Полный текст (6 163 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
وَلَمَّا بَلَغَ إِبْرَاهِيمَ الْخَبَرُ أَخْرَجَ عِيسَى وَمَنْ مَعَهُ مِنْ إِخْوَتِهِ مِنَ الْحَبْسِ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَيَكْفِيَهُ أَمْرَ هَذَا الْجَانِبِ، فَأَبَى عَلَيْهِ.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَحْضَرَ الْعَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي رَجَاءٍ الْفَقِيهَ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ، وَدَعَا لِلْمَأْمُونِ بِالْخِلَافَةِ، وَجَاءَ حُمَيْدٌ إِلَى الْيَاسِرِيَّةِ، فَعَرَضَ جُنْدَ بَغْدَاذَ، وَأَعْطَاهُمُ الْخَمْسِينَ الَّتِي وَعَدَهُمْ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يُنْقِصَهُمْ عَشَرَةً عَشَرَةً لِمَا تَشَاءَمُوا بِهِ مِنْ عَلِيِّ بْنِ هِشَامٍ حِينَ أَعْطَاهُمُ الْخَمْسِينَ وَقَطَعَ الْعَطَاءَ عَنْهُمْ، فَقَالَ حُمَيْدٌ: بَلْ أَزِيدُكُمْ عَشَرَةً، وَأُعْطِيكُمْ سِتِّينَ دِرْهَمًا لِكُلِّ رَجُلٍ.
فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمَ دَعَا عِيسَى وَسَأَلَهُ أَنْ يُقَاتِلَ حُمَيْدًا، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، وَأَخَذَ مِنْهُ كُفَلَاءَ، وَكَلَّمَ عِيسَى الْجُنْدَ، وَوَعَدَهُمْ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مِثْلَ مَا أَعْطَاهُمْ حُمَيْدٌ، فَأَبَوْا ذَلِكَ، فَعَبَرَ إِلَيْهِمْ عِيسَى وَقُوَّادُ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَوَعَدَ أُولَئِكَ الْجُنْدَ أَنْ يَزِيدَهُمْ عَلَى السِتِّينَ، فَشَتَمُوهُ وَأَصْحَابَهُ، وَقَالُوا: لَا نُرِيدُ إِبْرَاهِيمَ. فَقَاتَلَهُمْ سَاعَةً، ثُمَّ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي وَسَطِهِمْ، حَتَّى أَخَذُوهُ شِبْهَ الْأَسِيرِ، فَأَخَذَهُ بَعْضُ قُوَّادِهِ، فَأَتَى بِهِ مَنْزِلَهُ، وَرَجَعَ الْبَاقُونَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَاغْتَمَّ لِذَلِكَ.
وَكَانَ الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ قَدِ اخْتَفَى مِنْ إِبْرَاهِيمَ، كَمَا ذَكَرْنَا، فَلَمَّا قَدِمَ حُمَيْدٌ أَرَادَ الْعُبُورَ إِلَيْهِ، فَعَلِمُوا بِهِ فَأَخَذُوهُ، وَأَحْضَرُوهُ عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ، فَحَبَسَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ خَلَّى عَنْهُ لِلَيْلَةٍ خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ.
ذِكْرُ اخْتِفَاءِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ اخْتَفَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ حُمَيْدًا تَحَوَّلَ فَنَزَلَ عِنْدَ أَرْحَاءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ، فَلَمَّا رَأَى أَصْحَابُ إِبْرَاهِيمَ وَقُوَّادُهُ ذَلِكَ تَسَلَّلُوا إِلَيْهِ، فَصَارَ عَامَّتُهُمْ عِنْدَهُ، وَأَخَذُوا لَهُ الْمَدَائِنَ.
فَلَمَّا رَأَى إِبْرَاهِيمُ فِعْلَهُمْ أَخْرَجَ جَمِيعَ مَنْ بَقِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُقَاتِلُوا، فَالْتَقَوْا عَلَى جِسْرِ نَهْرِ دَيَالَى، فَاقْتَتَلُوا، فَهَزَمَهُمْ حُمَيْدٌ، وَتَبِعَهُمْ أَصْحَابُهُ، حَتَّى دَخَلُوا بَغْدَاذَ، وَذَلِكَ سَلْخَ ذِي الْقِعْدَةِ.
فَلَمَّا كَانَ الْأَضْحَى اخْتَفَى الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى حُمَيْدٍ، وَجَعَلَ
стр. 2872
الْهَاشِمِيُّونَ وَالْقَوَّادُ يَأْتُونَ حُمَيْدًا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ سُقِطَ فِي يَدَيْهِ، وَشَقَّ عَلَيْهِ، وَكَاتَبَ الْمُطَّلِبُ حُمَيْدًا لِيُسَلِّمَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْجَانِبَ، وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ السَّاجُورِ، وَأَبُو الْبَطِّ وَغَيْرُهُمَا، يُكَاتِبُونَ عَلِيَّ بْنَ هِشَامٍ عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا لَهُ إِبْرَاهِيمَ، فَلَمَّا عَلِمَ إِبْرَاهِيمُ بِأَمْرِهِمْ، وَمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ كُلُّ قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، جَعَلَ يُدَارِيهِمْ، فَلَمَّا جَنَّهُ اللَّيْلُ اخْتَفَى لَيْلَةَ الْأَرْبَعَاءِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ.
وَبَعَثَ الْمُطَّلِبُ إِلَى حُمَيْدٍ يُعْلِمُهُ أَنَّهُ قَدْ أَحْدَقَ بِدَارِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَتَبَ ابْنُ السَّاجُورِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ هِشَامٍ، فَرَكِبَ حُمَيْدٌ مِنْ سَاعَتِهِ مِنْ أَرْحَاءِ عَبْدِ اللَّهِ، فَأَتَى بَابَ الْجِسْرِ، وَجَاءَ عَلِيُّ بْنُ هِشَامٍ حَتَّى نَزَلَ نَهْرَ بَيْنَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مَسْجِدِ كَوْثَرٍ، وَأَقْبَلَ حُمَيْدٌ إِلَى دَارِ إِبْرَاهِيمَ، فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ فِيهَا، فَلَمْ يَزَلْ إِبْرَاهِيمُ مُتَوَارِيًا حَتَّى جَاءَ الْمَأْمُونُ، وَبَعْدَ مَا قَدِمَ، حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ.
وَكَانَتْ أَيَّامُ إِبْرَاهِيمَ سَنَةً وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا وَاثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، وَكَانَ بَعْدَهُ عَلِيُّ بْنُ هِشَامٍ عَلَى شَرْقِيِّ بَغْدَاذَ، وَحُمَيْدٌ عَلَى غَرْبِيِّهَا.
وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ أَطْلَقَ سَهْلَ بْنَ سَلَامَةَ مِنَ الْحَبْسِ، وَكَانَ النَّاسُ يَظُنُّونَهُ قَدْ قُتِلَ، فَكَانَ يَدْعُو فِي مَسْجِدِ الرُّصَافَةِ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ يُرَدُّ إِلَى حَبْسِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَطْلَقَهُ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ لِلَيْلَةٍ خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَذَهَبَ، فَاخْتَفَى، ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَ هَرَبِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَرَّبَهُ حُمَيْدٌ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَرَدَّهُ إِلَى أَهْلِهِ، فَلَمَّا جَاءَ الْمَأْمُونُ أَجَازَهُ وَوَصَلَهُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، حَتَّى ذَهَبَ ضَوْءُهَا، غَابَ أَكْثَرُ مِنْ ثُلْثَيْهَا.
وَوَصَلَ الْمَأْمُونُ إِلَى هَمَذَانَ فِي آخِرِ ذِي الْحِجَّةِ.
стр. 2873
وَحَجَّ بِالنَّاسِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ.
وَكَانَتْ بِخُرَاسَانَ زَلَازِلُ عَظِيمَةٌ، وَدَامَتْ مِقْدَارَ سَبْعِينَ يَوْمًا، وَكَانَ مُعْظَمُهَا بِبَلْخَ، وَالْجُوزْجَانِ، وَالْفَارِيَابِ، وَالطَّالِقَانِ، وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، فَخَرِبَتِ الْبِلَادُ، وَتَهَدَّمَتِ الدُّورُ، وَهَلَكَ فِيهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ.
وَفِيهَا غَلَبَتِ السَّوْدَاءُ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، فَتَغَيَّرَ عَقْلُهُ حَتَّى شُدَّ فِي الْحَدِيدِ وَحُبِسَ، وَكَتَبَ الْقُوَّادُ إِلَى الْمَأْمُونِ بِذَلِكَ، فَجَعَلَ عَلَى عَسْكَرِهِ دِينَارَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يُعَرِّفُهُمْ أَنَّهُ وَاصِلٌ.
(وَفِيهَا ظَهَرَ بِالْأَنْدَلُسِ رَجُلٌ يُعْرَفُ بِالْوَلَدِ، وَخَالَفَ عَلَى صَاحِبِهَا، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ جَيْشًا، فَحَصَرُوهُ بِمَدِينَةِ بَاجَةَ، وَكَانَ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا، فَضَيَّقُوا عَلَيْهِ، فَمَلَكُوهَا وَقُيِّدَ.
وَفِيهَا وَلِيَ أَسَدُ بْنُ الْفُرَاتِ الْفَقِيهُ الْقَضَاءَ بِالْقَيْرَوَانِ) .
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الصَّادِقُ بِجُرْجَانَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْمَأْمُونُ، وَهُوَ الَّذِي بَايَعَهُ النَّاسُ بِالْخِلَافَةِ بِالْحِجَازِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ خُزَيْمَةُ بْنُ خَازِمٍ التَّمِيمِيُّ فِي شَعْبَانَ، وَهُوَ مِنَ الْقُوَّادِ الْمَشْهُورِينَ، وَقَدْ
стр. 2874
تَقَدَّمَ مِنْ أَخْبَارِهِ مَا يُعْرَفُ بِهِ مَحَلُّهُ. وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ. وَأَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ. وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشِيرٍ الْعَبْدِيُّ الْفَقِيهُ بِالْكُوفَةِ. وَالنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ اللُّغَوِيُّ الْمُحَدِّثُ وَكَانَ ثِقَةً.
стр. 2875
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ]
٢٠٤ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ قُدُومِ الْمَأْمُونِ بَغْدَاذَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَ الْمَأْمُونُ بَغْدَاذَ، وَانْقَطَعَتِ الْفِتَنُ، وَكَانَ قَدْ أَقَامَ بِجُرْجَانَ شَهْرًا، وَجَعَلَ يُقِيمُ بِالْمَنْزِلِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ، وَأَقَامَ بِالنَّهْرَوَانِ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُ بَيْتِهِ وَالْقُوَّادُ، وَوُجُوهُ النَّاسِ، وَسَلَّمُوا عَلَيْهِ.
وَكَانَ قَدْ كَتَبَ إِلَى طَاهِرٍ وَهُوَ بِالرَّقَّةِ لِيُوَافِيَهُ بِالنَّهْرَوَانِ، فَأَتَاهُ بِهَا، وَدَخَلَ بَغْدَاذَ مُنْتَصَفَ صَفَرٍ، وَلِبَاسُهُ وَلِبَاسُ أَصْحَابِهِ الْخُضْرَةُ، فَلَمَّا قَدِمَ بَغْدَاذَ نَزَلَ الرُّصَافَةَ، ثُمَّ تَحَوَّلَ وَنَزَلَ قَصْرَهُ عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ، وَأَمَرَ الْقُوَّادَ أَنْ يُقِيمُوا فِي مُعَسْكَرِهِمْ.
وَكَانَ النَّاسُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ فِي الثِّيَابِ الْخُضْرِ، وَكَانُوا يُخَرِّقُونَ كُلَّ مَلْبُوسٍ يَرَوْنَهُ مِنَ السَّوَادِ عَلَى إِنْسَانٍ، فَمَكَثُوا بِذَلِكَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، فَتَكَلَّمَ بَنُو الْعَبَّاسِ وَقُوَّادُ أَهْلِ خُرَاسَانَ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ أَمَرَ طَاهِرَ بْنَ الْحُسَيْنِ أَنْ يَسْأَلَهُ حَوَائِجَهُ، فَكَانَ أَوَّلَ حَاجَةٍ سَأَلَهُ أَنْ يَلْبَسَ السَّوَادَ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَجَلَسَ لِلنَّاسِ، وَأَحْضَرَ سَوَادًا فَلَبِسَهُ، وَدَعَا بِخُلْعَةٍ سَوْدَاءَ فَأَلْبَسَهَا طَاهِرًا، وَخَلَعَ عَلَى قُوَّادِهِ بِالسَّوَادِ، فَعَادَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ.
وَلَمَّا كَانَ سَائِرًا قَالَ لَهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْوَلُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَّرْتَ فِي هُجُومِنَا عَلَى أَهْلِ بَغْدَاذَ وَلَيْسَ مَعَنَا إِلَّا خَمْسُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، مَعَ فِتْنَةٍ غَلَبَتْ قُلُوبَ النَّاسِ، فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُنَا إِذَا هَاجَ هَائِجٌ، أَوْ تَحَرَّكَ مُتَحَرِّكٌ؟ فَقَالَ: يَا أَحْمَدُ صَدَقْتَ،
стр. 2876
وَلَكِنْ أُخْبِرُكَ أَنَّ النَّاسَ عَلَى طَبَقَاتٍ ثَلَاثٍ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ: ظَالِمٌ، وَمَظْلُومٌ، (وَلَا ظَالِمٌ وَلَا مَظْلُومٌ، فَأَمَّا الظَّالِمُ) فَلَا يَتَوَقَّعُ (إِلَّا عَفْوَنَا، وَأَمَّا الْمَظْلُومُ فَلَا يَتَوَقَّعُ إِلَّا) أَنْ يَنْتَصِفَ بِنَا، وَأَمَّا الَّذِي لَيْسَ بِظَالِمٍ وَلَا مَظْلُومٍ فَبَيْتُهُ يَسَعُهُ، وَكَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَفِيهَا أَمَرَ الْمَأْمُونُ بِمُقَاسَمَةِ أَهْلِ السَّوَادِ عَلَى الْخَمْسِينَ، وَكَانُوا يُقَاسِمُونَ عَلَى النِّصْفِ، وَاتَّخَذَ الْقَفِيزَ الْمُلْحَمَ - وَهُوَ عَشَرَةُ مَكَاكِيكَ بِالْمَكُّوكِ الْهَارُونِيِّ - كَيْلًا مُرْسَلًا.
وَفِيهَا وَاقَعَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ بَابَكَ، فَلَمْ يَظْفَرْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ.
وَوَلَّى الْمَأْمُونُ أَبَا عِيسَى أَخَاهُ الْكُوفَةَ، وَصَالِحًا أَخَاهُ الْبَصْرَةَ، وَاسْتَعْمَلَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ (بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [عَلَى] الْحَرَمَيْنِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ عُبَيْدُ اللَّهِ) [بْنُ الْحَسَنِ] .
وَفِيهَا انْحَدَرَ السَّيِّدُ بْنُ أَنَسٍ الْأَزْدِيُّ مِنَ الْمَوْصِلِ إِلَى الْمَأْمُونِ، فَتَظَلَّمَ مِنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ الْهَمْدَانِيُّ، وَذَكَرَ أَنَّهُ قَتَلَ إِخْوَتَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ، فَأَحْضَرَهُ الْمَأْمُونُ، فَلَمَّا
стр. 2877
حَضَرَ قَالَ: أَنْتَ السَّيِّدُ؟ قَالَ: أَنْتَ السَّيِّدُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَا ابْنُ أَنَسٍ. فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَنْتَ قَتَلْتَ إِخْوَةَ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُمْ لَقَتَلْتُهُ لِأَنَّهُمْ أَدْخَلُوا الْخَارِجِيَّ بَلَدَكَ، وَأَعْلَوْهُ عَلَى مِنْبَرِكَ، وَأَبْطَلُوا دَعْوَتَكَ. فَعَفَا عَنْهُ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْمَوْصِلِ، وَكَانَ عَلَى الْقَضَاءِ بِهَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ أَدَرِيسَ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ. وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ اللُّؤْلُؤِيُّ الْفَقِيهُ، أَحَدُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَأَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، صَاحِبُ " الْمُسْنَدِ "، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ. وَهِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّائِبُ الْكَلْبِيُّ النَّسَّابَةُ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَتَيْنِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، الْمَعْرُوفُ بِالطَّنَافِسِيُّ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَتَيْنِ.
стр. 2878
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَمِائَتَيْنِ]
٢٠٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ وِلَايَةِ طَاهِرٍ خُرَاسَانَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ الْمَأْمُونُ طَاهِرَ بْنَ الْحُسَيْنِ عَلَى الْمَشْرِقِ، مِنْ مَدِينَةِ السَّلَامِ إِلَى أَقْصَى عَمَلِ الْمَشْرِقِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يَتَوَلَّى الشُّرَطَ بِجَانِبَيْ بَغْدَاذَ وَمَعَاوِنِ السَّوَادِ.
وَكَانَ سَبَبَ وِلَايَتِهِ خُرَاسَانَ أَنَّ طَاهِرًا دَخَلَ عَلَى الْمَأْمُونِ وَهُوَ يَشْرَبُ النَّبِيذَ، وَحُسَيْنٌ الْخَادِمُ يَسْقِيهِ، فَلَمَّا دَخَلَ طَاهِرٌ سَقَاهُ رِطْلَيْنِ، وَأَمَرَهُ بِالْجُلُوسِ، فَقَالَ: لَيْسَ لِصَاحِبِ الشُّرْطَةِ أَنْ يَجْلِسَ عِنْدَ سَيِّدِهِ. فَقَالَ الْمَأْمُونُ: ذَلِكَ فِي مَجْلِسِ الْعَامَّةِ، وَأَمَّا فِي مَجْلِسِ الْخَاصَّةِ فَلَهُ ذَلِكَ.
فَبَكَى الْمَأْمُونُ وَتَغَرْغَرَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ، فَقَالَ طَاهِرٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لِمَ تَبْكِي - لَا أَبْكَى اللَّهُ عَيْنَكَ -؟ وَاللَّهِ لَقَدْ دَانَتْ لَكَ الْبِلَادُ، وَأَذْعَنَ لَكَ الْعِبَادُ، وَصِرْتَ إِلَى الْمَحَبَّةِ فِي كُلِّ أَمْرِكَ! قَالَ: أَبْكِي لِأَمْرٍ ذِكْرُهُ ذُلٌّ، وَسَتْرُهُ حُزْنٌ، وَلَنْ يَخْلُوَ أَحَدٌ مِنْ شَجَنٍ.
وَانْصَرَفَ طَاهِرٌ، فَدَعَا هَارُونَ بْنَ جَيْعُونَةَ وَقَالَ لَهُ: إِنَّ أَهْلَ خُرَاسَانَ يَتَعَصَّبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، فَخُذْ مَعَكَ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَعْطِ حُسَيْنًا الْخَادِمَ مِائَتَيْ أَلْفٍ، وَكَاتِبَهُ مُحَمَّدَ بْنَ هَارُونَ مِائَةَ أَلْفٍ، وَسَلْهُ أَنْ يَسْأَلَ الْمَأْمُونَ لِمَ بَكَى؟ فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا تَغَدَّى الْمَأْمُونُ قَالَ: اسْقِنِي يَا حُسَيْنُ، قَالَ: لَا وَاللَّهِ، حَتَّى تَقُولَ لِي لِمَ بَكَيْتَ حِينَ دَخَلَ عَلَيْكَ طَاهِرٌ. قَالَ: وَكَيْفَ عُنِيتَ بِهَذَا الْأَمْرِ، حَتَّى سَأَلْتَنِي عَنْهُ؟
стр. 2879
قَالَ: لَغِّمِي لِذَلِكَ. قَالَ: هُوَ أَمْرٌ إِنْ خَرَجَ مِنْ رَأْسِكَ قَتَلْتُكَ. قَالَ: يَا سَيِّدِي وَمَتَى أَخْرَجْتُ لَكَ سِرًّا؟ قَالَ: إِنِّي ذَكَرْتُ مُحَمَّدًا أَخِي، وَمَا نَالَهُ مِنَ الذُّلِّ، فَخَنَقَتْنِي الْعَبْرَةُ، فَاسْتَرَحْتُ إِلَى الْإِفَاضَةِ، وَلَنْ يَفُوتَ طَاهِرًا مِنِّي مَا يَكْرَهُ.
فَأَخْبَرَ حُسَيْنٌ طَاهِرًا بِذَلِكَ، فَرَكِبَ طَاهِرٌ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الثَّنَاءَ مِنِّي لَيْسَ بِرَخِيصٍ، وَإِنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدِي لَيْسَ بِضَائِعٍ، فَغَيِّبْنِي عَنْ عَيْنِهِ! فَقَالَ لَهُ: سَأَفْعَلُ ذَلِكَ. وَرَكِبَ أَحْمَدُ إِلَى الْمَأْمُونِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: مَا نِمْتُ الْبَارِحَةَ.
قَالَ: وَلِمَ؟
قَالَ: لِأَنَّكَ وَلَّيْتَ غَسَّانَ خُرَاسَانَ، وَهُوَ وَمَنْ مَعَهُ أَكْلَةُ رَأْسٍ، وَأَخَافُ أَنْ تَخْرُجَ عَلَيْهِ خَارِجَةٌ مِنَ التُّرْكِ فَتُهْلِكَهُ.
فَقَالَ: لَقَدْ فَكَّرْتُ فِيمَا فَكَّرْتَ فِيهِ، فَمَنْ تَرَى؟
قَالَ: طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ.
قَالَ: وَيْلَكَ! هُوَ وَاللَّهِ خَالِعٌ.
قَالَ: أَنَا الضَّامِنُ لَهُ.
قَالَ: فَوَلِّهِ.
فَدَعَا طَاهِرًا مِنْ سَاعَتِهِ، فَعَقَدَ لَهُ، فَشَخَصَ فِي يَوْمِهِ، فَنَزَلَ ظَاهِرَ الْبَلَدِ، فَأَقَامَ شَهْرًا، فَحُمِلَ إِلَيْهِ عَشَرَةُ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ الَّتِي تُحْمَلُ لِصَاحِبِ خُرَاسَانَ، وَسَارَ عَنْ بَغْدَاذَ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ.
وَقِيلَ كَانَ سَبَبَ وِلَايَتِهِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْمَطَّوِّعِيَّ جَمَعَ جُمُوعًا كَثِيرَةً بِنَيْسَابُورَ لِيُقَاتِلَ بِهِمُ الْحَرُورِيَّةَ بِغَيْرِ أَمْرِ وَالِي خُرَاسَانَ، فَتَخَوَّفُوا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأَصْلٍ عَمِلَ عَلَيْهِ، وَكَانَ غَسَّانُ بْنُ عَبَّادٍ يَتَوَلَّى خُرَاسَانَ مِنْ قِبَلِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ، فَلَمَّا اسْتُعْمِلَ طَاهِرٌ عَلَى خُرَاسَانَ كَانَ صَارِمًا لِلْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَسَنَ نَدَبَهُ
стр. 2880
لِمُحَارَبَةِ نَصْرِ بْنِ شَبَثٍ. قَالَ: حَارَبْتُ خَلِيفَةً، وَسُقْتُ الْخِلَافَةَ إِلَى خَلِيفَةٍ، وَأُومَرُ بِمِثْلِ هَذَا؟ إِنَّمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ قَائِدٌ مِنْ قُوَّادِي. وَصَارِمٌ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَفِيهَا قَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ بَغْدَاذَ مِنَ الرَّقَّةِ، وَكَانَ أَبُوهُ اسْتَخْلَفَهُ بِهَا، وَأَمَرَهُ بِقِتَالِ نَصْرِ بْنِ شَبَثٍ، فَلَمَّا قَدِمَ إِلَى بَغْدَاذَ جَعَلَهُ الْمَأْمُونُ عَلَى الشُّرْطَةِ بَعْدَ مَسِيرِ أَبِيهِ، وَوَلَّى الْمَأْمُونُ يَحْيَى بْنَ مُعَاذٍ الْجَزِيرَةَ، وَوَلَّى عِيسَى بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي خَالِدٍ أَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ وَمُحَارَبَةَ بَابَكَ.
وَفِيهَا مَاتَ السَّرِيُّ بْنُ الْحَكَمِ بِمِصْرَ، وَكَانَ وَالِيَهَا.
وَفِيهَا مَاتَ دَاوُدُ بْنُ يَزِيدَ عَامِلُ السِّنْدِ، فَوَلَّاهَا الْمَأْمُونُ بَشِيرَ بْنَ دَاوُدَ عَلَى أَنْ يَحْمِلَ كُلَّ سَنَةٍ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ.
وَفِيهَا وَلَّى الْمَأْمُونُ عِيسَى بْنَ يَزِيدَ الْجُلُودِيَّ مُحَارَبَةَ الزُّطِّ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ أَمِيرُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.
وَفِيهَا زَادَتْ دِجْلَةُ زِيَادَةً عَظِيمَةً، فَتَهَدَّمَتِ الْمَنَازِلُ بِبَغْدَاذَ، وَكَثُرَ الْخَرَابُ بِهَا.
стр. 2881
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ الْوَاسِطِيُّ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ.
وَالْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرُ الْفَقِيهُ.
وَشَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ الْفَزَارِيُّ الْفَقِيهُ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ الصَّائِغِيُّ.
وَمُحَاضِرُ بْنُ الْمُوَرِّعِ.
وَأَبُو يَحْيَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الزَّيَّاتُ الْمَوْصِلِيُّ، سَمِعَ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ وَغَيْرَهُ.
стр. 2882
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَمِائَتَيْنِ]
٢٠٦ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ وِلَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ الرَّقَّةَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَّى الْمَأْمُونُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَاهِرٍ مِنَ الرَّقَّةِ إِلَى مِصْرَ، وَأَمَرَهُ بِحَرْبِ نَصْرِ بْنِ شَبَثٍ.
وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ مُعَاذٍ الَّذِي كَانَ الْمَأْمُونُ وَلَّاهُ الْجَزِيرَةَ مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَاسْتَخْلَفَ ابْنَهُ أَحْمَدَ، فَاسْتَعْمَلَ الْمَأْمُونُ عَبْدَ اللَّهِ مَكَانَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ تَوْلِيَتَهُ أَحْضَرَهُ وَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَسْتَخِيرُ اللَّهَ - تَعَالَى - مُنْذُ شَهْرٍ وَأَكْثَرَ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ خَارَ لِي، وَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَصِفُ ابْنَهُ [لِيُطْرِيَهُ] لِرَأْيِهِ فِيهِ، وَرَأَيْتُكَ فَوْقَ مَا قَالَ أَبُوكَ فِيكَ، وَقَدْ مَاتَ يَحْيَى، وَاسْتَخْلَفَ ابْنَهُ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَدْ رَأَيْتُ تَوْلِيَتَكَ مِصْرَ، وَمُحَارَبَةَ نَصْرِ بْنِ شَبَثٍ.
فَقَالَ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، وَأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْخَيْرَةَ وَلِلْمُسْلِمِينَ. فَعَقَدَ لَهُ.
وَقِيلَ: كَانَتْ وِلَايَتُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَتَيْنِ، (وَقِيلَ: سَبْعٍ وَمِائَتَيْنِ) .
وَلَمَّا سَارَ اسْتَخْلَفَ عَلَى الشُّرْطَةِ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُصْعَبٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ. وَلَمَّا اسْتَعْمَلَهُ الْمَأْمُونُ كَتَبَ إِلَيْهِ أَبُوهُ طَاهِرٌ كِتَابًا جَمَعَ فِيهِ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْأُمَرَاءُ مِنَ الْآدَابِ وَالسِّيَاسَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ أَثْبَتُّ مِنْهُ أَحْسَنَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْآدَابِ وَالْحَثِّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الشِّيَمِ، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ مَلِكٍ وَسُوقَةٍ، وَهُوَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَمَّا بَعْدُ، فَعَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَخَشْيَتِهِ، وَمُرَاقَبَتِهِ -
стр. 2883
وَمُزَايَلَةِ سُخْطِهِ، وَحِفْظِ رَعِيَّتِكَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالْزَمْ مَا أَلْبَسَكَ مِنَ الْعَافِيَةِ بِالذِّكْرِ لِمَعَادِكَ، وَمَا أَنْتَ صَائِرٌ إِلَيْهِ، وَمَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، وَمَسْئُولٌ عَنْهُ، وَالْعَمَلِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِمَا يَعْصِمُكَ اللَّهُ وَيُنَجِّيكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِقَابِهِ، وَأَلِيمِ عَذَابِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ، وَأَوْجَبَ عَلَيْكَ الرَّأْفَةَ بِمَنِ اسْتَرْعَاكَ أَمْرَهُمْ مِنْ عِبَادِهِ، وَأَلْزَمَكَ الْعَدْلَ عَلَيْهِمْ، وَالْقِيَامَ بِحَقِّهِ وَحُدُودِهِ فِيهِمْ، وَالذَّبَّ عَنْهُمْ، وَالدَّفْعَ عَنْ حَرِيمِهِمْ وَبَيْضَتِهِمْ، وَالْحَقْنَ لِدِمَائِهِمْ، وَالْأَمْنَ لِسَبِيلِهِمْ، وَإِدْخَالَ الرَّاحَةِ عَلَيْهِمْ، وَمُؤَاخِذُكَ بِمَا فَرَضَ عَلَيْكَ، وَمُوقِفُكَ عَلَيْهِ، وَمَسَائِلُكَ عَنْهُ، وَمُثِيبُكَ عَلَيْهِ بِمَا قَدَّمْتَ وَأَخَّرْتَ، فَفَرِّغْ لِذَلِكَ فَهْمَكَ، وَعَقْلَكَ، وَنَظَرَكَ، وَلَا يَشْغَلْكَ عَنْهُ شَاغِلٌ، وَإِنَّهُ رَأْسُ أَمْرِكَ، وَمِلَاكُ شَأْنِكَ، وَأَوَّلُ مَا يُوَفِّقُكَ اللَّهُ بِهِ لَرُشْدُكَ.
وَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تُلْزِمُ نَفْسَكَ، وَتَنْسِبُ إِلَيْهِ أَفْعَالَكَ - الْمُوَاظَبَةُ عَلَى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَالْجَمَاعَةُ عَلَيْهَا بِالنَّاسِ، فَأْتِ بِهَا فِي مَوَاقِيتِهَا عَلَى سُنَنِهَا، وَفِي إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ لَهَا، وَافْتِتَاحِ ذِكْرِ اللَّهِ [فِيهَا] ، وَتَرَتَّلْ فِي قِرَاءَتِكَ، وَتَمَكَّنْ فِي رُكُوعِكَ وَسُجُودِكَ وَتَشَهُّدِكَ، وَلْيَصْدُقْ فِيهِ رَأْيُكَ وَنِيَّتُكَ، وَاحْضُضْ عَلَيْهَا جَمَاعَةَ مَنْ مَعَكَ، وَتَحْتَ يَدِكَ، وَادْأَبْ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] .
ثُمَّ أَتْبِعْ ذَلِكَ بِالْأَخْذِ بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْمُثَابَرَةِ عَلَى خِلَافَتِهِ، وَاقْتِفَاءِ آثَارِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ بَعْدِهِ، وَإِذَا وَرَدَ عَلَيْكَ أَمْرٌ فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ بِاسْتِخَارَةِ اللَّهِ وَتَقْوَاهُ، وَلُزُومِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ، وَإِتْمَامِ مَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قُمْ فِيهِ بِمَا يَحِقُّ لِلَّهِ -
стр. 2884
عَلَيْكَ، وَلَا تَمَلَّ مِنَ الْعَدْلِ فِيمَا أَحْبَبْتَ أَوْ كَرِهْتَ لِقَرِيبٍ مِنَ النَّاسِ، أَوْ بِعِيدٍ.
وَآثِرِ الْفِقْهَ وَأَهْلَهُ وَالدِّينَ وَحَمَلَتَهُ، وَكِتَابَ اللَّهِ وَالْعَامِلِينَ بِهِ، فَإِنَّ أَفْضَلَ مَا تَزَيَّنَ بِهِ الْمَرْءُ الْفِقْهُ فِي الدِّينِ، وَالطَّلَبُ لَهُ، وَالْحَثُّ عَلَيْهِ، وَالْمَعْرِفَةُ بِمَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ فَإِنَّهُ الدَّلِيلُ عَلَى الْخَيْرِ كُلِّهِ، وَالْقَائِدُ لَهُ، وَالْآمِرُ بِهِ، وَالنَّاهِي عَنِ الْمَعَاصِي وَالْمُوبِقَاتِ كُلِّهَا، وَمَعَ تَوْفِيقِ اللَّهِ يَزْدَادُ الْعَبْدُ مَعْرِفَةً لِلَّهِ وَإِجْلَالًا لَهُ، ذِكْرًا لِلدَّرَجَاتِ الْعُلَى فِي الْمَعَادِ مَعَ مَا فِي ظُهُورِهِ لِلنَّاسِ مِنَ التَّوْقِيرِ لِأَمْرِكَ، وَالْهَيْبَةِ لِسُلْطَانِكَ، وَالْأَنَسَةِ بِكَ، وَالثِّقَةِ بِعَدْلِكَ.
وَعَلَيْكَ بِالِاقْتِصَادِ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَبْيَنَ نَفْعًا، وَلَا أَخَصَّ أَمْنًا، وَلَا أَجْمَعَ فَضْلًا مِنْهُ، وَالْقَصْدُ دَاعِيَةٌ إِلَى الرُّشْدِ، وَالرُّشْدُ دَلِيلٌ عَلَى التَّوْفِيقِ، وَالتَّوْفِيقُ قَائِدٌ إِلَى السَّعَادَةِ، وَقِوَامُ الدِّينِ وَالسُّنَنِ الْهَادِيَةُ بِالِاقْتِصَادِ، وَآثِرْهُ فِي دُنْيَاكَ كُلِّهَا، وَلَا تُقَصِّرْ فِي طَلَبِ الْآخِرَةِ، وَالْأَجْرِ، وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَالسُّنَنِ الْمَعْرُوفَةِ، وَمَعَالِمِ الرُّشْدِ، وَلَا غَايَةَ لِلِاسْتِكْثَارِ فِي الْبِرِّ وَالسَّعْيِ لَهُ إِذَا كَانَ يُطْلَبُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ - تَعَالَى - وَمَرْضَاتُهُ وَمُرَافَقَةُ أَوْلِيَائِهِ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَصْدَ فِي شَأْنِ الدُّنْيَا يُورِثُ الْعِزَّ، وَيُحَصِّنُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَأَنَّهُ لَنْ تَحُوطَ لِنَفْسِكَ وَمَنْ يَلِيكَ وَلَا تَسْتَصْلِحُ أُمُورَكَ بِأَفْضَلَ مِنْهُ، فَأْتِهِ وَاهْتَدِ بِهِ تَتِمَّ أُمُورُكَ، وَتَزِدْ مَقْدِرَتُكَ، وَتَصْلُحْ خَاصَّتُكَ وَعَامَّتُكَ.
وَأَحْسِنِ الظَّنَّ بِاللَّهِ تَسْتَقِمْ لَكَ رَعِيَّتُكَ، وَالْتَمِسِ الْوَسِيلَةَ إِلَيْهِ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا تَسْتَدِمْ بِهِ النِّعْمَةَ عَلَيْكَ.
وَلَا تَتَّهِمَنَّ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ فِيمَا تُوَلِّيهِ مِنْ عَمَلِكَ، قَبْلَ أَنْ تَكْشِفَ أَمْرَهُ، فَإِنَّ إِيقَاعَ التُّهَمِ بِالْبِرَاءِ وَالظُّنُونَ السَّيِّئَةَ بِهِمْ مَأْثَمٌ، فَاجْعَلْ مِنْ شَأْنِكَ حُسْنَ الظَّنِّ بِأَصْحَابِكَ، وَاطْرُدْ
стр. 2885
عَنْكَ سُوءَ الظَّنِّ بِهِمْ، وَارْفُضْهُ فِيهِمْ يُعِنْكَ ذَلِكَ عَلَى اصْطِنَاعِهِمْ وَرِيَاضَتِهِمْ، وَلَا يَجِدَنَّ عَدُوُّ اللَّهِ الشَّيْطَانُ فِي أَمْرِكَ مَغْمَزًا، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَكْتَفِي بِالْقَلِيلِ مِنْ وَهَنِكَ، وَيُدْخِلُ عَلَيْكَ مِنَ الْغَمِّ فِي سُوءِ الظَّنِّ مَا يُنَغِّصُكَ لَذَاذَةَ عَيْشِكَ.
وَاعْلَمْ أَنَّكَ تَجِدُ بِحُسْنِ الظَّنِّ قُوَّةً وَرَاحَةً، وَتَكْتَفِي بِهِ مَا أَحْبَبْتَ كِفَايَتَهُ مِنْ أُمُورِكَ، وَتَدْعُو بِهِ النَّاسَ إِلَى مَحَبَّتِكَ وَالِاسْتِقَامَةِ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا لَكَ، وَلَايَمْنَعَنَّكَ حُسْنُ الظَّنِّ بِأَصْحَابِكَ، وَالرَّأْفَةُ بِرَعِيَّتِكَ، أَنْ تَسْتَعْمِلَ الْمَسْأَلَةَ وَالْبَحْثَ عَنْ أُمُورِكَ، وَلْتَكُنِ الْمُبَاشَرَةُ لِأُمُورِ الْأَوْلِيَاءِ، وَالْحِيَاطَةُ لِلرَّعِيَّةِ، وَالنَّظَرُ فِيمَا يُقِيمُهَا وَيُصْلِحُهَا، وَالنَّظَرُ فِي حَوَائِجِهِمْ، وَحَمْلُ مَئُونَاتِهِمْ - آثَرُ عِنْدَكَ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ أَقْوَمُ لِلدِّينِ، وَأَحْيَا لِلسُّنَّةِ.
وَأَخْلِصْ نِيَّتَكَ فِي جَمِيعِ هَذَا، وَتَفَرَّدْ بِتَقْوِيمِ نَفْسِكَ تَفَرُّدَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَسْئُولٌ عَمَّا صَنَعَ، وَمَجْزِيٌّ بِمَا أَحْسَنَ، وَمَأْخُوذٌ بِمَا أَسَاءَ، فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الدِّينَ حِرْزًا وَعِزًّا، وَرَفَعَ مَنِ اتَّبَعَهُ وَعَزَّزَهُ، فَاسْلُكْ بِمَنْ تَسُوسُهُ وَتَرْعَاهُ نَهْجَ الدِّينِ، وَطَرِيقَةَ الْهُدَى.
وَأَقِمْ حُدُودَ اللَّهِ فِي أَصْحَابِ الْجَرَائِمِ عَلَى قَدْرِ مَنَازِلِهِمْ، وَمَا اسْتَحَقُّوهُ، وَلَا تُعَطِّلْ ذَلِكَ، وَلَا تَهَاوَنْ بِهِ، وَلَا تُؤَخِّرْ عُقُوبَةَ أَهْلِ الْعُقُوبَةِ، فَإِنَّ فِي تَفْرِيطِكَ فِي ذَلِكَ مَا يُفْسِدُ عَلَيْكَ حُسْنَ ظَنِّكِ، وَاعْتَزِمْ عَلَى أَمْرِكَ فِي ذَلِكَ بِالسُّنَنِ الْمَعْرُوفَةِ، وَجَانِبِ الْبِدَعَ وَالشُّبَهَاتِ يَسْلَمْ لَكَ دِينُكَ، وَتَقُمْ لَكَ مُرُوءَتُكَ.
وَإِذَا عَاهَدْتَ عَهْدًا فَفِ بِهِ، وَإِذَا وَعَدْتَ خَيْرًا فَأَنْجِزْهُ، وَاقْبَلِ الْحَسَنَةَ وَادْفَعْ بِهَا، وَأَغْمِضْ عَنْ عَيْبِ كُلِّ ذِي عَيْبٍ مِنْ رَعِيَّتِكَ، وَاشْدُدْ لِسَانَكَ عَنْ قَوْلِ الْكَذِبِ وَالزُّورِ، وَأَبْغِضْ أَهْلَهُ، وَأَقْصِ أَهْلَ النَّمِيمَةِ، فَإِنَّ أَوَّلَ فَسَادِ أُمُورِكَ، فِي عَاجِلِهَا وَآجِلِهَا - تَقْرِيبُ الْكَذُوبِ، وَالْجُرْأَةُ عَلَى الْكَذِبِ ; لِأَنَّ الْكَذِبَ رَأْسُ الْمَآثِمِ، وَالزُّورَ وَالنَّمِيمَةَ خَاتِمَتُهَا ; لِأَنَّ النَّمِيمَةَ لَا يَسْلَمُ صَاحِبُهَا وَقَائِلُهَا، وَلَا يَسْلَمُ لَهُ صَاحِبٌ، وَلَا يَسْتَتِمُّ لِمُعْطِيهَا أَمْرٌ.
وَأَحِبَّ أَهْلَ الصَّلَاحِ وَالصِّدْقِ، وَأَعِنِ الْأَشْرَافَ بِالْحَقِّ، وَآسِ الضُّعَفَاءَ، وَصِلِ
стр. 2886
الرَّحِمَ، وَابْتَغِ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَإِعْزَازِ أَمْرِهِ، وَالْتَمِسْ فِيهِ ثَوَابَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، وَاجْتَنِبْ سُوءَ الْأَهْوَاءِ وَالْجَوْرَ، وَاصْرِفْ عَنْهُمَا رَأْيَكَ، وَأَظْهِرْ بَرَاءَتَكَ مِنْ ذَلِكَ لِرَعِيَّتِكَ، وَأَنْعِمْ بِالْعَدْلِ سِيَاسَتَهُمْ، وَقُمْ بِالْحَقِّ فِيهِمْ وَبِالْمَعْرِفَةِ الَّتِي تَنْتَهِي بِكَ إِلَى سَبِيلِ الْهُدَى.
وَامْلِكْ نَفْسَكَ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَآثِرِ الْوَقَارَ وَالْحِلْمَ، وَإِيَّاكَ وَالْحِدَّةَ وَالطِّيَرَةَ وَالْغُرُورَ فِيمَا أَنْتَ بِسَبِيلِهِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَقُولَ: أَنَا مُسَلَّطٌ أَفْعَلُ مَا أَشَاءُ، فَإِنَّ ذَلِكَ سَرِيعٌ [فِيكَ] إِلَى نَقْصِ الرَّأْيِ وَقِلَّةِ الْيَقِينِ بِاللَّهِ .
وَأَخْلِصْ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ - النِّيَّةَ فِيهِ، وَالْيَقِينَ بِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُلْكَ لِلَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَيَنْزِعُهُ مِمَّنْ يَشَاءُ، وَلَنْ تَجِدَ تَغَيُّرَ النِّعْمَةِ وَحُلُولَ النِّقْمَةِ إِلَى أَحَدٍ أَسْرَعَ مِنْهُ إِلَى حَمَلَةِ النِّعْمَةِ مِنْ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ وَالْمَبْسُوطِ لَهُمْ فِي الدَّوْلَةِ، إِذَا كَفَرُوا نِعَمَ اللَّهِ وَإِحْسَانَهُ، وَاسْتَطَالُوا بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.
وَدَعْ عَنْكَ نَفْسَكَ، وَلْتَكُنْ ذَخَائِرُكَ وَكُنُوزُكَ الَّتِي تُدَّخَرُ وَتُكْنَزُ - الْبِرَّ، وَالتَّقْوَى، وَالْمَعْدَلَةَ، وَاسْتِصْلَاحَ الرَّعِيَّةِ، وَعِمَارَةَ بِلَادِهِمْ، وَالتَّفَقُّدَ لِأُمُورِهِمْ، وَالْحِفْظَ لِدِمَائِهِمْ، وَالْإِغَاثَةَ لِمَلْهُوفِهِمْ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَمْوَالَ إِذَا كُنِزَتْ وَذُخِرَتْ فِي الْخَزَائِنِ - لَا تَنْمُو، وَإِذَا كَانَتْ فِي صَلَاحِ الرَّعِيَّةِ، وَإِعْطَاءِ حُقُوقِهِمْ، وَكَفِّ مَئُونَةٍ عَنْهُمْ - سَمَتْ، وَزَكَتْ، وَنَمَتْ، وَصَلُحَتْ بِهِ الْعَامَّةُ، وَتَزَيَّنَتْ بِهِ الْوِلَايَةُ، وَطَابَ بِهِ الزَّمَانُ، وَاعْتُقِدَ فِيهِ الْعِزُّ وَالْمَنَعَةُ، فَلْيَكُنْ كَنْزُ خَزَائِنِكَ تَفْرِيقَ الْأَمْوَالِ فِي عِمَارَةِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَوَفِّرْ مِنْهُ عَلَى أَوْلِيَاءِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَتِلْكَ حُقُوقُهُمْ، وَأَوْفِ رَعِيَّتَكَ مِنْ ذَلِكَ حِصَصَهُمْ، وَتَعَهَّدْ مَا يُصْلِحُ أُمُورَهُمْ وَمَعَاشَهُمْ، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَرَّتِ النِّعْمَةُ عَلَيْكَ، وَاسْتَوْجَبْتَ الْمَزِيدَ مِنَ اللَّهِ وَكُنْتَ بِذَلِكَ عَلَى جِبَايَةِ خَرَاجِكَ، وَجَمْعِ أَمْوَالِ رَعِيَّتِكَ، وَعَمَلِكَ - أَقْدَرَ، وَكَانَ الْجَمِيعُ لِمَا شَمَلَهُمْ مِنْ عَدْلِكَ وَإِحْسَانِكَ أَسْلَسَ لِطَاعَتِكَ، وَأَطْيَبَ نَفْسًا بِكُلِّ مَا أَرَدْتَ، وَاجْهِدْ نَفْسَكَ فِيمَا حَدَّدْتُ لَكَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَلْتَعْظُمْ حَسَنَتُكَ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَبْقَى مِنَ الْمَالِ مَا أُنْفِقَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاعْرِفْ لِلشَّاكِرِينَ شُكْرَهُمْ، وَأَثِبْهُمْ عَلَيْهِ.
وَإِيَّاكَ أَنْ تُنْسِيَكَ الدُّنْيَا وَغُرُورُهَا هَوْلَ الْآخِرَةِ، فَتَتَهَاوَنُ بِمَا يَحِقُّ عَلَيْكَ، فَإِنَّ
стр. 2887
التَّهَاوُنَ يُورِثُ التَّفْرِيطَ، وَالتَّفْرِيطُ يُورِثُ الْبَوَارَ، وَلْيَكُنْ عَمَلُكَ لِلَّهِ وَارْجُ الثَّوَابَ فِيهِ، فَإِنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - قَدْ أَسْبَغَ عَلَيْكَ نِعْمَتَهُ، وَأَسْبَغَ لَدَيْكَ فَضْلَهُ، وَاعْتَصِمْ بِالشُّكْرِ، وَعَلَيْهِ فَاعْتَمِدْ، يَزِدْكَ اللَّهُ خَيْرًا وَإِحْسَانًا، فَإِنَّ اللَّهَ يُثَبِّتُ شُكْرَ الشَّاكِرِينَ وَسِيرَةَ الْمُحْسِنِينَ.
وَلَا تَحْقِرَنَّ دَيْنًا، وَلَا تُمَالِئَنَّ حَاسِدًا، وَلَا تَرْحَمَنَّ فَاجِرًا، وَلَا تَصِلَنَّ كَفُورًا، وَلَا تُدَاهِنَنَّ عَدُوًّا، وَلَا تُصَدِّقَنَّ نَمَّامًا، وَلَا تَأْمَنَنَّ غَدَّارًا، وَلَا تُوَالِيَنَّ فَاسِقًا، وَلَا تَتْبَعَنَّ غَاوِيًا، وَلَا تَحْمَدَنَّ مُرَائِيًا، وَلَا تَحْقِرَنَّ إِنْسَانًا، وَلَا تَرُدَّنَّ سَائِلًا فَقِيرًا، وَلَا تُجِيبَنَّ بَاطِلًا، وَلَا تُلَاحِظَنَّ مُضْحِكًا، وَلَا تُخْلِفَنَّ وَعْدًا، وَلَا تَرْهَبَنَّ فَجْرًا، وَلَا تَرْكَبَنَّ سَفَهًا، وَلَا تُظْهِرَنَّ غَضَبًا، وَلَا تَمْشِيَنَّ مَرَحًا، وَلَا تُفَرِّطَنَّ فِي طَلَبِ الْآخِرَةِ، وَلَا تَدْفَعِ الْأَيَّامَ عِتَابًا، وَلَا تُغْمِضَنَّ عَنْ ظَالِمٍ رَهْبَةً مِنْهُ، أَوْ مُحَابَاةً، وَلَا تَطْلُبَنَّ ثَوَابَ الْآخِرَةِ فِي الدُّنْيَا.
وَأَكْثِرْ مُشَاوَرَةَ الْفُقَهَاءِ، وَاسْتَعْمِلْ نَفْسَكَ بِالْحِلْمِ، وَخُذْ عَنْ أَهْلِ التَّجَارُبِ وَذَوِي الْعَقْلِ، وَالرَّأْيِ، وَالْحِكْمَةِ، وَلَا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ أَهْلَ الذِّمَّةِ وَالنِّحَلِ، وَلَا تَسْمَعَنَّ لَهُمْ قَوْلًا، فَإِنَّ ضَرَرَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ مَنْفَعَتِهِمْ، وَلَيْسَ شَيْءٌ أَسْرَعُ فَسَادًا لِمَا اسْتَقْبَلْتَ فِيهِ أَمْرَ رَعِيَّتِكَ مِنَ الشُّحِّ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِذَا كُنْتَ حَرِيصًا كُنْتَ كَثِيرَ الْأَخْذِ، قَلِيلَ الْعَطِيَّةِ، وَإِذَا كُنْتَ كَذَلِكَ لَمْ يَسْتَقِمْ لَكَ أَمْرُكَ إِلَّا قَلِيلًا، فَإِنَّ رَعِيَّتَكَ إِنَّمَا تَعْقِدُ عَلَى مَحَبَّتِكَ بِالْكَفِّ عَنْ أَمْوَالِهِمْ، وَتَرْكِ الْجَوْرِ عَلَيْهِمْ، وَيَدُومُ صَفَاءُ أَوْلِيَائِكَ بِالْإِفْضَالِ عَلَيْهِمْ، وَحُسْنِ الْعَطِيَّةِ لَهُمْ، وَاجْتَنِبِ الشُّحَّ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ أَوَّلُ مَا عَصَى الْإِنْسَانُ بِهِ رَبَّهُ، وَأَنَّ الْعَاصِيَ بِمَنْزِلَةِ خِزْيٍ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] .
وَاجْعَلْ لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهُمْ مِنْ نِيَّتِكَ حَظًّا وَنِصِيبًا، وَأَيْقِنْ أَنَّ الْجُودَ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ الْعِبَادِ، فَاعْدُدْ لِنَفْسِكَ خُلُقًا، وَسَهِّلْ طَرِيقَ الْجُودِ بِالْحَقِّ، وَارْضَ بِهِ عَمَلًا وَمَذْهَبًا، وَتَفَقَّدْ أُمُورَ الْجُنْدِ فِي دَوَاوِينِهِمْ، وَمَكَاتِبِهِمْ، وَادْرُرْ عَلَيْهِمْ أَرْزَاقَهُمْ، وَوَسِّعْ عَلَيْهِمْ فِي مَعَايِشِهِمْ -
стр. 2888
يُذْهِبِ اللَّهُ بِذَلِكَ فَاقَتَهُمْ، فَيَقْوَى لَكَ أَمْرُهُمْ، وَتَزِيدُ بِهِ قُلُوبُهُمْ فِي طَاعَتِكَ فِي أَمْرِكَ خُلُوصًا وَانْشِرَاحًا.
وَحَسْبُ ذِي السُّلْطَانِ مِنَ السَّعَادَةِ أَنْ يَكُونَ عَلَى جُنْدِهِ وَرَعِيَّتِهِ رَحْمَةً فِي عَدْلِهِ، وَحِيطَتِهِ وَإِنْصَافِهِ، وَعِنَايَتِهِ وَشَفَقَتِهِ، وَبِرِّهِ وَتَوْسِيعِهِ، فَزَايِلْ مَكْرُوهَ إِحْدَى الْبَلِيَّتَيْنِ بِاسْتِشْعَارِ فَضِيلَةِ الْبَابِ الْآخَرِ، وَلُزُومِ الْعَمَلِ بِهِ - تَلْقَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - نَجَاحًا وَصَلَاحًا وَفَلَاحًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَضَاءَ [بِالْعَدْلِ] مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى - بِالْمَكَانِ الَّذِي لَيْسَ [يُعْدَلُ] بِهِ شَيْءٌ مِنَ الْأُمُورِ ; لِأَنَّهُ مِيزَانُ اللَّهِ الَّذِي يُعْدَلُ عَلَيْهِ أَحْوَالُ النَّاسِ فِي الْأَرْضِ، وَبِإِقَامَةِ الْعَدْلِ فِي الْقَضَاءِ، وَالْعَمَلِ - تَصْلُحُ أَحْوَالُ الرَّعِيَّةِ، وَتَأْمَنُ السُّبُلُ، وَيَنْتَصِفُ الْمَظْلُومُ، وَيَأْخُذُ النَّاسُ حُقُوقَهُمْ، وَتَحْسُنُ الْمَعِيشَةُ، وَيُؤَدَّى حَقُّ الطَّاعَةِ، وَيَرْزُقُ اللَّهُ الْعَافِيَةَ وَالسَّلَامَةَ، وَيَقُومُ الدِّينُ، وَتَجْرِي السُّنَنُ وَالشَّرَائِعُ عَلَى مَجَارِيهَا.
وَاشْتَدَّ فِي أَمْرِ اللَّهِ وَتَوَرَّعْ عَنِ النُّطَفِ، وَامْضِ لِإِقَامَةِ الْحُدُودِ، وَأَقْلِلِ الْعَجَلَةَ، وَابْعُدْ عَنِ الضَّجَرِ وَالْقَلَقِ، وَاقْنَعْ بِالْقَسْمِ، وَانْتَفِعْ بِتَجْرِبَتِكَ، وَانْتَبِهْ فِي صَمْتِكَ، وَاسْدُدْ فِي مَنْطِقِكَ، وَأَنْصِفِ الْخَصْمَ، وَقِفْ عِنْدَ الشُّبْهَةِ، وَأَبْلِغْ فِي الْحُجَّةِ، وَلَا يَأْخُذْكَ فِي أَحَدٍ مِنْ رَعِيَّتِكَ مُحَابَاةٌ وَلَا مُحَامَاةٌ، وَلَا لَوْمُ لَائِمٍ، وَتَثَبَّتْ، وَتَأَنَّ، وَرَاقِبْ، وَانْظُرِ (الْحَقَّ عَلَى نَفْسِكَ) ، فَتَدَبَّرْ، وَتَفَكَّرْ، وَاعْتَبِرْ، وَتَوَاضَعْ لِرَبِّكَ، وَارْؤُفْ بِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ، وَسَلِّطِ الْحَقَّ عَلَى نَفْسِكَ.
وَلَا تُسْرِعَنَّ إِلَى سَفْكِ دَمٍ، فَإِنَّ الدِّمَاءَ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ عَظِيمٍ، انْتِهَاكًا لَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا، وَانْظُرْ هَذَا الْخَرَاجَ الَّذِي اسْتَقَامَتْ عَلَيْهِ الرَّعِيَّةُ، وَجَعَلَهُ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ عِزًّا وَرِفْعَةً، وَلِأَهْلِهِ تَوْسِعَةً وَمَنْعَةً، وَلِعَدُوِّهِ وَعَدُوِّهِمْ كَبْتًا وَغَيْظًا، وَلِأَهْلِ الْكُفْرِ مِنْ مُعَانِدِيهِمْ ذُلًّا وَصَغَارًا - فَوَزِّعْهُ بَيْنَ أَصْحَابِكَ بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ، وَالتَّسْوِيَةِ وَالْعُمُومِ فِيهِ، وَلَا تَرْفَعَنَّ مِنْهُ
стр. 2889
شَيْئًا عَنْ شَرِيفٍ لِشَرَفِهِ، وَلَا عَنْ غَنِيٍّ لِغِنَاهُ، وَلَا عَنْ كَاتِبٍ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ خَاصَّتِكَ وَحَاشِيَتِكَ، وَلَا تَأْخُذَنَّ مِنْهُ فَوْقَ الِاحْتِمَالِ لَهُ، وَلَا تُكَلِّفْ أَمْرًا فِيهِ شَطَطٌ، وَاحْمِلِ النَّاسَ كُلَّهُمْ عَلَى مُرِّ الْحَقِّ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ لِأُلْفَتِهِمْ، وَأَلْزَمُ لِرِضَاءِ الْعَامَّةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّكَ جُعِلْتَ بِوِلَايَتِكَ خَازِنًا، وَحَافِظًا، وَرَاعِيًا، وَإِنَّمَا سُمِّيَ أَهْلُ عَمَلِكَ رَعِيَّتَكَ لِأَنَّكَ رَاعِيهِمْ وَقَيِّمُهُمْ، تَأْخُذُ مِنْهُمْ مَا أَعْطَوْكَ مِنْ عَفْوِهِمْ وَمَقْدِرَتِهِمْ، وَتُنْفِقُهُ فِي قِوَامِ أَمْرِهِمْ وَصَلَاحِهِمْ، وَتَقْوِيمِ أَوَدِهِمْ، فَاسْتَعْمِلْ عَلَيْهِمْ ذَوِي الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ، وَالتَّجْرِبَةِ وَالْخِبْرَةِ بِالْعَمَلِ، وَالْعِلْمِ بِالسِّيَاسَةِ وَالْعَفَافِ، وَوَسِّعْ عَلَيْهِمْ فِي الرِّزْقِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ لَكَ فِيمَا تَقَلَّدْتَ وَأُسْنِدَ إِلَيْكَ، وَلَا يَشْغَلْكَ عَنْهُ شَاغِلٌ، وَلَا يَصْرِفْكَ عَنْهُ صَارِفٌ، فَإِنَّكَ مَتَى آثَرْتَهُ وَقُمْتَ فِيهِ بِالْوَاجِبِ، اسْتَدْعَيْتَ بِهِ زِيَادَةَ النِّعْمَةِ مِنْ رَبِّكَ، وَحُسْنَ الْأُحْدُوثَةِ فِي عَمَلِكَ، وَاحْتَرَزْتَ بِهِ الْمَحَبَّةَ مِنْ رَعِيَّتِكَ، وَأَعَنْتَ عَلَى الصَّلَاحِ، وَقُدِّرَتِ الْخَيْرَاتُ فِي بَلَدِكَ، وَفَشَتِ الْعِمَارَةُ بِنَاحِيَتِكَ، وَظَهَرَ الْخِصْبُ فِي كُوَرِكَ، وَكَثُرَ خَرَاجُكَ، وَتَوَفَّرَتْ أَكْوَارُكَ، وَقَوِيتَ بِذَلِكَ عَلَى ارْتِبَاطِ جُنْدِكَ، وَإِرْضَاءِ الْعَامَّةِ، بِإِفَاضَةِ الْعَطَاءِ فِيهِمْ مِنْ نَفْسِكَ، وَكُنْتَ مَحْمُودَ السِّيَاسَةِ، مَرْضِيَّ الْعَدْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ عَدُوِّكَ، وَكُنْتَ فِي أُمُورِكَ كُلِّهَا ذَا عَدْلٍ، وَآلَةٍ، وَقُوَّةٍ، وَعُدَّةٍ، فَنَافِسْ فِي ذَلِكَ وَلَا تُقَدِّمْ عَلَيْهِ شَيْئًا تُحْمَدْ مَغَبَّةُ أَمْرِكَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَاجْعَلْ فِي كُلِّ كُورَةٍ مِنْ عَمَلِكَ أَمِينًا يُخْبِرُكَ أَخْبَارَ عُمَّالِكَ، وَيَكْتُبُ إِلَيْكَ بِسِيرَتِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ، حَتَّى كَأَنَّكَ مَعَ كُلِّ عَامِلٍ فِي عَمَلِهِ مُعَايِنٌ لِأُمُورِهِ كُلِّهَا، فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَأْمُرَهُمْ بِأَمْرٍ فَانْظُرْ فِي عَوَاقِبِ مَا أَرَدْتَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ رَأَيْتَ السَّلَامَةَ فِيهِ وَالْعَافِيَةَ، وَرَجَوْتَ فِيهِ حُسْنَ الدِّفَاعِ وَالصُّنْعِ - فَأَمْضِهِ، وَإِلَّا فَتَوَقَّفْ عَنْهُ، وَرَاجِعْ أَهْلَ الْبَصَرِ وَالْعِلْمِ بِهِ، ثُمَّ خُذْ فِيهِ عُدَّتَهُ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا نَظَرَ الرَّجُلُ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِهِ قَدْ وَاتَاهُ عَلَى مَا يَهْوَى، فَأَغْوَاهُ ذَلِكَ وَأَعْجَبَهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْظُرْ فِي عَوَاقِبِهِ أَهْلَكَهُ، وَنَقَضَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، فَاسْتَعْمِلِ الْحَزْمَ فِي كُلِّ مَا أَرَدْتَ، وَبَاشِرْهُ بَعْدَ عَوْنِ اللَّهِ بِالْقُوَّةِ، وَأَكْثِرِ اسْتِخَارَةَ رَبِّكَ فِي جَمِيعِ أُمُورِكَ، وَافْرُغْ مِنْ عَمَلِ يَوْمِكَ، وَلَا تُؤَخِّرْهُ لِغَدِكَ، وَأَكْثِرْ مُبَاشَرَتَهُ بِنَفْسِكَ، فَإِنَّ لِغَدٍ أُمُورًا وَحَوَادِثَ تُلْهِيكَ عَنْ عَمَلِ يَوْمِكَ الَّذِي أَخَّرْتَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْيَوْمَ إِذَا مَضَى ذَهَبَ بِمَا فِيهِ، وَإِذَا أَخَّرْتَ عَمَلَهُ اجْتَمَعَ عَلَيْكَ أُمُورُ
стр. 2890
يَوْمَيْنِ فَيَشْغَلُكَ ذَلِكَ، حَتَّى تُعْرِضَ عَنْهُ، وَإِذَا أَمْضَيْتَ لِكُلِّ يَوْمٍ عَمَلَهُ، أَرَحْتَ نَفْسَكَ وَبَدَنَكَ، وَأَحْكَمْتَ أُمُورَ سُلْطَانِكَ.
وَانْظُرْ أَحْرَارَ النَّاسِ وَذَوِي السِّنِّ مِنْهُمْ مِمَّنْ تَسْتَيْقِنُ صَفَاءَ طَوِيَّتَهُمْ، وَشَهِدْتَ مَوَدَّتَهُمْ لَكَ، وَمُظَاهَرَتَهُمْ بِالنُّصْحِ وَالْمُخَالَصَةِ عَلَى أَمْرِكَ - فَاسْتَخْلِصْهُمْ وَأَحْسِنْ إِلَيْهِمْ.
وَتَعَاهَدْ أَهْلَ الْبُيُوتَاتِ مِمَّنْ قَدْ دَخَلَتْ عَلَيْهِمُ الْحَاجَةُ، فَاحْتَمِلْ مَئُونَتَهُمْ، وَأَصْلِحْ حَالَهُمْ حَتَّى لَا يَجِدُوا لِخَلَّتِهِمْ مَسًّا، وَأَفْرِدْ نَفْسَكَ بِالنَّظَرِ فِي أُمُورِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَفْعِ مَظْلَمَةٍ إِلَيْكَ، وَالْمُحْتَقِرِ الَّذِي لَا عِلْمَ لَهُ بِطَلَبِ حَقِّهِ، فَسَلْ عَنْهُ أَحْفَى مَسْأَلَةٍ، وَوَكِّلْ بِأَمْثَالِهِ أَهْلَ الصَّلَاحِ مِنْ رَعِيَّتِكَ، وَمُرْهُمْ بِرَفْعِ حَوَائِجِهِمْ وَحَالَاتِهِمْ إِلَيْكَ لِتَنْظُرَ فِيهَا بِمَا يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ أَمْرَهُمْ.
وَتَعَاهَدْ ذَوِي الْبَأْسَاءِ وَأَيْتَامَهُمْ، وَأَرَامِلَهُمْ، وَاجْعَلْ لَهُمْ أَرْزَاقًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ اقْتِدَاءً بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ - أَعَزَّهُ اللَّهُ - فِي الْعَطْفِ عَلَيْهِمْ، وَالصِّلَةِ لَهُمْ، لِيُصْلِحَ اللَّهُ بِذَلِكَ عَيْشَهُمْ، وَيَرْزُقَكَ بِهِ بَرَكَةً وَزِيَادَةً، وَأَجْرِ لِلْأَضْرَابِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَقَدِّمْ حَمَلَةَ الْقُرْآنِ مِنْهُمْ، وَالْحَافِظِينَ لِأَكْثَرِهِ فِي الْجَرَائِدِ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَانْصِبْ لِمَرْضَى الْمُسْلِمِينَ دُورًا تُؤْوِيهِمْ، وَقُوَّامًا يَرْفُقُونَ بِهِمْ، وَأَطِبَّاءَ يُعَالِجُونَ أَسْقَامَهُمْ، وَأَسْعِفْهُمْ بِشَهَوَاتِهِمْ مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى سَرَفٍ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ إِذَا أُعْطُوا حُقُوقَهُمْ وَأَفْضَلَ أَمَانِيهِمْ - لَمْ يُرْضِهِمْ ذَلِكَ، وَلَمْ تَطِبْ أَنْفُسُهُمْ دُونَ رَفْعِ حَوَائِجِهِمْ إِلَى وُلَاتِهِمْ، طَمَعًا فِي نَيْلِ الزِّيَادَةِ، وَفَضْلِ الرِّفْقِ مِنْهُمْ، وَرُبَّمَا تَبَرَّمَ الْمُتَصَفِّحُ لِأُمُورِ النَّاسِ لِكَثْرَةِ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ، وَيَشْغَلُ فِكْرَهُ وَذِهْنَهُ مِنْهَا مَا يَنَالُهُ بِهِ مِنْ مَئُونَةٍ وَمَشَقَّةٍ، وَلَيْسَ مَنْ يَرْغَبُ فِي الْعَدْلِ، وَيَعْرِفُ مَحَاسِنَ أُمُورِهِ فِي الْعَاجِلِ وَفَضْلِ ثَوَابِ الْآجِلِ - كَالَّذِي يَسْتَثْقِلُ بِمَا يُقَرِّبُهُ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَيَلْتَمِسُ رَحْمَتَهُ.
وَأَكْثِرِ الْإِذْنَ لِلنَّاسِ عَلَيْكَ، وَأَبْرِزْ لَهُمْ وَجْهَكَ، وَسَكِّنْ لَهُمْ حَوَاسَّكَ، وَاخْفِضْ
стр. 2891
لَهُمْ جَنَاحَكَ، وَأَظْهِرْ لَهُمْ بِشْرَكَ، وَلِنْ لَهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ وَالْمَنْطِقِ، وَاعْطِفْ عَلَيْهِمْ بِجُودِكَ وَفَضْلِكَ.
وَإِذَا أَعْطَيْتَ فَأَعْطِ بِسَمَاحَةٍ وَطِيبِ نَفْسٍ، وَالْتِمَاسٍ لِلصَّنِيعَةِ وَالْأَجْرِ مِنْ غَيْرِ تَكْدِيرٍ وَلَا امْتِنَانٍ، فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ عَلَى ذَلِكَ تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَاعْتَبِرْ بِمَا تَرَى مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، وَمَنْ مَضَى مِنْ أَهْلِ السُّلْطَانِ وَالرِّئَاسَةِ فِي الْقُرُونِ الْخَالِيَةِ، وَالْأُمَمِ الْبَائِدَةِ، ثُمَّ اعْتَصِمْ فِي أَحْوَالِكَ كُلِّهَا بِأَمْرِ اللَّهِ، وَالْوُقُوفِ عِنْدَ مَحَبَّتِهِ، وَالْعَمَلِ بِشَرِيعَتِهِ وَسُنَّتِهِ، وَإِقَامَةِ دِينِهِ، وَكِتَابِهِ، وَاجْتَنِبْ مَا فَارَقَ ذَلِكَ، وَخَالِفْ مَا دَعَا إِلَى سُخْطِ اللَّهِ .
وَاعْرِفْ مَا يَجْمَعُ عُمَّالُكَ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَيُنْفِقُونَ مِنْهَا، وَلَا تَجْمَعْ حَرَامًا، وَلَا تُنْفِقْ إِسْرَافًا.
وَأَكْثِرْ مُجَالَسَةَ الْعُلَمَاءِ وَمُشَاوَرَتَهُمْ، وَمُخَالَطَتَهُمْ، وَلْيَكُنْ (هَوَاكَ اتِّبَاعَ السُّنَنِ وَإِقَامَتَهَا، وَإِيثَارَ مَكَارِمِ الْأُمُورِ وَمَعَالِيهَا، وَلْيَكُنْ) أَكْرَمُ دُخَلَائِكَ وَخَاصَّتِكَ عَلَيْكَ مَنْ إِذَا رَأَى عَيْبًا فِيكَ لَمْ تَمْنَعْهُ هَيْبَتُكَ مِنْ إِنْهَاءِ ذَلِكَ إِلَيْكَ فِي سِرِّكَ، وَإِعْلَامِكَ مَا فِيهِ مِنَ النَّقْصِ، فَإِنَّ أُولَئِكَ أَنْصَحُ أَوْلِيَائِكَ وَمُظَاهِرِيكَ، وَانْظُرْ عُمَّالَكَ الَّذِينَ بِحَضْرَتِكَ، وَكُتَّابَكَ، فَوَقِّتْ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَقْتًا يَدْخُلُ فِيهِ عَلَيْكَ بِكُتُبِهِ وَمُؤَامَرَتِهِ، وَمَا عِنْدَهُ مِنْ حَوَائِجِ عُمَّالِكَ، وَأُمُورِ كُوَرِكَ وَرَعِيَّتِكَ، ثُمَّ فَرِّغْ لِمَا يُورِدُهُ عَلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ سَمْعَكَ، وَبَصَرَكَ، وَفَهْمَكَ، وَعَقْلَكَ، وَكَرِّرِ النَّظَرَ فِيهِ وَالتَّدَبُّرَ لَهُ، فَمَا كَانَ مُوَافِقًا لِلْحَقِّ وَالْحَزْمِ فَأَمْضِهِ، وَاسْتَخِرِ اللَّهَ فِيهِ، وَمَا كَانَ مُخَالِفًا لِذَلِكَ فَاصْرِفْهُ إِلَى التَّثَبُّتِ فِيهِ وَالْمَسْأَلَةِ عَنْهُ.
وَلَا تَمْتَنَّ عَلَى رَعِيَّتِكَ وَلَا غَيْرِهِمْ بِمَعْرُوفٍ تَأْتِيهِ إِلَيْهِمْ، وَلَا تَقْبَلْ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا الْوَفَاءَ وَالِاسْتِقَامَةَ، وَالْعَوْنَ فِي أُمُورِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا تَضَعَنَّ الْمَعْرُوفَ إِلَّا عَلَى ذَلِكَ، وَتَفَهَّمْ كِتَابِي إِلَيْكَ، وَأَكْثِرِ النَّظَرَ فِيهِ وَالْعَمَلَ بِهِ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ عَلَى جَمِيعِ أُمُورِكَ، وَاسْتَخِرْ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّلَاحِ وَأَهْلِهِ، وَلْيَكُنْ أَعْظَمَ سِيرَتِكَ، وَأَفْضَلَ عَيْشِكَ مَا كَانَ لِلَّهِ رِضًى، وَلِدِينِهِ نِظَامًا، وَلِأَهْلِهِ عِزًّا وَتَمْكِينًا، وَلِلذِّمَّةِ
стр. 2892
وَلِلْمِلَّةِ عَدْلًا وَصَلَاحًا، وَأَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُحْسِنَ عَوْنَكَ، وَتَوْفِيقَكَ، وَرُشْدَكَ، وَكَلَاءَتَكَ. وَالسَّلَامُ.
فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ هَذَا الْكِتَابَ تَنَازَعُوهُ، وَكَتَبُوهُ، وَشَاعَ أَمْرُهُ، وَبَلَغَ الْمَأْمُونَ خَبَرُهُ، فَدَعَا بِهِ فَقُرِئَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا بَقَّى أَبُو الطَّيِّبِ - يَعْنِي طَاهِرًا - شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، (وَالتَّدْبِيرِ، وَالرَّأْيِ) ، وَالسِّيَاسَةِ، وَإِصْلَاحِ الْمُلْكِ وَالرَّعِيَّةِ، وَحِفْظِ السُّلْطَانِ وَطَاعَةِ الْخُلَفَاءِ، وَتَقْوِيمِ الْخِلَافَةِ - إِلَّا وَقَدْ أَحْكَمَهُ، وَأَوْصَى بِهِ. وَأَمَرَ الْمَأْمُونُ فَكُتِبَ بِهِ إِلَى جَمِيعِ الْعُمَّالِ فِي النَّوَاحِي، فَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى عَمَلِهِ، فَاتَّبَعَ مَا أُمِرَ بِهِ وَعُهِدَ إِلَيْهِ، وَسَارَ بِسِيرَتِهِ.
ذِكْرُ مَوْتِ الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ الْحَكَمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَكَانَتْ بَيْعَتُهُ فِي صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ عُمْرُهُ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَكُنْيَتُهُ أَبُو الْعَاصِ، وَهُوَ لِأُمِّ وَلَدٍ، وَكَانَ طَوِيلًا أَسْمَرَ، نَحِيفًا، وَكَانَ لَهُ تِسْعَةَ عَشَرَ ذَكَرًا، وَلَهُ شِعْرٌ جَيِّدٌ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَنَّدَ بِالْأَنْدَلُسِ الْأَجْنَادَ الْمُرْتَزَقِينَ، وَجَمَعَ الْأَسْلِحَةَ وَالْعُدَدَ، وَاسْتَكْثَرَ مِنَ الْحَشَمِ وَالْحَوَاشِي، وَارْتَبَطَ الْخُيُولَ عَلَى بَابِهِ، وَتَشَبَّهَ بِالْجَبَابِرَةِ فِي أَحْوَالِهِ، وَاتَّخَذَ الْمَمَالِيكَ، وَجَعَلَهُمْ فِي الْمُرْتَزِقَةِ، فَبَلَغَتْ عِدَّتُهُمْ خَمْسَةَ آلَافِ مَمْلُوكٍ، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْخُرْسَ لِعُجْمَةِ أَلْسِنَتِهِمْ، وَكَانُوا يَوْمًا عَلَى بَابِ قَصْرِهِ.
وَكَانَ يَطَّلِعُ عَلَى الْأُمُورِ بِنَفْسِهِ، وَمَا قَرُبَ مِنْهَا وَبَعُدَ، وَكَانَ لَهُ نَفَرٌ مِنْ ثِقَاتِ أَصْحَابِهِ يُطَالِعُونَهُ بِأَحْوَالِ النَّاسِ، فَيَرُدُّ عَنْهُمُ الْمَظَالِمَ، وَيُنْصِفُ الْمَظْلُومَ، وَكَانَ شُجَاعًا، مِقْدَامًا، مَهِيبًا، وَهُوَ الَّذِي وَطَّأَ لِعَقِبِهِ الْمُلْكَ بِالْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ يُقَرِّبُ الْفُقَهَاءَ وَأَهْلَ الْعِلْمِ.
ذِكْرُ وِلَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
لَمَّا مَاتَ الْحَكَمُ بْنُ هِشَامٍ قَامَ بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَيُكَنَّى أَبَا
стр. 2893
الْمُطَرِّفِ، وَاسْمُ أُمِّهِ حَلَاوَةُ، وَكَانَ بِكِنِّ وَالِدِهِ، وُلِدَ بِطُلَيْطِلَةَ، أَيَّامَ كَانَ أَبُوهُ الْحَكَمُ يَتَوَلَّاهَا لِأَبِيهِ هِشَامٍ، وُلِدَ لِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ، وُجِدَ ذَلِكَ بِخَطِّ أَبِيهِ.
وَكَانَ جَسِيمًا، وَسِيمًا، حَسَنَ الْوَجْهِ، فَلَمَّا وَلِيَ خَرَجَ عَلَيْهِ عَمُّ أَبِيهِ عَبْدُ اللَّهِ، (الْبَلَنْسِيُّ، وَطَمِعَ بِمَوْتِ الْحَكَمِ، وَخَرَجَ مِنْ بَلَنْسِيَةَ يُرِيدُ قُرْطُبَةَ) ، فَتَجَهَّزَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ خَافَ، وَضَعُفَتْ نَفْسُهُ، فَرَجَعَ إِلَى بَلَنْسِيَةَ، ثُمَّ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ سَرِيعًا، وَوَقَى اللَّهُ ذَلِكَ الطَّرَفَ شَرَّهُ.
فَلَمَّا مَاتَ نَقَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَوْلَادَهُ وَأَهْلَهُ إِلَيْهِ بِقُرْطُبَةَ، وَخَلَصَتِ الْإِمَارَةُ بِالْأَنْدَلُسِ لِوَلَدِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَفِيهَا عُزِلَ الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ عَنْ قَضَاءِ الْمَوْصِلِ، فَانْحَدَرَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَتَوَلَّى الْقَضَاءَ بِهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْمَوْصِلِيُّ.
وَفِيهَا وَلَّى الْمَأْمُونُ دَاوُدَ بْنَ مَاسِحُورَ مُحَارَبَةَ الزُّطِّ، وَأَعْمَالَ الْبَصْرَةِ، وَكُوَرَ دِجْلَةَ وَالْيَمَامَةِ وَالْبَحْرَيْنِ.
وَفِيهَا كَانَ الْمَدُّ عَظِيمًا غَرِقَ فِيهِ السَّوَادُ، وَكَسْكَرُ، وَقَطِيعَةُ أُمِّ جَعْفَرٍ، وَهَلَكَ فِيهِ مِنَ الْغَلَّاتِ كَثِيرٌ.
وَفِيهَا نَكَبَ بَابَكُ الْخُرَّمِيُّ عِيسَى بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي خَالِدٍ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْعَلَوِيُّ، وَهُوَ أَمِيرُ الْحَرَمَيْنِ.
стр. 2894
(وَفِيهَا غَزَا الْمُسْلِمُونَ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ جَزِيرَةَ سَرْدَانِيَةَ فَغَنِمُوا، وَأَصَابُوا مِنَ الْكُفَّارِ وَأُصِيبَ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادُوا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ الطَّائِيُّ الْإِخْبَارِيُّ، وَكَانَ عَابِدًا، ضَعِيفًا فِي الْحَدِيثِ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَوْصِلِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُسْتَنِيرِ، الْمَعْرُوفُ بِقُطْرُبٍ، النَّحْوِيُّ، أَخَذَ النَّحْوَ مِنْ سِيبَوَيْهَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عَمْرٍو إِسْحَاقُ بْنُ مِرَارٍ الشَّيْبَانِيُّ اللُّغَوِيُّ.
(مِرَارٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَبِرَاءَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ) .
стр. 2895
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَمِائَتَيْنِ]
٢٠٧ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ خُرُوجِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ بِالْيَمَنِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵃ بِبِلَادِ عَكَّ فِي الْيَمَنِ، يَدْعُو إِلَى الرِّضَى مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وَكَانَ سَبَبَ خُرُوجِهِ أَنَّ الْعُمَّالَ بِالْيَمَنِ أَسَاءُوا السِّيرَةَ فِيهِمْ، فَبَايَعُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ هَذَا، فَلَمَّا بَلَغَ الْمَأْمُونَ ذَلِكَ وَجَّهَ إِلَيْهِ دِينَارَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي عَسْكَرٍ كَثِيفٍ، وَكَتَبَ مَعَهُ بِأَمَانِهِ، فَحَضَرَ دِينَارٌ الْمَوْسِمَ، وَحَجَّ.
ثُمَّ سَارَ إِلَى الْيَمَنِ، فَبَعَثَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِأَمَانِهِ، فَقَبِلَهُ، وَدَخَلَ فِي طَاعَةِ الْمَأْمُونِ، وَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِ دِينَارٍ، فَخَرَجَ بِهِ إِلَى الْمَأْمُونِ، فَمَنَعَ الْمَأْمُونُ عِنْدَ ذَلِكَ الطَّالِبِيِّينَ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُمْ بِلِبْسِ السَّوَادِ، وَذَلِكَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ.
ذِكْرُ وَفَاةِ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى، مَاتَ طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ مِنْ حُمَّى أَصَابَتْهُ، وَإِنَّهُ وُجِدَ فِي فِرَاشِهِ مَيِّتًا.
وَقَالَ كُلْثُومُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ: كُنْتُ عَلَى بَرِيدِ خُرَاسَانَ، فَلَمَّا كَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَتَيْنِ حَضَرَتِ الْجُمُعَةُ، فَصَعِدَ طَاهِرٌ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ، فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى ذِكْرِ الْخَلِيفَةِ أَمْسَكَ عَنِ الدُّعَاءِ لَهُ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ بِمَا أَصْلَحْتَ بِهِ أَوْلِيَاءَكَ، وَاكْفِنَا مَئُونَةَ
стр. 2896
مَنْ بَغَى عَلَيْنَا، وَحَشَدَ فِيهَا، بِلَمِّ الشَّعْثِ، وَحَقْنِ الدِّمَاءِ، وَإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ.
قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: أَنَا أَوَّلُ مَقْتُولٍ لِأَنِّي لَا أَكْتُمُ الْخَبَرَ. قَالَ: فَانْصَرَفْتُ، فَاغْتَسَلْتُ غُسْلَ الْمَوْتَى، وَتَكَفَّنْتُ، وَكَتَبْتُ إِلَى الْمَأْمُونِ، فَلَمَّا كَانَ الْعَصْرَ دَعَانِي، وَحَدَثَ بِهِ حَادِثٌ فِي جَفْنِ عَيْنِهِ، وَسَقَطَ مَيِّتًا، فَخَرَجَ إِلَيَّ ابْنُهُ طَلْحَةُ، قَالَ: هَلْ كَتَبْتَ بِمَا كَانَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ! قَالَ: فَاكْتُبْ بِوَفَاتِهِ! فَكَتَبْتُ بِوَفَاتِهِ، وَبِقِيَامِ طَلْحَةَ بِأَمْرِ الْجَيْشِ، فَوَرَدَتِ الْخَرِيطَةُ عَلَى الْمَأْمُونِ بِخَلْعِهِ، فَدَعَا أَحْمَدَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ، فَقَالَ: سِرْ فَأْتِ بِطَاهِرٍ كَمَا زَعَمْتَ وَضَمِنْتَ فَقَالَ: أَبِيتُ اللَّيْلَةَ؟ فَقَالَ: لَا. فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى أَذِنَ لَهُ فِي الْمَبِيتِ.
(وَوَافَتِ الْخَرِيطَةُ الْأُخْرَى لَيْلًا بِمَوْتِهِ) ، فَدَعَاهُ، فَقَالَ: قَدْ مَاتَ طَاهِرٌ، فَمَنْ تَرَى؟ قَالَ: ابْنُهُ طَلْحَةُ. قَالَ: اكْتُبْ بِتَوْلِيَتِهِ! فَكَتَبَ بِذَلِكَ، فَأَقَامَ طَلْحَةُ وَالِيًا عَلَى خُرَاسَانَ فِي أَيَّامِ الْمَأْمُونِ سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ، وَوَلَّى عَبْدَ اللَّهِ خُرَاسَانَ.
وَلَمَّا وَرَدَ مَوْتُ طَاهِرٍ عَلَى الْمَأْمُونِ قَالَ: لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَدَّمَهُ وَأَخَّرَنَا! وَكَانَ طَاهِرٌ أَعْوَرَ وَفِيهِ يَقُولُ بَعْضُهُمْ:
يَا ذَا الْيَمِينَيْنِ وَعَيْنٍ وَاحِدَهْ ... نُقْصَانُ عَيْنٍ وَيَمِينٌ زَائِدَهْ
يَعْنِي أَنَّ لَقَبَهُ كَانَ ذَا الْيَمِينَيْنِ، وَكَانَتْ كُنْيَتُهُ أَبَا الطَّيِّبِ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ طَاهِرًا لَمَّا مَاتَ انْتَهَبَ الْجُنْدُ بَعْضَ خَزَائِنِهِ، فَقَامَ بِأَمْرِهِمْ سَلَّامُ الْأَبْرَشُ الْخَصِيُّ، وَأَعْطَاهُمْ رِزْقَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ.
وَقِيلَ اسْتَعْمَلَ الْمَأْمُونُ عَلَى عَمَلِهِ جَمِيعِهِ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَاهِرٍ، فَسَيَّرَ إِلَى خُرَاسَانَ أَخَاهُ طَلْحَةَ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بِالرَّقَّةِ عَلَى حَرْبِ نَصْرِ بْنِ شَبَثٍ، فَلَمَّا تَوَجَّهَ طَلْحَةُ إِلَى خُرَاسَانَ سَيَّرَ الْمَأْمُونُ إِلَيْهِ أَحْمَدَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ لِيَقُومَ بِأَمْرِهِ، فَعَبَرَ أَحْمَدُ إِلَى مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَافْتَتَحَ أُشْرُوسَنَةَ، وَأَسَرَ كَاوِسَ بْنَ صَارَخْرَهْ، وَابْنَهُ الْفَضْلَ، وَبَعَثَ بِهِمَا إِلَى الْمَأْمُونِ، وَوَهَبَ طَلْحَةُ لِأَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَعُرُوضًا بِأَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَوَهَبَ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَبَّاسِ كَاتِبَ أَحْمَدَ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ.
ذِكْرُ مَا كَانَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، بِجُنْدِ الْبَصْرَةِ
стр. 2897
وَأَهْلِهَا، وَهِيَ الْوَقْعَةُ [الْمَعْرُوفَةُ] بِوَقْعَةِ بَالِسَ (!) .
وَكَانَ سَبَبَهَا أَنَّ الْحَكَمَ كَانَ قَدْ بَلَغَهُ عَنْ عَامِلٍ اسْمُهُ رَبِيعٌ أَنَّهُ ظَلَمَ الْأَبْنَاءَ أَهْلَ الذِّمَّةِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَصَلَبَهُ، قَبْلَ وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَوَلِيَ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ سَمِعَ النَّاسُ بِصَلْبِ الرَّبِيعِ، فَأَقْبَلُوا إِلَى قُرْطُبَةَ مِنَ النَّوَاحِي يَطْلُبُونَ الْأَمْوَالَ الَّتِي كَانَ ظَلَمَهُمْ بِهَا، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهَا تُرَدُّ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ أَهْلُ إِلْبِيرَةَ أَكْثَرَهُمْ طَلَبًا وَإِلْحَاحًا فِيهِ، وَتَأَلَّبُوا، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مَنْ يُفَرِّقُهُمْ وَيُسْكِتُهُمْ، فَلَمْ يَقْبَلُوا، وَدَفَعُوا مَنْ أَتَاهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ جَمْعٌ مِنَ الْجُنْدِ وَأَصْحَابُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَانْهَزَمَ جُنْدُ إِلْبِيرَةَ وَمَنْ مَعَهُمْ، وَقُتِلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا، وَنَجَا الْبَاقُونَ مُنْهَزِمِينَ، ثُمَّ طُلِبُوا بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَتَلُوا كَثِيرًا مِنْهُمْ.
وَفِيهَا ثَارَتْ بِمَدِينَةِ تُدْمِيرَ فِتْنَةٌ بَيْنَ الْمُضَرِيَّةِ وَالْيَمَانِيَّةِ، فَاقْتَتَلُوا بِلُورَقَةَ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَقْعَةٌ تُعْرَفُ بِيَوْمِ الْمَضَارَّةِ، قُتِلَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافِ رَجُلٍ، وَدَامَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ سَبْعَ سِنِينَ، فَوَكَّلَ بِكَفِّهِمْ وَمَنْعِهِمْ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ، وَسَيَّرَهُ فِي جَمِيعِ الْجَيْشِ، فَكَانُوا إِذَا أَحَسُّوا بِقُرْبِ يَحْيَى تَفَرَّقُوا وَتَرَكُوا الْقِتَالَ، وَإِذَا عَادَ عَنْهُمْ رَجَعُوا إِلَى الْفِتْنَةِ وَالْقِتَالِ حَتَّى عَيِيَ أَمْرَهُمْ.
وَفِيهَا كَانَ بِالْأَنْدَلُسِ مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ ذَهَبَ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَبَلَغَ الْمُدُّ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ ثَلَاثِينَ دِينَارًا.
(تُدْمِيرُ بِالتَّاءِ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ ثُمَّ رَاءٌ) .
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَفِيهَا غَلَا السِّعْرُ بِالْعِرَاقِ، حَتَّى بَلَغَ الْقَفِيزُ مِنَ الْحِنْطَةِ بِالْهَارُونِيِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا إِلَى الْخَمْسِينَ.
стр. 2898
وَفِيهَا وَلِيَ مُحَمَّدُ بْنُ حَفْصٍ طَبَرِسْتَانَ، وَالرُّويَانَ، وَدُنْبَاوَنْدَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ أَبُو عِيسَى بْنُ الرَّشِيدِ.
وَفِيهَا أَمَرَ الْمَأْمُونُ السَّيِّدَ بْنَ أَنَسٍ، وَالِيَ الْمَوْصِلِ، بِقَصْدِ بَنِي شَيْبَانَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعَرَبِ، لِإِفْسَادِهِمْ فِي الْبِلَادِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ، وَكَبَسَهُمْ بِالدَّسْكَرَةِ، فَقَتَلَهُمْ وَنَهَبَ أَمْوَالَهُمْ وَعَادَ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ الْفَقِيهُ، وَعُمَرُ بْنُ حَبِيبٍ الْعَلَوِيُّ الْقَاضِي، وَعَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبَانَ الْقُرَشِيُّ، قَاضِي وَاسِطٍ، وَجَعْفَرُ بْنُ عَوْنِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ الْمَخْزُومِيُّ الْفَقِيهُ، وَبِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ الْفَقِيهُ،
стр. 2899
وَكَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَزْهَرُ بْنُ سَعِيدٍ السَّمَّانِ، وَأَبُو النَّضْرِ هِشَامُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكِنَانِيُّ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ وَاقَدٍ الْوَاقِدِيُّ، وَكَانَ عُمْرُهُ ثَمَانِيًا وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَكَانَ عَالِمًا بِالْمَغَازِي وَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ، وَكَانَ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ الْقَاضِي، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي يُوسُفَ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى الْمَعْرُوفُ بِابْنِ كُنَاسَةَ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ، وَكَانَ عَالِمًا بِالْعَرَبِيَّةِ وَالشِّعْرِ وَأَيَّامِ النَّاسِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ، وَأَبُو زَكَرِيَّا الْفَرَّاءُ النَّحْوِيُّ الْكُوفِيُّ، وَأَبُو غَانِمٍ الْمَوْصِلِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي خِدَاشٍ الْمَوْصِلِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْمُعَافَى، كَثِيرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُ.
стр. 2900
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَمِائَتَيْنِ]
٢٠٨ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَمِائَتَيْنِ
[ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ]
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُصْعَبٍ مِنْ خُرَاسَانَ إِلَى كِرْمَانَ، فَعَصَى بِهَا، فَسَارَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، فَأَخَذَهُ، وَأَتَى بِهِ الْمَأْمُونَ فَعَفَا عَنْهُ.
وَفِيهَا اسْتُقْضِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَفِيهَا عُزِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ عَنْ قَضَاءِ عَسْكَرِ الْمَهْدِيِّ، وَوَلِيَهُ بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ الْكِنْدِيُّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ:
يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُوَحِّدُ رَبَّهُ ... قَاضِيكَ بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ حِمَارُ
يَنْفِي شَهَادَةَ مَنْ يَدِينُ بِمَا بِهِ ... نَطَقَ الْكِتَابُ وَجَاءَتِ الْآثَارُ
وَيَعُدُّ عَدْلًا مَنْ يَقُولُ بِأَنَّهُ ... شَيْخٌ يُحِيطُ بِجِسْمِهِ الْأَقْطَارُ
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ مُوسَى بْنُ الْأَمِينِ.
وَالْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ.
стр. 2901
وَحَجَّ بِالنَّاسِ صَالِحُ بْنُ الرَّشِيدِ.
(وَفِيهَا هَلَكَ أَلْيَسَعُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ، صَاحِبُ سِجِلْمَاسَةَ، فَوَلَّى أَهْلُهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَخَاهُ الْمُنْتَصِرَ بْنَ أَبِي الْقَاسِمِ وَاسُولَ، الْمَعْرُوفَ بِمِدْرَارٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ.
وَفِيهَا سَيَّرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ جَيْشًا إِلَى بِلَادِ الْمُشْرِكِينَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِ عَبْدَ الْكَرِيمِ بْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُغِيثٍ، فَسَارُوا [إِلَى] أَلْبَةَ وَالْقِلَاعِ، فَنَهَبُوا بِلَادَ أَلْبَةَ وَأَحْرَقُوهَا، وَحَصَرُوا عِدَّةً مِنَ الْحُصُونِ، فَفَتَحُوا بَعْضَهَا، وَصَالَحَهُ بَعْضُهَا عَلَى مَالٍ وَإِطْلَاقِ الْأَسْرَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَغَنِمَ أَمْوَالًا جَلِيلَةَ الْقَدْرِ، وَاسْتَنْقَذُوا مِنْ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ وَسَبْيِهِمْ كَثِيرًا، فَكَانَ ذَلِكَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَعَادُوا سَالِمِينَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْبَلَنْسِيِّ صَاحِبُ بَلَنْسِيَةَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ أَخْبَارِهِ مَعَ أَخْبَارِ هِشَامٍ ابْنِ أَخِيهِ الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ - كَثِيرٌ) .
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرِ بْنِ حَبِيبٍ السَّهْمِيُّ الْبَاهِلِيُّ.
وَيُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدَّبُ، وَالْقَاسِمُ بْنُ الرَّشِيدِ، وَسَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ بِالْبَصْرَةِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ،
стр. 2902
وَالْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ، وَقَدْ كَانَ سَارَ لِيَتَوَلَّى قَضَاءَ طَبَرِسْتَانَ، فَمَاتَ بِالرَّيِّ.
(وَتُوُفِّيَ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ الْأَحْمَرُ النَّحْوِيُّ، صَاحِبُ الْكِسَائِيِّ، وَقِيلَ: تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَمَانِينَ [وَمِائَةٍ] ) .
стр. 2903
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَمِائَتَيْنِ]
٢٠٩ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ الظَّفَرِ بِنَصْرِ بْنِ شَبَثٍ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ حَصَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ نَصْرَ بْنَ شَبَثٍ بِكَيْسُومَ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، حَتَّى طَلَبَ الْأَمَانَ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْعَامِرِيُّ: قَالَ الْمَأْمُونُ لِثُمَامَةَ بْنِ أَشْرَسَ: أَلَا تَدُلُّنِي عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ لَهُ عَقْلٌ وَبَيَانٌ يُؤَدِّي (عَنِّي مَا أُوجِبُهُ إِلَى نَصْرٍ؟
قَالَ: بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْعَامِرِيُّ. فَأَمَرَ بِإِحْضَارِي فَحَضَرْتُ، فَكَلَّمَنِي بِكَلَامٍ أَمَرَنِي أَنَّ أُبَلِّغَهُ نَصْرًا، وَهُوَ بِكَفَرِ عَزُونَ، بِسَرُوجَ، فَأَبْلَغْتُهُ نَصْرًا، فَأَذْعَنَ وَشَرِطَ شُرُوطًا، مِنْهَا أَنْ لَا يَطَأَ بِسَاطَهُ، فَلَمْ يُجِبْهُ الْمَأْمُونُ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: مَا بَالُهُ يَنْفِرُ مِنِّي؟ قُلْتُ: لِجُرْمِهِ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.
قَالَ: أَفَتَرَاهُ أَعْظَمَ جُرْمًا مِنَ الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَمِنْ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي خَالِدٍ؟ أَمَّا الْفَضْلُ فَأَخَذَ قُوَّادِي، وَأَمْوَالِي، وَسِلَاحِي، وَجَمِيعَ مَا أَوْصَى بِهِ الرَّشِيدُ لِي، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى مُحَمَّدٍ أَخِي، وَتَرَكَنِي بِمَرْوَ فَرِيدًا وَحِيدًا، وَسَلَّمَنِي، وَأَفْسَدَ عَلَيَّ أَخِي حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ، فَكَانَ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. وَأَمَّا عِيسَى بْنُ أَبِي خَالِدٍ فَإِنَّهُ طَرَدَ خَلِيفَتِي مِنْ مَدِينَتِي وَمَدِينَةِ آبَائِي، وَذَهَبَ بِخَرَاجِي وَفَيْئِي، وَأَخْرَبَ دَارِي، وَأَقْعَدَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيفَةً دُونِي.
قَالَ: قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَتَأْذَنُ لِي فِي الْكَلَامِ؟
стр. 2904
قَالَ: تَكَلَّمْ. قَالَ: قُلْتُ: أَمَّا الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ فَإِنَّهُ صَنِيعُكُمْ وَمَوْلَاكُمْ، وَحَالُ سَلَفِهِ حَالُهُمْ، فَتَرْجِعُ إِلَيْهِ بِضُرُوبٍ كُلُّهَا تَرُدُّكَ إِلَيْهِ. وَأَمَّا عِيسَى فَرَجُلٌ مِنْ دَوْلَتِكَ وَسَابِقَتُهُ وَسَابِقَةُ مَنْ مَضَى مِنْ سَلَفِهِ (مَعْرُوفَةٌ، يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ) .
وَأَمَّا نَصْرٌ فَرَجُلٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ يَدٌ قَطُّ، فَيَحْتَمِلُ كَهَؤُلَاءِ لِمَنْ مَضَى مِنْ سَلَفِهِ) وَإِنَّمَا كَانُوا مِنْ جُنْدِ بَنِي أُمَيَّةَ.
قَالَ: إِنَّهُ كَمَا تَقُولُ، وَلَسْتُ أُقْلِعُ عَنْهُ حَتَّى يَطَأَ بِسَاطِي.
قَالَ: فَأَبْلَغْتُ نَصْرًا ذَلِكَ، فَصَاحَ بِالْخَيْلِ، فَجَالَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَ: وَيْلِي عَلَيْهِ، هُوَ لَمْ يَقْوَ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ ضُفْدَعٍ تَحْتَ جَنَاحِهِ - يَعْنِي الزُّطَّ - يَقْوَى عَلَيَّ بِحَلْبَةِ الْعَرَبِ؟ فَجَادَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ الْقِتَالَ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، فَطَلَبَ الْأَمَانَ، فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ، وَتَحَوَّلَ مِنْ مُعَسْكَرِهِ إِلَى الرَّقَّةِ، [وَصَارَ] إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَتْ مُدَّةُ حِصَارِهِ وَمُحَارَبَتِهِ خَمْسَ سِنِينَ، فَلَمَّا خَرَجَ إِلَيْهِ أَخْرَبَ عَبْدُ اللَّهِ حِصْنَ كَيْسُومَ، وَسَيَّرَ نَصْرًا إِلَى الْمَأْمُونِ، فَوَصَلَ إِلَيْهِ فِي صَفَرٍ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَتَيْنِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَفِيهَا وَلَّى الْمَأْمُونُ عَلِيَّ بْنَ صَدَقَةَ، الْمَعْرُوفَ بِزُرَيْقٍ، عَلَى أَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ، وَأَمَرَهُ بِمُحَارَبَةِ بَابَكَ، وَأَقَامَ بِأَمْرِهِ أَحْمَدَ بْنَ الْجُنَيْدِ الْإِسْكَافِيَّ، فَأَسَرَهُ بَابَكُ، فَوَلَّى إِبْرَاهِيمَ بْنَ اللَّيْثِ بْنِ الْفَضْلِ أَذْرَبِيجَانَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ صَالِحُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ.
стр. 2905
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ مِيخَائِيلُ بْنُ جُورْجِيسَ مَلِكُ الرُّومِ، وَكَانَ مُلْكُهُ تِسْعَ سِنِينَ، وَمَلَكَ ابْنُهُ تُوفِيلُ.
وَفِيهَا خَرَجَ مَنْصُورُ بْنُ نُصَيْرٍ بِإِفْرِيقِيَّةَ عَنْ طَاعَةِ الْأَمِيرِ زِيَادَةِ اللَّهِ، وَكَانَ مِنْهُ مَاذَكَرْنَاهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى اللُّغَوِيُّ، وَقِيلَ: سَنَةَ عَشْرٍ، وَكَانَ يَمِيلُ إِلَى مَقَالَةِ الْخَوَارِجِ، وَكَانَ عُمْرُهُ ثَلَاثًا وَتِسْعِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ (وَعُمْرُهُ ثَمَانٍ وَتِسْعُونَ سَنَةً) .
وَفِيهَا تُوُفِّيَ يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ أَبُو يُوسُفَ، وَالْفَضْلُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْمَوْصِلِيُّ الْمُحَدِّثُ.
стр. 2906
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عَشْرٍ وَمِائَتَيْنِ]
٢١٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عَشْرٍ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ ظَفَرِ الْمَأْمُونِ بِابْنِ عَائِشَةَ
وَفِيهَا ظَفِرَ الْمَأْمُونُ بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، الْإِمَامِ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ عَائِشَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْإِفْرِيقِيِّ، وَمَالِكِ بْنِ شَاهِي، وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِمَّنْ كَانَ يَسْعَى فِي الْبَيْعَةِ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ.
وَكَانَ الَّذِي أَطْلَعَهُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى صَنِيعِهِمْ عِمْرَانُ الْقُطْرَبُّلِيُّ، وَكَانُوا (اتَّعَدُوا أَنْ) يَقْطَعُوا الْجِسْرَ إِذَا خَرَجَ الْجُنْدُ يَتَلَقَّوْنَ نَصْرَ بْنَ شَبَثٍ، (فَنَمَّ عَلَيْهِمْ عِمْرَانُ، فَأُخِذُوا فِي صَفَرٍ، وَدَخَلَ نَصْرُ بْنُ شَبَثٍ) بَغْدَاذَ، وَلَمْ يَلْقَهُ أَحَدٌ مِنَ الْجُنْدِ، فَأُخِذَ ابْنُ عَائِشَةَ، فَأُقِيمَ عَلَى بَابِ الْمَأْمُونِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الشَّمْسِ، ثُمَّ ضَرَبَهُ بِالسِّيَاطِ وَحَبَسَهُ، وَضَرَبَ مَالِكَ بْنَ شَاهِي وَأَصْحَابَهُ، فَكَتَبُوا لِلْمَأْمُونِ بِأَسْمَاءِ مَنْ دَخَلَ مَعَهُمْ فِي هَذَا الْأَمْرِ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ، فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُمُ الْمَأْمُونُ، وَقَالَ: لَا آمَنُ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ قَذَفُوا قَوْمًا بِرَاءً.
ثُمَّ إِنَّهُ قَتَلَ ابْنَ عَائِشَةَ وَابْنَ شَاهِي وَرَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِمَا، وَكَانَ سَبَبَ قَتْلِهِمْ أَنَّ الْمَأْمُونَ بَلَغَهُ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَنْقُبُوا السِّجْنَ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ قَدْ سَدُّوا بَابَ السِّجْنِ، فَلَمْ يَدَعُوا أَحَدًا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمَأْمُونَ خَبَرُهُمْ رَكِبَ إِلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ، فَأَخَذَهُمْ، فَقَتَلَهُمْ صَبْرًا، وَصَلَبَ ابْنَ عَائِشَةَ، وَهُوَ أَوَّلُ عَبَّاسِيٍّ صُلِبَ فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أُنْزِلَ وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ قُرَيْشٍ.
стр. 2907
ذِكْرُ الظَّفَرِ بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، أُخِذَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ، وَهُوَ مُتَنَقِّبٌ مَعَ امْرَأَتَيْنِ، وَهُوَ فِي زِيِّ امْرَأَةٍ، أَخَذَهُ حَارِسٌ أَسْوَدُ لَيْلًا، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَنْتُنَّ، وَأَيْنَ تُرِدْنَ هَذَا الْوَقْتَ؟ فَأَعْطَاهُ إِبْرَاهِيمُ خَاتَمَ يَاقُوتٍ كَانَ فِي يَدِهِ لَهُ قَدْرٌ عَظِيمٌ لِيُخَلِّيَهُنَّ وَلَا يَسْأَلَهُنَّ، فَلَمَّا نَظَرَ الْحَارِسُ إِلَى الْخَاتَمِ اسْتَرَابَهُنَّ، وَقَالَ: خَاتَمُ رَجُلٍ لَهُ شَأْنٌ، وَرَفَعَهُنَّ إِلَى صَاحِبِ الْمَسْلَحَةِ، فَأَمَرَهُنَّ أَنْ يُسْفِرْنَ، فَامْتَنَعَ إِبْرَاهِيمُ، فَجَذَبَهُ، فَبَدَتْ لِحْيَتُهُ، فَدَفَعَهُ إِلَى صَاحِبِ الْجِسْرِ، فَعَرَفَهُ، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى بَابِ الْمَأْمُونِ وَأَعْلَمَهُ بِهِ، فَأَمَرَ بِالِاحْتِفَاظِ بِهِ إِلَى بُكْرَةٍ.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أُقْعِدُ إِبْرَاهِيمُ فِي دَارِ الْمَأْمُونِ وَالْمَقْنَعَةُ الَّتِي تَقَنَّعَ بِهَا فِي عُنُقِهِ، وَالْمِلْحَفَةُ عَلَى صَدْرِهِ لِيَرَاهُ بَنُو هَاشِمٍ وَالنَّاسُ، وَيَعْلَمُوا كَيْفَ أُخِذَ، ثُمَّ حَوَّلَهُ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، فَحَبَسَهُ عِنْدَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مَعَهُ، لَمَّا سَارَ إِلَى فَمِ الصُّلْحِ، إِلَى الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، فَشَفَعَ فِيهِ الْحَسَنُ، وَقِيلَ: ابْنَتُهُ بُورَانُ.
وَقِيلَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أُخِذَ حُمِلَ إِلَى دَارِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُعْتَصِمِ، وَكَانَ الْمُعْتَصِمُ عِنْدَ الْمَأْمُونِ، فَحُمِلَ رَدِيفًا لِفَرَحٍ التُّرْكِيِّ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى الْمَأْمُونِ قَالَ: هِيهِ يَا إِبْرَاهِيمُ! فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلِيُّ الثَّأْرُ مُحَكَّمٌ فِي الْقِصَاصِ، وَالْعَفْوُ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى، وَمَنْ تَنَاوَلَهُ الِاغْتِرَارُ بِمَا مُدَّ لَهُ مِنْ أَسْبَابِ الشَّقَاءِ، أَمْكَنَ عَادِيَةَ الدَّهْرِ مِنْ نَفْسِهِ، وَقَدْ جَعَلَكَ اللَّهُ فَوْقَ كُلِّ ذِي ذَنْبٍ، كَمَا جُعِلَ كُلُّ ذِي ذَنْبٍ دُونَكَ، فَإِنْ تُعَاقِبْ فَبِحَقِّكَ، وَإِنْ تَعْفُ فَبِفَضْلِكَ. قَالَ: بَلْ أَعْفُو يَا إِبْرَاهِيمُ. فَكَبَّرَ وَسَجَدَ.
وَقِيلَ: بَلْ كَتَبَ إِبْرَاهِيمُ هَذَا الْكَلَامَ إِلَى الْمَأْمُونِ وَهُوَ مُتَخَفٍّ، فَوَقَّعَ الْمَأْمُونُ فِي رُقْعَتِهِ: الْقُدْرَةُ تُذْهِبُ الْحَفِيظَةَ، وَالنَّدَمُ تَوْبَةٌ، وَبَيْنَهُمَا عَفْوُ اللَّهِ وَهُوَ أَكْبَرُ مَا يُسْأَلُهُ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ يَمْدَحُ الْمَأْمُونَ:
يَا خَيْرَ مَنْ ذَمَلَتْ يَمَانِيَةٌ بِهِ ... بَعْدَ النَّبِيِّ لِآيِسٍ أَوْ طَامِعِ
стр. 2908
وَأَبَرَّ مَنْ عَبَدَ الْإِلَهَ عَلَى التُّقَى
غَيْبًا وَأَقْوَلَهُ بِحَقٍّ صَادِعِ ... عَسَلُ الْفَوَارِعِ مَا أُطِعْتَ فَإِنْ تُهَجْ
فَالصَّابُّ يُمْزَجُ بِالسِّمَامِ النَّاقِعِ ... مُتَيَقِّظًا حَذِرًا وَمَا تَخْشَى الْعِدَى
نَبْهَانَ مِنْ وَسَنَاتِ لَيْلِ الْهَاجِعِ ... مُلِئَتْ قُلُوبُ النَّاسِ مِنْكَ مَخَافَةً
وَتَبِيتُ تَكْلَؤُهُمْ بِقَلْبٍ خَاشِعِ ... بِأَبِي وَأُمِّي فِدْيَةً وَأَبِيهِمَا
مِنْ كُلِّ مُعْضِلَةٍ وَذَنْبٍ وَاقِعِ ... مَا أَلْيَنَ الْكَنَفَ الَّذِي بَوَّأْتَنِي
وَطَنًا وَأَمْرَعَ رَبْعَهُ لِلرَّاتِعِ ... لِلصَّالِحَاتِ أَخًا جُعِلْتَ وَلِلتُّقَى
وَأَبًا رَءُوفًا لِلْفَقِيرِ الْقَانِعِ ... نَفْسِي فِدَاؤُكَ إِذْ تَضِلُّ مَعَاذِرِي
وَأَلُوذُ مِنْكَ بِفَضْلِ حِلْمٍ وَاسِعِ ... أَمَلًا لِفَضْلِكَ، وَالْفَوَاضِلُ شِيمَةٌ
رَفَعَتْ بِنَاءَكَ لِلْمَحَلِّ الْيَافِعِ ... فَبَذَلْتَ أَفْضَلَ مَا يَضِيقُ بِبَذْلِهِ
وُسْعُ النُّفُوسِ مِنَ الْفِعَالِ الْبَارِعِ ... وَعَفَوْتَ عَمَّنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ مِثْلِهِ
عَفْوٌ وَلَمْ يَشْفَعْ إِلَيْكَ بِشَافِعِ ... إِلَّا الْعُلُوَّ عَنِ الْعُقُوبَةِ بَعْدَمَا
ظَفِرَتْ يَدَاكَ بِمُسْتَكِينٍ خَاضِعِ ... فَرَحِمْتَ أَطْفَالًا كَأَفْرَاخِ الْقَطَا
وَعَوِيلَ عَانِسَةٍ كَقَوْسِ النَّازِعِ ... وَعَطَفْتَ آصِرَةً عَلَيَّ كَمَا وَهَى
بَعْدَ انْهِيَاضِ الْوَثْيِ عَظْمُ الظَّالِعِ
стр. 2909
اللَّهُ يَعْلَمُ مَا أَقُولُ كَأَنَّهَا ... جَهْدُ الْأَلِيَّةِ مِنْ حَنِيفٍ رَاكِعِ
مَا إِنْ عَصَيْتُكَ وَالْغُوَاةُ تَقُودُنِي ... أَسْبَابُهَا إِلَّا بِنِيَّةِ طَائِعِ
حَتَّى إِذَا عَلِقَتْ حَبَائِلُ شِقْوَتِي ... بِرَدِّي إِلَى حُفَرِ الْمَهَالِكِ هَائِعِ
لَمْ أَدْرِ أَنَّ لِمِثْلِ جُرْمِي غَافِرًا ... فَوَقَفْتُ أَنْظُرُ أَيُّ حَتْفٍ صَارِعِي
رَدَّ الْحَيَاةَ عَلَيَّ بَعْدَ ذَهَابِهَا ... وَرَعُ الْإِمَامِ الْقَادِرِ الْمُتَوَاضِعِ
أَحْيَاكَ مَنْ وَلَّاكَ أَفْضَلَ مُدَّةٍ ... وَرَمَى عَدُوَّكَ فِي الْوَتِينِ بِقَاطِعِ
كَمْ مِنْ يَدٍ لَكَ لَمْ تُحَدِّثْنِي بِهَا ... نَفْسِي إِذَا آلَتْ إِلَيَّ مَطَامِعِي
أَسْدَيْتَهَا عَفْوًا إِلَيَّ هَنِيئَةً ... وَشَكَرْتُ مُصْطَنَعًا لِأَكْرَمِ صَانِعِ
إِلَّا يَسِيرًا عِنْدَمَا أَوْلَيْتَنِي ... وَهُوَ الْكَبِيرُ لَدَيَّ غَيْرُ الضَّائِعِ
إِنْ أَنْتَ جُدْتَ بِهَا عَلَيَّ تَكُنْ لَهَا ... أَهْلًا وَإِنْ تَمْنَعْ فَأَكْرَمُ مَانِعِ
إِنَّ الَّذِي قَسَمَ الْخِلَافَةَ حَازَهَا ... مِنْ صُلْبِ آدَمَ لِلْإِمَامِ السَّابِعِ
جَمَعَ الْقُلُوبَ عَلَيْكَ جَامِعُ أَمْرِهَا ... وَحَوَى رِدَاؤُكَ كُلَّ خَيْرٍ جَامِعِ
فَذُكِرَ أَنَّ الْمَأْمُونَ قَالَ حِينَ أَنْشَدَهُ هَذِهِ الْقَصِيدَةَ: أَقُولُ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ:
стр. 2910
﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] .
ذِكْرُ بِنَاءِ الْمَأْمُونِ بِبُورَانَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَنَى الْمَأْمُونُ بِبُورَانَ ابْنَةِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ فِي رَمَضَانَ، وَكَانَ الْمَأْمُونُ سَارَ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَى فَمِ الصُّلْحِ إِلَى مُعَسْكَرِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، فَنَزَلَهُ، وَزُفَّتْ إِلَيْهِ بُورَانُ، فَلَمَّا دَخَلَ إِلَيْهَا الْمَأْمُونُ كَانَ عِنْدَهَا حَمْدُونَةُ بِنْتُ الرَّشِيدِ، وَأُمُّ جَعْفَرٍ زُبَيْدَةُ أُمُّ الْأَمِينِ، وَجَدَّتُهَا أُمُّ الْفَضْلِ، وَالْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ.
فَلَمَّا دَخَلَ نَثَرَتْ عَلَيْهِ جَدَّتُهَا أَلْفَ لُؤْلُؤَةٍ مِنْ أَنْفَسِ مَا يَكُونُ، فَأَمَرَ الْمَأْمُونُ بِجَمْعِهِ فَجُمِعَ، فَأَعْطَاهُ بُورَانَ وَقَالَ: سَلِي حَوَائِجَكِ. فَأَمْسَكَتْ، فَقَالَتْ جَدَّتُهَا: سَلِي سَيِّدَكِ فَقَدْ أَمَرَكِ. فَسَأَلَتْهُ الرِّضَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. وَسَأَلَتْهُ الْإِذْنَ لِأُمِّ جَعْفَرٍ فِي الْحَجِّ، فَأَذِنَ لَهَا، وَأَلْبَسَتْهَا أُمُّ جَعْفَرٍ الْبَدْلَةَ اللُّؤْلُئِيَّةَ الْأُمَوِيَّةَ، وَابْتَنَى بِهَا فِي لَيْلَتِهِ، وَأُوقِدَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ شَمْعَةُ عَنْبَرٍ فِيهَا أَرْبَعُونَ مَنًا.
وَأَقَامَ الْمَأْمُونُ عِنْدَ الْحَسَنِ سَبْعَةَ (عَشَرَ يَوْمًا) ، يُعِدُّ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ وَلِجَمِيعِ مَنْ مَعَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَخَلَعَ الْحَسَنُ عَلَى الْقُوَّادِ عَلَى مَرَاتِبِهِمْ، وَحَمَلَهُمْ، وَوَصَلَهُمْ، وَكَانَ مَبْلَغُ مَا لَزِمَهُ خَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَكَتَبَ الْحَسَنُ أَسْمَاءَ ضِيَاعِهِ فِي رِقَاعٍ، وَنَثَرَهَا عَلَى الْقُوَّادِ، فَمَنْ وَقَعَتْ بِيَدِهِ رُقْعَةٌ مِنْهَا فِيهَا اسْمُ ضَيْعَةٍ بُعِثَ فَتَسَلَّمَهَا.
ذِكْرُ مَسِيرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ إِلَى مِصْرَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ (إِلَى مِصْرَ، وَافْتَتَحَهَا) ، وَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ السَّرِيِّ.
وَكَانَ سَبَبَ مَسِيرِهِ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ قَدْ كَانَ تَغَلَّبَ عَلَى مِصْرَ، وَخَلَعَ الطَّاعَةَ، وَخَرَجَ جَمْعٌ مِنَ الْأَنْدَلُسِ فَتَغَلَّبُوا عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَاشْتَغَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ عَنْهُمْ بِمُحَارَبَةِ نَصْرِ بْنِ شَبَثٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ سَارَ نَحْوَ مِصْرَ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهَا عَلَى مَرْحَلَةٍ قَدَّمَ قَائِدًا مِنْ قُوَّادِهِ
следующие страницы →