← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

هُمَا فَأْلُ الزَّمَانِ بِهُلْكِ يَحْيَى إِذِ افْتَتَحَ الْقَضَاءَ بِأَعْوَرَيْنِ ذِكْرُ وِلَايَةِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْفَضْلِ صِقِلِّيَّةَ وَمَا فَتَحَ فِيهَا قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، أَمِيرَ صِقِلِّيَّةَ، (تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ) ، فَلَمَّا مَاتَ اجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ بِهَا عَلَى وِلَايَةِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ يَعْقُوبَ، فَوَلَّوْهُ أَمْرَهُمْ، فَكَتَبُوا بِذَلِكَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْأَغْلَبِ أَمِيرِ إِفْرِيقِيَّةَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَهْدًا (بِوِلَايَتِهِ، فَكَانَ الْعَبَّاسُ إِلَى أَنْ وَصَلَ عَهْدَهُ يُغِيرُ، وَيُرْسِلُ السَّرَايَا، وَتَأْتِيهِ الْغَنَائِمُ. فَلَمَّا قَدِمَ إِلَيْهِ عَهْدَهُ بِوِلَايَتِهِ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ عَمُّهُ رَبَاحٌ، فَأُرْسِلَ فِي سَرِيَّةٍ إِلَى قَلْعَةِ أَبِي ثَوْرٍ، فَغَنِمَ، وَأُسِرَ، وَعَادَ، فَقَتَلَ الْأَسْرَى، وَتَوَجَّهَ إِلَى مَدِينَةِ قَصْرُيَانَه، فَنَهَبَ، وَأَحْرَقَ، وَخَرَّبَ; لِيَخْرُجَ إِلَيْهِ الْبِطْرِيقُ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَعَادَ الْعَبَّاسُ. وَفِي ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ خَرَجَ حَتَّى بَلَغَ قَصْرُيَانَه وَمَعَهُ جَمْعٌ عَظِيمٌ، فَغَنِمَ، وَخَرَّبَ وَأَتَى قَطَّانَةَ، وَسَرْقُوسَةَ، وَنُوطُسَ، وَرَغُوسَ، فَغَنِمَ مِنْ جَمِيعِ هَذِهِ الْبِلَادِ، وَخَرَّبَ وَأَحْرَقَ، وَنَزَلَ عَلَى بُثَيْرَةَ، وَحَصَرَهَا خَمْسَةَ أَشْهُرٍ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى خَمْسَةِ آلَافِ رَأْسٍ. وَفِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَارَ الْعَبَّاسُ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ، فَفَتَحَ حُصُونًا خَمْسَةً. وَفِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ سَارَ إِلَى قَصْرُيَانَه، فَخَرَجَ أَهْلُهَا، فَلَقُوهُ، فَهَزَمَهُمْ، وَقَتَلَ

стр. 3082

فِيهِمْ، فَأَكْثَرَ، وَقَصَدَ سَرْقُوسَةَ وَطَبْرَمِينَ وَغَيْرَهُمَا، فَنَهَبَ، وَخَرَّبَ، وَأَحْرَقَ، وَنَزَلَ عَلَى الْقَصْرِ الْجَدِيدِ وَحَصَرَهُ، وَضَيَّقَ عَلَى مَنْ بِهِ مِنَ الرُّومِ، فَبَذَلُوا لَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفِ دِينَارٍ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ، وَأَطَالَ الْحَصْرَ، فَسَلَّمُوا إِلَيْهِ الْحِصْنَ عَلَى شَرْطِ أَنْ يُطْلِقَ مِائَتَيْ نَفْسٍ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَمَلَكَهُ، وَبَاعَ كُلَّ مَنْ فِيهِ سِوَى مِائَتَيْ نَفْسٍ، وَهَدَمَ الْحِصْنَ. ذِكْرُ فَتْحِ قَصْرُيَانَه فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ مَدِينَةَ قَصْرُيَانَه، وَهِيَ الْمَدِينَةُ الَّتِي بِهَا دَارُ الْمَلِكِ بِصِقِلِّيَّةَ، وَكَانَ الْمَلِكُ قَبْلَهَا يَسْكُنُ سَرْقُوسَةَ، فَلَمَّا مَلَكَ الْمُسْلِمُونَ بَعْضَ الْجَزِيرَةِ تَمَّ نَقْلُ دَارِ الْمَلِكِ إِلَى قَصْرُيَانَه ; لِحَصَانَتِهَا. وَسَبَبُ فَتْحِهَا أَنَّ الْعَبَّاسَ سَارَ فِي جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مَدِينَةِ قَصْرُيَانَه، وَسَرْقُوسَةَ، وَسَيَّرَ جَيْشًا فِي الْبَحْرِ، فَلَقِيَهُمْ أَرْبَعُونَ شَلَنْدِيًّا لِلرُّومِ، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، فَانْهَزَمَ الرُّومُ، وَأَخَذَ مِنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ عَشْرَ شَلَنْدِيَّاتٍ بِرِجَالِهَا، وَعَادَ الْعَبَّاسُ إِلَى مَدِينَتِهِ. فَلَمَّا كَانَ الشِّتَاءُ سَيَّرَ سَرِيَّةً، فَبَلَغَتْ قَصْرُيَانَه، فَنَهَبُوا، وَخَرَّبُوا، وَعَادُوا وَمَعَهُمْ رَجُلٌ كَانَ لَهُ عِنْدَ الرُّومِ قَدَرٌ وَمَنْزِلَةٌ، فَأَمَرَ الْعَبَّاسُ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ: اسْتَبْقِنِي، وَلَكَ عِنْدِي نَصِيحَةٌ! قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: أُمَلِّكُكَ قَصْرُيَانَه، وَالطَّرِيقُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْقَوْمَ فِي هَذَا الشِّتَاءِ وَهَذِهِ الثُّلُوجِ آمِنُونَ مِنْ قَصْدِكُمْ إِلَيْهِمْ، فَهُمْ غَيْرُ مُحْتَرِسِينَ، تُرْسِلُ مَعِي طَائِفَةً مِنْ عَسْكَرِكُمْ حَتَّى أُدْخِلَكُمُ الْمَدِينَةَ. فَانْتَخَبَ الْعَبَّاسُ أَلْفَيْ فَارِسٍ أَنْجَادٍ، أَبْطَالٍ، وَسَارَ إِلَى أَنْ قَارَبَهَا، وَكَمَنَ هُنَاكَ مُسْتَتِرًا، وَسَيَّرَ عَمَّهُ رَبَاحًا فِي شُجْعَانِهِمْ، فَسَارُوا مُسْتَخْفِينَ فِي اللَّيْلِ، وَالرُّومِيُّ مَعَهُمْ مُقَيَّدٌ بَيْنَ يَدَيْ رَبَاحٍ، فَأَرَاهُمُ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَمْلِكَ مِنْهُ، فَنَصَبُوا السَّلَالِيمَ، وَصَعِدُوا الْجَبَلَ، ثُمَّ وَصَلُوا إِلَى سُورِ الْمَدِينَةِ، قَرِيبًا مِنَ الصُّبْحِ، وَالْحَرَسُ نِيَامٌ،

стр. 3083

فَدَخَلُوا مِنْ نَحْوِ بَابٍ صَغِيرٍ فِيهِ، يَدْخُلُ مِنْهُ الْمَاءُ وَتُلْقَى فِيهِ الْأَقْذَارُ، فَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ، فَوَضَعُوا السَّيْفَ فِي الرُّومِ، وَفَتَحُوا الْأَبْوَابَ. وَجَاءَ الْعَبَّاسُ فِي بَاقِي الْعَسْكَرِ، فَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ وَصَلَّوُا الصُّبْحَ يَوْمَ الْخَمِيسِ مُنْتَصَفَ شَوَّالَ، وَبَنَى فِيهَا فِي الْحَالِ مَسْجِدًا، وَنَصَبَ فِيهِ مِنْبَرًا، وَخَطَبَ فِيهِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، وَقَتَلَ مَنْ وَجَدَ فِيهَا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، وَأَخَذُوا مَا فِيهَا مِنْ بَنَاتِ الْبَطَارِقَةِ بِحُلِيِّهِنَّ، وَأَبْنَاءِ الْمُلُوكِ، وَأَصَابُوا فِيهَا مَا يَعْجِزُ الْوَصْفُ عَنْهُ، وَذَلَّ الشِّرْكُ يَوْمَئِذٍ بِصِقِلِّيَّةَ ذُلًّا عَظِيمًا. وَلَمَّا سَمِعَ الرُّومُ بِذَلِكَ أَرْسَلَ مَلِكُهُمْ بِطْرِيقًا مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فِي ثَلَاثمِائَةِ شَلَنْدِيٍّ وَعَسْكَرٍ كَثِيرٍ، فَوَصَلُوا إِلَى سَرْقُوسَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْعَبَّاسُ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَلَقِيَ الرُّومَ وَقَاتَلَهُمْ، فَهَزَمَهُمْ، فَرَكِبُوا فِي مَرَاكِبِهِمْ هَارِبِينَ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ مِائَةَ شَلَنْدِيٍّ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ، وَلَمْ يُصَبْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ الْيَوْمَ غَيْرُ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ بِالنَّشَّابِ. وَفِي سَنَةِ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ نَكَثَ كَثِيرٌ مِنْ قِلَاعِ صِقِلِّيَّةَ وَهِيَ: سَطْرُ، وَابِلًا، وابلاطنوا، وَقَلْعَةُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، وَقَلْعَةُ الْبَلُّوطِ، وَقَلْعَةُ أَبِي ثَوْرٍ، وَغَيْرُهَا مِنِ الْقِلَاعِ، فَخَرَجَ الْعَبَّاسُ إِلَيْهِمْ، فَلَقِيَهُمْ عَسَاكِرُ الرُّومِ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الرُّومُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ كَثِيرٌ. وَسَارَ إِلَى قَلْعَةِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَقَلْعَةِ ابلاطنوا، فَحَصَرَهَا، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ (بِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ عَسَاكِرِ الرُّومِ قَدْ وَصَلَتْ) ، فَرَحَلَ إِلَيْهِمْ، فَالْتَقَوْا بجفلودي، وَجَرَى بَيْنَهُمْ قِتَالٌ شَدِيدٌ، فَانْهَزَمَتِ الرُّومُ، وَعَادُوا إِلَى سَرْقُوسَةَ، وَعَادَ الْعَبَّاسُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَعَمَّرَ قَصْرُيَانَه، وَحَصَّنَهَا، وَشَحَنَهَا بِالْعَسَاكِرِ.

стр. 3084

وَفِي سَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ سَارَ الْعَبَّاسُ إِلَى سَرْقُوسَةَ، فَغَنِمَ وَسَارَ إِلَى غَيْرَانَ قَرْقَنَةَ، فَاعْتَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَمَاتَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ثَالِثَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَدُفِنَ هُنَاكَ، فَنَبَشَهُ الرُّومُ، وَأَحْرَقُوهُ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً، وَأَدَامَ الْجِهَادَ شِتَاءً وَصَيْفًا، وَغَزَا أَرْضَ قِلْورَيَةَ، وانكبرده وَأَسْكَنَهَا الْمُسْلِمِينَ. ذِكْرُ ابْتِدَاءِ أَمْرِ يَعْقُوبَ بْنِ اللَّيْثِ وَفِيهَا تَغَلَّبَ إِنْسَانٌ مِنْ أَهْلِ بُسْتَ، اسْمُهُ صَالِحُ بْنُ النَّضِرِ الْكِنَانِيُّ، عَلَى سَجِسْتَانَ، وَمَعَهُ يَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ، فَعَادَ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ أَمِيرُ خُرَاسَانَ وَاسْتَنْقَذَهَا مِنْ يَدِهِ. ثُمَّ ظَهَرَ بِهَا إِنْسَانٌ اسْمُهُ دِرْهَمُ بْنُ الْحُسَيْنِ، مِنَ الْمُتَطَوِّعَةِ، فَتَغَلَّبَ عَلَيْهَا، وَكَانَ غَيْرَ ضَابِطٍ لِعَسْكَرِهِ، وَكَانَ يَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ هُوَ قَائِدَ عَسْكَرِهِ، فَلَمَّا رَأَى أَصْحَابُ دِرْهَمَ ضَعْفَهُ، وَعَجْزَهُ، اجْتَمَعُوا عَلَى يَعْقُوبَ بْنِ اللَّيْثِ، وَمَلَّكُوهُ أَمْرَهُمْ، لِمَا رَأَوْا مِنْ تَدْبِيرِهِ، وَحُسْنِ سِيَاسَتِهِ، وَقِيَامِهِ بِأُمُورِهِمْ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ ذَلِكَ لِدِرْهَمٍ لَمْ يُنَازِعْهُ فِي الْأَمْرِ، وَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ، وَاعْتَزَلَ عَنْهُ، فَاسْتَبَدَّ يَعْقُوبُ بِالْأَمْرِ، وَضَبَطَ الْبِلَادَ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ وَقَصَدَتْهُ الْعَسَاكِرُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلِيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بَغْدَادَ وَمَعَاوِنَ السَّوَادِ. وَفِيهَا قَدِمَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ مِنْ خُرَاسَانَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَوَلِيَ الْجِزْيَةَ، وَالشُّرْطَةَ، وَخِلَافَةَ الْمُتَوَكِّلِ بِبَغْدَاذَ، وَأَعْمَالَ السَّوَادِ وَأَقَامَ بِهَا. وَفِيهَا عَزَلَ أَبُو الْوَلِيدِ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي دُؤَادَ عَنِ الْمَظَالِمِ، وَوَلَّاهَا مُحَمَّدَ بْنَ

стр. 3085

يَعْقُوبَ الْمَعْرُوفَ بِابْنِ الرَّبِيعِ. وَفِيهَا أَمَرَ الْمُتَوَكِّلُ بِإِنْزَالِ جُثَّةِ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ الْخُزَاعِيِّ، وَدَفَعَهُ إِلَى أَوْلِيَائِهِ، فَحُمِلَ إِلَى بَغْدَادَ، وَضُمَّ رَأَسُهُ إِلَى بَدَنِهِ، وَغُسِّلَ، وَكُفِّنَ، وَدُفِنَ، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَامَّةِ مَا لَا يُحْصَى يَتَمَسَّحُونَ بِهِ. وَكَانَ الْمُتَوَكِّلُ لَمَّا وُلِّيَ نَهَى عَنِ الْجِدَالِ فِي الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ، وَكَتَبَ إِلَى الْآفَاقِ بِذَلِكَ. وَغَزَا الصَّائِفَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى الْأَرْمَنِيُّ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الْمَنْصُورِ وَكَانَ وَالِيَ مَكَّةَ. وَفِيهَا قَامَ رَجُلٌ بِالْأَنْدَلُسِ بِنَاحِيَةِ الثُّغُورِ وَادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَتَأَوَّلَ الْقُرْآنَ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، فَتَبِعَهُ قَوْمٌ مِنَ الْغَوْغَاءِ، فَكَانَ مِنْ شَرَائِعِهِ أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْ قَصِّ الشَّعْرِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَامِلُ ذَلِكَ الْبَلَدِ، فَأُتِيَ بِهِ، وَكَانَ أَوَّلُ مَا خَاطَبَهُ بِهِ أَنْ دَعَاهُ إِلَى اتِّبَاعِهِ، فَأَمَرَهُ الْعَامِلُ بِالتَّوْبَةِ، فَامْتَنَعَ، فَصَلَبَهُ. وَفِيهَا سَارَتْ جُيُوشُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى بِلَادِ الْمُشْرِكِينَ، فَكَانَتْ بَيْنَهُمْ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَ الظَّفَرُ فِيهَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَهِيَ الْوَقْعَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِوَقْعَةِ الْبَيْضَاءِ، وَمَشْهُورَةٌ بِالْأَنْدَلُسِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الْمَدِينِيُّ بِالْبَصْرَةِ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ النَّرْسِيُّ،

стр. 3086

وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ. (النَّرْسِيُّ: بِالنُّونِ وَالرَّاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ) .

стр. 3087

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٣٨ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ بُغَا بِتَفْلِيسَ قَدْ ذَكَرْنَا مَسِيرَ بُغَا إِلَى تَفْلِيسَ، وَمُحَاصَرَتَهَا، وَكَانَ بُغَا لَمَّا سَارَ إِلَيْهَا وَجَّهَ زِيرِكَ التُّرْكِيَّ، فَجَازَ نَهْرَ الْكَرِّ، وَهُوَ نَهْرٌ كَبِيرٌ، وَمَدِينَةُ تَفْلِيسَ عَلَى حَافَّتِهِ، وَصغدبيلُ عَلَى جَانِبِهِ الشَّرْقِيِّ، فَلَمَّا عَبَرَ النَّهْرَ نَزَلَ بِمَيْدَانِ تَفْلِيسَ، وَوَجَّهَ بُغَا أَيْضًا أَبَا الْعَبَّاسِ الْوَارِثِيَّ النَّصْرَانِيَّ إِلَى أَهْلِ أَرْمِينِيَّةَ عَرَبِهَا وَعَجَمِهَا، فَأَتَى تَفْلِيسَ مِمَّا يَلِي بَابَ الْمُرَصَّفِ، فَخَرَجَ إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ مِنْ تَفْلِيسَ إِلَى زِيرِكَ، فَقَابَلَهُ عِنْدَ الْمَيْدَانِ، وَوَقَفَ بُغَا عَلَى تَلٍّ مُشْرِفٍ يَنْظُرُ مَا يَصْنَعُ زِيرِكُ وَأَبُو الْعَبَّاسِ، فَدَعَا بُغَا النَّفَّاطِينَ، فَضَرَبُوا الْمَدِينَةَ بِالنَّارِ، فَأَحْرَقُوهَا وَهِيَ مِنْ خَشَبِ الصَّنَوْبَرِ. وَأَقْبَلَ إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَرَأَى النَّارَ قَدْ أَحْرَقَتْ قَصْرَهُ وَجَوَارِيَهُ وَأَحَاطَتْ بِهِ، فَأَتَاهُ الْأَتْرَاكُ، وَالْمَغَارِبَةُ، فَأَخَذُوهُ أَسِيرًا، وَأَخَذُوا ابْنَهُ عَمْرًا، فَأَتَوْا بِهِمَا بُغَا، فَأَمَرَ بِإِسْحَاقَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، وَصُلِبَتْ جُثَّتُهُ عَلَى نَهْرِ الْكَرِّ، وَكَانَ شَيْخًا مَحْدُورًا، ضَخْمَ الرَّأْسِ، أَحْوَلَ، وَاحْتَرَقَ بِالْمَدِينَةِ نَحْوُ خَمْسِينَ أَلْفَ إِنْسَانٍ، وَأَسَرُوا مَنْ سَلِمَ مِنَ النَّارِ، وَسَلَبُوا الْمَوْتَى. وَأَخَذَ أَهْلُ إِسْحَاقَ مَا سَلِمَ مِنْ مَالِهِ بصغدبيلَ وَهِيَ مَدِينَةٌ حَصِينَةٌ حِذَاءَ تَفْلِيسَ

стр. 3088

بَنَاهَا كِسْرَى أَنُوشُروَانَ، وَحَصَّنَهَا إِسْحَاقُ، وَجَعَلَ أَمْوَالَهُ فِيهَا مَعَ امْرَأَتِهِ ابْنَةِ صَاحِبِ السَّرِيرِ. ثُمَّ إِنَّ بُغَا وَجَّهَ زِيرِكَ إِلَى قَلْعَةِ الحرزمان، وَهِيَ بَيْنَ بَرْذَعَةَ وَتَفْلِيسَ، فِي جَمَاعَةٍ مِنْ جُنْدِهِ، فَفَتَحَهَا، وَأَخَذَ بِطَرِيقِهَا أَسِيرًا، ثُمَّ سَارَ بُغَا إِلَى عِيسَى بْنِ يُوسُفَ، وَهُوَ فِي قَلْعَةِ كُبَيْشٍ، فِي كُورَةِ الْبَلْقَانَ، فَفَتَحَهَا وَأَخَذَهُ فَحَمَلَهُ، وَحَمَلَ مَعَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ الْوَارِثِيَّ، وَاسْمُهُ سِنْبَاطُ بْنُ أَشُوطَ، (وَحَمَلَ) مُعَاوِيَةَ بْنَ سَهْلِ بْنِ سَنْبَاطَ بِطَرِيقِ أَرَانَ. ذِكْرُ مَسِيرِ الرُّومِ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَاءَ ثَلَاثُمِائَةِ مَرْكَبٍ لِلرُّومِ مَعَ ثَلَاثَةِ رُؤَسَاءَ، فَأَنَاخَ أَحَدُهُمْ فِي مِائَةِ مَرْكَبٍ بِدِمْيَاطَ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الشَّطِّ شَبِيهُ الْبُحَيْرَةِ، يَكُونُ مَاؤُهَا إِلَى صَدْرِ الرَّجُلِ، فَمَنْ جَازَهَا إِلَى الْأَرْضِ أَمِنَ مِنْ مَرَاكِبِ الْبَحْرِ، فَجَازَهُ قَوْمٌ فَسَلِمُوا، وَغَرِقَ كَثِيرٌ مِنْ نِسَاءٍ وَصِبْيَانٍ، وَمَنْ كَانَ بِهِ قُوَّةٌ سَارَ إِلَى مِصْرَ. وَكَانَ عَلَى مَعُونَةِ مِصْرَ عَنْبَسَةُ بْنُ إِسْحَاقَ الضَّبِّيُّ، فَلَمَّا حَضَرَ الْعِيدُ أَمَرَ الْجُنْدَ الَّذِينَ بِدِمْيَاطَ أَنْ يَحْضُرُوا مِصْرَ، فَسَارُوا مِنْهَا، فَاتَّفَقَ وَصُولُ الرُّومِ وَهِيَ فَارِغَةٌ مِنَ الْجُنْدِ فَنَهَبُوا، وَأَحْرَقُوا، (وَسَبَوْا، وَأَحْرَقُوا جَامِعَهَا، وَأَخَذُوا مَا بِهَا مِنْ سِلَاحٍ وَمَتَاعٍ، وَقَنْدٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ) ، وَسَبَوْا مِنَ النِّسَاءِ الْمُسْلِمَاتِ وَالذِّمِّيَّاتِ نَحْوَ سِتَّمِائَةِ امْرَأَةٍ، وَأَوْقَرُوا سُفُنَهُمْ مِنْ ذَلِكَ. وَكَانَ عَنْبَسَةُ قَدْ حَبَسَ بُسْرَ بْنَ الْأَكْشَفِ بِدِمْيَاطَ، فَكَسَرَ قَيْدَهُ، وَخَرَجَ يُقَاتِلُهُمْ، وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ، (وَقَتَلَ مِنَ الرُّومِ جَمَاعَةً) .

стр. 3089

وَسَارَتِ الرُّومُ إِلَى أُشْتُومَ تِنِّيسِ، وَكَانَ عَلَيْهِ سُورٌ وَبَابَانِ مِنْ حَدِيدٍ قَدْ عَمِلَهُ الْمُعْتَصِمُ، فَنَهَبُوا مَا فِيهِ مِنْ سِلَاحٍ، وَأَخَذُوا الْبَابَيْنِ، وَرَجَعُوا وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُمْ أَحَدٌ. ذِكْرُ وَفَاةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ وَوِلَايَةِ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ الْأُمَوِيُّ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَوِلَايَتُهُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ. وَكَانَ أَسْمَرَ طَوِيلًا، أَقْنَى، أَعْيَنَ، عَظِيمَ اللِّحْيَةِ، مُخَضَّبًا بِالْحِنَّاءِ، وَخَلَّفَ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ وَلَدًا ذُكُورًا. وَكَانَ أَدِيبًا، شَاعِرًا، وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي جُمْلَةِ مَنْ عَشِقَ جَوَارِيَهُ، وَكَانَ يَعْشَقُ جَارِيَةً لَهُ اسْمُهَا طَرُوبٌ، وَشُهِرَ بِهَا، وَكَانَ عَالِمًا بِعُلُومِ الشَّرِيعَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ عُلُومِ الْفَلَاسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَتْ أَيَّامُهُ أَيَّامَ عَافِيَةٍ وَسُكُونٍ، وَكَثُرَتِ الْأَمْوَالُ عِنْدَهُ، وَكَانَ بَعِيدَ الْهِمَّةِ، وَاخْتَرَعَ قُصُورًا، وَمُتَنَزَّهَاتٍ كَثِيرَةً، وَبَنَى الطُّرُقَ، وَزَادَ فِي الْجَامِعِ بِقُرْطُبَةَ رِوَاقَيْنِ، وَتُوُفِّيَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَتِمَّ زَخْرَفَتَهُ، وَأَتَمَّهُ ابْنُهُ، وَبَنَى جَوَامِعَ كَثِيرَةً بِالْأَنْدَلُسِ. وَلَمَّا مَاتَ مَلَكَ ابْنَهُ مُحَمَّدٌ، فَجَرَى عَلَى سِيرَةِ وَالِدِهِ فِي الْعَدْلِ، وَأَتَمَّ بِنَاءَ الْجَامِعِ بِقُرْطُبَةَ، (وَأَمُّهُ تُسَمَّى بُهْتُرَ) ، وَوُلِدَ لَهُ مِائَةُ وَلَدٍ كُلُّهُمْ ذُكُورٌ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَقَامَ أُبَّهَةَ الْمُلْكِ بِالْأَنْدَلُسِ، وَرَتَّبَ رُسُومَ الْمَمْلَكَةِ، وَعَلَا عَنِ التَّبَذُّلِ لِلْعَامَّةِ، فَكَانَ يُشَبَّهُ بِالْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي أُبَّهَةِ الْمُلْكِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَلَبَ الْمَاءَ الْعَذْبَ إِلَى قُرْطُبَةَ، وَأَدْخَلَهُ

стр. 3090

إِلَيْهِ، وَجَعَلَ لِفَضْلِ الْمَاءِ مَصْنَعًا كَبِيرًا يَرِدُهُ النَّاسُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الْمُتَوَكِّلُ نَحْوَ الْمَدَائِنِ، فَدَخَلَ بَغْدَادَ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى الْمَدَائِنِ. وَغَزَا الصَّائِفَةَ عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى الْأَرْمَنِيُّ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ رَاهَوَيْهِ، وَكَانَ إِمَامًا عَالِمًا، وَجَرَى لَهُ مَعَ الشَّافِعِيِّ مُنَاظَرَةٌ فِي بُيُوتِ مَكَّةَ، وَكَانَ عُمْرُهُ سَبْعًا وَسَبْعِينَ سَنَةً. وَمُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ الْمُحَدِّثُ.

стр. 3091

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٣٩ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ الْمُتَوَكِّلُ بِأَخْذِ أَهِلِ الذَّمَّةِ بِلَبْسِ دُرَّاعَتَيْنِ عَسَلِيَّتَيْنِ عَلَى الْأَقْبِيَةِ وَالدَّرَارِيعِ، وَبِالِاقْتِصَارِ فِي مَرَاكِبِهِمْ عَلَى رُكُوبِ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ دُونَ الْخَيْلِ وَالْبَرَاذِينِ. وَفِيهَا نَفَى الْمُتَوَكِّلُ عَلِيَّ بْنَ الْجَهْمِ إِلَى خُرَاسَانَ. (وَفِيهَا أَمَرَ الْمُتَوَكِّلُ بِهَدْمِ الْبِيَعِ الْمُحْدَثَةِ فِي الْإِسْلَامِ) . (وَفِيهَا سَيَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ جَيْشًا مَعَ أَخِيهِ الْحَكَمِ إِلَى قَلْعَةِ رَبَاحٍ، وَكَانَ أَهْلُ طُلَيْطِلَةَ قَدْ خَرَّبُوا سُورَهَا، وَقَتَلُوا كَثِيرًا مِنْ أَهْلِهَا، وَأَصْلَحَ الْحَكَمُ سُورَهَا، وَأَعَادَ مَنْ فَارَقَهَا مِنْ أَهْلِهَا إِلَيْهَا، وَأَصْلَحَ حَالَهَا، وَتَقَدَّمَ إِلَى طُلَيْطِلَةَ، فَأَفْسَدَ فِي نَوَاحِيهَا وَشَعَّثَهَا، وَسَيَّرَ مُحَمَّدٌ أَيْضًا جَيْشًا آخَرَ إِلَى طُلَيْطِلَةَ، فَلَمَّا قَارَبُوهَا خَرَجَتْ عَلَيْهِمُ الْجُنُودُ مِنَ الْمَكَامِنِ، فَانْهَزَمَ الْعَسْكَرُ، وَأُصِيبَ أَكْثَرُ مَنْ فِيهِ) . [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الْوَلِيدِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي دُؤَادَ الْقَاضِي بِبَغْدَاذَ فِي ذِي الْحِجَّةِ.

стр. 3092

[ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ] وَغَزَا الصَّائِفَةَ عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى الْأَرْمَنِيُّ. وَفِيهَا حَجَّ جَعْفَرُ بْنُ دِينَارٍ عَلَى الْأَحْدَاثِ بِطَرِيقِ مَكَّةَ وَالْمَوْسِمِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى، وَكَانَ وَالِيَ مَكَّةَ. وَفِيهَا اتَّفَقَ الشَّعَانِينُ لِلنَّصَارَى وَيَوْمَ النَّيرُوزِ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْأَحَدِ لِعِشْرِينَ لَيْلَةً خِلَتْ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ، فَزَعَمَتِ النَّصَارَى أَنَّهُمَا لَمْ يَجْتَمِعَا فِي الْإِسْلَامِ قَطُّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مَحْمُودُ بْنُ غِيلَانَ الْمَرْوَزِيُّ أَبُو أَحْمَدَ، وَهُوَ مِنْ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ.

стр. 3093

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٤٠ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ وُثُوبِ أَهْلِ حِمْصَ بِعَامِلِهِمْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَثَبَ أَهْلُ حِمْصَ بِعَامِلِهِمْ أَبِي الْمُغِيثِ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّافِعِيِّ، وَكَانَ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ رُؤَسَائِهِمْ، فَقَتَلُوا جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَخْرَجُوهُ، وَأَخْرَجُوا عَامِلَ الْخَرَاجِ، فَبَعَثَ الْمُتَوَكِّلُ إِلَيْهِمْ عَتَّابَ بْنَ عَتَّابٍ، وَمُحَمَّدَ بْنَ عَبْدَوَيْهِ الْأَنْبَارِيَّ، وَقَالَ لِعَتَّابٍ: قُلْ لَهُمْ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ بَدَّلَكُمْ بِعَامِلِكُمْ، فَإِنْ أَطَاعُوا فَوَلِّ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدَوَيْهِ، فَإِنْ أَبَوْ فَأَقِمْ وَأَعْلِمْنِي، حَتَّى أَمُدَّكَ بِرِجَالٍ وَفُرْسَانٍ. فَسَارُوا إِلَيْهِمْ، فَوَصَلُوا فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، فَرَضُوا بِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدَوَيْهِ، فَعَمِلَ فِيهِمُ الْأَعَاجِيبَ، حَتَّى أَحْوَجَهُمْ إِلَى مُحَارَبَتِهِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْفِرِنْجِ بِالْأَنْدَلُسِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، كَانَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْفِرِنْجَ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ بِالْأَنْدَلُسِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ طُلَيْطِلَةَ كَانُوا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْخِلَافِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ، وَعَلَى أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ، فَلَمَّا كَانَ الْآنَ سَارَ مُحَمَّدٌ فِي جُيُوشِهِ

стр. 3094

إِلَى طُلَيْطِلَةَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَهْلُهَا بِذَلِكَ أَرْسَلُوا إِلَى مَلِكِ جِلِّيقِيَّةَ يَسْتَمِدُّونَهُ وَإِلَى مَلِكِ بَشْكَنْسَ فَأَمَدَّاهُمْ بِالْعَسَاكِرِ الْكَثِيرَةِ. فَلَمَّا سَمِعَ مُحَمَّدٌ بِذَلِكَ، وَكَانَ قَدْ قَارَبَ طُلَيْطِلَةَ، عَبَّأَ أَصْحَابَهُ، وَقَدْ كَمَنَ لَهُمُ الْكُمَنَاءُ بِنَاحِيَةِ وَادِي سَلِيطٍ، وَتَقَدَّمَ هُوَ إِلَيْهِمْ فِي قِلَّةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ، فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ طُلَيْطِلَةَ ذَلِكَ أَعْلَمُوا الْفِرِنْجَ بِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، فَسَارَعُوا إِلَى قِتَالِهِمْ، وَطَمِعُوا فِيهِمْ، فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ، وَانْتَشَبَ الْقِتَالُ، خَرَجَتِ الْكُمَنَاءُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ طُلَيْطِلَةَ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ مَا لَا يُحْصَى، وَجُمِعَ مِنَ الرُّؤُوسِ ثَمَانِيَةُ آلَافِ رَأْسٍ فُرِّقَتْ فِي الْبِلَادِ، فَذَكَرَ أَهْلُ طُلَيْطِلَةَ أَنَّ عِدَّةَ الْقَتْلَى مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ عِشْرُونَ أَلْفَ قَتِيلٍ، وَبَقِيَتْ جُثَثُ الْقَتْلَى عَلَى وَادِي سَلِيطٍ دَهْرًا طَوِيلًا. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُزِلَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ عَنِ الْقَضَاءِ، وَقُبِضَ مِنْهُ مَا مَبْلَغُهُ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَأَرْبَعَةُ آلَافِ جَرِيبٍ بِالْبَصْرَةِ. وَفِيهَا وَلِيَ جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ قَضَاءَ الْقُضَاةِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ. وَكَانَ عَلَى أَحْدَاثِ الْمَوَاسِمِ جَعْفَرُ بْنُ دِينَارٍ.

стр. 3095

[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادَ فِي الْمُحَرَّمِ بَعْدَ ابْنِهِ أَبِي الْوَلِيدِ بِعِشْرِينَ يَوْمًا، وَكَانَ دَاعِيَةً إِلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ مِنْ مَذَاهِبِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَأَخَذَ ذَلِكَ عَنْ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ، وَأَخَذَهُ بِشْرٌ مِنَ الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ، وَأَخَذَهُ جَهْمٌ مِنَ الْجَعْدِ بْنِ أَدْهَمَ، وَأَخَذَهُ الْجَعْدُ مِنْ أَبَانِ بْنِ سَمْعَانَ، وَأَخَذَهُ أَبَانٌ مِنْ طَالُوتَ ابْنِ أُخْتِ لَبِيدٍ الْأَعْصَمِ وَخَتَنَهُ، وَأَخَذَهُ طَالُوتُ مِنْ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ الْيَهُودِيِّ الَّذِي سَحَرَ النَّبِيَّ، ﷺ ، وَكَانَ لَبِيدٌ يَقُولُ بِخَلْقِ التَّوْرَاةِ، وَأَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِي ذَلِكَ طَالُوتُ، وَكَانَ زِنْدِيقًا، فَأَفْشَى الزَّنْدَقَةَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حُمَيْدٍ أَبُو رَجَاءٍ الثَّقَفِيُّ، وَلَهُ تِسْعُونَ سَنَةً، وَهُوَ خُرَاسَانِيٌّ مِنْ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، (وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَتُوُفِّيَ) أَبُو ثَوْرٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ الْبَغْدَاديُّ الْكَلْبِيُّ الْفَقِيهُ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَأَبُو عُثْمَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الشَّافِعِيِّ، وَكَانَ قَاضِيَ الْجَزِيرَةِ جَمِيعِهَا، وَرَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَعَنِ ابْنِ عَنْبَسَةَ. وَقِيلَ: مَاتَ بَعْدَ سَنَةِ أَرْبَعِينَ [وَمِائَتَيْنِ] . وَكَانَ لِلشَّافِعِيِّ وَلَدٌ آخَرُ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ مَاتَ بِمِصْرَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ.

стр. 3096

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٤١ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ وُثُوبِ أَهْلِ حِمْصَ بِعَامِلِهِمْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَثَبَ أَهْلُ حِمْصَ بِعَامِلِهِمْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدَوَيْهِ، وَأَعَانَهُمْ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ نَصَارَى حِمْصَ، فَكَتَبَ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِمُنَاهَضَتِهِمْ، وَأَمَدَّهُ بِجُنْدٍ مِنْ دِمَشْقَ وَالرَّمْلَةِ، (فَظَفَرَ بِهِمْ) ، فَضَرَبَ مِنْهُمْ رَجُلَيْنِ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ حَتَّى مَاتَا وَصَلَبَهُمَا عَلَى بَابِ حِمْصَ، وَسَيَّرَ ثَمَانِيَةَ رِجَالٍ مِنْ أَشْرَافِهِمْ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ، وَظَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِعَشَرَةِ رِجَالٍ مِنْ أَعْيَانِهِمْ، فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ، وَأَمَرَهُ الْمُتَوَكِّلُ بِإِخْرَاجِ النَّصَارَى مِنْهَا، وَهَدْمِ كَنَائِسِهِمْ، وَبِإِدْخَالِ الْبَيْعَةِ الَّتِي إِلَى جَانِبِ الْجَامِعِ إِلَى الْجَامِعِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ. ذِكْرُ الْفِدَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّومِ وَفِيهَا كَانَ الْفِدَاءُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّومِ، بَعْدَ أَنْ قَتَلَتْ تَدُورَةُ مَلِكَةُ الرُّومِ مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَإِنَّهَا عَرَضَتِ النَّصْرَانِيَّةَ عَلَى الْأَسْرَى، فَمَنْ تَنَصَّرَ جَعَلَتْهُ أُسْوَةَ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْمُتَنَصِّرَةِ، وَمَنْ أَبَى قَتَلَتْهُ، وَأَرْسَلَتْ تَطْلُبُ الْمُفَادَاةَ لِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، فَأَرْسَلَ الْمُتَوَكِّلُ شُنَيْفًا الْخَادِمَ عَلَى الْفِدَاءِ، وَطَلَبَ قَاضِي الْقُضَاةِ جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ أَنْ يَحْضُرَ الْفِدَاءَ، وَيَسْتَخْلِفَ عَلَى الْقَضَاءِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَأَذِنَ لَهُ فَحَضَرَهُ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْقَضَاءِ ابْنَ أَبِي الشَّوَارِبِ، وَهُوَ شَابٌّ، وَوَقَعَ الْفِدَاءُ عَلَى نَهْرِ اللَّامِسِ، فَكَانَ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الرِّجَالِ سَبْعَ مِائَةٍ وَخَمْسَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، وَمِنَ النِّسَاءِ مِائَةً وَخَمْسًا وَعِشْرِينَ امْرَأَةً.

стр. 3097

وَفِيهَا جَعَلَ الْمُتَوَكِّلُ كُلَّ كُورَةٍ شِمْشَاطَ عُشْرِيَّةً، وَكَانَتْ خَرَاجِيَّةً. ذِكْرُ غَارَاتِ الْبُجَاةِ بِمِصْرَ وَفِيهَا أَغَارَتِ الْبُجَاةُ عَلَى أَرْضِ مِصْرَ، وَكَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ لَا تَغْزُو بِلَادَ الْإِسْلَامِ لِهُدْنَةٍ قَدِيمَةٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِيمَا مَضَى، وَفِي بِلَادِهِمْ مَعَادِنُ يُقَاسِمُونَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا، وَيُؤَدُّونَ إِلَى عُمَّالِ مِصْرَ نَحْوَ الْخُمْسِ. فَلَمَّا كَانَتْ أَيَّامُ الْمُتَوَكِّلِ امْتَنَعَتْ عَنْ أَدَاءِ ذَلِكَ، فَكَتَبَ صَاحِبُ الْبَرِيدِ بِمِصْرَ بِخَبَرِهِمْ، وَأَنَّهُمْ قَتَلُوا عِدَّةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ يَعْمَلُ فِي الْمَعَادِنِ، فَهَرَبَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهَا خَوْفًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَأَنْكَرَ الْمُتَوَكِّلُ ذَلِكَ، فَشَاوَرَ فِي أَمْرِهِمْ، فَذُكِرَ لَهُ أَنَّهُمْ أَهْلُ بَادِيَةٍ، أَصْحَابُ إِبِلٍ وَمَاشِيَةٍ، وَأَنَّ الْوُصُولَ إِلَى بِلَادِهِمْ صَعْبٌ لِأَنَّهَا مَفَاوِزُ، وَبَيْنَ أَرْضِ الْإِسْلَامِ وَبَيْنَهَا مَسِيرَةَ شَهْرٍ فِي أَرْضٍ قَفْرٍ وَجِبَالٍ وَعِرَةٍ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ يَدْخُلُهَا مِنَ الْجُيُوشِ يَحْتَاجُ أَنْ يَتَزَوَّدَ لِمُدَّةٍ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ يُقِيمُهَا إِلَى أَنْ يَخْرُجَ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ جَاوَزَ تِلْكَ الْمُدَّةَ هَلَكَ، وَأَخَذَتْهُمُ الْبُجَاةُ بِالْيَدِ، وَأَنَّ أَرْضَهُمْ لَا تَرُدُّ عَلَى سُلْطَانٍ شَيْئًا. فَأَمْسَكَ الْمُتَوَكِّلُ عَنْهُمْ، فَطَمِعُوا وَزَادَ شَرُّهُمْ حَتَّى خَافَ أَهْلُ الصَّعِيدِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْهُمْ، فَوَلَّى الْمُتَوَكِّلُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقُمِّيَّ مُحَارَبَتَهُمْ، وَوَلَّاهُ مَعُونَةَ تِلْكَ الْكُورِ، وَهِيَ قُفْطُ، وَالْأَقْصُرُ، وَأَسْنَا وَأَرْمَنْتُ، وَأَسْوَانُ، وَأَمَرَهُ بِمُحَارَبَةِ الْبُجَاةِ، وَكَتَبَ إِلَى عَنْبَسَةَ بْنِ إِسْحَاقَ الضَّبِّيِّ عَامِلِ حَرْبِ مِصْرَ بِإِزَاحَةِ عِلَّتِهِ، وَإِعْطَائِهِ مِنَ الْجُنْدِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ. وَسَارَ مُحَمَّدٌ إِلَى أَرْضِ الْبُجَاةِ وَتَبِعَهُ مِمَّنْ يَعْمَلُ فِي الْمَعَادِنِ وَالْمُتَطَوِّعَةُ عَالَمٌ كَثِيرٌ، فَبَلَغَتْ عِدَّتُهُمْ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا بَيْنَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، وَوَجَّهَ إِلَى الْقُلْزُمِ، فَحَمَّلَ فِي الْبَحْرِ سَبْعَةَ مَرَاكِبَ مَوْقُورَةً بِالدَّقِيقِ، وَالزَّيْتِ، وَالتَّمْرِ، وَالشَّعِيرِ، وَالسَّوِيقِ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُوَافُوهُ بِهَا فِي سَاحِلِ الْبَحْرِ مِمَّا يَلِي بِلَادَ الْبُجَاةِ، وَسَارَ حَتَّى جَاوَزَ الْمَعَادِنَ الَّتِي يُعْمَلُ فِيهَا الذَّهَبُ، وَسَارَ إِلَى حُصُونِهِمْ وَقِلَاعِهِمْ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ مَلِكُهُمْ، وَاسْمُهُ عَلِيُّ بَابَا، فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ أَضْعَافِ مَنْ مَعَ الْقُمِّيِّ، فَكَانَتِ الْبُجَاةُ عَلَى الْإِبِلِ، وَهِيَ إِبِلٌ فُرَّةٌ تُشْبِهُ الْمَهَارِي، فَتَحَارَبُوا أَيَّامًا وَلَمْ يَصْدُقْهُمْ عَلِيُّ بَابَا الْقِتَالَ لِتَطُولَ الْأَيَّامُ، وَتَفْنَى أَزْوَادُ الْمُسْلِمِينَ وَعَلُوفَاتُهُمْ، فَيَأْخُذَهُمْ بِغَيْرِ حَرْبٍ، فَأَقْبَلَتْ تِلْكَ الْمَرَاكِبُ الَّتِي فِيهَا الْأَقْوَاتُ فِي الْبَحْرِ،

стр. 3098

فَفَرَّقَ الْقُمِّيُّ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ أَصْحَابِهِ (فَامْتَنَعُوا فِيهَا) . فَلَمَّا رَأَى عَلِيُّ بَابَا ذَلِكَ صَدَقَهُمُ الْقِتَالَ، وَجَمَعَ لَهُمْ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَانَتْ إِبِلُهُمْ ذَعِرَةً تَنْفِرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَلَمَّا رَأَى الْقُمِّيُّ ذَلِكَ جَمَعَ كَلَّ جَرَسٍ فِي عَسْكَرِهِ وَجَعَلَهَا فِي أَعْنَاقِ خَيْلِهِ، ثُمَّ حَمَلُوا عَلَى الْبُجَاةِ، فَنَفَرَتْ إِبِلُهُمْ لِأَصْوَاتِ الْأَجْرَاسِ، فَحَمَلَتْهُمْ عَلَى الْجِبَالِ وَالْأَوْدِيَةِ، وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ قَتْلًا وَأَسْرًا، حَتَّى أَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ، وَذَلِكَ أَوَّلَ سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُعَسْكَرِهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِحْصَاءِ الْقَتْلَى لِكَثْرَتِهِمْ. ثُمَّ إِنَّ مَلِكَهُمْ عَلِيَّ بَابَا طَلَبَ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُ عَلَى أَنْ يَرُدَّ مَمْلَكَتَهُ وَبِلَادَهُ، فَأَدَّى إِلَيْهِمُ الْخَرَاجَ لِلْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ مَنَعَهَا، وَهِيَ أَرْبَعُ سِنِينَ، وَسَارَ مَعَ الْقُمِّيِّ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ، وَاسْتَخْلَفَ (عَلَى مَمْلَكَتِهِ) ابْنَهُ بَغْشَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ خَلَعَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ، وَكَسَا جَمَلَهُ رَحْلًا مَلِيحًا وَجِلَالَ دِيبَاجٍ. وَوَلَّى الْمُتَوَكِّلُ الْبُجَاةَ طَرِيقَ مِصْرَ، مَا بَيْنَ مِصْرَ وَمَكَّةَ، سَعْدًا الْخَادِمَ الْإِيتَاخِيَّ، فَوَلَّى الْإِيتَاخِيُّ مُحَمَّدًا الْقُمِّيَّ، فَرَجَعَ إِلَيْهَا وَمَعَهُ عَلِي بَابَا وَهُوَ عَلَى دِينِهِ، وَكَانَ مَعَهُ صَنَمٌ مِنْ حِجَارَةٍ كَهَيْئَةِ الصَّبِيِّ يَسْجُدُ لَهُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا مُطِرَ النَّاسُ بِسَامَرَّا مَطَرًا شَدِيدًا فِي آبَ. وَقِيلَ فِيهَا: إِنَّهُ أُنْهِيَ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ أَنَّ عِيسَى بْنَ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَاصِمٍ، صَاحِبَ خَانِ عَاصِمٍ بِبَغْدَاذَ، يَشْتُمُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، فَكَتَبَ إِلَى

стр. 3099

مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ أَنْ يَضْرِبَهُ بِالسِّيَاطِ، فَإِذَا مَاتَ رَمَى بِهِ فِي دِجْلَةَ، (فَفَعَلَ ذَلِكَ وَأُلْقِيَ فِي دِجْلَةَ) . وَفِيهَا وَقَعَ الصِّدَامُ فَنَفَقَتِ الدَّوَابُّ وَالْبَقَرُ. وَفِيهَا أَغَارَتِ الرُّومُ عَلَى عَيْنِ زِرْبَةَ، فَأَخَذَتْ مَنْ كَانَ بِهَا أَسِيرًا مِنَ الزُّطِّ مَعَ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ وَدَوَابِّهِمْ. (وَفِيهَا أَكْثَرَ مُحَمَّدٌ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، مِنَ الرِّجَالِ بِقَلْعَةِ رَبَاحٍ وَتِلْكَ النَّوَاحِي، لِيَقِفُوا عَلَى أَهْلِ طُلَيْطِلَةَ، وَسَيَّرَ الْجُيُوشَ إِلَى غَزْوِ الْفِرِنْجِ مَعَ مُوسَى، فَدَخَلُوا بِلَادَهُمْ، وَوَصَلُوا إِلَى أُلْبَةَ وَالْقِلَاعِ، وَافْتَتَحُوا بَعْضَ حُصُونِهَا وَعَادُوا) . [الْوَفَيَاتُ] وَمَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، الْمَعْرُوفُ بِقَوْصَرَةَ، صَاحِبُ بَرِيدِ مِصْرَ وَالْغَرْبِ. [بَقِيَّةُ الْحَوَادِثِ] وَحَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ. وَحَجَّ جَعْفَرُ بْنُ دِينَارٍ، وَهُوَ وَالِي الطَّرِيقِ وَأَحْدَاثِ الْمَوْسِمِ. وَفِيهَا كَثُرَ انْقِضَاضُ النُّجُومِ، فَكَانَتْ كَثِيرَةً لَا تُحْصَى، فَبَقِيَتْ لَيْلَةً مِنَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ إِلَى الصُّبْحِ.

стр. 3100

وَفِيهَا كَانَتْ بِالرَّيِّ زَلْزَلَةٌ شَدِيدَةٌ هَدَمَتِ الْمَسَاكِنَ، وَمَاتَ تَحْتَهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ لَا يُحْصَوْنَ، وَبَقِيَتْ تَتَرَدَّدُ فِيهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَفِيهَا خَرَجَتْ رِيحٌ مِنْ بِلَادِ التُّرْكِ، فَقَتَلَتْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَكَانَ يُصِيبُهُمْ بَرْدُهَا (فَيُزْكَمُونَ) ، فَبَلَغَتْ سَرْخَسَ، وَنَيْسَابُورَ، وَهَمَذَانَ، وَالرَّيَّ، فَانْتَهَتْ إِلَى حُلْوَانَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ الشَّيْبَانِيُّ الْفَقِيهُ الْمُحَدِّثُ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.

стр. 3101

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٤٢ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ زَلَازِلُ هَائِلَةٌ بِقُومَسَ وَرَسَاتِيقِهَا فِي شَعْبَانَ، فَتَهَدَّمَتِ الدُّورُ، وَهَلَكَ تَحْتَ الْهَدْمِ بَشَرٌ كَثِيرٌ، قِيلَ كَانَتْ عِدَّتُهُمْ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ أَلْفًا وَسِتَّةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، وَكَانَ أَكْثَرُ ذَلِكَ بِالدَّامَغَانِ. وَكَانَ بِالشَّامِ وَفَارِسَ وَخُرَاسَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ زَلَازِلُ، وَأَصْوَاتٌ مُنْكَرَةٌ، وَكَانَ بِالْيَمَنِ مِثْلُ ذَلِكَ مَعَ خَسْفٍ. وَفِيهَا خَرَجَتِ الرُّومُ مِنْ نَاحِيَةِ شِمْشَاطَ بَعْدَ خُرُوجِ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى الْأَرْمَنِيِّ مِنَ الصَّائِفَةِ، حَتَّى قَارَبُوا آمُدَ، وَخَرَجُوا مِنَ الثُّغُورِ وَالْجَزْرِيَّةِ فَانْتَهَبُوا، وَأَسَرُوا نَحْوًا مِنْ عَشَرَةِ

стр. 3102

آلَافٍ، وَكَانَ دُخُولُهُمْ مِنْ نَاحِيَةِ إِبْرِيقِ قَرْيَةِ قَرِيبَاسَ ثُمَّ رَجَعُوا، فَخَرَجَ قَرِيبَاسُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَقْطَعُ، وَقَوْمٌ مِنَ الْمُتَطَوِّعَةِ فِي آثَارِهِمْ، فَلَمْ يَلْحَقُوهُمْ، فَكَتَبَ الْمُتَوَكِّلُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى الْأَرْمَنِيِّ أَنْ يَسِيرَ إِلَى بِلَادِهِمْ شَاتِيًا. وَفِيهَا قَتَلَ الْمُتَوَكِّلُ رَجُلًا عَطَّارًا، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ، فَمَكَثَ مُسْلِمًا سِنِينَ كَثِيرَةً، ثُمَّ ارْتَدَّ، وَاسْتُتِبَ فَأَبَى الرُّجُوعَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقُتِلَ وَأُحْرِقَ. وَفِيهَا سَيَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِالْأَنْدَلُسِ جَيْشًا إِلَى بَلَدِ الْمُشْرِكِينَ، فَدَخَلُوا إِلَى بَرْشِلُونَةَ، وَحَارَبَ قِلَاعَهَا وَجَازَهَا إِلَى مَا وَرَاءَ أَعْمَالِهَا، فَغَنِمُوا كَثِيرًا، وَافْتَتَحُوا حِصْنًا مِنْ أَعْمَالِ بَرْشِلُونَةَ يُسَمَّى طِرَاجَةَ، وَهُوَ مِنْ آخِرِ حُصُونِ بَرْشِلُونَةَ) . [الْوَفَيَاتُ] (وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَغْلَبِ أَمِيرُ إِفْرِيقِيَّةَ عَاشِرَ الْمُحَرَّمِ، كَانَ عُمْرُهُ سِتًّا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَغْلَبِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ) . وَفِيهَا مَاتَ أَبُو حَسَّانَ الزِّيَادِيُّ قَاضِي الشَّرْقِيَّةِ.

стр. 3103

وَمَاتَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، قَاضِي مَدِينَةِ الْمَنْصُورِ. [بَقِيَّةُ الْحَوَادِثِ] وَحَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامُ، وَهُوَ عَلَى مَكَّةَ، وَحَجَّ جَعْفَرُ بْنُ دِينَارٍ عَلَى الطَّرِيقِ وَأَحْدَاثِ الْمَوْسِمِ. [بَقِيَّةُ الْوَفَيَاتِ] وَتُوفِيَ الْقَاضِي يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ التَّمِيمِيُّ بِالرَّبْذَةِ عَائِدًا مِنَ الْحَجِّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ الرَّازِيُّ، وَأَبُو حُصَيْنِ [بْنُ] يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ الْمُحَدِّثُ.

стр. 3104

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٤٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الْمُتَوَكِّلُ إِلَى دِمَشْقَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ عَلَى طَرِيقِ الْمَوْصِلِ، فَضَحَّى بِبَلَدٍ، فَقَالَ يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُهَلَّبِيُّ: أَظُنُّ الشَّامَ تَشْمَتُ بِالْعِرَاقِ ... إِذَا عَزَمَ الْإِمَامُ عَلَى انْطِلَاقِ فَإِنْ يَدَعِ الْعِرَاقَ وَسَاكِنِيهِ ... فَقَدْ تَبْلَى الْمَلِيحَةُ بِالطَّلَاقِ وَفِيهَا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صُولٍ الصُّولِيُّ، وَكَانَ أَدِيبًا شَاعِرًا، فَوَلِيَ دِيوَانَ الضِّيَاعِ الْحَسَنُ بْنُ مُخَلَّدِ بْنِ الْجَرَّاحِ، خَلِيفَةُ إِبْرَاهِيمَ. وَمَاتَ عَاصِمُ بْنُ مَنْجُورٍ. [بَقِيَّةُ الْحَوَادِثِ] وَحَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مُوسَى. وَحَجَّ جَعْفَرُ بْنُ دِينَارٍ وَهُوَ وَالِي الطَّرِيقِ وَأَحْدَاثِ الْمَوْسِمِ.

стр. 3105

وَفِيهَا خَرَجَ أَهْلُ طُلَيْطِلَةَ بِجَمْعِهِمْ إِلَى طَلَبِيرَةَ وَعَلَيْهَا مَسْعُودُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَرِيفُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَيَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُنُودِ، فَلَقِيَهُمْ، فَقَاتَلَهُمْ، فَانْهَزَمَ أَهْلُ طُلَيْطِلَةَ، وَقُتِلَ أَكْثَرُهُمْ، وَحُمِلَ إِلَى قُرْطُبَةَ سَبْعَ مِائَةِ رَأْسٍ. [بَقِيَّةُ الْوَفَيَاتِ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ سُهَيْدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سُهَيْدٍ الْأَنْدَلُسِيُّ، وَكَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يُوسُفَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ السِّكِّيتِ، النَّحْوِيُّ اللُّغَوِيُّ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ، وَقِيلَ: خَمْسٍ، وَقِيلَ: سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ. وَالْحَارِثُ بْنُ أَسَدٍ الْمُحَاسَبِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزَّاهِدُ، وَكَانَ قَدْ هَجَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لِأَجْلِ الْكَلَامِ، فَاخْتَفَى لِتَعَصُّبِ الْعَامَّةِ لِأَحْمَدَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ إِلَّا أَرْبَعَةُ نَفَرٍ.

стр. 3106

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٤٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ دَخَلَ الْمُتَوَكِّلُ مَدِينَةَ دِمَشْقَ فِي صَفَرَ، وَعَزَمَ عَلَى الْمَقَامِ بِهَا، وَنَقَلَ دَوَاوِينَ الْمُلْكِ إِلَيْهَا، وَأَمَرَ بِالْبِنَاءِ بِهَا، ثُمَّ اسْتَوْبَأَ الْبَلَدَ، وَذَلِكَ بِأَنَّ هَوَاءَهُ بَارِدٌ نَدِيٌّ، وَالْمَاءُ ثَقِيلٌ، وَالرِّيحُ تَهُبُّ فِيهَا مَعَ الْعَصْرِ فَلَا تَزَالُ تَشْتَدُّ حَتَّى يَمْضِيَ عَامَّةُ اللَّيْلِ، وَهِيَ كَثِيرَةُ الْبَرَاغِيثِ، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ، وَحَالَ الثَّلْجُ بَيْنَ السَّابِلَةِ وَالْمِيرَةِ، فَرَجَعَ إِلَى سَامَرَّا. وَكَانَ مُقَامُهُ بِدِمَشْقَ شَهْرَيْنِ وَأَيَّامًا، فَلَمَّا كَانَ بِهَا وَجَّهَ بُغَا الْكَبِيرَ لِغَزْوِ الرُّومِ، فَغَزَا الصَّائِفَةَ فَافْتَتَحَ صِمْلَةَ. وَفِيهَا عَقَدَ الْمُتَوَكِّلُ لِأَبِي السَّاجِ عَلَى طَرِيقِ مَكَّةَ مَكَانَ جَعْفَرِ بْنِ دِينَارٍ. وَقِيلَ: عَقَدَ لَهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، وَهُوَ الصَّوَابُ. وَفِيهَا أُتِيَ الْمُتَوَكِّلُ بِحَرْبَةٍ كَانَتْ لِلنَّبِيِّ، ﷺ ، تُسَمَّى الْعَنَزَةَ، فَكَانَتْ لِلنَّجَاشِيِّ، فَأَهْدَاهَا لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَأَهْدَاهَا الزُّبَيْرُ لِلنَّبِيِّ، ﷺ ، وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُرَكَّزُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ، ﷺ ، فِي الْعِيدَيْنِ، فَكَانَ يَحْمِلُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ صَاحِبُ الشُّرْطَةِ. وَفِيهَا غَضِبَ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى بَخْتِيشُوعَ الطَّبِيبِ، وَقَبَضَ مَالَهُ، وَنَفَاهُ إِلَى الْبَحْرِينِ.

стр. 3107

وَفِيهَا اتَّفَقَ عِيدُ الْأَضْحَى وَالشَّعَانِينُ لِلنَّصَارَى، وَعِيدُ الْفِطْرِ لِلْيَهُودِ، فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مُوسَى. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ الْمَرْوَزِيُّ، وَهُمَا إِمَامَانِ فِي الْحَدِيثِ. وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ بْنِ أُمَيَّةَ الْقَاضِي فِي جُمَادَى الْأُولَى. (أَسِيدُ: بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ) .

стр. 3108

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٤٥ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ الْمُتَوَكِّلُ بِبِنَاءِ الْمَاخُوزَةِ، وَسَمَّاهَا الْجَعْفَرِيَّةَ، وَأَقْطَعَ الْقُوَّادَ وَأَصْحَابَهُ فِيهَا، وَجَدَّ فِي بِنَائِهَا، وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا فِيمَا قِيلَ: أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، وَجَمَعَ فِيهَا الْقُرَّاءَ، فَقَرَؤُوا، وَحَضَرَهَا أَصْحَابُ الْمَلَاهِي، فَوَهَبَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَكَانَ يُسَمِّيهَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ الْمُتَوَكِّلِيَّةَ، وَبَنَى فِيهَا قَصْرًا سَمَّاهُ لُؤْلُؤَةَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ فِي عُلُوِّهِ، وَحَفَرَ لَهَا نَهْرًا يَسْقِي مَا حَوْلَهَا، فَقُتِلَ الْمُتَوَكِّلُ، فَبَطَلَ حَفَرُ النَّهْرِ، وَأُخْرِبَتِ الْجَعْفَرِيَّةُ. وَفِيهَا زُلْزِلَتْ بِلَادُ الْمَغْرِبِ، فَخَرِبَتِ الْحُصُونُ، وَالْمَنَازِلُ، وَالْقَنَاطِرُ، فَفَرَّقَ الْمُتَوَكِّلُ ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فِيمَنْ أُصِيبَ بِمَنْزِلِهِ. وَزُلْزِلَ عَسْكَرُ الْمَهْدِيِّ، وَالْمَدَائِنُ، وَزُلْزِلَتْ أَنْطَاكِيَةُ، فَقُتِلَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَسَقَطَ مِنْهَا أَلْفٌ وَخَمْسُ مِائَةِ دَارٍ، وَسَقَطَ مِنْ سُورِهَا نَيِّفٌ وَتِسْعُونَ بُرْجًا، وَسَمِعُوا أَصْوَاتًا هَائِلَةً لَا يُحْسِنُونَ وَصْفَهَا، وَتَقَطَّعَ جَبَلُهَا الْأَقْرَعُ وَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ.

стр. 3109

وَهَاجَ الْبَحْرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَارْتَفَعَ مِنْهُ دُخَّانٌ أَسْوَدُ مُظْلِمٌ مُنْتِنٌ، وَغَارَ مِنْهَا نَهْرٌ عَلَى فَرْسَخٍ لَا يُدْرَى أَيْنَ ذَهَبَ، وَسَمِعَ أَهْلُ سِيسَ، فِيمَا قِيلَ: صَيْحَةً دَائِمَةً هَائِلَةً، فَمَاتَ مِنْهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَتَزَلْزَلَتْ دِيَارُ الْجَزِيرَةِ، وَالثُّغُورِ، وَطَرَسُوسَ، وَأَدَنَةَ، وَزُلْزِلَتِ الشَّامُ، فَلَمْ يَسْلَمْ مِنَ اللَّاذِقِيَّةِ إِلَّا الْيَسِيرُ، وَهَلَكَ أَهْلُ جَبَلَةَ. وَفِيهَا غَارَتْ مُشَاشُ عَيْنِ مَكَّةَ، فَبَلَغَ ثَمَنُ الْقِرْبَةِ دِرْهَمًا، فَبَعَثَ الْمُتَوَكِّلُ مَالًا، وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا. وَفِيهَا مَاتَ إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ، وَهِلَالُ الرَّأْيِ. وَفِيهَا هَلَكَ نَجَاحُ بْنُ سَلَمَةَ، وَكَانَ سَبَبُ هَلَاكِهِ أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِيوَانِ التَّوْقِيعِ، وَتَتَبُّعِ الْعُمَّالِ، وَكَانَ عَلَى الضِّيَاعِ، فَكَانَ جَمِيعُ الْعُمَّالِ يَتَوَقَّوْنَهُ، وَيَقْضُونَ حَوَائِجَهُ، وَكَانَ الْمُتَوَكِّلُ رُبَّمَا نَادَمَهُ، وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ مُخَلَّدٍ، وَمُوسَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَدِ انْقَطَعَا إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَاقَانَ، وَزِيرِ الْمُتَوَكِّلِ، وَكَانَ الْحَسَنُ عَلَى دِيوَانِ الضَّيَاعِ، وَمُوسَى

стр. 3110

عَلَى دِيوَانِ الْخَرَاجِ، فَكَتَبَ نَجَاحُ بْنُ سَلَمَةَ فِيهِمَا رُقْعَةً إِلَى الْمُتَوَكِّلِ: أَنَّهُمَا خَانَا وَقَصَّرَا، وَأَنَّهُ يَسْتَخْرِجُ مِنْهُمَا أَرْبَعِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، فَقَالَ لَهُ الْمُتَوَكِّلُ: بَكِّرْ غَدًا حَتَّى أَدْفَعَهُمَا إِلَيْكَ. فَغَدَا وَقَدْ رَتَّبَ أَصْحَابُهُ لِأَخْذِهِمَا، فَلَقِيَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى الْوَزِيرُ، فَقَالَ لَهُ: أَنَا أُشِيرُ عَلَيْكَ بِمُصَالَحَتِهِمَا، وَتَكْتُبُ رُقْعَةً أَنَّكَ كُنْتَ شَارِبًا، وَتَكَلَّمْتَ نَاسِيًا، وَأَنَا أُصْلِحُ بَيْنِكُمَا، وَأُصْلِحُ الْحَالَ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. وَلَمْ يَزَلْ يَخْدَعُهُ حَتَّى كَتَبَ خُطَّةً بِذَلِكَ. فَلَمَّا كَتَبَ خَطَّهُ صَرَفَهُ، وَأَحْضَرَ الْحَسَنَ وَمُوسَى، وَعَرَّفَهُمَا الْحَالَ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَكْتُبَا فِي نَجَاحٍ وَأَصْحَابِهِ بِأَلْفَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، فَفَعَلَا، وَأَخَذَ الرُّقْعَتَيْنِ وَأَدْخَلَهُمَا عَلَى الْمُتَوَكِّلِ، وَقَالَ: قَدْ رَجَعَ نَجَاحٌ عَمَّا قَالَ، وَهَذِهِ رُقْعَةُ مُوسَى وَالْحَسَنِ يَتَقَبَّلَانِ بِمَا كَتَبَا، فَتَأْخُذُ مَا ضَمَّنَا عَلَيْهِ، ثُمَّ تَعْطِفُ عَلَيْهِمَا، فَتَأْخُذُ مِنْهُمَا قَرِيبًا مِنْهُ. فَسُرَّ الْمُتَوَكِّلُ بِذَلِكَ، وَأَمَرَ بِدَفْعِهِ إِلَيْهِمَا، فَأَخَذَاهُ وَأَوْلَادَهُ، فَأَقَرُّوا بِنَحْوِ مِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ أَلْفِ دِينَارٍ سِوَى الْغَلَّاتِ، وَالْغَرْسِ، وَالضِّيَاعِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَقَبَضَ ذَلِكَ أَجْمَعَ، وَضُرِبَ، ثُمَّ عُصِرَتْ خِصْيَتَاهُ حَتَّى مَاتَ، وَأَقَرَّ أَوْلَادُهُ بَعْدَ الضَّرْبِ بِسَبْعِينَ أَلْفِ دِينَارٍ، سِوَى مَا لَهُمَا مِنْ مِلْكٍ وَغَيْرِهِ، فَأَخَذَ الْجَمِيعَ وَأَخَذَ مِنْ وُكَلَائِهِ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ مَالًا جَزِيلًا. وَفِيهَا أَغَارَتِ الرُّومُ عَلَى سُمَيْسَاطَ، فَقَتَلُوا، وَسَبَوْا، (وَأَسَرُوا خَلْقًا كَثِيرًا) ، وَغَزَا عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى الْأَرْمَنِيُّ الصَّائِفَةَ. وَمَنَعَ أَهْلُ لُؤْلُؤَةَ رَئِيسَهُمْ مِنَ الصُّعُودِ إِلَيْهَا، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلِكُ الرُّومِ بِطْرِيقًا، يَضْمَنُ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَلْفَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ يُسَلِّمُوا إِلَيْهِ لُؤْلُؤَةً، فَأَصْعَدُوا الْبِطْرِيقِ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أُعْطُوا

стр. 3111

أَرْزَاقَهُمُ الْفَائِتَةَ وَمَا أَرَادُوا، فَسَلَّمُوا لُؤْلُؤَةَ وَالْبِطْرِيقَ إِلَى بِلْكَاجُورَ، فَسَيَّرَهُ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ، فَبَذَلَ مَلِكُ الرُّومِ فِي فِدَائِهِ أَلْفَ مُسْلِمٍ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامُ يُعْرَفُ بِالزَّيْنَبِيِّ، وَهُوَ وَالِي مَكَّةَ. وَكَانَ نَيْرُوزُ الْمُتَوَكِّلِ الَّذِي أَرْفَقَ أَهْلُ الْخَرَاجِ بِتَأْخِيرِهِ إِيَّاهُ عَنْهُمْ لِإِحْدَى عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَلِسَبَعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ حُزَيْرَانَ، وَلِثَمَانٍ وَعِشْرِينَ مِنْ أردبيهشت، فَقَالَ الْبُحْتُرِيُّ: إِنَّ يَوْمَ النَّيْرُوزِ عَادَ إِلَى ... الْعَهْدِ الَّذِي سَنَّهُ أَرْدَشِيرُ. ذِكْرُ خُرُوجِ الْكُفَّارِ بِالْأَنْدَلُسِ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ. فِي هَذهِ السَّنَةِ خَرَجَ الْمَجُوسُ مِنْ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ، فِي مَرَاكِبَ، إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَأَمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، صَاحِبُ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، بِإِخْرَاجِ الْعَسَاكِرِ إِلَى قِتَالِهِمْ، فَوَصَلَتْ مَرَاكِبُ الْمَجُوسِ إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ، فَحَلَّتْ بِالْجَزِيرَةِ، وَدَخَلَتِ الْحَاضِرَ إِلَى قِتَالِهِمْ، وَأَحْرَقَتِ الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ، ثُمَّ جَازَتْ إِلَى الْعُدْوَةِ، فَحَلَّتْ بِنَاكُورَ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى الْأَنْدَلُسِ، فَانْهَزَمَ أَهْلُ تُدْمِيرَ، وَدَخَلُوا حِصْنَ أَرْيُوالَةَ. ثُمَّ تَقَدَّمُوا إِلَى حَائِطِ إِفْرِنْجَةَ، وَأَغَارُوا، وَأَصَابُوا مِنَ النَّهْبِ وَالسَّبْيِ كَثِيرًا، ثُمَّ

стр. 3112

انْصَرَفُوا، فَلَقِيَتْهُمْ مَرَاكِبُ مُحَمَّدٍ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَأَحْرَقُوا مَرْكِبَيْنِ مِنْ مَرَاكِبِ الْكُفَّارِ، وَأَخَذُوا مَرْكِبَيْنِ آخَرَيْنِ، فَغَنِمُوا مَا فِيهِمَا، فَحَمِيَ الْكَفَرَةُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَجَدُّوا فِي الْقِتَالِ، فَاسْتَشْهَدَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَمَضَتْ مَرَاكِبُ الْمَجُوسِ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى مَدِينَةِ بَنْبَلُونَةَ، فَأَصَابُوا صَاحِبَهَا غَرْسِيةَ الْفِرِنْجِيَّ، فَافْتَدَى نَفْسَهُ مِنْهُمْ بِتِسْعِينَ أَلْفِ دِينَارٍ. وَفِيهَا غَزَا عَامِلُ طَرَسُونَةَ إِلَى بَنْبَلُونَةَ، فَافْتَتَحَ حِصْنَ بَيْلَسَانَ وَسَبَى أَهْلَهُ، ثُمَّ كَانَتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَقْعَةٌ اسْتُشْهِدَ فِيهَا جَمَاعَةٌ. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ الْبَرْبَرِ وَابْنِ الْأَغْلَبِ بِإِفْرِيقِيَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ بَيْنَ الْبَرْبَرِ وَعَسْكَرِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَغْلَبِ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ. وَسَبَبُهَا أَنَّ بَرْبَرَ لَهَانَ امْتَنَعُوا عَلَى عَامِلِ طَرَابُلُسَ مِنْ أَدَاءِ عُشُورِهِمْ وَصَدَقَاتِهِمْ، وَحَارَبُوهُ، فَهَزَمُوهُ، فَقَصَدَ لُبْدَةَ، فَحَصَّنَهَا، وَسَارَ إِلَى طَرَابُلُسَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَمِيرُ جَيْشًا مَعَ أَخِيهِ زِيَادَةِ اللَّهِ، فَانْهَزَمَ الْبَرْبَرُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَسَيَّرَ زِيَادَةُ اللَّهِ الْخَيْلَ فِي آثَارِهِمْ، فَقَتَلَ مَنْ أَدْرَكَ مِنْهُمْ، وَأَسَرَ جَمَاعَةً، فَضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ، وَأُحْرِقَ مَا كَانَ فِي عَسْكَرِهِمْ، فَأَذْعَنَ الْبَرْبَرُ بَعْدَهَا، وَأَعْطُوا الرَّهْنَ، وَأَدُّوا طَاعَتَهُمْ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ (فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ النَّحْوِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ السِّكِّيتِ، وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّهُ اتَّصَلَ بِالْمُتَوَكِّلِ، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ الْمُعْتَزُّ وَالْمُؤَيَّدُ، أَوِ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ؟ فَتَنَقَّصَ ابْنَيْهِ، وَذَكَرَ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، ﵉، بِمَا هُمَا أَهْلٌ لَهُ، فَأَمَرَ الْأَتْرَاكَ فَدَاسُوا بَطْنَهُ، فَحُمِلَ إِلَى دَارِهِ، فَمَاتَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ فِي ذِي الْقِعْدَةِ،

стр. 3113

وَأَبُو تُرَابٍ النَّخْشَبِيُّ الصُّوفِيُّ، نَهَشَتْهُ السِّبَاعُ فَمَاتَ بِالْبَادِيَةِ. وَأَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، الْمَعْرُوفُ بِالْكَرَابِيسِيُّ، صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ [وَمِائَتَيْنِ] ، وَسَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي الْعَنْبَرِيُّ، وَكَانَ قَدْ عَمِيَ.

стр. 3114

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٤٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَفِيهَا غَزَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَقْطَعُ الصَّائِفَةَ، فَأَخْرَجَ سَبْعَةَ (عَشَرَ) أَلْفَ رَأْسٍ. وَغَزَا قَرْيَبَاسَ، وَأَخْرَجَ خَمْسَةَ آلَافِ رَأْسٍ. وَغَزَا الْفَضْلُ بْنُ قَارَنَ بَحْرًا فِي عِشْرِينَ مَرْكِبًا، فَافْتَتَحَ حِصْنَ أَنْطَاكِيَةَ. وَعَزَا بِلْكَاجُورَ، فَغَنِمَ، وَسَبَى. وَغَزَا عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى الْأَرْمَنِيُّ، فَأَخْرَجَ خَمْسَةَ آلَافِ رَأْسٍ، وَمِنَ الدَّوَابِّ، وَالرَّمَكِ، وَالْحَمِيرِ، نَحْوًا مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ رَأْسٍ. (وَفِيهَا تَحَوَّلَ الْمُتَوَكِّلُ إِلَى الْجَعْفَرِيَّةِ) . وَفِيهَا كَانَ الْفِدَاءُ عَلَى يَدِ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى الْأَرْمَنِيِّ، فَفُودِيَ بِأَلْفَيْنِ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَسَبْعَةٍ وَسِتِّينَ نَفْسًا.

стр. 3115

وَفِيهَا مُطِرَ أَهْلُ بَغْدَادَ نَيِّفًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا، حَتَّى نَبَتَ الْعُشْبُ فَوْقَ الْأَجَاجِيرِ، وَصَلَّى الْمُتَوَكِّلُ صَلَاةَ الْفِطْرِ بِالْجَعْفَرِيَّةِ. وَوَرَدَ الْخَبَرُ أَنَّ سِكَّةً بِنَاحِيَةِ بَلْخٍ تُعْرَفُ بِسِكَّةِ الدَّهَّاقِينِ مُطِرَتْ دَمًا عَبِيطًا. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الزَّيْنَبِيُّ. وَضَحَّى أَهْلُ سَامَرَّا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ عَلَى الرُّؤْيَةِ، وَأَهْلُ مَكَّةَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ. (وَفِيهَا سَارَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، فِي جُيُوشٍ عَظِيمَةٍ، وَأُهْبَةٍ كَثِيرَةٍ، إِلَى بَلَدِ بَنبَلُونَةَ، فَوَطِئَ بِلَادَهَا، وَدَوَّخَهَا، وَخَرَّبَهَا، وَنَهَبَهَا وَقَتَلَ فِيهَا، فَأَكْثَرَ، وَافْتَتَحَ حِصْنَ فَيْرُوسَ، وَحِصْنَ فَالْحُسْنَ (؟) ، وَحِصْنَ الْقَشْتَلِ، وَأَصَابَ فِيهِ فُرْتُونُ بْنُ غَرْسِيَه، فَحَبَسَهُ بِقُرْطُبَةَ عِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ عُمْرُهُ لَمَّا مَاتَ سِتًّا وَتِسْعِينَ سَنَةً. وَكَانَ مُقَامُ مُحَمَّدٍ بِأَرْضِ بَنْبَلُونَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا) . [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ دِعْبَلُ بْنُ عَلِيٍّ الْخُزَاعِيُّ الشَّاعِرُ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ يَتَشَيَّعُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ السَّرِّيُّ بْنُ مُعَاذٍ الشَّيْبَانِيُّ بِالرَّيِّ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَيْهَا، حَسَنَ السِّيرَةِ، مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ.

стр. 3116

وَتُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ [بِبَغْدَاذَ] ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَسَدِيُّ (الْمُلَقَّبُ) بِلُوَيْنَ.

стр. 3117

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٤٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ مَقْتَلِ الْمُتَوَكِّلِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ الْمُتَوَكِّلُ، وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ أَمَرَ بِإِنْشَاءِ الْكُتُبِ بِقَبْضِ ضِيَاعِ وَصَيْفٍ بِأَصْبَهَانَ وَالْجَبَلِ، وَإِقْطَاعَهَا الْفَتْحَ بْنَ خَاقَانَ، فَكُتِبَتْ، وَصَارَتْ إِلَى الْخَاتَمِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ وَصَيْفًا، وَكَانَ الْمُتَوَكِّلُ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ أَوَّلَ جُمْعَةٍ فِي رَمَضَانَ، وَشَاعَ فِي النَّاسِ، وَاجْتَمَعُوا لِذَلِكَ، وَخَرَجَ بَنُو هَاشِمٍ مِنْ بَغْدَادَ لِرَفْعِ الْقَصَصِ وَكَلَامِهِ إِذَا رَكِبَ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمْعَةِ، وَأَرَادَ الرُّكُوبَ لِلصَّلَاةِ، قَالَ لَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى، وَالْفَتْحُ بْنُ خَاقَانَ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ كَثَرُوا مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ وَمِنْ غَيْرِهِمْ، فَبَعْضٌ مُتَظَلِّمٌ، وَبَعْضٌ طَالِبُ حَاجَةٍ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَشْكُو ضِيقَ الصَّدْرِ، وَعِلَّةً بِهِ، فَإِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَأْمُرَ بَعْضَ وُلَاةِ الْعُهُودِ بِالصَّلَاةِ، وَنَكُونَ مَعَهُ، فَلْيَفْعَلْ. فَأَمَرَ الْمُنْتَصِرَ بِالصَّلَاةِ، فَلَمَّا نَهَضَ لِلرُّكُوبِ قَالَا لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَأْمُرَ الْمُعْتَزَّ بِالصَّلَاةِ، فَقَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ لِتُشَرِّفَهُ بِذَلِكَ، وَقَدْ بَلَغَ اللَّهُ بِهِ، وَكَانَ قَدْ وُلِدَ لِلْمُعْتَزِّ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَدٌ، فَأَمَرَ الْمُعْتَزَ، فَرَكِبَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، وَأَقَامَ الْمُنْتَصِرُ فِي دَارِهِ بِالْجَعْفَرِيَّةِ، فَزَادَ ذَلِكَ فِي إِغْرَائِهِ. فَلَمَّا فَرَغَ الْمُعْتَزُّ مِنْ خُطْبَتِهِ قَامَ إِلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ بْنُ خَاقَانَ، فَقَبَّلَا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ انْصَرَفَ وَمَعَهُ النَّاسُ فِي مَوْكِبِ الْخِلَافَةِ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى أَبِيهِ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ عِنْدَهُ، فَسَّرَهُ ذَلِكَ.

стр. 3118

فَلَمَّا كَانَ عِيدُ الْفِطْرِ قَالَ: مُرُوا الْمُنْتَصِرَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ! فَقَالَ لَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ: قَدْ كَانَ النَّاسُ يَتَطَلَّعُونَ إِلَى رُؤْيَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَاحْتَشَدُوا لِذَلِكَ، فَلَمْ يَرْكَبْ، وَلَا يَأْمَنُ إِنْ هُوَ لَمْ يَرْكَبِ الْيَوْمَ، أَنْ يَرْجُفَ النَّاسُ بِعِلَّتِهِ، فَإِذَا رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَسُرَّ الْأَوْلِيَاءَ، وَيَكْبِتَ الْأَعْدَاءَ بِرُكُوبِهِ فَلْيَفْعَلْ. فَرَكِبَ وَقَدْ صُفَّ لَهُ النَّاسُ نَحْوَ أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ، وَتَرَجَّلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَصَلَّى، وَرَجَعَ، فَأَخَذَ حِفْنَةً مِنَ التُّرَابِ، فَوَضَعَهَا عَلَى رَأْسِهِ، وَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ كَثْرَةَ هَذَا الْجَمْعِ، وَرَأَيْتُهُمْ تَحْتَ يَدِي، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَوَاضَعَ لِلَّهِ. فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ افْتَصَدَ، وَاشْتَهَى لَحْمَ جَزُورٍ، فَأَكَلَهُ، وَكَانَ قَدْ حَضَرَ عِنْدَهُ ابْنُ الْحَفْصِيِّ وَغَيْرُهُ، فَأَكَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ يَوْمٌ أَسَرَّ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَدَعَا النُّدَمَاءَ وَالْمُغَنِّينَ، فَحَضَرُوا. وَأَهْدَتْ لَهُ أُمُّ الْمُعْتَزِّ مُطْرَفَ خَزٍّ أَخْضَرَ، لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَأَطَالَ، وَأَكْثَرَ تَعَجُّبَهُ مِنْهُ، وَأَمَرَ فَقُطِعَ نِصْفَيْنِ وَرَدَّهُ عَلَيْهَا، وَقَالَ لِرَسُولِهَا: وَاللَّهِ إِنَّ نَفْسِي لِتُحَدِّثُنِي أَنِّي لَا أَلْبَسُهُ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ يَلْبَسَهُ أَحَدٌ بَعْدِي; وَلِهَذَا أَمَرْتُ بِشَقِّهِ. قَالَ: فَقُلْنَا: نُعِيذُكَ بِاللَّهِ أَنْ تَقُولَ مِثْلَ هَذَا، قَالَ: وَأَخَذَ فِي الشَّرَابِ وَاللَّهْوِ، وَلَجَّ بِأَنْ يَقُولَ: أَنَا وَاللَّهِ مُفَارِقُكُمْ عَنْ قَلِيلٍ! وَلَمْ يَزَلْ فِي لَهْوِهِ وَسُرُورِهِ إِلَى اللَّيْلِ. وَكَانَ قَدْ عَزَمَ هُوَ وَالْفَتْحُ أَنْ يَفْتِكَا بُكْرَةَ غَدٍ بِالْمُنْتَصِرِ وَوَصِيفٍ وَبُغَا وَغَيْرِهِمْ مِنْ قُوَّادِ الْأَتْرَاكِ، وَقَدْ كَانَ الْمُنْتَصِرُ وَاعَدَ الْأَتْرَاكَ وَوَصِيفًا وَغَيْرَهُ عَلَى قَتْلِ الْمُتَوَكِّلِ. وَكَثُرَ عَبَثُ الْمُتَوَكِّلِ، قَبْلَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ، بِابْنِهِ الْمُنْتَصِرِ، مَرَّةً يَشْتُمُهُ، وَمَرَّةً يَسْقِيهِ فَوْقَ طَاقَتِهِ، وَمَرَّةً يَأْمُرُ بِصَفْعِهِ، وَمَرَّةً يَتَهَدَّدُهُ بِالْقَتْلِ، ثُمَّ قَالَ لِلْفَتْحِ: بَرِئْتُ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، إِنْ لَمْ تَلْطِمْهُ، يَعْنِي الْمُنْتَصِرَ، فَقَامَ إِلَيْهِ فَلَطَمَهُ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَمَرَّ يَدَهُ عَلَى قَفَاهُ، ثُمَّ قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ: اشْهَدُوا عَلَيَّ جَمِيعًا أَنِّي قَدْ خَلَعْتُ الْمُسْتَعْجَلَ، يَعْنِي الْمُنْتَصِرَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: سَمَّيْتُكَ الْمُنْتَصِرَ، فَسَمَّاكَ النَّاسُ، لِحُمْقِكَ، الْمُنْتَظَرَ، ثُمَّ صِرْتَ الْآنَ الْمُسْتَعْجَلَ.

стр. 3119

فَقَالَ الْمُنْتَصِرُ: لَوْ أَمَرْتَ بِضَرْبِ عُنُقِي كَانَ أَسْهَلَ عَلَيَّ مِمَّا تَفْعَلُهُ بِي، فَقَالَ: اسْقُوهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْعَشَاءِ فَأُحْضِرَ، وَذَلِكَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَخَرَجَ الْمُنْتَصِرُ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَمَرَ بَنَانًا غُلَامَ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى أَنْ يَلْحَقَهُ، وَأَخَذَ بِيَدِ زَرَافَةَ (الْحَاجِبِ) ، وَقَالَ لَهُ: امْضِ مَعِي! فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَنَمْ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ أَخَذَ مِنْهُ النَّبِيذَ، وَالسَّاعَةَ يَخْرُجُ بُغَا وَالنُّدَمَاءُ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ تَجْعَلَ أَمْرَ وَلَدِكَ إِلَيَّ، فَإِنَّ أُوتَامَشَ سَأَلَنِي أَنْ أُزَوِّجَ وَلَدَهُ مِنَ ابْنَتِكَ، وَابْنَكَ مِنِ ابْنَتِهِ، فَقَالَ: نَحْنُ عَبِيدُكَ فَمُرْ بِأَمْرِكَ! فَسَارَ مَعَهُ إِلَى حُجْرَةٍ هُنَاكَ، وَأَكَلَا طَعَامًا، فَسَمِعَا الضَّجَّةَ وَالصُّرَاخَ، فَقَامَا، وَإِذَا بُغَا قَدْ لَقِيَ الْمُنْتَصِرَ، فَقَالَ الْمُنْتَصِرُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: خَيْرٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: مَا تَقَوُلُ وَيْلَكَ؟ قَالَ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجَرَكَ (فِي سَيِّدِنَا) أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، كَانَ عَبْدُ اللَّهِ دَعَاهُ فَأَجَابَهُ. فَجَلَسَ الْمُنْتَصِرُ، وَأَمَرَ بِبَابِ الْبَيْتِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ الْمُتَوَكِّلُ، فَأُغْلِقَ، وَأُغْلِقَتِ الْأَبْوَابُ كُلُّهَا، وَبَعَثَ إِلَى وَصِيفٍ يَأْمُرُهُ بِإِحْضَارِ الْمُعْتَزِّ وَالْمُؤَيَّدِ عَنْ رِسَالَةِ الْمُتَوَكِّلِ. وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ قَتْلِ الْمُتَوَكِّلِ، فَإِنَّهُ لَمَّا خَرَجَ الْمُنْتَصِرُ دَعَا الْمُتَوَكِّلُ بِالْمَائِدَةِ، وَكَانَ بُغَا الصَّغِيرُ الْمَعْرُوفُ بِالشَّرَابِيِّ قَائِمًا عِنْدَ السِّتْرِ، وَذَلِكَ الْيَوْمُ كَانَ نَوْبَةَ بُغَا الْكَبِيرِ، وَكَانَ خَلِيفَتَهُ فِي الدَّارِ ابْنُهُ مُوسَى، وَمُوسَى هُوَ ابْنُ خَالَةِ الْمُتَوَكِّلِ، وَكَانَ أَبُوهُ يَوْمَئِذٍ بِسُمَيْسَاطَ، فَدَخَلَ بُغَا الصَّغِيرُ إِلَى الْمَجْلِسِ، فَأَمَرَ النُّدَمَاءَ بِالِانْصِرَافِ إِلَى حُجَرِهِمْ، فَقَالَ لَهُ الْفَتْحُ: لَيْسَ هَذَا وَقْتَ انْصِرَافِهِمْ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَرْتَفِعْ، فَقَالَ بُغَا: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَرَنِي أَنَّهُ إِذَا جَاوَزَ السَّبْعَةَ لَا أَتْرُكُ أَحَدًا، وَقَدْ شَرِبَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَطْلًا، وَحَرَمُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ خَلْفَ السِّتَارَةِ، وَأَخْرَجَهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْفَتْحُ وَعَثْعَثُ، وَأَرْبَعَةٌ مِنْ خَدَمِ الْخَاصَّةِ، وَأَبُو أَحْمَدَ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ، وَهُوَ أَخُو الْمُؤَيَّدِ لِأُمِّهِ. وَكَانَ بُغَا الشَّرَابِيُّ أَغْلَقَ الْأَبْوَابَ كُلَّهَا، إِلَّا بَابَ الشَّطِّ، وَمِنْهُ دَخَلَ الْقَوْمُ الَّذِينَ قَتَلُوهُ، فَبَصُرَ بِهِمْ أَبُو أَحْمَدَ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا سُفَلُ! وَإِذَا سُيُوفٌ مُسَلَّلَةٌ، فَلَمَّا سَمِعَ الْمُتَوَكِّلُ صَوْتَ أَبِي أَحْمَدَ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَرَآهُمْ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا بُغَا؟ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ رِجَالُ النُّوبَةِ، فَرَجَعُوا إِلَى وَرَائِهِمْ عِنْدَ كَلَامِهِ، وَلَمْ يَكُنْ وَاجِنُ وَأَصْحَابُهُ وَوَلَدُ وَصِيفٍ حَضَرُوا مَعَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ بُغَا: يَا سُفَلُ! أَنْتُمْ مَقْتُولُونَ لَا مَحَالَةَ، فَمُوتُوا كِرَامًا! فَرَجَعُوا، فَابْتَدَرَهُ بَغْلُونُ، فَضَرَبَهُ عَلَى كَتِفِهِ وَأُذُنِهِ فَقَدَّهُ، فَقَالَ: مَهْلًا! قَطَعَ اللَّهُ يَدَكَ، وَأَرَادَ الْوُثُوبَ بِهِ،

стр. 3120

وَاسْتَقْبَلَهُ بِيَدِهِ، فَضَرَبَهَا، فَأَبَانَهَا، وَشَارَكَهُ بَاغِرُ، فَقَالَ الْفَتْحُ: وَيْلَكُمُ! أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. . . وَرَمَى بِنَفْسِهِ عَلَى الْمُتَوَكِّلِ، فَبَعَجُوهُ بِسُيُوفِهِمْ، فَصَاحَ: الْمَوْتُ! وَتَنَحَّى، فَقَتَلُوهُ. وَكَانُوا قَالُوا لِوَصِيفٍ لِيَحْضُرَ مَعَهُمْ، وَقَالُوا: إِنَّا نَخَافُ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا لَهُ: أَرْسِلْ مَعَنَا بَعْضَ وَلَدِكَ، فَأَرْسَلَ مَعَهُمْ خَمْسَةً مِنْ وَلَدِهِ: صَالِحًا، وَأَحْمَدَ، وَعَبْدَ اللَّهِ، وَنَصْرًا، وَعُبَيْدَ اللَّهِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْقَوْمَ لَمَّا دَخَلُوا نَظَرَ إِلَيْهِمْ عَثْعَثُ، فَقَالَ لِلْمُتَوَكِّلِ: قَدْ فَرَغْنَا مِنَ الْأَسَدِ، وَالْحَيَّاتِ، وَالْعَقَارِبِ، وَصِرْنَا إِلَى السُّيُوفِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُبَّمَا أَسْلَى الْحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ، وَالْأَسَدَ، فَلَمَّا ذَكَرَ عَثْعَثُ السُّيُوفَ قَالَ: يَا وَيْلَكَ! أَيُّ سُيُوفٍ؟ فَمَا اسْتَتَمَّ كَلَامَهُ حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهِ وَقَتَلُوهُ، وَقَتَلُوا الْفَتْحَ، وَخَرَجُوا إِلَى الْمُنْتَصِرِ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ، وَقَالُوا: مَاتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَامُوا عَلَى رَأْسِ زَرَافَةَ بِالسُّيُوفِ، وَقَالُوا: بَايِعْ، فَبَايَعَ. وَأَرْسَلَ الْمُنْتَصِرُ إِلَى وَصِيفٍ: إِنَّ الْفَتْحَ قَدْ قَتَلَ أَبِي فَقَتَلْتُهُ، فَاحْضُرْ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِكَ! فَحَضَرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَبَايَعُوا. وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى فِي حُجْرَتِهِ يُنَفِّذُ الْأُمُورَ وَلَا يَعْلَمُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ جَعْفَرُ بْنُ حَامِدٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْخَدَمِ، فَقَالَ: مَا يَحْبِسُكَ وَالدَّارُ سَيْفٌ وَاحِدٌ؟ فَأَمَرَ جَعْفَرًا بِالنَّظَرِ، فَخَرَجَ، وَعَادَ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُتَوَكِّلَ وَالْفَتْحَ قُتِلَا، فَخَرَجَ فَيَمَنْ عِنْدَهُ مِنْ خَدَمِهِ وَخَاصَّتِهِ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الْأَبْوَابَ مُغْلَقَةٌ، وَأَخَذَ نَحْوَ الشَّطِّ، فَإِذَا أَبْوَابُهُ مُغْلَقَةٌ، فَأَمَرَ بِكَسْرِ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ، وَخَرَجَ إِلَى الشَّطِّ، وَرَكِبَ فِي زَوْرَقٍ، فَأَتَى مَنْزِلَ الْمُعْتَزِّ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَلَمْ يُصَادِفْهُ، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، قَتَلَ نَفْسَهُ وَقَتَلَنِي. وَاجْتَمَعَ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ أَصْحَابُهُ غَدَاةَ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ، مِنَ الْأَبْنَاءِ، وَالْعَجَمِ، وَالْأَمْنِ وَالزَّوَاقِيلِ، وَغَيْرِهِمْ، فَكَانُوا زُهَاءَ عَشَرَةِ آلَافٍ، وَقِيلَ: كَانُوا ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَقِيلَ: مَا بَيْنَ خَمْسَةِ آلَافٍ إِلَى عَشَرَةِ آلَافٍ، فَقَالُوا: مَا اصْطَنَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا الْيَوْمِ، فَمُرْنَا بِأَمْرِكَ، وَائِذَنْ لَنَا أَنْ نُمِلَّ عَلَى الْقَوْمِ، وَنَقْتُلَ الْمُنْتَصِرَ وَمَنْ مَعَهُ! فَأَبَى ذَلِكَ، وَقَالَ: الْمُعْتَزُّ فِي أَيْدِيهِمْ. وَذُكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى الْمُنَجِّمِ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى الْمُتَوَكِّلِ، قَبْلَ قَتْلِهِ بِأَيَّامٍ، كِتَابًا مِنْ كُتُبِ الْمَلَاحِمِ، فَوَقَفْتُ عَلَى مَوْضِعٍ فِيهِ أَنَّ الْخَلِيفَةَ الْعَاشِرَ يُقْتَلُ فِي مَجْلِسِهِ، فَتَوَقَّفْتُ عَنْ قِرَاءَتِهِ، فَقَالَ: مَا لَكَ؟ فَقُلْتُ: خَيْرًا! قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَقْرَأَهُ، فَقَرَأْتُهُ، وَحَدَّثَ عَنْ ذِكْرِ الْخُلَفَاءِ، فَقَالَ: لَيْتَ شِعْرِي مَنْ هَذَا الشَّقِيُّ الْمَقْتُولُ؟ فَقَالَ أَبُو الْوَارِثِ، قَاضِي نَصِيبِينَ: رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ آتِيًا وَهُوَ يَقُولُ:
следующие страницы →