Полный текст (6 163 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
ذَلِكَ الْجَبَلِ، فَسَارُوا لَيْلًا، وَلَا يَعْلَمُ بِهِمْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعَسْكَرِ، ثُمَّ رَكِبَ هُوَ وَالْعَسْكَرُ مَعَ السَّحَرِ، فَصَلَّى الْغَدَاةَ، وَضَرَبَ الطَّبْلَ، وَرَكِبَ فَأَتَى الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ يَقِفُ فِيهِ، فَقَعَدَ عَلَى عَادَتِهِ، وَأَمَرَ بُخَارَاخَذَاهُ أَنْ يَقِفَ مَعَ جَعْفَرٍ الْخَيَّاطِ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَحْمَدَ بْنِ الْخَلِيلِ بْنِ هِشَامٍ، وَنَزَلَ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ يَقِفُ فِيهِ، فَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقْرُبُوا مِنَ التَّلِّ الَّذِي عَلَيْهِ آذِينُ فَيُحْدِقُوا بِهِ، وَكَانَ قَبْلُ يَنْهَاهُمْ عَنْهُ.
وَمَضَى النَّاسُ مَعَ هَؤُلَاءِ الْقُوَّادِ الْأَرْبَعَةِ، (فَكَانَ جَعْفَرٌ مِمَّا يَلِي الْبَابَ، وَإِلَى جَانِبِهِ أَبُو سَعِيدٍ، وَإِلَى جَانِبِ أَبِي سَعِيدٍ بُخَارَاخَذَاهُ، وَكَانَ أَحْمَدُ مِمَّا يَلِي بُخَارَاخَذَاهُ، فَصَارُوا جَمِيعًا حَوْلَ التَّلِّ وَارْتَفَعَتِ الضَّجَّةُ) مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي، فَوَثَبَ كَمِينُ بَابَكَ بِبَشِيرٍ التُّرْكِيِّ وَالْفَرَاغِنَةِ، فَحَارَبُوهُمْ وَسَمِعَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ صَيْحَتَهُمْ، فَأَرَادُوا الْحَرَكَةَ، فَأَمَرَ الْأَفْشِينُ مُنَادِيًا يُنَادِي فِيهِمْ أَنَّ بَشِيرًا قَدْ أَثَارَ كَمِينًا، فَلَا يَتَحَرَّكَنَّ أَحَدٌ، فَسَكَنُوا، وَلَمَّا سَمِعَ الرِّجَالُ الَّذِينَ كَانَ سَيَّرَهُمْ حَتَّى صَارُوا فِي أَعْلَى الْجَبَلِ ضَجَّةَ الْعَسْكَرِ رَكَّبُوا الْأَعْلَامَ عَلَى الرِّمَاحِ، فَنَظَرَ النَّاسُ إِلَى الْأَعْلَامِ تَنْحَدِرُ مِنَ الْجَبَلِ عَلَى خَيْلِ آذِينَ، فَوَجَّهَ آذِينُ إِلَيْهِمْ بَعْضَ أَصْحَابِهِ.
(وَحَمَلَ جَعْفَرٌ وَأَصْحَابُهُ) عَلَى آذِينَ وَأَصْحَابِهِ، حَتَّى صَعِدُوا إِلَيْهِ، فَحَمَلُوا عَلَيْهِ حَمْلَةً مُنْكَرَةً، فَانْحَدَرَ إِلَى الْوَادِي، وَحَمَلَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي سَعِيدٍ، فَإِذَا تَحْتَ دَوَابِّهِمْ آبَارٌ مَحْفُورَةٌ، فَتَسَاقَطَتِ الْفُرْسَانُ فِيهَا، فَوَجَّهَ الْأَفْشِينُ الْفَعَلَةَ يَطُمُّونَ تِلْكَ الْآبَارِ، فَفَعَلُوا، وَحَمَلَ النَّاسُ عَلَيْهِمْ حَمْلَةً شَدِيدَةً.
وَكَانَ آذِينُ قَدْ جَعَلَ فَوْقَ الْجَبَلِ عَجَلًا عَلَيْهَا صَخْرٌ، فَلَمَّا حَمَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ دَفَعَ تِلْكَ الْعَجَلَ عَلَيْهِمْ، فَأَفْرَجَ النَّاسُ مِنْهَا حَتَّى تَدَحْرَجَتْ، ثُمَّ حَمَلَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَلَمَّا نَظَرَ بَابَكُ إِلَى أَصْحَابِهِ قَدْ أَحْدَقَ بِهِمْ خَرَجَ مِنْ طَرَفِ الْبَذِّ، مِمَّا يَلِي الْأَفْشِينَ، فَأَقْبَلَ نَحْوَهُ، فَقِيلَ لِلْأَفْشِينِ: إِنَّ هَذَا بَابَكُ يُرِيدُكَ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ، حَتَّى سَمِعَ كَلَامَهُ، وَكَلَامَ أَصْحَابِهِ، وَالْحَرْبُ مُشْتَبِكَةٌ فِي نَاحِيَةِ آذِينَ، فَقَالَ: أُرِيدُ الْأَمَانَ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ لَهُ الْأَفْشِينُ: قَدْ عَرَضْتُ هَذَا عَلَيْكَ، وَهُوَ لَكَ مَبْذُولٌ مَتَى شِئْتَ، فَقَالَ: قَدْ شِئْتُ الْآنَ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرَنِي حَتَّى أَحْمِلَ عِيَالِي وَأَتَجَهَّزَ، فَقَالَ لَهُ الْأَفْشِينُ: أَنَا أَنْصَحُكَ، خُرُوجُكَ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْ غَدٍ، قَالَ: قَدْ قَبِلْتُ هَذَا، قَالَ الْأَفْشِينُ: فَابْعَثْ بِالرَّهَائِنِ! فَقَالَ: نَعَمْ، أَمَّا فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَهُمْ عَلَى ذَلِكَ التَّلِّ، فَمُرْ أَصْحَابَكَ بِالتَّوَقُّفِ.
стр. 2977
فَجَاءَ رَسُولُ الْأَفْشِينِ لِيَرُدَّ النَّاسَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أَعْلَامَ الْفَرَاغِنَةَ قَدْ دَخَلَتِ الْبَذَّ، وَصَعِدُوا بِهَا الْقُصُورَ، فَرَكِبَ وَصَاحَ بِالنَّاسِ، فَدَخَلَ، وَدَخَلُوا، وَصَعِدَ النَّاسُ بِالْأَعْلَامِ فَوْقَ قُصُورِ بَابَكَ، وَكَانَ قَدْ كَمَّنَ فِي قُصُورِهِ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ وَسِتِّمِائَةِ رَجُلٍ، فَخَرَجُوا عَلَى النَّاسِ، فَقَاتَلُوهُمْ، وَمَرَّ بَابَكُ، حَتَّى دَخَلَ الْوَادِي الَّذِي يَلِي هَشْتَادْسِرَ، وَاشْتَغَلَ الْأَفْشِينُ وَمِنْ مَعَهُ بِالْحَرْبِ عَلَى أَبْوَابِ الْقُصُورِ، فَأَحْضَرَ النَّفَّاطِينَ فَأَحْرَقُوهَا، وَهَدَمَ النَّاسُ الْقُصُورَ، فَقَتَلُوا الْخُرَّمِيَّةَ عَنْ آخِرِهِمْ، وَأَخَذَ الْأَفْشِينُ أَوْلَادَ بَابَكَ وَعِيَالِهِ، وَبَقِيَ هُنَاكَ حَتَّى أَدْرَكَهُ الْمَسَاءُ، فَأَمَرَ النَّاسَ بِالِانْصِرَافِ، فَرَجَعُوا إِلَى الْخَنْدَقِ بِرَوْذِ الرَّوْذِ.
وَأَمَّا بَابَكُ فَإِنَّهُ سَارَ فِيمَنْ مَعَهُ، وَكَانُوا قَدْ عَادُوا إِلَى الْبَذِّ، بَعْدَ رُجُوعِ الْأَفْشِينِ، فَأَخَذُوا مَا أَمْكَنَهُمْ مِنَ الطَّعَامِ وَالْأَمْوَالِ، وَلَمَّا كَانَ الْغَدُ رَجَعَ الْأَفْشِينُ إِلَى الْبَذِّ، وَأَمَرَ بِهَدْمِ الْقُصُورِ وَإِحْرَاقِهَا، فَفَعَلُوا، فَلَمْ يَدَعْ مِنْهَا بَيْتًا، وَكَتَبَ إِلَى مُلُوكِ أَرْمِينِيَّةَ وَبَطَارِقَتِهِمْ، يُعْلِمُهُمْ أَنَّ بَابَكَ قَدْ هَرَبَ وَعِدَّةٌ مَعَهُ، وَهُوَ مَارٌّ بِكُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِحِفْظِ نَوَاحِيهِمْ، وَلَا يَمُرُّ بِهِمْ أَحَدٌ إِلَّا أَخَذُوهُ، حَتَّى يَعْرِفُوهُ.
وَجَاءَتْ جَوَاسِيسُ الْأَفْشِينِ إِلَيْهِ فَأَعْلَمُوهُ بِمَوْضِعِ بَابَكَ، وَكَانَ فِي وَادٍ كَثِيرِ الشَّجَرِ وَالْعُشْبِ، طَرَفُهُ بِأَذْرَبِيجَانَ، وَطَرَفُهُ الْآخَرُ بِأَرْمِينِيَّةَ، وَلَمْ يُمْكِنْ لِلْخَيْلِ نُزُولُهُ، وَلَا يُرَى مَنْ يَسْتَخْفِي فِيهِ لِكَثْرَةِ شَجَرِهِ وَمِيَاهِهِ، وَيُسَمَّى هَذَا الْوَادِي غَيْضَةً، فَوَجَّهَ الْأَفْشِينُ إِلَى كُلِّ مَوْضِعٍ فِيهِ طَرِيقٌ إِلَى الْوَادِي جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ يَحْفَظُونَهُ، وَكَانُوا خَمْسَ عَشْرَةَ جَمَاعَةً.
وَوَرَدَ كِتَابُ الْمُعْتَصِمِ، فِيهِ أَمَانُ بَابَكَ، فَدَعَا الْأَفْشِينُ مَنْ كَانَ اسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَعْلَمَهُمْ ذَلِكَ، وَأَمَرَهُمْ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ بِالْكِتَابِ، وَفِيهِمُ ابْنُهُ، فَلَمْ يَجْسُرْ [عَلَى ذَلِكَ] أَحَدٌ مِنْهُمْ خَوْفًا مِنْهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ يَفْرَحُ بِهَذَا الْأَمَانِ، فَقَالُوا: نَحْنُ أَعْرَفُ بِهِ مِنْكَ، فَقَامَ رَجُلَانِ فَقَالَا: اضْمَنْ لَنَا أَنَّكَ تُجْرِي عَلَى عِيَالِنَا، فَضِمْنَ لَهُمَا، فَسَارَا بِالْكِتَابِ، فَلَمَّا رَأَيَاهُ أَعْلَمَاهُ مَا قَدِمَا لَهُ، فَقَتَلَ أَحَدَهُمَا وَأَمَرَ الْآخَرَ أَنْ يَعُودَ بِالْكِتَابِ إِلَى الْأَفْشِينِ.
وَكَانَ ابْنُهُ قَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ مَعَهُمَا كِتَابًا، فَقَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: قُلْ لِابْنِ الْفَاعِلَةِ: لَوْ كُنْتَ ابْنِي لَلَحِقْتَ بِي، وَلَكِنَّكَ لَسْتَ ابْنِي، وَلَأَنْ تَعِيشَ يَوْمًا وَاحِدًا وَأَنْتَ رَئِيسٌ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَعِيشَ أَرْبَعِينَ سَنَةً عَبْدًا ذَلِيلًا! وَقَعَدَ فِي مَوْضِعِهِ فَلَمْ يَزَلْ فِي تِلْكَ الْغَيْضَةِ حَتَّى فَنِيَ زَادُهُ، وَخَرَجَ مِنْ بَعْضِ تِلْكَ الطُّرُقِ، وَكَانَ مَنْ عَلَيْهِ مِنَ الْجُنْدِ، قَدْ تَنَحَّوْا قَرِيبًا مِنْهُ، وَتَرَكُوا
стр. 2978
عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ يَحْرُسُونَهُ.
فَبَيْنَمَا هُمْ ذَاتَ يَوْمٍ، نِصْفَ النَّهَارِ، إِذْ خَرَجَ بَابَكُ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَرَ الْعَسْكَرَ، وَلَا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَحْرُسُونَ الْمَكَانَ، فَظَنَّ أَنْ لَيْسَ هُنَاكَ أَحَدٌ، فَخَرَجَ هُوَ وَعَبْدُ اللَّهِ أَخُوهُ، وَمُعَاوِيَةُ، وَأُمُّهُ، وَامْرَأَةٌ أُخْرَى، وَسَارُوا يُرِيدُونَ أَرْمِينِيَّةَ، فَرَآهُمُ الْحُرَّاسُ، فَأَرْسَلُوا إِلَى أَصْحَابِهِمْ: إِنَّنَا قَدْ رَأَيْنَا فُرْسَانًا لَا نَدْرِي مَنْ هُمْ، وَكَانَ أَبُو السَّاجِ هُوَ الْمُقَدَّمَ عَلَيْهِمْ، فَرَكِبَ النَّاسُ وَسَارُوا نَحْوَهُمْ، فَرَأَوْا بَابَكَ وَأَصْحَابَهُ قَدْ نَزَلُوا عَلَى مَاءٍ يَتَغَدَّوْنَ، فَلَمَّا رَأَى الْعَسَاكِرَ رَكِبَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، فَنَجَا هُوَ، وَأَخَذَ مُعَاوِيَةَ، وَأُمَّ بَابَكَ، وَالْمَرْأَةَ الْأُخْرَى، فَأَرْسَلَهُمْ أَبُو السَّاجِ إِلَى الْأَفْشِينِ.
وَسَارَ بَابَكُ فِي جِبَالِ أَرْمِينِيَّةَ مُسْتَخْفِيًا، فَاحْتَاجَ إِلَى طَعَامٍ، وَكَانَ بِطَارِقَةُ أَرْمِينِيَّةَ قَدْ تَحَفَّظُوا بِنَوَاحِيهِمْ، وَأَوْصَوْا أَنْ لَا يَجْتَازَ بِهِمْ أَحَدٌ إِلَّا أَخَذُوهُ حَتَّى يَعْرِفُوهُ، وَأَصَابَ بَابَكَ الْجُوعُ، فَرَأَى حَرَّاثًا فِي بَعْضِ الْأَوْدِيَةِ، فَقَالَ لِغُلَامِهِ: انْزِلْ إِلَى هَذَا الْحَرَّاثِ، وَخُذْ مَعَكَ دَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ خُبْزٌ فَاشْتَرِ مِنْهُ.
وَكَانَ لِلْحَرَّاثِ شَرِيكٌ قَدْ ذَهَبَ لِحَاجَةٍ، فَنَزَلَ الْغُلَامُ إِلَى الْحَرَّاثِ لِيَأْخُذَ مِنْهُ الطَّعَامَ، فَرَآهُ رَفِيقُ الْحَرَّاثِ، فَظَنَّ أَنَّهُ يَأْخُذُ مَا مَعَهُ غَصْبًا، فَعَدَا إِلَى الْمُسَلَّحَةِ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ رَجُلًا عَلَيْهِ سَيْفٌ وَسِلَاحٌ قَدْ أَخَذَ خُبْزَ شَرِيكِهِ، فَرَكِبَ صَاحِبُ الْمُسَلَّحَةِ، وَكَانَ فِي جِبَالِ ابْنِ سَنْبَاطَ، فَوَجَّهَ إِلَى سَهْلِ بْنِ سُنْبَاطَ بِالْخَبَرِ، فَرَكِبَ فِي جَمَاعَةٍ فَوَافَى الْحَرَّاثَ وَالْغُلَامُ عِنْدَهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ فَأَخْبَرَهُ الْحَرَّاثُ خَبَرَهُ، فَأَخْبَرَ الْغُلَامُ عَنْ مَوْلَاهُ، وَدَلَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى وَجْهَ بَابَكَ عَرَفَهُ (فَتَرَجَّلَ لَهُ) ، وَأَخَذَ يَدَهُ فَقَبَّلَهَا، وَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: بِلَادَ الرُّومِ، قَالَ: لَا تَجِدُ أَحَدًا أَعْرَفُ بِحَقِّكَ مِنِّي، وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَ السُّلْطَانِ عَمَلٌ، وَكُلُّ مَنْ هَاهُنَا مِنَ الْبَطَارِقَةِ إِنَّمَا هُمْ أَهْلُ بَيْتِكَ، قَدْ صَارَ لَكَ مِنْهُمْ أَوْلَادٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ بَابَكَ كَانَ إِذَا عَلِمَ أَنَّ عِنْدَ بَعْضِهِمْ مِنَ النِّسَاءِ امْرَأَةً جَمِيلَةً طَلَبَهَا، فَإِنْ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِ، وَإِلَّا أَسْرَى إِلَيْهِ، فَأَخَذَهَا، وَنَهَبَ مَالَهُ وَعَادَ، فَخَدَعَهُ ابْنُ سُنْبَاطَ، حَتَّى صَارَ إِلَى حِصْنِهِ. وَأَرْسَلَ بَابَكُ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ إِلَى حِصْنِ اصْطِفَانُوسَ، فَأَرْسَلَ ابْنَ سَنْبَاطَ إِلَى
стр. 2979
الْأَفْشِينِ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْأَفْشِينُ يَعِدُهُ وَيُمَنِّيهِ، وَوَجَّهَ إِلَيْهِ أَبَا سَعِيدٍ وبورمارهَ، وَأَمَرَهُمَا بِطَاعَتِهِ، وَأَمَرَهُمَا ابْنُ سُنْبَاطَ بِالْمَقَامِ فِي مَكَانٍ سَمَّاهُ، وَقَالَ: لَا تَبْرَحَا حَتَّى يَأْتِيَكُمَا رَسُولِي، فَيَكُونُ الْعَمَلُ بِمَا يَقُولُ لَكُمَا.
ثُمَّ إِنَّهُ قَالَ لِبَابَكَ: قَدْ ضَجِرْتَ مِنْ هَذَا الْحِصْنِ، فَلَوْ نَزَلْتَ إِلَى الصَّيْدِ، فَفَعَلَ، فَلَمَّا نَزَلَ مِنِ الْحِصْنِ أَرْسَلَ ابْنُ سُنْبَاطَ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ وبورماره، فَأَمَرَهُمَا أَنْ يُوَافِيَاهُ: أَحَدُهُمَا مِنْ جَانِبِ وَادٍ هُنَاكَ، وَالثَّانِي مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَفَعَلَا، فَلَمْ يُحِبَّ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِمَا.
فَبَيْنَمَا بَابَكُ وَابْنُ سُنْبَاطَ يَتَصَيَّدَانِ إِذْ خَرَجَ عَلَيْهِمَا أَبُو سَعِيدٍ وبورمارهُ فِي أَصْحَابِهِمَا، وَعَلَى بَابَكَ دُرَّاعَةٌ بَيْضَاءُ، فَأَخَذَهُمَا، وَأَمَرُوا بَابَكَ بِالنُّزُولِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَقَالَ: أَنَا أَبُو سَعِيدٍ، وَهَذَا فُلَانٌ، فَنَزَلَ ثُمَّ قَالَ لِابْنِ سُنْبَاطَ مِنَ الْكَلَامِ الْقَبِيحِ، وَشَتَمَهُ، وَقَالَ: إِنَّمَا بِعْتَنِي لِلْيَهُودِ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ، لَوْ أَرَدْتَ الْمَالَ لَأَعْطَيْتُكَ أَكْثَرَ مِمَّا يُعْطِيكَ هَؤُلَاءِ، فَأَرْكَبَهُ أَبُو سَعِيدٍ، وَسَارُوا بِهِ إِلَى الْأَفْشِينِ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنَ الْعَسْكَرِ صَعِدَ الْأَفْشِينُ، وَجَلَسَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَصَفَّ عَسْكَرَهُ صَفَّيْنِ، وَأَمَرَ بِإِنْزَالِ بَابَكَ عَنْ دَابَّتِهِ، وَمَشَى بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، وَأَدْخَلَهُ الْأَفْشِينُ بَيْتًا، وَوَكَّلَ بِهِ مَنْ يَحْفَظُهُ، وَسَيَّرَ مَعَهُ سَهْلَ بْنَ سُنْبَاطَ وَابْنَهُ مُعَاوِيَةَ، فَأَمَرَ لَهُ الْأَفْشِينُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَمَرَ لِسَهْلٍ بِأَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَمِنْطَقَةٍ مُغْرَقَةٍ بِالْجَوَاهِرِ وَتَاجِ الْبَطْرَقَةِ.
وَأَرْسَلَ الْأَفْشِينُ إِلَى عِيسَى بْنِ يُونُسَ بْنِ اصْطِفَانُوسَ يَطْلُبُ مِنْهُ عَبْدَ اللَّهِ أَخَا بَابَكَ فَأَنْفَذَهُ إِلَيْهِ، فَحَبَسَهُ مَعَ أَخِيهِ، وَكَتَبَ إِلَى الْمُعْتَصِمِ بِذَلِكَ، فَأَمَرَهُ بِالْقُدُومِ بِهِمَا عَلَيْهِ.
وَكَانَ وُصُولُ بَابَكَ إِلَى الْأَفْشِينِ بِبَرْزَنْدَ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ شَوَّالَ.
وَكَانَ الْأَفْشِينُ قَدْ أَخَذَ نِسَاءً كَثِيرَةً وَصِبْيَانًا كَثِيرًا، ذَكَرُوا أَنَّ بَابَكَ أَسَرَهُمْ، وَأَنَّهُمْ أَحْرَارٌ مِنَ الْعَرَبِ وَالدَّهَّاقِينَ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَجُعِلُوا فِي حَظِيرَةٍ كَبِيرَةٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَكْتُبُوا إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ، فَكُلُّ مَنْ جَاءَ يَعْرِفُ امْرَأَةً، أَوْ صَبِيًّا، أَوْ جَارِيَةً، وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ أَخَذَهُ، فَأَخَذَ النَّاسُ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَبَقِيَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ.
стр. 2980
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى طُلَيْطِلَةَ
قَدْ ذَكَرْنَا عِصْيَانَ أَهْلِ طُلَيْطِلَةَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ الْأُمَوِيِّ، صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ، وَإِنْفَاذَ الْجُيُوشِ إِلَى مُحَاصَرَتِهَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فَلَمَّا كَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ خَرَجَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِهَا إِلَى قَلْعَةِ رَبَاحٍ، وَبِهَا عَسْكَرٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَاجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ عَلَى حَصْرِ طُلَيْطِلَةَ، وَضَيَّقُوا عَلَيْهَا، وَعَلَى أَهْلِهَا، وَقَطَعُوا عَنْهُمْ بَاقِيَ مَرَافِقِهَا، وَاشْتَدُّوا فِي مُحَاصَرَتِهِمْ، فَبَقُوا كَذَلِكَ إِلَى أَنْ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ.
فَسَيَّرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَخَاهُ الْوَلِيدَ بْنَ الْحَكَمِ إِلَيْهَا أَيْضًا، فَرَأَى أَهْلَهَا وَقَدْ بَلَغَ بِهِمُ الْجَهْدُ كُلَّ مَبْلَغٍ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ طُولُ الْحِصَارِ، وَضَعُفُوا عَنِ الْقِتَالِ وَالدَّفْعِ، فَاقْتَحَمَهَا قَهْرًا وَعَنْوَةً يَوْمَ السَّبْتِ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْ رَجَبٍ، وَأَمَرَ بِتَجْدِيدِ الْقَصْرِ الَّذِي عَلَى بَابِ الْحِصْنِ الَّذِي كَانَ هُدِمَ أَيَّامَ الْحَكَمِ، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى آخِرِ شَعْبَانَ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، حَتَّى اسْتَقَرَّتْ قَوَاعِدُ أَهْلِهَا وَسَكَنُوا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ.
وَفِيهَا ظَهَرَ عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ كَوْكَبٌ، فَبَقِيَ يُرَى نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَلَهُ شِبْهُ الذَّنَبِ، وَكَانَ أَوَّلُ مَا طَلَعَ نَحْوَ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَكَانَ طَوِيلًا جِدًّا، فَهَالَ النَّاسَ ذَلِكَ، وَعَظُمَ عَلَيْهِمْ. ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي أُسَامَةَ فِي تَارِيخِهِ، وَهُوَ مِنَ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ أَبُو زَكَرِيَّاءِ الْوُحَاظِيُّ، وَهُوَ دِمَشْقِيٌّ وَقِيلَ حِمْصِيٌّ.
стр. 2981
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو هَاشِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي خِدَاشٍ الْمَوْصِلِيُّ، وَكَانَ كَثِيرَ الرِّوَايَةِ مِنَ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ.
стр. 2982
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٢٣ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ قُدُومِ الْأَفْشِينِ بِبَابَكَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَ الْأَفْشِينُ إِلَى سَامَرَّا، وَمَعَهُ بَابَكُ الْخُرَّمِيُّ وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ، فِي صَفَرَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ الْمُعْتَصِمُ يُوَجِّهُ إِلَى الْأَفْشِينِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، مِنْ حِينِ سَارَ مِنْ بَرْزَنْدَ إِلَى أَنْ وَافَى سَامَرَّا، خِلْعَةً وَفَرَسًا فَلَمَّا صَارَ الْأَفْشِينُ بِقَنَاطِرِ حُذَيْفَةَ تَلَقَّاهُ هَارُونُ الْوَاثِقُ بْنُ الْمُعْتَصِمِ، وَأَهْلُ بَيْتِ الْمُعْتَصِمِ، وَأَنْزَلَ الْأَفْشِينُ بَابَكَ عِنْدَهُ فِي قَصْرِهِ بِالْمَطِيرَةِ، فَأَتَاهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادَ مُتَنَكِّرًا، فَنَظَرَ إِلَى بَابَكَ وَكَلَّمَهُ، وَرَجَعَ إِلَى الْمُعْتَصِمِ فَوَصَفَهُ لَهُ، فَأَتَاهُ الْمُعْتَصِمُ أَيْضًا مُتَنَكِّرًا فَرَآهُ.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَعَدَ الْمُعْتَصِمُ، وَاصْطَفَّ النَّاسُ مِنْ بَابِ الْعَامَّةِ إِلَى الْمَطِيرَةِ، فَشَهَّرَهُ الْمُعْتَصِمُ، وَأَمَرَ أَنْ يَرْكَبَ عَلَى الْفِيلِ، فَرَكِبَ عَلَيْهِ، وَاسْتَشْرَفَهُ النَّاسُ إِلَى بَابِ الْعَامَّةِ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الزَّيَّاتِ:
قَدْ خُضِّبَ الْفِيلُ كَعَادَتِهِ يَحْمِلُ شَيْطَانَ خُرَاسَانَ وَالْفِيلُ لَا تُخْصَبُ أَعْضَاؤُهُ إِلَّا لِذِي شَأْنٍ مِنَ الشَّانِ ثُمَّ أُدْخِلَ دَارَ الْمُعْتَصِمِ، فَأُمِرَ بِإِحْضَارِ سَيَّافِ بَابَكَ، فَحَضَرَ، فَأَمَرَهُ الْمُعْتَصِمُ أَنْ يَقْطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَقَطَعَهَا، فَسَقَطَ، فَأَمَرَهُ بِذَبْحِهِ، فَفَعَلَ، (وَشَقَّ بَطْنَهُ) ، وَأَنْفَذَ رَأْسَهُ إِلَى خُرَاسَانَ، وَصُلِبَ بَدَنُهُ بِسَامَرَّا، وَأَمَرَ بِحَمْلِ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ
стр. 2983
بِبَغْدَاذَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ مَا فَعَلَ بِأَخِيهِ بَابَكَ، فَعَمِلَ بِهِ ذَلِكَ، وَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَصَلَبَهُ فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ بَيْنَ الْجِسْرَيْنِ.
قِيلَ: فَكَانَ الَّذِي أَخْرَجَ الْأَفْشِينُ مِنَ الْمَالِ مُدَّةَ مُقَامِهِ بِإِزَاءِ بَابَكَ، سِوَى الْأَرْزَاقِ وَالْأَنْزَالِ وَالْمَعَارِفِ، فِي كُلِّ يَوْمٍ يَرْكَبُ فِيهِ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَفِي [كُلِّ] يَوْمٍ لَا يَرْكَبُ فِيهِ خَمْسَةُ آلَافٍ، فَكَانَ جَمِيعُ مَنْ قَتَلَ بَابَكُ فِي عِشْرِينَ سَنَةٍ مِائَتَيْ أَلْفٍ وَخَمْسَةً وَخَمْسِينَ أَلْفًا وَخَمْسَ مِائَةِ إِنْسَانٍ، وَغَلَبَ مِنَ الْقُوَّادِ يَحْيَى بْنَ مُعَاذٍ، وَعِيسَى بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، وَأَحْمَدَ بْنَ الْجُنَيْدِ فَأَسَرَهُ، وَزُرَيْقَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ صَدَقَةَ، وَمُحَمَّدَ بْنَ حُمَيْدٍ الطُّوسِيَّ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنَ اللَّيْثِ.
وَكَانَ الَّذِينَ أُسِرُوا مَعَ بَابَكَ ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَثَلَاثَمِائَةٍ وَتِسْعَةَ أَنَاسِيٍّ، وَاسْتَنْقَذَ مِمَّنْ كَانَ فِي يَدِهِ مِنَ الْمُسْلِمَاتِ وَأَوْلَادِهِنَّ سَبْعَةَ آلَافٍ وَسِتَّمِائَةِ إِنْسَانٍ، وَصَارَ فِي يَدِ الْأَفْشِينِ مِنْ بَنِي بَابَكَ سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَمِنَ الْبَنَاتِ وَالنِّسَاءِ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ امْرَأَةً.
وَلَمَّا وَصَلَ الْأَفْشِينُ تَوَّجَهَ الْمُعْتَصِمُ وَأَلْبَسَهُ بِالْجَوْهَرِ، وَوَصَلَهُ بِعِشْرِينَ أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةِ آلَافٍ يُفَرِّقُهَا فِي عَسْكَرِهِ، وَعَقَدَ لَهُ عَلَى السِّنْدِ، وَأَدْخَلَ عَلَيْهِ الشُّعَرَاءَ يَمْدَحُونَهُ.
ذِكْرُ خُرُوجِ الرُّومِ إِلَى زِبَطْرَةَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ تَوْفِيلُ بْنُ مِيخَائِيلَ مَلِكُ الرُّومِ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَأَوْقَعَ بِأَهْلِ زِبَطْرَةَ وَغَيْرِهَا.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ بَابَكَ لَمَّا ضَيَّقَ الْأَفْشِينُ عَلَيْهِ، وَأَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ، كَتَبَ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ تَوْفِيلَ يُعْلِمُهُ أَنَّ الْمُعْتَصِمَ قَدْ وَجَّهَ عَسَاكِرَهُ وَمُقَاتِلَتَهُ إِلَيْهِ، حَتَّى وَجَّهَ خَيَّاطَهُ، يَعْنِي جَعْفَرَ بْنَ دِينَارٍ الْخَيَّاطَ، وَطَبَّاخَهُ، يَعْنِي إِيتَاخَ، وَلَمْ يُبْقِ عَلَى بَابِهِ أَحَدًا! فَإِنْ أَرَدْتَ الْخُرُوجَ إِلَيْهِ فَلَيْسَ فِي وَجْهِكَ أَحَدٌ يَمْنَعُكَ.
стр. 2984
وَظَنَّ بَابَكُ أَنَّ مَلِكَ الرُّومِ إِنْ تَحَرَّكَ سَيَكْشِفُ عَنْهُ بَعْضَ مَا هُوَ فِيهِ بِإِنْفَاذِ الْعَسَاكِرِ إِلَى مُقَاتَلَةِ الرُّومِ، فَخَرَجَ تَوْفِيلُ فِي مِائَةِ أَلْفٍ، وَقِيلَ: أَكْثَرُهُمْ مِنَ الْجُنْدِ نَيِّفٌ وَسَبْعُونَ أَلْفًا، وَبَقِيَّتُهُمْ أَتْبَاعٌ، (وَمَعَهُمْ مِنَ الْمُحَمِّرَةِ) الَّذِينَ كَانُوا خَرَجُوا بِالْجِبَالِ فَلَحِقُوا بِالرُّومِ حِينَ قَاتَلَهُمْ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ جَمَاعَةً، فَبَلَغَ زِبَطْرَةَ، فَقَتَلَ مَنْ بِهَا مِنَ الرِّجَالِ، وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ وَالنِّسَاءَ، وَأَغَارَ عَلَى أَهْلِ مَلَطْيَةَ وَغَيْرِهَا مِنْ حُصُونِ الْمُسْلِمِينَ، وَسَبَى الْمُسْلِمَاتِ، وَمَثَّلَ بِمَنْ صَارَ فِي يَدِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَسَمَّلَ أَعْيُنَهُمْ، وَقَطَّعَ أُنُوفَهُمْ وَآذَانَهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ الثُّغُورِ مِنَ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ، إِلَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَابَّةٌ وَلَا سِلَاحٌ.
ذِكْرُ فَتْحِ عَمُّورِيَّةَ
لَمَّا خَرَجَ مَلِكُ الرُّومِ، وَفَعَلَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ مَا فَعَلَ، بَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْمُعْتَصِمِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ اسْتَعْظَمَهُ، وَكَبُرَ لَدَيْهِ، وَبَلَغَهُ أَنَّ امْرَأَةً هَاشِمِيَّةً صَاحَتْ، وَهِيَ أَسِيرَةٌ فِي أَيْدِي الرُّومِ: وَامُعْتَصِمَاهُ! فَأَجَابَهَا وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى سَرِيرِهِ: لَبَّيْكِ لَبَّيْكِ! وَنَهَضَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَصَاحَ فِي قَصْرِهِ: النَّفِيرَ النَّفِيرَ، ثُمَّ رَكِبَ دَابَّتَهُ، وَسَمَّطَ خَلْفَهُ شِكَالًا، وَسِكَّةَ حَدِيدٍ، وَحَقِيبَةً فِيهَا زَادُهُ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْمَسِيرُ إِلَّا بَعْدَ التَّعْبِئَةِ وَجَمْعِ الْعَسَاكِرِ، فَجَلَسَ فِي دَارِ الْعَامَّةِ، وَأَحْضَرَ قَاضِيَ بَغْدَادَ، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، وَشُعْبَةُ بْنُ سَهْلٍ، وَمَعَهُمَا ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ، فَأَشْهَدَهُمْ عَلَى مَا وَقَفَ مِنَ الضِّيَاعِ، فَجَعَلَ ثُلُثًا لِوَلَدِهِ، وَثُلُثًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَثُلُثًا لِمَوَالِيهِ.
ثُمَّ سَارَ فَعَسْكَرَ بِغَرْبِيِّ دِجْلَةَ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ جُمَادَى الْأُولَى، وَوَجَّهَ عُجَيْفَ بْنَ عَنْبَسَةَ، وَعُمَرَ الْفَرْغَانِيَّ، وَمُحَمَّدَ كُوتَاهْ، وَجَمَاعَةً مِنَ الْقُوَّادِ إِلَى زِبَطْرَةَ مَعُونَةً لِأَهْلِهَا، فَوَجَدُوا مَلِكَ الرُّومِ قَدِ انْصَرَفَ عَنْهَا إِلَى بِلَادِهِ، بَعْدَمَا فَعَلَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَوَقَفُوا حَتَّى تَرَاجَعَ النَّاسُ إِلَى قُرَاهُمْ (وَاطْمَأَنُّوا.
فَلَمَّا ظَفِرَ الْمُعْتَصِمُ بِبَابَكَ قَالَ: أَيُّ بِلَادِ الرُّومِ أَمْنَعُ وَأَحْصَنُ؟ فَقِيلَ: عَمُّورِيَّةَ لَمْ
стр. 2985
يَعْرِضْ لَهَا أَحَدٌ مُنْذُ كَانَ الْإِسْلَامُ، وَهِيَ عَيْنُ النَّصْرَانِيَّةِ، وَهِيَ أَشْرَفُ عِنْدَهُمْ) مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ. فَسَارَ الْمُعْتَصِمُ بِسُرَّ مَنْ رَأَى.
وَقِيلَ كَانَ مَسِيرُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ.
وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ.
وَتَجَهَّزَ جِهَازًا لَمْ يَتَجَهَّزْهُ خَلِيفَةٌ قَبْلَهُ قَطُّ مِنَ السِّلَاحِ، وَالْعَدَدِ، وَالْآلَةِ، وَحِيَاضِ الْأَدَمِ، وَالرَّوَايَا، وَالْقِرَبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَجَعَلَ عَلَى مُقَدَّمَتِهِ أَشْنَاسَ، وَيَتْلُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ، وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ إِيتَاخَ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ جَعْفَرَ بْنَ دِينَارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَيَّاطَ، وَعَلَى الْقَلْبِ عُجَيْفَ بْنَ عَنْبَسَةَ، فَلَمَّا دَخَلَ بِلَادَ الرُّومِ نَزَلَ عَلَى نَهْرِ السِّنِّ، وَهُوَ عَلَى سَلُوقِيَّةَ، قَرِيبًا مِنَ الْبَحْرِ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَرَسُوسَ مَسِيرَةُ يَوْمٍ، وَعَلَيْهِ يَكُونُ الْفِدَاءُ.
وَأَمْضَى الْمُعْتَصِمُ الْأَفْشِينَ إِلَى سَرُوجَ، وَأَمَرَهُ بِالدُّخُولِ مِنْ دَرْبِ الْحَدَثِ، وَسَمَّى لَهُ يَوْمًا يَكُونُ دُخُولُهُ فِيهِ، وَيَوْمًا يَكُونُ اجْتِمَاعُهُمْ فِيهِ، وَسَيَّرَ أَشْنَاسَ مِنْ دَرْبِ طَرَسُوسَ، وَأَمَرَهُ بِانْتِظَارِهِ بِالصَّفْصَافِ، فَكَانَ مَسِيرُ أَشْنَاسَ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ، وَقَدَّمَ الْمُعْتَصِمُ وَصِيفًا فِي أَثَرِ أَشْنَاسَ، (وَرَحَلَ الْمُعْتَصِمُ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ.
فَلَمَّا صَارَ " أَشْنَاسُ ") بِمَرْجِ أَسْقُفَّ، وَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابُ الْمُعْتَصِمِ، (مِنَ الْمَطَامِيرِ يُعْلِمُهُ أَنَّ مَلِكَ الرُّومِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنَّهُ يُرِيدُ [أَنْ] يَكْسِبَهُمْ، وَيَأْمُرُ بِالْمَقَامِ إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ، فَأَقَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَوَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابُ الْمُعْتَصِمِ) يَأْمُرُهُ أَنْ يُوَجِّهَ قَائِدًا مِنْ قُوَّادِهِ [فِي] سَرِيَّةٍ يَلْتَمِسُونَ رَجُلًا مِنَ الرُّومِ يَسْأَلُونَهُ عَنْ خَبَرِ الْمَلِكِ، فَوَجَّهَ أَشْنَاسُ عُمَرَ الْفَرْغَانِيَّ فِي مِائَتَيْ فَارِسٍ، فَدَخَلَ حَتَّى بَلَغَ أَنْقَرَةَ، وَفَرَّقَ أَصْحَابَهُ فِي طَلَبِ رَجُلٍ رُومِيٍّ، فَأَتَوْهُ بِجَمَاعَةٍ بَعْضُهُمْ مِنْ (عَسْكَرِ الْمَلِكِ، وَبَعْضُهُمْ مِنَ) السَّوَادِ، فَأَحْضَرَهُمْ عِنْدَ أَشْنَاسَ، فَسَأَلَهُمْ عَنِ الْخَبَرِ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْمَلِكَ مُقِيمٌ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا يَنْتَظِرُ مُقَدَّمَةَ الْمُعْتَصِمِ لِيُوَاقِعَهُمْ
стр. 2986
فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِأَنَّ عَسْكَرًا عَظِيمًا قَدْ دَخَلَ بِلَادَهُمْ مِنْ نَاحِيَةِ الْأَرْمَنْيَاقِ، يَعْنِي عَسْكَرَ الْأَفْشِينِ، قَالُوا: فَلَمَّا أُخْبِرَ اسْتَخْلَفَ ابْنَ خَالِهِ عَلَى عَسْكَرِهِ، وَسَارَ يُرِيدُ نَاحِيَةَ الْأَفْشِينِ، فَوَجَّهَ أَشْنَاسُ بِهِمْ إِلَى الْمُعْتَصِمِ، فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَكَتَبَ الْمُعْتَصِمُ كِتَابًا إِلَى الْأَفْشِينِ يُعْلِمُهُ أَنَّ مَلِكَ الرُّومِ قَدْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ، وَيَأْمُرُهُ أَنْ يُقِيمَ مَكَانَهُ، خَوْفًا عَلَيْهِ مِنَ الرُّومِ، إِلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ كِتَابَهُ، وَضَمِنَ لِمَنْ يُوصِّلُ كِتَابَهُ إِلَى الْأَفْشِينِ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ.
فَسَارَتِ الرُّسُلُ بِالْكِتَابِ إِلَى الْأَفْشِينِ، فَلَمْ يَرَوْهُ لِأَنَّهُ أَوْغَلَ فِي بِلَادِ الرُّومِ وَكَتَبَ الْمُعْتَصِمُ إِلَى أَشْنَاسَ يَأْمُرُهُ بِالتَّقَدُّمِ، فَتَقَدَّمَ وَالْمُعْتَصِمُ مِنْ وَرَائِهِ، فَلَمَّا رَحَلَ أَشْنَاسُ نَزَلَ الْمُعْتَصِمُ مَكَانَهُ، حَتَّى صَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْقَرَةَ ثَلَاثُ مَرَاحِلَ، فَضَاقَ عَسْكَرُ الْمُعْتَصِمِ ضِيقًا شَدِيدًا مِنَ الْمَاءِ وَالْعَلَفِ.
وَكَانَ أَشْنَاسُ قَدْ أَسَرَ فِي طَرِيقِهِ عِدَّةَ أَسْرَى، فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْهُمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَقَالَ لَهُ: مَا تَنْتَفِعُ بِقَتْلِي، وَأَنْتَ وَعَسْكَرُكَ فِي ضِيقٍ، وَهَاهُنَا قَوْمٌ قَدْ هَرَبُوا مِنْ أَنْقَرَةَ خَوْفًا مِنْكُمْ، وَهُمْ بِالْقُرْبِ مِنَّا، مَعَهُمُ الطَّعَامُ وَالشَّعِيرُ وَغَيْرُهُمَا، فَوَجِّهْ مَعِي قَوْمًا لِأُسَلِّمَهُمْ إِلَيْهِمْ، وَخَلِّ سَبِيلِي! فَسَيَّرَ مَعَهُ خَمْسَمِائَةِ فَارِسٍ، وَدَفَعَ الشَّيْخَ إِلَى مَالِكِ بْنِ كَيْدَرَ، وَقَالَ لَهُ: مَتَى أَرَاكَ هَذَا الشَّيْخُ سَبْيًا كَثِيرًا، أَوْ غَنِيمَةً كَبِيرَةً، فَخَلِّ سَبِيلَهُ.
فَسَارَ بِهِمُ الشَّيْخُ، فَأَوْرَدَهُمْ عَلَى وَادٍ وَحَشِيشٍ، فَأَمْرَجُوا دَوَابَّهُمْ، وَشَرِبُوا وَأَكَلُوا، وَسَارُوا حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الْغَيْضَةِ، وَسَارَ بِهِمُ الشَّيْخُ حَتَّى أَتَى جَبَلًا، فَنَزَلَهُ لَيْلًا، فَلَمَّا أَصْبَحُوا قَالَ الشَّيْخُ: وَجِّهُوا رَجُلَيْنِ يَصْعَدَانِ هَذَا الْجَبَلَ، فَيَنْظُرَا مَا فَوْقَ، فَيَأْخُذَانِ مَنْ أَدْرَكَا! فَصَعِدَ أَرْبَعَةٌ، فَأَخَذُوا رَجُلًا وَامْرَأَةً، فَسَأَلَهُمَا الشَّيْخُ عَنْ أَهْلِ أَنْقَرَةَ، فَدَلَّاهُ عَلَيْهِمْ، فَسَارَ بِالنَّاسِ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى أَهْلِ أَنْقَرَةَ، وَهُمْ فِي طَرَفِ مَلَّاحَةٍ، فَلَمَّا رَأَوُا الْعَسْكَرَ أَدْخَلُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ الْمَلَّاحَةَ، وَقَاتَلُوهُمْ عَلَى طَرَفِهَا، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ وَأَخَذُوا مِنَ الرُّومِ عِدَّةَ أَسْرَى، وَفِيهِمْ مَنْ فِيهِ جِرَاحَاتٌ عُتْقٌ (مُتَقَدِّمَةٌ) فَسَأَلُوهُمْ عَنْ تِلْكَ الْجِرَاحَاتِ، فَقَالُوا: كُنَّا فِي وَقْعَةِ الْمَلِكِ مَعَ الْأَفْشِينِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلِكَ لَمَّا كَانَ
стр. 2987
مُعَسْكِرًا أَتَاهُ الْخَبَرُ بِوُصُولِ الْأَفْشِينِ فِي عَسْكَرٍ ضَخْمٍ نَاحِيَةَ الْأَرْمِنْيَاقِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى عَسْكَرِهِ بَعْضَ أَقْرِبَائِهِ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَوَاقَعْنَاهُمْ صَلَاةَ الْغَدَاةِ، فَهَزَمْنَاهُمْ، وَقَتَلْنَا رَجَّالَتَهُمْ كُلَّهُمْ، وَتَقَطَّعَتْ عَسَاكِرُنَا فِي طَلَبِهِمْ، فَلَمَّا كَانَ الظُّهْرُ رَجَعَ فُرْسَانُهُمْ، فَقَاتَلُونَا قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى خَرَقُوا عَسْكَرَنَا، وَاخْتَلَطُوا بِنَا، فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْمَلِكُ، وَانْهَزَمْنَا مِنْهُمْ، وَرَجَعْنَا إِلَى مُعَسْكَرِ الْمَلِكِ الَّذِي خَلْفَهُ، فَوَجَدْنَا الْعَسْكَرَ قَدِ انْتَقَضَ، وَانْصَرَفُوا عَنْ قَرَابَةِ الْمَلِكِ.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ جَاءَ الْمَلِكُ فِي جَمَاعَةٍ يَسِيرَةٍ، فَرَأَى عَسْكَرَهُ قَدِ اخْتَلَّ، وَأَخَذَ الَّذِي كَانَ اسْتَخْلَفَهُ عَلَيْهِمْ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَكَتَبَ إِلَى الْمُدُنِ وَالْحُصُونِ أَنْ لَا يَأْخُذُوا أَحَدًا انْصَرَفَ مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَّا ضَرَبُوهُ بِالسِّيَاطِ، وَرَدُّوهُ إِلَى مَكَانٍ سَمَّاهُ لَهُمُ الْمَلِكُ، لِيَجْتَمِعَ إِلَيْهِ النَّاسُ، وَيَلْقَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ الْمَلِكَ وَجَّهَ خَصِيًّا لَهُ إِلَى أَنْقَرَةَ ; لِيَحْفَظَ أَهْلَهَا، فَرَآهُمْ قَدْ أُجْلُوا عَنْهَا، فَكَتَبَ إِلَى الْمَلِكِ بِذَلِكَ، فَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى عَمُّورِيَّةَ، فَرَجَعَ مَالِكُ بْنُ كَيْدَرَ بِمَا مَعَهُمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَالْأَسْرَى إِلَى عَسْكَرِ أَشْنَاسَ، وَغَنِمُوا فِي طَرِيقِهِمْ، بَقَرًا، وَغَنَمًا كَثِيرًا، فَلَمَّا بَلَغَ مَالِكُ بْنُ كَيْدَرَ عَسْكَرَ أَشْنَاسَ أَخْبَرَهُ بِمَا سَمِعَ، فَأَعْلَمَ الْمُعْتَصِمَ بِذَلِكَ، فَسُرَّ بِهِ.
فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ جَاءَ الْبَشِيرُ مِنْ نَاحِيَةِ الْأَفْشِينِ بِخَبَرِ السَّلَامَةِ، وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَدِمَ الْأَفْشِينُ عَلَى الْمُعْتَصِمِ وَهُوَ بِأَنْقَرَةَ، فَأَقَامُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
ثُمَّ جَعَلَ الْمُعْتَصِمُ الْعَسْكَرَ ثَلَاثَةَ عَسَاكِرَ: عَسْكَرٌ فِيهِ أَشْنَاسُ فِي الْمَيْسَرَةِ، وَالْمُعْتَصِمُ فِي الْقَلْبِ، وَعَسْكَرُ الْأَفْشِينِ فِي الْمَيْمَنَةِ، وَبَيْنَ كُلِّ عَسْكَرٍ وَعَسْكَرٍ فَرْسَخَانِ، وَأَمَرَ كُلَّ عَسْكَرٍ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَيْمَنَةٌ وَمَيْسَرَةٌ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَحْرِقُوا الْقُرَى، وَيُخَرِّبُوهَا، وَيَأْخُذُوا مَنْ لَحِقُوا فِيهَا، ثُمَّ تَرْجِعُ كُلُّ طَائِفَةٍ إِلَى صَاحِبِهَا، يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي مَا بَيْنَ أَنْقَرَةَ وَعَمُّورِيَّةَ، وَبَيْنَهُمَا سَبْعُ مَرَاحِلَ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ حَتَّى وَافَوْا عَمُّورِيَّةَ.
وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ وَرَدَهَا أَشْنَاسُ، ثُمَّ الْمُعْتَصِمُ، ثُمَّ الْأَفْشِينُ، فَدَارُوا حَوْلَهَا، وَقَسَمَهَا بَيْنَ الْقُوَّادِ، وَجَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَبْرَاجًا مِنْهَا عَلَى قَدْرِ أَصْحَابِهِ.
وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَسَرَهُ الرُّومُ بِعَمُّورِيَّةَ، فَتَنَصَّرَ، فَلَمَّا رَأَى الْمُسْلِمِينَ خَرَجَ
стр. 2988
إِلَيْهِمْ، فَأَخْبَرَ الْمُعْتَصِمَ أَنَّ مَوْضِعًا مِنَ الْمَدِينَةِ وَقَعَ سُورُهُ مِنْ سَيْلٍ أَتَاهُ، فَكَتَبَ الْمَلِكُ إِلَى عَامِلِ عَمُّورِيَّةَ لِيُعَمِّرَهُ، فَتَوَانَى، فَلَمَّا خَرَجَ الْمَلِكُ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ خَافَ الْعَامِلُ أَنْ يَرَى السُّورَ خَرَابًا، فَبَنَى وَجْهَهُ حَجَرًا حَجَرًا، وَعَمِلَ الشُّرَفَ عَلَى (جِسْرٍ) خَشَبٍ، فَرَأَى الْمُعْتَصِمُ ذَلِكَ الْمَكَانَ، فَأَمَرَ بِضَرْبِ خَيْمَتِهِ هُنَاكَ، وَنَصْبِ الْمَجَانِيقِ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَانْفَرَجَ السُّورُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
فَلَمَّا رَأَى الرُّومُ ذَلِكَ جَعَلُوا عَلَيْهِ خَشَبًا كِبَارًا كُلُّ عُودٍ يَلْزَقُ الْآخَرَ، وَكَانَ الْمَنْجَنِيقُ يَكْسِرُ الْخَشَبَ، فَجَعَلُوا عَلَيْهِ بَرَاذِعَ، فَلَمَّا أَلَحَّتِ الْمَجَانِيقُ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ تَصَدَّعَ السُّورُ، وَكَتَبَ الْخَصِيُّ، وَبِطْرِيقُ عَمُّورِيَّةَ - وَاسْمُهُ نَاطِسُ - كِتَابًا إِلَى مَلِكِ الرُّومِ يُعْلِمُهُ أَمْرَ السُّورِ، وَسَيَّرَهُ مَعَ رَجُلَيْنِ، فَأَخَذَهُمَا الْمُسْلِمُونَ، وَسَأَلَهُمَا الْمُعْتَصِمُ، وَفَتَّشَهُمَا، فَرَأَى الْكِتَابَ، وَفِيهِ أَنَّ الْعَسْكَرَ قَدْ أَحَاطَ بِالْمَدِينَةِ، وَقَدْ كَانَ دُخُولُهُ إِلَيْهَا خَطَأً، وَأَنَّ نَاطِسَ عَازِمٌ عَلَى أَنْ يَرْكَبَ فِي خَاصَّتِهِ لَيْلًا، وَيَحْمِلَ عَلَى الْعَسْكَرِ كَائِنًا مَا كَانَ، حَتَّى يَخْلُصَ وَيَسِيرَ إِلَى الْمَلِكِ، فَلَمَّا قَرَأَ الْمُعْتَصِمُ الْكِتَابَ أَمَرَ لَهُمَا بِبَدْرَةٍ، وَهِيَ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَخِلَعٍ، فَأَسْلَمَا، فَأَمَرَ بِهِمَا، فَطَافَا حَوْلَ عَمُّورِيَّةَ، وَأَنْ يَقِفَا مُقَابِلَ الْبُرْجِ الَّذِي فِيهِ نَاطِسُ، (فَوَقَفَا وَعَلَيْهِمَا الْخِلَعُ، وَالْأَمْوَالُ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا، فَعَرَفَهُمَا نَاطِسُ) وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الرُّومِ، فَشَتَمُوهُمَا.
وَأَمَرَ الْمُعْتَصِمُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْحِرَاسَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا، فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى انْهَدَمَ السُّورُ مَا بَيْنَ بُرْجَيْنِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَكَانَ الْمُعْتَصِمُ أَمَرَ أَنْ يُطَمَّ خَنْدَقُ عَمُّورِيَّةَ بِجُلُودِ الْغَنَمِ الْمَمْلُوءَةِ تُرَابًا، فَطَمُّوهُ، وَعَمِلَ دَبَّابَاتٍ كِبَارًا تَسَعُ كُلُّ دَبَّابَةٍ عَشَرَةَ رِجَالٍ لِيُدَحْرِجُوهَا عَلَى الْجُلُودِ إِلَى السُّورِ، فَدَحْرَجُوا وَاحِدَةً مِنْهَا، فَلَمَّا صَارَتْ فِي نِصْفِ الْخَنْدَقِ تَعَلَّقَتْ بِتِلْكَ الْجُلُودِ، فَمَا تَخَلَّصَ مَنْ فِيهَا إِلَّا بَعْدَ شِدَّةٍ وَجَهْدٍ، وَعَمِلَ سَلَالِيمَ وَمَنْجَنِيقَاتٍ.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ مِنْ يَوْمِ انْهَدَمَ السُّورُ قَاتَلَهُمْ عَلَى الثُّلْمَةِ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْحَرْبِ أَشْنَاسَ وَأَصْحَابَهُ، وَكَانَ الْمَوْضِعُ ضَيِّقًا، فَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْحَرْبُ فِيهِ، فَأَمَدَّهُمُ الْمُعْتَصِمُ
стр. 2989
بِالْمَنْجَنِيقَاتِ الَّتِي حَوْلَ السُّورِ، فَجَمَعَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ حَوْلَ الثُّلْمَةِ وَأَمَرَ أَنْ يُرْمَى ذَلِكَ الْمَوْضِعُ.
وَكَانَتِ الْحَرْبُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِيَ عَشَرَ عَلَى الْأَفْشِينِ وَأَصْحَابِهِ، وَأَجَادُوا الْحَرْبَ، وَتَقَدَّمُوا، وَالْمُعْتَصِمُ عَلَى دَابَّتِهِ بِإِزَاءِ الثُّلْمَةِ، وَأَشْنَاسُ وَالْأَفْشِينُ وَخَوَاصُّ الْقُوَّادِ مَعَهُ، فَقَالَ الْمُعْتَصِمُ: مَا أَحْسَنَ مَا كَانَ الْحَرْبُ الْيَوْمَ! وَقَالَ عُمَرُ الْفَرْغَانِيُّ: الْحَرْبُ الْيَوْمَ أَجْوَدُ مِنْهَا الْأَمْسَ، فَأَمْسَكَ أَشْنَاسُ.
فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ، وَانْصَرَفَ الْمُعْتَصِمُ وَالنَّاسُ، وَقَرُبَ أَشْنَاسُ مِنْ مِضْرَبِهِ، تَرَجَّلَ لَهُ الْقُوَّادُ، كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ، وَفِيهِمُ الْفَرْغَانِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْخَلِيلِ بْنِ هِشَامٍ، فَقَالَ لَهُمْ أَشْنَاسُ: يَا أَوْلَادَ الزِّنَا! إِيشِ تَمْشُونَ بَيْنَ يَدَيَّ، كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تُقَاتِلُوا أَمْسِ؛ حَيْثُ تَقِفُونَ بَيْنَ يَدَيْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَتَقُولُونَ الْحَرْبُ الْيَوْمَ أَجْوَدُ مِنْهَا أَمْسِ، كَانَ يُقَاتِلُ أَمْسِ غَيْرُكُمْ، انْصَرِفُوا إِلَى مَضَارِبِكُمْ، فَلَمَّا انْصَرَفَ الْفَرْغَانِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْخَلِيلِ، قَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: أَلَا تَرَى إِلَى هَذَا الْعَبْدِ ابْنِ الْفَاعِلَةِ، يَعْنِي أَشْنَاسَ، مَا صَنَعَ الْيَوْمَ؟ أَلَيْسَ الدُّخُولُ إِلَى الرُّومِ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا؟
فَقَالَ الْفَرْغَانِيُّ لِأَحْمَدَ، وَكَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْعَبَّاسِ بْنِ الْمَأْمُونِ: سَيَكْفِيكَ اللَّهُ أَمْرَهُ عَنْ قَرِيبٍ، فَأَلَحَّ أَحْمَدُ عَلَيْهِ، فَأَخْبَرَهُ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ الْعَبَّاسَ فَيَكُونَ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: هَذَا أَمْرٌ أَظُنُّهُ لَا يَتِمُّ، قَالَ الْفَرْغَانِيُّ: قَدْ تَمَّ، وَأَرْشَدَهُ إِلَى الْحَارِثِ السَّمَرْقَنْدِيِّ فَأَتَاهُ، فَرَفَعَ الْحَارِثُ خَبَرَهُ إِلَى الْعَبَّاسِ، فَكَرِهَ الْعَبَّاسُ أَنْ يَعْلَمَ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ، فَأَمْسَكُوا عَنْهُ.
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ كَانَتِ الْحَرْبُ عَلَى أَصْحَابِ الْمُعْتَصِمِ، وَمَعَهُمُ الْمَغَارِبَةُ وَالْأَتْرَاكُ، وَكَانَ الْقَيِّمُ بِذَلِكَ إِيتَاخَ، فَقَاتَلُوا، وَأَحْسَنُوا، وَاتَّسَعَ لَهُمْ هَدْمُ السُّورِ، فَلَمْ تَزَلِ الْحَرْبُ كَذَلِكَ حَتَّى كَثُرَتِ الْجِرَاحَاتُ فِي الرُّومِ.
وَكَانَ بَطَارِقَةُ الرُّومِ قَدِ اقْتَسَمُوا أَبْرَاجَ السُّورِ، وَكَانَ الْبِطْرِيقُ الْمُوَكَّلُ بِهَذِهِ النَّاحِيَةِ " وَنْدُوا " وَتَفْسِيرُهُ: ثَوْرٌ، فَقَاتَلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَفِي الْأَيَّامِ قَبْلَهُ، وَلَمْ يَمُدُّهُ نَاطِسُ، وَلَا غَيْرُهُ بِأَحَدٍ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ مَشَى " وَنْدُوا " إِلَى الرُّومِ فَقَالَ: إِنَّ الْحَرْبَ عَلَيَّ وَعَلَى أَصْحَابِي، وَلَمْ يَبْقَ مَعِي أَحَدٌ إِلَّا جُرِحَ، فَصَيِّرُوا أَصْحَابَكُمْ عَلَى الثُّلْمَةِ يَرْمُونَ
стр. 2990
قَلِيلًا، وَإِلَّا ذَهَبَتِ الْمَدِينَةُ، فَلَمْ يَمُدُّوهُ بِأَحَدٍ، وَقَالُوا: لَا نَمُدُّكَ وَلَا تَمُدُّنَا، فَعَزَمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى الْمُعْتَصِمِ يَسْأَلُونَهُ الْأَمَانَ عَلَى الذُّرِّيَّةِ، وَيُسَلِّمُونَ إِلَيْهِ الْحِصْنَ بِمَا فِيهِ.
فَلَمَّا أَصْبَحَ وَكَّلَ أَصْحَابَهُ بِجَانِبَيِ الثُّلْمَةِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يُحَارِبُوا، وَقَالَ: أُرِيدُ الْخُرُوجَ إِلَى الْمُعْتَصِمِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَصَارَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالنَّاسُ يَتَقَدَّمُونَ إِلَى الثُّلْمَةِ، وَقَدْ أَمْسَكَ الرُّومُ عَنِ الْقِتَالِ، حَتَّى وَصَلُوا إِلَى السُّورِ، وَالرُّومُ يَقُولُونَ: لَا تَخْشَوْا، وَهُمْ يَتَقَدَّمُونَ، وَ " وَنْدُوا " جَالِسٌ عِنْدَ الْمُعْتَصِمِ، فَأَرْكَبَهُ فَرَسًا، وَتَقَدَّمَ النَّاسُ حَتَّى صَارُوا فِي الثُّلْمَةِ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَلِيٍّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُعْتَصِمِ يُومِئُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ بِالدُّخُولِ، فَدَخَلَ النَّاسُ الْمَدِينَةَ، فَالْتَفَتَ " وَنْدُوا " وَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَقَالَ لَهُ الْمُعْتَصِمُ: مَا لَكَ؟ قَالَ: جِئْتُ أَسْمَعُ كَلَامَكَ، فَغَدَرْتَ بِي، قَالَ الْمُعْتَصِمُ: كُلُّ شَيْءٍ تُرِيدُهُ فَهُوَ لَكَ، وَلَسْتُ أُخَالِفُكَ، قَالَ: إِيشِ تُخَالِفُنِي، وَقَدْ دَخَلَ النَّاسُ الْمَدِينَةَ.
وَصَارَ طَائِفَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الرُّومِ إِلَى كَنِيسَةٍ كَبِيرَةٍ لَهُمْ، فَأَحْرَقَهَا الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، فَهَلَكُوا كُلُّهُمْ، وَكَانَ نَاطِسُ فِي بُرْجِهِ، حَوْلَهُ أَصْحَابُهُ، فَرَكِبَ الْمُعْتَصِمُ، وَوَقَفَ مُقَابِلَ نَاطِسَ، فَقِيلَ لَهُ: يَا نَاطِسُ! هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَظَهَرَ مِنَ الْبُرْجِ وَعَلَيْهِ سَيْفٌ، فَنَحَّاهُ عَنْهُ، وَنَزَلَ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَضَرَبَهُ سَوْطًا، وَسَارَ الْمُعْتَصِمُ إِلَى مَضْرِبِهِ، وَقَالَ: هَاتُوه! فَمَشَى قَلِيلًا، فَأَمَرَ الْمُعْتَصِمُ بِحَمْلِهِ، وَأَخَذَ السَّيْفَ الرُّومُ، وَأَقْبَلَ النَّاسُ بِالْأَسْرَى وَالسَّبْيِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَأَمَرَ الْمُعْتَصِمُ أَنْ يُعْزَلَ مِنْهُمْ أَهْلُ الشَّرَفِ، وَنَقَلَ مَنْ سِوَاهُمْ، وَأَمَرَ بِبَيْعِ الْمَغَانِمِ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ، فَبِيعَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَيَّامٍ، وَأَمَرَ بِالْبَاقِي فَأُحْرِقَ.
وَكَانَ لَا يُنَادِي عَلَى شَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصْوَاتٍ، ثُمَّ يُوجِبُ بَيْعَهُ، طَلَبًا لِلسُّرْعَةِ، وَكَانَ يُنَادِي عَلَى الرَّقِيقِ خَمْسَةً خَمْسَةً [وَ] عَشَرَةً عَشَرَةً، طَلَبًا لِلسُّرْعَةِ.
وَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ بَيْعُ الْمَغَانِمِ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ عُجَيْفٌ وَعَدَ النَّاسَ أَنْ يَثُورَ فِيهِ بِالْمُعْتَصِمِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَثَبَ النَّاسُ عَلَى الْمَغَانِمِ، فَرَكِبَ الْمُعْتَصِمُ، وَالسَّيْفُ فِي يَدِهِ، وَسَارَ رَكْضًا نَحْوَهُمْ، فَتَنَحَّوْا عَنْهَا، وَكَفُّوا عَنِ النَّهْبِ، فَرَجَعَ إِلَى مَضْرِبِهِ، وَأَمَرَ بِعَمُّورِيَّةَ فَهُدِمَتْ وَأُحْرِقَتْ، وَكَانَ نُزُولُهُ عَلَيْهَا لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأَقَامَ عَلَيْهَا خَمْسَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا، وَفَرَّقَ الْأَسْرَى عَلَى الْقُوَّادِ، وَسَارَ نَحْوَ طَرَسُوسَ.
стр. 2991
ذِكْرُ حَبْسِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْمَأْمُونِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ حَبَسَ الْمُعْتَصِمُ الْعَبَّاسَ بْنَ الْمَأْمُونِ، وَأَمَرَ بِلَعْنِهِ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عُجَيْفَ بْنَ عَنْبَسَةَ لَمَّا وَجَّهَهُ الْمُعْتَصِمُ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ لَمَّا كَانَ مَلِكُ الرُّومِ بِزِبَطْرَةَ، مَعَ عُمَرَ الْفَرْغَانِيِّ وَمُحَمَّدْ كُوتَاهْ، لَمْ يُطْلِقْ يَدَ عُجَيْفٍ فِي النَّفَقَاتِ، كَمَا أُطْلِقَتْ يَدُ الْأَفْشِينِ، وَاسْتَقْصَرَ الْمُعْتَصِمُ أَمْرَ عُجَيْفٍ وَأَفْعَالَهُ، وَظَهَرَ ذَلِكَ لِعُجَيْفٍ، فَوَبَّخَ الْعَبَّاسَ بْنَ الْمَأْمُونِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ فِعْلِهِ عِنْدَ وَفَاةِ الْمَأْمُونِ، حَتَّى بَايَعَ الْمُعْتَصِمَ، وَشَجَّعَهُ عَلَى أَنْ يَتَلَافَى مَا كَانَ مِنْهُ.
فَقَبِلَ الْعَبَّاسُ قَوْلَهُ، وَدَسَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ الْحَارِثُ السَّمَرْقَنْدِيُّ، قُرَابَةَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَضَّاحِ، (وَكَانَ الْعَبَّاسُ يَأْنَسُ بِهِ) ، وَكَانَ الْحَارِثُ أَدِيبًا لَهُ عَقْلٌ وَمُدَارَاةٌ، فَجَعَلَهُ الْعَبَّاسُ رَسُولَهُ، وَسَفِيرَهُ إِلَى الْقُوَّادِ، وَكَانَ يَدُورُ فِي الْعَسْكَرِ، حَتَّى اسْتَمَالَ لَهُ جَمَاعَةً مِنَ الْقُوَّادِ، وَبَايَعُوهُ وَجَمَاعَةً مِنْ خَوَاصِّ الْمُعْتَصِمِ، وَقَالَ لِكُلِّ مَنْ بَايَعَهُ: إِذَا أَظْهَرْنَا أَمْرَنَا فَلْيَثِبْ كُلٌّ مِنْكُمْ بِالْقَائِدِ الَّذِي هُوَ مَعَهُ، فَوَكَّلَ مَنْ بَايَعَهُ مِنْ خَوَاصِّ الْمُعْتَصِمِ بِقَتْلِهِ، وَمَنْ بَايَعَهُ مِنْ خَاصَّةِ الْأَفْشِينِ بِقَتْلِهِ، وَمَنْ بَايَعَهُ مِنْ خَاصَّةِ أَشْنَاسَ بِقَتْلِهِ، وَكَذَلِكَ غَيَرُهُمْ فَضَمِنُوا لَهُ ذَلِكَ.
فَلَمَّا دَخَلَ الدَّرْبَ، وَهُمْ يُرِيدُونَ أَنْقَرَةَ وعَمُّورِيَّةَ، دَخَلَ الْأَفْشِينُ مِنْ نَاحِيَةِ مَلَطْيَةَ، فَأَشَارَ عُجَيْفٌ عَلَى الْعَبَّاسِ أَنْ يَثِبَ بِالْمُعْتَصِمِ فِي الدَّرْبِ، وَهُوَ فِي قِلَّةٍ مِنَ النَّاسِ، فَيَقْتُلَهُ وَيَرْجِعَ إِلَى بَغْدَاذَ، (فَإِنَّ النَّاسَ يَفْرَحُونَ بِانْصِرَافِهِمْ إِلَى بَغْدَاذَ) مِنَ الْغَزْوِ، فَأَبَى الْعَبَّاسُ ذَلِكَ، وَقَالَ: لَا أُفْسِدُ هَذِهِ الْغَزْوَةَ، حَتَّى دَخَلُوا بِلَادَ الرُّومِ، وَافْتَتَحُوا عَمُّورِيَّةَ، فَقَالَ عُجَيْفٌ لِلْعَبَّاسِ: يَا نَائِمُ! قَدْ فُتِحَتْ عَمُّورِيَّةُ، وَالرَّجُلُ مُمَكَّنٌ، تَضَعُ قَوْمًا يَنْهَبُونَ بَعْضَ الْغَنَائِمِ، فَإِذَا بَلَغَهُ ذَلِكَ رَكِبَ فِي سُرْعَةٍ، فَتَأْمُرُ بِقَتْلِهِ هُنَاكَ، فَأَبَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: انْتَظِرْ حَتَّى يَصِيرَ إِلَى الدُّرُوبِ، وَيَخْلُوَ كَمَا كَانَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَهُوَ أَمْكَنُ مِنْهُ هَاهُنَا.
وَكَانَ عُجَيْفٌ قَدْ أَمَرَ مَنْ يَنْهَبُ الْمَتَاعَ، فَفَعَلُوا، وَرَكِبَ الْمُعْتَصِمُ، وَجَاءَ رَكْضًا،
стр. 2992
وَسَكَنَ النَّاسُ، وَلَمْ يُطْلِقِ الْعَبَّاسُ أَحَدًا مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ وَاعَدَهُمْ وَكَرِهُوا قَتْلَهُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْعَبَّاسِ.
وَكَانَ الْفَرْغَانِيُّ قَدْ بَلَغَهُ الْخَبَرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَلَهُ قَرَابَةُ غُلَامٍ أَمَرَدَ فِي خَاصَّةِ الْمُعْتَصِمَ، فَجَاءَ الْغُلَامُ إِلَى وَلَدِ عُمَرَ الْفَرْغَانِيِّ، وَشَرِبَ عِنْدَهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَ رُكُوبِ الْمُعْتَصِمِ، وَأَنَّهُ كَانَ مَعَهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسُلَّ سَيْفَهُ وَيَضْرِبَ كُلَّ مَنْ لَقِيَهُ، فَسَمِعَ عُمَرُ ذَلِكَ مِنَ الْغُلَامِ، فَأَشْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يُصَابَ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ! أَقْلِلْ مِنَ الْمُقَامِ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْزَمْ خَيْمَتَكَ، وَإِنْ سَمِعْتَ صَيْحَةً وَشَغَبًا فَلَا تَبْرَحْ، فَإِنَّكَ غُلَامٌ غَرٌّ، وَلَا تَعْرِفُ الْعَسَاكِرَ، فَعَرِفَ مَقَالَةَ عُمَرَ.
وَارْتَحَلَ الْمُعْتَصِمُ إِلَى الثُّغُورِ، وَوَجَّهَ الْأَفْشِينُ ابْنَ الْأَقْطَعِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُغِيرَ عَلَى بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَيُوَافِيَهُ فِي الطَّرِيقِ، فَمَضَى وَأَغَارَ، وَعَادَ إِلَى الْعَسْكَرِ فِي بَعْضِ الْمَنَازِلِ وَمَعَهُ الْغَنَائِمُ، فَنَزَلَ بِعَسْكَرِ الْأَفْشِينِ، وَكَانَ كُلُّ عَسْكَرٍ عَلَى حِدَةٍ، فَتَوَجَّهَ عُمَرُ الْفَرْغَانِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْخَلِيلِ مِنْ عَسْكَرِ أَشْنَاسَ إِلَى عَسْكَرِ الْأَفْشِينِ لِيَشْتَرِيَا مِنَ السَّبْيِ شَيْئًا، فَلَقِيَهُمَا الْأَفْشِينُ فَتَرَجَّلَا، وَسَلَّمَا عَلَيْهِ، وَتَوَجَّهَا إِلَى الْغَنِيمَةِ، فَرَآهُمَا صَاحِبُ أَشْنَاسَ، فَأَعْلَمَهُ بِهِمَا، فَأَرْسَلَ أَشْنَاسُ إِلَيْهِمَا بَعْضَ أَصْحَابِهِ; لِيَنْظُرَ مَا يَصْنَعَانِ، فَجَاءَ فَرَآهُمَا وَهُمَا يَنْتَظِرَانِ بَيْعَ السَّبْيِ، فَرَجَعَ، فَأَخْبَرَ أَشْنَاسَ الْخَبَرَ، فَقَالَ أَشْنَاسُ لِحَاجِبِهِ: قُلْ لَهُمَا يَلْزَمَا الْعَسْكَرَ، وَهُوَ خَيْرٌ لَهُمَا، فَقَالَ لَهُمَا، فَاغْتَمَّا لِذَلِكَ، وَاتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَذْهَبَا إِلَى صَاحِبِ خَبَرِ الْعَسْكَرِ، فَيَسْتَعْفِيَاهُ مِنْ أَشْنَاسَ، فَأَتَيَاهُ وَقَالَا: نَحْنُ عَبِيدُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَضُمَّنَا إِلَى مَنْ تَشَاءُ، فَإِنَّ هَذَا الرَّجُلَ يَسْتَخِفُّ بِنَا، قَدْ شَتَمَنَا، وَتَوَعَّدَنَا، وَنَحْنُ نَخَافُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَيْنَا، فَلْيَضُمَّنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَنْ أَرَادَ.
فَأَنْهَى ذَلِكَ إِلَى الْمُعْتَصِمِ، وَاتَّفَقَ عَلَى الرَّحِيل ِ، وَسَارَ أَشْنَاسُ وَالْأَفْشِينُ مَعَ الْمُعْتَصِمِ، فَقَالَ لِأَشْنَاسَ: أَحْسِنْ أَدَبَ عُمَرَ وَأَحْمَدَ، فَإِنَّهُمَا قَدْ حَمَّقَا أَنْفُسَهُمَا! فَجَاءَ أَشْنَاسُ إِلَى عَسْكَرِهِ، فَأَخَذَهُمَا، وَحَبَسَهُمَا، وَحَمَلَهُمَا عَلَى بَغْلٍ، حَتَّى صَارَ بِالصَّفْصَافِ، فَجَاءَ ذَلِكَ الْغُلَامُ، وَحَكَى لِلْمُعْتَصِمِ مَا سَمِعَ مِنْ عُمَرَ الْفَرَغَانِيِّ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَأَنْفَذَ الْمُعْتَصِمُ بُغَا، وَأَخَذَ عُمَرَ مِنْ عِنْدِ أَشْنَاسَ، وَسَأَلَهُ عَنِ الَّذِي قَالَهُ لِلْغُلَامِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ سَكْرَانَ، وَلَمْ يَعْلَمْ مَا قُلْتُ، فَدَفَعَهُ إِلَى إِيتَاخَ، وَسَارَ الْمُعْتَصِمُ، فَأَنْفَذَ أَحْمَدَ بْنَ الْخَلِيلِ إِلَى أَشْنَاسَ يَقُولُ لَهُ: إِنَّ عِنْدِي نَصِيحَةً لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ عَنْهَا، فَقَالَ: لَا أُخْبِرُ بِهَا إِلَّا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَحَلَفَ أَشْنَاسُ: إِنْ هُوَ لَمْ يُخْبِرْنِي بِهَذِهِ النَّصِيحَةِ لَأَضْرِبَنَّهُ بِالسِّيَاطِ حَتَّى يَمُوتَ.
стр. 2993
فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ أَحْمَدُ حَضَرَ عِنْدَ أَشْنَاسَ، وَأَخْبَرَهُ خَبَرَ الْعَبَّاسِ بْنِ الْمَأْمُونِ، وَالْقُوَّادِ، وَالْحَارِثِ السَّمَرْقَنْدِيِّ، فَأَنْفَذَ أَشْنَاسَ، وَأَخَذَ الْحَارِثَ وَقَيَّدَهُ وَسَيَّرَهُ إِلَى الْمُعْتَصِمِ، وَكَانَ قَدْ تَقَدَّمَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى الْمُعْتَصِمِ أَخْبَرَهُ بِالْحَالِ جَمِيعِهِ، وَبِجَمِيعِ مَنْ بَايَعَهُمْ مِنَ الْقُوَّادِ وَغَيْرِهِمْ، فَأَطْلَقَهُ الْمُعْتَصِمُ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُصَدِّقْ عَلَى أُولَئِكَ الْقُوَّادِ لِكَثْرَتِهِمْ.
وَأَحْضَرَ الْمُعْتَصِمُ الْعَبَّاسَ بْنَ الْمَأْمُونِ وَسَقَاهُ حَتَّى سَكِرَ، وَحَلَّفَهُ أَنْ لَا يَكْتُمَهُ مِنْ أَمْرِهِ شَيْئًا، فَشَرَحَ لَهُ أَمْرَهُ كُلَّهُ مِثْلَ مَا شَرَحَ الْحَارِثُ، فَأَخَذَهُ وَقَيَّدَهُ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْأَفْشِينِ، فَحَبَسَهُ عِنْدَهُ.
وَتَتَبَّعَ الْمُعْتَصِمُ أُولَئِكَ الْقُوَّادَ، وَكَانُوا يُحْمَلُونَ فِي الطَّرِيقِ عَلَى بِغَالٍ بِأَكُفٍّ بِلَا وِطَاءٍ، وَأَخَذَ أَيْضًا الشَّاهَ بْنَ سَهْلٍ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، فَقَالَ لَهُ الْمُعْتَصِمُ: يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ! أَحْسَنْتُ إِلَيْكَ فَلَمْ تَشْكُرْ، فَقَالَ: ابْنُ الزَّانِيَةِ هَذَا، وَأَوْمَأَ إِلَى الْعَبَّاسِ، وَكَانَ حَاضِرًا، لَوْ تَرَكَنِي مَا كُنْتُ السَّاعَةَ تَقْدِرُ أَنْ تَجْلِسَ هَذَا الْمَجْلِسَ، وَتَقُولَ هَذَا الْكَلَامَ! فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، وَدُفِعَ الْعَبَّاسُ إِلَى الْأَفْشِينِ.
فَلَمَّا نَزَلَ مَنْبِجَ طَلَبَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْمَأْمُونِ الطَّعَامَ، فَقُدِّمَ إِلَيْهِ طَعَامٌ كَثِيرٌ، فَأَكَلَ، وَمُنِعَ الْمَاءَ، وَأُدْرِجَ فِي مَسْحٍ، فَمَاتَ بِمَنْبِجَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ بَعْضُ إِخْوَتِهِ.
وَأَمَّا عُمَرُ الْفَرْغَانِيُّ فَلَمَّا وَصَلَ الْمُعْتَصِمُ إِلَى نَصِيبِينَ حَفَرَ لَهُ بِئْرًا، وَأَلْقَاهُ فِيهَا وَطَمَّهَا عَلَيْهِ.
وَأَمَا عُجَيْفٌ فَمَاتَ بِبَاعَيْنَاثَا مِنْ بَلَدِ الْمَوْصِلِ، وَقِيلَ بَلْ أُطْعِمَ طَعَامًا كَثِيرًا، وَمُنِعَ الْمَاءَ، حَتَّى مَاتَ بِبَاعَيْنَاثَا.
وَتَتَبَّعَ جَمِيعَهُمْ، فَلَمْ يَمْضِ عَلَيْهِمْ إِلَّا أَيَّامٌ قَلَائِلُ حَتَّى مَاتُوا جَمِيعًا.
وَوَصَلَ الْمُعْتَصِمُ إِلَى سَامَرَّا سَالِمًا، فَسَمَّى الْعَبَّاسَ يَوْمئِذٍ اللَّعِينَ، وَأَخَذَ أَوْلَادَ الْمَأْمُونِ مِنْ سُنْدُسٍ، فَحَبَسَهُمْ فِي دَارِهِ حَتَّى مَاتُوا بَعْدُ.
стр. 2994
وَمِنْ أَحْسَنِ مَا يُذْكَرُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْإِسْكَافِيَّ كَانَ يَتَوَلَّى إِقْطَاعَ عُجَيْفٍ، فَرَفَعَ أَهْلَهُ عَلَيْهِ إِلَى عُجَيْفٍ، فَأَخَذَهُ، وَأَرَادَ قَتْلَهُ، فَبَالَ فِي ثِيَابِهِ خَوْفًا مِنْ عُجَيْفٍ، ثُمَّ شُفِّعَ فِيهِ، فَقَيَّدَهُ وَحَبَسَهُ، ثُمَّ سَارَ إِلَى الرُّومِ، وَأَخَذَهُ الْمُعْتَصِمُ، كَمَا ذَكَرْنَا، وَأَطْلَقَ مَنْ كَانَ فِي حَبْسِهِ، (وَكَانُوا جَمَاعَةً) مِنْهُمُ الْإِسْكَافِيُّ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ عَلَى نَوَاحٍ بِالْجَزِيرَةِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا بَاعِينَاثَا، قَالَ: فَخَرَجْتُ يَوْمًا إِلَى تَلِّ بَاعِينَاثَا، فَاحْتَجْتُ إِلَى الْوُضُوءِ، فَجِئْتُ إِلَى تَلٍّ فَبُلْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ تَوَضَّأْتُ وَنَزَلْتُ، وَشَيْخُ بَاعِينَاثَا يَنْتَظِرُنِي، فَقَالَ لِي: فِي هَذَا التَّلِّ قَبْرُ عُجَيْفٍ، وَأَرَانِيهِ، فَإِذَا [أَنَا] قَدْ بُلْتُ عَلَيْهِ، وَكَانَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ سَنَةً لَا تَزِيدُ يَوْمًا وَلَا تَنْقُصُ يَوْمًا.
ذِكْرُ وَفَاةِ زِيَادَةِ اللَّهِ بْنِ الْأَغْلَبِ
وَابْتِدَاءِ وِلَايَةِ أَخِيهِ الْأَغْلَبِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَجَبٍ تُوُفِّيَ زِيَادَةُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ، أَمِيرُ إِفْرِيقِيَّةَ، وَكَانَ عُمْرُهُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ سَنَةً وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً وَسَبْعَةَ أَشْهُرٍ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ أَخُوهُ أَبُو عَفَّانَ الْأَغْلَبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ، فَأَحْسَنَ إِلَى الْجُنْدِ، وَأَزَالَ مَظَالِمَ كَثِيرَةً، وَزَادَ الْعُمَّالَ فِي أَرْزَاقِهِمْ، وَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنِ الرَّعِيَّةِ، وَقَطَعَ النَّبِيذَ وَالْخَمْرَ عَنِ الْقَيْرَوَانِ،
стр. 2995
وَسَيَّرَ سَرِيَّةً سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ إِلَى صِقِلِّيَّةَ فَغَنِمَتْ وَسَلِمَتْ.
وَفِي سَنَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ اسْتَأْمَنَ عِدَّةَ حُصُونٍ مِنْ جَزِيرَةِ صِقِلِّيَّةَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، مِنْهَا: حِصْنُ الْبَلُّوطِ، وَابْلَاطْنُو، وَقَرَلُونَ، وَمَرْيَا.
وَسَارَ أُسْطُولُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قِلَّوْرِيَّةَ، فَفَتَحَهَا، وَلَقُوا أُسْطُولَ صَاحِبِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَهَزَمُوهُ بَعْدَ قِتَالٍ، فَعَادَ الْأُسْطُولُ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ مَهْزُومًا، فَكَانَ فَتْحًا عَظِيمًا.
وَفِي سَنَةِ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ سَارَتْ سَرِيَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِصِقِلِّيَّةَ إِلَى قَصْرُيَانَةَ، فَغَنِمَتْ، وَأَحْرَقَتْ، وَسَبَتْ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهَا أَحَدٌ، فَسَارَتْ إِلَى حِصْنِ الْغِيرَانِ، وَهُوَ أَرْبَعُونَ غَارًا، فَغُنِمَتْ جَمِيعُهَا.
وَتُوُفِّيَ الْأَمِيرُ أَبُو عَفَّانَ فِيهَا عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
(وَجُرِحَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَوَّالَ، إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَرَحَهُ خَادِمٌ لَهُ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةِ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ.
(فِي هَذِهِ السَّنَةِ [سَيَّرَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ جَيْشًا إِلَى أَلْبَةَ،
стр. 2996
وَالْقِلَاعِ، فَنَزَلُوا حِصْنَ الْغُرَاتِ، وَحَصَرُوهُ، وَغَنِمُوا مَا فِيهِ، وَقَتَلُوا أَهْلَهُ، وَسَبَوُا النِّسَاءَ وَالذُّرِّيَّةَ وَعَادُوا) .
стр. 2997
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٢٤ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ مُخَالَفَةِ مَازِيَارَ بِطَبَرِسْتَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَظْهَرَ مَازِيَارُ بْنُ قَارُونَ بْنِ وِنْدَادِ هُرْمُزَ، الْخِلَافَ عَلَى الْمُعْتَصِمِ بِطَبَرِسْتَانَ، وَعَصَى وَقَاتَلَ عَسَاكِرَهُ.
وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ مَازِيَارَ كَانَ مُنَافِرًا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَاهِرٍ وَلَا يَحْمِلُ إِلَيْهِ خَرَاجَهُ، وَكَانَ الْمُعْتَصِمُ يَأْمُرُهُ بِحَمْلِهِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَيَقُولُ: لَا أَحْمِلُهُ إِلَّا إِلَيْكَ، وَكَانَ الْمُعْتَصِمُ يُنْفِذُ مَا يَقْبِضُهُ مِنْ أَصْحَابِ مَازِيَارَ بِهَمَذَانَ، وَيُسَلِّمُهُ إِلَى وَكِيلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ يَرُدُّهُ إِلَى خُرَاسَانَ.
وَعَظُمَ الشَّرُّ بَيْنَ مَازِيَارَ وَعَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَكْتُبُ إِلَى الْمُعْتَصِمِ، حَتَّى اسْتَوْحَشَ مِنْ مَازِيَارَ، فَلَمَّا ظَفِرَ الْأَفْشِينُ بِبَابَكَ، وَعَظُمَ مَحِلُّهُ عِنْدَ الْمُعْتَصِمِ، طَمِعَ فِي وِلَايَةِ خُرَاسَانَ، فَكَتَبَ إِلَى مَازِيَارَ يَسْتَمِيلُهُ، وَيُظْهِرُ لَهُ الْمَوَدَّةَ، وَيُعْلِمُهُ أَنَّ الْمُعْتَصِمَ قَدْ وَعَدَهُ وِلَايَةَ خُرَاسَانَ، وَرَجَا أَنَّهُ إِذَا خَالَفَ مَازِيَارَ سَيَّرَهُ الْمُعْتَصِمُ إِلَى حَرْبِهِ، وَوَلَّاهُ خُرَاسَانَ، فَحَمَلَ ذَلِكَ مَازِيَارَ عَلَى الْخِلَافِ، وَتَرَكَ الطَّاعَةَ، وَمَنَعَ جِبَالَ طَبَرِسْتَانَ، فَكَتَبَ الْمُعْتَصِمُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ يَأْمُرُهُ بِمُحَارَبَتِهِ، وَكَتَبَ الْأَفْشِينُ إِلَى مَازِيَارَ يَأْمُرُهُ بِمُحَارَبَةِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ يَكُونُ لَهُ عِنْدَ الْمُعْتَصِمِ كَمَا يُحِبُّ، وَلَا يَشُكُّ الْأَفْشِينُ أَنَّ مَازِيَارَ يَقُومُ فِي مُقَابَلَةِ ابْنِ طَاهِرٍ، وَأَنَّ الْمُعْتَصِمَ يَحْتَاجُ إِلَى إِنْفَاذِهِ وَإِنْفَاذِ عَسَاكِرِ غَيْرِهِ.
فَلَمَّا خَالَفَ دَعَا النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ، فَبَايَعُوهُ كُرْهًا، وَأَخَذَ الرَّهَائِنَ فَحَبَسَهُمْ، وَأَمَرَ أَكَرَةَ الضِّيَاعِ بِانْتِهَابِ أَرْبَابِهَا.
وَكَانَ مَازِيَارُ أَيْضًا يُكَاتِبُ بَابَكَ، وَاهْتَمَّ مَازِيَارُ بِجَمْعِ الْأَمْوَالِ مِنْ تَعْجِيلِ الْخَرَاجِ وَغَيْرِهِ، فَجَبَى فِي شَهْرَيْنِ مَا كَانَ يُؤْخَذُ فِي سَنَةٍ، ثُمَّ أَمَرَ قَائِدًا لَهُ يُقَالُ لَهُ سَرْخَاسَتَانَ،
стр. 2998
فَأَخَذَ أَهْلَ آمُلَ، وَأَهْلَ سَارِيَةَ جَمِيعَهُمْ، فَنَقَلَهُمْ إِلَى جَبَلٍ عَلَى النِّصْفِ مَا بَيْنَ سَارِيَةَ وَآمُلَ، يُقَالُ لَهُ هُرْمُزَابَاذْ، فَحَبَسَهُمْ فِيهِ، وَكَانَتْ عِدَّتُهُمْ عِشْرِينَ أَلْفًا، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ تَمَكَّنَ مِنْ أَمْرِهِ، وَأَمَرَ بِتَخْرِيبِ سُورِ آمُلَ، وَسُورِ سَارِيَةَ، وَسُورِ طُمَيْسٍ، فَخُرِّبَتِ الْأَسْوَارُ.
وَبَنَى سَرْخَاسَتَانُ سُورًا مِنْ طُمَيْسٍ إِلَى الْبَحْرِ، مِقْدَارَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، كَانَتِ الْأَكَاسِرَةُ بَنَتْهُ لِتَمْنَعَ التُّرْكَ مِنَ الْغَارَةِ عَلَى طَبَرِسْتَانَ، وَجَعَلَ لَهُ خَنْدَقًا فَفَزِعَ أَهْلُ جُرْجَانَ، وَخَافُوا، فَهَرَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى نَيْسَابُورَ، فَأَنْفَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ عَمَّهُ الْحَسَنَ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ مُصْعَبٍ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ لِحِفْظِ جُرْجَانَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى الْخَنْدَقِ الَّذِي عَمِلَهُ سَرْخَاسَتَانُ، فَسَارَ حَتَّى نَزَلَهُ، وَصَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَرْخَاسَتَانَ صَاحِبِ الْخَنْدَقِ، وَوَجَّهَ أَيْضًا ابْنَ طَاهِرٍ حَيَّانَ بْنَ جَبَلَةَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ إِلَى قُومِسَ، فَعَسْكَرَ عَلَى حَدِّ جِبَالِ شَرْوِينَ، وَوَجَّهَ الْمُعْتَصِمُ مِنْ عِنْدِهِ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ أَخَا إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَمَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ قَارَنَ الطَّبَرِيُّ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الطَّبَرِيَّةِ، وَوَجَّهَ الْمَنْصُورَ بْنَ الْحَسَنِ صَاحِبَ دُنْبَاوَنْدَ إِلَى الرَّيِّ لِيَدْخُلَ طَبَرِسْتَانَ مِنْ نَاحِيَةِ الرَّيِّ، وَوَجَّهَ أَبَا السَّاجِ إِلَى اللَّارِزِ وَدُنْبَاوَنْدَ.
فَلَمَّا أَحْدَقَتِ الْخَيْلُ بِمَازِيَارَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، كَانَ أَصْحَابُ سَرْخَاسَتَانَ يَتَحَدَّثُونَ مَعَ أَصْحَابِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ، (حَتَّى اسْتَأْنَسَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، فَتَآمَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَسَنِ فِي دُخُولِ السُّورِ، فَدَخَلُوهُ إِلَى أَصْحَابِ سَرْخَاسَتَانَ) عَلَى غَفْلَةٍ مِنَ الْحَسَنِ، وَنَظَرَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَثَارُوا، وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْحَسَنِ، فَجَعَلَ يَصِيحُ بِالْقَوْمِ، وَيَمْنَعُهُمْ خَوْفًا عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَقِفُوا، وَنَصَبُوا عَلَمَهُ عَلَى مُعَسْكَرِ سَرْخَاسَتَانَ، (وَانْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى سَرْخَاسَتَانَ) ، وَهُوَ فِي الْحَمَّامِ، فَهَرَبَ فِي غُلَالَةٍ، وَحَيْثُ رَأَى الْحَسَنُ أَنَّ أَصْحَابَهُ قَدْ دَخَلُوا السُّورَ، قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَأَطَاعُوكَ، فَانْصُرْهُمْ.
وَتَبِعَهُمْ أَصْحَابُهُ حَتَّى دَخَلُوا إِلَى الدَّرْبِ مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى عَسْكَرِ سَرْخَاسَتَانَ، وَأُسِرَ أَخُوهُ شَهْرَيَارُ، وَرَجَعَ النَّاسُ عَنِ الطَّلَبِ لَمَّا أَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ، فَقَتَلَ الْحَسَنُ شَهْرَيَارَ، وَسَارَ سَرْخَاسَتَانُ حَافِيًا فَجَهَدَهُ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ وَشَدَّهَا، فَبَصُرَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَغُلَامٌ اسْمُهُ جَعْفَرٌ، وَقَالَ سَرْخَاسَتَانُ: يَا جَعْفَرُ! اسْقِنِي مَاءً، فَقَدْ هَلَكْتُ عَطَشًا، فَقَالَ: لَيْسَ عِنْدِي مَا أَسْقِيكَ فِيهِ.
قَالَ جَعْفَرٌ: وَاجْتَمَعَ إِلَيَّ عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِي، فَقُلْتُ لَهُمْ: هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَهْلَكَنَا،
стр. 2999
فَلِمَ لَا نَتَقَرَّبُ إِلَى السُّلْطَانِ بِهِ، وَنَأْخُذُ لِأَنْفُسِنَا الْأَمَانَ؟ فَثَاوَرْنَاهُ، وَكَتَّفْنَاهُ، فَقَالَ لَهُمْ: خُذُوا مِنِّي مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَاتْرُكُونِي، فَإِنَّ الْعَرَبَ لَا تُعْطِيكُمْ شَيْئًا، فَقَالُوا: أَحْضِرْهَا! فَقَالَ: سِيرُوا مَعِي إِلَى الْمَنْزِلِ لِتَقْبِضُوهَا، وَأُعْطِيكُمُ الْمَوَاثِيقَ عَلَى الْوَفَاءِ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَسَارُوا بِهِ نَحْوَ عَسْكَرِ الْمُعْتَصِمِ، وَلَقِيَتْهُمْ خَيْلُ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ، فَضَرَبُوهُمْ، وَأَخَذُوهُ مِنْهُمْ، وَأَتَوْا بِهِ الْحَسَنَ، فَأُمِرَ بِهِ فَقُتِلَ.
وَكَانَ عِنْدَ سَرْخَاسَتَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاسَ يَقُولُ الشِّعْرَ، وَهُوَ مُلَازِمٌ لَهُ لِيَتَعَلَّمَ مِنْهُ أَخْلَاقَ الْعَرَبِ، فَلَمَّا هَجَمَ عَسْكَرُ الْعَرَبِ عَلَى سَرْخَاسَتَانَ انْتَهَبُوا جَمِيعَ مَا لِأَبِي شَاسَ، وَخَرَجَ، وَأَخَذَ جَرَّةً فِيهَا مَاءٌ، وَأَخَذَ قَدَحًا، وَصَاحَ: الْمَاءُ لِلسَّبِيلِ، وَهَرَبَ، فَمَرَّ بِمَضْرِبِ كَاتِبِ الْحَسَنِ، فَعَرَفَهُ أَصْحَابُهُ، فَأَدْخَلُوهُ إِلَيْهِ، فَأَكْرَمَهُ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: قُلْ شِعْرًا تَمْدَحُ بِهِ الْأَمِيرَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا بَقِيَ فِي صَدْرِي شَيْءٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْخَوْفِ، فَكَيْفَ أُحْسِنُ الشِّعْرَ؟
وَوَجَّهَ الْحَسَنُ بِرَأْسِ سَرْخَاسَتَانَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، وَكَانَ حَيَّانُ بْنُ جَبَلَةَ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ قَدْ أَقْبَلَ مَعَ الْحَسَنِ، كَمَا ذَكَرْنَا، وَهُوَ بِنَاحِيَةِ طُمَيْسٍ، وَكَاتَبَ قَارَنَ بْنَ شَهْرَيَارَ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي مَازِيَارَ، وَرَغَّبَهُ فِي الْمَمْلَكَةِ، وَضَمِنَ لَهُ أَنْ يُمَلِّكَهُ عَلَى جِبَالِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ.
وَكَانَ قَارَنُ مِنْ قُوَّادِ مَازِيَارَ، وَقَدْ أَنْفَذَهُ مَازِيَارُ مَعَ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَارَنَ، وَمَعَهُ عِدَّةٌ مِنْ قُوَّادِهِ، فَلَمَّا اسْتَمَالَهُ حَيَّانُ ضَمِنَ لَهُ قَارَنُ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِ الْجِبَالَ وَمَدِينَةَ سَارِيَةَ إِلَى حُدُودِ جُرْجَانَ، عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ حَيَّانُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، فَأَجَابَهُ إِلَى كُلِّ مَا سَأَلَ، وَأَمَرَ حَيَّانَ أَنْ لَا يُوغِلَ حَتَّى يَسْتَدِلَّ عَلَى صِدْقِ قَارَنَ، لِئَلَّا يَكُونَ مِنْهُ مَكْرٌ، وَكَتَبَ حَيَّانُ إِلَى قَارَنَ بِإِجَابَةِ عَبْدِ اللَّهِ، فَدَعَا قَارَنُ بِعَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَارَنَ، وَهُوَ أَخُو مَازِيَارَ، وَدَعَا جَمِيعَ قُوَّادِهِ إِلَى طَعَامِهِ، فَلَمَّا وَضَعُوا سِلَاحَهُمْ وَاطْمَأَنُّوا أَحْدَقَ بِهِمْ أَصْحَابُهُ فِي السِّلَاحِ، وَكَتَّفَهُمْ، وَوَجَّهَ بِهِمْ إِلَى حَيَّانَ، فَلَمَّا صَارُوا إِلَيْهِ اسْتَوْثَقَ مِنْهُمْ، وَرَكِبَ فِي أَصْحَابِهِ حَتَّى دَخَلَ جِبَالَ قَارَنَ.
стр. 3000
وَبَلَغَ الْخَبَرُ مَازْيَارَ، فَاغْتَمَّ لِذَلِكَ، قَالَ لَهُ الْقُوهِيَارُ: فِي حَبْسِكَ عِشْرُونَ أَلْفًا مِنْ بَيْنِ حَائِكٍ، وَإِسْكَافٍ، وَحَدَّادٍ، وَقَدْ شَغَلْتَ نَفْسَكَ بِهِمْ، وَإِنَّمَا (أُتِيتَ مِنْ مَأْمَنِكَ) وَأَهْلِ بَيْتِكَ، فَمَا تَصْنَعُ بِهَؤُلَاءِ الْمُحْبَسِينَ عِنْدَكَ؟ قَالَ: فَأَطْلَقَ مَازِيَارُ جَمِيعُ مَنْ حَبَسَهُ، وَدَعَا جَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِ أَصْحَابِهِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ بُيُوتَكُمْ فِي السَّهْلِ، وَأَخَافُ أَنْ يُؤْخَذَ حُرَمُكُمْ وَأَمْوَالُكُمْ، فَانْطَلِقُوا وَخُذُوا لِأَنْفُسِكُمْ أَمَانًا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ.
وَلَمَّا بَلَغَ أَهْلَ سَارِيَةَ أَخْذُ سَرْخَاسَتَانَ وَدُخُولُ حَيَّانَ جَبَلَ شُرْوِينَ وَثَبُوا عَلَى عَامِلِ مَازِيَارَ بِسَارِيَةَ، فَهَرَبَ مِنْهُمْ، وَفَتَحَ النَّاسُ السِّجْنَ، وَأَخْرَجُوا مَنْ فِيهِ، وَأَتَى حَيَّانُ إِلَى مَدِينَةِ سَارِيَةَ، وَبَلَغَ قُوهِيَارَ أَخَا مَازِيَارَ الْخَبَرُ، فَأَرْسَلَ إِلَى حَيَّانَ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ حَفْصٍ يَطْلُبُ الْأَمَانَ، وَأَنْ يُمَلَّكَ عَلَى جِبَالِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ لِيُسَلِّمَ إِلَيْهِ مَازِيَارَ، فَحَضَرَ عِنْدَ حَيَّانَ وَمَعَهُ أَحْمَدُ بْنُ الصَّقْرِ، وَأَبْلَغَاهُ الرِّسَالَةَ، فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ.
فَلَمَّا رَجَعَا رَأَى حَيَّانُ تَحْتَ أَحْمَدَ فَرَسًا حَسَنًا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ وَأَخَذَهُ مِنْهُ، فَغَضِبَ أَحْمَدُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: هَذَا الْحَائِكُ الْعَبْدُ يَفْعَلُ بِشَيْخٍ مِثْلِي مَا فَعَلَ! ثُمَّ كَتَبَ إِلَى قُوهِيَارَ: وَيْحَكَ! لِمَ تَغْلَطُ فِي أَمْرِكَ وَتَتْرُكُ مِثْلَ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَمِّ الْأَمِيرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، وَتَدْخُلُ فِي أَمَانِ هَذَا الْعَبْدِ الْحَائِكِ، وَتَدْفَعُ إِلَيْهِ أَخَاكَ، وَتَضَعُ قَدْرَكَ، وَتُحْقِدُ عَلَيْكَ الْحَسَنَ بِتَرْكِكَ إِيَّاهُ، وَبِمَيْلِكَ إِلَى عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ؟
فَكَتَبَ إِلَيْهِ قُوهِيَارُ: أَرَانِي قَدْ غَلَطْتُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَوَعَدْتُ الرَّجُلَ أَنْ أَصِيرَ إِلَيْهِ بَعْدَ غَدٍ، وَلَا آمَنُ إِنْ خَالَفْتُهُ أَنْ يُنَاهِضَنِي وَيَسْتَبِيحَ دَمِي وَمَنْزِلِي وَأَمْوَالِي، وَإِنْ قَاتَلْتُهُ فَقَتَلْتُ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَجَرَتِ الدِّمَاءُ فَسَدَ كُلُّ مَا عَمِلْنَاهُ، وَوَقَعْتِ الشَّحْنَاءُ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْمِيعَادِ فَابْعَثْ إِلَيْهِ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِكَ، وَاكْتُبْ إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ عَرَضَتْ عِلَّةٌ مَنَعَتْنِي عَنِ الْحَرَكَةِ، وَأَنَّكَ تَتَعَالَجُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ عُوفِيتَ، وَإِلَّا سِرْتُ إِلَيْكَ فِي مَحْمَلٍ، وَسَنَحْمِلُهُ نَحْنُ عَلَى قَبُولِ ذَلِكَ، فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ، وَكَتَبَ أَحْمَدُ بْنُ الصَّقْرِ،
стр. 3001
وَمُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ حَفْصٍ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَهُوَ بِطُمَيسٍ: أَنْ أَقْدِمْ عَلَيْنَا لِنَدْفَعَ إِلَيْكَ مَازِيَارَ وَالْخَيْلَ، وَإِلَّا فَاتَكَ، وَوَجَّهَا الْكِتَابَ إِلَيْهِ مَعَ مَنْ يَسْتَحِثُّهُ.
فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ رَكِبَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَسَارَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي لَيْلَةٍ، وَانْتَهَى إِلَى سَارِيَةَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ تَقَدَّمَ إِلَى خُرَّمَابَاذَ، وَهُوَ الْمَوْعِدُ بَيْنَ قُوهِيَارَ وَحَيَّانَ، وَسَمِعَ حَيَّانُ (وَقْعَ) طُبُولِ الْحَسَنِ، فَتَلَقَّاهُ عَلَى فَرْسَخٍ، فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: مَا تَصْنَعُ هَاهُنَا؟ وَلِمَ تُوَجِّهُ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ؟ وَقَدْ فَتَحْتَ جِبَالَ شُرْوِينَ وَتَرَكْتَهَا، فَمَا يُؤَمِّنُكَ أَنْ يَغْدِرَ أَهْلُهَا، فَيَنْتَقِضُ جَمِيعُ مَا عَمِلْنَا؟ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ حَتَّى لَا يُمْكِنَهُمُ الْغَدْرُ إِنْ هَمُّوا بِهِ. فَقَالَ حَيَّانُ: أُرِيدُ أَنْ أَحْمِلَ أَثْقَالِي، وَآخُذَ أَصْحَابِي، فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: سِرْ أَنْتَ، فَأَنَا بَاعِثٌ بِأَثْقَالِكَ وَأَصْحَابِكَ.
فَخَرَجَ حَيَّانُ مِنْ فَوْرِهِ، كَمَا أَمَرَهُ، وَأَتَاهُ كِتَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ أَنْ يُعَسْكِرَ بِكُورَ، وَهِيَ مِنْ جِبَالِ وَنْدَادَ هُرْمُزَ، وَهِيَ أَحْصَنُهَا، وَكَانَتْ أَمْوَالُ مَازِيَارَ بِهَا، فَأَمَرَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ لَا يَمْنَعَ قَارَنَ مِمَّا يُرِيدُ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْجِبَالِ، فَاحْتَمَلَ قَارَنَ مِمَّا كَانَ بِهَا وَبِغَيْرِهَا مِنْ أَمْوَالِ مَازِيَارَ وَسَرْخَسْتَانَ، وَانْتَقَضَ عَلَى حَيَّانَ مَا كَانَ عَمِلَهُ بِسَبَبِ شَرَهِهِ إِلَى ذَلِكَ الْفَرَسِ، وَتُوُفِّيَ بَعْدَ ذَلِكَ حَيَّانُ، فَوَجَّهَ عَبْدُ اللَّهِ مَكَانَهُ عَمَّهُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ مُصْعَبٍ، وَسَارَ الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ إِلَى خُرَّمَابَاذَ، فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ حَفْصٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ الصَّقْرِ، فَشَكَرَهُمَا وَكَتَبَ إِلَى قُوهِيَارَ، فَأَتَاهُ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ، وَأَكْرَمَهُ، وَأَجَابَهُ إِلَى جَمِيعِ مَا طَلَبَ (إِلَيْهِ مِنْهُ لِنَفْسِهِ) وَتَوَاعَدُوا يَوْمًا (يَحْضُرُ مَازِيَارُ عِنْدَهُ) .
وَرَجَعَ قُوهِيَارُ إِلَى مَازِيَارَ، فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ أَخَذَ لَهُ الْأَمَانَ، وَاسْتَوْثَقَ لَهُ. وَرَكِبَ الْحَسَنُ يَوْمَ الْمِيعَادِ (وَقْتَ الظُّهْرِ) ، وَمَعَهُ ثَلَاثَةُ غِلْمَانٍ أَتْرَاكٍ، وَأَخَذَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مِهْرَانَ يَدُلُّهُ عَلَى الطَّرِيقِ إِلَى أُرَمَ، فَلَمَّا قَارَبَهَا خَافَ إِبْرَاهِيمُ، وَقَالَ: هَذَا مَوْضِعٌ لَا يَسْلُكُهُ إِلَّا أَلْفُ فَارِسٍ، فَصَاحَى بِهِ: امْضِ! قَالَ: فَمَضَيْتُ وَأَنَا طَائِشُ الْعَقْلِ، حَتَّى وَافَيْنَا أُرَمَ، فَقَالَ: أَيْنَ طَرِيقُ هُرْمُزَابَاذَ؟ قُلْتُ: عَلَى هَذَا الْجَبَلِ فِي هَذَا الطَّرِيقِ، فَقَالَ: سِرْ إِلَيْهَا! فَقُلْتُ: اللَّهَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ وَفِينَا، وَفِي هَذَا الْخَلْقِ الَّذِينَ مَعَكَ، فَصَاحَ: امْضِ يَا ابْنَ اللَّخْنَاءِ! فَقُلْتُ: اضْرِبْ عُنُقِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَقْبَلَنِي مَازِيَارُ، وَيُلْزِمُنِيَ الْأَمِيرُ عَبْدُ اللَّهِ الذَّنْبَ، فَانْتَهَرَنِي حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبْطِشُ بِي، فَسِرْتُ وَأَنَا خَائِفٌ فَأَتَيْنَا هُرْمُزَابَاذَ
стр. 3002
مَعَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ، فَنَزَلَ فَجَلَسَ وَنَحْنُ صِيَامٌ.
وَكَانَتِ الْخَيْلُ قَدْ تَقَطَّعَتْ لِأَنَّهُ رَكِبَ بِغَيْرِ عِلْمِ النَّاسِ، فَعَلِمُوا بَعْدَ مَسِيرِهِ. قَالَ: وَصَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ، وَأَقْبَلَ اللَّيْلُ، وَإِذَا بِفُرْسَانٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمُ الشَّمْعُ مُشْتَعِلًا، مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ لَبُورَةَ، فَقَالَ الْحَسَنُ: أَيْنَ طَرِيقُ لَبُورَةَ؟ فَقُلْتُ: أَرَى عَلَيْهِ فُرْسَانًا وَنِيرَانًا، وَأَنَا دَاهِشٌ لَا أَقِفُ عَلَى حَقِيقَةِ الْأَمْرِ، حَتَّى قَرُبَتِ (النِّيرَانُ فَنَظَرْتُ) ، فَإِذَا الْمَازِيَارُ مَعَ الْقُوهِيَارَ، فَنَزَلَا، وَتَقَدَّمَ مَازِيَارُ فَسَلَّمَ عَلَى الْحَسَنِ، فَلَمْ يَرُدَّ ﵇، وَقَالَ لِرَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ: خُذَاهُ إِلَيْكُمَا، فَأَخَذَاهُ، فَلَمَّا كَانَ السَّحَرُ وَجَّهَ الْحَسَنُ مَازِيَارَ مَعَهُمَا إِلَى سَارِيَةَ، وَسَارَ الْحَسَنُ إِلَى هُرْمُزَابَاذَ، فَأَحْرَقَ قَصْرَ مَازْيَارَ، وَنَهَبَ مَالَهُ، وَسَارَ إِلَى خُرَّمَابَاذَ، وَأَخَذَ إِخْوَةَ مَازْيَارَ فَحُبِسُوا هُنَالِكَ، وَوُكِّلُوا بِهِمْ، وَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ سَارِيَةَ، فَأَقَامَ بِهَا، وَحُبِسَ مَازِيَارُ.
وَوَصَلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ، فَسَارَ بِهِ لِيُنَاظِرَهُ فِي مَعْنَى الْمَالِ الَّذِي لِمَازِيَارَ وَأَهْلِهِ، فَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، فَأَمَرَ الْحَسَنُ بِتَسْلِيمِ مَازِيَارَ وَأَهْلِهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ لِيَسِيرَ بِهِمْ إِلَى الْمُعْتَصِمِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَقْصِيَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَيُحْرِزَهَا، فَأَحْضَرَ مَازِيَارَ وَسَأَلَهُ عَنْ أَمْوَالِهِ، فَذَكَرَ أَنَّهَا عِنْدَ خَزَّانِهِ، وَضَمِنَ قُوهِيَارُ ذَلِكَ، وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَالَ مَازِيَارُ: اشْهَدُوا عَلَيَّ أَنَّ جَمِيعَ مَا أَخَذْتُ مِنْ أَمْوَالِي سِتَّةٌ وَتِسْعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَسَبْعَ عَشْرَةَ قِطْعَةَ زُمُرُّدٍ، وَسِتَّ عَشْرَةَ قِطْعَةَ يَاقُوتٍ، وَثَمَانِيَةَ أَحْمَالٍ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ، وَتَاجٌ، وَسَيْفٌ مُذَهَّبٌ مُجَوْهَرٌ، وَخِنْجَرٌ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلٌ بِالْجَوْهَرِ، وَحُقٌّ كَبِيرٌ مَمْلُوءٌ جَوْهَرًا، قِيمَتُهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَدْ سَلَّمْتُ ذَلِكَ إِلَى خَازِنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، وَصَاحِبِ خَبَرِهِ عَلَى الْعَسْكَرِ.
وَكَانَ مَازِيَارُ قَدِ اسْتَخْلَفَ هَذَا لِيُوَصِّلَهُ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ لِيُظْهِرَ لِلنَّاسِ وَالْمُعْتَصِمِ أَنَّهُ آمَنَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَالِهِ، وَوَلَدِهِ، وَأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ جِبَالَ أَبِيهِ، فَامْتَنَعَ الْحَسَنُ مِنْ قَبُولِهِ، وَكَانَ أَعَفَّ النَّاسِ.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَنْفَذَ الْحَسَنُ مَازِيَارَ إِلَى الْمُعْتَصِمِ مَعَ يَعْقُوبَ بْنِ الْمَنْصُورِ، ثُمَّ أَمَرَ الْحَسَنُ قُوهِيَارَ أَنْ يَأْخُذَ بِغَالَهُ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا مَالَ مَازِيَارَ، فَأَخَذَهَا، وَأَرَادَ الْحَسَنُ أَنْ يُنْفِذَ مَعَهُ جَيْشًا، فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِهِمْ.
стр. 3003
وَسَارَ هُوَ وَغِلْمَانُهُ، فَلَمَّا فَتَحَ الْخَزَائِنَ، وَأَخْرَجَ الْأَمْوَالَ وَعَبَّأَهَا لِيَحْمِلَهَا، وَثَبَ عَلَيْهِ مَمَالِيكُ الْمَرْزُبَانِ، وَكَانُوا دَيَالِمَةً، وَقَالُوا: غَدَرْتَ بِصَاحِبِنَا، وَأَسْلَمْتَهُ إِلَى الْعَرَبِ، وَجِئْتَ لِتَحْمِلَ أَمْوَالَهُ! وَكَانُوا أَلْفًا وَمِائَتَيْنِ، فَأَخَذُوهُ، وَقَيَّدُوهُ، فَلَمَّا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ قَتَلُوهُ، وَانْتَهَبُوا الْأَمْوَالَ وَالْبِغَالَ، فَانْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ، فَوَجَّهَ جَيْشًا، وَوَجَّهَ قَارَنُ (جَيْشًا، فَأَخَذَ أَصْحَابُ قَارَنَ) مِنْهُمْ عِدَّةً مِنْهُمُ ابْنُ عَمِّ مَازِيَارَ يُقَالُ لَهُ: شَهْرَيَارُ بْنُ الْمَضْمَغَانِ، وَكَانَ هُوَ يُحَرِّضُهُمْ، فَوَجَّهَهُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ فَمَاتَ بِقُومَسَ.
وَعَلِمَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ خَبَرَهُمْ، فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِهِمْ، فَأُخِذُوا، وَبَعَثَ بِهِمْ إِلَى مَدِينَةِ سَارِيَةَ.
وَقِيلَ: إِنَّ السَّبَبَ فِي أَخْذِ مَازِيَارَ كَانَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ اسْمُهُ قُوهِيَارُ كَانَ لَهُ جِبَالُ طَبَرِسْتَانَ (وَكَانَ لِمَازِيَارَ السَّهْلُ، وَجِبَالُ طَبَرِسْتَانَ) ثَلَاثَةُ أَجْبُلٍ: جَبَلُ وِنْدَادَهُرْمُزَ، (وَجَبَلُ أَخِيهِ) (وَنْدَاسَنْجَانَ) ، وَالثَّالِثُ جَبَلُ شُرْوِينَ بْنِ سُرْخَابَ، فَقَوِيَ مَازْيَارُ، وَبَعَثَ [إِلَى] ابْنِ عَمِّهِ قُوهِيَارَ، وَقِيلَ هُوَ أَخُوهُ، فَأَلْزَمَهُ بَابَهُ، وَوَلَّى الْجَبَلَ وَالِيًا مِنْ قِبَلِهِ يُقَالُ لَهُ دُرِّيُّ، فَلَمَّا خَالَفَ مَازْيَارُ وَاحْتَاجَ إِلَى الرِّجَالِ دَعَا قُوهِيَارَ، وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ أَعْرَفُ بِجَبَلِكَ مِنْ غَيْرِكَ، وَأَظْهَرَهُ عَلَى أَمْرِ الْأَفْشِينِ، وَمُكَاتَبَتِهِ، وَأَمَرَهُ بِالْعَوْدِ إِلَى جَبَلِهِ، وَحِفْظِهِ، وَأَمَرَ الدُّرِّيِّ بِالْمَجيِيءِ إِلَيْهِ، فَأَتَاهُ فَضَمَّ إِلَيْهِ الْعَسَاكِرَ، وَوَجَّهَهُ إِلَى مُحَارَبَةِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَمِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ.
وَظَنَّ مَازْيَارُ أَنَّهُ قَدِ اسْتَوْثَقَ مِنَ الْجَبَلِ بِقُوهِيَارَ، وَتَوَثَّقَ مِنَ الْمَوَاضِعِ الْمُخَوِّفَةِ بِدُرِّيِّ وَعَسَاكِرِهِ، وَاجْتَمَعَتِ الْعَسَاكِرُ عَلَيْهِ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَقَرُبَتْ مِنْهُ.
وَكَانَ مَازِيَارُ، فِي مَدِينَتِهِ، فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، فَدَعَا قُوهِيَارَ الْحِقْدُ الَّذِي فِي قَلْبِهِ عَلَى مَازِيَارَ وَمَا صَنَعَ بِهِ إِلَى أَنْ كَاتَبَ الْحَسَنَ بْنَ الْحُسَيْنِ، وَأَعْلَمَهُ جَمِيعَ مَا فِي عَسْكَرِهِ وَمُكَاتَبَةَ الْأَفْشِينِ، فَأَنْفَذَ الْحَسَنُ كِتَابَ قُوهِيَارَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، فَأَنْفَذَهُ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى الْمُعْتَصِمِ، وَكَاتَبَ عَبْدُ اللَّهِ وَالْحَسَنُ قُوهِيَارَ، وَضَمِنَا لَهُ جَمِيعَ مَا يُرِيدُ، وَأَنْ يُعِيدَ إِلَيْهِ جَبَلَهُ، وَمَا كَانَ بِيَدِهِ لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ أَحَدٌ، فَرَضِيَ بِذَلِكَ، وَوَاعَدَهُمْ يَوْمًا يُسَلِّمُ فِيهِ الْجَبَلَ.
فَلَمَّا جَاءَ الْمِيعَادُ تَقَدَّمَ الْحَسَنُ فَحَارَبَ دُرِّيٌّ، وَأَرْسَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ جَيْشًا كَثِيفًا،
стр. 3004
فَوَافَوْا قُوهِيَارَ، فَسَلَّمَ إِلَيْهِمُ الْجَبَلَ، (فَدَخَلُوهُ) ، وَدُرِّيُّ يُحَارِبُ الْحَسَنَ وَمَازِيَارُ فِي قَصْرِهِ، فَلَمْ يَشْعُرْ مَازِيَارُ إِلَّا وَالْخَيْلُ عَلَى بَابِ قَصْرِهِ، فَأَخَذُوهُ أَسِيرًا.
وَقِيلَ إِنَّ مَازِيَارَ كَانَ يَتَصَيَّدُ، فَأَخَذُوهُ وَقَصَدُوا بِهِ نَحْو دُرِّيَّ وَهُوَ يُقَاتِلُ، فَلَمْ يَشْعُرْ هُوَ وَأَصْحَابُهُ إِلَّا وَعَسْكَرُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَمَعَهُمْ مَازِيَارُ، فَانْدَفَعَ دُرِّيُّ وَعَسْكَرُهُ، وَاتَّبَعُوهُ، وَقَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا رَأْسَهُ، وَحَمَلُوهُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، وَحَمَلُوا إِلَيْهِ مَازِيَارَ، فَوَعَدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ إِنْ هُوَ أَظْهَرَهُ عَلَى كُتُبِ الْأَفْشِينِ أَنْ يَسْأَلَ فِيهِ الْمُعْتَصِمَ لِيَصْفَحَ عَنْهُ، فَأَقَرَّ مَازِيَارُ بِذَلِكَ، وَأَظْهَرَ الْكُتُبَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، فَسَيَّرَهَا إِلَى إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَسَيَّرَ مَازِيَارَ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يُسَلِّمَهَا إِلَّا مِنْ يَدِهِ إِلَى يَدِ الْمُعْتَصِمِ، فَفَعَلَ إِسْحَاقُ ذَلِكَ، فَسَأَلَ الْمُعْتَصِمُ مَازِيَارَ عَنِ الْكُتُبِ، فَأَنْكَرَهَا، فَضَرَبَهُ حَتَّى مَاتَ، وَصَلَبَهُ إِلَى جَانِبِ بَابَكَ.
وَقِيلَ إِنَّ مُخَالَفَةَ مَازِيَارَ كَانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّ قَتْلَهُ كَانَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ إِنَّهُ اعْتَرَفَ بِالْكُتُبِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ عِصْيَانِ مَنْكَجُورَ قَرَابَةِ الْأَفْشِينِ
لَمَّا فَرَغَ الْأَفْشِينُ مِنْ بَابَكَ وَعَادَ إِلَى سَامَرَّا، اسْتَعْمَلَ عَلَى أَذْرَبِيجَانَ، وَكَانَ عَامِلُهُ مَنْكَجُورَ، وَهُوَ مِنْ أَقَارِبِهِ، فَوَجَدَ فِي بَعْضِ قُرَى بَابَكَ مَالًا عَظِيمًا، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُعْتَصِمُ، وَلَا الْأَفْشِينُ، فَكَتَبَ صَاحِبُ الْبَرِيدِ إِلَى الْمُعْتَصِمِ، وَكَتَبَ مَنْكَجُورُ يُكَذِّبُهُ، فَتَنَاظَرَا، فَهَمَّ مَنْكَجُورُ لِيَقْتُلَهُ، فَمَنَعَهُ أَهْلُ أَرْدَبِيلَ، فَقَاتَلَهُمْ مَنْكَجُورُ.
وَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُعْتَصِمَ، فَأَمَرَ الْأَفْشِينَ بِعَزْلِ مَنْكَجُورَ، فَوَجَّهَ قَائِدًا فِي عَسْكَرٍ ضَخْمٍ، فَلَمَّا بَلَغَ مَنْكَجُورَ الْخَبَرُ خَلَعَ الطَّاعَةَ، وَجَمَّعَ الصَّعَالِيكَ، وَخَرَجَ مِنْ أَرْدَبِيلَ، فَوَاقَعَهُ الْقَائِدُ، فَهَزَمَهُ، وَسَارَ إِلَى حِصْنٍ مِنْ حُصُونِ أَذْرَبِيجَانَ الَّتِي كَانَ بَابَكُ خَرَّبَهَا، فَبَنَاهُ، وَأَصْلَحَهُ، وَتَحَصَّنَ فِيهِ، فَبَقِيَ بِهِ شَهْرًا.
ثُمَّ وَثَبَ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَأَسْلَمُوهُ إِلَى ذَلِكَ الْقَائِدِ، فَقَدِمَ بِهِ إِلَى سَامَرَّا، فَحَبَسَهُ الْمُعْتَصِمُ، وَاتَّهَمَ الْأَفْشِينَ فِي أَمْرِهِ، وَكَانَ قُدُومُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ،
стр. 3005
وَقِيلَ إِنَّ ذَلِكَ الْقَائِدَ (الَّذِي أُنْفِذَ إِلَى مَنْكَجُورَ) كَانَ بُغَا الْكَبِيرُ، وَإِنَّ مَنْكَجُورَ خَرَجَ إِلَيْهِ بِأَمَانٍ.
ذِكْرُ وِلَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَوْصِلَ وَقَتْلِهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَصَى بِأَعْمَالِ الْمَوْصِلِ إِنْسَانٌ مِنْ مُقَدَّمِي الْأَكْرَادِ اسْمُهُ جَعْفَرُ بْنُ فَهْرَجْسَ، وَتَبِعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَكْرَادِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُرِيدُ الْفَسَادَ، فَاسْتَعْمَلَ الْمُعْتَصِمُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ السَّيِّدِ بْنِ أَنَسٍ الْأَزْدِيَّ عَلَى الْمَوْصِلِ، وَأَمَرَهُ بِقِتَالِ جَعْفَرٍ، فَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَكَانَ جَعْفَرُ بِمَانِعِيسَ قَدْ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا، فَتَوَجَّهَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَيْهِ، وَقَاتَلَهُ وَأَخْرَجَهُ مِنْ مَانِعِيسَ.
فَقَصَدَ جَبَلَ دَاسِنَ، وَامْتَنَعَ بِمَوْضِعٍ عَالٍ فِيهِ لَا يُرَامُ، وَالطَّرِيقُ إِلَيْهِ ضَيِّقٌ، فَقَصَدَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى هُنَاكَ، وَتَوَغَّلَ فِي تِلْكَ الْمَضَايِقِ، حَتَّى وَصَلَ إِلَيْهِ وَقَاتَلَهُ، فَاسْتَظْهَرَ جَعْفَرٌ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأَكْرَادِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِتِلْكَ الْمَوَاضِعِ، وَقُوَّتِهِمْ عَلَى الْقِتَالِ بِهَا رَجَّالَةً، فَانْهَزَمَ عَبْدُ اللَّهِ وَقُتِلَ أَكْثَرُ مَنْ مَعَهُ.
وَمِمَّنْ أُظْهِرَ مِنْهُمْ إِنْسَانٌ اسْمُهُ رَبَاحٌ حَمَلَ عَلَى الْأَكْرَادِ، فَخَرَقَ صَفَّهُمْ، وَطَعَنَ فِيهِمْ، وَقَتَلَ، وَصَارَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَشَغَلَهُمْ عَنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى نَجَا مِنْهُمْ مَنْ أَمْكَنَهُ النَّجَاةُ، فَتَكَاثَرَ الْأَكْرَادُ عَلَيْهِ، فَأَلْقَى نَفْسَهُ مِنْ رَأَسِ الْجَبَلِ عَلَى فَرَسِهِ، وَكَانَ تَحْتَهُ نَهْرٌ، فَسَقَطَ الْفَرَسُ فِي الْمَاءِ وَنَجَا رَبَاحٌ.
وَكَانَ فِيمَنْ أَسَرَهُ جَعْفَرٌ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا اسْمُهُ إِسْمَاعِيلُ، وَالْآخَرُ إِسْحَاقُ بْنُ أَنَسٍ، وَهُوَ عَمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّيِّدِ، وَكَانَ إِسْحَاقُ صِهْرَ جَعْفَرٍ، فَقَدَّمَهُمَا جَعْفَرٌ إِلَيْهِ، فَظَنَّ إِسْمَاعِيلُ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ، وَلَا يَقْتُلُ إِسْحَاقَ لِلصِّهْرِ الَّذِي بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: يَا إِسْحَاقُ أُوصِيكَ بِأَوْلَادِي، فَقَالَ لَهُ إِسْحَاقُ: أَتَظُنُّ أَنَّكَ تُقْتَلُ وَأَبْقَى بَعْدَكَ؟ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى جَعْفَرٍ، فَقَالَ: أَسْأَلُكَ أَنْ تَقْتُلَنِي قَبْلَهُ لِتَطِيبَ نَفْسُهُ، فَبَدَأَ بِهِ فَقَتَلَهُ، وَقَتَلَ إِسْمَاعِيلَ بَعْدَهُ.
فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمُعْتَصِمُ أَمَرَ إِيتَاخَ بِالْمَسِيرِ إِلَى جَعْفَرٍ وَقِتَالِهِ، فَتَجَهَّزَ، وَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَقَصَدَ جَبَلَ دَاسِنَ، وَجَعَلَ طَرِيقَهُ عَلَى سُوقِ الْأَحَدِ،
стр. 3006
فَالتَقَى هُوَ وَجَعْفَرٌ، فَقَاتَلَهُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ جَعْفَرٌ، وَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ، فَانْكَشَفَ شَرُّهُ وَأَذَاهُ عَنِ النَّاسِ.
وَقِيلَ إِنَّ جَعْفَرًا شَرِبَ سُمًّا كَانَ مَعَهُ فَمَاتَ، وَأَوْقَعَ إِيتَاخُ بِالْأَكْرَادِ، فَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَاسْتَبَاحَ أَمْوَالَهُمْ، وَحَشَرَ الْأَسْرَى وَالنِّسَاءَ وَالْأَمْوَالَ إِلَى تِكْرِيتَ.
وَقِيلَ: إِنَّ إِيقَاعَ إِيتَاخَ بِجَعْفَرٍ كَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ذِكْرُ غَزَاةِ الْمُسْلِمِينَ بِالْأَنْدَلُسِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَبْدَ اللَّهِ الْمَعْرُوفَ بِابْنِ الْبَلَنْسِيِّ إِلَى بِلَادِ الْعَدُوِّ، فَوَصَلُوا إِلَى أُلْبَةَ، وَالْقِلَاعِ، فَخَرَجَ الْمُشْرِكُونَ إِلَيْهِ فِي جَمْعِهِمْ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ، وَقِتَالٌ عَظِيمٌ، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَا لَا يُحْصَى، وَجُمِعَتِ الرُّؤُوسُ أَكْدَاسًا، حَتَّى كَانَ الْفَارِسُ لَا يَرَى مَنْ يُقَابِلُهُ.
وَفِيهَا خَرَجَ لِذُرَيقٍ فِي عَسْكَرِهِ، وَأَرَادَ الْغَارَةَ عَلَى مَدِينَةِ سَالِمٍ مِنَ الْأَنْدَلُسِ، فَسَارَ إِلَيْهِ فُرْتُونُ بْنُ مُوسَى فِي عَسْكَرٍ جَرَّارٍ، فَلَقِيَهُ، وَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ لِذُرَيقٍ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي عَسْكَرِهِ، وَسَارَ فَرْتُونُ إِلَى الْحِصْنِ الَّذِي كَانَ بَنَاهُ أَهْلُ أَلْبَةَ بِإِزَاءِ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ، فَحَصَرَهُ، وَافْتَتَحَهُ وَهَدَمَهُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَوَلَّى جَعْفَرُ بْنُ دِينَارٍ الْيَمَنَ.
وَفِيهَا تَزَوَّجَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْأَفْشِينِ أُتْرَاجَةَ ابْنَةَ أَشْنَاسَ، وَدَخَلَ بِهَا فِي قَصْرِ الْمُعْتَصِمِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةَ، وَأَحْضَرَ عُرْسَهَا عَامَّةَ أَهْلِ سَامَرَّا، وَكَانُوا يُغَلِّفُونَ الْعَامَّةَ بِالْغَالِيَةِ، وَهِيَ فِي تِيغَارَ مِنْ فِضَّةٍ.
стр. 3007
وَفِيهَا امْتَنَعَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَرَثَانِيُّ بِوَرَثَانَ، ثُمَّ عَاوَدَ الطَّاعَةَ، وَقَدِمَ عَلَى الْمُعْتَصِمِ بِأَمَانٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ نَاطِسٌ الرُّومِيُّ وَصُلِبَ بِسَامَرَّا.
وَفِيهَا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ فِي رَمَضَانَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْمُعْتَصِمُ.
[بَقِيَّةُ الْحَوَادِثِ]
وَحَجَّ بِالنَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ.
(وَفِيهَا وَقَعَ بِإِفْرِيقِيَّةَ فِتْنَةٌ كَانَ فِيهَا حَرْبٌ بَيْنَ عِيسَى بْنِ رَيَعَانَ الْأَزْدِيِّ وَبَيْنَ لُوَاتَةَ وَزُوَاغَةَ وَمِكْنَاسَةَ، فَكَانَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ قَفْصَةَ وَقَسْطِيلِيَةَ، فَقَتَلَهُمْ عِيسَى عَنْ آخِرِهِمْ.
وَفِيهَا اجْتَمَعَ أَهْلُ سِجِلْمَاسَةَ مَعَ مِدْرَارَ بْنِ الْيَسَعِ عَلَى تَقْدِيمِ مَيْمُونِ بْنِ مِدْرَارَ فِي الْإِمَارَةِ عَلَى سِجِلْمَاسَةَ، وَإِخْرَاجِ أَخِيهِ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ تَقِيَّةَ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ لِمَيْمُونٍ أَخْرَجَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ إِلَى بَعْضِ قُرَى سِجِلْمَاسَةَ) .
وَفِيهَا فَتَحَ نُوحُ بْنُ أَسَدٍ كَاسَانَ وَأُورِشْتَ، بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَكَانَتَا قَدْ نَقَضَتَا الصُّلْحَ، وَافْتَتَحَ أَيْضًا اسْبِيجَابَ، وَبَنَى حَوْلَهُ سُورًا يُحِيطُ بِكُرُومِ أَهْلِهِ وَمَزَارِعِهِمْ.
стр. 3008
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ الْإِمَامُ اللُّغَوِيُّ، وَكَانَ عُمْرُهُ سَبْعًا وَسِتِّينَ سَنَةً، (كَانَتْ وَفَاتُهُ بِمَكَّةَ) .
(سَلَّامٌ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ) .
стр. 3009
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٢٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ وَصُولِ مَازِيَارَ إِلَى سَامَرَّا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ وَصُولُ مَازِيَارَ إِلَى سَامَرَّا، فَخَرَجَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، فَأَخَذَهُ مِنَ الدَّسْكَرَةِ، وَأَدْخَلَهُ سَامَرَّا عَلَى بَغْلٍ بِأُكَافٍ، لِأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ رُكُوبِ الْفِيلِ، فَأَمَرَ الْمُعْتَصِمُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنُهُ وَبَيْنَ الْأَفْشِينِ.
وَكَانَ الْأَفْشِينُ قَدْ حُبِسَ قَبْلَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ، فَأَقَرَّ مَازِيَارُ أَنَّ الْأَفْشِينَ كَانَ يُكَاتِبُهُ، وَيُحْسِنُ لَهُ الْخِلَافَ وَالْمَعْصِيَةَ، (فَأَمَرَ بِرَدِّ الْأَفْشِينِ إِلَى مَحْبَسِهِ) وَضَرَبَ مَازِيَارَ أَرْبَعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَوْطًا، وَطَلَبَ مَاءً لِلشُّرْبِ، فَسُقِيَ، فَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ.
وَقِيلَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنَ اعْتِرَافِ مَازِيَارَ بِكُتُبِ الْأَفْشِينِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مَا يُخَالِفُ هَذَا، وَسَبَبُهُ اخْتِلَافُ النَّاقِلِينَ.
ذِكْرُ غَضَبِ الْمُعْتَصِمِ عَلَى الْأَفْشِينِ وَحَبْسِهِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَضِبَ الْمُعْتَصِمُ عَلَى الْأَفْشِينِ وَحَبَسَهُ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَفْشِينَ كَانَ أَيَّامَ مُحَارَبَةِ بَابَكَ لَا تَأْتِيهِ هَدِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ أَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ إِلَّا وَجَّهَ بِهَا إِلَى أُشْرُوسَنَّةَ، فَيَجْتَازُ ذَلِكَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، فَيَكْتُبُ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى الْمُعْتَصِمِ يُعَرِّفُهُ الْخَبَرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُعْتَصِمُ يَأْمُرُهُ بِإِعْلَامِهِ بِجَمِيعِ مَا يُوَجِّهُ بِهِ الْأَفْشِينُ، فَفَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ ذَلِكَ، فَكَانَ الْأَفْشِينُ كُلَّمَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مَالٌ يَجْعَلُهُ عَلَى أَوْسَاطِ أَصْحَابِهِ فِي الْهَمَايِينَ (وَيُسَيِّرُهُ إِلَى أُشْرُوسَنَةَ) .
стр. 3010
فَأَنْفَذَ مَرَّةً مَالًا كَثِيرًا، فَبَلَغَ أَصْحَابَهُ إِلَى نَيْسَابُورَ، فَوَجَّهَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ، فَفَتَّشَهُمْ، فَوَجَدَ الْمَالَ فِي أَوْسَاطِهِمْ، فَقَالَ: مَنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا الْمَالُ؟ فَقَالُوا: لِلْأَفْشَيْنَ، فَقَالَ: كَذَبْتُمْ، لَوْ أَرَادَ أَخِي الْأَفْشِينُ أَنْ يُرْسِلَ مِثْلَ هَذِهِ الْهَدَايَا وَالْأَمْوَالِ لَكَتَبَ يُعْلِمُنِي ذَلِكَ الْأَمْرَ (بِتَسْيِيرِهِ) ، وَإِنَّمَا أَنْتُمْ لُصُوصٌ.
وَأَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ الْمَالَ فَأَعْطَاهُ الْجُنْدَ، وَكَتَبَ إِلَى الْأَفْشِينِ يَذْكُرُ لَهُ مَا قَالَ الْقَوْمُ، وَقَالَ: أَنَا أُنْكِرُ أَنْ تَكُونَ وُجِّهْتَ بِمِثْلِ هَذَا الْمَالِ وَلَمْ تُعْلِمْنِي، وَقَدْ أَعْطَيْتُهُ الْجُنْدَ عِوَضَ الْمَالِ الَّذِي يُوَجِّهُهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنْ كَانَ الْمَالُ لَكَ كَمَا زَعَمُوا، فَإِذَا جَاءَ الْمَالُ مِنْ عِنْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ رَدَدْتُهُ عَلَيْكَ، وَإِنْ يَكُنْ غَيْرَ هَذَا، فَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَحَقُّ بِهَذَا الْمَالِ، وَإِنَّمَا دَفَعْتُهُ إِلَى الْجُنْدِ لِأَنِّي أُرِيدُ [أَنْ] أُوَجِّهَهُمْ إِلَى بِلَادِ التُّرْكِ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْأَفْشِينُ: إِنَّ مَالِيَ وَمَالَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدٌ، وَسَأَلَهُ إِطْلَاقَ الْقَوْمِ، فَأَطْلَقَهُمْ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ الْوَحْشَةِ بَيْنَهُمَا.
وَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ يَتَتَبَّعُهُ، وَكَانَ الْأَفْشِينُ يَسْمَعُ مِنَ الْمُعْتَصِمِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ عَزْلَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خُرَاسَانَ، فَطَمِعَ فِي وِلَايَتِهَا، فَكَاتَبَ مَازِيَارَ يُحَسِّنُ لَهُ الْخِلَافَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا خَالَفَ عَزَلَ الْمُعْتَصِمُ عَبْدَ اللَّهِ عَنْ خُرَاسَانَ وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهَا، وَأَمَرَهُ بِمُحَارَبَةِ مَازِيَارَ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِ مَازِيَارَ، مَا تَقَدَّمَ، وَكَانَ مِنْ عِصْيَانِ مَنْكَجُورَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَيْضًا، فَتَحَقَّقَ الْمُعْتَصِمُ مِنْ أَمْرِ الْأَفْشِينِ، فَتَغَيَّرَ عَلَيْهِ.
وَأَحَسَّ الْأَفْشِينُ بِذَلِكَ، فَلَمْ يَدْرِ مَا يَصْنَعُ، فَعَزَمَ عَلَى أَنْ يُهَيِّئَ أَطْوَافًا فِي قَصْرِهِ، وَيَحْتَالَ فِي يَوْمِ شُغْلِ الْمُعْتَصِمِ وَقُوَّادِهِ أَنْ يَأْخُذَ طَرِيقَ الْمَوْصِلِ، وَيَعْبُرَ الزَّابَ عَلَى تِلْكَ الْأَطْوَافِ، وَيَصِيرَ إِلَى أَرْمِينِيَّةَ، وَكَانَتْ وِلَايَةُ أَرْمِينِيَّةَ إِلَيْهِ، ثُمَّ يَصِيرُ إِلَى بِلَادِ الْخَزَرِ، ثُمَّ يَدُورُ فِي بِلَادِ التُّرْكِ، وَيَرْجِعُ إِلَى أُشْرُوسَنَةَ، أَوْ يَسْتَمِيلُ الْخَزَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ، فَعَزَمَ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ طَعَامًا كَثِيرًا، وَيَدْعُوَ الْمُعْتَصِمَ وَالْقَوَّادَ، وَيَعْمَلَ فِيهِ سُمًّا، فَإِنْ لَمْ يَجِئِ الْمُعْتَصِمُ عَمِلَ ذَلِكَ بِالْقُوَّادِ مِثْلَ أَشْنَاسَ وَإِيتَاخَ وَغَيْرِهِمَا، يَوْمَ تَشَاغُلِ الْمُعْتَصِمِ، فَإِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ سَارَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، فَكَانَ قُوَّادُهُ يَنُوبُونَ فِي دَارِ الْمُعْتَصِمِ، كَمَا يَفْعَلُ الْقُوَّادُ، فَكَانَ أَوَاجِنُ الْأُشْرُوسَنِيُّ
стр. 3011
قَدْ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَمْرِ الْأَفْشِينِ حَدِيثٌ، فَقَالَ أَوَاجِنُ: لَا يَتِمُّ هَذَا الْأَمْرُ، فَذَهَبَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَى الْأَفْشِينِ فَأَعْلَمَهُ، فَتَهَدَّدَ أَوَاجِنُ، فَسَمِعَهُ بَعْضُ مَنْ يَمِيلُ إِلَى أَوَاجِنَ مِنْ خَدَمِ الْأَفْشِينِ، فَأَتَاهُ ذَلِكَ الْخَادِمُ فَأَعْلَمَهُ الْحَالَ بَعْدَ عَوْدِهِ مِنَ النَّوْبَةِ، فَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ، فَخَرَجَ إِلَى دَارِ الْمُعْتَصِمِ، فَقَالَ لِإِيتَاخَ: إِنَّ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدِي نَصِيحَةً، قَالَ: قَدْ نَامَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ أَوَاجِنُ: لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَصْبِرَ إِلَى غَدٍ، فَدَقَّ إِيتَاخُ الْبَابَ عَلَى بَعْضِ مَنْ يُخْبِرُ الْمُعْتَصِمَ بِذَلِكَ، فَقَالَ الْمُعْتَصِمُ: قُلْ لَهُ يَنْصَرِفُ اللَّيْلَةَ إِلَى غَدٍ! فَقَالَ: إِنِ انْصَرَفْتُ ذَهَبَتْ نَفْسِي، فَأَرْسَلَ الْمُعْتَصِمُ إِلَى إِيتَاخَ: بَيِّتْهُ عِنْدَكَ اللَّيْلَةَ.
فَبَيَّتَهُ عِنْدَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ بَكَّرَ بِهِ عَلَى بَابِ الْمُعْتَصِمِ، فَأَخْبَرَهُ بِجَمِيعِ مَا كَانَ عِنْدَهُ، فَأَمَرَ الْمُعْتَصِمُ بِإِحْضَارِ الْأَفْشِينِ، فَجَاءَ فِي سَوَادِهِ، فَأَمَرَ بِأَخْذِ سَوَادِهِ وَحَبْسِهِ فِي الْجَوْسَقِ، وَكَتَبَ الْمُعْتَصِمُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ فِي الِاحْتِيَالِ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ الْأَفْشِينِ، وَكَانَ الْحُسَيْنُ قَدْ كَثُرَتْ كُتُبُهُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَشَكَا مِنْ نُوحِ بْنِ الْأَسَدِ الْأَمِيرِ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَتَحَامُلَهُ عَلَى ضِيَاعِهِ، وَنَاحِيَتِهِ، فَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى نُوحٍ يُعْلِمُهُ مَا كَتَبَ بِهِ الْمُعْتَصِمُ فِي أَمْرِ الْحُسَيْنِ، وَيَأْمُرُهُ أَنْ يَجْمَعَ أَصْحَابَهُ وَيَتَأَهَّبَ، فَإِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ الْحُسَيْنُ بِكِتَابِ وِلَايَتِهِ فَخُذْهُ، وَاسْتَوْثِقْ مِنْهُ، وَاحْمِلْهُ إِلَيَّ.
وَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى الْحُسَيْنِ يُعْلِمُهُ أَنَّهُ قَدْ عَزَلَ نُوحًا، وَأَنَّهُ قَدْ وَلَّاهُ نَاحِيَتَهُ، وَوَجَّهَ إِلَيْهِ بِكِتَابِ عَزْلِ نُوحٍ وَوِلَايَتِهِ، فَخَرَجَ ابْنُ الْأَفْشِينِ فِي قِلَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَسِلَاحِهِ، حَتَّى وَرَدَ عَلَى نُوحٍ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ وَالِي النَّاحِيَةِ، فَأَخَذَهُ نُوحٌ وَقَيَّدَهُ، وَوَجَّهَهُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، فَوَجَّهَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى الْمُعْتَصِمِ، فَأَمَرَ الْمُعْتَصِمُ بِإِحْضَارِ الْأَفْشِينِ لِيُقَابَلَ عَلَى مَا قِيلَ عَنْهُ، فَأُحْضِرَ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الزَّيَّاتِ، وَزِيرِ الْمُعْتَصِمِ، وَعِنْدَهُ ابْنُ أَبِي دُؤَادَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَعْيَانِ، وَكَانَ الْمُنَاظِرُ لَهُ ابْنَ الزَّيَّاتِ، فَأَمَرَ بِإِحْضَارِ مَازِيَارَ، وَالْمُوبَذَ، وَالْمَرْزُبَانِ بْنِ بَرْكَشٍ، وَهُوَ أَحَدُ مُلُوكِ السُّغْدِ، وَرَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ السُّغْدِ، فَدَعَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالرَّجُلَيْنِ، وَعَلَيْهِمَا ثِيَابٌ رَثَّةٌ، فَقَالَ لَهُمَا: مَا شَأْنُكُمَا؟ فَكَشَفَا عَنْ ظُهُورِهِمَا، وَهِيَ عَارِيَةٌ مِنَ اللَّحْمِ، فَقَالَ لِلْأَفْشِينِ: أَتَعْرِفُ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذَا مُؤَذِّنٌ، وَهَذَا إِمَامٌ بَنَيَا مَسْجِدًا بِأُشْرُوسَنَةَ، فَضَرَبْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفَ سَوْطٍ، وَذَلِكَ أَنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ مَلِكِ السُّغْدِ عَهْدًا وَشَرْطًا أَنْ أَتْرُكَ كُلَّ قَوْمٍ عَلَى دِينِهِمْ، فَوَثَبَ هَذَانِ عَلَى
стр. 3012
بَيْتٍ كَانَ فِيهِ أَصْنَامُ أَهْلِ أُشْرُوسَنَةَ، فَأَخْرَجَا الْأَصْنَامَ وَجَعَلَاهُ مَسْجِدًا، فَضَرَبْتُهُمَا عَلَى هَذَا.
قَالَ ابْنُ الزَّيَّاتِ: مَا كِتَابٌ عِنْدَكَ قَدْ حَلَّيْتَهُ بِالذَّهَبِ وَالْجَوْهَرِ فِيهِ الْكُفْرُ بِاللَّهِ تَعَالَى؟
قَالَ: كِتَابٌ وَرِثْتُهُ عَنْ أَبِي فِيهِ مِنْ آدَابِ الْعَجَمِ وَكُفْرِهِمْ، فَكُنْتُ آخُذُ الْآدَابَ وَأَتْرُكُ الْكُفْرَ، وَوَجَدْتُهُ مُحَلًّى، فَلَمْ أَحْتَجْ إِلَى أَخْذِ الْحِلْيَةِ مِنْهُ، وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّ هَذَا يُخْرِجُ مِنَ الْإِسْلَامِ.
ثُمَّ تَقَدَّمَ الْمُوبَذُ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا يَأْكُلُ لَحْمَ الْمَخْنُوقَةِ، وَيَحْمِلُنِي عَلَى أَكْلِهَا، وَيَزْعُمُ أَنَّهَا أَرْطَبُ مِنَ الْمَذْبُوحَةِ. وَقَالَ لِي يَوْمًا: قَدْ دَخَلْتُ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَكْرَهُهُ، حَتَّى أَكَلْتُ الزَّيْتَ، وَرَكِبْتُ الْجَمَلَ، وَالْبَغْلَ، غَيْرَ أَنِّي إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ لَمْ تَسْقُطْ عَنِّي شَعْرَةٌ، يَعْنِي أَخَذَ شَعْرَ الْعَانَةِ، وَلَمْ أَخْتَتِنْ.
فَقَالَ الْأَفْشِينُ: أَخْبِرُونِي عَنْ هَذَا أَثِقَةٌ هُوَ فِي دِينِهِ؟ وَكَانَ مَجُوسِيًّا، وَإِنَّمَا أَسْلَمَ أَيَّامَ الْمُتَوَكِّلِ، فَقَالُوا: لَا! فَقَالَ: فَمَا مَعْنَى قَبُولِ شَهَادَتِهِ؟ ثُمَّ قَالَ لِلْمُوبَذِ: أَلَيْسَ كُنْتُ أُدْخِلُكَ عَلَيَّ وَأُطْلِعُكَ عَلَى سِرِّي؟ قَالَ: بَلَى! قَالَ: لَسْتَ بِالثِّقَةِ فِي دِينِكَ، وَلَا بِالْكَرِيمِ فِي عَهْدِكَ، إِذْ أَفْشَيْتَ سِرًّا أَسْرَرْتُهُ إِلَيْكَ.
ثُمَّ تَقَدَّمَ الْمَرْزُبَانُ فَقَالَ: كَيْفَ يَكْتُبُ إِلَيْكَ أَهْلُ بَلَدِكَ؟ قَالَ: لَا أَقُولُ! قَالَ: أَلَيْسَ يَكْتُبُونَ بِكَذَا بِالْأَشْرُوسَنِّيَّةِ؟ قَالَ: بَلَى! قَالَ: أَلَيْسَ تَفْسِيرُهُ بِالْعَرَبِيَّةِ: إِلَى إِلَهِ الْآلِهَةِ مَنْ عَبَدَهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ؟ قَالَ: بَلَى! قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الزَّيَّاتُ: الْمُسْلِمُونَ لَا يَحْتَمِلُونَ هَذَا، فَمَا أَبْقَيْتَ لِفِرْعَوْنَ؟ (قَالَ: هَذِهِ كَانَتْ) عَادَتَهُمْ لِأَبِي وَجَدِّي وَلِي قَبْلَ أَنْ أَدْخُلَ فِي الْإِسْلَامِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَضَعَ نَفْسِي دُونَهُمْ فَتُفْسِدَ عَلَيَّ طَاعَتَهُمْ.
ثُمَّ تَقَدَّمَ مَازِيَارُ فَقَالُوا لِلْأَفْشِينِ: هَلْ كَاتَبْتَ هَذَا؟ قَالَ: لَا! قَالُوا لِمَازِيَارَ: هَلْ كَتَبَ إِلَيْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَتَبَ أَخُوهُ إِلَى أَخِي قُوهِيَارَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَنْصُرُ هَذَا الدِّينَ (الْأَبْيَضَ) غَيْرِي وَغَيْرُكَ، فَأَمَّا بَابَكَ فَإِنَّهُ لِحُمْقِهِ قَتَلَ نَفْسَهُ، وَلَقَدْ جَهِدْتُ أَنْ أَصْرِفَ عَنْهُ الْمَوْتَ، فَأَبَى
стр. 3013
لِحُمْقِهِ إِلَّا أَنْ أُوقِعَهُ، فَإِنْ خَالَفْتَ لَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ مَنْ يَرْمُونَكَ بِهِ غَيْرِي، وَمَعِيَ الْفُرْسَانُ، وَأَهْلُ النَّجْدَةِ، فَإِنْ وُجِّهْتُ إِلَيْكَ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ يُحَارِبُنَا إِلَّا ثَلَاثَةٌ: الْعَرَبُ، وَالْمَغَارِبَةُ، وَالْأَتْرَاكُ، وَالْعَرَبِيُّ بِمَنْزِلَةِ الْكَلْبِ اطْرَحْ لَهُ كِسْرَةً وَاضْرِبْ رَأْسَهُ، وَالْمَغَارِبَةُ أَكَلَةُ رَأَسٍ، وَالْأَتْرَاكُ، فَإِنَّمَا هِيَ سَاعَةٌ حَتَّى تَنْفَدَ سِهَامُهُمْ، ثُمَّ تَجُولُ الْخَيْلُ عَلَيْهِمْ جَوْلَةً فَتَأْتِي عَلَى آخِرِهِمْ، وَيَعُودُ الدِّينُ إِلَى مَا لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَيَّامَ الْعَجَمِ.
فَقَالَ الْأَفْشِينُ: هَذَا يَدَّعِي أَنَّ أَخِي كَتَبَ إِلَى أَخِيهِ: لَا يَجِبُ عَلَيَّ، وَلَوْ كَتَبْتُ هَذَا الْكِتَابَ إِلَيْهِ لِأَسْتَمِيلَهُ إِلَيَّ وَيَثِقَ بِي، ثُمَّ آخُذُهُ بِقَفَاهُ، وَأَحْظَى بِهِ عِنْدَ الْخَلِيفَةِ، كَمَا حَظِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ، فَزَجَرَهُ ابْنُ أَبِي دُؤَادَ، فَقَالَ الْأَفْشِينُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَنْتَ تَرْفَعُ طَيْلَسَانَكَ فَلَا تَضَعُهُ حَتَّى تَقْتُلَ جَمَاعَةً.
فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي دُؤَادَ: أَمُطَهَّرٌ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا! قَالَ: فَمَا مَنَعَكَ مِنْ ذَلِكَ وَبِهِ تَمَامُ الْإِسْلَامِ، وَالطَّهُورُ مِنَ النَّجَاسَةِ؟ فَقَالَ: أَوَلَيِسَ فِي الْإِسْلَامِ اسْتِعْمَالُ التَّقِيَّةِ؟ قَالَ: بَلَى! قَالَ: خِفْتُ أَنْ أَقْطَعَ ذَلِكَ الْعُضْوَ مِنْ جَسَدِي فَأَمُوتَ، فَقَالَ: أَنْتَ تَطْعَنُ بِالرُّمْحِ، وَتَضْرِبُ بِالسَّيْفِ، فَلَا يَمْنَعُكَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْحَرْبِ، وَتَجْزَعُ مِنْ قَطْعِ قَلَفَةٍ؟ قَالَ: تِلْكَ ضَرُورَةٌ تُصِيبُنِي فَأَصْبِرُ عَلَيْهَا، وَهَذَا شَيْءٌ أَسْتَجْلِبُهُ.
فَقَالَ ابْنُ أَبِي دُؤَادَ: قَدْ بَانَ لَكُمْ أَمْرُهُ، فَقَالَ لِبُغَا الْكَبِيرُ: عَلَيْكَ بِهِ! فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مِنْطَقَتِهِ، فَجَذَبَهَا، وَأَخَذَ بِمَجَامِعِ الْقَبَاءِ عِنْدَ عُنُقِهِ، وَرَدَّهُ إِلَى مَحْبَسِهِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَضِبَ الْمُعْتَصِمُ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ دِينَارٍ لِأَجْلِ وُثُوبِهِ عَلَى مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْأَصْحَابِ، وَحَبَسَهُ عِنْدَ أَشْنَاسَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ رَضِيَ عَنْهُ، وَعَزَلَهُ عَنِ الْيَمَنِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا إِيتَاخَ.
وَفِيهَا عَزَلَ الْأَفْشِينَ عَنِ الْحَرَسِ، وَوَلَّاهُ إِسْحَاقَ بْنَ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ.
стр. 3014
وَفِيهَا سَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ إِلَى بِلَادِ الْمُشْرِكِينَ فِي شَعْبَانَ، فَدَخَلَ بِلَادَ جِلِّيقِيَّةَ، فَافْتَتَحَ مِنْهَا عِدَّةَ حُصُونٍ، وَجَالَ فِي أَرْضِهِمْ يُخَرِّبُ، وَيَغْنَمُ، وَيَقْتُلُ، وَيَسْبِي، وَأَطَالَ الْمُقَامَ فِي هَذِهِ الْغَزَاةِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى قُرْطُبَةَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُحَمَّدُ بْنُ دُؤَادَ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو دُلَفٍ الْعِجْلِيُّ، وَاسْمُهُ الْقَاسِمُ بْنُ عِيسَى، وَأَبُو عُمَرَ الْجَرْمِيُّ النَّحْوِيُّ، وَاسْمُهُ صَالِحُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَائِنِيُّ، وَلَهُ ثَلَاثٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَلَهُ كُتُبٌ فِي الْمَغَازِي وَأَيَّامِ الْعَرَبِ، وَكَانَ بَصْرِيًّا، فَأَقَامَ بِالْمَدَائِنِ فَنُسِبَ إِلَيْهَا.
стр. 3015
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٢٦ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا وَثَبَ عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ، وَكَانَ عَلَى الْمَعُونَةِ بِدِمَشْقَ مِنْ قِبَلِ صُولِ أَرْتَكِينَ عَلِيِّ بْنِ رَجَاءٍ، وَكَانَ عَلَى الْخَرَاجِ، فَقَتَلَهُ وَأَظْهَرَ الْوَسْوَاسَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ فِيهِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادَ، فَأُطْلِقَ مِنْ مَحْبَسِهِ.
وَفِيهَا مَاتَ (مُحَمَّدُ بْنُ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ الْمُعْتَصِمُ.
ذِكْرُ مَوْتِ الْأَفْشِينِ
وَفِيهَا مَاتَ الْأَفْشِينُ، وَكَانَ قَدْ أَنْفَذَ إِلَى الْمُعْتَصِمِ يَطْلُبُ أَنْ يُنْفِذَ إِلَيْهِ مَنْ يَثِقُ بِهِ، وَأَنْفَذَ إِلَيْهِ حَمْدُونَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، فَأَخَذَ يَعْتَذِرُ عَمَّا قِيلَ فِيهِ، وَقَالَ: قُلْ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكَ كَرَجُلٍ رَبَّى عِجْلًا حَتَّى أَسْمَنَهُ، وَكَبُرَ، وَكَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَشْتَهُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ لَحْمِهِ، فَعَرَّضُوا بِذَبْحِهِ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ، فَاتَّفَقُوا جَمِيعًا عَلَى أَنْ قَالُوا: لِمَ تُرَبِّي هَذَا الْأَسَدَ، فَإِنَّهُ إِذَا كَبُرَ رَجَعَ إِلَى جِنْسِهِ؟ ! فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّمَا هُوَ عِجْلٌ، فَقَالُوا: هَذَا أَسَدٌ، فَسَلْ مَنْ شِئْتَ. وَتَقَدَّمُوا إِلَى جَمِيعِ مَنْ يَعْرِفُونَهُ، وَقَالُوا لَهُمْ: إِنْ سَأَلَكُمْ عَنِ الْعَجَلِ، فَقُولُوا لَهُ: إِنَّهُ أَسَدٌ، وَكُلَّمَا سَأَلَ إِنْسَانًا قَالَ: هُوَ سَبُعٌ، فَأَمَرَ بِالْعَجَلِ، فَذُبِحَ، وَلَكِنِّي أَنَا ذَلِكَ الْعِجْلُ كَيْفَ أَقْدِرُ أَنْ أَكُونَ أَسَدًا؟ اللَّهَ اللَّهَ فِي أَمْرِي.
قَالَ حَمْدُونُ: فَقُمْتُ عَنْهُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ طَبَقٌ فِيهِ فَاكِهَةٌ قَدْ أَرْسَلَهُ الْمُعْتَصِمُ مَعَ ابْنِهِ
следующие страницы →