Полный текст (6 163 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
وَقِيلَ: إِنَّمَا غَزَا الصَّائِفَةَ زُفَرُ بْنُ عَاصِمٍ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ، وَقِيلَ كَانَ عَلَيْهَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى الْأَمْصَارِ مَنْ ذَكَرْنَا.
وَفِيهَا قَتَلَ الْمَنْصُورُ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّاءَ الْمُحْتَسِبَ، وَكَانَ يَطْعَنُ عَلَى الْمَنْصُورِ وَيَجْمَعُ الْجَمَاعَاتِ فِيمَا قِيلَ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ: وَفِي سَنَةِ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ مَاتَ الْأَوْزَاعِيُّ الْفَقِيهُ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو، وَلَهُ سَبْعُونَ سَنَةً، وَمُصْعَبُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ جَدُّ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ.
وَفِيهَا أَخْرَجَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَقْظَانَ الْكَلْبِيُّ قَارْلَهْ مَلِكَ الْإِفْرِنْجِ. (إِلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ، وَلَقِيَهُ بِالطَّرِيقِ، وَسَارَ مَعَهُ إِلَى سَرَقُسْطَةَ، فَسَبَقَهُ إِلَيْهَا الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ مِنْ وَلَدِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَامْتَنَعَ بِهَا فَاتَّهَمَ قَارْلَهْ مَلِكُ الْإِفْرِنْجِ) سُلَيْمَانَ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَأَخَذَهُ مَعَهُ إِلَى بِلَادِهِ فَلَمَّا أَبْعَدَ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَاطْمَأَنَّ هَجَمَ عَلَيْهِ مَطْرُوحٌ وَعَيْشُونُ ابْنَا سُلَيْمَانَ فِي أَصْحَابِهِمَا، فَاسْتَنْقَذَا أَبَاهُمَا، وَرَجَعَا بِهِ إِلَى سَرَقُسْطَةَ، وَدَخَلُوا مَعَ الْحُسَيْنِ، وَوَافَقُوا عَلَى خِلَافِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
стр. 2557
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ]
١٥٨ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ
ذِكْرُ عَزْلِ مُوسَى عَنِ الْمَوْصِلِ وَوِلَايَةِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ الْمَنْصُورُ مُوسَى بْنَ كَعْبٍ عَنِ الْمَوْصِلِ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَهُ عَنْهُ مَا أَسْخَطَهُ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ ابْنَهُ الْمَهْدِيَّ أَنْ يَسِيرَ إِلَى الرَّقَّةِ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ طَرِيقَهُ عَلَى الْمَوْصِلِ، فَإِذَا صَارَ بِالْبَلَدِ أَخَذَ مُوسَى وَقَيَّدَهُ وَاسْتَعْمَلَ خَالِدَ بْنَ بَرْمَكٍ.
وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ أَلْزَمَ خَالِدَ بْنَ بَرْمَكٍ ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَجَّلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ أَحْضَرَ الْمَالَ وَإِلَّا قَتَلَهُ، فَقَالَ لِابْنِهِ يَحْيَى: يَا بُنَيَّ الْقَ إِخْوَانَنَا عُمَارَةَ بْنَ حَمْزَةَ، وَمُبَارَكًا التُّرْكِيَّ، وَصَالِحًا صَاحِبَ الْمُصَلَّى (وَغَيْرَهُمْ) وَأَعْلِمْهُمْ حَالَنَا.
قَالَ يَحْيَى: فَأَتَيْتُهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَنِي الدُّخُولَ عَلَيْهِ وَوَجَّهَ الْمَالَ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَجَهَّمَنِي بِالرَّدِّ وَوَجَّهَ الْمَالَ [سِرًّا إِلَيَّ] . قَالَ: فَأَتَيْتُ عُمَارَةَ بْنَ حَمْزَةَ وَوَجْهُهُ إِلَى الْحَائِطِ، فَمَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَيَّ، فَسَلَّمْتُ، فَرَدَّ رَدًّا ضَعِيفًا.
وَقَالَ: كَيْفَ أَبُوكَ؟ فَعَرَّفْتُهُ الْحَالَ، وَطَلَبْتُ قَرْضَ مِائَةِ أَلْفٍ، فَقَالَ: إِنْ أَمْكَنَنِي شَيْءٌ فَسَيَأْتِيكَ، فَانْصَرَفْتُ وَأَنَا أَلْعَنُهُ مِنْ تِيهِهِ، وَحَدَّثْتُ أَبِي بِحَدِيثِهِ، وَإِذْ قَدْ أَنْفَذَ الْمَالَ، قَالَ: فَجَمَعْنَا فِي يَوْمَيْنِ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَسَبْعَمِائَةِ أَلْفٍ، وَبَقِيَ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفٍ تُبْطِلُ الْجَمِيعَ بِتَعَذُّرِهَا.
قَالَ: فَعَبَرْتُ عَلَى الْجِسْرِ وَأَنَا مَهْمُومٌ، فَوَثَبَ إِلَيَّ زَاجِرٌ فَقَالَ: فَرْخُ الطَّائِرِ أَخْبَرَكَ، فَطَوَيْتُهُ فَلَحِقَنِي، وَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتِي، وَقَالَ لِي: أَنْتَ مَهْمُومٌ، وَوَاللَّهِ لَتَفْرَحَنَّ وَلَتَمُرَّنَ غَدًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَالدَّوَاءُ بَيْنَ يَدَيْكَ. فَعَجِبْتُ مِنْ قَوْلِهِ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ فَلِي عَلَيْكَ خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ. فَقُلْتُ: نَعَمْ! وَأَنَا أَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ.
стр. 2558
وَوَرَدَ عَلَى الْمَنْصُورِ انْتِقَاضُ الْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ، وَانْتِشَارُ الْأَكْرَادِ بِهَا، فَقَالَ: مَنْ لَهَا؟ فَقَالَ الْمُسَيَّبُ بْنُ زُهَيْرٍ: عِنْدِي رَأْيٌ أَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تَقْبَلُهُ مِنِّي، وَأَعْلَمُ أَنَّكَ تَرُدُّهُ عَلَيَّ، وَلَكِنِّي لَا أَدَعُ نُصْحَكَ.
قَالَ: قُلْ! قُلْتُ: مَا لَهَا مِثْلُ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكٍ. قَالَ: فَكَيْفَ يَصْلُحُ لَنَا بَعْدَ مَا فَعَلْنَا؟ قَالَ: إِنَّمَا قَوَّمْتَهُ بِذَلِكَ، وَأَنَا الضَّامِنُ لَهُ. قَالَ: فَلْيَحْضُرْنِي غَدًا، فَأَحْضَرَهُ، فَصَفَحَ لَهُ عَنِ الثَّلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ الْبَاقِيَةِ، وَعَقَدَ لَهُ، وَعَقَدَ لِابْنِهِ يَحْيَى عَلَى أَذْرَبِيجَانَ.
فَاجْتَازَ يَحْيَى بِالزَّاجِرِ، فَأَخَذَهُ مَعَهُ، وَأَعْطَاهُ خَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَأَنْفَذَ خَالِدٌ إِلَى عُمَارَةَ بِالْمِائَةِ أَلْفٍ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْهُ مَعَ ابْنِهِ يَحْيَى، فَقَالَ لَهُ: صَيْرَفِيًّا كُنْتَ لِأَبِيكَ؟ قُمْ عَنِّي، لَا قُمْتَ! فَعَادَ بِالْمَالِ، وَسَارَ مَعَ الْمَهْدِيِّ، فَعَزَلَ مُوسَى بْنَ كَعْبٍ وَوَلَّاهُمَا.
فَلَمْ يَزَلْ خَالِدٌ عَلَى الْمَوْصِلِ، وَابْنُهُ يَحْيَى عَلَى أَذْرَبِيجَانَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ الْمَنْصُورُ، فَذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ: مَا هِبْنَا أَمِيرًا قَطُّ هَيْبَتَنَا خَالِدًا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَدَّ عَلَيْنَا، وَلَكِنْ هَيْبَةً كَانَتْ لَهُ فِي صُدُورِنَا.
ذِكْرُ مَوْتِ الْمَنْصُورِ وَوَصِيَّتِهِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْمَنْصُورُ لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ بِبِئْرِ مَيْمُونٍ، وَكَانَ عَلَى مَا قِيلَ قَدْ هَتَفَ بِهِ هَاتِفٌ مِنْ قَصْرِهِ، فَسَمِعَهُ يَقُولُ:
أَمَا وَرَبِّ السُّكُونِ وَالْحَرَكِ ... إِنَّ الْمَنَايَا كَثِيرَةُ الشَّرَكِ
عَلَيْكِ، يَا نَفْسُ إِنْ أَسَأْتِ، وَإِنْ ... أَحْسَنْتِ بِالْقَصْدِ، كُلُّ ذَاكَ لَكِ
مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا ... دَارَتْ نُجُومُ السَّمَاءِ فِي الْفَلَكِ
إِلَّا تَنَقَّلَ السُّلْطَانُ عَنْ مَلِكٍ ... إِذَا انْتَهَى مُلْكُهُ إِلَى مَلِكِ
حَتَّى يَصِيرَا بِهِ إِلَى مَلِكٍ ... مَا عِزُّ سُلْطَانِهِ بِمُشْتَرَكِ
стр. 2559
ذَاكَ بَدِيعُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْ ... مُرْسِي الْجِبَالِ الْمُسَخِّرِ الْفَلَكِ
فَقَالَ الْمَنْصُورُ: هَذَا أَوَانُ أَجَلِي.
قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَقَدْ حَكَى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْمَنْصُورِ يَوْمًا أُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ بَاهِتٌ لَا يُحِيرُ جَوَابًا، فَوَثَبْتُ لِمَا أَرَى مِنْهُ لِأَنْصَرِفَ، فَقَالَ [لِي] بَعْدَ سَاعَةٍ إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رُجَلًا يُنْشِدُنِي هَذِهِ [الْأَبْيَاتَ] :
أَأُخَيَّ خَفِّضْ مِنْ مُنَاكَا ... فَكَأَنَّ يَوْمَكَ قَدْ أَتَاكَا
وَلَقَدْ أَرَاكَ الدَّهْرَ مِنْ ... تَصَرُّفَيْهِ مَا قَدْ أَرَاكَا
فَإِذَا أَرَدْتَ النَّاقِصَ الْ ... عَبْدَ الذَّلِيلَ، فَأَنْتَ ذَاكَا
مُلِّكْتَ مَا مُلِّكْتَهُ ... وَالْأَمُرُ فِيهِ إِلَى سِوَاكَا.
هَذَا الَّذِي تَرَى مِنْ قَلَقِي وَغَمِّي لِمَا سَمِعْتُ وَرَأَيْتُ، فَقُلْتُ: خَيْرًا رَأَيْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ.
فَلَمَّا سَارَ مِنْ بَغْدَاذَ لِيَحُجَّ نَزَلَ قَصْرَ عَبْدَوَيْهِ، فَانْقَضَّ فِي مَقَامِهِ هُنَالِكَ كَوْكَبٌ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ، بَعْدَ إِضَاءَةِ الْفَجْرِ، فَبَقِيَ أَثَرُهُ بَيِّنًا إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَأَحْضَرَ الْمَهْدِيَّ، وَكَانَ قَدْ صَحِبَهُ لِيُوَدِّعَهُ، فَوَصَّاهُ بِالْمَالِ وَالسُّلْطَانِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ مُقَامِهِ، بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي ارْتَحَلَ فِيهِ قَالَ لَهُ: إِنِّي لَمْ أَدَعْ شَيْئًا إِلَّا وَقَدْ تَقَدَّمْتُ إِلَيْكَ فِيهِ، وَسَأُوصِيكَ بِخِصَالٍ مَا أَظُنُّكَ تَفْعَلُ وَاحِدَةً مِنْهَا.
(وَكَانَ لَهُ سَفَطٌ فِيهِ دَفَاتِرُ عِلْمِهِ) ، وَعَلَيْهِ قُفْلٌ لَا يَفْتَحُهُ غَيْرُهُ، فَقَالَ لِلْمَهْدِيِّ: انْظُرْ إِلَى هَذَا السَّفَطِ فَاحْتَفِظْ بِهِ، فَإِنَّ فِيهِ عِلْمَ آبَائِكَ، (مَا كَانَ) وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِنْ أَحْزَنَكَ أَمْرٌ فَانْظُرْ فِي الدَّفْتَرِ الْكَبِيرِ، فَإِنْ أَصَبْتَ فِيهِ مَا تُرِيدُ، وَإِلَّا فَفِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ، حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةً، فَإِنْ ثَقُلَ عَلَيْكَ، فَالْكُرَّاسَةُ الصَّغِيرَةُ، فَإِنَّكَ وَاجِدٌ فِيهَا مَا تُرِيدُ، وَمَا أَظُنُّكَ تَفْعَلُ.
стр. 2560
وَانْظُرْ هَذِهِ الْمَدِينَةَ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَسْتَبْدِلَ بِهَا غَيْرَهَا، وَقَدْ جَمَعْتُ لَكَ فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا إِنْ كُسِرَ عَلَيْكَ الْخَرَاجُ عَشْرَ سِنِينَ كَفَاكَ لِأَرْزَاقِ الْجُنْدِ وَالنَّفَقَاتِ، وَالذُّرِّيَّةِ، وَمَصْلَحَةِ الْبُعُوثِ، فَاحْتَفِظْ بِهَا، فَإِنَّكَ لَا تَزَالُ عَزِيزًا مَا دَامَ بَيْتُ مَالِكَ عَامِرًا، وَمَا أَظُنُّكَ تَفْعَلُ.
وَأُوصِيكَ بِأَهْلِ بَيْتِكَ أَنْ تُظْهِرَ كَرَامَتَهُمْ، وَتُحْسِنَ إِلَيْهِمْ، وَتُقَدِّمَهُمْ، وَتُوطِئَ النَّاسَ أَعْقَابُهُمْ، وَتُوَلِّيَهُمُ الْمَنَابِرَ، فَإِنَّ عِزَّكَ عِزَّهُمْ، وَذِكْرَهُمْ لَكَ، وَمَا أَظُنُّكَ تَفْعَلُ.
وَانْظُرْ مَوَالِيَكَ فَأَحْسِنْ إِلَيْهِمْ، وَقَرِّبْهُمْ، وَاسْتَكْثِرْ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ مَادَّتُكَ لِشِدَّةٍ إِنْ نَزَلَتْ بِكَ، وَمَا أَظُنُّكَ تَفْعَلُ.
وَأُوصِيكَ بِأَهْلِ خُرَاسَانَ خَيْرًا، فَإِنَّهُمْ أَنْصَارُكَ وَشِيعَتُكَ الَّذِينَ بَذَلُوا أَمْوَالَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ فِي دَوْلَتِكَ، وَمَنْ لَا تَخْرُجُ مَحَبَّتُكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ، أَنْ تُحْسِنَ إِلَيْهِمْ، وَتَتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَتُكَافِئَهُمْ عَمَّا كَانَ مِنْهُمْ، وَتَخْلُفَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، وَمَا أَظُنُّكَ تَفْعَلُ.
وَإِيَّاكَ أَنْ تَبْنِيَ مَدِينَةَ الشَّرْقِيَّةِ، فَإِنَّكَ لَا تُتِمُّ بِنَاءَهَا، وَأَظُنُّكَ سَتَفْعَلُ.
وَإِيَّاكَ أَنْ تَسْتَعِينَ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَأَظُنُّكَ سَتَفْعَلُ.
وَإِيَّاكَ أَنْ تُدْخِلَ النِّسَاءَ فِي أَمْرِكَ، وَأَظُنُّكَ سَتَفْعَلُ.
وَقِيلَ: قَالَ لَهُ: إِنِّي وُلِدْتُ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَوُلِّيتُ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَقَدْ هَجَسَ فِي نَفْسِي أَنِّي أَمُوتُ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَإِنَّمَا حَدَانِي عَلَى الْحَجِّ ذَلِكَ، فَاتَّقِ اللَّهَ فِيمَا أَعْهَدُ إِلَيْكَ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدِي، يَجْعَلْ لَكَ فِيمَا كَرَبَكَ وَحَزَنَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، وَيَرْزُقْكَ السَّلَامَةَ وَحُسْنَ الْعَاقِبَةِ مِنْ حَيْثُ لَا تَحْتَسِبُ.
يَا بُنَيَّ احْفَظْ مُحَمَّدًا ﷺ فِي أُمَّتِهِ، يَحْفَظْكَ اللَّهُ (وَيَحْفَظْ) عَلَيْكَ أُمُورَكَ، وَإِيَّاكَ وَالدَّمَ وَالْحَرَامَ، فَإِنَّهُ حُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، وَعَارٌ فِي الدُّنْيَا لَازِمٌ مُقِيمٌ، وَالْزَمِ الْحُدُودَ، فَإِنَّ فِيهَا خَلَاصَكَ فِي الْآجِلِ وَصَلَاحَكَ فِي الْعَاجِلِ، وَلَا تَعْتَدِ فِيهَا فَتَبُورَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ عَلِمَ أَنْ شَيْئًا أَصْلَحُ مِنْهَا لِدِينِهِ وَأَزْجَرُ عَنْ مَعَاصِيهِ لَأَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ.
стр. 2561
وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ شِدَّةِ غَضَبِ اللَّهِ لِسُلْطَانِهِ [أَنَّهُ] أَمَرَ فِي كِتَابِهِ بِتَضْعِيفِ الْعَذَابِ وَالْعِقَابِ عَلَى مَنْ سَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا مَعَ مَا ذَكَرَ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ الْعَظِيمِ فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣] الْآيَةَ.
فَالسُّلْطَانُ، يَا بُنَيَّ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَعُرْوَتُهُ الْوُثْقَى، وَدِينُهُ الْقَيِّمُ، فَاحْفَظْهُ، وَحَصِّنْهُ، وَذُبَّ عَنْهُ، وَأَوْقِعْ بِالْمُلْحِدِينَ فِيهِ، وَاقْمَعِ الْمَارِقِينَ مِنْهُ، وَاقْتُلِ الْخَارِجِينَ عَنْهُ بِالْعِقَابِ، وَلَا تُجَاوِزْ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي مُحْكَمِ الْقُرْآنِ، وَاحْكُمْ بِالْعَدْلِ، وَلَا تُشْطِطْ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَقْطَعُ لِلشَّغَبِ، وَأَحْسَمُ لِلْعَدُوِّ، وَأَنْجَعُ فِي الدَّوَاءِ.
وَعُفَّ عَنِ الْفَيْءِ، فَلَيْسَ بِكَ إِلَيْهِ حَاجَةٌ مَعَ مَا خَلَفَهُ اللَّهُ لَكَ، وَافْتَتِحْ [عَمَلَكَ] بِصِلَةِ الرَّحِمِ وَبِرِّ الْقَرَابَةِ، وَإِيَّاكَ وَالْأَثَرَةَ وَالتَّبْذِيرَ لِأَمْوَالِ الرَّعِيَّةِ، وَاشْحَنِ الثُّغُورَ، وَاضْبُطِ الْأَطْرَافَ، وَأَمِّنِ السُّبُلَ، وَسَكِّنِ الْعَامَّةَ، وَأَدْخِلِ الْمَرَافِقَ عَلَيْهِمْ، وَادْفَعِ الْمَكَارِهَ عَنْهُمْ.
وَأَعِدَّ الْأَمْوَالَ، وَاخْزُنْهَا، وَإِيَّاكَ وَالتَّبْذِيرَ، فَإِنَّ النَّوَائِبَ غَيْرُ مَأْمُونَةٍ، وَهِيَ مِنْ شِيَمِ الزَّمَانِ.
وَأَعِدَّ الْكُرَاعَ وَالرِّجَالَ وَالْجُنْدَ مَا اسْتَطَعْتَ، وَإِيَّاكَ وَتَأْخِيرَ عَمَلِ الْيَوْمِ إِلَى الْغَدِ، فَتَتَدَارَكُ عَلَيْكَ الْأُمُورَ وَتَضِيعُ، جِدَّ فِي إِحْكَامِ الْأُمُورِ النَّازِلَاتِ لِأَوْقَاتِهَا أَوَّلًا [فَأَوَّلًا] ، وَاجْتَهِدْ وَشَمِّرْ فِيهَا.
وَأَعِدَّ رِجَالًا بِاللَّيْلِ لِمَعْرِفَةِ مَا يَكُونُ بِالنَّهَارِ، وَرِجَالًا بِالنَّهَارِ لِمَعْرِفَةِ مَا يَكُونُ بِاللَّيْلِ، وَبَاشِرِ الْأُمُورَ بِنَفْسِكَ، وَلَا تَضْجَرْ، وَلَا تُكْسِلْ، وَاسْتَعْمِلْ حُسْنَ الظَّنِّ [بِرَبِّكَ] ، وَأَسِئَ الظَّنَّ بِعُمَّالِكَ وَكُتَّابِكَ.
وَخُذْ نَفْسَكَ بِالتَّيَقُّظِ، وَتَفَقَّدْ مَنْ تَثَبَّتَ عَلَى بَابِكَ، وَسَهِّلْ إِذْنَكَ لِلنَّاسِ، وَانْظُرْ فِي أَمْرِ النُّزَّاعِ إِلَيْكَ، وَوَكِّلْ بِهِمْ عَيْنًا غَيْرَ نَائِمَةٍ، وَنَفْسًا غَيْرَ لَاهِيَةٍ، وَلَا تَنَمْ، وَإِيَّاكَ، فَإِنَّ أَبَاكَ لَمْ يَنَمْ مُنْذُ وَلِيَ الْخِلَافَةَ، وَلَا دَخَلَ عَيْنَهُ الْغَمْضُ إِلَّا وَقَلْبُهُ مُسْتَيْقِظٌ. هَذِهِ وَصِيَّتِي إِلَيْكَ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَيْكَ.
ثُمَّ وَدَّعَهُ وَبَكَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى الْكُوفَةِ، وَجَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَسَاقَ الْهَدْيَ، وَأَشْعَرَهُ، وَقَلَّدَهُ لِأَيَّامٍ خَلَتْ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ.
стр. 2562
فَلَمَّا سَارَ مَنَازِلَ مِنَ الْكُوفَةِ عَرَضَ لَهُ وَجَعُهُ الَّذِي مَاتَ بِهِ وَهُوَ الْقِيَامُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ جَعَلَ يَقُولُ لِلرَّبِيعِ: بَادِرْنِي حَرَمَ رَبِّي هَارِبًا مِنْ ذُنُوبِي، وَكَانَ الرَّبِيعُ عَدِيلَهُ، وَوَصَّاهُ بِمَا أَرَادَ.
فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بِئْرِ مَيْمُونٍ مَاتَ بِهَا مَعَ السَّحَرِ لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَلَمْ يَحْضُرْهُ عِنْدَ وَفَاتِهِ إِلَّا خَدَمُهُ، وَالرَّبِيعُ مَوْلَاهُ، فَكَتَمَ الرَّبِيعُ مَوْتَهُ، وَمَنَعَ مِنَ الْبُكَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ، فَحَضَرَ أَهْلُ بَيْتِهِ كَمَا كَانُوا يَحْضُرُونَ.
وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ دَعَا عَمَّهُ عِيسَى بْنَ عَلِيٍّ، فَمَكَثَ سَاعَةً، ثُمَّ أَذِنَ (لِابْنِ أَخِيهِ عِيسَى) بْنِ مُوسَى وَكَانَ فِيمَا خَلَا يُقَدَّمُ عَلَى عِيسَى بْنِ عَلِيٍّ، ثُمَّ أَذِنَ لِلْأَكَابِرِ وَذَوِي الْأَسْنَانِ مِنْهُمْ، ثُمَّ لِعَامَّتِهِمْ، فَبَايَعَهُمُ الرَّبِيعُ لِلْمَهْدِيِّ، وَلِعِيسَى بْنِ مُوسَى بَعْدَهُ عَلَى يَدَيْ مُوسَى الْهَادِي بْنِ الْمَهْدِيِّ.
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيْعَةِ بَنِي هَاشِمٍ بَايَعَ الْقُوَّادَ، وَبَايَعَ عَامَّةَ النَّاسِ، وَسَارَ الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ إِلَى مَكَّةَ لِيُبَايِعَا النَّاسَ، فَبَايَعُوا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ.
وَاشْتَغَلُوا بِتَجْهِيزِ الْمَنْصُورِ، فَفَرَغُوا مِنْهُ الْعَصْرَ، وَكُفِّنَ وَغُطِّيَ وَجْهُهُ وَبَدَنُهُ، وَجُعِلَ رَأْسُهُ مَكْشُوفًا لِأَجْلِ إِحْرَامِهِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عِيسَى بْنُ مُوسَى، وَقِيلَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَدُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ الْمَعْلَاةِ، وَحَفَرُوا لَهُ مِائَةَ قَبْرٍ لِيُغَمُّوا عَلَى النَّاسِ، وَدُفِنَ فِي غَيْرِهَا، وَنَزَلَ فِي قَبْرِهِ عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ، وَعِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَالرَّبِيعُ وَالرَّيَّانُ مَوْلَيَاهُ، وَيَقْطِينُ.
وَكَانَ عُمُرُهُ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً، وَقِيلَ أَرْبَعًا وَسِتِّينَ، وَقِيلَ ثَمَانِيًا وَسِتِّينَ سَنَةً، فَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً إِلَّا أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَقِيلَ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقِيلَ إِلَّا يَوْمَيْنِ.
وَقِيلَ فِي مَوْتِهِ: إِنَّهُ لَمَّا نَزَلَ آخِرَ مَنْزِلٍ بِطَرِيقِ مَكَّةَ نَظَرَ فِي صَدْرِ الْبَيْتِ، فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَبَا جَعْفَرٍ حَانَتْ وَفَاتُكَ وَانْقَضَتْ ... سُنُوكُ، وَأَمْرُ اللَّهِ لَابُدَّ وَاقِعُ
стр. 2563
أَبَا جَعْفَرٍ هَلْ كَاهِنٌ أَوْ مُنَجِّمٌ ... لَكَ الْيَوْمَ مِنْ حَرِّ الْمَنِيَّةِ مَانِعُ.
فَأَحْضَرَ مُتَوَلِّيَ الْمَنَازِلِ، وَقَالَ لَهُ: أَلَمْ آمُرْكَ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْمَنَازِلَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا دَخَلَهَا أَحَدٌ مُنْذُ فُرِغَ [مِنْهَا] .
فَقَالَ: اقْرَأْ مَا فِي صَدْرِ الْبَيْتِ! فَقَالَ: مَا أَرَى شَيْئًا، فَأَحْضَرَ غَيْرَهُ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَأَمْلَى الْبَيْتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ لِحَاجِبِهِ: اقْرَأْ آيَةً، فَقَرَأَ: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] . فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَ، وَرَحَلَ مِنَ الْمَنْزِلِ تَطَيُّرًا، فَسَقَطَ عَنْ دَابَّتِهِ، فَانْدَقَّ ظَهْرُهُ وَمَاتَ، فَدُفِنَ بِبِئْرِ مَيْمُونٍ. وَالصَّحِيحُ مَا تَقَدَّمَ.
ذِكْرُ صِفَةِ الْمَنْصُورِ وَأَوْلَادِهِ
كَانَ أَسْمَرَ نَحِيفًا، خَفِيفَ الْعَارِضَيْنِ، وُلِدَ بِالْحُمَيْمَةِ مِنْ أَرْضِ الشَّرَاةِ، وَأَمَّا أَوْلَادُهُ فَالْمَهْدِيُّ مُحَمَّدٌ، وَجَعْفَرٌ الْأَكْبَرُ، وَأُمُّهُمَا أَرْوَى بِنْتُ مَنْصُورٍ أُخْتُ يَزِيدَ بْنِ مَنْصُورٍ الْحِمْيَرِيِّ، وَكَانَتْ تُكَنَّى أُمَّ مُوسَى، وَمَاتَ جَعْفَرٌ قَبْلَ الْمَنْصُورِ.
وَمِنْهُمْ سُلَيْمَانُ، وَعِيسَى، وَيَعْقُوبُ، أُمُّهُمْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ مِنْ وَلَدِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَجَعْفَرٌ الْأَصْغَرُ، أُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ، كُرْدِيَّةٌ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْكُرْدِيَّةِ، وَصَالِحٌ الْمِسْكِينُ، أُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ رُومِيَّةٌ، وَالْقَاسِمُ، مَاتَ قَبْلَ الْمَنْصُورِ وَلَهُ عَشْرُ سِنِينَ، أُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ تُعْرَفُ بِأُمِّ الْقَاسِمِ، وَلَهَا بِبَابِ الشَّامِ بُسْتَانٌ يُعْرَفُ بِبُسْتَانِ أُمِّ الْقَاسِمِ، وَالْعَالِيَةُ، أُمُّهَا امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ.
ذِكْرُ بَعْضِ سِيرَةِ الْمَنْصُورِ
قَالَ سَلَّامٌ الْأَبْرَشُ: كُنْتُ أَخْدُمُ الْمَنْصُورَ دَاخِلًا [فِي مَنْزِلِهِ] ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ
стр. 2564
خُلُقًا، مَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَى النَّاسِ، وَأَشَدَّ احْتِمَالًا لِمَا يَكُونُ مِنْ عَبَثِ الصِّبْيَانِ، فَإِذَا لَبِسَ ثَوْبَهُ ارْبَدَّ لَوْنُهُ، وَاحْمَرَّتْ عَيْنَاهُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ مَا يَكُونُ.
وَقَالَ لِي يَوْمًا: يَا بُنَيَّ! إِذَا رَأَيْتَنِي قَدْ لَبِسْتُ ثِيَابِي، أَوْ رَجَعْتُ مِنْ مَجْلِسِي فَلَا يَدْنُوَنَّ مِنِّي مِنْكُمْ أَحَدٌ مَخَافَةَ أَنْ أَغُرَّهُ بِشَيْءٍ.
قَالَ: وَلَمْ يُرَ فِي دَارِ الْمَنْصُورِ لَهْوٌ، وَلَا شَيْءٌ يُشْبِهُ اللَّهْوَ وَاللَّعِبَ وَالْعَبَثَ، إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، رُئِيَ بَعْضُ أَوْلَادِهِ وَقَدْ رَكِبَ رَاحِلَةً، وَهُوَ صَبِيٌّ، وَتَنَكَّبَ قَوْسًا فِي هَيْئَةِ الْغُلَامِ الْأَعْرَابِيِّ، بَيْنَ جُوَالِقَيْنِ فِيهِمَا مُقْلٍ وَمَسَاوِيكَ وَمَا يُهْدِيهِ الْأَعْرَابُ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنْكَرُوهُ، فَعَبَرَ إِلَى الْمَهْدِيِّ بِالرُّصَافَةِ فَأَهْدَاهُ لَهُ، فَقَبِلَهُ وَمَلَأَ الْجُوَالِقَيْنِ دَرَاهِمَ، فَعَادَ بَيْنَهُمَا، فَعَلِمَ أَنَّهُ ضَرْبٌ مِنْ عَبَثِ الْمُلُوكِ.
قَالَ حَمَّادٌ التُّرْكِيُّ: كُنْتُ وَاقِفًا عَلَى رَأْسِ الْمَنْصُورِ، فَسَمِعَ جَلَبَةً، فَقَالَ: انْظُرْ مَا هَذَا! فَذَهَبْتُ فَإِذَا خَادِمٌ لَهُ قَدْ جَلَسَ حَوْلَهُ الْجَوَارِي، وَهُوَ يَضْرِبُ لَهُنَّ بِالطُّنْبُورِ، وَهُنَّ يَضْحَكْنَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ الطُّنْبُورُ؟ ، فَوَصَفْتُهُ لَهُ، فَقَالَ: مَا يُدْرِيكَ أَنْتَ مَا الطُّنْبُورُ؟ قُلْتُ: رَأَيْتُهُ بِخُرَاسَانَ. فَقَامَ وَمَشَى إِلَيْهِنَّ، فَلَمَّا رَأَيْنَهُ تَفَرَّقْنَ، فَأَمَرَ بِالْخَادِمِ فَضُرِبَ رَأْسُهُ بِالطُّنْبُورِ، حَتَّى تَكَسَّرَ الطُّنْبُورُ، وَأَخْرَجَ الْخَادِمَ فَبَاعَهُ.
قَالَ: وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدِ اسْتَعْمَلَ مَعْنَ بْنَ زَائِدَةَ عَلَى الْيَمَنِ، لِمَا بَلَغَهُ مِنَ الِاخْتِلَافِ هُنَاكَ، فَسَارَ إِلَيْهِ وَأَصْلَحَهُ، وَقَصَدَهُ النَّاسُ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ لِاشْتِهَارِ جُودِهِ، فَفَرَّقَ فِيهِمُ الْأَمْوَالَ، فَسَخِطَ عَلَيْهِ الْمَنْصُورُ.
فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ وَفْدًا مِنْ قَوْمِهِ، فِيهِمْ مُجَّاعَةُ بْنُ الْأَزْهَرِ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى الْمَنْصُورِ لِيُزِيلُوا غَيْظَهُ وَغَضَبَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى الْمَنْصُورِ ابْتَدَأَ مُجَّاعَةُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَطْنَبَ فِي ذَلِكَ حَتَّى عَجِبَ الْقَوْمُ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمَنْصُورَ وَمَا شَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ، وَذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ صَاحِبَهُ.
فَلَمَّا انْقَضَى كَلَامُهُ قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ حَمْدِ اللَّهِ، فَاللَّهُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ تَبْلُغَهُ الصِّفَاتُ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ فَضَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَكْثَرَ مِمَّا قُلْتَ، وَأَمَّا مَا
стр. 2565
وَصَفْتَ بِهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُ فَضَّلَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وَهُوَ مُعِينُهُ عَلَى طَاعَتِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ صَاحِبِكَ، فَكَذَبْتَ وَلَؤُمْتَ، اخْرُجْ، فَلَا يُقْبَلُ مَا ذَكَرْتَهُ.
فَلَمَّا صَارُوا بِآخِرِ الْأَبْوَابِ أَمَرَ بِرَدِّهِ مَعَ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: مَا قُلْتَ؟ فَأَعَادَهُ عَلَيْهِ، فَأُخْرِجُوا، ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ، فَأُوقِفُوا، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى مَنْ حَضَرَ مِنْ مُضَرَ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ فِيكُمْ مِثْلَ هَذَا؟ وَاللَّهِ لَقَدْ تَكَلَّمَ حَتَّى حَسَدْتُهُ، وَمَا مَنَعَنِي أَنْ أُتِمَّ عَلَى رَدِّهِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ حَسَدَهُ لِأَنَّهُ مِنْ رَبِيعَةَ، وَمَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ رُجَلًا أَرْبَطَ جَأْشًا، وَلَا أَظْهَرَ بَيَانًا، رُدَّهُ يَا غُلَامُ.
فَلَمَّا صَارَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ: اقْصِدْ لِحَاجَتِكَ! قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ عَبْدُكَ، وَسَيْفُكَ، وَسَهْمُكَ، رَمَيْتَ بِهِ عَدُوَّكَ، فَضَرَبَ، وَطَعَنَ، وَرَمَى حَتَّى سَهَّلَ مَا حَزُنَ، وَذَلَّ مَا صَعُبَ، وَاسْتَوَى مَا كَانَ مُعْوَجًّا مِنَ الْيَمَنِ، فَأَصْبَحُوا مِنْ خَوَلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَهُ، فَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هَنَةٌ مِنْ سَاعٍ، أَوْ وَاشٍ، فَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَوْلَى بِالْفَضْلِ عَلَى عَبْدِهِ، وَمَنْ أَفْنَى عُمُرَهُ فِي طَاعَتِهِ.
فَقَبِلَ عُذْرَهُ وَأَمَرَ بِصَرْفِهِمْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَرَأَ مَعْنٌ الْكِتَابَ بِالرِّضَا، قَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَشَكَرَ أَصْحَابَهُ، وَأَجَازَهُمْ عَلَى أَقْدَارِهِمْ، وَأَمَرَهُمْ بِالرَّحِيلِ إِلَى الْمَنْصُورِ.
فَقَالَ مُجَّاعَةُ:
آلَيْتُ فِي مَجْلِسٍ مِنْ وَائِلٍ قَسَمًا ... أَلَّا أَبِيعَكَ يَا مَعْنُ بِأَطْمَاعِ
يَا مَعْنُ! إِنَّكَ قَدْ أَوْلَيْتَنِي نِعَمًا ... عَمَّتْ لُحَيْمًا وَخَصَّتْ آلَ مُجَّاعِ
فَلَا أَزَالُ إِلَيْكَ الدَّهْرَ مُنْقَطِعًا ... حَتَّى يُشَيِّدَ بِهُلْكِي هَتْفُهُ النَّاعِي.
وَكَانَ [مِنْ] نِعَمِ مَعْنٍ عَلَى مُجَّاعَةَ أَنَّهُ قَضَى لَهُ ثَلَاثَ حَوَائِجَ مِنْهَا: أَنَّهُ كَانَ يَتَعَشَّقُ جَارِيَةً مِنْ أَهْلِ بَيْتِ مَعْنٍ، اسْمُهَا زَهْرَاءُ، فَطَلَبَهَا، فَلَمْ يُجِبْهُ لِفَقْرِهِ، فَطَلَبَهَا مِنْ مَعْنٍ، فَأَحْضَرَ أَبَاهَا، فَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَأَمْهَرَهَا مِنْ عِنْدِهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ حَائِطًا بِعَيْنِهِ، فَاشْتَرَاهُ لَهُ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ اسْتَوْهَبَ مِنْهُ شَيْئًا، فَوَهَبَ لَهُ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ تَمَامَ مِائَةِ أَلْفٍ.
قِيلَ: وَكَانَ الْمَنْصُورُ يَقُولُ: مَا أَحْوَجَنِي أَنْ يَكُونَ عَلَى بَابِي أَرْبَعَةُ نَفَرٍ لَا يَكُونُ عَلَى بَابِي أَعَفَّ مِنْهُمْ، هُمْ أَرْكَانُ الدَّوْلَةِ وَلَا يَصْلُحُ الْمُلْكُ إِلَّا بِهِمْ، أَمَّا أَحَدُهُمْ فَقَاضٍ
стр. 2566
لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَالْآخَرُ صَاحِبُ شُرْطَةٍ يُنْصِفُ الضَّعِيفَ مِنَ الْقَوِيِّ، وَالثَّالِثُ صَاحِبُ خَرَاجٍ يَسْتَقْصِي وَلَا يَظْلِمُ الرَّعِيَّةَ.
ثُمَّ عَضَّ عَلَى إِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَقُولُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ: آهٍ آهٍ. قِيلَ: مَا هُوَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: صَاحِبُ بَرِيدٍ يَكْتُبُ خَبَرَ هَؤُلَاءِ عَلَى الصِّحَّةِ.
وَقِيلَ: دَعَا الْمَنْصُورُ بِعَامِلٍ قَدْ كَسَرَ خَرَاجَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَدِّ مَا عَلَيْكَ! فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ شَيْئًا. وَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ! فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَبْ مَا عَلَيَّ لِلَّهِ وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَخَلَّى سَبِيلَهُ.
وَقِيلَ: وَأُتِيَ بِعَامِلٍ، فَحَبَسَهُ وَطَالَبَهُ، فَقَالَ الْعَامِلُ: عَبْدُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: بِئْسَ الْعَبْدُ أَنْتَ! فَقَالَ: لَكِنَّكَ نِعْمَ الْمَوْلَى. قَالَ: أَمَّا لَكَ فَلَا.
قِيلَ: وَأُتِيَ بِخَارِجِيٍّ قَدْ هَزَمَ لَهُ جُيُوشًا، فَأَرَادَ ضَرْبَ رَقَبَتِهِ، ثُمَّ ازْدَرَاهُ فَقَالَ: يَا ابْنَ الْفَاعِلَةِ! مِثْلُكَ يَهْزِمُ الْجُيُوشَ؟ ! فَقَالَ لَهُ: وَيْلَكَ وَسَوْأَةً لَكَ أَمْسِ، بَيْنِي وَبَيْنَكَ السَّيْفُ، وَالْيَوْمَ الْقَذْفُ وَالسَّبُّ، وَمَا كَانَ يُؤَمِّنُكَ أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ وَقَدْ يَئِسْتُ مِنَ الْحَيَاةِ فَلَا تَسْتَقِيلُهَا أَبَدًا؟ فَاسْتَحْيَا مِنْهُ الْمَنْصُورُ وَأَطْلَقَهُ.
قِيلَ: وَكَانَ شَغْلُ الْمَنْصُورِ، فِي صَدْرِ نَهَارِهِ، بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْوِلَايَاتِ، وَالْعَزْلِ، وَشَحْنِ الثُّغُورِ وَالْأَطْرَافِ، وَأَمْنِ السُّبُلِ، وَالنَّظَرِ فِي الْخَرَاجِ وَالنَّفَقَاتِ، وَمَصْلَحَةِ مَعَاشِ الرَّعِيَّةِ، وَالتَّلَطُّفِ بِسُكُونِهِمْ وَهَدْيِهِمْ، فَإِذَا صَلَّى الْعَصْرَ جَلَسَ لِأَهْلِ بَيْتِهِ.
فَإِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ جَلَسَ يَنْظُرُ فِيمَا وَرَدَ مِنْ كُتُبِ الثُّغُورِ وَالْأَطْرَافِ وَالْآفَاقِ، وَشَاوَرَ سُمَّارَهُ، فَإِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ (قَامَ إِلَى فِرَاشِهِ، وَانْصَرَفَ سُمَّارُهُ، وَإِذَا مَضَى الثُّلُثُ الثَّانِي قَامَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيَجْلِسُ فِي إِيوَانِهِ.
стр. 2567
قِيلَ: وَقَالَ لِلْمَهْدِيِّ: لَا تُبْرِمْ أَمْرًا حَتَّى تُفَكِّرَ فِيهِ، فَإِنَّ فِكْرَ الْعَاقِلِ مِرْآتُهُ تُرِيهِ حَسَنَهُ وَسَيِّئَهُ. يَا بُنَيَّ! لَا يَصْلُحُ السُّلْطَانُ إِلَّا بِالتَّقْوَى، وَلَا تَصْلُحُ رَعِيَّتُهُ إِلَّا بِالطَّاعَةِ، وَلَا تَعْمُرُ الْبِلَادُ بِمِثْلِ الْعَدْلِ، وَأَقْدَرُ النَّاسِ عَلَى الْعَفْوِ أَقْدَرُهُمْ عَلَى الْعُقُوبَةِ، وَأَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ ظَلَمَ مَنْ هُوَ دُونَهُ، وَاعْتَبِرْ عَمَلَ صَاحِبِكَ وَعِلْمَهُ بِاخْتِبَارِهِ.
يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! لَا تَجْلِسْ مَجْلِسًا إِلَّا وَمَعَكَ مِنْ [أَهْلِ] الْعِلْمِ مَنْ يُحَدِّثُكَ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ أَحْسَنَ السِّيرَةَ، وَمَنْ أَبْغَضَ الْحَمْدَ أَسَاءَهَا، وَمَا أَبْغَضَ الْحَمْدَ أَحَدٌ إِلَّا اسْتُذِمَّ، وَمَا اسْتُذِمَّ إِلَّا كُرِهَ.
يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! لَيْسَ الْعَاقِلُ الَّذِي يَحْتَالُ لِلْأَمْرِ الَّذِي غَشِيَهُ، بَلِ الْعَاقِلُ الَّذِي يَحْتَالُ لِلْأَمْرِ حَتَّى لَا يَقَعَ فِيهِ.
وَقَالَ لِلْمَهْدِيِّ يَوْمًا: كَمْ رَايَةً عِنْدَكَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. قَالَ: (هَذَا وَاللَّهِ التَّضْيِيعُ، وَأَنْتَ) لِأَمْرِ الْخِلَافَةِ أَشَدُّ تَضْيِيعًا، وَلَكِنْ قَدْ جَمَعْتُ لَكَ مَا لَا يَضُرُّكَ مَعَهُ مَا ضَيَّعْتَ، فَاتَّقِ اللَّهَ فِيمَا خَوَّلَكَ.
قِيلَ: وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ يَتَكَلَّمُ فَيَبْلُغُ حَاجَتَهُ عَلَى الْبَدِيهَةِ، غَيْرُ الْمَنْصُورِ، وَأَخِيهِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَعَمِّهِمَا دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ.
قِيلَ: وَخَطَبَ الْمَنْصُورُ يَوْمًا، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ أَحْمَدُهُ وَأَسْتَعِينُهُ، وَأُؤْمِنُ بِهِ، وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. فَاعْتَرَضَهُ إِنْسَانٌ فَقَالَ: أَيُّهَا الْإِنْسَانُ أُذَكِّرُكَ مَنْ ذَكَّرْتَ بِهِ! فَقَطَعَ الْخُطْبَةَ، ثُمَّ قَالَ: سَمْعًا، سَمْعًا لِمَنْ حَفِظَ عَنِ اللَّهِ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ جَبَّارًا عَنِيدًا، أَوْ تَأْخُذُنِي الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ، لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ.
وَأَنْتَ أَيُّهَا الْقَائِلُ، فَوَاللَّهِ مَا أَرَدْتَ بِهَذَا الْقَوْلِ اللَّهَ، وَلَكِنَّكَ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ قَامَ، فَقَالَ، فَعُوقِبَ، فَصَبَرَ، وَأَهْوَنَ بِهَا، وَيْلَكَ، لَقَدْ هَمَمْتُ، وَاغْتَنِمْهَا إِذْ عَفَوْتُ، وَإِيَّاكَ، وَإِيَّاكُمْ مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ أُخْتَهَا، فَإِنَّ الْحِكْمَةَ عَلَيْنَا نُزِّلَتْ، وَمِنْ عِنْدِنَا فُصِّلَتْ، فَرُدُّوا الْأَمْرَ إِلَى أَهْلِهِ، تُورِدُوهُ مَوَارِدَهُ، وَتُصْدِرُوهُ مَصَادِرَهُ.
стр. 2568
ثُمَّ عَادَ إِلَى خُطْبَتِهِ، كَأَنَّمَا يَقْرَأُهَا، فَقَالَ: وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَاعِدٍ: خَطَبَ الْمَنْصُورُ بِمَكَّةَ، بَعْدَ بِنَاءِ بَغْدَاذَ، فَكَانَ مِمَّا قَالَ: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] . أَمْرٌ مُبْرَمٌ، وَقَوْلٌ عَدْلٌ، وَقَضَاءٌ فَصْلٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَفْلَجَ حُجَّتَهُ، وَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْكَعْبَةَ غَضًّا، وَالْفَيْءَ إِرْثًا وَ ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١] ، لَقَدْ حَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، فَكَمْ مِنْ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ، وَقَصْرٍ مَشِيدٍ أَهْمَلَهُمُ اللَّهُ حِينَ بَدَّلُوا السُّنَّةَ، وَاضْطَهَدُوا الْعِتْرَةَ، وَعَنَدُوا، وَاعْتَدَوْا، وَاسْتَكْبَرُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] .
قَالَ: وَكَتَبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يَشْكُو بَعْضَ عُمَّالِهِ، فَوَقَّعَ إِلَى الْعَامِلِ فِي الرُّقْعَةِ: إِنْ آثَرْتَ الْعَدْلَ صَحِبَتْكَ السَّلَامَةُ، وَإِنْ آثَرْتَ الْجَوْرَ فَمَا أَقْرَبَكَ مِنَ النَّدَامَةِ، فَأَنْصِفْ هَذَا الْمُتَظَلِّمَ مِنَ الظُّلَامَةِ.
قِيلَ: وَكَتَبَ إِلَى [الْمَنْصُورِ] صَاحِبُ أَرْمِينِيَّةَ يُخْبِرُهُ أَنَّ الْجُنْدَ قَدْ شَغَبُوا عَلَيْهِ، وَنَهَبُوا مَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَوَقَّعَ فِي كِتَابِهِ: اعْتَزِلْ عَمَلَنَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا، فَلَوْ عَقَلْتَ لَمْ يَشْغَبُوا، وَلَوْ قَوِيتَ لَمْ يَنْهَبُوا.
وَهَذَا وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِهِ وَوَصَايَاهُ يَدُلُّ عَلَى فَصَاحَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ أَيْضًا مِنَ الْكُتُبِ وَغَيْرِهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ وَاحِدَ زَمَانِهِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَبْخَلُ.
وَمِمَّا نُقِلَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْوَضِينِ بْنِ عَطَاءٍ: اسْتَزَارَنِي الْمَنْصُورُ، وَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ خُلَّةٌ قَبْلَ الْخِلَافَةِ، فَخَلَوْنَا يَوْمًا، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! مَا لَكَ؟ قُلْتُ: الْخَبَرُ الَّذِي تَعْرِفُهُ.
قَالَ: وَمَا عِيَالُكَ؟ قُلْتُ: ثَلَاثُ بَنَاتٍ، وَالْمَرْأَةُ، وَخَادِمٌ لَهُنَّ. فَقَالَ: أَرْبَعٌ فِي بَيْتِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ!
стр. 2569
فَرَدَّدَهَا، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُعِينُنِي، ثُمَّ قَالَ: أَنْتَ أَيْسَرُ الْعَرَبِ، أَرْبَعَةُ مَغَازِلَ يَدُرْنَ فِي بَيْتِكَ.
قِيلَ: رُفِعَ غُلَامٌ لِأَبِي عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ أَنَّ لَهُ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَأَخَذَهَا مِنْهُ وَقَالَ: هَذَا مَالِي. قَالَ: مِنْ أَيْنَ يَكُونُ مَالُكَ، وَوَاللَّهِ مَا وَلَّيْتُكَ عَمَلًا قَطُّ، وَلَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ رَحِمٌ وَلَا قَرَابَةٌ! قَالَ: بَلَى! [كُنْتَ] تَزَوَّجْتَ امْرَأَةً لِعُيَيْنَةَ بْنِ مُوسَى بْنِ كَعْبٍ، فَوَرَّثَتْكَ مَالًا، وَكَانَ قَدْ عَصَى بِالسِّنْدِ، [وَهُوَ وَالٍ عَلَى السِّنْدِ] ، وَأَخَذَ مَالِي فَهَذَا الْمَالُ مِنْ ذَاكَ.
وَقِيلَ لِجَعْفَرٍ الصَّادِقِ: إِنَّ الْمَنْصُورَ يُكْثِرُ مِنْ لُبْسِ جُبَّةٍ هَرَوِيَّةٍ، وَإِنَّهُ يُرَقِّعُ قَمِيصَهُ. فَقَالَ جَعْفَرٌ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَطَفَ بِهِ، حَتَّى ابْتَلَاهُ بِفَقْرِ نَفْسِهِ فِي مُلْكِهِ.
قِيلَ: وَكَانَ الْمَنْصُورُ إِذَا عَزَلَ عَامِلًا أَخَذَ مَالَهُ وَتَرَكَهُ فِي بَيْتِ مَالٍ مُفْرَدٍ سَمَّاهُ بَيْتَ مَالِ الْمَظَالِمِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ اسْمَ صَاحِبِهِ، وَقَالَ لِلْمَهْدِيِّ: قَدْ هَيَّأْتُ لَكَ شَيْئًا فَإِذَا أَنَا مِتُّ فَادْعُ مَنْ أَخَذْتَ مَالَهُ، فَارْدُدْهُ عَلَيْهِ، فَإِنَّكَ تُسْتَحْمَدُ بِذَلِكَ إِلَيْهِمْ وَإِلَى الْعَامَّةِ، فَفَعَلَ الْمَهْدِيُّ ذَلِكَ.
وَلَهُ فِي ضِدِّ ذَلِكَ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ.
قِيلَ: وَذَكَرَ زَيْدٌ مَوْلَى عِيسَى بْنِ نَهِيكٍ قَالَ: دَعَانِي الْمَنْصُورُ، بَعْدَ مَوْتِ مَوْلَايَ، فَسَأَلَنِي: كَمْ خَلَّفَ مِنْ مَالٍ؟ قُلْتُ: أَلْفَ دِينَارٍ، وَأَنْفَقَتْهُ امْرَأَتُهُ فِي مَأْتَمِهِ. قَالَ: كَمْ خَلَّفَ مِنَ الْبَنَاتِ؟ قُلْتُ: سِتًّا، فَأَطْرَقَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ: اغْدُ إِلَى الْمَهْدِيِّ، فَغَدَوْتُ إِلَيْهِ، فَأَعْطَانِي مِائَةَ أَلْفٍ وَثَمَانِينَ أَلْفِ دِينَارٍ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثِينَ أَلْفًا. ثُمَّ دَعَانِي الْمَنْصُورُ فَقَالَ: عُدَّ عَلَيَّ بِأَكْفَائِهِنَّ حَتَّى أُزَوِّجَهُنَّ، فَفَعَلْتُ، فَزَوَّجَهُنَّ، وَأَمَرَ أَنْ تُحْمَلَ إِلَيْهِنَّ صَدُقَاتِهِنَّ مِنْ مَالِهِ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَشْتَرِيَ بِمَالِهِنَّ ضِيَاعًا لَهُنَّ يَكُونُ مَعَاشُهُنَّ مِنْهَا.
قِيلَ: وَفَرَّقَ الْمَنْصُورُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، عَشَرَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَمَرَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَعْمَامِهِ مِنْهُمْ: سُلَيْمَانُ، وَعِيسَى، وَصَالِحٌ، وَإِسْمَاعِيلُ، لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِأَلْفِ أَلْفٍ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ وَصَلَ بِهَا.
стр. 2570
وَلَهُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ، قَالَ يَزِيدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ: مَا رَأَيْتُ رُجَلًا قَطُّ فِي حَرْبٍ، وَلَا سَمِعْتُ بِهِ فِي سِلْمٍ أَنْكَرَ، وَلَا أَمْكَرَ، وَلَا أَشَدَّ تَيَقُظًّا مِنَ الْمَنْصُورِ.
لَقَدْ حَصَرَنِي تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَمَعِي فُرْسَانُ الْعَرَبِ، فَجَهَدْنَا بِكُلِّ الْجُهْدِ أَنْ نَنَالَ مِنْ عَسْكَرِهِ شَيْئًا، فَمَا تَهَيَّأَ، وَلَقَدْ حَصَرَنِي وَمَا فِي رَأْسِي شَعْرَةٌ بَيْضَاءُ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ وَمَا فِي رَأْسِي شَعْرَةٌ سَوْدَاءُ.
قِيلَ: وَأَرْسَلَ ابْنُ هُبَيْرَةَ إِلَى الْمَنْصُورِ، وَهُوَ مُحَاصِرُهُ، يَدْعُو إِلَى الْمُبَارَزَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّكَ مُتَعَدٍّ طَوْرَكَ، جَارٍ فِي عِنَانِ غَيِّكَ، يَعِدُكَ اللَّهُ مَا هُوَ مُصَدِّقُهُ، وَيُمَنِّيكَ الشَّيْطَانُ مَا هُوَ مُكَذِّبُهُ، وَيُقَرِّبُ مَا اللَّهُ مُبَاعِدُهُ، فَرُوَيْدًا يُتِمُّ الْكِتَابَ أَجَلَهُ.، وَقَدْ ضَرَبْتُ مَثَلِي وَمَثَلَكَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَسَدًا لَقِيَ خِنْزِيرًا، فَقَالَ لَهُ الْخِنْزِيرُ: قَاتِلْنِي! فَقَالَ الْأَسَدُ: إِنَّمَا أَنْتَ خِنْزِيرٌ، وَلَسْتَ بِكُفْؤٍ لِي وَلَا نَظِيرٍ، وَمَتَى قَاتَلْتُكَ فَقَتَلْتُكَ قِيلَ لِي: قَتَلَ خِنْزِيرًا، فَلَا أَعْتَقِدُ فَخْرًا، وَلَا ذِكْرًا، وَإِنْ نَالَنِي مِنْكَ شَيْءٌ كَانَ سُبَّةً عَلَيَّ. فَقَالَ الْخِنْزِيرُ: إِنْ لَمْ تَفْعَلْ أَعْلَمْتُ السِّبَاعَ أَنَّكَ نَكَلْتَ عَنِّي، فَقَالَ الْأَسَدُ: احْتِمَالُ عَارِ كَذِبِكَ عَلَيَّ أَيْسَرُ مِنْ لَطْخِ شَرَابِي بِدَمِكَ.
قِيلَ: وَكَانَ الْمَنْصُورُ أَوَّلَ مَنْ عَمِلَ الْخَيْشَ، فَإِنَّ الْأَكَاسِرَةَ كَانُوا يُطَيِّنُونَ كُلَّ يَوْمٍ بَيْتًا يَسْكُنُونَ فِي الصَّيْفِ، وَكَذَلِكَ بَنُو أُمَيَّةَ.
قِيلَ: وَأُتِيَ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، فَقَالَ: إِنِّي أَسْأَلُكَ عَنْ أَشْيَاءَ، فَاصْدُقْنِي وَلَكَ الْأَمَانُ. قَالَ: نَعَمْ! قَالَ: مِنْ أَيْنَ أُتِيَ بَنُو أُمَيَّةَ؟ قَالَ: مِنْ تَضْيِيعِ الْأَخْبَارِ. قَالَ: فَأَيُّ الْأَمْوَالِ وَجَدُوهَا أَنْفَعَ؟ قَالَ: الْجَوْهَرُ. قَالَ: فَعِنْدَ مَنْ وَجَدُوا الْوَفَاءَ؟ قَالَ: عِنْدَ مَوَالِيهِمْ، فَأَرَادَ الْمَنْصُورُ أَنْ يَسْتَعِينَ فِي الْأَخْبَارِ بِأَهْلِ بَيْتِهِ، فَقَالَ: اضَعُ مِنْهُمْ، فَاسْتَعَانَ بِمَوَالِيهِ.
ذِكْرُ خِلَافَةِ الْمَهْدِيِّ وَالْبَيْعَةِ لَهُ
ذِكْرُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّوْفَلِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْتُ مِنَ الْبَصْرَةِ حَاجًّا، فَاجْتَمَعْتُ بِالْمَنْصُورِ بِذَاتِ عِرْقٍ، فَكُنْتُ أُسَلِّمُ عَلَيْهِ كُلَّمَا رَكِبَ، وَقَدْ أَشَفَى عَلَى الْمَوْتِ، فَلَمَّا صَارَ
стр. 2571
بِبِئْرِ مَيْمُونٍ وَنَزَلَ بِهِ، وَدَخَلْنَا مَكَّةَ، فَقَضَيْتُ عُمْرَتِي، وَكُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَى الْمَنْصُورِ، فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا، وَلَمْ نَعْلَمْ، صَلَّيْتُ الصُّبْحَ بِمَكَّةَ، وَرَكِبْتُ أَنَا وَمُحَمَّدُ بْنُ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، وَكَانَ مِنْ مَشَايِخِ بَنِي هَاشِمٍ وَسَادَتِهِمْ، فَلَمَّا صِرْنَا بِالْأَبْطَحِ لَقِينَا الْعَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَمُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ فِي خَيْلٍ إِلَى مَكَّةَ، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِمَا وَمَضَيْنَا، فَقُلْتُ لِمُحَمَّدٍ: أَحْسَبُ الرَّجُلَ قَدْ مَاتَ، فَكَانَ كَذَلِكَ.
ثُمَّ أَتَيْنَا الْعَسْكَرَ، فَإِذَا مُوسَى بْنُ الْمَهْدِيِّ قَدْ صَدَرَ عِنْدَ عَمُودِ السُّرَادِقِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ الْمَنْصُورِ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ السُّرَادِقِ، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يَسِيرُ بَيْنَ الْمَنْصُورِ وَبَيْنَ صَاحِبِ الشُّرْطَةِ، وَرَفَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ الْقِصَصَ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ عَلِمْتُ أَنَّ الْمَنْصُورَ قَدْ مَاتَ.
وَأَقْبَلَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ الْعُلْوِيُّ، وَجَاءَ النَّاسُ حَتَّى مَلَئُوا السُّرَادِقَ، وَسَمِعَنَا هَمْسًا مِنْ بُكَاءٍ، وَخَرَجَ أَبُو الْعَنْبَرِ، خَادِمُ الْمَنْصُورِ، مُشَقَّقَ الْأَقْبِيَةِ، وَعَلَى رَأْسِهِ التُّرَابُ، وَصَاحَ: وَاأَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَاهُ! فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ إِلَّا قَامَ، ثُمَّ تَقَدَّمُوا لِيَدْخُلُوا عَلَيْهِ، فَمَنَعَهُمُ الْخَدَمُ.
وَقَالَ ابْنُ عَيَّاشٍ الْمَنْتُوفُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَمَا شَهِدْتُمْ مَوْتَ خَلِيفَةٍ قَطُّ؟ اجْلِسُوا، فَجَلَسُوا، وَقَامَ الْقَاسِمُ فَشَقَّ ثِيَابَهُ، وَوَضَعَ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ، وَمُوسَى عَلَى حَالِهِ.
ثُمَّ خَرَجَ الرَّبِيعُ وَفِي يَدِهِ قِرْطَاسٌ، فَفَتَحَهُ، فَقَرَأَهُ، فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ عَبْدِ اللَّهِ الْمَنْصُورِ، أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، إِلَى مَنْ خَلَّفَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَشِيعَتِهِ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، وَعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ بَكَى، وَبَكَى النَّاسُ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَمْكَنَكُمُ الْبُكَاءُ، فَأَنْصِتُوا، رَحِمَكُمُ اللَّهُ.
ثُمَّ قَرَأَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي كَتَبْتُ كِتَابِي هَذَا، وَأَنَا حَيٌّ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، وَأَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ، أَقْرَأُ عَلَيْكَمُ السَّلَامَ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ لَا يَفْتِنَكُمْ بَعْدِي وَلَا يُلْبِسَكُمْ شِيَعًا، وَلَا يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ.
ثُمَّ أَخَذَ فِي وَصِيَّتِهِمْ بِالْمَهْدِيِّ، وَإِذْكَارِهِمُ الْبَيْعَةَ لَهُ، وَحَثِّهِمْ عَلَى الْوَفَاءِ بِعَهْدِهِ، ثُمَّ تَنَاوَلَ يَدَ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ وَقَالَ: قُمْ فَبَايِعْ! فَقَامَ إِلَى مُوسَى فَبَايَعَهُ، ثُمَّ بَايَعَهُ النَّاسُ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ، ثُمَّ أَدْخَلَ بَنُو هَاشِمٍ عَلَى الْمَنْصُورِ وَهُوَ فِي أَكْفَانِهِ، مَكْشُوفَ الرَّأْسِ، فَحَمَلْنَاهُ، حَتَّى أَتَيْنَا بِهِ مَكَّةَ ثَلَاثَ أَمْيَالٍ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَالرِّيحُ تُحَرِّكُ شَعْرَ صُدْغَيْهِ،
стр. 2572
وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ وَفَّرَ شَعَرَهُ لِلْحَلْقِ، وَقَدْ نَصَلَ خِضَابُهُ، حَتَّى أَتَيْنَا بِهِ حُفْرَتَهُ.
وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ ارْتَفَعَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ أَنَّ عِيسَى بْنَ مُوسَى أَبَى الْبَيْعَةَ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ: وَاللَّهِ لَتُبَايِعَنَّ أَوْ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ! فَبَايَعَ.
ثُمَّ وَجَّهَ مُوسَى بْنَ الْمَهْدِيِّ وَالرَّبِيعَ إِلَى الْمَهْدِيِّ بِخَبَرِ وَفَاةِ الْمَنْصُورِ، وَبِالْبَيْعَةِ لَهُ مَعَ مَنَارَةَ مَوْلَى الْمَنْصُورِ، وَبَعَثَا أَيْضًا بِالْقَضِيبِ، وَبُرْدَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَبِخَاتَمِ الْخِلَافَةِ، وَخَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ، فَقَدِمَ الْخَبَرُ عَلَى الْمَهْدِيِّ مَعَ مَنَارَةَ، مُنْتَصَفَ ذِي الْحِجَّةِ، فَبَايَعَهُ أَهْلُ بَغْدَاذَ.
وَقِيلَ: إِنَّ الرَّبِيعَ كَتَمَ مَوْتَ الْمَنْصُورِ، وَأَلْبَسَهُ، وَسَنَّدَهُ، وَجَعَلَ عَلَى وَجْهِهِ كَلَّةً خَفِيفَةً يُرَى شَخْصُهُ مِنْهَا، وَلَا يُفْهَمُ أَمْرُهُ، وَأَدْنَى أَهْلَهُ مِنْهُ، ثُمَّ قَرَّبَ مِنْهُ الرَّبِيعَ كَأَنَّهُ يُخَاطِبُهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِمْ، وَأَمَرَهُمْ عَنْهُ بِتَجْدِيدِ الْبَيْعَةِ لِلْمَهْدِيِّ، فَبَايَعُوا، ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ، وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ بَاكِيًا مُشَقَّقَ الْجَيْبِ، لَاطِمًا رَأْسَهُ.
فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَهْدِيَّ أَنْكَرَهُ عَلَى الرَّبِيعِ، وَقَالَ: أَمَا مَنَعَتْكَ جَلَالَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ فَعَلْتَ بِهِ مَا فَعَلْتَ؟ وَقِيلَ ضَرَبَهُ، وَلَمْ يُضْحِ ضَرْبَهُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ الْمَنْصُورُ الْمُسَيَّبَ بْنَ زُهَيْرٍ عَنْ شُرْطَتِهِ، وَحَبَسَهُ مُقَيَّدًا، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ ضَرَبَ أَبَانَ بْنَ بَشِيرٍ الْكَاتِبَ بِالسِّيَاطِ، حَتَّى قَتَلَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ شَرِيكَ أَخِيهِ عَمْرِو بْنِ زُهَيْرٍ فِي وِلَايَةِ الْكُوفَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى شُرْطَتِهِ الْحَكَمَ بْنَ يُوسُفَ، صَاحِبَ الْحِرَابِ، ثُمَّ كَلَّمَ الْمَهْدِيُّ أَبَاهُ فِي الْمُسَيَّبِ، فَرَضِيَ عَنْهُ، وَأَعَادَهُ إِلَى شُرْطَتِهِ.
وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الْمَنْصُورُ نَصْرَ بْنَ حَرْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى فَارِسَ.
وَفِيهَا عَادَ الْمَهْدِيُّ مِنَ الرَّقَّةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
стр. 2573
وَفِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ مَعْيُوفُ بْنُ يَحْيَى مِنْ دَرْبِ الْحَدَثِ، فَلَقِيَ الْعَدُوَّ، فَاقْتَتَلُوا، ثُمَّ تَحَاجَزُوا.
وَفِيهَا حَبَسَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ، وَهُوَ أَمِيرُ مَكَّةَ، جَمَاعَةً أَمَرَ الْمَنْصُورُ بِحَبْسِهِمْ، وَهُمْ رَجُلٌ مِنْ آلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَانَ بِمَكَّةَ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَعَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، ثُمَّ أَطْلَقَهُمْ مِنَ الْحَبْسِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمَنْصُورِ، فَغَضِبَ.
وَكَانَ سَبَبُ إِطْلَاقِهِمْ أَنَّهُ أَنْكَرَ، وَقَالَ: عَمَدْتَ إِلَى ذِي رَحِمٍ فَحَبَسْتَهُ، يَعْنِي بَعْضَ وَلَدِ عَلِيٍّ، وَإِلَى نَفَرٍ مِنْ أَعْلَامِ الْمُسْلِمِينَ فَحَبَسْتَهُمْ، وَتَقْدُمُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَعَلَّهُ يَأْمُرُ بِقَتْلِهِمْ، فَيَشُدُّ سُلْطَانَهُ، وَأَهْلَكَ فَأَطْلِقْهُمْ، وَتَحَلَّلْ مِنْهُمْ، فَلَمَّا قَارَبَ الْمَنْصُورُ مَكَّةَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بِهَدَايَا فَرَدَّهَا عَلَيْهِ.
(وَفِيهَا شَخَصَ الْمَنْصُورُ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَى مَكَّةَ، فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهَا) .
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، مَدِينَةَ قُورِيَّةَ، وَقَصَدَ الْبَرْبَرَ الَّذِينَ كَانُوا أَسْلَمُوا عَامِلَهُ إِلَى شَقْنَا فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا مِنْ أَعْيَانِهِمْ، وَاتَّبَعَ شَقْنَا، حَتَّى جَاوَزَ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ وَالدَّرْبَ، فَفَاتَهُ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ أُورَالِي مَلِكُ جِلِّيقِيَّةَ، وَكَانَ مُلْكُهُ سِتَّ سِنِينَ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ شِيَالُونَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، الْفَقِيهُ الْبَجَلِيُّ بِالْكُوفَةِ، وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحِ بْنِ مُسْلِمٍ الْحَضْرَمِيُّ (الْمِصْرِيُّ) .
وَكَانَ الْعَامِلَ عَلَى مَكَّةَ وَالطَّائِفِ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ،
стр. 2574
وَعَلَى الْمَدِينَةِ: عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى الْكُوفَةِ: عَمْرُو بْنُ زُهَيْرٍ الضَّبِّيُّ، وَقِيلَ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الثَّقَفِيُّ، وَعَلَى قَضَائِهَا: شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ، وَعَلَى خَرَاجِهَا ثَابِتُ بْنُ مُوسَى.
وَعَلَى خُرَاسَانَ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ، وَعَلَى قَضَاءِ بَغْدَاذَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَفْوَانَ، وَعَلَى الشُّرْطَةِ بِهَا: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخُو عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَقِيلَ مُوسَى بْنُ كَعْبٍ، وَعَلَى خَرَاجِ الْبَصْرَةِ وَأَرْضِهَا عُمَارَةُ بْنُ حَمْزَةَ، وَعَلَى قَضَائِهَا وَالصَّلَاةِ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ.
وَأَصَابَ النَّاسَ هَذِهِ السَّنَةَ وَبَاءٌ عَظِيمٌ.
стр. 2575
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَة]
١٥٩ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ
ذِكْرُ الْحَسَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ حَوَّلَ الْمَهْدِيُّ الْحَسَنَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ مِنْ مَحْبِسِهِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مَحْبُوسًا مَعَ يَعْقُوبَ بْنِ دَاوُدَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا أُطْلِقَ يَعْقُوبُ وَبَقِيَ هُوَ سَاءَ ظَنُّهُ، فَالْتَمَسَ مَخْرَجًا، فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ مَنْ يَثِقُ بِهِ، فَحَفَرَ سِرْبًا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ.
فَبَلَغَ ذَلِكَ يَعْقُوبَ، فَأَتَى ابْنَ عُلَاثَةَ الْقَاضِي، وَكَانَ قَدِ اتَّصَلَ بِهِ، فَقَالَ: عِنْدِي نَصِيحَةٌ لِلْمَهْدِيِّ، وَطَلَبَ إِلَيْهِ إِيصَالَهُ إِلَى أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ وَزِيرِهِ، لِيَرْفَعَهَا إِلَيْهِ، فَأَحْضَرَهُ عِنْدَهُ، فَلَمَّا سَأَلَهُ عَنْ نَصِيحَتِهِ، سَأَلَهُ عَنْ إِيصَالِهِ إِلَى الْمَهْدِيِّ لِيُعْلِمَهُ بِهَا، فَأَوْصَلَهُ إِلَيْهِ، فَاسْتَخْلَاهُ، فَأَعْلَمَهُ الْمَهْدِيُّ ثِقَتَهُ بِوَزِيرِهِ وَابْنِ عُلَاثَةَ، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، حَتَّى قَامَا، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَ الْحَسَنِ، فَأَنْفَذَ مَنْ يَثِقُ بِهِ، فَأَتَاهُ بِتَحْقِيقِ الْحَالِ، فَأَمَرَ بِتَحْوِيلِ الْحَسَنِ، فَحُوِّلَ.
ثُمَّ احْتِيلَ لَهُ فِيمَا بَعْدُ، فَهَرَبَ وَطُلِبَ، فَلَمْ يُظْفَرْ بِهِ، فَأَحْضَرَ الْمَهْدِيُّ يَعْقُوبَ وَسَأَلَهُ عَنْهُ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَكَانَهُ، وَأَنَّهُ إِنْ أَعْطَاهُ الْأَمَانَ أَتَاهُ بِهِ فَآمَنَهُ وَضَمِنَ لَهُ الْإِحْسَانَ، فَقَالَ لَهُ: اتْرُكْ طَلَبَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُوحِشُهُ، فَتَرَكَ طَلَبَهُ.
ثُمَّ إِنَّ يَعْقُوبَ تَقَدَّمَ عِنْدَ الْمَهْدِيِّ، فَأُحْضِرَ الْحَسَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عِنْدَهُ.
ذِكْرُ تَقَدُّمِ يَعْقُوبَ عِنْدَ الْمَهْدِيِّ
قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ وُصُولِهِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا أَحْضَرَهُ الْمَهْدِيُّ عِنْدَهُ فِي أَمْرِ الْحَسَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، كَمَا تَقَدَّمَ، قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنَّكَ قَدْ بَسَطْتَ عَدْلَكَ لِرَعِيَّتِكَ، وَأَنْصَفْتَهُمْ، وَأَحْسَنْتَ إِلَيْهِمْ، فَعَظُمَ رَجَاؤُهُمْ، وَقَدْ بَقِيَتْ أَشْيَاءُ لَوْ ذَكَرْتُهَا لَكَ لَمْ تَدَعِ النَّظَرَ فِيهَا، وَأَشْيَاءُ خَلْفَ بَابِكَ تَعْمَلُ فِيهَا وَلَا تَعْلَمُ بِهَا، فَإِنْ جَعَلْتَ إِلَيَّ السَّبِيلَ إِلَيْكَ وَرَفَعْتُهَا.
стр. 2576
فَأَمَرَ بِذَلِكَ، فَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ كُلَّمَا أَرَادَ، وَيَرْفَعُ إِلَيْهِ النَّصَائِحَ فِي الْأُمُورِ الْحَسَنَةِ الْجَمِيلَةِ، مِنْ أَمْرِ الثُّغُورِ، وَبِنَاءِ الْحُصُونِ، وَتَقْوِيَةِ الْغُزَاةِ وَتَزْوِيجِ الْعُزَّابِ، وَفِكَاكِ الْأَسْرَى وَالْمَحْبُوسِينَ، وَالْقَضَاءِ عَنِ الْغَارِمِينَ، وَالصَّدَقَةِ عَلَى الْمُتَعَفِّفِينَ، فَحَظِيَ عِنْدَهُ بِذَلِكَ، وَعَلَتْ مَنْزِلَتُهُ، حَتَّى سَقَطَتْ مَنْزِلَةُ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ، وَحُبِسَ، وَكَتَبَ الْمَهْدِيُّ تَوْقِيعًا قَدِ اتَّخَذَهُ أَخًا فِي اللَّهِ، وَوَصَلَهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ.
ذِكْرُ ظُهُورِ الْمُقَنَّعِ بِخُرَاسَانَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبْلَ مَوْتِ حُمَيْدِ بْنِ قَحْطَبَةَ، ظَهَرَ الْمُقَنَّعُ بِخُرَاسَانَ، وَكَانَ رُجَلًا أَعْوَرَ، قَصِيرًا، مِنْ أَهْلِ مَرْوٍ، وَيُسَمَّى حَكِيمًا، وَكَانَ اتَّخَذَ وَجْهًا مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلَهُ عَلَى وَجْهِهِ لِئَلَّا يُرَى، فَسُمِّيَ الْمُقَنَّعَ وَادَّعَى الْأُلُوهِيَّةَ، وَلَمْ يُظْهِرْ ذَلِكَ إِلَى جَمِيعِ أَصْحَابِهِ.
وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ، فَتَحَوَّلَ فِي صُورَتِهِ، ثُمَّ فِي صُورَةِ نُوحٍ، وَهَكَذَا هَلُمَّ جَرًّا إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى هَاشِمٍ، وَهَاشِمٌ فِي دَعْوَاهُ، هُوَ الْمُقَنَّعُ، وَيَقُولُ بِالتَّنَاسُخِ، وَتَابَعَهُ خَلْقٌ مِنْ ضُلَّالِ النَّاسِ، وَكَانُوا يَسْجُدُونَ لَهُ مِنْ أَيِّ النَّوَاحِي كَانُوا، وَكَانُوا يَقُولُونَ فِي الْحَرْبِ: يَا هَاشِمُ أَعِنَّا.
وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَتَحَصَّنُوا فِي قَلْعَةِ بَسْنَامَ، وَسَنْجَرْدَةَ، وَهِيَ مِنْ رَسَاتِيقِ كِشَّ، وَظَهَرَتِ الْمُبَيِّضَةُ بِبُخَارَى وَالصُّغْدِ مُعَاوِنِينَ لَهُ، وَأَعَانَهُ كُفَّارُ الْأَتْرَاكِ، وَأَغَارُوا عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ.
وَكَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ أَفْضَلُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ يُنْكِرُ قَتْلَ يَحْيَى بْنِ زَيْدٍ، وَادَّعَى أَنَّهُ يَقْتُلُ قَاتِلِيهِ.
وَاجْتَمَعُوا بَكِشَّ، وَغَلَبُوا عَلَى بَعْضِ قُصُورِهَا، وَعَلَى قَلْعَةِ نُواكِثَ، وَحَارَبَهُمْ أَبُو النُّعْمَانِ، وَالْجُنَيْدُ، وَلَيْثُ بْنُ نَصْرٍ، مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَقَتَلُوا حَسَّانَ بْنَ تَمِيمِ بْنِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ، وَمُحَمَّدَ بْنَ نَصْرٍ وَغَيْرَهُمَا.
وَأَنْفَذَ إِلَيْهِمْ جِبْرَائِيلَ بْنَ يَحْيَى وَأَخَاهُ يَزِيدَ، فَاشْتَغَلُوا بِالْمُبَيِّضَةِ الَّذِينَ كَانُوا بِبُخَارَى، فَقَاتَلُوهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فِي مَدِينَةِ بُومِجَكْثَ، وَنَقَبَهَا عَلَيْهِمْ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ سَبْعَمِائَةٍ، وَقَتَلَ
стр. 2577
الْحَكَمَ، وَلَحِقَ مُنْهَزِمُوهُمْ بِالْمُقَنَّعِ، وَتَبِعَهُمْ جِبْرَائِيلُ، وَحَارَبَهُمْ.
ثُمَّ سَيَّرَ الْمَهْدِيُّ أَبَا عَوْنٍ لِمُحَارَبَةِ الْمُقَنَّعِ، فَلَمْ يُبَالِغْ فِي قِتَالِهِ، وَاسْتَعْمَلَ مُعَاذَ بْنَ مُسْلِمٍ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ الْمَهْدِيُّ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْكُوفَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا إِسْحَاقَ بْنَ الصَّبَّاحِ الْكِنْدِيَّ ثُمَّ الْأَشْعَثِيَّ، وَقِيلَ عِيسَى بْنُ لُقْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ الْجُمَحِيَّ.
وَفِيهَا عَزَلَ سَعِيدَ بْنَ دَعْلَجٍ عَنْ أَحْدَاثِ الْبَصْرَةِ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ عَنِ الصَّلَاةِ، وَاسْتَعْمَلَ مَكَانَهُمَا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ أَيُّوبَ بْنِ ظَبْيَانَ النُّمَيْرِيَّ، وَأَمَرَهُ بِإِنْصَافِ مَنْ تَظَلَّمَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ دَعْلَجٍ، ثُمَّ صُرِفَتِ الْأَحْدَاثُ فِيهَا إِلَى عُمَارَةَ بْنِ حَمْزَةَ فَوَلَّاهَا الْمِسْوَرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَاهِلِيَّ.
وَفِيهَا عَزَلَ قُثَمَ بْنَ الْعَبَّاسِ عَنِ الْيَمَامَةِ، فَوَصَلَ كِتَابُ عَزْلِهِ وَقَدْ مَاتَ، وَاسْتَعْمَلَ مَكَانَهُ بِشْرَ بْنَ الْمُنْذِرِ الْبَجَلِيَّ.
وَفِيهَا عَزَلَ الْهَيْثَمَ بْنَ سَعِيدٍ عَنِ الْجَزِيرَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا الْفَضْلَ بْنَ صَالِحٍ.
وَفِيهَا أَعْتَقَ الْمَهْدِيُّ الْخَيْزُرَانَ أُمَّ وَلَدِهِ، وَتَزَوَّجَهَا وَتَزَوَّجَ أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ بِنْتَ صَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ أُخْتَ الْفَضْلِ وَعَبْدِ الْمَلِكِ.
стр. 2578
وَفِيهَا احْتَرَقَتِ السُّفُنُ عِنْدَ قَصْرِ عِيسَى بِبَغْدَاذَ بِمَا فِيهَا، وَاحْتَرَقَ نَاسٌ كَثِيرٌ.
وَفِيهَا عُزِلَ مَطَرٌ مَوْلَى الْمَنْصُورِ عَنْ مِصْرَ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا أَبُو ضَمْرَةَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ.
وَفِيهَا غَزَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِفَةَ الرُّومِيَّةَ، وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ الْحَسَنُ الْوَصِيفُ، فَبَلَغُوا أَنْقَرَةَ، وَفَتَحُوا مَدِينَةً لِلرُّومِ، وَمَطْمُورَةَ، وَلَمْ يُصَبْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ، وَرَجَعُوا سَالِمِينَ.
وَفِيهَا وَلِيَ حَمْزَةُ بْنُ يَحْيَى سِجِسْتَانَ، وَجِبْرَائِيلُ بْنُ يَحْيَى سَمَرْقَنْدَ، فَبَنَى سُورَهَا، وَحَفَرَ خَنْدَقَهَا.
وَفِيهَا عَزَلَ عَبْدَ الصَّمَدِ بْنَ عَلِيٍّ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْكَثِيرِيَّ، ثُمَّ عَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ مَكَانَهُ مُحَمَّدَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَفْوَانَ الْجُمَحِيَّ.
وَفِيهَا بَنَى الْمَهْدِيُّ سُورَ الرُّصَافَةِ وَمَسْجِدَهَا، وَحَفَرَ خَنْدَقَهَا.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مَعْبَدُ بْنُ الْخَلِيلِ بِالسِّنْدِ، وَهُوَ عَامِلُ الْمَهْدِيِّ عَلَيْهَا، وَاسْتَعْمَلَ مَكَانَهُ رَوْحَ بْنَ حَاتِمٍ، أَشَارَ بِهِ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ وَزِيرُ الْمَهْدِيِّ.
وَفِيهَا أَطْلَقَ الْمَهْدِيُّ مَنْ كَانَ فِي حُبُوسِ الْمَنْصُورِ، إِلَّا مَنْ كَانَ عِنْدَهُ تَبِعَةٌ مِنْ دَمٍ أَوْ
стр. 2579
مَالٍ، أَوْ مَنْ يَسْعَى فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، وَكَانَ فِيمَنْ أَطْلَقَ يَعْقُوبَ بْنَ دَاوُدَ، مَوْلَى بَنِي سُلَيْمٍ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ وَهُوَ عَلَى خُرَاسَانَ، وَاسْتَعْمَلَ الْمَهْدِيُّ بَعْدَهُ عَلَيْهَا أَبَا عَوْنٍ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ يَزِيدَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ يَزِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ خَالُ الْمَهْدِيِّ، عِنْدَ قُدُومِهِ مِنَ الْيَمَنِ، وَكَانَ الْمَهْدِيُّ قَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ وَتَوْلِيَتِهِ الْمَوْسِمَ.
وَكَانَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَفْوَانَ الْجُمَحِيَّ، وَعَلَى أَحْدَاثِ الْكُوفَةِ: إِسْحَاقُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْكِنْدِيُّ، وَعَلَى خَرَاجِهَا: ثَابِتُ بْنُ مُوسَى، وَعَلَى قَضَائِهَا: شَرِيكٌ، وَعَلَى صَلَاةِ الْبَصْرَةِ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَيُّوبَ، وَعَلَى أَحْدَاثِهَا: عُمَارَةُ بْنُ حَمْزَةَ، وَعَلَى قَضَائِهَا: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ، وَعَلَى كُوَرِ دِجْلَةَ وَكُوَرِ الْأَهْوَازِ وَكُوَرِ فَارِسَ: (عُمَارَةُ بْنُ حَمْزَةَ) .
وَعَلَى السِّنْدِ بِسْطَامُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَلَى الْيَمَنِ رَجَاءُ بْنُ رَوْحٍ، وَعَلَى الْيَمَامَةِ بِشْرُ بْنُ الْمُنْذِرِ، وَعَلَى خُرَاسَانَ أَبُو عَوْنٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَزِيدَ، وَكَانَ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ قَدْ مَاتَ فِيهَا، فَوَلَّى الْمَهْدِيُّ أَبَا عَوْنٍ.
وَكَانَ عَلَى الْجَزِيرَةِ الْفَضْلُ بْنُ صَالِحٍ، وَعَلَى إِفْرِيقِيَّةَ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَلَى مِصْرَ أَبُو ضَمْرَةَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ.
(وَفِيهَا كَانَ شَقْنَا قَدِ انْتَشَرَ فِي نَوَاحِي شَنْتَ بَرِيَّةَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، جَيْشًا، فَفَارَقَ مَكَانَهُ، وَصَعِدَ الْجِبَالَ كَعَادَتِهِ فَعَادَ الْجَيْشُ عَنْهُ) .
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذِئْبٍ، الْفَقِيهُ بِالْكُوفَةِ، وَهُوَ مَدَنِيٌّ،
стр. 2580
وَعُمُرُهُ تِسْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَيُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ الْهَمْدَانِيُّ، وَمَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ الْمِصْرِيُّ، وَحَسَنُ بْنُ وَاقِدٍ مَوْلَى ابْنِ عَامِرٍ، وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ مَرْوٍ، وَكَانَ يَشْتَرِي الشَّيْءَ مِنَ السُّوقِ فَيَحْمِلُهُ إِلَى عِيَالِهِ.
стр. 2581
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتِّينَ وَمِائَةٍ]
١٦٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتِّينَ وَمِائَةٍ
ذِكْرُ خُرُوجِ يُوسُفَ الْبَرْمِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ يُوسُفُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، الْمَعْرُوفُ بِالْبَرْمِ، بِخُرَاسَانَ، مُنْكِرًا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى الْمَهْدِيِّ سِيرَتَهُ الَّتِي يَسِيرُ بِهَا، وَاجْتَمَعَ مَعَهُ بَشَرٌ كَثِيرٌ، فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ الشَّيْبَانِيُّ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ، فَلَقِيَهُ فَاقْتَتَلَا، حَتَّى صَارَا إِلَى الْمُعَانَقَةِ، فَأَسَرَهُ يَزِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى الْمَهْدِيِّ، وَبَعَثَ مَعَهُ وُجُوهَ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا بَلَغُوا النَّهْرَوَانِ حُمِلَ يُوسُفُ عَلَى بَعِيرٍ، قَدْ حُوِّلَ وَجْهُهُ إِلَى ذَنَبِهِ، وَأَصْحَابُهُ مِثْلُهُ، فَأَدْخَلُوهُمُ الرُّصَافَةَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، وَقُطِعَتْ يَدَا يُوسُفَ وَرِجْلَاهُ، وَقُتِلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَصُلِبُوا عَلَى الْجِسْرِ.
وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ كَانَ حَرُورِيًّا، وَتَغَلَّبَ عَلَى بُوشَنْجَ وَعَلَيْهَا مُصْعَبُ بْنُ زُرَيْقٍ، جَدُّ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ، فَهَرَبَ مِنْهُ، وَتَغَلَّبَ أَيْضًا عَلَى مَرْوِ الرُّوذِ، وَالطَّالَقَانَ، وَالْجُوزَجَانِ، وَقَدْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ أَصْحَابِهِ أَبُو مُعَاذٍ الْفِرْيَابِيُّ، فَقُبِضَ مَعَهُ.
ذِكْرُ خَلْعِ عِيسَى بْنِ مُوسَى وَبَيْعَةِ مُوسَى الْهَادِي
كَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَشِيعَةِ الْمَهْدِيِّ قَدْ خَاضُوا فِي خَلْعِ عِيسَى بْنِ مُوسَى مِنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ، وَالْبَيْعَةِ لِمُوسَى الْهَادِي بْنِ الْمَهْدِيِّ، فَلَمَّا عَلِمَ الْمَهْدِيُّ بِذَلِكَ سَرَّهُ، وَكَتَبَ إِلَى عِيسَى بْنِ مُوسَى بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ، وَهُوَ بِقَرْيَةِ الرُّحْبَةِ، مِنْ أَعْمَالِ الْكُوفَةِ.
فَأَحَسَّ عِيسَى بِالَّذِي يُرَادُ مِنْهُ، فَامْتَنَعَ مِنَ الْقُدُومِ، فَاسْتَعْمَلَ الْمَهْدِيُّ عَلَى الْكُوفَةِ رَوْحُ بْنُ حَاتِمٍ، لِلْإِضْرَارِ بِهِ، فَلَمْ يَجِدْ رَوْحٌ إِلَى الْإِضْرَارِ بِهِ سَبِيلًا، لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَقْرَبُ الْبَلَدَ إِلَّا كُلَّ جُمُعَةٍ أَوْ يَوْمَ عِيدٍ.
стр. 2582
وَأَلَحَّ الْمَهْدِيُّ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ إِنْ لَمْ تُجِبْنِي إِلَى أَنْ تَنْخَلِعَ مِنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ لِمُوسَى اسْتَحْلَلْتُ مِنْكَ بِمَعْصِيَتِكَ مَا يُسْتَحَلُّ مِنْ أَهْلِ الْمَعَاصِي، وَإِنْ أَجَبْتَنِي عَوَّضْتُكَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْمَهْدِيُّ عَمَّهُ الْعَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدٍ بِرِسَالَةٍ وَكِتَابٍ يَسْتَدْعِيهِ، فَلَمْ يَحْضُرْ مَعَهُ.
فَلَمَّا عَادَ الْعَبَّاسُ، وَجَّهَ الْمَهْدِيُّ إِلَيْهِ أَبَا هُرَيْرَةَ مُحَمَّدَ بْنَ فَرُّوخَ الْقَائِدَ فِي أَلْفٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ذَوِي الْبَصَائِرِ فِي التَّشَيُّعِ لِلْمَهْدِيِّ، وَجَعَلَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ طَبْلًا، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَضْرِبُوا طُبُولَهُمْ جَمِيعًا عِنْدَ قُدُومِهِمْ إِلَيْهِ، فَوَصَلُوا سَحَرًا، وَضَرَبُوا طُبُولَهُمْ، فَارْتَاعَ عِيسَى رَوْعًا شَدِيدًا، وَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَمَرَهُ بِالشُّخُوصِ مَعَهُ. (فَاعْتَلَّ بِالشَّكْوَى، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ وَأَخَذَهُ مَعَهُ) .
فَلَمَّا قَدِمَ عِيسَى بْنُ مُوسَى نَزَلَ دَارَ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ فِي عَسْكَرِ الْمَهْدِيِّ فَأَقَامَ أَيَّامًا يَخْتَلِفُ إِلَى الْمَهْدِيِّ وَلَا يُكَلِّمُ بِشَيْءٍ، وَلَا يَرَى مَكْرُوهًا، فَحَضَرَ الدَّارَ يَوْمًا قَبْلَ جُلُوسِ الْمَهْدِيِّ فَجَلَسَ فِي مَقْصُورَةٍ لِلرَّبِيعِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ شِيعَةُ رُؤَسَاءِ الْمَهْدِيِّ عَلَى خَلْعِهِ، فَثَارُوا بِهِ وَهُوَ فِي الْمَقْصُورَةِ، فَأَغْلَقَ الْبَابَ دُونَهُمْ، فَضَرَبُوا الْبَابَ بِالْعَمَدِ حَتَّى هَشَّمُوهُ (وَشَتَمُوا عِيسَى أَقْبَحَ الشَّتْمِ) وَأَظْهَرَ الْمَهْدِيُّ إِنْكَارًا لِمَا فَعَلُوهُ، فَلَمْ يَرْجِعُوا، فَبَقُوا فِي ذَلِكَ أَيَّامًا إِلَى أَنْ كَاشَفَهُ أَكَابِرُ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَكَانَ أَشَدَّهُمْ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ.
وَأَلَحَّ عَلَيْهِ الْمَهْدِيُّ، فَأَبَى، وَذَكَرَ أَنَّ عَلَيْهِ أَيْمَانًا فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَأَحْضَرَ لَهُ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْفُقَهَاءِ عِدَّةً، مِنْهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُلَاثَةَ، وَمُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ، فَأَفْتَوْهُ بِمَا رَأَوْا، فَأَجَابَ إِلَى خَلْعِ نَفْسِهِ، فَأَعْطَاهُ الْمَهْدِيُّ عَشَرَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَضِيَاعًا بِالزَّابِ وَكَسْكَرَ، وَخَلَعَ نَفْسَهُ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَبَايَعَ لِلْمَهْدِيِّ وَلِابْنِهِ مُوسَى الْهَادِي.
ثُمَّ جَلَسَ الْمَهْدِيُّ مِنَ الْغَدِ، وَأَحْضَرَ أَهْلَ بَيْتِهِ، وَأَخَذَ بَيْعَتَهُمْ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْجَامِعِ، وَعِيسَى مَعَهُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَأَعْلَمَهُمْ بِخَلْعِ عِيسَى وَالْبَيْعَةِ لِلْهَادِي، وَدَعَاهُمْ إِلَى الْبَيْعَةِ، فَسَارَعَ النَّاسُ إِلَيْهَا، وَأَشْهَدَ عَلَى عِيسَى بِالْخَلْعِ.
فَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
كَرِهَ الْمَوْتَ أَبُو مُوسَى وَقَدْ ... كَانَ فِي الْمَوْتِ نَجَاةٌ وَكَرَمُ
خَلَعَ الْمُلْكَ وَأَضْحَى مُلْبَسًا ... ثَوْبَ لُؤْمٍ مَا تُرَى مِنْهُ الْقَدَمُ.
стр. 2583
(الرُّحْبَةُ بِضَمِّ الرَّاءِ قَرْيَةٌ عِنْدَ الْكُوفَةِ، وَصُبِحَ: بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ) .
ذِكْرُ فَتْحِ مَدِينَةِ بَارْبَدَ
كَانَ الْمَهْدِيُّ قَدْ سَيَّرَ، سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ، جَيْشًا فِي الْبَحْرِ، وَعَلَيْهِمْ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شِهَابٍ الْمِسْمَعِيُّ إِلَى بِلَادِ الْهِنْدِ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الْجُنْدِ وَالْمُتَطَوِّعَةِ، وَفِيهِمُ الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ، فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى بَارْبَدَ، فَلَمَّا نَازَلُوهَا حَصَرُوهَا مِنْ نَوَاحِيهَا.
وَحَرَّضَ النَّاسُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا عَلَى الْجِهَادِ، وَضَايَقُوا أَهْلَهَا، فَفَتَحَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ السَّنَةَ عَنْوَةً وَاحْتَمَى أَهْلُهَا بِالْبُدِّ الَّذِي لَهُمْ، فَأَحْرَقَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، فَاحْتَرَقَ بَعْضُهُمْ، وَقُتِلَ الْبَاقُونَ، وَاسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِضْعَةٌ وَعِشْرُونَ رُجَلًا، وَأَفَاءَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
فَهَاجَ عَلَيْهِمُ الْبَحْرُ، فَأَقَامُوا إِلَى أَنْ يَطِيبَ، فَأَصَابَهُمْ مَرَضٌ فِي أَفْوَاهِهِمْ، فَمَاتَ مِنْهُمْ نَحْوٌ مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ فِيهِمُ الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ، ثُمَّ رَجَعُوا.
فَلَمَّا بَلَغُوا سَاحِلًا مِنْ فَارِسَ يُقَالُ لَهُ بَحْرَ حُمْرَانَ عَصَفَتْ بِهِمُ الرِّيحُ لَيْلًا، فَانْكَسَرَ عَامَّةُ مَرَاكِبِهِمْ، فَغَرِقَ الْبَعْضُ، وَنَجَا الْبَعْضُ.
قِيلَ: وَفِيهَا جُعِلَ أَبَانُ بْنُ صَدَقَةَ كَاتِبًا لِهَارُونَ الرَّشِيدِ وَوَزِيرًا لَهُ.
وَفِيهَا عُزِلَ أَبُو عَوْنٍ عَنْ خُرَاسَانَ عَنْ سَخْطَةٍ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا مُعَاذُ بْنُ مُسْلِمٍ.
وَفِيهَا غَزَا ثُمَامَةُ بْنُ [الْوَلِيدِ] الْعَبْسِيُّ الصَّائِفَةَ، وَغَزَا الْغَمْرُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَثْعَمِيُّ بَحْرَ الشَّامِ.
ذِكْرُ رَدِّ نَسَبِ آلِ أَبِي بَكْرَةَ وَآلِ زِيَادٍ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ الْمَهْدِيُّ بِرَدِّ نَسَبِ آلِ أَبِي بَكْرَةَ مِنْ ثَقِيفٍ إِلَى وَلَاءِ
стр. 2584
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنْ رُجَلًا مِنْهُمْ رَفَعَ ظُلَامَتَهُ إِلَى الْمَهْدِيِّ، وَتَقَرَّبَ إِلَيْهِ [فِيهَا] بِوَلَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ الْمَهْدِيُّ: إِنَّ هَذَا نَسَبٌ مَا يُقِرُّونَ بِهِ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالِاضْطِرَارِ إِلَى التَّقَرُّبِ إِلَيْنَا.
فَقَالَ لَهُ: مَنْ جَحَدَ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّا سَنُقِرُّ، وَأَنَا أَسْأَلُكَ أَنْ تَرُدَّنِي وَمَعْشَرَ آلِ أَبِي بَكْرَةَ إِلَى نَسَبِنَا مِنْ وَلَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَأْمُرَ بِآلِ زِيَادٍ فَيَخْرُجُوا مِنْ نَسَبِهِمُ الَّذِي أُلْحِقُوا بِهِ، وَرَغِبُوا عَنْ قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " أَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَيَرُدُّوا إِلَى عُبَيْدٍ فِي مَوَالِي ثَقِيفٍ ".
فَأَمَرَ الْمَهْدِيُّ بِرَدِّ آلِ أَبِي بَكْرَةَ إِلَى وَلَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَتَبَ فِيهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بِذَلِكَ، وَأَنَّ مَنْ أَقَرَّ مِنْهُمْ بِذَلِكَ تَرَكَ مَالَهُ بِيَدِهِ، وَمَنْ أَبَاهُ اصْطَفَى مَالَهُ.
فَعَرَضَهُمْ، فَأَجَابُوا جَمِيعًا إِلَّا ثَلَاثَةَ نَفَرٍ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا أَمَرَ بِرَدِّ نَسَبِ آلِ زِيَادٍ إِلَى عُبَيْدٍ. (وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ) .
فَكَانَ الَّذِي حَمَلَ الْمَهْدِيَّ عَلَى ذَلِكَ، مَعَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، أَنَّ رُجَلًا مِنْ آلِ زِيَادٍ قَدِمَ عَلَيْهِ يُقَالُ لَهُ الصُّغْدِيُّ بْنُ سَلْمِ بْنِ حَرْبِ بْنِ زِيَادٍ، فَقَالَ لَهُ الْمَهْدِيُّ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: ابْنُ عَمِّكَ. فَقَالَ: أَيُّ بَنِي عَمِّي أَنْتَ؟ فَذَكَرَ نَسَبَهُ، فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: يَا ابْنَ سُمَيَّةَ الزَّانِيَةِ! مَتَّى كُنْتَ ابْنَ عَمِّي؟ وَغَضِبَ وَأَمَرَ بِهِ، فَوُجِئَ فِي عُنُقِهِ وَأُخْرِجَ.
وَسَأَلَ عَنِ اسْتِلْحَاقِ زِيَادٍ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى الْعَامِلِ بِالْبَصْرَةِ بِإِخْرَاجِ آلِ زِيَادٍ مِنْ دِيوَانِ قُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ، وَرَدَّهُمْ إِلَى ثَقِيفٍ، وَكَتَبَ فِي ذَلِكَ كِتَابًا بَالِغًا، يَذْكُرُ فِيهِ اسْتِلْحَاقَ زِيَادٍ، وَمُخَالَفَةَ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ فَأُسْقِطُوا مِنْ دِيوَانِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ إِنَّهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ رَشُّوا الْعُمَّالَ، حَتَّى رَدَّهُمْ إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ.
فَقَالَ خَالِدٌ النَّجَّارُ:
إِنَّ زِيَادًا وَنَافِعًا وَأَبَا بَكْرَةَ ... عِنْدِي مِنْ أَعْجَبِ الْعَجَبِ
ذَا قُرَشِيٍّ كَمَا يَقُولُ وَذَا ... مَوْلًى وَهَذَا بِزَعْمِهِ عَرَبِي.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ الْجُمَحِيُّ، أَمِيرُ الْمَدِينَةِ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا مَكَانَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكَثِيرِيُّ، ثُمَّ عُزِلَ وَاسْتُعْمِلَ مَكَانَهُ زُفَرُ بْنُ عَاصِمٍ الْهِلَالِيُّ،
стр. 2585
وَجُعِلَ عَلَى الْقَضَاءِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الطَّلْحِيُّ.
وَفِيهَا خَرَجَ عَبْدُ السَّلَامِ الْخَارِجِيُّ بِنَوَاحِي الْمَوْصِلِ.
وَفِيهَا عُزِلَ بِسْطَامُ بْنُ عَمْرٍو عَنِ السِّنْدِ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا رَوْحُ بْنُ حَاتِمٍ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ الْمَهْدِيُّ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى بَغْدَاذَ ابْنَهُ مُوسَى وَخَالَهُ يَزِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ، وَاسْتَصْحَبَ مَعَهُ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَابْنَهُ هَارُونَ الرَّشِيدَ، وَكَانَ مَعَهُ يَعْقُوبُ بْنُ دَاوُدَ، فَأَتَاهُ بِمَكَّةَ بِالْحَسَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ الَّذِي كَانَ اسْتَأْمَنَ لَهُ، فَوَصَلَهُ الْمَهْدِيُّ وَأَقْطَعَهُ.
وَفِيهَا نَزَعَ الْمَهْدِيُّ كُسْوَةَ الْكَعْبَةِ وَكَسَاهَا (كُسْوَةً جَدِيدَةً، وَكَانَ سَبَبُ نَزْعِهَا أَنَّ حَجَبَةَ الْكَعْبَةِ) ذَكَرُوا لَهُ أَنَّهُمْ يَخَافُونَ عَلَى الْكَعْبَةِ أَنْ تَتَهَدَّمَ لِكَثْرَةِ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْكُسْوَةِ، فَنَزَعَهَا.
وَكَانَتْ كُسْوَةُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنَ الدِّيبَاجِ الثَّخِينِ، وَمَا قَبْلَهَا مِنْ عَمَلِ الْيَمَنِ، وَقَسَمَ مَالًا عَظِيمًا، وَكَانَ مَعَهُ مِنَ الْعِرَاقِ ثَلَاثُونَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَوَصَلَ إِلَيْهِ مِنْ مِصْرَ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَمِنَ الْيَمَنِ مِائَتَا أَلْفِ دِينَارٍ، فَفَرَّقَ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَفَرَّقَ مِائَةَ أَلْفِ ثَوْبٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ ثَوْبٍ، وَوَسَّعَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَأَخَذَ خَمْسَمِائَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يَكُونُونَ حَرَسًا لَهُ بِالْعِرَاقِ، وَأَقْطَعَهُمْ بِالْعِرَاقِ، وَأَجْرَى عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ.
стр. 2586
وَحَمَلَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الثَّلْجَ إِلَى مَكَّةَ، وَكَانَ أَوَّلَ خَلِيفَةٍ حُمِلَ إِلَيْهِ الثَّلْجُ إِلَى مَكَّةَ، وَرَدَّ الْمَهْدِيُّ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَغَيْرِهِمْ وَظَائِفَهُمُ الَّتِي كَانَتْ مَقْبُوضَةً عَنْهُمْ.
وَكَانَ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَكُوَرِ دِجْلَةَ، وَالْبَحْرَيْنِ، وَعُمَانَ، وَكُوَرِ الْأَهْوَازِ، وَفَارِسَ، مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَلَى خُرَاسَانَ مُعَاذُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَبَاقِي الْأَمْصَارِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
وَفِيهَا أَرْسَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ بِالْأَنْدَلُسِ أَبَا عُثْمَانَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُثْمَانَ، وَتَمَّامَ بْنَ عَلْقَمَةَ، إِلَى شَقْنَا، فَحَاصَرَاهُ شُهُورًا بِحِصْنِ شَبَطْرَانَ، وَأَعْيَاهُمَا أَمْرُهُ، فَقَفَلَا عَنْهُ.
ثُمَّ إِنَّ شَقْنَا، بَعْدَ عَوْدِهِمَا عَنْهُ، خَرَجَ مِنْ شَبْطَرَانَ إِلَى قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى شَنْتَ بَرِيَّةَ رَاكِبًا عَلَى بَغْلَتِهِ الَّتِي تُسَمَّى الْخُلَاصَةَ، فَاغْتَالَهُ أَبُو مَعْنٍ وَأَبُو خُزَيْمٍ، وَهُمَا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَتَلَاهُ، وَلَحِقَا بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمَعَهُمَا رَأْسُهُ، فَاسْتَرَاحَ النَّاسُ مِنْ شَرِّهِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ دَاوُدُ بْنُ نُصَيْرٍ الطَّائِيُّ الزَّاهِدُ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الْمَسْعُودِيُّ أَيْضًا، وَشُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَبُو بِسْطَامٍ، وَكَانَ عُمُرُهُ سَبْعًا وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَإِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، وَقِيلَ تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الرَّبِيعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ، عَمُّ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ الْفَقِيهِ، كُنْيَتُهُ أَبُو مَالِكٍ، وَكَانُوا أَرْبَعَةَ إِخْوَةٍ، أَكْبَرُهُمْ أَنَسٌ وَالِدُ مَالِكٍ، ثُمَّ أُوَيْسٌ جَدُّ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُوَيْسٍ، ثُمَّ نَافِعٌ، ثُمَّ الرَّبِيعُ.
стр. 2587
وَفِيهَا تُوُفِّيَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ الْعُصْفُرِيُّ اللَّيْثِيُّ، وَهُوَ جَدُّ خَلِيفَةَ بْنِ خَيَّاطٍ.
(خَيَّاطٌ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَبِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتٍ) وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَصْرِيُّ الْفُرْهُودِيُّ النَّحْوِيُّ، الْإِمَامُ الْمَشْهُورُ فِي النَّحْوِ، أُسْتَاذُ سِيبَوَيْهِ.
стр. 2588
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ]
١٦١ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ
ذِكْرُ هَلَاكِ الْمُقَنَّعِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ مُعَاذُ بْنُ مُسْلِمٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْقُوَّادِ وَالْعَسَاكِرِ إِلَى الْمُقَنَّعِ، وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ سَعِيدٌ الْحَرَشِيُّ، وَأَتَاهُ عُقْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ مِنْ زَمٍّ، فَاجْتَمَعَ بِهِ بِالطَّوَاوِيسِ، وَأَوْقَعُوا بِأَصْحَابِ الْمُقَنَّعِ، فَهَزَمُوهُمْ، فَقَصَدَ الْمُنْهَزِمُونَ إِلَى الْمُقَنَّعِ بِسَنَامَ فَعَمِلَ خَنْدَقَهَا وَحَصَّنَهَا، وَأَتَاهُمْ مُعَاذٌ فَحَارَبَهُمْ، فَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرَشِيِّ نَفْرَةٌ.
فَكَتَبَ الْحَرَشِيُّ إِلَى الْمَهْدِيِّ يَقَعُ فِي مُعَاذٍ، وَيَضْمَنُ لَهُ الْكِفَايَةَ إِنْ أَفْرَدَهُ بِحَرْبِ الْمُقَنَّعِ، فَأَجَابَهُ الْمَهْدِيُّ إِلَى ذَلِكَ، فَانْفَرَدَ الْحَرَشِيُّ بِحَرْبِهِ، وَأَمَدَّهُ مُعَاذٌ بِابْنِهِ رَجَاءٍ فِي جَيْشٍ، وَبِكُلِّ مَا الْتَمَسَهُ مِنْهُ.
وَطَالَ الْحِصَارُ عَلَى الْمُقَنَّعِ، فَطَلَبَ أَصْحَابُهُ الْأَمَانَ سِرًّا مِنْهُ، فَأَجَابَهُمُ الْحَرَشِيُّ إِلَى ذَلِكَ، فَخَرَجَ نَحْوُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَبَقِيَ مَعَهُ زُهَاءَ أَلْفَيْنِ مِنْ أَرْبَابِ الْبَصَائِرِ. وَتَحَوَّلَ رَجَاءُ بْنُ مُعَاذٍ وَغَيْرُهُ فَنَزَلُوا خَنْدَقَ الْمُقَنَّعِ فِي أَصْلِ الْقَلْعَةِ، وَضَايَقُوهُ.
فَلَمَّا أَيْقَنَ بِالْهَلَاكِ جَمَعَ نِسَاءَهُ وَأَهْلَهُ، وَسَقَاهُمُ السُّمَّ، فَأَتَى عَلَيْهِمْ، وَأَمَرَ أَنْ يُحْرَقَ هُوَ بِالنَّارِ لِئَلَّا يُقْدَرَ عَلَى جُثَّتِهِ.
وَقِيلَ: بَلْ أَحْرَقَ كُلَّ مَا فِي قَلْعَتِهِ مِنْ دَابَّةٍ وَثَوْبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْتَفِعَ مَعِي إِلَى السَّمَاءِ فَلْيُلْقِ نَفْسَهُ مَعِي فِي هَذِهِ النَّارِ! وَأَلْقَى بِنَفْسِهِ مَعَ أَهْلِهِ، وَنِسَائِهِ، وَخَوَاصِّهِ، فَاحْتَرَقُوا، وَدَخَلَ الْعَسْكَرُ الْقَلْعَةَ، فَوَجَدُوهَا خَالِيَةً خَاوِيَةً.
стр. 2589
وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا زَادَ فِي افْتِتَانِ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَالَّذِينَ يُسَمَّوْنَ الْمُبَيِّضَةَ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ مِنْ أَصْحَابِهِ، إِلَّا أَنَّهُمْ يُسِرُّونَ (اعْتِقَادَهُمْ) ، وَقِيلَ: بَلْ شَرِبَ هُوَ أَيْضًا مِنَ السُّمِّ، فَمَاتَ، فَأَنْفَذَ الْحَرَشِيُّ رَأْسَهُ إِلَى الْمَهْدِيِّ، فَوَصَلَ إِلَيْهِ وَهُوَ بِحَلَبَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ (فِي غَزَوَاتِهِ) .
ذِكْرُ تَغَيُّرِ حَالِ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَغَيَّرَتْ حَالُ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ وَزِيرِ الْمَهْدِيِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ سَبَبَ اتِّصَالِهِ بِهِ أَيَّامَ الْمَنْصُورِ، وَمَسِيرَهُ مَعَهُ إِلَى خُرَاسَانَ، فَحَكَى الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ أَنَّ الْمَوَالِيَ كَانُوا يَقَعُونَ فِي أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ عِنْدَ الْمَهْدِيِّ وَيُحَرِّضُونَهُ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ كُتُبُ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ تَرِدُ عَلَى الْمَنْصُورِ بِمَا يَفْعَلُ، وَيَعْرِضُهَا عَلَى الرَّبِيعِ، وَيَكْتُبُ الْكُتُبَ إِلَى الْمَهْدِيِّ بِالْوَصَاةِ بِهِ، وَتَرْكِ الْقَوْلِ فِيهِ.
ثُمَّ إِنَّ الرَّبِيعَ حَجَّ مَعَ الْمَنْصُورِ حِينَ مَاتَ، وَفَعَلَ فِي بَيْعَةِ الْمَهْدِيِّ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَمَّا قَدِمَ جَاءَ إِلَى بَابِ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ، قَبْلَ الْمَهْدِيِّ، وَقَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ الْفَضْلُ: تَتْرُكُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْزِلَكَ وَتَأْتِيهِ! قَالَ: هُوَ صَاحِبُ الرَّجُلِ، وَيَنْبَغِي أَنْ نُعَامِلَهُ غَيْرَ مَا كُنَّا نُعَامِلُهُ بِهِ، وَنَتْرُكَ ذِكْرَ نُصْرَتِنَا لَهُ.
فَوَقَفَ عَلَى بَابِهِ مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى أَنْ صُلِّيَتِ الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ فَلَمْ يَقُمْ لَهُ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَلَمْ يَجْلِسْ، وَلَا أَقْبَلَ عَلَيْهِ، وَأَرَادَ الرَّبِيعُ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ مَا كَانَ مِنْهُ فِي أَمْرِ الْبَيْعَةِ، فَقَالَ: قَدْ بَلَغَنَا أَمْرُكُمْ، فَأَوْغَرَ صَدْرَ الرَّبِيعِ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ. (قَالَ لَهُ ابْنُهُ الْفَضْلُ: لَقَدْ بَلَغَ فِعْلُ هَذَا بِكَ مَا فَعَلَ، وَكَانَ الرَّأْيُ أَنْ لَا تَأْتِيَهُ، وَحَيْثُ أَتَيْتَهُ وَحَجَبَكَ أَنْ تَعُودَ، وَحَيْثُ دَخَلْتَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَقُمْ لَكَ أَنْ تَعُودَ) .
فَقَالَ لِابْنِهِ: أَنْتَ أَحْمَقُ حَيْثُ تَقُولُ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَجِيءَ، وَحَيْثُ جِئْتَ وَحُجِبْتَ أَنْ تَعُودَ، وَلَمَّا دَخَلْتَ فَلَمْ يَقُمْ لَكَ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعُودَ، وَلَمْ يَكُنِ الصَّوَابُ إِلَّا
стр. 2590
مَا عَمِلْتُهُ، وَلَكِنْ وَاللَّهِ، وَأَكَّدَ الْيَمِينَ، لَأَخْلَعَنَّ جَاهِي، وَلَأُنْفِقَنَّ مَالِي حَتَّى أَبْلُغَ مَكْرُوهَهُ.
وَسَعَى فِي أَمْرِهِ، فَلَمْ يَجِدْ عَلَيْهِ طَرِيقًا لِاحْتِيَاطِهِ فِي أَمْرِ دِينِهِ وَأَعْمَالِهِ، فَأَتَاهُ مِنْ قِبَلِ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ، فَلَمْ يَزَلْ يَحْتَالُ وَيَدُسُّ إِلَى الْمَهْدِيِّ، وَيَتَّهِمُهُ بِبَعْضِ حُرَمِهِ، وَبِأَنَّهُ زِنْدِيقٌ، حَتَّى اسْتَحْكَمَتِ التُّهْمَةُ عِنْدَ الْمَهْدِيِّ بِابْنِهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُحْضِرَ، وَأُخْرِجَ أَبُوهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ! اقْرَأْ، فَلَمْ يُحْسِنْ يَقْرَأُ شَيْئًا، فَقَالَ لِأَبِيهِ: أَلَمْ تُعْلِمْنِي أَنَّ ابْنَكَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنَّهُ فَارَقَنِي مُنْذُ سِنِينَ، وَقَدْ نَسِيَ.
قَالَ: فَقُمْ فَتَقَرَّبْ إِلَى اللَّهِ بِدَمِهِ، فَقَامَ لِيَقْتُلَ وَلَدَهُ فَعَثَرَ فَوَقَعَ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ: إِنْ رَأَيْتَ أَنْ يُعْفِيَ الشَّيْخَ، فَافْعَلْ، فَأَمَرَ بِابْنِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، وَقَالَ لَهُ الرَّبِيعُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! تَقْتُلُ ابْنَهُ وَتَثِقُ إِلَيْهِ! لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ. فَاسْتَوْحَشَ مِنْهُ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا نَذْكُرُهُ.
ذِكْرُ عُبُورِ الصَّقْلَبِيِّ إِلَى الْأَنْدَلُسِ وَقَتْلِهِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ سَنَةَ سِتِّينَ، عَبَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَبِيبٍ الْفِهْرِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِالصَّقْلَبِيِّ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهِ لِطُولِهِ وَزُرْقَتِهِ وَشُقْرَتِهِ، مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ مُحَارِبًا لَهُمْ، لِيَدْخُلُوا فِي الطَّاعَةِ لِلدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ، وَكَانَ عُبُورُهُ فِي سَاحِلِ تُدْمِيرَ، وَكَاتَبَ سُلَيْمَانَ بْنَ يَقْظَانَ بِالدُّخُولِ فِي أَمْرِهِ، وَمُحَارَبَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيِّ، وَالدُّعَاءِ إِلَى طَاعَةِ الْمَهْدِيِّ.
وَكَانَ سُلَيْمَانُ بِبَرْشَلُونَةَ، فَلَمْ يُجِبْهُ، فَاغْتَاظَ عَلَيْهِ، وَقَصَدَ بَلَدَهُ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْبَرْبَرِ، فَهَزَمَهُ سُلَيْمَانُ، فَعَادَ الصَّقْلَبِيُّ إِلَى تُدْمِيرَ، وَسَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ نَحْوَهُ فِي الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ، وَأَحْرَقَ السُّفُنَ تَضْيِيقًا عَلَى الصَّقْلَبِيِّ فِي الْهَرَبِ، فَقَصَدَ الصَّقْلَبِيُّ جَبَلًا مَنِيعًا بِنَاحِيَةِ بَلَنْسِيَةَ.
فَبَذَلَ الْأُمَوِيُّ أَلْفَ دِينَارٍ لِمَنْ أَتَاهُ بِرَأْسِهِ، فَاغْتَالَهُ رَجُلٌ مِنَ الْبَرْبَرِ، فَقَتَلَهُ، وَحَمَلَ رَأْسَهُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَأَعْطَاهُ أَلْفَ دِينَارٍ، وَكَانَ قَتْلُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَفِيهَا ظَفِرَ نَصْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَرْوَانَ بِالشَّامِ، فَأَخَذَهُ، وَقَدِمَ بِهِ
стр. 2591
عَلَى الْمَهْدِيِّ، فَحَبَسَهُ فِي الْمُطْبِقِ، وَجَاءَ عَمْرُو بْنُ سَهْلَةَ الْأَشْعَرِيُّ، فَادَّعَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَتَلَ أَبَاهُ، وَحَاكَمَهُ عِنْدَ عَافِيَةَ الْقَاضِي، فَتَوَجَّهَ الْحُكْمُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ.
فَجَاءَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ الْعُقَيْلِيُّ إِلَى الْقَاضِي فَقَالَ: زَعَمَ عَمْرُو بْنُ سَهْلَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَتَلَ أَبَاهُ، وَكَذَبَ وَاللَّهِ، مَا قَتَلَ أَبَاهُ غَيْرِي، أَنَا قَتَلْتُهُ بِأَمْرِ مَرْوَانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بَرِيءٌ مِنْ دَمِهِ، فَتُرِكَ عَبْدُ اللَّهِ، وَلَمْ يَعْرِضِ الْمَهْدِيُّ لِعَبْدِ الْعَزِيزِ، لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِأَمْرِ مَرْوَانَ.
وَفِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ ثُمَامَةُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَنَزَلَ بِدَابِقَ.
وَجَاشَتِ الرُّومُ مَعَ مِيخَائِيلَ فِي ثَمَانِينَ أَلْفًا، فَأَتَى عُمْقَ مَرْعَشَ، فَقَتَلَ، وَسَبَى، وَغَنِمَ، وَأَتَى مَرْعَشَ فَحَاصَرَهَا، فَقَاتَلَهُمْ، فَقَتَلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عِدَّةً كَثِيرَةً. وَكَانَ عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ مُرَابِطًا بِحِصْنِ مَرْعَشَ فَانْصَرَفَ الرُّومُ إِلَى جَيْحَانَ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ الْمَهْدِيَّ، فَعَظُمَ عَلَيْهِ، وَتَجَهَّزَ لِغَزْوِ الرُّومِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ صَائِفَةٌ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ.
وَفِيهَا أَمَرَ الْمَهْدِيُّ بِبِنَاءِ الْقُصُورِ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، أَوْسَعَ مِنَ الْقُصُورِ الَّتِي بَنَاهَا السَّفَّاحُ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ إِلَى زُبَالَةَ، وَأَمَرَ بِاتِّخَاذِ الْمَصَانِعِ فِي كُلِّ مَنْهَلٍ مِنْهَا، وَبِتَجْدِيدِ الْأَمْيَالِ وَالْبِرَكِ، وَبِحَفْرِ الرَّكَايَا، وَوَلِيَ ذَلِكَ يَقْطِينُ بْنُ مُوسَى، وَأَمَرَ بِالزِّيَادَةِ فِي مَسْجِدِ الْبَصْرَةِ، وَتَقْصِيرِ الْمَنَابِرِ فِي الْبِلَادِ، وَجَعْلِهَا بِمِقْدَارِ مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْيَوْمِ.
وَفِيهَا أَمَرَ الْمَهْدِيُّ يَعْقُوبَ بْنَ دَاوُدَ بِتَوْجِيهِ الْأُمَنَاءِ فِي جَمِيعِ الْآفَاقِ، فَفَعَلَ فَكَانَ لَا يُنْفِذُ الْمَهْدِيُّ كِتَابًا إِلَى عَامِلٍ فَيَجُوزُ حَتَّى يَكْتُبَ يَعْقُوبُ إِلَى أَمِينِهِ بِإِنْفَاذِ ذَلِكَ.
стр. 2592
وَفِيهَا غَزَا الْغَمْرُ بْنُ الْعَبَّاسِ فِي الْبَحْرِ.
وَفِيهَا وَلِيَ نَصْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ السِّنْدَ، ثُمَّ عُزِلَ بِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ شِهَابٍ، فَبَقِيَ عَبْدُ الْمَلِكِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ عُزِلَ وَأُعِيدَ نَصْرٌ مِنَ الطَّرِيقِ.
وَفِيهَا اسْتَقْضَى الْمَهْدِيُّ عَافِيَةَ الْقَاضِي مَعَ ابْنِ عُلَاثَةَ بِالرُّصَافَةِ.
وَفِيهَا عَزَلَ الْفَضْلَ بْنَ صَالِحٍ عَنِ الْجَزِيرَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَبْدَ الصَّمَدِ بْنَ عَلِيٍّ، وَاسْتَعْمَلَ عِيسَى بْنَ لُقْمَانَ عَلَى مِصْرَ، وَيَزِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ عَلَى سَوَادِ الْكُوفَةِ، وَحَسَّانَ الشَّرَوِيَّ عَلَى الْمَوْصِلِ، وَبِسْطَامَ بْنَ عَمْرٍو التَّغْلِبِيَّ عَلَى أَذْرَبِيجَانَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ نَصْرُ بْنُ مَالِكٍ مِنْ فَالِجٍ أَصَابَهُ، وَوَلَّى الْمَهْدِيُّ بَعْدَهُ شُرْطَتَهُ حَمْزَةَ بْنَ مَالِكٍ، وَصَرَفَ أَبَانَ بْنَ صَدَقَةَ عَنْ هَارُونَ الرَّشِيدِ، وَجَعَلَ مَعَ مُوسَى الْهَادِي، وَجَعَلَ مَعَ هَارُونَ يَحْيَى بْنَ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكٍ.
وَفِيهَا عُزِلَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَبُو ضَمْرَةَ عَنْ مِصْرَ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَوَلِيَهَا سَلَمَةُ بْنُ رَجَاءٍ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ مُوسَى الْهَادِي وَهُوَ وَلِيُّ عَهْدٍ.
(وَكَانَ عَامِلُ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَالْيَمَامَةِ: جَعْفَرَ بْنَ سُلَيْمَانَ، وَعَامِلُ الْيَمَنِ: عَلِيَّ بْنَ
стр. 2593
سُلَيْمَانَ) ، وَكَانَ عَلَى سَوَادِ الْكُوفَةِ: يَزِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَلَى أَحْدَاثِهَا: إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ، وَزَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ أَبُو الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ الْكُوفِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ بْنِ مَنْصُورٍ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّاهِدُ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِبَلْخٍ، وَانْتَقَلَ إِلَى الشَّامِ فَأَقَامَ بِهِ مُرَابِطًا، وَهُوَ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، ذَكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ الْبُسْتِيُّ.
стр. 2594
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ]
١٦٢ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ
ذِكْرُ قَتْلِ عَبْدِ السَّلَامِ الْخَارِجِيِّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ هَاشِمٍ الْيَشْكُرِيُّ بِقِنَّسْرِينَ، وَكَانَ قَدْ خَرَجَ بِالْجَزِيرَةِ، فَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُ، وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ، فَلَقِيَهُ عِدَّةٌ مِنْ قُوَّادِ الْمَهْدِيِّ فِيهِمْ: عِيسَى بْنُ مُوسَى، الْقَائِدُ، فَقَتَلَهُ فِي عِدَّةٍ مِمَّنْ مَعَهُ.
وَهَزَمَ جَمَاعَةً مِنَ الْقُوَّادِ فِيهِمْ شَبِيبُ بْنُ وَاجٍ الْمَرْوَرُّوذِيُّ، فَنَدَبَ الْمَهْدِيُّ إِلَى شَبِيبٍ أَلْفَ فَارِسٍ، وَأَعْطَى كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَلْفَ دِرْهَمٍ مَعُونَةً، فَوَافَوْا شَبِيبًا فَخَرَجَ بِهِمْ فِي طَلَبِ عَبْدِ السَّلَامِ، فَهَرَبَ مِنْهُ، فَأَدْرَكَهُ بِقِنَّسْرِينَ، فَقَاتَلَهُ، فَقُتِلَ بِهَا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَضَعَ الْمَهْدِيُّ دَوَاوِينَ الْأَزِمَّةِ، وَوَلَّى عَلَيْهَا عَمْرَو بْنَ مُرَبَّعٍ مَوْلَاهُ، وَأَجْرَى الْمَهْدِيُّ عَلَى الْمُجَذَّمِينَ وَأَهْلِ السُّجُونِ [الْأَرْزَاقَ] فِي جَمِيعِ الْآفَاقِ.
وَفِيهَا خَرَجَتِ الرُّومُ إِلَى الْحَدَثِ، فَهَدَمُوا سُورَهَا، وَغَزَا الصَّائِفَةَ الْحَسَنُ بْنُ قَحْطَبَةَ فِي ثَمَانِينَ أَلْفَ مُرْتَزِقٍ سِوَى الْمُتَطَوِّعَةِ، فَبَلَغَ حَمَّةَ
стр. 2595
أَذْرُولِيَّةَ، وَأَكْثَرَ التَّحْرِيقَ وَالتَّخْرِيبَ فِي بِلَادِ الرُّومِ، وَلَمْ يَفْتَحْ حِصْنًا، وَلَا لَقِيَ جَمْعًا، وَسَمَّتْهُ الرُّومُ التِّنِّينَ، وَقَالُوا: إِنَّمَا أَتَى الْحَمَّةَ لِيَغْتَسِلَ مِنْ مَائِهَا لِلْوَضَحِ الَّذِي بِهِ، وَرَجَعَ النَّاسُ سَالِمِينَ.
وَفِيهَا غَزَا يَزِيدُ بْنُ أُسَيْدٍ السُّلَمِيُّ مِنْ نَاحِيَةِ قَالِيقَلَا، فَغَنِمَ، وَافْتَتَحَ ثَلَاثَةَ حُصُونٍ، وَسَبَى.
وَفِيهَا عُزِلَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنِ الْيَمَنِ، وَاسْتُعْمِلَ مَكَانَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ (سُلَيْمَانَ، وَعُزِلَ سَلَمَةُ بْنُ رَجَاءٍ عَنْ مِصْرَ، وَوَلِيَهَا عِيسَى بْنُ لُقْمَانَ فِي الْمُحَرَّمِ، وَعُزِلَ) عَنْهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَوَلِيَهَا وَاضِحٌ مَوْلَى الْمَهْدِيِّ، ثُمَّ عُزِلَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَوَلِيَهَا يَحْيَى الْحَرَشِيُّ.
وَفِيهَا خَرَجَتِ الْمُحَمِّرَةُ بِجُرْجَانَ، عَلَيْهِمْ رَجُلٌ اسْمُهُ عَبْدُ الْقَهَّارِ، فَغَلَبَ عَلَيْهَا، وَقَتَلَ بَشَرًا كَثِيرًا، فَغَزَاهُ عُمَرُ بْنُ الْعَلَاءِ مِنْ طَبَرِسْتَانَ، فَقَتَلَهُ عُمَرُ وَأَصْحَابُهُ.
وَكَانَ الْعُمَّالُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، فَكَانَتِ الْجَزِيرَةُ مَعَ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَطَبَرِسْتَانُ وَالرُّويَانُ مَعَ سَعِيدِ بْنِ دَعْلَجٍ، وَجُرْجَانَ مَعَ مُهَلْهِلِ بْنِ صَفْوَانَ.
وَفِيهَا أَرْسَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، شَهِيدَ بْنَ عِيسَى إِلَى دِحْيَةَ
следующие страницы →