Полный текст (6 163 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عَشْرٍ وَمِائَتَيْنِ]
٢١٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عَشْرٍ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ ظَفَرِ الْمَأْمُونِ بِابْنِ عَائِشَةَ
وَفِيهَا ظَفِرَ الْمَأْمُونُ بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، الْإِمَامِ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ عَائِشَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْإِفْرِيقِيِّ، وَمَالِكِ بْنِ شَاهِي، وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِمَّنْ كَانَ يَسْعَى فِي الْبَيْعَةِ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ.
وَكَانَ الَّذِي أَطْلَعَهُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى صَنِيعِهِمْ عِمْرَانُ الْقُطْرَبُّلِيُّ، وَكَانُوا (اتَّعَدُوا أَنْ) يَقْطَعُوا الْجِسْرَ إِذَا خَرَجَ الْجُنْدُ يَتَلَقَّوْنَ نَصْرَ بْنَ شَبَثٍ، (فَنَمَّ عَلَيْهِمْ عِمْرَانُ، فَأُخِذُوا فِي صَفَرٍ، وَدَخَلَ نَصْرُ بْنُ شَبَثٍ) بَغْدَاذَ، وَلَمْ يَلْقَهُ أَحَدٌ مِنَ الْجُنْدِ، فَأُخِذَ ابْنُ عَائِشَةَ، فَأُقِيمَ عَلَى بَابِ الْمَأْمُونِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الشَّمْسِ، ثُمَّ ضَرَبَهُ بِالسِّيَاطِ وَحَبَسَهُ، وَضَرَبَ مَالِكَ بْنَ شَاهِي وَأَصْحَابَهُ، فَكَتَبُوا لِلْمَأْمُونِ بِأَسْمَاءِ مَنْ دَخَلَ مَعَهُمْ فِي هَذَا الْأَمْرِ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ، فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُمُ الْمَأْمُونُ، وَقَالَ: لَا آمَنُ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ قَذَفُوا قَوْمًا بِرَاءً.
ثُمَّ إِنَّهُ قَتَلَ ابْنَ عَائِشَةَ وَابْنَ شَاهِي وَرَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِمَا، وَكَانَ سَبَبَ قَتْلِهِمْ أَنَّ الْمَأْمُونَ بَلَغَهُ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَنْقُبُوا السِّجْنَ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ قَدْ سَدُّوا بَابَ السِّجْنِ، فَلَمْ يَدَعُوا أَحَدًا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمَأْمُونَ خَبَرُهُمْ رَكِبَ إِلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ، فَأَخَذَهُمْ، فَقَتَلَهُمْ صَبْرًا، وَصَلَبَ ابْنَ عَائِشَةَ، وَهُوَ أَوَّلُ عَبَّاسِيٍّ صُلِبَ فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أُنْزِلَ وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ قُرَيْشٍ.
стр. 2907
ذِكْرُ الظَّفَرِ بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، أُخِذَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ، وَهُوَ مُتَنَقِّبٌ مَعَ امْرَأَتَيْنِ، وَهُوَ فِي زِيِّ امْرَأَةٍ، أَخَذَهُ حَارِسٌ أَسْوَدُ لَيْلًا، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَنْتُنَّ، وَأَيْنَ تُرِدْنَ هَذَا الْوَقْتَ؟ فَأَعْطَاهُ إِبْرَاهِيمُ خَاتَمَ يَاقُوتٍ كَانَ فِي يَدِهِ لَهُ قَدْرٌ عَظِيمٌ لِيُخَلِّيَهُنَّ وَلَا يَسْأَلَهُنَّ، فَلَمَّا نَظَرَ الْحَارِسُ إِلَى الْخَاتَمِ اسْتَرَابَهُنَّ، وَقَالَ: خَاتَمُ رَجُلٍ لَهُ شَأْنٌ، وَرَفَعَهُنَّ إِلَى صَاحِبِ الْمَسْلَحَةِ، فَأَمَرَهُنَّ أَنْ يُسْفِرْنَ، فَامْتَنَعَ إِبْرَاهِيمُ، فَجَذَبَهُ، فَبَدَتْ لِحْيَتُهُ، فَدَفَعَهُ إِلَى صَاحِبِ الْجِسْرِ، فَعَرَفَهُ، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى بَابِ الْمَأْمُونِ وَأَعْلَمَهُ بِهِ، فَأَمَرَ بِالِاحْتِفَاظِ بِهِ إِلَى بُكْرَةٍ.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أُقْعِدُ إِبْرَاهِيمُ فِي دَارِ الْمَأْمُونِ وَالْمَقْنَعَةُ الَّتِي تَقَنَّعَ بِهَا فِي عُنُقِهِ، وَالْمِلْحَفَةُ عَلَى صَدْرِهِ لِيَرَاهُ بَنُو هَاشِمٍ وَالنَّاسُ، وَيَعْلَمُوا كَيْفَ أُخِذَ، ثُمَّ حَوَّلَهُ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، فَحَبَسَهُ عِنْدَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مَعَهُ، لَمَّا سَارَ إِلَى فَمِ الصُّلْحِ، إِلَى الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، فَشَفَعَ فِيهِ الْحَسَنُ، وَقِيلَ: ابْنَتُهُ بُورَانُ.
وَقِيلَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أُخِذَ حُمِلَ إِلَى دَارِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُعْتَصِمِ، وَكَانَ الْمُعْتَصِمُ عِنْدَ الْمَأْمُونِ، فَحُمِلَ رَدِيفًا لِفَرَحٍ التُّرْكِيِّ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى الْمَأْمُونِ قَالَ: هِيهِ يَا إِبْرَاهِيمُ! فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلِيُّ الثَّأْرُ مُحَكَّمٌ فِي الْقِصَاصِ، وَالْعَفْوُ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى، وَمَنْ تَنَاوَلَهُ الِاغْتِرَارُ بِمَا مُدَّ لَهُ مِنْ أَسْبَابِ الشَّقَاءِ، أَمْكَنَ عَادِيَةَ الدَّهْرِ مِنْ نَفْسِهِ، وَقَدْ جَعَلَكَ اللَّهُ فَوْقَ كُلِّ ذِي ذَنْبٍ، كَمَا جُعِلَ كُلُّ ذِي ذَنْبٍ دُونَكَ، فَإِنْ تُعَاقِبْ فَبِحَقِّكَ، وَإِنْ تَعْفُ فَبِفَضْلِكَ. قَالَ: بَلْ أَعْفُو يَا إِبْرَاهِيمُ. فَكَبَّرَ وَسَجَدَ.
وَقِيلَ: بَلْ كَتَبَ إِبْرَاهِيمُ هَذَا الْكَلَامَ إِلَى الْمَأْمُونِ وَهُوَ مُتَخَفٍّ، فَوَقَّعَ الْمَأْمُونُ فِي رُقْعَتِهِ: الْقُدْرَةُ تُذْهِبُ الْحَفِيظَةَ، وَالنَّدَمُ تَوْبَةٌ، وَبَيْنَهُمَا عَفْوُ اللَّهِ وَهُوَ أَكْبَرُ مَا يُسْأَلُهُ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ يَمْدَحُ الْمَأْمُونَ:
يَا خَيْرَ مَنْ ذَمَلَتْ يَمَانِيَةٌ بِهِ ... بَعْدَ النَّبِيِّ لِآيِسٍ أَوْ طَامِعِ
стр. 2908
وَأَبَرَّ مَنْ عَبَدَ الْإِلَهَ عَلَى التُّقَى
غَيْبًا وَأَقْوَلَهُ بِحَقٍّ صَادِعِ ... عَسَلُ الْفَوَارِعِ مَا أُطِعْتَ فَإِنْ تُهَجْ
فَالصَّابُّ يُمْزَجُ بِالسِّمَامِ النَّاقِعِ ... مُتَيَقِّظًا حَذِرًا وَمَا تَخْشَى الْعِدَى
نَبْهَانَ مِنْ وَسَنَاتِ لَيْلِ الْهَاجِعِ ... مُلِئَتْ قُلُوبُ النَّاسِ مِنْكَ مَخَافَةً
وَتَبِيتُ تَكْلَؤُهُمْ بِقَلْبٍ خَاشِعِ ... بِأَبِي وَأُمِّي فِدْيَةً وَأَبِيهِمَا
مِنْ كُلِّ مُعْضِلَةٍ وَذَنْبٍ وَاقِعِ ... مَا أَلْيَنَ الْكَنَفَ الَّذِي بَوَّأْتَنِي
وَطَنًا وَأَمْرَعَ رَبْعَهُ لِلرَّاتِعِ ... لِلصَّالِحَاتِ أَخًا جُعِلْتَ وَلِلتُّقَى
وَأَبًا رَءُوفًا لِلْفَقِيرِ الْقَانِعِ ... نَفْسِي فِدَاؤُكَ إِذْ تَضِلُّ مَعَاذِرِي
وَأَلُوذُ مِنْكَ بِفَضْلِ حِلْمٍ وَاسِعِ ... أَمَلًا لِفَضْلِكَ، وَالْفَوَاضِلُ شِيمَةٌ
رَفَعَتْ بِنَاءَكَ لِلْمَحَلِّ الْيَافِعِ ... فَبَذَلْتَ أَفْضَلَ مَا يَضِيقُ بِبَذْلِهِ
وُسْعُ النُّفُوسِ مِنَ الْفِعَالِ الْبَارِعِ ... وَعَفَوْتَ عَمَّنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ مِثْلِهِ
عَفْوٌ وَلَمْ يَشْفَعْ إِلَيْكَ بِشَافِعِ ... إِلَّا الْعُلُوَّ عَنِ الْعُقُوبَةِ بَعْدَمَا
ظَفِرَتْ يَدَاكَ بِمُسْتَكِينٍ خَاضِعِ ... فَرَحِمْتَ أَطْفَالًا كَأَفْرَاخِ الْقَطَا
وَعَوِيلَ عَانِسَةٍ كَقَوْسِ النَّازِعِ ... وَعَطَفْتَ آصِرَةً عَلَيَّ كَمَا وَهَى
بَعْدَ انْهِيَاضِ الْوَثْيِ عَظْمُ الظَّالِعِ
стр. 2909
اللَّهُ يَعْلَمُ مَا أَقُولُ كَأَنَّهَا ... جَهْدُ الْأَلِيَّةِ مِنْ حَنِيفٍ رَاكِعِ
مَا إِنْ عَصَيْتُكَ وَالْغُوَاةُ تَقُودُنِي ... أَسْبَابُهَا إِلَّا بِنِيَّةِ طَائِعِ
حَتَّى إِذَا عَلِقَتْ حَبَائِلُ شِقْوَتِي ... بِرَدِّي إِلَى حُفَرِ الْمَهَالِكِ هَائِعِ
لَمْ أَدْرِ أَنَّ لِمِثْلِ جُرْمِي غَافِرًا ... فَوَقَفْتُ أَنْظُرُ أَيُّ حَتْفٍ صَارِعِي
رَدَّ الْحَيَاةَ عَلَيَّ بَعْدَ ذَهَابِهَا ... وَرَعُ الْإِمَامِ الْقَادِرِ الْمُتَوَاضِعِ
أَحْيَاكَ مَنْ وَلَّاكَ أَفْضَلَ مُدَّةٍ ... وَرَمَى عَدُوَّكَ فِي الْوَتِينِ بِقَاطِعِ
كَمْ مِنْ يَدٍ لَكَ لَمْ تُحَدِّثْنِي بِهَا ... نَفْسِي إِذَا آلَتْ إِلَيَّ مَطَامِعِي
أَسْدَيْتَهَا عَفْوًا إِلَيَّ هَنِيئَةً ... وَشَكَرْتُ مُصْطَنَعًا لِأَكْرَمِ صَانِعِ
إِلَّا يَسِيرًا عِنْدَمَا أَوْلَيْتَنِي ... وَهُوَ الْكَبِيرُ لَدَيَّ غَيْرُ الضَّائِعِ
إِنْ أَنْتَ جُدْتَ بِهَا عَلَيَّ تَكُنْ لَهَا ... أَهْلًا وَإِنْ تَمْنَعْ فَأَكْرَمُ مَانِعِ
إِنَّ الَّذِي قَسَمَ الْخِلَافَةَ حَازَهَا ... مِنْ صُلْبِ آدَمَ لِلْإِمَامِ السَّابِعِ
جَمَعَ الْقُلُوبَ عَلَيْكَ جَامِعُ أَمْرِهَا ... وَحَوَى رِدَاؤُكَ كُلَّ خَيْرٍ جَامِعِ
فَذُكِرَ أَنَّ الْمَأْمُونَ قَالَ حِينَ أَنْشَدَهُ هَذِهِ الْقَصِيدَةَ: أَقُولُ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ:
стр. 2910
﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] .
ذِكْرُ بِنَاءِ الْمَأْمُونِ بِبُورَانَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَنَى الْمَأْمُونُ بِبُورَانَ ابْنَةِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ فِي رَمَضَانَ، وَكَانَ الْمَأْمُونُ سَارَ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَى فَمِ الصُّلْحِ إِلَى مُعَسْكَرِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، فَنَزَلَهُ، وَزُفَّتْ إِلَيْهِ بُورَانُ، فَلَمَّا دَخَلَ إِلَيْهَا الْمَأْمُونُ كَانَ عِنْدَهَا حَمْدُونَةُ بِنْتُ الرَّشِيدِ، وَأُمُّ جَعْفَرٍ زُبَيْدَةُ أُمُّ الْأَمِينِ، وَجَدَّتُهَا أُمُّ الْفَضْلِ، وَالْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ.
فَلَمَّا دَخَلَ نَثَرَتْ عَلَيْهِ جَدَّتُهَا أَلْفَ لُؤْلُؤَةٍ مِنْ أَنْفَسِ مَا يَكُونُ، فَأَمَرَ الْمَأْمُونُ بِجَمْعِهِ فَجُمِعَ، فَأَعْطَاهُ بُورَانَ وَقَالَ: سَلِي حَوَائِجَكِ. فَأَمْسَكَتْ، فَقَالَتْ جَدَّتُهَا: سَلِي سَيِّدَكِ فَقَدْ أَمَرَكِ. فَسَأَلَتْهُ الرِّضَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. وَسَأَلَتْهُ الْإِذْنَ لِأُمِّ جَعْفَرٍ فِي الْحَجِّ، فَأَذِنَ لَهَا، وَأَلْبَسَتْهَا أُمُّ جَعْفَرٍ الْبَدْلَةَ اللُّؤْلُئِيَّةَ الْأُمَوِيَّةَ، وَابْتَنَى بِهَا فِي لَيْلَتِهِ، وَأُوقِدَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ شَمْعَةُ عَنْبَرٍ فِيهَا أَرْبَعُونَ مَنًا.
وَأَقَامَ الْمَأْمُونُ عِنْدَ الْحَسَنِ سَبْعَةَ (عَشَرَ يَوْمًا) ، يُعِدُّ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ وَلِجَمِيعِ مَنْ مَعَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَخَلَعَ الْحَسَنُ عَلَى الْقُوَّادِ عَلَى مَرَاتِبِهِمْ، وَحَمَلَهُمْ، وَوَصَلَهُمْ، وَكَانَ مَبْلَغُ مَا لَزِمَهُ خَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَكَتَبَ الْحَسَنُ أَسْمَاءَ ضِيَاعِهِ فِي رِقَاعٍ، وَنَثَرَهَا عَلَى الْقُوَّادِ، فَمَنْ وَقَعَتْ بِيَدِهِ رُقْعَةٌ مِنْهَا فِيهَا اسْمُ ضَيْعَةٍ بُعِثَ فَتَسَلَّمَهَا.
ذِكْرُ مَسِيرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ إِلَى مِصْرَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ (إِلَى مِصْرَ، وَافْتَتَحَهَا) ، وَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ السَّرِيِّ.
وَكَانَ سَبَبَ مَسِيرِهِ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ قَدْ كَانَ تَغَلَّبَ عَلَى مِصْرَ، وَخَلَعَ الطَّاعَةَ، وَخَرَجَ جَمْعٌ مِنَ الْأَنْدَلُسِ فَتَغَلَّبُوا عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَاشْتَغَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ عَنْهُمْ بِمُحَارَبَةِ نَصْرِ بْنِ شَبَثٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ سَارَ نَحْوَ مِصْرَ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهَا عَلَى مَرْحَلَةٍ قَدَّمَ قَائِدًا مِنْ قُوَّادِهِ
стр. 2911
إِلَيْهَا لِيَنْظُرَ مَوْضِعًا يُعَسْكِرُ فِيهِ.
وَكَانَ ابْنُ السَّرِيِّ قَدْ خَنْدَقَ عَلَى مِصْرَ خَنْدَقًا، فَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِهِ مِنْ وُصُولِ الْقَائِدِ إِلَى مَا قَرُبَ مِنْهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فِي أَصْحَابِهِ، فَالْتَقَى هُوَ وَالْقَائِدُ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَانَ الْقَائِدُ فِي قِلَّةٍ، فَجَالَ أَصْحَابُهُ، وَسَيَّرَ بَرِيدًا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ بِخَبَرِهِ، فَحَمَلَ عَبْدُ اللَّهِ الرِّجَالَ عَلَى الْبِغَالِ، وَجَنَّبُوا الْخَيْلَ، وَأَسْرَعُوا السَّيْرَ، فَلَحِقُوا بِالْقَائِدِ وَهُوَ يُقَاتِلُ ابْنَ السَّرِيِّ، فَلَمَّا رَأَى ابْنُ السَّرِيِّ ذَلِكَ لَمْ يَصْبِرْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَانْهَزَمَ عَنْهُمْ، وَتَسَاقَطَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ فِي الْخَنْدَقِ، فَمَنْ هَلَكَ مِنْهُمْ بِسُقُوطِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ كَانَ أَكْثَرَ مِمَّنْ قَتَلَهُ الْجُنْدُ بِالسَّيْفِ.
وَدَخَلَ ابْنُ السَّرِيِّ مِصْرَ، وَأَغْلَقَ الْبَابَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ، وَحَاصَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَلَمْ يَعُدِ ابْنُ السَّرِيِّ يَخْرُجُ إِلَيْهِ، وَأَنْفَذَ إِلَيْهِ أَلْفَ وَصَيْفٍ وَوَصِيفَةٍ، مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَلْفُ دِينَارٍ، فَسَيَّرَهُمْ لَيْلًا، فَرَدَّهُمُ ابْنُ طَاهِرٍ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: لَوْ قَبِلْتُ هَدِيَّتَكَ نَهَارًا لَقَبِلْتُهَا لَيْلًا ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ - ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٦ - ٣٧] . قَالَ: فَحِينَئِذٍ طَلَبَ الْأَمَانَ. وَقِيلَ: كَانَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ.
وَذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ عَنْ أَبِي السَّمْرَاءِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ إِلَى مِصْرَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بَيْنَ الرَّمْلَةِ وَدِمَشْقَ إِذْ نَحْنُ بِأَعْرَابِيٍّ قَدِ اعْتَرَضَ، فَإِذَا شَيْخٌ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، فَرَدَدْنَا ﵇، قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الرَّافِقِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ أَبِي رِبْعِيٍّ، وَنَحْنُ نُسَايِرُ الْأَمِيرَ، وَكُنَّا أَفْرَهَ مِنْهُ دَابَّةً، وَأَجُودَ كُسْوَةً، قَالَ: فَجَعَلَ الْأَعْرَابِيُّ يَنْظُرُ إِلَى وُجُوهِنَا، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا شَيْخُ، قَدْ أَلْحَحْتَ فِي النَّظَرِ، أَعَرَفْتَ شَيْئًا أَنْكَرْتَهُ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، مَا عَرَفْتُكُمْ قَبْلَ يَوْمِي هَذَا، وَلَكِنِّي رَجُلٌ حَسَنُ الْفِرَاسَةِ فِي النَّاسِ. قَالَ: فَأَشَرْتُ إِلَى إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي رِبْعِيٍّ، وَقُلْتُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا؟ فَقَالَ:
أَرَى كَاتِبًا دَاهِي الْكِتَابَةِ بَيِّنٌ ... عَلَيْهِ، وَتَأْدِيبُ الْعِرَاقِ مُنِيرُ
لَهُ حَرَكَاتٌ قَدْ يُشَاهِدْنَ أَنَّهُ ... عَلِيمٌ بِتَقْسِيطِ الْخَرَاجِ بَصِيرُ
وَنَظَرَ إِلَى إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّافِقِيِّ فَقَالَ:
стр. 2912
وَمُظْهِرُ نُسْكٍ مَا عَلَيْهِ ضَمِيرُهُ ... يُحِبُّ الْهَدَايَا، بِالرِّجَالِ مَكُورُ
إِخَالُ بِهِ جُبْنًا وَبُخْلًا ... وَشِيمَةً تُخْبِرُ عَنْهُ إِنَّهُ لَوَزِيرُ
ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ وَقَالَ:
وَهَذَا نَدِيمٌ لِلْأَمِيرِ وَمُؤْنِسٌ ... يَكُونُ لَهُ بِالْقُرْبِ مِنْهُ سُرُورُ
وَأَحْسَبُهُ لِلشِّعْرِ وَالْعِلْمِ رَاوِيًا ... فَبَعْضُ نَدِيمٍ مَرَّةً وَسَمِيرُ
ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْأَمِيرِ وَقَالَ:
وَهَذَا الْأَمِيرُ الْمُرْتَجَى سَيْبُ كَفِّهِ ... فَمَا إِنْ لَهُ فِي الْعَالَمِينَ نَظِيرُ
عَلَيْهِ رِدَاءٌ مِنْ جَمَالٍ وَهَيْبَةٍ ... وَوَجْهٌ بِإِدْرَاكِ النَّجَاحِ بَشِيرُ
لَقَدْ عَظُمَ الْإِسْلَامُ مِنْهُ بِذِي يَدٍ ... فَقَدْ عَاشَ مَعْرُوفٌ وَمَاتَ نَكِيرُ
أَلَا إِنَّمَا عَبْدُ الْإِلَهِ ابْنُ طَاهِرٍ ... لَنَا وَالِدٌ بَرٌّ بِنَا، وَأَمِيرُ
قَالَ: فَوَقَعَ ذَلِكَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ أَحْسَنَ مَوْقِعٍ، وَأَعْجَبَهُ، وَأَمَرَ لِلشَّيْخِ بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَصْحَبَهُ.
ذِكْرُ فَتْحِ عَبْدِ اللَّهِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ مَنْ كَانَ تَغَلَّبَ عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ (مِنْ أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ) بِأَمَانٍ، وَكَانُوا قَدْ أَقْبَلُوا فِي مَرَاكِبَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ فِي جَمْعٍ، وَالنَّاسُ فِي فِتْنَةِ ابْنِ السَّرِيِّ وَغَيْرِهِ، فَرَسَوْا بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَرَئِيسُهِمْ يُدْعَى أَبَا حَفْصٍ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهَا حَتَّى قَدِمَ ابْنُ طَاهِرٍ، فَأَرْسَلَ يُؤْذِنُهُمْ بِالْحَرْبِ إِنْ هُمْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الطَّاعَةِ، فَأَجَابُوهُ، وَسَأَلُوهُ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يَرْتَحِلُوا عَنْهَا إِلَى بَعْضِ أَطْرَافِ الرُّومِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَأَعْطَاهُمُ الْأَمَانَ عَلَى ذَلِكَ، فَرَحَلُوا، وَنَزَلُوا بِجَزِيرَةِ إِقْرِيطِشَ، وَاسْتَوْطَنُوهَا، وَأَقَامُوا بِهَا، فَأَعْقَبُوا وَتَنَاسَلُوا.
قَالَ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى: أَقْبَلَ إِلَيْنَا فَتًى حَدَثٌ مِنَ الْمَشْرِقِ - يَعْنِي ابْنَ طَاهِرٍ -
стр. 2913
وَالدُّنْيَا عِنْدَنَا مَفْتُونَةٌ، قَدْ غَلَبَ عَلَى كُلِّ نَاحِيَةٍ مِنْ بِلَادِنَا غَالِبٌ، وَالنَّاسُ فِي بَلَاءٍ، فَأَصْلَحَ الدُّنْيَا، وَأَمَّنَ الْبَرِيءَ، وَأَخَافَ السَّقِيمَ، وَاسْتَوْسَقَتْ لَهُ الرَّعِيَّةُ بِالطَّاعَةِ.
ذِكْرُ خَلْعِ أَهْلِ قُمَّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَلَعَ أَهَلُ قُمَّ الْمَأْمُونَ، وَمَنَعُوا الْخَرَاجَ، فَكَانَ سَبَبَهُ أَنَّ الْمَأْمُونَ لَمَّا سَارَ مِنْ خُرَاسَانَ إِلَى الْعِرَاقِ أَقَامَ بِالرَّيِّ (عِدَّةَ أَيَّامٍ) وَأَسْقَطَ عَنْهُمْ شَيْئًا مِنْ خَرَاجِهِمْ، فَطَمِعَ أَهْلُ قُمَّ أَنْ يَصْنَعَ بِهِمْ كَذَلِكَ، فَكَتَبُوا إِلَيْهِ يَسْأَلُونَهُ الْحَطِيطَةَ، وَكَانَ خَرَاجُهُمْ أَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَلَمْ يُجِبْهُمُ الْمَأْمُونُ إِلَى مَا سَأَلُوا، فَامْتَنَعُوا مِنْ أَدَائِهِ، فَوَجَّهَ الْمَأْمُونُ إِلَيْهِمْ عَلِيَّ بْنَ هِشَامٍ، وَعُجَيْفَ بْنَ عَنْبَسَةَ، فَحَارَبَهُمْ، (فَظَفَرَا بِهِمْ) وَقُتِلَ يَحْيَى بْنُ عِمْرَانَ، وَهُدِمَ سُورُ الْمَدِينَةِ، وَجَبَاهَا عَلَى سَبْعَةِ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَكَانُوا يَتَظَلَّمُونَ مِنْ أَلْفَيْ أَلْفٍ.
ذِكْرُ مَا كَانَ بِالْأَنْدَلُسِ مِنَ الْحَوَادِثِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ سَرِيَّةً كَبِيرَةً إِلَى بِلَادِ الْفِرِنْجِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عُبَيْدَ اللَّهِ الْمَعْرُوفَ بِابْنِ الْبَلَنْسِيِّ، فَسَارَ وَدَخَلَ بِلَادَ الْعَدُوِّ، وَتَرَدَّدَ فِيهَا بِالْغَارَاتِ، وَالسَّبْيِ، وَالْقَتْلِ، وَالْأَسْرِ، وَلَقِيَ الْجُيُوشُ الْأَعْدَاءَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ، وَكَانَ فَتْحًا عَظِيمًا.
وَفِيهَا افْتَتَحَ عَسْكَرٌ - سَيَّرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَيْضًا - حِصْنَ الْقَلْعَةِ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ، وَتَرَدَّدَ فِيهَا بِالْغَارَاتِ مُنْتَصَفَ شَهْرِ رَمَضَانَ.
وَفِيهَا أَمَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ بِجَيَّانَ.
وَفِيهَا أَخَذَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ رَهَائِنَ أَبِي الشَّمَّاخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ مُقَدِّمِ الْيَمَانِيَّةَ
стр. 2914
بِتُدْمِيرَ، لِيُسَكِّنَ الْفِتْنَةَ بَيْنَ الْمُضَرِيَّةِ وَالْيَمَانِيَّةِ، فَلَمْ يَنْزَجِرُوا، وَدَامَتِ الْفِتْنَةُ، فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ ذَلِكَ أَمَرَ الْعَامِلَ بِتُدْمِيرَ أَنْ يُنْقَلَ مِنْهَا، وَيَجْعَلَ مُرْسِيَةَ مَنْزِلًا يَنْزِلُهُ الْعُمَّالُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَصَارَتْ مُرْسِيَةُ هِيَ قَاعِدَةُ تِلْكَ الْبِلَادِ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَدَامَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَهُمْ إِلَى سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، فَسَيَّرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَيْهِمْ جَيْشًا، فَأَذْعَنَ أَبُو الشَّمَّاخِ وَأَطَاعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ،، وَسَارَ إِلَيْهِ، وَصَارَ مِنْ جُمْلَةِ قُوَّادِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَانْقَطَعَتِ الْفِتْنَةُ مِنْ نَاحِيَةِ تُدْمِيرَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ شَهْرَيَارُ بْنُ شَرَوِينَ، (صَاحِبُ جِبَالِ طَبَرِسْتَانَ) ، وَصَارَ فِي مَوْضِعِهِ ابْنُهُ سَابُورُ، فَقَاتَلَهُ مَازْيَارُ بْنُ قَارَنَ، فَأَسَرَهُ وَقَتَلَهُ، وَصَارَتِ الْجِبَالُ فِي يَدِ مَازْيَارَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ صَالِحُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ وَالِي مَكَّةَ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَتْ عَلِيَّةُ بِنْتُ الْمَهْدِيِّ، مَوْلِدُهَا سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ زَوْجَهَا مُوسَى بْنُ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ (بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ) ، فَوَلَدَتْ مِنْهُ.
стр. 2915
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ]
٢١١ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أُدْخِلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ السَّرِيِّ بَغْدَاذَ، وَأُنْزِلَ مَدِينَةَ الْمَنْصُورِ، وَأَقَامَ ابْنُ طَاهِرٍ بِمِصْرَ وَالِيًا عَلَيْهَا وَعَلَى الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ، وَقَالَ لِلْمَأْمُونِ بَعْضُ إِخْوَتِهِ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَاهِرٍ يَمِيلُ إِلَى وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَذَا كَانَ أَبُوهُ قَبْلَهُ. فَأَنْكَرَ الْمَأْمُونُ ذَلِكَ، فَعَاوَدَهُ أَخُوهُ، فَوَضَعَ الْمَأْمُونُ رَجُلًا قَالَ لَهُ: امْشِ فِي هَيْئَةِ الْقُرَّاءِ وَالنُّسَّاكِ إِلَى مِصْرَ، فَادْعُ جَمَاعَةً مِنْ كُبَرَائِهَا إِلَى الْقَاسِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَبَاطَبَا، ثُمَّ صِرْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ فَادْعُهُ إِلَيْهِ، وَاذْكُرْ لَهُ مَنَاقِبَهُ، وَرَغِّبْهُ فِيهِ، وَابْحَثْ عَنْ بَاطِنِهِ، وَأْتِنِي بِمَا تَسْمَعُ.
فَفَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِكَ، فَاسْتَجَابَ لَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِهِ، فَقَعَدَ بِبَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، فَلَمَّا رَكِبَ قَامَ إِلَيْهِ فَأَعْطَاهُ رُقْعَةً، فَلَمَّا عَادَ إِلَى مَنْزِلِهِ أَحْضَرَهُ قَالَ: قَدْ فَهِمْتُ مَا فِي رُقْعَتِكَ، فَهَاتِ مَا عِنْدَكَ! فَقَالَ: وَلِي أَمَانُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ! فَدَعَاهُ إِلَى الْقَاسِمِ، وَذَكَرَ فَضْلَهُ وَزُهْدَهُ وَعِلْمَهُ.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَتُنْصِفُنِي؟ قَالَ: نَعَمْ! قَالَ: هَلْ يَجِبُ شُكْرُ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتَجِيءُ إِلَيَّ وَأَنَا فِي هَذِهِ الْحَالِ لِي خَاتَمٌ فِي الْمَشْرِقِ جَائِزٌ، وَخَاتَمٌ فِي الْمَغْرِبِ جَائِزٌ، وَفِيمَا بَيْنَهُمَا أَمْرِي مُطَاعٌ، ثُمَّ مَا أَلْتَفِتُ عَنْ يَمِينِي وَلَا شِمَالِي، وَوَرَائِي وَأَمَامِي إِلَّا رَأَيْتُ نِعْمَةً لِرَجُلٍ أَنْعَمَهَا عَلَيَّ، وَمِنَّةً خَتَمَ بِهَا رَقَبَتِي، وَيَدًا لَائِحَةً بَيْضَاءَ ابْتَدَأَنِي بِهَا تَفَضُّلًا وَكَرَمًا، تَدْعُونِي إِلَى أَنْ أَكْفُرَ بِهَذِهِ النِّعَمِ وَهَذَا الْإِحْسَانِ، وَتَقُولُ: اغْدِرْ بِمَنْ كَانَ أَوْلَى لِهَذَا وَأَحْرَى، وَاسْعَ (فِي إِزَالَةِ خَيْطِ عُنُقِهِ) ، وَسَفْكِ دَمِهِ، تَرَاكَ لَوْ دَعَوْتَنِي إِلَى الْجَنَّةِ عِيَانًا أَكَانَ اللَّهُ يُحِبُّ أَنْ أَغْدِرَ بِهِ، وَأَكْفُرَ إِحْسَانَهُ، وَأَنْكُثَ بَيْعَتَهُ؟
فَسَكَتَ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: مَا أَخَافُ عَلَيْكَ إِلَّا نَفْسَكَ، فَارْحَلْ عَنْ هَذَا الْبَلَدِ، فَإِنَّ السُّلْطَانَ الْأَعْظَمَ إِنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ كُنْتَ الْجَانِيَ عَلَى نَفْسِكَ وَنَفْسِ غَيْرِكَ.
стр. 2916
فَلَمَّا أَيِسَ مِنْهُ جَاءَ إِلَى الْمَأْمُونِ فَأَخْبَرَهُ، فَاسْتَبْشَرَ وَقَالَ: ذَلِكَ غَرْسُ يَدِي، وَإِلْفُ أَدَبِي، وَتِرْبُ تَلْقِيحِي. وَلَمْ يُظْهِرْ ذَلِكَ، وَلَا عَلِمَهُ ابْنُ طَاهِرٍ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمَأْمُونِ، وَكَانَ هَذَا الْقَائِلُ لِلْمَأْمُونِ الْمُعْتَصِمَ، فَإِنَّهُ كَانَ مُنْحَرِفًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ.
ذِكْرُ قَتْلِ السَّيِّدِ بْنِ أَنَسٍ
وَفِيهَا قُتِلَ السَّيِّدُ بْنُ أَنَسٍ الْأَزْدِيُّ أَمِيرُ الْمَوْصِلِ، وَسَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّ زُرَيْقَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ صَدَقَةَ الْأَزْدِيَّ الْمَوْصِلِيَّ كَانَ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَى الْجِبَالِ مَا بَيْنَ الْمَوْصِلِ وَأَذْرَبِيجَانَ، وَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّيِّدِ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ، فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةَ جَمَعَ زُرَيْقٌ جَمْعًا كَثِيرًا، قِيلَ: كَانُوا أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى الْمَوْصِلِ لِحَرْبِ السَّيِّدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَالْتَقَوْا بِسُوقِ الْأَحَدِ، فَحِينَ رَآهُمُ السَّيِّدُ حَمَلَ عَلَيْهِمْ وَحْدَهُ، وَهَذِهِ كَانَتْ عَادَتُهُ أَنْ يَحْمِلَ وَحْدَهُ بِنَفْسِهِ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ زُرَيْقٍ، فَاقْتَتَلَا، فَقَتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، لَمْ يُقْتَلْ غَيْرُهُمَا.
وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ قَدْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ إِنْ رَأَى السَّيِّدَ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ فَيَقْتُلَهُ أَوْ يُقْتَلَ دُونَهُ ; لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَى زُرَيْقٍ كُلَّ سَنَةٍ مِائَةُ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقِيلَ لَهُ: بِأَيِّ سَبَبٍ تَأْخُذُ هَذَا الْمَالَ؟ فَقَالَ: لِأَنَّنِي مَتَى رَأَيْتُ السَّيِّدَ قَتَلْتُهُ، وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ فَوَفَّى بِهِ.
فَلَمَّا بَلَغَ الْمَأْمُونَ قَتْلُهُ غَضِبَ لِذَلِكَ، وَوَلَّى مُحَمَّدَ بْنَ حُمَيْدٍ الطُّوسِيَّ حَرْبَ زُرَيْقٍ وَبَابَكَ الْخُرَّمِيِّ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْمَوْصِلِ.
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بَيْنَ عَامِرٍ وَمَنْصُورٍ وَقَتْلِ مَنْصُورٍ بِإِفْرِيقِيَّةَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ عَامِرِ بْنِ نَافِعٍ وَبَيْنَ مَنْصُورِ بْنِ نَصْرٍ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْصُورًا كَانَ كَثِيرَ الْحَسَدِ. . . وَسَارَ بِهِمْ مِنْ تُونُسَ إِلَى [مَنْصُورٍ] وَهُوَ بِقَصْرِهِ بِطُنْبُذَةَ، فَحَصَرَهُ، حَتَّى فَنِيَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْمَاءِ، فَرَاسَلَهُ مَنْصُورٌ وَطَلَبَ مِنْهُ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يَرْكَبَ سَفِينَةً وَيَتَوَجَّهَ إِلَى الْمَشْرِقِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَخَرَجَ مَنْصُورٌ أَوَّلَ
стр. 2917
اللَّيْلِ مُخْتَفِيًا يُرِيدُ الْأُرْبُسَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ عَامِرٌ وَلَمْ يَرَ لِمَنْصُورٍ أَثَرًا طَلَبَهُ حَتَّى أَدْرَكَهُ، فَاقْتَتَلُوا وَانْهَزَمَ مَنْصُورٌ، وَدَخَلَ الْأُرْبُسَ فَتَحَصَّنَ بِهَا، وَحَصَرَهُ عَامِرٌ، وَنَصَبَ عَلَيْهِ مَنْجَنِيقًا.
فَلَمَّا اشْتَدَّ الْحِصَارُ عَلَى أَهْلِ الْأُرْبُسِ قَالُوا لِمَنْصُورٍ: إِمَّا أَنْ تَخْرُجَ عَنَّا، وَإِلَّا سَلَّمْنَاكَ إِلَى عَامِرٍ، فَقَدْ أَضَرَّ بِنَا الْحِصَارُ. فَاسْتَمْهَلَهُمْ حَتَّى يُصْلِحَ أَمْرَهُ، فَأَمْهَلُوهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ الْمُفَرِّجِ، وَهُوَ مِنْ قُوَّادِ الْجَيْشِ، يَسْأَلُهُ الِاجْتِمَاعَ بِهِ، فَأَتَاهُ، فَكَلَّمَهُ مَنْصُورٌ مِنْ فَوْقِ السُّورِ وَاعْتَذَرَ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ أَمَانًا مِنْ عَامِرٍ حَتَّى يَسِيرَ إِلَى الْمَشْرِقِ، فَأَجَابَهُ عَبْدُ السَّلَامِ إِلَى ذَلِكَ، وَاسْتَعْطَفَ لَهُ عَامِرًا، فَأَمَّنَهُ عَلَى أَنْ يَسِيرَ إِلَى تُونُسَ، وَيَأْخُذَ أَهْلَهُ وَحَاشِيَتَهُ وَيَسِيرَ بِهِمْ إِلَى الشَّرْقِ.
فَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَسَيَّرَهُ مَعَ خَيْلٍ إِلَى تُونُسَ، وَأَمَرَ رَسُولَهُ سِرًّا أَنْ يَسِيرَ بِهِ إِلَى مَدِينَةِ جَرْبَةَ، وَيَسْجُنَهُ بِهَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَسَجَنَ مَعَهُ أَخَاهُ حَمْدُونَ.
فَلَمَّا عَلِمَ عَبْدُ السَّلَامِ ذَلِكَ عَظُمَ عَلَيْهِ، وَكَتَبَ عَامِرٌ إِلَى أَخِيهِ، وَهُوَ عَامِلُهُ عَلَى جَرْبَةَ، يَأْمُرُهُ بِقَتْلِ مَنْصُورٍ وَأَخِيهِ حَمْدُونَ، وَلَا يُرَاجَعُ فِيهِمَا، فَحَضَرَ عِنْدَهُمَا، وَأَقْرَأَهُمَا الْكِتَابَ، فَطَلَبَ مَنْصُورٌ مِنْهُ دَوَاةً وَقِرْطَاسًا لِيَكْتُبَ وَصِيَّتَهُ، فَأَمَرَ لَهُ بِذَلِكَ، فَلَمْ يَقْدِرْ [أَنْ] يَكْتُبَ، وَقَالَ: فَازَ الْمَقْتُولُ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. ثُمَّ قَتَلَهُمَا، وَبَعَثَ بِرَأْسَيْهِمَا إِلَى أَخِيهِ، وَاسْتَقَامَتِ الْأُمُورُ لِعَامِرِ بْنِ نَافِعٍ، وَرَجَعَ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ الْمُفَرِّجِ إِلَى مَدِينَةِ بَاجَةَ، وَبَقِيَ عَامِرُ بْنُ نَافِعٍ بِمَدِينَةِ تُونُسَ، وَتُوُفِّيَ سَلْخَ رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، فَلَمَّا وَصَلَ خَبَرُهُ إِلَى زِيَادَةِ اللَّهِ قَالَ: الْآنَ وَضَعَتِ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا. وَأَرْسَلَ بَنُوهُ إِلَى زِيَادَةِ اللَّهِ يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمْ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا قَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ مَدِينَةَ السَّلَامِ، فَتَلَقَّاهُ الْعَبَّاسُ بْنُ الْمَأْمُونِ وَالْمُعْتَصِمُ، وَسَائِرُ النَّاسِ.
стр. 2918
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ مُوسَى بْنُ حَفْصٍ، فَوَلِيَ ابْنُهُ طَبَرِسْتَانَ، وَوَلِيَ حَاجِبُ بْنُ صَالِحٍ السِّنْدَ، فَهَزَمَهُ بِشْرُ بْنُ دَاوُدَ، فَانْحَازَ إِلَى كَرْمَانَ.
وَفِيهَا أَمَرَ الْمَأْمُونُ مُنَادِيًا، فَنَادَى: بَرِئَتِ الذِّمَّةُ مِمَّنْ ذَكَرَ مُعَاوِيَةَ بِخَيْرٍ، أَوْ فَضَّلَهُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ الشَّاعِرُ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ صَالِحُ بْنُ الْعَبَّاسِ وَهُوَ وَالِي مَكَّةَ.
(وَفِيهَا خَرَجَ بِأَعْمَالِ تَاكُرُنَّا مِنَ الْأَنْدَلُسِ [طَوْرِيلُ] ، فَقَصَدَ جَمَاعَةً مِنَ الْجُنْدِ قَدْ نَزَلُوا بِبَعْضِ قُرَى تَاكُرُنَّا مُمْتَارِينَ، فَقَتَلَهُمْ، وَأَخَذَ دَوَابَّهُمْ وَسِلَاحَهُمْ وَمَا مَعَهُمْ، فَسَارَ إِلَيْهِ عَامِلُهَا.
[وَفِيهَا مَاتَ] الْأَخْفَشُ النَّحْوِيُّ الْبَصْرِيُّ) .
وَفِيهَا مَاتَ طَلْقُ بْنُ غَنَّامِ النَّخَعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ، وَعَبْدُ (الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ) الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ.
стр. 2919
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ الْمُحَدِّثُ، وَهُوَ مِنْ مَشَايِخِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَكَانَ يُشَيِّعُ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ الْخُرَيْبِيُّ الْبَصْرِيُّ، وَكَانَ يَسْكُنُ الْخُرَيْبَةَ بِالْبَصْرَةِ، فَنُسِبَ إِلَيْهَا.
стр. 2920
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ]
٢١٢ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَلَى الْمَوْصِلِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَجَّهَ الْمَأْمُونُ مُحَمَّدَ بْنَ حُمَيْدٍ الطُّوسِيَّ إِلَى بَابَكَ الْخُرَّمِيِّ لِمُحَارَبَتِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ طَرِيقَهُ عَلَى الْمَوْصِلِ لِيُصْلِحَ أَمْرَهَا، وَيُحَارِبَ زُرَيْقَ بْنَ عَلِيٍّ، فَسَارَ مُحَمَّدٌ إِلَى الْمَوْصِلِ وَمَعَهُ جَيْشُهُ، وَجَمَعَ مَا فِيهَا مِنَ الرِّجَالِ مِنَ الْيَمَنِ وَرَبِيعَةَ، وَسَارَ لِحَرْبِ زُرَيْقٍ، وَمَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ السَّيِّدِ بْنِ أَنَسٍ الْأَزْدِيُّ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى زُرَيْقٍ، فَسَارَ نَحْوَهُمْ، فَالْتَقَوْا عَلَى الزَّابِّ، فَرَاسَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ يَدْعُوهُ إِلَى الطَّاعَةِ، فَامْتَنَعَ، فَنَاجَزَهُ مُحَمَّدٌ، وَاقْتَتَلُوا وَاشْتَدَّ قِتَالُ الْأَزْدِيِّ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ السَّيِّدِ طَلَبًا بِثَأْرِ السَّيِّدِ، فَانْهَزَمَ زُرَيْقٌ وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ أَرْسَلَ يَطْلُبُ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُ مُحَمَّدٌ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ، فَسَيَّرَهُ إِلَى الْمَأْمُونِ.
وَكَتَبَ الْمَأْمُونُ (إِلَى مُحَمَّدٍ يَأْمُرُهُ بِأَخْذِ جَمِيعِ مَالِ زُرَيْقٍ مِنْ قُرًى وَرُسْتَاقٍ، وَمَالٍ، وَغَيْرِهِ، فَأَخَذَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، فَجَمَعَ مُحَمَّدٌ أَوْلَادَ زُرَيْقٍ وَإِخْوَتَهُ، وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمَأْمُونُ) فَأَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَمَرَنِي بِهِ، وَقَدْ قَبِلْتُ مَا حَبَانِي مِنْهُ وَرَدَدْتُهُ عَلَيْكُمْ. فَشَكَرُوهُ عَلَى ذَلِكَ.
ثُمَّ سَارَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَوْصِلِ مُحَمَّدَ بْنَ السَّيِّدِ، وَقَصَدَ الْمُخَالِفِينَ الْمُتَغَلِّبِينَ عَلَى أَذْرَبِيجَانَ فَأَخَذَهُمْ، مِنْهُمْ يَعْلَى بْنُ مُرَّةَ وَنُظَرَاؤُهُ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى الْمَأْمُونِ، وَسَارَ نَحْوَ بَابَكَ الْخُرَّمِيِّ لِمُحَارَبَتِهِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَلَعَ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيَّ - وَالْمَعْرُوفُ بِالْأَحْمَرِ الْعَيْنِ - الْمَأْمُونُ
стр. 2921
بِالْيَمَنِ، فَاسْتَعْمَلَ الْمَأْمُونُ عَلَى الْيَمَنِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْمَعْرُوفَ بِأَبِي الرَّازِيِّ، وَسَيَّرَهُ إِلَيْهَا.
وَفِيهَا أَظْهَرَ الْمَأْمُونُ الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَتَفْضِيلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَى جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَقَالَ: هُوَ أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
وَفِيهَا كَانَتْ بِالْيَمَنِ زَلْزَلَةٌ شَدِيدَةٌ، فَكَانَ أَشَدُّهَا بِعَدَنَ، فَتَهَدَّمَتِ الْمَنَازِلُ، وَخَرِبَتِ الْقُرَى، وَهَلَكَ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ.
(وَفِيهَا سَيَّرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ جَيْشًا إِلَى بَلَدِ الْمُشْرِكِينَ، فَوَصَلُوا إِلَى بَرْشَلُونَةَ، ثُمَّ سَارُوا إِلَى جَرِنْدَةَ) ، وَقَاتَلَ أَهْلَهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَأَقَامَ الْجَيْشُ شَهْرَيْنِ يَنْهَبُونَ وَيُخَرِّبُونَ.
وَفِيهَا كَانَتْ سُيُولٌ عَظِيمَةٌ وَأَمْطَارٌ مُتَتَابِعَةٌ بِالْأَنْدَلُسِ، فَخَرِبَتْ أَكْثَرُ الْأَسْوَارِ بِمَدَائِنِ ثَغْرِ الْأَنْدَلُسِ، وَخَرِبَتْ قَنْطَرَةُ سَرَقُسْطَةَ، ثُمَّ جُدِّدَتْ عِمَارَتُهَا وَأُحْكِمَتْ.
(بَرْشَلُونَةُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ وَالْوَاوِ وَالنُّونِ وَالْهَاءِ) .
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ وَاقَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ، الْمَعْرُوفُ بِالْفِرْيَابِيِّ، وَهُوَ مِنْ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ.
стр. 2922
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ]
٢١٣ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ
وَفِيهَا وَلَّى الْمَأْمُونُ ابْنَهُ الْعَبَّاسَ الْجَزِيرَةَ، وَالثُّغُورَ، وَالْعَوَاصِمَ، وَوَلَّى أَخَاهُ أَبَا إِسْحَاقَ الْمُعْتَصِمَ الشَّامَ وَمِصْرَ، وَأَمَرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ بِخَمْسِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقِيلَ: لَمْ يُفَرِّقْ فِي يَوْمٍ مِنَ الْمَالِ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَلَعَ عَبْدُ السَّلَامِ وَابْنُ جَلِيسٍ الْمَأْمُونَ بِمِصْرَ فِي الْقَيْسِيَّةِ وَالْيَمَانِيَّةِ، وَظَهَرَا بِهَا، ثُمَّ وَثَبَا بِعَامِلِ الْمُعْتَصِمِ، وَهُوَ ابْنُ عُمَيْرَةَ بْنُ الْوَلِيدِ الْبَاذَغِيسِيُّ، فَقَتَلَاهُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، فَسَارَ الْمُعْتَصِمُ إِلَى مِصْرَ، وَقَاتَلَهُمَا، فَقَتَلَهُمَا وَافْتَتَحَ مِصْرَ، فَاسْتَقَامَتْ أُمُورُهَا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عُمَّالَهُ.
وَفِيهَا مَاتَ طَلْحَةُ بْنُ طَاهِرٍ بِخُرَاسَانَ.
وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الْمَأْمُونُ غَسَّانَ بْنَ عَبَّادٍ عَلَى السِّنْدِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ بِشْرَ بْنَ دَاوُدَ خَالَفَ الْمَأْمُونَ، وَجَبَى الْخَرَاجَ فَلَمْ يَحْمِلْ مِنْهُ شَيْئًا، فَعَزَمَ عَلَى تَوْلِيَةِ غَسَّانَ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَخْبَرُونِي عَنْ غَسَّانَ، فَإِنِّي أُرِيدُهُ لِأَمْرٍ عَظِيمٍ. فَأَطْنَبُوا فِي مَدْحِهِ، فَنَظَرَ الْمَأْمُونُ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ وَهُوَ سَاكِتٌ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَحْمَدُ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ذَلِكَ رَجُلٌ مَحَاسِنُهُ أَكْثَرُ مِنْ مَسَاوِئِهِ، لَا يُصْرَفُ بِهِ إِلَى طَبَقَةٍ إِلَّا انْتَصَفَ مِنْهُمْ، فَمَهْمَا تَخَوَّفْتَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَنْ يَأْتِيَ أَمْرًا يَعْتَذِرُ مِنْهُ. فَأَطْنَبَ فِيهِ، فَقَالَ: لَقَدْ مَدَحْتَهُ عَلَى سُوءِ رَأْيِكَ فِيهِ. قَالَ: لِأَنِّي كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
стр. 2923
كَفَى شُكْرًا لِمَا أَسْدَيْتَ أَنِّي ... صَدَقْتُكَ فِي الصِّدِيقِ وَفِي عُدَاتِي
قَالَ: فَأُعْجِبَ الْمَأْمُونُ مِنْ كَلَامِهِ وَأَدَبِهِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ.
وَفِيهَا قَتَلَ أَهْلُ مَارِدَةَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ عَامِلَهُمْ، فَثَارَتِ الْفِتْنَةُ عِنْدَهُمْ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ جَيْشًا، فَحَصَرَهُمْ، وَأَفْسَدَ زَرْعَهُمْ وَأَشْجَارَهُمْ، فَعَاوَدُوا الطَّاعَةَ، وَأُخِذَتْ رَهَائِنُهُمْ، وَعَادَ الْجَيْشُ بَعْدَ أَنْ خَرَّبُوا سُورَ الْمَدِينَةِ.
ثُمَّ أَرْسَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَيْهِمْ بِنَقْلِ حِجَارَةِ السُّورِ إِلَى النَّهْرِ ; لِئَلَّا يَطْمَعَ أَهْلُهَا فِي عِمَارَتِهِ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ عَادُوا إِلَى الْعِصْيَانِ، وَأَسَرُوا الْعَامِلَ عَلَيْهِمْ، وَجَدَّدُوا بِنَاءَ السُّورِ وَأَتْقَنُوهُ.
فَلَمَّا دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، فِي جُيُوشِهِ إِلَى مَارِدَةَ، وَمَعَهُ رَهَائِنُ أَهْلِهَا، فَلَمَّا بَارَزَهَا رَاسَلَهُ أَهْلُهَا، وَافْتَكُّوا رَهَائِنَهُمْ بِالْعَامِلِ الَّذِي أَسَرُوهُ وَغَيْرِهِ، وَحَصَرَهُمْ، وَأَفْسَدَ بَلَدَهُمْ وَرَحَلَ عَنْهُمْ.
ثُمَّ سَيَّرَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، فَحَصَرُوهَا، وَضَيَّقُوا عَلَيْهَا، وَدَامَ الْحِصَارُ، ثُمَّ رَحَلُوا عَنْهُمْ.
فَلَمَّا دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَيَّرَ إِلَيْهَا جَيْشًا، فَفَتَحَهَا، وَفَارَقَهَا أَهْلُ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ.
وَكَانَ مِنْ أَهْلِهَا إِنْسَانٌ اسْمُهُ مَحْمُودُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْمَارِدِيُّ، فَحَصَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الْجُنْدِ، وَصَدَقُوهُ الْقِتَالَ، فَهَزَمُوهُ وَقَتَلُوا كَثِيرًا مِنْ رِجَالِهِ، وَتَبِعَتْهُمُ الْخَيْلُ، فَأَفْنَوْهُمْ قَتْلًا وَأَسْرًا وَتَشْرِيدًا.
وَمَضَى مَحْمُودُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْمَارِدِيُّ فِيمَنْ سَلِمَ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى مُنْتِ سَالُوطَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ جَيْشًا سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَمَضَوْا هَارِبِينَ عَنْهُ إِلَى حَلْقَبَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْهَا، فَأَرْسَلَ سَرِيَّةً فِي طَلَبِهِمْ، فَقَاتَلَهُمْ مَحْمُودٌ، فَهَزَمَهُمْ، وَغَنِمَ مَا مَعَهُمْ،
стр. 2924
وَمَضَوْا لِوِجْهَتِهِمْ، فَلَقِيَهُمْ جَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُصَادَفَةً، فَقَاتَلُوهُمْ ثُمَّ كَفَّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَسَارُوا، فَلَقِيَهُمْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى، فَقَاتَلُوهُمْ، فَانْهَزَمَتِ السَّرِيَّةُ، وَغَنِمَ مَحْمُودٌ مَا فِيهَا.
وَسَارَ حَتَّى أَتَى مَدِينَةَ مِينَةَ، فَهَجَمَ عَلَيْهَا وَمَلَكَهَا، وَأَخَذَ مَا فِيهَا مِنْ دَوَابَّ وَطَعَامٍ، وَفَارَقُوهَا، فَوَصَلُوا إِلَى بِلَادِ الْمُشْرِكِينَ، فَاسْتَوْلَوْا عَلَى قَلْعَةٍ لَهُمْ، فَأَقَامُوا بِهَا خَمْسَةَ أَعْوَامٍ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، فَحَصَرَهُمْ أَذْفُونْسُ مَلِكُ الْفِرِنْجِ، فَمَلَكَ الْحِصْنَ، وَقَتَلَ مَحْمُودًا وَمَنْ مَعَهُ، وَذَلِكَ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ فِي رَجَبٍ، وَانْصَرَفَ مَنْ فِيهَا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ الْمَوْصِلِيُّ الْمُغَنِّي، وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَاهَانَ، وَالِدُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ كُوفِيًّا، وَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَلَمَّا عَادَ قِيلَ لَهُ الْمَوْصِلِيُّ، فَلَزِمَهُ.
وَعَلِيُّ بْنُ جَبَلَةَ بْنِ مُسْلِمٍ أَبُو الْحَسَنِ الشَّاعِرُ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ قَدْ أُضِرَّ. وَمُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ بْنِ الْبِرِنْدِ. وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ الْمُحَدِّثُ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى الْعَبْسِيُّ الْفَقِيهُ، وَكَانَ شِيعِيًّا، وَهُوَ مِنْ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ.
(الْبِرِنْدُ بِكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْرَّاءِ وَتَسْكِينِ النُّونِ وَآخِرُهُ دَالٌ مُهْمَلَةٌ) .
стр. 2925
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ]
٢١٤ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ قَتْلِ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيِّ
فِيهَا قُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الطُّوسِيُّ، قَتَلَهُ بَابَكُ الْخُرَّمِيُّ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَمْرِ الْمُتَغَلِّبِينَ عَلَى طَرِيقِهِ إِلَى بَابَكَ سَارَ نَحْوَهُ وَقَدْ جَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَالْآلَاتِ وَالْمِيرَةَ، فَاجْتَمَعَ مَعَهُ عَالَمٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَطَوِّعَةِ مِنْ سَائِرِ الْأَمْصَارِ، فَسَلَكَ الْمَضَايِقَ إِلَى بَابَكَ، وَكَانَ كُلَّمَا جَاوَزَ مَضِيقًا أَوْ عَقَبَةً تَرَكَ عَلَيْهِ مَنْ يَحْفَظُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى أَنْ نَزَلَ بِهَشْتَادْسَرَ، وَحَفَرَ خَنْدَقًا، وَشَاوَرَ فِي دُخُولِ بَلَدِ بَابَكَ، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِدُخُولِهِ مِنْ وَجْهٍ ذَكَرُوهُ لَهُ، فَقَبِلَ رَأْيَهُمْ، وَعَبَّى أَصْحَابَهُ، وَجَعَلَ عَلَى الْقَلْبِ مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّائِيَّ، الْمَعْرُوفَ بِأَبِي سَعِيدٍ، وَعَلَى الْمَيْمَنَةِ السَّعْدِيَّ بْنَ أَصْرَمَ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْيَقْطِينِيَّ، وَوَقَفَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ خَلْفَهُمْ فِي جَمَاعَةٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَيَأْمُرُهُمْ بِسَدِّ خَلَلٍ إِنْ رَآهُ، فَكَانَ بَابَكُ يُشْرِفُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْجَبَلِ، وَقَدْ كَمَّنَ لَهُمْ مِنَ الرِّجَالِ تَحْتَ كُلِّ صَخْرَةٍ.
فَلَمَّا تَقَدَّمَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ، وَصَعِدُوا فِي الْجَبَلِ مِقْدَارَ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ، خَرَجَ عَلَيْهِمُ الْكُمَنَاءُ، وَانْحَدَرَ بَابَكُ إِلَيْهِمْ فِيمَنْ مَعَهُ، وَانْهَزَمَ النَّاسُ، فَأَمَرَهُمْ أَبُو سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِالصَّبْرِ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَمَرُّوا عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَالْقَتْلُ يَأْخُذُهُمْ، وَصَبَرَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ مَكَانَهُ، وَفَرَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَسَارَا يَطْلُبَانِ الْخَلَاصَ، فَرَأَى جَمَاعَةً وَقِتَالًا، فَقَصَدَهُمْ، فَرَأَى (الْخُرَّمِيَّةَ يُقَاتِلُونَ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، فَحِينَ رَآهُ الْخُرَّمِيَّةُ قَصَدُوهُ لِمَا رَأَوْا مِنْ حُسْنِ) هَيْئَتِهِ، فَقَاتَلَهُمْ وَقَاتَلُوهُ، وَضَرَبُوا فَرَسَهُ بِمِزْرَاقٍ، فَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ،
стр. 2926
وَأَكَبُّوا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ فَقَتَلُوهُ.
وَكَانَ مُحَمَّدٌ مُمَدَّحًا جَوَّادًا، فَرَثَاهُ الشُّعَرَاءُ وَأَكْثَرُوا، مِنْهُمُ الطَّائِيُّ، فَلَمَّا وَصَلَ خَبَرُ قَتْلِهِ إِلَى الْمَأْمُونِ عَظُمَ ذَلِكَ عِنْدَهُ، وَاسْتَعْمَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَاهِرٍ عَلَى قِتَالِ بَابَكَ، فَسَارَ نَحْوَهُ.
ذِكْرُ حَالِ أَبِي دُلَفَ مَعَ الْمَأْمُونِ
كَانَ أَبُو دُلَفَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ، وَسَارَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ إِلَى حَرْبِ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ، فَلَمَّا قُتِلَ عَلِيٌّ عَادَ أَبُو دُلَفَ إِلَى هَمَذَانَ، فَرَاسَلَهُ طَاهِرٌ يَسْتَمِيلُهُ، وَيَدْعُوهُ إِلَى بَيْعَةِ الْمَأْمُونِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَقَالَ: إِنَّ فِي عُنُقِي بَيْعَةً لَا أَجِدُ إِلَى فَسْخِهَا سَبِيلًا، وَلَكِنِّي سَأُقِيمُ مَكَانِي لَا أَكُونُ مَعَ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ إِنْ كَفَفْتَ عَنِّي. فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَقَامَ بِكَرْجَ.
فَلَمَّا خَرَجَ الْمَأْمُونُ إِلَى الرَّيِّ رَاسَلَ أَبَا دُلَفَ يَدْعُوهُ إِلَيْهِ، فَسَارَ نَحْوَهُ مُجِدًّا وَهُوَ خَائِفٌ شَدِيدُ الْوَجَلِ، فَقَالَ لَهُ أَهْلُهُ وَقَوْمُهُ وَأَصْحَابُهُ: أَنْتَ سَيِّدُ الْعَرَبِ، وَكُلُّهَا تُطِيعُكَ، فَإِنْ كُنْتَ خَائِفًا فَأَقِمْ، وَنَحْنُ نَمْنَعُكَ. فَلَمْ يَفْعَلْ، وَسَارَ وَهُوَ يَقُولُ:
أَجُودُ بِنَفْسِي دُونَ قَوْمِيَ دَافِعًا ... لِمَا نَابَهُمْ قِدَمًا وَأَغْشَى الدَّوَاهِيَا
وَأَقْتَحِمُ الْأَمْرَ الْمَخُوفَ اقْتِحَامُهُ ... لُأُدْرِكَ مَجْدًا أَوْ أُعَاوِدَ ثَاوِيَا
وَهِيَ أَبْيَاتٌ حَسَنَةٌ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْمَأْمُونِ أَكْرَمَهُ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَأَمَّنَهُ، وَأَعْلَى مَنْزِلَتَهُ.
ذِكْرُ اسْتِعْمَالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ عَلَى خُرَاسَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ الْمَأْمُونُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَاهِرٍ عَلَى خُرَاسَانَ، فَسَارَ إِلَيْهَا.
وَكَانَ سَبَبَ مَسِيرِهِ إِلَيْهَا أَنَّ أَخَاهُ طَلْحَةَ لَمَّا مَاتَ وَلِيَ خُرَاسَانَ عَلِيُّ بْنُ طَاهِرٍ خَلِيفَةً
стр. 2927
لِأَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بِالدِّينَوَرِ يُجَهِّزُ الْعَسَاكِرَ إِلَى بَابَكَ، وَأَوْقَعَ الْخَوَارِجُ بِخُرَاسَانَ بِأَهْلِ قَرْيَةِ الْحَمْرَاءِ مِنْ نَيْسَابُورَ، فَأَكْثَرُوا فِيهِمُ الْقَتْلَ، وَاتَّصَلَ ذَلِكَ بِالْمَأْمُونِ، فَأَمَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَاهِرٍ بِالْمَسِيرِ إِلَى خُرَاسَانَ، فَسَارَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا قَدِمَ نَيْسَابُورَ كَانَ أَهْلُهَا قَدْ قَحَطُوا فَمُطِرُوا قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَيْهَا بِيَوْمٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا دَخَلَهَا قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ بَزَّازٌ فَقَالَ:
قَدْ قُحِطَ النَّاسُ فِي زَمَانِهِمْ ... حَتَّى إِذَا جِئْتَ جِئْتَ بِالدُّرَرِ
غَيْثَانِ فِي سَاعَةٍ لَنَا قَدِمًا ... فَمَرْحَبًا بِالْأَمِيرِ وَالْمَطَرِ
فَأَحْضَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ وَقَالَ لَهُ: أَشَاعِرٌ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهَا بِالرَّقَّةِ فَحَفِظْتُهَا. فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ إِلَيْهِ أَنْ لَا يُشْتَرَى لَهُ شَيْءٌ مِنَ الثِّيَابِ إِلَّا بِأَمْرِهِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ بِلَالٌ (الْغَسَّانِيُّ الشَّارِيُّ) ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْمَأْمُونُ ابْنَهُ الْعَبَّاسَ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْقُوَّادِ، فَقُتِلَ بِلَالٌ.
وَفِيهَا قُتِلَ أَبُو الرَّازِيِّ بِالْيَمَنِ.
وَفِيهَا تَحَرَّكَ جَعْفَرُ بْنُ دَاوُدَ الْقُمِّيُّ، فَظَفِرَ بِهِ عَزِيزٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، وَكَانَ هَرَبَ مِنْ مِصْرَ فَرُدَّ إِلَيْهَا.
وَفِيهَا وَلِيَ عَلِيُّ بْنُ هِشَامٍ الْجَبَلَ، وَقُمَّ، وَأَصْبَهَانَ، وَأَذْرَبِيجَانَ.
(وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِدْرِيسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇ بِالْمَغْرِبِ، وَقَامَ بَعْدَهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ بِأَمْرِ مَدِينَةِ فَاسَ، فَوَلَّى أَخَاهُ الْقَاسِمَ الْبَصْرَةَ وَطَنْجَةَ وَمَا يَلِيهِمَا، وَاسْتَعْمَلَ بَاقِي إِخْوَتِهِ عَلَى مُدُنِ الْبَرْبَرَةِ.
وَفِيهَا سَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ إِلَى مَدِينَةِ بَاجَةَ، وَكَانَتْ عَاصِيَةً عَلَيْهِ مِنْ حِينِ فِتْنَةِ مَنْصُورٍ إِلَى الْآنِ، فَمَلَكَهَا عَنْوَةً.
стр. 2928
وَفِيهَا خَالَفَ هَاشِمٌ الضَّرَّابُ بِمَدِينَةِ طُلَيْطِلَةَ، مِنَ الْأَنْدَلُسِ، عَلَى صَاحِبِهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ هَاشِمٌ مِمَّنْ خَرَجَ مِنْ طُلَيْطِلَةَ [لَمَّا] أَوْقَعَ الْحَكَمُ بِأَهْلِهَا، فَسَارَ إِلَى قُرْطُبَةَ، فَلَمَّا كَانَ الْآنَ سَارَ إِلَى طُلَيْطِلَةَ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَهْلُ الشَّرِّ وَغَيْرُهُمْ، فَسَارَ بِهِمْ إِلَى وَادِي نَحْوِيَيْهِ، وَأَغَارَ عَلَى الْبَرْبَرِ وَغَيْرِهِمْ، فَطَارَ اسْمُهُ، وَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُ، وَاجْتَمَعَ لَهُ جَمْعٌ عَظِيمٌ، وَأَوْقَعَ بِأَهْلِ شَنْتَ بَرِيَّةَ.
وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَرْبَرِ وَقَعَاتٌ كَثِيرَةٌ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذِهِ السَّنَةَ جَيْشًا، فَقَاتَلُوهُ، فَلَمْ تَسْتَظْهِرْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، وَبَقِيَ هِشَامٌ كَذَلِكَ، وَغَلَبَ عَلَى عِدَّةِ مَوَاضِعَ، وَجَاوَزَ بِرْكَةَ الْعَجُوزِ، وَأَخَذَتْ غَارَةٌ خَيْلَهُ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ جَيْشًا كَثِيفًا سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، فَلَقِيَهُمْ هَاشِمٌ بِالْقُرْبِ مِنْ حِصْنِ سُمُسْطَا بِمُجَاوَرَةِ رُورِيَةَ، فَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، وَدَامَتْ عِدَّةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ انْهَزَمَ هَاشِمٌ، وَقُتِلَ هُوَ وَكَثِيرٌ مِمَّنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الطَّمَعِ وَالشَّرِّ وَطَالِبِي الْفِتَنِ، وَكَفَى اللَّهُ النَّاسَ شَرَّهُمْ) .
وَحَجَّ بِالنَّاسِ إِسْحَاقُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عاصمٍ النَّبِيلُ، وَاسْمُهُ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ الشَّيْبَانِيُّ، وَهُوَ إِمَامٌ فِي الْحَدِيثِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو أَحْمَدَ حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَاذِيُّ.
стр. 2929
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ]
٢١٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ غَزْوَةِ الْمَأْمُونِ إِلَى الرُّومِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ (الْمَأْمُونُ إِلَى الرُّومِ) فِي الْمُحَرَّمِ، فَلَمَّا سَارَ اسْتَخْلَفَ عَلَى بَغْدَاذَ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ، وَوَلَّاهُ مَعَ ذَلِكَ السَّوَادَ، وَحُلْوَانَ، وَكُوَرَ دِجْلَةَ، فَلَمَّا صَارَ الْمَأْمُونُ بِتَكْرِيتَ قَدِمَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇ فَلَقِيَهُ بِهَا، فَأَجَارَهُ، وَأَمَرَهُ بِالدُّخُولِ بِابْنَتِهِ أُمِّ الْفَضْلِ، وَكَانَ زَوَّجَهَا مِنْهُ، فَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ أَيَّامَ الْحَجِّ سَارَ بِأَهْلِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَقَامَ بِهَا.
وَسَارَ الْمَأْمُونُ عَلَى طَرِيقِ الْمَوْصِلِ حَتَّى صَارَ إِلَى مَنْبِجَ، ثُمَّ إِلَى دَابِقَ، ثُمَّ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ، ثُمَّ إِلَى الْمَصِّيصَةِ وَطَرَسُوسَ، وَدَخَلَ مِنْهَا إِلَى بِلَادِ الرُّومِ فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَدَخَلَ ابْنُهُ الْعَبَّاسُ مِنْ مَلْطِيَةَ، فَأَقَامَ الْمَأْمُونُ عَلَى حِصْنِ قُرَّةَ حَتَّى افْتَتَحَهُ عَنْوَةً، وَهَدَمَهُ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى.
وَقِيلَ: إِنَّ أَهْلَهُ طَلَبُوا الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمُ الْمَأْمُونُ، وَفَتَحَ قَبْلَهُ حِصْنَ مَاجِدَةَ بِالْأَمَانِ، وَوَجَّهَ أَشْنَاسَ إِلَى حِصْنِ سُنْدُسَ، فَأَتَاهُ بِرَئِيسِهِ، (وَوَجَّهَ عُجَيْفًا وَجَعْفَرًا الْخَيَّاطَ إِلَى صَاحِبِ حِصْنِ سِنَاذَ، فَسَمِعَ وَأَطَاعَ.
وَفِيهَا عَادَ) الْمُعْتَصِمُ مِنْ مِصْرَ، فَلَقِيَ الْمَأْمُونَ قَبْلَ دُخُولِهِ الْمَوْصِلَ، وَلَقِيَهُ
стр. 2930
مَنْوِيلُ، وَعَبَّاسُ بْنُ الْمَأْمُونِ بِرَأْسِ عَيْنٍ.
وَفِيهَا تَوَجَّهَ الْمَأْمُونُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ إِلَى دِمَشْقَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ السُّوَائِيُّ، وَأَبُو يَعْقُوبَ إِسْحَاقُ بْنُ الطَّبَّاعِ الْفَقِيهُ، وَعَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شُقَيْقٍ صَاحِبُ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ الْعَابِدُ الْمُحَدِّثُ، وَهَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ أَبُو الْأَشْهَبِ، وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ الْمَوْصِلِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ الزَّاهِدُ، تُوُفِّيَ بِدَارَيَّا،
стр. 2931
وَمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيُّ الْبَلْخِيُّ بِبَلْخَ، وَهُوَ مِنْ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ، وَقَدْ قَارَبَ مِائَةَ سَنَةٍ.
وَأَبُو زَيْدٍ سَعِيدُ بْنُ أَوْسِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ اللُّغَوِيُّ النَّحْوِيُّ، وَكَانَ عُمْرُهُ ثَلَاثًا وَتِسْعِينَ سَنَةً.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قَرِيبِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَبُو سَعِيدٍ الْأَصْمَعِيُّ اللُّغَوِيُّ الْبَصْرِيُّ، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ قَاضِي الْبَصْرَةِ.
стр. 2932
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ]
٢١٦ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ فَتْحِ هِرَقْلَةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَادَ الْمَأْمُونُ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مَلِكَ الرُّومِ قَتَلَ أَلْفًا وَسِتَّمِائَةٍ مِنْ أَهْلِ طَرَسُوسَ وَالْمَصِّيصَةَ، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ أَرْضَ الرُّومِ فِي جُمَادَى الْأُولَى، فَأَقَامَ إِلَى مُنْتَصَفِ شَعْبَانَ.
وَقِيلَ: كَانَ سَبَبَ دُخُولِهِ إِلَيْهَا أَنَّ مَلِكَ الرُّومِ كَتَبَ إِلَيْهِ وَبَدَأَ بِنَفْسِهِ، فَسَارَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَقْرَأْ كِتَابَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ أَرْضَ الرُّومِ أَنَاخَ عَلَى أَنْطِيغُوَا، فَخَرَجُوا عَلَى صُلْحٍ، ثُمَّ سَارَ إِلَى هِرَقْلَةَ، فَخَرَجَ أَهْلُهَا عَلَى صُلْحٍ.
وَوَجَّهَ أَخَاهُ أَبَا إِسْحَاقَ الْمُعْتَصِمَ، فَافْتَتَحَ ثَلَاثِينَ حِصْنًا، وَمَطْمُورَةَ.
وَوَجَّهَ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ مِنْ طُوَانَةَ، فَأَغَارَ وَقَتَلَ وَأَحْرَقَ، فَأَصَابَ سَبْيًا وَرَجَعَ.
ثُمَّ سَارَ الْمَأْمُونُ إِلَى كَيْسُومَ، فَأَقَامَ بِهَا يَوْمَيْنِ، ثُمَّ ارْتَحَلَ إِلَى دِمَشْقَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِيهَا ظَهَرَ عَبْدُوسٌ الْفِهْرِيُّ بِمِصْرَ، فَوَثَبَ عَلَى عُمَّالِ الْمُعْتَصِمِ، فَقَتَلَ بَعْضَهُمْ فِي
стр. 2933
شَعْبَانَ، فَسَارَ الْمَأْمُونُ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى مِصْرَ مُنْتَصَفَ ذِي الْحِجَّةِ.
وَفِيهَا قَدِمَ الْأَفْشِينُ مِنْ بَرْقَةَ، فَأَقَامَ بِمِصْرَ.
وَفِيهَا كَتَبَ الْمَأْمُونُ إِلَى إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ يَأْمُرُهُ بِأَخْذِ الْجُنْدِ بِالتَّكْبِيرِ إِذَا صَلُّوا، فَبَدَأَ بِذَلِكَ مُنْتَصَفَ رَمَضَانَ، فَقَامُوا قِيَامًا، وَكَبَّرُوا ثَلَاثًا، ثُمَّ فَعَلُوا ذَلِكَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ.
وَفِيهَا غَضِبَ الْمَأْمُونُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ هَاشِمٍ، (وَوَجَّهَ عُجَيْفًا وَأَحْمَدَ بْنَ هَاشِمٍ) ، وَأَمَرَ بِقَبْضِ أَمْوَالِهِ وَسِلَاحِهِ.
وَفِيهَا مَاتَتْ أُمُّ جَعْفَرٍ زُبَيْدَةُ أُمُّ الْأَمِينِ بِبَغْدَاذَ.
وَفِيهَا تَقَدَّمَ غَسَّانُ بْنُ عَبَّادٍ مِنَ السِّنْدِ، وَمَعَهُ بِشْرُ بْنُ دَاوُدَ، مُسْتَأْمِنًا، وَأَصْلَحَ السِّنْدَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عِمْرَانَ بْنَ مُوسَى الْعَتَكِيَّ.
وَفِيهَا هَرَبَ جَعْفَرُ بْنُ دَاوُدَ الْقُمِّيُّ إِلَى قُمَّ، وَخَلَعَ الطَّاعَةَ بِهَا.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيِّ (بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ) ، وَقِيلَ: حَجَّ بِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
стр. 2934
عَبَّاسٍ ﵃ وَكَانَ الْمَأْمُونُ وَلَّاهُ الْيَمَنَ، وَجَعَلَ إِلَيْهِ وِلَايَةَ كُلِّ بَلَدٍ يَدْخُلُهُ، فَسَارَ مِنْ دِمَشْقَ، فَقَدِمَ بَغْدَاذَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ يَوْمَ الْفِطْرِ، وَسَارَ عَنْهَا، فَحَجَّ بِالنَّاسِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو مُسْهِرٍ عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ مُسْهِرٍ الْغَسَّانِيُّ بِبَغْدَاذَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الْمُهَلَّبِ الْمُهَلَّبِيُّ، أَمِيرُ الْبَصْرَةِ بِهَا، وَيَحْيَى بْنُ يَعْلَى الْمُحَارِبِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ.
стр. 2935
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ]
٢١٧ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَفِرَ الْأَفْشِينُ بِالْفَرَمَا مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، وَنَزَلَ أَهْلُهَا بِأَمَانٍ عَلَى حُكْمِ الْمَأْمُونِ.
وَوَصَلَ الْمَأْمُونُ إِلَى مِصْرَ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَأُتِيَ بِعَبْدُوسٍ الْفِهْرِيِّ فَضُرِبَ عُنُقُهُ، وَعَادَ إِلَى الشَّامِ.
وَفِيهَا قَتَلَ الْمَأْمُونُ عَلِيَّ بْنَ هِشَامٍ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ الْمَأْمُونَ كَانَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى أَذْرَبِيجَانَ وَغَيْرِهَا، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَبَلَغَهُ ظُلْمُهُ، وَأَخْذُهُ الْأَمْوَالَ، وَقَتْلُهُ الرِّجَالَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ عُجَيْفَ بْنَ عَنْبَسَةَ، فَثَارَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ هِشَامٍ وَأَرَادَ قَتْلَهُ وَاللِّحَاقَ بِبَابَكَ، وَظَفِرَ بِهِ عُجَيْفٌ، وَقَدِمَ بِهِ عَلَى الْمَأْمُونِ فَقَتَلَهُ وَقَتَلَ أَخَاهُ حَبِيبًا فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَطِيفَ بِرَأْسِ عَلِيٍّ فِي الْعِرَاقِ، وَخُرَاسَانَ، وَالشَّامِ، وَمِصْرَ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي الْبَحْرِ.
[عَوْدَةُ الْمَأْمُونِ إِلَى غَزْوِ الرُّومِ]
وَفِيهَا عَادَ الْمَأْمُونُ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، فَأَنَاخَ عَلَى لُؤْلُؤَةَ مِائَةَ يَوْمٍ، ثُمَّ رَحَلَ عَنْهَا، وَتَرَكَ عَلَيْهَا عُجَيْفًا، فَخَدَعَهُ أَهْلُهَا، فَبَقِيَ عِنْدَهُمْ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، وَأَخْرَجُوهُ، وَجَاءَ تَوْفِيلُ مَلِكُ الرُّومِ، فَأَحَاطَ بِعُجَيْفٍ فِيهِ، فَبَعَثَ الْمَأْمُونُ إِلَيْهِ الْجُنُودَ، فَارْتَحَلَ تَوْفِيلُ قَبْلَ مُوَافَاتِهِمْ،
стр. 2936
وَخَرَجَ أَهْلُ لُؤْلُؤَةَ إِلَى عُجَيْفٍ بِأَمَانٍ، وَأَرْسَلَ مَلِكُ الرُّومِ يَطْلُبُ الْمُهَادَنَةَ، فَلَمْ يَتِمَّ ذَلِكَ.
وَفِيهَا سَارَ الْمَأْمُونُ إِلَى سَلَغُوسَ.
وَفِيهَا بُعِثَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْقُمِّيُّ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ دَاوُدَ الْقُمِّيِّ، فَقُتِلَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ بِالْبَصْرَةِ، وَسُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ. (سُرَيْجٌ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ) . وَسَعْدَانُ بْنُ بِشْرٍ الْمَوْصِلِيُّ يَرْوِي عَنِ الثَّوْرِيِّ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْخَلِيلُ بْنُ أَبِي رَافِعٍ الْمُزَنِيُّ الْمَوْصِلِيُّ، وَكَانَ عَالِمًا عَابِدًا، وَأَبَوْهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ الْمَوْصِلِيُّ، وَكَانَ فَاضِلًا.
стр. 2937
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ]
ذِكْرُ الْمِحْنَةِ بِالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَتَبَ الْمَأْمُونُ إِلَى إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بِبَغْدَاذَ فِي امْتِحَانِ الْقُضَاةِ وَالشُّهُودِ وَالْمُحَدِّثِينَ بِالْقُرْآنِ، فَمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مُحْدَثٌ خَلَّى سَبِيلَهُ، وَمَنْ أَبَى أَعْلَمَهُ بِهِ لِيَأْمُرَهُ فِيهِ بِرَأْيِهِ، وَطَوَّلَ كِتَابَهُ بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى خَلْقِ الْقُرْآنِ، وَتَرْكِ الِاسْتِعَانَةِ بِمَنِ امْتَنَعَ عَنِ الْقَوْلِ بِذَلِكَ، وَكَانَ الْكِتَابُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَأَمَرَهُ بِإِنْفَاذِ سَبْعَةِ نَفَرٍ، مِنْهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ كَاتِبُ الْوَاقِدِيِّ، وَأَبُو مُسْلِمٍ مُسْتَمْلِي يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ دَاوُدَ، (وَإِسْمَاعِيلُ) بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ الدَّوْرَقِيُّ، فَأُشْخِصُوا إِلَيْهِ، فَسَأَلَهُمْ وَامْتَحَنَهُمْ عَنِ الْقُرْآنِ، فَأَجَابُوا جَمِيعًا: إِنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ. فَأَعَادَهُمْ إِلَى بَغْدَاذَ، فَأَحْضَرَهُمْ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ دَارَهُ، وَشَهَرَ قَوْلَهُمْ بِحَضْرَةِ الْمَشَايِخِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ، فَخَلَّى سَبِيلَهُمْ.
وَوَرَدَ كِتَابُ الْمَأْمُونِ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بِامْتِحَانِ الْقُضَاةِ وَالْفُقَهَاءِ، فَأَحْضَرَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبَا حَسَّانَ الزِّيَادِيَّ، وَبِشْرَ بْنَ الْوَلِيدِ الْكِنْدِيَّ، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي مُقَاتِلٍ، وَالْفَضْلَ بْنَ غَانِمٍ، وَالذَّيَّالَ بْنَ الْهَيْثَمِ، وَسَجَّادَةَ، وَالْقَوَارِيرِيَّ، وَأَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، وَقُتَيْبَةَ، وَسَعْدَوَيْهِ الْوَاسِطِيَّ، وَعَلِيَّ بْنَ جَعْدٍ، وَإِسْحَاقَ بْنَ أَبِي إِسْرَائِيلَ، وَابْنَ الْهَرْشِ، وَابْنَ عُلَيَّةَ الْأَكْبَرَ، وَيَحْيَى بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُمَرِيَّ، وَشَيْخًا آخَرَ مِنْ وَلَدِ
стр. 2938
عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَانَ قَاضِيَ الرَّقَّةِ، وَأَبَا نَصْرٍ التَّمَّارَ، وَأَبَا مَعْمَرٍ الْقَطِيعِيَّ، وَمُحَمَّدَ بْنَ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، وَمُحَمَّدَ بْنَ نُوحٍ الْمَضْرُوبَ، وَابْنَ الْفَرُّخَانِ، (وَجَمَاعَةً، مِنْهُمُ: النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وَابْنُ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ، وَأَبُو الْعَوَّامِ الْبَزَّازُ، وَابْنُ شُجَاعٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ) ، فَأُدْخِلُوا جَمِيعًا عَلَى إِسْحَاقَ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ الْمَأْمُونِ مَرَّتَيْنِ حَتَّى فَهِمُوهُ، ثُمَّ قَالَ لِبِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ: مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: قَدْ عَرَّفْتُ مَقَالَتِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ مَرَّةٍ. قَالَ: فَقَدْ تَجَدَّدَ مِنْ كِتَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مَا تَرَى.
فَقَالَ: أَقُولُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ.
قَالَ: لَمْ أَسْأَلْكَ عَنْ هَذَا، أَمَخْلُوقٌ هُوَ؟
قَالَ: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ.
(قَالَ: فَالْقُرْآنُ شَيْءٌ) ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَمَخْلُوقٌ هُوَ؟
قَالَ: لَيْسَ بِخَالِقٍ.
قَالَ: (لَيْسَ [أَسْأَلُكَ] عَنْ هَذَا) أَمَخْلُوقٌ هُوَ؟
قَالَ: مَا أُحْسِنُ غَيْرَ مَا قُلْتُ لَكَ، (وَقَدِ اسْتَعْهَدْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلَّا أَتَكَلَّمَ فِيهِ، وَلَيْسَ عِنْدِي غَيْرُ مَا قُلْتُ لَكَ) .
فَأَخَذَ إِسْحَاقُ رُقْعَةً، فَقَرَأَهَا عَلَيْهِ وَوَقَفَهُ عَلَيْهَا، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَحَدًا فَرْدًا، لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ شَيْءٌ [وَلَا بَعْدَهُ شَيْءٌ] ، وَلَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ فِي مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي، وَوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ. قَالَ: نَعَمْ.
وَقَالَ لِلْكَاتِبِ: اكْتُبْ مَا قَالَ.
ثُمَّ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي مُقَاتِلٍ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قَدْ سَمِعْتَ كَلَامِي لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي هَذَا غَيْرَ مَرَّةٍ، وَمَا عِنْدِي غَيْرُهُ. فَامْتَحَنَهُ بِالرُّقْعَةِ، فَأَقَرَّ بِمَا فِيهَا، ثُمَّ قَالَ لَهُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؟ قَالَ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ. قَالَ: لَمْ أَسْأَلْكَ عَنْ هَذَا. قَالَ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ، فَإِنْ
стр. 2939
أَمَرَنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِشَيْءٍ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. فَقَالَ لِلْكَاتِبِ: اكْتُبْ مَقَالَتَهُ.
ثُمَّ قَالَ لِلذَّيَّالِ نَحْوًا مِنْ مَقَالَتِهِ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي مُقَاتِلٍ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ.
ثُمَّ قَالَ لِأَبِي حَسَّانَ الزِّيَادِيِّ: مَا عِنْدَكَ؟ قَالَ: سَلْ عَمَّا شِئْتَ. فَقَرَأَ عَلَيْهِ الرُّقْعَةَ فَأَقَرَّ بِمَا فِيهَا، ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ لَمْ يَقُلْ هَذَا الْقَوْلَ فَهُوَ كَافِرٌ. فَقَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ هُوَ؟ قَالَ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ، وَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِمَامُنَا وَبِهِ سَمِعْنَا عَامَّةَ الْعِلْمِ، وَقَدْ سَمِعَ مَا لَمْ نَسْمَعْ، وَعَلِمَ مَا لَمْ نَعْلَمْ، وَقَدْ قَلَّدَهُ اللَّهُ أَمْرَنَا، فَصَارَ يُقِيمُ حَجَّنَا وَصَلَاتَنَا، وَنُؤَدِّي إِلَيْهِ زَكَاةَ أَمْوَالِنَا، وَنُجَاهِدُ مَعَهُ، وَنَرَى إِمَامَتَهُ، فَإِنْ أَمَرَنَا ائْتَمَرْنَا، وَإِنْ نَهَانَا انْتَهَيْنَا.
قَالَ: فَالْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؟ فَأَعَادَ مَقَالَتَهُ. قَالَ إِسْحَاقُ: فَإِنَّ هَذِهِ مَقَالَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: قَدْ تَكُونُ مَقَالَتَهُ وَلَا يَأْمُرُ بِهَا النَّاسَ، وَإِنْ خَبَّرْتَنِي أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَرَكَ أَنْ أَقُولَ قَلْتُ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ، فَإِنَّكَ الثِّقَةُ فِيمَا أَبْلَغْتَنِي عَنْهُ. قَالَ: مَا أَمَرَنِي أَنْ أُبَلِّغَكَ شَيْئًا. قَالَ أَبُو حَسَّانَ: وَمَا عِنْدِي إِلَّا السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، فَأْمُرْنِي أَأْتَمِرْ. قَالَ: مَا أَمَرَنِي أَنْ آمُرَكُمْ، وَإِنَّمَا أَمَرَنِي أَنْ أَمْتَحِنَكُمْ.
ثُمَّ قَالَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: كَلَامُ اللَّهِ. قَالَ: أَمَخْلُوقٌ هُوَ؟ قَالَ: كَلَامُ اللَّهِ مَا أَزِيدُ عَلَيْهَا.
стр. 2940
فَامْتَحَنَهُ بِمَا فِي الرُّقْعَةِ، فَلَمَّا أَتَى إِلَى " ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] " [قَرَأَ] : ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ، وَأَمْسَكَ عَنْ: وَلَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ فِي مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي وَلَا وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ ابْنُ الْبَكَّاءِ الْأَصْغَرُ فَقَالَ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ! إِنَّهُ يَقُولُ: سَمِيعٌ مِنْ أُذُنٍ، وَبَصِيرٌ مِنْ عَيْنٍ. فَقَالَ إِسْحَاقُ لِأَحْمَدَ: مَا مَعْنَى قَوْلِكَ: سَمِيعٌ بَصِيرٌ؟ قَالَ: هُوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ. (قَالَ: فَمَا مَعْنَاهُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي أَهْوَ هُوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ) .
ثُمَّ دَعَا بِهِمْ رَجُلًا رَجُلًا كُلُّهُمْ يَقُولُ الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ، إِلَّا قُتَيْبَةَ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَابْنَ عُلَيَّةَ الْأَكْبَرَ، وَابْنَ الْبَكَّاءِ، وَعَبْدَ الْمُنْعِمِ بْنَ إِدْرِيسَ (ابْنَ بِنْتِ، وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، وَالْمُظَفَّرَ بْنَ مُرَجَّى، وَرَجُلًا مِنْ وَلَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَاضِي الرَّقَّةِ، وَابْنَ الْأَحْمَرِ، فَأَمَّا ابْنُ الْبَكَّاءِ الْأَكْبَرُ، فَإِنَّهُ قَالَ: الْقُرْآنُ مَجْعُولٌ ; لِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] وَالْقُرْآنُ مُحْدَثٌ ; لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] .
قَالَ إِسْحَاقُ: فَالْمَجْعُولُ مَخْلُوقٌ. (قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَالْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؟ قَالَ: لَا أَقُولُ: مَخْلُوقٌ، وَلَكِنَّهُ مَجْعُولٌ. فَكَتَبَ مَقَالَتَهُ وَمَقَالَاتِ الْقَوْمِ رَجُلًا رَجُلًا، وَوُجِّهَتْ إِلَى الْمَأْمُونِ، فَأَجَابَ الْمَأْمُونُ يَذُمُّهُمْ وَيَذْكُرُ كُلًّا مِنْهُمْ، وَيَعِيبُهُ وَيَقَعُ فِيهِ بِشَيْءٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُحْضِرَ بِشْرَ بْنَ الْوَلِيدِ وَإِبْرَاهِيمَ بْنَ الْمَهْدِيِّ، وَيَمْتَحِنَهُمَا، فَإِنْ أَجَابَا، وَإِلَّا فَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمَا، وَأَمَّا مَنْ سِوَاهُمَا، فَإِنْ أَجَابَ إِلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَإِلَّا حَمَلَهُمْ مُوَثَّقِينَ بِالْحَدِيدِ إِلَى عَسْكَرِهِ مَعَ نَفَرٍ يَحْفَظُونَهُمْ.
стр. 2941
فَأَحْضَرَهُمْ إِسْحَاقُ، وَأَعْلَمَهُمْ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمَأْمُونُ، فَأَجَابَ الْقَوْمُ أَجْمَعُونَ إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ، وَهُمْ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَسَجَّادَةُ، وَالْقَوَارِيرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ الْمَضْرُوبُ، فَأَمَرَ بِهِمْ إِسْحَاقُ فَشُدُّوا فِي الْحَدِيدِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ دَعَاهُمْ فِي الْحَدِيدِ، فَأَعَادَ عَلَيْهِمُ الْمِحْنَةَ، فَأَجَابَهُ سَجَّادَةُ وَالْقَوَارِيرِيُّ، فَأَطْلَقَهُمَا، وَأَصَرَّ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ عَلَى قَوْلِهِمَا، فَشُدَّا فِي الْحَدِيدِ، وَوُجِّهَا إِلَى طَرَسُوسَ، وَكَتَبَ إِلَى الْمَأْمُونِ بِتَأْوِيلِ الْقَوْمِ فِيمَا أَجَابُوا إِلَيْهِ، فَأَجَابَهُ الْمَأْمُونُ: إِنَّنِي بَلَغَنِي عَنْ بِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] ، وَقَدْ أَخْطَأَ التَّأْوِيلَ، إِنَّمَا عَنَى اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ كَانَ مُعْتَقِدًا لِلْإِيمَانِ، مُظْهِرًا لِلشِّرْكِ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ مُعْتَقِدًا لِلشِّرْكِ، مُظْهِرًا لِلْإِيمَانِ، فَلَيْسَ هَذَا لَهُ.
فَأَشْخَصَهُمْ جَمِيعًا إِلَى طَرَسُوسَ لِيُقِيمُوا بِهَا إِلَى أَنْ يَخْرُجَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، فَأَحْضَرَهُمْ إِسْحَاقُ، وَسَيَّرَهُمْ جَمِيعًا إِلَى الْعَسْكَرِ، وَهُمْ: أَبُو حَسَّانَ الزِّيَادِيُّ، وَبِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْفَضْلُ بْنُ غَانِمٍ، وَعَلِيُّ بْنُ مُقَاتِلٍ، وَالذَّيَّالُ بْنُ الْهَيْثَمِ، وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُمَرِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، وَأَبُو الْعَوَّامِ، وَسَجَّادَةُ، وَالْقَوَارِيرِيُّ، (وَابْنُ الْحَسَنِ بْنِ) عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ، وَالنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وَأَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ، وَسَعْدَوَيْهِ الْوَاسِطِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، وَأَبُو مَعْمَرِ بْنُ الْهَرْشِ، وَابْنُ الْفَرُّخَانِ، وَأَحْمَدُ بْنُ شُجَاعٍ، وَأَبُو هَارُونَ بْنُ الْبَكَّاءِ، فَلَمَّا صَارُوا إِلَى الرَّقَّةِ بَلَغَهُمْ مَوْتُ الْمَأْمُونِ فَرَجَعُوا (إِلَى بَغْدَاذَ) .
ذِكْرُ مَرَضِ الْمَأْمُونِ وَوَصِيَّتِهِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَرِضَ الْمَأْمُونُ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ.
وَكَانَ سَبَبَ مَرَضِهِ مَا ذَكَرَهُ سَعْدُ بْنُ الْعَلَّافِ الْقَارِئُ قَالَ: دَعَانِي الْمَأْمُونُ
стр. 2942
يَوْمًا، فَوَجَدْتُهُ جَالِسًا عَلَى جَانِبِ الْبَذَنْدُونِ، وَالْمُعْتَصِمُ عَنْ يَمِينِهِ، وَهُمَا قَدْ دَلَّيَا أَرْجُلَهُمَا فِي الْمَاءِ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَضَعَ رِجْلِي فِي الْمَاءِ، وَقَالَ: ذُقْهُ! فَهَلْ رَأَيْتَ أَعْذَبَ مِنْهُ، أَوْ أَصْفَى صَفَاءً، أَوْ أَشَدَّ بَرْدًا؟ فَفَعَلْتُ، وَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ قَطُّ. فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ يَطِيبُ أَنْ يُؤْكَلَ وَيُشْرَبَ عَلَيْهِ هَذَا الْمَاءُ؟ فَقُلْتُ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَعْلَمُ. فَقَالَ: الرُّطَبُ الْآزَاذُ.
فَبَيْنَمَا هُوَ يَقُولُ [هَذَا] إِذْ سَمِعَ وَقْعَ لُجُمِ الْبَرِيدِ، فَالْتَفَتَ، فَإِذَا بِغَالُ الْبَرِيدِ عَلَيْهَا الْحَقَائِبُ فِيهَا الْأَلْطَافُ، فَقَالَ لِخَادِمٍ [لَهُ] : انْظُرْ إِنْ كَانَ فِي هَذِهِ الْأَلْطَافِ رُطَبُ آزَاذٍ، فَأْتِ بِهِ! فَمَضَى وَعَادَ وَمَعَهُ سَلَّتَانِ فِيهِمَا آزَاذٌ كَأَنَّمَا جُنِيَ تِلْكَ السَّاعَةَ، فَأَظْهَرَ شُكْرًا لِلَّهِ - تَعَالَى - وَتَعَجَّبْنَا جَمِيعًا، وَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، فَمَا قَامَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ مَحْمُومٌ، وَكَانَتْ مَنِيَّةُ الْمَأْمُونِ مِنْ تِلْكَ الْعِلَّةِ، وَلَمْ يَزَلِ الْمُعْتَصِمُ مَرِيضًا حَتَّى دَخَلَ الْعِرَاقَ، وَبَقِيتُ أَنَا مَرِيضًا مُدَّةً.
فَلَمَّا مَرِضَ الْمَأْمُونُ أَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ إِلَى الْبِلَادِ الْكُتُبُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ الْمَأْمُونِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَخِيهِ الْخَلِيفَةِ مِنْ بَعْدِهِ أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ، وَأَوْصَى إِلَى الْمُعْتَصِمِ بِحَضْرَةِ ابْنِهِ الْعَبَّاسِ، وَبِحَضْرَةِ الْفُقَهَاءِ، وَالْقُضَاةِ، وَالْقُوَّادِ، وَكَانَتْ وَصِيَّتُهُ، بَعْدَ الشَّهَادَةِ، وَالْإِقْرَارِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَالْبَعْثِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالْأَنْبِيَاءِ -: إِنِّي مُقِرٌّ مُذْنِبٌ، أَرْجُو وَأَخَافُ، إِلَّا أَنِّي إِذَا ذَكَرْتُ عَفْوَ اللَّهِ رَجَوْتُ، وَإِذَا مُتُّ فَوَجِّهُونِي، وَغَمِّضُونِي، وَأَسْبِغُوا وَضُوئِي وَطَهُورِي، وَأَجِيدُوا كَفَنِي، ثُمَّ أَكْثِرُوا حَمْدَ اللَّهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَمَعْرِفَةِ حَقِّهِ عَلَيْكُمْ فِي مُحَمَّدٍ ﷺ إِذْ جَعَلَنَا مِنْ أُمَّتِهِ الْمَرْحُومَةِ، ثُمَّ أَضْجِعُونِي عَلَى سَرِيرِي، ثُمَّ عَجِّلُوا بِي، وَلْيُصَلِّ عَلَيَّ أَقْرَبُكُمْ نَسَبًا وَأَكْبَرُكُمْ سِنًّا، وَلْيُكَبِّرْ خَمْسًا، ثُمَّ احْمِلُونِي وَابْلُغُوا بِي حُفْرَتِي، وَلْيَنْزِلْ بِي أَقْرَبُكُمْ قَرَابَةً، وَأَوَدُّكُمْ مَحَبَّةً.
وَأَكْثِرُوا مِنْ حَمْدِ اللَّهِ وَذِكْرِهِ، ثُمَّ ضَعُونِي عَلَى شِقِّيَ الْأَيْمَنِ، وَاسْتَقْبِلُوا بِي الْقِبْلَةَ، ثُمَّ حُلُّوا كَفَنِي عَنْ رَأْسِي وَرِجْلِي، ثُمَّ سُدُّوا اللَّحْدَ وَاخْرُجُوا عَنِّي، وَخَلُّونِي وَعَمَلِي، وَكُلُّكُمْ لَا يُغْنِي عَنِّي شَيْئًا، وَلَا يَدْفَعُ عَنِّي مَكْرُوهًا، ثُمَّ قِفُوا بِأَجْمَعِكُمْ، فَقُولُوا خَيْرًا إِنْ عَلِمْتُمْ، وَأَمْسِكُوا عَنْ ذِكْرِ شَرٍّ إِنْ كُنْتُمْ عَرَفْتُمْ، فَإِنِّي مَأْخُوذٌ مِنْ بَيْنِكُمْ بِمَا تَقُولُونَ، وَلَا تَدَعُوا بَاكِيَةً عِنْدِي، فَإِنَّ الْمُعْوَلَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ، رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا اتَّعَظَ وَفَكَّرَ فِيمَا حَتَّمَ اللَّهُ عَلَى خَلْقِهِ
стр. 2943
مِنَ الْفَنَاءِ، وَقَضَى عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَوْتِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي تَوَحَّدَ بِالْبَقَاءِ، وَقَضَى عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ الْفَنَاءَ.
[ثُمَّ] لْيُنْظَرْ مَا كُنْتُ فِيهِ مِنْ عِزِّ الْخِلَافَةِ، هَلْ أَغْنَى عَنِّي ذَلِكَ شَيْئًا إِذْ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ؟ لَا وَاللَّهِ، وَلَكِنْ أُضْعِفَ عَلَيَّ بِهِ الْحِسَابُ، فَيَالَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هَارُونَ لَمْ يَكُنْ بَشَرًا، بَلْ لَيْتَهُ لَمْ يَكُنْ خَلْقًا.
يَا أَبَا إِسْحَاقَ، ادْنُ مِنِّي، وَاتَّعِظْ بِمَا تَرَى، وَخُذْ بِسِيرَةِ أَخِيكَ فِي الْقُرْآنِ وَالْإِسْلَامِ، وَاعْمَلْ فِي الْخِلَافَةِ إِذَا طَوَّقَكَهَا اللَّهُ عَمَلَ الْمُرِيدِ لِلَّهِ، الْخَائِفِ مِنْ عِقَابِهِ وَعَذَابِهِ، وَلَا تَغْتَرَّ بِاللَّهِ وَمُهْلَتِهِ، فَكَأَنَّ قَدْ نَزَلَ بِكَ الْمَوْتُ، وَلَا تَغْفَلْ أَمْرَ الرَّعِيَّةِ وَالْعَوَامِّ، فَإِنَّ الْمُلْكَ بِهِمْ وَبِتَعَهُّدِكَ لَهُمْ، اللَّهَ اللَّهَ فِيهِمْ، وَفِي غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَنْتَهِيَنَّ إِلَيْكَ أَمْرٌ فِيهِ صَلَاحٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَمَنْفَعَةٌ إِلَّا قَدَّمْتَهُ، وَآثَرْتَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ هَوَاكَ.
وَخُذْ مِنْ أَقْوِيَائِهِمْ لِضُعَفَائِهِمْ، وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْهِمْ فِي شَيْءٍ، وَأَنْصِفْ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ بِالْحَقِّ بَيْنَهُمْ، وَقَرِّبْهُمْ، وَتَأَنَّ بِهِمْ، وَعَجِّلِ الرِّحْلَةَ عَنِّي، وَالْقُدُومَ إِلَى دَارِ مُلْكِكَ بِالْعِرَاقِ، وَانْظُرْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الَّذِينَ أَنْتَ بِسَاحَتِهِمْ، فَلَا تَغْفَلْ عَنْهُمْ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَالْخُرَّمِيَّةُ فَأَغْزِهِمْ ذَا حَزَامَةٍ وَصَرَامَةٍ وَجَلَدٍ، وَاكْنُفْهُ بِالْأَمْوَالِ وَالْجُنُودِ، فَإِنْ طَالَتْ مُدَّتُهُمْ فَتَجَرَّدْ لَهُمْ بِمَنْ مَعَكَ [مِنْ] أَنْصَارِكَ وَأَوْلِيَائِكَ، وَاعْمَلْ فِي ذَلِكَ عَمَلَ مُقَدِّمِ النِّيَّةِ فِيهِ، رَاجِيًا ثَوَابَ اللَّهِ عَلَيْهِ.
ثُمَّ دَعَا الْمُعْتَصِمَ، بَعْدَ سَاعَةٍ، حِينَ اشْتَدَّ الْوَجَعُ، وَأَحَسَّ بِمَجِيءِ أَمْرِ اللَّهِ فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ! عَلَيْهِ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ، وَذِمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَتَقُومَنَّ بِحَقِّ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ، وَلَتُؤْثِرَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ عَلَى مَعْصِيَتِهِ إِذْ أَنَا نَقَلْتُهَا مِنْ غَيْرِكَ إِلَيْكَ. قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ! قَالَ: هَؤُلَاءِ بَنُو عَمِّكَ مِنْ وَلَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمْ، وَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَاقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَلَا تَغْفَلْ صِلَاتِهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ عِنْدَ مَحَلِّهَا، فَإِنَّ حُقُوقَهُمْ تَجِبُ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى، اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْمَلُوا لَهُ، وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي أُمُورِكُمْ كُلِّهَا، أَسْتَوْدِعُكُمُ اللَّهَ وَنَفْسِي،
стр. 2944
وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مَا سَلَفَ مِنِّي إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، فَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ كَيْفَ نَدَمِي عَلَى ذُنُوبِي، فَعَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ مِنْ عَظِيمِهَا، وَإِلَيْهِ أُنِيبُ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الْهُدَى وَالرَّحْمَةِ.
ذِكْرُ وَفَاةِ الْمَأْمُونِ وَعُمْرِهِ وَصِفَتِهِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْمَأْمُونُ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ رَجَبٍ، فَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ وَحَضَرَهُ الْمَوْتُ، كَانَ عِنْدَهُ مَنْ يُلَقِّنُهُ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الشَّهَادَةَ وَعِنْدَهُ ابْنُ مَاسَوْيَهِ الطَّبِيبُ، فَقَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: دَعْهُ، فَإِنَّهُ لَا يُفَرِّقُ فِي هَذِهِ الْحَالِ بَيْنَ رَبِّهِ وَمَانِي. فَفَتَحَ الْمَأْمُونُ عَيْنَيْهِ، وَأَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَعَجَزَ عَنْ ذَلِكَ، وَأَرَادَ الْكَلَامَ فَعَجَزَ عَنْهُ، ثُمَّ إِنَّهُ تَكَلَّمَ فَقَالَ: يَا مَنْ لَا يَمُوتُ ارْحَمْ مَنْ يَمُوتُ. ثُمَّ تُوُفِّيَ مِنْ سَاعَتِهِ.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ حَمَلَهُ ابْنُهُ الْعَبَّاسُ، وَأَخُوهُ الْمُعْتَصِمُ إِلَى طَرَسُوسَ، فَدَفَنَاهُ بِدَارِ خَاقَانَ خَادِمِ الرَّشِيدِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْمُعْتَصِمُ، وَوَكَّلُوا بِهِ حَرَسًا مِنْ أَبْنَاءِ أَهْلِ طَرَسُوسَ وَغَيْرِهِمْ، مِائَةَ رَجُلٍ، وَأُجْرِيَ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ تِسْعُونَ دِرْهَمًا.
وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ عِشْرِينَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، سِوَى سِنِينَ كَانَ دُعِيَ لَهُ فِيهَا بِمَكَّةَ، وَأَخُوهُ الْأَمِينُ مَحْصُورٌ بِبَغْدَاذَ، وَكَانَ مُوْلِدُهُ لِلنِّصْفِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَتْ كُنْيَتُهُ أَبَا الْعَبَّاسِ، وَكَانَ رَبْعَةً، أَبْيَضَ، جَمِيلًا، طَوِيلَ اللِّحْيَةِ رَقِيقَهَا، قَدْ وَخَطَهَا الشَّيْبُ. وَقِيلَ: كَانَ أَسْمَرَ، تَعْلُوهُ صُفْرَةٌ، أَجْنَى، أَعْيَنَ، ضَيِّقَ الْبَلْجَةِ، بِخَدِّهِ خَالٌ أَسْوَدُ.
ذِكْرُ بَعْضِ سِيرَتِهِ وَأَخْبَارِهِ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ السَّرَخْسِيُّ: تَعَرَّضَ رَجُلٌ لِلْمَأْمُونِ بِالشَّامِ مِرَارًا، وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، انْظُرْ لِعَرَبِ الشَّامِ كَمَا نَظَرْتَ لِعَجَمِ خُرَاسَانَ! فَقَالَ لَهُ: أَكْثَرْتَ عَلَيَّ، وَاللَّهِ مَا أَنْزَلْتُ قَيْسًا مِنْ ظُهُورِ خُيُولِهَا إِلَّا وَأَنَا أَرَى أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي بَيْتِ مَالِي دِرْهَمٌ وَاحِدٌ - يَعْنِي فِتْنَةَ ابْنِ شَبَثٍ الْعَامِرِيِّ - وَأَمَّا الْيَمَنُ فَوَاللَّهِ مَا أَحْبَبْتُهَا، وَلَا أَحَبَّتْنِي قَطُّ، وَأَمَّا قُضَاعَةُ
стр. 2945
فَسَادَاتُهَا تَنْتَظِرُ السُّفْيَانِيَّ، حَتَّى تَكُونَ مِنْ أَشْيَاعِهِ، وَأَمَّا رَبِيعَةُ فَسَاخِطَةٌ عَلَى رَبِّهَا مُذْ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنْ مُضَرَ، وَلَمْ يَخْرُجِ اثْنَانِ إِلَّا وَخَرَجَ أَحَدُهُمَا شَارِيًا، اعْزُبْ، فَعَلَ اللَّهُ بِكَ.
وَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ زِيَادٍ (أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ عَلَى الْمَأْمُونِ بِدِمَشْقَ قَالَ لَهُ: أَرِنِي الْكِتَابَ) الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَأَرَيْتُهُ. قَالَ: فَقَالَ: إِنِّي لَأَشْتَهِي أَنْ أَدْرِيَ إِيشْ هَذَا الْغِشَاءُ عَلَى هَذَا الْخَاتَمِ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْمُعْتَصِمُ: حِلَّ الْعَقْدَ حَتَّى تَدْرِي مَا هُوَ! قَالَ: مَا أَشُكُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَقَدَ هَذَا الْعَقْدَ، وَمَا كُنْتُ لِأَحِلَّ عُقْدَةً عَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ لِلْوَاثِقِ: خُذْهُ وَضَعْهُ عَلَى عَيْنَيْكَ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَشْفِيَكَ! وَجَعَلَ الْمَأْمُونُ يَضَعُهُ عَلَى عَيْنَيْهِ وَيَبْكِي.
وَقَالَ الْعَيْشِيُّ صَاحِبُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: كُنْتُ مَعَ الْمَأْمُونِ بِدِمَشْقَ، وَكَانَ قَدْ قَلَّ الْمَالُ عِنْدَهُ، حَتَّى أَضَاقَ، وَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الْمُعْتَصِمِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَأَنَّكَ بِالْمَالِ وَقَدْ وَافَاكَ بَعْدَ جُمُعَةٍ. وَكَانَ قَدْ حُمِلَ إِلَيْهِ ثَلَاثُونَ أَلْفَ أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ خَرَاجِ مَا يَتَوَلَّاهُ لَهُ، فَلَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ الْمَالُ قَالَ الْمَأْمُونُ لِيَحْيَى بْنِ أَكْتَمَ: اخْرُجْ بِنَا نَنْظُرْ هَذَا الْمَالَ، فَخَرَجَا يَنْظُرَانِهِ، وَكَانَ قَدْ هُيِّئَ بِأَحْسَنِ هَيْئَةٍ، وَحُلِّيَتْ أَبَاعِرُهُ، فَنَظَرَ الْمَأْمُونُ إِلَى شَيْءٍ حَسَنٍ، وَاسْتَكْثَرَ ذَلِكَ وَاسْتَبْشَرَ بِهِ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ وَيَعْجَبُونَ، فَقَالَ الْمَأْمُونُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، نَنْصَرِفُ بِالْمَالِ وَأَصْحَابُنَا يَرْجِعُونَ خَائِبِينَ، إِنَّ هَذَا لَلُؤْمٌ! ثُمَّ دَعَا مُحَمَّدَ بْنَ يَزْدَادَ، فَقَالَ لَهُ: وَقِّعْ لِآلِ فُلَانٍ بِأَلْفِ أَلْفٍ، وَلِآلِ فُلَانٍ بِمِثْلِهَا، وَلِآلِ فُلَانٍ بِمِثْلِهَا، فَمَا زَالَ كَذَلِكَ حَتَّى فَرَّقَ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، وَرِجْلُهُ فِي الرِّكَابِ، ثُمَّ قَالَ: ادْفَعِ الْبَاقِيَ إِلَى الْمُعَلَّى يُعْطِيهِ جُنْدَنَا.
قَالَ الْعَيْشِيُّ: فَقُمْتُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ أَنْظُرُ إِلَيْهِمَا، فَلَمَّا رَآنِي كَذَلِكَ قَالَ: وَقِّعْ لِهَذَا بِخَمْسِينَ أَلْفًا. فَقَبَضْتُهَا.
وَذُكِرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ أَنَّهُ كَانَ بِالْبَصْرَةِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمِ بْنِ سَعْدٍ، وَكَانَ شَاعِرًا ظَرِيفًا خَبِيثًا مُنْكَرًا، وَكُنْتُ آنَسُ بِهِ، وَأَسْتَحْلِيهِ، فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ شَاعِرٌ وَأَنْتَ ظَرِيفٌ، وَالْمَأْمُونُ أَجْوَدُ مِنَ السَّحَابِ الْحَافِلِ، فَمَا يَمْنَعُكَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: مَا عِنْدِي مَا
следующие страницы →