Полный текст (6 163 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
دِرْهَمٍ وَشَيْئًا يَسِيرًا مِنَ الدَّنَانِيرِ، ثُمَّ تُتُبِّعُوا وَأُخِذُوا بَعْدَ ذَلِكَ.
وَفِيهَا خَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَارِجِيُّ الثَّعْلَبِيُّ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فِي دِيَارِ رَبِيعَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ غَانِمُ بْنُ أَبِي مُسْلِمِ بْنِ حُمَيْدٍ الطُّوسِيُّ، وَكَانَ عَلَى حَرْبِ الْمَوْصِلِ، فِي مِثْلِ عُدَّتِهِ، فَقَتَلَ مِنَ الْخَوَارِجِ أَرْبَعَةً، وَأَخَذَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَسِيرًا، فَبَعَثَ بِهِ إِلَى سَامَرَّا فَحُبِسَ.
وَفِيهَا قَدِمَ وَصِيفٌ التُّرْكِيُّ مِنْ نَاحِيَةِ أَصْبَهَانَ، وَالْجِبَالِ، وَفَارِسَ، وَكَانَ قَدْ سَارَ فِي طَلَبِ الْأَكْرَادِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ أَفْسَدُوا بِهَذِهِ النَّوَاحِي، وَقَدِمَ مَعَهُ بِنَحْوٍ مِنْ خَمْسِ مِائَةِ نَفْسٍ فِيهِمْ غِلْمَانٌ صِغَارٌ، فَحُبِسُوا، وَأُجِيزَ وَصَيْفٌ بِخَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ وَقُلِّدَ سَيْفًا.
(وَفِيهَا سَارَ جَيْشٌ لِلْمُسْلِمِينَ إِلَى بِلَادِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَصَدُوا جِلِّيقِيَّةَ، وَقَتَلُوا، وَأَسَرُوا، وَسَبَوْا، وَغَنِمُوا، وَوَصَلُوا إِلَى مَدِينَةِ لِيُونَ، فَحَصَرُوهَا، وَرَمَوْهَا بِالْمَجَانِيقِ، فَخَافَ أَهْلُهَا، فَتَرَكُوهَا بِمَا فِيهَا، وَخَرَجُوا هَارِبِينَ، فَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ مَا أَرَادُوا، وَخَرَّبُوا الْبَاقِي، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى هَدْمِ سُورِهَا، فَتَرَكُوهَا وَمَضَوْا، لِأَنَّ عَرْضَهُ سَبْعَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا، وَقَدْ ثَلِمُوا فِيهِ ثُلَمًا كَثِيرَةً) .
وَفِيهَا كَانَ الْفِدَاءُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّومِ، وَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ فِيهَا عَلَى نَهْرِ اللَّامِسِ، عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمٍ مِنْ طَرَسُوسَ، وَاشْتَرَى الْوَاثِقُ مَنْ بِبَغْدَاذَ وَغَيْرِهَا مِنَ الرُّومِ.
وَعَقَدَ الْوَاثِقُ لِأَحْمَدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَلْمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الْبَاهِلِيِّ عَلَى الثُّغُورِ وَالْعَوَاصِمِ، وَأَمَرَهُ بِحُضُورِ الْفِدَاءِ هُوَ وَخَاقَانُ الْخَادِمُ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَمْتَحِنَا أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ
стр. 3047
قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ، فُودِيَ بِهِ، وَأُعْطِيَ دِينَارًا، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ تُرِكَ فِي أَيْدِي الرُّومِ.
فَلَمَّا كَانَ فِي عَاشُورَاءَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ اجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْأَسْرَى عَلَى النَّهْرِ، وَأَتَتِ الرُّومُ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْأَسْرَى، وَكَانَ النَّهْرُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُطْلِقُونَ الْأَسِيرَ، فَيُطْلِقُ الرُّومُ الْأَسِيرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَيَلْتَقِيَانِ فِي وَسَطِ النَّهْرِ، وَيَأْتِي هَذَا أَصْحَابَهُ، فَإِذَا وَصَلَ الْأَسِيرُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ كَبَّرُوا، وَإِذَا وَصَلَ الْأَسِيرُ إِلَى الرُّومِ صَاحُوا، حَتَّى فَرَغُوا.
وَكَانَ عِدَّةُ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَأَرْبَعَ مِائَةٍ وَسِتِّينَ نَفْسًا، وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ثَمَانِيَ مِائَةٍ، وَأَهْلِ ذِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مِائَةَ نَفْسٍ.
وَكَانَ النَّهْرُ مَخَاضَةً تَعْبُرُهُ الْأَسْرَى، وَقِيلَ بَلْ كَانَ عَلَيْهِ جِسْرٌ.
وَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الْفِدَاءِ غَزَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سَلْمٍ الْبَاهِلِيُّ شَاتِيًا، فَأَصَابَ النَّاسَ ثَلْجٌ وَمَطَرٌ، فَمَاتَ مِنْهُمْ مِائَتَا نَفْسٍ، وَأُسِرَ نَحْوُهُمْ، وَغَرِقَ بالبدندونِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَوَجَدَ الْوَاثِقُ عَلَى أَحْمَدَ، وَكَانَ قَدْ جَاءَ إِلَى أَحْمَدَ بِطَرِيقٌ مِنَ الرُّومِ، فَقَالَ وُجُوهُ النَّاسِ لِأَحْمَدَ: إِنَّ عَسْكَرًا فِيهِ سَبْعَةُ آلَافٍ لَا تَتَخَوَّفُ عَلَيْهِ، فَإِنْ (كُنْتَ كَذَلِكَ فَوَاجِهِ الْقَوْمَ وَاطْرُقْ بِلَادَهُمْ، فَفَعَلَ، وَغَنِمَ نَحْوًا مِنْ أَلْفِ بَقَرَةٍ وَعَشَرَةِ آلَافِ شَاةٍ وَخَرَجَ، فَعَزَلَهُ الْوَاثِقُ، وَاسْتَعْمَلَ مَكَانَهُ نَصْرَ بْنَ حَمْزَةَ الْخُزَاعِيَّ فِي جُمَادَى الْأُولَى.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بِطَبَرِسْتَانَ.
стр. 3048
[بَقِيَّةُ الْحَوَادِثِ]
وَفِيهَا كَانَ بِإِفْرِيقِيَّةَ حَرْبٌ بَيْنَ أَحْمَدَ بْنِ الْأَغْلَبِ وَأَخِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَغْلَبِ، وَكَانَ مَعَ أَحْمَدَ جَمَاعَةٌ، فَهَجَمُوا عَلَى مُحَمَّدٍ فِي قَصْرِهِ، وَأَغْلَقَ أَصْحَابُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَغْلَبِ [الْبَابَ] ، وَاقْتَتَلُوا، ثُمَّ كَفُّوا عَنِ الْقِتَالِ، وَاصْطَلَحُوا، وَعَظُمَ أَمْرُ أَحْمَدَ، وَنَقَلَ الدَّوَاوِينَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَبْقَ لِمُحَمَّدٍ مِنِ الْإِمَارَةِ إِلَّا اسْمُهَا، وَمَعْنَاهَا لِأَحْمَدَ أَخِيهِ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى سَنَةِ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَاتَّفَقَ مَعَ مُحَمَّدٍ مِنْ بَنِي عَمِّهِ وَمَوَالِيهِ جَمَاعَةٌ، وَقَاتَلَ أَخَاهُ أَحْمَدَ، فَظَفِرَ بِهِ، وَنَفَاهُ إِلَى الشَّرْقِ، وَاسْتَقَامَ أَمْرُ مُحَمَّدٍ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَمَاتَ أَخُوهُ أَحْمَدُ بِالْعِرَاقِ) .
[بَقِيَّةُ الْوَفَيَاتِ]
(وَفِيهَا مَاتَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْأَعْرَابِيِّ الرَّاوِيَةِ فِي شَعْبَانَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً) .
وَفِيهَا مَاتَتْ أُمُّ أَبِيهَا بِنْتُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، أُخْتُ عَلِيِّ بْنِ الرِّضَا، ﵇.
وَفِيهَا مَاتَ مُخَارِقٌ الْمُغَنِّي، وَأَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ حَاتِمٍ رَاوِيَةُ الْأَصْمَعِيِّ، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدَانَ النَّحْوِيُّ الضَّرِيرُ، تُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَرْعَرَةَ، وَعَاصِمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ (عَاصِمِ) بْنِ صُهَيْبٍ الْوَاسِطِيُّ،
стр. 3049
وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْجُمَحِيُّ الْبَصْرِيُّ، وَكَانَ عَالِمًا بِالْأَخْبَارِ وَأَيَّامِ النَّاسِ.
سَلَّامُ: بِالتَّشْدِيدِ.
وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُقَدَّمٍ أَبُو بِشْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، وَأَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى الْبُوَيْطِيُّ الْفَقِيهُ، صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ، وَكَانَ قَدْ حُبِسَ فِي مِحْنَةِ النَّاسِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، فَلَمْ يُجِبْ، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ.
وَهَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ الْبَغْدَادِيُّ، وَكَانَ حَافِظًا لِلْحَدِيثِ.
стр. 3050
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٣٢ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ الْحَرْبِ مَعَ بَنِي نُمَيْرٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ بُغَا الْكَبِيرُ إِلَى بَنِي نُمَيْرٍ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عِمَارَةَ بْنَ عَقِيلِ بْنِ بِلَالِ بْنِ جَرِيرٍ الْخَطَفَى امْتَدَحَ الْوَاثِقَ بِقَصِيدَةٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، وَأَنْشَدَهُ، فَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَأَخْبَرَ الْوَاثِقَ بِإِفْسَادِ بَنِي نُمَيْرٍ فِي الْأَرْضِ، وَإِغَارَتِهِمْ عَلَى الْيَمَامَةِ وَمَا قَرُبَ مِنْهَا، وَكَتَبَ الْوَاثِقُ إِلَى بُغَا يَأْمُرُهُ بِحَرْبِهِمْ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ، فَسَارَ نَحْوَ الْيَمَامَةِ، فَلَقِيَ مِنْ بَنِي نُمَيْرٍ جَمَاعَةً بِالرِّيفِ فَحَارَبَهُمْ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ نَيِّفًا وَخَمْسِينَ رَجُلًا، (وَأَسَرَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا) .
ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ مَرْأَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَامْتَنَعُوا، وَسَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى نَحْوِ جِبَالِ السَّوْدِ، وَهِيَ خَلْفَ الْيَمَامَةِ، وَبَثَّ بُغَا سَرَايَاهُ فِيهِمْ، فَأَصَابَتْ مِنْهُمْ، ثُمَّ سَارَ بِجَمَاعَةٍ مِمَنْ مَعَهُ، وَهُمْ نَحْوَ أَلْفِ رَجُلٍ، سِوَى مَنْ تَخَلَّفَ فِي الْعَسْكَرِ مِنَ الضُّعَفَاءِ وَالْأَتْبَاعِ، فَلَقِيَهُمْ وَقَدْ جَمَعُوا لَهُمْ وَهُمْ نَحْوَ ثَلَاثَةِ آلَافٍ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: رَوْضَةُ الْأَمَانِ، عَلَى مَرْحَلَةٍ مِنْ أُضَاخَ، فَهَزَمُوا مُقَدِّمَتَهُ، وَكَشَفُوا مَيْسَرَتَهُ، وَقَتَلُوا مِنْ أَصْحَابِهِ نَحْوَ مِائَةِ رَجُلٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا، وَعَقَرُوا مِنْ إِبِلِ عَسْكَرِهِ نَحْوَ سَبْعِ مِائَةِ بَعِيرٍ، وَمِائَةِ دَابَّةٍ، وَانْتَهَبُوا الْأَثْقَالَ، وَبَعْضَ الْأَمْوَالِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ، وَجَعَلَ بُغَا يَدْعُوهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ.
стр. 3051
فَلَمَّا طَلَعَ الصُّبْحُ وَرَأَوْا قِلَّةَ مَنْ مَعَ بُغَا عَبَّأُوا، وَجَعَلُوا رَجَّالَتَهُمْ أَمَامَهُمْ، وَنَعَمَهُمْ وَمَوَاشِيَهُمْ وَرَاءَهُمْ، وَحَمَلُوا عَلَى بُغَا، فَهَزَمُوهُ، حَتَّى بَلَغَ مُعَسْكَرَهُ، وَأَيْقَنَ مَنْ مَعَهُ بِالْهَلَكَةِ.
وَكَانَ بُغَا قَدْ أَرْسَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ مِائَتَيْ فَارِسٍ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ، فَبَيْنَا هُوَ قَدْ أَشْرَفَ عَلَى الْعَطَبِ، إِذْ وَصَلَ أَصْحَابُهُ إِلَيْهِ مُنْصَرِفِينَ مِنْ وُجُوهِهِمْ، فَلَمَّا نَظَرَ بَنُو نُمَيْرٍ وَرَأَوْهُمْ قَدْ أَقْبَلُوا مِنْ خَلْفِهِمْ وَلَّوْا هَارِبِينَ، وَأَسْلَمُوا رَجَّالَتَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنَ الرَّجَّالَةِ إِلَّا الْيَسِيرُ، وَأَمَّا الْفُرْسَانُ فَنَجَوْا عَلَى خَيْلِهِمْ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْهَزِيمَةَ كَانَتْ عَلَى بُغَا مُذْ غَدْوَةٍ إِلَى انْتِصَافِ النَّهَارِ، ثُمَّ تَشَاغَلُوا بِالنَّهْبِ، فَرَجَعَ إِلَى بُغَا مَنْ كَانَ انْهَزَمَ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَرَجَعَ بِهِمْ، فَهَزَمَ بَنِي نُمَيْرٍ، وَقَتَلَ فِيهِمْ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ زُهَاءَ أَلْفٍ وَخَمْسِ مِائَةِ رَاجِلٍ، وَأَقَامَ بِمَوْضِعِ الْوَاقِعَةِ، فَأَرْسَلَ أُمَرَاءُ الْعَرَبِ يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمْ، فَأَتَوْهُ، فَقَيَّدَهُمْ، وَأَخَذَهُمْ مَعَهُ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَكَانَتِ الْوَاقِعَةُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ.
ثُمَّ قَدِمَ وَاجِنُ الْأُشْرُوسَنِيُّ عَلَى بُغَا فِي سَبْعِ مِائَةِ مُقَاتِلٍ، مَدَدًا لَهُ، فَسَيَّرَهُ بُغَا فِي آثَارِهِمْ، حَتَّى بَلَغَ تَبَالَةَ مِنْ أَعْمَالِ الْيَمَنِ، وَرَجَعَ.
وَكَانَ بُغَا قَدْ كَتَبَ إِلَى صَالِحٍ أَمِيرِ الْمَدِينَةِ لِيُوَافِيَهُ بِبَغْدَاذَ (بِمَنْ عِنْدَهُ مِنْ فَزَارَةَ، وَمُرَّةَ، وَثَعْلَبَةَ، وَكِلَابَ، فَفَعَلَ، فَلَقِيَهُ بِبَغْدَاذَ) ، فَسَارَا جَمِيعًا، وَقَدِمَ بُغَا سَامَرَّا بِمَنْ بَقِيَ مَعَهُ مِنْهُمْ، سِوَى مَنْ هَرَبَ وَمَاتَ وَقُتِلَ فِي الْحُرُوبِ، فَكَانُوا يَزِيدُونَ عَلَى أَلْفَيْ رَجُلٍ مِنْ نُمَيْرٍ، وَكِلَابَ، وَمُرَّةَ، وَفَزَارَةَ، وَثَعْلَبَةَ، وَطَيِّءٍ.
ذِكْرُ مَوْتِ أَبِي جَعْفَرِ الْوَاثِقِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْوَاثِقُ بِاللَّهِ أَبُو جَعْفَرٍ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُعْتَصِمُ فِي ذِي الْحِجَّةِ
стр. 3052
لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْهُ، وَكَانَتْ عِلَّتُهُ الِاسْتِسْقَاءَ، وَعُولِجَ بِالْإِقْعَادِ فِي تَنُّورٍ مُسَخَّنٍ، فَوَجَدَ لِذَلِكَ خِفَّةً، فَأَمَرَهُمْ مِنَ الْغَدِ بِالزِّيَادَةِ فِي إِسْخَانِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَقَعَدَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، فَحَمِيَ عَلَيْهِ، فَأُخْرِجَ مِنْهُ فِي مِحَفَّةٍ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الزَّيَّاتُ، وَعُمَرُ بْنُ فَرَجٍ، فَمَاتَ فِيهَا، فَلَمْ يَشْعُرُوا بِمَوْتِهِ، حَتَّى ضَرَبَ بِوَجْهِهِ الْمِحَفَّةَ، فَعَلِمُوا.
وَقِيلَ: إِنَّ أَحْمَدَ بْنَ أَبِي دُؤَادَ حَضَرَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَغَمَّضَهُ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، جَعَلَ يُرَدِّدُ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ:
الْمَوْتُ فِيهِ جَمِيعُ النَّاسِ مُشْتَرِكُ ... لَا سُوقَةٌ مِنْهُمْ تَبْقَى وَلَا مَلِكٌ
مَا ضَرَّ أَهْلَ قَلِيلٍ فِي تَفَاقُرِهِمْ ... وَلَيْسَ يُغْنِي عَنِ الْأَمْلَاكِ مَا مَلَكُوا
وَأَمَرَ بِالْبُسُطِ فَطُوِيَتْ، وَأَلْصَقَ خَدَّهُ بِالْأَرْضِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: يَا مَنْ لَا يَزُولُ مُلْكُهُ، ارْحَمْ مَنْ زَالَ مُلْكُهُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْواثِقِيُّ: كُنْتُ فِيمَنْ يُمَرِّضُ الْوَاثِقَ، فَلِحِقَهُ غَشْيَةٌ، وَأَنَا وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ قِيَامٌ، فَقُلْنَا: لَوْ عَرَفْنَا خَبَرَهُ، فَتَقَدَّمْتُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا صِرْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ فَتَحَ عَيْنَيْهِ، فَكِدْتُ أَمُوتُ مِنَ الْخَوْفِ، فَرَجَعْتُ إِلَى الْخَلْفِ، وَتَعَلَّقَتْ قُنْبَعَةُ سَيْفِي فِي عَتَبَةِ الْمَجْلِسِ، فَانْدَقَّتْ، وَسَلِمْتُ مِنْ جِرَاحِهِ، وَوَقَفْتُ فِي مَوْقِفِي.
ثُمَّ إِنَّ الْوَاثِقَ مَاتَ، وَسَجَّيْنَاهُ، وَجَاءَ الْفَرَّاشُونَ وَأَخَذُوا مَا تَحْتَهُ فِي الْمَجْلِسِ،
стр. 3053
وَرَفَعُوهُ; لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِمْ، وَاشْتَغَلُوا بِأَخْذِ الْبَيْعَةِ، وَجَلَسْتُ عَلَى بَابِ الْمَجْلِسِ; لِحِفْظِ الْمَيِّتِ وَرَدَدْتُ الْبَابَ، فَسَمِعْتُ حِسًّا، فَفَتَحْتُ الْبَابَ، وَإِذَا جُرَذٌ قَدْ دَخَلَ مِنْ بُسْتَانٍ هُنَاكَ، فَأَكَلَ إِحْدَى عَيْنَيِ الْوَاثِقِ، فَقُلْتُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، هَذِهِ الْعَيْنُ الَّتِي فَتَحَتْهَا مِنْ سَاعَةً، فَانْدَقَّ سَيْفِي هَيْبَةً لَهَا صَارَتْ طُعْمَةً لِدَابَّةٍ ضَعِيفَةٍ.
وَجَاؤُوا فَغَسَّلُوهُ، فَسَأَلَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادَ عَنْ عَيْنِهِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِالْقِصَّةِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا فَعَجِبَ مِنْهَا.
وَلَمَّا مَاتَ صَلَّى عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَأَنْزَلَهُ فِي قَبْرِهِ، وَقِيلَ صَلَّى عَلَيْهِ أَخُوهُ الْمُتَوَكِّلُ، وَدُفِنَ بِالْهَارُونِيِّ بِطَرِيقِ مَكَّةَ.
(وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِطَرِيقِ مَكَّةَ) ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ اسْمُهَا قَرَاطِيسُ.
وَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ أَحْضَرَ الْمُنَجِّمِينَ مِنْهُمُ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ، فَنَظَرُوا فِي مَوْلِدِهِ، فَقَدَّرُوا لَهُ أَنْ يَعِيشَ خَمْسِينَ سَنَةً، مُسْتَأْنَفَةً مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَلَمْ يَعِشْ بَعْدَ قَوْلِهِمْ إِلَّا عَشْرَةَ أَيَّامٍ وَمَاتَ.
وَكَانَ أَبْيَضَ، مُشْرَبًا بِحُمْرَةٍ، جَمِيلًا، رَبْعَةً، حَسَنَ الْجِسْمِ، قَائِمَ الْعَيْنِ الْيُسْرَى، فِيهَا نُكْتَةُ بَيَاضٍ.
وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ خَمْسَ سِنِينَ وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَكَانَ عُمْرُهُ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، (وَقِيلَ: سِتًّا وَثَلَاثِينَ سَنَةً) .
ذِكْرُ بَعْضِ سِيرَةِ الْوَاثِقِ بِاللَّهِ
لَمَّا تُوُفِّيَ الْمُعْتَصِمُ، وَجَلَسَ الْوَاثِقُ فِي الْخِلَافَةِ أَحْسَنَ إِلَى النَّاسِ، وَاشْتَمَلَ عَلَى الْعَلَوِيِّينَ، وَبَالَغَ فِي إِكْرَامِهِمْ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَالتَّعَهُّدِ لَهُمْ بِالْأَمْوَالِ، وَفَرَّقَ فِي أَهْلِ
стр. 3054
الْحَرَمَيْنِ أَمْوَالًا لَا تُحْصَى، حَتَّى إِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي أَيَّامِهِ بِالْحَرَمَيْنِ سَائِلٌ.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ الْوَاثِقُ كَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ تَخْرُجُ مِنْ نِسَائِهِمْ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَبْكِينَ عَلَيْهِ، وَيَنْدُبْنَهُ، فَفَعَلُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ مُنَاوَبَةً; حُزْنًا عَلَيْهِ، لِمَا كَانَ يُكْثِرُ مِنِ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَأَطْلَقَ فِي خِلَافَتِهِ أَعْشَارَ سُفُنِ الْبَحْرِ، وَكَانَ مَالًا عَظِيمًا.
قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الضَّحَّاكِ: شَهِدْتُ الْوَاثِقَ بَعْدَ أَنْ مَاتَ الْمُعْتَصِمُ بِأَيَّامٍ، أَوَّلَ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ، فَغَنَّتْهُ جَارِيَةُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ.
مَا دَرَى الْحَامِلُونَ، يَوْمَ اسْتَقَلُّوا ... نَعْشَهُ، لِلثَّوَاءِ أَمْ لِلْبَقَاءِ
فَلْيَقُلْ فِيكَ بَاكِيَاتُكَ مَا شِئْنَ
،
صَبَاحًا، وَعِنْدَ كُلِّ مَسَاءِ
فَبَكَى، وَبَكَيْنَا مَعَهُ حَتَّى شَغَلَنَا الْبُكَاءُ عَنْ جَمِيعِ مَا كُنَّا فِيهِ، قَالَ: ثُمَّ تَغَنَّى بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
وَدِّعْ هُرَيْرَةَ إِنَّ الرَّكْبَ مُرْتَحِلُ
،
وَهَلْ تُطِيقُ وَدَاعًا أَيُّهَا الرَّجُلُ
فَازْدَادَ الْوَاثِقُ بُكَاءً، وَقَالَ: مَا سَمِعْتُ كَالْيَوْمِ تَعْزِيَةً بِأَبٍ نَعِيَ نَفْسٍ، ثُمَّ تَفَرَّقَ أَهْلُ الْمَجْلِسِ.
قَالَ: وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْوَاثِقِ:
أَبَتْ دَارُ الْأَحِبَّةِ أَنْ تُبِينَا ... أَجَدَّكَ مَا رَأَيْتَ لَهَا مُعِينَا
تَقَطَّعُ حَسْرَةً مِنْ حُبِّ لَيْلَى ... نُفُوسٌ مَا أُثِبْنَ وَلَا جُزِينَا
فَصَنَعَتْ فِيهِ عَلَمُ جَارِيَةُ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، فَغَنَّاهُ زَرْزَرُ الْكَبِيرُ لِلْوَاثِقِ، فَسَأَلَهُ:
стр. 3055
لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: لِعَلَمَ، فَأَحْضَرَ صَالِحًا وَطَلَبَ مِنْهُ شِرَاءَهَا، فَأَهْدَاهَا لَهُ، فَعَوَّضَهُ خَمْسَةَ آلَافِ دِينَارٍ، فَمَطَلَهُ بِهَا ابْنُ الزَّيَّاتِ، فَأَعَادَتِ الصَّوْتَ، فَقَالَ الْوَاثِقُ: بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكِ، وَعَلَى مَنْ رَبَّاكِ! فَقَالَتْ: وَمَا يَنْفَعُ مَنْ رَبَّانِي؟ أَمَرْتَ لَهُ بِشَيْءٍ فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ! فَكَتَبَ إِلَى ابْنِ الزَّيَّاتِ يَأْمُرُهُ بِإِيصَالِ الْمَالِ إِلَيْهِ، وَأَضْعَفَهُ لَهُ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ، وَتَرَكَ صَالِحٌ عَمَلَ السُّلْطَانِ، وَاتَّجَرَ فِي الْمَالِ.
وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ الْمَازِنِيُّ النَّحْوِيُّ: اسْتَحْضَرَنِي الْوَاثِقُ مِنَ الْبَصْرَةِ، فَلَمَّا حَضَرْتُ عِنْدَهُ قَالَ: مَنْ خَلَّفْتَ بِالْبَصْرَةِ؟ قُلْتُ: أُخْتًا لِي صَغِيرَةً. قَالَ: فَمَا قَالَتِ الْمِسْكِينَةُ؟ قُلْتُ: مَا قَالَتِ ابْنَةُ الْأَعْشَى:
تَقُولُ ابْنَتِي، حِينَ جَدَّ الرَّحِيلُ
:
أَرَانَا سَوَاءً وَمَنْ قَدْ يَتِمْ ... فَيَا أَبَتَا لَا تَزَلْ عِنْدَنَا
فَإِنَّا نَخَافُ بِأَنْ تُخْتَرَمْ ... أَرَانَا إِذَا أَضَمْرَتْكَ الْبِلَادُ
نُجْفَى وَتُقْطَعُ مِنَّا الرَّحِمْ
قَالَ: فَمَا رَدَدْتَ عَلَيْهَا؟ قُلْتُ: مَا قَالَ جَرِيرٌ لِابْنَتِهِ:
ثِقِي بِاللَّهِ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ ... وَمِنْ عِنْدِ الْخَلِيفَةِ بِالنَّجَاحِ
فَضَحِكَ، وَأَمَرَ لَهُ بِجَائِزَةٍ سَنِيَّةٍ.
ذِكْرُ خِلَافَةِ الْمُتَوَكِّلِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بُويِعَ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ الْمُعْتَصِمِ، بَعْدَ مَوْتِ الْوَاثِقِ. (وَسَبَبُ خِلَافَتِهِ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ الْوَاثِقُ حَضَرَ الدَّارَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادَ، وَإِيتَاخُ، وَوَصِيفٌ، وَعُمَرُ بْنُ فَرَجٍ، وَابْنُ الزَّيَّاتِ، وَأَبُو الْوَزِيرِ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ، وَعَزَمُوا عَلَى الْبَيْعَةِ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْوَاثِقِ) ، وَهُوَ غُلَامٌ أَمرَدُ، قَصِيرٌ، فَأَلْبَسُوهُ دُرَّاعَةً سَوْدَاءَ وَقَلَنْسُوَةَ، فَإِذَا هُوَ قَصِيرٌ، فَقَالَ وَصِيفٌ: أَمَا تَتَّقُونَ اللَّهَ؟ تُوَلُّونَ هَذَا الْخِلَافَةَ! فَتَنَاظَرُوا فِيمَنْ تُوَلُّونَهُ. فَذَكَرُوا عِدَّةً ثُمَّ أُحْضِرَ الْمُتَوَكِّلُ، فَلَمَّا حَضَرَ أَلْبَسَهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادَ الطَّوِيلَةَ، وَعَمَّمَهُ، وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ،
стр. 3056
وَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ! ثُمَّ غُسِّلَ الْوَاثِقُ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَدُفِنَ.
وَكَانَ عُمْرُ الْمُتَوَكِّلِ، يَوْمَ بُويِعَ، سِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَوَضَعَ الْعَطَاءَ لِلْجُنْدِ لِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ، وَأَرَادَ ابْنُ الزَّيَّاتِ [أَنْ] يُلَقِّبَهُ الْمُنْتَصِرُ، فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادَ: قَدْ رَأَيْتُ لَقَبًا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا، وَهُوَ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى اللَّهِ، فَأَمَرَ بِإِمْضَائِهِ، فَكَتَبَ إِلَى الْآفَاقِ.
وَقِيلَ: بَلْ رَأَى الْمُتَوَكِّلُ فِي مَنَامِهِ، قَبْلَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ، كَأَنَّ سُكَّرًا يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ، مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى اللَّهِ، فَقَصَّهَا [عَلَى] أَصْحَابِهِ، فَقَالُوا: هِيَ وَاللَّهِ الْخِلَافَةُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْوَاثِقَ، فَحَبَسَهُ وَضَيَّقَ عَلَيْهِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَصَابَ الْحُجَّاجَ فِي الْعَوْدِ عَطَشٌ عَظِيمٌ، فَبَلَغَتِ الشَّرْبَةُ عِدَّةَ دَنَانِيرَ، وَمَاتَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ.
(وَفِيهَا غَدَرَ مُوسَى بِالْأَنْدَلُسِ، وَخَالَفَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ أَمِيرِ الْأَنْدَلُسِ، بَعْدَ أَنْ كَانَ قَدْ وَافَقَهُ، وَأَطَاعَهُ، وَسَيَّرَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ جَيْشًا مَعَ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ.
وَفِيهَا كَانَ بِالْأَنْدَلُسِ مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ، وَقَحْطٌ عَظِيمٌ، وَكَانَ ابْتِدَاؤُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، فَهَلَكَ فِيهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْآدَمِيِّينَ وَالدَّوَابِّ، وَيَبِسَتِ الْأَشْجَارُ، وَلَمْ يَزْرَعِ النَّاسُ شَيْئًا، فَخَرَجَ النَّاسُ هَذِهِ السَّنَةَ يَسْتَسْقُونَ، فَسُقُوا، وَزَرَعُوا، وَزَالَ عَنِ النَّاسِ الْقَحْطُ) .
وَفِيهَا وَلِيَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ بِلَادَ فَارِسٍ.
стр. 3057
(وَفِيهَا غَرِقَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَوْصِلِ [وَهَلَكَ] فِيهَا خَلْقٌ، قِيلَ: كَانُوا نَحْوَ مِائَةِ أَلْفِ إِنْسَانٍ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَطَرَ جَاءَ بِهَا عَظِيمًا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، بِحَيْثُ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِهَا جَعَلَ سَطْلًا عُمْقُهُ ذِرَاعٌ فِي سِعَةِ ذِرَاعٍ، فَامْتَلَأَ ثَلَاثَ دُفُعَاتٍ فِي نَحْوِ سَاعَةٍ، وَزَادَتْ دِجْلَةُ زِيَادَةً عَظِيمَةً، فَرَكِبَ الْمَاءَ الرَّبَضَ الْأَسْفَلَ، وَشَاطِئَ نَهْرِ سُوقِ الْأَرْبِعَاءَ، فَدَخَلَ كَثِيرًا مِنَ الْأَسْوَاقِ، فَقِيلَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمَوْصِلِ، وَهُوَ غَانِمُ بْنُ حُمَيْدٍ الطُّوسِيُّ، كَفَّنَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَبَقِيَ تَحْتَ الْهَدْمِ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَمْ يَحْمِلُوا سِوَى مَنْ حَمَلَهُ الْمَاءُ) .
(وَفِيهَا أَمَرَ الْوَاثِقُ بِتَرْكِ أَعْشَارِ سُفُنِ الْبَحْرِ) .
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ الدِّمَشْقِيُّ، مُصَنِّفُ الصَّوَايِفَ وَغَيْرِهَا، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْأَثْرَمُ النَّحْوِيُّ اللُّغَوِيُّ، أَخَذَ الْعِلْمَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَالْأَصْمَعِيِّ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَمْرُو النَّاقُّ.
стр. 3058
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٣٣ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ الْقَبْضِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الزَّيَّاتِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَضَ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الزَّيَّاتِ، وَحَبَسَهُ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ صَفَرَ.
وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ الْوَاثِقَ اسْتَوْزَرَ (مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَفَوَّضَ الْأُمُورَ كُلَّهَا إِلَيْهِ) وَكَانَ الْوَاثِقُ قَدْ غَضِبَ عَلَى أَخِيهِ جَعْفَرٍ الْمُتَوَكِّلِ، وَوَكَّلَ عَلَيْهِ مَنْ يَحْفَظُهُ وَيَأْتِيهِ بِأَخْبَارِهِ، فَأَتَى الْمُتَوَكِّلُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ يَسْأَلُهُ أَنْ يُكَلِّمَ الْوَاثِقَ لِيَرْضَى عَنْهُ، فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ لَا يُكَلِّمُهُ، ثُمَّ أَشَارَ عَلَيْهِ بِالْقُعُودِ فَقَعَدَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْهِ الْتَفَتَ إِلَيْهِ كَالْمُتَهَدِّدِ، وَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: جِئْتُ أَسْأَلُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الرِّضَى عَنِّي، فَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: انْظُرُوا، يُغْضِبُ أَخَاهُ ثُمَّ يَسْأَلُنِي أَنْ أَسْتَرْضِيَهُ لَهُ! اذْهَبْ، فَإِذَا صَلَحْتَ; رَضِيَ عَنْكَ.
فَقَامَ مِنْ عِنْدِهِ حَزِينًا، فَأَتَى أَحْمَدَ بْنَ أَبِي دُؤَادَ، فَقَامَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، وَاسْتَقْبَلَهُ عَلَى بَابِ الْبَيْتِ (وَقَبَّلَهُ) ، وَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ؟ جُعِلْتُ فِدَاكَ! قَالَ: جِئْتُ لِتَسْتَرْضِيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِي، قَالَ: أَفْعَلُ، وَنِعْمَةُ عَيْنٍ وَكَرَامَةٍ! فَكَلَّمَ أَحْمَدُ الْوَاثِقَ بِهِ، فَوَعَدَهُ وَلَمْ يَرْضَ عَنْهُ، (ثُمَّ كَلَّمَهُ فِيهِ ثَانِيَةً فَرْضِي عَنْهُ) وَكَسَاهُ.
وَلَمَّا خَرَجَ الْمُتَوَكِّلُ مِنْ عِنْدِ ابْنِ الزَّيَّاتِ كَتَبَ إِلَى الْوَاثِقِ: إِنَّ جَعْفَرًا أَتَانِي فِي زِيِّ
стр. 3059
الْمُخَنَّثِينَ، لَهُ شَعْرُ قَفَا، يَسْأَلُنِي أَنْ أَسْأَلَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الرِّضَى عَنْهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْوَاثِقُ: ابْعَثْ إِلَيْهِ، فَأَحْضِرْهُ، وَمُرْ مَنْ يَجُزُّ شَعْرَ قَفَاهُ، فَيَضْرِبُ بِهِ وَجْهَهُ.
قَالَ الْمُتَوَكِّلُ: لَمَّا أَتَانِي رَسُولُهُ لَبِسْتُ سَوَادًا جَدِيدًا، وَأَتَيْتُهُ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَتَاهُ الرِّضَى عَنِّي، فَاسْتَدْعَى حَجَّامًا، فَأَخَذَ شَعْرِي عَلَى السَّوَادِ الْجَدِيدِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ وَجْهِي، فَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ الْمُتَوَكِّلُ أُمْهِلَ حَتَّى كَانَ صَفَرُ، فَأَمَرَ إِيتَاخَ بِأَخْذِ ابْنِ الزَّيَّاتِ وَتَعْذِيبِهِ، فَاسْتُحْضِرَ، فَرَكِبَ يَظُنُّ أَنَّ الْخَلِيفَةَ يَسْتَدْعِيهِ، فَلَمَّا حَاذَى مَنْزِلَ إِيتَاخَ عَدَلَ بِهِ إِلَيْهِ، فَخَافَ، فَأَدْخَلَهُ حُجْرَةً، وَوَكَّلَ عَلَيْهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى مَنَازِلِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ هَجَمَ عَلَيْهَا، وَأَخَذَ كُلَّ مَا فِيهَا، وَاسْتَصْفَى أَمْوَالَهُ وَأَمْلَاكَهُ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ.
وَكَانَ شَدِيدَ الْجَزَعِ، كَثِيرَ الْبُكَاءِ وَالْفِكْرِ، ثُمَّ سُوهِرَ، (وَكَانَ يُنْخَسُ بِمِسَلَّةٍ لِئَلَّا يَنَامَ، ثُمَّ تُرِكَ فَنَامَ يَوْمًا وَلَيْلَةً) ، ثُمَّ جُعِلَ فِي تَنُّورٍ عَمِلَهُ هُوَ، وَعَذَّبَ بِهِ ابْنَ أَسْبَاطٍ الْمِصْرِيِّ، وَأَخَذَ مَالَهُ، فَكَانَ مِنْ خَشَبٍ فِيهِ مَسَامِيرُ مِنْ حَدِيدٍ أَطْرَافُهَا إِلَى دَاخِلِ التَّنُّورِ، وَتَمْنَعُ مَنْ يَكُونُ فِيهِ مِنَ الْحَرَكَةِ، وَكَانَ ضَيِّقًا بِحَيْثُ إِنَّ الْإِنْسَانَ كَانَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى فَوْقِ رَأْسِهِ; لِيَقْدِرَ عَلَى دُخُولِهِ لِضِيقِهِ، وَلَا يَقْدِرُ مَنْ يَكُونُ فِيهِ يَجْلِسُ، فَبَقِيَ أَيَّامًا، فَمَاتَ.
(وَكَانَ حَبْسُهُ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ صَفَرَ، وَمَوْتُهُ) إِحْدَى عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ مَوْتِهِ، فَقِيلَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَقِيلَ: بَلْ ضُرِبَ فَمَاتَ وَهُوَ يُضْرَبُ، وَقِيلَ مَاتَ بِغَيْرِ ضَرْبٍ، وَهُوَ أَصَحُّ.
فَلَمَّا مَاتَ حَضَرَهُ ابْنَاهُ سُلَيْمَانُ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ، وَكَانَا مَحْبُوسَيْنِ، وَطُرِحَ عَلَى الْبَابِ فِي قَمِيصِهِ الَّذِي حُبِسَ فِيهِ، فَقَالَا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرَاحَ مِنْ هَذَا الْفَاسِقِ! وَغَسَّلَاهُ عَلَى الْبَابِ، وَدَفَنَاهُ، فَقِيلَ إِنَّ الْكِلَابَ نَبَشَتْهُ وَأَكَلَتْ لَحْمَهُ.
стр. 3060
قَالَ: وَسُمِعَ قَبْلَ مَوْتِهِ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: يَا مُحَمَّدُ لَمْ تُقْنِعْكَ النِّعْمَةُ، وَالدَّوَابُّ، وَالدَّارُ النَّظِيفَةُ، وَالْكُسْوَةُ الْفَاخِرَةُ، وَأَنْتَ فِي عَافِيَةٍ، حَتَّى طَلَبْتَ الْوِزَارَةَ، ذُقْ مَا عَمِلْتَ بِنَفْسِكَ، ثُمَّ سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ، وَكَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى التَّشَهُّدِ، وَذِكْرِ اللَّهِ .
وَكَانَ ابْنُ الزَّيَّاتِ صَدِيقًا لِإِبْرَاهِيمَ الصُّولِيِّ، فَلَمَّا وَلِيَ الْوِزَارَةَ، صَادَرَهُ بِأَلْفِ أَلْفٍ وَخَمْسِ مِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ الصُّولِيُّ:
وَكُنْتَ أَخِي بِرَخَاءِ الزَّمَانِ ... فَلَمَّا نَبَا صِرْتَ حَرْبًا عَوَانَا
وَكُنْتُ أَذُمُّ إِلَيْكَ الزَّمَانَ ... فَأَصْبَحْتُ مِنْكَ أَذُمُّ الزَّمَانَا
وَكُنْتُ أُعِدُّكَ لِلنَّائِبَاتِ ... فَهَا أَنَا أَطْلُبُ مِنْكَ الْأَمَانَا
وَقَالَ أَيْضًا:
أَصْبَحْتُ مِنْ رَأْيِ أَبِي جَعْفَرٍ ... فِي هَيْئَةٍ تُنْذِرُ بِالصَّيْلَمِ
مِنْ غَيْرِ مَا ذَنْبٍ، وَلَكِنَّهَا ... عَدَاوَةُ الزِّنْدِيقِ لِلْمُسْلِمِ
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ حُبِسَ عُمَرُ بْنُ الْفَرَجِ الرُّخَّجِيُّ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُتَوَكِّلَ أَتَاهُ لَمَّا كَانَ أَخُوهُ الْوَاثِقُ سَاخِطًا عَلَيْهِ، وَمَعَهُ صَكٌّ لِيَخْتِمَهُ عُمَرُ لَهُ لِيَقْبِضَ أَرْزَاقَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَلَقِيَهُ عُمَرُ بِالْخَيْبَةِ، وَأَخَذَ صَكَّهُ، فَرَمَى بِهِ إِلَى صَحْنِ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ حَبْسُهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأُخِذَ مَالُهُ، وَأَثَاثُ بَيْتِهِ، وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ صُولِحَ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ أَلْفَ أَلْفٍ، عَلَى أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِ مَا حِيزَ مِنْ ضِيَاعِ الْأَهْوَازِ (حَسْبُ) ، فَكَانَ قَدْ أُلْبِسَ فِي حَبْسِهِ جُبَّةَ صُوفٍ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ يَهْجُوهُ:
جَمَعْتَ أَمْرَيْنِ ضَاعَ الْحَزْمُ بَيْنَهُمَا
:
تِيهَ الْمُلُوكِ وَأَفْعَالَ الصَّعَالِيكِ ... أَرَدْتَ شُكْرًا بِلَا بِرٍّ وَمَرْزِئَةٍ
لَقَدْ سَلَكْتَ سَبِيلًا غَيْرَ مَسْلُوكِ
стр. 3061
وَفِيهَا غَضِبَ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْجُنَيْدِ النَّصْرَانِيِّ كَاتِبِ سَمَّانَه، وَضَرَبَهُ، وَأَخَذَ مَالَهُ.
وَغَضِبَ أَيْضًا عَلَى أَبِي الْوَزِيرِ، وَأَخَذَ مَالَهُ وَمَالَ أَخِيهِ وَكَاتِبِهِ.
وَفِيهَا أَيْضًا عُزِلَ الْفَضْلُ بْنُ مَرْوَانَ عَنْ دِيوَانِ الْخَرَاجِ، وَوَلَّاهُ يَحْيَى بْنُ خَاقَانَ الْخُرَاسَانِيُّ مَوْلَى الْأَزْدِ.
وَوَلَّى إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْعَبَّاسَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صُولٍ دِيوَانَ زِمَامِ النَّفَقَاتِ.
وَفِيهَا وَلَّى الْمُتَوَكِّلُ ابْنَهُ الْمُنْتَصِرَ الْحَرَمَيْنِ وَالْيَمَنَ وَالطَّائِفَ فِي رَمَضَانَ.
وَفِيهَا فُلِجَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ.
وَفِيهَا وَثَبَ مِيخَائِيلُ بْنُ تَوْفِيلَ بِأُمِّهِ تَدُورَةَ، فَأَلْزَمَهَا الدَّيْرَ، وَقَتَلَ اللَّقْطَ لِأَنَّهُ كَانَ اتَّهَمَهَا بِهِ. فَكَانَ مَلَكَهَا سِتَّ سِنِينَ.
(وَفِيهَا عَزَلَ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَغْلَبِ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ أَمِيرُ إِفْرِيقِيَّةَ عَامِلُهُ عَلَى الزَّابِّ، وَاسْمُهُ سَالِمُ بْنُ غَلْبُونَ، فَأَقْبَلَ يُرِيدُ الْقَيْرَوَانَ، فَلَمَّا صَارَ بِقَلْعَةِ يلْبسيرَ أَضْمَرَ الْخِلَافَ وَسَارَ إِلَى الْأُرْبُسِ، فَمَنَعَهُ أَهْلُهَا مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهَا، فَسَارَ إِلَى بَاجَةَ، فَدَخَلَهَا، وَاحْتَمَى بِهَا، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ ابْنُ الْأَغْلَبِ جَيْشًا عَلَيْهِمْ خَفَاجَةُ بْنُ سُفْيَانَ، فَنَزَلَ
стр. 3062
عَلَيْهِ وَقَاتَلَهُ، فَهَرَبَ سَالِمٌ لَيْلًا، فَاتَّبَعَهُ خَفَاجَةُ، فَلَحِقَهُ، وَقَتَلَهُ، وَحَمَلَ رَأْسَهُ إِلَى ابْنِ الْأَغْلَبِ، وَكَانَ ابْنُ سَالِمٍ عِنْدَ ابْنِ الْأَغْلَبَ مَحْبُوسًا فَقَتَلَهُ) .
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ الْبَغْدَاديُّ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ، وَهُوَ صَاحِبُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ سَمَّاعَةَ الْقَاضِي، صَاحِبُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَقَدْ بَلَغَ مِائَةَ سَنَةٍ وَهُوَ صَحِيحُ الْحَوَاسِّ.
стр. 3063
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٣٤ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ هَرَبِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبُعَيْثِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ هَرَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْبُعَيْثِ بْنِ الْجُلَيْسِ، وَكَانَ سَبَبُ هَرَبِهِ أَنَّهُ جِيءَ بِهِ أَسِيرًا مِنْ أَذْرَبِيجَانَ إِلَى سَامَرَّا، وَكَانَ رَجُلٌ يَخْدِمُهُ يُسَمَّى خَلِيفَةَ، وَكَانَ الْمُتَوَكِّلُ مَرِيضًا، فَأَخْبَرَ خَلِيفَةُ ابْنَ الْبُعَيْثِ أَنَّ الْمُتَوَكِّلَ مَاتَ، وَلَمْ يَكُنْ مَاتَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ إِطْمَاعَ ابْنِ الْبُعَيْثِ فِي الْهَرَبِ، فَوَافَقَهُ عَلَى الْهَرَبِ، وَأَعَدَّ لَهُ دَوَابَّ، فَهَرَبَا إِلَى مَوْضِعِهِ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ، وَهُوَ مَرَنْدَ.
وَقِيلَ: كَانَ لَهُ قَلْعَةُ شَاهِي، وَقَلْعَةُ يَكْدُرَ.
وَقِيلَ: إِنَّ ابْنَ الْبُعَيْثِ كَانَ فِي حَبْسِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ، فَتَكَلَّمَ فِيهِ بُغَا الشَّرَابِيُّ، فَأُخِذَ مِنْهُ الْكُفَلَاءُ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ كَفِيلًا: مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مَزِيدٍ الشَّيْبَانِيُّ، فَكَانَ يَتَرَدَّدُ بِسَامَرَّا، فَهَرَبَ إِلَى مَرَنْدَ، وَجَمَعَ بِهَا الطَّعَامَ، وَهِيَ مَدِينَةٌ حَصِينَةٌ، وَفِيهَا عُيُونُ مَاءٍ، وَلَهَا بَسَاتِينُ كَثِيرَةٌ دَاخِلَ الْبَلَدِ.
وَأَتَاهُ مَنْ أَرَادَ الْفِتْنَةَ مِنْ رَبِيعَةَ وَغَيْرِهِمْ، فَصَارَ فِي نَحْوٍ مِنْ أَلْفَيْنِ وَمِائَتَيْ رَجُلٍ، وَكَانَ الْوَالِي بِأَذْرَبِيجَانَ مُحَمَّدَ بْنَ حَاتِمِ بْنِ هَرْثَمَةَ، فَقَصَّرَ فِي طَلَبِهِ، فَوَلَّى الْمُتَوَكِّلُ حَمْدَوَيْهِ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْفَضْلِ السَّعْدِيَّ أَذْرَبِيجَانَ، وَسَيَّرَهُ عَلَى الْبَرِيدِ، وَجَمَعَ النَّاسَ، وَسَارَ إِلَى ابْنِ الْبُعَيْثِ، فَحَصَرَهُ فِي مَرَنْدَ، فَلَمَّا طَالَتْ مُدَّةُ الْحِصَارِ بَعَثَ الْمُتَوَكِّلُ زَيْرَكَ التُّرْكِيَّ فِي مِائَتَيْ فَارِسٍ مِنَ الْأَتْرَاكِ، فَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْمُتَوَكِّلُ عُمَرَ بْنَ سَيْسِيلَ بْنِ
стр. 3064
كَالَ فِي تِسْعِ مِائَةِ فَارِسٍ، فَلَمْ يُغْنِ شَيْئًا فَوَجَّهَ بُغَا الشَّرَابِيَّ فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ.
وَكَانَ حَمْدَوَيْهِ، وَابْنُ سَيْسِيلَ، وَزَيْرَكُ قَدْ قَطَعُوا مِنَ الشَّجَرِ الَّذِي حَوْلَ مَرَنْدَ نَحْوَ مِائَةِ أَلْفِ شَجَرَةٍ، وَنَصَبُوا عَلَيْهَا عِشْرِينَ مَنْجَنِيقًا، وَنَصَبَ ابْنُ الْبُعَيْثِ عَلَيْهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الدُّنُوِّ مِنْ سُورِ الْمَدِينَةِ، فَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ الْمُتَوَكِّلِ فِي حَرْبِهِ، فِي ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ نَحْوُ مِائَةِ رَجُلٍ، وَجُرِحَ نَحْوُ أَرْبَعِ مِائَةٍ، وَأَصَابَ أَصْحَابُهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَكَانَ حَمْدَوَيْهِ، وَعُمْرُ وَزَيْرَكُ، يُغَادُونَهُ الْقِتَالَ وَيُرَاوِحِونَهُ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَتَدَلَّوْنَ بِالْحِبَالِ مِنَ السُّورِ مَعَهُمُ الرِّمَاحُ، فَيُقَاتِلُونَ، فَإِذَا حَمَلَ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُ الْخَلِيفَةِ تَجَارُوا إِلَى السُّورِ، وَحَمَوْا نُفُوسَهُمْ، فَكَانُوا يَفْتَحُونَ الْبَابَ، فَيَخْرُجُونَ، فَيُقَاتِلُونَ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ.
وَلَمَّا قَرُبَ بُغَا الشَّرَابِيُّ مِنْ مَرَنْدَ بَعَثَ عِيسَى بْنَ الشَّيْخِ بْنِ السَّلِيلِ، وَمَعَهُ أَمَانٌ لِوُجُوهِ ابْنِ الْبُعَيْثِ (أَنْ يَنْزِلُوا، وَأَمَانٌ لِابْنِ الْبُعَيْثِ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى حُكْمِ الْمُتَوَكِّلِ، فَنَزَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ بِالْأَمَانِ، ثُمَّ فَتَحُوا بَابَ الْمَدِينَةِ، فَدَخَلَ أَصْحَابُ الْمُتَوَكِّلِ، وَخَرَجَ ابْنُ الْبُعَيْثِ) هَارِبًا، فَلَحِقَهُ قَوْمٌ مِنَ الْجُنْدِ، فَأَخَذُوهُ أَسِيرًا، وَانْتَهَبَ الْجُنْدُ مَنْزِلَهُ وَمَنَازِلَ أَصْحَابِهِ، وَبَعْضَ مَنَازِلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ نُودِيَ بِالْأَمَانِ، وَأَخَذُوا لِابْنِ الْبُعَيْثِ أُخْتَيْنِ، وَثَلَاثَ بَنَاتٍ، وَعِدَّةً مِنَ السَّرَارِي، ثُمَّ وَافَاهُمْ بُغَا الشَّرَابِيُّ مِنْ غَدٍ، فَأُمِّرَ فَنُودِيَ بِالْمَنْعِ مِنَ النَّهْبِ، وَكَتَبَ بِالْفَتْحِ لِنَفْسِهِ، وَأُخِذَ ابْنُ الْبُعَيْثِ إِلَيْهِ.
ذِكْرُ إِيتَاخَ وَمَا صَارَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ
كَانَ إِيتَاخُ غُلَامًا خَزَرِيًّا، طَبَّاخًا لِسَلَّامٍ الْأَبْرَشِ، فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ الْمُعْتَصِمُ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ فِيهِ شَجَاعَةٌ، فَرَفَعَهُ الْمُعْتَصِمُ وَالْوَاثِقُ، وَضَمَّ إِلَيْهِ أَعْمَالًا كَثِيرَةً، مِنْهَا الْمَعُونَةُ بِسَامَرَّا مَعَ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ.
стр. 3065
وَكَانَ الْمُعْتَصِمُ، إِذَا أَرَادَ قَتْلَ أَحَدٍ، فَعِنْدَ إِيتَاخَ يُقْتَلُ، وَبِيَدِهِ، فَحَبَسَ مِنْهُمْ أَوَّلًا الْمَأْمُونَ بْنَ سُنْدُسٍ، وَابْنَ الزَّيَّاتِ، وَصَالِحَ بْنَ عُجَيْفٍ، وَغَيْرَهُمْ، وَكَانَ مَعَ الْمُتَوَكِّلِ فِي مَرْتَبَتِهِ، وَإِلَيْهِ الْجَيْشُ، وَالْمَغَارِبَةُ، وَالْأَتْرَاكُ، وَالْأَمْوَالُ، وَالْبَرِيدُ، وَالْحِجَابَةُ، وَدَارُ الْخِلَافَةِ
فَلَمَّا تَمَكَّنَ الْمُتَوَكِّلُ مِنِ الْخِلَافَةِ شَرِبَ فَعَرْبَدَ عَلَى إِيتَاخَ، فَهَمَّ إِيتَاخُ بِقَتْلِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ الْمُتَوَكِّلُ قِيلَ لَهُ، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، أَنْتَ أَبِي، وَأَنْتَ رَبَّيْتَنِي، ثُمَّ وَضَعَ عَلَيْهِ مَنْ يُحَسِّنُ لَهُ الْحَجَّ، فَاسْتَأْذَنَ (فِيهِ الْمُتَوَكِّلَ، فَأَذِنَ) لَهُ، وَصَيَّرَهُ أَمِيرَ كُلِّ بَلَدٍ يَدْخُلُهُ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَسَارَ الْعَسْكَرُ جَمِيعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا فَارَقَ جُعِلَتِ الْحِجَابَةُ إِلَى وَصَيْفٍ فِي ذِي الْقِعْدَةِ.
وَقِيلَ إِنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ.
ذِكْرُ الْخُلْفِ بِإِفْرِيقِيَّةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ التُّجِيبِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْقُوَيْعِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْأَغْلَبِ أَمِيرِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ جَيْشًا، فَحَصَرَهُ بِمَدِينَةِ تُونِسَ هَذِهِ السَّنَةَ، فَلَمْ يَبْلُغُوا مِنْهُ غَرَضًا، فَعَادُوا عَنْهُ.
فَلَمَّا دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَيَّرَ إِلَيْهِ ابْنُ الْأَغْلَبِ جَيْشًا، فَالْتَقَوْا بِالْقُرْبِ مِنْ تُونِسَ، فَفَارَقَ جَيْشَ ابْنِ الْأَغْلَبِ جَمْعٌ كَثِيرٌ، وَقَصَدُوا الْقُوَيْعَ فَصَارُوا مَعَهُ، فَانْهَزَمَ جَيْشُ ابْنِ الْأَغْلَبِ وَقَوِيَ الْقُوَيْعُ، فَلَمَّا دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ سَيَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَغْلَبِ إِلَيْهِ جَيْشًا، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الْقُوَيْعُ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَأَدْرَكَ الْقُوَيْعَ إِنْسَانٌ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَدَخَلَ جَيْشُ ابْنِ الْأَغْلَبِ مَدِينَةَ تُونِسَ بِالسَّيْفِ فِي جُمَادَى الْأُولَى.
стр. 3066
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
حَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ (بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ) .
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ جَعْفَرُ بْنُ مُبَشِّرِ بْنِ أَحْمَدَ الثَّقَفِيُّ الْمُتَكَلِّمُ، أَحَدُ الْمُعْتَزِلَةِ الْبَغْدَادِيِّينَ، وَلَهُ مَقَالَةٌ يَتَفَرَّدُ بِهَا.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو خُثَيْمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ فِي شَعْبَانَ، وَكَانَ حَافِظًا لِلْحَدِيثِ، وَأَبُو أَيُّوبَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ بِشْرٍ الْمِنْقَرِيُّ الْبَصْرِيُّ الْمَعْرُوفُ (بِالشَّاذَكُونِيِّ بِأَصْبَهَانَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْمَدِينِيِّ الْحَافِظِ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ [وَمِائَتَيْنِ] ، وَهُوَ إِمَامٌ ثِقَةٌ، وَكَانَ وَالِدُهُ ضَعِيفًا فِي الْحَدِيثِ.
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الطَّالَقَانِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الْمَقَابِرِيُّ،
стр. 3067
وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ.
стр. 3068
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٣٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ قَتْلِ إِيتَاخَ
قَدْ ذَكَرْنَا مَا كَانَ مِنْهُ مَعَ الْمُتَوَكِّلِ وَسَبَبَ حَجِّهِ، فَلَمَّا عَادَ مِنْ مَكَّةَ كَتَبَ الْمُتَوَكِّلُ إِلَى إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بِبَغْدَاذَ يَأْمُرُهُ بِحَبْسِهِ، وَأَنْفَذَ الْمُتَوَكِّلُ كُسْوَةً وَهَدَايَا إِلَى طَرِيقِ إِيتَاخَ، فَلَمَّا قَرُبَ إِيتَاخُ مِنْ بَغْدَادَ خَرَجَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ إِلَى لِقَائِهِ، وَكَانَ إِيتَاخُ أَرَادَ الْمَسِيرَ عَلَى الْأَنْبَارِ إِلَى سَامَرَّا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ إِسْحَاقُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَمَرَ أَنْ تَدْخُلَ بَغْدَادَ، وَأَنْ يَلْقَاكَ بَنُو هَاشِمٍ، وَوُجُوهُ النَّاسِ، وَأَنْ تَقْعُدَ لَهُمْ فِي دَارِ خُزَيْمَةَ بْنِ خَازِمٍ، وَتَأْمُرَ لَهُمْ بِالْجَوَائِزِ.
فَجَاءَ إِلَى بَغْدَادَ، فَلَقِيَهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، فَلَمَّا رَآهُ إِسْحَاقُ أَرَادَ النُّزُولَ لَهُ، فَحَلَفَ عَلَيْهِ إِيتَاخُ أَنْ لَا يَفْعَلَ، وَكَانَ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ مِنْ غِلْمَانِهِ وَأَصْحَابِهِ، فَلَمَّا صَارَ بِبَابِ دَارِ خُزَيْمَةَ وَقَفَ إِسْحَاقُ، وَقَالَ لَهُ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، لِيَدْخُلْ! فَدَخَلَ إِيتَاخُ، وَوَقَفَ إِسْحَاقُ عَلَى الْبَابِ، فَمَنَعَ أَصْحَابَهُ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ، وَوَكَّلَ بِالْأَبْوَابِ، وَأَقَامَ عَلَيْهَا الْحَرَسَ، فَحِينَ رَأَى إِيتَاخُ ذَلِكَ، قَالَ: قَدْ فَعَلُوهَا، وَلَوْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بِبَغْدَاذَ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ، وَأَخَذُوا مَعَهُ وَلَدَيْهِ مَنْصُورًا وَمُظَفَّرًا، وَكَاتِبَيْهِ سُلَيْمَانَ بْنَ وَهْبٍ، وَقُدَامَةَ بْنَ زِيَادٍ، فَحُبِسُوا بِبَغْدَاذَ أَيْضًا.
وَأَرْسَلَ إِيتَاخُ إِلَى إِسْحَاقَ: قَدْ عَلِمْتَ مَا أَمَرَنِي بِهِ الْمُعْتَصِمُ وَالْوَاثِقُ فِي أَمْرِكَ، وَكُنْتُ أُدَافِعُ عَنْكَ، فَلْيُشَفِّعْنِي ذَلِكَ عِنْدَكَ فِي وَلَدَيَّ، فَأَمَّا أَنَا فَقَدَ مَرَّ بِي شِدَّةٌ وَرَخَاءٌ، فَمَا أُبَالِي مَا أَكَلْتُ وَمَا شَرِبْتُ، وَأَمَّا هَذَانِ الْغُلَامَانِ (فَلَمْ يَعْرِفَا الْبُؤْسَ) ،
стр. 3069
فَاجْعَلْ لَهُمَا طَعَامًا يُصْلِحُهُمَا.
فَفَعَلَ إِسْحَاقُ ذَلِكَ، وَقَيَّدَ إِيتَاخَ، وَجَعَلَ فِي عُنُقِهِ ثَمَانِينَ رِطْلًا، فَمَاتَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَأَشْهَدَ إِسْحَاقُ جَمَاعَةً مِنَ الْأَعْيَانِ أَنَّهُ لَا ضَرْبَ بِهِ وَلَا أَثَرَ.
وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّهُمْ أَطْعَمُوهُ، وَمَنَعُوهُ الْمَاءَ حَتَّى مَاتَ عَطَشًا.
وَأَمَّا وَلَدَاهُ فَإِنَّهُمَا بَقِيَا مَحْبُوسَيْنِ حَيَاةَ الْمُتَوَكِّلِ، فَلَمَّا وَلِيَ الْمُنْتَصِرُ أَخْرَجَهُمَا، فَأَمَّا مُظَفَّرٌ فَبَقَى بَعْدَ أَنْ خَرَجَ مِنَ السِّجْنِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَمَاتَ، وَأَمَّا مَنْصُورٌ فَعَاشَ بَعْدَهُ.
ذِكْرُ أَسْرِ ابْنِ الْبُعَيْثِ وَمَوْتِهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَ بُغَا الشَّرَابِيُّ بِابْنِ الْبُعَيْثِ فِي شَوَّالَ، وَبِخَلِيفَتِهِ أَبِي الْأَغَرِّ، وَبِأَخَوَيْهِ صَقْرٍ وَخَالِدٍ، وَكَاتَبَهُ الْعَلَاءُ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا قَرَبُوا مِنْ سَامَرَّا حُمِلُوا عَلَى الْجِمَالِ لِيَرَاهُمُ النَّاسُ، فَلَمَّا أُحْضِرَ ابْنُ الْبُعَيْثِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُتَوَكِّلِ أَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ، فَجَاءَ السَّيَّافُ، وَسَبَّهُ الْمُتَوَكِّلُ، وَقَالَ: مَا دَعَاكَ إِلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: الشِّقْوَةُ، وَأَنْتَ الْحَبْلُ الْمَمْدُودُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، وَإِنَّ لِي فِيكَ لَظَنَّيْنِ أَسْبَقُهُمَا إِلَى قَلْبِي أَوْلَاهُمَا بِكَ، وَهُوَ الْعَفْوُ، ثُمَّ قَالَ بِلَا فَصْلٍ:
أَبَى النَّاسُ إِلَّا أَنَّكَ الْيَوْمَ قَاتِلِي ... إِمَامَ الْهُدَى وَالصَّفْحُ بِالْمَرْءِ أَجْمَلُ
وَهَلْ أَنَا إِلَّا جُبْلَةٌ مِنْ خَطِيئَةٍ ... وَعَفْوُكَ مِنْ نُورِ النُّبُوَّةِ يُجْبَلُ
فَإِنَّكَ خَيْرُ السَّابِقِينَ إِلَى الْعُلَى ... وَلَا شَكَّ أَنَّ خَيْرَ الْفَعَالِينَ تَفْعَلُ
فَقَالَ الْمُتَوَكِّلُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: إِنَّ عِنْدَهُ لَأَدَبًا، فَقَالَ: بَلْ يَفْعَلُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَيَمُنُّ
стр. 3070
عَلَيْهِ، فَأَمَرَ بِرَدِّهِ، فَحُبِسَ مُقَيَّدًا، وَقِيلَ: إِنَّ الْمُعْتَزَّ شَفَعَ فِيهِ إِلَى أَبِيهِ فَأَطْلَقَهُ، وَكَانَ الْبُعَيْثُ قَدْ قَالَ حِينَ هَرَبَ:
كَمْ قَدْ قَضَيْتُ أُمُورًا كَانَ أَهْمَلَهَا ... غَيْرِي وَقَدْ أَخَذَ الْإِفْلَاسُ بِالْكَظَمِ
لَا تَعْذُلِينِي فَمَالِي لَيْسَ يَنْفَعُنِي ... إِلَيْكِ عَنِّي جَرَى الْمِقْدَارُ بِالْقَلَمِ
سَأُتْلِفُ الْمَالَ فِي عُسْرٍ وَفِي يُسْرٍ ... إِنَّ الْجَوَادَ الَّذِي يُعْطِي عَلَى الْعُدُمِ
وَمَاتَ ابْنُ الْبُعَيْثِ بَعْدَ دُخُولِهِ سَامَرَّا بِشَهْرٍ، قِيلَ: كَانَ قَدْ جُعِلَ فِي عُنُقِهِ مِائَةُ رِطْلٍ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى مَاتَ، وَجُعِلَ بَنُوهُ: (جُلَيْسٌ وَصَقْرٌ) ، وَالْبُعَيْثُ، فِي عِدَادِ الشَّاكِرِيَّةِ مَعَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَاقَانَ.
ذِكْرُ الْبَيْعَةِ لِأَوْلَادِ الْمُتَوَكِّلِ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ
فِي هَذَا السَّنَةِ عَقَدَ الْمُتَوَكِّلُ الْبَيْعَةَ لِبَنِيهِ الثَّلَاثَةِ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ وَهُمْ: مُحَمَّدٌ، وَلَقَبُهُ: الْمُنْتَصِرُ بِاللَّهِ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ، (وَقِيلَ: طَلْحَةُ) ، وَقِيلَ: الزُّبَيْرُ، وَلَقَبُهُ: الْمُعْتَزُّ بِاللَّهِ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَلَقَبُهُ: الْمُؤَيَّدُ بِاللَّهِ، وَعَقَدَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِوَاءَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَسْوَدُ وَهُوَ لِوَاءُ الْعَهْدِ، وَالْآخَرُ أَبْيَضُ وَهُوَ لِوَاءُ الْعَمَلِ، فَأَعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا نَذْكُرُهُ.
فَأَمَّا الْمُنْتَصِرُ فَأَقْطَعَهُ إِفْرِيقِيَّةَ وَالْمَغْرِبَ كُلَّهُ، وَالْعَوَاصِمَ، وَقِنَّسْرِينَ، وَالثُّغُورَ جَمِيعَهَا، الشَّامِيَّةَ وَالْجَزْرِيَّةَ، وَدِيَارَ مُضَرَ، وَدِيَارَ رَبِيعَةَ، وَالْمَوْصِلَ، وَهِيتَ، وَعَانَةَ،
стр. 3071
وَالْأَنْبَارَ، وَالْخَابُورَ، وَكُورَ بَاجَرْمَى، وَكُورَ دِجْلَةَ، وَطَسَاسِيجَ السُّوَّادِ جَمِيعَهَا، وَالْحَرَمَيْنِ، وَالْيَمَنَ وَحَضْرَمَوْتَ، وَالْيَمَامَةَ، وَالْبَحْرِينِ، وَالسِّنْدَ، وَمَكْرَانَ، وَقَنْدَابِيلَ، وَفُرْجَ بَيْتِ الذَّهَبِ، وَكُورَ الْأَهْوَازِ، وَالْمُسْتَغَلَّاتِ بِسَامَرَّا، وَمَاهَ الْكُوفَةِ، وَمَاهَ الْبَصْرَةِ (وَمَاسْبَذَانَ، وَمِهْرِجَانِ قَذْقَ، وَشَهْزُورَ، وَالصَّامَغَانِ، وَأَصْبَهَانَ، وَقُمَّ) ، وَقَاشَانَ، وَالْجَبَلَ جَمِيعَهُ، وَصَدَقَاتِ الْعَرَبِ بِالْبُسْرَةِ.
وَأَمَّا الْمُعْتَزُّ فَأَقْطَعَهُ، خُرَاسَانَ وَمَا يُضَافُ إِلَيْهَا، وَطَبَرِسْتَانَ، وَالرَّيَّ، وَأَرْمِينِيَّةَ، وَأَذْرَبِيجَانَ، وَكُورَ فَارِسٍ، ثُمَّ أَضَافَ إِلَيْهِ فِي سَنَةِ أَرْبَعِينَ [وَمِائَتَيْنِ] خِزَنَ الْأَمْوَالِ فِي جَمِيعِ الْآفَاقِ، وَدُورَ الضَّرْبِ، وَأَمَرَ أَنْ يُضْرَبَ اسْمُهُ عَلَى الدَّرَاهِمِ.
وَأَمَّا الْمُؤَيَّدُ فَأَقْطَعُهُ جُنْدَ دِمَشْقَ، وَجُنْدَ فِلَسْطِينَ.
ذِكْرُ ظُهُورِ رَجُلٍ ادَّعَى النُّبُوَّةَ
وَفِيهَا ظَهَرَ بِسَامَرَّا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مَحْمُودُ بْنُ الْفَرَجِ النَّيْسَابُورِيُّ، فَزَعَمَ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَّهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ، وَتَبِعَهُ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا، وَخَرَجَ مِنْ أَصْحَابِهِ بِبَغْدَاذَ رَجُلَانِ بِبَابِ الْعَامَّةِ، وَآخَرَانِ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، فَأُتِيَ بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ الْمُتَوَكِّلَ، فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَ (ضَرْبًا شَدِيدًا، وَحُمِلَ إِلَى بَابِ الْعَامَّةِ، فَكَذَّبَ نَفْسَهُ، وَأَمَرَ أَصْحَابُهُ أَنْ يَضْرِبُوهُ) كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَشْرَ صَفَعَاتٍ، فَفَعَلُوا، وَأَخَذُوا لَهُ مُصْحَفًا فِيهِ كَلَامٌ قَدْ جَمَعَهُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ قُرْآنٌ، وَأَنَّ جِبْرَائِيلَ نَزَلَ بِهِ، ثُمَّ مَاتَ مِنَ الضَّرْبِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَحُبِسَ أَصْحَابُهُ، وَكَانَ فِيهِمْ شَيْخٌ
стр. 3072
يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَّ الْوَحْيَ يَأْتِيهِ.
ذِكْرُ مَا كَانَ بِالْأَنْدَلُسِ مِنَ الْحَوَادِثِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ عَبَّاسُ بْنُ وَلِيدٍ الْمَعْرُوفُ بِالطَّبْلِيِّ، بِنَوَاحِي تُدْمِيرَ، لِمُحَارَبَةِ جَمْعٍ اجْتَمَعُوا، وَقَدَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ رَجُلًا اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سَابِقٍ، فَوَطِئَ عَبَّاسٌ بَلَدَهُمْ، وَأَوْقَعَ بِهِمْ، وَأَصْلَحَهُمْ وَعَادَ.
وَفِيهَا ثَارَ أَهْلُ تَاكُرُنَا وَمَنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْبَرْبَرِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ جَيْشُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ، فَقَاتَلَهُمْ، وَأَوْقَعَ بِهِمْ، وَأَعْظَمَ النِّكَايَةِ فِيهِمْ.
وَفِيهَا سَيَّرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنَهُ الْمُنْذِرَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ لِغَزْوِ الرُّومِ، فَبَلَغُوا أُلْبَةَ.
وَفِيهَا كَانَ سَيْلٌ عَظِيمٌ فِي رَجَبٍ، فِي بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ، فَخَرِبَ جِسْرُ إِسْتِجَةَ، وَخَرَّبَ الْأَرْحَاءَ، وَغَرَّقَ نَهْرُ إِشْبِيلِيَّةَ سِتَّ عَشْرَةَ قَرْيَةً، وَخَرَّبَ نَهْرُ تَاجَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ قَرْيَةً، وَصَارَ عَرْضُهُ ثَلَاثِينَ مِيلًا، وَكَانَ هَذَا حَدَثًا عَظِيمًا وَقَعَ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ.
وَفِيهَا هَلَكَ رُدْمِيرُ بْنُ أَذْفُونْسَ فِي رَجَبٍ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ ثَمَانِيَةَ أَعْوَامٍ.
وَفِيهَا هَلَكَ أَبُو السَّولِ الشَّاعِرُ سَعِيدُ بْنُ يَعْمُرَ بْنِ عَلِيٍّ بِسَرَقُسْطَةَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ الْمُتَوَكِّلُ أَهْلَ الذِّمَّةِ بِلَبْسِ الطَّيَالِسَةِ الْعَسَلِيَّةِ، وَشَدِّ الزَّنَانِيرِ، وَرُكُوبِ السُّرُوجِ بِالرَّكْبِ الْخَشَبِ، وَعَمَلِ كُرَتَيْنِ فِي مُؤَخِّرِ السُّرُوجِ، وَعَمَلِ رُقْعَتَيْنِ عَلَى لِبَاسِ مَمَالِيكِهِمْ مُخَالِفَتَيْنِ لَوْنَ الثَّوْبِ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا قَدْرُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ، وَلَوْنُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا غَيْرُ لَوْنِ الْأُخْرَى، وَمَنْ خَرَجَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَلْبَسُ إِزَارًا عَسَلِيًّا، وَمَنَعَهُمْ مِنْ لِبَاسِ الْمَنَاطِقِ، وَأَمَرَ بِهَدْمِ بِيَعِهِمُ الْمُحْدَثَةِ، وَبِأَخْذِ الْعُشْرِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ، وَأَنْ يُجْعَلَ عَلَى
стр. 3073
أَبْوَابِ دُورِهِمْ صُوَرُ شَيَاطِينَ مِنْ خَشَبٍ، وَنَهَى أَنْ يُسْتَعَانَ بِهِمْ فِي أَعْمَالِ السُّلْطَانِ، وَلَا يُعَلِّمُهُمْ مُسْلِمٌ، وَأَنْ يُظْهِرُوا فِي شَعَانِينِهِمْ صَلِيبًا، وَأَنْ يَسْتَعْمِلُوهُ فِي الطَّرِيقِ، وَأَمَرَ بِتَسْوِيَةِ قُبُورِهِمْ مَعَ الْأَرْضِ، وَكَتَبَ فِي ذَلِكَ إِلَى الْآفَاقِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُصْعَبٍ) الْمُصْعَبِيُّ، (وَهُوَ ابْنُ أَخِي طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ) ، وَكَانَ صَاحِبَ الشُّرْطَةِ (بِبَغْدَاذَ أَيَّامَ الْمَأْمُونِ، وَالْمُعْتَصِمِ، وَالْوَاثِقِ، وَالْمُتَوَكِّلِ) ، وَلَمَّا مَرِضَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمُتَوَكِّلُ ابْنَهُ الْمُعْتَزَّ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْقُوَّادِ يَعُودُونَهُ، وَجَزِعَ الْمُتَوَكِّلُ لِمَوْتِهِ.
وَفِيهَا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ، كَانَ شَرِبَ دَوَاءً، فَأَفْرَطَ عَلَيْهِ، فَحُبِسَ الطَّبْعُ، فَمَاتَ، وَكَانَ مَوْتُهُ وَمَوْتُ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ فِي ذِي الْحِجَّةِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَقِيلَ: مَاتَ الْحَسَنُ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ.
[بَقِيَّةُ الْحَوَادِثِ]
وَفِيهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ تَغَيَّرَ مَاءُ دِجْلَةَ إِلَى الصُّفْرَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَفَزِعَ النَّاسُ، ثُمَّ صَارَ فِي لَوْنِ مَاءِ الْمُدَوِّدِ.
وَفِيهَا أَتَى الْمُتَوَكِّلُ يَحْيَى بْنَ عُمَرَ بْنِ يَحْيَى بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ (بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇ . (وَكَانَ قَدْ جَمَعَ جَمْعًا بِبَعْضِ النَّوَاحِي، فَأُخِذَ) ، وَحُبِسَ، وَضُرِبَ.
стр. 3074
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ.
[بَقِيَّةُ الْوَفَيَاتِ]
وَفِيهَا مَاتَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْصِلِيُّ، صَاحِبُ الْأَلْحَانِ وَالْغِنَاءِ، وَكَانَ فِيهِ عِلْمٌ وَأَدَبٌ، وَلَهُ شِعْرٌ جَيِّدٌ.
وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ الْجُشَمِيُّ الْقَوَارِيرِيُّ فِي ذِي الْحِجَّةِ.
وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيَّةَ، وَمَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ أَبُو الْحَارِثِ.
(سُرَيْجٌ: بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ) .
стр. 3075
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٣٦ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ مَقْتَلِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ أَخُو إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ إِسْحَاقَ أَرْسَلَ وَلَدَهُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى بَابِ الْخَلِيفَةِ; لِيَكُونَ نَائِبًا عَنْهُ بِبَابِهِ، فَلَمَّا مَاتَ إِسْحَاقُ عَقَدَ الْمُعْتَزُّ لِابْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَلَى فَارِسٍ، وَعَقَدَ لَهُ الْمُنْتَصِرُ عَلَى الْيَمَامَةِ وَالْبَحْرَيْنِ (وَطَرِيقِ مَكَّةَ) فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَضَمَّ إِلَيْهِ الْمُتَوَكِّلُ أَعْمَالَ أَبِيهِ كُلَّهَا، وَحَمَلَ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ وَأَوْلَادِهِ مِنَ الْجَوَاهِرِ الَّتِي كَانَتْ لِأَبِيهِ، وَالْأَشْيَاءِ النَّفِيسَةِ كَثِيرًا.
وَكَانَ عَمُّهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَلَى فَارِسٍ، فَلَمَّا بَلَغَهُ مَا صَنَعَ الْمُتَوَكِّلُ وَأَوْلَادُهُ بِابْنِ أَخِيهِ سَاءَهُ ذَلِكَ، وَتَنَكَّرَ لِلْخَلِيفَةِ وَلِابْنِ أَخِيهِ، فَشَكَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ذَلِكَ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ، فَأَطْلَقَهُ فِي عَمِّهِ لِيَفْعَلَ بِهِ مَا يَشَاءُ، فَعَزَلَهُ عَنْ فَارِسٍ، وَاسْتَعْمَلَ مَكَانَهُ ابْنَ عَمِّهِ الْحُسَيْنَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ، وَأَمَرَهُ بِقَتْلِ عَمِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ.
فَلَمَّا سَارَ الْحُسَيْنُ إِلَى فَارِسٍ أَهْدَى إِلَى عَمِّهِ يَوْمَ النَّيْرُوزِ هَدَايَا، وَفِيهَا حَلْوَى فَأَكَلَ مُحَمَّدٌ مِنْهَا، وَأَدْخَلَهُ الْحُسَيْنُ بَيْتًا، وَوَكَّلَ عَلَيْهِ، فَطَلَبَ الْمَاءَ لِيَشْرَبَ، فَمُنِعَ مِنْهُ، فَمَاتَ بَعْدَ يَوْمَيْنِ.
стр. 3076
ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ الْمُتَوَكِّلُ بِمَشْهَدِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ الْمُتَوَكِّلُ بِهَدْمِ قَبْرِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، ﵇، وَهَدْمِ مَا حَوْلَهُ مِنَ الْمَنَازِلِ وَالدُّورِ، وَأَنْ يُبْذَرَ وَيُسْقَى قَبْرُهُ، وَأَنْ يُمْنَعَ النَّاسُ مِنْ إِتْيَانِهِ، فَنَادَى [عَامِلُ صَاحِبِ الشُّرْطَةِ] بِالنَّاسِ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ: مَنْ وَجَدْنَاهُ عِنْدَ قَبْرِهِ، بَعْدَ ثَلَاثَةٍ، حَبَسْنَاهُ فِي الْمُطْبِقِ! فَهَرَبَ النَّاسُ، وَتَرَكُوا زِيَارَتَهُ، وَحُرِثَ، وَزُرِعَ.
وَكَانَ الْمُتَوَكِّلُ شَدِيدَ الْبُغْضِ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵇، وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ، وَكَانَ يَقْصِدُ مَنْ يَبْلُغُهُ عَنْهُ أَنَّهُ يَتَوَلَّى عَلِيًّا وَأَهْلَهُ بِأَخْذِ الْمَالِ وَالدَّمِ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ نُدَمَائِهِ عُبَادَةُ الْمُخَنَّثُ، وَكَانَ يَشُدُّ عَلَى بَطْنِهِ، تَحْتَ ثِيَابِهِ، مِخَدَّةً، وَيَكْشِفُ رَأْسَهُ، وَهُوَ أَصْلَعُ، وَيَرْقُصُ بَيْنَ يَدَيِ الْمُتَوَكِّلِ، وَالْمُغْنُونَ يُغَنُّونَ: قَدْ أَقْبَلَ الْأَصْلَعُ الْبَطِينُ، خَلِيفَةُ الْمُسْلِمِينَ، يَحْكِي بِذَلِكَ عَلِيًّا، ﵇، وَالْمُتَوَكِّلُ يَشْرَبُ، وَيَضْحَكُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ يَوْمًا، وَالْمُنْتَصِرُ حَاضِرٌ، فَأَوْمَأَ إِلَى عُبَادَةَ يَتَهَدَّدُهُ، فَسَكَتَ خَوْفًا مِنْهُ، فَقَالَ الْمُتَوَكِّلُ: مَا حَالُكَ؟ فَقَامَ، وَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ الْمُنْتَصِرُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ الَّذِي يَحْكِيهِ هَذَا الْكَاتِبُ، وَيَضْحَكُ مِنْهُ النَّاسُ، هُوَ ابْنُ عَمِّكَ، وَشَيْخُ أَهْلِ بَيْتِكَ، وَبِهِ فَخْرُكَ، فَكُلْ أَنْتَ لَحْمَهُ، إِذَا شِئْتَ، وَلَا تُطْعِمْ هَذَا الْكَلْبَ وَأَمْثَالَهُ مِنْهُ! فَقَالَ الْمُتَوَكِّلُ لِلْمُغَنِّينَ: غَنُّوا جَمِيعًا:
غَارَ الْفَتَى لِابْنِ عَمِّهْ رَأْسُ الْفَتَى فِي حِرِ أُمِّهِ فَكَانَ هَذَا مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي اسْتَحَلَّ بِهَا الْمُنْتَصِرُ قَتْلَ الْمُتَوَكِّلِ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْمُتَوَكِّلَ كَانَ يُبْغِضُ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ: الْمَأْمُونُ، وَالْمُعْتَصِمُ، وَالْوَاثِقُ فِي مَحَبَّةِ عَلَيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يُنَادِمُهُ وَيُجَالِسُهُ جَمَاعَةٌ قَدِ اشْتَهَرُوا بِالنَّصْبِ، وَالْبُغْضِ لِعَلِيٍّ، مِنْهُمْ: عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ، الشَّاعِرُ الشَّامِيُّ، وَمِنْ بَنِي شَامَةَ ابْنُ لُؤَيٍّ، وَعُمَرُ بْنُ فَرَجٍ الرُّخَّجِيُّ، وَأَبُو السِّمْطِ مِنْ وَلَدِ مَرْوَانَ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، مِنْ مَوَالِي بَنِي أُمَيَّةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ الْهَاشِمِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَتْرُجَّةَ.
стр. 3077
وَكَانُوا يُخَوِّفُونَهُ مِنَ الْعَلَوِيِّينَ، وَيُشِيرُونَ عَلَيْهِ بِإِبْعَادِهِمْ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ، وَالْإِسَاءَةِ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ حَسَّنُوا لَهُ الْوَقِيعَةَ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ يَعْتَقِدُ النَّاسُ عُلُوَّ مَنْزِلَتِهِمْ فِي الدِّينِ، وَلَمْ يَبْرَحُوا بِهِ حَتَّى ظَهَرَ مِنْهُ مَا كَانَ، فَغَطَّتْ هَذِهِ السَّيِّئَةُ جَمِيعَ حَسَنَاتِهِ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ سِيرَةً، وَمَنَعَ النَّاسَ مِنَ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَحَاسِنِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَكْتَبَ الْمُتَوَكِّلُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ يَحْيَى بْنِ خَاقَانَ.
وَفِيهَا حَجَّ الْمُنْتَصِرُ بِاللَّهِ، وَحَجَّتْ مَعَهُ جَدَّتُهُ أُمُّ الْمُتَوَكِّلِ.
وَفِيهَا هَلَكَ أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْمَرْوَزِيُّ فَجْأَةً، وَكَانَ عُقِدَ لَهُ عَلَى أَرْمِينِيَّةَ، وَأَذْرَبِيجَانَ، فَلَبِسَ أَحَدَ خُفَّيْهِ، وَمَدَّ الْآخَرَ لِيَلْبَسَهُ، فَمَاتَ، فَوَلَّى الْمُتَوَكِّلُ ابْنَهُ يُوسُفَ مَا كَانَ إِلَى أَبِيهِ (مِنَ الْحَرْبِ) وَوَلَّاهُ خَرَاجَ النَّاحِيَةِ، فَسَارَ إِلَيْهَا وَضَبَطَهَا.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ الْمُنْتَصِرُ.
وَفِيهَا خَرَجَ حَبِيبٌ الْبَرْبَرِيُّ بِالْأَنْدَلُسِ بِجِبَالِ الْجَزِيرَةِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ، فَأَغَارُوا، وَاسْتَطَالُوا، فَسَارَ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنَ، فَقَاتَلَهُمْ، فَهَزَمَهُمْ، فَتَفَرَّقُوا.
(وَفِيهَا غَزَا جَيْشٌ بِالْأَنْدَلُسِ بِلَادَ بَرْشِلُونَةَ، فَقَتَلُوا مِنْ أَهْلِهَا، فَأَكْثَرُوا، وَأَسَرُوا جَمًّا غَفِيرًا، وَغَنِمُوا، وَعَادُوا سَالِمِينَ) .
стр. 3078
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، وَشَيْبَانُ الْأُبُلِّيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّافِعِيُّ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ابْنِ الْعَوَّامِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ، وَكَانَ عُمْرُهُ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَهُوَ عَمُّ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ، وَكَانَ عَالِمًا فَقِيهًا، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ مُنْحَرِفًا عَنْ عَلِيٍّ، ﵇.
وَفِيهَا أَيْضًا تُوُفِّيَ مَنْصُورُ بْنُ الْمَهْدِيِّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيُّ الْمُسَيَّبِيُّ الْبَغْدَادِيُّ، وَكَانَ ثِقَةً.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ جَعْفَرُ بْنُ حَرْبٍ الْهَمَذَانِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ الْبَغْدَادِيِّينَ، وَعُمْرُهُ تِسْعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، وَأَخَذَ الْكَلَامَ عَنِ ابْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ الْعَلَّافِ الْبَصْرِيِّ.
стр. 3079
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٣٧ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ وُثُوبِ أَهْلِ أَرْمِينِيَّةَ بِعَامِلِهِمْ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَثَبَ أَهْلُ أَرْمِينِيَّةَ بِعَامِلِهَا يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدٍ فَقَتَلُوهُ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ يُوسُفَ لَمَّا سَارَ إِلَى أَرْمِينِيَّةَ خَرَجَ إِلَيْهِ بِطْرِيقٌ يُقَالُ لَهُ بِقْرَاطُ بْنُ أَشُوطَ، وَيُقَالُ لَهُ بِطْرِيقُ الْبَطَارِقَةِ، يَطْلُبُ الْأَمَانَ، فَأَخَذَهُ يُوسُفُ وَابْنَهُ نِعْمَةً، فَسَيَّرَهُمَا إِلَى بَابِ الْخَلِيفَةِ، فَاجْتَمَعَ بِطَارِقَةُ أَرْمِينِيَّةَ مَعَ ابْنِ أَخِي ابْنِ بِقْرَاطَ بْنِ أَشُوطَ، وَتَحَالَفُوا عَلَى قَتْلِ يُوسُفَ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مُوسَى بْنُ زُرَارَةَ، وَهُوَ صِهْرُ بِقْرَاطَ عَلَى ابْنَتِهِ، فَأَتَى الْخَبَرُ يُوسُفَ، وَنَهَاهُ أَصْحَابُهُ عَنِ الْمُقَامِ بِمَكَانِهِ، فَلَمْ يَقْبَلْ، فَلَمَّا جَاءَ الشِّتَاءُ، وَنَزَلَ الثَّلْجُ، مَكَثُوا حَتَّى سَكَنَ الثَّلْجُ، ثُمَّ أَتَوْهُ وَهُوَ بِمَدِينَةِ طَرُونَ، فَحَصَرُوهُ بِهَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمَدِينَةِ فَقَاتَلَهُمْ، فَقَتَلُوهُ وَكُلُّ مَنْ قَاتَلَ مَعَهُ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ مَعَهُ فَقَالُوا لَهُ: انْزِعْ ثِيَابَكَ، وَانْجُ بِنَفْسِكَ عُرْيَانًا، فَفَعَلُوا، وَمَشَوْا حُفَاةً عُرَاةً، فَهَلَكَ أَكْثَرُهُمْ مِنَ الْبَرْدِ، وَسَقَطَتْ أَصَابِعُ كَثِيرٍ مِنْهُمْ، وَنَجَوْا، وَكَانَ ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ.
وَكَانَ يُوسُفُ قَبْلَ ذَلِكَ قَدْ فَرَّقَ أَصْحَابَهُ فِي رَسَاتِيقِ عَمَلِهِ، فَوَجَّهَ إِلَى كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةً مِنَ الْبَطَارِقَةِ، فَقَتَلُوهُمْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ.
فَلَمَّا بَلَغَ الْمُتَوَكِّلَ خَبَرُهُ وَجَّهَ بُغَا الْكَبِيرَ إِلَيْهِمْ، طَالِبًا لِدَمِ يُوسُفَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ عَلَى الْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ، فَبَدَأَ بِأَرْزَنَ، وَبِهَا مُوسَى بْنُ زَرَارَةَ، وَلَهُ إِخْوَةٌ: إِسْمَاعِيلُ، وَسُلَيْمَانُ، وَأَحْمَدُ، وَعِيسَى وَمُحَمَّدٌ، وَهَارُونُ، فَحَمَلَ بُغَا مُوسَى بْنَ زُرَارَةَ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ، وَأَبَاحَ قَتَلَةُ يُوسُفَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ زُهَاءَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَسَبَى مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، فَبَاعَهُمْ وَسَارَ إِلَى بِلَادِ
стр. 3080
الْبَاقِ، فَأَسَرَ أَشُوطَ بْنَ حَمْزَةَ أَبَا الْعَبَّاسِ، صَاحِبَ الْبَاقِ، وَالْبَاقُ مِنْ كُورَةِ الْبُسْفُرُّجَانِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى مَدِينَةِ دَبِيلَ مِنْ أَرْمِينِيَّةَ فَأَقَامَ بِهَا شَهْرًا، ثُمَّ سَارَ إِلَى تَفْلِيسَ فَحَصَرَهَا.
ذِكْرُ غَضَبِ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى ابْنِ أَبِي دُؤَادَ وَوِلَايَةِ ابْنِ أَكْثَمَ الْقَضَاءَ
وَفِيهَا غَضِبَ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ أَبِي دُؤَادَ، وَقَبَضَ ضِيَاعَهُ وَأَمْلَاكَهُ، وَحَبَسَ ابْنَهُ أَبَا الْوَلِيدِ، وَسَائِرَ أَوْلَادِهِ، فَحَمَلَ أَبُو الْوَلِيدِ مِائَةَ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَجَوَاهِرَ قِيمَتُهَا عِشْرُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، ثُمَّ صُولِحَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا بِبَيْعِ أَمْلَاكِهِمْ.
وَكَانَ أَبُوهُمْ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادَ قَدْ فُلِجَ، وَأَحْضَرَ الْمُتَوَكِّلُ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ مِنْ بَغْدَادَ إِلَى سَامَرَّا، وَرَضِيَ عَنْهُ، وَوَلَّاهُ قَضَاءَ الْقُضَاةِ، ثُمَّ وَلَّاهُ الْمَظَالِمَ، فَوَلَّى يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ قَضَاءَ الشَّرْقِيَّةَ حَيَّانَ بْنَ بِشْرٍ، وَوَلَّى سَوَّارَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيَّ قَضَاءَ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَكِلَاهُمَا أَعْوَرُ، فَقَالَ الْجَمَّازُ:
رَأَيْتُ مِنَ الْكَبَائِرِ قَاضِيَيْنِ ... هَمَا أُحْدُوثَةٌ فِي الْخَافِقَيْنِ
هُمَا اقْتَسَمَا الْعَمَى نِصْفَيْنِ قَدًّا ... كَمَا اقْتَسَمَا قَضَاءَ الْجَانِبَيْنِ
وَتَحْسِبُ مِنْهُمَا مَنْ هَزَّ رَأْسًا ... لِيَنْظُرَ فِي مَوَارِيثَ وَدَيْنِ
كَأَنَّكَ قَدْ وَضَعْتَ عَلَيْهِ دَنًّا ... وَفَتَحْتَ بُزَالَهُ مِنْ فَرْدِ عَيْنِ
стр. 3081
هُمَا فَأْلُ الزَّمَانِ بِهُلْكِ يَحْيَى
إِذِ افْتَتَحَ الْقَضَاءَ بِأَعْوَرَيْنِ
ذِكْرُ وِلَايَةِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْفَضْلِ صِقِلِّيَّةَ وَمَا فَتَحَ فِيهَا
قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، أَمِيرَ صِقِلِّيَّةَ، (تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ) ، فَلَمَّا مَاتَ اجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ بِهَا عَلَى وِلَايَةِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ يَعْقُوبَ، فَوَلَّوْهُ أَمْرَهُمْ، فَكَتَبُوا بِذَلِكَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْأَغْلَبِ أَمِيرِ إِفْرِيقِيَّةَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَهْدًا (بِوِلَايَتِهِ، فَكَانَ الْعَبَّاسُ إِلَى أَنْ وَصَلَ عَهْدَهُ يُغِيرُ، وَيُرْسِلُ السَّرَايَا، وَتَأْتِيهِ الْغَنَائِمُ.
فَلَمَّا قَدِمَ إِلَيْهِ عَهْدَهُ بِوِلَايَتِهِ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ عَمُّهُ رَبَاحٌ، فَأُرْسِلَ فِي سَرِيَّةٍ إِلَى قَلْعَةِ أَبِي ثَوْرٍ، فَغَنِمَ، وَأُسِرَ، وَعَادَ، فَقَتَلَ الْأَسْرَى، وَتَوَجَّهَ إِلَى مَدِينَةِ قَصْرُيَانَه، فَنَهَبَ، وَأَحْرَقَ، وَخَرَّبَ; لِيَخْرُجَ إِلَيْهِ الْبِطْرِيقُ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَعَادَ الْعَبَّاسُ.
وَفِي ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ خَرَجَ حَتَّى بَلَغَ قَصْرُيَانَه وَمَعَهُ جَمْعٌ عَظِيمٌ، فَغَنِمَ، وَخَرَّبَ وَأَتَى قَطَّانَةَ، وَسَرْقُوسَةَ، وَنُوطُسَ، وَرَغُوسَ، فَغَنِمَ مِنْ جَمِيعِ هَذِهِ الْبِلَادِ، وَخَرَّبَ وَأَحْرَقَ، وَنَزَلَ عَلَى بُثَيْرَةَ، وَحَصَرَهَا خَمْسَةَ أَشْهُرٍ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى خَمْسَةِ آلَافِ رَأْسٍ.
وَفِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَارَ الْعَبَّاسُ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ، فَفَتَحَ حُصُونًا خَمْسَةً.
وَفِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ سَارَ إِلَى قَصْرُيَانَه، فَخَرَجَ أَهْلُهَا، فَلَقُوهُ، فَهَزَمَهُمْ، وَقَتَلَ
стр. 3082
فِيهِمْ، فَأَكْثَرَ، وَقَصَدَ سَرْقُوسَةَ وَطَبْرَمِينَ وَغَيْرَهُمَا، فَنَهَبَ، وَخَرَّبَ، وَأَحْرَقَ، وَنَزَلَ عَلَى الْقَصْرِ الْجَدِيدِ وَحَصَرَهُ، وَضَيَّقَ عَلَى مَنْ بِهِ مِنَ الرُّومِ، فَبَذَلُوا لَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفِ دِينَارٍ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ، وَأَطَالَ الْحَصْرَ، فَسَلَّمُوا إِلَيْهِ الْحِصْنَ عَلَى شَرْطِ أَنْ يُطْلِقَ مِائَتَيْ نَفْسٍ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَمَلَكَهُ، وَبَاعَ كُلَّ مَنْ فِيهِ سِوَى مِائَتَيْ نَفْسٍ، وَهَدَمَ الْحِصْنَ.
ذِكْرُ فَتْحِ قَصْرُيَانَه
فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ مَدِينَةَ قَصْرُيَانَه، وَهِيَ الْمَدِينَةُ الَّتِي بِهَا دَارُ الْمَلِكِ بِصِقِلِّيَّةَ، وَكَانَ الْمَلِكُ قَبْلَهَا يَسْكُنُ سَرْقُوسَةَ، فَلَمَّا مَلَكَ الْمُسْلِمُونَ بَعْضَ الْجَزِيرَةِ تَمَّ نَقْلُ دَارِ الْمَلِكِ إِلَى قَصْرُيَانَه ; لِحَصَانَتِهَا.
وَسَبَبُ فَتْحِهَا أَنَّ الْعَبَّاسَ سَارَ فِي جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مَدِينَةِ قَصْرُيَانَه، وَسَرْقُوسَةَ، وَسَيَّرَ جَيْشًا فِي الْبَحْرِ، فَلَقِيَهُمْ أَرْبَعُونَ شَلَنْدِيًّا لِلرُّومِ، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، فَانْهَزَمَ الرُّومُ، وَأَخَذَ مِنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ عَشْرَ شَلَنْدِيَّاتٍ بِرِجَالِهَا، وَعَادَ الْعَبَّاسُ إِلَى مَدِينَتِهِ.
فَلَمَّا كَانَ الشِّتَاءُ سَيَّرَ سَرِيَّةً، فَبَلَغَتْ قَصْرُيَانَه، فَنَهَبُوا، وَخَرَّبُوا، وَعَادُوا وَمَعَهُمْ رَجُلٌ كَانَ لَهُ عِنْدَ الرُّومِ قَدَرٌ وَمَنْزِلَةٌ، فَأَمَرَ الْعَبَّاسُ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ: اسْتَبْقِنِي، وَلَكَ عِنْدِي نَصِيحَةٌ! قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: أُمَلِّكُكَ قَصْرُيَانَه، وَالطَّرِيقُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْقَوْمَ فِي هَذَا الشِّتَاءِ وَهَذِهِ الثُّلُوجِ آمِنُونَ مِنْ قَصْدِكُمْ إِلَيْهِمْ، فَهُمْ غَيْرُ مُحْتَرِسِينَ، تُرْسِلُ مَعِي طَائِفَةً مِنْ عَسْكَرِكُمْ حَتَّى أُدْخِلَكُمُ الْمَدِينَةَ.
فَانْتَخَبَ الْعَبَّاسُ أَلْفَيْ فَارِسٍ أَنْجَادٍ، أَبْطَالٍ، وَسَارَ إِلَى أَنْ قَارَبَهَا، وَكَمَنَ هُنَاكَ مُسْتَتِرًا، وَسَيَّرَ عَمَّهُ رَبَاحًا فِي شُجْعَانِهِمْ، فَسَارُوا مُسْتَخْفِينَ فِي اللَّيْلِ، وَالرُّومِيُّ مَعَهُمْ مُقَيَّدٌ بَيْنَ يَدَيْ رَبَاحٍ، فَأَرَاهُمُ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَمْلِكَ مِنْهُ، فَنَصَبُوا السَّلَالِيمَ، وَصَعِدُوا الْجَبَلَ، ثُمَّ وَصَلُوا إِلَى سُورِ الْمَدِينَةِ، قَرِيبًا مِنَ الصُّبْحِ، وَالْحَرَسُ نِيَامٌ،
стр. 3083
فَدَخَلُوا مِنْ نَحْوِ بَابٍ صَغِيرٍ فِيهِ، يَدْخُلُ مِنْهُ الْمَاءُ وَتُلْقَى فِيهِ الْأَقْذَارُ، فَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ، فَوَضَعُوا السَّيْفَ فِي الرُّومِ، وَفَتَحُوا الْأَبْوَابَ.
وَجَاءَ الْعَبَّاسُ فِي بَاقِي الْعَسْكَرِ، فَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ وَصَلَّوُا الصُّبْحَ يَوْمَ الْخَمِيسِ مُنْتَصَفَ شَوَّالَ، وَبَنَى فِيهَا فِي الْحَالِ مَسْجِدًا، وَنَصَبَ فِيهِ مِنْبَرًا، وَخَطَبَ فِيهِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، وَقَتَلَ مَنْ وَجَدَ فِيهَا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، وَأَخَذُوا مَا فِيهَا مِنْ بَنَاتِ الْبَطَارِقَةِ بِحُلِيِّهِنَّ، وَأَبْنَاءِ الْمُلُوكِ، وَأَصَابُوا فِيهَا مَا يَعْجِزُ الْوَصْفُ عَنْهُ، وَذَلَّ الشِّرْكُ يَوْمَئِذٍ بِصِقِلِّيَّةَ ذُلًّا عَظِيمًا.
وَلَمَّا سَمِعَ الرُّومُ بِذَلِكَ أَرْسَلَ مَلِكُهُمْ بِطْرِيقًا مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فِي ثَلَاثمِائَةِ شَلَنْدِيٍّ وَعَسْكَرٍ كَثِيرٍ، فَوَصَلُوا إِلَى سَرْقُوسَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْعَبَّاسُ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَلَقِيَ الرُّومَ وَقَاتَلَهُمْ، فَهَزَمَهُمْ، فَرَكِبُوا فِي مَرَاكِبِهِمْ هَارِبِينَ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ مِائَةَ شَلَنْدِيٍّ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ، وَلَمْ يُصَبْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ الْيَوْمَ غَيْرُ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ بِالنَّشَّابِ.
وَفِي سَنَةِ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ نَكَثَ كَثِيرٌ مِنْ قِلَاعِ صِقِلِّيَّةَ وَهِيَ: سَطْرُ، وَابِلًا، وابلاطنوا، وَقَلْعَةُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، وَقَلْعَةُ الْبَلُّوطِ، وَقَلْعَةُ أَبِي ثَوْرٍ، وَغَيْرُهَا مِنِ الْقِلَاعِ، فَخَرَجَ الْعَبَّاسُ إِلَيْهِمْ، فَلَقِيَهُمْ عَسَاكِرُ الرُّومِ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الرُّومُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ كَثِيرٌ.
وَسَارَ إِلَى قَلْعَةِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَقَلْعَةِ ابلاطنوا، فَحَصَرَهَا، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ (بِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ عَسَاكِرِ الرُّومِ قَدْ وَصَلَتْ) ، فَرَحَلَ إِلَيْهِمْ، فَالْتَقَوْا بجفلودي، وَجَرَى بَيْنَهُمْ قِتَالٌ شَدِيدٌ، فَانْهَزَمَتِ الرُّومُ، وَعَادُوا إِلَى سَرْقُوسَةَ، وَعَادَ الْعَبَّاسُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَعَمَّرَ قَصْرُيَانَه، وَحَصَّنَهَا، وَشَحَنَهَا بِالْعَسَاكِرِ.
стр. 3084
وَفِي سَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ سَارَ الْعَبَّاسُ إِلَى سَرْقُوسَةَ، فَغَنِمَ وَسَارَ إِلَى غَيْرَانَ قَرْقَنَةَ، فَاعْتَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَمَاتَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ثَالِثَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَدُفِنَ هُنَاكَ، فَنَبَشَهُ الرُّومُ، وَأَحْرَقُوهُ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً، وَأَدَامَ الْجِهَادَ شِتَاءً وَصَيْفًا، وَغَزَا أَرْضَ قِلْورَيَةَ، وانكبرده وَأَسْكَنَهَا الْمُسْلِمِينَ.
ذِكْرُ ابْتِدَاءِ أَمْرِ يَعْقُوبَ بْنِ اللَّيْثِ
وَفِيهَا تَغَلَّبَ إِنْسَانٌ مِنْ أَهْلِ بُسْتَ، اسْمُهُ صَالِحُ بْنُ النَّضِرِ الْكِنَانِيُّ، عَلَى سَجِسْتَانَ، وَمَعَهُ يَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ، فَعَادَ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ أَمِيرُ خُرَاسَانَ وَاسْتَنْقَذَهَا مِنْ يَدِهِ.
ثُمَّ ظَهَرَ بِهَا إِنْسَانٌ اسْمُهُ دِرْهَمُ بْنُ الْحُسَيْنِ، مِنَ الْمُتَطَوِّعَةِ، فَتَغَلَّبَ عَلَيْهَا، وَكَانَ غَيْرَ ضَابِطٍ لِعَسْكَرِهِ، وَكَانَ يَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ هُوَ قَائِدَ عَسْكَرِهِ، فَلَمَّا رَأَى أَصْحَابُ دِرْهَمَ ضَعْفَهُ، وَعَجْزَهُ، اجْتَمَعُوا عَلَى يَعْقُوبَ بْنِ اللَّيْثِ، وَمَلَّكُوهُ أَمْرَهُمْ، لِمَا رَأَوْا مِنْ تَدْبِيرِهِ، وَحُسْنِ سِيَاسَتِهِ، وَقِيَامِهِ بِأُمُورِهِمْ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ ذَلِكَ لِدِرْهَمٍ لَمْ يُنَازِعْهُ فِي الْأَمْرِ، وَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ، وَاعْتَزَلَ عَنْهُ، فَاسْتَبَدَّ يَعْقُوبُ بِالْأَمْرِ، وَضَبَطَ الْبِلَادَ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ وَقَصَدَتْهُ الْعَسَاكِرُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلِيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بَغْدَادَ وَمَعَاوِنَ السَّوَادِ.
وَفِيهَا قَدِمَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ مِنْ خُرَاسَانَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَوَلِيَ الْجِزْيَةَ، وَالشُّرْطَةَ، وَخِلَافَةَ الْمُتَوَكِّلِ بِبَغْدَاذَ، وَأَعْمَالَ السَّوَادِ وَأَقَامَ بِهَا.
وَفِيهَا عَزَلَ أَبُو الْوَلِيدِ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي دُؤَادَ عَنِ الْمَظَالِمِ، وَوَلَّاهَا مُحَمَّدَ بْنَ
стр. 3085
يَعْقُوبَ الْمَعْرُوفَ بِابْنِ الرَّبِيعِ.
وَفِيهَا أَمَرَ الْمُتَوَكِّلُ بِإِنْزَالِ جُثَّةِ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ الْخُزَاعِيِّ، وَدَفَعَهُ إِلَى أَوْلِيَائِهِ، فَحُمِلَ إِلَى بَغْدَادَ، وَضُمَّ رَأَسُهُ إِلَى بَدَنِهِ، وَغُسِّلَ، وَكُفِّنَ، وَدُفِنَ، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَامَّةِ مَا لَا يُحْصَى يَتَمَسَّحُونَ بِهِ.
وَكَانَ الْمُتَوَكِّلُ لَمَّا وُلِّيَ نَهَى عَنِ الْجِدَالِ فِي الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ، وَكَتَبَ إِلَى الْآفَاقِ بِذَلِكَ.
وَغَزَا الصَّائِفَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى الْأَرْمَنِيُّ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الْمَنْصُورِ وَكَانَ وَالِيَ مَكَّةَ.
وَفِيهَا قَامَ رَجُلٌ بِالْأَنْدَلُسِ بِنَاحِيَةِ الثُّغُورِ وَادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَتَأَوَّلَ الْقُرْآنَ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، فَتَبِعَهُ قَوْمٌ مِنَ الْغَوْغَاءِ، فَكَانَ مِنْ شَرَائِعِهِ أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْ قَصِّ الشَّعْرِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَامِلُ ذَلِكَ الْبَلَدِ، فَأُتِيَ بِهِ، وَكَانَ أَوَّلُ مَا خَاطَبَهُ بِهِ أَنْ دَعَاهُ إِلَى اتِّبَاعِهِ، فَأَمَرَهُ الْعَامِلُ بِالتَّوْبَةِ، فَامْتَنَعَ، فَصَلَبَهُ.
وَفِيهَا سَارَتْ جُيُوشُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى بِلَادِ الْمُشْرِكِينَ، فَكَانَتْ بَيْنَهُمْ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَ الظَّفَرُ فِيهَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَهِيَ الْوَقْعَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِوَقْعَةِ الْبَيْضَاءِ، وَمَشْهُورَةٌ بِالْأَنْدَلُسِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الْمَدِينِيُّ بِالْبَصْرَةِ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ النَّرْسِيُّ،
следующие страницы →