَوَّمْتُكُمْ يَوْمَ فِطْرِكُمْ، فَقُتِلَ. وَوَرَدَ كِتَابُ الْمَنْصُورِ إِلَى مُحَمَّدٍ يَأْمُرُهُ بِالْكَفِّ عَنْهُ، فَوَصَلَ وَقَدْ قَتَلَهُ فَلَمَّا بَلَغَ قَتْلُهُ غَضِبَ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُقِيدَهُ بِهِ! ثُمَّ أَحْضَرَ عَمَّهُ عِيسَى بْنَ عَلِيٍّ وَقَالَ لَهُ: هَذَا عَمَلُكَ، أَنْتَ أَشَرْتَ بِتَوْلِيَةِ هَذَا الْغُلَامِ الْغِرِّ، قَتَلَ فُلَانًا بِغَيْرِ أَمْرِي، وَقَدْ كَتَبْتُ بِعَزْلِهِ، وَتَهَدَّدَهُ. فَقَالَ لَهُ عِيسَى: إِنَّ مُحَمَّدًا إِنَّمَا قَتَلَهُ عَلَى الزَّنْدَقَةِ، فَإِنْ كَانَ أَصَابَ فَهُوَ لَكَ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَعَلَيْهِ، وَلَئِنْ عَزَلْتَهُ عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ لَيَذْهَبَنَّ بِالثَّنَاءِ وَالذِّكْرِ، وَلَتَرْجِعَنَّ بِالْمَقَالَةِ مِنَ الْعَامَّةِ عَلَيْكَ، فَمَزَّقَ الْكِتَابَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَنْكَرَتِ الْخَوَارِجُ الصُّفْرِيَّةُ الْمُجْتَمِعَةُ بِمَدِينَةِ سِجِلْمَاسَةَ عَلَى أَمِيرِهِمْ عِيسَى بْنِ جَرِيرٍ أَشْيَاءَ، فَشَدُّوهُ وَثَاقًا، وَجَعَلُوهُ عَلَى رَأْسِ الْجَبَلِ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَ، وَقَدَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَبَا الْقَاسِمِ سِمْكُو بْنَ وَاسُولَ الْمِكْنَاسِيَّ جَدَّ مِدْرَارٍ. (وَفِيهَا وُلِدَ أَبُو سِنَانٍ الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ بِمَدِينَةِ الْقَيْرَوَانِ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ) ، وَفِيهَا عُزِلَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنِ الْمَدِينَةِ وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا عَمُّهُ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ. وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ وَالطَّائِفِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، (وَعَلَى الْكُوفَةِ عَمْرُو بْنُ زُهَيْرٍ) ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ الْهَيْثَمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَعَلَى مِصْرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلَى إِفْرِيقِيَّةَ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَلَى الْمَوْصِلِ خَالِدُ بْنُ بَرْمَكٍ، وَقِيلَ: مُوسَى بْنُ كَعْبِ بْنِ سُفْيَانَ الْخَثْعَمِيُّ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ الْكُوفِيُّ الْهِلَالِيُّ.

стр. 2552

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَة] ١٥٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ عِصْيَانِ أَهْلِ إِشْبِيلِيَّةَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، إِلَى حَرْبِ شَقْنَا، وَقَصْدِ حِصْنِ شَيْطَرَانَ، فَحَصَرَهُ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ (فَهَرَبَ إِلَى الْمَفَازَةِ كَعَادَتِهِ) ، وَكَانَ قَدِ اسْتَخْلَفَ عَلَى قُرْطُبَةَ ابْنَهُ سُلَيْمَانَ، فَأَتَاهُ كِتَابُهُ يُخْبِرُهُ بِخُرُوجِ أَهْلِ إِشْبِيلِيَّةَ مَعَ عَبْدِ الْغَفَّارِ، وَحَيْوَةَ بْنِ مُلَابِسٍ عَنْ طَاعَتِهِ، وَعِصْيَانِهِمْ عَلَيْهِ، وَاتَّفَقَ مَنْ بِهَا مِنَ الْيَمَانِيَّةِ مَعَهُمَا، فَرَجَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَلَمْ يَدْخُلْ قُرْطُبَةَ، وَهَالَهُ مَا سَمِعَ مِنِ اجْتِمَاعِهِمْ وَكَثْرَتِهِمْ، فَقَدَّمَ ابْنَ عَمِّهِ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عُمَرَ، وَكَانَ شِهَابَ آلِ مَرْوَانَ، وَبَقِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ خَلْفَهُ كَالْمَدَدِ لَهُ. فَلَمَّا قَارَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ أَهْلَ إِشْبِيلِيَّةَ قَدَّمَ ابْنَهُ أُمَيَّةَ لِيَعْرِفَ حَالَهُمْ، فَرَآهُمْ مُسْتَيْقِظِينَ فَرَجَعَ إِلَى أَبِيهِ، فَلَامَهُ أَبُوهُ عَلَى إِظْهَارِ الْوَهَنِ، وَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَجَمَعَ أَهْلَ بَيْتِهِ وَخَاصَّتَهُ، وَقَالَ لَهُمْ: طُرِدْنَا مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى أَقْصَى هَذَا الصُّقْعِ، وَنُحْسَدُ عَلَى لُقْمَةٍ تُبْقِي الرَّمَقَ، اكْسِرُوا جُفُونَ السُّيُوفِ، فَالْمَوْتُ أَوْلَى أَوِ الظَّفَرُ. فَفَعَلُوا وَحَمَلَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَهَزَمَ الْيَمَانِيَّةَ وَأَهْلَ إِشْبِيلِيَّةَ، فَلَمْ تَقُمْ بَعْدَهَا لِلْيَمَانِيَّةِ قَائِمَةٌ، وَجُرِحَ عَبْدُ الْمَلِكِ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَأَتَاهُ وَجُرْحُهُ يَجْرِي دَمًا، وَسَيْفُهُ يَقْطُرُ دَمًا، وَقَدْ لَصِقَتْ يَدُهُ بِقَائِمِ سَيْفِهِ، فَقَبَّلَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَجَزَاهُ خَيْرًا، وَقَالَ: يَا ابْنَ عَمٍّ قَدْ أَنْكَحْتُ ابْنِي وَوَلِيَّ عَهْدِي هِشَامًا ابْنَتَكَ فُلَانَةَ، وَأَعْطَيْتُهَا كَذَا وَكَذَا، وَأَعْطَيْتُكَ كَذَا وَأَوْلَادَكَ كَذَا، وَأَقْطَعْتُكَ وَإِيَّاهُمْ، وَوَلَّيْتُكُمُ الْوِزَارَةَ.

стр. 2553

وَهَذَا عَبْدُ الْمَلِكِ هُوَ الَّذِي أَلْزَمَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بِقَطْعِ خُطْبَةِ الْمَنْصُورِ وَقَالَ لَهُ: تَقْطَعُهَا وَإِلَّا قَتَلْتُ نَفْسِي! وَكَانَ قَدْ خَطَبَ لَهُ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ، فَقَطَعَهَا. وَكَانَ عَبْدُ الْغَفَّارِ وَحَيْوَةُ بْنُ مُلَابِسٍ قَدْ سَلِمَا مِنَ الْقَتْلِ. فَلَمَّا كَانَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ سَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ فَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا مِمَّنْ كَانَ مَعَ عَبْدِ الْغَفَّارِ وَحَيْوَةَ وَرَجَعَ. وَبِسَبَبِ هَذِهِ الْوَقْعَةِ، وَغِشِّ الْعَرَبِ، مَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَى اقْتِنَاءِ الْعَبِيدِ. ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِإِفْرِيقِيَّةَ مَعَ الْخَوَارِجِ قَدْ ذَكَرْنَا هَرَبَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَبِيبٍ، الَّذِي كَانَ أَبُوهُ أَمِيرَ إِفْرِيقِيَّةَ، مَعَ الْخَوَارِجِ، وَاتِّصَالَهُ بِكُتَامَةَ فَسَيَّرَ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ أَمِيرُ إِفْرِيقِيَّةَ الْعَسْكَرَ فِي أَثَرِهِ، وَقَاتَلُوا كُتَامَةَ. فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ السَّنَةُ سَيَّرَ يَزِيدُ عَسْكَرًا آخَرَ مَدَدًا لِلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَاشْتَدَّ الْحِصَارُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَمَضَى هَارِبًا، وَفَارَقَ مَكَانَهُ، فَعَادَتِ الْعَسَاكِرُ عَنْهُ. ثُمَّ ثَارَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ أَبُو يَحْيَى بْنُ فَانُوسٍ الْهَوَّارِيُّ بِنَاحِيَةِ طَرَابُلُسَ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْبَرْبَرِ، وَكَانَ بِهَا عَسْكَرٌ لِيَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ مَعَ عَامِلِ الْبَلَدِ، فَخَرَجَ الْعَامِلُ وَالْجَيْشُ مَعَهُ، فَالْتَقَوْا عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ مِنْ أَرْضِ هَوَّارَةَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ أَبُو يَحْيَى بْنُ فَانُوسٍ، وَقُتِلَ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ، وَسَكَنَ النَّاسُ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَصَفَتْ لِيَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَفِرَ الْهَيْثَمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَامِلُ الْبَصْرَةِ، بِعَمْرِو بْنِ شَدَّادٍ الَّذِي كَانَ عَامِلَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى فَارِسَ، وَسَبَبُ ظَفَرِهِ بِهِ أَنَّهُ ضَرَبَ غُلَامًا لَهُ، فَأَتَى الْهَيْثَمَ، فَدَلَّهُ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ، فَقَتَلَهُ، وَصَلَبَهُ بِالْمِرْبَدِ. وَفِيهَا عُزِلَ الْهَيْثَمُ عَنِ الْبَصْرَةِ، وَاسْتُعْمِلَ سَوَّارٌ الْقَاضِي عَلَى الصَّلَاةِ مَعَ الْقَضَاءِ، وَاسْتُعْمِلَ سَعِيدُ بْنُ دَعْلَجٍ عَلَى شُرَطِ الْبَصْرَةِ وَأَحْدَاثِهَا، وَلَمَّا وَصَلَ الْهَيْثَمُ إِلَى بَغْدَاذَ مَاتَ بِهَا، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْمَنْصُورُ.

стр. 2554

وَفِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ زُفَرُ بْنُ عَاصِمٍ الْهِلَالِيُّ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ. وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ: مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ، وَعَلَى الْكُوفَةِ: عَمْرُو بْنُ زُهَيْرٍ، وَعَلَى الْأَحْدَاثِ وَالْجَوَالِي وَالشُّرَطِ بِالْبَصْرَةِ: سَعِيدُ بْنُ دَعْلَجٍ وَعَلَى الصَّلَاةِ وَالْقَضَاءِ: سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى كُوَرِ دِجْلَةَ وَالْأَهْوَازِ وَفَارِسَ: عُمَارَةُ بْنُ حَمْزَةَ، وَعَلَى كَرْمَانَ وَالسِّنْدِ: هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَلَى إِفْرِيقِيَّةَ: يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَلَى مِصْرَ: مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ. وَفِيهَا سَخِطَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ عَلَى مَوْلَاهُ بَدْرٍ لِفَرْطِ إِدْلَالِهِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْعَ حَقَّ خِدْمَتِهِ وَطُولَ صُحْبَتِهِ، وَصِدْقَ مُنَاصَحَتِهِ، فَأَخَذَ مَالَهُ، وَسَلَبَهُ نِعْمَتَهُ، وَنَفَاهُ إِلَى الثَّغْرِ، فَبَقِيَ بِهِ إِلَى أَنْ هَلَكَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ، قَاضِي إِفْرِيقِيَّةَ، (وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي حَدِيثِهِ) . وَفِيهَا تُوُفِّيَ حَمْزَةُ بْنُ حَبِيبٍ الزَّيَّاتُ الْمُقْرِئُ، أَحَدُ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ.

стр. 2555

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ] ١٥٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَنَى الْمَنْصُورُ قَصْرَهُ الَّذِي يُدْعَى الْخُلْدَ. وَفِيهَا حَوَّلَ الْمَنْصُورُ الْأَسْوَاقَ إِلَى الْكَرْخِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سَبَبُ ذَلِكَ، وَاسْتَعْمَلَ سَعِيدَ بْنَ دَعْلَجٍ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، فَأَنْفَذَ إِلَيْهَا ابْنَهُ تَمِيمًا، وَعَرَضَ الْمَنْصُورُ جُنْدَهُ فِي السِّلَاحِ وَجَلَسَ لِذَلِكَ، وَخَرَجَ هُوَ لَابِسًا دِرْعًا وَبَيْضَةً. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ عَامِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمُسْلِيُّ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْمَنْصُورُ. وَتُوُفِّيَ سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَاضِي الْبَصْرَةِ، وَاسْتُعْمِلَ مَكَانَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحُصَيْنِ الْعَنْبَرِيُّ. [بَقِيَّةُ الْحَوَادِثِ] وَعُزِلَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْكَاتِبُ عَنْ مِصْرَ، وَاسْتُعْمِلَ مَوْلَاهُ مَطَرٌ، وَاسْتُعْمِلَ مَعْبَدُ بْنُ الْخَلِيلِ عَلَى السِّنْدِ، وَعُزِلَ هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو. وَغَزَا الصَّائِفَةَ يَزِيدُ بْنُ أُسَيْدٍ السُّلَمِيُّ فَوَجَّهَ سِنَانًا مَوْلَى الْبَطَّالِ إِلَى حِصْنٍ، فَسَبَى وَغَنِمَ.

стр. 2556

وَقِيلَ: إِنَّمَا غَزَا الصَّائِفَةَ زُفَرُ بْنُ عَاصِمٍ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ، وَقِيلَ كَانَ عَلَيْهَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى الْأَمْصَارِ مَنْ ذَكَرْنَا. وَفِيهَا قَتَلَ الْمَنْصُورُ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّاءَ الْمُحْتَسِبَ، وَكَانَ يَطْعَنُ عَلَى الْمَنْصُورِ وَيَجْمَعُ الْجَمَاعَاتِ فِيمَا قِيلَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ: وَفِي سَنَةِ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ مَاتَ الْأَوْزَاعِيُّ الْفَقِيهُ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو، وَلَهُ سَبْعُونَ سَنَةً، وَمُصْعَبُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ جَدُّ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ. وَفِيهَا أَخْرَجَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَقْظَانَ الْكَلْبِيُّ قَارْلَهْ مَلِكَ الْإِفْرِنْجِ. (إِلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ، وَلَقِيَهُ بِالطَّرِيقِ، وَسَارَ مَعَهُ إِلَى سَرَقُسْطَةَ، فَسَبَقَهُ إِلَيْهَا الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ مِنْ وَلَدِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَامْتَنَعَ بِهَا فَاتَّهَمَ قَارْلَهْ مَلِكُ الْإِفْرِنْجِ) سُلَيْمَانَ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَأَخَذَهُ مَعَهُ إِلَى بِلَادِهِ فَلَمَّا أَبْعَدَ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَاطْمَأَنَّ هَجَمَ عَلَيْهِ مَطْرُوحٌ وَعَيْشُونُ ابْنَا سُلَيْمَانَ فِي أَصْحَابِهِمَا، فَاسْتَنْقَذَا أَبَاهُمَا، وَرَجَعَا بِهِ إِلَى سَرَقُسْطَةَ، وَدَخَلُوا مَعَ الْحُسَيْنِ، وَوَافَقُوا عَلَى خِلَافِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

стр. 2557

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ] ١٥٨ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ عَزْلِ مُوسَى عَنِ الْمَوْصِلِ وَوِلَايَةِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ الْمَنْصُورُ مُوسَى بْنَ كَعْبٍ عَنِ الْمَوْصِلِ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَهُ عَنْهُ مَا أَسْخَطَهُ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ ابْنَهُ الْمَهْدِيَّ أَنْ يَسِيرَ إِلَى الرَّقَّةِ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ طَرِيقَهُ عَلَى الْمَوْصِلِ، فَإِذَا صَارَ بِالْبَلَدِ أَخَذَ مُوسَى وَقَيَّدَهُ وَاسْتَعْمَلَ خَالِدَ بْنَ بَرْمَكٍ. وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ أَلْزَمَ خَالِدَ بْنَ بَرْمَكٍ ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَجَّلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ أَحْضَرَ الْمَالَ وَإِلَّا قَتَلَهُ، فَقَالَ لِابْنِهِ يَحْيَى: يَا بُنَيَّ الْقَ إِخْوَانَنَا عُمَارَةَ بْنَ حَمْزَةَ، وَمُبَارَكًا التُّرْكِيَّ، وَصَالِحًا صَاحِبَ الْمُصَلَّى (وَغَيْرَهُمْ) وَأَعْلِمْهُمْ حَالَنَا. قَالَ يَحْيَى: فَأَتَيْتُهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَنِي الدُّخُولَ عَلَيْهِ وَوَجَّهَ الْمَالَ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَجَهَّمَنِي بِالرَّدِّ وَوَجَّهَ الْمَالَ [سِرًّا إِلَيَّ] . قَالَ: فَأَتَيْتُ عُمَارَةَ بْنَ حَمْزَةَ وَوَجْهُهُ إِلَى الْحَائِطِ، فَمَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَيَّ، فَسَلَّمْتُ، فَرَدَّ رَدًّا ضَعِيفًا. وَقَالَ: كَيْفَ أَبُوكَ؟ فَعَرَّفْتُهُ الْحَالَ، وَطَلَبْتُ قَرْضَ مِائَةِ أَلْفٍ، فَقَالَ: إِنْ أَمْكَنَنِي شَيْءٌ فَسَيَأْتِيكَ، فَانْصَرَفْتُ وَأَنَا أَلْعَنُهُ مِنْ تِيهِهِ، وَحَدَّثْتُ أَبِي بِحَدِيثِهِ، وَإِذْ قَدْ أَنْفَذَ الْمَالَ، قَالَ: فَجَمَعْنَا فِي يَوْمَيْنِ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَسَبْعَمِائَةِ أَلْفٍ، وَبَقِيَ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفٍ تُبْطِلُ الْجَمِيعَ بِتَعَذُّرِهَا. قَالَ: فَعَبَرْتُ عَلَى الْجِسْرِ وَأَنَا مَهْمُومٌ، فَوَثَبَ إِلَيَّ زَاجِرٌ فَقَالَ: فَرْخُ الطَّائِرِ أَخْبَرَكَ، فَطَوَيْتُهُ فَلَحِقَنِي، وَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتِي، وَقَالَ لِي: أَنْتَ مَهْمُومٌ، وَوَاللَّهِ لَتَفْرَحَنَّ وَلَتَمُرَّنَ غَدًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَالدَّوَاءُ بَيْنَ يَدَيْكَ. فَعَجِبْتُ مِنْ قَوْلِهِ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ فَلِي عَلَيْكَ خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ. فَقُلْتُ: نَعَمْ! وَأَنَا أَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ.

стр. 2558

وَوَرَدَ عَلَى الْمَنْصُورِ انْتِقَاضُ الْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ، وَانْتِشَارُ الْأَكْرَادِ بِهَا، فَقَالَ: مَنْ لَهَا؟ فَقَالَ الْمُسَيَّبُ بْنُ زُهَيْرٍ: عِنْدِي رَأْيٌ أَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تَقْبَلُهُ مِنِّي، وَأَعْلَمُ أَنَّكَ تَرُدُّهُ عَلَيَّ، وَلَكِنِّي لَا أَدَعُ نُصْحَكَ. قَالَ: قُلْ! قُلْتُ: مَا لَهَا مِثْلُ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكٍ. قَالَ: فَكَيْفَ يَصْلُحُ لَنَا بَعْدَ مَا فَعَلْنَا؟ قَالَ: إِنَّمَا قَوَّمْتَهُ بِذَلِكَ، وَأَنَا الضَّامِنُ لَهُ. قَالَ: فَلْيَحْضُرْنِي غَدًا، فَأَحْضَرَهُ، فَصَفَحَ لَهُ عَنِ الثَّلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ الْبَاقِيَةِ، وَعَقَدَ لَهُ، وَعَقَدَ لِابْنِهِ يَحْيَى عَلَى أَذْرَبِيجَانَ. فَاجْتَازَ يَحْيَى بِالزَّاجِرِ، فَأَخَذَهُ مَعَهُ، وَأَعْطَاهُ خَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَأَنْفَذَ خَالِدٌ إِلَى عُمَارَةَ بِالْمِائَةِ أَلْفٍ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْهُ مَعَ ابْنِهِ يَحْيَى، فَقَالَ لَهُ: صَيْرَفِيًّا كُنْتَ لِأَبِيكَ؟ قُمْ عَنِّي، لَا قُمْتَ! فَعَادَ بِالْمَالِ، وَسَارَ مَعَ الْمَهْدِيِّ، فَعَزَلَ مُوسَى بْنَ كَعْبٍ وَوَلَّاهُمَا. فَلَمْ يَزَلْ خَالِدٌ عَلَى الْمَوْصِلِ، وَابْنُهُ يَحْيَى عَلَى أَذْرَبِيجَانَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ الْمَنْصُورُ، فَذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ: مَا هِبْنَا أَمِيرًا قَطُّ هَيْبَتَنَا خَالِدًا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَدَّ عَلَيْنَا، وَلَكِنْ هَيْبَةً كَانَتْ لَهُ فِي صُدُورِنَا. ذِكْرُ مَوْتِ الْمَنْصُورِ وَوَصِيَّتِهِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْمَنْصُورُ لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ بِبِئْرِ مَيْمُونٍ، وَكَانَ عَلَى مَا قِيلَ قَدْ هَتَفَ بِهِ هَاتِفٌ مِنْ قَصْرِهِ، فَسَمِعَهُ يَقُولُ: أَمَا وَرَبِّ السُّكُونِ وَالْحَرَكِ ... إِنَّ الْمَنَايَا كَثِيرَةُ الشَّرَكِ عَلَيْكِ، يَا نَفْسُ إِنْ أَسَأْتِ، وَإِنْ ... أَحْسَنْتِ بِالْقَصْدِ، كُلُّ ذَاكَ لَكِ مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا ... دَارَتْ نُجُومُ السَّمَاءِ فِي الْفَلَكِ إِلَّا تَنَقَّلَ السُّلْطَانُ عَنْ مَلِكٍ ... إِذَا انْتَهَى مُلْكُهُ إِلَى مَلِكِ حَتَّى يَصِيرَا بِهِ إِلَى مَلِكٍ ... مَا عِزُّ سُلْطَانِهِ بِمُشْتَرَكِ

стр. 2559

ذَاكَ بَدِيعُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْ ... مُرْسِي الْجِبَالِ الْمُسَخِّرِ الْفَلَكِ فَقَالَ الْمَنْصُورُ: هَذَا أَوَانُ أَجَلِي. قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَقَدْ حَكَى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْمَنْصُورِ يَوْمًا أُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ بَاهِتٌ لَا يُحِيرُ جَوَابًا، فَوَثَبْتُ لِمَا أَرَى مِنْهُ لِأَنْصَرِفَ، فَقَالَ [لِي] بَعْدَ سَاعَةٍ إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رُجَلًا يُنْشِدُنِي هَذِهِ [الْأَبْيَاتَ] : أَأُخَيَّ خَفِّضْ مِنْ مُنَاكَا ... فَكَأَنَّ يَوْمَكَ قَدْ أَتَاكَا وَلَقَدْ أَرَاكَ الدَّهْرَ مِنْ ... تَصَرُّفَيْهِ مَا قَدْ أَرَاكَا فَإِذَا أَرَدْتَ النَّاقِصَ الْ ... عَبْدَ الذَّلِيلَ، فَأَنْتَ ذَاكَا مُلِّكْتَ مَا مُلِّكْتَهُ ... وَالْأَمُرُ فِيهِ إِلَى سِوَاكَا. هَذَا الَّذِي تَرَى مِنْ قَلَقِي وَغَمِّي لِمَا سَمِعْتُ وَرَأَيْتُ، فَقُلْتُ: خَيْرًا رَأَيْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ. فَلَمَّا سَارَ مِنْ بَغْدَاذَ لِيَحُجَّ نَزَلَ قَصْرَ عَبْدَوَيْهِ، فَانْقَضَّ فِي مَقَامِهِ هُنَالِكَ كَوْكَبٌ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ، بَعْدَ إِضَاءَةِ الْفَجْرِ، فَبَقِيَ أَثَرُهُ بَيِّنًا إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَأَحْضَرَ الْمَهْدِيَّ، وَكَانَ قَدْ صَحِبَهُ لِيُوَدِّعَهُ، فَوَصَّاهُ بِالْمَالِ وَالسُّلْطَانِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ مُقَامِهِ، بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي ارْتَحَلَ فِيهِ قَالَ لَهُ: إِنِّي لَمْ أَدَعْ شَيْئًا إِلَّا وَقَدْ تَقَدَّمْتُ إِلَيْكَ فِيهِ، وَسَأُوصِيكَ بِخِصَالٍ مَا أَظُنُّكَ تَفْعَلُ وَاحِدَةً مِنْهَا. (وَكَانَ لَهُ سَفَطٌ فِيهِ دَفَاتِرُ عِلْمِهِ) ، وَعَلَيْهِ قُفْلٌ لَا يَفْتَحُهُ غَيْرُهُ، فَقَالَ لِلْمَهْدِيِّ: انْظُرْ إِلَى هَذَا السَّفَطِ فَاحْتَفِظْ بِهِ، فَإِنَّ فِيهِ عِلْمَ آبَائِكَ، (مَا كَانَ) وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِنْ أَحْزَنَكَ أَمْرٌ فَانْظُرْ فِي الدَّفْتَرِ الْكَبِيرِ، فَإِنْ أَصَبْتَ فِيهِ مَا تُرِيدُ، وَإِلَّا فَفِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ، حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةً، فَإِنْ ثَقُلَ عَلَيْكَ، فَالْكُرَّاسَةُ الصَّغِيرَةُ، فَإِنَّكَ وَاجِدٌ فِيهَا مَا تُرِيدُ، وَمَا أَظُنُّكَ تَفْعَلُ.

стр. 2560

وَانْظُرْ هَذِهِ الْمَدِينَةَ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَسْتَبْدِلَ بِهَا غَيْرَهَا، وَقَدْ جَمَعْتُ لَكَ فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا إِنْ كُسِرَ عَلَيْكَ الْخَرَاجُ عَشْرَ سِنِينَ كَفَاكَ لِأَرْزَاقِ الْجُنْدِ وَالنَّفَقَاتِ، وَالذُّرِّيَّةِ، وَمَصْلَحَةِ الْبُعُوثِ، فَاحْتَفِظْ بِهَا، فَإِنَّكَ لَا تَزَالُ عَزِيزًا مَا دَامَ بَيْتُ مَالِكَ عَامِرًا، وَمَا أَظُنُّكَ تَفْعَلُ. وَأُوصِيكَ بِأَهْلِ بَيْتِكَ أَنْ تُظْهِرَ كَرَامَتَهُمْ، وَتُحْسِنَ إِلَيْهِمْ، وَتُقَدِّمَهُمْ، وَتُوطِئَ النَّاسَ أَعْقَابُهُمْ، وَتُوَلِّيَهُمُ الْمَنَابِرَ، فَإِنَّ عِزَّكَ عِزَّهُمْ، وَذِكْرَهُمْ لَكَ، وَمَا أَظُنُّكَ تَفْعَلُ. وَانْظُرْ مَوَالِيَكَ فَأَحْسِنْ إِلَيْهِمْ، وَقَرِّبْهُمْ، وَاسْتَكْثِرْ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ مَادَّتُكَ لِشِدَّةٍ إِنْ نَزَلَتْ بِكَ، وَمَا أَظُنُّكَ تَفْعَلُ. وَأُوصِيكَ بِأَهْلِ خُرَاسَانَ خَيْرًا، فَإِنَّهُمْ أَنْصَارُكَ وَشِيعَتُكَ الَّذِينَ بَذَلُوا أَمْوَالَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ فِي دَوْلَتِكَ، وَمَنْ لَا تَخْرُجُ مَحَبَّتُكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ، أَنْ تُحْسِنَ إِلَيْهِمْ، وَتَتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَتُكَافِئَهُمْ عَمَّا كَانَ مِنْهُمْ، وَتَخْلُفَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، وَمَا أَظُنُّكَ تَفْعَلُ. وَإِيَّاكَ أَنْ تَبْنِيَ مَدِينَةَ الشَّرْقِيَّةِ، فَإِنَّكَ لَا تُتِمُّ بِنَاءَهَا، وَأَظُنُّكَ سَتَفْعَلُ. وَإِيَّاكَ أَنْ تَسْتَعِينَ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَأَظُنُّكَ سَتَفْعَلُ. وَإِيَّاكَ أَنْ تُدْخِلَ النِّسَاءَ فِي أَمْرِكَ، وَأَظُنُّكَ سَتَفْعَلُ. وَقِيلَ: قَالَ لَهُ: إِنِّي وُلِدْتُ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَوُلِّيتُ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَقَدْ هَجَسَ فِي نَفْسِي أَنِّي أَمُوتُ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَإِنَّمَا حَدَانِي عَلَى الْحَجِّ ذَلِكَ، فَاتَّقِ اللَّهَ فِيمَا أَعْهَدُ إِلَيْكَ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدِي، يَجْعَلْ لَكَ فِيمَا كَرَبَكَ وَحَزَنَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، وَيَرْزُقْكَ السَّلَامَةَ وَحُسْنَ الْعَاقِبَةِ مِنْ حَيْثُ لَا تَحْتَسِبُ. يَا بُنَيَّ احْفَظْ مُحَمَّدًا ﷺ فِي أُمَّتِهِ، يَحْفَظْكَ اللَّهُ (وَيَحْفَظْ) عَلَيْكَ أُمُورَكَ، وَإِيَّاكَ وَالدَّمَ وَالْحَرَامَ، فَإِنَّهُ حُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، وَعَارٌ فِي الدُّنْيَا لَازِمٌ مُقِيمٌ، وَالْزَمِ الْحُدُودَ، فَإِنَّ فِيهَا خَلَاصَكَ فِي الْآجِلِ وَصَلَاحَكَ فِي الْعَاجِلِ، وَلَا تَعْتَدِ فِيهَا فَتَبُورَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ عَلِمَ أَنْ شَيْئًا أَصْلَحُ مِنْهَا لِدِينِهِ وَأَزْجَرُ عَنْ مَعَاصِيهِ لَأَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ.
следующие страницы →