← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

وَأَمَّا هَرْثَمَةُ فَإِنَّهُ أَقَامَ بِالْكُوفَةِ يَوْمًا وَاحِدًا (وَعَادَ) ، وَاسْتَخْلَفَ بِهَا غَسَّانَ بْنَ أَبِي الْفَرَجِ أَبَا إِبْرَاهِيمَ بْنِ غَسَّانَ، صَاحِبِ (حَرَسٍ) وَالِي خُرَاسَانَ. وَسَارَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَأَخَذَهَا مِنَ الْعَلَوِيِّينَ. وَكَانَ زَيْدُ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵇ وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى زَيْدَ النَّارِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهَا لِكَثْرَةِ مَا أَحْرَقَ بِالْبَصْرَةِ مِنْ دُورِ الْعَبَّاسِيِّينَ وَأَتْبَاعِهِمْ، وَكَانَ إِذَا أَتَى رَجُلٌ مِنَ الْمُسَوِّدَةِ أَحْرَقَهُ، وَأَخَذَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً مِنْ أَمْوَالِ التُّجَّارِ سِوَى أَمْوَالِ بَنِي الْعَبَّاسِ، فَلَمَّا وَصَلَ عَلِيٌّ إِلَى الْبَصْرَةِ اسْتَأْمَنَهُ زَيْدٌ فَأَمَّنَهُ، وَأَخَذَهُ، وَبَعَثَ إِلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَنِ جَيْشًا، فَأَمَرَهُمْ بِمُحَارَبَةِ مَنْ بِهَا مِنَ الْعَلَوِيِّينَ. وَكَانَ بَيْنَ خُرُوجِ أَبِي السَّرَايَا وَقَتْلِهِ عَشَرَةُ أَشْهُرٍ. ذِكْرُ ظُهُورِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ أَبِي السَّرَايَا وَمَا كَانَ مِنْهُ - سَارَ إِلَى الْيَمَنِ وَبِهَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَامِلًا لِلْمَأْمُونِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ قُرْبُ إِبْرَاهِيمَ مِنْ صَنْعَاءَ، سَارَ مِنْهَا نَحْوَ مَكَّةَ، فَأَتَى الْمُشَاشَ فَعَسْكَرَ بِهَا، وَاجْتَمَعَ بِهَا إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَرَبُوا مِنَ الْعَلَوِيِّينَ، وَاسْتَوْلَى إِبْرَاهِيمُ عَلَى الْيَمَنِ، وَكَانَ يُسَمَّى الْجَزَّارَ لِكَثْرَةِ مَنْ قَتَلَ بِالْيَمَنِ وَسَبَى وَأَخَذَ الْأَمْوَالَ.

стр. 2837

ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَفْطَسُ بِمَكَّةَ وَالْبَيْعَةِ لِمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، نَزَعَ الْحُسَيْنُ كُسْوَةَ الْكَعْبَةِ، وَكَسَاهَا كُسْوَةً أُخْرَى، أَنْفَذَهَا أَبُو السَّرَايَا مِنَ الْكُوفَةِ، مِنَ الْقَزِّ، وَتَتَبَّعَ وَدَائِعَ بَنِي الْعَبَّاسِ وَأَتْبَاعَهُمْ وَأَخَذَهَا، وَأَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِحُجَّةِ الْوَدَائِعِ، فَهَرَبَ النَّاسُ مِنْهُ، وَتَطَرَّقَ أَصْحَابُهُ إِلَى قَلْعِ شَبَابِيكِ الْحَرَمِ، وَأَخْذِ مَا عَلَى الْأَسَاطِينِ مِنَ الذَّهَبِ، وَهُوَ نَزْرٌ حَقِيرٌ، وَأَخْذِ مَا فِي خِزَانَةِ الْكَعْبَةِ، فَقَسَّمَهُ مَعَ كُسْوَتِهَا عَلَى أَصْحَابِهِ. فَلَمَّا بَلَغَهُ قَتْلُ أَبِي السَّرَايَا، وَرَأَى تَغَيُّرَ النَّاسِ لِسُوءِ سِيرَتِهِ وَسِيرَةِ أَصْحَابِهِ، أَتَى هُوَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵇ وَكَانَ شَيْخًا مُحَبَّبًا لِلنَّاسِ، مُفَارِقًا لِمَا عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ مِنْ قُبْحِ السِّيرَةِ، وَكَانَ يَرْوِي الْعِلْمَ عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرٍ ﵁ وَكَانَ النَّاسُ يَكْتُبُونَ عَنْهُ، وَكَانَ يُظْهِرُ زُهْدًا، فَلَمَّا أَتَوْهُ قَالُوا لَهُ: تَعْلَمُ مَنْزِلَتَكَ مِنَ النَّاسِ، فَهَلُمَّ نُبَايِعْ لَكَ بِالْخِلَافَةِ، فَإِنْ فَعَلْتَ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ رَجُلَانِ. فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ ابْنُهُ عَلِيٌّ وَالْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَفْطَسُ حَتَّى غَلَبَاهُ عَلَى رَأْيِهِ، وَأَجَابَهُمْ، وَأَقَامُوهُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَبَايَعُوهُ بِالْخِلَافَةِ، وَجَمَعُوا لَهُ النَّاسَ، فَبَايَعُوهُ طَوْعًا وَكَرْهًا، وَسَمَّوْهُ " أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ "، فَبَقِيَ شُهُورًا وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، وَابْنُهُ عَلِيٌّ وَالْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ وَجَمَاعَتُهُمْ أَسْوَأُ مَا كَانُوا سِيرَةً وَأَقْبَحُ فِعْلًا، فَوَثَبَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي فِهْرٍ كَانْتْ جَمِيلَةً، وَأَرَادَهَا عَلَى نَفْسِهَا، فَامْتَنَعَتْ، فَأَخَافَ زَوْجَهَا، وَهُوَ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، حَتَّى تَوَارَى عَنْهُ، ثُمَّ كَسَرَ بَابَ دَارِهَا، وَأَخَذَهَا إِلَيْهِ مُدَّةً ثُمَّ هَرَبَتْ مِنْهُ. وَوَثَبَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَلَى غُلَامٍ أَمَرَدَ، وَهُوَ ابْنُ قَاضِي مَكَّةَ، يُقَالُ لَهُ إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ جَمِيلًا، فَأَخَذَهُ قَهْرًا. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ وَمَنْ بِهَا مِنَ الْمُجَاوِرِينَ اجْتَمَعُوا بِالْحَرَمِ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُمْ جَمْعٌ كَثِيرٌ، فَأَتَوْ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ، فَقَالُوا لَهُ: لَنَخْلَعَنَّكَ، أَوْ لَنَقْتُلَنَّكَ، أَوْ لَتَرُدَنَّ إِلَيْنَا هَذَا الْغُلَامَ! فَأَغْلَقَ بَابَهُ وَكَلَّمَهُمْ مِنْ شُبَّاكٍ، وَطَلَبَ مِنْهُمُ الْأَمَانَ لِيَرْكَبَ إِلَى ابْنِهِ وَيَأْخُذَ الْغُلَامَ، وَحَلَفَ لَهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ، فَأَمَّنُوهُ،

стр. 2838

فَرَكِبَ (إِلَى ابْنِهِ) وَأَخَذَ الْغُلَامَ مِنْهُ وَسَلَّمَهُ إِلَى أَهْلِهِ. وَلَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى قَدِمَ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْعَبَّاسِيُّ مِنَ الْيَمَنِ فَنَزَلَ الْمُشَاشَ، وَاجْتَمَعَ الطَّالِبِيُّونَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَأَعْلَمُوهُ، وَحَفَرُوا خَنْدَقًا، وَجَمَعُوا النَّاسَ مِنَ الْأَعْرَابِ وَغَيْرِهِمْ، فَقَاتَلَهُمْ إِسْحَاقُ، ثُمَّ كَرِهَ الْقِتَالَ، فَسَارَ نَحْوَ الْعِرَاقِ، فَلَقِيَهُ الْجُنْدُ الَّذِينَ أَنْفَذَهُمْ هَرْثَمَةُ إِلَى مَكَّةَ، وَمَعَهُمُ الْجَلُودِيُّ وَرَجَاءُ بْنُ جَمِيلٍ، فَقَالُوا لِإِسْحَاقَ: ارْجِعْ مَعَنَا، وَنَحْنُ نَكْفِيكَ الْقِتَالَ. فَرَجَعَ مَعَهُمْ، فَقَاتَلُوا الطَّالِبِيِّينَ فَهَزَمُوهُمْ، فَأَرْسَلَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ يَطْلُبُ الْأَمَانَ، فَأَمَّنُوهُ، وَدَخَلَ الْعَبَّاسِيُّونَ مَكَّةَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ وَتَفَرَّقَ الطَّالِبِيُّونَ مِنْ مَكَّةَ. وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ فَسَارَ نَحْوَ الْجُحْفَةِ، فَأَدْرَكَهُ بَعْضُ مَوَالِي بَنِي الْعَبَّاسِ، فَأَخَذَ جَمِيعَ مَا مَعَهُ، وَأَعْطَاهُ دُرَيْهَمَاتٍ يَتَوَصَّلُ بِهَا، فَسَارَ نَحْوَ بِلَادِ جُهَيْنَةَ، فَجَمَعَ بِهَا، وَقَاتَلَ هَارُونَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَالِيَ الْمَدِينَةِ، عِنْدَ الشَّجَرَةِ وَغَيْرِهَا، عِدَّةَ دَفَعَاتٍ، فَانْهَزَمَ مُحَمَّدٌ، وَفُقِئَتْ عَيْنُهُ بِنُشَّابَةٍ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَرَجَعَ إِلَى مَوْضِعِهِ. فَلَمَّا انْقَضَى الْمَوْسِمُ طَلَبَ الْأَمَانَ مِنَ الْجُلُودِيِّ، وَمِنْ رَجَاءِ بْنِ جَمِيلٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ، فَأَمَّنَهُ، وَضَمِنَ لَهُ رَجَاءٌ عَنِ الْمَأْمُونِ وَعَنِ الْفَضْلِ الْوَفَاءَ بِالْأَمَانِ، فَقَبِلَ ذَلِكَ، فَأَتَى مَكَّةَ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: إِنَّنِي بَلَغَنِي أَنَّ الْمَأْمُونَ مَاتَ، وَكَانَتْ لَهُ فِي عُنُقِي بَيْعَةٌ، وَكَانَتْ فِتْنَةٌ عَمَّتِ الْأَرْضَ، فَبَايَعَنِي النَّاسُ، ثُمَّ إِنَّهُ صَحَّ عِنْدِي أَنَّ الْمَأْمُونَ حَيٌّ صَحِيحٌ، وَأَنَا أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنَ الْبَيْعَةِ، وَقَدْ خَلَعْتُ نَفْسِي مِنَ الْبَيْعَةِ الَّتِي بَايَعْتُمُونِي عَلَيْهَا، كَمَا خَلَعْتُ خَاتَمِي هَذَا مِنْ إِصْبَعِي، فَلَا بَيْعَةَ لِي فِي رِقَابِكُمْ.

стр. 2839

ثُمَّ نَزَلَ وَسَارَ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ إِلَى الْعِرَاقِ، فَسَيَّرَهُ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ إِلَى الْمَأْمُونِ بِمَرْوَ، فَلَمَّا سَارَ الْمَأْمُونُ إِلَى الْعِرَاقِ صَحِبَهُ، فَمَاتَ بِجُرْجَانَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَجَّهَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ مِنَ الْيَمَنِ رَجُلًا مِنْ وَلَدِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (فِي جُنْدٍ) لِيَحُجَّ بِالنَّاسِ، فَسَارَ الْعَقِيلِيُّ حَتَّى أَتَى بُسْتَانَ ابْنِ عَامِرٍ، فَبَلَغَهُ أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ الْمُعْتَصِمَ قَدْ حَجَّ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْقُوَّادِ، فِيهِمْ حَمْدَوَيْهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ، وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ عَلَى الْيَمَنِ، فَعَلِمَ الْعَقِيلِيُّ أَنَّهُ لَا يَقْوَى بِهِمْ، فَأَقَامَ بِبُسْتَانِ ابْنِ عَامِرٍ، فَاجْتَازَ قَافِلَةً مِنَ الْحَاجِّ، وَمَعَهُمْ كُسْوَةُ الْكَعْبَةِ وَطِيبُهَا، فَأَخَذَ أَمْوَالَ التُّجَّارِ وَكُسْوَةَ الْكَعْبَةِ وَطِيبَهَا، وَقَدِمَ الْحَجَّاجُ مَكَّةَ عُرَاةً مَنْهُوبِينَ. فَاسْتَشَارَ الْمُعْتَصِمُ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ الْجُلُودِيُّ: أَنَا أَكْفِيكَ ذَلِكَ. فَانْتَخَبَ مِائَةَ رَجُلٍ، وَسَارَ بِهِمْ إِلَى الْعَقِيلِيِّ، فَصَحِبَهُمْ، فَقَاتَلَهُمْ فَانْهَزَمُوا، وَأَسَرَ أَكْثَرَهُمْ، وَأَخَذَ كُسْوَةَ الْكَعْبَةِ وَأَمْوَالَ التُّجَّارِ، إِلَّا مَا كَانَ مَعَ مَنْ هَرَبَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَرَدَّهُ وَأَخَذَ الْأَسْرَى، فَضَرَبَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشْرَةَ أَسْوَاطٍ وَأَطْلَقَهُمْ، فَرَجَعُوا إِلَى الْيَمَنِ يَسْتَطْعِمُونَ النَّاسَ، فَهَلَكَ أَكْثَرُهُمْ فِي الطَّرِيقِ. ذِكْرُ مَسِيرَةِ هَرْثَمَةَ إِلَى الْمَأْمُونِ وَقَتْلِهِ لَمَّا فَرَغَ هَرْثَمَةُ مِنْ أَبِي السَّرَايَا رَجَعَ فَلَمْ يَأْتِ الْحَسَنَ بْنَ سَهْلٍ، وَكَانَ بِالْمَدَائِنِ، بَلْ سَارَ عَلَى عَقْرَقُوفَ حَتَّى أَتَى الْبَرَدَانَ، وَالنَّهْرَوَانَ، وَأَتَى خُرَاسَانَ، فَأَتَتْهُ كُتُبُ الْمَأْمُونِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى الْشَّامِ وَالْحِجَازِ، فَأَبَى وَقَالَ: لَا أَرْجِعُ حَتَّى أَلْقَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. إِدْلَالًا مِنْهُ عَلَيْهِ، وَلِمَا يَعْرِفُ مِنْ نَصِيحَتِهِ لَهُ وَلِآبَائِهِ، وَأَرَادَ أَنْ يُعَرِّفَ الْمَأْمُونَ مَا يُدَبِّرُ عَلَيْهِ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، وَمَا يَكْتُمُ عَنْهُ مِنَ الْأَخْبَارِ، وَأَنَّهُ لَا يَدَعُهُ حَتَّى يَرُدَّهُ إِلَى بَغْدَاذَ لِيَتَوَسَّطَ سُلْطَانَهُ.

стр. 2840

فَعَلِمَ الْفَضْلُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لِلْمَأْمُونِ: إِنَّ هَرْثَمَةَ قَدْ أَثْقَلَ عَلَيْكَ الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ، وَدَسَّ أَبَا السَّرَايَا، وَهُوَ مِنْ جُنْدِهِ، وَلَوْ أَرَادَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وَقَدْ كُتِبَ إِلَيْهِ عِدَّةُ كُتُبٍ لِيَرْجِعَ إِلَى الشَّامِ وَالْحِجَازِ فَلَمْ يَفْعَلْ، وَقَدْ جَاءَ مُشَاقًّا يُظْهِرُ الْقَوْلَ الشَّدِيدَ، فَإِنْ أُطْلِقَ (هَذَا كَانَ مَفْسَدَةً) لِغَيْرِهِ. فَتَغَيَّرَ قَلْبُ الْمَأْمُونِ، وَأَبْطَأَ هَرْثَمَةُ إِلَى ذِي الْقِعْدَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ مَرْوَ خَشِيَ أَنْ يَكْتُمَ قُدُومَهُ عَنِ الْمَأْمُونِ، فَأَمَرَ بِالطُّبُولِ فَضُرِبَتْ لِكَيْ يَسْمَعَهَا الْمَأْمُونُ، فَسَمِعَهُ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَرْثَمَةُ قَدْ أَقْبَلَ يُرْعِدُ وَيُبْرِقُ. فَظَنَّ هَرْثَمَةُ أَنَّ قَوْلَهُ الْمَقْبُولُ، فَأَمَرَ الْمَأْمُونُ بِإِدْخَالِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: مَالَأْتَ أَهْلَ الْكُوفَةِ الْعَلَوِيِّينَ، وَوَضَعْتَ أَبَا السَّرَايَا، وَلَوْ شِئْتَ أَنْ تَأْخُذَهُمْ جَمِيعًا لَفَعَلْتَ. فَذَهَبَ هَرْثَمَةُ يَتَكَلَّمُ وَيَعْتَذِرُ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، فَأَمَرَ بِهِ فَدِيسَ بَطْنُهُ، وَضُرِبَ أَنْفُهُ، وَسُحِبَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَقَدْ أَمَرَ الْفَضْلُ الْأَعْوَانَ بِالتَّشْدِيدِ عَلَيْهِ، فَحُبِسَ، فَمَكَثَ فِي الْحَبْسِ أَيَّامًا، ثُمَّ دَسَّ إِلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ، وَقَالُوا: مَاتَ. ذِكْرُ وَثَوْبِ الْحَرْبِيَّةِ بِبَغْدَاذَ وَفِيهَا كَانَ مِنَ الشَّغَبِ بِبَغْدَاذَ بَيْنَ الْحَرْبِيَّةِ وَالْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ سَهْلٍ كَانَ بِالْمَدَائِنِ حِينَ شَخَصَ هَرْثَمَةُ إِلَى الْمَأْمُونِ، فَلَمَّا اتَّصَلَ بِبَغْدَاذَ، وَسَمِعَ مَا صَنَعَهُ الْمَأْمُونُ بِهَرْثَمَةَ، بَعَثَ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ إِلَى عَلِيِّ بْنِ هِشَامٍ، وَهُوَ وَالِي بَغْدَاذَ مِنْ قِبَلِهِ، أَنْ مَاطِلِ الْجُنْدَ مِنَ الْحَرْبِيَّةِ أَرْزَاقَهُمْ وَلَا تُعْطِهِمْ. وَكَانَ الْحَرْبِيَّةُ قَبْلَ ذَلِكَ حِينَ خَرَجَ هَرْثَمَةُ إِلَى خُرَاسَانَ قَدْ وَثَبُوا، وَقَالُوا: لَا نَرْضَى حَتَّى نَطْرُدَ الْحَسَنَ وَعُمَّالَهُ عَنْ بَغْدَاذَ. فَطَرَدُوهُمْ، وَصَيَّرُوا إِسْحَاقَ بْنَ مُوسَى الْهَادِيَ خَلِيفَةَ الْمَأْمُونِ بِبَغْدَاذَ، وَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْجَانِبَيْنِ عَلَى ذَلِكَ وَرَضُوا بِهِ. فَدَسَّ الْحَسَنُ إِلَيْهِمْ، وَكَاتَبَ قُوَّادَهُمْ حَتَّى يَبْعَثُوا مِنْ جَانِبِ عَسْكَرِ الْمَهْدِيِّ، فَحَوَّلَ

стр. 2841

الْحَرْبِيَّةُ إِسْحَاقَ إِلَيْهِمْ، وَأَنْزَلُوهُ عَلَى دُجَيْلٍ، وَجَاءَ زُهَيْرُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، فَنَزَلَ فِي عَسْكَرِ الْمَهْدِيِّ، وَبَعَثَ الْحَسَنُ عَلِيَّ بْنَ هِشَامٍ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ هُوَ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَدَخَلُوا بَغْدَاذَ لَيْلًا فِي شَعْبَانَ، وَقَاتَلَ الْحَرْبِيَّةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى قَنْطَرَةِ الصَّرَاةِ، ثُمَّ وَعَدَهُمْ رِزْقَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ إِذَا أُدْرِكَتِ الْغَلَّةُ، فَسَأَلُوهُ تَعْجِيلَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يُنْفِقُونَهَا فِي رَمَضَانَ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ. وَجَعَلَ يُعْطِيهِمْ، فَلَمْ يَتِمَّ الْعَطَاءُ حَتَّى أَتَاهُمْ خَبَرُ زَيْدِ بْنِ مُوسَى مِنَ الْبَصْرَةِ، الْمَعْرُوفِ بِزَيْدِ النَّارِ، وَكَانَ هَرَبَ مِنَ الْحَبْسِ، وَكَانَ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ، فَخَرَجَ مِنْ نَاحِيَةِ الْأَنْبَارِ هُوَ وَأَخُو أَبِي السَّرَايَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ مِائَتَيْنِ، فَبَعَثُوا إِلَيْهِ فَأُتِيَ بِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ هِشَامٍ، وَهَرَبَ عَلِيُّ بْنُ هِشَامٍ بَعْدَ جُمُعَةٍ مِنَ الْحَرْبِيَّةِ، وَنَزَلَ بِصَرْصَرٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَفِ لَهُمْ بِإِعْطَاءِ الْخَمْسِينَ إِلَى أَنْ جَاءَ الْأَضْحَى، وَبَلَغَهُمْ خَبَرُ هَرْثَمَةَ وَأَخْرَجُوهُ. وَكَانَ الْقَيِّمَ بِأَمْرِ هَرْثَمَةَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ; لِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ هِشَامٍ كَانَ يَسْتَخِفُّ بِهِ، فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ، وَتَحَوَّلَ إِلَى الْحَرْبِيَّةِ، فَلَمْ يَقْرَبْهُمْ عَلِيٌّ، فَهَرَبَ إِلَى صَرْصَرٍ، ثُمَّ هَزَمُوهُ مِنْ صَرْصَرٍ. وَقِيلَ: كَانَ السَّبَبَ فِي شَغَبِ الْأَبْنَاءِ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ سَهْلٍ جَلَدَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيِّ بْنِ مَاهَانَ الْحَدَّ، فَغَضِبَ الْأَبْنَاءُ، وَخَرَجُوا. ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِالْمَوْصِلِ وَفِيهَا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بِالْمَوْصِلِ بَيْنَ بَنِي سَامَةَ وَبَنِي ثَعْلَبَةَ، فَاسْتَجَارَتْ ثَعْلَبَةُ بِمُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْهَمْدَانِيِّ، وَهُوَ أَخُو عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَمِيرِ الْبَلَدِ، فَأَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، فَفَعَلُوا، فَتَبِعَهُمْ بَنُو سَامَةَ فِي أَلْفِ رَجُلٍ إِلَى الْعَوْجَاءِ، وَحَصَرُوهُمْ فِيهَا، فَبَلَغَ الْخَبَرُ عَلِيًّا وَمُحَمَّدًا ابْنَيِ الْحُسَيْنِ، فَأَرْسَلَا الرِّجَالَ إِلَيْهِمْ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ مِنْ بَنِي سَامَةَ جَمَاعَةٌ، وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، وَمَنْ بَنِي تَغْلِبَ، وَكَانُوا مَعَهُمْ، فَحُبِسُوا فِي الْبَلَدِ. ثُمَّ إِنَّ أَحْمَدَ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْعَدَوِيَّ التَّغْلِبِيَّ أَتَى مُحَمَّدًا، وَطَلَبَ إِلَيْهِ الْمُسَالَمَةَ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَصَلُحَ الْأَمْرُ، وَسَكَنَتِ الْفِتْنَةُ.

стр. 2842

ذِكْرُ الْغَزَاةِ إِلَى الْفِرِنْجِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ جَهَّزَ الْحَكَمُ أَمِيرُ الْأَنْدَلُسِ جَيْشًا مَعَ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مُغِيثٍ إِلَى بِلَادِ الْفِرِنْجِ بِالْأَنْدَلُسِ، فَسَارَ بِالْعَسَاكِرِ حَتَّى دَخَلَ بِأَرْضِهِمْ، وَتَوَسَّطَ بِلَادَهُمْ، فَخَرَّبَهَا وَنَهَبَهَا وَهَدَمَ عِدَّةً مِنْ حُصُونِهَا، [وَكَانَ] كُلَّمَا أَهْلَكَ مَوْضِعًا وَصَلَ إِلَى غَيْرِهِ، فَاسْتَنْفَدَ خَزَائِنَ مُلُوكِهِمْ. فَلَمَّا رَأَى مَلِكُهُمْ فِعْلَ الْمُسْلِمِينَ بِبِلَادِهِمْ كَاتَبَ مُلُوكَ جَمِيعِ النَّوَاحِي مُسْتَنْصِرًا بِهِمْ، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةُ مِنْ كُلِّ أَوْبٍ، فَأَقْبَلَ فِي جُمُوعٍ عَظِيمَةٍ بِإِزَاءِ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، بَيْنَهُمْ نَهْرٌ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا عِدَّةَ أَيَّامٍ، الْمُسْلِمُونَ يُرِيدُونَ يَعْبُرُونَ النَّهْرَ، وَهُمْ يَمْنَعُونَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ذَلِكَ. فَلَمَّا رَأَى الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ تَأَخَّرُوا عَنِ النَّهْرِ، فَعَبَرَ الْمُشْرِكُونَ إِلَيْهِمْ، فَاقْتَتَلُوا أَعْظَمَ قِتَالٍ، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى النَّهْرِ، فَأَخَذَهُمُ السَّيْفُ وَالْأَسْرُ، فَمَنْ عَبَرَ النَّهْرَ سَلِمَ، وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ مِنْ كُنُودِهِمْ وَمُلُوكِهِمْ وَقَمَامِصَتِهِمْ، وَعَادَ الْفِرِنْجُ يَلْزَمُونَ جَانِبَ النَّهْرِ، يَمْنَعُونَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ جَوَازِهِ، فَبَقُوا كَذَلِكَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، يَقْتَتِلُونَ كُلَّ يَوْمٍ، فَجَاءَتِ الْأَمْطَارُ، وَزَادَ النَّهْرُ وَتَعَذَّرَ جَوَازُهُ، فَقَفَلَ عَبْدُ الْكَرِيمِ عَنْهُمْ سَابِعَ ذِي الْحِجَّةِ. ذِكْرُ خُرُوجِ الْبَرْبَرِ بِنَاحِيَةِ مَوْرُورَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ خَارِجِيٌّ مِنَ الْبَرْبَرِ بِنَاحِيَةِ مَوْرُورَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ، فَوَصَلَ كِتَابُ الْعَامِلِ إِلَى الْحَكَمِ بِخَبَرِهِ، فَأَخْفَى الْحَكَمُ خَبَرَهُ، وَاسْتَدْعَى مِنْ سَاعَتِهِ قَائِدًا مِنْ قُوَّادِهِ، فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ سِرًّا، وَقَالَ لَهُ: سِرْ مِنْ سَاعَتِكَ إِلَى هَذَا الْخَارِجِيِّ فَأْتِنِي بِرَأْسِهِ، وَإِلَّا فَرَأْسُكَ عِوَضُهُ، وَأَنَا قَاعِدٌ مَكَانِي هَذَا إِلَى أَنْ تَعُودَ. فَسَارَ الْقَائِدُ إِلَى الْخَارِجِيِّ، فَلَمَّا قَارَبَهُ سَأَلَ عَنْهُ، فَأُخْبِرَ عَنْهُ بِاحْتِيَاطٍ كَثِيرٍ، وَاحْتِرَازٍ شَدِيدٍ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ الْحَكَمِ: إِنْ قَتَلْتَهُ، وَإِلَّا فَرَأْسُكَ عِوَضُهُ، فَحَمَلَ نَفْسَهُ عَلَى سُلُوكِ سَبِيلِ الْمُخَاطَرَةِ، فَأَعْمَلَ الْحِيلَةَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقَتَلَهُ، وَأَحْضَرَ [رَأْسَهُ] عِنْدَ

стр. 2843

الْحَكَمِ، فَرَآهُ بِمَكَانِهِ ذَلِكَ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ، وَكَانَتْ غَيْبَتُهُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ. فَلَمَّا رَأَى رَأْسَهُ أَحْسَنَ إِلَى ذَلِكَ الْقَائِدِ، وَوَصَلَهُ وَأَعْلَى مَحَلَّهُ. (مَوْرُورُ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَسُكُونِ الْوَاوِ، وَضَمِّ الرَّاءِ، وَسُكُونِ الْوَاوِ الثَّانِيَةِ، وَآخِرُهُ رَاءٌ ثَانِيَةٌ] . ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَجَّهَ الْمَأْمُونُ رَجَاءَ بْنَ أَبِي الضَّحَّاكِ لِإِحْضَارِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ) . وَأُحْصِيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَدُ الْعَبَّاسِ فَبَلَغُوا ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا مَا بَيْنَ ذَكَرٍ وَأُنْثَى. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَتَلَتِ الرُّومُ مَلِكَهَا أَلْيُونَ، وَكَانَ مُلْكُهُ سَبْعَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ مِيخَائِيلَ بْنَ جُورْجِيشَ ثَانِيَةً. وَفِيهَا خَالَفَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، فَبَعَثَ الْمَأْمُونُ إِلَيْهِ بِسَرَّاجٍ الْخَادِمِ وَقَالَ لَهُ: إِنْ وَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ أَوْ شَخَصَ إِلَيَّ بِمَرْوَ، وَإِلَّا فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ سَرَّاجٌ فَأَطَاعَ، وَتَوَجَّهَ إِلَى الْمَأْمُونِ بِمَرْوَ مَعَ هَرْثَمَةَ. وَفِيهَا قَتَلَ الْمَأْمُونُ يَحْيَى بْنَ عَامِرِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ; لِأَنَّهُ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْكَافِرِينَ.

стр. 2844

وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ الْمُعْتَصِمُ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو الْبَخْتَرِيِّ وَهْبُ بْنُ وَهْبٍ. وَمَعْرُوفٌ الْكَرْخِيُّ الزَّاهِدُ. وَصَفْوَانُ بْنُ عِيسَى الْفَقِيهُ. وَالْمُعَافَى بْنُ دَاوُدَ الْمَوْصِلِيُّ، وَكَانَ فَاضِلًا عَابِدًا.

стр. 2845

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ] ٢٠١ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ وِلَايَةِ مَنْصُورِ بْنِ الْمَهْدِيِّ بِبَغْدَاذَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَرَادَ أَهْلُ بَغْدَاذَ أَنْ يُبَايِعُوا الْمَنْصُورَ بْنَ الْمَهْدِيِّ بِالْخِلَافَةِ، فَامْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ، فَأَرَادُوهُ عَلَى الْإِمْرَةِ عَلَيْهِمْ، عَلَى أَنْ يَدْعُوَ لِلْمَأْمُونِ (بِالْخِلَافَةِ) ، فَأَجَابَهُمْ إِلَيْهِ. وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ مِنْ إِخْرَاجِ أَهْلِ بَغْدَاذَ عَلِيَّ بْنَ هِشَامٍ مِنْ بَغْدَاذَ. فَلَمَّا اتَّصَلَ إِخْرَاجُهُ مِنْ بَغْدَاذَ بِالْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ سَارَ مِنَ الْمَدَائِنِ إِلَى وَاسِطٍ، وَذَلِكَ أَوَّلَ سَنَةِ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ، فَلَمَّا هَرَبَ إِلَى وَاسِطٍ تَبِعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي خَالِدِ بْنِ الْهِنْدَوَانِ، مُخَالِفًا لَهُ، وَقَدْ تَوَلَّى الْقِيَامَ بِأَمْرِ النَّاسِ، وَوَلَّى سَعِيدَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ قَحْطَبَةَ الْجَانِبَ الْغَرْبِيَّ، وَنَصْرَ بْنَ حَمْزَةَ بْنِ مَالِكٍ الْجَانِبَ الشَّرْقِيَّ. وَكَانَ بِبَغْدَاذَ مَنْصُورُ بْنُ الْمَهْدِيِّ، وَالْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَخُزَيْمَةُ بْنُ خَازِمٍ. وَقَدِمَ عِيسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي خَالِدٍ مِنَ الرَّقَّةِ مِنْ عِنْدِ طَاهِرٍ، فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، فَوَافَقَ أَبَاهُ عَلَى قِتَالِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، فَمَضَيَا وَمَنْ مَعَهُمَا إِلَى قَرْيَةِ (أَبِي فَرْسَنَ قُرَيْبَ وَاسِطٍ، وَلَقِيَهُمَا فِي طَرِيقِهِمَا عَسَاكِرُ الْحَسَنِ، فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فَهَزَمَاهُمْ. وَلَمَّا انْتَهَى مُحَمَّدٌ إِلَى دَيْرِ الْعَاقُولِ أَقَامَ بِهِ ثَلَاثًا، وَزُهَيْرُ بْنُ الْمُسَيَّبِ مُقِيمٌ بِإِسْكَافِ بَنِي الْجُنَيْدِ، عَامِلًا لِلْحَسَنِ عَلَى جُوخَى، وَهُوَ يُكَاتِبُ قُوَّادَ بَغْدَاذَ، فَرَكِبَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ، وَأَخَذَهُ أَسِيرًا، وَأَخَذَ كُلَّ مَالِهِ، وَسَيَّرَهُ أَسِيرًا إِلَى بَغْدَاذَ، وَحَبَسَهُ عِنْدَ أَبِيهِ جَعْفَرٍ. ثُمَّ تَقَدَّمَ مُحَمَّدٌ إِلَى وَاسِطٍ، وَوَجَّهَ مُحَمَّدٌ ابْنَهُ هَارُونَ مِنْ دَيْرِ الْعَاقُولِ إِلَى النِّيلِ، وَبِهَا نَائِبٌ لِلْحَسَنِ، فَهَزَمَهُ هَارُونُ، وَتَبِعَهُ إِلَى الْكُوفَةِ.

стр. 2846

ثُمَّ سَارَ الْمُنْهَزِمُونَ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْحَسَنِ بِوَاسِطٍ، وَرَجَعَ هَارُونُ إِلَى أَبِيهِ وَقَدِ اسْتَوْلَى عَلَى النِّيلِ، وَسَارَ مُحَمَّدٌ وَهَارُونُ نَحْوَ وَاسِطٍ، فَسَارَ الْحَسَنُ عَنْهَا، وَنَزَلَ خَلْفَهَا. وَكَانَ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ مُخْتَفِيًا كَمَا تَقَدَّمَ إِلَى الْآنِ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ بَلَغَ وَاسِطًا طَلَبَ مِنْهُ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُ، وَظَهَرَ، وَسَارَ مُحَمَّدٌ إِلَى الْحَسَنِ عَلَى تَعْبِئَةٍ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ قُوَّادَهُ وَجُنْدَهُ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَثَبَتَ مُحَمَّدٌ حَتَّى جُرِحَ جِرَاحَاتٍ شَدِيدَةٍ، وَانْهَزَمُوا هَزِيمَةً قَبِيحَةً، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَغَنِمُوا مَالَهُمْ، وَذَلِكَ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. وَنَزَلَ مُحَمَّدٌ بِفَمِ الصِّلْحِ، وَأَتَاهُمُ الْحَسَنُ، فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ (رَحَلَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ فَنَزَلُوا الْمَنَازِلَ، فَأَتَاهُمُ الْحَسَنُ فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ) ارْتَحَلُوا، حَتَّى أَتَوْا جَبُّلَ، فَأَقَامُوا بِهَا، وَوَجَّهَ مُحَمَّدٌ ابْنَهُ عِيسَى إِلَى عُرْنَايَا، فَأَقَامَ بِهَا، وَأَقَامَ مُحَمَّدٌ بِجَرْجَرَايَا، فَاشْتَدَّتْ جِرَاحَاتُ مُحَمَّدٍ، فَحَمَلَهُ ابْنُهُ أَبُو زِنْبِيلٍ إِلَى بَغْدَاذَ، وَخَلَّفَ عَسْكَرَهُ لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِر، وَمَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، فَدُفِنَ فِي دَارِهِ سِرًّا. وَأَتَى أَبُو زِنْبِيلٍ خُزَيْمَةَ بْنَ خَازِمٍ، فَأَعْلَمَهُ حَالَ أَبِيهِ، وَأَعْلَمَ خُزَيْمَةُ ذَلِكَ النَّاسَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدٍ إِلَيْهِ، يَبْذُلُ فِيهِ الْقِيَامَ بِأَمْرِ الْحَرْبِ مَقَامَ أَبِيهِ، فَرَضُوا بِهِ، وَصَارَ مَكَانَ أَبِيهِ، وَقَتَلَ أَبُو زِنْبِيلٍ زُهَيْرَ بْنَ الْمُسَيَّبِ مِنْ لَيْلَتِهِ، ذَبَحَهُ ذَبْحًا وَعَلَّقَ رَأْسَهُ فِي عَسْكَرِ أَبِيهِ. وَبَلَغَ الْحَسَنَ بْنَ سَهْلٍ مَوْتُ مُحَمَّدٍ، فَسَارَ إِلَى الْمُبَارَكِ فَأَقَامَ بِهِ، وَبَعَثَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ جَيْشًا لَهُ، فَالْتَقَوْا بِأَبِي زِنْبِيلٍ بِفَمِ الصَّرَاةِ، فَهَزَمُوهُ، وَانْحَازَ إِلَى أَخِيهِ هَارُونَ بِالنِّيلِ، فَتَقَدَّمَ جَيْشُ الْحَسَنِ إِلَيْهِمْ، فَلَقُوهُمْ فَاقْتَتَلُوا سَاعَةً، وَانْهَزَمَ هَارُونُ وَأَصْحَابُهُ، فَأَتَوُا الْمَدَائِنَ، وَنَهَبَ أَصْحَابُ الْحَسَنِ النِّيلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الْقُرَى. وَكَانَ بَنُو هَاشِمٍ وَالْقُوَّادُ حِينَ مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، قَالُوا: نُصَيِّرُ بَعْضَنَا خَلِيفَةً، وَنَخْلَعُ الْمَأْمُونَ. فَأَتَاهُمْ خَبَرُ هَارُونَ وَهَزِيمَتِهِ، فَجَدُّوا فِي ذَلِكَ، وَأَرْدَوْا مَنْصُورَ بْنَ الْمَهْدِيِّ عَلَى الْخِلَافَةِ فَأَبَى، فَجَعَلُوهُ خَلِيفَةً لِلْمَأْمُونِ بِبَغْدَاذَ وَالْعِرَاقِ، وَقَالُوا: لَا نَرْضَى

стр. 2847

بِالْمَجُوسِيِّ ابْنِ الْمَجُوسِيِّ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ. وَقِيلَ: إِنَّ عِيسَى لَمَّا سَاعَدَهُ أَهْلُ بَغْدَاذَ عَلَى حَرْبِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ عَلِمَ الْحَسَنُ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ، وَبَذَلَ الْمُصَاهَرَةَ وَمِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَالْأَمَانَ لَهُ وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ، وَلِأَهْلِ بَغْدَاذَ، وَوِلَايَةَ أَيِّ النَّوَاحِي أَحَبَّ، فَطَلَبَ كِتَابَ الْمَأْمُونِ بِخَطِّهِ، وَكَتَبَ عِيسَى إِلَى أَهْلِ بَغْدَاذَ: إِنِّي مَشْغُولٌ بِالْحَرْبِ عَنْ جِبَايَةِ الْخَرَاجِ، فَوَلُّوا رَجُلًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ. فَوَلَّوْا مَنْصُورَ بْنَ الْمَهْدِيِّ، وَقَالَ: أَنَا خَلِيفَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَأْمُونِ حَتَّى يَقْدَمَ، أَوْ يُوَلِّيَ مَنْ أَحَبَّ. فَرَضِيَ بِهِ النَّاسُ. وَعَسْكَرَ مَنْصُورٌ بِكَلْوَاذَى، وَبَعَثَ غَسَّانَ بْنَ (عَبَّادِ بْنِ أَبِي) الْفَرَجِ إِلَى نَاحِيَةِ الْكُوفَةِ، فَنَزَلَ بِقَصْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، فَلَمْ يَشْعُرْ غَسَّانٌ إِلَّا وَقَدْ أَحَاطَ بِهِ حُمَيْدٌ الطُّوسِيُّ، فَأَخَذَهُ أَسِيرًا، وَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنْ رَجَبٍ. وَسَيَّرَ مَنْصُورُ بْنُ الْمَهْدِيِّ مُحَمَّدَ بْنَ يَقْطِينٍ فِي عَسْكَرٍ إِلَى حُمَيْدٍ، فَسَارَ حَتَّى أَتَى كُوثَى، فَلَمْ يَشْعُرْ بِشَيْءٍ حَتَّى هَجَمَ عَلَيْهِ حُمَيْدٌ، وَكَانَ بِالنِّيلِ، فَقَاتَلَهُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْهَزَمَ ابْنُ يَقْطِينٍ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأُسِرَ، وَغَرِقَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَنَهَبَ حُمَيْدٌ مَا حَوْلَ كُوثَى مِنَ الْقُرَى، وَرَجَعَ حُمَيْدٌ إِلَى النِّيلِ، وَابْنُ يَقْطِينٍ أَقَامَ بِنَهْرِ صَرْصَرٍ. وَأَحْصَى عِيسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي خَالِدٍ مَنْ فِي عَسْكَرِهِ، وَكَانُوا مِائَةَ أَلْفٍ وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا بَيْنَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، فَأَعْطَى الْفَارِسَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَالرَّاجِلَ عِشْرِينَ دِرْهَمًا. ذِكْرُ أَمْرِ الْمُتَطَوِّعَةِ بِالْمَعْرُوفِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تَجَرَّدَتِ الْمُتَطَوِّعَةُ لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ فُسَّاقَ بَغْدَاذَ وَالشُّطَّارَ آذَوُا النَّاسَ أَذًى شَدِيدًا، وَأَظْهَرُوا الْفِسْقَ، وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ، وَأَخَذُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ عَلَانِيَةً، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ وَلَدَ الرَّجُلِ وَأَهْلَهُ، فَلَا

стр. 2848

يَقْدِرُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْهُمْ، وَكَانُوا يَطْلُبُونَ مِنَ الرَّجُلِ أَنْ يُقْرِضَهُمْ أَوْ يَصِلَهُمْ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ، وَكَانُوا يَنْهَبُونَ الْقُرَى لَا سُلْطَانَ يَمْنَعُهُمْ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُ كَانَ يُغْرِيهِمْ، وَهُمْ بِطَانَتُهُ، وَكَانُوا يُمْسِكُونَ الْمُجْتَازِينَ فِي الطَّرِيقِ، وَلَا يُعْدِي عَلَيْهِمْ أَحَدٌ، وَكَانَ النَّاسُ مَعَهُمْ فِي بَلَاءٍ عَظِيمٍ. وَآخِرُ أَمْرِهِمْ أَنَّهُمْ خَرَجُوا إِلَى قُطْرَبُّلَ، وَانْتَهَبُوهَا عَلَانِيَةً، وَأَخَذُوا الْعَيْنَ وَالْمَتَاعَ وَالدَّوَابَّ، فَبَاعُوهَا بِبَغْدَاذَ ظَاهِرًا، وَاسْتَعْدَى أَهْلُهَا السُّلْطَانَ، فَلَمْ يُعْدِهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَعْبَانَ. فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ قَامَ صُلَحَاءُ كُلِّ رَبَضٍ وَدَرْبٍ، وَمَشَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَقَالُوا: إِنَّمَا فِي الدَّرْبِ الْفَاسِقُ وَالْفَاسِقَانِ إِلَى الْعَشَرَةِ، وَأَنْتُمْ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، فَلَوِ اجْتَمَعْتُمْ لَقَمَعْتُمْ هَؤُلَاءِ الْفُسَّاقَ، وَلَعَجَزُوا عَنِ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ، فَقَامَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ خَالِدٌ الدَّرْيُوشُ، فَدَعَا جِيرَانَهُ وَأَهْلَ مَحَلَّتِهِ، عَلَى أَنْ يُعَاوِنُوهُ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَشَدَّ عَلَى مَنْ يَلِيهِ مِنَ الْفُسَّاقِ وَالشُّطَّارِ فَمَنَعَهُمْ، وَامْتَنَعُوا عَلَيْهِ، وَأَرَادُوا قِتَالَهُ فَقَاتَلَهُمْ، فَهَزَمَهُمْ وَضَرَبَ مَنْ أَخَذَهُ مِنَ الْفُسَّاقِ، وَحَبَسَهُمْ، وَرَفَعَهُمْ إِلَى السُّلْطَانِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى أَنْ يُغَيِّرَ عَلَى السُّلْطَانِ شَيْئًا. ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ رَجُلٌ مِنَ الْحَرْبِيَّةِ يُقَالُ لَهُ سَهْلُ بْنُ سَلَامَةَ الْأَنْصَارِيُّ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، وَيُكَنَّى أَبَا حَاتِمٍ، فَدَعَا النَّاسَ إِلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْعَمَلِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَعَلَّقَ مُصْحَفًا فِي عُنُقِهِ، وَأَمَرَ أَهْلَ مَحَلَّتِهِ وَنَهَاهُمْ، فَقَبِلُوا مِنْهُ، وَدَعَا النَّاسَ جَمِيعًا، الشَّرِيفَ وَالْوَضِيعَ، مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ، فَأَتَاهُ خَلْقٌ عَظِيمٌ فَبَايَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى الْقِتَالِ مَعَهُ لِمَنْ خَالَفَهُ، وَطَافَ بِبَغْدَاذَ وَأَسْوَاقِهَا. وَكَانَ قِيَامُ سَهْلٍ لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَقِيَامُ الدَّرْيُوشِ قَبْلَهُ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ. وَبَلَغَ خَبَرُ قِيَامِهِمَا إِلَى مَنْصُورِ بْنِ الْمَهْدِيِّ وَعِيسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، فَكَسَرَهُمَا ذَلِكَ ; لِأَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِهِمَا كَانَ الشُّطَّارَ وَمَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ، وَدَخَلَ مَنْصُورٌ بَغْدَاذَ، وَكَانَ عِيسَى يُكَاتِبُ الْحَسَنَ بْنَ سَهْلٍ فِي الْأَمَانِ، فَأَجَابَهُ الْحَسَنُ إِلَى الْأَمَانِ لَهُ وَلِأَهْلِ بَغْدَاذَ، وَأَنْ يُعْطِيَ جُنْدَهُ وَأَهْلَ بَغْدَاذَ رِزْقَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ إِذَا أُدْرِكَتِ الْغَلَّةُ، وَرَحَلَ عِيسَى فَدَخَلَ بَغْدَاذَ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَوَّالٍ، وَتَفَرَّقَتِ الْعَسَاكِرُ، فَرَضِيَ أَهْلُ بَغْدَاذَ بِمَا

стр. 2849

صَالَحَ عَلَيْهِ، وَبَقِيَ سَهْلٌ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ. ذِكْرُ الْبَيْعَةِ لِعَلِيِّ بْنِ مُوسَى ﵇ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَعَلَ الْمَأْمُونُ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇ وَلِيَّ عَهْدِ الْمُسْلِمِينَ وَالْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِهِ، وَلَقَّبَهُ الرِّضَى مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَمَرَ جُنْدَهُ بِطَرْحِ السَّوَادِ وَلِبْسِ الثِّيَابِ الْخُضْرِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى الْآفَاقِ، وَكَتَبَ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ إِلَى عِيسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي خَالِدٍ بَعْدَ عَوْدِهِ إِلَى بَغْدَاذَ يُعْلِمُهُ أَنَّ الْمَأْمُونَ قَدْ جَعَلَ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى وَلِيَّ عَهْدِهِ مِنْ بَعْدِهِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ نَظَرَ فِي بَنِي الْعَبَّاسِ وَبَنِي عَلِيٍّ، فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا أَفْضَلَ وَلَا أَوْرَعَ وَلَا أَعْلَمَ مِنْهُ، وَأَنَّهُ سَمَّاهُ الرِّضَى مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَمَرَهُ بِطَرْحِ السَّوَادِ وَلِبْسِ الْخُضْرَةِ، وَذَلِكَ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ، وَأَمَرَ مُحَمَّدًا أَنْ يَأْمُرَ مَنْ عِنْدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَالْجُنْدِ وَالْقُوَّادِ وَبَنِي هَاشِمٍ بِالْبَيْعَةِ لَهُ، وَلِبْسِ الْخُضْرَةِ، وَيَأْخُذَ أَهْلَ بَغْدَاذَ جَمِيعًا بِذَلِكَ، فَدَعَاهُمْ مُحَمَّدٌ إِلَى ذَلِكَ، فَأَجَابَ بَعْضُهُمْ، وَامْتَنَعَ بَعْضُهُمْ وَقَالَ: تَخْرُجُ الْخِلَافَةُ مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ، وَإِنَّمَا هَذَا مِنَ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ. فَمَكَثُوا كَذَلِكَ أَيَّامًا، وَتَكَلَّمَ بَعْضُهُمْ وَقَالُوا: نُوَلِّي بَعْضَنَا وَنَخْلَعُ الْمَأْمُونَ. فَكَانَ أَشَدَّهُمْ فِيهِ مَنْصُورٌ وَإِبْرَاهِيمُ ابْنَا الْمَهْدِيِّ. ذِكْرُ الْبَاعِثِ عَلَى الْبَيْعَةِ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ خَاضَ النَّاسُ فِي الْبَيْعَةِ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ بِالْخِلَافَةِ وَخَلْعِ الْمَأْمُونِ بِبَغْدَاذَ. وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إِنْكَارِ النَّاسِ لِوِلَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ وَالْبَيْعَةِ لِعَلِيِّ بْنِ مُوسَى، فَأَظْهَرَ الْعَبَّاسِيُّونَ (بِبَغْدَاذَ أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا بَايَعُوا لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ) ، لِخَمْسٍ

стр. 2850

بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَوَضَعُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ رَجُلًا يَقُولُ: إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَدْعُوَ لِلْمَأْمُونِ، وَمِنْ بَعْدِهِ لِإِبْرَاهِيمَ، وَوَضَعُوا مَنْ يُجِيبُهُ بِأَنَّنَا لَا نَرْضَى إِلَّا أَنْ تُبَايِعُوا لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ بِالْخِلَافَةِ، وَمِنْ بَعْدِهِ لِإِسْحَاقَ بْنِ مُوسَى الْهَادِي، وَتَخْلَعُوا الْمَأْمُونَ، فَفَعَلُوا مَا أَمَرُوهُمْ بِهِ، فَلَمْ يُصَلِّ النَّاسُ جُمُعَةً، وَتَفَرَّقُوا، وَكَانَ ذَلِكَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ. ذِكْرُ فَتْحِ جِبَالِ طَبَرِسْتَانَ وَالدَّيْلَمِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ افْتَتَحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خُرْدَاذْبَهَ وَالِي طَبَرِسْتَانَ الْبَلَاذُرِ، وَالَشَّيْزَرِ، مِنْ بِلَادِ الدَّيْلَمِ، وَافْتَتَحَ جِبَالَ طَبَرِسْتَانَ، فَأَنْزَلَ شَهْرَيَارَ بْنَ شَرْوِينَ عَنْهَا، وَأَشْخَصَ مَازِيَارَ بْنَ قَارَنَ إِلَى الْمَأْمُونِ، وَأَسَرَ أَبَا لَيْلَى مَلِكَ الدَّيْلَمِ. ذِكْرُ ابْتِدَاءِ أَمْرِ بَابَكَ الْخُرَّمِيِّ وَفِيهَا تَحَرَّكَ بَابَكُ الْخُرَّمِيُّ فِي الْجَاوِيدَانِيَّةِ، أَصْحَابِ جَاوِيدَانَ بْنِ سَهْلٍ، صَاحِبِ الْبَذِّ، وَادَّعَى أَنَّ رُوحَ جَاوِيدَانَ دَخَلَتْ فِيهِ، وَأَخَذَ فِي الْعَيْثِ وَالْفَسَادِ. وَتَفْسِيرُ جَاوِيدَانَ: الدَّائِمُ الْبَاقِي، وَمَعْنَى خُرَّمَ: فَرْجٌ، وَهِيَ مَقَالَاتُ الْمَجُوسِ، وَالرَّجُلُ مِنْهُمْ يَنْكِحُ أُمَّهُ، وَأُخْتَهُ، وَابْنَتَهُ، وَلِهَذَا يُسَمُّونَهُ دِينَ الْفَرْجِ، وَيَعْتَقِدُونَ مَذْهَبَ التَّنَاسُخِ، وَأَنَّ الْأَرْوَاحَ تَنْتَقِلُ مِنْ حَيَوَانٍ إِلَى غَيْرِهِ. ذِكْرُ وِلَايَةِ زِيَادَةِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ إِفْرِيقِيَّةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَادِسَ ذِي الْحِجَّةِ تُوُفِّيَ أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ، أَمِيرُ إِفْرِيقِيَّةَ، وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ خَمْسَ سِنِينَ وَنَحْوَ شَهْرَيْنِ. وَكَانَ سَبَبَ مَوْتِهِ أَنَّهُ حَدَّدَ عَلَى كُلِّ فَدَّانٍ فِي عَمَلِهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ دِينَارًا كُلَّ سَنَةٍ،

стр. 2851

فَضَاقَ النَّاسُ لِذَلِكَ وَشَكَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الصَّالِحِينَ، اسْمُهُ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْجَزَرِيُّ، مَعَ رِجَالٍ مِنَ الصَّالِحِينَ، فَنَهَوْهُ عَنْ ذَلِكَ وَوَعَظُوهُ، وَخَوَّفُوهُ الْعَذَابَ فِي الْآخِرَةِ، وَسُوءَ الذِّكْرِ فِي الدُّنْيَا، وَزَوَالَ النِّعْمَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى اسْمُهُ وَجَلَّ ثَنَاؤُهُ - ﴿لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١] . فَلَمْ يُجِبْهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ أَمِيرُ إِفْرِيقِيَّةَ الْمَذْكُورُ إِلَى مَا طَلَبُوا، فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَقَالَ لَهُمْ حَفْصٌ: لَوْ أَنَّنَا نَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَنُصْلِي، وَنَسْأَلُ اللَّهَ - تَعَالَى - أَنْ يُخَفِّفَ عَنِ النَّاسِ؟ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَمَا لَبِثَ إِلَّا خَمْسَةَ أَيَّامٍ حَتَّى خَرَجَتْ قُرْحَةٌ تَحْتَ أُذُنِهِ، فَلَمْ يَنْشَبْ أَنْ مَاتَ مِنْهَا، وَكَانَ أَجْمَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَلَمَّا مَاتَ وَلِيَ بَعْدَهُ أَخُوهُ زِيَادَةُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَبَقِيَ أَمِيرًا رَخِيَّ الْبَالِ (وَادِعًا، وَالدُّنْيَا) عِنْدَهُ آمِنَةٌ. ثُمَّ جَهَّزَ جَيْشًا فِي أُسْطُولِ الْبَحْرِ، وَكَانَ مَرَاكِبَ كَثِيرَةً، إِلَى مَدِينَةِ سَرْدَانِيَةَ، وَهِيَ لِلرُّومِ، (فَعَطِبَ بَعْضُهَا) بَعْدَ أَنْ غَنِمُوا مِنَ الرُّومِ وَقَتَلُوا كَثِيرًا، فَلَمَّا عَادَ مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ زِيَادَةُ اللَّهِ وَوَصَلَهُمْ. فَلَمَّا كَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَتَيْنِ خَرَجَ عَلَيْهِ زِيَادُ بْنُ سَهْلٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الصَّقْلِبِيَّةِ، وَجَمَعَ جَمْعًا كَثِيرًا، وَحَصَرَ مَدِينَةَ بَاجَةَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ زِيَادَةُ اللَّهِ الْعَسَاكِرَ، فَأَزَالُوهُ عَنْهَا، وَقَتَلُوا مَنْ وَافَقَهُ عَلَى الْمُخَالَفَةِ. وَفِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَمِائَتَيْنِ نُقِلَ إِلَى زِيَادَةِ اللَّهِ أَنَّ مَنْصُورَ بْنَ نُصَيْرٍ الطُّنْبُذِيَّ يُرِيدُ الْمُخَالَفَةَ عَلَيْهِ بِتُونُسَ، وَهُوَ يَسْعَى فِي ذَلِكَ، وَيُكَاتِبُ الْجُنْدَ، فَلَمَّا تَحَقَّقَهُ سَيَّرَ إِلَيْهِ قَائِدًا اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُخْفِيَ خَبَرَهُ، وَيَجِدَّ السَّيْرَ إِلَى تُونُسَ، فَلَا يَشْعُرُ بِهِ مَنْصُورٌ حَتَّى يَأْخُذَهُ فَيَحْمِلَهُ إِلَيْهِ. فَسَارَ مُحَمَّدٌ وَدَخَلَ تُونُسَ، فَلَمْ يَجِدْ مَنْصُورًا بِهَا، كَانَ قَدْ تَوَجَّهَ إِلَى قَصْرِهِ

стр. 2852

بِطُنْبُذَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ قَاضِيَ تُونُسَ، وَمَعَهُ أَرْبَعُونَ شَيْخًا، يُقَبِّحُونَ لَهُ الْخِلَافَ، وَيَنْهَوْنَهُ عَنْهُ، وَيَأْمُرُونَهُ بِالطَّاعَةِ، فَسَارُوا إِلَيْهِ وَاجْتَمَعُوا بِهِ وَذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ مَنْصُورٌ: مَا خَالَفْتُ طَاعَةَ الْأَمِيرِ، وَأَنَا سَائِرٌ مَعَكُمْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الْأَمِيرِ، وَلَكِنْ أَقِيمُوا مَعِي يَوْمَنَا هَذَا، حَتَّى نَعْمَلَ لَهُ وَلِمَنْ مَعَهُ ضِيَافَةً. فَأَقَامُوا عِنْدَهُ، وَسَيَّرَ مَنْصُورٌ لِمُحَمَّدٍ وَلِمَنْ مَعَهُ الْإِقَامَةَ الْحَسَنَةَ الْكَثِيرَةَ مِنَ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ مَا يُؤْكَلُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَقُولُ: إِنَّنِي صَائِرٌ إِلَيْكَ مَعَ الْقَاضِي وَالْجَمَاعَةِ. فَرَكَنَ مُحَمَّدٌ إِلَى ذَلِكَ، وَأَمَرَ بِالْغَنَمِ فَذُبِحَتْ، وَأَكَلَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَشَرِبُوا الْخَمْرَ. فَلَمَّا أَمْسَى مَنْصُورٌ سَجَنَ الْقَاضِي وَمَنْ مَعَهُ، وَسَارَ مُجِدًّا فِيمَنْ عِنْدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ سِرًّا إِلَى تُونُسَ، فَدَخَلُوا دَارَ الصِّنَاعَةِ وَفِيهَا مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ، فَأَمَرَ بِالطُّبُولِ فَضُرِبَتْ، وَكَبَّرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَوَثَبَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى سِلَاحِهِمْ وَقَدْ عَمِلَ فِيهِمُ الشَّرَابُ، وَأَحَاطَ بِهِمْ مَنْصُورٌ وَمَنْ مَعَهُ، وَأَقْبَلَتِ الْعَامَّةُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَرَجَمُوهُمْ بِالْحِجَارَةِ، وَاقْتَتَلُوا عَامَّةَ اللَّيْلِ، فَقُتِلَ مَنْ كَانَ مَعَ مُحَمَّدٍ، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ نَجَا إِلَى الْبَحْرِ، فَسَبَحَ حَتَّى تَخَلَّصَ، وَذَلِكَ فِي صَفَرٍ. وَأَصْبَحَ مَنْصُورٌ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْجُنْدُ وَقَالُوا: نَحْنُ لَا نَثِقُ بِكَ، وَلَا نَأْمَنُ أَنْ يَخْلُبَكَ زِيَادَةُ اللَّهِ، وَيَسْتَمِيلَكَ بِدُنْيَاهُ فَتَمِيلَ إِلَيْهِ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ نَكُونَ مَعَكَ فَاقْتُلْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهِ مِمَّنْ عِنْدَكَ! فَأَحْضَرَ إِسْمَاعِيلَ بْنَ سُفْيَانَ بْنِ سَالِمِ بْنِ عِقَالٍ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ زِيَادَةِ اللَّهِ، فَكَانَ هُوَ الْعَامِلُ عَلَى تُونُسَ، فَلَمَّا حَضَرَ أَمَرَ بِقَتْلِهِ. فَلَمَّا سَمِعَ زِيَادَةُ اللَّهِ الْخَبَرَ سَيَّرَ جَيْشًا كَثِيفًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ غَلْبُونَ، وَاسْمُهُ الْأَغْلَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَغْلَبِ، وَهُوَ وَزِيرُ زِيَادَةِ اللَّهِ، إِلَى مَنْصُورٍ الطُّنْبُذِيِّ، فَلَمَّا وَدَّعَهُمْ زِيَادَةُ اللَّهِ تَهَدَّدَهُمْ بِالْقَتْلِ إِنِ انْهَزَمُوا، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى تُونُسَ خَرَجَ إِلَيْهِمْ مَنْصُورٌ، فَقَاتَلَهُمْ، فَانْهَزَمَ جَيْشُ زِيَادَةِ اللَّهِ عَاشِرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَقَالَ الْقُوَّادُ الَّذِينَ فِيهِ لِغَلْبُونَ: لَا نَأْمَنُ زِيَادَةَ اللَّهِ عَلَى أَنْفُسِنَا، فَإِنْ أَخَذْتَ لَنَا أَمَانًا حَضَرْنَا عِنْدَهُ. وَفَارَقُوهُ وَاسْتَوْلَوْا عَلَى عِدَّةِ مُدُنٍ فَأَخَذُوهَا، مِنْهَا: بَاجَةُ، وَالْجَزِيرَةُ، وَصَطْفُورَةُ، وَمِسْرُ، وَالْأُرْبُسُ، وَغَيْرُهَا، فَاضْطَرَبَتْ

стр. 2853

إِفْرِيقِيَّةُ، وَاجْتَمَعَ الْجُنْدُ كُلُّهُمْ إِلَى مَنْصُورٍ، أَطَاعُوهُ لِسُوءِ سِيرَةِ زِيَادَةِ اللَّهِ مَعَهُمْ. فَلَمَّا كَثُرَ جَمْعُ مَنْصُورٍ سَارَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ فَحَصَرَهَا فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَخَنْدَقَ عَلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زِيَادَةِ اللَّهِ وَقَائِعُ كَثِيرَةٌ، وَعَمَّرَ مَنْصُورٌ سُورَ الْقَيْرَوَانِ [فَوَالَاهُ] أَهْلُهَا، فَبَقِيَ الْحِصَارُ عَلَيْهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. ثُمَّ إِنَّ زِيَادَةَ اللَّهِ عَبَّأَ أَصْحَابَهُ وَجَمَعَهُمْ، وَسَارَ مَعَهُمُ الْفَارِسُ وَالرَّاجِلُ، فَكَانُوا خَلْقًا كَثِيرًا، فَلَمَّا رَآهُمْ مَنْصُورٌ رَاعَهُ مَا رَأَى وَهَالَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْ زِيَادَةِ اللَّهِ، لِمَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْوَهْنِ، فَزَحَفَ مَنْصُورٌ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَيْضًا، فَالْتَقَوْا، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْهَزَمَ مَنْصُورٌ وَمَنْ مَعَهُ، وَمَضَوْا هَارِبِينَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَذَلِكَ مُنْتَصَفَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَأَمَرَ زِيَادَةُ اللَّهِ أَنْ يُنْتَقَمَ مِنْ أَهْلِ الْقَيْرَوَانِ بِمَا جَنَوْهُ مِنْ مُسَاعَدَةِ مَنْصُورٍ وَالْقِتَالِ مَعَهُ، بِمَا تَقَدَّمَ أَوْلًا مِنْ مُسَاعَدَةِ عِمْرَانَ بْنِ مُجَالِدٍ لَمَّا قَاتَلَ أَبَاهُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَغْلَبِ، فَمَنَعَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، فَكَفَّ عَنْهُمْ، وَخَرَّبَ سُورَ الْقَيْرَوَانِ. وَلَمَّا انْهَزَمَ مَنْصُورٌ فَارَقَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ صَارُوا مَعَهُ، مِنْهُمْ: عَامِرُ بْنُ نَافِعٍ، وَعَبْدُ السَّلَامِ بْنُ الْمُفَرِّجِ، إِلَى الْبِلَادِ الَّتِي تَغَلَّبُوا عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنَّ زِيَادَةَ اللَّهِ سَيَّرَ جَيْشًا، سَنَةَ تِسْعٍ وَمِائَتَيْنِ، إِلَى مَدِينَةِ سَبِيبَةَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَغْلَبِ، وَكَانَ بِهَا جَمْعٌ مِنَ الْجُنْدِ الَّذِينَ صَارُوا مَعَ مَنْصُورٍ، عَلَيْهِمْ عُمَرُ بْنُ نَافِعٍ، فَالْتَقَوْا فِي الْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ ابْنُ الْأَغْلَبِ، وَعَادَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَى زِيَادَةِ اللَّهِ، وَجَمْعِ الرِّجَالِ وَبَذْلِ الْأَمْوَالِ. وَكَانَ عِيَالُ الْجُنْدِ الَّذِينَ مَعَ مَنْصُورٍ بِالْقَيْرَوَانِ، فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُمْ زِيَادَةُ اللَّهِ، فَقَالَ الْجُنْدُ لِمَنْصُورٍ: الرَّأْيُ أَنْ تَحْتَالَ فِي نَقْلِ [الْعِيَالِ] مِنَ الْقَيْرَوَانِ لِنَأْمَنَ عَلَيْهِمْ. فَسَارَ بِهِمْ مَنْصُورٌ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، وَحَصَرَ زِيَادَةَ اللَّهِ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ قِتَالٌ، وَأَخْرَجَ الْجُنْدُ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ مِنَ الْقَيْرَوَانِ، وَانْصَرَفَ مَنْصُورٌ إِلَى تُونُسَ، وَلَمْ يَبْقَ بِيَدِ زِيَادَةِ اللَّهِ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ كُلِّهَا إِلَّا قَابِسُ، وَالسَّاحِلُ، وَنِفْزَاوَةُ، وَطَرَابُلُسُ، فَإِنَّهُمْ تَمَسَّكُوا بِطَاعَتِهِ. وَأَرْسَلَ الْجُنْدُ إِلَى زِيَادَةِ اللَّهِ: أَنِ ارْحَلْ عَنَّا، وَخَلِّ إِفْرِيقِيَّةَ، وَلَكَ الْأَمَانُ عَلَى نَفْسِكَ وَمَالِكَ، وَمَنْ ضَمَّهُ قَصْرُكَ. فَضَاقَ بِهِ وَغَمَّهُ الْأَمْرُ، فَقَالَ لَهُ سُفْيَانُ بْنُ سَوَادَةَ: مَكِّنِي مِنْ عَسْكَرِكَ لِأَخْتَارَ مِنْهُمْ مِائَتَيْ فَارِسٍ، وَأَسِيرَ بِهِمْ إِلَى نِفْزَاوَةَ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عَامِرَ بْنَ نَافِعٍ يُرِيدُ قَصْدَهُمْ، فَإِنْ ظَفِرْتُ كَانَ الَّذِي تُحِبُّ، وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى عَمِلْتَ بِرَأْيِكَ. فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ،

стр. 2854

فَأَخَذَ مِائَتَيْ فَارِسٍ وَسَارَ إِلَى نِفْزَاوَةَ، فَدَعَا بَرَابِرَهَا إِلَى نُصْرَتِهِ، فَأَجَابُوهُ وَسَارَعُوا إِلَيْهِ، وَأَقْبَلَ عَامِرُ بْنُ نَافِعٍ فِي الْعَسْكَرِ إِلَيْهِمْ، فَالْتَقَوْا، وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ عَامِرٌ وَمَنْ مَعَهُ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ، وَرَجَعَ عَامِرٌ إِلَى قَسْطِيلِيَةَ، فَجَبَى أَمْوَالَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَسَارُوا عَنْهَا، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا مَنْ يَضْبُطُهَا، فَهَرَبَ مِنْهَا أَيْضًا خَوْفًا مِنْ أَهْلِهَا، فَأَرْسَلَ أَهْلُ قَسْطِيلِيَةَ إِلَى ابْنِ سَوَادَةَ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَجِيءَ إِلَيْهِمْ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَمَلَكَ قَسْطِيلِيَةَ وَضَبَطَهَا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْحَوَادِثَ الْمَذْكُورَةَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعٍ وَمِائَتَيْنِ إِنَّمَا كَانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ وَعَشْرٍ وَمِائَتَيْنِ. (طُنْبُذَةُ بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَآخِرُهُ هَاءٌ. وَصَطْفُورَةُ بِفَتْحِ الصَّادِ وَسُكُونِ الطَّاءِ وَضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَآخِرُهُ هَاءٌ. وَسَبِيبَةُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الثَّانِيَةِ الْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهُ هَاءٌ. وَنِفْزَاوَةُ بِالنُّونِ وَالْفَاءِ السَّاكِنَةِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَبَعْدَ الْأَلْفِ وَاوٌ ثُمَّ هَاءٌ) . ذِكْرُ مَافَتَحَهُ زِيَادَةُ اللَّهِ بْنُ الْأَغْلَبِ مِنْ جَزِيرَةِ صِقِلِّيَّةَ وَمَا كَانَ فِيهَا مِنَ الْحُرُوبِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ جَهَّزَ زِيَادَةُ اللَّهِ جَيْشًا فِي الْبَحْرِ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى جَزِيرَةِ صِقِلِّيَّةَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ أَسَدَ بْنَ الْفُرَاتِ، قَاضِي الْقَيْرَوَانِ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَهُوَ مُصَنِّفُ الْأَسَدِيَّةِ (فِي الْفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ) ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهَا مَلَكُوا كَثِيرًا مِنْهَا. وَكَانَ سَبَبَ إِنْفَاذِ الْجَيْشِ أَنَّ مَلِكَ الرُّومِ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ اسْتَعْمَلَ عَلَى جَزِيرَةِ صِقِلِّيَّةَ بِطْرِيقًا اسْمُهُ قُسْطَنْطِينُ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا اسْتَعْمَلَ عَلَى جَيْشِ الْأُسْطُولِ إِنْسَانًا رُومِيًّا اسْمُهُ فِيمِي، كَانَ حَازِمًا شُجَاعًا، فَغَزَا إِفْرِيقِيَّةَ، وَأَخَذَ مِنْ سَوَاحِلِهَا تُجَّارًا، وَنَهَبَ، وَبَقِيَ هُنَاكَ مُدَيْدَةً. ثُمَّ إِنَّ مَلِكَ الرُّومِ كَتَبَ إِلَى قُسْطَنْطِينَ (يَأْمُرُهُ بِالْقَبْضِ) عَلَى فِيمِي، مُقَدِّمِ الْأُسْطُولِ، وَتَعْذِيبِهِ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى فِيمِي، فَأَعْلَمَ أَصْحَابَهُ فَغَضِبُوا لَهُ، وَأَعَانُوهُ عَلَى الْمُخَالَفَةِ، فَسَارَ فِي مَرَاكِبِهِ إِلَى صِقِلِّيَّةَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى مَدِينَةِ سَرَقُوسَةَ، فَسَارَ إِلَيْهِ قُسْطَنْطِينُ (فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ قُسْطَنْطِينُ) إِلَى مَدِينَةِ قَطَانِيَةَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ فِيمِي

стр. 2855

جَيْشًا، فَهَرَبَ مِنْهُمْ، فَأَخَذَ وَقَتَلَ، وَخُوطِبَ فِيمِي بِالْمَلِكِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْجَزِيرَةِ رَجُلًا اسْمُهُ بَلَاطَهْ، فَخَالَفَ عَلَى فِيمِي، وَعَصَى، وَاتَّفَقَ هُوَ وَابْنُ عَمٍّ لَهُ اسْمُهُ مِيخَائِيلُ، وَهُوَ وَالِي مَدِينَةِ بَلَرْمَ، وَجَمَعَا عَسْكَرًا كَثِيرًا، فَقَاتَلَا فِيمِي، وَانْهَزَمَ، فَاسْتَوْلَى بَلَاطَهْ عَلَى مَدِينَةِ سَرَقُوسَةَ. وَرَكِبَ فِيمِي وَمَنْ مَعَهُ فِي مَرَاكِبِهِمْ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْأَمِيرِ زِيَادَةِ اللَّهِ يَسْتَنْجِدُهُ، وَيَعِدُهُ بِمُلْكِ جَزِيرَةِ صِقِلِّيَّةَ، فَسَيَّرَ مَعَهُ جَيْشًا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، فَوَصَلُوا إِلَى مَدِينَةِ مَازَرَ مِنْ صِقِلِّيَّةَ، فَسَارُوا إِلَى بَلَاطَهْ، الَّذِي قَاتَلَ فِيمِي، فَلَقِيَهُمْ جَمْعٌ لِلرُّومِ، فَقَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَأَمَرُوا فِيمِي وَمَنْ مَعَهُ أَنْ يَعْتَزِلُوهُمْ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّومِ، فَانْهَزَمَتِ الرُّومُ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ أَمْوَالَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ، وَهَرَبَ بَلَاطَهْ إِلَى قِلُّورِيَةَ، فَقُتِلَ بِهَا. وَاسْتَوْلَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى عِدَّةِ حُصُونٍ مِنَ الْجَزِيرَةِ، وَوَصَلُوا إِلَى قَلْعَةٍ تُعْرَفُ بِقَلْعَةِ الْكُرَّاثِ وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَخَدَعُوا الْقَاضِيَ أَسَدَ بْنَ الْفُرَاتِ أَمِيرَ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلُّوا لَهُ، فَلَمَّا رَآهُمْ فِيمِي مَالَ إِلَيْهِمْ، وَرَاسَلَهُمْ أَنْ يَثْبُتُوا، وَيَحْفَظُوا بَلَدَهُمْ، فَبَذَلُوا لِأَسَدٍ الْجِزْيَةَ، وَسَأَلُوهُ أَنْ لَا يَقْرَبَ مِنْهُمْ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَتَأَخَّرَ عَنْهُمْ (أَيَّامًا، فَاسْتَعَدُّوا لِلْحِصَارِ، وَدَفَعُوا إِلَيْهِمْ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، فَامْتَنَعُوا عَلَيْهِ) ، وَنَاصَبَهُمُ الْحَرْبَ، وَبَثَّ السَّرَايَا فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ، فَغَنِمُوا شَيْئًا كَثِيرًا، وَافْتَتَحُوا عُمْرَانًا كَثِيرًا حَوْلَ سَرَقُوسَةَ، (وَحَاصَرُوا سَرَقُوسَةَ) بَرًّا وَبَحْرًا، وَلَحِقَتْهُ الْأَمْدَادُ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَالِي بَلَرْمَ فِي عَسَاكِرَ كَثِيرَةٍ، فَخَنْدَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، وَحَفَرُوا خَارِجَ الْخَنْدَقِ حُفَرًا كَثِيرَةً، فَحَمَلَ الرُّومُ عَلَيْهِمْ، فَسَقَطَ فِي تِلْكَ الْحُفَرِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، فَقُتِلُوا. وَضَيَّقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى سَرَقُوسَةَ، فَوَصَلَ أُسْطُولٌ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فِيهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ،

стр. 2856

وَكَانَ قَدْ حَلَّ بِالْمُسْلِمِينَ وَبَاءٌ شَدِيدٌ، (سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ) ، هَلَكَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَهَلَكَ فِيهِ أَمِيرُهُمْ أَسَدُ بْنُ الْفُرَاتِ، وَوَلِيَ الْأَمْرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْدَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْجَوَارِي، فَلَمَّا رَأَى الْمُسْلِمُونَ شِدَّةَ الْوَبَاءِ وَوُصُولَ الرُّومِ، تَحَمَّلُوا فِي مَرَاكِبِهِمْ لِيَسِيرُوا، فَوَقَفَ الرُّومُ فِي مَرَاكِبِهِمْ عَلَى بَابِ الْمَرْسَى، فَمَنَعُوا الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْخُرُوجِ. فَلَمَّا رَأَى الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ أَحْرَقُوا مَرَاكِبَهُمْ وَعَادُوا، وَرَحَلُوا إِلَى مَدِينَةِ مِينَاوَ، (فَحَصَرُوهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) ، وَتَسَلَّمُوا الْحِصْنَ، فَسَارَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إِلَى حِصْنِ جَرْجَنْتَ، فَقَاتَلُوا أَهْلَهُ وَمَلَكُوهُ، وَسَكَنُوا فِيهِ، وَاشْتَدَّتْ نُفُوسُ الْمُسْلِمِينَ بِهَذَا الْفَتْحِ وَفَرِحُوا. ثُمَّ سَارُوا إِلَى مَدِينَةِ قَصْرِيَانَّةَ وَمَعَهُمْ فِيمِي، فَخَرَجَ أَهْلُهَا إِلَيْهِ، فَقَبَّلُوا الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَجَابُوا إِلَى أَنْ يُمَلِّكُوهُ عَلَيْهِمْ، وَخَدَعُوهُ، ثُمَّ قَتَلُوهُ. وَوَصَلَ جَيْشٌ كَثِيرٌ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ مَدَدًا لِمَنْ فِي الْجَزِيرَةِ، فَتَصَافُّوا هُمْ وَالْمُسْلِمُونَ، فَانْهَزَمَ الرُّومُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَدَخَلَ مَنْ سَلِمَ قَصْرِيَانَّةَ. وَتُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْجَوَارِي أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ زُهَيْرُ بْنُ غَوْثٍ. ثُمَّ إِنَّ سَرِيَّةَ الْمُسْلِمِينَ سَارَتْ لِلْغَنِيمَةِ، فَخَرَجَ عَلَيْهَا طَائِفَةٌ مِنَ الرُّومِ فَاقْتَتَلُوا، وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، وَعَادُوا مِنَ الْغَدِ، وَمَعَهُمْ جَمْعُ الْعَسْكَرِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الرُّومُ، وَقَدِ اجْتَمَعُوا وَحَشَدُوا، وَتَصَافُّوا مَرَّةً ثَانِيَةً، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ أَيْضًا، وَقُتِلَ مِنْهُمْ نَحْوُ أَلْفِ قَتِيلٍ، وَعَادُوا إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ، وَخَنْدَقُوا عَلَيْهِمْ، فَحَصَرَهُمُ الرُّومُ، وَدَامَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، فَضَاقَتِ الْأَقْوَاتُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَعَزَمُوا عَلَى بَيَاتِ الرُّومِ، فَعَلِمُوا بِهِمْ، فَفَارَقُوا الْخِيَمَ، وَكَانُوا بِالْقُرْبِ مِنْهَا، فَلَمَّا خَرَجَ الْمُسْلِمُونَ لَمْ يَرَوْا أَحَدًا. وَأَقْبَلَ الرُّومُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، فَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ، فَدَخَلُوا

стр. 2857

مِينَاوَ، وَدَامَ الْحِصَارُ عَلَيْهِمْ حَتَّى أَكَلُوا الدَّوَابَّ وَالْكِلَابَ. فَلَمَّا سَمِعَ مَنْ فِي مَدِينَةِ جِرْجِنْتَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا هُمْ عَلَيْهِ هَدَمُوا الْمَدِينَةَ، وَسَارُوا إِلَى مَازَرَ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى نُصْرَةِ إِخْوَانِهِمْ، وَدَامَ الْحَالُ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، وَقَدْ أَشْرَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْهَلَاكِ، وَإِذْ قَدْ أَقْبَلَ أُسْطُولٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَنْدَلُسِ، خَرَجُوا غُزَاةً، وَوَصَلَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَرَاكِبُ كَثِيرَةٌ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ مَدَدًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَبَلَغَتْ عِدَّةُ الْجَمِيعِ ثَلَاثَمِائَةِ مَرْكَبٍ، فَنَزَلُوا إِلَى الْجَزِيرَةِ، فَانْهَزَمَ الرُّومُ عَنْ حِصَارِ الْمُسْلِمِينَ وَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَسَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى مَدِينَةِ بَلَرْمَ، فَحَصَرُوهَا، وَضَيَّقُوا عَلَى مَنْ بِهَا، فَطَلَبَ صَاحِبُهَا الْأَمَانَ لِنَفْسِهِ وَلِأَهْلِهِ وَلِمَالِهِ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَسَارَ فِي الْبَحْرِ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ. وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ الْبَلَدَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، فَلَمْ يَرَوْا فِيهِ إِلَّا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافِ إِنْسَانٍ، وَكَانَ فِيهِ لَمَّا حَصَرُوهُ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَمَاتُوا كُلُّهُمْ. وَجَرَى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ: أَهْلُ إِفْرِيقِيَّةَ، وَأَهْلُ الْأَنْدَلُسِ - خُلْفٌ وَنِزَاعٌ، ثُمَّ اتَّفَقُوا، وَبَقِيَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ. وَسَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى مَدِينَةِ قَصْرِيَانَّةَ، فَخَرَجَ مَنْ فِيهَا مِنَ الرُّومِ، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، (وَانْهَزَمَ الرُّومُ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ) ، ثُمَّ رَجَعُوا فِي الرَّبِيعِ فَقَاتَلُوهُمْ، فَنُصِرَ الْمُسْلِمُونَ أَيْضًا. ثُمَّ سَارُوا سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، (وَأَمِيرُهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى قَصْرِيَانَّةَ، فَقَاتَلَهُمُ الرُّومُ، فَانْهَزَمُوا، وَأُسِرَتِ امْرَأَةٌ لِبِطْرِيقِهِمْ وَابْنُهُ، وَغَنِمُوا مَا كَانَ فِي عَسْكَرِهِمْ وَعَادُوا إِلَى بَلَرْمَ. ثُمَّ سَيَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَسْكَرًا إِلَى نَاحِيَةِ طَبَرْمِينَ) ، عَلَيْهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ سَالِمٍ، فَغَنِمَ غَنَائِمَ كَثِيرَةً، ثُمَّ عَدَا عَلَيْهِ بَعْضُ عَسْكَرِهِ فَقَتَلُوهُ، وَلَحِقُوا بِالرُّومِ، فَأَرْسَلَ زِيَادَةُ اللَّهِ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ الْفَضْلَ بْنَ يَعْقُوبَ عِوَضًا مِنْهُ، فَسَارَ فِي سَرِيَّةٍ إِلَى نَاحِيَةِ سَرَقُوسَةَ، فَأَصَابُوا غَنَائِمَ كَثِيرَةً وَعَادُوا، ثُمَّ سَارَتْ سَرِيَّةٌ كَبِيرَةٌ، فَغَنِمَتْ وَعَادَتْ، فَعَرَضَ لَهُمُ الْبَطْرِيقُ مَلِكُ الرُّومِ بِصِقِلِّيَّةَ، وَجَمْعٌ كَثِيرٌ، فَتَحَصَّنُوا مِنَ الرُّومِ فِي أَرْضٍ وَعْرٍ، وَشَجَرٍ كَثِيفٍ، فَلَمْ

стр. 2858

يَتَمَكَّنْ مِنْ قِتَالِهِمْ، وَوَاقَفَهُمْ إِلَى الْعَصْرِ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَهُمْ عَادَ عَنْهُمْ، فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ وَتَرَكُوا التَّعْبِئَةَ. فَلَمَّا رَأَى الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ حَمَلُوا عَلَيْهِمْ حَمْلَةً صَادِقَةً، فَانْهَزَمَ الرُّومُ وَطُعِنَ الْبَطْرِيقُ، وَجُرِحَ عِدَّةُ جِرَاحَاتٍ، وَسَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ، فَأَتَاهُ حُمَاةُ أَصْحَابِهِ، وَاسْتَنْقَذُوهُ جَرِيحًا، وَحَمَلُوهُ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مَا مَعَهُمْ مِنْ سِلَاحٍ وَمَتَاعٍ وَدَوَابَّ، فَكَانَتْ وَقْعَةً عَظِيمَةً. وَسَيَّرَ زِيَادَةُ اللَّهِ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ إِلَى صِقِلِّيَّةَ أَبَا الْأَغْلَبِ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرًا عَلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْهَا، فَوَصَلَ إِلَيْهَا مُنْتَصَفَ رَمَضَانَ، فَبَعَثَ أُسْطُولًا، فَلَقُوا جَمْعًا لِلرُّومِ فِي أُسْطُولٍ، فَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ [مَا فِيهِ] ، فَضَرَبَ أَبُو الْأَغْلَبِ رِقَابَ كُلِّ مَنْ فِيهِ. وَبَعَثَ أُسْطُولًا آخَرَ إِلَى قُوصَرَةَ، فَظَفِرَ بِحَرَّاقَةٍ فِيهَا رِجَالٌ مِنَ الرُّومِ، وَرَجُلٌ مُتَنَصِّرٌ مِنْ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَأَتَى بِهِمْ فَضَرَبَ رِقَابَهُمْ. وَسَارَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى إِلَى جَبَلِ النَّارِ وَالْحُصُونِ الَّتِي فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ، فَأَحْرَقُوا الزَّرْعَ، وَغَنِمُوا (وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ. ثُمَّ سَيَّرَ أَبُو الْأَغْلَبِ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ سَرِيَّةً إِلَى جَبَلِ النَّارِ أَيْضًا، فَغَنِمُوا غَنَائِمَ عَظِيمَةً، حَتَّى بِيعَ الرَّقِيقُ بِأَبْخَسِ الْأَثْمَانِ، وَعَادُوا سَالِمِينَ. وَفِيهَا سَيَّرَ أَبُو الْأَغْلَبِ أَيْضًا سِرِّيَّةً إِلَى قُسْطَلْيَاسَةَ، فَغَنِمُوا وَسَبَوْا، وَلَقِيَهُمُ الْعَدُوُّ، فَكَانَتْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ اسْتَظْهَرَ فِيهَا الرُّومُ. وَسَيَّرَ سَرِيَّةً إِلَى مَدِينَةِ قَصْرِيَانَّةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الْعَدُوُّ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَأُصِيبَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ. ثُمَّ كَانَتْ وَقْعَةٌ أُخْرَى بَيْنَ الرُّومِ وَالْمُسْلِمِينَ، فَانْهَزَمَ الرُّومُ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ تِسْعَةَ مَرَاكِبَ كِبَارٍ بِرِجَالِهَا وَشَلَنْدَسَ. فَلَمَّا جَاءَ الشِّتَاءُ وَأَظْلَمَ اللَّيْلُ رَأَى رَجُلٌ مِنَ

стр. 2859

الْمُسْلِمِينَ غِرَّةً مِنْ أَهْلِ قَصْرِيَانَّةَ، فَقَرُبَ مِنْهُ، وَرَأَى طَرِيقًا، فَدَخَلَ مِنْهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَحَدٌ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْعَسْكَرِ، فَأَخْبَرَهُمْ فَجَاءُوا مَعَهُ، فَدَخَلُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَكَبَّرُوا، وَمَلَكُوا رَبَضَهُ، وَتَحَصَّنَ الْمُشْرِكُونَ مِنْهُمْ بِحِصْنِهِ، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ، فَأَمَّنُوهُمْ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ غَنَائِمَ كَثِيرَةً، وَعَادُوا إِلَى بَلَرْمَ. وَفِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ وَصَلَ كَثِيرٌ مِنَ الرُّومِ فِي الْبَحْرِ إِلَى صِقِلِّيَّةَ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُحَاصِرُونَ جُفْلُوذَى، وَقَدْ طَالَ حِصَارُهَا، فَلَمَّا وَصَلَ الرُّومُ رَحَلَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهَا، وَجَرَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الرُّومِ الْوَاصِلِينَ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ. ثُمَّ وَصَلَ الْخَبَرُ بِوَفَاةِ زِيَادَةِ اللَّهِ (بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ) ، أَمِيرِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَوَهَنَ الْمُسْلِمُونَ، ثُمَّ تَشَجَّعُوا وَضَبَطُوا أَنْفُسَهُمْ. (سَرَقُوسَةُ بِسِينٍ مَفْتُوحَةٍ وَقَافٍ وَوَاوٍ وَسِينٍ ثَانِيَةٍ. وَبَلَرْمُ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَاللَّامِ وَتَسْكِينِ الرَّاءِ وَبَعْدَهَا مِيمٌ. وَمِينَاوُ بِمِيمٍ وَيَاءٍ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ وَنُونٌ وَبَعْدَ الْأَلْفِ وَاوٌ. وَجُرْجَنْتُ بِجِيمٍ وَرَاءٍ وَجِيمٍ ثَانِيَةٍ مَفْتُوحَةٍ [وَنُونٍ] وَتَاءٍ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ، وَقَصْرِيَانَّةُ بِالْقَافِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ وَالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ وَبَعْدَ الْأَلْفِ نُونٌ مُشَدَّدَةٌ وَهَاءٌ) . ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ صَاحِبُ أَبِي السَّرَايَا. وَفِيهَا أَصَابَ أَهْلُ خُرَاسَانَ وَأَصْبَهَانَ وَالرَّيِّ مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ، وَكَثُرَ الْمَوْتُ فِيهِمْ.

стр. 2860

وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ.

стр. 2861

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ] ٢٠٢ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ بَيْعَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَايَعَ أَهْلُ بَغْدَاذَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْمَهْدِيِّ بِالْخِلَافَةِ، وَلَقَّبُوهُ الْمُبَارَكَ، وَكَانَتْ بَيْعَتُهُ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَقِيلَ خَامِسَهُ، وَخَلَعُوا الْمَأْمُونَ، وَبَايَعَهُ سَائِرُ بَنِي هَاشِمٍ، فَكَانَ الْمُتَوَلِّي لِأَخْذِ الْبَيْعَةِ الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ، فَكَانَ الَّذِي فِي هَذَا الْأَمْرِ السِّنْدِيُّ، وَصَالِحٌ صَاحِبُ الْمُصَلَّى، وَنُصَيْرٌ الْوَصِيفُ، وَغَيْرُهُمْ، غَضَبًا عَلَى الْمَأْمُونِ حِينَ أَرَادَ إِخْرَاجَ الْخِلَافَةِ مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ، وَلِتَرْكِهِ لِبَاسَ آبَائِهِ مِنَ السَّوَادِ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْبَيْعَةِ وَعَدَ الْجُنْدَ رِزْقَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَدَافَعَهُمْ بِهَا، فَشَغَّبُوا عَلَيْهِ، فَأَعْطَاهُمْ لِكُلِّ رَجُلٍ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَكَتَبَ لِبَعْضِهِمْ إِلَى السَّوَادِ بِقِيمَةِ [بَقِيَّةِ] مَا لَهُمْ حِنْطَةً وَشَعِيرًا، فَخَرَجُوا فِي قَبْضِهَا، فَانْتَهَبُوا الْجَمِيعَ، وَأَخَذُوا نَصِيبَ السُّلْطَانِ وَأَهِلِ السَّوَادِ، وَاسْتَوْلَى إِبْرَاهِيمُ عَلَى الْكُوفَةِ وَالسَّوَادِ جَمِيعِهِ، وَعَسْكَرَ بِالْمَدَائِنِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مِنْ بَغْدَاذَ الْعَبَّاسَ بْنَ مُوسَى الْهَادِيَ، وَعَلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنْهَا إِسْحَاقَ بْنَ مُوسَى الْهَادِيَ. وَخَرَجَ عَلَيْهِ مَهْدِيُّ بْنُ عُلْوَانَ الْحَرُورِيُّ، وَغَلَبَ عَلَى طَسَاسِيجِ نَهْرِ بُوقَ وَالرَّاذَانِينَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ أَبَا إِسْحَاقَ بْنَ الرَّشِيدِ، وَهُوَ الْمُعْتَصِمُ، فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْقُوَّادِ، فَلَقُوهُ فَاقْتَتَلُوا، فَطَعَنَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ابْنَ الرَّشِيدِ، فَحَامَى عَنْهُ غُلَامٌ تُرْكِيٌّ يُقَالُ لَهُ: أَشْنَاسُ، وَهُزِمَ مَهْدِيٌّ إِلَى حَوْلَايَا. وَقِيلَ: كَانَ خُرُوجُ مَهْدِيٍّ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمِائَتَيْنِ.

стр. 2862

ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَصْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ وَكَانَ بِقَصْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَامِلًا لِلْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، وَمَعَهُ مِنَ الْقُوَّادِ سَعِيدُ بْنُ السَّاجُورِ، وَأَبُو الْبَطِّ، وَغَسَّانُ بْنُ أَبِي الْفَرَجِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِفْرِيقِيُّ وَغَيْرُهُمْ، فَكَاتَبُوا إِبْرَاهِيمَ عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا لَهُ قَصْرَ ابْنِ هُبَيْرَةَ، وَكَانُوا قَدْ تَحَرَّفُوا عَنْ حُمَيْدٍ، وَكَتَبُوا إِلَى الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ يُخْبِرُونَهُ أَنَّ حُمَيْدًا يُكَاتِبُ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ حُمَيْدٌ يَكْتُبُ فِيهِمْ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَكَتَبَ الْحَسَنُ إِلَى حُمَيْدٍ يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، خَافَ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهِ، فَيَأْخُذَ هَؤُلَاءِ الْقُوَّادُ مَالَهُ وَعَسْكَرَهُ، وَيُسَلِّمُونَهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَلَمَّا أَلَحَّ الْحَسَنُ عَلَيْهِ بِالْكُتُبِ سَارَ إِلَيْهِ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَكَتَبَ أُولَئِكَ الْقُوَّادُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ لِيُنْفِذَ إِلَيْهِمْ عِيسَى بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، فَوَجَّهَهُ إِلَيْهِمْ، فَانْتَهَبُوا مَا فِي عَسْكَرِ حُمَيْدٍ، فَكَانَ مِمَّا أَخَذُوا لَهُ مِائَةُ بَدْرَةٍ، وَأَخَذَ ابْنُ حُمَيْدٍ جَوَارِيَ أَبِيهِ، وَسَارَ إِلَيْهِ وَهُوَ بِعَسْكَرِ الْحَسَنِ، وَدَخَلَ عِيسَى الْقَصْرَ، وَتَسَلَّمَهُ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ، فَقَالَ حُمَيْدٌ لِلْحَسَنِ: أَلَمْ أُعْلِمْكَ؟ لَكِنَّكَ خُدِعْتَ. وَعَادَ إِلَى الْكُوفَةِ، فَأَخَذَ أَمْوَالَهُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا الْعَبَّاسَ بْنَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ الْعَلَوِيَّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ لِأَخِيهِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بَعْدَ الْمَأْمُونِ، وَأَعَانَهُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ لَهُ: قَاتِلْ عَنْ أَخِيكَ، فَإِنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ يُجِيبُونَكَ إِلَى ذَلِكَ وَأَنَا مَعَكَ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ خَرَجَ حُمَيْدٌ إِلَى الْحَسَنِ، وَكَانَ الْحَسَنُ قَدْ وَجَّهَ حَكِيمًا الْحَارِثِيَّ إِلَى النِّيلِ، فَسَارَ إِلَيْهِ عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ حَكِيمٌ، فَدَخَلَ عِيسَى النِّيلَ، وَوَجَّهَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْكُوفَةِ سَعِيدًا وَأَبَا الْبَطِّ، لِقِتَالِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُوسَى، وَكَانَ الْعَبَّاسُ قَدْ دَعَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، فَأَجَابَهُ بَعْضُهُمْ. وَأَمَّا الْغُلَاةُ مِنَ الشِّيعَةِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنْ كُنْتَ تَدْعُونَا لِأَخِيكَ وَحْدَهُ فَنَحْنُ مَعَكَ، وَأَمَّا الْمَأْمُونُ فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَدْعُو لِلْمَأْمُونِ، وَبَعْدَهُ لِأَخِي. فَقَعَدُوا عَنْهُ. فَلَمَّا أَتَاهُ سَعِيدٌ وَأَبُو الْبَطِّ وَنَزَلُوا قَرْيَةَ شَاهِي بَعَثَ إِلَيْهِمُ الْعَبَّاسُ ابْنُ عَمِّهِ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَهُوَ ابْنُ الَّذِي بُويِعَ لَهُ بِمَكَّةَ، وَبَعَثَ مَعَهُ جَمَاعَةً، مِنْهُمْ أَخُو أَبِي السَّرَايَا، فَاقْتَتَلُوا سَاعَةً، فَانْهَزَمَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيُّ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ، وَنَزَلَ سَعِيدٌ وَأَصْحَابُهُ الْحِيرَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ ثَانِي جُمَادَى الْأُولَى، ثُمَّ تَقَدَّمُوا فَقَاتَلُوا أَهْلَ الْكُوفَةِ، وَخَرَجَ إِلَى شِيعَةِ بَنِي

стр. 2863

الْعَبَّاسِ وَمَوَالِيهِمْ، فَاقْتَتَلُوا إِلَى اللَّيْلِ، وَكَانَ شِعَارُهُمْ: يَا أَبَا إِبْرَاهِيمَ، يَا مَنْصُورُ، لَا طَاعَةَ لِلْمَأْمُونِ. وَعَلَيْهِمُ السَّوَادُ، وَعَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ الْخُضْرَةُ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ اقْتَتَلُوا، وَكَانَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ إِذَا غَلَبَ عَلَى شَيْءٍ أَحْرَقَهُ وَنَهَبَهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رُؤَسَاءُ أَهْلِ الْكُوفَةِ خَرَجُوا إِلَى سَعِيدٍ، فَسَأَلُوهُ الْأَمَانَ لِلْعَبَّاسِ وَأَصْحَابِهِ، فَأَمَّنَهُمْ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ الْكُوفَةِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَوُا الْعَبَّاسَ فَأَعْلَمُوهُ ذَلِكَ، فَقَبِلَ مِنْهُمْ، وَتَحَوَّلَ عَنْ دَارِهِ، فَشَغَّبَ أَصْحَابُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُوسَى عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ سَعِيدٍ، وَقَاتَلُوهُمْ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ سَعِيدٍ إِلَى الْخَنْدَقِ، وَنَهَبَ أَصْحَابُ الْعَبَّاسِ دُورَ عِيسَى بْنِ مُوسَى، وَأَحْرَقُوا، وَقَتَلُوا مَنْ ظَفِرُوا بِهِ. فَأَرْسَلَ الْعَبَّاسِيُّونَ إِلَى سَعِيدٍ وَهُوَ بِالْحِيرَةِ، يُخْبِرُونَهُ أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ مُوسَى قَدْ رَجَعَ عَنِ الْأَمَانِ، فَرَكِبَ سَعِيدٌ وَأَصْحَابُهُ، وَأَتَوُا الْكُوفَةَ عَتَمَةً، فَقَتَلُوا مَنْ ظَفِرُوا بِهِ مِمَّنِ انْتَهَبَ، وَأَحْرَقُوا مَا مَعَهُمْ مِنَ النَّهْبِ، فَمَكَثُوا عَامَّةَ اللَّيْلِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رُؤَسَاءُ الْكُوفَةِ، فَأَعْلَمُوهُمْ أَنَّ هَذَا فِعْلُ الْغَوْغَاءِ، وَأَنَّ الْعَبَّاسَ لَمْ يَرْجِعْ عَنِ الْأَمَانِ، فَانْصَرَفُوا عَنْهُمْ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ دَخَلَهَا سَعِيدٌ وَأَبُو الْبَطِّ، وَنَادَوْا بِالْأَمَانِ، وَلَمْ يَعْرِضُوا إِلَى أَحَدٍ، وَوَلُّوا عَلَى الْكُوفَةِ الْفَضْلَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الْكِنْدِيَّ، ثُمَّ عَزَلُوهُ لِمَيْلِهِ إِلَى أَهْلِ بَلَدِهِ، وَاسْتَعْمَلُوا مَكَانَهُ غَسَّانَ بْنَ أَبِي الْفَرَجِ، ثُمَّ عَزَلُوهُ بَعْدَمَا قَتَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَخَا أَبِي السَّرَايَا، وَاسْتَعْمَلُوا الْهَوْلَ ابْنَ أَخِي سَعِيدٍ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهَا حَتَّى قَدِمَهَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، فَهَرَبَ الْهَوْلُ. وَأَمَرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ عِيسَى بْنَ مُحَمَّدٍ أَنْ يَسِيرَ إِلَى نَاحِيَةِ وَاسِطٍ عَلَى طَرِيقِ النِّيلِ، وَأَمَرَ ابْنَ عَائِشَةَ الْهَاشِمِيَّ وَنُعَيْمَ بْنَ حَازِمٍ أَنْ يَسِيرَا جَمِيعًا، وَلَحِقَ بِهِمَا سَعِيدٌ، وَأَبُو الْبَطِّ، وَالْإِفْرِيقِيُّ، وَعَسْكَرُوا جَمِيعًا بِالصَّيَّادَةِ، قُرْبَ وَاسِطٍ، عَلَيْهِمْ جَمِيعًا عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، فَكَانُوا يَرْكَبُونَ وَيَأْتُونَ عَسْكَرَ الْحَسَنِ بِوَاسِطٍ، فَلَا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَهُمْ مُتَحَصِّنُونَ بِالْمَدِينَةِ. ثُمَّ إِنَّ الْحَسَنَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْخُرُوجِ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِمْ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا إِلَى الظُّهْرِ، وَانْهَزَمَ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى بَلَغُوا طِرْنَايَا وَالنِّيلَ،

стр. 2864

وَغَنِمُوا عَسْكَرَ عِيسَى وَمَا فِيهِ. ذِكْرُ الظَّفَرِ بِسَهْلِ بْنِ سَلَامَةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَفِرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ بِسَهْلِ بْنِ سَلَامَةَ الْمُطَوَّعِ، فَحَبَسَهُ وَعَاقَبَهُ. وَكَانَ سَبَبَ ظَفَرِهِ بِهِ أَنَّ سَهْلًا كَانَ مُقِيمًا بِبَغْدَاذَ يَدْعُو إِلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ بَغْدَاذَ، فَلَمَّا انْهَزَمَ عِيسَى أَقْبَلَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ نَحْوَ سَهْلِ بْنِ سَلَامَةَ، لِأَنَّهُ كَانَ يَذْكُرُهُمْ بِأَقْبَحِ أَعْمَالِهِمْ، وَيُسَمِّيهِمُ الْفُسَّاقَ، فَقَاتَلُوهُ أَيَّامًا، حَتَّى صَارُوا إِلَى الدُّرُوبِ، وَأَعْطَوْا أَصْحَابَهُ الدَّرَاهِمَ الْكَثِيرَةَ، حَتَّى تَنَحَّوْا عَنِ الدُّرُوبِ، فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ. فَلَمَّا كَانَ السَّبْتُ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ، قَصَدُوهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَخَذَلَهُ أَهْلُ الدُّرُوبِ لِأَجْلِ الدَّرَاهِمُ الَّتِي أَخَذُوهَا، حَتَّى وَصَلَ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى مَنْزِلِ سَهْلٍ، فَاخْتَفَى مِنْهُ، وَاخْتَلَطَ بِالنَّظَّارَةِ، فَلَمْ يَرَوْهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَجَعَلُوا عَلَيْهِ الْعُيُونَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ أَخَذُوهُ، وَأَتَوْا بِهِ إِسْحَاقَ بْنَ الْهَادِي، فَكَلَّمَهُ فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَتْ دَعْوَتِي عَبَّاسِيَّةً، وَإِنَّمَا كُنْتُ أَدْعُو إِلَى الْعَمَلِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَنَا عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ السَّاعَةَ، فَقَالُوا لَهُ: اخْرُجْ إِلَى النَّاسِ فَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ مَا كُنْتُ عَلَيْهِ أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ بَاطِلٌ. فَخَرَجَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! قَدْ عَلِمْتُمْ مَا كُنْتُ أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ (مِنَ الْعَمَلِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ) السَّاعَةَ. فَضَرَبُوهُ، وَقَيَّدُوهُ، وَشَتَمُوهُ، وَسَيَّرُوهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ بِالْمَدَائِنِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ كَلَّمَهُ بِمَا كَلَّمَ بِهِ إِسْحَاقَ بْنَ الْهَادِي، فَضَرَبَهُ، وَحَبَسَهُ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ قُتِلَ خَوْفًا مِنَ النَّاسِ، لِئَلَّا يَعْلَمُوا مَكَانَهُ فَيُخْرِجُوهُ، وَكَانَ مَا بَيْنَ خُرُوجِهِ وَقَبْضِهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا. ذِكْرُ مَسِيرِ الْمَأْمُونِ إِلَى الْعِرَاقِ وَقَتْلِ ذِي الرِّيَاسَتَيْنِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الْمَأْمُونُ مِنْ مَرْوَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى خُرَاسَانَ غَسَّانَ بْنَ عُبَادَةَ.

стр. 2865

وَكَانَ سَبَبَ مَسِيرِهِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَى أَخْبَرَ الْمَأْمُونَ بِمَا النَّاسُ فِيهِ مِنَ الْفِتْنَةِ وَالْقِتَالِ، مُذْ قُتِلَ الْأَمِينُ، وَبِمَا كَانَ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ يَسْتُرُ عَنْهُ مِنْ أَخْبَارٍ، وَأَنَّ أَهْلَ بَيْتِهِ وَالنَّاسَ قَدْ نَقَمُوا عَلَيْهِ أَشْيَاءَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: مَسْحُورٌ، مَجْنُونٌ، وَأَنَّهُمْ قَدْ بَايَعُوا إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْمَهْدِيِّ بِالْخِلَافَةِ. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: لَمْ يُبَايِعُوهُ بِالْخِلَافَةِ، وَإِنَّمَا صَيَّرُوهُ أَمِيرًا يَقُومُ بِأَمْرِهِمْ، عَلَى مَا أَخْبَرَهُ بِهِ الْفَضْلُ. فَأَعْلَمَهُ أَنَّ الْفَضْلَ قَدْ كَذِبَهُ، وَأَنَّ الْحَرْبَ قَائِمَةٌ بَيْنَ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ وَإِبْرَاهِيمَ، وَالنَّاسُ يَنْقِمُونَ عَلَيْكَ مَكَانَهُ، وَمَكَانَ أَخِيهِ الْفَضْلِ، وَمَكَانِي، وَمَكَانَ بَيْعَتِكَ لِي مِنْ بَعْدِكَ. فَقَالَ: وَمَنْ يَعْلَمُ هَذَا؟ قَالَ: يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ وُجُوهِ الْعَسْكَرِ. فَأَمَرَ بِإِدْخَالِهِمْ، فَدَخَلُوا، فَسَأَلَهُمْ عَمَّا أَخْبَرَهُ بِهِ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى، وَلَمْ يُخْبِرُوهُ حَتَّى يَجْعَلَ لَهُمُ الْأَمَانَ مِنَ الْفَضْلِ أَنْ لَا يَعْرِضَ إِلَيْهِمْ. فَضَمِنَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَكَتَبَ لَهُمْ خَطَّهُ بِهِ، فَأَخْبَرُوهُ بِالْبَيْعَةِ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ، وَأَنَّ أَهْلَ بَغْدَاذَ قَدْ سَمَّوْهُ الْخَلِيفَةَ السُّنِّيَّ، وَأَنَّهُمْ يَتَّهِمُونَ الْمَأْمُونَ بِالرَّفْضِ؛ لِمَكَانِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى مِنْهُ، وَأَعْلَمُوهُ بِمَا فِيهِ النَّاسُ، وَبِمَا مَوَّهَ عَلَيْهِ الْفَضْلُ مِنْ أَمْرِ هَرْثَمَةَ، وَأَنَّ هَرْثَمَةَ إِنَّمَا جَاءَهُ لِيَنْصَحَهُ، فَقَتَلَهُ الْفَضْلُ، وَإِنْ لَمْ يَتَدَارَكْ أَمْرَهُ خَرَجَتِ الْخِلَافَةُ مِنْ يَدِهِ، وَأَنَّ طَاهِرَ بْنَ الْحُسَيْنِ قَدْ أَبْلَى فِي طَاعَتِهِ مَا يَعْلَمُهُ، فَأُخْرِجَ مِنَ الْأَمْرِ كُلِّهِ، وَجُعِلَ فِي زَاوِيَةٍ مِنَ الْأَرْضِ بِالرَّقَّةِ، لَا يُسْتَعَانُ بِهِ فِي شَيْءٍ، حَتَّى ضَعُفَ أَمْرُهُ، وَشَغَبَ عَلَيْهِ جُنْدُهُ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِبَغْدَاذَ لَضَبَطَ الْمُلْكَ، وَأَنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَفَتَّقَتْ مِنْ أَقْطَارِهَا، وَسَأَلُوا الْمَأْمُونَ الْخُرُوجَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَإِنَّ أَهْلَهَا لَوْ رَأَوْكَ لَأَطَاعُوكَ. فَلَمَّا تَحَقَّقَ ذَلِكَ أَمَرَ بِالرَّحِيلِ، فَعَلِمَ الْفَضْلُ بِالْحَالِ، فَبَغَتَهُمْ حَتَّى ضَرَبَ بَعْضَهُمْ، وَحَبَسَ بَعْضَهُمْ، وَنَتَفَ لِحَى بَعْضِهِمْ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى لِلْمَأْمُونِ فِي أَمْرِهِمْ، فَقَالَ: أَنَا أَدْرِي. ثُمَّ ارْتَحَلَ، فَلَمَّا أَتَى سَرْخَسَ وَثَبَ قَوْمٌ بِالْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ، فَقَتَلُوهُ فِي الْحَمَّامِ، وَكَانَ قَتْلُهُ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَعْبَانَ، وَكَانَ الَّذِينَ قَتَلُوهُ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ، أَحَدُهُمْ غَالِبٌ الْمَسْعُودِيُّ الْأَسْوَدُ، وَقُسْطَنْطِينُ الرُّومِيُّ، وَفَرَجٌ الدَّيْلَمِيُّ، وَمُوَفَّقٌ الصَّقْلَبِيُّ، وَكَانَ عُمْرُهُ

стр. 2866

سِتِّينَ سَنَةً، وَهَرَبُوا، فَجَعَلَ الْمَأْمُونُ لِمَنْ جَاءَ بِهِمْ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ، فَجَاءَ بِهِمُ الْعَبَّاسُ بْنُ الْهَيْثَمِ الدِّينَوَرِيُّ، فَقَالُوا لِلْمَأْمُونِ: أَنْتَ أَمَرْتَنَا بِقَتْلِهِ. فَأَمَرَ بِهِمْ فَضُرِبَتْ رِقَابُهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمَأْمُونَ لَمَّا سَأَلَهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي سَعِيدٍ ابْنَ أُخْتِ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ وَضَعَهُمْ عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ، فَقَتَلَهُمْ، ثُمَّ أَحْضَرَ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عِمْرَانَ، وَعَلِيًّا (وَمُوسَى) ، وَخَلْقًا، فَسَأَلَهُمْ، فَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونُوا عَلِمُوا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ، وَقَتَلَهُمْ، وَبَعَثَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، وَأَعْلَمَهُ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْمُصِيبَةِ بِقَتْلِ الْفَضْلِ، وَأَنَّهُ قَدْ صَيَّرَهُ مَكَانَهُ، فَوَصَلَهُ الْخَبَرُ فِي رَمَضَانَ. وَرَحَلَ الْمَأْمُونُ إِلَى الْعِرَاقِ، فَكَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ، وَعِيسَى، وَغَيْرُهُمَا بِالْمَدَائِنِ، وَكَانَ أَبُو الْبَطِّ وَسَعِيدٌ بِالنِّيلِ يُرَاوِحُونَ الْقِتَالَ وَيُغَادُونَهُ، وَكَانَ الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ قَدْ عَادَ مِنَ الْمَدَائِنِ، فَاعْتَلَّ بِأَنَّهُ مَرِيضٌ، فَأَتَى بَغْدَاذَ وَجَعَلَ يَدْعُو فِي السِّرِّ إِلَى الْمَأْمُونِ، عَلَى أَنَّ مَنْصُورَ بْنَ الْمَهْدِيِّ (خَلِيفَةُ الْمَأْمُونِ، وَيَخْلَعُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَأَجَابَهُ مَنْصُورُ بْنُ الْمَهْدِيِّ) ، وَخُزَيْمَةُ بْنُ خَازِمٍ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْقُوَّادِ، وَكَتَبَ الْمُطَّلِبُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ هِشَامٍ وَحُمَيْدٍ أَنْ يَتَقَدَّمَا، فَيَنْزِلَ حُمَيْدٌ نَهْرَ صَرْصَرٍ، وَيَنْزِلَ عَلِيٌّ النَّهْرَوَانَ. فَلَمَّا عَلِمَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ بِذَلِكَ عَادَ عَنِ الْمَدَائِنِ نَحْوَ بَغْدَاذَ، فَنَزَلَ زَنْدَوَرْدَ مُنْتَصَفَ صَفَرٍ، وَبَعَثَ إِلَى الْمُطَّلِبِ وَمَنْصُورٍ وَخُزَيْمَةَ يَدْعُوهُمْ، فَاعْتَلُّوْا عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ بَعَثَ عِيسَى إِلَيْهِمْ، فَأَمَّا مَنْصُورٌ وَخُزَيْمَةُ فَأَعْطَوْا بِأَيْدِيهِمَا، وَأَمَّا الْمُطَّلِبُ فَمَنَعَهُ مَوَالِيهِ وَأَصْحَابُهُ، فَنَادَى مُنَادِي إِبْرَاهِيمَ: مَنْ أَرَادَ النَّهْبَ فَلْيَأْتِ دَارَ الْمُطَّلِبِ، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَصَلُوا إِلَى دَارِهِ فَنَهَبُوهَا، وَنَهَبُوا دُورَ أَهْلِهِ، وَلَمْ يَظْفَرُوا بِهِ، وَذَلِكَ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ صَفَرٍ، فَلَمَّا بَلَغَ حُمَيْدًا وَعَلِيَّ بْنَ هِشَامٍ الْخَبَرُ أَخَذَ حُمَيْدٌ الْمَدَائِنَ وَنَزَلَهَا، وَقَطَعَ الْجِسْرَ، وَأَقَامُوا بِهَا، وَنَدِمَ إِبْرَاهِيمُ حَيْثُ صَنَعَ بِالْمُطَّلِبِ مَا صَنَعَ، ثُمَّ لَمْ يَظْفَرْ بِهِ. ذِكْرُ قَتْلِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْهَمْدَانِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْهَمْدَانِيُّ وَأَخُوهُ أَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ،

стр. 2867

وَكَانَ مُتَغَلِّبًا عَلَى الْمَوْصِلِ. وَسَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ خَرَجَ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ قَوْمِهِ وَمِنَ الْأَزْدِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى رُسْتَاقِ نِينَوَى وَالْمَرْجِ قَالَ: نِعْمَ الْبِلَادُ لِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ! فَقَالَ بَعْضُ الْأَزْدِ: فَمَا نَصْنَعُ نَحْنُ؟ قَالَ: تَلْحَقُونَ بِعُمَانَ. فَانْتَشَرَ الْخَبَرُ. ثُمَّ إِنَّ عَلِيًّا أَخَذَ رَجُلًا مِنَ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ عَوْنُ بْنُ جَبَلَةَ، فَبَنَى عَلَيْهِ حَائِطًا، فَمَاتَ فِيهِ، وَظَهَرَ خَبَرُهُ، فَرَكِبَتِ الْأَزْدُ وَعَلَيْهِمُ السَّيِّدُ بْنُ أَنَسٍ، فَاقْتَتَلُوا، وَاسْتَنْصَرَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بِخَارِجِيٍّ يُقَالُ لَهُ مَهْدِيُّ بْنُ عُلْوَانَ، فَأَتَاهُ، فَدَخَلَ الْبَلَدَ، وَصَلَّى بِالنَّاسِ، وَدَعَا لِنَفْسِهِ، وَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ، وَكَانَتْ أَخِيرًا عَلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ، فَخَرَجُوا عَنِ الْبَلَدِ إِلَى الْحَدِيثَةِ، فَتَبِعَهُمُ الْأَزْدُ إِلَيْهَا، فَقَتَلُوا عَلِيًّا وَأَخَاهُ أَحْمَدَ وَجَمَاعَةً مِنْ أَهْلِهِمَا، وَسَارَ أَخُوهُمَا مُحَمَّدٌ إِلَى بَغْدَاذَ فَنَجَا، وَعَادَتِ الْأَزْدُ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَغَلَبَ السَّيِّدُ عَلَيْهَا، وَخَطَبَ لِلْمَأْمُونِ وَأَطَاعَهُ. (الْهَمْدَانِيُّ هَاهُنَا نِسْبَةً إِلَى هَمْدَانَ بِسُكُونِ الْمِيمِ وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَهِيَ قَبِيلَةٌ مِنَ الْيَمَنِ) . ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا تَزَوَّجَ الْمَأْمُونُ بُورَانَ بِنْتَ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ. وَفِيهَا أَيْضًا زَوَّجَ الْمَأْمُونُ ابْنَتَهُ أُمَّ حَبِيبٍ مِنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَى، وَزَوَّجَ ابْنَتَهُ أُمَّ الْفَضْلِ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الرِّضَى بْنِ مُوسَى. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ وَدَعَا (لِأَخِيهِ بَعْدَ الْمَأْمُونِ

стр. 2868

بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ، وَمَضَى إِلَى الْيَمَنِ، وَكَانَ حَمْدَوَيْهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى) بْنِ مَاهَانَ قَدْ غَلَبَ عَلَى الْيَمَنِ. وَفِيهَا فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ ظَهَرَتْ حُمْرَةٌ فِي السَّمَاءِ لَيْلَةَ السَّبْتِ رَابِعَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَبَقِيَتْ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ، وَذَهَبَتِ الْحُمْرَةُ، وَبَقِيَ عَمُودَانِ أَحْمَرَانِ إِلَى الصُّبْحِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنُ الْمُبَارَكِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْعَدَوِيُّ الْيَزِيدِيُّ الْمُقْرِئُ صَاحِبُ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، (وَإِنَّمَا قِيلَ الْيَزِيدِيُّ لِأَنَّهُ صَحِبَ يَزِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ خَالَ الْمَهْدِيِّ، وَكَانَ يُعَلِّمُ وَلَدَهُ) . (وَفِيهَا تُوُفِّيَ سَهْلٌ وَالِدُ ذِي الرِّيَاسَتَيْنِ، بَعْدَ قَتْلِ ابْنِهِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَعَاشَتْ أُمُّهُ حَتَّى أَدْرَكَتْ عُرْسَ بُورَانَ ابْنَةِ ابْنِهَا) .

стр. 2869

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَمِائَتَيْنِ] ٢٠٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ مَوْتِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَى فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَى ﵇ وَكَانَ سَبَبَ مَوْتِهِ أَنَّهُ أَكَلَ عِنَبًا فَأَكْثَرَ مِنْهُ، فَمَاتَ فَجْأَةً، وَذَلِكَ فِي آخِرِ صَفَرٍ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِمَدِينَةِ طُوسَ، فَصَلَّى الْمَأْمُونُ عَلَيْهِ، وَدَفَنَهُ عِنْدَ قَبْرِ أَبِيهِ الرَّشِيدِ. وَكَانَ الْمَأْمُونُ لَمَّا قَدِمَهَا قَدْ أَقَامَ عِنْدَ قَبْرِ أَبِيهِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمَأْمُونَ سَمَّهُ فِي عِنَبٍ، وَكَانَ عَلِيٌّ يُحِبُّ الْعِنَبَ، وَهَذَا عِنْدِي بَعِيدٌ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ كَتَبَ الْمَأْمُونُ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ يُعْلِمُهُ مَوْتَ عَلِيٍّ، وَمَا دَخَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْمُصِيبَةِ بِمَوْتِهِ، وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ بَغْدَاذَ وَبَنِي الْعَبَّاسِ وَالْمَوَالِي يُعْلِمُهُمْ مَوْتَهُ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا نَقَمُوا بِبَيْعَتِهِ، (وَقَدْ مَاتَ) ، وَيَسْأَلُهُمُ الدُّخُولَ فِي طَاعَتِهِ، فَكَتَبُوا إِلَيْهِ أَغْلَظَ جَوَابٍ. (وَكَانَ مَوْلِدُ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ) . ذِكْرُ قَبْضِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ عَلَى عِيسَى بْنِ مُحَمَّدٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي آخِرِ شَوَّالٍ، حَبَسَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ عِيسَى بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي خَالِدٍ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عِيسَى كَانَ يُكَاتِبُ حُمَيْدًا وَالْحُسْنَ بْنَ سَهْلٍ، وَكَانَ يُظْهِرُ لِإِبْرَاهِيمَ الطَّاعَةَ، وَكَانَ كُلَّمَا قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ لِيَخْرُجَ إِلَى قِتَالِ أَحْمَدَ يَعْتَذِرُ بِأَنَّ الْجُنْدَ يُرِيدُونَ أَرْزَاقَهُمْ، وَمَرَّةً يَقُولُ: حَتَّى تُدْرَكَ الْغَلَّةُ. فَلَمَّا تَوَثَّقَ عِيسَى بِمَا يُرِيدُ، فَارَقَهُمْ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ

стр. 2870

إِلَيْهِمْ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْمَهْدِيِّ يَوْمَ الْجُمْعَةِ سَلْخَ شَوَّالٍ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِبْرَاهِيمَ، أَبْلَغَهُ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخُو عِيسَى، وَجَاءَ عِيسَى إِلَى بَابِ الْجِسْرِ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: إِنِّي قَدْ سَأَلْتُ حُمَيْدًا أَلَّا يَدْخُلَ عَمَلِي، (وَلَا أَدْخُلَ عَمَلَهُ) ، ثُمَّ أَمَرَ بِحَفْرِ خَنْدَقٍ بِبَابِ الْجِسْرِ وَبَابِ الشَّامِ. وَبَلَغَ إِبْرَاهِيمَ قَوْلُهُ وَفِعْلُهُ، وَكَانَ عِيسَى قَدْ سَأَلَهُ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ بِالْمَدِينَةِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ عِيسَى بِمَا تَكَلَّمَ حَذِرَ إِبْرَاهِيمُ، وَأَرْسَلَ إِلَى عِيسَى يَسْتَدْعِيهِ، فَاعْتَلَّ عَلَيْهِ، فَتَابَعَ الرُّسُلَ بِذَلِكَ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ بِالرُّصَافَةِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عَاتَبَهُ سَاعَةً، وَعِيسَى يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ وَيُنْكِرُ بَعْضَهُ، فَأَمَرَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ فَضُرِبَ وَحُبِسَ، وَأَخَذَ عِدَّةً مِنْ قُوَّادِهِ وَأَهْلِهِ، فَحَبَسَهُمْ وَنَجَا بَعْضُهُمْ، وَفِيمَنْ نَجَا خَلِيفَتُهُ الْعَبَّاسُ. وَمَشَى بَعْضُ أَهْلِهِ إِلَى بَعْضٍ، وَحَرَّضُوا النَّاسَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ أَشَدَّهُمُ الْعَبَّاسُ خَلِيفَةُ عِيسَى، وَكَانَ هُوَ رَأْسُهُمْ، فَاجْتَمَعُوا وَطَرَدُوا عَامِلَ إِبْرَاهِيمَ عَلَى الْجِسْرِ وَالْكَرْخِ وَغَيْرِهِ، وَظَهَرَ الْفُسَّاقُ وَالشُّطَّارُ، وَكَتَبَ الْعَبَّاسُ إِلَى حُمَيْدٍ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُسَلِّمُوا إِلَيْهِ بَغْدَاذَ. ذِكْرُ خَلْعِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَلَعَ أَهْلُ بَغْدَاذَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْمَهْدِيِّ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْضِهِ عَلَى عِيسَى بْنِ مُحَمَّدٍ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَلَمَّا كَاتَبَ أَصْحَابُهُ وَمِنْهُمُ الْعَبَّاسُ - حُمَيْدًا بِالْقُدُومِ عَلَيْهِمْ، سَارَ حَتَّى أَتَى نَهْرَ صَرْصَرٍ فَنَزَلَ عِنْدَهُ. وَخَرَجَ إِلَيْهِ الْعَبَّاسُ وَقُوَّادُ أَهْلِ بَغْدَاذَ، فَلَقُوهُ، وَكَانُوا قَدْ شَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ كُلَّ جُنْدِيٍّ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَوَعَدَهُمْ أَنْ يَصْنَعَ لَهُمُ الْعَطَاءَ يَوْمَ السَّبْتِ (فِي الْيَاسِرِيَّةِ) عَلَى أَنْ يَدْعُوَ لِلْمَأْمُونِ بِالْخِلَافَةِ يَوْمَ الْجُمْعَةَ، وَيَخْلَعُوا إِبْرَاهِيمَ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ.

стр. 2871

وَلَمَّا بَلَغَ إِبْرَاهِيمَ الْخَبَرُ أَخْرَجَ عِيسَى وَمَنْ مَعَهُ مِنْ إِخْوَتِهِ مِنَ الْحَبْسِ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَيَكْفِيَهُ أَمْرَ هَذَا الْجَانِبِ، فَأَبَى عَلَيْهِ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَحْضَرَ الْعَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي رَجَاءٍ الْفَقِيهَ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ، وَدَعَا لِلْمَأْمُونِ بِالْخِلَافَةِ، وَجَاءَ حُمَيْدٌ إِلَى الْيَاسِرِيَّةِ، فَعَرَضَ جُنْدَ بَغْدَاذَ، وَأَعْطَاهُمُ الْخَمْسِينَ الَّتِي وَعَدَهُمْ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يُنْقِصَهُمْ عَشَرَةً عَشَرَةً لِمَا تَشَاءَمُوا بِهِ مِنْ عَلِيِّ بْنِ هِشَامٍ حِينَ أَعْطَاهُمُ الْخَمْسِينَ وَقَطَعَ الْعَطَاءَ عَنْهُمْ، فَقَالَ حُمَيْدٌ: بَلْ أَزِيدُكُمْ عَشَرَةً، وَأُعْطِيكُمْ سِتِّينَ دِرْهَمًا لِكُلِّ رَجُلٍ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمَ دَعَا عِيسَى وَسَأَلَهُ أَنْ يُقَاتِلَ حُمَيْدًا، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، وَأَخَذَ مِنْهُ كُفَلَاءَ، وَكَلَّمَ عِيسَى الْجُنْدَ، وَوَعَدَهُمْ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مِثْلَ مَا أَعْطَاهُمْ حُمَيْدٌ، فَأَبَوْا ذَلِكَ، فَعَبَرَ إِلَيْهِمْ عِيسَى وَقُوَّادُ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَوَعَدَ أُولَئِكَ الْجُنْدَ أَنْ يَزِيدَهُمْ عَلَى السِتِّينَ، فَشَتَمُوهُ وَأَصْحَابَهُ، وَقَالُوا: لَا نُرِيدُ إِبْرَاهِيمَ. فَقَاتَلَهُمْ سَاعَةً، ثُمَّ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي وَسَطِهِمْ، حَتَّى أَخَذُوهُ شِبْهَ الْأَسِيرِ، فَأَخَذَهُ بَعْضُ قُوَّادِهِ، فَأَتَى بِهِ مَنْزِلَهُ، وَرَجَعَ الْبَاقُونَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَاغْتَمَّ لِذَلِكَ. وَكَانَ الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ قَدِ اخْتَفَى مِنْ إِبْرَاهِيمَ، كَمَا ذَكَرْنَا، فَلَمَّا قَدِمَ حُمَيْدٌ أَرَادَ الْعُبُورَ إِلَيْهِ، فَعَلِمُوا بِهِ فَأَخَذُوهُ، وَأَحْضَرُوهُ عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ، فَحَبَسَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ خَلَّى عَنْهُ لِلَيْلَةٍ خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. ذِكْرُ اخْتِفَاءِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ اخْتَفَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ حُمَيْدًا تَحَوَّلَ فَنَزَلَ عِنْدَ أَرْحَاءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ، فَلَمَّا رَأَى أَصْحَابُ إِبْرَاهِيمَ وَقُوَّادُهُ ذَلِكَ تَسَلَّلُوا إِلَيْهِ، فَصَارَ عَامَّتُهُمْ عِنْدَهُ، وَأَخَذُوا لَهُ الْمَدَائِنَ. فَلَمَّا رَأَى إِبْرَاهِيمُ فِعْلَهُمْ أَخْرَجَ جَمِيعَ مَنْ بَقِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُقَاتِلُوا، فَالْتَقَوْا عَلَى جِسْرِ نَهْرِ دَيَالَى، فَاقْتَتَلُوا، فَهَزَمَهُمْ حُمَيْدٌ، وَتَبِعَهُمْ أَصْحَابُهُ، حَتَّى دَخَلُوا بَغْدَاذَ، وَذَلِكَ سَلْخَ ذِي الْقِعْدَةِ. فَلَمَّا كَانَ الْأَضْحَى اخْتَفَى الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى حُمَيْدٍ، وَجَعَلَ

стр. 2872

الْهَاشِمِيُّونَ وَالْقَوَّادُ يَأْتُونَ حُمَيْدًا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ سُقِطَ فِي يَدَيْهِ، وَشَقَّ عَلَيْهِ، وَكَاتَبَ الْمُطَّلِبُ حُمَيْدًا لِيُسَلِّمَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْجَانِبَ، وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ السَّاجُورِ، وَأَبُو الْبَطِّ وَغَيْرُهُمَا، يُكَاتِبُونَ عَلِيَّ بْنَ هِشَامٍ عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا لَهُ إِبْرَاهِيمَ، فَلَمَّا عَلِمَ إِبْرَاهِيمُ بِأَمْرِهِمْ، وَمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ كُلُّ قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، جَعَلَ يُدَارِيهِمْ، فَلَمَّا جَنَّهُ اللَّيْلُ اخْتَفَى لَيْلَةَ الْأَرْبَعَاءِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَبَعَثَ الْمُطَّلِبُ إِلَى حُمَيْدٍ يُعْلِمُهُ أَنَّهُ قَدْ أَحْدَقَ بِدَارِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَتَبَ ابْنُ السَّاجُورِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ هِشَامٍ، فَرَكِبَ حُمَيْدٌ مِنْ سَاعَتِهِ مِنْ أَرْحَاءِ عَبْدِ اللَّهِ، فَأَتَى بَابَ الْجِسْرِ، وَجَاءَ عَلِيُّ بْنُ هِشَامٍ حَتَّى نَزَلَ نَهْرَ بَيْنَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مَسْجِدِ كَوْثَرٍ، وَأَقْبَلَ حُمَيْدٌ إِلَى دَارِ إِبْرَاهِيمَ، فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ فِيهَا، فَلَمْ يَزَلْ إِبْرَاهِيمُ مُتَوَارِيًا حَتَّى جَاءَ الْمَأْمُونُ، وَبَعْدَ مَا قَدِمَ، حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ. وَكَانَتْ أَيَّامُ إِبْرَاهِيمَ سَنَةً وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا وَاثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، وَكَانَ بَعْدَهُ عَلِيُّ بْنُ هِشَامٍ عَلَى شَرْقِيِّ بَغْدَاذَ، وَحُمَيْدٌ عَلَى غَرْبِيِّهَا. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ أَطْلَقَ سَهْلَ بْنَ سَلَامَةَ مِنَ الْحَبْسِ، وَكَانَ النَّاسُ يَظُنُّونَهُ قَدْ قُتِلَ، فَكَانَ يَدْعُو فِي مَسْجِدِ الرُّصَافَةِ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ يُرَدُّ إِلَى حَبْسِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَطْلَقَهُ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ لِلَيْلَةٍ خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَذَهَبَ، فَاخْتَفَى، ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَ هَرَبِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَرَّبَهُ حُمَيْدٌ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَرَدَّهُ إِلَى أَهْلِهِ، فَلَمَّا جَاءَ الْمَأْمُونُ أَجَازَهُ وَوَصَلَهُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، حَتَّى ذَهَبَ ضَوْءُهَا، غَابَ أَكْثَرُ مِنْ ثُلْثَيْهَا. وَوَصَلَ الْمَأْمُونُ إِلَى هَمَذَانَ فِي آخِرِ ذِي الْحِجَّةِ.

стр. 2873

وَحَجَّ بِالنَّاسِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ. وَكَانَتْ بِخُرَاسَانَ زَلَازِلُ عَظِيمَةٌ، وَدَامَتْ مِقْدَارَ سَبْعِينَ يَوْمًا، وَكَانَ مُعْظَمُهَا بِبَلْخَ، وَالْجُوزْجَانِ، وَالْفَارِيَابِ، وَالطَّالِقَانِ، وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، فَخَرِبَتِ الْبِلَادُ، وَتَهَدَّمَتِ الدُّورُ، وَهَلَكَ فِيهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ. وَفِيهَا غَلَبَتِ السَّوْدَاءُ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، فَتَغَيَّرَ عَقْلُهُ حَتَّى شُدَّ فِي الْحَدِيدِ وَحُبِسَ، وَكَتَبَ الْقُوَّادُ إِلَى الْمَأْمُونِ بِذَلِكَ، فَجَعَلَ عَلَى عَسْكَرِهِ دِينَارَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يُعَرِّفُهُمْ أَنَّهُ وَاصِلٌ. (وَفِيهَا ظَهَرَ بِالْأَنْدَلُسِ رَجُلٌ يُعْرَفُ بِالْوَلَدِ، وَخَالَفَ عَلَى صَاحِبِهَا، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ جَيْشًا، فَحَصَرُوهُ بِمَدِينَةِ بَاجَةَ، وَكَانَ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا، فَضَيَّقُوا عَلَيْهِ، فَمَلَكُوهَا وَقُيِّدَ. وَفِيهَا وَلِيَ أَسَدُ بْنُ الْفُرَاتِ الْفَقِيهُ الْقَضَاءَ بِالْقَيْرَوَانِ) . [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الصَّادِقُ بِجُرْجَانَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْمَأْمُونُ، وَهُوَ الَّذِي بَايَعَهُ النَّاسُ بِالْخِلَافَةِ بِالْحِجَازِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ خُزَيْمَةُ بْنُ خَازِمٍ التَّمِيمِيُّ فِي شَعْبَانَ، وَهُوَ مِنَ الْقُوَّادِ الْمَشْهُورِينَ، وَقَدْ

стр. 2874

تَقَدَّمَ مِنْ أَخْبَارِهِ مَا يُعْرَفُ بِهِ مَحَلُّهُ. وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ. وَأَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ. وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشِيرٍ الْعَبْدِيُّ الْفَقِيهُ بِالْكُوفَةِ. وَالنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ اللُّغَوِيُّ الْمُحَدِّثُ وَكَانَ ثِقَةً.

стр. 2875

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ] ٢٠٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ قُدُومِ الْمَأْمُونِ بَغْدَاذَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَ الْمَأْمُونُ بَغْدَاذَ، وَانْقَطَعَتِ الْفِتَنُ، وَكَانَ قَدْ أَقَامَ بِجُرْجَانَ شَهْرًا، وَجَعَلَ يُقِيمُ بِالْمَنْزِلِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ، وَأَقَامَ بِالنَّهْرَوَانِ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُ بَيْتِهِ وَالْقُوَّادُ، وَوُجُوهُ النَّاسِ، وَسَلَّمُوا عَلَيْهِ. وَكَانَ قَدْ كَتَبَ إِلَى طَاهِرٍ وَهُوَ بِالرَّقَّةِ لِيُوَافِيَهُ بِالنَّهْرَوَانِ، فَأَتَاهُ بِهَا، وَدَخَلَ بَغْدَاذَ مُنْتَصَفَ صَفَرٍ، وَلِبَاسُهُ وَلِبَاسُ أَصْحَابِهِ الْخُضْرَةُ، فَلَمَّا قَدِمَ بَغْدَاذَ نَزَلَ الرُّصَافَةَ، ثُمَّ تَحَوَّلَ وَنَزَلَ قَصْرَهُ عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ، وَأَمَرَ الْقُوَّادَ أَنْ يُقِيمُوا فِي مُعَسْكَرِهِمْ. وَكَانَ النَّاسُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ فِي الثِّيَابِ الْخُضْرِ، وَكَانُوا يُخَرِّقُونَ كُلَّ مَلْبُوسٍ يَرَوْنَهُ مِنَ السَّوَادِ عَلَى إِنْسَانٍ، فَمَكَثُوا بِذَلِكَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، فَتَكَلَّمَ بَنُو الْعَبَّاسِ وَقُوَّادُ أَهْلِ خُرَاسَانَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ أَمَرَ طَاهِرَ بْنَ الْحُسَيْنِ أَنْ يَسْأَلَهُ حَوَائِجَهُ، فَكَانَ أَوَّلَ حَاجَةٍ سَأَلَهُ أَنْ يَلْبَسَ السَّوَادَ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَجَلَسَ لِلنَّاسِ، وَأَحْضَرَ سَوَادًا فَلَبِسَهُ، وَدَعَا بِخُلْعَةٍ سَوْدَاءَ فَأَلْبَسَهَا طَاهِرًا، وَخَلَعَ عَلَى قُوَّادِهِ بِالسَّوَادِ، فَعَادَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ. وَلَمَّا كَانَ سَائِرًا قَالَ لَهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْوَلُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَّرْتَ فِي هُجُومِنَا عَلَى أَهْلِ بَغْدَاذَ وَلَيْسَ مَعَنَا إِلَّا خَمْسُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، مَعَ فِتْنَةٍ غَلَبَتْ قُلُوبَ النَّاسِ، فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُنَا إِذَا هَاجَ هَائِجٌ، أَوْ تَحَرَّكَ مُتَحَرِّكٌ؟ فَقَالَ: يَا أَحْمَدُ صَدَقْتَ،
следующие страницы →