← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

وَإِدْرِيسُ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، فَضَرَبَهُ يَحْيَى عَلَى أَنْفِهِ فَقَطَعَهُ، وَدَارَ لَهُ إِدْرِيسُ مِنْ خَلْفِهِ، فَضَرَبَهُ فَصَرَعَهُ، ثُمَّ قَتَلَاهُ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَدَخَلَ الْعُمَرِيُّ فِي الْمُسَوِّدَةِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُ الْحُسَيْنِ، فَهَزَمُوهُمْ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَانْتَهَبُوا بَيْتَ الْمَالِ، وَكَانَ فِيهِ بِضْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَقِيلَ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَأَغْلَقَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَبْوَابَهُمْ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ شِيعَةُ بَنِي الْعَبَّاسِ فَقَاتَلُوهُمْ، وَفَشَتِ الْجِرَاحَاتُ فِي الْفَرِيقَيْنِ، وَاقْتَتَلُوا إِلَى الظُّهْرِ، ثُمَّ افْتَرَقُوا، ثُمَّ إِنَّ مُبَارَكًا التُّرْكِيَّ أَتَى شِيعَةَ بَنِي الْعَبَّاسِ مِنَ الْغَدِ، وَكَانَ قَدِمَ حَاجًّا، فَقَاتَلَ مَعَهُمْ، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ إِلَى مُنْتَصَفِ النَّهَارِ. ثُمَّ تَفَرَّقُوا، وَرَجَعَ أَصْحَابُ الْحُسَيْنِ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَوَاعَدَ مُبَارَكٌ النَّاسَ الرَّوَاحَ إِلَى الْقِتَالِ، فَلَمَّا غَفَلُوا عَنْهُ رَكِبَ رَوَاحِلَهُ وَانْطَلَقَ، وَرَاحَ النَّاسُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَقَاتَلُوا شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ إِلَى الْمَغْرِبِ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا. وَقِيلَ إِنَّ مُبَارَكًا أَرْسَلَ إِلَى الْحُسَيْنِ يَقُولُ لَهُ: وَاللَّهِ لَأَنْ أَسْقُطَ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُنِي الطَّيْرُ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنْ أَنْ تَشُوكَكَ شَوْكَةٌ، أَوْ أَقْطَعَ مِنْ رَأْسِكَ شَعْرَةً، وَكَانَ لَا بُدَّ مِنَ الْإِعْذَارِ، فَتَبَيَّتْنِي، فَإِنِّي مُنْهَزِمٌ عَنْكَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْحَسَنَ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ فِي نَفَرٍ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْ عَسْكَرِهِ صَاحُوا وَكَبَّرُوا، فَانْهَزَمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ. وَأَقَامَ الْحُسَيْنُ وَأَصْحَابُهُ أَيَّامًا يَتَجَهَّزُونَ، فَكَانَ مُقَامُهُمْ بِالْمَدِينَةِ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ خَرَجُوا لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، فَلَمَّا خَرَجُوا عَادَ النَّاسُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَوَجَدُوا فِيهِ الْعِظَامَ الَّتِي كَانُوا يَأْكُلُونَ، (وَآثَارَهُمْ فَدَعَوْا) عَلَيْهِمْ. وَلَمَّا فَارَقَ الْمَدِينَةَ قَالَ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ! لَا خَلَفَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بِخَيْرٍ. فَقَالُوا: بَلْ أَنْتَ لَا خَلَفَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَلَا رَدَّكَ عَلَيْنَا! وَكَانَ أَصْحَابُهُ يُحْدِثُونَ فِي الْمَسْجِدِ، فَغَسَلَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ. وَلَمَّا أَتَى الْحُسَيْنُ مَكَّةَ أَمَرَ فَنُودِيَ: أَيُّمَا عَبْدٍ أَتَانَا فَهُوَ حُرٌّ. فَأَتَاهُ الْعَبِيدُ. فَانْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى الْهَادِي، وَكَانَ قَدْ حَجَّ تِلْكَ السَّنَةَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، مِنْهُمْ: سُلَيْمَانُ بْنُ الْمَنْصُورِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَمُوسَى وَإِسْمَاعِيلُ ابْنَا عِيسَى بْنِ مُوسَى، فَكَتَبَ الْهَادِي إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بِتَوْلِيَتِهِ عَلَى الْحَرْبِ، وَكَانَ قَدْ

стр. 2627

سَارَ بِجَمَاعَةٍ وَسِلَاحٍ مِنَ الْبَصْرَةِ لِخَوْفِ الطَّرِيقِ، فَاجْتَمَعُوا بِذِي طُوًى، وَكَانُوا قَدْ أَحْرَمُوا بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا قَدِمُوا مَكَّةَ طَافُوا وَسَعَوْا، وَحَلُّوا مِنَ الْعُمْرَةِ، وَعَسْكَرُوا بِذِي طُوًى، وَانْضَمَّ إِلَيْهِ مَنْ حَجَّ مِنْ شِيعَتِهِمْ وَمَوَالِيهِمْ وَقُوَّادِهِمْ. ثُمَّ إِنَّهُمُ اقْتَتَلُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ الْحُسَيْنِ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ، وَجُرِحَ، وَانْصَرَفَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى مَكَّةَ، وَلَا يَعْلَمُونَ مَا حَالُ الْحُسَيْنِ، فَلَمَّا بَلَغُوا ذَا طُوًى لَحِقَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ يَقُولُ: الْبُشْرَى، الْبُشْرَى، هَذَا رَأْسُ الْحُسَيْنِ فَأَخْرَجَهُ، وَبِجَبْهَتِهِ ضَرْبَةٌ طُولَى، وَعَلَى قَفَاهُ ضَرْبَةٌ أُخْرَى، وَكَانُوا قَدْ نَادَوُا الْأَمَانَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو الزِّفْتِ، فَوَقَفَ خَلْفَ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَالْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَأَخَذَهُ مُوسَى بْنُ عِيسَى، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَقَتَلَاهُ. فَغَضِبَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَأَخَذَ رُءُوسَ الْقَتْلَى، فَكَانَتْ مِائَةَ رَأْسٍ وَنَيِّفًا، وَفِيهَا رَأْسُ [الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ. وَأُخِذَتْ أُخْتُ الْحُسَيْنِ، فَتُرِكَتْ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ سُلَيْمَانَ، وَاخْتَلَطَ الْمُنْهَزِمُونَ بِالْحَاجِّ، وَأُتِيَ الْهَادِي (بِسِتَّةِ أَسْرَى) ، فَقَتَلَ بَعْضَهُمْ، وَاسْتَبْقَى بَعْضَهُمْ، وَغَضِبَ عَلَى مُوسَى بْنِ عِيسَى كَيْفَ قَتَلَ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَقَبَضَ أَمْوَالَهُ، فَلَمْ تَزَلْ بِيَدِهِ حَتَّى مَاتَ، وَغَضِبَ عَلَى مُبَارَكٍ التُّرْكِيِّ، وَأَخَذَ مَالَهُ، وَجَعَلَهُ سَائِسَ الدَّوَابِّ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَ الْهَادِي. [بَدْءُ الْأُسْرَةِ الْإِدْرِيسِيَّةِ بِالْمَغْرِبِ] وَأَفْلَتَ مِنَ الْمُنْهَزِمِينَ إِدْرِيسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَأَتَى مِصْرَ وَعَلَى بَرِيدِهَا وَاضِحٌ مَوْلَى صَالِحِ بْنِ الْمَنْصُورِ، وَكَانَ شِيعِيًّا لَعَلِيٍّ، فَحَمَلَهُ عَلَى الْبَرِيدِ إِلَى أَرْضِ الْمَغْرِبِ، فَوَقَعَ بِأَرْضِ طَنْجَةَ، بِمَدِينَةِ وَلَيْلَةَ، فَاسْتَجَابَ لَهُ مَنْ بِهَا مِنَ الْبَرْبَرِ. فَضَرَبَ الْهَادِي عُنُقَ وَاضِحٍ وَصَلَبَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ الرَّشِيدَ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ. وَإِنَّ الرَّشِيدَ دَسَّ عَلَى إِدْرِيسَ الشَّمَّاخَ الْيَمَامِيَّ،

стр. 2628

مَوْلَى الْمَهْدِيِّ، فَأَتَاهُ وَأَظْهَرَ أَنَّهُ مِنْ شِيعَتِهِمْ، وَعَظَّمَهُ، وَآثَرَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَمَالَ إِلَيْهِ إِدْرِيسُ، وَأَنْزَلَهُ عِنْدَهُ. ثُمَّ إِنْ إِدْرِيسَ شَكَا إِلَيْهِ مَرَضًا فِي أَسْنَانِهِ، فَوَصَفَ لَهُ دَوَاءً، وَجَعَلَ فِيهِ سُمًّا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَنَّ بِهِ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَأَخَذَهُ مِنْهُ، وَهَرَبَ الشَّمَّاخُ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ إِدْرِيسُ الدَّوَاءَ، فَمَاتَ مِنْهُ، فَوَلَّى الرَّشِيدُ الشَّمَّاخَ بَرِيدَ مِصْرَ. وَلَمَّا مَاتَ إِدْرِيسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ خَلَفَ مَكَانَهُ ابْنُهُ إِدْرِيسُ بْنُ إِدْرِيسَ وَأَعْقَبَ بِهَا، وَمَلَكُوهَا، وَنَازَعُوا بَنِي أُمَيَّةَ فِي إِمَارَةِ الْأَنْدَلُسِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَحُمِلَتِ الرُّءُوسَ إِلَى الْهَادِي، فَلَمَّا وُضِعَ رَأْسُ الْحُسَيْنِ بَيْنَ يَدَيِ الْهَادِي قَالَ: كَأَنَّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ بِرَأْسِ طَاغُوتٍ مِنَ الطَّوَاغِيتِ! إِنَّ أَقَلَّ مَا أَجْزِيكُمْ بِهِ أَنْ أَحْرِمَكُمْ جَوَائِزَكُمْ، فَلَمْ يُعْطِهِمْ شَيْئًا. وَكَانَ الْحُسَيْنُ شُجَاعًا، كَرِيمًا، قَدِمَ عَلَى الْمَهْدِيِّ، فَأَعْطَاهُ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَفَرَّقَهَا فِي النَّاسِ بِبَغْدَاذَ وَالْكُوفَةِ، وَخَرَجَ مِنَ الْكُوفَةِ لَا يَمْلِكُ مَا يَلْبَسُهُ إِلَّا فَرْوًا لَيْسَ تَحْتَهُ قَمِيصٌ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَغَزَا الصَّائِفَةَ هَذِهِ السَّنَةَ مَعْيُوفُ بْنُ يَحْيَى مِنْ دَرْبِ الرَّاهِبِ، وَقَدْ كَانَتِ الرُّومُ قَبْلَ ذَلِكَ جَاءُوا مَعَ بِطْرِيقِهِمْ إِلَى الْحَدَثِ، فَهَرَبَ الْوَالِي وَأَهْلُ السُّوقِ، فَدَخَلَهَا الرُّومُ، فَقَصَدَهُمْ مَعْيُوفٌ فَبَلَغَ مَدِينَةَ أُشْنَةَ، فَغَنِمَ وَسَبَى. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ سُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورٍ.

стр. 2629

وَكَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعُمَرِيُّ، وَعَلَى مَكَّةَ وَالطَّائِفِ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ قُثَمَ، وَعَلَى الْيَمَنِ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَلْمِ بْنِ قُتَيْبَةَ، وَعَلَى الْيَمَامَةِ وَالْبَحْرَيْنِ: سُوَيْدُ بْنُ أَبِي سُوَيْدٍ الْقَائِدُ الْخُرَاسَانِيُّ، وَعَلَى عُمَانَ: الْحَسَنُ بْنُ نَسِيمٍ الْحَوَارِيُّ، وَعَلَى الْكُوفَةِ مُوسَى بْنُ عِيسَى. وَعَلَى الْبَصْرَةِ: مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَلَى جُرْجَانَ: الْحَجَّاجُ مَوْلَى الْهَادِي، وَعَلَى قُومِسَ: زِيَادُ بْنُ حَسَّانَ، وَعَلَى طَبَرِسْتَانَ وَالرُّويَانِ: صَالِحُ بْنُ شَيْخِ بْنِ عُمَيْرَةَ الْأَسَدِيُّ، (وَعَلَى أَصْبَهَانَ طَيْفُورٌ مَوْلَى الْهَادِي) ، وَعَلَى الْمَوْصِلِ: هَاشِمُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ، فَأَسَاءَ السِّيرَةَ فِي أَهْلِهَا، فَعَزَلَهُ الْهَادِي وَوَلَّاهَا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ صَالِحٍ الْهَاشِمِيَّ. وَفِيهَا خَرَجَ بِالْجَزِيرَةِ حَمْزَةُ بْنُ مَالِكٍ الْخُزَاعِيُّ، وَعَلَى خَرَاجِهَا الْمَنْصُورُ بْنُ زِيَادٍ، فَسَيَّرَ جَيْشًا إِلَى الْخَارِجِيِّ، فَالْتَقَوْا بِبَاعَرْبَايَا، مِنْ بَلَدِ الْمَوْصِلِ، فَهَزَمَهُمُ الْخَارِجِيُّ وَغَنِمَ أَمْوَالَهُمْ، وَقَوِيَ أَمْرُهُ، فَأَتَى رَجُلَانِ، وَصَحِبَاهُ، ثُمَّ اغْتَالَاهُ فَقَتَلَاهُ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ مُطِيعُ بْنُ إِيَاسٍ اللَّيْثِيُّ الْكِنَانِيُّ الشَّاعِرُ، وَأَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ مُعَاوِيَةُ (بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ) بْنِ بَشَّارٍ الْأَشْعَرِيُّ، مَوْلَاهُمْ، وَكَانَ وَزِيرَ الْمَهْدِيِّ، وَقِيلَ مَاتَ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ الْمُقْرِئُ صَاحِبُ الْقِرَاءَةِ، أَحَدُ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ، وَالرَّبِيعُ بْنُ يُونُسَ، حَاجِبُ الْمَنْصُورِ، مَوْلَاهُ.

стр. 2630

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ] ١٧٠ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ مَا جَرَى لِلْهَادِي فِي خَلْعِ الرَّشِيدِ كَانَ الْهَادِي قَدْ جَدَّ فِي خَلْعِ الرَّشِيدِ وَالْبَيْعَةِ لِابْنِهِ جَعْفَرٍ، وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْهَادِيَ لَمَّا عَزَمَ عَلَى خَلْعِهِ ذَكَرَهُ لِقُوَّادِهِ، فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ الشَّيْبَانِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ، وَعَلِيُّ بْنُ عِيسَى وَغَيْرُهُمْ. فَخَلَعُوا هَارُونَ، وَبَايَعُوا لِجَعْفَرٍ، وَوَضَعُوا الشِّيعَةَ، فَتَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ، وَتَنَقَّصُوا بِالرَّشِيدِ فِي مَجْلِسِ الْجَمَاعَةِ، وَقَالُوا لَا نَرْضَى بِهِ، وَصَعُبَ أَمْرُهُمْ، وَأَمَرَ الْهَادِي أَنْ لَا يُسَارَ بَيْنَ يَدَيْ هَارُونَ بِالْحَرْبَةِ، فَاجْتَنَبَهُ النَّاسُ، وَتَرَكُوا السَّلَامَ عَلَيْهِ. وَكَانَ يَحْيَى بْنُ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكٍ يَتَوَلَّى أُمُورَ الرَّشِيدِ بِأَمْرِ الْهَادِي، فَقِيلَ لِلْهَادِي: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْ أَخِيكَ خِلَافٌ إِنَّمَا يَحْيَى يُفْسِدُهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ، وَتَهَدَّدَهُ، وَرَمَاهُ بِالْكُفْرِ، ثُمَّ إِنَّهُ اسْتَدْعَاهُ لَيْلَةً، فَخَافَ، وَأَوْصَى، وَتَحَنَّطَ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا يَحْيَى! مَا لِي وَلَكَ؟ قَالَ: مَا يَكُونُ مِنَ الْعَبْدِ إِلَى مَوْلَاهُ إِلَّا طَاعَتُهُ؟ ! . قَالَ: لِمَ تَدْخُلُ بَيْنِي وَبَيْنَ أَخِي وَتُفْسِدُهُ عَلَيَّ؟ قَالَ: مَنْ أَنَا حَتَّى أَدْخُلَ بَيْنَكُمَا؟ إِنَّمَا صَيَّرَنِي الْمَهْدِيُّ مَعَهُ، ثُمَّ أَمَرْتَنِي أَنْتَ بِالْقِيَامِ بِأَمْرِهِ، فَانْتَهَيْتُ إِلَى أَمْرِكَ. فَسَكَنَ غَضَبُهُ. وَقَدْ كَانَ هَارُونُ طَابَ نَفْسًا بِالْخَلْعِ، فَمَنَعَهُ يَحْيَى عَنْهُ. فَلَمَّا أَحْضَرَهُ الْهَادِي، وَقَالَ لَهُ فِي ذَلِكَ، قَالَ يَحْيَى: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّكَ إِنْ حَمَلْتَ النَّاسَ عَلَى نَكْثِ الْأَيْمَانِ هَانَتْ عَلَيْهِمْ أَيْمَانُهُمْ، وَإِنْ تَرَكْتَهُمْ عَلَى بَيْعَةِ أَخِيكَ ثُمَّ بَايَعْتَ لِجَعْفَرٍ بَعْدَهُ، كَانَ ذَلِكَ أَوْكَدَ لِلْبَيْعَةِ، قَالَ: صَدَقْتَ، وَسَكَتَ عَنْهُ. فَعَادَ أُولَئِكَ الَّذِينَ بَايَعُوهُ مِنَ الْقُوَّادِ وَالشِّيعَةِ، فَحَمَلُوهُ عَلَى مُعَاوَدَةِ الرَّشِيدِ بِالْخَلْعِ، فَأَحْضَرَ يَحْيَى وَحَبَسَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّ عِنْدِي نَصِيحَةً، فَأَحْضَرَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ

стр. 2631

الْمُؤْمِنِينَ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ لَا تَبْلُغُهُ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُقْدِمَنَا قَبْلَهُ، يَعْنِي مَوْتَ الْهَادِي، أَتَظُنُّ النَّاسَ يُسَلِّمُونَ الْخِلَافَةَ لِجَعْفَرٍ، وَهُوَ لَمْ يَبْلُغِ الْحِنْثَ، أَوْ يَرْضَوْنَ بِهِ لِصَلَاتِهِمْ، وَحَجِّهِمْ، وَغَزْوِهِمْ؟ ! قَالَ: مَا أَظُنُّ ذَلِكَ. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَفَنَأْمَنُ أَنْ يَسْمُوَ إِلَيْهَا أَكَابِرُ أَهْلِكَ، مِثْلُ فُلَانٍ، وَيَطْمَعَ فِيهَا غَيْرُهُمْ، فَتَخْرُجَ مِنْ وَلَدِ أَبِيكَ؟ وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَمْ يَعْقِدْهُ الْمَهْدِيُّ لِأَخِيكَ، لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْقِدَهُ أَنْتَ لَهُ، فَكَيْفَ بِأَنْ تَحُلَّهُ عَنْهُ وَقَدْ عَقَدَهُ الْمَهْدِيُّ لَهُ وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُقِرَّ الْأَمْرَ عَلَى حَالِهِ، فَإِذَا بَلَغَ جَعْفَرٌ أَتَيْتَهُ بِالرَّشِيدِ، فَخَلَعَ نَفْسَهُ لَهُ وَبَايَعَهُ. فَقَبِلَ قَوْلَهُ، وَقَالَ: نَبَّهْتَنِي عَلَى أَمْرٍ لَمْ أَتَنَبَّهْ لَهُ. وَأَطْلَقَهُ. ثُمَّ إِنَّ أُولَئِكَ الْقُوَّادَ عَاوَدُوا الْقَوْلَ فِيهِ، فَأَرْسَلَ الْهَادِي إِلَى الرَّشِيدِ فِي ذَلِكَ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: اسْتَأْذِنْهُ فِي الصَّيْدِ، فَإِذَا خَرَجْتَ فَأَبْعِدْ، وَدَافِعِ الْأَيَّامَ فَفَعَلَ ذَلِكَ وَأَذِنَ لَهُ، فَمَضَى إِلَى قَصْرِ بَنِي مُقَاتِلٍ، فَأَقَامَ [بِهِ] أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَأَنْكَرَ الْهَادِي أَمْرَهُ، وَخَافَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِالْعَوْدِ، فَتَعَلَّلَ عَلَيْهِ، فَأَظْهَرَ الْهَادِي شَتْمَهُ، وَبَسَطَ مَوَالِيهِ وَقُوَّادُهُ فِيهِ أَلْسِنَتَهُمْ، فَلَمَّا طَالَ الْأَمْرُ عَادَ الرَّشِيدُ. وَقَدْ كَانَ الْهَادِي فِي أَوَّلِ خِلَافَتِهِ جَلَسَ، وَعِنْدَهُ نَفَرٌ مِنْ قُوَّادِهِ، وَعِنْدَهُ الرَّشِيدُ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا هَارُونُ كَأَنِّي بِكَ وَأَنْتَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ بِتَمَامِ الرُّؤْيَا، وَدُونَ ذَلِكَ خَرْطُ الْقَتَادِ. فَقَالَ لَهُ هَارُونُ: يَا مُوسَى إِنَّكَ إِنْ تَجَبَّرْتَ وُضِعْتَ، وَإِنْ تَوَاضَعْتَ رُفِعْتَ، وَإِنْ ظَلَمْتَ قُتِلْتَ، وَإِنْ أَنْصَفْتَ سَلِمْتَ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُفْضِيَ الْأَمْرُ إِلَيَّ، فَأُنْصِفَ مَنْ ظَلَمْتَ، وَأَصِلَ مَنْ قَطَعْتَ، وَأَجْعَلَ أَوْلَادَكَ أَعْلَى مِنْ أَوْلَادِي، وَأُزَوِّجَهُمْ بَنَاتِي، وَأَبْلُغَ مَا يَجِبُ مِنْ حَقِّ الْإِمَامِ الْمَهْدِيِّ. فَقَالَ لَهُ الْهَادِي: ذَلِكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا جَعْفَرٍ، ادْنُ مِنِّي، فَدَنَا مِنْهُ، وَقَبَّلَ يَدَهُ، ثُمَّ أَرَادَ الْعَوْدَ إِلَى مَكَانِهِ، فَقَالَ: لَا وَالشَّيْخِ الْجَلِيلِ، وَالْمَلِكِ النَّبِيلِ، أَعْنِي الْمَنْصُورَ، لَا جَلَسْتَ إِلَّا مَعِي، فَأَجْلَسَهُ فِي صَدْرِ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُحْمَلَ إِلَيْهِ أَلْفُ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَنْ يُحْمَلَ إِلَيْهِ نِصْفُ الْخَرَاجِ. وَقَالَ لِإِبْرَاهِيمَ الْحَرَّانِيِّ: اعْرِضْ عَلَيْهِ مَا فِي الْخَزَائِنِ مِنْ مَالِنَا،

стр. 2632

وَمَا أُخِذَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ اللَّعْنَةِ، يَعْنِي بَنِي أُمَيَّةَ، فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ مَا أَرَادَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ. فَقَامَ عَنْهُ. وَسُئِلَ الرَّشِيدُ عَنِ الرُّؤْيَا، فَقَالَ: قَالَ الْمَهْدِيُّ: رَأَيْتُ فِي مَنَامِي كَأَنِّي دَفَعْتُ إِلَى مُوسَى وَإِلَى هَارُونَ قَضِيبًا، فَأَوْرَقَ مِنْ قَضِيبِ مُوسَى أَعْلَاهُ، وَأَوْرَقَ قَضِيبُ هَارُونَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، فَعَبَّرْتُ لَهُمَا أَنَّهُمَا يَمْلِكَانِ مَعًا، فَأَمَّا مُوسَى فَتَقِلُّ أَيَّامُهُ، وَأَمَّا هَارُونُ فَيَبْلُغُ آخِرَ مَا عَاشَ خَلِيفَةً، وَتَكُونُ أَيَّامُهُ أَحْسَنَ أَيَّامٍ، وَدَهْرُهُ أَحْسَنَ دَهْرٍ، فَكَانَ كَذَلِكَ. وَذُكِرَ أَنَّ الْهَادِيَ خَرَجَ إِلَى حَدِيثَةِ الْمَوْصِلِ، فَمَرِضَ بِهَا، وَاشْتَدَّ مَرَضُهُ، وَانْصَرَفَ، وَكَتَبَ إِلَى جَمِيعِ عُمَّالِهِ شَرْقًا وَغَرْبًا بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ، فَلَمَّا ثَقُلَ أَجْمَعَ الْقُوَّادُ الَّذِينَ كَانُوا بَايَعُوا جَعْفَرًا، وَتَوَامَرُوا فِي قَتْلِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، وَقَالُوا: إِنْ صَارَ الْأَمْرُ إِلَيْهِ قُتِلْنَا، وَعَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ قَالُوا: لَعَلَّ الْهَادِيَ يُفِيقُ، فَمَا عُذْرُنَا عِنْدَهُ؟ فَأَمْسَكُوا. وَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُ الْهَادِي أَرْسَلَتِ الْخَيْزُرَانُ إِلَى يَحْيَى تَأْمُرُهُ بِالِاسْتِعْدَادِ، فَأَحْضَرَ يَحْيَى كُتَّابًا فَكَتَبُوا الْكُتُبَ مِنَ الرَّشِيدِ إِلَى الْعُمَّالِ بِوَفَاةِ الْهَادِي، وَأَنَّهُ قَدْ وَلَّاهُمْ مَا كَانَ وَيَكُونُ فَلَمَّا مَاتَ الْهَادِي سُيِّرَتِ الْكُتُبُ. وَقِيلَ إِنَّ يَحْيَى كَانَ مَحْبُوسًا. وَكَانَ الْهَادِي قَدْ عَزَمَ عَلَى قَتْلِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَإِنَّ هَرْثَمَةَ بْنَ أَعْيَنَ هُوَ [الَّذِي] أَقْعَدَ الرَّشِيدَ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ. وَلَمَّا مَاتَ الْهَادِي قَالَتِ الْخَيْزُرَانُ: قَدْ كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ يَمُوتُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ خَلِيفَةٌ، وَيُمَلَّكُ خَلِيفَةٌ، وَيُولَدُ خَلِيفَةٌ، فَمَاتَ الْهَادِي، وَوَلِيَ الرَّشِيدُ، وَوُلِدَ الْمَأْمُونُ. وَكَانَتِ الْخَيْزُرَانُ قَدْ أَخَذَتِ الْعِلْمَ مِنَ الْأَوْزَاعِيِّ، وَكَانَ مَوْتُ الْهَادِي بِعِيسَابَاذَ. ذِكْرُ وَفَاةِ الْهَادِي وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْهَادِي (مُوسَى ابْنُ الْمَهْدِيِّ مُحَمَّدِ ابْنِ الْمَنْصُورِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ

стр. 2633

مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ وَفَاتِهِ، فَقِيلَ كَانَ سَبَبُهَا قُرْحَةً كَانَتْ فِي جَوْفِهِ، وَقِيلَ مَرَضٌ بِحَدِيثِةِ الْمَوْصِلِ، وَعَادَ مَرِيضًا فَتُوُفِّيَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقِيلَ إِنَّ وَفَاتَهُ كَانَتْ مِنْ قِبَلِ جَوَارٍ لِأُمِّهِ الْخَيْزُرَانَ كَانَتْ أَمَرَتْهُنَّ بِقَتْلِهِ، وَكَانَ سَبَبُ أَمْرِهَا بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ كَانَتْ تَسْتَبِدُّ بِالْأُمُورِ دُونَهُ، وَتَسْلُكُ بِهِ مَسْلَكَ الْمَهْدِيِّ، حَتَّى مَضَى أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ. فَانْثَالَ النَّاسُ إِلَى بَابِهَا، وَكَانَتِ الْمَوَاكِبُ تَغْدُو وَتَرُوحُ إِلَى بَابِهَا، فَكَلَّمَتْهُ يَوْمًا فِي أَمْرٍ لَمْ يَجِدْ إِلَى إِجَابَتِهَا سَبِيلًا، فَقَالَتْ: لَابُدَّ مِنْ إِجَابَتِي إِلَيْهِ، فَإِنَّنِي قَدْ ضَمِنْتُ هَذِهِ الْحَاجَةَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ. فَغَضِبَ الْهَادِي، وَقَالَ: وَيْلِي عَلَى ابْنِ الْفَاعِلَةِ! قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ صَاحِبُهَا، وَاللَّهِ لَا قَضَيْتُهَا لَكِ. قَالَتْ: إِذًا وَاللَّهِ لَا أَسْأَلُكَ حَاجَةً أَبَدًا، قَالَ: لَا أُبَالِي وَاللَّهِ، وَغَضِبَتْ فَقَامَتْ مُغْضَبَةً، فَقَالَ مَكَانَكِ وَاللَّهِ، وَإِلَّا أَنَا نَفِيٌّ مِنْ قَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّهُ وَقَفَ بِبَابِكِ أَحَدٌ مِنْ قُوَّادِي، وَخَاصَّتِي لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ، وَلَأَقْبِضَنَّ مَالَهُ. مَا هَذِهِ الْمَوَاكِبُ الَّتِي تَغْدُو وَتَرُوحُ إِلَى بَابِكِ؟ أَمَا لَكِ مِغْزَلٌ يَشْغَلُكِ، أَوْ مُصْحَفٌ يُذَكِّرُكِ، أَوْ بَيْتٌ يَصُونُكِ؟ إِيَّاكِ! وَإِيَّاكِ! لَا تَفْتَحِي بَابَكِ لِمُسْلِمٍ وَلَا ذِمِّيٍّ. فَانْصَرَفَتْ وَهِيَ لَا تَعْقِلُ، فَلَمْ تَنْطِقْ عِنْدَهُ بَعْدَهَا. ثُمَّ إِنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَيُّمَا خَيْرٍ أَنَا أَمْ أَنْتُمْ، وَأُمِّي أَمْ أُمَّهَاتُكُمْ؟ قَالُوا: بَلْ أَنْتَ وَأُمُّكَ خَيْرٌ. قَالَ: فَأَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَتَحَدَّثَ الرِّجَالُ بِخَبَرِ أُمِّهِ، فَيُقَالُ: فَعَلَتْ أُمُّ فُلَانٍ، وَصَنَعَتْ؟ قَالُوا: لَا نُحِبُّ ذَلِكَ. قَالَ: فَمَا بَالُكُمْ تَأْتُونَ أُمِّي، فَتَتَحَدَّثُونَ بِحَدِيثِهَا؟ فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ انْقَطَعُوا عَنْهَا. ثُمَّ بَعَثَ بِأُرْزٍ، وَقَالَ: قَدِ اسْتَطَبْتُهَا، فَكُلِي مِنْهَا. فَقِيلَ لَهَا: أَمْسِكِي حَتَّى تَنْظُرِي! فَجَاءُوا بِكَلْبٍ، فَأَطْعَمُوهُ، فَسَقَطَ لَحْمُهُ لِوَقْتِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا كَيْفَ رَأَيْتِ الْأُرْزَ؟ قَالَتْ: طَيِّبًا. قَالَ: مَا أَكَلْتِ مِنْهَا، وَلَوْ أَكَلْتِ مِنْهَا، لَاسْتَرَحْتُ مِنْكِ، مَتَى أَفْلَحَ خَلِيفَةٌ لَهُ أُمٌّ! وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ أَمْرِهَا بِذَلِكَ أَنَّ الْهَادِيَ لَمَّا جَدَّ فِي خَلْعِ الرَّشِيدِ وَالْبَيْعَةِ لِابْنِهِ جَعْفَرٍ خَافَتِ الْخَيْزُرَانُ عَلَى الرَّشِيدِ، فَوَضَعَتْ جَوَارِيَهَا عَلَيْهِ لَمَّا مَرِضَ، فَقَتَلْنَهُ بِالْغَمِّ وَالْجُلُوسِ عَلَى وَجْهِهِ، فَمَاتَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ تُعْلِمُهُ بِمَوْتِهِ.

стр. 2634

ذِكْرُ وَفَاتِهِ وَمَبْلَغِ سِنِّهِ وَصِفَتِهِ وَأَوْلَادِهِ. كَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ لِلنِّصْفِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ لِسِتَّ عَشْرَةَ مِنْهُ، وَقِيلَ كَانَتْ خِلَافَتُهُ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ كَانَتْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، عُمُرُهُ سِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقِيلَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَصَلَّى عَلَيْهِ الرَّشِيدُ. وَكَانَتْ كُنْيَتُهُ أَبَا مُحَمَّدٍ، وَأُمُّهُ الْخَيْزُرَانُ، أُمُّ وَلَدٍ، وَدُفِنَ بِعِيسَابَاذَ الْكُبْرَى فِي بُسْتَانِهِ. وَكَانَ طَوِيلًا، جَسِيمًا، أَبْيَضَ، مُشْرَبًا حُمْرَةً، وَكَانَ بِشَفَتِهِ الْعُلْيَا نَقْصٌ وَتَقَلُّصٌ. وَكَانَ الْمَهْدِيُّ قَدْ وَكَّلَ بِهِ خَادِمًا يَقُولُ لَهُ: مُوسَى أَطْبِقْ، فَيَضُمَّ شَفَتَهُ، فَلُقِّبَ: مُوسَى أَطْبِقْ. وَكَانَ لَهُ مِنَ الْأَوْلَادِ تِسْعَةٌ: سَبْعَةُ ذُكُورٍ، وَابْنَتَانِ، فَمِنَ الذُّكُورِ جَعْفَرٌ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُرِيدُ الْبَيْعَةَ لَهُ، وَالْعَبَّاسُ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَإِسْحَاقُ، وَإِسْمَاعِيلُ، وَسُلَيْمَانُ، وَمُوسَى بْنُ مُوسَى الْأَعْمَى، كُلُّهُمْ لِأُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ وَالِابْنَتَانِ أُمُّ عِيسَى كَانَتْ عِنْدَ الْمَأْمُونِ، (وَأُمُّ الْعَبَّاسِ) وَكَانَتْ تُلَقَّبُ نُونَةَ. ذِكْرُ بَعْضِ سِيرَتِهِ تَأَخَّرَ الْهَادِي عَنِ الْمَظَالِمِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَقَالَ لَهُ الْحَرَّانِيُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنَّ الْعَامَّةَ لَا تَحْتَمِلُ هَذَا. فَقَالَ لِعَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ: إِيذَنْ لِلنَّاسِ عَلَيَّ بِالْجَفَلَى، لَا بِالنَّقَرَى. فَخَرَجَ مَنْ عِنْدَهُ وَلَمْ يَفْهَمْ قَوْلَهُ، وَلَمْ يَجْسُرْ عَلَى مُرَاجَعَتِهِ، فَأَحْضَرَ أَعْرَابِيًّا، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: الْجَفَلَى أَنْ تَأْذَنَ لِعَامَّةِ النَّاسِ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلَ النَّاسُ عَنْ آخِرِهِمْ، وَنَظَرَ فِي

стр. 2635

أُمُورِهِمْ إِلَى اللَّيْلِ، فَلَمَّا تَقَوَّضَ الْمَجْلِسُ قَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ مَا جَرَى لَهُ، وَسَأَلَهُ مُجَازَاةَ الْأَعْرَابِيِّ، فَأَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنَّهُ أَعْرَابِيٌّ، وَيُغْنِيهِ عَشَرَةُ آلَافٍ. فَقَالَ: يَا عَلِيُّ أَجُودُ أَنَا، وَتَبْخَلُ أَنْتَ! . وَقِيلَ: خَرَجَ يَوْمًا إِلَى عِيَادَةِ أُمِّهِ الْخَيْزُرَانِ، وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الرَّبِيعِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ لَكَ مِنْ هَذَا؟ تَنْظُرُ فِي الْمَظَالِمِ. فَرَجَعَ إِلَى دَارِ الْمَظَالِمِ، وَأَذِنَ لِلنَّاسِ، وَأَرْسَلَ إِلَى أُمِّهِ يَتَعَرَّفُ أَخْبَارَهَا. وَقِيلَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ يَتَوَلَّى شُرْطَةَ الْمَهْدِيِّ، قَالَ: فَكَانَ الْمَهْدِيُّ يَأْمُرُنِي بِضَرْبِ نُدَمَاءِ الْهَادِي وَمُغَنِّيهِ، وَحَبْسِهِمْ صِيَانَةً لَهُ عَنْهُمْ، فَكُنْتُ أَفْعَلُ وَكَانَ الْهَادِي يُرْسِلُ إِلَيَّ بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُمْ، وَلَا أَفْعَلُ، فَلَمَّا وَلِيَ الْهَادِي أَيْقَنْتُ بِالتَّلَفِ، اسْتَحْضَرَنِي يَوْمًا، فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ مُتَحَنِّطًا مُتَكَفِّنًا وَهُوَ عَلَى كُرْسِيٍّ، وَالسَّيْفُ وَالنَّطْعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَسَلَّمْتُ، فَقَالَ: لَا سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ! أَتَذْكُرُ يَوْمَ بَعَثْتُ إِلَيْكَ فِي أَمْرِ الْحَرَّانِيِّ وَضَرْبِهِ، فَلَمْ تُجِبْنِي، وَفِي فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَعَدَّدَ نُدَمَاءَهُ، فَلَمْ تَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِي. قُلْتُ: نَعَمْ! أَفَتَأْذَنُ فِي ذِكْرِ الْحُجَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: نَشَدْتُكَ اللَّهَ أَيَسُرُّكَ أَنَّكَ وَلَّيْتَنِي مَا وَلَّانِي الْمَهْدِيُّ، وَأَمَرْتَنِي بِمَا أَمَرَ، فَبَعَثَ إِلَيَّ بَعْضُ بَنِيكَ بِمَا يُخَالِفُ أَمْرَكَ، فَاتَّبَعْتُ أَمْرَهُ وَخَالَفْتُ أَمْرَكَ؟ قَالَ: لَا! قُلْتُ: فَكَذَلِكَ أَنَا لَكَ، وَكَذَا كُنْتُ لِأَبِيكَ. فَاسْتَدْنَانِي، فَقَبَّلْتُ يَدَهُ، ثُمَّ أَمَرَ لِي بِالْخُلَعِ، وَقَالَ: وَلَّيْتُكَ مَا كُنْتَ تَتَوَلَّاهُ، فَامْضِ رَاشِدًا! فَصِرْتُ إِلَى مَنْزِلِي مُفَكِّرًا فِي أَمْرِي وَأَمْرِهِ، وَقُلْتُ: حَدَثٌ يَشْرَبُ، وَالْقَوْمُ الَّذِي عَصَيْتُهُ فِي أَمْرِهِمْ نُدَمَاؤُهُ، وَوُزَرَاؤُهُ، وَكُتَّابُهُ. فَكَأَنِّي بِهِمْ حِينَ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الشَّرَابُ قَدْ أَزَالُوهُ عَنْ رَأْيِهِ. قَالَ: فَإِنِّي لَجَالِسٌ، وَعِنْدِي بَيِّنَةٌ لِي، وَالْكَانُونُ بَيْنَ يَدَيَّ، وَرُقَاقٌ أَشْطُرُهُ بِكَامَخٍ، وَأُسَخِّنُهُ، وَأُطْعِمُ الصِّبْيَةَ، وَآكُلُ، وَإِذَا بِوَقْعِ الْحَوَافِرِ، فَظَنَنْتُ أَنَّ الدُّنْيَا قَدْ زُلْزِلَتْ لِوَقْعِهَا، وَلِكَثْرَةِ الضَّوْضَاءِ، فَقُلْتُ: هَذَا مَا كُنْتُ أَخَافُهُ. وَإِذَا الْبَابُ قَدْ فُتِحَ، وَإِذَا الْخَدَمُ قَدْ دَخَلُوا، وَإِذَا الْهَادِي فِي وَسَطِهِمْ عَلَى دَابَّتِهِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ وَثَبْتُ، فَقَبَّلْتُ يَدَهُ وَرِجْلَهُ، وَحَافِرَ دَابَّتِهِ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! إِنِّي فَكَّرْتُ فِي أَمْرِكَ، فَقُلْتُ يَسْبِقُ إِلَى وَهْمِكَ أَنَّنِي إِذَا شَرِبْتُ وَحَوْلِي أَعْدَاؤُكَ، أَزَالُوا حُسْنَ رَأْيِي فِيكَ، فَيُقْلِقُكَ ذَلِكَ، فَصِرْتُ إِلَى مَنْزِلِكَ لِأُونِسَكَ. وَأُعْلِمُكَ أَنَّ مَا كَانَ عِنْدِي لَكَ مِنْ

стр. 2636

الْحِقْدِ قَدْ زَالَ، فَهَاتِ وَأَطْعِمْنِي مِمَّا كُنْتَ تَأْكُلُ لِتَعْلَمَ أَنِّي قَدْ تَحَرَّمْتُ بِطَعَامِكَ، فَيَزُولَ خَوْفُكَ. فَأَدْنَيْتُ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الرُّقَاقِ وَالْكَامَخِ، فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ: هَاتُوا الزُّلَّةَ الَّتِي أَزْلَلْتُهَا لِعَبْدِ اللَّهِ مِنْ مَجْلِسِي، فَأُدْخِلَتْ إِلَيَّ أَرْبَعُمِائَةِ بَغْلٍ مُوَقَّرَةٍ دَرَاهِمَ وَغَيْرَهَا، فَقَالَ: هَذِهِ لَكَ، فَاسْتَعِنْ بِهَا عَلَى أَمْرِكَ، وَاحْفَظْ هَذِهِ الْبِغَالَ عِنْدَكَ لَعَلِّي أَحْتَاجُ إِلَيْهَا لِبَعْضِ أَسْفَارِي، ثُمَّ انْصَرَفَ. قِيلَ: وَكَانَ يَعْقُوبُ بْنُ دَاوُدَ يَقُولُ: مَا لِعَرَبِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيِّ عِنْدَكَ مَا لِعَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ، فَإِنَّهُ دَخَلَ إِلَيَّ الْحَبْسَ، وَقَالَ لِي: أَمَرَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْهَادِي أَنْ أَضْرِبَكَ مِائَةَ سَوْطٍ، فَأَقْبَلَ يَضَعُ السَّوْطَ عَلَى يَدَيَّ وَمَنْكِبِي يَمَسُّنِي بِهِ مَسًّا إِلَى أَنْ عَدَّ مِائَةَ سَوْطٍ، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ لَهُ الْهَادِي: مَا صَنَعْتَ بِهِ؟ قَالَ: صَنَعْتُ الَّذِي أَمَرْتَنِي بِهِ، وَقَدْ مَاتَ الرَّجُلُ. فَقَالَ الْهَادِي: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَضَحْتَنِي، وَاللَّهِ عِنْدَ النَّاسِ، يَقُولُونَ: قُتِلَ يَعْقُوبُ بْنُ دَاوُدَ، فَلَمَّا رَأَى شِدَّةَ جَزَعِهِ قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ حَيٌّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ. وَقِيلَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَلْمِ بْنِ قُتَيْبَةَ مِنَ الْهَادِي بِمَنْزِلَةٍ عَظِيمَةٍ، فَمَاتَ لَهُ وَلَدٌ، فَأَتَاهُ الْهَادِي يُعَزِّيهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا إِبْرَاهِيمُ! سَرَّكَ وَهُوَ عَدُوُّ وَفِتْنَةٌ، وَحَزَنَكَ وَهُوَ صَلَاةٌ وَرَحْمَةٌ؟ . فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! مَا بَقِيَ مِنِّي جُزْءٌ فِيهِ حُزْنٌ، إِلَّا وَقَدِ امْتَلَأَ عَزَاءً. فَلَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ صَارَتْ مَنْزِلَتُهُ لِسَعِيدِ بْنِ سَلْمٍ. قِيلَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الَّذِي يُلَقَّبُ الْجَزَرِيَّ، قَدْ تَزَوَّجَ رُقَيَّةَ بِنْتَ عَمْرٍو الْعُثْمَانِيَّةَ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ تَحْتَ الْمَهْدِيِّ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْهَادِي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، وَحَمَلَ إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: أَعْيَاكَ النِّسَاءُ إِلَّا امْرَأَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى خَلْقِهِ إِلَّا نِسَاءَ جَدِّي ﷺ فَأَمَّا غَيْرُهُنَّ فَلَا، وَلَا كَرَامَةَ، فَشَجَّهُ بِمِخْصَرَةٍ كَانَتْ فِي يَدِهِ، وَجَلَدَهُ خَمْسَمِائَةِ سَوْطٍ، وَأَرَادَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَكَانَ قَدْ غُشِيَ عَلَيْهِ مِنَ الضَّرْبِ. وَكَانَ فِي يَدِهِ خَاتَمٌ نَفِيسٌ، فَأَهْوَى بَعْضُ الْخَدَمِ عَلَى الْخَاتَمِ لِيَأْخُذَهُ، فَقَبَضَ عَلَى يَدِهِ فَدَقَّهَا، فَصَاحَ، فَأَتَى الْهَادِي، فَأَرَاهُ يَدَهُ، فَغَضِبَ، وَقَالَ: تَفْعَلُ هَذَا بِخَادِمِي عَلَى اسْتِخْفَافِكَ بِأَبِي وَقَوْلِكَ لِي مَا قُلْتَ؟ قَالَ: سَلْهُ، وَاسْتَحْلِفْهُ أَنْ يَصْدُقَكَ، فَفَعَلَ. فَأَخْبَرَهُ الْخَادِمُ وَصَدَقَهُ، فَقَالَ: أَحْسَنَ وَاللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّهُ ابْنُ عَمِّي، وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ

стр. 2637

ذَلِكَ لَانْتَفَيْتُ مِنْهُ، وَأَمَرَ بِإِطْلَاقِهِ. قِيلَ: وَكَانَ الْمَهْدِيُّ قَدْ قَالَ لِلْهَادِي يَوْمًا، وَقَدْ قَدِمَ إِلَيْهِ زِنْدِيقٌ، فَقَتَلَهُ وَأَمَرَ بِصَلْبِهِ: يَا بُنَيَّ، إِذَا صَارَ الْأَمْرُ إِلَيْكَ فَتَجَرَّدْ لِهَذِهِ الْعِصَابَةِ، يَعْنِي أَصْحَابَ مَانِي، فَإِنَّهَا تَدْعُو النَّاسَ إِلَى ظَاهِرٍ حَسَنٍ كَاجْتِنَابِ الْفَوَاحِشِ، وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَالْعَمَلِ لِلْآخِرَةِ. ثُمَّ تُخْرِجُهَا مِنْ هَذَا إِلَى تَحْرِيمِ اللُّحُومِ، وَمَسِّ الْمَاءِ الطَّهُورِ، وَتَرْكِ قَتْلِ الْهَوَامِّ تَحَرُّجًا، ثُمَّ تُخْرِجُهَا إِلَى عِبَادَةِ اثْنَيْنِ: أَحَدُهُمَا النُّورُ، وَالْآخَرُ الظُّلْمَةُ، ثُمَّ تُبِيحُ بَعْدَ هَذَا نِكَاحَ الْأَخَوَاتِ وَالْبَنَاتِ، وَالِاغْتِسَالَ بِالْبَوْلِ، وَسَرِقَةَ الْأَطْفَالِ مِنَ الطُّرُقِ، لِتُنْقِذَهُمْ مِنْ ضَلَالِ الظُّلْمَةِ إِلَى هِدَايَةِ النُّورِ. فَارْفَعْ فِيهَا الْخَشَبَ، (وَجَرِّدِ السَّيْفَ فِيهَا، وَتَقَرَّبْ بِأَمْرِهَا إِلَى اللَّهِ، فَإِنِّي رَأَيْتُ جَدِّيَ الْعَبَّاسَ، ﵁ ، فِي الْمَنَامِ قَلَّدَنِي سَيْفَيْنِ لِقَتْلِ أَصْحَابِ الِاثْنَيْنِ. فَلَمَّا وَلِيَ الْهَادِي قَالَ: لَأَقْتُلَنَّ هَذِهِ الْفِرْقَةَ. وَأَمَرَ أَنْ يُهَيَّأَ لَهُ أَلْفُ جِذْعٍ فَمَاتَ بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ بِشَهْرَيْنِ. قِيلَ: وَكَانَ عِيسَى بْنُ دَأْبٍ مِنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْحِجَازِ أَدَبًا، وَأَعْذَبِهِمْ أَلْفًاظًا، وَكَانَ قَدْ حَظِيَ عِنْدَ الْهَادِي حَظْوَةً لَمْ تَكُنْ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ، وَكَانَ يَدْعُو لَهُ بِمَا يَتَّكِئُ عَلَيْهِ فِي مَجْلِسِهِ، وَمَا كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ. وَكَانَ يَقُولُ لَهُ: مَا اسْتَطَلْتُ بِكَ يَوْمًا وَلَا لَيْلًا، وَلَا غِبْتَ عَنْ عَيْنِي إِلَّا تَمَنَّيْتُ أَنْ لَا أَرَى غَيْرَكَ، وَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ فِي دُفْعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ابْنُ دَأْبٍ أَرْسَلَ قَهْرَمَانَةً إِلَى الْحَاجِبِ فِي قَبْضِهَا، فَقَالَ الْحَاجِبُ: هَذَا لَيْسَ إِلَيَّ، فَانْطَلِقْ إِلَى صَاحِبِ التَّوْقِيعِ، وَإِلَى الدِّيوَانِ، فَعَادَ إِلَى ابْنِ دَأْبٍ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: اتْرُكْهَا. فَبَيْنَمَا الْهَادِي فِي مُسْتَشْرَفٍ لَهُ بِبَغْدَاذَ رَأَى ابْنَ دَأْبٍ وَلَيْسَ مَعَهُ إِلَّا غُلَامٌ وَاحِدٌ، فَقَالَ لِلْحَرَّانِيِّ: أَلَا تَرَى ابْنَ دَأْبٍ مَا غَيَّرَ حَالَهُ، وَقَدْ وَصَلْنَاهُ لِيُرَى أَثَرُنَا عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: إِنْ أَمَرْتَنِي عَرَّضْتُ لَهُ بِالْحَالِ. فَقَالَ: لَا، هُوَ أَعْلَمُ بِحَالِهِ. وَدَخَلَ ابْنُ دَأْبٍ، وَأَخَذَ فِي حَدِيثِهِ، فَعَرَضَ الْهَادِي بِشَيْءٍ وَقَالَ: أَرَى ثَوْبَكَ غَسِيلًا، وَهَذَا شِتَاءٌ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْجَدِيدِ. فَقَالَ: بَاعِي قَصِيرٌ فَقَالَ: وَكَيْفَ، وَقَدْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ مَا فِيهِ صَلَاحُ شَأْنِكَ؟ فَقَالَ: مَا وَصَلَ إِلَيَّ شَيْءٌ فَدَعَا صَاحِبَ بَيْتِ مَالِ الْخَاصَّةِ فَقَالَ: عَجِّلِ السَّاعَةَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ

стр. 2638

فَأُحْضِرَتْ وَحُمِلَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ. ذِكْرُ خِلَافَةِ الرَّشِيدِ بْنِ الْمَهْدِيِّ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بُويِعَ لِلرَّشِيدِ هَارُونَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بِالْخِلَافَةِ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا الْهَادِي، وَكَانَ عُمُرُهُ، حِينَ وَلِيَ، اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَأُمُّهُ الْخَيْزُرَانُ أُمُّ وَلَدٍ، يَمَانِيَّةٌ، جُرَشِيَّةٌ. وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِالرَّيِّ فِي آخِرِ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، وَقِيلَ: وُلِدَ مُسْتَهَلَّ مُحَرَّمٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ. وَكَانَ مَوْلِدُ الْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى الْبَرْمَكِيِّ قَبْلَهُ بِسَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَأَرْضَعَتْ أُمُّ ابْنِ يَحْيَى الرَّشِيدَ، وَأَرْضَعَتِ الْخَيْزُرَانُ الْفَضْلَ بِلِبَانِ الرَّشِيدِ. وَلَمَّا مَاتَ الْهَادِي كَانَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ الْبَرْمَكِيُّ مَحْبُوسًا، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَكَانَ الْهَادِي عَازِمًا عَلَى قَتْلِهِ، فَجَاءَ هَرْثَمَةُ بْنُ أَعْيَنَ إِلَى الرَّشِيدِ فَأَخْرَجَهُ وَأَجْلَسَهُ لِلْخِلَافَةِ، فَأَرْسَلَ الرَّشِيدُ إِلَى يَحْيَى، فَأَخْرَجَهُ مِنَ الْحَبْسِ، وَاسْتَوْزَرَهُ وَأَمَرَ بِإِنْشَاءِ الْكُتُبِ إِلَى الْأَطْرَافِ بِجُلُوسِهِ لِلْخِلَافَةِ وَمَوْتِ الْهَادِي. وَقِيلَ: لَمَّا مَاتَ الْهَادِي جَاءَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ إِلَى الرَّشِيدِ، وَهُوَ نَائِمٌ فِي فِرَاشِهِ فَقَالَ لَهُ: قُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: كَمْ تُرَوِّعُنِي إِعْجَابًا مِنْكَ بِخِلَافَتِي، فَكَيْفَ يَكُونُ حَالِي مَعَ الْهَادِي إِنْ بَلَغَهُ هَذَا؟ فَأَعْلَمَهُ بِمَوْتِهِ، وَأَعْطَاهُ خَاتَمَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ أَتَاهُ رَسُولٌ آخَرُ يُبَشِّرُهُ بِمَوْلُودٍ فَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَهُوَ الْمَأْمُونُ، وَلَبِسَ ثِيَابَهُ وَخَرَجَ، فَصَلَّى عَلَى الْهَادِي بِعِيسَابَاذَ، وَقَتَلَ أَبَا عِصْمَةَ وَسَارَ إِلَى بَغْدَاذَ. وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِ أَبِي عِصْمَةَ أَنَّ الرَّشِيدَ كَانَ سَائِرًا هُوَ وَجَعْفَرُ بْنُ الْهَادِي، فَبَلَغَا قَنْطَرَةً مِنْ قَنَاطِرِ عِيسَابَاذَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو عِصْمَةَ: مَكَانَكَ حَتَّى يَجُوزَ وَلِيُّ الْعَهْدِ فَقَالَ الرَّشِيدُ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِلْأَمِيرِ وَوَقَفَ حَتَّى جَازَ جَعْفَرٌ، فَكَانَ هَذَا سَبَبَ قَتْلِهِ. وَلَمَّا وَصَلَ الرَّشِيدُ إِلَى بَغْدَاذَ، وَبَلَغَ الْجِسْرَ، وَدَعَا الْغَوَّاصِينَ، وَقَالَ كَانَ الْمَهْدِيُّ قَدْ وَهَبَ لِي خَاتَمًا مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ، يُسَمَّى الْجَبَلَ، فَأَتَانِي رَسُولُ الْهَادِي يَطْلُبُ

стр. 2639

الْخَاتَمَ وَأَنَا هَاهُنَا، فَأَلْقَيْتُهُ فِي الْمَاءِ، فَغَاصُوا عَلَيْهِ وَأَخْرَجُوهُ، فَسُّرَ بِهِ. وَلَمَّا مَاتَ الْهَادِي هَجَمَ خُزَيْمَةُ بْنُ خَازِمٍ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ الْهَادِي فَأَخَذَهُ مِنْ فِرَاشِهِ، وَقَالَ لَهُ: لَتَخْلَعَنَّهَا أَوْ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ، فَأَجَابَ إِلَى الْخَلْعِ، وَرَكِبَ مِنَ الْغَدِ خُزَيْمَةُ،، وَأَظْهَرَ جَعْفَرًا لِلنَّاسِ فَأَشْهَدَهُمْ بِالْخَلْعِ، وَأَحَلَّ النَّاسَ مِنْ بَيْعَتِهِمْ، فَحَظِيَ بِهَا خُزَيْمَةُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا وُلِدَ الْأَمِينُ، وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ، فِي شَوَّالٍ، فَكَانَ الْمَأْمُونُ أَكْبَرَ مِنْهُ وَفِيهَا اسْتَوْزَرَ الرَّشِيدُ يَحْيَى بْنَ خَالِدٍ، وَقَالَ لَهُ: قَدْ قَلَّدْتُكَ أَمْرَ الرَّعِيَّةِ، فَاحْكُمْ فِيهَا بِمَا تَرَى، وَاعْزِلْ مَنْ رَأَيْتَ، وَاسْتَعْمِلْ مَنْ رَأَيْتَ. وَدَفَعَ إِلَيْهِ خَاتَمَهُ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْمَوْصِلِيُّ فِي ذَلِكَ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الشَّمْسَ كَانَتْ سَقِيمَةً ... فَلَمَّا وَلِيَ هَارُونُ أَشْرَقَ نُورُهَا بِيُمْنِ أَمِينِ اللَّهِ هَارُونَ ذِي النِّدَى ... فَهَارُونُ وَالِيهَا وَيَحْيَى وَزِيرُهَا وَكَانَ يَحْيَى يَصُدُّ عَنْ رَأْيِ الْخَيْزُرَانِ أُمِّ الرَّشِيدِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ الْمُهَلَّبِيُّ، وَالِي إِفْرِيقِيَّةَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا ابْنَهُ دَاوُدَ، وَانْتَقَضَتْ جِبَالُ بَاجَةَ، وَخَرَجَ فِيهَا الْإِبَاضِيَّةُ فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ دَاوُدُ جَيْشًا، فَظَفِرَ بِهِمِ الْإِبَاضِيَّةُ، وَهَزَمُوهُمْ، فَجَهَّزَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا آخَرَ، فَهُزِمَتِ الْإِبَاضِيَّةُ، فَتَبِعَهُمُ الْجَيْشُ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ، فَأَكْثَرُوا. وَبَقِيَ دَاوُدُ أَمِيرًا إِلَى أَنِ اسْتَعْمَلَ الرَّشِيدُ عَمَّهُ رَوْحَ بْنَ حَاتِمٍ الْمُهَلَّبِيَّ أَمِيرًا عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَكَانَتْ إِمَارَةُ دَاوُدَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ.

стр. 2640

وَفِيهَا عَزَلَ الرَّشِيدُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعُمَرِيَّ عَنِ الْمَدِينَةِ، عَلَى سَاكِنِهَا السَّلَامُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا إِسْحَاقَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. وَفِيهَا ظَهَرَ مَنْ كَانَ مُسْتَخْفِيًا، مِنْهُمْ طَبَاطَبَا الْعَلَوِيُّ، وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، (وَعَلِيُّ) بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، وَبَقِيَ نَفَرٌ مِنَ الزَّنَادِقَةِ لَمْ يَظْهَرُوا، مِنْهُمْ: يُونُسُ بْنُ فَرْوَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ الْفَيْضِ. وَفِيهَا عَزَلَ الرَّشِيدُ الثُّغُورَ كُلَّهَا عَنِ الْجَزِيرَةِ وَقِنَّسْرِينَ وَجَعَلَهَا حَيِّزًا وَاحِدًا، وَسُمِّيَتِ الْعَوَاصِمَ، وَأَمَرَ بِعِمَارَةِ طَرَسُوسَ عَلَى يَدَيْ فَرْجٍ الْخَادِمِ التُّرْكِيِّ وَنَزَلَهَا النَّاسُ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ الرَّشِيدُ، وَقَسَمَ بِالْحَرَمَيْنِ عَطَاءً كَثِيرًا، وَقِيلَ إِنَّهُ غَزَا الصَّائِفَةَ بِنَفْسِهِ، وَغَزَا الصَّائِفَةَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبُكَائِيُّ. وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ وَالطَّائِفِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُثَمَ، وَعَلَى الْكُوفَةِ: مُوسَى بْنُ عِيسَى وَعَلَى الْبَصْرَةِ وَالْبَحْرَيْنِ وَالْيَمَامَةِ وَعُمَّانَ وَالْأَهْوَازِ وَفَارِسَ: مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، وَكَانَ عَلَى خُرَاسَانَ: الْفَضْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ الطُّوسِيُّ، وَعَلَى الْمَوْصِلِ: عَبْدُ الْمَلِكِ.

стр. 2641

وَفِيهَا أَوْقَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ بِبَرَابِرِ نَفْزَةَ، فَأَذَلَّهُمْ، وَقَتَلَ فِيهِمْ. وَفِيهَا أَمَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِبِنَاءِ جَامِعِ قُرْطُبَةَ، وَكَانَ مَوْضِعَهُ كَنِيسَةٌ وَأَخْرَجَ عَلَيْهِ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ.

стр. 2642

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ] ١٧١ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ وَفَاةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيِّ صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ (وَمِائَةٍ، وَهُوَ أَصَحُّ) . وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِأَرْضِ دِمَشْقَ، وَقِيلَ بِالْعَلْيَاءِ مِنْ نَاحِيَةِ تَدْمُرَ، سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِقُرْطُبَةَ. وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَكَانَ عَهِدَ إِلَى ابْنِهِ هِشَامٍ، وَكَانَ هِشَامٌ بِمَدِينَةِ مَارِدَةَ وَالِيًا عَلَيْهَا، وَكَانَ ابْنُهُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ الْأَكْبَرُ، بِطُلَيْطِلَةَ وَالِيًا عَلَيْهَا، فَلَمْ يَحْضُرَا مَوْتَ أَبِيهِمَا، وَحَضَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ الْمَعْرُوفُ بِالْبَلَنْسِيِّ، وَأَخَذَ الْبَيْعَةَ لِأَخِيهِ هِشَامٍ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِنَعْيِ أَبِيهِ وَبِالْإِمَارَةِ، فَسَارَ إِلَى قُرْطُبَةَ. وَكَانَتْ دَوْلَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَشْهُرًا، وَكَانَتْ كُنْيَتُهُ أَبَا الْمُطَرِّفِ، وَقِيلَ: أَبَا سُلَيْمَانَ، وَقِيلَ: أَبَا زَيْدٍ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ: أَحَدَ عَشَرَ ذَكَرًا، وَتِسْعَ بَنَاتٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ بَرْبَرِيَّةً مِنْ سَبْيِ إِفْرِيقِيَّةَ. وَكَانَ أَصْهَبَ، خَفِيفَ الْعَارِضَيْنِ، طَوِيلَ الْقَامَةِ، نَحِيفَ الْجِسْمِ، أَعْوَرَ لَهُ ضَفِيرَتَانِ. وَكَانَ فَصِيحًا لَسِنًا، شَاعِرًا، حَلِيمًا، عَالِمًا حَازِمًا، سَرِيعَ النَّهْضَةِ فِي طَلَبِ الْخَارِجِينَ عَلَيْهِ، لَا يَخْلُدُ إِلَى رَاحَةٍ، (وَلَا يَسْكُنُ إِلَى دَعَةٍ، وَلَا يَكِلُ الْأُمُورَ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا

стр. 2643

يَنْفَرِدُ فِي الْأُمُورِ بِرَأْيِهِ، شُجَاعًا مِقْدَامًا بَعِيدَ الْغَوْرِ) ، شَدِيدَ الْحَذَرِ، سَخِيًّا، جَوَادًا، يُكْثِرُ لُبْسَ الْبَيَاضِ، وَكَانَ يُقَاسُ بِالْمَنْصُورِ فِي حَزْمِهِ وَشِدَّتِهِ، وَضَبْطِ الْمَمْلَكَةِ. (وَبَنَى الرُّصَافَةَ بِقُرْطُبَةَ تَشَبُّهًا بِجَدِّهِ هِشَامٍ حَيْثُ بَنَى الرُّصَافَةَ بِالشَّامِ، وَلَمَّا سَكَنَهَا رَأَى فِيهَا نَخْلَةً مُنْفَرِدَةً، فَقَالَ: تَبَدَّتْ لَنَا وَسْطَ الرُّصَافَةِ نَخْلَةٌ ... تَنَاءَتْ بِأَرْضِ الْغَرْبِ عَنْ بَلَدِ النَّخْلِ فَقُلْتُ: شَبِيهِي فِي التَّغَرُّبِ وَالنَّوَى ... وَطُولِ التَّنَائِي عَنْ بَنِيَّ وَعَنْ أَهْلِي نَشَأْتِ بِأَرْضٍ أَنْتِ فِيهَا غَرِيبَةٌ ... فَمِثْلُكِ فِي الْإِقْصَاءِ وَالْمُنْتَأَى مِثْلِي سَقَتْكِ غَوَادِي الْمُزْنِ مِنْ صَوْبِهَا الَّذِي ... يَسِحُّ وَيَسْتَمْرِي السِّمَاكَيْنِ بِالْوَبْلِ وَقَصَدَهُ بَنُو أُمَيَّةَ مِنَ الْمَشْرِقِ، فَمِنَ الْمَشْهُورِينَ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَرْوَانَ، وَهُوَ قُعْدُدُ بَنِي أُمَيَّةَ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ سَبَبَ قَطْعِ الدَّعْوَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ بِالْأَنْدَلُسِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَكَانَ مَعَهُ أَحَدَ عَشَرَ وَلَدًا لَهُ) . ذِكْرُ إِمَارَةِ ابْنِهِ هِشَامٍ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَدْ عَهِدَ إِلَى ابْنِهِ هِشَامٍ، وَلَمْ يَكُنْ أَكْبَرَ وَلَدِهِ، فَإِنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ أَكْبَرَ مِنْهُ، وَإِنَّمَا كَانَ يَتَوَسَّمُ فِيهِ الشَّهَامَةَ، وَالِاضْطِلَاعَ بِهَذَا الْأَمْرِ، فَلِهَذَا عَهِدَ إِلَيْهِ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُوهُ كَانَ هُوَ بِمَارِدَةَ مُتَوَلِّيًا لَهَا، وَنَاظِرًا فِي أَمْرِهَا، وَكَانَ أَخُوهُ سُلَيْمَانُ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، بِمَدِينَةِ طُلَيْطِلَةَ، وَكَانَ يَرُومُ الْأَمْرَ لِنَفْسِهِ، وَيَحْسُدُ أَخَاهُ هِشَامًا عَلَى تَقْدِيمِ وَالِدِهِ لَهُ عَلَيْهِ، وَأَضْمَرَ لَهُ الْغِشَّ وَالْعِصْيَانَ، وَكَانَ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ الْمَعْرُوفُ بِالْبَلَنْسِيِّ حَاضِرًا بِقُرْطُبَةَ عِنْدَ وَالِدِهِ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ جَدَّدَ عَبْدُ اللَّهِ الْبَيْعَةَ لِأَخِيهِ هِشَامٍ، بَعْدَ أَنْ صَلَّى عَلَى

стр. 2644

وَالِدِهِ، وَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ هِشَامً يُعَرِّفُهُ مَوْتَ وَالِدِهِ، وَالْبَيْعَةَ لَهُ، فَسَارَ مِنْ سَاعَتِهِ إِلَى قُرْطُبَةَ، فَدَخَلَهَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْمُلْكِ، وَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى دَارِهِ، مُظْهِرًا لِطَاعَتِهِ، وَفِي نَفْسِهِ غَيْرُ هَذَا، وَسَنَذْكُرُ مَا كَانَ مِنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ الصَّحْصَحِ الْخَارِجِيِّ وَفِيهَا خَرَجَ الصَّحْصَحُ الْخَارِجِيُّ بِالْجَزِيرَةِ، وَكَانَ عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَوَجَّهَ عَسْكَرًا إِلَى الصَّحْصَحِ، فَلَقُوهُ، فَهَزَمَهُمْ، وَسَارَ الصَّحْصَحُ إِلَى الْمَوْصِلِ فَلَقِيَهُ عَسْكَرُهَا بِبَاجَرْمَى، فَقَتَلَ مِنْهُمْ كَثِيرًا، وَرَجَعَ إِلَى الْجَزِيرَةِ، فَغَلَبَ عَلَى دِيَارِ رَبِيعَةَ، فَسَيَّرَ الرَّشِيدُ إِلَيْهِ جَيْشًا بِدُورَيْنِ، فَقَتَلُوهُ، وَعَزَلَ الرَّشِيدُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ الْجَزِيرَةِ. ذِكْرُ قَتْلِ رَوْحِ بْنِ صَالِحٍ وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الرَّشِيدُ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي تَغْلِبَ رَوْحَ بْنَ صَالِحٍ الْهَمْدَانِيَّ، وَهُوَ مِنْ قُوَّادِ الْمَوْصِلِ، فَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَغْلِبَ خِلَافٌ، فَجَمَعَ جَمْعًا، وَقَصَدَهُمْ، فَبَلَغَهُمُ الْخَبَرُ، فَاجْتَمَعُوا، وَسَارُوا إِلَى رَوْحٍ فَبَيَّتُوهُ، فَقُتِلَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَسَمِعَ حَاتِمُ بْنُ صَالِحٍ، وَهُوَ بِالسُّكَيْرِ، فَجَمَعَ جَمْعًا كَثِيرًا، وَسَارَ إِلَى تَغْلِبَ، فَبَيَّتَهُمْ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَسَرَ مِثْلَهُمْ. وَفِيهَا عَزَلَ الرَّشِيدُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ صَالِحٍ الْهَاشِمِيَّ عَنِ الْمَوْصِلِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا إِسْحَاقَ بْنَ مُحَمَّدٍ. ذِكْرُ اسْتِعْمَالِ رَوْحِ بْنِ حَاتِمٍ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الرَّشِيدُ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ رَوْحَ بْنَ حَاتِمِ بْنِ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ، لَمَّا بَلَغَهُ وَفَاةُ أَخِيهِ يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ بِهَا، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَقَدِمَهَا فِي رَجَبٍ، وَكَانَ دَاوُدُ بْنُ يَزِيدَ أَخِيهِ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ، فَلَمَّا وَصَلَ عَمُّهُ رَوْحٌ سَارَ دَاوُدُ إِلَى الرَّشِيدِ، فَاسْتَعْمَلَهُ. قَالَ رَوْحٌ: كُنْتُ عَامِلًا عَلَى فَلَسْطِينَ، فَأَحْضَرَنِي الرَّشِيدُ، فَوَصَلْتُ وَقَدْ بَلَغَهُ مَوْتُ أَخِي يَزِيدَ، فَقَالَ: أَحْسَنَ اللَّهُ عَزَاءَكَ فِي أَخِيكَ، وَقَدْ وَلَّيْتُكَ مَكَانَهُ لِتَحْفَظَ صَنَائِعَهُ وَمَوَالِيَهُ.

стр. 2645

فَسَارَ إِلَيْهَا، وَلَمْ تَزَلِ الْبِلَادُ مَعَهُ آمِنَةً، سَاكِنَةً مِنْ فِتْنَةٍ، لِأَنَّ أَخَاهُ يَزِيدَ كَانَ قَدْ أَكْثَرَ الْقَتْلَ فِي الْخَوَارِجِ بِإِفْرِيقِيَّةَ فَذَلُّوا. ثُمَّ تُوُفِّيَ رَوْحٌ بِالْقَيْرَوَانِ، وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ قَبْرِ أَخِيهِ يَزِيدَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ. وَلَمَّا اسْتَعْمَلَ الْمَنْصُورُ يَزِيدَ بْنَ حَاتِمٍ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ، اسْتَعْمَلَ أَخَاهُ رَوْحًا عَلَى السِّنْدِ فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ بَاعَدْتَ مَا بَيْنَ قَبْرَيْهِمَا، فَتُوُفِّيَ يَزِيدُ بِالْقَيْرَوَانِ، ثُمَّ وَلِيَهَا رَوْحٌ، فَتُوُفِّيَ بِهَا وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ أَخِيهِ يَزِيدَ. وَكَانَ رَوْحٌ أَشْهَرَ بِالشَّرْقِ مِنْ يَزِيدَ، وَيَزِيدُ أَشْهَرَ بِالْغَرْبِ مِنْ رَوْحٍ لِطُولِ مُدَّةِ وِلَايَتِهِ، وَكَثْرَةِ خُرُوجِهِ فِيهَا وَالْخَارِجِينَ عَلَيْهِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِيهَا قَدِمَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْفَضْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ الطُّوسِيُّ مِنْ خُرَاسَانَ، وَاسْتَعْمَلَ الرَّشِيدُ عَلَيْهَا جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، فَلَمَّا قَدِمَ خُرَاسَانَ سَيَّرَ ابْنَهُ الْعَبَّاسَ إِلَى كَابُلٍ، فَقَاتَلَ أَهْلَهَا حَتَّى افْتَتَحَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ سَانَهَارَ، وَغَنِمَ مَا كَانَ بِهَا. وَفِيهَا قَتَلَ الرَّشِيدُ أَبَا هُرَيْرَةَ مُحَمَّدَ بْنَ فَرُّوخَ، وَكَانَ عَلَى الْجَزِيرَةِ فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الرَّشِيدُ أَبَا حَنِيفَةَ حَرْبَ بْنَ قَيْسٍ، فَأَحْضَرَهُ إِلَى بَغْدَاذَ وَقَتَلَهُ. وَفِيهَا أَمَرَ الرَّشِيدُ بِإِخْرَاجِ الطَّالِبِيِّينَ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَى مَدِينَةِ النَّبِيِّ ﷺ خَلَا الْعَبَّاسِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ [عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ] . وَفِيهَا خَرَجَ الْفَضْلُ بْنُ سَعِيدٍ الْحَرُورِيُّ فَقَتَلَهُ أَبُو خَالِدٍ الْمَرْوَرُّوذِيُّ.

стр. 2646

وَفِيهَا قَدِمَ رَوْحُ بْنُ حَاتِمٍ إِفْرِيقِيَّةَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ.

стр. 2647

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ] ١٧٢ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ خُرُوجِ سُلَيْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى أَخِيهِمَا هِشَامٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، خَرَجَ سُلَيْمَانُ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ، أَمِيرِ الْأَنْدَلُسِ، عَنْ طَاعَةِ أَخِيهِمَا هِشَامٍ بِالْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ هِشَامٌ قَدْ مَلَكَ بَعْدَ أَبِيهِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ لَهُ الْمُلْكُ كَانَ مَعَهُ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ الْمَعْرُوفُ بِالْبَلَنْسِيِّ، وَكَانَ هِشَامٌ يُؤْثِرُهُ وَيَبَرُّهُ وَيُقَدِّمُهُ، فَلَمْ يَرْضَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَّا بِالْمُشَارَكَةِ فِي أَمْرِهِ. ثُمَّ إِنَّهُ خَافَ مِنْ أَخِيهِ هِشَامٍ، فَمَضَى هَارِبًا إِلَى أَخِيهِ سُلَيْمَانَ، وَهُوَ بِطُلَيْطِلَةَ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ قُرْطُبَةَ أَرْسَلَ هِشَامٌ جَمْعًا فِي أَثَرِهِ لِيَرُدُّوهُ فَلَمْ يَلْحَقُوهُ، فَجَمَعَ هِشَامٌ عَسَاكِرَهُ، وَسَارَ إِلَى طُلَيْطِلَةَ، فَحَصَرَ أَخَوَيْهِ بِهَا، وَكَانَ سُلَيْمَانُ قَدْ جَمَعَ وَحَشَدَ خَلْقًا كَثِيرًا، فَلَمَّا حَصَرَهُمَا هِشَامٌ سَارَ سُلَيْمَانُ مِنْ طُلَيْطِلَةَ وَتَرَكَ ابْنَهُ وَأَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ يَحْفَظَانِ الْبَلَدَ، وَسَارَ هُوَ إِلَى قُرْطُبَةَ لِيَمْلِكَهَا، فَعَلِمَ هِشَامٌ الْحَالَ، فَلَمْ يَتَحَرَّكْ، وَلَا فَارَقَ طُلَيْطِلَةَ بَلْ أَقَامَ يَحْصُرُهَا. وَسَارَ سُلَيْمَانُ، فَوَصَلَ إِلَى شَقُنْدَةَ، فَدَخَلَهَا، وَخَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُ قُرْطُبَةَ مُقَاتِلِينَ وَدَافِعِينَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ. ثُمَّ إِنَّ هِشَامًا سَيَّرَ فِي أَثَرِهِ ابْنَهُ عَمِيدَ الْمُلْكِ، فِي قِطْعَةٍ مِنَ الْجَيْشِ، فَلَمَّا قَارَبَهُ مَضَى سُلَيْمَانُ هَارِبًا، فَقَصَدَ مَدِينَةَ مَارِدَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْوَالِي بِهَا لِهِشَامٍ، فَحَارَبَهُ، فَانْهَزَمَ سُلَيْمَانُ، وَبَقِيَ هِشَامٌ عَلَى طُلَيْطِلَةَ شَهْرَيْنِ وَأَيَّامًا مُحَاصِرًا لَهَا ثُمَّ عَادَ عَنْهَا، وَقَدْ قَطَعَ أَشْجَارَهَا، وَسَارَ إِلَى قُرْطُبَةَ، فَأَتَاهُ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بِغَيْرِ أَمَانٍ، فَأَكْرَمَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ. فَلَمَّا دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ سَيَّرَ هِشَامٌ ابْنَهُ مُعَاوِيَةَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ إِلَى تُدْمِيرَ،

стр. 2648

وَبِهَا سُلَيْمَانُ، فَحَارَبَهُ، وَخَرَّبُوا أَعْمَالَ تُدْمِيرَ، وَدَوَّخُوا أَهْلَهَا وَمَنْ بِهَا، وَبَلَغُوا الْبَحْرَ، فَخَرَجَ سُلَيْمَانُ مِنْ تُدْمِيرَ هَارِبًا، فَلَجَأَ إِلَى الْبَرَابِرِ بِنَاحِيَةِ بَلَنْسِيَةَ، فَاعْتَصَمَ بِتِلْكَ النَّاحِيَةِ الْوَعْرَةِ الْمَسْلَكِ، فَعَادَ مُعَاوِيَةُ إِلَى قُرْطُبَةَ. ثُمَّ إِنَّ الْحَالَ اسْتَقَرَّ بَيْنَ هِشَامٍ وَسُلَيْمَانَ أَنْ يَأْخُذَ سُلَيْمَانُ أَهْلَهُ وَأَوْلَادَهُ وَأَمْوَالَهُ وَيُفَارِقَ الْأَنْدَلُسَ، وَأَعْطَاهُ هِشَامٌ سِتِّينَ أَلْفَ دِينَارٍ مُصَالَحَةً عَنْ تَرِكَةِ أَبِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَسَارَ إِلَى بَلَدِ الْبَرَابِرِ فَأَقَامَ بِهِ. ذِكْرُ خُرُوجِ جَمَاعَةٍ عَلَى هِشَامٍ أَيْضًا وَفِيهَا خَرَجَ بِالْأَنْدَلُسِ أَيْضًا سَعِيدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ يَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ بِشَاغَنْتَ، مِنْ أَقَالِيمِ طَرْطُوشَةَ، فِي شَرْقِ الْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ قَدِ الْتَجَأَ إِلَيْهَا حِينَ قُتِلَ أَبُوهُ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَدَعَا إِلَى الْيَمَانِيَّةِ، وَتَعَصَّبَ لَهُمْ، فَاجْتَمَعَ لَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَمَلَكَ مَدِينَةَ طَرْطُوشَةَ، وَأَخْرَجَ عَامِلَهُ يُوسُفَ الْقَيْسِيَّ، فَعَارَضَهُ مُوسَى بْنُ فَرْتُونَ، وَقَامَ بِدَعْوَةِ هِشَامٍ، وَوَافَقَتْهُ مُضَرُ، (فَاقْتَتَلَا، فَانْهَزَمَ سَعِيدٌ وَقُتِلَ وَسَارَ مُوسَى إِلَى سَرَقُسْطَةَ فَمَلَكَهَا، فَخَرَجَ عَلَيْهِ مَوْلًى لِلْحُسَيْنِ بْنِ يَحْيَى اسْمُهُ جَحْدَرُ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ فَقَاتَلَهُ وَقُتِلَ مُوسَى) . وَخَرَجَ أَيْضًا مَطْرُوحُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ يَقْظَانَ بِمَدِينَةِ بَرْشَلُونَةَ، وَخَرَجَ مَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ، فَمَلَكَ مَدِينَةَ سَرَقُسْطَةَ وَمَدِينَةَ وَشْقَةَ، وَتَغَلَّبَ عَلَى تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَقَوِيَ أَمْرُهُ، وَكَانَ هِشَامٌ مَشْغُولًا بِمُحَارَبَةِ أَخَوَيْهِ سُلَيْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا عَزَلَ الرَّشِيدُ إِسْحَاقَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمَوْصِلِ، وَاسْتَعْمَلَ سَعِيدَ بْنَ سَلْمٍ الْبَاهِلِيَّ، وَعَزَلَ الرَّشِيدُ يَزِيدَ بْنَ مَزْيَدِ بْنِ زَائِدَةَ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ، عَنْ أَرْمِينِيَّةَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا أَخَاهُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْمَهْدِيِّ.

стр. 2649

وَفِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ. وَفِيهَا وَضَعَ الرَّشِيدُ عَلَى أَهْلِ السَّوَادِ الْعُشْرَ الَّذِي كَانَ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ بَعْدَ النِّصْفِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ يَعْقُوبُ بْنُ الْمَنْصُورِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ الْفَضْلُ بْنُ صَالِحِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَخُو عَبْدِ الْمَلِكِ، وَتُوُفِّيَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ مَوْلَى ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ. (وَتُوُفِّيَ أَبُو يَزِيدَ رِيَاحُ بْنُ يَزِيدَ اللَّخْمِيُّ الزَّاهِدُ، بِمَدِينَةِ الْقَيْرَوَانِ، وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ) .

стр. 2650

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ] ١٧٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ فِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ بِالْبَصْرَةِ، فَأَرْسَلَ الرَّشِيدُ مَنْ قَبَضَ تَرِكَتَهُ، وَكَانَتْ عَظِيمَةً مِنَ الْمَالِ، وَالْمَتَاعِ، وَالدَّوَابِّ، فَحَمَلُوا مِنْهُ مَا يَصْلُحُ لِلْخِلَافَةِ، وَتَرَكُوا مَا لَا يَصْلُحُ. وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَا أَخَذُوا سِتُّونَ أَلْفَ أَلْفٍ، فَلَمَّا قَدِمُوا بِذَلِكَ عَلَيْهِ أَطْلَقَ مِنْهُ لِلنُّدَمَاءِ وَالْمُغَنِّينَ شَيْئًا كَثِيرًا، وَرَفَعَ الْبَاقِي إِلَى خِزَانَتِهِ. وَكَانَ سَبَبُ أَخْذِ الرَّشِيدِ تَرِكَتَهُ أَنَّ أَخَاهُ جَعْفَرَ بْنَ سُلَيْمَانَ كَانَ يَسْعَى بِهِ إِلَى الرَّشِيدِ حَسَدًا لَهُ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ لَا مَالَ لَهُ، وَلَا ضَيْعَةَ إِلَّا وَقَدْ أَخَذَ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا لِيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى مَا تُحَدِّثُ بِهِ نَفْسُهُ، يَعْنِي الْخِلَافَةَ. وَإِنَّ أَمْوَالَهُ حِلٌّ طِلْقٌ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَ الرَّشِيدُ يَأْمُرُ بِالِاحْتِفَاظِ بِكُتُبِهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ (أُخْرِجَتْ كُتُبُهُ إِلَى جَعْفَرٍ) أَخِيهِ، وَاحْتُجَّ عَلَيْهِ بِهَا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَخٌ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ غَيْرَ جَعْفَرٍ، فَأَقَرَّ بِهَا، فَلِهَذَا قُبِضَتْ أَمْوَالُهُ. [وَفَاةُ الْخَيْزُرَانِ] وَفِيهَا مَاتَتِ الْخَيْزُرَانُ أُمُّ الرَّشِيدِ، فَحَمَلَ الرَّشِيدُ جَنَازَتَهَا، وَدَفَنَهَا فِي مَقَابِرِ قُرَيْشٍ، وَلَمَّا فَرَغَ أَعْطَى الْخَاتَمَ الْفَضْلَ بْنَ الرَّبِيعِ، وَأَخَذَهُ مِنْ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ.

стр. 2651

وَفِيهَا اسْتَقْدَمَ الرَّشِيدُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ مِنْ خُرَاسَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا ابْنَهُ الْعَبَّاسَ بْنَ جَعْفَرٍ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ الرَّشِيدُ، أَحْرَمَ مِنْ بَغْدَاذَ. [الْوَفَيَاتُ] (وَفِيهَا مَاتَ مُورْقَاطُ مَلِكُ جِلِّيقِيَّةَ، مِنْ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ بُرْمُنْدُ بْنُ قُلُورِيَةَ الْقِسُّ ثُمَّ تَبَرَّأَ مِنَ الْمُلْكِ، وَتَرَهَّبَ، وَجَعَلَ ابْنَ أَخِيهِ فِي الْمُلْكِ، وَكَانَ مُلْكُ ابْنِ أَخِيهِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ) . وَفِيهَا تُوُفِّيَ سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ (بِتَشْدِيدِ اللَّامِ) ، وَجُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءِ بْنِ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ، وَمَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسْمَاءٍ الْفَزَارِيُّ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِمَكَّةَ فُجَاءَةً.

стр. 2652

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ] ١٧٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ فِيهَا اسْتَعْمَلَ الرَّشِيدُ إِسْحَاقَ بْنَ سُلَيْمَانَ عَلَى السِّنْدِ وَمُكْرَانَ. وَفِيهَا اسْتَقْضَى الرَّشِيدُ يُوسُفَ بْنَ أَبِي يُوسُفَ، وَأَبُوهُ حَيٌّ. وَفِيهَا هَلَكَ رَوْحُ بْنُ حَاتِمٍ، وَسَارَ الرَّشِيدُ آلَ الْجُودِيِّ، وَنَزَلَ بِقَرْدَى وَبَازَبْدَى مِنْ أَعْمَالِ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، فَابْتَنَى بِهَا قَصْرًا. وَغَزَا الصَّائِفَةَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحٍ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ الرَّشِيدُ، فَقَسَمَ فِي النَّاسِ مَالًا كَثِيرًا. وَفِيهَا عُزِلَ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ قَضَاءِ الْمَوْصِلِ، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بِهَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زِيَادٍ الدُّولَابِيُّ.

стр. 2653

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ] ١٧٥ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَقَدَ الرَّشِيدُ لِابْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ زُبَيْدَةَ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ، وَلَقَّبَهُ الْأَمِينَ، وَأَخَذَ لَهُ الْبَيْعَةَ وَعُمُرُهُ خَمْسُ سِنِينَ. وَكَانَ سَبَبُ الْبَيْعَةِ أَنَّ خَالَهُ عِيسَى بْنَ جَعْفَرِ بْنِ الْمَنْصُورِ جَاءَ إِلَى الْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، فَسَأَلَهُ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّهُ وَلَدُكَ، وَخِلَافَتُهُ لَكَ. فَوَعَدَهُ بِذَلِكَ، وَسَعَى فِيهَا، حَتَّى بَايَعَ النَّاسُ لَهُ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ. وَفِيهَا عَزَلَ الرَّشِيدُ عَنْ خُرَاسَانَ الْعَبَّاسَ بْنَ جَعْفَرٍ، وَوَلَّاهَا خَالِدًا الْغِطْرِيفَ بْنَ عَطَاءٍ. وَغَزَا الصَّائِفَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ فَبَلَغَ أَقْرِيطِيَةَ. وَقِيلَ غَزَاهَا عَبْدُ الْمَلِكِ نَفْسُهُ، فَأَصَابَهُمْ بَرْدٌ شَدِيدٌ سَقَطَ مِنْهُ كَثِيرٌ [مِنْ] أَيْدِي الْجُنْدِ وَأَرْجُلِهِمْ. وَفِيهَا سَارَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ إِلَى الدَّيْلَمِ، فَتَحَرَّكَ هُنَاكَ.

стр. 2654

وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ هَارُونُ الرَّشِيدُ. ذِكْرُ ظَفَرِ هِشَامٍ بِأَخَوَيْهِ وَمَطْرُوحٍ وَفِيهَا فَرَغَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، مِنْ أَخَوَيْهِ سُلَيْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ، وَأَجْلَاهُمَا عَنِ الْأَنْدَلُسِ، فَلَمَّا خَلَا سِرُّهُ مِنْهُمَا انْتَدَبَ لِمَطْرُوحِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَقْظَانَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ جَيْشًا كَثِيفًا، وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُثْمَانَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُثْمَانَ. فَسَارُوا إِلَى مَطْرُوحٍ، وَهُوَ بِسَرَقُسْطَةَ، فَحَصَرُوهُ بِهَا، فَلَمْ يَظْفَرُوا بِهِ، فَرَجَعَ أَبُو عُثْمَانَ عَنْهُ، وَنَزَلَ بِحِصْنِ طَرَسُونَةَ، بِالْقُرْبِ مِنْ سَرَقُسْطَةَ، وَبَثَّ سَرَايَاهُ عَلَى أَهْلِ سَرَقُسْطَةَ يُغِيرُونَ وَيَمْنَعُونَ عَنْهُمُ الْمِيرَةَ. ثُمَّ إِنَّ مَطْرُوحًا خَرَجَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، آخِرَ النَّهَارِ، يَتَصَيَّدُ، فَأَرْسَلَ الْبَازِي عَلَى طَائِرٍ، فَاقْتَنَصَهُ، فَنَزَلَ مَطْرُوحٌ لِيَذْبَحَهُ بِيَدِهِ، وَمَعَهُ صَاحِبَانِ لَهُ قَدِ انْفَرَدَ بِهِمَا عَنْ أَصْحَابِهِ، فَقَتَلَاهُ وَاحْتَزَّا رَأْسَهُ وَأَتَيَا بِهِ أَبَا عُثْمَانَ، فَسَارَ إِلَى سَرَقُسْطَةَ، فَكَاتَبَهُ أَهْلُهَا بِالطَّاعَةِ، فَقَبِلَ مِنْهُمْ، وَسَارَ إِلَيْهَا فَنَزَلَهَا، وَأَرْسَلَ رَأْسَ مَطْرُوحٍ إِلَى هِشَامٍ. ذِكْرُ غَزَاةِ هِشَامٍ بِالْأَنْدَلُسِ ثُمَّ إِنَّ أَبَا عُثْمَانَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ مَطْرُوحٍ أَخَذَ الْجَيْشَ، وَسَارَ بِهِمْ إِلَى بِلَادِ الْفِرِنْجِ، فَقَصَدَ أَلَبَةَ، وَالْقِلَاعَ، فَلَقِيَهُ الْعَدُوُّ، فَظَفِرَ بِهِمْ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا وَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَفِيهَا سَيَّرَ هِشَامٌ أَيْضًا يُوسُفَ بْنَ بُخْتٍ فِي جَيْشٍ إِلَى جِلِّيقِيَّةَ، فَلَقِيَ مَلِكَهُمْ وَهُوَ بُرْمُنْدُ الْكَبِيرُ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْهَزَمَتِ الْجَلَالِقَةُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ عَالَمٌ كَثِيرٌ. وَفِيهَا انْقَادَ أَهْلُ طُلَيْطِلَةَ إِلَى طَاعَةِ الْأَمِيرِ هِشَامٍ فَآمَنَهُمْ. وَفِيهَا سَجَنَ هِشَامٌ أَيْضًا ابْنَهُ عَبْدَ الْمَلِكِ لِشَيْءٍ بَلَغَهُ عَنْهُ، فَبَقِيَ مَسْجُونًا حَيَاةَ أَبِيهِ وَبَعْضَ وِلَايَةِ أَخِيهِ، فَتُوُفِّيَ مَحْبُوسًا سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ.

стр. 2655

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا خَرَجَ بِخُرَاسَانَ حُصَيْنٌ الْخَارِجِيُّ، وَهُوَ مِنْ مَوَالِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، مِنْ أَهْلِ أُوقَ، وَكَانَ عَلَى سِجِسْتَانَ عُثْمَانُ بْنُ عُمَارَةَ، فَأَرْسَلَ جَيْشًا، فَلَقِيَهُمْ حُصَيْنٌ، فَهَزَمَهُمْ، ثُمَّ أَتَى خُرَاسَانَ وَقَصَدَ بَاذَغِيسَ، وَبُوشَنْجَ، وَهَرَاةَ، وَكَتَبَ الرَّشِيدُ إِلَى الْغِطْرِيفِ فِي طَلَبِهِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ الْغِطْرِيفُ دَاوُدَ بْنَ يَزِيدَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَلَقِيَهُمْ حُصَيْنٌ فِي سِتِّمِائَةٍ، فَهَزَمَهُمْ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا. ثُمَّ سَارَ فِي خُرَاسَانَ إِلَى أَنْ قُتِلَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ الْفَقِيهُ بِمِصْرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَبُو الْعَنْبَسِ الشَّاعِرُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْمُسَيَّبُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مُسْلِمٍ الضَّبِّيُّ، وَقِيلَ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ، وَكَانَ عَلَى شُرَطِ الْمَنْصُورِ وَالْمَهْدِيِّ، وَوَلَّاهُ الْمَهْدِيُّ خُرَاسَانَ. وَفِيهَا وُلِدَ إِدْرِيسُ بْنُ إِدْرِيسَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.

стр. 2656

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ] ١٧٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ ظُهُورِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِالدَّيْلَمِ (فِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بِالدَّيْلَمِ) وَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُ، وَكَثُرَ جُمُوعُهُ، وَأَتَاهُ النَّاسُ مِنَ الْأَمْصَارِ، فَاغْتَمَّ الرَّشِيدُ لِذَلِكَ، فَنَدَبَ إِلَيْهِ الْفَضْلَ بْنَ يَحْيَى فِي خَمْسِينَ أَلْفًا، وَوَلَّاهُ جُرْجَانَ وَطَبَرِسْتَانَ وَالرَّيَّ وَغَيْرَهَا، وَحَمَلَ مَعَهُ الْأَمْوَالَ، فَكَاتَبَ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَلَطُفَ بِهِ، وَحَذَّرَهُ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ، وَبَسَطَ أَمَلَهُ. وَنَزَلَ الْفَضْلُ (الطَّالَقَانَ) ، بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ أَشَبُّ، وَوَالَى كُتُبَهُ إِلَى يَحْيَى، وَكَاتَبَ صَاحِبَ الدَّيْلَمِ، وَبَذَلَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يُسَهِّلَ لَهُ خُرُوجَ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. فَأَجَابَ يَحْيَى إِلَى الصُّلْحِ، عَلَى أَنْ يَكْتُبَ لَهُ الرَّشِيدُ أَمَانًا بِخَطِّهِ يُشْهِدُ عَلَيْهِ فِيهِ الْقُضَاةَ، وَالْفُقَهَاءَ، وَجِلَّةَ بَنِي هَاشِمٍ، وَمَشَايِخَهُمْ، مِنْهُمْ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ، فَأَجَابَهُ الرَّشِيدُ إِلَى ذَلِكَ، وَسُرَّ بِهِ، وَعَظُمَتْ مَنْزِلَةُ الْفَضْلِ عِنْدَهُ وَسَيَّرَ الْأَمَانَ مَعَ هَدَايَا وَتُحَفٍ، فَقَدِمَ يَحْيَى مَعَ الْفَضْلِ بَغْدَاذَ، فَلَقِيَهُ الرَّشِيدُ بِكُلِّ مَا أَحَبَّ، وَأَمَرَ لَهُ بِمَالٍ كَثِيرٍ. ثُمَّ إِنَّ الرَّشِيدَ حَبَسَهُ، فَمَاتَ فِي الْحَبْسِ، وَكَانَ الرَّشِيدُ قَدْ عَرَضَ كِتَابَ أَمَانِ يَحْيَى عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْفَقِيهِ، وَعَلَى أَبِي الْبَخْتَرِيِّ الْقَاضِي، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: الْأَمَانُ صَحِيحٌ، فَحَاجَّهُ الرَّشِيدُ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: وَمَا يَصْنَعُ بِالْأَمَانِ لَوْ كَانَ مُحَارِبًا، ثُمَّ وَلِيَ وَكَانَ آمِنًا؟ وَقَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: هَذَا أَمَانٌ مُنْتَقَضٌ مِنْ وَجْهِ كَذَا، فَمَزَّقَهُ الرَّشِيدُ.

стр. 2657

ذِكْرُ وِلَايَةِ عُمَرَ بْنِ مِهْرَانَ مِصْرَ. وَفِيهَا عَزَلَ الرَّشِيدُ مُوسَى بْنَ عِيسَى عَنْ مِصْرَ، وَرَدَّ أَمْرَهَا إِلَى جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا جَعْفَرٌ عُمَرَ بْنَ مِهْرَانَ. وَكَانَ سَبَبُ عَزْلِهِ أَنَّ الرَّشِيدَ بَلَغَهُ أَنَّ مُوسَى عَازِمٌ عَلَى الْخَلْعِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَعْزِلُهُ إِلَّا بِأَخَسَّ مَنْ عَلَى بَابِي! فَأَمَرَ جَعْفَرًا، فَأَحْضَرَ عُمَرَ بْنَ مِهْرَانَ، وَكَانَ أَحْوَلَ، مُشَوَّهَ الْخَلْقِ، وَكَانَ لِبَاسُهُ خَسِيسًا، وَكَانَ يُرْدِفُ غُلَامَهُ خَلْفَهُ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ الرَّشِيدُ: أَتَسِيرُ إِلَى مِصْرَ أَمِيرًا؟ قَالَ: أَتَوَلَّاهَا عَلَى شَرَائِطَ، إِحْدَاهَا أَنْ يَكُونَ إِذْنِي إِلَى نَفْسِي، إِذَا أَصْلَحْتُ الْبِلَادَ انْصَرَفْتُ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ. فَسَارَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا أَتَى دَارَ مُوسَى فَجَلَسَ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ، فَلَمَّا تَفَرَّقُوا قَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ! ثُمَّ دَفَعَ إِلَيْهِ الْكُتُبَ، فَلَمَّا قَرَأَهَا قَالَ: هَلْ يَقْدَمُ أَبُو حَفْصٍ، أَبْقَاهُ اللَّهُ؟ قَالَ: أَنَا أَبُو حَفْصٍ، قَالَ مُوسَى: لَعَنَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ حَيْثُ قَالَ: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف: ٥١] ، ثُمَّ سَلَّمَ لَهُ الْعَمَلَ. فَتَقَدَّمَ عُمَرُ إِلَى كَاتِبِهِ أَنْ لَا يَقْبَلَ هَدِيَّةً إِلَّا مَا يَدْخُلُ فِي الْكِيسِ، فَبَعَثَ النَّاسُ بِهَدَايَاهُمْ، فَلَمْ يَقْبَلْ دَابَّةً، وَلَا جَارِيَةً، وَلَمْ يَقْبَلْ إِلَّا الْمَالَ وَالثِّيَابَ، فَأَخَذَهَا، وَكَتَبَ عَلَيْهَا أَسْمَاءَ أَصْحَابِهَا، وَتَرَكَهَا. وَكَانَ أَهْلُ مِصْرَ قَدِ اعْتَادُوا الْمَطْلَ بِالْخَرَاجِ، وَكَسْرَهُ، فَبَدَأَ عُمَرُ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ فَطَالَبَهُ بِالْخَرَاجِ، فَلَوَاهُ، فَأَقْسَمَ أَنْ لَا يُؤَدِّيَهُ إِلَّا بِمَدِينَةِ السَّلَامِ، فَبَذَلَ الْخَرَاجَ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ مِنْهُ، وَحَمَلَهُ إِلَى بَغْدَاذَ فَأَدَّى الْخَرَاجَ بِهَا، فَلَمْ يَمْطُلْهُ أَحَدٌ، فَأَخَذَ النَّجْمَ الْأَوَّلَ، وَالنَّجْمَ الثَّانِيَ، فَلَمَّا كَانَ النَّجْمُ الثَّالِثُ وَقَعَتِ الْمُطَاوَلَةُ وَالْمَطْلُ وَشَكَوُا الضِّيقَ، فَأَحْضَرَ تِلْكَ الْهَدَايَا وَحَسَبَهَا لِأَرْبَابِهَا، وَأَمَرَهُمْ بِتَعْجِيلِ الْبَاقِي، فَأَسْرَعُوا فِي ذَلِكَ، فَاسْتَوْفَى خَرَاجَ مِصْرَ عَنْ آخِرِهِ، وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ غَيْرُهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى بَغْدَاذَ. ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِدِمَشْقَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ هَاجَتِ الْفِتْنَةُ بِدِمَشْقَ بَيْنَ الْمُضَرِيَّةِ وَالْيَمَانِيَّةِ، وَكَانَ رَأْسَ الْمُضَرِيَّةِ أَبُو الْهَيْذَامِ، وَاسْمُهُ عَامِرُ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمٍ النَّاعِمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ خَارِجَةَ بْنِ

стр. 2658

سِنَانِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ نُشْبَةَ بْنِ غَيْظِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ بَغِيضِ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ الْمُرِّيُّ، أَحَدُ فُرْسَانِ الْعَرَبِ الْمَشْهُورِينَ. وَكَانَ سَبَبُ الْفِتْنَةِ أَنَّ عَامِلًا لِلرَّشِيدِ بِسِجِسْتَانَ قَتَلَ أَخًا لِأَبِي الْهَيْذَامِ، فَخَرَجَ أَبُو الْهَيْذَامِ بِالشَّامِ، وَجَمَعَ جَمْعًا عَظِيمًا، وَقَالَ يَرْثِي أَخَاهُ: سَأَبْكِيكَ بِالْبِيضِ الرِّقَاقِ وَبِالْقَنَا ... فَإِنَّ بِهَا مَا يُدْرِكُ الطَّالِبُ الْوِتَرَا وَلَسْنَا كَمَنْ يَنْعَى أَخَاهُ بِغَيْرِهِ ... يُعَصِّرُهَا مِنْ مَاءِ مُقْلَتِهِ عَصْرَا وَإِنَّا أُنَاسٌ مَا تَفِيضُ دُمُوعُنَا ... عَلَى هَالِكٍ مِنَّا وَإِنْ قَصَمَ الظَّهْرَا وَلَكِنَّنِي أَشْفِي الْفُؤَادَ بِغَارَةٍ ... أُلَهِّبُ فِي قَطَرَيْ كَتَائِبِهَا جَمْرَا وَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ لِغَيْرِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَهُ. ثُمَّ إِنَّ الرَّشِيدَ احْتَالَ عَلَيْهِ بِأَخٍ لَهُ كَتَبَ إِلَيْهِ فَأَرْغَبَهُ، ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهِ فَكَتَفَهُ، وَأَتَى بِهِ الرَّشِيدَ، فَمَنَّ عَلَيْهِ وَأَطْلَقَهُ. وَقِيلَ: كَانَ أَوَّلُ مَا هَاجَتِ الْفِتْنَةُ فِي الشَّامِ أَنْ رُجَلًا مِنْ [بَنِي] الْقَيْنِ خَرَجَ بِطَعَامٍ لَهُ يَطْحَنُهُ فِي الرَّحَا بِالْبَلْقَاءِ، فَمَرَّ بِحَائِطِ رَجُلٍ مِنْ لَخْمٍ أَوْ جُذَامٍ، وَفِيهِ بِطِّيخٌ وَقِثَّاءٌ، فَتَنَاوَلَ مِنْهُ، فَشَتَمَهُ صَاحِبُهُ، وَتَضَارَبَا، وَسَارَ الْقَيْنِيُّ، فَجَمَعَ صَاحِبُ الْبِطِّيخِ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ لِيَضْرِبُوهُ إِذَا عَادَ، فَلَمَّا عَادَ ضَرَبُوهُ وَأَعَانَهُ قَوْمٌ آخَرُونَ، فَقُتِلَ رَجُلٌ مِنَ الْيَمَانِيَّةِ، وَطَلَبُوا بِدَمِهِ، فَاجْتَمَعُوا لِذَلِكَ. وَكَانَ عَلَى دِمَشْقَ حِينَئِذٍ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ، فَلَمَّا خَافَ النَّاسُ أَنْ يَتَفَاقَمَ ذَلِكَ اجْتَمَعَ أَهْلُ الْفَضْلِ وَالرُّؤَسَاءِ لِيُصْلِحُوا بَيْنَهُمْ، فَأَتَوْا بَنِي الْقَيْنِ فَكَلَّمُوهُمْ، فَأَجَابُوهُمْ إِلَى مَا طَلَبُوا، فَأَتَوُا الْيَمَانِيَّةَ فَكَلَّمُوهُمْ، فَقَالُوا: انْصَرِفُوا عَنَّا حَتَّى نَنْظُرَ، ثُمَّ سَارُوا، فَبَيَّتُوا [بَنِي]

стр. 2659

الْقَيْنِ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ سِتَّمِائَةٍ، وَقِيلَ ثَلَاثَمِائَةٍ، فَاسْتَنْجَدَتِ الْقَيْنُ قُضَاعَةَ وَسَلِيحًا، فَلَمْ يُنْجِدُوهُمْ، فَاسْتَنْجَدَتْ قَيْسًا فَأَجَابُوهُمْ، وَسَارُوا مَعَهُمْ إِلَى الصَّوَالِيكِ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ، فَقَتَلُوا مِنَ الْيَمَانِيَّةِ ثَمَانِمِائَةٍ، وَكَثُرَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ فَالْتَقَوْا مَرَّاتٍ. وَعُزِلَ عَبْدُ الصَّمَدِ عَنْ دِمَشْقَ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ صَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ، فَدَامَ ذَلِكَ الشَّرُّ بَيْنَهُمْ نَحْوَ سَنَتَيْنِ، وَالْتَقَوْا بِالْبَثْنِيَّةِ، فَقُتِلَ مِنَ الْيَمَانِيَّةِ نَحْوُ ثَمَانِمِائَةٍ، ثُمَّ اصْطَلَحُوا بَعْدَ شَرٍّ طَوِيلٍ. وَوَفَدَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ صَالِحٍ عَلَى الرَّشِيدِ، وَكَانَ مَيْلُهُ مَعَ الْيَمَانِيَّةِ، فَوَقَعَ فِي قَيْسٍ عِنْدَ الرَّشِيدِ، فَاعْتَذَرَ عَنْهُمْ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ بِشْرٍ النَّصْرِيُّ مِنْ بَنِي نَصْرٍ، فَقَبِلَ عُذْرَهُمْ، وَرَجَعُوا. وَاسْتَخْلَفَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ صَالِحٍ عَلَى دِمَشْقَ ابْنَهُ إِسْحَاقَ، وَكَانَ مَيْلُهُ أَيْضًا مَعَ الْيَمَانِيَّةِ، فَأَخَذَ جَمَاعَةً مِنْ قَيْسٍ، فَحَبَسَهُمْ، وَضَرَبَهُمْ وَحَلَقَ لِحَاهُمْ، فَنَفَرَ النَّاسُ، وَوَثَبَ غَسَّانُ بِرَجُلٍ مِنْ وَلَدِ قَيْسِ بْنِ الْعَبْسِيِّ فَقَتَلُوهُ، فَجَاءَ أَخُوهُ إِلَى نَاسٍ مِنَ الزَّوَاقِيلِ بِحَوْرَانَ، فَاسْتَنْجَدَهُمْ فَأَنْجَدُوهُ وَقَتَلُوا مِنَ الْيَمَانِيَّةِ نَفَرًا. ثُمَّ ثَارَتِ الْيَمَانِيَّةُ بِكُلَيْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجُنَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعِنْدَهُ ضَيْفٌ لَهُ، فَقَتَلُوهُ، فَجَاءَتْ أُمُّ الْغُلَامِ بِثِيَابِهِ إِلَى أَبِي الْهَيْذَامِ، فَأَلْقَتْهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: انْصَرِفِي حَتَّى نَنْظُرَ، فَإِنِّي لَا أَخْبِطَ خَبْطَ الْعَشْوَاءِ، حَتَّى يَأْتِيَ الْأَمِيرُ وَنَرْفَعَ إِلَيْهِ دِمَاءَنَا، فَإِنْ نَظَرَ فِيهَا وَإِلَّا فَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَنْظُرُ فِيهَا. ثُمَّ أَرْسَلَ إِسْحَاقُ فَأَحْضَرَ أَبَا الْهَيْذَامِ، فَحَضَرَ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، ثُمَّ إِنَّ نَاسًا مِنَ الزَّوَاقِيلِ قَتَلُوا رُجَلًا مِنَ الْيَمَانِيَّةِ، وَقَتَلَتِ الْيَمَانِيَّةُ رُجَلًا مِنْ سُلَيْمٍ، وَنَهَبَتْ أَهْلَ تَلْفِياثَا، وَهُمْ جِيرَانُ مُحَارِبٍ، فَجَاءَتْ مُحَارِبٌ إِلَى أَبِي الْهَيْذَامِ، فَرَكِبَ مَعَهُمْ إِلَى إِسْحَاقَ فِي ذَلِكَ، فَوَعَدَهُمُ الْجَمِيلَ فَرَضِيَ. فَلَمَّا انْصَرَفَ أَرْسَلَ إِسْحَاقُ إِلَى الْيَمَانِيَّةِ يُغْرِيهِمْ بِأَبِي الْهَيْذَامِ، فَاجْتَمَعُوا، وَأَتَوْا أَبَا الْهَيْذَامِ مِنْ بَابِ الْجَابِيَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، فَهَزَمَهُمْ، وَاسْتَوْلَى عَلَى دِمَشْقَ، وَأَخْرَجَ أَهْلَ السُّجُونِ عَامَّةً. ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الْيَمَانِيَّةِ اسْتَجْمَعَتْ، وَاسْتَنْجَدَتْ كَلْبًا وَغَيْرَهُمْ فَأَمَدُّوهُمْ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ أَبَا الْهَيْذَامِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْمُضْرِيَّةِ، فَأَتَتْهُ الْأَمْدَادُ وَهُوَ يُقَاتِلُ الْيَمَانِيَّةَ عِنْدَ بَابِ تُومَا، فَانْهَزَمَتِ الْيَمَانِيَّةُ.

стр. 2660

(ثُمَّ إِنَّ الْيَمَانِيَّةَ أَتَتْ قَرْيَةً لِقَيْسٍ عِنْدَ دِمَشْقَ، فَأَرْسَلَ أَبُو الْهَيْذَامِ إِلَيْهِمُ الزَّوَاقِيلَ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَانْهَزَمَتِ الْيَمَانِيَّةُ) أَيْضًا، ثُمَّ لَقِيَهُمْ جَمْعٌ آخَرُ فَانْهَزَمُوا أَيْضًا، ثُمَّ أَتَاهُمُ الصَّرِيخُ: أَدْرِكُوا بَابَ تُومَا، فَأَتَوْهُ فَقَاتَلُوا الْيَمَانِيَّةَ فَانْهَزَمَتْ أَيْضًا، فَهَزَمُوهُمْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى أَبِي الْهَيْذَامِ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِسْحَاقُ إِلَى أَبِي الْهَيْذَامِ يَأْمُرُهُ بِالْكَفِّ، فَفَعَلَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْيَمَانِيَّةِ: قَدْ كَفَفْتُهُ عَنْكُمْ، فَدُونَكُمُ الرَّجُلُ فَهُوَ غَارٌّ، فَأَتَوْهُ مِنْ بَابِ شَرْقِيٍّ مُتَسَلِّلِينَ، فَأَتَى الصَّرِيخُ أَبَا الْهَيْذَامِ، فَرَكِبَ فِي فَوَارِسَ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَاتَلَهُمْ، فَهَزَمَهُمْ. ثُمَّ بَلَغَهُ خَبَرُ جَمْعٍ آخَرَ لَهُمْ عَلَى بَابِ تُومَا، فَأَتَاهُمْ، فَهَزَمَهُمْ أَيْضًا، ثُمَّ جَمَعَتِ الْيَمَانِيَّةُ أَهْلَ الْأُرْدُنِّ وَالْخَوْلَانَ وَكَلْبًا وَغَيْرَهُمْ، وَأَتَى الْخَبَرُ أَبَا الْهَيْذَامِ، فَأَرْسَلَ مَنْ يَأْتِيهِ بِخَبَرِهِمْ، فَلَمْ يَقِفْ لَهُمْ عَلَى خَبَرٍ فِي ذَلِكَ، وَجَاءُوا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى كَانَ آمِنًا مِنْهَا لِبِنَاءٍ فِيهَا. فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ وَلَمْ يَرَ شَيْئًا فَرَّقَ أَصْحَابَهُ، فَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ، وَدَخَلَهَا مَعَهُمْ، وَخَلَّفَ طَلِيعَةً، فَلَمَّا رَآهُ إِسْحَاقُ قَدْ دَخَلَ أَرْسَلَ إِلَى ذَلِكَ الْبِنَاءِ فَهَدَمَهُ، وَأَمَرَ الْيَمَانِيَّةَ بِالْعُبُورِ، فَفَعَلُوا، فَجَاءَتِ الطَّلِيعَةُ إِلَى أَبِي الْهَيْذَامِ، فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، وَهُوَ عِنْدَ بَابِ الصَّغِيرِ. وَدَخَلَتِ الْيَمَانِيَّةُ الْمَدِينَةَ وَحَمَلُوا عَلَى أَبِي الْهَيْذَامِ، فَلَمْ يَبْرَحْ، وَأَمَرَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ أَنْ يَأْتِيَ الْيَمَانِيَّةَ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمَّا رَأَتْهُمُ الْيَمَانِيَّةُ تَنَادَوْا: الْكَمِينَ الْكَمِينَ، وَانْهَزَمُوا، وَأَخَذَ مِنْهُمْ سِلَاحًا وَخَيْلًا. فَلَمَّا كَانَ مُسْتَهَلُّ صَفَرٍ جَمَعَ إِسْحَاقُ الْجُنُودَ، فَعَسْكَرُوا عِنْدَ قَصْرِ الْحَجَّاجِ، وَأَعْلَمَ أَبُو الْهَيْذَامِ أَصْحَابَهُ، فَجَاءَتْهُ الْقَيْنُ وَغَيْرُهُمْ، وَاجْتَمَعَتِ الْيَمَنُ إِلَى إِسْحَاقَ، فَالْتَقَى بَعْضُ الْعَسْكَرِ فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَتِ الْيَمَانِيَّةُ وَقُتِلَ مِنْهُمْ وَنَهَبَ أَصْحَابُ أَبِي الْهَيْذَامِ بَعْضَ دَارِيَّا، وَأَحْرَقُوا فِيهَا وَرَجَعُوا، وَأَغَارَ هَؤُلَاءِ، فَنَهَبُوا وَأَحْرَقُوا، وَاقْتَتَلُوا غَيْرَ مَرَّةٍ، فَانْهَزَمَتِ الْيَمَانِيَّةُ أَيْضًا. فَأَرْسَلَتِ ابْنَةُ الضَّحَّاكِ بْنِ رَمْلٍ السَّكْسَكِيِّ، وَهِيَ يَمَانِيَّةٌ، إِلَى أَبِي الْهَيْذَامِ تَطْلُبُ مِنْهُ الْأَمَانَ، فَأَجَابَهَا، وَكَتَبَ لَهَا، وَنَهَبَ الْقُرَى الَّتِي لِلْيَمَانِيَّةِ بِنَوَاحِي دِمَشْقَ وَأَحْرَقَهَا، فَلَمَّا رَأَتِ الْيَمَانِيَّةُ ذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنُ خَارِجَةَ الْحَرَشِيُّ، وَابْنُ عَزَّةَ الْخُشَنِيُّ، وَأَتَاهُ الْأَوْزَاعُ وَالْأَوْصَابُ، وَمُقْرَا، وَأَهْلُ كَفْرِ سُوسِيَّةَ، وَالْحِمْيَرِيُّونَ، وَغَيْرُهُمْ يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ،

стр. 2661

فَآمَنُهُمْ، فَسَكَنَ النَّاسُ وَأَمِنُوا. وَفَرَّقَ أَبُو الْهَيْذَامِ أَصْحَابَهُ، وَبَقِيَ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ، فَطَمِعَ فِيهِ إِسْحَاقُ، فَبَذَلَ الْأَمْوَالَ لِلْجُنُودِ لِيُوَاقِعَ أَبَا الْهَيْذَامِ، فَأَرْسَلَ الْعُذَافِرَ السَّكْسَكِيَّ فِي جَمْعٍ إِلَى أَبِي الْهَيْذَامِ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَانْهَزَمَ الْعُذَافِرُ. وَدَامَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ أَبِي الْهَيْذَامِ وَبَيْنَ الْجُنُودِ مِنَ الظُّهْرِ إِلَى الْمَسَاءِ، وَحَمَلَتْ خَيْلُ أَبِي الْهَيْذَامِ عَلَى الْجُنْدِ، فَجَالُوا ثُمَّ تَرَاجَعُوا وَانْصَرَفُوا، وَقَدْ جُرِحَ مِنْهُمْ أَرْبَعُمِائَةٍ، وَلَمْ يُقْتَلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَذَلِكَ نِصْفَ صَفَرٍ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ لَمْ يَقْتَتِلُوا إِلَى الْمَسَاءِ، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ النَّهَارِ تَقَدَّمَ إِسْحَاقُ فِي الْجُنْدِ، فَقَاتَلَهُمْ عَامَّةَ اللَّيْلِ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، وَاسْتَمَدَّ أَبُو الْهَيْذَامِ أَصْحَابَهُ، وَأَصْبَحُوا مِنَ الْغَدِ فَاقْتَتَلُوا وَالْجُنْدُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَجَاءَتْهُمُ الْيَمَانِيَّةُ، وَخَرَجَ أَبُو الْهَيْذَامِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ، وَهُمْ قَلِيلُونَ: انْزِلُوا، فَنَزَلُوا، وَقَاتَلُوهُمْ عَلَى بَابِ الْجَابِيَةِ، حَتَّى أَزَالُوهُمْ عَنْهُ. ثُمَّ إِنَّ جَمْعًا مِنْ أَهْلِ حِمْصَ أَغَارُوا عَلَى قَرْيَةٍ لِأَبِي الْهَيْذَامِ، فَأَرْسَلَ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَيْهِمْ، فَقَاتَلُوهُمْ فَانْهَزَمَ أَهْلُ حِمْصَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَأَحْرَقُوا قُرًى فِي الْغُوطَةِ لِلْيَمَانِيَّةِ، وَأَحْرَقُوا دَارِيَّا، ثُمَّ بَقُوا نَيِّفًا وَسَبْعِينَ يَوْمًا لَمْ تَكُنْ حَرْبٌ. فَقَدِمَ السِّنْدِيُّ، مُسْتَهَلَّ رَبِيعٍ الْآخِرِ، فِي الْجُنُودِ مِنْ عِنْدِ الرَّشِيدِ فَأَتَتْهُ الْيَمَانِيَّةُ تُغْرِيهِ بِأَبِي الْهَيْذَامِ، وَأَرْسَلَ أَبُو الْهَيْذَامِ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ أَنَّهُ عَلَى الطَّاعَةِ، فَأَقْبَلَ حَتَّى دَخَلَ دِمَشْقَ، وَإِسْحَاقُ بِدَارِ الْحَجَّاجِ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَرْسَلَ السِّنْدِيُّ قَائِدًا فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَأَخْرَجَ إِلَيْهِمْ أَبُو الْهَيْذَامِ أَلْفًا، فَلَمَّا رَآهُمُ الْقَائِدُ رَجَعَ إِلَى السِّنْدِيِّ، فَقَالَ: أَعْطِ هَؤُلَاءِ مَا أَرَادُوا، فَقَدْ رَأَيْتُ قَوْمًا الْمَوْتُ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنَ الْحَيَاةِ، فَصَالَحَ أَبُو الْهَيْذَامِ، وَأَمِنَ أَهْلُ دِمَشْقَ وَالنَّاسُ. وَسَارَ أَبُو الْهَيْذَامِ إِلَى حَوْرَانَ، وَأَقَامَ السِّنْدِيُّ بِدِمَشْقَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَدِمَ مُوسَى بْنُ عِيسَى وَالِيًا عَلَيْهَا، فَلَمَّا دَخَلَهَا أَقَامَ بِهَا عِشْرِينَ يَوْمًا، وَاغْتَنَمَ غِرَّةَ أَبِي الْهَيْذَامِ فَأَرْسَلَ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ، فَكَبَسُوا دَارَهُ، فَخَرَجَ هُوَ وَابْنُهُ خُرَيْمٌ وَعَبْدٌ لَهُ، فَقَاتَلُوهُمْ، وَنَجَا مِنْهُمْ وَانْهَزَمَ الْجُنْدُ.

стр. 2662

وَسَمِعَتْ خَيْلُ أَبِي الْهَيْذَامِ، فَجَاءَتْهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَقَصَدَ بُصْرَى، وَقَاتَلَ جُنُودَ مُوسَى بِطَرَفِ اللَّجَاةِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ، وَانْهَزَمُوا، وَمَضَى أَبُو الْهَيْذَامِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَاهُ خَمْسُ فَوَارِسَ فَكَلَّمُوهُ، فَأَوْصَى أَصْحَابَهُ بِمَا أَرَادَ، وَتَرَكَهُمْ وَمَضَى، وَذَلِكَ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ. (وَكَانَ أُولَئِكَ النَّفَرُ قَدْ أَتَوْهُ مِنْ عِنْدِ أَخِيهِ يَأْمُرُهُ بِالْكَفِّ، فَفَعَلَ، وَمَضَى مَعَهُمْ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالتَّفَرُّقِ، وَكَانَ آخِرَ الْفِتْنَةِ، وَمَاتَ أَبُو الْهَيْذَامِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ) . هَذَا مَا أَرَدْنَا ذِكْرَهُ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِصَارِ. (خُرَيْمٌ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَفَتْحِ الرَّاءِ. وَحَارِثَةُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ. وَنُشْبَةُ بِضَمِّ النُّونِ، وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ، وَبَغِيضٌ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَآخِرُهُ ضَادٌ مُعْجَمَةٌ. وَرَيْثٌ بِالرَّاءِ، وَالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَآخِرُهُ ثَاءٌ مُثَلَّثَةٌ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بِجَيْشِ صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ بِلَادَ الْفِرِنْجِ، فَبَلَغَ أَلَبَةَ، وَالْقِلَاعَ، فَغَنِمَ، وَسَلِمَ. وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ هِشَامٌ ابْنَهُ الْحَكَمَ عَلَى طُلَيْطِلَةَ، وَسَيَّرَهُ إِلَيْهَا، فَضَبَطَهَا، وَأَقَامَ بِهَا، وَوُلِدَ لَهُ بِهَا ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ، وَهُوَ الَّذِي وَلِيَ الْأَنْدَلُسَ بَعْدَ أَبِيهِ. وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الرَّشِيدُ عَلَى الْمَوْصِلِ الْحَاكِمَ بْنَ سُلَيْمَانَ. وَفِيهَا خَرَجَ الْفَضْلُ الْخَارِجِيُّ بِنَوَاحِي نَصِيبِينَ، فَأَخَذَ مِنْ أَهْلِهَا مَالًا، وَسَارَ إِلَى دَارَا

стр. 2663

وَآمِدَ وَأَرْزَنَ، فَأَخَذَ مِنْهُمْ مَالًا، وَكَذَلِكَ فَعَلَ بِخِلَاطَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى نَصِيبِينَ، وَأَتَى الْمَوْصِلَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَسْكَرُهَا، فَهَزَمَهُمْ عَلَى الزَّابِ، ثُمَّ عَادُوا لِقِتَالِهِ، فَقُتِلَ الْفَضْلُ وَأَصْحَابُهُ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ الْفَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ، وَصَالِحُ بْنُ بَشِيرٍ الْمُرِّيُّ الْقَارِئُ، وَكَانَ ضَعِيفًا فِي الْحَدِيثِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَبُو طَاهِرٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ قَاضِيًا بِبَغْدَاذَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ النَّحْوِيُّ الْكُوفِيُّ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَاسْمُهُ الْوَضَّاحُ مَوْلَى يَزِيدَ بْنِ عَطَاءٍ اللَّيْثِيِّ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ.

стр. 2664

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ] ١٧٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ غَزْوِ الْفِرِنْجِ بِالْأَنْدَلُسِ وَفِيهَا سَيَّرَ هِشَامٌ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، جَيْشًا كَثِيفًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُغِيثٍ، فَدَخَلُوا بِلَادَ الْعَدُوِّ، فَبَلَغُوا أَرْبُونَةَ، وَجَرَنْدَةَ، فَبَدَأَ بِجَرَنْدَةَ، وَكَانَ بِهَا حَامِيَةُ الْفِرِنْجِ، فَقَتَلَ رِجَالِهَا، وَهَدَمَ أَسْوَارَهَا وَأَبْرَاجَهَا، وَأَشْرَفَ عَلَى فَتْحِهَا. فَرَحَلَ عَنْهَا إِلَى أَرْبُونَةَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَوْغَلَ فِي بِلَادِهِمْ، وَوَطِئَ أَرْضَ شُرْطَانِيَةَ، فَاسْتَبَاحَ حَرِيمَهَا، وَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهَا، وَجَاسَ الْبِلَادَ شُهُورًا يُخَرِّبُ الْحُصُونَ، وَيُحَرِّقُ وَيَغْنَمُ، قَدْ أَجَفَلَ الْعَدُوُّ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ هَارِبًا، وَأَوْغَلَ فِي بِلَادِهِمْ، وَرَجَعَ سَالِمًا مَعَهُ مِنَ الْغَنَائِمِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَهِيَ مِنْ أَشْهَرِ مَغَازِي الْمُسْلِمِينَ بِالْأَنْدَلُسِ. ذِكْرُ اسْتِعْمَالِ الْفَضْلِ بْنِ رَوْحِ بْنِ حَاتِمٍ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهِيَ سَنَةُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ، اسْتَعْمَلَ الرَّشِيدُ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ الْفَضْلَ بْنَ رَوْحِ بْنِ حَاتِمٍ، وَكَانَ الرَّشِيدُ لَمَّا تُوُفِّيَ رَوْحٌ اسْتَعْمَلَ بَعْدَهُ حَبِيبَ بْنَ نَصْرٍ الْمُهَلَّبِيَّ، فَسَارَ الْفَضْلُ إِلَى بَابِ الرَّشِيدِ، وَخَطَبَ وِلَايَةَ إِفْرِيقِيَّةَ، فَوَلَّاهُ، فَعَادَ إِلَيْهَا، فَقَدِمَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَى مَدِينَةِ تُونِسَ ابْنَ أَخِيهِ الْمُغِيرَةَ بْنَ بِشْرِ بْنِ رَوْحٍ، وَكَانَ غَارًّا، فَاسْتَخَفَّ بِالْجُنْدِ. وَكَانَ الْفَضْلُ أَيْضًا قَدْ أَوْحَشَهُمْ، وَأَسَاءَ السِّيرَةَ مَعَهُمْ، بِسَبَبِ مَيْلِهِمْ إِلَى نَصْرِ بْنِ حَبِيبٍ الْوَالِي قَبْلَهُ، فَاجْتَمَعَ مَنْ بِتُونِسَ، وَكَتَبُوا إِلَى الْفَضْلِ يَسْتَعْفُونَ مِنِ ابْنِ أَخِيهِ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ عَنْ كِتَابِهِمْ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى تَرْكِ طَاعَتِهِ. فَقَالَ لَهُمْ قَائِدٌ مِنَ الْخُرَاسَانِيَّةِ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَارِسِيِّ: كُلُّ جَمَاعَةٍ لَا رَئِيسَ لَهَا فَهِيَ إِلَى الْهَلَاكِ أَقْرَبُ، فَانْظُرُوا رُجَلًا يُدَبِّرُ أَمْرَكُمْ. قَالُوا: صَدَقْتَ، فَاتَّفَقُوا عَلَى تَقْدِيمِ قَائِدٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَارُودِ، يُعْرَفُ

стр. 2665

بِعَبْدَوَيْهِ الْأَنْبَارِيِّ، فَقَدَّمُوهُ عَلَيْهِمْ، وَبَايَعُوهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَأَخْرَجُوا الْمُغِيرَةَ عَنْهُمْ، وَكَتَبُوا إِلَى الْفَضْلِ يَقُولُونَ: إِنَّا لَمْ نُخْرِجْ يَدًا عَنْ طَاعَةٍ، وَلَكِنَّهُ أَسَاءَ السِّيرَةَ، فَأَخْرَجْنَاهُ، فَوَلِّ عَلَيْنَا مَنْ نَرْضَاهُ. فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمُ ابْنَ عَمِّهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ وَسَيَّرَهُ إِلَيْهِمْ. فَلَمَّا كَانَ عَلَى مَرْحَلَةٍ مِنْ تُونِسَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنُ الْجَارُودِ جَمَاعَةً لِيَنْظُرُوا فِي أَيِّ شَيْءٍ قَدِمَ وَلَا يُحْدِثُوا حَدَثًا إِلَّا بِأَمْرِهِ، فَسَارُوا إِلَيْهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّ الْفَضْلَ يَخْدَعُكُمْ بِوِلَايَةِ هَذَا، ثُمَّ يَنْتَقِمُ مِنْكُمْ بِإِخْرَاجِكُمْ أَخَاهُ. فَعَدَوْا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ فَقَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا مَنْ مَعَهُ مِنَ الْقُوَّادِ أُسَارَى، فَاضْطَرَّ حِينَئِذٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَارُودِ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الْقِيَامِ وَالْجِدِّ فِي إِزَالَةِ الْفَضْلِ. فَتَوَلَّى ابْنُ الْفَارِسِيِّ الْأَمْرَ، وَصَارَ يَكْتُبُ إِلَى كُلِّ قَائِدٍ بِإِفْرِيقِيَّةَ وَمُتَوَلِّي مَدِينَةٍ يَقُولُ لَهُ: إِنَّا نَظَرْنَا فِي صَنِيعِ الْفَضْلِ فِي بِلَادِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَسُوءِ سِيرَتِهِ، فَلَمْ يَسَعْنَا إِلَّا الْخُرُوجُ عَلَيْهِ لِنُخْرِجَهُ عَنَّا، ثُمَّ نَظَرْنَا فَلَمْ نَجِدْ أَحَدًا أَوْلَى بِنَصِيحَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، لِبُعْدِ صَوْتِهِ وَعَطْفِهِ عَلَى جُنْدِهِ مِنْكَ، فَرَأَيْنَا أَنْ تُجْعَلَ نُفُوسُنَا دُونَكَ، فَإِنْ ظَفِرْنَا جَعَلْنَاكَ أَمِيرَنَا، وَكَتَبْنَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ نَسْأَلُهُ وِلَايَتَكَ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى فَلَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ أَنَّنَا أَرَدْنَاكَ، وَالسَّلَامُ. فَأَفْسَدَ بِهَذَا كَافَّةَ الْجُنْدِ عَلَى الْفَضْلِ، وَكَثُرَ الْجَمْعُ عِنْدَهُمْ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمُ الْفَضْلُ عَسْكَرًا كَثِيرًا، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ، فَقَاتَلُوهُ، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُهُ وَعَادَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ مُنْهَزِمًا، وَتَبِعَهُمْ أَصْحَابُ ابْنِ الْجَارُودِ، فَحَاصَرُوا الْقَيْرَوَانَ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ فَتَحَ أَهْلُ الْقَيْرَوَانِ الْأَبْوَابَ. وَدَخَلَ ابْنُ الْجَارُودِ وَعَسْكَرُهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَأَخْرَجَ الْفَضْلَ مِنَ الْقَيْرَوَانِ، وَوَكَّلَ بِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهِ أَنْ يُوصِلَهُمْ إِلَى قَابِسَ، فَسَارُوا يَوْمَهُمْ، ثُمَّ رَدَّهُمُ ابْنُ الْجَارُودِ، وَقَتَلَ الْفَضْلَ بْنَ رَوْحِ بْنِ حَاتِمٍ. فَلَمَّا قُتِلَ الْفَضْلُ غَضِبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْجُنْدِ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى قِتَالِ ابْنِ الْجَارُودِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرًا فَانْهَزَمَ عَسْكَرُهُ، وَعَادَ إِلَيْهِ بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ وَاسْتَوْلَى أُولَئِكَ الْجُنْدُ عَلَى الْقَيْرَوَانِ، وَكَانَ ابْنُ الْجَارُودِ بِمَدِينَةِ تُونِسَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَقَدْ تَفَرَّقُوا بَعْدَ دُخُولِ الْقَيْرَوَانِ. فَوَصَلَ إِلَيْهِمُ ابْنُ الْجَارُودِ، فَلَقَوْهُ وَاقْتَتَلُوا، فَهَزَمَهُمُ ابْنُ الْجَارُودِ وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِهِمْ، فَانْهَزَمُوا، فَلَحِقُوا بِالْأَرْبَسِ، وَقَدَّمُوا عَلَيْهِمُ الْعَلَاءَ بْنَ سَعِيدٍ وَالِي بَلَدِ الزَّابِ وَسَارُوا إِلَى الْقَيْرَوَانِ.
следующие страницы →