Полный текст (6 163 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
فَأَحْضَرَهُمْ إِسْحَاقُ، وَأَعْلَمَهُمْ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمَأْمُونُ، فَأَجَابَ الْقَوْمُ أَجْمَعُونَ إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ، وَهُمْ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَسَجَّادَةُ، وَالْقَوَارِيرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ الْمَضْرُوبُ، فَأَمَرَ بِهِمْ إِسْحَاقُ فَشُدُّوا فِي الْحَدِيدِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ دَعَاهُمْ فِي الْحَدِيدِ، فَأَعَادَ عَلَيْهِمُ الْمِحْنَةَ، فَأَجَابَهُ سَجَّادَةُ وَالْقَوَارِيرِيُّ، فَأَطْلَقَهُمَا، وَأَصَرَّ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ عَلَى قَوْلِهِمَا، فَشُدَّا فِي الْحَدِيدِ، وَوُجِّهَا إِلَى طَرَسُوسَ، وَكَتَبَ إِلَى الْمَأْمُونِ بِتَأْوِيلِ الْقَوْمِ فِيمَا أَجَابُوا إِلَيْهِ، فَأَجَابَهُ الْمَأْمُونُ: إِنَّنِي بَلَغَنِي عَنْ بِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] ، وَقَدْ أَخْطَأَ التَّأْوِيلَ، إِنَّمَا عَنَى اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ كَانَ مُعْتَقِدًا لِلْإِيمَانِ، مُظْهِرًا لِلشِّرْكِ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ مُعْتَقِدًا لِلشِّرْكِ، مُظْهِرًا لِلْإِيمَانِ، فَلَيْسَ هَذَا لَهُ.
فَأَشْخَصَهُمْ جَمِيعًا إِلَى طَرَسُوسَ لِيُقِيمُوا بِهَا إِلَى أَنْ يَخْرُجَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، فَأَحْضَرَهُمْ إِسْحَاقُ، وَسَيَّرَهُمْ جَمِيعًا إِلَى الْعَسْكَرِ، وَهُمْ: أَبُو حَسَّانَ الزِّيَادِيُّ، وَبِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْفَضْلُ بْنُ غَانِمٍ، وَعَلِيُّ بْنُ مُقَاتِلٍ، وَالذَّيَّالُ بْنُ الْهَيْثَمِ، وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُمَرِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، وَأَبُو الْعَوَّامِ، وَسَجَّادَةُ، وَالْقَوَارِيرِيُّ، (وَابْنُ الْحَسَنِ بْنِ) عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ، وَالنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وَأَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ، وَسَعْدَوَيْهِ الْوَاسِطِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، وَأَبُو مَعْمَرِ بْنُ الْهَرْشِ، وَابْنُ الْفَرُّخَانِ، وَأَحْمَدُ بْنُ شُجَاعٍ، وَأَبُو هَارُونَ بْنُ الْبَكَّاءِ، فَلَمَّا صَارُوا إِلَى الرَّقَّةِ بَلَغَهُمْ مَوْتُ الْمَأْمُونِ فَرَجَعُوا (إِلَى بَغْدَاذَ) .
ذِكْرُ مَرَضِ الْمَأْمُونِ وَوَصِيَّتِهِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَرِضَ الْمَأْمُونُ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ.
وَكَانَ سَبَبَ مَرَضِهِ مَا ذَكَرَهُ سَعْدُ بْنُ الْعَلَّافِ الْقَارِئُ قَالَ: دَعَانِي الْمَأْمُونُ
стр. 2942
يَوْمًا، فَوَجَدْتُهُ جَالِسًا عَلَى جَانِبِ الْبَذَنْدُونِ، وَالْمُعْتَصِمُ عَنْ يَمِينِهِ، وَهُمَا قَدْ دَلَّيَا أَرْجُلَهُمَا فِي الْمَاءِ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَضَعَ رِجْلِي فِي الْمَاءِ، وَقَالَ: ذُقْهُ! فَهَلْ رَأَيْتَ أَعْذَبَ مِنْهُ، أَوْ أَصْفَى صَفَاءً، أَوْ أَشَدَّ بَرْدًا؟ فَفَعَلْتُ، وَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ قَطُّ. فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ يَطِيبُ أَنْ يُؤْكَلَ وَيُشْرَبَ عَلَيْهِ هَذَا الْمَاءُ؟ فَقُلْتُ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَعْلَمُ. فَقَالَ: الرُّطَبُ الْآزَاذُ.
فَبَيْنَمَا هُوَ يَقُولُ [هَذَا] إِذْ سَمِعَ وَقْعَ لُجُمِ الْبَرِيدِ، فَالْتَفَتَ، فَإِذَا بِغَالُ الْبَرِيدِ عَلَيْهَا الْحَقَائِبُ فِيهَا الْأَلْطَافُ، فَقَالَ لِخَادِمٍ [لَهُ] : انْظُرْ إِنْ كَانَ فِي هَذِهِ الْأَلْطَافِ رُطَبُ آزَاذٍ، فَأْتِ بِهِ! فَمَضَى وَعَادَ وَمَعَهُ سَلَّتَانِ فِيهِمَا آزَاذٌ كَأَنَّمَا جُنِيَ تِلْكَ السَّاعَةَ، فَأَظْهَرَ شُكْرًا لِلَّهِ - تَعَالَى - وَتَعَجَّبْنَا جَمِيعًا، وَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، فَمَا قَامَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ مَحْمُومٌ، وَكَانَتْ مَنِيَّةُ الْمَأْمُونِ مِنْ تِلْكَ الْعِلَّةِ، وَلَمْ يَزَلِ الْمُعْتَصِمُ مَرِيضًا حَتَّى دَخَلَ الْعِرَاقَ، وَبَقِيتُ أَنَا مَرِيضًا مُدَّةً.
فَلَمَّا مَرِضَ الْمَأْمُونُ أَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ إِلَى الْبِلَادِ الْكُتُبُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ الْمَأْمُونِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَخِيهِ الْخَلِيفَةِ مِنْ بَعْدِهِ أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ، وَأَوْصَى إِلَى الْمُعْتَصِمِ بِحَضْرَةِ ابْنِهِ الْعَبَّاسِ، وَبِحَضْرَةِ الْفُقَهَاءِ، وَالْقُضَاةِ، وَالْقُوَّادِ، وَكَانَتْ وَصِيَّتُهُ، بَعْدَ الشَّهَادَةِ، وَالْإِقْرَارِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَالْبَعْثِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالْأَنْبِيَاءِ -: إِنِّي مُقِرٌّ مُذْنِبٌ، أَرْجُو وَأَخَافُ، إِلَّا أَنِّي إِذَا ذَكَرْتُ عَفْوَ اللَّهِ رَجَوْتُ، وَإِذَا مُتُّ فَوَجِّهُونِي، وَغَمِّضُونِي، وَأَسْبِغُوا وَضُوئِي وَطَهُورِي، وَأَجِيدُوا كَفَنِي، ثُمَّ أَكْثِرُوا حَمْدَ اللَّهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَمَعْرِفَةِ حَقِّهِ عَلَيْكُمْ فِي مُحَمَّدٍ ﷺ إِذْ جَعَلَنَا مِنْ أُمَّتِهِ الْمَرْحُومَةِ، ثُمَّ أَضْجِعُونِي عَلَى سَرِيرِي، ثُمَّ عَجِّلُوا بِي، وَلْيُصَلِّ عَلَيَّ أَقْرَبُكُمْ نَسَبًا وَأَكْبَرُكُمْ سِنًّا، وَلْيُكَبِّرْ خَمْسًا، ثُمَّ احْمِلُونِي وَابْلُغُوا بِي حُفْرَتِي، وَلْيَنْزِلْ بِي أَقْرَبُكُمْ قَرَابَةً، وَأَوَدُّكُمْ مَحَبَّةً.
وَأَكْثِرُوا مِنْ حَمْدِ اللَّهِ وَذِكْرِهِ، ثُمَّ ضَعُونِي عَلَى شِقِّيَ الْأَيْمَنِ، وَاسْتَقْبِلُوا بِي الْقِبْلَةَ، ثُمَّ حُلُّوا كَفَنِي عَنْ رَأْسِي وَرِجْلِي، ثُمَّ سُدُّوا اللَّحْدَ وَاخْرُجُوا عَنِّي، وَخَلُّونِي وَعَمَلِي، وَكُلُّكُمْ لَا يُغْنِي عَنِّي شَيْئًا، وَلَا يَدْفَعُ عَنِّي مَكْرُوهًا، ثُمَّ قِفُوا بِأَجْمَعِكُمْ، فَقُولُوا خَيْرًا إِنْ عَلِمْتُمْ، وَأَمْسِكُوا عَنْ ذِكْرِ شَرٍّ إِنْ كُنْتُمْ عَرَفْتُمْ، فَإِنِّي مَأْخُوذٌ مِنْ بَيْنِكُمْ بِمَا تَقُولُونَ، وَلَا تَدَعُوا بَاكِيَةً عِنْدِي، فَإِنَّ الْمُعْوَلَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ، رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا اتَّعَظَ وَفَكَّرَ فِيمَا حَتَّمَ اللَّهُ عَلَى خَلْقِهِ
стр. 2943
مِنَ الْفَنَاءِ، وَقَضَى عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَوْتِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي تَوَحَّدَ بِالْبَقَاءِ، وَقَضَى عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ الْفَنَاءَ.
[ثُمَّ] لْيُنْظَرْ مَا كُنْتُ فِيهِ مِنْ عِزِّ الْخِلَافَةِ، هَلْ أَغْنَى عَنِّي ذَلِكَ شَيْئًا إِذْ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ؟ لَا وَاللَّهِ، وَلَكِنْ أُضْعِفَ عَلَيَّ بِهِ الْحِسَابُ، فَيَالَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هَارُونَ لَمْ يَكُنْ بَشَرًا، بَلْ لَيْتَهُ لَمْ يَكُنْ خَلْقًا.
يَا أَبَا إِسْحَاقَ، ادْنُ مِنِّي، وَاتَّعِظْ بِمَا تَرَى، وَخُذْ بِسِيرَةِ أَخِيكَ فِي الْقُرْآنِ وَالْإِسْلَامِ، وَاعْمَلْ فِي الْخِلَافَةِ إِذَا طَوَّقَكَهَا اللَّهُ عَمَلَ الْمُرِيدِ لِلَّهِ، الْخَائِفِ مِنْ عِقَابِهِ وَعَذَابِهِ، وَلَا تَغْتَرَّ بِاللَّهِ وَمُهْلَتِهِ، فَكَأَنَّ قَدْ نَزَلَ بِكَ الْمَوْتُ، وَلَا تَغْفَلْ أَمْرَ الرَّعِيَّةِ وَالْعَوَامِّ، فَإِنَّ الْمُلْكَ بِهِمْ وَبِتَعَهُّدِكَ لَهُمْ، اللَّهَ اللَّهَ فِيهِمْ، وَفِي غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَنْتَهِيَنَّ إِلَيْكَ أَمْرٌ فِيهِ صَلَاحٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَمَنْفَعَةٌ إِلَّا قَدَّمْتَهُ، وَآثَرْتَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ هَوَاكَ.
وَخُذْ مِنْ أَقْوِيَائِهِمْ لِضُعَفَائِهِمْ، وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْهِمْ فِي شَيْءٍ، وَأَنْصِفْ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ بِالْحَقِّ بَيْنَهُمْ، وَقَرِّبْهُمْ، وَتَأَنَّ بِهِمْ، وَعَجِّلِ الرِّحْلَةَ عَنِّي، وَالْقُدُومَ إِلَى دَارِ مُلْكِكَ بِالْعِرَاقِ، وَانْظُرْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الَّذِينَ أَنْتَ بِسَاحَتِهِمْ، فَلَا تَغْفَلْ عَنْهُمْ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَالْخُرَّمِيَّةُ فَأَغْزِهِمْ ذَا حَزَامَةٍ وَصَرَامَةٍ وَجَلَدٍ، وَاكْنُفْهُ بِالْأَمْوَالِ وَالْجُنُودِ، فَإِنْ طَالَتْ مُدَّتُهُمْ فَتَجَرَّدْ لَهُمْ بِمَنْ مَعَكَ [مِنْ] أَنْصَارِكَ وَأَوْلِيَائِكَ، وَاعْمَلْ فِي ذَلِكَ عَمَلَ مُقَدِّمِ النِّيَّةِ فِيهِ، رَاجِيًا ثَوَابَ اللَّهِ عَلَيْهِ.
ثُمَّ دَعَا الْمُعْتَصِمَ، بَعْدَ سَاعَةٍ، حِينَ اشْتَدَّ الْوَجَعُ، وَأَحَسَّ بِمَجِيءِ أَمْرِ اللَّهِ فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ! عَلَيْهِ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ، وَذِمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَتَقُومَنَّ بِحَقِّ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ، وَلَتُؤْثِرَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ عَلَى مَعْصِيَتِهِ إِذْ أَنَا نَقَلْتُهَا مِنْ غَيْرِكَ إِلَيْكَ. قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ! قَالَ: هَؤُلَاءِ بَنُو عَمِّكَ مِنْ وَلَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمْ، وَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَاقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَلَا تَغْفَلْ صِلَاتِهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ عِنْدَ مَحَلِّهَا، فَإِنَّ حُقُوقَهُمْ تَجِبُ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى، اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْمَلُوا لَهُ، وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي أُمُورِكُمْ كُلِّهَا، أَسْتَوْدِعُكُمُ اللَّهَ وَنَفْسِي،
стр. 2944
وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مَا سَلَفَ مِنِّي إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، فَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ كَيْفَ نَدَمِي عَلَى ذُنُوبِي، فَعَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ مِنْ عَظِيمِهَا، وَإِلَيْهِ أُنِيبُ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الْهُدَى وَالرَّحْمَةِ.
ذِكْرُ وَفَاةِ الْمَأْمُونِ وَعُمْرِهِ وَصِفَتِهِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْمَأْمُونُ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ رَجَبٍ، فَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ وَحَضَرَهُ الْمَوْتُ، كَانَ عِنْدَهُ مَنْ يُلَقِّنُهُ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الشَّهَادَةَ وَعِنْدَهُ ابْنُ مَاسَوْيَهِ الطَّبِيبُ، فَقَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: دَعْهُ، فَإِنَّهُ لَا يُفَرِّقُ فِي هَذِهِ الْحَالِ بَيْنَ رَبِّهِ وَمَانِي. فَفَتَحَ الْمَأْمُونُ عَيْنَيْهِ، وَأَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَعَجَزَ عَنْ ذَلِكَ، وَأَرَادَ الْكَلَامَ فَعَجَزَ عَنْهُ، ثُمَّ إِنَّهُ تَكَلَّمَ فَقَالَ: يَا مَنْ لَا يَمُوتُ ارْحَمْ مَنْ يَمُوتُ. ثُمَّ تُوُفِّيَ مِنْ سَاعَتِهِ.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ حَمَلَهُ ابْنُهُ الْعَبَّاسُ، وَأَخُوهُ الْمُعْتَصِمُ إِلَى طَرَسُوسَ، فَدَفَنَاهُ بِدَارِ خَاقَانَ خَادِمِ الرَّشِيدِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْمُعْتَصِمُ، وَوَكَّلُوا بِهِ حَرَسًا مِنْ أَبْنَاءِ أَهْلِ طَرَسُوسَ وَغَيْرِهِمْ، مِائَةَ رَجُلٍ، وَأُجْرِيَ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ تِسْعُونَ دِرْهَمًا.
وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ عِشْرِينَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، سِوَى سِنِينَ كَانَ دُعِيَ لَهُ فِيهَا بِمَكَّةَ، وَأَخُوهُ الْأَمِينُ مَحْصُورٌ بِبَغْدَاذَ، وَكَانَ مُوْلِدُهُ لِلنِّصْفِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَتْ كُنْيَتُهُ أَبَا الْعَبَّاسِ، وَكَانَ رَبْعَةً، أَبْيَضَ، جَمِيلًا، طَوِيلَ اللِّحْيَةِ رَقِيقَهَا، قَدْ وَخَطَهَا الشَّيْبُ. وَقِيلَ: كَانَ أَسْمَرَ، تَعْلُوهُ صُفْرَةٌ، أَجْنَى، أَعْيَنَ، ضَيِّقَ الْبَلْجَةِ، بِخَدِّهِ خَالٌ أَسْوَدُ.
ذِكْرُ بَعْضِ سِيرَتِهِ وَأَخْبَارِهِ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ السَّرَخْسِيُّ: تَعَرَّضَ رَجُلٌ لِلْمَأْمُونِ بِالشَّامِ مِرَارًا، وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، انْظُرْ لِعَرَبِ الشَّامِ كَمَا نَظَرْتَ لِعَجَمِ خُرَاسَانَ! فَقَالَ لَهُ: أَكْثَرْتَ عَلَيَّ، وَاللَّهِ مَا أَنْزَلْتُ قَيْسًا مِنْ ظُهُورِ خُيُولِهَا إِلَّا وَأَنَا أَرَى أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي بَيْتِ مَالِي دِرْهَمٌ وَاحِدٌ - يَعْنِي فِتْنَةَ ابْنِ شَبَثٍ الْعَامِرِيِّ - وَأَمَّا الْيَمَنُ فَوَاللَّهِ مَا أَحْبَبْتُهَا، وَلَا أَحَبَّتْنِي قَطُّ، وَأَمَّا قُضَاعَةُ
стр. 2945
فَسَادَاتُهَا تَنْتَظِرُ السُّفْيَانِيَّ، حَتَّى تَكُونَ مِنْ أَشْيَاعِهِ، وَأَمَّا رَبِيعَةُ فَسَاخِطَةٌ عَلَى رَبِّهَا مُذْ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنْ مُضَرَ، وَلَمْ يَخْرُجِ اثْنَانِ إِلَّا وَخَرَجَ أَحَدُهُمَا شَارِيًا، اعْزُبْ، فَعَلَ اللَّهُ بِكَ.
وَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ زِيَادٍ (أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ عَلَى الْمَأْمُونِ بِدِمَشْقَ قَالَ لَهُ: أَرِنِي الْكِتَابَ) الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَأَرَيْتُهُ. قَالَ: فَقَالَ: إِنِّي لَأَشْتَهِي أَنْ أَدْرِيَ إِيشْ هَذَا الْغِشَاءُ عَلَى هَذَا الْخَاتَمِ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْمُعْتَصِمُ: حِلَّ الْعَقْدَ حَتَّى تَدْرِي مَا هُوَ! قَالَ: مَا أَشُكُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَقَدَ هَذَا الْعَقْدَ، وَمَا كُنْتُ لِأَحِلَّ عُقْدَةً عَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ لِلْوَاثِقِ: خُذْهُ وَضَعْهُ عَلَى عَيْنَيْكَ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَشْفِيَكَ! وَجَعَلَ الْمَأْمُونُ يَضَعُهُ عَلَى عَيْنَيْهِ وَيَبْكِي.
وَقَالَ الْعَيْشِيُّ صَاحِبُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: كُنْتُ مَعَ الْمَأْمُونِ بِدِمَشْقَ، وَكَانَ قَدْ قَلَّ الْمَالُ عِنْدَهُ، حَتَّى أَضَاقَ، وَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الْمُعْتَصِمِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَأَنَّكَ بِالْمَالِ وَقَدْ وَافَاكَ بَعْدَ جُمُعَةٍ. وَكَانَ قَدْ حُمِلَ إِلَيْهِ ثَلَاثُونَ أَلْفَ أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ خَرَاجِ مَا يَتَوَلَّاهُ لَهُ، فَلَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ الْمَالُ قَالَ الْمَأْمُونُ لِيَحْيَى بْنِ أَكْتَمَ: اخْرُجْ بِنَا نَنْظُرْ هَذَا الْمَالَ، فَخَرَجَا يَنْظُرَانِهِ، وَكَانَ قَدْ هُيِّئَ بِأَحْسَنِ هَيْئَةٍ، وَحُلِّيَتْ أَبَاعِرُهُ، فَنَظَرَ الْمَأْمُونُ إِلَى شَيْءٍ حَسَنٍ، وَاسْتَكْثَرَ ذَلِكَ وَاسْتَبْشَرَ بِهِ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ وَيَعْجَبُونَ، فَقَالَ الْمَأْمُونُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، نَنْصَرِفُ بِالْمَالِ وَأَصْحَابُنَا يَرْجِعُونَ خَائِبِينَ، إِنَّ هَذَا لَلُؤْمٌ! ثُمَّ دَعَا مُحَمَّدَ بْنَ يَزْدَادَ، فَقَالَ لَهُ: وَقِّعْ لِآلِ فُلَانٍ بِأَلْفِ أَلْفٍ، وَلِآلِ فُلَانٍ بِمِثْلِهَا، وَلِآلِ فُلَانٍ بِمِثْلِهَا، فَمَا زَالَ كَذَلِكَ حَتَّى فَرَّقَ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، وَرِجْلُهُ فِي الرِّكَابِ، ثُمَّ قَالَ: ادْفَعِ الْبَاقِيَ إِلَى الْمُعَلَّى يُعْطِيهِ جُنْدَنَا.
قَالَ الْعَيْشِيُّ: فَقُمْتُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ أَنْظُرُ إِلَيْهِمَا، فَلَمَّا رَآنِي كَذَلِكَ قَالَ: وَقِّعْ لِهَذَا بِخَمْسِينَ أَلْفًا. فَقَبَضْتُهَا.
وَذُكِرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ أَنَّهُ كَانَ بِالْبَصْرَةِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمِ بْنِ سَعْدٍ، وَكَانَ شَاعِرًا ظَرِيفًا خَبِيثًا مُنْكَرًا، وَكُنْتُ آنَسُ بِهِ، وَأَسْتَحْلِيهِ، فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ شَاعِرٌ وَأَنْتَ ظَرِيفٌ، وَالْمَأْمُونُ أَجْوَدُ مِنَ السَّحَابِ الْحَافِلِ، فَمَا يَمْنَعُكَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: مَا عِنْدِي مَا
стр. 2946
يَحْمِلُنِي. فَقُلْتُ: أَنَا أُعْطِيكَ رَاحِلَةً وَنَفَقَةً. فَأَعْطَيْتُهُ رَاحِلَةً نَجِيبَةً، وَثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَعَمِلَ أُرْجُوزَةً لَيْسَتْ بِالطَّوِيلَةِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى الْمَأْمُونِ.
قَالَ: فَجِئْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ بِسَلَغُوسَ. قَالَ: فَلَبِسْتُ ثِيَابِي، وَأَنَا أَرُومُ بِالْعَسْكَرِ، وَإِذَا بِكَهْلٍ عَلَى بَغْلٍ فَارِهٍ، فَتَلَقَّانِي مُوَاجَهَةً وَأَنَا أُرَدِّدُ نَشِيدَ أُرْجُوزَتِي
فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ.
فَقُلْتُ: عَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
قَالَ: قِفْ إِنْ شِئْتَ!
فَوَقَفْتُ فَتَضَوَّعَتْ مِنْهُ رَائِحَةُ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ.
فَقَالَ: مَا أَوَّلُكَ؟
قُلْتُ: رَجُلٌ مِنْ مُضَرَ.
قَالَ: وَنَحْنُ مِنْ مُضَرَ.
ثُمَّ قَالَ: مَاذَا؟
قُلْتُ: مِنْ بَنِي تَمِيمٍ. قَالَ: وَمَا بَعْدَ تَمِيمٍ؟
قُلْتُ: مِنْ بَنِي سَعْدٍ.
قَالَ: وَمَا أَقْدَمَكَ؟
قُلْتُ: قَصَدْتُ هَذَا الْمَلِكَ الَّذِي مَا سَمِعْتُ بِمِثْلِهِ أَنْدَى رَائِحَةً، وَلَا أَوْسَعَ رَاحَةً.
قَالَ: فَمَا الَّذِي قَصَدْتَهُ بِهِ؟
قُلْتُ: شِعْرٌ طَيِّبٌ يَلَذُّ عَلَى الْأَفْوَاهِ، وَيَحْلُو فِي آذَانِ السَّامِعِينَ.
قَالَ: فَأَنْشِدْنِيهِ! فَغَضِبْتُ وَقُلْتُ: يَا رَكِيكُ، أَخْبَرْتُكَ أَنِّي قَصَدْتُ الْخَلِيفَةَ بِمَدِيحٍ تَقُولُ: أَنْشِدْنِيهِ؟ فَتَغَافَلَ عَنْهَا وَأَلْغَى عَنْ جَوَابِهَا.
فَقَالَ: فَمَا الَّذِي تَأْمُلُ مِنْهُ؟
قُلْتُ: إِنْ كَانَ عَلَى مَا ذُكِرَ لِي، فَأَلْفُ دِينَارٍ. (قَالَ: أَنَا أُعْطِيكَ أَلْفَ دِينَارٍ) ، إِنْ رَأَيْتُ الشِّعْرَ جَيْدًا، وَالْكَلَامَ عَذْبًا، وَأَضَعُ عَنْكَ الْعَنَاءَ، وَطُولَ التِّرْدَادِ حَتَّى تَصِلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ، وَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَشَرَةُ آلَافِ رَامِحٍ وَنَابِلٍ.
стр. 2947
قُلْتُ: فَلِي عَلَيْكَ اللَّهُ أَنْ تَفْعَلَ! قَالَ: نَعَمْ، لَكَ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَفْعَلَ. فَأَنْشَدْتُهُ: مَأْمُونُ يَا ذَا الْمِنَنِ الشَّرِيفَهْ وَصَاحِبَ الْمَرْتَبَةِ الْمُنِيفَهْ وَقَائِدَ الْكَتِيبَةِ الْكَثِيفَهْ هَلْ لَكَ فِي أُرْجُوزَةٍ ظَرِيفَهْ أَظْرَفَ مِنْ فِقْهِ أَبِي حَنِيفَةْ لَا وَالَّذِي أَنْتَ لَهُ خَلِيفَهْ مَا ظُلِمَتْ فِي أَرْضِنَا ضَعِيفَهْ أَمِيرُنَا مُؤْنَتُهُ خَفِيفَهْ وَمَا اقْتَنَى شَيْئًا سِوَى الْوَظِيفَهْ فَالذِّئْبُ وَالنَّعْجَةُ فِي سَقِيفَهْ وَاللِّصُّ وَالتَّاجِرُ فِي قَطِيفَهْ
قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا عَدَا أَنْ بَلَغْتُ هَاهُنَا، فَإِذَا زُهَاءَ عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ، قَدْ سَدُّوا الْأُفُقَ يَقُولُونَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
قَالَ: فَأَخَذَتْنِي رِعْدَةٌ، فَنَظَرَ إِلَيَّ بِتِلْكَ الْحَالِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ أَيْ أَخِي. قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، جَعَلَنِي اللَّهُ فَدَاكَ، مَنْ جَعَلَ الْكَافَ مَكَانَ الْقَافِ مِنَ الْعَرَبِ؟ قَالَ: حِمْيَرُ. قُلْتُ: لَعَنَ اللَّهُ حِمْيَرَ، وَلَعَنَ مَنِ اسْتَعْمَلَ هَذِهِ اللُّغَةَ بَعْدَ الْيَوْمِ.
وَضَحِكَ الْمَأْمُونُ، وَقَالَ لِخَادِمٍ مَعَهُ: أَعْطِهِ مَا مَعَكَ، فَأَخْرَجَ كِيسًا فِيهِ ثَلَاثَةُ آلَافِ دِينَارٍ، فَأَخَذْتُهَا وَمَضَيْتُ.
وَمَعْنَى سُؤَالِهِ عَنْ وَضْعِ الْكَافِ مَوْضِعَ الْقَافِ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: يَا رَقِيقُ، فَقَالَ: يَا رَكِيكُ.
стр. 2948
وَقَالَ عُمَارَةُ بْنُ عَقِيلٍ: أَنْشَدْتُ الْمَأْمُونَ قَصِيدَةً مِائَةَ بَيْتٍ، فَأَبْتَدِئُ بِصَدْرِ الْبَيْتِ، فَيُبَادِرُنِي إِلَى قَافِيَتِهِ كَمَا قَفَّيْتُهُ.
فَقُلْتُ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا سَمِعَهَا مِنِّي أَحَدٌ قَطُّ. فَقَالَ: هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ قَالَ لِي: أَمَا بَلَغَكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ أَنْشَدَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَصِيدَتَهُ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا: تَشُطُّ غَدًا دَارُ جِيرَانِنَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَلدَّارُ بَعْدَ غَدٍ أَبْعَدُ. . . . حَتَّى أَنْشَدَهُ الْقَصِيدَةَ يُقَفِّيهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا ابْنُ ذَاكَ.
وَذُكِرَ أَنَّ الْمَأْمُونَ قَالَ:
بَعَثْتُكَ مُرْتَادًا فَفُزْتَ بِنَظْرَةٍ ... وَأَغْفَلْتَنِي حَتَّى أَسَأْتُ بِكَ الظَّنَّا
فَنَاجَيْتَ مَنْ أَهْوَى وَكُنْتُ مُبَاعَدًا ... فَيَا لَيْتَ شِعْرِي عَنْ دُنُوِّكَ مَا أَغْنَى
أَرَى أَثَرًا مِنْهُ بِعَيْنَيْكَ بَيِّنًا ... لَقَدْ أَخَذَتْ عَيْنَاكَ مِنْ عَيْنِهِ حُسْنَا
قِيلَ: وَإِنَّمَا أَخَذَ الْمَأْمُونُ هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الْعَبَّاسِ بْنِ الْأَحْنَفِ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ هَذَا الْمَعْنَى فَقَالَ: إِنْ تَشْقَ عَيْنِي بِهَا فَقَدْ سَعِدَتْ عَيْنُ رَسُولِي وَفُزْتُ بِالْخَبَرِ وَكُلَّمَا جَاءَنِي الرَّسُولُ لَهَا رَدَّدْتُ عَمْدًا فِي عَيْنِهِ نَظَرِي خُذْ مُقْلَتِي يَا رَسُولُ عَارِيَةً فَانْظُرْ بِهَا وَاحْتَكِمْ عَلَى بَصَرِي
قِيلَ: وَشَكَا الْيَزِيدِيُّ يَوْمًا إِلَى الْمَأْمُونِ دَيْنًا لَحِقَهُ، فَقَالَ: مَا عِنْدِي فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مَا إِنْ أَعْطَيْنَاكَ بَلَغْتَ بِهِ مَا تُرِيدُ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ غُرَمَائِي قَدْ أَرْهَقُونِي. قَالَ: انْظُرْ لِنَفْسِكَ أَمْرًا تَنَالُ بِهِ نَفْعًا. قَالَ: إِنَّ لَكَ نُدَمَاءَ، فِيهِمْ مَنْ إِنْ حَرَّكْتَهُ نِلْتُ بِهِ نَفْعًا.
стр. 2949
قَالَ: أَفْعَلُ. قَالَ: إِذَا حَضَرُوا عِنْدَكَ فَمُرْ فُلَانًا الْخَادِمَ يُوصِلُ رُقْعَتِي إِلَيْكَ، فَإِذَا قَرَأْتَهَا فَأَرْسِلْ إِلَيَّ: دُخُولُكَ (فِي هَذَا الْوَقْتِ) مُتَعَذَّرٌ، وَلَكِنِ اخْتَرْ لِنَفْسِكَ مَنْ أَحْبَبْتَ. قَالَ: أَفْعَلُ. فَلَمَّا عَلِمَ الْيَزِيدِيُّ جُلُوسَ الْمَأْمُونِ مَعَ نُدَمَائِهِ، وَتَيَقَّنَ أَنَّهُمْ قَدْ أَخَذَ الشَّرَابُ مِنْهُمْ، أَتَى الْبَابَ، فَدَخَلَ، فَدَفَعَ إِلَى الْخَادِمِ رُقْعَتَهُ، فَإِذَا فِيهَا: يَا خَيْرَ إِخْوَانِي وَأَصْحَابِي! هَذَا الطُّفَيْلِيُّ عَلَى الْبَابِ خُبِّرَ أَنَّ الْقَوْمَ فِي لَذَّةٍ يَصْبُو إِلَيْهَا كُلُّ أَوَّابِ فَصَيِّرُونِي وَاحِدًا مِنْكُمْ أَوْ أَخْرِجُوا لِي بَعْضَ أَتْرَابِي
فَقَرَأَهَا الْمَأْمُونُ عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا: مَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْنَا عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمَأْمُونُ: دُخُولُكَ فِي هَذَا الْوَقْتِ مُتَعَذَّرٌ، فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ مَنْ أَحْبَبْتَ! فَقَالَ: مَا أُرِيدُ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَاهِرٍ. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: قَدِ اخْتَارَكَ فَصِرْ إِلَيْهِ! قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَكُونُ شَرِيكَ الطُّفَيْلِيِّ؟ فَقَالَ: مَا يُمْكِنُ رَدُّ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ أَمْرَيْنِ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِ، وَإِلَّا فَافْتَدِ نَفْسَكَ مِنْهُ! فَقَالَ: عَلَيَّ عَشَرَةُ آلَافٍ. قَالَ: لَا يُقْنِعُهُ. فَمَا زَالَ يَزِيدُ عَشَرَةً عَشَرَةً وَالْمَأْمُونُ يَقُولُ: لَا يُقْنِعُهُ، حَتَّى بَلَغَ مِائَةَ أَلْفٍ، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: فَعَجِّلْهَا. فَكَتَبَ بِهَا إِلَى وَكِيلِهِ، وَوَجَّهَ مَعَهُ رَسُولًا، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمَأْمُونُ: قَبْضُ هَذِهِ الدَّرَاهِمِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ أَصْلَحُ مِنْ مُنَادَمَتِهِ، وَأَنْفَعُ لَكَ.
وَقَالَ عُمَارَةُ بْنُ عَقِيلٍ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي السِّمْطِ: أَعَلِمْتَ أَنَّ الْمَأْمُونَ لَا يُبْصِرُ الشِّعْرَ؟ قُلْتُ: وَمَنْ يَكُونُ أَعْلَمَ مِنْهُ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنُنْشِدُهُ أَوَّلَ الْبَيْتِ فَيَسْبِقُنَا إِلَى آخِرِهِ. قَالَ: إِنِّي أَنْشَدْتُهُ بَيْتًا أَجَدْتُ فِيهِ، فَلَمْ يَتَحَرَّكْ لَهُ. قُلْتُ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ:
أَضْحَى إِمَامُ الْهُدَى الْمَأْمُونُ مُشْتَغِلًا ... بِالدِّينِ وَالنَّاسُ بِالدُّنْيَا مَشَاغِيلُ
قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، وَهَلْ زِدْتَ عَلَى أَنْ جَعَلْتَهُ عَجُوزًا فِي مِحْرَابِهَا، فَمَنِ الَّذِي يَقُومُ بِأَمْرِ الدُّنْيَا إِذَا تَشَاغَلَ عَنْهَا، وَهُوَ الْمُطَوَّقُ بِهَا؟ هَلَّا قُلْتَ كَمَا قَالَ (جَدِّي جَرِيرٌ فِي عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْوَلِيدِ:
فَلَا هُوَ فِي الدُّنْيَا يُضِيعُ نَصِيبَهُ ... وَلَا عَرَضُ الدُّنْيَا عَنِ الدِّينِ شَاغِلُهْ
فَقَالَ: الْآنَ عَلِمْتُ أَنِّي قَدْ أَخْطَأْتُ.
стр. 2950
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ: كَانَ الْمَأْمُونُ شَدِيدَ الْمَيْلِ إِلَى الْعَلَوِيِّينَ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَخَبَرُهُ مَشْهُورٌ مَعَهُمْ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ طَبْعًا لَا تَكَلُّفًا، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي أَيَّامِهِ يَحْيَى بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيُّ، فَحَضَرَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ، وَرَأَى النَّاسَ عَلَيْهِ مِنَ الْحُزْنِ وَالْكَآبَةِ مَا تَعَجَّبُوا مِنْهُ.
ثُمَّ إِنَّ وَلَدًا لِزَيْنَبَ بِنْتِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّ الْمَنْصُورِ، تُوُفِّيَ بَعْدَهُ، فَأَرْسَلَ لَهُ الْمَأْمُونُ كَفَنًا، وَسَيَّرَ أَخَاهُ صَالِحًا لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، وَيُعَزِّيَ أُمَّهُ، فَإِنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ الْعَبَّاسِيِّينَ بِمَنْزِلَةٍ عَظِيمَةٍ، فَأَتَاهَا، وَعَزَّاهَا عَنْهُ، وَاعْتَذَرَ عَنْ تَخَلُّفِهِ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَظَهَرَ غَضَبُهَا، وَقَالَتْ لِابْنِ ابْنِهَا: تَقَدَّمْ فَصَلِّ عَلَى أَبِيكَ، وَتَمَثَّلَتْ:
سَبَكْنَاهُ وَنَحْسَبُهُ لُجَيْنًا ... فَأَبْدَى الْكِيرُ عَنْ خَبَثِ الْحَدِيدِ
ثُمَّ قَالَتْ لِصَالِحٍ: قُلْ لَهُ، يَابْنَ مَرَاجِلَ: أَمَّا لَوْ كَانَ يَحْيَى بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدٍ لَوَضَعْتَ ذَيْلَكَ عَلَى فِيكَ وَعَدَوْتَ خَلْفَ جِنَازَتِهِ.
стр. 2951
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[بَقِيَّةُ سَنَةِ ٢١٨ هـ]
ذِكْرُ خِلَافَةِ الْمُعْتَصِمِ
هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الرَّشِيدِ، بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ مَوْتِ الْمَأْمُونِ، وَلَمَّا بُويِعَ لَهُ شَغَبَ الْجُنْدُ، وَنَادَوْا بِاسِمِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْمَأْمُونِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمُعْتَصِمُ فَأَحْضَرَهُ، فَبَايَعَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْجُنْدِ، فَقَالَ: مَا هَذَا الْحُبُّ الْبَارِدُ؟ قَدْ بَايَعْتُ عَمِّي، فَسَكَتُوا، وَأَمَرَ الْمُعْتَصِمُ بِخَرَابِ مَا كَانَ الْمَأْمُونُ أَمَرَ بِبِنَائِهِ مِنْ طُوَانَةَ، (مِمَّا نَذْكُرُهُ فِي عِدَّةِ حَوَادِثَ) ، وَحَمَلَ مَا أَطَاقَ مِنَ السِّلَاحِ وَالْآلَةِ الَّتِي بِهَا، وَأَحْرَقَ الْبَاقِيَ، وَأَعَادَ النَّاسَ الَّذِينَ بِهَا إِلَى الْبِلَادِ الَّتِي لَهُمْ، وَانْصَرَفَ إِلَى بَغْدَادَ، وَمَعَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ الْمَأْمُونِ، فَقَدِمَهَا مُسْتَهَلَّ شَهْرِ رَمَضَانَ.
ذِكْرُ خِلَافِ فَضْلٍ عَلَى زِيَادَةِ اللَّهِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَجَّهَ زِيَادَةُ اللَّهِ بْنُ الْأَغْلَبِ، صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ، جَيْشًا لِمُحَارَبَةِ فَضْلِ بْنِ أَبِي الْعَنْبَرِ بِالْجَزِيرَةِ، وَكَانَ مُخَالِفًا لِزِيَادَةِ اللَّهِ، فَاسْتَمَدَّ فَضْلٌ بِعَبْدِ السَّلَامِ بْنِ الْمُفَرِّجِ الرَّبْعِيِّ، وَكَانَ أَيْضًا مُخَالِفًا مِنْ عَهْدِ فِتْنَةِ مَنْصُورٍ، كَمَا ذَكَرْنَا، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَالْتَقَوْا مَعَ عَسْكَرِ زِيَادَةِ اللَّهِ، وَجَرَى بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ قِتَالٌ شَدِيدٌ عِنْدَ مَدِينَةِ الْيَهُودِ بِالْجَزِيرَةِ، فَقُتِلَ عَبْدُ السَّلَامِ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى زِيَادَةِ اللَّهِ.
وَسَارَ فَضْلُ بْنُ أَبِي الْعَنْبَرِ إِلَى مَدِينَةِ تُونِسَ، فَدَخَلَهَا، وَامْتَنَعَ بِهَا، فَسَيَّرَ زِيَادَةُ اللَّهِ إِلَيْهِ جَيْشًا فَحَصَرُوا فَضْلًا بِهَا، وَضَيَّقُوا عَلَيْهِ حَتَّى فَتَحُوهَا مِنْهُ، وَقُتِلَ وَقْتَ دُخُولِ الْعَسْكَرِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا، مِنْهُمْ: عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الْفَقِيهُ، وَكَانَ دَخَلَ فِي بَيْتِهِ لَمْ يُقَاتِلْ، فَدَخَلَ
стр. 2952
عَلَيْهِ بَعْضُ الْجُنْدِ، فَأَخَذَ سَيْفَهُ، وَخَرَجَ وَهُوَ يَصِيحُ: الْجِهَادَ، فَقُتِلَ، وَبَقِيَ مُلْقًى فِي خَرِبَةٍ سَبْعَةَ أَيَّامٍ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُو نَابٍ وَلَا مِخْلَبٍ، وَكَانَ قَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنَ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَهَرَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ تُونِسَ لَمَّا مُلِكَتْ، ثُمَّ أَمَّنَهُمْ زِيَادَةُ اللَّهِ فَعَادُوا إِلَيْهَا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَادَ الْمَأْمُونُ إِلَى سَلَغُوسَ، وَوَجَّهَ ابْنَهُ الْعَبَّاسَ إِلَى طُوَانَةَ وَأَمَرَهُ بِبِنَائِهَا، وَكَانَ قَدْ وَجَّهَ الْفَعَلَةَ، فَابْتَدَؤُوا فِي بِنَائِهَا مِيلًا فِي مِيلٍ، وَجَعَلَ سُورَهَا عَلَى ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ، وَجَعَلَ لَهَا أَرْبَعَةَ أَبْوَابٍ وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ بَابٍ حِصْنًا، وَكَتَبَ إِلَى الْبُلْدَانِ لِيَفْرِضُوا عَلَى كُلِّ بَلَدٍ جَمَاعَةً يَنْتَقِلُونَ إِلَى طُوَانَةَ، وَأَجْرَى لَهُمْ لِكُلِّ فَارِسٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ، وَلِكُلِّ رَاجِلٍ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ الْمَرِيسِيُّ، وَكَانَ يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَالْإِرْجَاءِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْبِدَعِ.
وَفِيهَا دَخَلَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْجِبَالِ، وَهَمَذَانَ، وَأَصْبَهَانَ، وَمَاسَبَذَانَ، وَغَيْرِهَا، فِي دِينِ الْخُرَّمِيَّةِ، وَتَجَمَّعُوا، فَعَسْكَرُوا فِي عَمَلِ هَمَذَانَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمُ الْمُعْتَصِمُ الْعَسَاكِرَ، وَكَانَ فِيهِمْ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ، وَعُقِدَ لَهُ عَلَى الْجِبَالِ فِي شَوَّالَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ فِي أَعْمَالِ هَمَذَانَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ سِتِّينَ أَلْفًا، وَهَرَبَ الْبَاقُونَ إِلَى بَلَدِ الرُّومِ، وَقُرِئَ كِتَابُهُ بِالْفَتْحِ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ.
стр. 2953
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ صَالِحُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
стр. 2954
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعَ عَشَرَةَ وَمِائَتَيْنِ]
٢١٩ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعَ عَشَرَةَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ خِلَافِ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ الْعَلَوِيِّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵇، بِالطَّالَقَانِ مِنْ خُرَاسَانَ، يَدْعُو إِلَى الرِّضَى مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وَكَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِهِ أَنَّهُ كَانَ مُلَازِمًا مَسْجِدَ النَّبِيِّ، ﷺ ، حَسَنَ السِّيرَةِ، فَأَتَاهُ إِنْسَانٌ مِنْ خُرَاسَانَ اسْمُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ كَانَ مُجَاوِرًا، فَلَمَّا رَآهُ أَعْجَبَهُ طَرِيقُهُ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَحَسَّنَ لَهُ ذَلِكَ، وَبَايَعَهُ، وَصَارَ الْخُرَاسَانِيُّ يَأْتِيهِ بِالنَّفَرِ مِنْ حُجَّاجِ خُرَاسَانَ يُبَايِعُونَهُ، فَعَلَ ذَلِكَ مُدَّةً.
فَلَمَّا رَأَى كَثْرَةَ مَنْ بَايَعَهُ مِنْ خُرَاسَانَ سَارُوا جَمِيعًا إِلَى الْجُوزَجَانِ، وَاخْتَفَى هُنَالِكَ، وَجَعَلَ أَبُو مُحَمَّدٍ يَدْعُو النَّاسَ إِلَيْهِ، فَعَظُمَ أَصْحَابُهُ، وَحَمَلَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلَى إِظْهَارِ أَمْرِهِ، فَأَظْهَرَهُ بِالطَّالَقَانِ فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ بِهَا نَاسٌ كَثِيرٌ وَكَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُوَّادِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ وَقَعَاتٌ بِنَاحِيَةِ الطَّالَقَانِ وَجِبَالِهَا، فَانْهَزَمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَخَرَجَ هَارِبًا يُرِيدُ بَعْضَ كُوَرِ خُرَاسَانَ، وَكَانَ أَهْلُهَا كَاتَبُوهُ.
فَلَمَّا صَارَ بِنَسَا، وَبِهَا وَالِدُ بَعْضِ مَنْ مَعَهُ، فَلَمَّا بَصُرَ بِهِ سَأَلَهُ عَنِ الْخَبَرِ فَأَخْبَرَهُ، فَمَضَى الْأَبُ إِلَى عَامِلِ نَسَا، فَأَخْبَرَهُ بِأَمْرِ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ، فَأَعْطَاهُ الْعَامِلُ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ عَلَى دِلَالَتِهِ، وَجَاءَ الْعَامِلُ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَأَخَذَهُ وَاسْتَوْثَقَ مِنْهُ، وَبَعَثَهُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، فَسَيَّرَهُ إِلَى الْمُعْتَصِمِ، فَوَرَدَ إِلَيْهِ مُنْتَصَفَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَحُبِسَ عِنْدَ مَسْرُورٍ
стр. 2955
الْخَادِمِ الْكَبِيرِ، وَأَجْرَى عَلَيْهِ الطَّعَامَ، وَوَكَّلَ بِهِ قَوْمًا يَحْفَظُونَهُ، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ اشْتَغَلَ النَّاسُ بِالْعِيدِ، فَهَرَبَ مِنَ الْحَبْسِ؛ دُلِّيَ إِلَيْهِ حَبْلٌ مِنْ كُوَّةٍ كَانَتْ [فِي أَعْلَى الْبَيْتِ] يَدْخُلُ [عَلَيْهِ] مِنْهَا الضَّوْءُ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا أَتَوْهُ بِالطَّعَامِ، فَلَمْ يَرَوْهُ، فَجَعَلُوا لِمَنْ دَلَّ عَلَيْهِ مِائَةَ أَلْفٍ، فَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ خَبَرٌ.
ذِكْرُ مُحَارِبَةِ الزُّطِّ
وَفِيهَا وَجَّهَ الْمُعْتَصِمُ عُجَيْفَ بْنَ عَنْبَسَةَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ لِحَرْبِ الزُّطِّ الَّذِينَ كَانُوا غَلَبُوا عَلَى طَرِيقِ الْبَصْرَةِ، وَعَاثُوا، وَأَخَذُوا الْغَلَّاتِ مِنَ الْبَيَادِرَ بِكَسْكَرَ وَمَا يَلِيهَا مِنَ الْبَصْرَةِ، وَأَخَافُوا السَّبِيلَ، وَرَتَّبَ عُجَيْفٌ الْخَيْلَ فِي كُلِّ سِكَّةٍ مِنْ سِكَكِ الْبَرِيدِ، تَرْكُضُ بِالْأَخْبَارِ، فَكَانَ يَأْتِي بِالْأَخْبَارِ مِنْ عُجَيْفٍ فِي يَوْمٍ، فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ تَحْتَ وَاسِطَ، وَأَقَامَ عَلَى نَهْرٍ يُقَالُ لَهُ: بَرْدُودَا (حَتَّى سَدَّهُ وَأَنْهَارًا أُخَرَ كَانُوا يَخْرُجُونَ مِنْهَا وَيَدْخُلُونَ) وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الطُّرُقَ، ثُمَّ حَارَبَهُمْ، فَأَسَرَ مِنْهُمْ فِي مَعْرَكَةٍ وَاحِدَةٍ خَمْسَمِائَةِ رَجُلٍ، وَقَتَلَ فِي الْمَعْرَكَةِ ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ، فَضَرَبَ أَعْنَاقَ الْأَسْرَى، وَبَعَثَ الرُّؤُوسَ إِلَى بَابِ الْمُعْتَصِمِ.
ثُمَّ أَقَامَ عُجَيْفٌ بِإِزَاءِ الزُّطِّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَظَفِرَ مِنْهُمْ فِيهَا بِخَلْقٍ كَثِيرٍ.
وَكَانَ رَئِيسُ الزُّطِّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: (مُحَمَّدُ) بْنُ عُثْمَانَ، وَكَانَ صَاحِبُ أَمْرِهِ إِنْسَانًا يُقَالُ لَهُ سُمَاقٌ.
ثُمَّ اسْتَوْطَنَ عُجَيْفٌ، وَأَقَامَ بِإِزَائِهِمْ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ.
ذِكْرُ مُحَاصَرَةِ طُلَيْطِلَةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ الْأُمَوِيُّ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، جَيْشًا
стр. 2956
مَعَ (أُمَيَّةَ بْنِ الْحَكَمِ) إِلَى مَدِينَةِ طُلَيْطِلَةَ فَحَصَرَهَا، وَكَانُوا قَدْ خَالَفُوا الْحُكْمَ، وَخَرَجُوا عَنِ الطَّاعَةِ، وَاشْتَدَّ فِي حَصْرِهِمْ، وَقَطَّعَ أَشْجَارَهُمْ، وَأَهْلَكَ زُرُوعَهُمْ، فَلَمْ يُذْعِنُوا إِلَى الطَّاعَةِ، فَرَحَلَ عَنْهُمْ، وَأَنْزَلَ بِقَلْعَةِ رَبَاحٍ جَيْشًا عَلَيْهِمْ مَيْسَرَةُ، الْمَعْرُوفُ بِفَتَى أَبِي أَيُّوبَ، فَلَمَّا أُبْعِدُوا مِنْهُ خَرَجَ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ طُلَيْطِلَةَ، لَعَلَّهُمْ يَجِدُونَ فُرْصَةً وَغَفْلَةً مِنْ مَيْسَرَةَ، فَيَنَالُوا مِنْهُ وَمِنْ أَصْحَابِهِ غَرَضًا، وَكَانَ مَيْسَرَةُ قَدْ بَلَغَهُ الْخَبَرُ، فَجَعَلَ الْكَمِينَ فِي مَوَاضِعَ، فَلَمَّا وَصَلَ أَهْلُ طُلَيْطِلَةَ إِلَى قَلْعَةِ رَبَاحٍ لِلْغَارَةِ، خَرَجَ الْكَمِينُ عَلَيْهِمْ مِنْ جَوَانِبِهِمْ، وَوَضَعُوا السَّيْفَ فِيهِمْ، وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ، وَعَادَ مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ إِلَى طُلَيْطِلَةَ، وَجُمِّعَتْ رُؤُوسُ الْقَتْلَى، وَحُمِلَتْ إِلَى مَيْسَرَةَ، فَلَمَّا رَأَى كَثْرَتَهَا عَظُمَتْ عَلَيْهِ، وَارْتَاعَ لِذَلِكَ، وَوَجَدَ فِي نَفْسِهِ غَمًّا شَدِيدًا، فَمَاتَ بَعْدَ أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ.
وَفِيهَا أَيْضًا كَانَ بِطُلَيْطِلَةَ فِتْنَةٌ كَبِيرَةٌ، تُعْرَفُ بِمَلْحَمَةِ الْعَرَاسِ، قُتِلَ مِنْ أَهْلِهَا كَثِيرٌ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
[مِحْنَةُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ]
وَفِيهَا أَحْضَرَ الْمُعْتَصِمُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، وَامْتَحَنَهُ بِالْقُرْآنِ، فَلَمْ يُجِبْ إِلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ جَلْدًا عَظِيمًا حَتَّى غَابَ عَقْلُهُ، وَتَقَطَّعَ جِلْدُهُ، وَحُبِسَ مُقَيَّدًا.
وَفِيهَا قَدِمَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ إِلَى بَغْدَادَ فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَمَعَهُ مِنْ أَسْرَى الْخُرَّمِيَّةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَقِيلَ إِنَّهُ قَتَلَ مِنْهُمْ نَحْوَ مِائَةِ أَلْفٍ سِوَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ الْمُلَائِيُّ، مَوْلَى طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ، فِي شَعْبَانَ، وَهُوَ مِنْ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، كَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ شِيعِيًّا، (وَلَهُ طَائِفَةٌ تُنْسَبُ إِلَيْهِ يُقَالُ لَهَا الدُّكَيْنِيَّةُ) .
стр. 2957
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٢٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ ظَفَرِ عُجَيْفٍ بِالزُّطِّ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ دَخَلَ عُجَيْفٌ بِالزُّطِّ بَغْدَاذَ، بَعْدَ أَنْ ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، وَقَاتَلَهُمْ، وَطَلَبُوا مِنْهُ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمْ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ تِسْعَ عَشَرَةَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَتْ عِدَّتُهُمْ مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا، وَالْمُقَاتِلَةُ مِنْهُمُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا، فَلَمَّا خَرَجُوا إِلَيْهِ جَعَلَهُمْ فِي السُّفُنِ، وَعَبَّأَهُمْ فِي سُفُنِهِمْ عَلَى هَيْئَتِهِمْ فِي الْحَرْبِ مَعَهُمُ الْبُوقَاتُ، حَتَّى دَخَلَ بِهِمْ بَغْدَادَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
وَخَرَجَ الْمُعْتَصِمُ إِلَى الشَّمَّاسِيَّةِ فِي سَفِينَةٍ يُقَالُ لَهَا الزَّوُّ، حَتَّى يَمُرَّ بِهِ الزُّطُّ عَلَى تَعْبِئَتِهِمْ وَهُمْ يَنْفُخُونَ فِي الْبُوقَاتِ، وَأَعْطَى عُجَيْفٌ أَصْحَابَهُ كُلَّ رَجُلٍ دِينَارَيْنِ دِينَارَيْنِ، وَأَقَامَ الزُّطُّ فِي سُفُنِهِمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ نُقِلُوا إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَسُلِّمُوا إِلَى بِشْرِ بْنِ السَّمَيْدَعِ، فَذَهَبَ بِهِمْ إِلَى خَانِقِينَ، ثُمَّ نَقَلُوا إِلَى الثَّغْرِ، إِلَى عَيْنِ زَرْبَةَ، فَأَغَارَتِ الرُّومُ عَلَيْهِمْ، فَاجْتَاحُوهُمْ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ.
ذِكْرُ مَسِيرِ الْأَفْشِينِ لِحَرْبِ بَابَكَ الْخُرَّمِيِّ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَقَدَ الْمُعْتَصِمُ لِلْأَفْشِينِ حَيْدَرَ بْنَ كَاوُسَ عَلَى الْجِبَالِ، وَوَجَّهَهُ لِحَرْبِ بَابَكَ فَسَارَ إِلَيْهِ.
وَكَانَ ابْتِدَاءُ خُرُوجِ بَابَكَ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ، فَكَانَتْ مَدِينَتُهُ الْبَذَّ، وَهُزِمَ مِنْ جُيُوشِ السُّلْطَانِ عِدَّةٌ، وَقُتِلَ مِنْ قُوَّادِهِ جَمَاعَةٌ، فَلَمَّا أَفْضَى الْأَمْرُ إِلَى الْمُعْتَصِمِ، وَجَّهَ أَبَا سَعِيدٍ مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ إِلَى أَرْدَبِيلَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَبْنِيَ الْحُصُونَ الَّتِي خَرَّبَهَا بَابَكُ فِيمَا بَيْنَ زَنْجَانَ
стр. 2958
وَأَرْدَبِيلَ، وَيَجْعَلُ فِيهَا الرِّجَالَ تَحْفَظُ الطُّرُقَ لِمَنْ يَجْلِبُ الْمِيرَةَ إِلَى أَرْدَبِيلَ؛ فَتَوَجَّهَ أَبُو سَعِيدٍ لِذَلِكَ، وَبَنَى الْحُصُونَ.
وَوَجَّهَ بَابَكُ سَرِيَّةً فِي بَعْضِ غُزَاتِهِ، فَأَغَارَتْ عَلَى بَعْضِ النَّوَاحِي وَرَجَعَتْ مُنْصَرِفَةً، وَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا سَعِيدٍ؛ فَجَمَعَ النَّاسَ، وَخَرَجَ فِي طَلَبِ السَّرِيَّةِ، فَاعْتَرَضَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَتَلَ أَبُو سَعِيدٍ مِنْ أَصْحَابِ بَابَكَ جَمَاعَةً، وَأَسَرَ جَمَاعَةً، وَاسْتَنْقَذَ مَا كَانُوا أَخَذُوهُ، وَسَيَّرَ الرُّؤُوسَ وَالْأَسْرَى إِلَى الْمُعْتَصِمِ، فَكَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ هَزِيمَةٍ عَلَى أَصْحَابِ بَابَكَ.
ثُمَّ كَانَتِ الْأُخْرَى لِمُحَمَّدِ بْنِ الْبُعَيْثِ، وَذَلِكَ أَنَّ مُحَمَّدًا كَانَ فِي قَلْعَةٍ لَهُ حَصِينَةٍ تُسَمَّى الشَّاهِيَ، كَانَ ابْنُ الْبُعَيْثِ قَدْ أَخَذَهَا مِنِ ابْنِ الرُّوَّادِ، وَهِيَ مِنْ كُورَةِ أَذْرَبِيجَانَ، وَلَهُ حِصْنٌ آخَرُ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ يُسَمَّى تَبْرِيزَ، وَكَانَ مُصَالِحًا لِبَابَكَ، تَنْزِلُ سَرَايَاهُ عِنْدَهُ، فَيُضَيِّفُهُمْ حَتَّى أَنِسُوا بِهِ.
ثُمَّ إِنَّ بَابَكَ وَجَّهَ قَائِدًا اسْمُهُ عِصْمَةُ مِنْ أَصْبَهْبَذِيَّتِهِ فِي سَرِيَّةٍ، فَنَزَلَ بِابْنِ الْبُعَيْثِ، فَأَنْزَلَ لَهُ الضِّيَافَةَ عَلَى عَادَتِهَا، وَاسْتَدْعَاهُ لَهُ فِي خَاصَّتِهِ وَوُجُوهِ أَصْحَابِهِ، فَصَعِدَ فَغَذَّاهُمْ، وَسَقَاهُمُ الْخَمْرَ حَتَّى سَكِرُوا، ثُمَّ وَثَبَ عَلَى عِصْمَةَ، فَاسْتَوْثَقَ مِنْهُ، وَقَتَلَ مَنْ كَانَ مَعَهُمِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُسَمِّيَ رَجُلًا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ؛ فَكَانَ يَدْعُو الرَّجُلَ بِاسْمِهِ، فَيَصْعَدُ، فَيُضْرَبُ عُنُقُهُ، حَتَّى عَلِمُوا بِذَلِكَ فَهَرَبُوا. وَسَيَّرَ عِصْمَةَ إِلَى الْمُعْتَصِمِ، فَسَأَلَ الْمُعْتَصِمُ عِصْمَةَ عَنْ بِلَادِ بَابَكَ، فَأَعْلَمَهُ طُرُقَهُ وَوُجُوهَ الْقِتَالِ فِيهَا، ثُمَّ تَرَكَ عِصْمَةَ مَحْبُوسًا، فَبَقِيَ إِلَى أَيَّامِ الْوَاثِقِ.
ثُمَّ إِنَّ الْأَفْشِينَ سَارَ إِلَى بِلَادِ بَابَكَ، فَنَزَلَ بَرْزَنْدَ، وَعَسْكَرَ بِهَا، وَضَبَطَ الطُّرُقَ وَالْحُصُونَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَرْدَبِيلَ، وَأَنْزَلَ مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ خُشَّ، فَحَفَرَ خَنْدَقًا، وَأَنْزَلَ الْهَيْثَمَ الْغَنَوِيَّ بِرُسْتَاقَ أَرْشَقَ، فَأَصْلَحَ حِصْنَهُ، وَحَفَرَ خَنْدَقَهُ، وَأَنْزَلَ
стр. 2959
عُلُّوَيْهِ الْأَعْوَرَ، مِنْ قُوَّادِ الْأَبْنَاءِ، فِي حِصْنِ النَّهْرِ مِمَّا يَلِي أَرْدَبِيلَ، فَكَانَتِ السَّابِلَةُ وَالْقَوَافِلُ تَخْرُجُ مِنْ أَرْدَبِيلَ وَمَعَهَا مَنْ يَحْمِيهَا، حَتَّى تَنْزِلَ بِحِصْنِ النَّهْرِ، ثُمَّ يُسَيِّرُهَا صَاحِبُ حِصْنِ النَّهْرِ إِلَى الْهَيْثَمِ الْغَنَوِيِّ، فَيَلْقَاهُ الْهَيْثَمُ بِمَنْ جَاءَ إِلَيْهِ مِنْ نَاحِيَةٍ فِي مَوْضِعٍ مَعْرُوفٍ لَا يَتَعَدَّاهُ أَحَدُهُمْ إِذَا وَصَلَ إِلَيْهِ، فَإِذَا لَقِيَهُ أَخَذَ مَا (مَعَهُ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ مَا مَعَهُ، ثُمَّ يَسِيرُ الْهَيْثَمُ بِمَنْ مَعَهُ إِلَى أَصْحَابِ أَبِي سَعِيدٍ، فَيَلْقَوْنَهُ بِمُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ، وَمَعَهُمْ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْعَسْكَرِ، فَيَتَسَلَّمُونَ مَا مَعَ الْهَيْثَمِ وَيُسَلِّمُونَ إِلَيْهِ مَا مَعَهُمْ، وَإِذَا سَبَقَ أَحَدُهُمْ إِلَى الْمُنْتَصَفِ لَا يَتَعَدَّاهُ، وَيَسِيرُ أَبُو سَعِيدٍ بِمَنْ مَعَهُ إِلَى عَسْكَرِ الْأَفْشِينِ (فَيَلْقَاهُ صَاحِبُ سَيَّارَةِ الْأَفْشِينِ، فَيَتَسَلَّمُهُمْ مِنْهُ، وَيُسَلِّمُ إِلَيْهِ مَنْ صَحِبَهُ مِنَ الْعَسْكَرِ، فَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا.
وَكَانُوا إِذَا ظَفِرُوا بِأَحَدٍ مِنَ الْجَوَاسِيسِ حَمَلُوهُ إِلَى الْأَفْشِينِ، فَكَانَ يُحْسِنُ إِلَيْهِمْ، وَيَهَبُ لَهُمْ، وَيَسْأَلُهُمْ عَنِ الَّذِي يُعْطِيهِمْ بَابَكُ، فَيُضَعِّفُهُ لَهُمْ، وَيَقُولُ لَهُمْ: كُونُوا جَوَاسِيسَ لَنَا، فَكَانَ يَنْتَفِعُ بِهِمْ.
ذِكْرُ وَقْعَةِ الْأَفْشِينِ مَعَ بَابَكَ
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ الْأَفْشِينِ مَعَ بَابَكَ، قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ بَابَكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ.
وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ الْمُعْتَصِمَ وَجَّهَ بُغَا الْكَبِيرَ إِلَى الْأَفْشِينِ، وَمَعَهُ مَالٌ لِلْجُنْدِ، وَالنَّفَقَاتِ، فَوَصَلَ أَرْدَبِيلَ، فَبَلَغَ بَابَكَ الْخَبَرُ، فَتَهَيَّأَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ لِيَقْطَعُوا عَلَيْهِ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى الْأَفْشِينِ، فَجَاءَ جَاسُوسٌ إِلَى الْأَفْشِينِ، فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَلَمَّا صَحَّ الْخَبَرُ عِنْدَ الْأَفْشِينِ كَتَبَ إِلَى بُغَا أَنْ يُظْهِرَ أَنَّهُ يُرِيدُ الرَّحِيلَ، وَيَحْمِلَ الْمَالَ عَلَى الْإِبِلِ، وَيَسِيرَ نَحْوَهُ، حَتَّى يَبْلُغَ حِصْنَ النَّهْرِ، فَيَحْبِسَ الَّذِي مَعَهُ، حَتَّى يَجُوزَ مَنْ صَحِبَهُ مِنَ الْقَافِلَةِ، فَإِذَا جَازُوا رَجَعَ بِالْمَالِ إِلَى أَرْدَبِيلَ.
فَفَعَلَ بُغَا ذَلِكَ، وَسَارَتِ الْقَافِلَةُ، وَجَاءَتْ جَوَاسِيسُ بَابَكَ إِلَيْهِ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْمَالَ قَدْ سَارَ فَبَلَغَ النَّهْرَ، وَرَكِبَ الْأَفْشِينُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي وَاعَدَ فِيهِ بُغَا، عِنْدَ الْعَصْرِ، مِنْ بَرْزَنْدَ فَوَافَى خُشَّ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَنَزَلَ خَارِجَ خَنْدَقِ أَبِي سَعِيدٍ، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَكِبَ سِرًّا،
стр. 2960
وَلَمْ يَضْرِبْ طَبْلًا، وَلَمْ يَنْشُرْ عَلَمًا، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالسُّكُوتِ وَجَدَّ فِي السَّيْرِ، وَرَحَلَتِ الْقَافِلَةُ الَّتِي كَانَتْ تَوَجَّهَتْ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنَ النَّهْرِ إِلَى نَاحِيَةِ الْهَيْثَمِ، وَتَعَبَّأَ بَابَكُ فِي أَصْحَابِهِ، وَسَارَ عَلَى طَرِيقِ النَّهْرِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الْمَالَ يُصَادِفُهُ، فَخَرَجَتْ خَيْلُ بَابَكَ عَلَى الْقَافِلَةِ، وَمَعَهَا صَاحِبُ النَّهْرِ، فَقَاتَلَهُمْ صَاحِبُ النَّهْرِ، فَقَتَلُوهُ، وَقَتَلُوا مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْجُنْدِ، وَأَخَذُوا جَمِيعَ مَا كَانَ مَعَهُمْ، وَعَلِمُوا أَنَّ الْمَالَ قَدْ فَاتَهُمْ، وَأَخَذُوا عَلَمَهُ وَلِبَاسَ أَصْحَابِهِ، فَلَبِسُوهَا وَتَنَكَّرُوا لِيَأْخُذُوا الْهَيْثَمَ الْغَنَوِيَّ وَمَنْ مَعَهُ أَيْضًا، وَلَا يَعْلَمُونَ بِخُرُوجِ الْأَفْشِينِ، وَجَاؤُوا كَأَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّهْرِ، فَلَمْ يَعْرِفُوا الْمَوْضِعَ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ عَلَمُ صَاحِبِ النَّهْرِ، فَوَقَفُوا فِي غَيْرِهِ.
وَجَاءَ الْهَيْثَمُ فَوَقَفَ فِي مَوْضِعِهِ، وَأَنْكَرَ مَا رَأَى، فَوَجَّهَ ابْنَ عَمٍّ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ إِلَى هَذَا الْبَغِيضِ، فَقُلْ لَهُ: لِأَيِّ شَيْءٍ وُقُوفُكَ، فَجَاءَ إِلَيْهِمْ، فَأَنْكَرَهُمْ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْفَذَ جَمَاعَةً غَيْرَهُ، فَأَنْكَرُوهُمْ أَيْضًا، وَأَخْبَرُوهُ أَنَّ بَابَكَ قَدْ قَتَلَ عُلُّوَيْهِ صَاحِبَ النَّهْرِ، وَأَصْحَابَهُ، وَأَخَذَ أَعْلَامَهُمْ وَلِبَاسَهُمْ، فَرَحَلَ الْهَيْثَمُ رَاجِعًا، وَنَجَّى الْقَافِلَةَ الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ، وَبَقِيَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِي أَعْقَابِهِمْ حَامِيَةً لَهُمْ حَتَّى وَصَلَتِ الْقَافِلَةُ إِلَى الْحِصْنِ، وَهُوَ أَرْشَقُ، وَسَيَّرَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْأَفْشِينِ وَإِلَى أَبِي سَعِيدٍ يُعَرِّفُهُمَا الْخَبَرَ، فَخَرَجَا يَرْكُضَانِ، وَدَخَلَ الْهَيْثَمُ الْحِصْنَ، (وَنَزَلَ بَابَكَ عَلَيْهِ، وَوَضَعَ لَهُ كُرْسِيًّا بِحِيَالِ الْحِصْنِ) ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْهَيْثَمِ أَنْ خَلِّ الْحِصْنَ وَانْصَرِفْ، فَأَبَى الْهَيْثَمُ ذَلِكَ، فَحَارَبَهُ بَابَكُ وَهُوَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ عَلَى عَادَتِهِ وَالْحَرْبُ مُشْتَبِكَةٌ.
وَسَارَ الْفَارِسَانِ، فَلَقِيَا الْأَفْشِينَ عَلَى أَقَلِّ مِنْ فَرْسَخٍ، فَقَالَ لِصَاحِبِ مُقَدِّمَتِهِ: أَرَى فَارِسَيْنِ يَرْكُضَانِ رَكْضًا شَدِيدًا، ثُمَّ قَالَ: اضْرِبُوا الطَّبْلَ، وَانْشُرُوا الْأَعْلَامَ، وَارْكُضُوا نَحْوَهُمَا، وَصِيحُوا: لَبَّيْكُمَا لَبَّيْكُمَا! فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَأَجْرَى النَّاسُ خَيْلَهُمْ طَلْقًا وَاحِدًا، حَتَّى لَحِقُوا بَابَكَ وَهُوَ جَالِسٌ، فَلَمْ يُطِقْ أَنْ يَرْكَبَ، حَتَّى وَافَتْهُ الْخَيْلُ، فَاشْتَبَكَتِ الْحَرْبُ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْ رَجَّالَةِ بَابَكَ أَحَدٌ، وَأَفْلَتَ هُوَ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ مِنْ خَيَّالَتِهِ، وَدَخَلَ مُوقَانَ وَقَدْ تَقَطَّعَ
стр. 2961
عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَرَجَعَ عَنْهُ الْأَفْشِينُ إِلَى بَرْزَنْدَ.
وَأَقَامَ بَابَكَ بِمُوقَانَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْبَذِّ، فَجَاءَهُ عَسْكَرٌ، فَرَحَلَ بِهِمْ مِنْ مُوقَانَ، حَتَّى دَخَلَ الْبَذَّ، وَلَمْ يَزَلِ الْأَفْشِينُ مُعَسْكِرًا بِبَرْزَنْدَ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ مَرَّتْ قَافِلَةٌ، فَخَرَجَ عَلَيْهَا أَصْبَهْبَذَ بَابَكَ، فَأَخَذَهَا وَقَتَلَ مَنْ فِيهَا، فَقَحَطَ عَسْكَرُ الْأَفْشِينِ لِذَلِكَ، فَكَتَبَ الْأَفْشِينُ إِلَى صَاحِبِ مَرَاغَةَ بِحَمْلِ الْمِيرَةِ وَتَعْجِيلِهَا، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ قَافِلَةً عَظِيمَةً، فِيهَا قَرِيبٌ مِنْ أَلْفِ ثَوْرٍ، سِوَى غَيْرِهَا مِنَ الدَّوَابِّ، تَحْمِلُ الْمِيرَةَ، وَمَعَهَا جُنْدٌ يَسِيرُونَ بِهَا، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ سَرِيَّةٌ لِبَابَكَ، فَأَخَذُوهَا عَنْ آخِرِهَا، وَأَصَابَ الْعَسْكَرَ ضِيقٌ شَدِيدٌ، فَكَتَبَ الْأَفْشِينُ إِلَى صَاحِبِ شِيرَوَانَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَحْمِلَ إِلَيْهِ طَعَامًا، فَحَمَلَ إِلَيْهِ طَعَامًا كَثِيرًا، وَأَغَاثَ النَّاسَ. وَقَدِمَ بُغَا عَلَى الْأَفْشِينِ بِمَا مَعَهُ.
ذِكْرُ بِنَاءِ سَامَرَّا
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ الْمُعْتَصِمُ إِلَى سَامَرَّا لِبِنَائِهَا، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي أَتَخَوَّفُ هَؤُلَاءِ الْحَرْبِيَّةَ أَنْ يَصِيحُوا صَيْحَةً فَيَقْتُلُوا غِلْمَانِي، فَأُرِيدُ أَنْ أَكُونَ فَوْقَهُمْ، فَإِنْ رَابَنِي مِنْهُمْ شَيْءٌ أَتَيْتُهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْمَاءِ، حَتَّى آتِيَ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهَا، فَأَعْجَبَهُ مَكَانُهَا.
وَقِيلَ كَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَصِمَ كَانَ قَدْ أَكْثَرَ مِنِ الْغِلْمَانِ الْأَتْرَاكِ، فَكَانُوا لَا يَزَالُونَ يَرَوْنَ الْوَاحِدَ بَعْدَ الْوَاحِدِ قَتِيلًا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا جُفَاةً، يَرْكَبُونَ الدَّوَابَّ، فَيُرْكِضُونَهَا إِلَى الشَّوَارِعِ، فَيَصْدِمُونَ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ وَالصَّبِيَّ، فَيَأْخُذُهُمُ الْأَبْنَاءُ عَنْ دَوَابِّهِمْ، وَيَضْرِبُونَهُمْ، وَرُبَّمَا هَلَكَ أَحَدُهُمْ فَتَأَذَّى بِهِمُ النَّاسُ.
ثُمَّ إِنَّ الْمُعْتَصِمَ رَكِبَ يَوْمَ عِيدٍ، فَقَامَ إِلَيْهِ شَيْخٌ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ! فَأَرَادَ الْجُنْدُ ضَرْبَهُ، فَمَنَعَهُمْ، وَقَالَ: يَا شَيْخُ (مَا لَكَ، مَا لَكَ؟) قَالَ: لَا جَزَاكَ اللَّهُ عَنِ الْجِوَارِ خَيْرًا، جَاوَرْتَنَا وَجِئْتَ بِهَؤُلَاءِ الْعُلُوجِ مِنْ غِلْمَانِكَ الْأَتْرَاكِ، فَأَسْكَنْتَهُمْ بَيْنَنَا، فَأَيْتَمْتَ صِبْيَانَنَا، وَأَرْمَلْتَ بِهِمْ نِسْوَانَنَا، وَقَتَلْتَ رِجَالَنَا، وَالْمُعْتَصِمُ يَسْمَعُ ذَلِكَ، فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، وَلَمْ يَرَ رَاكِبًا إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَخَرَجَ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ الْعِيدَ، وَلَمْ يَدْخُلْ بَغْدَادَ، بَلْ سَارَ إِلَى نَاحِيَةِ الْقَاطُولِ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى بَغْدَادَ.
стр. 2962
قَالَ مَسْرُورٌ الْكَبِيرُ: سَأَلَنِي الْمُعْتَصِمُ أَيْنَ كَانَ الرَّشِيدُ يَتَنَزَّهُ إِذَا ضَجِرَ بِبَغْدَاذَ قُلْتُ: بِالْقَاطُولِ، وَكَانَ قَدْ بَنَى هُنَاكَ مَدِينَةً آثَارُهَا وَسُورُهَا قَائِمٌ، وَكَانَ قَدْ خَافَ مِنَ الْجُنْدِ مَا خَافَ الْمُعْتَصِمُ، فَلَمَّا وَثَبَ أَهْلُ الشَّامِ بِالشَّامِ وَعَصَوْا خَرَجَ إِلَى الرِّقَّةِ فَأَقَامَ بِهَا، وَبَقِيَتْ مَدِينَةُ الْقَاطُولِ لَمْ تُسْتَمَّ.
وَلَمَّا خَرَجَ الْمُعْتَصِمُ إِلَى الْقَاطُولِ اسْتَخْلَفَ بِبَغْدَاذَ ابْنَهُ الْوَاثِقَ.
وَكَانَ الْمُعْتَصِمُ قَدِ اصْطَنَعَ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَوْفِ بِمِصْرَ، وَاسْتَخْدَمَهُمْ، وَسَمَّاهُمُ الْمَغَارِبَةَ، وَجَمَعَ خَلْقًا مِنْ سَمَرْقَنْدَ، وَأُشْرُوسَنَّةَ، وَفَرْغَانَةَ، وَسَمَّاهُمُ الْفَرَاغِنَةَ، فَكَانُوا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَبَقُوا بَعْدَهُ.
وَكَانَ ابْتِدَاءُ الْعِمَارَةِ بِسَامَرَّا سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ.
ذِكْرُ قَبْضِ الْفَضْلِ بْنِ مَرْوَانَ
وَكَانَ الْفَضْلُ بْنُ مَرْوَانَ مِنَ الْبَرَدَانِ، وَكَانَ حَسِنَ الْخَطِّ، فَاتَّصَلَ بِيَحْيَى الْجُرْمُقَانِيِّ كَاتِبِ الْمُعْتَصِمِ، قَبْلَ خِلَافَتِهِ، فَكَانَ يَكْتُبُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا هَلَكَ الْجُرْمُقَانِيُّ صَارَ مَوْضِعَهُ، وَسَارَ مَعَ الْمُعْتَصِمِ إِلَى الشَّامِ، وَمِصْرَ، فَأَخَذَ مِنَ الْأَمْوَالِ الْكَثِيرَ، فَلَمَّا صَارَ الْمُعْتَصِمُ خَلِيفَةً كَانَ اسْمُهَا لَهُ، وَكَانَ مَعْنَاهَا لِلْفَضْلِ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الدَّوَاوِينِ كُلِّهَا، وَكَنْزِ الْأَمْوَالِ.
وَكَانَ الْمُعْتَصِمُ يَأْمُرُهُ بِإِعْطَاءِ الْمُغَنِّي وَالنَّدِيمِ، فَلَا يُنَفِّذُ الْفَضْلُ ذَلِكَ، فَثَقُلَ عَلَى الْمُعْتَصِمِ، وَكَانَ لَهُ مُضْحِكٌ اسْمُهُ إِبْرَاهِيمُ، يُعْرَفُ بِالْهَفْتِيِّ، فَأَمَرَ لَهُ الْمُعْتَصِمُ بِمَالٍ، وَتَقَدَّمَ إِلَى الْفَضْلِ بِإِعْطَائِهِ، فَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا، فَبَيْنَا الْهَفْتِيُّ يَوْمًا عِنْدَ الْمُعْتَصِمِ، يَمْشِي مَعَهُ فِي بُسْتَانٍ لَهُ، وَكَانَ الْهَفْتِيُّ يَصْحَبُهُ قَبْلَ الْخِلَافَةِ، وَيَقُولُ لَهُ فِيمَا يُدَاعِبُهُ: وَاللَّهِ لَا تُفْلِحُ أَبَدًا، وَكَانَ مَرْبُوعًا بَدِينًا، وَكَانَ الْمُعْتَصِمُ خَفِيفَ اللَّحْمِ؛ فَكَانَ يَسْبِقُهُ، وَيَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ: مَا لَكَ لَا تُسْرِعُ الْمَشْيَ؟ فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ الْهَفْتِيُّ مُدَاعِبًا لَهُ: كُنْتُ
стр. 2963
أَرَانِي أُمَاشِي خَلِيفَةً، وَلَمْ [أَكُنْ] أَرَانِي أُمَاشِي فَيْجًا، وَاللَّهِ لَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا! فَضْحِكَ الْمُعْتَصِمُ وَقَالَ: وَهَلْ بَقِيَ مِنَ الْفَلَاحِ شَيْءٌ لَمْ أُدْرِكْهُ بَعْدَ الْخِلَافَةِ؟ فَقَالَ: أَتَظُنُّ أَنَّكَ أَفْلَحْتَ؟ لَا وَاللَّهِ، مَا لَكَ مِنِ الْخِلَافَةِ إِلَّا اسْمُهَا، مَا يَتَجَاوَزُ أَمْرُكَ أُذُنَيْكَ، إِنَّمَا الْخَلِيفَةُ الْفَضْلُ، فَقَالَ: وَأَيُّ أَمْرٍ لِي لَمْ يُنَفَّذْ؟ فَقَالَ الْهَفْتِيُّ: أَمَرْتَ لِي بِكَذَا وَكَذَا مُنْذُ شَهْرَيْنِ، فَمَا أُعْطِيتُ حَبَّةً، فَحَقَدَهَا عَلَى الْفَضْلِ.
فَقِيلَ: أَوَّلُ مَا أَحْدَثَهُ فِي أَمْرِهِ جَعَلَ زِمَامًا فِي نَفَقَاتِ الْخَاصَّةِ، وَفِي الْخَرَاجِ، وَجَمِيعِ الْأَعْمَالِ، ثُمَّ نَكَّبَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ فِي صَفَرَ، وَأَمَرَهُمْ بِعَمَلِ حِسَابِهِمْ، وَصَيَّرَ مَكَانَهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ الزَّيَّاتَ، فَنَفَى الْفَضْلَ إِلَى قَرْيَةٍ فِي طَرِيقِ الْمَوْصِلِ تُعْرَفُ بِالسِّنِّ، وَصَارَ مُحَمَّدٌ وَزِيرًا كَاتِبًا.
وَكَانَ الْفَضْلُ شَرِسَ الْأَخْلَاقِ، ضَيِّقَ الْعَطَنِ، كَرِيهَ اللِّقَاءِ، بَخِيلًا، مُسْتَطِيلًا، فَلَمَّا نُكِبَ شَمِتَ بِهِ النَّاسُ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ:
لِيَبْكِ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ مَرْوَانَ نَفْسُهُ ... فَلَيْسَ لَهُ بَاكٍ مِنَ النَّاسِ يُعْرَفُ
لَقَدْ صَحِبَ الدُّنْيَا مَنُوعًا لِخَيْرِهَا ... وَفَارَقَهَا وَهُوَ الظَّلُومُ الْمُعَنَّفُ
إِلَى النَّارِ فَلْيَذْهَبْ، وَمَنْ كَانَ مِثْلَهُ ... عَلَى أَيِّ شَيْءٍ فَاتَنَا مِنْهُ نَأْسَفُ؟
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
(فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مَلِكُ الْأَنْدَلُسِ جَيْشًا إِلَى طُلَيْطِلَةَ، فَقَاتَلُوهَا، فَلَمْ يَظْفَرُوا بِهَا) .
وَحَجَّ بِالنَّاسِ صَالِحُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
стр. 2964
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ أَيُّوبَ الْهَاشِمِيُّ، وَعَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ أَبُو عُثْمَانَ الصَّفَّارُ الْبَصْرِيُّ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِبَغْدَاذَ وَلَهُ خَمْسٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَهُوَ مِنْ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ، وَتُوُفِّيَ فَتْحٌ الْمَوْصِلِيُّ الزَّاهِدُ، وَكَانَ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَجْوَادِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ، ﵇، تُوُفِّيَ بِبَغْدَاذَ، وَكَانَ قَدِمَهَا وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ الْفَضْلِ ابْنَةُ الْمَأْمُونِ، فَدُفِنَ بِهَا عِنْدَ جَدِّهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ عِنْدَ الْإِمَامِيَّةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْوَاثِقُ، وَكَانَ عُمْرُهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَقِيلَ فِي سَبَبِ مَوْتِهِ غَيْرُ ذَلِكَ.
стр. 2965
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٢١ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ مُحَارِبَةِ بَابَكَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَاقَعَ بَابَكُ بُغَا الْكَبِيرَ، فَهَزَمَهُ، وَوَاقَعَهُ الْأَفْشِينُ، فَهَزَمَ بَابَكَ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ بُغَا الْكَبِيرَ كَانَ قَدْ قَدِمَ بِالْمَالِ الَّذِي كَانَ مَعَهُ إِلَى الْأَفْشِينِ، فَفَرَّقَهُ فِي أَصْحَابِهِ، وَتَجَهَّزَ بَعْدَ النَّيْرُوزِ، وَوُجِّهَ إِلَى بُغَا فِي عَسْكَرٍ لِيَدُورَ حَوْلَ هَشْتَادِسِرَ، وَيَنْزِلَ فِي خَنْدَقِ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ، وَيَحْفُرَهُ، وَيَحْكُمَهُ، فَسَارَ بُغَا إِلَى الْخَنْدَقِ، وَرَحَلَ الْأَفْشِينُ مِنْ بَرْزَنْدَ، وَرَحَلَ أَبُو سَعِيدٍ مِنْ خُشَّ يُرِيدَانِ بَابَكَ، فَتَوَافَوْا بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: دَرْوَذَ، فَحَفَرَ الْأَفْشِينُ خَنْدَقًا، وَبَنَى عَلَيْهِ سُورًا، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَذِّ سِتَّةَ أَمْيَالٍ.
ثُمَّ إِنَّ بُغَا تَجَهَّزَ (بِغَيْرِ أَمْرِ الْأَفْشِينِ) ، وَحَمَلَ مَعَهُ الزَّادَ، وَدَارَ حَوْلَ هَشْتَادِسَرَ، حَتَّى دَخَلَ قَرْيَةَ الْبَذَّ، فَنَزَلَهَا فَأَقَامَ بِهَا، ثُمَّ وَجَّهَ أَلْفَ رَجُلٍ فِي عَلَّافَةٍ لَهُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ عَسَاكِرِ بَابَكَ، فَأَخَذَ الْعَلَّافَةَ، وَقَتَلَ كُلَّ مَنْ كَانَ قَاتَلَهُ، وَأَسَرَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَأَخَذَ بَعْضَهُمْ، فَأَرْسَلَ مِنْهُمْ رَجُلَيْنِ إِلَى الْأَفْشِينِ يُعْلِمَانِهِ مَا نَزَلْ بِهِمْ.
وَرَجَعَ بُغَا إِلَى خَنْدَقِ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ تَشْبِيهًا بِالْمُنْهَزِمِ، وَكَتَبَ إِلَى الْأَفْشِينِ يُعْلِمُهُ ذَلِكَ، وَيَسْأَلُهُ الْمَدَدَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْأَفْشِينُ أَخَاهُ الْفَضْلَ، وَأَحْمَدَ بْنَ الْخَلِيلِ بْنِ هِشَامٍ، وَابْنَ جَوْشَنٍ، وَجَنَاحًا الْأَعْوَرَ، صَاحِبَ شُرْطَةِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، وَأَحَدَ الْأَخَوَيْنِ قَرَابَةَ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ، فَأَتَوْا بُغَا، وَكَتَبَ الْأَفْشِينُ إِلَى بُغَا يُعْلِمُهُ أَنْ يَغْزُوَ بَابَكَ فِي يَوْمٍ عَيَّنَهُ لَهُ، وَيَأْمُرُهُ أَنْ يَغْزُوَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ، فَيُحَارِبُهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ، فَخَرَجَ الْأَفْشِينُ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ دَرْوَذَ يُرِيدُ بَابَكَ، وَخَرَجَ بُغَا مِنْ خَنْدَقِهِ، فَخَرَجَ إِلَى هَشْتَادْسِرَ، فَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ صَبْرٌ
стр. 2966
لِشِدَّةِ الْبَرْدِ وَالرِّيحِ، فَانْصَرَفَ إِلَى عَسْكَرِهِ، فَعَسْكَرَ عَلَى دَعْوَةٍ، وَهَاجَتْ رِيحٌ بَارِدَةٌ وَمَطَرٌ شَدِيدٌ، فَرَجَعَ بُغَا إِلَى عَسْكَرِهِ، وَوَاقَعَهُمُ الْأَفْشِينُ مِنَ الْغَدِ، بَعْدَ رُجُوعِ بُغَا، فَهَزَمَ أَصْحَابَ بَابَكَ، وَأَخَذَ عَسْكَرَهُ وَخَيْمَتَهُ وَامْرَأَةً كَانَتْ مَعَهُ، وَنَزَلَ الْأَفْشِينُ فِي مُعَسْكَرِ (بَابَكَ. ثُمَّ تَجَهَّزَ بُغَا مِنَ الْغَدِ، وَصَعِدَ إِلَى هَشْتَادْسِرَ، فَأَصَابَ الْعَسْكَرَ) [الَّذِي] كَانَ بِإِزَائِهِ قَدِ انْصَرَفَ إِلَى بَابَكَ، فَأَصَابَ مِنْ أَثَاثِهِمْ وَرَحْلِهِمْ شَيْئًا، وَانْحَدَرَ مِنْ هَشْتَادْسِرَ يُرِيدُ الْبَذَّ، وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ دَاوُدُ سِيَاهْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بُغَا: إِنَّ الْمَسَاءَ قَدْ أَدْرَكَنَا، وَقَدْ تَعِبَ الرَّجَّالَةُ، وَتَوَسَّطْنَا الْمَكَانَ الَّذِي قَدْ نَعْرِفُهُ، فَانْظُرْ جَبَلًا حَصِينًا حَتَّى نُعَسْكِرَ فِيهِ لَيْلَتَنَا هَذِهِ، فَصَعِدَ بِهِمْ إِلَى جَبَلٍ أَشْرَفُوا مِنْهُ عَلَى عَسْكَرِ الْأَفْشِينِ، فَقَالُوا: نَبِيتُ هَا هُنَا إِلَى غُدْوَةٍ، وَنَنْحَدِرُ إِلَى الْكَافِرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَجَاءَهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ سَحَابٌ وَبَرْدٌ، وَثَلْجٌ كَثِيرٌ، فَأَصْبَحُوا وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ [أَنْ] يَنْزِلَ فَيَأْخُذَ مَاءً، وَلَا يَسْقِي دَابَّتَهُ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الثَّلْجُ وَالضَّبَابُ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ النَّاسُ لَبُغَا: قَدْ فَنِيَ مَا مَعَنَا مِنَ الزَّادِ، (وَقَدْ أَضَرَّ بِنَا الْبَرْدُ) ، فَانْزِلْ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ كَانَتْ، إِمَّا رَاجِعِينَ، وَإِمَّا إِلَى الْكَافِرِ.
وَكَانَ بَابَكُ فِي أَيَّامِ الضَّبَابِ وَالثَّلْجِ قَدْ بَيَّتَ الْأَفْشِينَ وَبَعْضَ عَسْكَرِهِ، وَانْصَرَفَ الْأَفْشِينُ إِلَى عَسْكَرِهِ، فَضَرَبَ بُغَا الطَّبْلَ وَانْحَدَرَ يُرِيدُ الْبَذَّ، وَلَا يَعْلَمُ بِمَا تَمَّ لِلْأَفْشِينِ بَلْ يَظُنُّهُ فِي مَوْضِعِ عَسْكَرِهِ، فَلَمَّا نَزَلَ إِلَى بَطْنِ الْوَادِي رَأَى السَّمَاءَ مُنْجَلِيَةً، (وَالدُّنْيَا طَيِّبَةً، غَيْرَ رَأْسِ الْجَبَلِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، فَعَبَّأَ أَصْحَابَهُ) ، وَتَقَدَّمَ إِلَى الْبَذِّ، حَتَّى صَارَ بِحَيْثُ يَلْزَقُ جَبَلَ الْبَذِّ، وَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يُشْرِفَ عَلَى أَبْيَاتِ الْبَذِّ إِلَّا صُعُودُ نِصْفِ مِيلٍ.
وَكَانَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ جَمَاعَةٌ فِيهِمْ غُلَامٌ لِابْنِ الْبُعَيْثِ، لَهُ قَرَابَةٌ بِالْبَذِّ، فَلَقِيَهُمْ طَلَائِعُ بَابَكَ، فَعَرَفَ بَعْضَهُمُ الْغُلَامُ، فَسَأَلَهُ (عَمٌّ لَهُ) عَمَّنْ مَعَهُ مَنْ أَهْلِهِ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ وَقُلْ لِمَنْ تُعْنَى بِهِ يَنْتَحِي، فَإِنَّا قَدْ هَزَمْنَا الْأَفْشِينَ، وَمَضَى إِلَى خَنْدَقِهِ، وَتَهَيَّأْنَا لَكُمْ عَسْكَرَيْنِ، فَعَجِّلِ الِانْصِرَافَ لَعَلَّكَ تُفْلِتُ.
стр. 2967
فَرَجَعَ الْغُلَامُ فَأَخْبَرَ ابْنَ الْبُعَيْثِ، فَأَخْبَرَ بُغَا بِذَلِكَ، فَشَاوَرَ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا بَاطِلٌ، هَذِهِ خُدْعَةٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا رَأْسُ جَبَلٍ يَنْظُرُ إِلَى عَسْكَرِ الْأَفْشِينِ، فَصَعِدَ بُغَا، وَمَعَهُ نَفَرٌ، إِلَى رَأْسِ الْجَبَلِ، فَلَمْ يَرَوْا عَسْكَرَ الْأَفْشِينِ، فَتَيَقَّنَ أَنَّهُ مَضَى، وَتَشَاوَرُوا، فَرَأَوْا أَنْ يَنْصَرِفَ النَّاسُ قَبْلَ أَنْ يَجِيئَهُمُ اللَّيْلُ، فَانْصَرَفُوا، وَجَدُّوا فِي السَّيْرِ، وَلَمْ يَقْصِدِ الطَّرِيقَ الَّذِي دَخَلَ مِنْهُ لِكَثْرَةِ مَضَايِقِهِ، بَلْ أَخَذَ طَرِيقًا يَدُورُ حَوْلَ هَشْتَادْسِرَ لَيْسَ فِيهِ غَيْرَ مَضِيقٍ وَاحِدٍ، فَطَرَحَ الرَّجَّالَةُ سِلَاحَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، وَخَافُوا، وَصَارَ بُغَا وَجَمَاعَةُ الْقُوَّادِ فِي السَّاقَةِ، وَطَلَائِعُ بَابَكَ تَتْبَعُهُمْ، وَهُمْ قَدْرَ عَشَرَةِ فُرْسَانٍ، فَشَاوَرَ بُغَا أَصْحَابَهُ، وَقَالَ: لَا آمَنُ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ مَشْغَلَةً لَنَا عَنِ الْمَسِيرِ، وَتَقَدَّمَ أَصْحَابُهُمْ لِيَأْخُذُوا الْمَضِيقَ عَلَيْنَا، فَقَالَ لَهُ الْفَضْلُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ أَصْحَابُ اللَّيْلِ، فَأَسْرِعِ السَّيْرَ، وَلَا تَنْزِلْ حَتَّى تُجَاوِزَ الْمَضِيقَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّ الْعَسْكَرَ قَدْ تَقَطَّعَ وَقَدْ رَمَوْا سِلَاحَهُمْ، وَقَدْ بَقِيَ الْمَالُ وَالسِّلَاحُ عَلَى الْبِغَالِ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، وَلَا نَأْمَنُ أَنْ يُؤْخَذَ، وَيُؤْخَذَ الْأَسِيرُ الَّذِي مَعَهُمْ.
وَكَانَ ابْنُ جُوَيْدَانَ مَعَهُمْ أَسِيرًا يُرِيدُونَ أَنْ يُفَادُوا بِهِ، فَعَسْكَرَ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ حَصِينٍ، وَنَزَلَ النَّاسُ وَقَدْ كَلُّوا وَتَعِبُوا، وَفَنِيَتْ أَزْوَادُهُمْ، فَبَاتُوا يَتَحَارَسُونَ مِنْ نَاحِيَةِ الْمِصْعَدِ، فَأَتَاهُمْ بَابَكُ مِنَ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى، فَكَبَسُوا بُغَا وَالْعَسْكَرَ، وَخَرَجَ بُغَا رَاجِلًا، فَرَأَى دَابَّةً فَرَكِبَهَا، وَجُرِحَ الْفَضْلُ بْنُ كَاوِسَ، وَقُتِلَ جَنَاحٌ السُّكَّرِيُّ وَابْنُ جَوْشَنٍ، وَأُخِذَ [أَحَدُ] الْأَخَوَيْنِ قَرَابَةُ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ، وَنَجَا بُغَا وَالنَّاسُ وَلَمْ تَتْبَعْهُمُ الْخُرَّمِيَّةُ، وَأَخَذُوا الْمَالَ وَالسِّلَاحَ وَالْأَسِيرَ، فَوَصَلَ النَّاسُ مُعَسْكَرَهُمْ مُنْقَطِعِينَ إِلَى خَنْدَقِهِمْ، فَأَقَامَ بُغَا بِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَكَتَبَ إِلَيْهِ الْأَفْشِينُ يَأْمُرُهُ بِالرُّجُوعِ إِلَى مَرَاغَةَ، وَأَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ الْمَدَدَ، فَمَضَى بُغَا إِلَى مَرَاغَةَ، وَفَرَّقَ الْأَفْشِينُ النَّاسَ فِي مَشَاتِيهِمْ تِلْكَ السَّنَةَ، حَتَّى جَاءَ الرَّبِيعُ.
وَفِيهَا قُتِلَ طَرْخَانُ، وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ قُوَّادِ بَابَكَ، وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ طَلَبَ مِنْ بَابَكَ إِذْنًا حَتَّى يُشَتِّيَ فِي قَرْيَتِهِ، وَهِيَ بِنَاحِيَةِ مَرَاغَةَ، وَكَانَ الْأَفْشِينُ يَرْصُدُهُ، فَلَمَّا عَلِمَ خَبَرَهُ أَرْسَلَ إِلَى تُرْكِ مَوْلَى إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ بِمَرَاغَةَ، يَأْمُرُهُ أَنْ يَسْرِيَ إِلَيْهِ فِي قَرْيَتِهِ حَتَّى يَقْتُلَهُ، أَوْ يَأْخُذَهُ أَسِيرًا، فَفَعَلَ تُرْكُ ذَلِكَ وَأَسْرَى إِلَيْهِ وَقَتَلَهُ، وَأَخَذَ رَأْسَهُ فَبَعَثَهُ إِلَى الْأَفْشِينِ.
стр. 2968
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَ صُولُ أَرْتَكِينَ وَأَهْلُ بِلَادِهِ فِي الْقُيُودِ، فَنُزِعَتْ قُيُودُهُمْ، وَحُمِلَ عَلَى الدَّوَابِّ (نَحْوَ مِائَتَيْنِ) .
وَفِيهَا غَضِبَ الْأَفْشِينُ عَلَى رَجَاءٍ الْحِضَارِيِّ، وَبَعَثَ بِهِ مُقَيَّدًا.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ (بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) ، وَهُوَ وَالِي مَكَّةَ.
(الْحِضَارِيُّ: بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ رَاءٌ وَيَاءٌ) .
[الْوَفَيَاتُ]
(وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ مُحْرِزٍ، قَاضِي الْقَيْرَوَانِ، وَكَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا) .
وَفِيهَا تُوُفِّيَ آدَمُ بْنُ أَبِي إِلْيَاسَ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَهُوَ مِنْ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ، وَعِيسَى (بْنُ أَبَانِ) بْنِ صَدَقَةَ أَبُو مُوسَى، قَاضِي الْبَصْرَةِ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيِّ، وصَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قُعْنُبٍ الْحَارِثِيُّ صَاحِبُ مَالِكٍ،
стр. 2969
وَعَبْدُ الْكَبِيرِ بْنُ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ الْمَوْصِلِيُّ، (وَكَانَ فَاضِلًا) ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ سُلَيْمِ بْنِ جَمِيلٍ الْأَزْدِيُّ الْمَوْصِلِيُّ.
стр. 2970
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٢٢ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ مُحَارِبَةِ بَابَكَ أَيْضًا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَجَّهَ الْمُعْتَصِمُ إِلَى الْأَفْشِينِ جَعْفَرًا الْخَيَّاطَ مَدَدًا لَهُ، وَوَجَّهَ إِلَيْهِ إِيتَاخَ وَمَعَهُ ثَلَاثُونَ أَلْفَ أَلْفَ دِرْهَمٍ لِلْجُنْدِ وَلِلنَّفَقَاتِ، فَأَوْصَلَ ذَلِكَ إِلَى الْأَفْشِينِ وَعَادَ.
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ أَصْحَابِ الْأَفْشِينِ وَقَائِدٍ لِبَابَكَ اسْمُهُ آذِينَ، وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ الشِّتَاءَ لَمَّا انْقَضَى سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَجَاءَ الرَّبِيعُ، وَدَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ، رَحَلَ الْأَفْشِينُ عِنْدَ إِمْكَانِ الزَّمَانِ، فَصَارَ إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ كَلَانُ رُوذَ، وَتَفْسِيرُهُ نَهْرٌ كَبِيرٌ، فَاحْتَفَرَ عِنْدَهُ خَنْدَقًا، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ لِيَرْحَلَ مِنْ بَرْزَنْدَ إِلَى طَرَفِ رُسْتَاقَ كَلَانَ رُوذَ، وَبَيْنَهُمَا قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، فَأَقَامَ الْأَفْشِينُ بِكَلَانَ رُوذَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ، فَأَتَاهُ مَنْ أَخْبَرَهُ أَنَّ قَائِدًا لِبَابَكَ اسْمُهُ آذِينُ قَدْ عَسْكَرَ بِإِزَائِهِ، وَأَنَّهُ قَدْ صَيَّرَ عِيَالَهُ فِي خَيْلٍ، (فَقَالَ لَهُ) بَابَكُ: لِيَجْعَلَهُمْ فِي الْحِصْنِ، فَقَالَ: لَا أَتَحَصَّنُ مِنَ الْيَهُودِ، يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ، وَاللَّهِ لَا أُدْخِلَنَّهُمْ حِصْنًا أَبَدًا.
فَوَجَّهَ الْأَفْشِينُ ظُفَرَ بْنَ الْعَلَاءِ السَّعْدِيَّ فِي جَمَاعَةِ الْفُرْسَانِ وَالرَّجَّالَةِ، فَسَارُوا لَيْلَتَهُمْ فَوَصَلُوا إِلَى مَضِيقٍ لَا يَسْلُكُهُ إِلَّا الْوَاحِدُ بَعْدَ الْوَاحِدِ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ قَادُوا دَوَابَّهُمْ، وَتَسَلَّقُوا فِي الْجَبَلِ، وَأَخَذُوا عِيَالَ آذِينَ وَبَعْضَ وَلَدِهِ.
وَبَلَغَ الْخَبَرُ آذِينَ، وَكَانَ الْأَفْشِينُ قَدْ خَافَ أَنْ يُؤْخَذَ عَلَيْهِمُ الطَّرِيقُ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا عَلَى رَأْسِ كُلِّ جَبَلٍ رِجَالًا مَعَهُمُ الْأَعْلَامُ السُّودُ، فَإِنْ رَأَوْا شَيْئًا يَخَافُونَهُ حَرَّكُوا الْأَعْلَامَ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَمَّا أَخَذُوا عِيَالَ آذِينَ وَرَجَعُوا إِلَى بَعْضِ الطَّرِيقِ قَبْلَ الْمَضِيقِ، أَتَاهُمْ آذِينُ فِي أَصْحَابِهِ، فَحَارَبُوهُمْ فَقَتَلَ مِنْهُمْ قَتْلَى، وَاسْتَنْقَذُوا بَعْضَ النِّسَاءِ، فَنَظَرَ الرِّجَالُ الْمُرَتَّبُونَ بِرُؤُوسِ الْجِبَالِ، فَحَرَّكُوا الْأَعْلَامَ، وَكَانَ آذِينُ قَدْ أَنْفَذَ مَنْ يُمْسِكُ
стр. 2971
عَلَيْهِمُ الْمَضِيقَ، فَلَمَّا رَأَى الْأَفْشِينُ تَحْرِيكَ الْعَلَمِ الَّذِي بِإِزَائِهِ سَيَّرَ جَمَاعَةً مِنَ الْجُنْدِ مَعَ مُظَفَّرِ بْنِ كَيْذَرٍ، فَأَسْرَعَ نَحْوَهُمْ، وَوَجَّهَ أَبَا سَعِيدٍ بَعْدَهُمْ وَبُخَارَاخَذَاهُ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمْ رَجَّالَةُ آذِينَ الَّذِينَ عَلَى الْمَضِيقِ تَرَكُوهُ، وَقَصَدُوا أَصْحَابَهُمْ، فَنَجَا ظُفَرُ بْنُ الْعَلَاءِ وَمَنْ مَعَهُ، وَمَعَهُمْ بَعْضُ عِيَالِ آذِينَ.
ذِكْرُ فَتْحِ الْبَذِّ وَأَسْرِ بَابَكَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فُتِحَتِ الْبَذُّ، مَدِينَةُ بَابَكَ، وَدَخَلَهَا الْمُسْلِمُونَ وَخَرَّبُوهَا، وَاسْتَبَاحُوهَا، (وَذَلِكَ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ) .
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَفْشِينَ لَمَّا عَزَمَ عَلَى الدُّنُوِّ مِنَ الْبَذِّ، وَالرَّحِيلِ مِنْ كَلَانَ رُوذَ، جَعَلَ يَتَقَدَّمُ قَلِيلًا قَلِيلًا خِلَافَ مَا تَقَدَّمَ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُعْتَصِمُ يَأْمُرُهُ أَنْ يَجْعَلَ النَّاسَ نَوَائِبَ، يَقِفُونَ عَلَى ظُهُورِ الْخَيْلِ نِوَبًا فِي اللَّيْلِ، مَخَافَةَ الْبَيَاتِ، فَضَجَّ النَّاسُ مِنَ التَّعَبِ، وَقَالُوا: بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْعَدُوِّ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ، وَنَحْنُ نَفْعَلُ أَفْعَالًا كَأَنَّ الْعَدُوَّ بِإِزَائِنَا، قَدِ اسْتَحْيَيْنَا مِنَ النَّاسِ، أَقْدِمْ بِنَا، فَإِمَّا لَنَا وَإِمَّا عَلَيْنَا.
فَقَالَ: أَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَكُمْ حَقٌّ، وَلَكِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَرَنِي بِهَذَا، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَهُ كِتَابُ الْمُعْتَصِمِ يَأْمُرُهُ أَنْ يَفْعَلَ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ أَيَّامًا، ثُمَّ انْحَدَرَ حَتَّى نَزَلَ رُوذَ الرُّوذِ، وَتَقَدَّمَ حَتَّى شَارَفَ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَتْ بِهِ الْوَقْعَةُ فِي الْعَامِ الْمَاضِي، فَوَجَدَ عَلَيْهِ كُرْدُوسًا مِنَ الْخُرَّمِيَّةِ، فَلَمْ يُحَارِبْهُمْ، وَلَمْ يَزَلْ إِلَى الظُّهْرِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُعَسْكَرِهِ فَمَكَثَ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ عَادَ فِي أَكْثَرِ مِنَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُمْ، وَلَمْ يُقَاتِلْهُمْ، وَأَقَامَ الْأَفْشِينُ بِرُوذِ الرُّوذِ، وَأَمَرَ الْكَوْهَبَانِيَّةَ، وَهُمْ أَصْحَابُ الْأَخْبَارِ، أَنْ يَنْظُرُوا لَهُ فِي رُؤُوسِ الْجِبَالِ مَوَاضِعَ يَتَحَصَّنُ فِيهَا الرَّجَّالَةُ.
فَاخْتَارُوا لَهُ ثَلَاثَةَ أَجْبُلٍ كَانَ عَلَيْهَا حُصُونٌ فَخُرِّبَتْ، فَأَخَذَ مَعَهُ الْفَعَلَةَ، وَسَارَ نَحْوَ هَذِهِ الْجِبَالِ، وَأَخَذَ مَعَهُ الْكَعْكَ وَالسَّوِيقَ، وَأَمَرَ الْفَعَلَةَ بِنَقْلِ الْحِجَارَةِ، وَسَدِّ الطَّرِيقِ إِلَى
стр. 2972
تِلْكَ الْجِبَالِ، حَتَّى صَارَتْ كَالْحُصُونِ، وَأَمَرَ بِحَفْرِ [خَنْدَقٍ] عَلَى كُلِّ طَرِيقٍ وَرَاءَ تِلْكَ الْحِجَارَةِ، وَلَمْ يَتْرُكْ مَسْلَكًا إِلَى الْجِبَالِ مِنْهَا إِلَّا مَسْلَكًا وَاحِدًا، فَفَرَغَ مِنَ الَّذِي أَرَادَ مِنْ حَفْرِ الْخَنَادِقِ فِي عَشْرَةِ أَيَّامٍ، وَهُوَ وَالنَّاسُ يَحْرُسُونَ الْفَعَلَةَ وَالرَّجَّالَةَ لَيْلًا وَنَهَارًا.
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا أَدْخَلَ الرَّجَّالَةَ إِلَيْهَا، وَأَنْفَذَ إِلَيْهِ بَابَكُ رَسُولًا وَمَعَهُ قِثَّاءُ، وَبِطِّيخٌ، وَخِيَارٌ، وَيُعْلِمُهُ أَنَّهُ قَدْ تَعِبَ وَشَقِيَ مِنْ أَكْلِ الْكَعْكِ، وَأَنَّنَا فِي عَيْشٍ رَغْدٍ، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَقَالَ: قَدْ عَرَفْتُ مَا أَرَادَ أَخِي، وَأَصْعَدَ الرَّسُولَ، فَأَرَاهُ مَا عَمِلَ، وَأَطَافَ بِهِ خَنَادِقَهُ كُلَّهَا، وَقَالَ: اذْهَبْ فَعَرِّفْهُ مَا رَأَيْتَ.
وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْخُرَّمِيَّةِ يَأْتُونَ إِلَى قُرْبِ خَنْدَقِ الْأَفْشِينِ، فَيَصِيحُونَ، فَلَمْ يَتْرُكِ الْأَفْشِينُ أَحَدًا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ، فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ إِنَّ الْأَفْشِينَ كَمَّنَ لَهُمْ كَمِينًا، فَلَمَّا جَاؤُوا ثَارُوا عَلَيْهِمْ، فَهَرَبُوا وَلَمْ يَعُودُوا.
وَعَبَّأَ الْأَفْشِينُ أَصْحَابَهُ، وَأَمَرَ كُلًّا مِنْهُمْ بِلُزُومِ مَوْضِعِهِ، وَكَانَ يَرْكَبُ، وَالنَّاسُ فِي مَوَاقِفِهِمْ، فَكَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، ثُمَّ يَضْرِبُ الطُّبُولَ (وَيَسِيرُ زَحْفًا، وَكَانَتْ عَلَامَتُهُ فِي الْمَسِيرِ وَالْوُقُوفِ ضَرْبَ الطُّبُولِ) : لِكَثْرَةِ النَّاسِ، وَمَسِيرِهِمْ فِي الْجِبَالِ وَالْأَوْدِيَةِ عَلَى مَصَافِّهِمْ، فَإِذَا سَارَ ضَرَبَهَا، وَإِذَا وَقَفَ أَمْسَكَ عَنْ ضَرْبِهَا، فَيَقِفُ النَّاسُ جَمِيعًا، وَيَسِيرُونَ جَمِيعًا.
وَكَانَ يَسِيرُ قَلِيلًا قَلِيلًا كُلَّمَا جَاءَهُ كَوْهَبَانِيٌّ بِخَبَرٍ سَارَ، أَوْ وَقَفَ، وَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَقَدَّمَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَتْ بِهِ الْوَقْعَةُ عَامَ أَوَّلَ، خَلَّفَ بُخَارَاخَذَاهُ عَلَى رَأْسِ الْعَقَبَةِ فِي أَلْفِ فَارِسٍ، وَسِتِّمِائَةِ رَاجِلٍ، يَحْفَظُونَ الطَّرِيقَ لِئَلَّا يَأْخُذَهُ الْخُرَّمِيَّةُ عَلَيْهِمْ.
وَكَانَ بَابَكُ إِذَا أَحَسَّ بِمَجِيئِهِمْ وَجَّهَ جَمْعًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَيَكْمُنُونَ فِي وَادٍ (تَحْتَ تِلْكَ الْعَقَبَةِ) ، تَحْتَ بُخَارَاخَذَاهُ، وَاجْتَهَدَ الْأَفْشِينُ أَنْ يَعْرِفَ مَكَانَ كَمِينِ بَابَكَ، فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ، وَكَانَ يَأْمُرُ أَبَا سَعِيدٍ (أَنْ يَعْبُرَ الْوَادِيَ فِي كُرْدُوسٍ، وَيَأْمُرُ جَعْفَرًا الْخَيَّاطَ أَنْ يَعْبُرَ فِي كُرْدُوسٍ) ، وَيَأْمُرُ أَحْمَدَ بْنَ الْخَلِيلِ بْنِ هِشَامٍ أَنْ يَعْبُرَ فِي كُرْدُوسٍ آخَرَ، فَيَصِيرُ فِي ذَلِكَ الْجَانِبِ ثَلَاثَةُ كَرَادِيسَ فِي طَرَفِ أَبْيَاتِهِمْ، وَكَانَ بَابَكُ يُخْرِجُ عَسْكَرَهُ فَيَقِفُ بِإِزَاءِ هَذِهِ الْكَرَادِيسِ، لِئَلَّا يَتَقَدَّمَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَى بَابِ الْبَذِّ، وَكَانَ يُفَرِّقُ عَسَاكِرَهُ كَمِينًا، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ.
стр. 2973
وَكَانَ الْأَفْشِينُ يَجْلِسُ عَلَى تَلٍّ مُشْرِفٍ يَنْظُرُ إِلَى قَصْرِ بَابَكَ، وَالنَّاسُ كَرَادِيسَ، فَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ هَذَا الْجَانِبِ مِنَ الْوَادِي نَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ مَعَ أَبِي سَعِيدٍ وَجَعْفَرٍ وَأَحْمَدَ بْنِ الْخَلِيلِ لَمْ يَنْزِلْ لِقُرْبِهِ مِنَ الْعَدُوِّ، وَكَانَ بَابَكُ وَأَصْحَابُهُ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، وَيَضْرِبُونَ بِالسُّرْنائِيِّ، فَإِذَا صَلَّى الْأَفْشِينُ الظُّهْرَ رَجَعَ إِلَى خَنْدَقِهِ بِرُوذِ الرُّوذِ، فَكَانَ يَرْجِعُ أَوَّلًا أَقْرَبُهُمْ إِلَى الْعَدُّوِ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، فَكَانَ آخِرُ مَنْ يَرْجِعُ بُخَارَاخَذَاهُ لِأَنَّهُ كَانَ أَبْعَدَهُمْ عَنِ الْعَدُوِّ، فَإِذَا رَجَعُوا صَاحَ بِهِمُ الْخُرَّمِيَّةُ.
فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ ضَجِرَتِ الْخُرَّمِيَّةُ مِنَ الْمُطَاوَلَةِ، وَانْصَرَفَ الْأَفْشِينُ كَعَادَتِهِ، وَعَادَتِ الْكَرَادِيسُ الَّتِي بِذَلِكَ الْجَانِبِ مِنَ الْوَادِي، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا جَعْفَرُ الْخَيَّاطُ، فَفَتَحَ الْخُرَّمِيَّةُ بَابَ الْبَذِّ، وَخَرَجَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ عَلَى أَصْحَابِ جَعْفَرٍ، وَارْتَفَعَتِ الصَّيْحَةُ فِي الْعَسْكَرِ، فَتَقَدَّمَ جَعْفَرٌ بِنَفْسِهِ، فَرَدَّ أُولَئِكَ الْخُرَّمِيَّةَ إِلَى بَابِ الْبَذِّ، وَوَقَعَتِ الصَّيْحَةُ فِي الْعَسْكَرِ، فَرَجَعَ الْأَفْشِينُ فَرَأَى جَعْفَرًا وَأَصْحَابَهُ يُقَاتِلُونَ، وَخَرَجَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ جَمَاعَةٌ، وَجَلَسَ الْأَفْشِينُ فِي مَكَانِهِ، وَهُوَ يَتَلَظَّى عَلَى جَعْفَرٍ، وَيَقُولُ: أَفْسَدَ عَلَيَّ تَعْبِيَتِي.
وَارْتَفَعَتِ الصَّيْحَةُ، فَكَانَ مَعَ أَبِي دُلَفٍ قَوْمٌ مِنَ الْمُتَطَوِّعَةِ، فَعَبَرُوا إِلَى جَعْفَرٍ بِغَيْرِ أَمْرِ الْأَفْشِينِ، وَتَعَلَّقُوا بِالْبَذِّ، وَأَثَّرُوا فِيهِ أَثَرًا، وَكَادُوا يَصْعَدُونَهُ، فَيَدْخُلُونَ الْبَذَّ، وَوَجَّهَ جَعْفَرٌ إِلَى الْأَفْشِينِ أَنْ أَمِدَّنِي بِخَمْسِ مِائَةِ رَاجِلٍ مِنَ النَّاشِبَةِ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ أَدْخُلَ الْبَذَّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْأَفْشِينُ: إِنَّكَ أَفْسَدْتَ عَلَيَّ أَمْرِي، فَتَخَلَّصْ قَلِيلًا قَلِيلًا، وَخَلِّصْ أَصْحَابَكَ وَانْصَرِفْ، وَارْتَفَعَتِ الصَّيْحَةُ مِنَ الْمُتَطَوِّعَةِ، حَتَّى تَعَلَّقُوا بِالْبَذِّ، وَظَنَّ الْكُمَنَاءُ الَّذِينَ لِبَابَكَ أَنَّ الْحَرْبَ قَدِ اشْتَبَكَتْ، فَوَثَبَ بَعْضُهُمْ مِنْ تَحْتِ بُخَارَاخَذَاهُ وَوَثَبَ بَعْضُهُمْ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فَتَحَرَّكَتِ الْكُمَنَاءُ مِنَ الْخُرَّمِيَّةِ، وَالنَّاسُ عَلَى رُؤُوسِهِمْ، فَلَمْ يَزُلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَقَالَ الْأَفْشِينُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَيَّنَ مَوَاضِعَ هَؤُلَاءِ.
وَرَجَعَ جَعْفَرٌ وَأَصْحَابُهُ وَالْمُتَطَوِّعَةُ، فَجَاءَ جَعْفَرٌ إِلَى الْأَفْشِينِ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَمُدَّهُ، وَجَرَى بَيْنَهُمَا نَفْرَةٌ شَدِيدَةٌ، وَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْمُتَطَوِّعَةِ، وَمَعَهُ صَخْرَةٌ، فَقَالَ لِلْأَفْشِينِ: أَتَرُدَّنَا وَهَذَا الْحَجَرُ أَخَذْتَهُ مِنَ السُّورِ؟ فَقَالَ: إِذَا انْصَرَفْتَ عَرَفْتَ مَنْ عَلَى
стр. 2974
طَرِيقِكَ، يَعْنِي الْكَمِينَ الَّذِي عِنْدَ بُخَارَاخَذَاهُ. وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: لَوْ ثَارَ هَذَا الْكَمِينُ الَّذِي تَحْتَكَ كَيْفَ كُنْتَ تَرَى هَؤُلَاءِ الْمُتَطَوِّعَةَ؟ !
ثُمَّ رَجَعَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى عَادَتِهِمْ، فَلَمَّا رَأَى هَؤُلَاءِ الْكَمِينَ الَّذِي عِنْدَ بُخَارَاخَذَاهُ عَلِمُوا مَا كَانَ وَرَاءَهُمْ، فَإِنَّ بُخَارَاخَذَاهُ لَوْ تَحَرَّكَ نَحْوَ الْقِتَالِ، لَمَلَكُوا ذَلِكَ الْمَوْضِعَ، وَهَلَكَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ آخِرِهِمْ، فَأَقَامَ الْأَفْشِينُ بِخَنْدَقِهِ أَيَّامًا، فَشَكَا الْمُتَطَوِّعَةُ إِلَيْهِ ضِيقَ الْعَلُوفَةِ، وَالزَّادِ، وَالنَّفَقَةِ، فَقَالَ: مَنْ صَبَرَ فَلْيَصْبِرْ، وَمَنْ لَمْ [يَصْبِرْ] فَالطَّرِيقُ وَاسِعٌ فَلْيَنْصَرِفْ، وَفِي جُنْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ كِفَايَةٌ، فَانْصَرَفَ الْمُتَطَوِّعَةُ يَقُولُونَ: لَوْ تَرَكَ الْأَفْشِينُ جَعْفَرًا وَتَرَكَنَا لَأَخَذْنَا الْبَذَّ، لَكِنَّهُ يَشْتَهِي الْمُطَاوَلَةَ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ وَمَا تَتَنَاوَلُهُ الْمُتَطَوِّعَةُ بِأَلْسِنَتِهِمْ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ، قَالَ لِي: قُلْ لِلْأَفْشِينِ (إِنْ أَنْتَ حَارَبْتَ هَذَا وَجَدَّدْتَ فِي أَمْرِهِ، وَإِلَّا أَمَرْتُ الْجِبَالَ أَنْ تَرْجُمَكَ بِالْحِجَارَةِ، فَتَحَدَّثَ النَّاسُ بِذَلِكَ، فَبَلَغَ الْأَفْشِينَ) ، فَأَحْضَرَهُ، وَسَأَلَهُ عَنِ الْمَنَامِ، فَقَصَّهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُ يَعْلَمُ نِيَّتِي وَمَا أُرِيدُ بِهَذَا الْخَلْقِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَوْ أَمَرَ الْجِبَالَ بِرَجْمِ أَحَدٍ لَرَجَمَ هَذَا الْكَافِرَ فَكَفَانَا مَؤُونَتَهُ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُتَطَوِّعَةِ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ لَا تَحْرِمْنَا شَهَادَةً إِنْ كَانَتْ حَضَرَتْ، وَإِنَّمَا قَصَدْنَا ثَوَابَ اللَّهِ وَوَجْهَهُ، فَدَعْنَا وَحْدَنَا حَتَّى نَتَقَدَّمَ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِكِ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَفْتَحَ عَلَيْنَا.
فَقَالَ الْأَفْشِينُ: إِنِّي أَرَى نِيَّاتِكُمْ حَاضِرَةً، وَأَحْسَبُ هَذَا الْأَمْرَ يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ خَيْرٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَقَدْ نَشَطْتُمْ وَنَشَطَ النَّاسُ، وَمَا كَانَ هَذَا رَأْيِي وَقَدْ حَدَّثَ السَّاعَةَ لِمَا سَمِعْتُ مِنْ كَلَامِكُمْ، اعْزِمُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ أَيَّ يَوْمٍ أَرَدْتُمْ حَتَّى نُنَاهِضَهُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
فَخَرَجُوا مُسْتَبْشِرِينَ، فَتَأَخَّرَ مَنْ أَرَادَ الِانْصِرَافَ، وَوَعَدَ الْأَفْشِينُ النَّاسَ لِيَوْمٍ ذَكَرَهُ لَهُمْ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالتَّجَهُّزِ وَحَمْلِ الْمَالِ وَالزَّادِ وَالْمَاءِ، وَجَعَلَ الْمَحَامِلَ عَلَى الْبِغَالِ تَحْمِلُ الْجَرْحَى، وَزَحَفَ بِالنَّاسِ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَجَعَلَ بُخَارَاخَذَاهُ بِمَكَانِهِ عَلَى الْعَقَبَةِ، وَجَلَسَ الْأَفْشِينُ بِالْمَكَانِ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ فِيهِ، وَقَالَ لِأَبِي دُلَفٍ: قُلْ لِلْمُتَطَوِّعَةِ أَيُّ نَاحِيَةٍ أَسْهَلُ عَلَيْكُمْ فَاقْتَصِرُوا عَلَيْهَا.
فَقَالَ لِجَعْفَرٍ: الْعَسْكَرُ كُلُّهُ بَيْنَ يَدَيْكَ وَالنَّشَّابَةُ وَالنَّفَّاطُونَ، فَإِنْ أَرَدْتَ فَخُذْ مِنْهُمْ مَا تُرِيدُ وَاعَزِمْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، وَتَقَدَّمْ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ تُرِيدُ.
стр. 2975
فَسَارَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ بِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَقَالَ لِأَبِي سَعِيدٍ: قِفْ عِنْدِي أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ، وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: قِفْ أَنْتَ هَاهُنَا، لِمَكَانٍ عَيَّنَهُ لَهُ، فَإِنْ أَرَادَ جَعْفَرٌ رِجَالًا أَوْ فُرْسَانًا أَمْدَدْنَاهُ.
وَتَقَدَّمَ جَعْفَرٌ وَالْمُتَطَوِّعَةُ، فَقَاتَلُوا وَتَعَلَّقُوا بِسُورِ الْبَذِّ، وَضَرَبَ جَعْفَرٌ بَابَ الْبَذِّ وَوَقَفَ عِنْدَهُ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ، وَوَجَّهَ الْأَفْشِينُ إِلَيْهِ وَإِلَى الْمُتَطَوِّعَةِ بِالْأَمْوَالِ لِتُفَرَّقَ فِيهِمْ وَيُعْطَى مَنْ تَقَدَّمَ، وَأَمَدَّهُمْ بِالْفَعَلَةِ مَعَهُمُ الْفُؤُوسُ، وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ بِالْمِيَاهِ لِئَلَّا يَعْطَشُوا وَبِالْكَعْكِ وَالسَّوِيقِ، فَاشْتَبَكَتِ الْحَرْبُ عَلَى الْبَابِ طَوِيلًا، فَفَتَحَتِ الْخُرَّمِيَّةُ الْبَابَ، وَخَرَجُوا عَلَى أَصْحَابِ جَعْفَرٍ، فَنَحُّوهُمْ عَنِ الْبَابِ، وَشَدُّوا عَلَى الْمُتَطَوِّعَةِ مِنَ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى، فَطَرَحُوهُمْ عَنِ السُّورِ، وَرَمَوْهُمْ بِالصَّخْرِ، وَأَثَّرُوا فِيهِمْ، وَضَعُفُوا عَنِ الْحَرْبِ، وَأَخَذَ جَعْفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ نَحْوَ مِائَةِ رَجُلٍ، فَوَقَفُوا خَلْفَ تُرُسِهِمْ مُتَحَاجِزِينَ لَا يُقْدِمُ أَحَدٌ عَلَى الْآخَرِ، فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى صُلِّيَتِ الظُّهْرُ فَتَحَاجَزُوا.
وَبَعَثَ الْأَفْشِينُ الرَّجَّالَةَ الَّذِينَ كَانُوا عِنْدَهُ نَحْوَ الْمُتَطَوِّعَةِ، وَبَعَثَ إِلَى جَعْفَرٍ بَعْضَهُمْ، خَوْفًا أَنْ يَطْمَعَ الْعَدُوُّ، فَقَالَ جَعْفَرٌ: لَسْتُ أُوتَى مِنْ قِلَّةٍ، وَلَكِنِّي لَا أَرَى لِلْحَرْبِ مَوْضِعًا يَتَقَدَّمُونَ فِيهِ، فَأَمَرَهُ بِالِانْصِرَافِ فَانْصَرَفَ.
وَحَمَلَ الْأَفْشِينُ الْجَرْحَى وَمَنْ بِهِ وَهَنٌ مِنَ الْحِجَارَةِ، فَحُمِلُوا فِي الْمَحَامِلِ عَلَى الْبِغَالِ وَانْصَرَفُوا عَنْهُمْ، وَأَيِسَ النَّاسُ مِنَ الْفَتْحِ تِلْكَ السَّنَةَ، وَانْصَرَفَ أَكْثَرُ الْمُطَّوِّعَةِ.
ثُمَّ إِنَّ الْأَفْشِينَ تَجَهَّزَ بَعْدَ جُمْعَتَيْنِ، فَلَمَّا كَانَ جَوْفُ اللَّيْلِ بَعَثَ الرَّجَّالَةَ النَّاشِبَةَ، وَهُمْ أَلْفُ رَجُلٍ، وَأَعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَكْوَةً وَكَعْكًا، وَأَعْطَاهُمْ أَعْلَامًا غَيْرَ مُرَكَّبَةٍ وَبَعَثَ مَعَهُمْ أَدِلَّاءَ، فَسَارُوا فِي جِبَالٍ مُنْكَرَةٍ صَعْبَةٍ فِي غَيْرِ طَرِيقٍ، حَتَّى صَارُوا خَلْفَ التَّلِّ الَّذِي يَقِفُ آذِينُ عَلَيْهِ، وَهُوَ جَبَلٌ شَاهِقٌ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَعْلَمَ بِهِمْ أَحَدٌ، حَتَّى إِذَا رَأَوْا أَعْلَامَ الْأَفْشِينِ وَصَلُوا الْغَدَاةَ وَرَأَوُا الْوَقْعَةَ رَكَّبُوا تِلْكَ الْأَعْلَامَ فِي الرِّمَاحِ وَضَرَبُوا الطُّبُولَ وَانْحَدَرُوا مِنْ فَوْقِ الْجَبَلِ، وَرَمَوْا بِالنِّشَابِ وَالصَّخْرِ عَلَى الْخُرَّمِيَّةِ، وَإِنْ هُمْ لَمْ يَرَوُا الْأَعْلَامَ لَمْ يَتَحَرَّكُوا حَتَّى يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَوَصَلُوا إِلَى رَأْسِ الْجَبَلِ عِنْدَ السَّحَرِ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ وَجَّهَ الْأَفْشِينُ إِلَى الْجُنْدِ، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّجَهُّزِ لِلْحَرْبِ.
فَلَمَّا كَانَ بَعْضُ اللَّيْلِ وَجَّهَ بَشِيرًا التُّرْكِيَّ وَقُوَّادًا مِنَ الْفَرَاغِنَةِ كَانُوا مَعَهُ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسِيرُوا حَتَّى يَصِيرُوا تَحْتَ التَّلِّ الَّذِي عَلَيْهِ آذِينُ، وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّ بَابَكَ يَكْمُنُ تَحْتَ
стр. 2976
ذَلِكَ الْجَبَلِ، فَسَارُوا لَيْلًا، وَلَا يَعْلَمُ بِهِمْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعَسْكَرِ، ثُمَّ رَكِبَ هُوَ وَالْعَسْكَرُ مَعَ السَّحَرِ، فَصَلَّى الْغَدَاةَ، وَضَرَبَ الطَّبْلَ، وَرَكِبَ فَأَتَى الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ يَقِفُ فِيهِ، فَقَعَدَ عَلَى عَادَتِهِ، وَأَمَرَ بُخَارَاخَذَاهُ أَنْ يَقِفَ مَعَ جَعْفَرٍ الْخَيَّاطِ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَحْمَدَ بْنِ الْخَلِيلِ بْنِ هِشَامٍ، وَنَزَلَ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ يَقِفُ فِيهِ، فَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقْرُبُوا مِنَ التَّلِّ الَّذِي عَلَيْهِ آذِينُ فَيُحْدِقُوا بِهِ، وَكَانَ قَبْلُ يَنْهَاهُمْ عَنْهُ.
وَمَضَى النَّاسُ مَعَ هَؤُلَاءِ الْقُوَّادِ الْأَرْبَعَةِ، (فَكَانَ جَعْفَرٌ مِمَّا يَلِي الْبَابَ، وَإِلَى جَانِبِهِ أَبُو سَعِيدٍ، وَإِلَى جَانِبِ أَبِي سَعِيدٍ بُخَارَاخَذَاهُ، وَكَانَ أَحْمَدُ مِمَّا يَلِي بُخَارَاخَذَاهُ، فَصَارُوا جَمِيعًا حَوْلَ التَّلِّ وَارْتَفَعَتِ الضَّجَّةُ) مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي، فَوَثَبَ كَمِينُ بَابَكَ بِبَشِيرٍ التُّرْكِيِّ وَالْفَرَاغِنَةِ، فَحَارَبُوهُمْ وَسَمِعَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ صَيْحَتَهُمْ، فَأَرَادُوا الْحَرَكَةَ، فَأَمَرَ الْأَفْشِينُ مُنَادِيًا يُنَادِي فِيهِمْ أَنَّ بَشِيرًا قَدْ أَثَارَ كَمِينًا، فَلَا يَتَحَرَّكَنَّ أَحَدٌ، فَسَكَنُوا، وَلَمَّا سَمِعَ الرِّجَالُ الَّذِينَ كَانَ سَيَّرَهُمْ حَتَّى صَارُوا فِي أَعْلَى الْجَبَلِ ضَجَّةَ الْعَسْكَرِ رَكَّبُوا الْأَعْلَامَ عَلَى الرِّمَاحِ، فَنَظَرَ النَّاسُ إِلَى الْأَعْلَامِ تَنْحَدِرُ مِنَ الْجَبَلِ عَلَى خَيْلِ آذِينَ، فَوَجَّهَ آذِينُ إِلَيْهِمْ بَعْضَ أَصْحَابِهِ.
(وَحَمَلَ جَعْفَرٌ وَأَصْحَابُهُ) عَلَى آذِينَ وَأَصْحَابِهِ، حَتَّى صَعِدُوا إِلَيْهِ، فَحَمَلُوا عَلَيْهِ حَمْلَةً مُنْكَرَةً، فَانْحَدَرَ إِلَى الْوَادِي، وَحَمَلَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي سَعِيدٍ، فَإِذَا تَحْتَ دَوَابِّهِمْ آبَارٌ مَحْفُورَةٌ، فَتَسَاقَطَتِ الْفُرْسَانُ فِيهَا، فَوَجَّهَ الْأَفْشِينُ الْفَعَلَةَ يَطُمُّونَ تِلْكَ الْآبَارِ، فَفَعَلُوا، وَحَمَلَ النَّاسُ عَلَيْهِمْ حَمْلَةً شَدِيدَةً.
وَكَانَ آذِينُ قَدْ جَعَلَ فَوْقَ الْجَبَلِ عَجَلًا عَلَيْهَا صَخْرٌ، فَلَمَّا حَمَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ دَفَعَ تِلْكَ الْعَجَلَ عَلَيْهِمْ، فَأَفْرَجَ النَّاسُ مِنْهَا حَتَّى تَدَحْرَجَتْ، ثُمَّ حَمَلَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَلَمَّا نَظَرَ بَابَكُ إِلَى أَصْحَابِهِ قَدْ أَحْدَقَ بِهِمْ خَرَجَ مِنْ طَرَفِ الْبَذِّ، مِمَّا يَلِي الْأَفْشِينَ، فَأَقْبَلَ نَحْوَهُ، فَقِيلَ لِلْأَفْشِينِ: إِنَّ هَذَا بَابَكُ يُرِيدُكَ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ، حَتَّى سَمِعَ كَلَامَهُ، وَكَلَامَ أَصْحَابِهِ، وَالْحَرْبُ مُشْتَبِكَةٌ فِي نَاحِيَةِ آذِينَ، فَقَالَ: أُرِيدُ الْأَمَانَ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ لَهُ الْأَفْشِينُ: قَدْ عَرَضْتُ هَذَا عَلَيْكَ، وَهُوَ لَكَ مَبْذُولٌ مَتَى شِئْتَ، فَقَالَ: قَدْ شِئْتُ الْآنَ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرَنِي حَتَّى أَحْمِلَ عِيَالِي وَأَتَجَهَّزَ، فَقَالَ لَهُ الْأَفْشِينُ: أَنَا أَنْصَحُكَ، خُرُوجُكَ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْ غَدٍ، قَالَ: قَدْ قَبِلْتُ هَذَا، قَالَ الْأَفْشِينُ: فَابْعَثْ بِالرَّهَائِنِ! فَقَالَ: نَعَمْ، أَمَّا فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَهُمْ عَلَى ذَلِكَ التَّلِّ، فَمُرْ أَصْحَابَكَ بِالتَّوَقُّفِ.
стр. 2977
فَجَاءَ رَسُولُ الْأَفْشِينِ لِيَرُدَّ النَّاسَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أَعْلَامَ الْفَرَاغِنَةَ قَدْ دَخَلَتِ الْبَذَّ، وَصَعِدُوا بِهَا الْقُصُورَ، فَرَكِبَ وَصَاحَ بِالنَّاسِ، فَدَخَلَ، وَدَخَلُوا، وَصَعِدَ النَّاسُ بِالْأَعْلَامِ فَوْقَ قُصُورِ بَابَكَ، وَكَانَ قَدْ كَمَّنَ فِي قُصُورِهِ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ وَسِتِّمِائَةِ رَجُلٍ، فَخَرَجُوا عَلَى النَّاسِ، فَقَاتَلُوهُمْ، وَمَرَّ بَابَكُ، حَتَّى دَخَلَ الْوَادِي الَّذِي يَلِي هَشْتَادْسِرَ، وَاشْتَغَلَ الْأَفْشِينُ وَمِنْ مَعَهُ بِالْحَرْبِ عَلَى أَبْوَابِ الْقُصُورِ، فَأَحْضَرَ النَّفَّاطِينَ فَأَحْرَقُوهَا، وَهَدَمَ النَّاسُ الْقُصُورَ، فَقَتَلُوا الْخُرَّمِيَّةَ عَنْ آخِرِهِمْ، وَأَخَذَ الْأَفْشِينُ أَوْلَادَ بَابَكَ وَعِيَالِهِ، وَبَقِيَ هُنَاكَ حَتَّى أَدْرَكَهُ الْمَسَاءُ، فَأَمَرَ النَّاسَ بِالِانْصِرَافِ، فَرَجَعُوا إِلَى الْخَنْدَقِ بِرَوْذِ الرَّوْذِ.
وَأَمَّا بَابَكُ فَإِنَّهُ سَارَ فِيمَنْ مَعَهُ، وَكَانُوا قَدْ عَادُوا إِلَى الْبَذِّ، بَعْدَ رُجُوعِ الْأَفْشِينِ، فَأَخَذُوا مَا أَمْكَنَهُمْ مِنَ الطَّعَامِ وَالْأَمْوَالِ، وَلَمَّا كَانَ الْغَدُ رَجَعَ الْأَفْشِينُ إِلَى الْبَذِّ، وَأَمَرَ بِهَدْمِ الْقُصُورِ وَإِحْرَاقِهَا، فَفَعَلُوا، فَلَمْ يَدَعْ مِنْهَا بَيْتًا، وَكَتَبَ إِلَى مُلُوكِ أَرْمِينِيَّةَ وَبَطَارِقَتِهِمْ، يُعْلِمُهُمْ أَنَّ بَابَكَ قَدْ هَرَبَ وَعِدَّةٌ مَعَهُ، وَهُوَ مَارٌّ بِكُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِحِفْظِ نَوَاحِيهِمْ، وَلَا يَمُرُّ بِهِمْ أَحَدٌ إِلَّا أَخَذُوهُ، حَتَّى يَعْرِفُوهُ.
وَجَاءَتْ جَوَاسِيسُ الْأَفْشِينِ إِلَيْهِ فَأَعْلَمُوهُ بِمَوْضِعِ بَابَكَ، وَكَانَ فِي وَادٍ كَثِيرِ الشَّجَرِ وَالْعُشْبِ، طَرَفُهُ بِأَذْرَبِيجَانَ، وَطَرَفُهُ الْآخَرُ بِأَرْمِينِيَّةَ، وَلَمْ يُمْكِنْ لِلْخَيْلِ نُزُولُهُ، وَلَا يُرَى مَنْ يَسْتَخْفِي فِيهِ لِكَثْرَةِ شَجَرِهِ وَمِيَاهِهِ، وَيُسَمَّى هَذَا الْوَادِي غَيْضَةً، فَوَجَّهَ الْأَفْشِينُ إِلَى كُلِّ مَوْضِعٍ فِيهِ طَرِيقٌ إِلَى الْوَادِي جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ يَحْفَظُونَهُ، وَكَانُوا خَمْسَ عَشْرَةَ جَمَاعَةً.
وَوَرَدَ كِتَابُ الْمُعْتَصِمِ، فِيهِ أَمَانُ بَابَكَ، فَدَعَا الْأَفْشِينُ مَنْ كَانَ اسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَعْلَمَهُمْ ذَلِكَ، وَأَمَرَهُمْ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ بِالْكِتَابِ، وَفِيهِمُ ابْنُهُ، فَلَمْ يَجْسُرْ [عَلَى ذَلِكَ] أَحَدٌ مِنْهُمْ خَوْفًا مِنْهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ يَفْرَحُ بِهَذَا الْأَمَانِ، فَقَالُوا: نَحْنُ أَعْرَفُ بِهِ مِنْكَ، فَقَامَ رَجُلَانِ فَقَالَا: اضْمَنْ لَنَا أَنَّكَ تُجْرِي عَلَى عِيَالِنَا، فَضِمْنَ لَهُمَا، فَسَارَا بِالْكِتَابِ، فَلَمَّا رَأَيَاهُ أَعْلَمَاهُ مَا قَدِمَا لَهُ، فَقَتَلَ أَحَدَهُمَا وَأَمَرَ الْآخَرَ أَنْ يَعُودَ بِالْكِتَابِ إِلَى الْأَفْشِينِ.
وَكَانَ ابْنُهُ قَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ مَعَهُمَا كِتَابًا، فَقَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: قُلْ لِابْنِ الْفَاعِلَةِ: لَوْ كُنْتَ ابْنِي لَلَحِقْتَ بِي، وَلَكِنَّكَ لَسْتَ ابْنِي، وَلَأَنْ تَعِيشَ يَوْمًا وَاحِدًا وَأَنْتَ رَئِيسٌ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَعِيشَ أَرْبَعِينَ سَنَةً عَبْدًا ذَلِيلًا! وَقَعَدَ فِي مَوْضِعِهِ فَلَمْ يَزَلْ فِي تِلْكَ الْغَيْضَةِ حَتَّى فَنِيَ زَادُهُ، وَخَرَجَ مِنْ بَعْضِ تِلْكَ الطُّرُقِ، وَكَانَ مَنْ عَلَيْهِ مِنَ الْجُنْدِ، قَدْ تَنَحَّوْا قَرِيبًا مِنْهُ، وَتَرَكُوا
стр. 2978
عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ يَحْرُسُونَهُ.
فَبَيْنَمَا هُمْ ذَاتَ يَوْمٍ، نِصْفَ النَّهَارِ، إِذْ خَرَجَ بَابَكُ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَرَ الْعَسْكَرَ، وَلَا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَحْرُسُونَ الْمَكَانَ، فَظَنَّ أَنْ لَيْسَ هُنَاكَ أَحَدٌ، فَخَرَجَ هُوَ وَعَبْدُ اللَّهِ أَخُوهُ، وَمُعَاوِيَةُ، وَأُمُّهُ، وَامْرَأَةٌ أُخْرَى، وَسَارُوا يُرِيدُونَ أَرْمِينِيَّةَ، فَرَآهُمُ الْحُرَّاسُ، فَأَرْسَلُوا إِلَى أَصْحَابِهِمْ: إِنَّنَا قَدْ رَأَيْنَا فُرْسَانًا لَا نَدْرِي مَنْ هُمْ، وَكَانَ أَبُو السَّاجِ هُوَ الْمُقَدَّمَ عَلَيْهِمْ، فَرَكِبَ النَّاسُ وَسَارُوا نَحْوَهُمْ، فَرَأَوْا بَابَكَ وَأَصْحَابَهُ قَدْ نَزَلُوا عَلَى مَاءٍ يَتَغَدَّوْنَ، فَلَمَّا رَأَى الْعَسَاكِرَ رَكِبَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، فَنَجَا هُوَ، وَأَخَذَ مُعَاوِيَةَ، وَأُمَّ بَابَكَ، وَالْمَرْأَةَ الْأُخْرَى، فَأَرْسَلَهُمْ أَبُو السَّاجِ إِلَى الْأَفْشِينِ.
وَسَارَ بَابَكُ فِي جِبَالِ أَرْمِينِيَّةَ مُسْتَخْفِيًا، فَاحْتَاجَ إِلَى طَعَامٍ، وَكَانَ بِطَارِقَةُ أَرْمِينِيَّةَ قَدْ تَحَفَّظُوا بِنَوَاحِيهِمْ، وَأَوْصَوْا أَنْ لَا يَجْتَازَ بِهِمْ أَحَدٌ إِلَّا أَخَذُوهُ حَتَّى يَعْرِفُوهُ، وَأَصَابَ بَابَكَ الْجُوعُ، فَرَأَى حَرَّاثًا فِي بَعْضِ الْأَوْدِيَةِ، فَقَالَ لِغُلَامِهِ: انْزِلْ إِلَى هَذَا الْحَرَّاثِ، وَخُذْ مَعَكَ دَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ خُبْزٌ فَاشْتَرِ مِنْهُ.
وَكَانَ لِلْحَرَّاثِ شَرِيكٌ قَدْ ذَهَبَ لِحَاجَةٍ، فَنَزَلَ الْغُلَامُ إِلَى الْحَرَّاثِ لِيَأْخُذَ مِنْهُ الطَّعَامَ، فَرَآهُ رَفِيقُ الْحَرَّاثِ، فَظَنَّ أَنَّهُ يَأْخُذُ مَا مَعَهُ غَصْبًا، فَعَدَا إِلَى الْمُسَلَّحَةِ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ رَجُلًا عَلَيْهِ سَيْفٌ وَسِلَاحٌ قَدْ أَخَذَ خُبْزَ شَرِيكِهِ، فَرَكِبَ صَاحِبُ الْمُسَلَّحَةِ، وَكَانَ فِي جِبَالِ ابْنِ سَنْبَاطَ، فَوَجَّهَ إِلَى سَهْلِ بْنِ سُنْبَاطَ بِالْخَبَرِ، فَرَكِبَ فِي جَمَاعَةٍ فَوَافَى الْحَرَّاثَ وَالْغُلَامُ عِنْدَهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ فَأَخْبَرَهُ الْحَرَّاثُ خَبَرَهُ، فَأَخْبَرَ الْغُلَامُ عَنْ مَوْلَاهُ، وَدَلَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى وَجْهَ بَابَكَ عَرَفَهُ (فَتَرَجَّلَ لَهُ) ، وَأَخَذَ يَدَهُ فَقَبَّلَهَا، وَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: بِلَادَ الرُّومِ، قَالَ: لَا تَجِدُ أَحَدًا أَعْرَفُ بِحَقِّكَ مِنِّي، وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَ السُّلْطَانِ عَمَلٌ، وَكُلُّ مَنْ هَاهُنَا مِنَ الْبَطَارِقَةِ إِنَّمَا هُمْ أَهْلُ بَيْتِكَ، قَدْ صَارَ لَكَ مِنْهُمْ أَوْلَادٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ بَابَكَ كَانَ إِذَا عَلِمَ أَنَّ عِنْدَ بَعْضِهِمْ مِنَ النِّسَاءِ امْرَأَةً جَمِيلَةً طَلَبَهَا، فَإِنْ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِ، وَإِلَّا أَسْرَى إِلَيْهِ، فَأَخَذَهَا، وَنَهَبَ مَالَهُ وَعَادَ، فَخَدَعَهُ ابْنُ سُنْبَاطَ، حَتَّى صَارَ إِلَى حِصْنِهِ. وَأَرْسَلَ بَابَكُ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ إِلَى حِصْنِ اصْطِفَانُوسَ، فَأَرْسَلَ ابْنَ سَنْبَاطَ إِلَى
стр. 2979
الْأَفْشِينِ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْأَفْشِينُ يَعِدُهُ وَيُمَنِّيهِ، وَوَجَّهَ إِلَيْهِ أَبَا سَعِيدٍ وبورمارهَ، وَأَمَرَهُمَا بِطَاعَتِهِ، وَأَمَرَهُمَا ابْنُ سُنْبَاطَ بِالْمَقَامِ فِي مَكَانٍ سَمَّاهُ، وَقَالَ: لَا تَبْرَحَا حَتَّى يَأْتِيَكُمَا رَسُولِي، فَيَكُونُ الْعَمَلُ بِمَا يَقُولُ لَكُمَا.
ثُمَّ إِنَّهُ قَالَ لِبَابَكَ: قَدْ ضَجِرْتَ مِنْ هَذَا الْحِصْنِ، فَلَوْ نَزَلْتَ إِلَى الصَّيْدِ، فَفَعَلَ، فَلَمَّا نَزَلَ مِنِ الْحِصْنِ أَرْسَلَ ابْنُ سُنْبَاطَ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ وبورماره، فَأَمَرَهُمَا أَنْ يُوَافِيَاهُ: أَحَدُهُمَا مِنْ جَانِبِ وَادٍ هُنَاكَ، وَالثَّانِي مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَفَعَلَا، فَلَمْ يُحِبَّ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِمَا.
فَبَيْنَمَا بَابَكُ وَابْنُ سُنْبَاطَ يَتَصَيَّدَانِ إِذْ خَرَجَ عَلَيْهِمَا أَبُو سَعِيدٍ وبورمارهُ فِي أَصْحَابِهِمَا، وَعَلَى بَابَكَ دُرَّاعَةٌ بَيْضَاءُ، فَأَخَذَهُمَا، وَأَمَرُوا بَابَكَ بِالنُّزُولِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَقَالَ: أَنَا أَبُو سَعِيدٍ، وَهَذَا فُلَانٌ، فَنَزَلَ ثُمَّ قَالَ لِابْنِ سُنْبَاطَ مِنَ الْكَلَامِ الْقَبِيحِ، وَشَتَمَهُ، وَقَالَ: إِنَّمَا بِعْتَنِي لِلْيَهُودِ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ، لَوْ أَرَدْتَ الْمَالَ لَأَعْطَيْتُكَ أَكْثَرَ مِمَّا يُعْطِيكَ هَؤُلَاءِ، فَأَرْكَبَهُ أَبُو سَعِيدٍ، وَسَارُوا بِهِ إِلَى الْأَفْشِينِ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنَ الْعَسْكَرِ صَعِدَ الْأَفْشِينُ، وَجَلَسَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَصَفَّ عَسْكَرَهُ صَفَّيْنِ، وَأَمَرَ بِإِنْزَالِ بَابَكَ عَنْ دَابَّتِهِ، وَمَشَى بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، وَأَدْخَلَهُ الْأَفْشِينُ بَيْتًا، وَوَكَّلَ بِهِ مَنْ يَحْفَظُهُ، وَسَيَّرَ مَعَهُ سَهْلَ بْنَ سُنْبَاطَ وَابْنَهُ مُعَاوِيَةَ، فَأَمَرَ لَهُ الْأَفْشِينُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَمَرَ لِسَهْلٍ بِأَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَمِنْطَقَةٍ مُغْرَقَةٍ بِالْجَوَاهِرِ وَتَاجِ الْبَطْرَقَةِ.
وَأَرْسَلَ الْأَفْشِينُ إِلَى عِيسَى بْنِ يُونُسَ بْنِ اصْطِفَانُوسَ يَطْلُبُ مِنْهُ عَبْدَ اللَّهِ أَخَا بَابَكَ فَأَنْفَذَهُ إِلَيْهِ، فَحَبَسَهُ مَعَ أَخِيهِ، وَكَتَبَ إِلَى الْمُعْتَصِمِ بِذَلِكَ، فَأَمَرَهُ بِالْقُدُومِ بِهِمَا عَلَيْهِ.
وَكَانَ وُصُولُ بَابَكَ إِلَى الْأَفْشِينِ بِبَرْزَنْدَ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ شَوَّالَ.
وَكَانَ الْأَفْشِينُ قَدْ أَخَذَ نِسَاءً كَثِيرَةً وَصِبْيَانًا كَثِيرًا، ذَكَرُوا أَنَّ بَابَكَ أَسَرَهُمْ، وَأَنَّهُمْ أَحْرَارٌ مِنَ الْعَرَبِ وَالدَّهَّاقِينَ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَجُعِلُوا فِي حَظِيرَةٍ كَبِيرَةٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَكْتُبُوا إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ، فَكُلُّ مَنْ جَاءَ يَعْرِفُ امْرَأَةً، أَوْ صَبِيًّا، أَوْ جَارِيَةً، وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ أَخَذَهُ، فَأَخَذَ النَّاسُ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَبَقِيَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ.
стр. 2980
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى طُلَيْطِلَةَ
قَدْ ذَكَرْنَا عِصْيَانَ أَهْلِ طُلَيْطِلَةَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ الْأُمَوِيِّ، صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ، وَإِنْفَاذَ الْجُيُوشِ إِلَى مُحَاصَرَتِهَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فَلَمَّا كَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ خَرَجَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِهَا إِلَى قَلْعَةِ رَبَاحٍ، وَبِهَا عَسْكَرٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَاجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ عَلَى حَصْرِ طُلَيْطِلَةَ، وَضَيَّقُوا عَلَيْهَا، وَعَلَى أَهْلِهَا، وَقَطَعُوا عَنْهُمْ بَاقِيَ مَرَافِقِهَا، وَاشْتَدُّوا فِي مُحَاصَرَتِهِمْ، فَبَقُوا كَذَلِكَ إِلَى أَنْ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ.
فَسَيَّرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَخَاهُ الْوَلِيدَ بْنَ الْحَكَمِ إِلَيْهَا أَيْضًا، فَرَأَى أَهْلَهَا وَقَدْ بَلَغَ بِهِمُ الْجَهْدُ كُلَّ مَبْلَغٍ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ طُولُ الْحِصَارِ، وَضَعُفُوا عَنِ الْقِتَالِ وَالدَّفْعِ، فَاقْتَحَمَهَا قَهْرًا وَعَنْوَةً يَوْمَ السَّبْتِ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْ رَجَبٍ، وَأَمَرَ بِتَجْدِيدِ الْقَصْرِ الَّذِي عَلَى بَابِ الْحِصْنِ الَّذِي كَانَ هُدِمَ أَيَّامَ الْحَكَمِ، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى آخِرِ شَعْبَانَ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، حَتَّى اسْتَقَرَّتْ قَوَاعِدُ أَهْلِهَا وَسَكَنُوا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ.
وَفِيهَا ظَهَرَ عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ كَوْكَبٌ، فَبَقِيَ يُرَى نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَلَهُ شِبْهُ الذَّنَبِ، وَكَانَ أَوَّلُ مَا طَلَعَ نَحْوَ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَكَانَ طَوِيلًا جِدًّا، فَهَالَ النَّاسَ ذَلِكَ، وَعَظُمَ عَلَيْهِمْ. ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي أُسَامَةَ فِي تَارِيخِهِ، وَهُوَ مِنَ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ أَبُو زَكَرِيَّاءِ الْوُحَاظِيُّ، وَهُوَ دِمَشْقِيٌّ وَقِيلَ حِمْصِيٌّ.
следующие страницы →