Полный текст (6 163 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
قَدْ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَمْرِ الْأَفْشِينِ حَدِيثٌ، فَقَالَ أَوَاجِنُ: لَا يَتِمُّ هَذَا الْأَمْرُ، فَذَهَبَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَى الْأَفْشِينِ فَأَعْلَمَهُ، فَتَهَدَّدَ أَوَاجِنُ، فَسَمِعَهُ بَعْضُ مَنْ يَمِيلُ إِلَى أَوَاجِنَ مِنْ خَدَمِ الْأَفْشِينِ، فَأَتَاهُ ذَلِكَ الْخَادِمُ فَأَعْلَمَهُ الْحَالَ بَعْدَ عَوْدِهِ مِنَ النَّوْبَةِ، فَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ، فَخَرَجَ إِلَى دَارِ الْمُعْتَصِمِ، فَقَالَ لِإِيتَاخَ: إِنَّ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدِي نَصِيحَةً، قَالَ: قَدْ نَامَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ أَوَاجِنُ: لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَصْبِرَ إِلَى غَدٍ، فَدَقَّ إِيتَاخُ الْبَابَ عَلَى بَعْضِ مَنْ يُخْبِرُ الْمُعْتَصِمَ بِذَلِكَ، فَقَالَ الْمُعْتَصِمُ: قُلْ لَهُ يَنْصَرِفُ اللَّيْلَةَ إِلَى غَدٍ! فَقَالَ: إِنِ انْصَرَفْتُ ذَهَبَتْ نَفْسِي، فَأَرْسَلَ الْمُعْتَصِمُ إِلَى إِيتَاخَ: بَيِّتْهُ عِنْدَكَ اللَّيْلَةَ.
فَبَيَّتَهُ عِنْدَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ بَكَّرَ بِهِ عَلَى بَابِ الْمُعْتَصِمِ، فَأَخْبَرَهُ بِجَمِيعِ مَا كَانَ عِنْدَهُ، فَأَمَرَ الْمُعْتَصِمُ بِإِحْضَارِ الْأَفْشِينِ، فَجَاءَ فِي سَوَادِهِ، فَأَمَرَ بِأَخْذِ سَوَادِهِ وَحَبْسِهِ فِي الْجَوْسَقِ، وَكَتَبَ الْمُعْتَصِمُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ فِي الِاحْتِيَالِ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ الْأَفْشِينِ، وَكَانَ الْحُسَيْنُ قَدْ كَثُرَتْ كُتُبُهُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَشَكَا مِنْ نُوحِ بْنِ الْأَسَدِ الْأَمِيرِ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَتَحَامُلَهُ عَلَى ضِيَاعِهِ، وَنَاحِيَتِهِ، فَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى نُوحٍ يُعْلِمُهُ مَا كَتَبَ بِهِ الْمُعْتَصِمُ فِي أَمْرِ الْحُسَيْنِ، وَيَأْمُرُهُ أَنْ يَجْمَعَ أَصْحَابَهُ وَيَتَأَهَّبَ، فَإِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ الْحُسَيْنُ بِكِتَابِ وِلَايَتِهِ فَخُذْهُ، وَاسْتَوْثِقْ مِنْهُ، وَاحْمِلْهُ إِلَيَّ.
وَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى الْحُسَيْنِ يُعْلِمُهُ أَنَّهُ قَدْ عَزَلَ نُوحًا، وَأَنَّهُ قَدْ وَلَّاهُ نَاحِيَتَهُ، وَوَجَّهَ إِلَيْهِ بِكِتَابِ عَزْلِ نُوحٍ وَوِلَايَتِهِ، فَخَرَجَ ابْنُ الْأَفْشِينِ فِي قِلَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَسِلَاحِهِ، حَتَّى وَرَدَ عَلَى نُوحٍ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ وَالِي النَّاحِيَةِ، فَأَخَذَهُ نُوحٌ وَقَيَّدَهُ، وَوَجَّهَهُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، فَوَجَّهَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى الْمُعْتَصِمِ، فَأَمَرَ الْمُعْتَصِمُ بِإِحْضَارِ الْأَفْشِينِ لِيُقَابَلَ عَلَى مَا قِيلَ عَنْهُ، فَأُحْضِرَ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الزَّيَّاتِ، وَزِيرِ الْمُعْتَصِمِ، وَعِنْدَهُ ابْنُ أَبِي دُؤَادَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَعْيَانِ، وَكَانَ الْمُنَاظِرُ لَهُ ابْنَ الزَّيَّاتِ، فَأَمَرَ بِإِحْضَارِ مَازِيَارَ، وَالْمُوبَذَ، وَالْمَرْزُبَانِ بْنِ بَرْكَشٍ، وَهُوَ أَحَدُ مُلُوكِ السُّغْدِ، وَرَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ السُّغْدِ، فَدَعَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالرَّجُلَيْنِ، وَعَلَيْهِمَا ثِيَابٌ رَثَّةٌ، فَقَالَ لَهُمَا: مَا شَأْنُكُمَا؟ فَكَشَفَا عَنْ ظُهُورِهِمَا، وَهِيَ عَارِيَةٌ مِنَ اللَّحْمِ، فَقَالَ لِلْأَفْشِينِ: أَتَعْرِفُ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذَا مُؤَذِّنٌ، وَهَذَا إِمَامٌ بَنَيَا مَسْجِدًا بِأُشْرُوسَنَةَ، فَضَرَبْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفَ سَوْطٍ، وَذَلِكَ أَنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ مَلِكِ السُّغْدِ عَهْدًا وَشَرْطًا أَنْ أَتْرُكَ كُلَّ قَوْمٍ عَلَى دِينِهِمْ، فَوَثَبَ هَذَانِ عَلَى
стр. 3012
بَيْتٍ كَانَ فِيهِ أَصْنَامُ أَهْلِ أُشْرُوسَنَةَ، فَأَخْرَجَا الْأَصْنَامَ وَجَعَلَاهُ مَسْجِدًا، فَضَرَبْتُهُمَا عَلَى هَذَا.
قَالَ ابْنُ الزَّيَّاتِ: مَا كِتَابٌ عِنْدَكَ قَدْ حَلَّيْتَهُ بِالذَّهَبِ وَالْجَوْهَرِ فِيهِ الْكُفْرُ بِاللَّهِ تَعَالَى؟
قَالَ: كِتَابٌ وَرِثْتُهُ عَنْ أَبِي فِيهِ مِنْ آدَابِ الْعَجَمِ وَكُفْرِهِمْ، فَكُنْتُ آخُذُ الْآدَابَ وَأَتْرُكُ الْكُفْرَ، وَوَجَدْتُهُ مُحَلًّى، فَلَمْ أَحْتَجْ إِلَى أَخْذِ الْحِلْيَةِ مِنْهُ، وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّ هَذَا يُخْرِجُ مِنَ الْإِسْلَامِ.
ثُمَّ تَقَدَّمَ الْمُوبَذُ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا يَأْكُلُ لَحْمَ الْمَخْنُوقَةِ، وَيَحْمِلُنِي عَلَى أَكْلِهَا، وَيَزْعُمُ أَنَّهَا أَرْطَبُ مِنَ الْمَذْبُوحَةِ. وَقَالَ لِي يَوْمًا: قَدْ دَخَلْتُ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَكْرَهُهُ، حَتَّى أَكَلْتُ الزَّيْتَ، وَرَكِبْتُ الْجَمَلَ، وَالْبَغْلَ، غَيْرَ أَنِّي إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ لَمْ تَسْقُطْ عَنِّي شَعْرَةٌ، يَعْنِي أَخَذَ شَعْرَ الْعَانَةِ، وَلَمْ أَخْتَتِنْ.
فَقَالَ الْأَفْشِينُ: أَخْبِرُونِي عَنْ هَذَا أَثِقَةٌ هُوَ فِي دِينِهِ؟ وَكَانَ مَجُوسِيًّا، وَإِنَّمَا أَسْلَمَ أَيَّامَ الْمُتَوَكِّلِ، فَقَالُوا: لَا! فَقَالَ: فَمَا مَعْنَى قَبُولِ شَهَادَتِهِ؟ ثُمَّ قَالَ لِلْمُوبَذِ: أَلَيْسَ كُنْتُ أُدْخِلُكَ عَلَيَّ وَأُطْلِعُكَ عَلَى سِرِّي؟ قَالَ: بَلَى! قَالَ: لَسْتَ بِالثِّقَةِ فِي دِينِكَ، وَلَا بِالْكَرِيمِ فِي عَهْدِكَ، إِذْ أَفْشَيْتَ سِرًّا أَسْرَرْتُهُ إِلَيْكَ.
ثُمَّ تَقَدَّمَ الْمَرْزُبَانُ فَقَالَ: كَيْفَ يَكْتُبُ إِلَيْكَ أَهْلُ بَلَدِكَ؟ قَالَ: لَا أَقُولُ! قَالَ: أَلَيْسَ يَكْتُبُونَ بِكَذَا بِالْأَشْرُوسَنِّيَّةِ؟ قَالَ: بَلَى! قَالَ: أَلَيْسَ تَفْسِيرُهُ بِالْعَرَبِيَّةِ: إِلَى إِلَهِ الْآلِهَةِ مَنْ عَبَدَهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ؟ قَالَ: بَلَى! قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الزَّيَّاتُ: الْمُسْلِمُونَ لَا يَحْتَمِلُونَ هَذَا، فَمَا أَبْقَيْتَ لِفِرْعَوْنَ؟ (قَالَ: هَذِهِ كَانَتْ) عَادَتَهُمْ لِأَبِي وَجَدِّي وَلِي قَبْلَ أَنْ أَدْخُلَ فِي الْإِسْلَامِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَضَعَ نَفْسِي دُونَهُمْ فَتُفْسِدَ عَلَيَّ طَاعَتَهُمْ.
ثُمَّ تَقَدَّمَ مَازِيَارُ فَقَالُوا لِلْأَفْشِينِ: هَلْ كَاتَبْتَ هَذَا؟ قَالَ: لَا! قَالُوا لِمَازِيَارَ: هَلْ كَتَبَ إِلَيْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَتَبَ أَخُوهُ إِلَى أَخِي قُوهِيَارَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَنْصُرُ هَذَا الدِّينَ (الْأَبْيَضَ) غَيْرِي وَغَيْرُكَ، فَأَمَّا بَابَكَ فَإِنَّهُ لِحُمْقِهِ قَتَلَ نَفْسَهُ، وَلَقَدْ جَهِدْتُ أَنْ أَصْرِفَ عَنْهُ الْمَوْتَ، فَأَبَى
стр. 3013
لِحُمْقِهِ إِلَّا أَنْ أُوقِعَهُ، فَإِنْ خَالَفْتَ لَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ مَنْ يَرْمُونَكَ بِهِ غَيْرِي، وَمَعِيَ الْفُرْسَانُ، وَأَهْلُ النَّجْدَةِ، فَإِنْ وُجِّهْتُ إِلَيْكَ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ يُحَارِبُنَا إِلَّا ثَلَاثَةٌ: الْعَرَبُ، وَالْمَغَارِبَةُ، وَالْأَتْرَاكُ، وَالْعَرَبِيُّ بِمَنْزِلَةِ الْكَلْبِ اطْرَحْ لَهُ كِسْرَةً وَاضْرِبْ رَأْسَهُ، وَالْمَغَارِبَةُ أَكَلَةُ رَأَسٍ، وَالْأَتْرَاكُ، فَإِنَّمَا هِيَ سَاعَةٌ حَتَّى تَنْفَدَ سِهَامُهُمْ، ثُمَّ تَجُولُ الْخَيْلُ عَلَيْهِمْ جَوْلَةً فَتَأْتِي عَلَى آخِرِهِمْ، وَيَعُودُ الدِّينُ إِلَى مَا لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَيَّامَ الْعَجَمِ.
فَقَالَ الْأَفْشِينُ: هَذَا يَدَّعِي أَنَّ أَخِي كَتَبَ إِلَى أَخِيهِ: لَا يَجِبُ عَلَيَّ، وَلَوْ كَتَبْتُ هَذَا الْكِتَابَ إِلَيْهِ لِأَسْتَمِيلَهُ إِلَيَّ وَيَثِقَ بِي، ثُمَّ آخُذُهُ بِقَفَاهُ، وَأَحْظَى بِهِ عِنْدَ الْخَلِيفَةِ، كَمَا حَظِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ، فَزَجَرَهُ ابْنُ أَبِي دُؤَادَ، فَقَالَ الْأَفْشِينُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَنْتَ تَرْفَعُ طَيْلَسَانَكَ فَلَا تَضَعُهُ حَتَّى تَقْتُلَ جَمَاعَةً.
فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي دُؤَادَ: أَمُطَهَّرٌ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا! قَالَ: فَمَا مَنَعَكَ مِنْ ذَلِكَ وَبِهِ تَمَامُ الْإِسْلَامِ، وَالطَّهُورُ مِنَ النَّجَاسَةِ؟ فَقَالَ: أَوَلَيِسَ فِي الْإِسْلَامِ اسْتِعْمَالُ التَّقِيَّةِ؟ قَالَ: بَلَى! قَالَ: خِفْتُ أَنْ أَقْطَعَ ذَلِكَ الْعُضْوَ مِنْ جَسَدِي فَأَمُوتَ، فَقَالَ: أَنْتَ تَطْعَنُ بِالرُّمْحِ، وَتَضْرِبُ بِالسَّيْفِ، فَلَا يَمْنَعُكَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْحَرْبِ، وَتَجْزَعُ مِنْ قَطْعِ قَلَفَةٍ؟ قَالَ: تِلْكَ ضَرُورَةٌ تُصِيبُنِي فَأَصْبِرُ عَلَيْهَا، وَهَذَا شَيْءٌ أَسْتَجْلِبُهُ.
فَقَالَ ابْنُ أَبِي دُؤَادَ: قَدْ بَانَ لَكُمْ أَمْرُهُ، فَقَالَ لِبُغَا الْكَبِيرُ: عَلَيْكَ بِهِ! فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مِنْطَقَتِهِ، فَجَذَبَهَا، وَأَخَذَ بِمَجَامِعِ الْقَبَاءِ عِنْدَ عُنُقِهِ، وَرَدَّهُ إِلَى مَحْبَسِهِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَضِبَ الْمُعْتَصِمُ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ دِينَارٍ لِأَجْلِ وُثُوبِهِ عَلَى مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْأَصْحَابِ، وَحَبَسَهُ عِنْدَ أَشْنَاسَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ رَضِيَ عَنْهُ، وَعَزَلَهُ عَنِ الْيَمَنِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا إِيتَاخَ.
وَفِيهَا عَزَلَ الْأَفْشِينَ عَنِ الْحَرَسِ، وَوَلَّاهُ إِسْحَاقَ بْنَ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ.
стр. 3014
وَفِيهَا سَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ إِلَى بِلَادِ الْمُشْرِكِينَ فِي شَعْبَانَ، فَدَخَلَ بِلَادَ جِلِّيقِيَّةَ، فَافْتَتَحَ مِنْهَا عِدَّةَ حُصُونٍ، وَجَالَ فِي أَرْضِهِمْ يُخَرِّبُ، وَيَغْنَمُ، وَيَقْتُلُ، وَيَسْبِي، وَأَطَالَ الْمُقَامَ فِي هَذِهِ الْغَزَاةِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى قُرْطُبَةَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُحَمَّدُ بْنُ دُؤَادَ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو دُلَفٍ الْعِجْلِيُّ، وَاسْمُهُ الْقَاسِمُ بْنُ عِيسَى، وَأَبُو عُمَرَ الْجَرْمِيُّ النَّحْوِيُّ، وَاسْمُهُ صَالِحُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَائِنِيُّ، وَلَهُ ثَلَاثٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَلَهُ كُتُبٌ فِي الْمَغَازِي وَأَيَّامِ الْعَرَبِ، وَكَانَ بَصْرِيًّا، فَأَقَامَ بِالْمَدَائِنِ فَنُسِبَ إِلَيْهَا.
стр. 3015
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٢٦ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا وَثَبَ عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ، وَكَانَ عَلَى الْمَعُونَةِ بِدِمَشْقَ مِنْ قِبَلِ صُولِ أَرْتَكِينَ عَلِيِّ بْنِ رَجَاءٍ، وَكَانَ عَلَى الْخَرَاجِ، فَقَتَلَهُ وَأَظْهَرَ الْوَسْوَاسَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ فِيهِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادَ، فَأُطْلِقَ مِنْ مَحْبَسِهِ.
وَفِيهَا مَاتَ (مُحَمَّدُ بْنُ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ الْمُعْتَصِمُ.
ذِكْرُ مَوْتِ الْأَفْشِينِ
وَفِيهَا مَاتَ الْأَفْشِينُ، وَكَانَ قَدْ أَنْفَذَ إِلَى الْمُعْتَصِمِ يَطْلُبُ أَنْ يُنْفِذَ إِلَيْهِ مَنْ يَثِقُ بِهِ، وَأَنْفَذَ إِلَيْهِ حَمْدُونَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، فَأَخَذَ يَعْتَذِرُ عَمَّا قِيلَ فِيهِ، وَقَالَ: قُلْ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكَ كَرَجُلٍ رَبَّى عِجْلًا حَتَّى أَسْمَنَهُ، وَكَبُرَ، وَكَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَشْتَهُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ لَحْمِهِ، فَعَرَّضُوا بِذَبْحِهِ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ، فَاتَّفَقُوا جَمِيعًا عَلَى أَنْ قَالُوا: لِمَ تُرَبِّي هَذَا الْأَسَدَ، فَإِنَّهُ إِذَا كَبُرَ رَجَعَ إِلَى جِنْسِهِ؟ ! فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّمَا هُوَ عِجْلٌ، فَقَالُوا: هَذَا أَسَدٌ، فَسَلْ مَنْ شِئْتَ. وَتَقَدَّمُوا إِلَى جَمِيعِ مَنْ يَعْرِفُونَهُ، وَقَالُوا لَهُمْ: إِنْ سَأَلَكُمْ عَنِ الْعَجَلِ، فَقُولُوا لَهُ: إِنَّهُ أَسَدٌ، وَكُلَّمَا سَأَلَ إِنْسَانًا قَالَ: هُوَ سَبُعٌ، فَأَمَرَ بِالْعَجَلِ، فَذُبِحَ، وَلَكِنِّي أَنَا ذَلِكَ الْعِجْلُ كَيْفَ أَقْدِرُ أَنْ أَكُونَ أَسَدًا؟ اللَّهَ اللَّهَ فِي أَمْرِي.
قَالَ حَمْدُونُ: فَقُمْتُ عَنْهُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ طَبَقٌ فِيهِ فَاكِهَةٌ قَدْ أَرْسَلَهُ الْمُعْتَصِمُ مَعَ ابْنِهِ
стр. 3016
الْوَاثِقِ، وَهُوَ عَلَى حَالِهِ، فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى قِيلَ إِنَّهُ يَمُوتُ، أَوْ قَدْ مَاتَ، فَحُمِلَ إِلَى دَارِ إِيتَاخَ، فَمَاتَ بِهَا، وَأَخْرَجُوهُ، وَصَلَبُوهُ عَلَى بَابِ الْعَامَّةِ لِيَرَاهُ النَّاسُ، ثُمَّ أُلْقِيَ وَأُحْرِقَ بِالنَّارِ، وَكَانَ مَوْتُهُ فِي شَعْبَانَ.
قَالَ حَمْدُونَ: وَسَأَلْتُهُ هَلْ هُوَ مُطَّهَّرٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: (إِلَى مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ) إِنَّمَا قَالَ لِي هَذَا، وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ، لِيَفْضَحَنِي إِنْ قُلْتُ نَعَمْ، قَالَ: تَكَشَّفْ، وَالْمَوْتُ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَكَشَّفَ بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ، وَلَكِنْ إِنْ شِئْتَ أَتَكَشَّفُ بَيْنَ يَدَيْكَ حَتَّى تَرَانِي، فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ صَادِقٌ، فَلَمَّا انْصَرَفَ حَمْدُونُ وَبَلَّغَ الْمُعْتَصِمَ رِسَالَتَهُ أَمَرَ بِقَطْعِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ عَنْهُ، إِلَّا الْقَلِيلَ، حَتَّى مَاتَ.
قَالَ: وَلَمَّا أَخَذَ مَالَهُ رَأَى فِي دَارِهِ بَيْتَ تِمْثَالٍ لِإِنْسَانٍ مِنْ خَشَبٍ عَلَيْهِ حِلْيَةٌ كَثِيرَةٌ وَجَوْهَرٌ، وَفِي أُذُنَيْهِ حَجَرَانِ مُشْتَبِكَانِ، عَلَيْهِمَا ذَهَبٌ، فَأَخَذَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَ سُلَيْمَانَ أَحَدَ الْحَجَرَيْنِ وَظَنَّهُ جَوْهَرًا، وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ نَزَعَ عَنْهُ الذَّهَبَ، وَوَجَدَهُ شَيْئًا شَبِيهًا بِالصَّدَفِ يُسَمَّى الْحَبْرُونَ، وَوَجَدُوا أَصْنَامًا وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَالْأَطْوَافَ الْخَشَبَ الَّتِي أَعَدَّهَا، وَوَجَدُوا لَهُ كِتَابًا مِنْ كُتُبِ الْمَجُوسِ، وَكُتُبًا غَيْرَهُ فِيهَا دِيَانَتُهُ.
ذِكْرُ وَفَاةِ الْأَغْلَبِ وَوِلَايَةِ أَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَغْلَبِ إِفْرِيقِيَّةَ وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، (تُوُفِّيَ الْأَغْلَبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ سَنَتَيْنِ وَسَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَسَبْعَةَ أَيَّامٍ.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ) وَلِيَ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَغْلَبِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ بِلَادَ إِفْرِيقِيَّةَ بَعْدَ وَفَاةِ وَالِدِهِ، وَدَانَتْ لَهُ إِفْرِيقِيَّةُ، وَابْتَنَى مَدِينَةً بِقُرْبِ تَاهَرْتَ سَمَّاهَا الْعَبَّاسِيَّةَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَأَحْرَقَهَا أَفْلَحُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْإِبَاضِيُّ، وَكَتَبَ إِلَى الْأُمَوِيِّ،
стр. 3017
صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ، يُعْلِمُهُ ذَلِكَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْأُمَوِيُّ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ جَزَاءً لَهُ عَلَى فِعْلِهِ.
وَتُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَغْلَبِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ غُرَّةَ الْمُحَرَّمِ مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ.
ذِكْرُ وِلَايَةِ ابْنِهِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ أَحْمَدَ
لَمَّا (تُوُفِّيَ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَغْلَبِ) وَلِيَ الْأَمْرَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ أَحْمَدُ، وَأَحْسَنَ السِّيرَةَ مَعَ الرَّعِيَّةِ، وَأَكْثَرَ الْعَطَاءَ لِلْجُنْدِ، وَبَنَى بِأَرْضِ إِفْرِيقِيَّةَ عَشْرَةَ آلَافِ حِصْنٍ بِالْحِجَارَةِ وَالْكِلْسِ، وَأَبْوَابِ الْحَدِيدِ، وَاشْتَرَى الْعَبِيدَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَيَّامِهِ ثَائِرٌ يُزْعِجُهُ، ثُمَّ تُوُفِّيَ، ﵀، يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ سَبْعَ سِنِينَ وَعَشَرَةَ أَشْهُرٍ (وَاثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، وَكَانَ عُمْرُهُ ثَمَانِيةً وَعِشْرِينَ سَنَةً) .
ذِكْرُ وِلَايَةِ أَخِيهِ أَبِي مُحَمَّدٍ زِيَادَةِ اللَّهِ
وَلَمَّا تُوُفِّيَ أَحْمَدُ وَلِيَ أَخُوهُ زِيَادَةُ اللَّهِ وَجَرَى عَلَى سُنَنِ سَلَفِهِ، وَلَمْ تَطُلْ أَيَّامُهُ، فَتُوُفِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ لِإِحْدَى عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ سَنَةً وَاحِدَةً وَسِتَّةَ أَيَّامٍ.
ذِكْرُ وِلَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْأَغْلَبِ وَلَمَّا تُوُفِّيَ زِيَادَةُ اللَّهِ وَلِيَ بَعْدَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَغْلَبُ، وَجَرَى عَلَى سَنَنِ أَسْلَافِهِ، وَكَانَ أَدِيبًا، عَاقِلًا، حَسَنَ السِّيرَةِ، غَيْرَ أَنَّ جَزِيرَةَ صِقِلِّيَّةَ تَغَلَّبَ الرُّومُ عَلَى مَوَاضِعَ مِنْهَا، وَبَنَى أَيْضًا حُصُونًا وَمَحَارِسَ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ.
وَبِالْمَغْرِبِ أَرْضٌ تُعْرَفُ بِالْأَرْضِ الْكَبِيرَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَرْقَةَ مَسِيرَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا،
стр. 3018
وَبِهَا مَدِينَةٌ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ تُدْعَى بَارَّةَ، وَكَانَ أَهْلُهَا نَصَارَى لَيْسُوا بُرُومٍ، فَغَزَاهَا حَيَاةُ مَوْلَى الْأَغْلَبِ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا، ثُمَّ غَزَاهَا خُلْفُونُ الْبَرْبَرِيُّ، وَيُقَالُ إِنَّهُ مَوْلًى لِرَبِيعَةَ، فَفَتَحَهَا فِي خِلَافَةِ الْمُتَوَكِّلِ، وَقَامَ بَعْدَهُ رَجُلٌ يُسَمَّى الْمُفَرِّجُ بْنُ سَالِمٍ، فَفَتَحَ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ حِصْنًا، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، فَكَتَبَ إِلَى وَالِي مِصْرَ يُعْلِمُهُ خَبَرُهُ، وَأَنَّهُ لَا يَرَى لِنَفْسِهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ صَلَاةً إِلَّا بِأَنْ يَعْقِدَ لَهُ الْإِمَامُ عَلَى نَاحِيَتِهِ، وَيُوَلِّيهِ إِيَّاهَا، لِيَخْرُجَ مِنْ حَدِّ الْمُتَغَلِّبِينَ، وَبَنَى مَسْجِدًا جَامِعًا.
ثُمَّ إِنَّ أَصْحَابَهُ شَغَبُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَتَلُوهُ.
ثُمَّ تُوُفِّيَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ، ﵀، سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ.
إِنَّمَا ذَكَرْنَا وِلَايَةَ هَؤُلَاءِ مُتَتَابِعَةً لِقِلَّةِ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ زُلْزِلَتِ الْأَهْوَازُ زَلْزَلَةً شَدِيدَةً، خَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَكَانَ مَعَ الزَّلْزَلَةِ رِيحٌ شَدِيدَةً، فَخَرَجَ النَّاسُ عَنْ مَنَازِلِهِمْ، وَخَرِبَ كَثِيرٌ مِنْهَا.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، أَمَرَهُ أَشْنَاسُ بِذَلِكَ، وَكَانَ أَشْنَاسُ حَاجًّا، وَقَدْ جَعَلَ إِلَيْهِ وِلَايَةَ كُلِّ بَلَدٍ يَدْخُلُهُ، وَخُطِبَ لَهُ عَلَى مَنَابِرَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ وَغَيْرِهِمَا مِنِ الْبِلَادِ الَّتِي اجْتَازَ بِهَا بِالْإِمْرَةِ إِلَى أَنْ عَادَ إِلَى سَامَرَّا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْهُذَيلِ (مُحَمَّدُ بْنُ الْهُذَيْلِ بْنِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَّافِ الْبَصْرِيُّ،
стр. 3019
شَيْخُ الْمُعْتَزِلَةِ فِي زَمَانِهِ، وَزَادَ عُمْرُهُ عَلَى مِائَةِ سَنَةٍ، وَلَهُ مَسَائِلُ فِي الْأُصُولِ قَبِيحَةٌ تَفَرَّدَ بِهَا.
وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّمِيمِيُّ الْحَنْظَلِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ أَبُو زَكَرِيَّاءَ، تُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ بِنَيْسَابُورَ.
وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ الْوَاشِجِيُّ الْقَاضِي.
(وَأَبُو هَيْثَمَ الرَّازِيُّ النَّحْوِيُّ، وَكَانَ عَالِمًا بِنَحْوِ الْكُوفِيِّينَ) .
стр. 3020
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٢٧ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ خُرُوجِ الْمُبَرْقَعِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ أَبُو حَرْبٍ الْمُبَرْقَعُ الْيَمَانِيُّ بِفِلَسْطِينَ، وَخَالَفَ عَلَى الْمُعْتَصِمِ.
وَكَانَ سَبَبُ خُرُوجِهِ أَنَّ بَعْضَ الْجُنْدِ أَرَادَ النُّزُولَ فِي دَارِهِ وَهُوَ غَائِبٌ، فَمَنَعَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ، فَضَرَبَهَا الْجُنْدِيُّ بِسَوْطٍ، فَأَصَابَ ذِرَاعَهَا، فَأَثَّرَ فِيهَا، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ شَكَتْ إِلَيْهِ مَا فَعَلَ بِهَا الْجُنْدِيُّ، فَأَخَذَ سَيْفَهُ وَسَارَ نَحْوَهُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ هَرَبَ، وَأَلْبَسَ وَجْهَهُ بُرْقُعًا، وَقَصَدَ بَعْضَ جِبَالِ الْأُرْدُنِّ، فَأَقَامَ بِهِ، وَكَانَ يَظْهَرُ بِالنَّهَارِ مُتَبَرْقِعًا، فَإِذَا جَاءَهُ أَحَدٌ ذَكَّرَهُ، وَأَمَرَهُ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَذْكُرُ الْخَلِيفَةَ وَمَا يَأْتِي، وَيَعِيبُهُ، فَاسْتَجَابَ لَهُ قَوْمٌ مِنْ فَلَّاحِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ.
وَكَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُمَوِيٌّ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: هَذَا السُّفْيَانِيُّ، فَلَمَّا كَثُرَ أَتْبَاعُهُ مِنْ هَذِهِ الضِّفَّةِ دَعَا أَهْلَ الْبُيُوتَاتِ، فَاسْتَجَابَ لَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ رُؤَسَاءِ الْيَمَانِيَّةِ، مِنْهُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ ابْنُ بَيْهَسٍ كَانَ مُطَاعًا فِي أَهْلِ الْيَمَنِ، (وَرَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ) .
وَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِالْمُعْتَصِمِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ رَجَاءَ بْنَ أَيُّوبَ الْحَضَارِيَّ فِي زُهَاءِ أَلْفِ رَجُلٍ مِنَ الْجُنْدِ، فَرَآهُ فِي عَالَمٍ كَثِيرٍ يَبْلُغُونَ مِائَةَ أَلْفٍ، فَكَرِهَ رَجَاءُ مُوَاقَعَتَهُ، وَعَسْكَرَ فِي مُقَابَلَتِهِ، حَتَّى كَانَ أَوَانُ الزِّرَاعَةِ وَعَمِلَ الْأَرْضَ، فَانْصَرَفَ مَنْ كَانَ مَعَ الْمُبَرْقَعِ إِلَى عَمَلِهِمْ، وَبَقِيَ فِي زُهَاءِ أَلْفٍ أَوْ أَلْفَيْنِ.
(وَتُوُفِّيَ الْمُعْتَصِمُ وَوَلِيَ الْوَاثِقُ، وَثَارَتِ الْفِتْنَةُ بِدِمَشْقَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، فَأَمَرَ الْوَاثِقُ رَجَاءَ بِقِتَالِ مَنْ أَرَادَ الْفِتْنَةَ وَالْعَوْدَةِ إِلَى الْمُبَرْقَعِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَعَادَ إِلَى الْمُبَرْقَعِ) ، فَنَاجَزَهُ
стр. 3021
رَجَاءُ، فَالتَقَى الْعَسْكَرَانِ، فَقَالَ رَجَاءُ لِأَصْحَابِهِ: مَا أَرَى فِي عَسْكَرِهِ رَجُلًا لَهُ شَجَاعَةٌ غَيْرَهُ، وَإِنَّهُ سَيُظْهِرُ لِأَصْحَابِهِ مَا عِنْدَهُ، فَإِذَا حَمَلَ عَلَيْكُمْ فَأَفْرِجُوا لَهُ، فَمَا لَبِثَ أَنْ حَمَلَ الْمُبَرْقَعُ، فَأَفْرَجَ لَهُ أَصْحَابُ رَجَاءٍ، حَتَّى جَاوَزَهُمْ، ثُمَّ رَجَعَ فَأَفْرَجُوا لَهُ، حَتَّى أَتَى أَصْحَابَهُ، ثُمَّ حَمَلَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا أَرَادَ الرُّجُوعَ أَحَاطُوا بِهِ، وَأَخَذُوهُ أَسِيرًا.
وَقِيلَ: كَانَ خُرُوجُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَإِنَّهُ خَرَجَ بِنُوَاحِي الرَّمْلَةَ، وَصَارَ فِي خَمْسِينَ أَلْفًا، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْمُعْتَصِمُ رَجَاءَ الْحَضَارِيَّ، فَقَاتَلَهُ، وَأَخَذَ ابْنَ بَيْهَسٍ أَسِيرًا، وَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِ الْمُبَرْقَعِ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَأَسَرَ الْمُبَرْقَعَ، وَحَمَلَهُ إِلَى سَامَرَّا.
ذِكْرُ وَفَاةِ الْمُعْتَصِمِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْمُعْتَصِمُ أَبُو إِسْحَاقَ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الرَّشِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَهْدِيُّ (بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَنْصُورِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ) ، يَوْمَ الْخَمِيسِ لِثَمَانِيَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَكَانَ بَدْءُ عِلَّتِهِ أَنَّهُ احْتَجَمَ أَوَّلَ يَوْمٍ فِي الْمُحَرَّمِ، وَاعْتَلَّ عِنْدَهَا.
قَالَ زَنَامُ الزَّامِرُ: أَفَاقَ الْمُعْتَصِمُ فِي عِلَّتِهِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا، فَرَكِبَ فِي الزُّلَالِ فِي دِجْلَةَ، وَأَنَا مَعَهُ، فَمَرَّ بِإِزَاءِ مَنَازِلِهِ، فَقَالَ: يَا زَنَامُ إِزْمُرْ لِي:
يَا مَنْزِلًا لَمْ تَبْلَ أَطْلَالُهُ ... حَاشَا لِأَطْلَالِكَ أَنْ تَبْلَى
لَمْ أَبْكِ أَطْلَالَكَ لَكِنَّنِي ... بَكَيْتُ عَيْشِي فِيكَ إِذْ وَلَّى
وَالْعَيْشُ أَوْلَى مَا بَكَاهُ الْفَتَى ... لَا بُدَّ لِلْمَحْزُونِ أَنْ يَسْلَى
стр. 3022
قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَزْمُرُ لَهُ هَذَا الصَّوْتَ، وَأُكَرِّرُهُ، وَقَدْ تَنَاوَلَ مِنْدِيلًا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا زَالَ يَبْكِي فِيهِ، وَيَنْتَحِبُ، حَتَّى رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ.
وَلَمَّا احْتَضَرَ الْمُعْتَصِمُ جَعَلَ يَقُولُ: ذَهَبَتِ الْحِيَلُ، لَيْسَتْ حِيلَةٌ، حَتَّى صَمَتَ، ثُمَّ مَاتَ وَدُفِنَ بِسَامَرَّا.
وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ ثَمَانِيَ سِنِينَ وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ وَيَوْمَيْنِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ.
وَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، فِي الشَّهْرِ الثَّامِنِ، وَهُوَ مِنْ ثَامِنِ الْخُلَفَاءِ وَالثَّامِنِ مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ، وَمَاتَ عَنْ ثَمَانِيَةِ بَنِينَ وَثَمَانِي بَنَاتٍ، وَمَلَكَ ثَمَانِي سِنِينَ وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَكُونُ عُمْرُهُ سَبْعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَشَهْرَيْنِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي يَكُونُ عُمْرُهُ سَبْعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَسَبْعَةَ أَشْهُرٍ.
وَكَانَ أَبْيَضَ، أَصْهَبَ اللِّحْيَةِ، طَوِيلَهَا، مَرْبُوعًا، مُشْرَبَ اللَّوْنِ حُمْرَةً، حَسَنَ الْعَيْنَيْنِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِالْخَلْدَقَارِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الزَّيَّاتُ يَرْثِيهِ:
قَدْ قُلْتُ إِذْ غَيَّبُوكَ وَاصْطَفَقَتْ ... عَلَيْكَ أَيْدٍ بِالتُّرْبِ وَالطِّينِ
اذْهَبْ فَنِعْمَ الْحَفِيظُ كُنْتَ عَلَى ... الدُّنْيَا وَنَعِمَ الْمُعِينُ لِلدِّينِ
لَا يَجْبُرُ اللَّهُ أُمَّةً فَقَدَتْ ... مِثْلَكَ إِلَّا بِمِثْلِ هَارُونِ
وَكَانَتْ أُمُّهُ مَارِدَةً مِنْ مُوَلَّدَاتِ الْكُوفَةِ، وَكَانَتْ أُمُّهَا صُغَدِيَّةَ، وَكَانَ أَبُوهَا نَشَأَ بِالْبَنَدَنَيجِينَ.
стр. 3023
ذِكْرُ بَعْضِ سِيرَتِهِ
ذُكِرَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي دُؤَادَ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْمُعْتَصِمَ فَأَسْهَبَ فِي ذِكْرِهِ، وَأَكْثَرَ فِي وَصْفِهِ، وَذَكَرَ مِنْ طِيبِ أَعْرَاقِهِ، وَسِعَةِ أَخْلَاقِهِ، وَكَرِيمِ عِشْرَتِهِ، قَالَ: وَقَالَ يَوْمًا، وَنَحْنُ بِعَمُّورِيَّةَ: مَا تَقُولُ فِي الْبُسْرِ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، نَحْنُ بِبِلَادِ الرُّومِ، وَالْبُسْرُ بِالْعِرَاقِ، فَقَالَ: قَدْ جَاؤُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ مِنْ بَغْدَادَ، وَعَلِمْتُ أَنَّكَ تَشْتَهِيهِ، ثُمَّ أَحْضَرَهُ، فَمَدَّ يَدَهُ، فَأَخَذَ الْعِذْقَ فَارِغًا، قَالَ: وَكُنْتُ أُزَامِلُهُ كَثِيرًا فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ.
ذِكْرُ بَاقِيَ الْخَبَرِ قَالَ: وَأَخَذْتُ لِأَهْلِ الشَّاشِ مِنْهُ أَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ; لِعَمَلِ نَهْرٍ كَانَ لَهُمُ انْدَفَنَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، فَأَضَرَّ بِهِمْ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّهُ كَانَ لَا يُبَالِي إِذَا غَضِبَ مَنْ قَتَلَ، وَمَا فَعَلَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ لَذَّةٌ فِي تَزْيِينِ الْبِنَاءِ، وَلَمْ يَكُنْ بِالنَّفَقَةِ أَسْمَحَ مِنْهُ بِهَا فِي الْحَرْبِ.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْخٍ: قَدِمَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ الْعِرَاقَ هَارِبًا مِنَ الْعَلَوِيِّينَ، لِأَنَّهُ كَانَ يَنَالُ مِنْهُمْ، فَتَهَدَّدُوهُ، فَهَرَبَ مِنْهُمْ، وَقَدِمَ عَلَى عَمِّهِ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَشَكَا إِلَيْهِ حَالَهُ، وَخَوَّفَهُ مِنَ الْعَلَوِيِّينَ، وَسَأَلَهُ إِنْهَاءَ حَالِهِ إِلَى الْمُعْتَصِمِ، فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ مَا أَرَادَ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ حَالَهُ وَلَامَهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: فَشَكَا ذَلِكَ إِلَيَّ وَسَأَلَنِي مُخَاطَبَةَ عَمِّهِ فِي أَمْرِهِ، فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ وَأَنْكَرْتُ عَلَيْهِ إِعْرَاضَهُ عَنْهُ، فَقَالَ لِي: إِنَّ الزُّبَيْرَ فِيهِ جَهْلٌ وَتَسَرُّعٌ، فَأَشِرْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعْطِفَ الْعَلَوِيِّينَ، وَيُزِيلَ مَا فِي نُفُوسِهِمْ مِنْهُ، أَمَا رَأَيْتَ الْمَأْمُونَ وَرِفْقَهُ بِهِمْ، وَعَفْوَهُ عَنْهُمْ، وَمَيْلَهُ إِلَيْهِمْ؟ قُلْتُ: بَلَى، فَهَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهِ، عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، أَوْ فَوْقَهُ، وَلَا أَقْدِرُ أَذْكُرُهُمْ عِنْدَهُ بِقَبِيحٍ، فَقُلْ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَرْجِعَ عَنِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ مِنْ ذَمِّهِمْ.
قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُصْعَبِيُّ: دَعَانِي الْمُعْتَصِمُ يَوْمًا، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: أَحْبَبْتُ أَنْ أَضْرِبَ مَعَكَ بِالصَّوَالِجَةِ، فَلَعِبْنَا بِهَا سَاعَةً، ثُمَّ نَزَلَ وَأَخَذَ بِيَدِي نَمْشِي إِلَى أَنْ صَارَ إِلَى حُجْرَةِ الْحَمَّامِ، فَقَالَ: خُذْ ثِيَابِي، فَأَخَذْتُهَا، ثُمَّ أَمَرَنِي بِنَزْعِ ثِيَابِي، فَفَعَلْتُ، وَدَخَلْتُ، وَلَيْسَ مَعَنَا غُلَامٌ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَخَدَمْتُهُ، وَدَلَّكْتُهُ، وَتَوَلَّى الْمُعْتَصِمُ مِنِّي ذَلِكَ، فَاسْتَعْفَيْتُهُ، فَأَبَى عَلَيَّ، ثُمَّ خَرَجْنَا، وَمَشَى وَأَنَا مَعَهُ، حَتَّى صَارَ إِلَى مَجْلِسِهِ، فَنَامَ،
стр. 3024
وَأَمَرَنِي فَنِمْتُ حِذَاءَهُ بَعْدَ الِامْتِنَاعِ، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا إِسْحَاقُ إِنَّ فِي قَلْبِي أَمْرًا أَنَا مُفَكِّرٌ فِيهِ مُنْذُ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَإِنَّمَا بَسَطْتُكَ فِي هَذَا الْوَقْتِ لِأُفْشِيَهُ إِلَيْكَ، فَقُلْتُ: قُلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ.
قَالَ: نَظَرْتُ إِلَى أَخِي الْمَأْمُونِ وَقَدِ اصْطَنَعَ أَرْبَعَةً، فَلَمْ يُفْلِحْ أَحَدٌ مِنْهُمْ، قُلْتُ: وَمَنِ الَّذِينَ اصْطَنَعَهُمُ الْمَأْمُونُ؟ قَالَ: طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ، فَقَدْ رَأَيْتَ وَسَمِعْتَ، وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ، فَهُوَ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، وَأَنْتَ فَأَنْتَ وَاللَّهِ الرَّجُلُ الَّذِي لَا يَعْتَاضُ السُّلْطَانُ عَنْكَ أَبَدًا، وَأَخُوكَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَيْنَ مِثْلُ مُحَمَّدٍ؟ وَأَنَا فَاصْطَنَعْتُ الْأَفْشِينَ، فَقَدْ رَأَيْتَ إِلَى مَا صَارَ أَمْرُهُ، وَأَشْنَاسَ فَفَشِلَ، وَإِيتَاخَ فَلَا شَيْءَ، وَوَصِيفًا فَلَا مَعْنَى فِيهِ.
فَقُلْتُ: أُجِيبُ عَلَى أَمَانٍ مِنْ غَضَبِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ! قُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، نَظَرَ أَخُوكَ إِلَى الْأُصُولِ فَاسْتَعْمَلَهَا، فَأَنْجَبْتَ، وَاسْتَعْمَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فُرُوعًا، فَلَمْ تُنْجِبْ إِذْ لَا أُصُولَ لَهَا! فَقَالَ: يَا إِسْحَاقُ، لَمُقَاسَاةُ مَا مَرَّ بِي طُولَ هَذِهِ الْمُدَّةِ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنْ هَذَا الْجَوَابِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي دُؤَادَ: تَصَدَّقَ الْمُعْتَصِمُ، وَوَهَبَ عَلَى يَدَيَّ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمِ.
وَحُكِيَ أَنَّ الْمُعْتَصِمَ قَدِ انْقَطَعَ عَنْ أَصْحَابِهِ فِي يَوْمِ مَطَرٍ، فَبَيْنَا هُوَ يُسَيِّرُ رَحْلَهُ إِذْ رَأَى شَيْخًا مَعَهُ حِمَارٌ عَلَيْهِ حِمْلُ شَوْكٍ، وَقَدْ زَلِقَ الْحِمَارُ، وَسَقَطَ، وَالشَّيْخُ قَائِمٌ يَنْتَظِرُ مَنْ يَمُرُّ بِهِ فَيُعِينُهُ عَلَى حَمْلِهِ، فَسَأَلَهُ الْمُعْتَصِمُ عَنْ حَالِهِ، فَأَخْبَرَهُ، فَنَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ; لِيُخَلِّصَ الْحِمَارَ عَنِ الْوَحْلِ، وَيَرْفَعَ عَلَيْهِ حِمْلَهُ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَا تُبَلِّلْ ثِيَابَكَ وَطِيبَكَ! فَقَالَ: لَا عَلَيْكَ، ثُمَّ إِنَّهُ خَلَّصَ الْحِمَارَ، وَجَعَلَ الشَّوْكَ عَلَيْهِ، وَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ رَكِبَ، فَقَالَ الشَّيْخُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا شَابُّ! ثُمَّ لَحِقَهُ أَصْحَابُهُ، فَأَمَرَ لَهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَوَكَّلَ بِهِ مَنْ يَسِيرُ مَعَهُ إِلَى بَيْتِهِ.
стр. 3025
ذِكْرُ خِلَافَةِ الْوَاثِقِ بِاللَّهِ
وَفِيهَا بُويِعَ الْوَاثِقُ بِاللَّهِ بْنُ الْمُعْتَصِمِ بْنِ هَارُونَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ أَبُوهُ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِثَمَانِيَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا جَعْفَرٍ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ رُومِيَّةٌ، تُسَمَّى قَرَاطِيسَ.
وَفِيهَا هَلَكَ تَوْفِيلُ مَلِكُ الرُّومِ، وَكَانَ مُلْكُهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمَلَكَتْ بَعْدَهُ امْرَأَتُهُ تُدُورَةُ، وَابْنُهَا مِيخَائِيلُ بْنُ تَوْفِيلَ صَبِيٌّ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ جَعْفَرُ بْنُ الْمُعْتَصِمِ، وَحَجَّتْ مَعَهُ أَمُّ الْوَاثِقِ، فَمَاتَتْ بِالْحِيرَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَدُفِنَتْ بِالْكُوفَةِ.
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِدِمَشْقَ
لَمَّا مَاتَ الْمُعْتَصِمُ ثَارَتِ الْقَيْسِيَّةُ بِدِمَشْقَ، وَعَاثُوا، وَأَفْسَدُوا، وَحَصَرُوا أَمِيرَهُمْ، فَبَعَثَ الْوَاثِقُ إِلَيْهِمْ رَجَاءَ بْنَ أَيُّوبَ الْحَضَارِيَّ، وَكَانُوا مُعَسْكِرِينَ بِمَرْجِ رَاهِطٍ، فَنَزَلَ رَجَاءُ بِدَيْرِ مِرَّانَ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ، فَلَمْ يَرْجِعُوا، فَوَاعَدَهُمُ الْحَرْبَ بِدَوْمَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ، وَقَدْ تَفَرَّقَتْ، سَارَ رَجَاءُ إِلَيْهِمْ، فَوَافَاهُمْ وَقَدْ سَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى دَوْمَةَ، وَبَعْضُهُمْ فِي حَوَائِجِهِ، فَقَاتَلَهُمْ، فَهَزَمَهُمْ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ نَحْوَ أَلْفٍ وَخَمْسمِائَةٍ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ نَحْوَ ثَلَاثُمِائَةٍ، وَهَرَبَ مُقَدَّمَهُمُ ابْنُ بَيْهَسٍ، وَصَلُحَ أَمْرُ دِمَشْقَ.
وَسَارَ رَجَاءُ إِلَى فِلَسْطِينَ إِلَى قِتَالِ أَبِي حَرْبٍ الْمُبَرْقَعِ الْخَارِجِ بِهَا، فَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ
стр. 3026
الْمُبَرْقَعُ وَأُخِذَ أَسِيرًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
[الْوَفَيَاتُ]
(وَفِيهَا تُوُفِّيَ بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ الزَّاهِدُ الْمَعْرُوفُ بِالْحَافِي فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ التَّيْمِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عَائِشَةَ الْبَصْرِيِّ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ: ابْنُ عَائِشَةَ; لِأَنَّهُ وَلَدُ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، وَتُوُفِّيَ أَبُوهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بَعْدَهُ لِسَنَةٍ.
وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، وَأَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، وَالْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ) .
[بَقِيَّةُ الْحَوَادِثِ]
وَفِيهَا سَيَّرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ جَيْشًا إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا كَانُوا بَيْنَ أُرْبُونَةَ وَشَرْطَانِيَةَ تَجَمَّعَتِ الرُّومُ عَلَيْهِمْ، وَأَحَاطُوا بِالْعَسْكَرِ، وَقَاتَلُوهُمُ اللَّيْلَ كُلَّهُ، فَلَمَّا
стр. 3027
أَصْبَحُوا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى نَصْرَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَهَزَمَ عَدُوَّهُمْ.
وَأَبْلَى مُوسَى بْنُ مُوسَى فِي هَذِهِ الْعُدْوَةِ بَلَاءً عَظِيمًا، وَكَانَ عَلَى مُقَدِّمَةِ الْعَسْكَرِ، وَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَرِيرِ بْنِ مُوَفَّقٍ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الدَّوْلَةِ أَيْضًا، شَرٌّ، فَكَانَ سَبَبًا لِخُرُوجِ مُوسَى عَنْ طَاعَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
[بَقِيَّةُ الْوَفَيَاتِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَذْفُونْسُ مَلِكُ الرُّومِ بِالْأَنْدَلُسِ، وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَّانَ الْيَحْصُبِيُّ الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ.
(شَرْطَانِيَةُ: بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَبَعْدَهَا نُونٌ، ثُمَّ يَاءٌ تَحْتَانِيَّةٌ، ثُمَّ هَاءٌ) .
стр. 3028
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٢٨ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ غَزَوَاتِ الْمُسْلِمِينَ فِي جَزِيرَةِ صِقِلِّيَّةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الْفَضْلُ بْنُ جَعْفَرٍ الْهَمْدَانِيُّ فِي الْبَحْرِ، فَنَزَلَ مَرْسَى مَسِينِي، وَبَثَّ السَّرَايَا، فَغَنِمُوا غَنَائِمَ كَثِيرَةً، وَاسْتَأْمَنَ إِلَيهِ أَهْلُ نَابُلَ، وَصَارُوا مَعَهُ، وَقَاتَلَ الْفَضْلُ مُدَّةَ سَنَتَيْنِ وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهَا، فَمَضَى طَائِفَةٌ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَاسْتَدَارُوا خَلْفَ جَبَلٍ مُطِلٍّ عَلَى الْمَدِينَةِ، (فَصَعِدُوا إِلَيْهِ، وَنَزَلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ) وَأَهْلُ الْبَلَدِ مَشْغُولُونَ بِقِتَالِ جَعْفَرٍ وَمَنْ مَعَهُ، فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ الْبَلَدِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ، انْهَزَمُوا، وَفَتَحَ الْبَلَدَ.
وَفِيهَا فُتِحَتْ مَدِينَةُ مُسْكَانَ.
وَفِي سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ خَرَجَ أَبُو الْأَغْلَبِ الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ فِي سَرِيَّةٍ، فَبَلَغَ شِرَّةَ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا (قِتَالًا شَدِيدًا) ، فَانْهَزَمَتِ الرُّومُ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَا يَزِيدُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ رَجُلٍ، وَاسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، وَلَمْ يَكُنْ بِصِقِلِّيَّةَ قَبْلَهَا مِثْلُهَا.
(وَفِي سَنَةِ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ) وَمِائَتَيْنِ حَصَرَ الْفَضْلُ بْنُ جَعْفَرٍ مَدِينَةَ لَنْتِينِي فَأَخْبَرَ
стр. 3029
الْفَضْلُ أَنَّ أَهْلَ لَنْتِينِي كَاتَبُوا الْبِطْرِيقَ الَّذِي بِصِقِلِّيَّةَ ; لِيَنْصُرَهُمْ، فَأَجَابَهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الْعَلَّامَةَ عِنْدَ وُصُولِي أَنْ تُوقَدَ النَّارُ ثَلَاثَ لَيَالٍ عَلَى الْجَبَلِ الْفُلَانِيِّ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَفِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ أَصِلُ إِلَيْكُمْ، فَنَجْتَمِعُ أَنَا وَأَنْتُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَغْتَةً.
فَأَرْسَلَ الْفَضْلُ مَنْ أَوْقَدَ النَّارَ عَلَى ذَلِكَ الْجَبَلِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ لَنْتِينِي النَّارَ أَخَذُوا فِي أَمْرِهِمْ، وَأَعَدَّ الْفَضْلُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَعِدَّ بِهِ وَكَمَنَ الْكُمَنَاءُ، وَأَمَرَ الَّذِينَ يُحَاصِرُونَ الْمَدِينَةَ أَنْ يَنْهَزِمُوا إِلَى جِهَةِ الْكَمِينِ، فَإِذَا خَرَجَ أَهْلُهَا عَلَيْهِمْ قَاتَلُوهُمْ، فَإِذَا جَاوَزُوا الْكَمِينَ عَطَفُوا عَلَيْهِمْ.
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ خَرَجَ أَهْلُ لَنْتِينِي، وَقَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ وُصُولَ الْبِطْرِيقِ، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، وَاسْتَجَرُّوا الرُّومَ حَتَّى جَاوَزُوا الْكَمِينَ، وَلَمْ يَبْقَ بِالْبَلَدِ أَحَدٌ إِلَّا خَرَجَ، فَلَمَّا جَاوَزُوا الْكَمِينَ عَادَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، وَخَرَجَ الْكَمِينُ مِنْ خَلْفِهِمْ، وَوَضَعُوا فِيهِمُ السَّيْفَ، فَلَمْ يَنْجُ (مِنْهُمْ) إِلَّا الْقَلِيلُ، فَسَأَلُوا الْأَمَانَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ لِيُسَلِّمُوا الْمَدِينَةَ، فَأَجَابَهُمُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى ذَلِكَ وَأَمَّنُوهُمْ، فَسَلَّمُوا الْمَدِينَةَ.
وَفِيهَا أَقَامَ الْمُسْلِمُونَ بِمَدِينَةِ طَارَنْتَ مِنْ أَرْضِ أَنْكَبَرْدَةَ وَسَكَنُوهَا.
وَفِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَصَلَ عَشْرُ شَلَنْدِيَّاتٍ مِنَ الرُّومِ، فَأَرْسَوْا بِمَرْسَى الطِّينِ، وَخَرَجُوا لِيُغِيرُوا، فَضَلُّوا الطَّرِيقَ، فَرَجَعُوا خَائِبِينَ، وَرَكِبُوا الْبَحْرَ رَاجِعِينَ، فَغَرِقَ مِنْهَا سَبْعُ قِطَعٍ.
وَفِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ صَالَحَ أَهْلُ رَغُوسَ، وَسَلَّمُوا الْمَدِينَةَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ بِمَا فِيهَا، فَهَدَمَهَا الْمُسْلِمُونَ، وَأَخَذُوا مِنْهَا مَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ.
وَفِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَارَ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مَدِينَةِ قَصْرُيَانَه، فَغَنِمُوا
стр. 3030
وَسَلَبُوا وَأَحْرَقُوا وَقَتَّلُوا فِي أَهْلِهَا.
وَكَانَ الْأَمِيرُ عَلَى صِقِلِّيَّةَ لِلْمُسْلِمِينَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَغْلَبِ، فَتُوُفِّيَ فِي رَجَبٍ مِنْ سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَكَانَ مُقِيمًا بِمَدِينَةِ بَلَرْمَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا، وَإِنَّمَا كَانَ يُخْرِجُ الْجُيُوشَ وَالسَّرَايَا فَتَفْتَحُ، فَتَغْنَمُ، فَكَانَتْ إِمَارَتُهُ عَلَيْهَا تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ مُوسَى بْنِ مُوسَى وَالْحَارِثِ بْنِ يَزِيغَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ حَرْبٌ بَيْنَ مُوسَى عَامِلِ تُطِيلَةَ وَبَيْنَ عَسْكَرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمِيرِ الْأَنْدَلُسِ، وَالْمُقَدَّمُ عَلَيْهِمُ الْحَارِثُ بْنُ يَزِيغَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مُوسَى بْنَ مُوسَى كَانَ مِنْ أَعْيَانِ قُوَّادِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ الْعَامِلُ عَلَى مَدِينَةِ تُطِيلَةَ، فَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقُوَّادِ تَحَاسُدٌ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، فَعَصَى مُوسَى بْنُ مُوسَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ جَيْشًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمُ الْحَارِثَ بْنَ يَزِيغَ وَالْقُوَّادَ، فَاقْتَتَلُوا عِنْدَ بَرْجَةَ، فَقُتِلَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ مُوسَى، وَقُتِلَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ، وَعَادَ الْحَارِثُ إِلَى سَرَقُسْطَةَ، فَسَيَّرَ مُوسَى ابْنَهُ أَلْبَ بْنَ مُوسَى إِلَى بَرْجَةَ، فَعَادَ الْحَارِثُ إِلَيْهَا، وَحَصَرَهَا، فَمَلَكَهَا، وَقَتَلَ ابْنَ مُوسَى، وَتَقَدَّمَ إِلَى أَبِيهِ، فَطَلَبَهُ، فَحَضَرَ، فَصَالَحَهُ مُوسَى عَلَى أَنْ يَخْرُجَ عَنْهَا، فَانْتَقَلَ مُوسَى إِلَى أَرْنِيطَ.
وَبَقِيَ الْحَارِثُ يَتَطَلَّبُهُ أَيَّامًا، ثُمَّ سَارَ إِلَى أَرْنِيطَ، فَحَصَرَ مُوسَى بِهَا، فَأَرْسَلَ مُوسَى إِلَى غرسية، وَهُوَ مِنْ مُلُوكِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ الْمُشْرِكِينَ، وَاتَّفَقَا عَلَى الْحَارِثِ، وَاجْتَمَعَا، وَجَعَلَا لَهُ كَمَايِنَ فِي طَرِيقِهِ، وَاتَّخَذَ لَهُ الْخَيْلَ وَالرِّجَالَ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: بِلَمْسَةُ عَلَى نَهْرٍ هُنَاكَ، فَلَمَّا جَاءَ الْحَارِثُ النَّهْرَ خَرَجَ الْكُمَنَاءُ عَلَيْهِ، وَأَحْدَقُوا بِهِ، وَجَرَى مَعَهُ قِتَالٌ شَدِيدٌ، وَكَانَتْ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ، وَأَصَابَتْهُ ضَرْبَةٌ فِي وَجْهِهِ، فَلَقَتْ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ أُسِرَ فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ.
стр. 3031
فَلَمَّا سَمِعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ خَبَرَ هَذِهِ الْوَقْعَةِ عَظُمَ عَلَيْهِ، فَجَهَّزَ عَسْكَرًا كَبِيرًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِ ابْنَهُ مُحَمَّدًا، وَسَيَّرَهُ إِلَى مُوسَى فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَتَقَدَّمَ مُحَمَّدٌ إِلَى بَنْبَلُونَةَ، فَأَوْقَعَ عِنْدَهَا بِجَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَقُتِلَ فِيهَا غرسية وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
ثُمَّ عَادَ مُوسَى إِلَى الْخِلَافِ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَجَهَّزَ جَيْشًا كَبِيرًا وَسَيَّرَهُمْ إِلَى مُوسَى، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ طَلَبَ الْمُسَالَمَةَ، فَأُجِيبَ إِلَيْهَا، وَأَعْطَى ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ رَهِينَةً، وَوَلَّاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مَدِينَةَ تُطِيلَةَ، فَسَارَ مُوسَى إِلَيْهَا فَوَصَلَهَا، وَأَخْرَجَ كُلَّ مَنْ يَخَافُهُ، وَاسْتَقَرَّ فِيهَا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَعْطَى الْوَاثِقُ أَشْنَاسَ تَاجًا وَوِشَاحَيْنِ.
وَفِيهَا مَاتَ أَبُو تَمَّامٍ حَبِيبُ بْنُ أَوْسٍ الطَّائِيُّ الشَّاعِرُ.
وَفِيهَا غَلَا السِّعْرُ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَبَلَغَ الْخُبْزُ كُلَّ رِطْلٍ بِدِرْهَمٍ، وَرَاوِيَةُ الْمَاءِ بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَأَصَابَ النَّاسَ فِي الْمَوْقِفِ حَرٌّ شَدِيدٌ، ثُمَّ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فِيهِ بَرْدٌ، وَاشْتَدَّ الْبَرْدُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ سَاعَةٍ مِنْ ذَلِكَ (الْحَرِّ) وَسَقَطَتْ قِطْعَةٌ مِنَ الْجَبَلِ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَقَتَلَتْ عِدَّةً مِنَ الْحُجَّاجِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ،
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَالِكِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ الزَّاهِدُ، وَكَانَ عُمْرُهُ إِحْدَى
стр. 3032
وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَكَانَ قَدْ أُضِرَّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْعُتْبِيُّ الْأُمَوِيُّ الْبَصْرِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ عَالِمًا بِالْأَخْبَارِ وَالْآدَابِ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ دَاوُدُ الْأَشْقَرُ السِّمْسَارُ الْمُحَدِّثُ.
стр. 3033
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٢٩ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ حَبَسَ الْوَاثِقُ الْكُتَّابَ، وَأَلْزَمَهُمْ أَمْوَالًا عَظِيمَةً، وَأَخَذَ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْرَائِيلَ ثَمَانِينَ أَلْفَ دِينَارٍ بَعْدَ أَنْ ضَرَبَهُ، وَمِنْ سُلَيْمَانَ بْنِ وَهْبٍ كَاتِبِ إِيتَاخَ أَرْبَعَ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَمِنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ رَبَاحٍ وَكُتَّابِهِ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَمِنْ أَحْمَدَ بْنِ الْخَصِيبِ وَكُتَّابِهِ أَلْفَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَمِنْ نَجَاحٍ سِتِّينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَمِنْ أَبِي الْوَزِيرِ مِائَةَ أَلْفٍ وَأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ; أَنَّهُ جَلَسَ لَيْلَةً مَعَ أَصْحَابِهِ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ نَكْبَةِ الْبَرَامِكَةِ، فَحَكَى لَهُ عُرُودُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّ جَارِيَةً لِعَدُولٍ الْخَيَّاطِ أَرَادَ الرَّشِيدُ شِرَاءَهَا، (فَاشْتَرَاهَا) بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَرْسَلَ إِلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ أَنْ يُعْطِيَهُ (ذَلِكَ، فَقَالَ يَحْيَى: هَذَا مِفْتَاحُ سُوءٍ، إِذَا أَخَذَ ثَمَنَ جَارِيَةٍ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَهُوَ أَحْرَى أَنْ يَطْلُبَ الْمَالَ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ) ، فَأَرْسَلَ يَحْيَى إِلَيْهِ: إِنَّنِي لَا أَقْدِرُ عَلَى هَذَا الْمَالِ، فَغَضِبَ الرَّشِيدُ، وَأَعَادَ: لَا بُدَّ مِنْهَا، فَأَرْسَلَ يَحْيَى قِيمَتَهَا دَرَاهِمَ، فَأَمَرَ أَنْ تُجْعَلَ عَلَى طَرِيقِ الرَّشِيدِ لِيَسْتَكْثِرَهَا،
стр. 3034
فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَاجْتَازَ الرَّشِيدُ بِهَا، فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقِيلَ: هَذَا ثَمَنُ الْجَارِيَةِ، فَاسْتَكْثَرَهَا، فَأَمَرَ بِرَدِّ الْجَارِيَةِ، وَقَالَ لِخَادِمٍ لَهُ: اضْمُمْ إِلَيْكَ هَذَا الْمَالَ، وَاجْعَلْ لِي بَيْتَ مَالٍ لِأُضَمَّ إِلَيْهِ مَا أُرِيدُ، وَسَمَّاهُ " بَيْتُ مَالِ الْعَرُوسِ "، وَأَخَذَ فِي التَّفْتِيشِ عَنِ الْأَمْوَالِ، فَوَجَدَ الْبَرَامِكَةَ قَدْ فَرَّطُوا فِيهَا.
وَكَانَ يَحْضُرُ عِنْدَهُ مَعَ سُمَّارِهِ رَجُلٌ يُعْرَفُ بِأَبِي الْعَوْدِ لَهُ أَدَبٌ، فَأَمَرَ لَيْلَةً لَهُ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَمَطَلَهُ بِهَا يَحْيَى، فَاحْتَالَ أَبُو الْعَوْدِ فِي تَحْرِيضِ الرَّشِيدِ عَلَى الْبَرَامِكَةِ، وَكَانَ قَدْ شَاعَ تَغَيُّرُ الرَّشِيدِ عَلَيْهِمْ، فَبَيْنَمَا هُوَ لَيْلَةً عِنْدَ الرَّشِيدِ يُحَدِّثُهُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ أَنْشَدَهُ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ:
وَعَدَتْ هِنْدٌ وَمَا كَانَتْ تَعِدْ لَيْتَ ... هِنْدًا أَنْجَزَتْنَا مَا تَعِدْ
وَاسْتَبَدَّتْ مَرَّةً وَاحِدَةً ... إِنَّمَا الْعَاجِزُ مَنْ لَا يَسْتَبِدْ
فَقَالَ الرَّشِيدُ: أَجَلْ إِنَّمَا الْعَاجِزُ مَنْ لَا يَسْتَبِدُّ.
وَكَانَ يَحْيَى قَدِ اتَّخَذَ مِنْ خُدَّامِ الرَّشِيدِ خَادِمًا يَأْتِيهِ بِأَخْبَارِهِ، فَعَرَّفَهُ ذَلِكَ، فَأَحْضَرَ أَبَا الْعَوْدِ، وَأَعْطَاهُ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَمِنْ عِنْدِهِ عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَأَرْسَلَ إِلَى ابْنَيْهِ الْفَضْلِ وَجَعْفَرٍ، فَأَعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِشْرِينَ أَلْفًا، وَجَدَّ الرَّشِيدُ فِي أَمْرِهِمْ حَتَّى أَخَذَهُمْ، فَقَالَ الْوَاثِقُ: صَدَقَ وَاللَّهِ جِدِّي، إِنَّمَا الْعَاجِزُ مَنْ لَا يَسْتَبِدُّ، وَأَخَذَ فِي ذِكْرِ الْخِيَانَةِ وَمَا يَسْتَحِقُّ أَهْلُهَا، فَلَمْ يَمْضِ غَيْرُ أُسْبُوعٍ حَتَّى نَكَبَهُمْ.
وَفِيهَا وَلِيَ شِيرُ بَاسْبَانَ لِإِيتَاخَ الْيَمَنَ، وَسَارَ إِلَيْهَا.
وَفِيهَا تَوَلَّى مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْمَدِينَةَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ.
стр. 3035
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْبَزَّارُ الْمُقْرِئُ فِي جُمَادَى الْأُولَى.
الْبَزَّارُ: بِالزَّاي الْمُعْجَمَةِ، وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ.
стр. 3036
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٣٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ مَسِيرِ بُغَا إِلَى الْأَعْرَابِ بِالْمَدِينَةِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَجَّهَ الْوَاثِقُ بُغَا الْكَبِيرَ إِلَى الْأَعْرَابِ الَّذِينَ أَغَارُوا بِنَوَاحِي الْمَدِينَةِ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ بَنِي سُلَيْمٍ كَانَتْ تُفْسِدُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ بِالشَّرِّ، وَيَأْخُذُونَ مَهْمَا أَرَادُوا مِنَ الْأَسْوَاقِ بِالْحِجَازِ بِأَيِّ سِعْرٍ أَرَادُوا، وَزَادَ الْأَمْرُ بِهِمْ إِلَى أَنْ وَقَعُوا بِنَاسٍ مَنْ بَنِي كِنَانَةَ وَبَاهِلَةَ، فَأَصَابُوهُمْ، وَقَتَلُوا بَعْضَهُمْ فِي جُمَادَى الْآخِرَةَ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَوَجَّهَ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ عَامِلَ الْمَدِينَةِ إِلَيْهِمْ حَمَّادَ بْنَ جَرِيرٍ الطَّبَرِيَّ، وَكَانَ مَسْلَحَةً لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، فِي مِائَتَيْ فَارِسٍ، وَأَضَافَ إِلَيْهِمْ جُنْدًا غَيْرَهُمْ، وَتَبِعَهُمْ مُتَطَوِّعَةٌ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ حَمَّادٌ، فَلَقِيَهُمْ بِالرُّوَيْثَةِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَتْ سُودَانُ الْمَدِينَةِ بِالنَّاسِ، وَثَبَتَ حَمَّادٌ وَأَصْحَابُهُ، وَقُرَيْشٌ وَالْأَنْصَارُ، وَأَخَذَ بَنُو سُلَيْمٍ الْكُرَاعَ، وَالسِّلَاحَ، وَالثِّيَابَ، فَطَمِعُوا، وَنَهَبُوا الْقُرَى وَالْمَنَاهِلَ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَانْقَطَعَ الطَّرِيقُ.
فَوَجَّهَ إِلَيْهِمُ الْوَاثِقُ بُغَا الْكَبِيرَ أَبَا مُوسَى فِي جَمْعٍ مِنَ الْجُنْدِ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي شَعْبَانَ، فَلَقِيَهُمْ بِبَعْضِ مِيَاهِ الْحَرَّةِ مِنْ وَرَاءِ السَّوَارِقِيَّةِ قَرْيَتِهِمُ الَّتِي يَأْوُونَ إِلَيْهَا، وَبِهَا حُصُونٌ، فَقَتَلَ بُغَا مِنْهُمْ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ رَجُلًا، وَأَسَرَ مِثْلَهُمْ، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ، أَقَامَ بُغَا بِالسَّوَارِقِيَّةِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الْأَمَانِ عَلَى حُكْمِ الْوَاثِقِ، فَأَتَوْهُ مُتَفَرِّقِينَ، فَجَمَّعَهُمْ، وَتَرَكَ مَنْ يُعْرَفُ بِالْفَسَادِ، وَهُمْ زُهَاءَ أَلْفِ رَجُلٍ، وَخَلَّى سَبِيلَ الْبَاقِينَ، وَعَادَ بِالْأَسْرَى إِلَى الْمَدِينَةِ فِي
стр. 3037
ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ ثَلَاثِينَ، فَحَبَسَهُمْ، ثُمَّ سَارَ إِلَى مَكَّةَ.
فَلَمَّا قَضَى حَجَّهُ سَارَ إِلَى ذَاتِ عِرْقٍ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمَوْسِمِ، عَرَضَ عَلَى بَنِي هِلَالٍ مِثْلَ الَّذِي عَرَضَ عَلَى بَنِي سُلَيْمٍ، فَأَقْبَلُوا، وَأَخَذَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ نَحَوًا مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ، وَأَطْلَقَ الْبَاقِينَ، وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَحَبَسَهُمْ.
ذِكْرُ وَفَاةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ
وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ بِنَيْسَابُورَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَمِيرُ خُرَاسَانَ، وَكَانَ إِلَيْهِ الْحَرْبُ، وَالشُّرْطَةُ، وَالسَّوَادُ، وَالرَّيُّ، وَطَبَرِسْتَانُ، وَكَرْمَانُ، وَخُرَاسَانُ، وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا، وَكَانَ خَرَاجُ هَذِهِ الْأَعْمَالِ، يَوْمَ مَاتَ، ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَكَانَ عُمْرُهُ ثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَذَلِكَ عُمْرُ وَالِدِهِ طَاهِرٍ.
وَاسْتَعْمَلَ الْوَاثِقُ عَلَى أَعْمَالِهِ كُلِّهَا ابْنَهُ طَاهِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ.
ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ سِيرَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ
لَمَّا وَلِيَ عَبْدُ اللَّهِ خُرَاسَانَ اسْتَنَابَ بِنَيْسَابُورَ مُحَمَّدَ بْنَ حُمَيْدٍ الطَّاهِرِيَّ، فَبَنَى دَارًا، وَخَرَجَ بِحَائِطِهَا فِي الطَّرِيقِ، فَلَمَّا قَدِمَهَا عَبْدُ اللَّهِ جَمَعَ النَّاسَ، وَسَأَلَهُمْ عَنْ سِيرَةِ مُحَمَّدٍ، فَسَكَتُوا، فَقَالَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ: سُكُوتُهُمْ يَدُلُّ عَلَى سُوءِ سِيرَتِهِ، فَعَزَلَهُ عَنْهُمْ، وَأَمَرَهُ بِهَدْمِ مَا بَنَى فِي الطَّرِيقِ.
وَكَانَ يَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يُبْذَلَ الْعِلْمُ لِأَهْلِهِ وَغَيْرِ أَهْلِهِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ أَمْنَعُ لِنَفْسِهِ مِنْ أَنْ يَصِيرَ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ.
وَكَانَ يَقُولُ: سِمَنُ الْكَيِّسِ، وَنُبْلُ الذِّكْرِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا.
стр. 3038
وَكَانَ لَهُ جُلَسَاءُ مِنْهُمُ الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ، فَاسْتَحْضَرَهُمْ يَوْمًا، فَحَضَرُوا، وَتَأَخَّرَ الْفَضْلُ، ثُمَّ حَضَرَ، فَقَالَ لَهُ: أَبْطَأْتَ عَنِّي، فَقَالَ: كَانَ عِنْدِي أَصْحَابُ حَوَائِجَ، وَأَرَدْتُ دُخُولَ الْحَمَّامِ، (فَأَمَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بِدُخُولِ حَمَّامِهِ) ، وَأَحْضَرَ عَبْدُ اللَّهِ الرِّقَاعَ الَّتِي فِي حَقِّهِ، فَوَقَّعَ فِيهَا كُلِّهَا بِالْإِجَابَةِ، وَأَعَادَهَا، وَلَمْ يَعْلَمِ الْفَضْلُ.
وَخَرَجَ مِنَ الْحَمَّامِ، وَاشْتَغَلُوا يَوْمَهُمْ، وَبَكَّرَ أَصْحَابُ الرِّقَاعِ إِلَيْهِ، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُرِيدُ رُقْعَتِي، فَأَخْرَجَهَا وَنَظَرَ فِيهَا، فَرَأَى خَطَّ عَبْدِ اللَّهِ فِيهَا، فَنَظَرَ فِي الْجَمِيعِ، فَرَأَى خَطَّهُ فِيهَا، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: خُذُوا رِقَاعَكُمْ، فَقَدْ قُضِيَتْ حَاجَاتُكُمْ، وَاشْكُرُوا الْأَمِيرَ دُونِي، فَمَا كَانَ لِي فِيهَا سَبَبٌ.
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ أَدِيبًا شَاعِرًا، فَمِنْ شِعْرِهِ:
اسْمُ مَنْ أَهْوَاهُ اسْمٌ حَسَنٌ ... فَإِذَا صَحَّفْتَهُ فَهُوَ حَسَنْ
فَإِذَا أَسْقَطْتَ مِنْهُ فَاءَهُ
،
كَانَ نَعْتًا لِهَوَاهُ الْمُخْتَزَنْ ... فَإِذَا أَسْقَطْتَ مِنْهُ يَاءَهُ
،
صَارَ فِيهِ بَعْضُ أَسْبَابِ الْفِتَنْ
فَإِذَا أَسْقَطْتَ مِنْهُ رَاءَهُ
،
صَارَ شَيْئًا يَعْتَرِي عِنْدَ الْوَسَنْ ... فَإِذَا أَسْقَطْتَ مِنْهُ طَاءَهُ
،
صَارَ مِنْهُ عَيْشُ سُكَّانِ الْمُدُنْ
فَسِّرُوا هَذَا فَلَنْ يَعْرِفَهُ
،
غَيْرُ مَنْ يَسْبَحُ فِي بَحْرِ الْفِطَنْ ... وَهَذَا الِاسْمُ هُوَ اسْمُ طَرِيفٍ غُلَامِهِ.
وَكَانَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ بَذْلًا لِلْمَالِ مَعَ عِلْمٍ، وَمَعْرِفَةٍ، وَتَجْرِبَةٍ.
وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ فِي مَرَاثِيهِ، فَمِنْ أَحْسَنْ مَا قِيلَ فِيهِ، وَفِي وِلَايَةِ، أَبِيهِ طَاهِرٍ، قَوْلُ أَبِي الْغَمْرِ الطَّبَرَيِّ:
стр. 3039
فَأَيَّامُكَ الْأَعْيَادُ صَارَتْ مَآتِمًا ... وَسَاعَاتُكَ الصَّعِبَاتُ صَارَتْ خَوَاشِعَا
عَلَى أَنَّنَا لَمْ نَعْتَقِدْكَ بِطَاهِرٍ ... وَإِنْ كَانَ خَطْبًا يُقْلِقُ الْقَلْبَ رَاتِعَا
وَمَا كُنْتَ إِلَّا الشَّمْسَ غَابَتْ وَأَطْلَعَتْ ... عَلَى إِثْرِهَا بَدْرًا عَلَى النَّاسِ طَالِعًا
(وَمَا كُنْتَ إِلَّا الطَّوْدَ زَالَ مَكَانُهُ ... وَأَثْبَتَ فِي مَثْوَاهُ رُكْنًا مُدَافِعًا
فَلَوْلَا التُّقَى قُلْنَا تَنَاسَخْتُمَا مَعًا ... بَدِيعَيْ مَعَانٍ يَفْضُلَانِ الْبَدَائِعَا
وَهِيَ طَوِيلَةٌ) .
ذِكْرُ خُرُوجِ الْمُشْرِكِينَ إِلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ بِالْأَنْدَلُسِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ الْمَجُوسُ مِنْ أَقَاصِي بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ فِي الْبَحْرِ إِلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ ظُهُورُهُمْ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، عِنْدَ أَشْبُونَةَ، فَأَقَامُوا ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِهَا وَقَائِعُ، ثُمَّ سَارُوا إِلَى قَادِسَ، ثُمَّ إِلَى شَدُونَةَ، فَكَانَ بَيْنَهُمُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِهَا وَقَائِعُ.
ثُمَّ سَارُوا إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ ثَامِنَ الْمُحَرَّمِ، فَنَزَلُوا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ فَرْسَخًا مِنْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَالْتَقَوْا، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ ثَانِيَ عَشَرَ الْمُحَرَّمِ، وَقُتِلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ.
ثُمَّ نَزَلُوا عَلَى مِيلَيْنِ مِنْ إِشْبِيلِيَّةَ، فَخَرَجَ أَهْلُهَا إِلَيْهِمْ، وَقَاتَلُوهُمْ، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ رَابِعَ عَشَرَ الْمُحَرَّمِ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ وَالْأَسْرُ فِيهِمْ، وَلَمْ تَرْفَعِ الْمَجُوسُ السَّيْفَ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا عَنْ دَابَّةٍ، وَدَخَلُوا حَاجِزَ إِشْبِيلِيَّةَ وَأَقَامُوا بِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةَ، وَعَادُوا إِلَى مَرَاكِبِهِمْ.
وَأَقَامَ عَسْكَرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، صَاحِبِ الْبِلَادِ، مَعَ عِدَّةٍ مِنَ الْقُوَّادِ، فَتَبَادَرَ إِلَيْهِمُ الْمَجُوسُ، فَثَبَتَ الْمُسْلِمُونَ، وَقَاتَلُوهُمْ، فَقُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ سَبْعُونَ رَجُلًا وَانْهَزَمُوا، حَتَّى
стр. 3040
دَخَلُوا مَرَاكِبَهُمْ، وَأَحْجَمَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُمْ، فَسَمِعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَسَيَّرَ جَيْشًا آخَرَ غَيْرَهُمْ، فَقَاتَلُوا الْمَجُوسَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَرَجَعَ الْمَجُوسُ عَنْهُمْ، فَتَبِعَهُمُ الْعَسْكَرُ ثَانِيَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَقَاتَلُوهُمْ، وَأَتَاهُمُ الْمَدَدُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَنَهَضُوا لِقِتَالِ الْمَجُوسِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الْمَجُوسُ وَقَاتَلُوهُمْ، فَكَادَ الْمُسْلِمُونَ يَنْهَزِمُونَ، ثُمَّ ثَبَتُوا، فَتَرَجَّلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، فَانْهَزَمَ الْمَجُوسُ، وَقُتِلَ نَحْوُ خَمْسِ مِائَةِ رَجُلٍ، وَأَخَذُوا مِنْهُمْ أَرْبَعَةَ مَرَاكِبَ، فَأَخَذُوا مَا فِيهَا، وَأَحْرَقُوهَا، وَبَقُوا أَيَّامًا لَا يَصِلُونَ إِلَى الْمَجُوسِ، لِأَنَّهُمْ فِي مَرَاكِبِهِمْ.
ثُمَّ خَرَجَ الْمَجُوسُ إِلَى لَبْلَةَ، فَأَصَابُوا سَبْيًا، ثُمَّ نَزَلَ الْمَجُوسُ إِلَى جَزِيرَةٍ قُرَيبَ قُورِيسَ، فَنَزَلُوهَا، وَقَسَّمُوا مَا كَانَ مَعَهُمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ، فَحَمِيَ الْمُسْلِمُونَ، وَدَخَلُوا إِلَيْهِمْ فِي النَّهْرِ، فَقَتَلُوا مِنَ الْمَجُوسِ رَجُلَيْنِ، ثُمَّ رَحَلَ الْمَجُوسُ فَطَرَقُوا شَدُونَةَ فَغَنِمُوا طُعْمَةً وَسَبْيًا، وَأَقَامُوا يَوْمَيْنِ.
ثُمَّ وَصَلَتْ مَرَاكِبُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ، إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهَا الْمَجُوسُ لَحِقُوا بِلَبْلَةَ، فَأَغَارُوا، وَسَبَوْا، ثُمَّ لَحِقُوا بِأُكْشُونِيَّةَ، ثُمَّ مَضَوْا إِلَى بَاجَةَ، ثُمَّ انْتَقَلُوا إِلَى مَدِينَةِ أَشْبُونَةَ، ثُمَّ سَارُوا، فَانْقَطَعَ خَبَرُهُمْ عَنِ الْبِلَادِ، فَسَكَنَ النَّاسُ.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ مُؤَرِّخِي الْعَرَبِ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ خُرُوجَ الْمَجُوسِ إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ أَيْضًا، وَهِيَ شَبِيهَةٌ بِهَذِهِ، ثُمَّ فَلَا أَعْلَمُهُ أَهْيَ هَذِهِ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي وَقْتِهَا، أَمْ هِيَ غَيْرُهَا، وَمَا أَقْرَبَ أَنْ تَكُونَ هِيَ إِيَّاهَا، وَقَدْ ذَكَرْتُهَا هُنَاكَ لِأَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا شَيْئًا فِي الْأُخْرَى.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
[الْوَفَيَاتُ]
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ مَنِيعٍ (أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) ، كَاتِبُ الْوَاقِدِيِّ، صَاحِبِ " الطَّبَقَاتِ ".
стр. 3041
وَمُحَمَّدُ بْنُ يَزْدَادَ بْنِ سُوِيدٍ الْمَرْوَزِيُّ، كَاتِبُ الْمَأْمُونِ، وَعَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَبُو الْحَسَنِ الْجَوْهَرِيُّ، وَكَانَ عُمْرُهُ سِتًّا وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَهُوَ مِنْ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ، وَكَانَ يَتَشَيَّعُ.
وَفِيهَا مَاتَ أَشْنَاسُ التُّرْكِيُّ، بَعْدَ مَوْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ بِتِسْعَةِ أَيَّامٍ.
[مِنَ الْحَوَادِثِ]
وَحَجَّ هَذِهِ السَّنَةَ إِسْحَاقُ بْنُ مُصْعَبٍ، وَإِلَيْهِ أَحْدَاثُ الْمَوَاسِمِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ.
стр. 3042
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٣١ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ بُغَا بِالْأَعْرَابِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَتَلَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مَنْ كَانَ فِي حَبْسِ بُغَا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ وَبَنِي هِلَالٍ.
(وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ بُغَا لَمَّا حَبَسَ مَنْ أَخَذَهُ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ وَبَنِي هِلَالٍ) بِالْمَدِينَةِ، وَهُمْ أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةٍ، وَكَانَ سَارَ عَنِ الْمَدِينَةِ إِلَى بَنِي مُرَّةَ، فَنَقَبَتِ الْأَسْرَى الْحَبْسَ لِيَخْرُجُوا، فَرَأَتِ امْرَأَةٌ النَّقْبَ، فَصَرَخَتْ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَجَاؤُوا، فَوَجَدُوهُمْ قَدْ قَتَلُوا الْمُتَوَكِّلِينَ، وَأَخَذُوا سِلَاحَهُمْ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ (وَمَنَعُوهُمُ الْخُرُوجَ، وَبَاتُوا حَوْلَ الدَّارِ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَتَلَهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ) ، وَقَتَلَ سُودَانُ الْمَدِينَةِ كُلَّ مَنْ لَقُوهُ بِهَا مِنَ الْأَعْرَابِ مِمَّنْ يُرِيدُ الْمِيرَةَ، فَلَمَّا قَدِمَ بُغَا وَعَلِمَ بِقَتْلِهِمْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ إِنَّ السَّجَّانَ كَانَ قَدِ ارْتَشَى مِنْهُمْ لِيَفْتَحَ لَهُمُ الْبَابَ، فَعَجَّلُوا قَبْلَ مِيعَادِهِ، وَكَانُوا يَرْتَجِزُونَ:
الْمَوْتُ خَيْرٌ لِلْفَتَى مِنَ الْعَارْ ... قَدْ أَخَذَ الْبَوَّابُ أَلْفَ دِينَارْ
وَكَانَ سَبَبُ غَيْبَةِ بُغَا عَنْهُمْ أَنَّ فَزَارَةَ وَمُرَّةَ تَغَلَّبُوا عَلَى فَدَكَ، فَلَمَّا قَارَبَهُمْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ قُوَّادِهِ يَعْرِضُ عَلَيْهِمُ الْأَمَانَ، وَيَأْتِيهِ بِأَخْبَارِهِمْ، فَلَمَّا أَتَاهُمُ الْفَزَارِيُّ حَذَّرَهُمْ سَطْوَتَهُ، فَهَرَبُوا، وَخَلُّوا فَدَكَ، وَقَصَدُوا الشَّامَ.
(وَأَقَامَ بُغَا بِجَنَفَا، وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ حَدِّ عَمَلِ الشَّامِ) مِمَّا يَلِي الْحِجَازَ، نَحْوًا
стр. 3043
مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ بِمَنْ ظَفِرَ [بِهِ] مِنْ بَنِي مُرَّةَ وَفَزَارَةَ.
وَفِيهَا سَارَ إِلَى بُغَا مِنْ بُطُونِ غَطَفَانَ، وَفَزَارَةَ، وَأَشْجَعَ، وَثَعْلَبَةَ، جَمَاعَةٌ، وَكَانَ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا أَتَوْهُ اسْتَحْلَفَهُمُ الْأَيْمَانَ الْمُؤَكَّدَةَ أَنْ لَا يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ مَتَى دَعَاهُمْ، فَحَلَفُوا، ثُمَّ سَارَ إِلَى ضَرِيَّةَ لِطَلَبِ بَنِي كِلَابٍ، فَأَتَاهُ مِنْهُمْ نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافِ رَجُلٍ، فَحَبَسَ مِنْ أَهْلِ الْفَسَادِ نَحْوًا مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ، وَخَلَّى سَائِرَهُمْ، ثُمَّ قَدِمَ بِهِمُ الْمَدِينَةَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَحَبَسَهُمْ، ثُمَّ سَارَ إِلَى مَكَّةَ، فَحَجَّ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ.
ذِكْرُ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ الْخُزَاعِيِّ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تَحَرَّكَ بِبَغْدَاذَ قَوْمٌ مَعَ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْخُزَاعِيِّ، وَجَدُّهُ مَالِكٌ أَحَدُ نُقَبَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
وَكَانَ سَبَبُ هَذِهِ الْحَرَكَةِ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ نَصْرٍ كَانَ يَغْشَاهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ كَابْنِ مَعِينٍ، وَابْنِ الدَّوْرَقِيِّ، وَأَبِي زُهَيْرٍ، وَكَانَ يُخَالِفُ مَنْ يَقُولُ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، وَيُطْلِقُ لِسَانَهُ فِيهِ، مَعَ غِلْظَةٍ بِالْوَاثِقِ، وَكَانَ يَقُولُ، إِذَا ذَكَرَ الْوَاثِقُ: فَعَلَ هَذَا الْخِنْزِيرُ، وَقَالَ هَذَا الْكَافِرُ، وَفَشَا ذَلِكَ، فَكَانَ يَغْشَاهُ رَجُلٌ يُعْرَفُ بِأَبِي هَارُونَ الشَّدَّاخِ، وَآخَرُ يُقَالُ لَهُ: طَالِبٌ، وَغَيْرُهُمَا، وَدَعَوُا النَّاسَ إِلَيْهِ، فَبَايَعُوهُ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَفَرَّقَ أَبُو هَارُونَ وَطَالِبٌ فِي النَّاسِ مَالًا فَأَعْطَيَا كُلَّ رَجُلٍ دِينَارًا، وَاتَّعَدُوا لَيْلَةَ الْخَمِيسِ لِثَلَاثٍ خَلَتْ مِنْ شَعْبَانَ لِيَضْرِبُوا بِالطَّبْلِ فِيهَا، وَيَثُورُوا عَلَى السُّلْطَانِ.
وَكَانَ أَحَدُهُمَا فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنْ بَغْدَادَ وَالْآخَرُ فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، فَاتَّفَقَ أَنَّ مِمَّنْ بَايَعَهُمْ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي الْأَشْرَسِ شَرِبَا نَبِيذًا لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ، قَبْلَ الْمَوْعِدِ بِلَيْلَةٍ، فَلَمَّا أُخِذَ مِنْهُمْ ضَرَبُوا الطَّبْلَ فَلَمْ يُجِبْهُمْ أَحَدٌ.
وَكَانَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ صَاحِبُ الشُّرْطَةِ غَائِبًا عَنْ بَغْدَادَ، وَخَلِيفَتَهُ أَخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ
стр. 3044
إِبْرَاهِيمَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ يَسْأَلُهُمْ عَنْ قِصَّتِهِمْ، فَلَمْ يَظْهَرْ أَحَدٌ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ يَكُونُ فِي الْحَمَّامِ مُصَابِ الْعَيْنِ، يُعْرَفُ بِعِيسَى الْأَعْوَرِ، فَأَحْضَرَهُ وَقَرَّرَهُ، فَأَقَرَّ عَلَى بَنِي الْأَشْرَسِ، وَعَلَى أَحْمَدِ بْنِ نَصْرٍ، وَغَيْرِهِمَا؛ فَأَخَذَ بَعْضَ مَنْ سُمِّيَ، وَفِيهِمْ طَالِبٌ، وَأَبُو هَارُونَ، وَرَأَى فِي مَنْزِلِ بَنِي الْأَشْرَسِ عَلَمَيْنِ أَخْضَرَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَ خَادِمًا لِأَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ، فَقَرَّرَهُ، فَأَقَرَّ بِمِثْلِ مَا قَالَ عِيسَى، فَأَرْسَلَ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ، فَأَخَذَهُ وَهُوَ فِي الْحَمَّامِ، وَحُمِلَ إِلَيْهِ، وَفَتَّشَ بَيْتَهُ، فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ سِلَاحًا، وَلَا شَيْءَ مِنَ الْآلَاتِ، فَسَيَّرَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ إِلَى الْوَاثِقِ مُقَيَّدِينَ عَلَى أَكُفِّ بِغَالٍ لَيْسَ تَحْتَهُمْ وِطَاءٌ إِلَى سَامَرَّا.
فَلَمَّا عَلِمَ الْوَاثِقُ بِوُصُولِهِمْ جَلَسَ لَهُمْ مَجْلِسًا عَامًّا فِيهِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادَ، وَكَانَ كَارِهًا لِقَتْلِ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ، فَلَمَّا حَضَرَ أَحْمَدُ عِنْدَ الْوَاثِقِ، لَمْ يَذْكُرْ لَهُ شَيْئًا مِنْ فِعْلِهِ وَالْخُرُوجِ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ قَالَ لَهُ: مَا تَقَولُ فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: كَلَامُ اللَّهِ، وَكَانَ أَحْمَدُ قَدِ اسْتَقْتَلَ، فَتَطَيَّبَ، وَتَنَوَّرَ، وَقَالَ الْوَاثِقُ: أَمَخْلُوقٌ هُوَ؟ قَالَ: كَلَامُ اللَّهِ. قَالَ: فَمَا تَقَولُ فِي رَبِّكَ أَتَرَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! قَدْ جَاءَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ، قَالَ: لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ» ، فَنَحْنُ عَلَى الْخَبَرِ، وَحَدَّثَنِي سُفْيَانُ بِحَدِيثٍ رَفَعَهُ: «أَنَّ قَلْبَ ابْنِ آدَمَ (الْمُؤْمِنِ) بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَانِ، يُقَلِّبُهُ» .
وَكَانَ النَّبِيُّ، ﷺ ، يَدْعُو: " «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكِ» ". قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: انْظُرْ مَا يَقُولُ. قَالَ: أَنْتَ أَمَرْتَنِي بِذَلِكَ، فَخَافَ إِسْحَاقُ،
стр. 3045
وَقَالَ أَنَا أَمَرْتُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَمَرَتَنِي أَنْ أَنْصَحَ لَهُ، وَنَصِيحَتِي لَهُ أَنْ لَا يُخَالِفَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ الْوَاثِقُ لِمَنْ حَوْلُهُ: مَا تَقُولُونَ فِيهِ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، وَكَانَ قَاضِيًا عَلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ: وَعِزِّكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ حَلَالُ الدَّمِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ ابْنِ أَبِي دُؤَادَ: (اسْقِنِي دَمَهُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي دُؤَادَ) : هُوَ كَافِرٌ يُسْتَتَابُ لَعَلَّ بِهِ عَاهَةً وَنَقْصَ عَقْلٍ، كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُقْتَلَ بِسَبَبِهِ، فَقَالَ الْوَاثِقُ: إِذَا رَأَيْتُمُونِي قَدْ قُمْتُ إِلَيْهِ فَلَا يَقُومَنَّ أَحَدٌ، فَإِنِّي أَحْتَسِبُ خُطَايَ إِلَيْهِ، وَدَعَا بِالصَّمْصَامَةِ سَيْفِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الزُّبَيْدِيِّ، وَمَشَى إِلَيْهِ، وَهُوَ فِي وَسَطِ الدَّارِ عَلَى نِطْعٍ، فَضَرَبَهُ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ، ثُمَّ ضَرَبَهُ أُخْرَى عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ سِيمَا الدِّمَشْقِيُّ رَقَبَتَهُ، وَحَزَّ رَأْسَهُ، وَطَعَنَهُ الْوَاثِقُ بِطَرَفِ الصَّمْصَامَةِ فِي بَطْنِهِ، وَحُمِلَ حَتَّى صُلِبَ عِنْدَ بَابَكَ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى بَغْدَادَ، فَنُصِبَ بِهَا، وَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَرَسُ، وَكُتِبَ فِي أُذُنِهِ رُقْعَةٌ: هَذَا رَأْسُ الْكَافِرِ، الْمُشْرِكِ، الضَّالِّ، أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ.
وَتَتَبَّعَ أَصْحَابَهُ، فَجُعِلُوا فِي الْحُبُوسِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَرَادَ الْوَاثِقُ الْحَجَّ، فَوَجَّهَ عُمَرَ بْنَ فَرَجٍ لِإِصْلَاحِ الطَّرِيقِ، فَرَجَعَ وَأَخْبَرَهُ بِقِلَّةِ الْمَاءِ، فَبَدَا لَهُ.
وَفِيهَا وَلِيَ جَعْفَرُ بْنُ دِينَارٍ الْيَمَنَ، فَسَارَ فِي شَعْبَانَ، وَحَجَّ فِي طَرِيقِهِ، وَكَانَ مَعَهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ فَارِسٍ وَأَلْفُ رَاجِلٍ.
وَفِيهَا نَقَبَ اللُّصُوصُ بَيْتَ الْمَالِ الَّذِي فِي دَارِ الْعَامَّةِ، وَأَخَذُوا اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ أَلْفَ
стр. 3046
دِرْهَمٍ وَشَيْئًا يَسِيرًا مِنَ الدَّنَانِيرِ، ثُمَّ تُتُبِّعُوا وَأُخِذُوا بَعْدَ ذَلِكَ.
وَفِيهَا خَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَارِجِيُّ الثَّعْلَبِيُّ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فِي دِيَارِ رَبِيعَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ غَانِمُ بْنُ أَبِي مُسْلِمِ بْنِ حُمَيْدٍ الطُّوسِيُّ، وَكَانَ عَلَى حَرْبِ الْمَوْصِلِ، فِي مِثْلِ عُدَّتِهِ، فَقَتَلَ مِنَ الْخَوَارِجِ أَرْبَعَةً، وَأَخَذَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَسِيرًا، فَبَعَثَ بِهِ إِلَى سَامَرَّا فَحُبِسَ.
وَفِيهَا قَدِمَ وَصِيفٌ التُّرْكِيُّ مِنْ نَاحِيَةِ أَصْبَهَانَ، وَالْجِبَالِ، وَفَارِسَ، وَكَانَ قَدْ سَارَ فِي طَلَبِ الْأَكْرَادِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ أَفْسَدُوا بِهَذِهِ النَّوَاحِي، وَقَدِمَ مَعَهُ بِنَحْوٍ مِنْ خَمْسِ مِائَةِ نَفْسٍ فِيهِمْ غِلْمَانٌ صِغَارٌ، فَحُبِسُوا، وَأُجِيزَ وَصَيْفٌ بِخَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ وَقُلِّدَ سَيْفًا.
(وَفِيهَا سَارَ جَيْشٌ لِلْمُسْلِمِينَ إِلَى بِلَادِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَصَدُوا جِلِّيقِيَّةَ، وَقَتَلُوا، وَأَسَرُوا، وَسَبَوْا، وَغَنِمُوا، وَوَصَلُوا إِلَى مَدِينَةِ لِيُونَ، فَحَصَرُوهَا، وَرَمَوْهَا بِالْمَجَانِيقِ، فَخَافَ أَهْلُهَا، فَتَرَكُوهَا بِمَا فِيهَا، وَخَرَجُوا هَارِبِينَ، فَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ مَا أَرَادُوا، وَخَرَّبُوا الْبَاقِي، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى هَدْمِ سُورِهَا، فَتَرَكُوهَا وَمَضَوْا، لِأَنَّ عَرْضَهُ سَبْعَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا، وَقَدْ ثَلِمُوا فِيهِ ثُلَمًا كَثِيرَةً) .
وَفِيهَا كَانَ الْفِدَاءُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّومِ، وَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ فِيهَا عَلَى نَهْرِ اللَّامِسِ، عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمٍ مِنْ طَرَسُوسَ، وَاشْتَرَى الْوَاثِقُ مَنْ بِبَغْدَاذَ وَغَيْرِهَا مِنَ الرُّومِ.
وَعَقَدَ الْوَاثِقُ لِأَحْمَدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَلْمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الْبَاهِلِيِّ عَلَى الثُّغُورِ وَالْعَوَاصِمِ، وَأَمَرَهُ بِحُضُورِ الْفِدَاءِ هُوَ وَخَاقَانُ الْخَادِمُ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَمْتَحِنَا أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ
стр. 3047
قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ، فُودِيَ بِهِ، وَأُعْطِيَ دِينَارًا، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ تُرِكَ فِي أَيْدِي الرُّومِ.
فَلَمَّا كَانَ فِي عَاشُورَاءَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ اجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْأَسْرَى عَلَى النَّهْرِ، وَأَتَتِ الرُّومُ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْأَسْرَى، وَكَانَ النَّهْرُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُطْلِقُونَ الْأَسِيرَ، فَيُطْلِقُ الرُّومُ الْأَسِيرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَيَلْتَقِيَانِ فِي وَسَطِ النَّهْرِ، وَيَأْتِي هَذَا أَصْحَابَهُ، فَإِذَا وَصَلَ الْأَسِيرُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ كَبَّرُوا، وَإِذَا وَصَلَ الْأَسِيرُ إِلَى الرُّومِ صَاحُوا، حَتَّى فَرَغُوا.
وَكَانَ عِدَّةُ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَأَرْبَعَ مِائَةٍ وَسِتِّينَ نَفْسًا، وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ثَمَانِيَ مِائَةٍ، وَأَهْلِ ذِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مِائَةَ نَفْسٍ.
وَكَانَ النَّهْرُ مَخَاضَةً تَعْبُرُهُ الْأَسْرَى، وَقِيلَ بَلْ كَانَ عَلَيْهِ جِسْرٌ.
وَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الْفِدَاءِ غَزَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سَلْمٍ الْبَاهِلِيُّ شَاتِيًا، فَأَصَابَ النَّاسَ ثَلْجٌ وَمَطَرٌ، فَمَاتَ مِنْهُمْ مِائَتَا نَفْسٍ، وَأُسِرَ نَحْوُهُمْ، وَغَرِقَ بالبدندونِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَوَجَدَ الْوَاثِقُ عَلَى أَحْمَدَ، وَكَانَ قَدْ جَاءَ إِلَى أَحْمَدَ بِطَرِيقٌ مِنَ الرُّومِ، فَقَالَ وُجُوهُ النَّاسِ لِأَحْمَدَ: إِنَّ عَسْكَرًا فِيهِ سَبْعَةُ آلَافٍ لَا تَتَخَوَّفُ عَلَيْهِ، فَإِنْ (كُنْتَ كَذَلِكَ فَوَاجِهِ الْقَوْمَ وَاطْرُقْ بِلَادَهُمْ، فَفَعَلَ، وَغَنِمَ نَحْوًا مِنْ أَلْفِ بَقَرَةٍ وَعَشَرَةِ آلَافِ شَاةٍ وَخَرَجَ، فَعَزَلَهُ الْوَاثِقُ، وَاسْتَعْمَلَ مَكَانَهُ نَصْرَ بْنَ حَمْزَةَ الْخُزَاعِيَّ فِي جُمَادَى الْأُولَى.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بِطَبَرِسْتَانَ.
стр. 3048
[بَقِيَّةُ الْحَوَادِثِ]
وَفِيهَا كَانَ بِإِفْرِيقِيَّةَ حَرْبٌ بَيْنَ أَحْمَدَ بْنِ الْأَغْلَبِ وَأَخِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَغْلَبِ، وَكَانَ مَعَ أَحْمَدَ جَمَاعَةٌ، فَهَجَمُوا عَلَى مُحَمَّدٍ فِي قَصْرِهِ، وَأَغْلَقَ أَصْحَابُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَغْلَبِ [الْبَابَ] ، وَاقْتَتَلُوا، ثُمَّ كَفُّوا عَنِ الْقِتَالِ، وَاصْطَلَحُوا، وَعَظُمَ أَمْرُ أَحْمَدَ، وَنَقَلَ الدَّوَاوِينَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَبْقَ لِمُحَمَّدٍ مِنِ الْإِمَارَةِ إِلَّا اسْمُهَا، وَمَعْنَاهَا لِأَحْمَدَ أَخِيهِ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى سَنَةِ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَاتَّفَقَ مَعَ مُحَمَّدٍ مِنْ بَنِي عَمِّهِ وَمَوَالِيهِ جَمَاعَةٌ، وَقَاتَلَ أَخَاهُ أَحْمَدَ، فَظَفِرَ بِهِ، وَنَفَاهُ إِلَى الشَّرْقِ، وَاسْتَقَامَ أَمْرُ مُحَمَّدٍ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَمَاتَ أَخُوهُ أَحْمَدُ بِالْعِرَاقِ) .
[بَقِيَّةُ الْوَفَيَاتِ]
(وَفِيهَا مَاتَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْأَعْرَابِيِّ الرَّاوِيَةِ فِي شَعْبَانَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً) .
وَفِيهَا مَاتَتْ أُمُّ أَبِيهَا بِنْتُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، أُخْتُ عَلِيِّ بْنِ الرِّضَا، ﵇.
وَفِيهَا مَاتَ مُخَارِقٌ الْمُغَنِّي، وَأَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ حَاتِمٍ رَاوِيَةُ الْأَصْمَعِيِّ، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدَانَ النَّحْوِيُّ الضَّرِيرُ، تُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَرْعَرَةَ، وَعَاصِمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ (عَاصِمِ) بْنِ صُهَيْبٍ الْوَاسِطِيُّ،
стр. 3049
وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْجُمَحِيُّ الْبَصْرِيُّ، وَكَانَ عَالِمًا بِالْأَخْبَارِ وَأَيَّامِ النَّاسِ.
سَلَّامُ: بِالتَّشْدِيدِ.
وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُقَدَّمٍ أَبُو بِشْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، وَأَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى الْبُوَيْطِيُّ الْفَقِيهُ، صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ، وَكَانَ قَدْ حُبِسَ فِي مِحْنَةِ النَّاسِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، فَلَمْ يُجِبْ، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ.
وَهَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ الْبَغْدَادِيُّ، وَكَانَ حَافِظًا لِلْحَدِيثِ.
стр. 3050
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٣٢ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ الْحَرْبِ مَعَ بَنِي نُمَيْرٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ بُغَا الْكَبِيرُ إِلَى بَنِي نُمَيْرٍ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عِمَارَةَ بْنَ عَقِيلِ بْنِ بِلَالِ بْنِ جَرِيرٍ الْخَطَفَى امْتَدَحَ الْوَاثِقَ بِقَصِيدَةٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، وَأَنْشَدَهُ، فَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَأَخْبَرَ الْوَاثِقَ بِإِفْسَادِ بَنِي نُمَيْرٍ فِي الْأَرْضِ، وَإِغَارَتِهِمْ عَلَى الْيَمَامَةِ وَمَا قَرُبَ مِنْهَا، وَكَتَبَ الْوَاثِقُ إِلَى بُغَا يَأْمُرُهُ بِحَرْبِهِمْ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ، فَسَارَ نَحْوَ الْيَمَامَةِ، فَلَقِيَ مِنْ بَنِي نُمَيْرٍ جَمَاعَةً بِالرِّيفِ فَحَارَبَهُمْ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ نَيِّفًا وَخَمْسِينَ رَجُلًا، (وَأَسَرَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا) .
ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ مَرْأَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَامْتَنَعُوا، وَسَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى نَحْوِ جِبَالِ السَّوْدِ، وَهِيَ خَلْفَ الْيَمَامَةِ، وَبَثَّ بُغَا سَرَايَاهُ فِيهِمْ، فَأَصَابَتْ مِنْهُمْ، ثُمَّ سَارَ بِجَمَاعَةٍ مِمَنْ مَعَهُ، وَهُمْ نَحْوَ أَلْفِ رَجُلٍ، سِوَى مَنْ تَخَلَّفَ فِي الْعَسْكَرِ مِنَ الضُّعَفَاءِ وَالْأَتْبَاعِ، فَلَقِيَهُمْ وَقَدْ جَمَعُوا لَهُمْ وَهُمْ نَحْوَ ثَلَاثَةِ آلَافٍ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: رَوْضَةُ الْأَمَانِ، عَلَى مَرْحَلَةٍ مِنْ أُضَاخَ، فَهَزَمُوا مُقَدِّمَتَهُ، وَكَشَفُوا مَيْسَرَتَهُ، وَقَتَلُوا مِنْ أَصْحَابِهِ نَحْوَ مِائَةِ رَجُلٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا، وَعَقَرُوا مِنْ إِبِلِ عَسْكَرِهِ نَحْوَ سَبْعِ مِائَةِ بَعِيرٍ، وَمِائَةِ دَابَّةٍ، وَانْتَهَبُوا الْأَثْقَالَ، وَبَعْضَ الْأَمْوَالِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ، وَجَعَلَ بُغَا يَدْعُوهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ.
следующие страницы →