Полный текст (6 163 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
عَلَى الْمَهْدِيِّ، فَحَبَسَهُ فِي الْمُطْبِقِ، وَجَاءَ عَمْرُو بْنُ سَهْلَةَ الْأَشْعَرِيُّ، فَادَّعَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَتَلَ أَبَاهُ، وَحَاكَمَهُ عِنْدَ عَافِيَةَ الْقَاضِي، فَتَوَجَّهَ الْحُكْمُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ.
فَجَاءَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ الْعُقَيْلِيُّ إِلَى الْقَاضِي فَقَالَ: زَعَمَ عَمْرُو بْنُ سَهْلَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَتَلَ أَبَاهُ، وَكَذَبَ وَاللَّهِ، مَا قَتَلَ أَبَاهُ غَيْرِي، أَنَا قَتَلْتُهُ بِأَمْرِ مَرْوَانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بَرِيءٌ مِنْ دَمِهِ، فَتُرِكَ عَبْدُ اللَّهِ، وَلَمْ يَعْرِضِ الْمَهْدِيُّ لِعَبْدِ الْعَزِيزِ، لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِأَمْرِ مَرْوَانَ.
وَفِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ ثُمَامَةُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَنَزَلَ بِدَابِقَ.
وَجَاشَتِ الرُّومُ مَعَ مِيخَائِيلَ فِي ثَمَانِينَ أَلْفًا، فَأَتَى عُمْقَ مَرْعَشَ، فَقَتَلَ، وَسَبَى، وَغَنِمَ، وَأَتَى مَرْعَشَ فَحَاصَرَهَا، فَقَاتَلَهُمْ، فَقَتَلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عِدَّةً كَثِيرَةً. وَكَانَ عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ مُرَابِطًا بِحِصْنِ مَرْعَشَ فَانْصَرَفَ الرُّومُ إِلَى جَيْحَانَ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ الْمَهْدِيَّ، فَعَظُمَ عَلَيْهِ، وَتَجَهَّزَ لِغَزْوِ الرُّومِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ صَائِفَةٌ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ.
وَفِيهَا أَمَرَ الْمَهْدِيُّ بِبِنَاءِ الْقُصُورِ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، أَوْسَعَ مِنَ الْقُصُورِ الَّتِي بَنَاهَا السَّفَّاحُ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ إِلَى زُبَالَةَ، وَأَمَرَ بِاتِّخَاذِ الْمَصَانِعِ فِي كُلِّ مَنْهَلٍ مِنْهَا، وَبِتَجْدِيدِ الْأَمْيَالِ وَالْبِرَكِ، وَبِحَفْرِ الرَّكَايَا، وَوَلِيَ ذَلِكَ يَقْطِينُ بْنُ مُوسَى، وَأَمَرَ بِالزِّيَادَةِ فِي مَسْجِدِ الْبَصْرَةِ، وَتَقْصِيرِ الْمَنَابِرِ فِي الْبِلَادِ، وَجَعْلِهَا بِمِقْدَارِ مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْيَوْمِ.
وَفِيهَا أَمَرَ الْمَهْدِيُّ يَعْقُوبَ بْنَ دَاوُدَ بِتَوْجِيهِ الْأُمَنَاءِ فِي جَمِيعِ الْآفَاقِ، فَفَعَلَ فَكَانَ لَا يُنْفِذُ الْمَهْدِيُّ كِتَابًا إِلَى عَامِلٍ فَيَجُوزُ حَتَّى يَكْتُبَ يَعْقُوبُ إِلَى أَمِينِهِ بِإِنْفَاذِ ذَلِكَ.
стр. 2592
وَفِيهَا غَزَا الْغَمْرُ بْنُ الْعَبَّاسِ فِي الْبَحْرِ.
وَفِيهَا وَلِيَ نَصْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ السِّنْدَ، ثُمَّ عُزِلَ بِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ شِهَابٍ، فَبَقِيَ عَبْدُ الْمَلِكِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ عُزِلَ وَأُعِيدَ نَصْرٌ مِنَ الطَّرِيقِ.
وَفِيهَا اسْتَقْضَى الْمَهْدِيُّ عَافِيَةَ الْقَاضِي مَعَ ابْنِ عُلَاثَةَ بِالرُّصَافَةِ.
وَفِيهَا عَزَلَ الْفَضْلَ بْنَ صَالِحٍ عَنِ الْجَزِيرَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَبْدَ الصَّمَدِ بْنَ عَلِيٍّ، وَاسْتَعْمَلَ عِيسَى بْنَ لُقْمَانَ عَلَى مِصْرَ، وَيَزِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ عَلَى سَوَادِ الْكُوفَةِ، وَحَسَّانَ الشَّرَوِيَّ عَلَى الْمَوْصِلِ، وَبِسْطَامَ بْنَ عَمْرٍو التَّغْلِبِيَّ عَلَى أَذْرَبِيجَانَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ نَصْرُ بْنُ مَالِكٍ مِنْ فَالِجٍ أَصَابَهُ، وَوَلَّى الْمَهْدِيُّ بَعْدَهُ شُرْطَتَهُ حَمْزَةَ بْنَ مَالِكٍ، وَصَرَفَ أَبَانَ بْنَ صَدَقَةَ عَنْ هَارُونَ الرَّشِيدِ، وَجَعَلَ مَعَ مُوسَى الْهَادِي، وَجَعَلَ مَعَ هَارُونَ يَحْيَى بْنَ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكٍ.
وَفِيهَا عُزِلَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَبُو ضَمْرَةَ عَنْ مِصْرَ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَوَلِيَهَا سَلَمَةُ بْنُ رَجَاءٍ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ مُوسَى الْهَادِي وَهُوَ وَلِيُّ عَهْدٍ.
(وَكَانَ عَامِلُ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَالْيَمَامَةِ: جَعْفَرَ بْنَ سُلَيْمَانَ، وَعَامِلُ الْيَمَنِ: عَلِيَّ بْنَ
стр. 2593
سُلَيْمَانَ) ، وَكَانَ عَلَى سَوَادِ الْكُوفَةِ: يَزِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَلَى أَحْدَاثِهَا: إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ، وَزَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ أَبُو الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ الْكُوفِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ بْنِ مَنْصُورٍ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّاهِدُ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِبَلْخٍ، وَانْتَقَلَ إِلَى الشَّامِ فَأَقَامَ بِهِ مُرَابِطًا، وَهُوَ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، ذَكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ الْبُسْتِيُّ.
стр. 2594
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ]
١٦٢ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ
ذِكْرُ قَتْلِ عَبْدِ السَّلَامِ الْخَارِجِيِّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ هَاشِمٍ الْيَشْكُرِيُّ بِقِنَّسْرِينَ، وَكَانَ قَدْ خَرَجَ بِالْجَزِيرَةِ، فَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُ، وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ، فَلَقِيَهُ عِدَّةٌ مِنْ قُوَّادِ الْمَهْدِيِّ فِيهِمْ: عِيسَى بْنُ مُوسَى، الْقَائِدُ، فَقَتَلَهُ فِي عِدَّةٍ مِمَّنْ مَعَهُ.
وَهَزَمَ جَمَاعَةً مِنَ الْقُوَّادِ فِيهِمْ شَبِيبُ بْنُ وَاجٍ الْمَرْوَرُّوذِيُّ، فَنَدَبَ الْمَهْدِيُّ إِلَى شَبِيبٍ أَلْفَ فَارِسٍ، وَأَعْطَى كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَلْفَ دِرْهَمٍ مَعُونَةً، فَوَافَوْا شَبِيبًا فَخَرَجَ بِهِمْ فِي طَلَبِ عَبْدِ السَّلَامِ، فَهَرَبَ مِنْهُ، فَأَدْرَكَهُ بِقِنَّسْرِينَ، فَقَاتَلَهُ، فَقُتِلَ بِهَا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَضَعَ الْمَهْدِيُّ دَوَاوِينَ الْأَزِمَّةِ، وَوَلَّى عَلَيْهَا عَمْرَو بْنَ مُرَبَّعٍ مَوْلَاهُ، وَأَجْرَى الْمَهْدِيُّ عَلَى الْمُجَذَّمِينَ وَأَهْلِ السُّجُونِ [الْأَرْزَاقَ] فِي جَمِيعِ الْآفَاقِ.
وَفِيهَا خَرَجَتِ الرُّومُ إِلَى الْحَدَثِ، فَهَدَمُوا سُورَهَا، وَغَزَا الصَّائِفَةَ الْحَسَنُ بْنُ قَحْطَبَةَ فِي ثَمَانِينَ أَلْفَ مُرْتَزِقٍ سِوَى الْمُتَطَوِّعَةِ، فَبَلَغَ حَمَّةَ
стр. 2595
أَذْرُولِيَّةَ، وَأَكْثَرَ التَّحْرِيقَ وَالتَّخْرِيبَ فِي بِلَادِ الرُّومِ، وَلَمْ يَفْتَحْ حِصْنًا، وَلَا لَقِيَ جَمْعًا، وَسَمَّتْهُ الرُّومُ التِّنِّينَ، وَقَالُوا: إِنَّمَا أَتَى الْحَمَّةَ لِيَغْتَسِلَ مِنْ مَائِهَا لِلْوَضَحِ الَّذِي بِهِ، وَرَجَعَ النَّاسُ سَالِمِينَ.
وَفِيهَا غَزَا يَزِيدُ بْنُ أُسَيْدٍ السُّلَمِيُّ مِنْ نَاحِيَةِ قَالِيقَلَا، فَغَنِمَ، وَافْتَتَحَ ثَلَاثَةَ حُصُونٍ، وَسَبَى.
وَفِيهَا عُزِلَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنِ الْيَمَنِ، وَاسْتُعْمِلَ مَكَانَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ (سُلَيْمَانَ، وَعُزِلَ سَلَمَةُ بْنُ رَجَاءٍ عَنْ مِصْرَ، وَوَلِيَهَا عِيسَى بْنُ لُقْمَانَ فِي الْمُحَرَّمِ، وَعُزِلَ) عَنْهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَوَلِيَهَا وَاضِحٌ مَوْلَى الْمَهْدِيِّ، ثُمَّ عُزِلَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَوَلِيَهَا يَحْيَى الْحَرَشِيُّ.
وَفِيهَا خَرَجَتِ الْمُحَمِّرَةُ بِجُرْجَانَ، عَلَيْهِمْ رَجُلٌ اسْمُهُ عَبْدُ الْقَهَّارِ، فَغَلَبَ عَلَيْهَا، وَقَتَلَ بَشَرًا كَثِيرًا، فَغَزَاهُ عُمَرُ بْنُ الْعَلَاءِ مِنْ طَبَرِسْتَانَ، فَقَتَلَهُ عُمَرُ وَأَصْحَابُهُ.
وَكَانَ الْعُمَّالُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، فَكَانَتِ الْجَزِيرَةُ مَعَ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَطَبَرِسْتَانُ وَالرُّويَانُ مَعَ سَعِيدِ بْنِ دَعْلَجٍ، وَجُرْجَانَ مَعَ مُهَلْهِلِ بْنِ صَفْوَانَ.
وَفِيهَا أَرْسَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، شَهِيدَ بْنَ عِيسَى إِلَى دِحْيَةَ
стр. 2596
الْغَسَّانِيِّ، وَكَانَ عَاصِيًا فِي بَعْضِ حُصُونِ إِلْبِيرَةَ، فَقَتَلَهُ، وَسَيَّرَ بَدْرًا مَوْلَاهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ شَجَرَةَ الْبُرُلُّسِيِّ، وَكَانَ قَدْ عَصَى، فَقَتَلَهُ، وَسَيَّرَ أَيْضًا ثُمَامَةَ بْنَ عَلْقَمَةَ إِلَى الْعَبَّاسِ الْبَرْبَرِيِّ، وَهُوَ فِي جَمْعٍ مِنَ الْبَرْبَرِ، وَقَدْ أَظْهَرَ الْعِصْيَانَ فَقَتَلَهُ أَيْضًا وَفَرَّقَ جُمُوعَهُ.
(وَفِيهَا سَيَّرَ جَيْشًا مَعَ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْقُرَشِيِّ إِلَى الْقَائِدِ السُّلَمِيِّ، وَكَانَ حَسَنَ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمِيرِ الْأَنْدَلُسِ، فَشَرِبَ لَيْلَةً، وَقَصَدَ بَابَ الْقَنْطَرَةِ لِيَفْتَحَهُ عَلَى سُكْرٍ مِنْهُ، فَمَنَعَهُ الْحَرَسُ، فَعَادَ، فَلَمَّا صَحَا خَافَ، فَهَرَبَ إِلَى طُلَيْطِلَةَ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِمَّنْ يُرِيدُ الْخِلَافَ وَالشَّرَّ، فَعَاجَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِإِنْفَاذِ الْجُيُوشِ إِلَيْهِ، فَنَازَلَهُ فِي مَوْضِعٍ قَدْ تَحَصَّنَ فِيهِ، وَحَصَرَهُ، ثُمَّ إِنَّ السُّلَمِيَّ طَلَبَ الْبِرَازَ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ مَمْلُوكٌ أَسْوَدُ، فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَوَقَعَا صَرِيعَيْنِ، ثُمَّ مَاتَا جَمِيعًا) .
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ، قَاضِي إِفْرِيقِيَّةَ، وَقَدْ جَاوَزَ تِسْعِينَ سَنَةً، وَسَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّهُ أَكَلَ عِنْدَ يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ سَمَكًا، ثُمَّ شَرِبَ لَبَنًا، وَكَانَ يَحْيَى بْنُ مَاسَوَيْهِ الطَّبِيبُ حَاضِرًا، فَقَالَ: إِنْ كَانَ الطِّبُّ صَحِيحًا، مَاتَ الشَّيْخُ اللَّيْلَةَ، فَتُوُفِّيَ مِنْ لَيْلَتِهِ تِلْكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2597
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ]
١٦٣ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ
ذِكْرُ غَزْوِ الرُّومِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَجَهَّزَ الْمَهْدِيُّ لِغَزْوِ الرُّومِ، فَخَرَجَ وَعَسْكَرَ بِالْبَرَدَانِ، وَجَمَعَ الْأَجْنَادَ مِنْ خُرَاسَانَ وَغَيْرِهَا، وَسَارَ عَنْهَا، وَكَانَ قَدْ تُوُفِّيَ عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَسَارَ الْمَهْدِيُّ مِنَ الْغَدِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى بَغْدَاذَ ابْنَهُ مُوسَى الْهَادِي، وَاسْتَصْحَبَ مَعَهُ ابْنَهُ هَارُونَ الرَّشِيدَ، وَسَارَ عَلَى الْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ، وَعَزَلَ عَنْهَا عَبْدَ الصَّمَدِ بْنَ عَلِيٍّ فِي مَسِيرِهِ ذَلِكَ.
وَلَمَّا حَاذَى قَصْرَ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ لِلْمَهْدِيِّ: إِنَّ لِمَسْلَمَةَ فِي أَعْنَاقِنَا مِنَّةً، كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ مَرَّ بِهِ، فَأَعْطَاهُ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِينَارٍ، وَقَالَ لَهُ: إِذَا نَفِدَتْ فَلَا تَحْتَشِمْنَا، فَأَحْضَرَ الْمَهْدِيُّ وَلَدَ مَسْلَمَةَ وَمَوَالِيَهُ، وَأَمَرَ لَهُمْ بِعِشْرِينَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَجْرَى عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ، وَعَبَرَ الْفُرَاتَ إِلَى حَلَبَ، وَأَرْسَلَ، وَهُوَ بِحَلَبَ، فَجَمَعَ مَنْ بِتِلْكَ النَّاحِيَةِ مِنَ الزَّنَادِقَةِ، فَجُمِعُوا، فَقَتَلَهُمْ، وَقَطَعَ كُتُبَهُمْ بِالسَّكَاكِينِ.
وَسَارَ عَنْهَا مُشَيِّعًا لِابْنِهِ هَارُونَ الرَّشِيدِ، حَتَّى جَازَ الدَّرْبَ وَبَلَغَ جَيْحَانَ، فَسَارَ هَارُونُ، وَمَعَهُ عِيسَى بْنُ مُوسَى، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحٍ، وَالرَّبِيعُ، وَالْحَسَنُ بْنُ قَحْطَبَةَ، وَالْحَسَنُ وَسُلَيْمَانُ ابْنَا بَرْمَكٍ، وَيَحْيَى بْنُ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكٍ، وَكَانَ إِلَيْهِ أَمْرُ الْعَسْكَرِ، وَالنَّفَقَاتِ، وَالْكِتَابَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَسَارُوا فَنَزَلُوا عَلَى حِصْنِ سَمَالُوا، فَحَصَرَهُ هَارُونُ ثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَنَصَبَ عَلَيْهِ الْمَجَانِيقَ، فَفَتَحَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالْأَمَانِ، وَوَفَّى لَهُمْ، وَفَتَحُوا فُتُوحًا كَثِيرَةً.
وَلَمَّا عَادَ الْمَهْدِيُّ مِنَ الْغَزَاةِ زَارَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَمَعَهُ يَزِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَالْفَضْلُ بْنُ صَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، وَقَفَلَ الْمُسْلِمُونَ سَالِمِينَ، إِلَّا مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ.
стр. 2598
وَعَزَلَ الْمَهْدِيُّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ صَالِحٍ عَنْ فَلَسْطِينَ، ثُمَّ رَدَّهُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَّى الْمَهْدِيُّ ابْنَهُ هَارُونَ الْمَغْرِبَ كُلَّهُ، وَأَذْرَبِيجَانَ، وَأَرْمِينِيَّةَ، وَجَعَلَ كَاتِبَهُ عَلَى الْخَرَاجِ ثَابِتَ بْنَ مُوسَى، وَعَلَى رَسَائِلِهِ يَحْيَى بْنَ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكٍ.
وَفِيهَا عُزِلَ زُفَرُ بْنُ عَاصِمٍ عَنِ الْجَزِيرَةِ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ.
وَفِيهَا عَزَلَ الْمَهْدِيُّ مُعَاذَ بْنَ مُسْلِمٍ عَنْ خُرَاسَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا الْمُسَيَّبَ بْنَ زُهَيْرٍ الضَّبِّيَّ، وَعَزَلَ يَحْيَى الْحَرَشِيَّ عَنْ أَصْبَهَانَ، وَوَلَّى مَكَانَهُ الْحَكَمَ بْنَ سَعِيدٍ، وَعَزَلَ سَعِيدَ بْنَ دَعْلَجٍ عَنْ طَبَرِسْتَانَ وَالرُّويَانِ، وَوَلَّاهُمَا عُمَرَ بْنَ الْعَلَاءِ، وَعَزَلَ مُهَلِّلَ بْنَ صَفْوَانَ عَنْ جُرْجَانَ، وَوَلَّاهَا هِشَامَ بْنَ سَعِيدٍ.
(وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ وَالْيَمَامَةِ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) ، وَكَانَ عَلَى الْكُوفَةِ: إِسْحَاقُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ وَفَارِسَ وَالْبَحْرَيْنِ وَالْأَهْوَازِ: مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَلَى السِّنْدِ: نَصْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، وَعَلَى الْمَوْصِلِ: مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عَلِيُّ بْنُ الْمَهْدِيِّ.
وَفِيهَا أَظْهَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، التَّجَهُّزَ لِلْخُرُوجِ إِلَى الشَّامِ بِزَعْمِهِ لِمَحْوِ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ، وَأَخْذِ ثَأْرِهِ مِنْهُمْ، فَعَصَى عَلَيْهِ سُلَيْمَانُ بْنُ يَقْظَانَ،
стр. 2599
وَالْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى (بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُثْمَانَ الْأَنْصَارِيُّ) بِسَرَقُسْطَةَ، وَاشْتَدَّ أَمْرُهُمَا، فَتَرَكَ مَا كَانَ عَزَمَ عَلَيْهِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ مُوسَى بْنُ عُلَيِّ بْنِ رَبَاحٍ اللَّخْمِيُّ بِضَمِّ الْعَيْنِ مُصَغَّرًا (وَرَبَاحٌ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ) .
وَفِيهَا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، وَكَانَ عَالِمًا فَاضِلًا، وَكَانَ مُرْجِئًا مِنْ أَهْلِ نَيْسَابُورَ، وَمَاتَ بِمَكَّةَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْأَشْهَبِ جَعْفَرُ بْنُ حَيَّانَ بِالْبَصْرَةِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ بَكَّارُ بْنُ شُرَيْحٍ، قَاضِي الْمَوْصِلِ بِهَا، وَكَانَ فَاضِلًا، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بِهَا أَبُو مِكْرَزٍ الْفِهْرِيُّ، وَاسْمُهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كُرْزٍ.
стр. 2600
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ]
١٦٤ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا عَبْدُ الْكَبِيرِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ دَرْبِ الْحَدَثِ، فَأَتَاهُ مِيخَائِيلُ الْبِطْرِيقُ، وَطَارَاذُ الْأَرْمَنِيُّ الْبِطْرِيقُ فِي تِسْعِينَ أَلْفًا، فَخَافَ عَبْدُ الْكَبِيرِ، وَمَنَعَ النَّاسَ مِنَ الْقِتَالِ، وَرَجَعَ بِهِمْ، فَأَرَادَ الْمَهْدِيُّ قَتْلَهُ، فَشُفِّعَ فِيهِ فَحَبَسَهُ.
وَفِيهَا عَزَلَ الْمَهْدِيُّ مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ عَنِ الْبَصْرَةِ، وَسَائِرِ أَعْمَالِهِ، وَاسْتَعْمَلَ صَالِحَ بْنَ دَاوُدَ مَكَانَهُ.
وَفِيهَا سَارَ الْمَهْدِيُّ لِيَحُجَّ، فَلَمَّا بَلَغَ الْعَقَبَةَ، وَرَأَى قِلَّةَ الْمَاءِ خَافَ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَحْمِلُ النَّاسَ، وَأَخَذَتْهُ أَيْضًا حُمَّى، فَرَجَعَ، وَسَيَّرَ أَخَاهُ صَالِحًا لِيَحُجَّ بِالنَّاسِ، وَلَحِقَ النَّاسَ عَطَشٌ شَدِيدٌ حَتَّى كَادُوا يَهْلِكُونَ، وَغَضِبَ الْمَهْدِيُّ عَلَى يَقْطِينَ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْمَصَانِعِ.
وَفِيهَا عَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنِ الْيَمَنِ عَنْ سَخْطَةٍ، وَوَجَّهَ مَنْ يَسْتَقْبِلُهُ، وَيُفَتِّشُ مَتَاعَهُ، [وَيُحْصِي مَا مَعَهُ] ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْيَمَنِ مَنْصُورَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مَنْصُورٍ، وَعَلَى إِفْرِيقِيَّةَ يَزِيدَ بْنَ حَاتِمٍ، وَكَانَ الْعُمَّالُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، وَعَلَى الْمَوْصِلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ.
وَفِيهَا سَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ إِلَى سَرَقُسْطَةَ، بَعْدَ أَنْ كَانَ قَدْ سَيَّرَ إِلَيْهَا ثَعْلَبَةَ بْنَ
стр. 2601
عُبَيْدٍ فِي عَسْكَرٍ كَثِيفٍ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَقْظَانَ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى قَدِ اجْتَمَعَا عَلَى خَلْعِ طَاعَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَمَا ذَكَرْنَا، وَهَمَّا بِهَا، فَقَاتَلَهُمَا ثَعْلَبَةُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَفِي بَعْضِ الْأَيَّامِ عَادَ إِلَى مُخَيَّمِهِ، فَاغْتَنَمَ سُلَيْمَانُ غِرَّتَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ، وَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَأَخَذَهُ، وَتَفَرَّقَ عَسْكَرُهُ.
وَاسْتَدْعَى سُلَيْمَانُ قَارْلَهْ مَلِكَ الْإِفْرِنْجِ، وَوَعَدَهُ بِتَسْلِيمِ الْبَلَدِ وَثَعْلَبَةَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ لَمْ يُصْبِحْ بِيَدِهِ غَيْرُ ثَعْلَبَةَ، فَأَخَذَهُ وَعَادَ إِلَى بِلَادِهِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَأْخُذُ بِهِ عَظِيمَ الْفِدَاءِ، فَأَهْمَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مُدَّةً، ثُمَّ وَضَعَ مَنْ طَلَبَهُ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَأَطْلَقُوهُ.
فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةَ سَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَى سَرَقُسْطَةَ، وَفَرَّقَ أَوْلَادَهُ فِي الْجِهَاتِ لِيَدْفَعُوا كُلَّ مُخَالِفٍ، ثُمَّ يَجْتَمِعُونَ بِسَرَقُسْطَةَ، فَسَبَقَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَيْهَا، وَكَانَ الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى قَدْ قَتَلَ سُلَيْمَانَ بْنَ يَقْظَانَ، وَانْفَرَدَ بِسَرَقُسْطَةَ، فَوَافَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ، فَضَيَّقَ عَلَى أَهْلِهَا تَضْيِيقًا شَدِيدًا.
وَأَتَاهُ أَوْلَادُهُ مِنَ النَّوَاحِي، وَمَعَهُمْ كُلُّ مَنْ خَالَفَهُمْ، وَأَخْبَرُوهُ عَنْ طَاعَةِ غَيْرِهِمْ، فَرَغِبَ الْحُسَيْنُ فِي الصُّلْحِ، وَأَذْعَنَ لِلطَّاعَةِ، فَأَجَابَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَصَالَحَهُ، وَأَخَذَ ابْنَهُ سَعِيدًا رَهِينَةً، وَرَجَعَ عَنْهُ.
وَغَزَا بِلَادَ الْفِرِنْجِ، فَدَوَّخَهَا، وَنَهَبَ وَسَبَى وَبَلَغَ قَلَهُرَّةَ، وَفَتَحَ مَدِينَةَ فَكِيرَةَ، وَهَدَمَ قِلَاعَ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَسَارَ إِلَى بِلَادِ الْبَشْكَنْسِ، وَنَزَلَ عَلَى حِصْنِ مَثْمَيْنَ الْأَقْرَعِ، فَافْتَتَحَهُ، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مَلْدُوثُونَ بْنِ أَطْلَالٍ، وَحَصَرَ قَلْعَتَهُ، وَقَصَدَ النَّاسُ جَبَلَهَا، وَقَاتَلُوهُمْ فِيهَا، فَمَلَكُوهَا عَنْوَةً وَخَرَّبَهَا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قُرْطُبَةَ.
وَفِيهَا ثَارَتْ فِتْنَةٌ بَيْنَ بَرْبَرِ بَلَنْسِيَةَ وَبَرْبَرِ شَنْتَ بَرِيَّةَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ، وَجَرَى بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ قُتِلَ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ، وَكَانَتْ وَقَائِعُهُمْ مَشْهُورَةً.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو مُعَاوِيَةَ التَّمِيمِيُّ النَّحْوِيُّ الْبَصْرِيُّ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ.
стр. 2602
وَعِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَمُّ الْمَنْصُورِ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَكَانَ عُمُرُهُ ثَمَانِيًا وَسَبْعِينَ سَنَةً، (وَقِيلَ ثَمَانِينَ سَنَةً) .
وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدِّمَشْقِيُّ، وَسَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ النَّمِرِيُّ الْأَزْدِيُّ، أَبُو رَوْحٍ، وَالْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ الْقُرَشِيُّ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
стр. 2603
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ]
١٦٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ
ذِكْرُ غَزْوَةِ الرُّومِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ الْمَهْدِيُّ ابْنَهُ الرَّشِيدَ لِغَزْوِ الرُّومِ صَائِفَةً، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، فِي خَمْسَةٍ وَتِسْعِينَ أَلْفًا وَتِسْعِمِائَةٍ وَثَلَاثَةٍ وَتِسْعِينَ رُجَلًا، وَمَعَهُ الرَّبِيعُ، فَوَغَلَ هَارُونُ فِي بِلَادِ الرُّومِ، وَلَقِيَهُ عَسْكَرُ نَقِيظَا قَوْمَسِ الْقَوَامِسَةِ فَبَارَزَهُ يَزِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ الشَّيْبَانِيُّ، فَأَثْخَنَهُ يَزِيدُ وَانْهَزَمَتِ الرُّومُ، وَغَلَبَ يَزِيدُ عَلَى عَسْكَرِهِمْ.
وَسَارُوا إِلَى الدُّمُسْتُقِ، وَهُوَ صَاحِبُ الْمَسَالِحِ، فَحَمَلَ لَهُمْ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ وَثَلَاثَةً وَتِسْعِينَ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ دِينَارًا. وَمِنَ الْوَرِقِ أَحَدًا وَعِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ [وَأَرْبَعَمِائَةِ أَلْفٍ] وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا وَثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ.
وَسَارَ الرَّشِيدُ حَتَّى بَلَغَ خَلِيجَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَصَاحِبُ الرُّومِ يَوْمَئِذٍ عَطْسَةُ امْرَأَةُ أَلْيُونَ، وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَهَا كَانَ صَغِيرًا قَدْ هَلَكَ أَبُوهُ وَهُوَ فِي حِجْرِهَا فَجَرَى الصُّلْحُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرَّشِيدِ عَلَى الْفِدْيَةِ، وَأَنْ تُقِيمَ لَهُ الْأَدِلَّاءَ وَالْأَسْوَاقَ فِي الطَّرِيقِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ دَخَلَ مَدْخَلًا ضَيِّقًا مَخوُفًا، فَأَجَابَتْهُ إِلَى ذَلِكَ، وَمِقْدَارُ الْفِدْيَةِ سَبْعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ كُلَّ سَنَةٍ، وَرَجَعَ عَنْهَا.
وَكَانَتِ الْهُدْنَةُ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَكَانَ مِقْدَارُ مَا غَنِمَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى أَنِ اصْطَلَحُوا خَمْسَةَ آلَافِ رَأْسِ سَبْيٍ وَسِتَّمِائَةٍ وَثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعِينَ رَأْسًا، وَمِنَ الدَّوَابِّ الذُّلُلِ بِأَدَوَاتِهَا عِشْرِينَ أَلْفَ رَأْسٍ، وَذُبِحَ مِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ مِائَةُ أَلْفِ رَأْسٍ، وَقُتِلَ مِنَ الرُّومِ، فِي الْوَقَائِعِ، أَرْبَعَةٌ
стр. 2604
وَخَمْسُونَ أَلْفًا، وَقُتِلَ مِنَ الْأُسَارَى صَبْرًا أَلْفَانِ وَتِسْعُونَ أَسِيرًا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُزِلَ خَلَفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّيِّ، وَوَلِيَهَا عِيسَى مَوْلَى جَعْفَرٍ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ صَالِحُ بْنُ الْمَنْصُورِ، وَكَانَ الْعُمَّالُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، غَيْرَ أَنَّ الْبَصْرَةَ كَانَ عَلَى أَحْدَاثِهَا وَالصَّلَاةِ بِهَا رَوْحُ بْنُ حَاتِمٍ، وَكَانَ عَلَى كُوَرِ دِجْلَةَ وَالْبَحْرَيْنِ، وَعُمَانَ وَكَسْكَرَ، وَالْأَهْوَازِ، وَفَارِسَ، وَكَرْمَانَ: الْمُعَلَّى مَوْلَى الْمَهْدِيِّ، وَكَانَ عَلَى الْمَوْصِلِ: أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ.
وَفِيهَا غَدَرَ الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى بِسَرَقُسْطَةَ، فَنَكَثَ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ غَالِبَ بْنَ ثُمَامَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ فِي جُنْدٍ كَثِيفٍ، فَاقْتَتَلُوا، فَأُسِرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحُسَيْنِ فِيهِمُ ابْنُهُ يَحْيَى، فَسَيَّرَهُمْ إِلَى الْأَمِيرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَتَلَهُمْ، وَأَقَامَ ثُمَامَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ عَلَى الْحُسَيْنِ يَحْصُرُهُ.
ثُمَّ إِنَّ الْأَمِيرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ سَارَ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ إِلَى سَرَقُسْطَةَ بِنَفْسِهِ، فَحَصَرَهَا، وَضَايَقَهَا، وَنَصَبَ عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ مَنْجَنِيقًا، فَمَلَكَهَا عَنْوَةً، وَقَتَلَ الْحُسَيْنَ أَقْبَحَ قِتْلَةٍ، وَنَفَى أَهْلَ سَرَقُسْطَةَ مِنْهَا لِيَمِينٍ تَقَدَّمَتْ مِنْهُ، ثُمَّ رَدَّهُمْ إِلَيْهَا.
стр. 2605
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ يَزِيدُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ شَهْرِ بْنِ مَثُوبٍ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ شَهْرٍ ذِي الْجَنَاحِ الْحِمْيَرِيِّ، خَالِ الْمَهْدِيِّ، وَقَدْ كَانَ وَلِيَ الْيَمَنَ وَالْبَصْرَةَ وَالْحَجَّ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ فَتْحُ بْنُ الْوَشَّاحِ الْمَوْصِلِيُّ الزَّاهِدُ.
стр. 2606
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ]
١٦٦ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَخَذَ الْمَهْدِيُّ الْبَيْعَةَ لِوَلَدِهِ هَارُونَ الرَّشِيدِ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ، بَعْدَ أَخِيهِ مُوسَى الْهَادِي، وَلَقَّبَهُ الرَّشِيدَ. وَفِيهَا عُزِلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ عَنْ قَضَاءِ الْبَصْرَةِ، وَاسْتُقْضِيَ خَالِدُ بْنُ طُلَيْقِبْنِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، فَاسْتَعْفَى أَهْلُ الْبَصْرَةِ مِنْهُ.
ذِكْرُ الْقَبْضِ عَلَى يَعْقُوبَ بْنِ دَاوُدَ
وَفِي هَذِهِ سَخِطَ الْمَهْدِيُّ عَلَى وَزِيرِهِ يَعْقُوبَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ طَهْمَانَ، (وَكَانَ أَوَّلُ أَمْرِهِمْ أَنَّ دَاوُدَ بْنَ طَهْمَانَ) ، وَهُوَ أَبُو يَعْقُوبَ، كَانَ يَكْتُبُ لِنَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ، هُوَ وَإِخْوَتُهُ، فَلَمَّا كَانَ أَيَّامُ يَحْيَى بْنِ زَيْدٍ كَانَ دَاوُدُ يُعْلِمُهُ مَا يَسْمَعُهُ مِنْ نَصْرٍ، فَلَمَّا طَلَبَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ بِدَمِ يَحْيَى بْنِ زَيْدٍ أَتَاهُ دَاوُدُ، لِمَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَحْيَى، فَآمَنَهُ أَبُو مُسْلِمٍ فِي نَفْسِهِ، وَأَخَذَ مَالَهُ الَّذِي اسْتَفَادَ أَيَّامَ نَصْرٍ.
فَلَمَّا مَاتَ دَاوُدُ خَرَجَ أَوْلَادُهُ أَهْلَ أَدَبٍ وَعِلْمٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عِنْدَ بَنِي الْعَبَّاسِ مَنْزِلَةٌ، فَلَمْ يَطْمَعُوا فِي خِدْمَتِهِمْ لِحَالِ أَبِيهِمْ مِنْ كِتَابَةِ نَصْرٍ، وَأَظْهَرُوا مَقَالَةَ الزَّيْدِيَّةِ وَدَنَوْا مِنْ آلِ الْحُسَيْنِ، وَطَمِعُوا أَنْ تَكُونَ لَهُمْ دَوْلَةٌ، فَكَانَ دَاوُدُ يَصْحَبُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ أَحْيَانًا.
وَخَرَجَ مَعَهُ هُوَ وَعِدَّةٌ مِنْ إِخْوَتِهِ، فَلَمَّا قُتِلَ إِبْرَاهِيمُ طَلَبَهُمُ الْمَنْصُورُ، فَأَخَذَ يَعْقُوبَ وَعَلِيًّا وَحَبَسَهُمَا، فَلَمَّا تُوُفِّيَ الْمَنْصُورُ أَطْلَقَهُمَا الْمَهْدِيُّ مَعَ مَنْ أَطْلَقَهُ، وَكَانَ مَعَهُمَا الْحَسَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، فَاتَّصَلَ إِلَى الْمَهْدِيِّ بِسَبَبِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
وَقِيلَ: اتَّصَلَ بِهِ بِالسِّعَايَةِ بِآلِ عَلِيٍّ، وَلَمْ يَزَلْ أَمْرُهُ يَرْتَفِعُ، حَتَّى اسْتَوْزَرَهُ.
وَكَانَ الْمَهْدِيُّ يَقُولُ: وُصِفَ لِي يَعْقُوبُ فِي مَنَامِي، فَقِيلَ لِي: اسْتَوْزِرْهُ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ
стр. 2607
رَأَيْتُ الْخِلْقَةَ الَّتِي وُصِفَتْ لِي، فَاتَّخَذْتُهُ وَزِيرًا، فَلَمَّا وَلِيَ الْوِزَارَةَ أَرْسَلَ إِلَى الزَّيْدِيَّةِ، فَجَمَعَهُمْ وَوَلَّاهُمْ أُمُورَ الْخِلَافَةِ فِي الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَشَّارُ بْنُ بُرْدٍ:
بَنِي أُمَيَّةَ هُبُّوا طَالَ نَوْمُكُمُ ... إِنَّ الْخَلِيفَةَ يَعْقُوبُ بْنُ دَاوُدَ
ضَاعَتْ خِلَافَتُكُمْ يَا قَوْمِ فَالْتَمِسُوا ... خَلِيفَةَ اللَّهِ بَيْنَ النَّايِ وَالْعُودِ.
فَحَسَدَهُ مَوَالِي الْمَهْدِيِّ، وَسَعَوْا بِهِ، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ الشَّرْقَ وَالْغَرْبَ فِي يَدِ يَعْقُوبَ وَأَصْحَابِهِ، وَإِنَّمَا يَكْفِيهِ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِمْ فَيَثُورُوا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَيَأْخُذُوا الدُّنْيَا [لِإِسْحَاقَ بْنِ الْفَضْلِ] ، فَمَلَأَ ذَلِكَ قَلْبَ الْمَهْدِيِّ.
وَلَمَّا بَنَى الْمَهْدِيُّ عِيسَابَاذَ أَتَاهُ خَادِمٌ مِنْ خَدَمِهِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أَحْمَدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ لِي: أَبَنَى مُتَنَزَّهًا أَنْفَقَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ أَلْفِ أَلْفٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؟ فَحَفِظَهَا الْمَهْدِيُّ، وَنَسِيَ أَحْمَدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، وَظَنَّ أَنَّ يَعْقُوبَ قَالَهَا، فَبَيْنَمَا يَعْقُوبُ بَيْنَ يَدَيْهِ إِذْ لَبَّبَهُ فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ، وَقَالَ: أَلَسْتَ الْقَائِلَ كَيْتَ وَكَيْتَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا قَلْتُهُ وَلَا سَمِعْتُهُ! قَالَ: وَكَانَ السُّعَاةُ يَسْعَوْنَ لَيْلًا، وَيَتَفَرَّقُونَ وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ يَقْبِضُهُ بُكْرَةً فَإِذَا أَصْبَحَ غَدَا عَلَيْهِ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ تَبَسَّمَ وَسَأَلَهُ عَنْ مَبِيتِهِ.
وَكَانَ الْمَهْدِيُّ مُسْتَهْتِرًا بِالنِّسَاءِ، فَيَخُوضُ يَعْقُوبُ مَعَهُ فِي ذَلِكَ، فَيَفْتَرِقَانِ عَنْ رِضًى
ثُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِيَعْقُوبَ بِرْذَوْنٌ كَانَ يَرْكَبُهُ، فَخَرَجَ يَوْمًا مِنْ عِنْدِ الْمَهْدِيِّ وَعَلَيْهِ طَيْلَسَانٌ يَتَقَعْقَعُ مِنْ كَثْرَةِ دَقِّهِ، وَالْبِرْذَوْنُ مَعَ الْغُلَامِ وَقَدْ نَامَ الْغُلَامُ، فَرَكِبَ يَعْقُوبُ، وَأَرَادَ تَسْوِيَةَ الطَّيْلَسَانِ، فَنَفَرَ مِنْ قَعْقَعَتِهِ فَسَقَطَ، فَدَنَا مِنْ دَابَّتِهِ، فَرَفَسَهُ، فَانْكَسَرَ سَاقُهُ، فَانْقَطَعَ عَنِ الرُّكُوبِ.
فَعَادَهُ الْمَهْدِيُّ مِنَ الْغَدِ، ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْهُ، فَتَمَكَّنَ السُّعَاةُ مِنْهُ، فَأَظْهَرَ الْمَهْدِيُّ السُّخْطَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُجِنَ فِي سِجْنِ نَصْرٍ، وَأُخِذَ عُمَّالُهُ وَأَصْحَابُهُ فَحُبِسُوا.
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ دَاوُدَ: بَعَثَ إِلَيَّ الْمَهْدِيُّ يَوْمًا، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَجْلِسٍ مَفْرُوشٍ بِفَرْشٍ مُوَرَّدٍ عَلَى بُسْتَانٍ فِيهِ شَجَرٌ، وَرُءُوسُ الشَّجَرِ مَعَ صَحْنِ الْمَجْلِسِ، وَقَدِ اكْتَسَى ذَلِكَ الشَّجَرُ بِالْأَزْهَارِ، فَمَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْهُ، وَعِنْدَهُ جَارِيَةٌ عَلَيْهَا نَحْوُ ذَلِكَ الْفَرْشِ مَا رَأَيْتُ أَحْسَنَ مِنْهَا.
فَقَالَ لِي: يَا يَعْقُوبُ! كَيْفَ تَرَى مَجْلِسَنَا هَذَا؟ قُلْتُ: عَلَى
стр. 2608
غَايَةِ الْحُسْنِ، فَمَتَّعَ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ قَالَ: هُوَ لَكَ بِمَا فِيهِ وَهَذِهِ الْجَارِيَةُ لِيَتِمَّ سُرُورُكَ بِهِ، قَالَ: فَدَعَوْتُ لَهُ.
ثُمَّ قَالَ لِي: يَا يَعْقُوبُ، وَلِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ أُحِبُّ أَنْ تَضْمَنَ لِي قَضَاءَهَا، قُلْتُ: الْأَمْرُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلَيَّ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، فَاسْتَحْلَفَنِي بِاللَّهِ وَبِرَأْسِهِ، فَحَلَفْتُ لَأَعْمَلَنَّ بِمَا قَالَ، فَقَالَ: هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ مِنْ وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأُحِبُّ أَنْ تَكْفِيَنِي مَئُونَتَهُ وَتُرِيحَنِي مِنْهُ وَتُعَجِّلَ ذَلِكَ، قُلْتُ: أَفْعَلُ.
فَأَخَذْتُهُ وَأَخَذْتُ الْجَارِيَةَ وَجَمِيعَ مَا فِي الْمَجْلِسِ، وَأَمَرَ لِي بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَلِشِدَّةِ سُرُورِي بِالْجَارِيَةِ صَيَّرْتُهَا فِي مَجْلِسٍ بَيْنِي وَبَيْنَهَا سِتْرٌ، وَأَدْخَلْتُ الْعَلَوِيَّ إِلَيَّ وَسَأَلْتُهُ عَنْ حَالِهِ، فَأَخْبَرَنِي وَإِذَا هُوَ أَعْقَلُ النَّاسِ، وَأَحْسَنُهُمْ إِبَانَةً عَنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ يَا يَعْقُوبُ، تَلْقَى اللَّهَ بِدَمِي، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ !
قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ، فَهَلْ فِيكَ أَنْتَ خَيْرٌ؟ قَالَ: إِنْ فَعَلْتَ خَيْرًا شَكَرْتُ، وَلَكَ عِنْدِي دُعَاءٌ وَاسْتِغْفَارٌ.
فَقُلْتُ: أَيُّ الطُّرُقِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، فَأَرْسَلْتُ إِلَى مَنْ يَثِقُ إِلَيْهِ الْعَلَوِيُّ، فَأَخَذَهُ وَأَعْطَيْتُهُ مَالًا، وَأَرْسَلَتِ الْجَارِيَةُ إِلَى الْمَهْدِيِّ تُعْلِمُهُ الْحَالَ فَأَرْسَلَ إِلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَذَ الْعَلَوِيَّ وَصَاحِبَهُ وَالْمَالَ.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ اسْتَحْضَرَنِي الْمَهْدِيُّ وَسَأَلَنِي عَنِ الْعَلَوِيِّ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي قَتَلْتُهُ، فَاسْتَحْلَفَنِي بِاللَّهِ وَبِرَأْسِهِ، فَحَلَفْتُ لَهُ، فَقَالَ: يَا غُلَامُ أَخْرِجْ إِلَيْنَا مَا فِي هَذَا الْبَيْتِ، فَأَخْرَجَ الْعَلَوِيَّ وَصَاحِبَهُ وَالْمَالَ، فَبَقِيتُ مُتَحَيِّرًا، وَامْتَنَعَ مِنِّي الْكَلَامُ فَمَا أَدْرِي مَا أَقُولُ، فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: قَدْ حَلَّ لِي دَمُكَ، وَلَكِنِ احْبِسُوهُ فِي الْمُطْبِقِ وَلَا أُذَكَّرُ بِهِ.
فَحُبِسْتُ فِي الْمُطْبِقِ، وَاتُّخِذَ لِي فِيهِ بِئْرٌ، فَدُلِّيتُ فِيهَا، فَبَقِيتُ مُدَّةً لَا أَعْرِفُ عَدَدَهَا، وَأُصِبْتُ بِبَصَرِي.
قَالَ: فَإِنِّي لَكَذَلِكَ إِذْ دُعِيَ بِي، وَقِيلَ لِي: سَلِّمْ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ! فَسَلَّمْتُ، قَالَ: أَيُّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنَا؟ قُلْتُ: الْمَهْدِيُّ، قَالَ رَحِمَ اللَّهُ الْمَهْدِيَّ قُلْتُ: فَالْهَادِي، قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ الْهَادِي. قُلْتُ: فَالرَّشِيدُ، قَالَ: نَعَمْ! سَلْ حَاجَتَكَ. قُلْتُ: الْمُقَامُ بِمَكَّةَ، فَمَا بَقِيَ فِيَّ مُسْتَمْتَعٌ لِشَيْءٍ وَلَا بَلَاغٌ، فَأَذِنَ لِي، فَسِرْتُ إِلَى مَكَّةَ، قَالَ: فَلَمْ تَطُلْ أَيَّامُهُ بِهَا حَتَّى مَاتَ.
وَكَانَ يَعْقُوبُ قَدْ ضَجِرَ بِمَوْضِعِهِ قَبْلَ حَبْسِهِ، وَكَانَ أَصْحَابُ الْمَهْدِيِّ يَشْرَبُونَ عِنْدَهُ، فَكَانَ يَعْقُوبُ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَيَعِظُهُ، وَيَقُولُ: لَيْسَ عَلَى هَذَا اسْتَوْزَرْتَنِي، وَلَا عَلَيْهِ
стр. 2609
صَحِبْتُكَ، أَبَعْدَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ يُشْرَبُ عِنْدَكَ النَّبِيذُ؟ فَضَيَّقَ عَلَى الْمَهْدِيِّ حَتَّى قِيلَ:
فَدَعْ عَنْكَ يَعْقُوبَ بْنَ دَاوُدَ جَانِبًا وَأَقْبِلْ عَلَى صَهْبَاءَ طَيِّبَةِ النَّشْرِ
وَقَالَ يَعْقُوبُ يَوْمًا لِلْمَهْدِيِّ فِي أَمْرٍ أَرَادَهُ: هَذَا وَاللَّهِ السَّرَفُ! فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: وَيْحَكَ يَا يَعْقُوبُ، إِنَّمَا يَحْسُنُ السَّرَفُ بِأَهْلِ الشَّرَفِ. وَلَوْلَا السَّرَفُ لَمْ يُعْرَفِ الْمُكْثِرُونَ مِنَ الْمُقِلِّينَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الْمَهْدِيُّ إِلَى جُرْجَانَ، وَجَعَلَ عَلَى قَضَائِهِ أَبَا يُوسُفَ [يَعْقُوبَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ] .
وَفِيهَا أَمَرَ الْمَهْدِيُّ بِإِقَامَةِ الْبَرِيدِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَنِ، بِبِغَالٍ وَإِبِلٍ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ بَرِيدٌ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَفِيهَا اضْطَرَبَتْ خُرَاسَانُ عَلَى الْمُسَيَّبِ بْنِ زُهَيْرٍ، فَوَلَّاهَا الْفَضْلَ بْنَ سُلَيْمَانَ الطُّوسِيَّ أَبَا الْعَبَّاسِ. وَأَضَافَ إِلَيْهِ سِجِسْتَانَ، فَاسْتَخْلَفَ عَلَى سِجِسْتَانَ تَمِيمَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ دَعْلَجٍ.
وَفِيهَا أَخَذَ الْمَهْدِيُّ دَاوُدَ بْنَ رَوْحِ بْنِ حَاتِمٍ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنَ مُجَالِدٍ، وَمُحَمَّدَ بْنَ أَبِي أَيُّوبَ الْمَكِّيَّ، وَمُحَمَّدَ بْنَ طَيْفُورَ فِي الزَّنْدَقَةِ، فَاسْتَتَابَهُمْ وَخَلَّى سَبِيلَهُمْ، وَبَعَثَ دَاوُدَ إِلَى أَبِيهِ، وَهُوَ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَأَمَرَهُ بِتَأْدِيبِهِ.
وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ وَالطَّائِفِ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ قُثَمَ.
стр. 2610
وَفِيهَا عُزِلَ مَنْصُورُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَنْصُورٍ عَنِ الْيَمَنِ، وَاسْتُعْمِلَ [مَكَانَهُ] عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّبْعِيُّ.
وَفِيهَا أَطْلَقَ الْمَهْدِيُّ عَبْدَ الصَّمَدِ بْنَ عَلِيٍّ مِنْ حَبْسِهِ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى.
وَكَانَ عَلَى الْكُوفَةِ: هَاشِمُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ: رَوْحُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَلَى قَضَائِهَا: خَالِدُ بْنُ طُلَيْقٍ، وَعَلَى كُوَرِ دِجْلَةَ، وَكَسْكَرَ، وَأَعْمَالِ الْبَصْرَةِ وَالْبَحْرَيْنِ، وَالْأَهْوَازِ، وَفَارِسَ، وَكَرْمَانَ: الْمُعَلَّى مَوْلَى الْمَهْدِيِّ.
وَعَلَى مِصْرَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ صَالِحٍ، وَعَلَى إِفْرِيقِيَّةَ: يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَلَى طَبَرِسْتَانَ، وَالرُّويَانِ، وَجُرْجَانَ: يَحْيَى الْحَرَشِيُّ، وَعَلَى دُنْبَاوَنْدَ وَقُومِسَ: فَرَاشَةُ مَوْلَى الْمَهْدِيِّ، وَعَلَى الرَّيِّ: سَعْدٌ مَوْلَاهُ.
وَعَلَى الْمَوْصِلِ أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْهَاشِمِيُّ، وَقِيلَ: مُوسَى بْنُ كَعْبٍ الْخَثْعَمِيُّ، وَعَلَى قَضَائِهَا: عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرِ بْنِ عُمَيْرٍ.
وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ صَائِفَةٌ، لِلْهُدْنَةِ [الَّتِي كَانَتْ فِيهَا] .
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا قُتِلَ بَشَّارُ بْنُ بُرْدٍ الشَّاعِرُ الْأَعْمَى عَلَى الزَّنْدَقَةِ، وَكَانَ خُلِقَ مَمْسُوحَ الْعَيْنَيْنِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْجَرَّاحُ بْنُ مُلَيْحٍ الرُّؤَاسِيُّ، وَهُوَ وَالِدُ وَكِيعٍ.
стр. 2611
وَفِيهَا تُوُفِّيَ (الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ) ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ الْبَصْرِيُّ.
وَفِيهَا قَتَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ ابْنَ أَخِيهِ الْمُغِيرَةَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ، وَهُذَيْلَ بْنَ الصُّمَيْلِ، وَسَمُرَةَ بْنَ جَبَلَةَ، لِأَنَّهُمُ اجْتَمَعُوا عَلَى خَلْعِهِ مَعَ الْعَلَاءِ بْنِ حُمَيْدٍ الْقُشَيْرِيُّ، فَتَقَرَّبَ بِهِمْ.
стр. 2612
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ]
١٦٧ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ
[ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ]
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ مُوسَى الْهَادِي إِلَى جُرْجَانَ فِي جَمْعٍ كَثِيفٍ وَجَهَازٍ لَمْ يَتَجَهَّزْ أَحَدٌ بِمِثْلِهِ لِمُحَارَبَةِ وَنْدَادَ هُرْمُزَ، وَشَرْوِينَ، صَاحِبَيْ طَبَرِسْتَانَ، وَجَعَلَ الْمَهْدِيُّ عَلَى رَسَائِلِ مُوسَى أَبَانَ بْنَ صَدَقَةَ، وَمُحَمَّدَ بْنَ جُمَيْلٍ عَلَى جُنْدِهِ، وَنُفَيْعًا مَوْلَى الْمَنْصُورِ عَلَى حِجَابَتِهِ، وَعَلِيَّ بْنَ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ، عَلَى حَرَسِهِ، فَسَيَّرَ الْهَادِي الْجُنُودَ إِلَيْهِمَا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ يَزِيدَ بْنَ مَزْيَدٍ، فَحَاصَرَهُمَا.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عِيسَى بْنُ مُوسَى بِالْكُوفَةِ، فَأَشْهَدَ رَوْحُ بْنُ حَاتِمٍ عَلَى وَفَاتِهِ الْقَاضِي وَجَمَاعَةً مِنَ الْوُجُوهِ، وَدُفِنَ، وَكَانَ عُمُرُهُ خَمْسًا وَسِتِّينَ سَنَةً، وَمُدَّةُ وِلَايَتِهِ الْعَهْدَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ وِلَايَتِهِ الْعَهْدَ وَعَزْلِهِ عَنْهُ.
وَفِيهَا جَدَّ الْمَهْدِيُّ فِي طَلَبِ الزَّنَادِقَةِ، فَأَخَذَ يَزِيدَ بْنَ الْفَيْضِ، فَأَقَرَّ، فَحُبِسَ، فَهَرَبَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ. وَكَانَ الْمُتَوَلِّي لِأَمْرِ الزَّنَادِقَةِ [عُمَرَ] الْكَلْوَذَانِيَّ.
وَفِيهَا عَزَلَ الْمَهْدِيُّ أَبَا عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ دِيوَانِ الرَّسَائِلِ وَوَلَّاهُ الرَّبِيعَ.
وَفِيهَا كَانَ الْوَبَاءُ بِبَغْدَاذَ وَالْبَصْرَةِ، وَفَشَا فِي النَّاسِ سُعَالٌ شَدِيدٌ.
стр. 2613
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبَانُ بْنُ صَدَقَةَ، كَاتِبُ الْهَادِي، فَوَجَّهَ الْمَهْدِيُّ مَكَانَهُ أَبَا خَالِدٍ الْأَحْوَلَ.
وَفِيهَا أَمَرَ الْمَهْدِيُّ بِالزِّيَادَةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ فَدَخَلَتْ فِيهِ دُورٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ الْمُتَوَلِّي لِبِنَائِهِ يَقْطِينَ بْنَ مُوسَى، فَبَقِيَ الْبِنَاءُ فِيهِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ الْمَهْدِيُّ.
وَكَذَلِكَ أَمَرَ بِالزِّيَادَةِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ بِالْمَوْصِلِ، وَرَأَيْتُ لَوْحًا فِيهِ ذِكْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ فِي حَائِطِ الْجَامِعِ، سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّمِائَةٍ (وَهُوَ بَاقٍ) .
وَفِيهَا عُزِلَ يَحْيَى الْحَرَشِيُّ عَنْ طَبَرِسْتَانَ وَالرُّويَانِ، وَمَا كَانَ إِلَيْهِ، وَوَلِيَهُ عُمَرُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَوَلِيَ جُرْجَانَ فَرَاشَةُ مَوْلَى الْمَهْدِيِّ.
وَفِيهَا أَظْلَمَتِ الدُّنْيَا لِثَلَاثٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، حَتَّى تَعَالَى النَّهَارُ.
وَلَمْ يَكُنْ صَائِفَةً لِلْهُدْنَةِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ عَلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ تُوُفِّيَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْحَجِّ بِأَيَّامٍ، وَتَوَلَّى مَكَانَهُ إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَلِيٍّ.
стр. 2614
وَفِيهَا طُعِنَ عُقْبَةُ بْنُ سَلْمٍ الْهُنَائِيُّ، اغْتَالَهُ رَجُلٌ بِخِنْجَرٍ، فَمَاتَ بِبَغْدَاذَ.
وَكَانَ عَلَى الْيَمَنِ: سُلَيْمَانُ بْنُ يَزِيدَ الْحَارِثِيُّ، وَعَلَى الْيَمَامَةِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيُّ، وَكَانَ عَلَى الْبَصْرَةِ: مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَلَى قَضَائِهَا: عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ التَّيْمِيُّ، وَعَلَى الْمَوْصِلِ: أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْهَاشِمِيُّ، وَقِيلَ مُوسَى بْنُ كَعْبٍ، وَبَاقِي الْأَمْصَارِ كَمَا تَقَدَّمَ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ جَعْفَرٌ الْأَحْمَرُ أَبُو شَيْبَةَ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ وَكَانَ شِيعِيًّا عَابِدًا، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّنُوخِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ.
وَفِيهَا أَفْسَدَ الْعَرَبُ فِي بَادِيَةِ الْبَصْرَةِ بَيْنَ الْيَمَامَةِ وَالْبَحْرَيْنِ، وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ، وَانْتَهَكُوا الْمَحَارِمَ، وَتَرَكُوا الصَّلَاةَ، فَأَرْسَلَ الْمَهْدِيُّ إِلَيْهِمْ جَيْشًا، فَقَاتَلَهُمْ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَصَبَرَ الْعَرَبُ، فَظَفِرُوا، وَقَتَلُوا عَامَّةَ الْعَسْكَرِ الْمُنْفَذِ إِلَيْهِمْ فَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُمْ وَزَادَ شَرُّهُمْ.
стр. 2615
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ]
١٦٨ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَمَضَانَ، نَقَضَ الرُّومُ الصُّلْحَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى أَنْ نَقَضُوهُ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ شَهْرًا، فَوَجَّهَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَهُوَ عَلَى الْجَزِيرَةِ وَقِنَّسْرِينَ، يَزِيدَ بْنَ الْبَدْرِ بْنِ الْبَطَّالِ فِي خَيْلٍ فَغَنِمُوا وَظَفِرُوا.
ذِكْرُ الْخَوَارِجِ بِالْمَوْصِلِ
وَفِيهَا خَرَجَ بِأَرْضِ الْمَوْصِلِ خَارِجِيٌّ اسْمُهُ يَاسِينُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَسْكَرُ الْمَوْصِلِ، فَهَزَمَهُمْ، وَغَلَبَ عَلَى أَكْثَرِ دِيَارِ رَبِيعَةَ وَالْجَزِيرَةِ، وَكَانَ يَمِيلُ إِلَى مَقَالَةِ صَالِحِ بْنِ مُسَرَّحٍ الْخَارِجِيِّ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْمَهْدِيُّ أَبَا هُرَيْرَةَ بْنَ فُرُّوخَ الْقَائِدَ، وَهَرْثَمَةَ بْنَ أَعْيَنَ مَوْلَى بَنِي ضَبَّةَ، فَحَارَبَاهُ، فَصَبَرَ لَهُمَا، حَتَّى قُتِلَ وَعِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ.
ذِكْرُ مُخَالِفَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ بِالْأَنْدَلُسِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ ثَارَ أَبُو الْأَسْوَدِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيُّ بِالْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ: أَنَّهُ كَانَ فِي سِجْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِقُرْطُبَةَ مِنْ حِينِ هَرَبَ أَبُوهُ، وَقُتِلَ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَحُبِسَ أَبُو الْأَسْوَدِ، وَتَعَامَى فِي الْحَبْسِ، فَصَارَ يُحَاكِي الْعُمْيَانَ، وَلَا يَطْرِفُ عَيْنَهُ لِشَيْءٍ، وَبَقِيَ دَهْرًا طَوِيلًا، حَتَّى صَحَّ عِنْدَ الْأَمِيرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيِّ ذَلِكَ.
وَكَانَ فِي أَقْصَى السِّجْنِ سِرْدَابٌ يُفْضِي إِلَى النَّهْرِ الْأَعْظَمِ يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَسْجُونُونَ فَيَقْضُونَ حَوَائِجَهُمْ مِنْ غُسْلٍ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ الْمُوَكَّلُونَ يُهْمِلُونَ أَبَا الْأَسْوَدِ لِعَمَاهُ، فَإِذَا رَجَعَ مِنَ النَّهْرِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ الْأَعْمَى عَلَى مَوْضِعِهِ؟
وَكَانَ مَوْلًى لَهُ يُحَادِثُهُ عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ، وَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِخَيْلٍ
стр. 2616
يَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، فَخَرَجَ يَوْمًا وَمَوْلَاهُ يَنْتَظِرُهُ، فَعَبَرَ النَّهْرَ سِبَاحَةً، وَرَكِبَ الْخَيْلَ، وَلَحِقَ بِطُلَيْطِلَةَ، فَاجْتَمَعَ لَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَرَجَعَ بِهِمْ إِلَى قِتَالِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيِّ، فَالْتَقَيَا عَلَى الْوَادِي الْأَحْمَرِ بِقَسْطَلُونَةَ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، ثُمَّ انْهَزَمَ أَبُو الْأَسْوَدِ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ سِوَى مَنْ تَرَدَّى فِي النَّهْرِ، وَاتَّبَعَهُ الْأُمَوِيُّ يَقْتُلُ مَنْ لَحِقَ، حَتَّى جَاوَزَ قَلْعَةَ الرَّبَاحِ.
ثُمَّ جَمَعَ، وَعَادَ إِلَى قِتَالِ الْأُمَوِيِّ، فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَسِتِّينَ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِمُقَدِّمَةِ الْأُمَوِيِّ انْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَهُوَ مَعَهُمْ، فَأَخَذَ عِيَالَهُ، وَقُتِلَ أَكْثَرُ رِجَالِهِ، وَبَقِيَ إِلَى سَنَةِ سَبْعِينَ، فَهَلَكَ بِقَرْيَةٍ (مِنْ أَعْمَالِ طُلَيْطِلَةَ) .
وَقَامَ بَعْدَهُ أَخُوهُ قَاسِمٌ، وَجَمَعَ جَمْعًا، فَغَزَاهُ الْأَمِيرُ، فَجَاءَ إِلَيْهِ بِغَيْرِ أَمَانٍ فَقَتَلَهُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَفِيهَا هَلَكَ شِيلُونَ مَلِكُ جِلِّيقِيَّةَ، فَوَلَّوْا مَكَانَهُ أَذْفُونَشَ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ مُورْقَاطُ، فَقَتَلَهُ، فَاخْتَلَّ أَمْرُهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ نَائِبُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِطُلَيْطِلَةَ فِي عَسَاكِرِهِ، فَقَتَلَ، وَغَنِمَ، وَسَبَى ثُمَّ عَادَ سَالِمًا.
(وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ وَاسُولَ مُقَدَّمُ الْخَوَارِجِ الصُّفْرِيَّةِ بِسِجِلْمَاسَةَ فُجَاءَةً فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَشَهْرًا، وَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ إِلْيَاسُ) .
وَفِيهَا سَيَّرَ الْمَهْدِيُّ سَعِيدًا الْحَرَشِيَّ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا إِلَى طَبَرِسْتَانَ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ عُمَرُ الْكَلْوَذَانِيُّ، صَاحِبُ الزَّنَادِقَةِ، وَوَلِيَ مَكَانَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ حَمْدَوَيْهِ، فَقَتَلَ مِنَ الزَّنَادِقَةِ خَلْقًا كَثِيرًا.
стр. 2617
وَحَجَّ بِالنَّاسِ عَلِيُّ بْنُ الْمَهْدِيِّ الَّذِي يُقَالُ لَهُ ابْنُ رَيْطَةَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ يَحْيَى بْنُ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ قَاضِي الْبَصْرَةِ، وَمِنْدَلُ بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُلَاثَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ الْقَاضِي.
وَالْحَسَنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ قَدِ اسْتَعْمَلَهُ الْمَنْصُورُ عَلَى الْمَدِينَةِ خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ عَزَلَهُ، وَحَبَسَهُ بِبَغْدَاذَ، وَأَخَذَ مَالَهُ. فَلَمَّا وَلِيَ الْمَهْدِيُّ أَخْرَجَهُ وَرَدَّ عَلَيْهِ مَالَهُ، وَكَانَ جَوَادًا إِلَّا أَنَّهُ كَانَ مُنْحَرِفًا عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، مَائِلًا إِلَى الْمَنْصُورِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَعَبْثَرُ بْنُ الْقَاسِمِ.
(عَبْثَرُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ) .
стр. 2618
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ]
١٦٩ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ
ذِكْرُ مَوْتِ الْمَهْدِيِّ
فِي هَذِهِ [السَّنَةِ] مَاتَ الْمَهْدِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَنْصُورِ بِمَاسَبَذَانَ، وَسَبَبُ خُرُوجِهِ إِلَيْهَا أَنَّهُ قَدْ عَزَمَ عَلَى خَلْعِ ابْنِهِ مُوسَى الْهَادِي وَالْبَيْعَةِ لِلرَّشِيدِ. (بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ وَتَقْدِيمِهِ عَلَى الْهَادِي) ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ، وَهُوَ بِجُرْجَانَ، فِي الْمَعْنَى، فَلَمْ يَفْعَلْ.
فَبَعَثَ إِلَيْهِ فِي الْقُدُومِ عَلَيْهِ، فَضَرَبَ الرَّسُولَ، وَامْتَنَعَ مِنَ الْقُدُومِ عَلَيْهِ، فَسَارَ الْمَهْدِيُّ يُرِيدُهُ، فَلَمَّا بَلَغَ مَاسَبَذَانَ أَكَلَ طَعَامًا ثُمَّ قَالَ إِنِّي دَاخِلٌ إِلَى الْبَهْوِ أَنَامُ، فَلَا تُوقِظُونِي، حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّذِي أَنْتَبِهُ، فَدَخَلَهُ، فَنَامَ وَنَامَ أَصْحَابُهُ، فَاسْتَيْقَظُوا بِبُكَائِهِ، فَأَتَوْهُ مُسْرِعِينَ، فَقَالَ: وَقَفَ عَلَى الْبَابِ رَجُلٌ فَقَالَ:
كَأَنِّي بِهَذَا الْقَصْرِ قَدْ بَادَ أَهْلُهُ وَأَوْحَشَ مِنْهُ رَبْعُهُ وَمَنَازِلُهُ وَصَارَ عَمِيدُ الْقَوْمِ مِنْ بَعْدِ بَهْجَةٍ وَمُلْكٍ إِلَى قَبْرٍ عَلَيْهِ جَنَادِلُهُ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا ذِكْرُهُ وَحَدِيثُهُ تُنَادِي عَلَيْهِ مُعْوِلَاتٍ حَلَائِلُهْ فَبَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَمَاتَ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ مَوْتِهِ فَقِيلَ إِنَّهُ كَانَ يَتَصَيَّدُ، فَطَرَدَتِ الْكِلَابُ ظَبْيًا، وَتَبِعَتْهُ، فَدَخَلَ بَابَ خَرِبَةً، وَدَخَلَتِ الْكِلَابُ خَلْفَهُ، ثُمَّ تَبِعَهَا فَرَسُ الْمَهْدِيِّ، فَدَخَلَهَا فَدَقَّ الْبَابُ
стр. 2619
ظَهْرَهُ، فَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ.
وَقِيلَ: بَلْ بَعَثَتْ جَارِيَةٌ مِنْ جَوَارِيهِ إِلَى ضَرَّةٍ لَهَا بِلِبَإٍ فِيهِ سُمٌّ، فَدَعَا بِهِ الْمَهْدِيُّ فَأَكَلَ مِنْهُ، فَخَافَتِ الْجَارِيَةُ أَنْ تَقُولَ إِنَّهُ مَسْمُومٌ، فَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ.
وَقِيلَ: بَلْ عَمَدَتْ حَسَنَةُ - جَارِيَةٌ لَهُ - إِلَى كُمَّثْرَى، (فَأَهْدَتْهُ إِلَى جَارِيَةٍ أُخْرَى كَانَ الْمَهْدِيُّ يَتَحَظَّاهَا، وَسَمَّتْ مِنْهُ كُمَّثْرَاةً) هِيَ أَحْسَنُ الْكُمَّثْرَى، فَاجْتَازَ بِالْمَهْدِيِّ، فَدَعَا بِهِ وَكَانَ يُحِبُّ الْكُمَّثْرَى، فَأَخَذَ تِلْكَ الْكُمَّثْرَاةَ الْمَسْمُومَةَ فَأَكَلَهَا، فَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَى جَوْفِهِ صَاحَ: جَوْفِي جَوْفِي! فَسَمِعَتْ صَوْتَهُ فَجَاءَتْ تَلْطِمُ وَجْهَهَا وَتَبْكِي وَتَقُولُ: أَرَدْتُ أَنْ أَنْفَرِدَ بِكَ، فَقَتَلْتُكَ! فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ، وَرَجَعَتْ حَسَنَةُ وَعَلَى قُبَّتِهَا الْمُسُوحُ، فَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ فِي ذَلِكَ:
رُحْنَ فِي الْوَشْيِ وَأَقْبَلْنَ ... عَلَيْهِنَّ الْمُسُوحُ كُلُّ نَطَّاحٍ
مِنَ الدُّنْ يَا لَهُ يَوْمٌ نَطُوحُ ... لَسْتَ بِالْبَاقِي وَلَوْ عَمَّرْتَ مَا عَمَّرَ نُوحُ
فَعَلَى نَفْسِكَ نُحْ إِنْ كُنْتَ لَابُدَّ تَنُوحُ
وَكَانَ مَوْتُهُ فِي الْمُحَرَّمِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْهُ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ عَشْرَ سِنِينَ وَشَهْرًا، وَقِيلَ: عَشْرَ سِنِينَ وَتِسْعَةً وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَتُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ تَحْتَ جَوْزَةٍ كَانَ يَجْلِسُ تَحْتَهَا، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ الرَّشِيدُ، وَكَانَ أَبْيَضَ طَوِيلًا، وَقِيلَ أَسْمَرَ بِإِحْدَى عَيْنَيْهِ نُكْتَةُ بَيَاضٍ.
ذِكْرُ بَعْضِ سِيرَتِهِ
كَانَ الْمَهْدِيُّ، إِذَا جَلَسَ لِلْمَظَالِمِ، قَالَ: أَدْخِلُوا عَلَيَّ الْقُضَاةَ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ رَدِّي الْمَظَالِمَ إِلَّا لِلْحَيَاءِ مِنْهُمْ [لَكَفَى] .
стр. 2620
وَعَتَبَ الْمَهْدِيُّ عَلَى بَعْضِ الْقُوَّادِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَقَالَ لَهُ فِي آخِرِ ذَلِكَ: إِلَى مَتَى تُذْنِبُ [إِلَيَّ وَأَعْفُو] ؟ قَالَ: إِلَى أَبَدٍ نُسِيءُ، وَيُبْقِيكَ اللَّهُ فَتَعْفُوَ عَنَّا، فَاسْتَحْيَا مِنْهُ وَرَضِيَ عَنْهُ.
وَقَالَ مِسْوَرُ بْنُ مُسَاوِرٍ: ظَلَمَنِي وَكِيلُ الْمَهْدِيِّ، وَغَصَبَنِي ضَيْعَةً لِي، فَكَتَبْتُ إِلَى الْمَهْدِيِّ أَتَظَلَّمُ، فَوَصَلْتُ الرُّقْعَةَ وَعِنْدَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُلَاثَةَ، وَعَافِيَةُ الْقَاضِي، فَاسْتَدْنَانِي الْمَهْدِيُّ، وَسَأَلَنِي عَنْ حَالِي، فَذَكَرْتُهُ، فَقَالَ: أَتَرْضَى بِأَحَدِ هَذَيْنِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ! فَاسْتَدْنَانِي حَتَّى الْتَزَقْتُ بِالْفِرَاشِ، وَحَاكَمَنِي، فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي: أَطْلِقْهَا لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، فَقَالَ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ: وَاللَّهِ لَهَذَا الْمَجْلِسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ.
وَخَرَجَ الْمَهْدِيُّ مُتَنَزِّهًا، وَمَعَهُ عُمَرُ بْنُ رَبِيعٍ مَوْلَاهُ، فَانْقَطَعَا فِي الصَّيْدِ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَأَصَابَ الْمَهْدِيَّ جُوعٌ، فَقَالَ: هَلْ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقِيلَ لَهُ: نَرَى كُوخًا، فَقَصَدُوهُ، فَإِذَا فِيهِ نَبَطِيٌّ، وَعِنْدَهُ مَبْقَلَةٌ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلَامَ، فَقَالُوا: هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟ فَقَالَ: عِنْدِي رُبَيْثَاءُ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الصَّحْنَاةِ، وَعِنْدِي خُبْزُ شَعِيرٍ، فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: (إِنْ كَانَ عِنْدَكَ زَيْتٌ، فَقَدْ أَكْمَلْتَ. قَالَ: نَعَمْ، وَكُرَّاثٌ، فَأَتَاهُمَا بِذَلِكَ، فَأَكَلَا حَتَّى شَبِعَا. فَقَالَ الْمَهْدِيُّ) لِعُمَرَ بْنِ رَبِيعٍ: قُلْ فِي هَذَا شِعْرًا، فَقَالَ:
إِنَّ مَنْ يُطْعِمُ الرُّبَيْثَاءَ بِالزَّيْتِ ... وَخُبْزِ الشَّعِيرِ بِالْكُرَّاثِ
لَحَقِيقٌ بِصَفْعَةٍ أَوْ بِثِنْتَيْنِ ... لِسُوءِ الصَّنِيعِ أَوْ بِثَلَاثِ
فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: بِئْسَ مَا قُلْتَ! إِنَّمَا هُوَ:
لَحَقِيقٌ بِبَدْرَةٍ أَوْ بِثِنْتَيْنِ ... لِحُسْنِ الصَّنِيعِ أَوْ بِثَلَاثِ
قَالَ: وَوَافَاهُمُ الْعَسْكَرُ، وَالْخَزَائِنُ، وَالْخَدَمُ، فَأَمَرَ لِلنَّبَطِيِّ بِثَلَاثِ بِدَرٍ وَانْصَرَفَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْوَصِيفُ: أَصَابَتْنَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ أَيَّامَ الْمَهْدِيِّ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَسُوقُنَا إِلَى
стр. 2621
الْمَحْشَرِ، فَخَرَجْتُ أَطْلُبُ الْمَهْدِيَّ، فَوَجَدْتُهُ وَاضِعًا خَدَّهُ عَلَى الْأَرْضِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ احْفَظْ مُحَمَّدًا فِي أُمَّتِهِ! اللَّهُمَّ لَا تُشْمِتْ بِنَا أَعْدَاءَنَا مِنَ الْأُمَمِ! اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ أَخَذْتَ هَذَا الْعَالَمَ بِذَنْبِي، فَهَذِهِ نَاصِيَتِي بَيْنَ يَدَيْكَ. قَالَ: فَمَا لَبِثْنَا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى انْكَشَفَتِ الرِّيحُ. (وَزَالَ عَنَّا) مَا كُنَّا فِيهِ.
وَلَمَّا حَضَرَتِ الْقَاسِمَ بْنَ مُجَاشِعٍ التَّمِيمِيَّ الْمَرْوَزِيَّ الْوَفَاةُ أَوْصَى إِلَى الْمَهْدِيِّ فَكَتَبَ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] الْآيَةَ، ثُمَّ كَتَبَ: وَالْقَاسِمُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ، وَيَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَصِيُّ رَسُولِ اللَّهِ، وَوَارِثُ الْإِمَامَةِ مِنْ بَعْدِهِ، فَعُرِضَتِ الْوَصِيَّةُ عَلَى الْمَهْدِيِّ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ رَمَى بِهَا، وَلَمْ يَنْظُرْ فِيهَا.
وَقَالَ الرَّبِيعُ: رَأَيْتُ الْمَهْدِيَّ يُصَلِّي فِي بَهْوٍ لَهُ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ، فَمَا أَدْرِي أَهُوَ أَحْسَنُ أَمِ الْبَهْوُ أَمِ الْقَمَرُ أَمْ ثِيَابُهُ، فَقَرَأَ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] .
قَالَ: فَتَمَّمَ صَلَاتَهُ، ثُمَّ الْتَفَتَ وَقَالَ: يَا رَبِيعُ! قُلْتُ: لَبَّيْكَ! قَالَ: [عَلَيَّ] بِمُوسَى، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَنْ مُوسَى؟ ابْنُهُ أَمْ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ، وَكَانَ مَحْبُوسًا عِنْدِي؟ فَجَعَلْتُ أُفَكِّرُ، فَقُلْتُ: مَا هُوَ إِلَّا مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ، فَأَحْضَرْتُهُ، فَقَطَعَ صَلَاتَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُوسَى! إِنِّي قَرَأْتُ هَذِهِ الْآيَةَ، فَخِفْتُ أَنْ أَكُونَ قَدْ قَطَعْتُ رَحِمَكَ، فَوَثِّقْ لِي أَنَّكَ لَا تَخْرُجُ [عَلَيَّ] . قَالَ: نَعَمْ، فَوَثَّقَ لَهُ فَخَلَّاهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، فِي آخِرِ سُلْطَانِ بَنِي أُمَيَّةَ، كَأَنِّي دَخَلْتُ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَنَظَرْتُ فِي الْكِتَابِ الَّذِي فِي الْمَسْجِدِ بِالْفُسَيْفِسَاءِ، فَإِذَا فِيهِ: مِمَّا أَمَرَ بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَإِذَا قَائِلٌ يَقُولُ: يَمْحُو هَذَا الْكِتَابَ وَيَكْتُبُ اسْمَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ
стр. 2622
يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدٌ، قُلْتُ: فَأَنَا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَاسْمِي مُحَمَّدٌ فَابْنُ مَنْ؟ قَالَ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: قُلْتُ: فَأَنَا ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَابْنُ مَنْ؟ قَالَ: ابْنُ مُحَمَّدٍ. قُلْتُ: فَأَنَا ابْنُ مُحَمَّدٍ، فَابْنُ مَنْ؟ قَالَ: ابْنُ عَلِيٍّ، قُلْتُ: فَأَنَا ابْنُ عَلِيٍّ، فَابْنُ مَنْ؟ قَالَ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ. قُلْتُ: فَأَنَا ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَابْنُ مَنْ؟ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ، فَلَوْ لَمْ يَبْلُغِ الْعَبَّاسَ مَا شَكَكْتُ أَنِّي صَاحِبُ الْأَمْرِ.
قَالَ: فَتَحَدَّثْتُ بِهَا ذَلِكَ الزَّمَانَ، وَنَحْنُ لَا نَعْرِفُ الْمَهْدِيَّ، حَتَّى وَلِيَ الْمَهْدِيُّ، فَدَخَلَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَرَأَى اسْمَ الْوَلِيدِ، فَقَالَ: أَرَى اسْمَ الْوَلِيدِ إِلَى الْيَوْمِ، فَدَعَا بِكُرْسِيٍّ، فَأُلْقِيَ فِي صَحْنِ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ: مَا أَنَا بِبَارِحٍ حَتَّى يُمْحَى وَيُكْتَبَ اسْمِي مَكَانَهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَهُوَ جَالِسٌ.
وَخَرَجَ الْمَهْدِيُّ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ لَيْلًا، فَسَمِعَ أَعْرَابِيَّةً تَقُولُ: قَوْمِي مُقْتِرُونَ، نَبَتْ عَنْهُمُ الْعُيُونُ، وَفَدَحَتْهُمُ الدُّيُونُ، وَعَضَّتْهُمُ السُّنُونُ، بَادَتْ رِجَالُهُمْ، وَذَهَبَتْ أَمْوَالُهُمْ، وَكَثُرَتْ عِيَالُهُمْ، أَبْنَاءُ سَبِيلٍ، وَأَنْضَاءُ طَرِيقٍ، وَصِيَّةُ اللَّهِ، وَوَصِيَّةُ الرَّسُولِ، فَهَلْ مِنْ آمِرٍ لِي بِخَيْرٍ، كَلَأَهُ اللَّهُ فِي سَفَرِهِ، وَخَلَّفَهُ فِي أَهْلِهِ! قَالَ: فَأَمَرَ لَهَا بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ.
وَقَالَ الْمَهْدِيُّ: مَا تَوَسَّلَ أَحَدٌ إِلَيَّ بِوَسِيلَةٍ هِيَ أَقْرَبُ مِنْ تَذْكِيرِي يَدًا سَلَفَتْ مِنِّي إِلَيْهِ أُتْبِعُهَا أُخْتَهَا، وَأُحْسِنُ رَبَّهَا، فَإِنَّ مَنْعَ الْأَوَاخِرِ يَقْطَعُ شُكْرَ الْأَوَائِلِ.
وَكَانَ بَشَّارُ بْنُ بُرْدٍ قَدْ هَجَا صَالِحَ بْنَ دَاوُدَ، أَخَا يَعْقُوبَ، حِينَ وَلِيَ، فَقَالَ:
هُمْ حَمَلُوا فَوْقَ الْمَنَابِرِ صَالِحًا ... أَخَاكَ فَضَجَّتْ مِنْ أَخِيكَ الْمَنَابِرُ
فَبَلَغَ يَعْقُوبَ هِجَاؤُهُ، فَدَخَلَ عَلَى الْمَهْدِيِّ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ هَذَا الْأَعْمَى الْمُشْرِكَ قَدْ هَجَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: وَمَا قَالَ؟ قَالَ: يُعْفِينِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ إِنْشَادِهِ. فَأَبَى أَنْ يُعْفِيَهُ، فَأَنْشَدَهُ:
خَلِيفَةٌ يَزْنِي بِعَمَّاتِهِ ... يَلْعَبُ بِالدَّبُّوقِ وَالصَّوْلَجَانِ
أَبْدَلَنَا اللَّهُ بِهِ غَيْرَهُ ... وَدَسَّ مُوسَى فِي حِرِّ الْخَيْزُرَانِ.
فَوَجَّهَ فِي حَمْلِهِ، فَخَافَ يَعْقُوبُ أَنْ يَقْدَمَ عَلَى الْمَهْدِيِّ فَيَمْدَحَهُ فَيَعْفُوَ عَنْهُ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ مَنْ يُلْقِيهِ فِي الْبَطِيحَةِ فِي الْخَرَّارَةِ.
وَمَاتَتِ الْيَاقُوتَةُ بِنْتُ الْمَهْدِيِّ، وَكَانَ مُعْجَبًا بِهَا لَا يُطِيقُ الصَّبْرَ عَنْهَا، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ
стр. 2623
يُلْبِسُهَا لُبْسَةَ الْغِلْمَانِ، وَيُرْكِبُهَا مَعَهُ، فَلَمَّا مَاتَتْ وَجَدَ عَلَيْهَا، وَأَمَرَ أَنْ لَا يُحْجَبَ عَنْهُ أَحَدٌ، فَدَخَلَ النَّاسُ يُعَزُّونَهُ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا تَعْزِيَةً أَبْلَغَ وَلَا أَوْجَزَ مِنْ تَعْزِيَةِ شَبِيبِ بْنِ شَيْبَةَ، فَإِنَّهُ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لَهَا مِنْكَ، وَثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكَ مِنْهَا، وَأَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ لَا يُحْزِنَكَ، وَلَا يَفْتِنَكَ، وَأَنْ يُعْطِيَكَ عَلَى مَا رُزِئْتَ أَجْرًا، وَيُعْقِبَكَ صَبْرًا، وَلَا يَجْهَدُ لَكَ بَلَاءٌ، وَلَا يَنْزِعُ مِنْكَ نِعْمَةً، وَأَحَقُّ مَا صُبِرَ عَلَيْهِ مَا لَا سَبِيلَ إِلَى رَدِّهِ.
ذِكْرُ خِلَافَةِ الْهَادِي
وَبُويِعَ لِابْنِهِ مُوسَى الْهَادِي فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ الْمَهْدِيُّ، وَهُوَ مُقِيمٌ بِجُرْجَانَ، يُحَارِبُ أَهْلَ طَبَرِسْتَانَ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ الْمَهْدِيُّ كَانَ الرَّشِيدُ مَعَهُ بِمَاسَبَذَانَ، فَأَتَاهُ الْمَوَالِي وَالْقُوَّادُ، وَقَالُوا لَهُ: إِنْ عَلِمَ الْجُنْدُ بِوَفَاةِ الْمَهْدِيِّ لَمْ تَأْمَنِ الشَّغَبَ، وَالرَّأْيُ أَنْ تُنَادِيَ فِيهِمْ بِالرُّجُوعِ، حَتَّى تُوَارِيَهُ بِبَغْدَاذَ.
فَقَالَ هَارُونُ: ادْعُو إِلَيَّ أَبِي يَحْيَى بْنَ خَالِدٍ، وَكَانَ يَحْيَى يَتَوَلَّى مَا كَانَ إِلَى الرَّشِيدِ مِنْ أَعْمَالِ الْمَغْرِبِ، مِنَ الْأَنْبَارِ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، فَاسْتُدْعِيَ يَحْيَى إِلَى الرَّشِيدِ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِيمَا رَأَى هَؤُلَاءِ؟ وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ. قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ، لِأَنَّ هَذَا لَا يَخْفَى، وَلَا آمَنُ إِذَا عَلِمَ الْجُنْدُ، أَنْ يَتَعَلَّقُوا بِمَحْمَلِهِ، وَيَقُولُوا: لَا نُخَلِّي حَتَّى نُعْطَى لِثَلَاثِ سِنِينَ وَأَكْثَرَ، وَيَتَحَكَّمُوا وَيَشْتَطُّوا وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ يُوَارَى، ﵀، هَاهُنَا وَتُوَجِّهَ نُصَيْرًا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْهَادِي بِالْخَاتَمِ وَالْقَضِيبِ، وَالتَّعْزِيَةِ، وَالتَّهْنِئَةِ، فَإِنَّ النَّاسَ لَا يُنْكِرُونَ خُرُوجَهُ، إِذْ هُوَ عَلَى بَرِيدِ النَّاحِيَةِ، وَأَنْ تَأْمُرَ لِمَنْ تَبِعَكَ مِنَ الْجُنْدِ بِجَوَائِزَ مِائَتَيْنِ، وَتُنَادِيَ فِيهِمْ بِالرُّجُوعِ فَلَا تَكُونُ لَهُمْ هِمَّةٌ سِوَى أَهْلِهِمْ.
فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا قَبَضَ الْجُنْدُ الدَّرَاهِمَ تَنَادَوْا: بَغْدَاذَ بَغْدَاذَ! وَأَسْرَعُوا إِلَيْهَا، فَلَمَّا بَلَغُوهَا وَعَلِمُوا خَبَرَ الْمَهْدِيِّ أَتَوْا بَابَ الرَّبِيعِ، وَأَحْرَقُوهُ، وَأَخْرَجُوا مَنْ كَانَ فِي الْحُبُوسِ، وَطَالَبُوا بِالْأَرْزَاقِ.
فَلَمَّا قَدِمَ الرَّشِيدُ بَغْدَاذَ أَرْسَلَتِ الْخَيْزُرَانُ إِلَى رَبِيعٍ وَإِلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ تَسْتَدْعِيهِمَا لِتُشَاوِرَهُمَا فِي ذَلِكَ، فَأَمَّا الرَّبِيعُ فَدَخَلَ عَلَيْهَا، وَأَمَّا يَحْيَى فَامْتَنَعَ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ غَيْرَةِ
стр. 2624
الْهَادِي، وَجَمَعَ الْأَمْوَالَ حَتَّى أَعْطَى الْجُنْدَ لِسَنَتَيْنِ فَسَكَتُوا.
وَكَتَبَ الْهَادِي إِلَى الرَّبِيعِ كِتَابًا يَتَهَدَّدُهُ بِالْقَتْلِ، وَكَتَبَ إِلَى يَحْيَى يَشْكُرُهُ، وَيَأْمُرُهُ بِأَنْ يَقُومَ بِأَمْرِ الرَّشِيدِ.
وَكَانَ الرَّبِيعُ يَوَدُّ يَحْيَى وَيَثِقُ بِهِ. فَاسْتَشَارَهُ فِيمَا يَفْعَلُ خَوْفًا مِنَ الْهَادِي فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِأَنْ يُرْسِلَ وَلَدَهُ الْفَضْلَ إِلَى طَرِيقِ الْهَادِي بِالْهَدَايَا وَالتُّحَفِ، وَيَعْتَذِرَ، فَفَعَلَ، وَرَضِيَ الْهَادِي عَنْهُ.
وَكَانَ الرَّبِيعُ قَدْ أَوْصَى إِلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ. وَأُخِذَتِ الْبَيْعَةُ لِلْهَادِي بِبَغْدَاذَ وَكَتَبَ الرَّشِيدُ إِلَى الْآفَاقِ بِوَفَاةِ الْمَهْدِيِّ، وَأَخْذِ الْبَيْعَةِ لِلْهَادِي، وَسَارَ نُصَيْرٌ الْوَصِيفُ إِلَى الْهَادِي بِجُرْجَانَ، فَعَلِمَ بِوَفَاةِ الْمَهْدِيِّ وَالْبَيْعَةِ لَهُ، فَنَادَى بِالرَّحِيلِ وَرَكِبَ عَلَى الْبَرِيدِ مُجِدًّا، فَبَلَغَ فِي عِشْرِينَ يَوْمًا، وَلَمَّا قَدِمَهَا اسْتَوْزَرَ الرَّبِيعَ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا هَلَكَ الرَّبِيعُ.
وَفِيهَا اشْتَدَّ طَلَبُ الْمَهْدِيِّ لِلزَّنَادِقَةِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةَ عَلِيِّ بْنِ يَقْطِينَ، وَقَتَلَ أَيْضًا يَعْقُوبَ بْنَ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ أُتِيَ بِهِ إِلَى الْمَهْدِيِّ، فَأَقَرَّ بِالزَّنْدَقَةِ، فَقَالَ: لَوْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا لَكُنْتَ حَقِيقًا أَنْ تَتَعَصَّبَ لِمُحَمَّدٍ، وَلَوْلَا مُحَمَّدٌ [مَنْ] كُنْتَ! أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنِّي جَعَلْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا أَقْتُلَ هَاشِمِيًّا لَقَتَلْتُكَ.
ثُمَّ قَالَ لِلْهَادِي: أَقْسَمْتُ إِنْ وَلِيتَ هَذَا الْأَمْرَ لَتَقْتُلَنَّهُ! ثُمَّ حَبَسَهُ، فَلَمَّا مَاتَ الْمَهْدِيُّ قَتَلَهُ الْهَادِي، وَكَذَلِكَ أَيْضًا كَانَ عَهِدَ إِلَيْهِ بِقَتْلِ وَلَدٍ لِدَاوُدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ كَانَ زِنْدِيقًا، فَمَاتَ فِي الْحَبْسِ قَبْلَ الْمَهْدِيِّ.
وَلَمَّا قُتِلَ يَعْقُوبُ أُدْخِلَ أَوْلَادُهُ عَلَى الْهَادِي، فَأَقَرَّتِ ابْنَتُهُ فَاطِمَةُ أَنَّهَا حُبْلَى مِنْ أَبِيهَا،
стр. 2625
فَخُوِّفَتْ، فَمَاتَتْ مِنَ الْفَزَعِ.
ذِكْرُ ظُهُورِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ الْمَقْتُولُ بِفَخٍّ عِنْدَ مَكَّةَ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْهَادِيَ اسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَلَمَّا وَلِيَهَا أَخَذَ أَبَا الزِّفْتِ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، وَمُسْلِمَ بْنَ جُنْدُبٍ، الشَّاعِرَ الْهُذَلِيَّ، وَعُمَرَ بْنَ سَلَّامٍ، مَوْلَى آلِ عُمَرَ، عَلَى شَرَابٍ لَهُمْ فَأَمَرَ بِهِمْ، فَضُرِبُوا جَمِيعًا، وَجُعِلَ فِي أَعْنَاقِهِمْ حِبَالٌ، وَطِيفَ بِهِمْ فِي الْمَدِينَةِ.
فَجَاءَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى الْعُمَرِيِّ وَقَالَ لَهُ: قَدْ ضَرَبْتَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَكَ أَنْ تَضْرِبَهُمْ لِأَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا، فَلِمَ تُطَوِّفُ بِهِمْ؟ فَأَمَرَ بِهِمْ فَرُدُّوا، وَحَبَسَهُمْ.
ثُمَّ إِنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ، وَيَحْيَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، كَفَلَا الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ، فَأَخْرَجَهُ الْعُمَرِيُّ مِنَ الْحَبْسِ، وَكَانَ قَدْ ضَمِنَ بَعْضُ آلِ أَبِي طَالِبٍ بَعْضًا، وَكَانُوا يُعْرَضُونَ، فَغَابَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الْعَرْضِ يَوْمَيْنِ، فَأَحْضَرَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ وَيَحْيَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَأَلَهُمَا عَنْهُ، وَأَغْلَظَ لَهُمَا، فَحَلَفَ لَهُ يَحْيَى أَنَّهُ لَا يَنَامُ حَتَّى يَأْتِيَهُ بِهِ، أَوْ يَدُقَّ عَلَيْهِ بَابَ دَارِهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ جَاءَهُ بِهِ.
فَلَمَّا خَرَجَا قَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا دَعَاكَ إِلَى هَذَا؟ وَمِنْ أَيْنَ تَجِدُ حَسَنًا؟ حَلَفْتَ لَهُ بِشَيْءٍ لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا نِمْتُ حَتَّى أَضْرِبَ عَلَيْهِ بَابَ دَارِهِ بِالسَّيْفِ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: إِنَّ هَذَا يَنْقُضُ مَا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَصْحَابِنَا مِنَ الْمِيعَادِ.
وَكَانُوا قَدْ تَوَاعَدُوا عَلَى أَنْ يَظْهَرُوا بِمِنًى وَبِمَكَّةَ فِي الْمَوْسِمِ، فَقَالَ يَحْيَى: قَدْ كَانَ ذَلِكَ، فَانْطَلَقَا وَعَمِلَا فِي ذَلِكَ مِنْ لَيْلَتِهِمْ، وَخَرَجُوا آخِرَ اللَّيْلِ، وَجَاءَ يَحْيَى حَتَّى ضَرَبَ عَلَى الْعُمَرِيِّ بَابَ دَارِهِ، فَلَمْ يَجِدْهُ، وَجَاءُوا فَاقْتَحَمُوا الْمَسْجِدَ وَقْتَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا صَلَّى الْحُسَيْنُ الصُّبْحَ أَتَاهُ النَّاسُ، فَبَايَعُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ لِلْمُرْتَضَى مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، وَجَاءَ خَالِدٌ الْبَرِيدِيُّ فِي مِائَتَيْنِ مِنَ الْجُنْدِ، وَجَاءَ الْعُمَرِيُّ، وَوَزِيرُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَزْرَقُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَاقِدٍ الشَّرَوِيُّ، وَمَعَهُ نَاسٌ كَثِيرٌ، فَدَنَا خَالِدٌ مِنْهُمْ، فَقَامَ إِلَيْهِ يَحْيَى
стр. 2626
وَإِدْرِيسُ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، فَضَرَبَهُ يَحْيَى عَلَى أَنْفِهِ فَقَطَعَهُ، وَدَارَ لَهُ إِدْرِيسُ مِنْ خَلْفِهِ، فَضَرَبَهُ فَصَرَعَهُ، ثُمَّ قَتَلَاهُ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَدَخَلَ الْعُمَرِيُّ فِي الْمُسَوِّدَةِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُ الْحُسَيْنِ، فَهَزَمُوهُمْ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَانْتَهَبُوا بَيْتَ الْمَالِ، وَكَانَ فِيهِ بِضْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَقِيلَ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَأَغْلَقَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَبْوَابَهُمْ.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ شِيعَةُ بَنِي الْعَبَّاسِ فَقَاتَلُوهُمْ، وَفَشَتِ الْجِرَاحَاتُ فِي الْفَرِيقَيْنِ، وَاقْتَتَلُوا إِلَى الظُّهْرِ، ثُمَّ افْتَرَقُوا، ثُمَّ إِنَّ مُبَارَكًا التُّرْكِيَّ أَتَى شِيعَةَ بَنِي الْعَبَّاسِ مِنَ الْغَدِ، وَكَانَ قَدِمَ حَاجًّا، فَقَاتَلَ مَعَهُمْ، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ إِلَى مُنْتَصَفِ النَّهَارِ.
ثُمَّ تَفَرَّقُوا، وَرَجَعَ أَصْحَابُ الْحُسَيْنِ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَوَاعَدَ مُبَارَكٌ النَّاسَ الرَّوَاحَ إِلَى الْقِتَالِ، فَلَمَّا غَفَلُوا عَنْهُ رَكِبَ رَوَاحِلَهُ وَانْطَلَقَ، وَرَاحَ النَّاسُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَقَاتَلُوا شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ إِلَى الْمَغْرِبِ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا.
وَقِيلَ إِنَّ مُبَارَكًا أَرْسَلَ إِلَى الْحُسَيْنِ يَقُولُ لَهُ: وَاللَّهِ لَأَنْ أَسْقُطَ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُنِي الطَّيْرُ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنْ أَنْ تَشُوكَكَ شَوْكَةٌ، أَوْ أَقْطَعَ مِنْ رَأْسِكَ شَعْرَةً، وَكَانَ لَا بُدَّ مِنَ الْإِعْذَارِ، فَتَبَيَّتْنِي، فَإِنِّي مُنْهَزِمٌ عَنْكَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْحَسَنَ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ فِي نَفَرٍ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْ عَسْكَرِهِ صَاحُوا وَكَبَّرُوا، فَانْهَزَمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ.
وَأَقَامَ الْحُسَيْنُ وَأَصْحَابُهُ أَيَّامًا يَتَجَهَّزُونَ، فَكَانَ مُقَامُهُمْ بِالْمَدِينَةِ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ خَرَجُوا لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، فَلَمَّا خَرَجُوا عَادَ النَّاسُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَوَجَدُوا فِيهِ الْعِظَامَ الَّتِي كَانُوا يَأْكُلُونَ، (وَآثَارَهُمْ فَدَعَوْا) عَلَيْهِمْ.
وَلَمَّا فَارَقَ الْمَدِينَةَ قَالَ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ! لَا خَلَفَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بِخَيْرٍ. فَقَالُوا: بَلْ أَنْتَ لَا خَلَفَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَلَا رَدَّكَ عَلَيْنَا! وَكَانَ أَصْحَابُهُ يُحْدِثُونَ فِي الْمَسْجِدِ، فَغَسَلَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ.
وَلَمَّا أَتَى الْحُسَيْنُ مَكَّةَ أَمَرَ فَنُودِيَ: أَيُّمَا عَبْدٍ أَتَانَا فَهُوَ حُرٌّ. فَأَتَاهُ الْعَبِيدُ. فَانْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى الْهَادِي، وَكَانَ قَدْ حَجَّ تِلْكَ السَّنَةَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، مِنْهُمْ: سُلَيْمَانُ بْنُ الْمَنْصُورِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَمُوسَى وَإِسْمَاعِيلُ ابْنَا عِيسَى بْنِ مُوسَى، فَكَتَبَ الْهَادِي إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بِتَوْلِيَتِهِ عَلَى الْحَرْبِ، وَكَانَ قَدْ
стр. 2627
سَارَ بِجَمَاعَةٍ وَسِلَاحٍ مِنَ الْبَصْرَةِ لِخَوْفِ الطَّرِيقِ، فَاجْتَمَعُوا بِذِي طُوًى، وَكَانُوا قَدْ أَحْرَمُوا بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا قَدِمُوا مَكَّةَ طَافُوا وَسَعَوْا، وَحَلُّوا مِنَ الْعُمْرَةِ، وَعَسْكَرُوا بِذِي طُوًى، وَانْضَمَّ إِلَيْهِ مَنْ حَجَّ مِنْ شِيعَتِهِمْ وَمَوَالِيهِمْ وَقُوَّادِهِمْ.
ثُمَّ إِنَّهُمُ اقْتَتَلُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ الْحُسَيْنِ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ، وَجُرِحَ، وَانْصَرَفَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى مَكَّةَ، وَلَا يَعْلَمُونَ مَا حَالُ الْحُسَيْنِ، فَلَمَّا بَلَغُوا ذَا طُوًى لَحِقَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ يَقُولُ: الْبُشْرَى، الْبُشْرَى، هَذَا رَأْسُ الْحُسَيْنِ فَأَخْرَجَهُ، وَبِجَبْهَتِهِ ضَرْبَةٌ طُولَى، وَعَلَى قَفَاهُ ضَرْبَةٌ أُخْرَى، وَكَانُوا قَدْ نَادَوُا الْأَمَانَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو الزِّفْتِ، فَوَقَفَ خَلْفَ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَالْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَأَخَذَهُ مُوسَى بْنُ عِيسَى، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَقَتَلَاهُ.
فَغَضِبَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَأَخَذَ رُءُوسَ الْقَتْلَى، فَكَانَتْ مِائَةَ رَأْسٍ وَنَيِّفًا، وَفِيهَا رَأْسُ [الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ.
وَأُخِذَتْ أُخْتُ الْحُسَيْنِ، فَتُرِكَتْ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ سُلَيْمَانَ، وَاخْتَلَطَ الْمُنْهَزِمُونَ بِالْحَاجِّ، وَأُتِيَ الْهَادِي (بِسِتَّةِ أَسْرَى) ، فَقَتَلَ بَعْضَهُمْ، وَاسْتَبْقَى بَعْضَهُمْ، وَغَضِبَ عَلَى مُوسَى بْنِ عِيسَى كَيْفَ قَتَلَ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَقَبَضَ أَمْوَالَهُ، فَلَمْ تَزَلْ بِيَدِهِ حَتَّى مَاتَ، وَغَضِبَ عَلَى مُبَارَكٍ التُّرْكِيِّ، وَأَخَذَ مَالَهُ، وَجَعَلَهُ سَائِسَ الدَّوَابِّ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَ الْهَادِي.
[بَدْءُ الْأُسْرَةِ الْإِدْرِيسِيَّةِ بِالْمَغْرِبِ] وَأَفْلَتَ مِنَ الْمُنْهَزِمِينَ إِدْرِيسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَأَتَى مِصْرَ وَعَلَى بَرِيدِهَا وَاضِحٌ مَوْلَى صَالِحِ بْنِ الْمَنْصُورِ، وَكَانَ شِيعِيًّا لَعَلِيٍّ، فَحَمَلَهُ عَلَى الْبَرِيدِ إِلَى أَرْضِ الْمَغْرِبِ، فَوَقَعَ بِأَرْضِ طَنْجَةَ، بِمَدِينَةِ وَلَيْلَةَ، فَاسْتَجَابَ لَهُ مَنْ بِهَا مِنَ الْبَرْبَرِ. فَضَرَبَ الْهَادِي عُنُقَ وَاضِحٍ وَصَلَبَهُ.
وَقِيلَ: إِنَّ الرَّشِيدَ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ. وَإِنَّ الرَّشِيدَ دَسَّ عَلَى إِدْرِيسَ الشَّمَّاخَ الْيَمَامِيَّ،
стр. 2628
مَوْلَى الْمَهْدِيِّ، فَأَتَاهُ وَأَظْهَرَ أَنَّهُ مِنْ شِيعَتِهِمْ، وَعَظَّمَهُ، وَآثَرَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَمَالَ إِلَيْهِ إِدْرِيسُ، وَأَنْزَلَهُ عِنْدَهُ.
ثُمَّ إِنْ إِدْرِيسَ شَكَا إِلَيْهِ مَرَضًا فِي أَسْنَانِهِ، فَوَصَفَ لَهُ دَوَاءً، وَجَعَلَ فِيهِ سُمًّا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَنَّ بِهِ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَأَخَذَهُ مِنْهُ، وَهَرَبَ الشَّمَّاخُ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ إِدْرِيسُ الدَّوَاءَ، فَمَاتَ مِنْهُ، فَوَلَّى الرَّشِيدُ الشَّمَّاخَ بَرِيدَ مِصْرَ.
وَلَمَّا مَاتَ إِدْرِيسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ خَلَفَ مَكَانَهُ ابْنُهُ إِدْرِيسُ بْنُ إِدْرِيسَ وَأَعْقَبَ بِهَا، وَمَلَكُوهَا، وَنَازَعُوا بَنِي أُمَيَّةَ فِي إِمَارَةِ الْأَنْدَلُسِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَحُمِلَتِ الرُّءُوسَ إِلَى الْهَادِي، فَلَمَّا وُضِعَ رَأْسُ الْحُسَيْنِ بَيْنَ يَدَيِ الْهَادِي قَالَ: كَأَنَّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ بِرَأْسِ طَاغُوتٍ مِنَ الطَّوَاغِيتِ! إِنَّ أَقَلَّ مَا أَجْزِيكُمْ بِهِ أَنْ أَحْرِمَكُمْ جَوَائِزَكُمْ، فَلَمْ يُعْطِهِمْ شَيْئًا.
وَكَانَ الْحُسَيْنُ شُجَاعًا، كَرِيمًا، قَدِمَ عَلَى الْمَهْدِيِّ، فَأَعْطَاهُ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَفَرَّقَهَا فِي النَّاسِ بِبَغْدَاذَ وَالْكُوفَةِ، وَخَرَجَ مِنَ الْكُوفَةِ لَا يَمْلِكُ مَا يَلْبَسُهُ إِلَّا فَرْوًا لَيْسَ تَحْتَهُ قَمِيصٌ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَغَزَا الصَّائِفَةَ هَذِهِ السَّنَةَ مَعْيُوفُ بْنُ يَحْيَى مِنْ دَرْبِ الرَّاهِبِ، وَقَدْ كَانَتِ الرُّومُ قَبْلَ ذَلِكَ جَاءُوا مَعَ بِطْرِيقِهِمْ إِلَى الْحَدَثِ، فَهَرَبَ الْوَالِي وَأَهْلُ السُّوقِ، فَدَخَلَهَا الرُّومُ، فَقَصَدَهُمْ مَعْيُوفٌ فَبَلَغَ مَدِينَةَ أُشْنَةَ، فَغَنِمَ وَسَبَى.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ سُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورٍ.
стр. 2629
وَكَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعُمَرِيُّ، وَعَلَى مَكَّةَ وَالطَّائِفِ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ قُثَمَ، وَعَلَى الْيَمَنِ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَلْمِ بْنِ قُتَيْبَةَ، وَعَلَى الْيَمَامَةِ وَالْبَحْرَيْنِ: سُوَيْدُ بْنُ أَبِي سُوَيْدٍ الْقَائِدُ الْخُرَاسَانِيُّ، وَعَلَى عُمَانَ: الْحَسَنُ بْنُ نَسِيمٍ الْحَوَارِيُّ، وَعَلَى الْكُوفَةِ مُوسَى بْنُ عِيسَى.
وَعَلَى الْبَصْرَةِ: مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَلَى جُرْجَانَ: الْحَجَّاجُ مَوْلَى الْهَادِي، وَعَلَى قُومِسَ: زِيَادُ بْنُ حَسَّانَ، وَعَلَى طَبَرِسْتَانَ وَالرُّويَانِ: صَالِحُ بْنُ شَيْخِ بْنِ عُمَيْرَةَ الْأَسَدِيُّ، (وَعَلَى أَصْبَهَانَ طَيْفُورٌ مَوْلَى الْهَادِي) ، وَعَلَى الْمَوْصِلِ: هَاشِمُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ، فَأَسَاءَ السِّيرَةَ فِي أَهْلِهَا، فَعَزَلَهُ الْهَادِي وَوَلَّاهَا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ صَالِحٍ الْهَاشِمِيَّ.
وَفِيهَا خَرَجَ بِالْجَزِيرَةِ حَمْزَةُ بْنُ مَالِكٍ الْخُزَاعِيُّ، وَعَلَى خَرَاجِهَا الْمَنْصُورُ بْنُ زِيَادٍ، فَسَيَّرَ جَيْشًا إِلَى الْخَارِجِيِّ، فَالْتَقَوْا بِبَاعَرْبَايَا، مِنْ بَلَدِ الْمَوْصِلِ، فَهَزَمَهُمُ الْخَارِجِيُّ وَغَنِمَ أَمْوَالَهُمْ، وَقَوِيَ أَمْرُهُ، فَأَتَى رَجُلَانِ، وَصَحِبَاهُ، ثُمَّ اغْتَالَاهُ فَقَتَلَاهُ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ مُطِيعُ بْنُ إِيَاسٍ اللَّيْثِيُّ الْكِنَانِيُّ الشَّاعِرُ، وَأَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ مُعَاوِيَةُ (بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ) بْنِ بَشَّارٍ الْأَشْعَرِيُّ، مَوْلَاهُمْ، وَكَانَ وَزِيرَ الْمَهْدِيِّ، وَقِيلَ مَاتَ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ الْمُقْرِئُ صَاحِبُ الْقِرَاءَةِ، أَحَدُ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ، وَالرَّبِيعُ بْنُ يُونُسَ، حَاجِبُ الْمَنْصُورِ، مَوْلَاهُ.
стр. 2630
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ]
١٧٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ
ذِكْرُ مَا جَرَى لِلْهَادِي فِي خَلْعِ الرَّشِيدِ
كَانَ الْهَادِي قَدْ جَدَّ فِي خَلْعِ الرَّشِيدِ وَالْبَيْعَةِ لِابْنِهِ جَعْفَرٍ، وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْهَادِيَ لَمَّا عَزَمَ عَلَى خَلْعِهِ ذَكَرَهُ لِقُوَّادِهِ، فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ الشَّيْبَانِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ، وَعَلِيُّ بْنُ عِيسَى وَغَيْرُهُمْ.
فَخَلَعُوا هَارُونَ، وَبَايَعُوا لِجَعْفَرٍ، وَوَضَعُوا الشِّيعَةَ، فَتَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ، وَتَنَقَّصُوا بِالرَّشِيدِ فِي مَجْلِسِ الْجَمَاعَةِ، وَقَالُوا لَا نَرْضَى بِهِ، وَصَعُبَ أَمْرُهُمْ، وَأَمَرَ الْهَادِي أَنْ لَا يُسَارَ بَيْنَ يَدَيْ هَارُونَ بِالْحَرْبَةِ، فَاجْتَنَبَهُ النَّاسُ، وَتَرَكُوا السَّلَامَ عَلَيْهِ.
وَكَانَ يَحْيَى بْنُ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكٍ يَتَوَلَّى أُمُورَ الرَّشِيدِ بِأَمْرِ الْهَادِي، فَقِيلَ لِلْهَادِي: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْ أَخِيكَ خِلَافٌ إِنَّمَا يَحْيَى يُفْسِدُهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ، وَتَهَدَّدَهُ، وَرَمَاهُ بِالْكُفْرِ، ثُمَّ إِنَّهُ اسْتَدْعَاهُ لَيْلَةً، فَخَافَ، وَأَوْصَى، وَتَحَنَّطَ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا يَحْيَى! مَا لِي وَلَكَ؟ قَالَ: مَا يَكُونُ مِنَ الْعَبْدِ إِلَى مَوْلَاهُ إِلَّا طَاعَتُهُ؟ ! .
قَالَ: لِمَ تَدْخُلُ بَيْنِي وَبَيْنَ أَخِي وَتُفْسِدُهُ عَلَيَّ؟ قَالَ: مَنْ أَنَا حَتَّى أَدْخُلَ بَيْنَكُمَا؟ إِنَّمَا صَيَّرَنِي الْمَهْدِيُّ مَعَهُ، ثُمَّ أَمَرْتَنِي أَنْتَ بِالْقِيَامِ بِأَمْرِهِ، فَانْتَهَيْتُ إِلَى أَمْرِكَ. فَسَكَنَ غَضَبُهُ.
وَقَدْ كَانَ هَارُونُ طَابَ نَفْسًا بِالْخَلْعِ، فَمَنَعَهُ يَحْيَى عَنْهُ. فَلَمَّا أَحْضَرَهُ الْهَادِي، وَقَالَ لَهُ فِي ذَلِكَ، قَالَ يَحْيَى: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّكَ إِنْ حَمَلْتَ النَّاسَ عَلَى نَكْثِ الْأَيْمَانِ هَانَتْ عَلَيْهِمْ أَيْمَانُهُمْ، وَإِنْ تَرَكْتَهُمْ عَلَى بَيْعَةِ أَخِيكَ ثُمَّ بَايَعْتَ لِجَعْفَرٍ بَعْدَهُ، كَانَ ذَلِكَ أَوْكَدَ لِلْبَيْعَةِ، قَالَ: صَدَقْتَ، وَسَكَتَ عَنْهُ.
فَعَادَ أُولَئِكَ الَّذِينَ بَايَعُوهُ مِنَ الْقُوَّادِ وَالشِّيعَةِ، فَحَمَلُوهُ عَلَى مُعَاوَدَةِ الرَّشِيدِ بِالْخَلْعِ، فَأَحْضَرَ يَحْيَى وَحَبَسَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّ عِنْدِي نَصِيحَةً، فَأَحْضَرَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ
следующие страницы →