Полный текст (6 163 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
وَتُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ [بِبَغْدَاذَ] ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَسَدِيُّ (الْمُلَقَّبُ) بِلُوَيْنَ.
стр. 3117
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٤٧ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ مَقْتَلِ الْمُتَوَكِّلِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ الْمُتَوَكِّلُ، وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ أَمَرَ بِإِنْشَاءِ الْكُتُبِ بِقَبْضِ ضِيَاعِ وَصَيْفٍ بِأَصْبَهَانَ وَالْجَبَلِ، وَإِقْطَاعَهَا الْفَتْحَ بْنَ خَاقَانَ، فَكُتِبَتْ، وَصَارَتْ إِلَى الْخَاتَمِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ وَصَيْفًا، وَكَانَ الْمُتَوَكِّلُ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ أَوَّلَ جُمْعَةٍ فِي رَمَضَانَ، وَشَاعَ فِي النَّاسِ، وَاجْتَمَعُوا لِذَلِكَ، وَخَرَجَ بَنُو هَاشِمٍ مِنْ بَغْدَادَ لِرَفْعِ الْقَصَصِ وَكَلَامِهِ إِذَا رَكِبَ.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمْعَةِ، وَأَرَادَ الرُّكُوبَ لِلصَّلَاةِ، قَالَ لَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى، وَالْفَتْحُ بْنُ خَاقَانَ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ كَثَرُوا مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ وَمِنْ غَيْرِهِمْ، فَبَعْضٌ مُتَظَلِّمٌ، وَبَعْضٌ طَالِبُ حَاجَةٍ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَشْكُو ضِيقَ الصَّدْرِ، وَعِلَّةً بِهِ، فَإِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَأْمُرَ بَعْضَ وُلَاةِ الْعُهُودِ بِالصَّلَاةِ، وَنَكُونَ مَعَهُ، فَلْيَفْعَلْ.
فَأَمَرَ الْمُنْتَصِرَ بِالصَّلَاةِ، فَلَمَّا نَهَضَ لِلرُّكُوبِ قَالَا لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَأْمُرَ الْمُعْتَزَّ بِالصَّلَاةِ، فَقَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ لِتُشَرِّفَهُ بِذَلِكَ، وَقَدْ بَلَغَ اللَّهُ بِهِ، وَكَانَ قَدْ وُلِدَ لِلْمُعْتَزِّ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَدٌ، فَأَمَرَ الْمُعْتَزَ، فَرَكِبَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، وَأَقَامَ الْمُنْتَصِرُ فِي دَارِهِ بِالْجَعْفَرِيَّةِ، فَزَادَ ذَلِكَ فِي إِغْرَائِهِ.
فَلَمَّا فَرَغَ الْمُعْتَزُّ مِنْ خُطْبَتِهِ قَامَ إِلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ بْنُ خَاقَانَ، فَقَبَّلَا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ انْصَرَفَ وَمَعَهُ النَّاسُ فِي مَوْكِبِ الْخِلَافَةِ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى أَبِيهِ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ عِنْدَهُ، فَسَّرَهُ ذَلِكَ.
стр. 3118
فَلَمَّا كَانَ عِيدُ الْفِطْرِ قَالَ: مُرُوا الْمُنْتَصِرَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ! فَقَالَ لَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ: قَدْ كَانَ النَّاسُ يَتَطَلَّعُونَ إِلَى رُؤْيَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَاحْتَشَدُوا لِذَلِكَ، فَلَمْ يَرْكَبْ، وَلَا يَأْمَنُ إِنْ هُوَ لَمْ يَرْكَبِ الْيَوْمَ، أَنْ يَرْجُفَ النَّاسُ بِعِلَّتِهِ، فَإِذَا رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَسُرَّ الْأَوْلِيَاءَ، وَيَكْبِتَ الْأَعْدَاءَ بِرُكُوبِهِ فَلْيَفْعَلْ.
فَرَكِبَ وَقَدْ صُفَّ لَهُ النَّاسُ نَحْوَ أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ، وَتَرَجَّلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَصَلَّى، وَرَجَعَ، فَأَخَذَ حِفْنَةً مِنَ التُّرَابِ، فَوَضَعَهَا عَلَى رَأْسِهِ، وَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ كَثْرَةَ هَذَا الْجَمْعِ، وَرَأَيْتُهُمْ تَحْتَ يَدِي، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَوَاضَعَ لِلَّهِ.
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ افْتَصَدَ، وَاشْتَهَى لَحْمَ جَزُورٍ، فَأَكَلَهُ، وَكَانَ قَدْ حَضَرَ عِنْدَهُ ابْنُ الْحَفْصِيِّ وَغَيْرُهُ، فَأَكَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ يَوْمٌ أَسَرَّ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَدَعَا النُّدَمَاءَ وَالْمُغَنِّينَ، فَحَضَرُوا.
وَأَهْدَتْ لَهُ أُمُّ الْمُعْتَزِّ مُطْرَفَ خَزٍّ أَخْضَرَ، لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَأَطَالَ، وَأَكْثَرَ تَعَجُّبَهُ مِنْهُ، وَأَمَرَ فَقُطِعَ نِصْفَيْنِ وَرَدَّهُ عَلَيْهَا، وَقَالَ لِرَسُولِهَا: وَاللَّهِ إِنَّ نَفْسِي لِتُحَدِّثُنِي أَنِّي لَا أَلْبَسُهُ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ يَلْبَسَهُ أَحَدٌ بَعْدِي; وَلِهَذَا أَمَرْتُ بِشَقِّهِ.
قَالَ: فَقُلْنَا: نُعِيذُكَ بِاللَّهِ أَنْ تَقُولَ مِثْلَ هَذَا، قَالَ: وَأَخَذَ فِي الشَّرَابِ وَاللَّهْوِ، وَلَجَّ بِأَنْ يَقُولَ: أَنَا وَاللَّهِ مُفَارِقُكُمْ عَنْ قَلِيلٍ! وَلَمْ يَزَلْ فِي لَهْوِهِ وَسُرُورِهِ إِلَى اللَّيْلِ.
وَكَانَ قَدْ عَزَمَ هُوَ وَالْفَتْحُ أَنْ يَفْتِكَا بُكْرَةَ غَدٍ بِالْمُنْتَصِرِ وَوَصِيفٍ وَبُغَا وَغَيْرِهِمْ مِنْ قُوَّادِ الْأَتْرَاكِ، وَقَدْ كَانَ الْمُنْتَصِرُ وَاعَدَ الْأَتْرَاكَ وَوَصِيفًا وَغَيْرَهُ عَلَى قَتْلِ الْمُتَوَكِّلِ.
وَكَثُرَ عَبَثُ الْمُتَوَكِّلِ، قَبْلَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ، بِابْنِهِ الْمُنْتَصِرِ، مَرَّةً يَشْتُمُهُ، وَمَرَّةً يَسْقِيهِ فَوْقَ طَاقَتِهِ، وَمَرَّةً يَأْمُرُ بِصَفْعِهِ، وَمَرَّةً يَتَهَدَّدُهُ بِالْقَتْلِ، ثُمَّ قَالَ لِلْفَتْحِ: بَرِئْتُ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، إِنْ لَمْ تَلْطِمْهُ، يَعْنِي الْمُنْتَصِرَ، فَقَامَ إِلَيْهِ فَلَطَمَهُ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَمَرَّ يَدَهُ عَلَى قَفَاهُ، ثُمَّ قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ: اشْهَدُوا عَلَيَّ جَمِيعًا أَنِّي قَدْ خَلَعْتُ الْمُسْتَعْجَلَ، يَعْنِي الْمُنْتَصِرَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: سَمَّيْتُكَ الْمُنْتَصِرَ، فَسَمَّاكَ النَّاسُ، لِحُمْقِكَ، الْمُنْتَظَرَ، ثُمَّ صِرْتَ الْآنَ الْمُسْتَعْجَلَ.
стр. 3119
فَقَالَ الْمُنْتَصِرُ: لَوْ أَمَرْتَ بِضَرْبِ عُنُقِي كَانَ أَسْهَلَ عَلَيَّ مِمَّا تَفْعَلُهُ بِي، فَقَالَ: اسْقُوهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْعَشَاءِ فَأُحْضِرَ، وَذَلِكَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَخَرَجَ الْمُنْتَصِرُ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَمَرَ بَنَانًا غُلَامَ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى أَنْ يَلْحَقَهُ، وَأَخَذَ بِيَدِ زَرَافَةَ (الْحَاجِبِ) ، وَقَالَ لَهُ: امْضِ مَعِي! فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَنَمْ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ أَخَذَ مِنْهُ النَّبِيذَ، وَالسَّاعَةَ يَخْرُجُ بُغَا وَالنُّدَمَاءُ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ تَجْعَلَ أَمْرَ وَلَدِكَ إِلَيَّ، فَإِنَّ أُوتَامَشَ سَأَلَنِي أَنْ أُزَوِّجَ وَلَدَهُ مِنَ ابْنَتِكَ، وَابْنَكَ مِنِ ابْنَتِهِ، فَقَالَ: نَحْنُ عَبِيدُكَ فَمُرْ بِأَمْرِكَ! فَسَارَ مَعَهُ إِلَى حُجْرَةٍ هُنَاكَ، وَأَكَلَا طَعَامًا، فَسَمِعَا الضَّجَّةَ وَالصُّرَاخَ، فَقَامَا، وَإِذَا بُغَا قَدْ لَقِيَ الْمُنْتَصِرَ، فَقَالَ الْمُنْتَصِرُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: خَيْرٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: مَا تَقَوُلُ وَيْلَكَ؟ قَالَ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجَرَكَ (فِي سَيِّدِنَا) أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، كَانَ عَبْدُ اللَّهِ دَعَاهُ فَأَجَابَهُ.
فَجَلَسَ الْمُنْتَصِرُ، وَأَمَرَ بِبَابِ الْبَيْتِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ الْمُتَوَكِّلُ، فَأُغْلِقَ، وَأُغْلِقَتِ الْأَبْوَابُ كُلُّهَا، وَبَعَثَ إِلَى وَصِيفٍ يَأْمُرُهُ بِإِحْضَارِ الْمُعْتَزِّ وَالْمُؤَيَّدِ عَنْ رِسَالَةِ الْمُتَوَكِّلِ.
وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ قَتْلِ الْمُتَوَكِّلِ، فَإِنَّهُ لَمَّا خَرَجَ الْمُنْتَصِرُ دَعَا الْمُتَوَكِّلُ بِالْمَائِدَةِ، وَكَانَ بُغَا الصَّغِيرُ الْمَعْرُوفُ بِالشَّرَابِيِّ قَائِمًا عِنْدَ السِّتْرِ، وَذَلِكَ الْيَوْمُ كَانَ نَوْبَةَ بُغَا الْكَبِيرِ، وَكَانَ خَلِيفَتَهُ فِي الدَّارِ ابْنُهُ مُوسَى، وَمُوسَى هُوَ ابْنُ خَالَةِ الْمُتَوَكِّلِ، وَكَانَ أَبُوهُ يَوْمَئِذٍ بِسُمَيْسَاطَ، فَدَخَلَ بُغَا الصَّغِيرُ إِلَى الْمَجْلِسِ، فَأَمَرَ النُّدَمَاءَ بِالِانْصِرَافِ إِلَى حُجَرِهِمْ، فَقَالَ لَهُ الْفَتْحُ: لَيْسَ هَذَا وَقْتَ انْصِرَافِهِمْ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَرْتَفِعْ، فَقَالَ بُغَا: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَرَنِي أَنَّهُ إِذَا جَاوَزَ السَّبْعَةَ لَا أَتْرُكُ أَحَدًا، وَقَدْ شَرِبَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَطْلًا، وَحَرَمُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ خَلْفَ السِّتَارَةِ، وَأَخْرَجَهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْفَتْحُ وَعَثْعَثُ، وَأَرْبَعَةٌ مِنْ خَدَمِ الْخَاصَّةِ، وَأَبُو أَحْمَدَ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ، وَهُوَ أَخُو الْمُؤَيَّدِ لِأُمِّهِ.
وَكَانَ بُغَا الشَّرَابِيُّ أَغْلَقَ الْأَبْوَابَ كُلَّهَا، إِلَّا بَابَ الشَّطِّ، وَمِنْهُ دَخَلَ الْقَوْمُ الَّذِينَ قَتَلُوهُ، فَبَصُرَ بِهِمْ أَبُو أَحْمَدَ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا سُفَلُ! وَإِذَا سُيُوفٌ مُسَلَّلَةٌ، فَلَمَّا سَمِعَ الْمُتَوَكِّلُ صَوْتَ أَبِي أَحْمَدَ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَرَآهُمْ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا بُغَا؟ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ رِجَالُ النُّوبَةِ، فَرَجَعُوا إِلَى وَرَائِهِمْ عِنْدَ كَلَامِهِ، وَلَمْ يَكُنْ وَاجِنُ وَأَصْحَابُهُ وَوَلَدُ وَصِيفٍ حَضَرُوا مَعَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ بُغَا: يَا سُفَلُ! أَنْتُمْ مَقْتُولُونَ لَا مَحَالَةَ، فَمُوتُوا كِرَامًا! فَرَجَعُوا، فَابْتَدَرَهُ بَغْلُونُ، فَضَرَبَهُ عَلَى كَتِفِهِ وَأُذُنِهِ فَقَدَّهُ، فَقَالَ: مَهْلًا! قَطَعَ اللَّهُ يَدَكَ، وَأَرَادَ الْوُثُوبَ بِهِ،
стр. 3120
وَاسْتَقْبَلَهُ بِيَدِهِ، فَضَرَبَهَا، فَأَبَانَهَا، وَشَارَكَهُ بَاغِرُ، فَقَالَ الْفَتْحُ: وَيْلَكُمُ! أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. . . وَرَمَى بِنَفْسِهِ عَلَى الْمُتَوَكِّلِ، فَبَعَجُوهُ بِسُيُوفِهِمْ، فَصَاحَ: الْمَوْتُ! وَتَنَحَّى، فَقَتَلُوهُ.
وَكَانُوا قَالُوا لِوَصِيفٍ لِيَحْضُرَ مَعَهُمْ، وَقَالُوا: إِنَّا نَخَافُ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا لَهُ: أَرْسِلْ مَعَنَا بَعْضَ وَلَدِكَ، فَأَرْسَلَ مَعَهُمْ خَمْسَةً مِنْ وَلَدِهِ: صَالِحًا، وَأَحْمَدَ، وَعَبْدَ اللَّهِ، وَنَصْرًا، وَعُبَيْدَ اللَّهِ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْقَوْمَ لَمَّا دَخَلُوا نَظَرَ إِلَيْهِمْ عَثْعَثُ، فَقَالَ لِلْمُتَوَكِّلِ: قَدْ فَرَغْنَا مِنَ الْأَسَدِ، وَالْحَيَّاتِ، وَالْعَقَارِبِ، وَصِرْنَا إِلَى السُّيُوفِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُبَّمَا أَسْلَى الْحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ، وَالْأَسَدَ، فَلَمَّا ذَكَرَ عَثْعَثُ السُّيُوفَ قَالَ: يَا وَيْلَكَ! أَيُّ سُيُوفٍ؟ فَمَا اسْتَتَمَّ كَلَامَهُ حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهِ وَقَتَلُوهُ، وَقَتَلُوا الْفَتْحَ، وَخَرَجُوا إِلَى الْمُنْتَصِرِ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ، وَقَالُوا: مَاتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَامُوا عَلَى رَأْسِ زَرَافَةَ بِالسُّيُوفِ، وَقَالُوا: بَايِعْ، فَبَايَعَ.
وَأَرْسَلَ الْمُنْتَصِرُ إِلَى وَصِيفٍ: إِنَّ الْفَتْحَ قَدْ قَتَلَ أَبِي فَقَتَلْتُهُ، فَاحْضُرْ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِكَ! فَحَضَرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَبَايَعُوا. وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى فِي حُجْرَتِهِ يُنَفِّذُ الْأُمُورَ وَلَا يَعْلَمُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ جَعْفَرُ بْنُ حَامِدٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْخَدَمِ، فَقَالَ: مَا يَحْبِسُكَ وَالدَّارُ سَيْفٌ وَاحِدٌ؟ فَأَمَرَ جَعْفَرًا بِالنَّظَرِ، فَخَرَجَ، وَعَادَ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُتَوَكِّلَ وَالْفَتْحَ قُتِلَا، فَخَرَجَ فَيَمَنْ عِنْدَهُ مِنْ خَدَمِهِ وَخَاصَّتِهِ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الْأَبْوَابَ مُغْلَقَةٌ، وَأَخَذَ نَحْوَ الشَّطِّ، فَإِذَا أَبْوَابُهُ مُغْلَقَةٌ، فَأَمَرَ بِكَسْرِ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ، وَخَرَجَ إِلَى الشَّطِّ، وَرَكِبَ فِي زَوْرَقٍ، فَأَتَى مَنْزِلَ الْمُعْتَزِّ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَلَمْ يُصَادِفْهُ، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، قَتَلَ نَفْسَهُ وَقَتَلَنِي.
وَاجْتَمَعَ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ أَصْحَابُهُ غَدَاةَ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ، مِنَ الْأَبْنَاءِ، وَالْعَجَمِ، وَالْأَمْنِ وَالزَّوَاقِيلِ، وَغَيْرِهِمْ، فَكَانُوا زُهَاءَ عَشَرَةِ آلَافٍ، وَقِيلَ: كَانُوا ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَقِيلَ: مَا بَيْنَ خَمْسَةِ آلَافٍ إِلَى عَشَرَةِ آلَافٍ، فَقَالُوا: مَا اصْطَنَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا الْيَوْمِ، فَمُرْنَا بِأَمْرِكَ، وَائِذَنْ لَنَا أَنْ نُمِلَّ عَلَى الْقَوْمِ، وَنَقْتُلَ الْمُنْتَصِرَ وَمَنْ مَعَهُ! فَأَبَى ذَلِكَ، وَقَالَ: الْمُعْتَزُّ فِي أَيْدِيهِمْ.
وَذُكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى الْمُنَجِّمِ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى الْمُتَوَكِّلِ، قَبْلَ قَتْلِهِ بِأَيَّامٍ، كِتَابًا مِنْ كُتُبِ الْمَلَاحِمِ، فَوَقَفْتُ عَلَى مَوْضِعٍ فِيهِ أَنَّ الْخَلِيفَةَ الْعَاشِرَ يُقْتَلُ فِي مَجْلِسِهِ، فَتَوَقَّفْتُ عَنْ قِرَاءَتِهِ، فَقَالَ: مَا لَكَ؟ فَقُلْتُ: خَيْرًا! قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَقْرَأَهُ، فَقَرَأْتُهُ، وَحَدَّثَ عَنْ ذِكْرِ الْخُلَفَاءِ، فَقَالَ: لَيْتَ شِعْرِي مَنْ هَذَا الشَّقِيُّ الْمَقْتُولُ؟ فَقَالَ أَبُو الْوَارِثِ، قَاضِي نَصِيبِينَ: رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ آتِيًا وَهُوَ يَقُولُ:
стр. 3121
يَا نَائِمَ الْعَيْنِ فِي جُثْمَانِ يَقْظَانِ ... مَا بَالُ عَيْنِكَ لَا تَبْكِي بِتَهْتَانِ
أَمَا رَأَيْتَ صُرُوفَ الدَّهْرِ مَا فَعَلَتْ ... بِالْهَاشِمِيِّ وَبِالْفَتْحِ بْنِ خَاقَانِ؟
فَأَتَى الْبَرِيدُ بَعْدَ أَيَّامٍ بِقَتْلِهِمَا.
وَكَانَ قَتْلُهُ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنْ شَوَّالَ، وَقِيلَ: لَيْلَةَ الْخَمِيسِ.
وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَعَشَرَةَ أَشْهُرٍ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِفَمِ الصُّلْحِ فِي شَوَّالَ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ عُمْرُهُ نَحْوَ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
وَكَانَ أَسْمَرَ، حَسَنَ الْعَيْنَيْنِ، نَحِيفًا، خَفِيفَ الْعَارِضَيْنِ.
وَرَثَاهُ الشُّعَرَاءُ فَأَكْثَرُوا، وَمِمَّا قِيلَ فِيهِ، قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ الْجَهْمِ:
عَبِيدُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ قَتَلْنَهُ ... وَأَعْظَمُ آفَاتِ الْمُلُوكِ عَبِيدُهَا
بَنِي هَاشِمٍ صَبْرًا، فَكُلُّ مُصِيبَةٍ ... سَيَبْلَى عَلَى وَجْهِ الزَّمَانِ جَدِيدُهَا
ذِكْرُ بَعْضِ سِيرَتِهِ
ذُكِرَ أَنَّ أَبَا السِّمْطِ مَرْوَانَ بْنَ أَبِي الْجَنُوبِ قَالَ: أَنْشَدْتُ الْمُتَوَكِّلَ شِعْرًا ذَكَرْتُ فِيهِ الرَّافِضَةَ، فَعَقَدَ لِي عَلَى الْبَحْرِينِ وَالْيَمَامَةِ، وَخَلَعَ عَلَيَّ أَرْبَعَ خِلَعٍ، وَخَلَعَ عَلَيَّ الْمُنْتَصِرُ، وَأَمَرَ لِي الْمُتَوَكِّلُ بِثَلَاثَةِ آلَافِ دِينَارٍ، فَنُثِرَتْ عَلَيَّ، وَأَمَرَ ابْنَهُ الْمُنْتَصِرَ وَسَعْدًا الْإِيتَاخِيَّ أَنْ يَلْقُطَاهَا لِي، فَفَعَلَا، وَالشِّعْرُ الَّذِي قُلْتُهُ:
مُلْكُ الْخَلِيفَةِ جَعْفَرٍ ... لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا سَلَامَهْ
لَكُمْ تُرَاثُ مُحَمَّدٍ ... وَبِعَدْلِكُمْ تُنْفَى الظُّلَامَهْ
يَرْجُو التُّرَاثَ بَنُو الْبَنَاتِ ... وَمَا لَهُمْ فِيهَا قُلَامَهْ
стр. 3122
وَالصِّهْرُ لَيْسَ بِوَارِثٍ
وَالْبِنْتُ لَا تَرِثُ الْإِمَامَهْ ... مَا لِلَّذِينَ تَنَحَّلُوا
مِيرَاثُكُمْ إِلَّا النَّدَامَهْ ... أَخَذَ الْوِرَاثَةَ أَهْلُهَا
فَعَلَامَ لَوْمُكُمُ عَلَامَهْ ... لَوْ كَانَ حَقُّكُمُ لَمَا
قَامَتْ عَلَى النَّاسِ الْقِيَامَهْ ... لَيْسَ التُّرَاثُ لِغَيْرِكُمْ
لَا وَالْإِلَهِ، وَلَا كَرَامَهْ ... أَصْبَحْتُ بَيْنَ مُحِبِّكُمْ
وَالْمُبْغِضِينَ لَكُمْ عَلَامَهْ
ثُمَّ نَثَرَ عَلَيَّ، بَعْدَ ذَلِكَ، لِشِعْرٍ قُلْتُهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ: حَضَرْتُ الْمُتَوَكِّلَ، فَجَرَى بَيْنِي وَبَيْنَهُ ذِكْرُ الْمَأْمُونِ، فَقُلْتُ بِتَفْضِيلِهِ، وَتَقْرِيظِهِ، وَوَصْفِ مَحَاسِنِهِ وَعِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ قَوْلًا كَثِيرًا، لَمْ يَقَعْ لِمُوَافَقَةِ مَنْ حَضَرَ، فَقَالَ الْمُتَوَكِّلُ: كَيْفَ كَانَ يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقُلْتُ كَانَ يَقُولُ: مَا مَعَ الْقُرْآنِ حَاجَةٌ إِلَى عِلْمٍ فَرْضٍ، وَلَا مَعَ السُّنَّةِ وَحْشَةٌ إِلَى فِعْلِ أَحَدٍ، وَلَا مَعَ الْبَيَانِ وَالْإِفْهَامِ حُجَّةٌ لِتَعَلُّمٍ، وَلَا بَعْدَ الْجُحُودِ لِلْبُرْهَانِ وَالْحَقِّ إِلَّا السَّيْفُ، لِظُهُورِ الْحُجَّةِ.
فَقَالَ الْمُتَوَكِّلُ: لَمْ أُرِدْ مِنْكَ مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ، فَقَالَ يَحْيَى: الْقَوْلُ بِالْمَحَاسِنِ فِي الْمُغَيَّبِ فَرِيضَةٌ عَلَى ذِي نِعْمَةٍ.
قَالَ: فَمَا كَانَ يَقُولُ خِلَالَ حَدِيثِهِ، فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُعْتَصِمَ بِاللَّهِ، ﵀، كَانَ يَقُولُهُ وَقَدْ أُنْسِيتُهُ، قَالَ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَحْمَدُكَ عَلَى النِّعَمِ الَّتِي لَا يُحْصِيهَا غَيْرُكَ، وَأَسْتَغْفِرُكَ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي لَا يُحِيطُ بِهَا إِلَّا عَفْوُكَ.
قَالَ: فَمَا كَانَ يَقُولُ إِذَا اسْتَحْسَنَ شَيْئًا، أَوْ بُشِّرَ بِشَيْءٍ؟ فَقَدْ نَسِينَاهُ، قَالَ يَحْيَى: كَانَ يَقُولُ إِنَّ ذِكْرَ آلَاءِ اللَّهِ وَكَثْرَتَهَا، وَتَعْدَادَ نِعَمِهِ، وَالْحَدِيثَ بِهَا فَرْضٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى أَهْلِهَا، وَطَاعَةٌ لِأَمْرِهِ فِيهَا، وَشُكْرٌ لَهُ عَلَيْهَا، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَظِيمِ الْآلَاءِ السَّابِغِ النَّعْمَاءِ بِمَا هُوَ
стр. 3123
أَهْلُهُ وَمُسْتَوْجِبُهُ مِنْ مَحَامِدِهِ الْقَاضِيَةِ حَقَّهُ، الْبَالِغَةِ شُكْرَهُ، الْمَانِعَةِ غَيْرَهُ، الْمُوجِبَةِ مَزِيدَهُ، عَلَى مَا لَا يُحْصِيهِ تَعْدَادُنَا، وَلَا يُحِيطُ بِهِ ذِكْرُنَا مِنْ تَرَادُفِ مِنَّتِهِ، وَتَتَابُعِ فَضْلِهِ، وَدَوَامِ طَوْلِهِ، حَمْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ الْمُتَوَكِّلُ: صَدَقْتَ، [هَذَا] هُوَ الْكَلَامُ بِعَيْنِهِ.
وَقَدِمَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ مِنْ مَكَّةَ فِي صَفَرَ، فَشَكَا مَا نَالَهُ مِنَ الْغَمِّ بِمَا وَقَعَ مِنِ الْخِلَافِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ، فَأَمَرَ الْمُتَوَكِّلُ بِإِنْفَاذِ خَرِيطَةٍ مِنَ الْبَابِ إِلَى أَهْلِ الْمَوْسِمِ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَمَرَ أَنْ يُقَامَ عَلَى الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وَسَائِرِ الْمَشَاعِرِ، الشَّمْعُ مَكَانَ الزَّيْتِ وَالنِّفْطِ.
وَفِيهَا مَاتَتْ أُمُّ الْمُتَوَكِّلِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَصَلَّى عَلَيْهَا الْمُنْتَصِرُ، وَدُفِنَتْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَكَانَ مَوْتُهَا قَبْلَ الْمُتَوَكِّلِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ.
ذِكْرُ بَيْعَةِ الْمُنْتَصِرِ
قَدْ ذَكَرْنَا قَتْلَ الْمُتَوَكِّلِ، وَمَنْ بَايَعَ الْمُنْتَصِرَ (أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ الْمُتَوَكِّلَ) تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ حَضَرَ النَّاسُ الْجَعْفَرِيَّةُ مِنَ الْقُوَّادِ، وَالْكُتَّابِ، وَالْوُجُوهِ، وَالشَّاكِرِيَّةِ، وَالْجُنْدِ، وَغَيْرِهِمْ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ أَحْمَدُ بْنُ الْخَصِيبِ كِتَابًا يُخْبِرُ فِيهِ عَنِ الْمُنْتَصِرِ أَنَّ الْفَتْحَ بْنَ خَاقَانَ قَتَلَ الْمُتَوَكِّلَ، فَقَتَلَهُ بِهِ، فَبَايَعَ النَّاسُ، وَحَضَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَاقَانَ، فَبَايَعَ وَانْصَرَفَ.
قِيلَ: وَذُكِرَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ سَعِيدٍ الصَّغِيرِ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا الْمُتَوَكِّلُ، كُنَّا فِي الدَّارِ مَعَ الْمُنْتَصِرِ، فَكَانَ كُلَّمَا خَرَجَ الْفَتْحُ خَرَجَ مَعَهُ، وَإِذَا رَجَعَ قَامَ
стр. 3124
لِقِيَامِهِ، وَإِذَا رَكِبَ أَخَذَ بِرِكَابِهِ، وَسَوَّى عَلَيْهِ ثِيَابَهُ فِي سَرْجِهِ.
وَكَانَ اتَّصَلَ بِنَا الْخَبَرُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ يَحْيَى قَدْ أَعَدَّ قَوْمًا فِي طَرِيقِ الْمُنْتَصِرِ، لِيَغْتَالُوهُ عِنْدَ انْصِرَافِهِ، وَكَانَ الْمُتَوَكِّلُ قَدْ أَسْمَعَهُ، وَأَحْفَظَهُ، وَوَثَبَ عَلَيْهِ، وَانْصَرَفَ غَضْبَانَ، وَانْصَرَفْنَا مَعَهُ إِلَى دَارِهِ، وَكَانَ وَاعَدَ الْأَتْرَاكَ عَلَى قَتْلِ الْمُتَوَكِّلِ إِذَا ثَمِلَ مِنَ النَّبِيذِ، قَالَ: فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ جَاءَنِي رَسُولُهُ أَنِ احْضُرْ، فَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْأَمِيرِ لِيَرْكَبَ. قَالَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مَا كُنَّا سَمِعْنَا مِنِ اغْتِيَالِ الْمُنْتَصِرِ، فَرَكِبْتُ فِي سِلَاحٍ وَعِدَّةٍ، وَجِئْتُ بَابَ الْمُنْتَصِرِ، فَإِذَا هُمْ يَمُوجُونَ، وَإِذَا وَاجِنٌ قَدْ جَاءَهُ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ قَدْ فَرَغُوا مِنَ الْمُتَوَكِّلِ، فَرَكِبَ، فَلَحِقْتُهُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ وَأَنَا مَرْعُوبٌ، فَرَأَى مَا بِي، فَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ شَرِقَ بِقَدَحٍ شَرِبَهُ فَمَاتَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
فَشَقَّ عَلَيَّ، وَمَضَيْنَا وَمَعَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْخَصِيبِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْقُوَّادِ حَتَّى دَخَلْنَا الْقَصْرَ، وَوَكَّلَ بِالْأَبْوَابِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَا يَنْبَغِي أَنْ تُفَارِقَكَ مَوَالِيكَ فِي هَذَا الْوَقْتِ، قَالَ: أَجَلْ، وَكُنْ أَنْتَ خَلْفَ ظَهْرِي، فَأَحَطْنَا بِهِ، وَبَايَعَهُ مَنْ حَضَرَ، وَكُلُّ مَنْ جَاءَ يُوقَفُ، (حَتَّى جَاءَ سَعِيدٌ الْكَبِيرُ، فَأَرْسَلَهُ خَلْفَ الْمُؤَيَّدِ، وَقَالَ لِي: امْضِ أَنْتَ إِلَى الْمُعْتَزِّ) حَتَّى يَحْضُرَ، فَأَرْسَلَنِي، فَمَضَيْتُ وَأَنَا آيِسٌ مِنْ نَفْسِي، وَمَعِي غُلَامَانِ لِي، فَلَمَّا صِرْتُ إِلَى بَابِ الْمُعْتَزِّ لَمْ أَجِدْ بِهِ أَحَدًا مِنَ الْحَرَسِ وَالْبَوَّابِينَ، فَصِرْتُ إِلَى الْبَابِ الْكَبِيرِ، فَدَقَقْتُهُ دَقًّا عَنِيفًا، فَأُجِبْتُ بَعْدَ مُدَّةٍ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: رَسُولُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (الْمُنْتَصِرِ) ، فَمَضَى الرَّسُولُ، وَأَبْطَأَ، وَخِفْتُ، وَضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ، ثُمَّ فُتِحَ الْبَابُ، وَخَرَجَ (بَيْدُونُ) الْخَادِمُ، وَأَغْلَقَ الْبَابَ، ثُمَّ سَأَلَنِي عَنِ الْخَبَرِ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّ الْمُتَوَكِّلَ شَرِقَ بِكَأْسٍ شَرِبَهُ، فَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَأَنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا، وَبَايَعُوا الْمُنْتَصِرَ، وَقَدْ أَرْسَلَنِي لِأُحْضِرَ الْأَمِيرَ الْمُعْتَزَّ لِيُبَايِعَ.
فَدَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَأَدْخَلَنِي عَلَى الْمُعْتَزِّ، فَقَالَ لِي: وَيْلَكَ مَا الْخَبَرُ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، وَعَزَّيْتُهُ، وَبَكَيْتُ، وَقُلْتُ: تَحْضُرُ، وَتَكُونُ فِي أَوَّلِ مَنْ يُبَايِعُ، وَتَأْخُذُ بِقَلْبِ أَخِيكَ، فَقَالَ:
стр. 3125
حَتَّى يُصْبِحَ، فَمَا زِلْتُ بِهِ أَنَا وَبَيْدُونُ حَتَّى رَكِبَ، وَسِرْنَا وَأَنَا أُحَدِّثُهُ، فَسَأَلَنِي عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى، فَقُلْتُ: هُوَ يَأْخُذُ الْبَيْعَةَ عَلَى النَّاسِ، وَالْفَتْحُ قَدْ بَايَعَ، فَأَيِسَ، وَأَتَيْنَا بَابَ الْخَيْرِ، فَفُتِحَ لَنَا، وَصِرْنَا إِلَى الْمُنْتَصِرِ، فَلَمَّا رَآهُ قَرَّبَهُ، وَعَانَقَهُ، وَعَزَّاهُ، وَأَخَذَ الْبَيْعَةَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ وَافَى سَعِيدٌ الْكَبِيرُ بِالْمُؤَيَّدِ، فَفَعَلَ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ، وَأَمَرَ الْمُنْتَصِرُ بِدَفْنِ الْمُتَوَكِّلِ وَالْفَتْحِ.
وَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ شَاعَ الْخَبَرُ فِي الْمَاخُوزَةِ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ الَّتِي كَانَ بَنَاهَا الْمُتَوَكِّلُ، وَفِي أَهْلِ سَامَرَّا، بِقَتْلِ الْمُتَوَكِّلِ، فَتَوَافَى الْجُنْدُ وَالشَّاكِرِيَّةُ بِبَابِ الْعَامَّةِ وَبِالْجَعْفَرِيَّةِ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْغَوْغَاءِ وَالْعَامَّةِ، وَكَثُرَ النَّاسُ، وَتَسَامَعُوا، وَرَكِبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ الْبَيْعَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَتَّابُ بْنُ عَتَّابٍ، وَقِيلَ: زَرَافَةُ، فَوَعَدَهُمْ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُنْتَصِرِ، فَاسْمَعُوهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَأَعْلَمَهُ، فَخَرَجَ الْمُنْتَصِرُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَغَارِبَةِ، فَصَاحَ بِهِمْ، وَقَالَ: خُذُوهُمْ! فَدَفَعُوهُمْ إِلَى الْأَبْوَابِ، فَازْدَحَمَ النَّاسُ وَرَكِبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَتَفَرَّقُوا وَقَدْ مَاتَ مِنْهُمْ سِتَّةُ أَنْفُسٍ.
ذِكْرُ وِلَايَةِ خَفَاجَةَ بْنِ سُفْيَانَ صِقِلِّيَّةَ وَابْنِهِ مُحَمَّدٍ وَغَزَوَاتِهِمَا
قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ أَنَّ أَمِيرَ صِقِلِّيَّةَ الْعَبَّاسَ تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَلَّى النَّاسُ عَلَيْهِمُ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْعَبَّاسِ، وَكَتَبُوا إِلَى الْأَمِيرِ بِإِفْرِيقِيَّةَ بِذَلِكَ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ السَّرَايَا، فَفَتَحَ قِلَاعًا (مُتَعَدِّدَةً) مِنْهَا: جَبَلُ أَبِي مَالِكٍ وَقَلْعَةُ الْأَرْمَنِيِّينَ وَقَلْعَةُ الْمَشَارِعَةِ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ.
وَوَصَلَ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ خَفَاجَةُ بْنُ سُفْيَانَ أَمِيرًا عَلَى صِقِلِّيَّةَ، فَوَصَلَ فِي جُمَادَى الْأُولَى
стр. 3126
سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَأَوَّلُ سَرِيَّةٍ أَخْرَجَهَا سَرِيَّةٌ فِيهَا وَلَدُهُ مَحْمُودٌ، فَقَصَدَ سَرْقُوسَةَ فَغَنِمَ، وَخَرَّبَ وَأَحْرَقَ، وَخَرَجُوا إِلَيْهِ فَقَاتَلَهُمْ فَظَفِرَ، وَعَادَ، فَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ أَهْلُ رَغُوسَ.
(وَقَدْ جَاءَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ أَنَّ أَهْلَ رَغُوسَ اسْتَأْمَنُوا فِيهَا، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَلَا نَعْلَمُ أَهَذَا اخْتِلَافٌ مِنَ الْمُؤَرِّخِينَ، أَمْ هُمَا غَزَاتَانِ، وَيَكُونُ أَهْلُهَا قَدْ غَدَرُوا بَعْدَ هَذِهِ الدُّفْعَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ) .
وَفِي سَنَةِ خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ فُتِحَتْ مَدِينَةُ نُوطَسَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِهَا أَخْبَرَ الْمُسْلِمِينَ بِمَوْضِعٍ دَخَلُوا مِنْهُ إِلَى الْبَلَدِ فِي الْمُحَرَّمِ، فَغَنِمُوا مِنْهَا أَمْوَالًا جَلِيلَةً، ثُمَّ فَتَحُوا شَكْلَةَ بَعْدَ حِصَارٍ.
وَفِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ سَارَ خَفَاجَةُ إِلَى سَرْقُوسَةَ، ثُمَّ إِلَى جَبَلِ النَّارِ، فَأَتَاهُ (رُسُلُ) أَهْلِ طَبَرْمِينَ يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ امْرَأَتَهُ وَوَلَدَهُ فِي ذَلِكَ، (فَتَمَّ الْأَمْرُ) ، ثُمَّ غَدَرُوا، فَأَرْسَلَ خَفَاجَةُ مُحَمَّدًا فِي جَيْشٍ إِلَيْهَا، فَفَتَحَهَا وَسَبَى أَهْلَهَا.
(وَفِيهَا أَيْضًا سَارَ خَفَاجَةُ إِلَى رَغُوسَ، فَطَلَبَ أَهْلُهَا الْأَمَانَ لِيُطْلِقَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِهَا بِأَمْوَالِهِمْ، وَدَوَابِّهِمْ، وَيَغْنَمَ الْبَاقِيَ، فَفَعَلَ وَأَخَذَ جَمِيعَ مَا فِي الْحِصْنِ مِنْ مَالٍ، وَرَقِيقٍ، وَدَوَابَّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَادَنَهُ أَهْلُ الْغَيْرَانِ وَغَيْرُهُمْ، وَافْتَتَحَ حُصُونًا كَثِيرَةً، ثُمَّ مَرِضَ، فَعَادَ إِلَى بَلَرْمَ.
وَفِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ سَارَ خَفَاجَةُ مِنْ بَلَرْمَ إِلَى مَدِينَةِ سَرْقُوسَةَ وَقَطَانِيَّةَ، وَخَرَّبَ بِلَادَهَا، وَأَهْلَكَ زُرُوعَهَا، وَعَادَ وَسَارَتْ سَرَايَاهُ إِلَى أَرْضِ صِقِلِّيَّةَ، فَغَنِمُوا غَنَائِمَ كَثِيرَةً.
стр. 3127
وَفِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ سَارَ خَفَاجَةُ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَسَيَّرَ ابْنَهُ مُحَمَّدًا عَلَى الْحَرَّاقَاتِ، وَسَيَّرَ سَرِيَّةً إِلَى سَرْقُوسَةَ فَغَنِمُوا، وَأَتَاهُمُ الْخَبَرُ أَنَّ بِطْرِيقًا قَدْ سَارَ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَوَصَلَ إِلَى صِقِلِّيَّةَ، فَلَقِيَهُ جَمْعٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا فَانْهَزَمَ الرُّومُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ غَنَائِمَ كَثِيرَةً، وَرَحَلَ خَفَاجَةُ إِلَى سَرْقُوسَةَ، فَأَفْسَدَ زَرْعَهَا، وَغَنِمَ مِنْهَا، وَعَادَ إِلَى بَلَرْمَ، وَسَيَّرَ ابْنَهُ مُحَمَّدًا فِي الْبَحْرِ، مُسْتَهَلَّ رَجَبٍ، إِلَى مَدِينَةِ غَيْطَةٍ، فَحَصَرَهَا، وَبَثَّ الْعَسَاكِرَ فِي نَوَاحِيهَا، فَغَنِمَ وَشَحَنَ مَرَاكِبَهُ بِالْغَنَائِمِ، وَانْصَرَفَ إِلَى بَلَرْمَ فِي شَوَّالَ.
وَفِي سَنَةِ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ سَيَّرَ خَفَاجَةُ ابْنَهُ مُحَمَّدًا إِلَى مَدِينَةِ طَبْرَمِينَ، وَهِيَ مِنْ أَحْسَنِ مُدُنِ صِقِلِّيَّةَ، فَسَارَ فِي صَفَرَ إِلَيْهَا، وَكَانَ قَدْ أَتَاهُمْ مَنْ وَعَدَهُمْ أَنْ يُدْخِلَهُمْ إِلَيْهَا مِنْ طَرِيقٍ يَعْرِفُهُ، فَسَيَّرَهُ مَعَ وَلَدِهِ، فَلَمَّا قَرُبُوا مِنْهَا تَأَخَّرَ مُحَمَّدٌ، وَتَقَدَّمَ بَعْضُ عَسْكَرِهِ رَجَّالَةً مَعَ الدَّلِيلِ، فَأَدْخَلَهُمُ الْمَدِينَةَ، وَمَلَكُوا بَابَهَا وَسُورَهَا، وَشَرَعُوا فِي السَّبْيِ وَالْغَنَائِمِ، وَتَأَخَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ خَفَاجَةَ فِيمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْعَسْكَرِ عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي وَعَدَهُمْ أَنَّهُ يَأْتِيهِمْ فِيهِ، فَلَمَّا تَأَخَّرَ عَنْهُمْ ظَنُّوا أَنَّ الْعَدُوَّ قَدْ أَوْقَعَ بِهِمْ فَمَنَعَهُمْ مِنَ السَّبْيِ، فَخَرَجُوا عَنْهَا مُنْهَزِمِينَ، وَوَصَلَ مُحَمَّدٌ إِلَى بَابِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْعَسْكَرِ، فَرَأَى الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَرَجُوا مِنْهَا، فَعَادَ رَاجِعًا.
وَفِيهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ خَرَجَ خَفَاجَةُ وَسَارَ إِلَى مَرَسَةَ، وَسَيَّرَ ابْنَهُ فِي جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ إِلَى سَرْقُوسَةَ، فَلَقِيَهُ الْعَدُوُّ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَاقْتَتَلُوا، فَوَهَنَ الْمُسْلِمُونَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ، وَرَجَعُوا (إِلَى خَفَاجَةَ) ، فَسَارَ إِلَى سَرْقُوسَةَ، فَحَصَرَهَا، (وَأَقَامَ عَلَيْهَا، وَضَيَّقَ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَفْسَدَ بِلَادَهَا، وَأَهْلَكَ زَرْعَهُمْ، وَعَادَ عَنْهَا يُرِيدُ بَلَرْمَ، فَنَزَلَ بِوَادِي الطِّينِ وَسَارَ مِنْهُ لَيْلًا، فَاغْتَالَهُ رَجُلٌ مِنْ عَسْكَرِهِ، فَطَعَنَهُ طَعْنَةً فَقَتَلَهُ، وَذَلِكَ مُسْتَهَلَّ رَجَبٍ) ، وَهَرَبَ الَّذِي قَتَلَهُ
стр. 3128
إِلَى سَرْقُوسَةَ، وَحُمِلَ خَفَاجَةُ إِلَى بَلَرْمَ، فَدُفِنَ بِهَا.
وَوَلَّى النَّاسُ عَلَيْهِمُ ابْنَهُ مُحَمَّدًا وَكَتَبُوا بِذَلِكَ إِلَى الْأَمِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، أَمِيرِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَأَقَرَّهُ عَلَى الْوِلَايَةِ، وَسَيَّرَ لَهُ الْعَهْدَ وَالْخِلَعَ.
ذِكْرُ وِلَايَةِ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ
لَمَّا قُتِلَ خَفَاجَةُ اسْتَعْمَلَ النَّاسُ ابْنَهُ مُحَمَّدًا، وَأَقَرَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ (بْنِ الْأَغْلَبِ) ، صَاحِبُ الْقَيْرَوَانِ، عَلَى وِلَايَتِهِ، فَسَيَّرَ جَيْشًا فِي سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ إِلَى مَالِطَةَ، وَكَانَ الرُّومُ يُحَاصِرُونَهَا، فَلَمَّا سَمِعَ الرُّومُ بِمَسِيرِهِمْ رَحَلُوا عَنْهَا.
(وَفِي سَنَةِ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ) فِي رَجَبٍ قُتِلَ الْأَمِيرُ مُحَمَّدٌ، قَتَلَهُ خَدَمُهُ الْخِصْيَانُ، وَهَرَبُوا، فَطَلَبَهُمُ النَّاسُ، فَأَدْرَكُوهُمْ، فَقَتَلُوهُمْ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَفِيهَا وَلَّى الْمُنْتَصِرُ أَبَا عُمْرَةَ أَحْمَدَ بْنَ سَعِيدٍ، مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، بَعْدَ الْبَيْعَةِ لَهُ بِيَوْمٍ، الْمَظَالِمَ، فَقَالَ الشَّاعِرُ:
يَا ضَيْعَةَ الْإِسْلَامِ لَمَّا ... وَلِيَ مَظَالِمَ النَّاسِ أَبُو عُمْرَهْ
صُيِّرَ مَأْمُونًا عَلَى أُمَّةٍ ... وَلَيْسَ مَأْمُونًا عَلَى بَعْرَهْ
وَحَجَّ بِالنَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الزَّيْنَبِيُّ.
وَاسْتُعْمِلَ عَلَى دِمَشْقَ عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ النَّوْشَرِيُّ.
стр. 3129
(وَفِيهَا سَارَ جَيْشٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْأَنْدَلُسِ إِلَى مَدِينَةِ بَرْشِلُونَةَ، وَهِيَ لِلْفِرِنْجِ، فَأَوْقَعُوا بِأَهْلِهَا، فَرَاسَلَ صَاحِبُهَا مَلِكَ الْفِرِنْجِ يَسْتَمِدُّهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ جَيْشًا كَثِيفًا، وَأَرْسَلَ الْمُسْلِمُونَ يَسْتَمِدُّونَ، فَأَتَاهُمُ الْمَدَدُ، فَنَازَلُوا بَرْشِلُونَةَ، وَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَمَلَكُوا أَرْبَاضَهَا، وَبُرْجَيْنِ مِنْ أَبْرَاجِ الْمَدِينَةِ، فَقُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَسَلِمَ الْمُسْلِمُونَ، وَعَادُوا وَقَدْ غَنِمُوا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عُثْمَانَ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَازِنِيُّ النَّحْوِيُّ، الْإِمَامُ فِي الْعَرَبِيَّةِ) .
стр. 3130
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٤٨ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ غَزَاةِ وَصِيفٍ الرُّومَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَغْزَى الْمُنْتَصِرُ وَصِيفًا التُّرْكِيَّ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ ; وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحْمَدَ بْنِ الْخَصِيبِ شَحْنَاءُ وَتَبَاغُضٌ، فَحَرَّضَ أَحْمَدُ بْنُ الْخَصِيبِ الْمُنْتَصِرَ عَلَى وَصِيفٍ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ عَسْكَرِهِ لِلْغَزَاةِ، فَأَمَرَ الْمُنْتَصِرُ بِإِحْضَارِ وَصِيفٍ، فَلَمَّا حَضَرَ قَالَ لَهُ: قَدْ أَتَانَا عَنْ طَاغِيَةِ الرُّومِ أَنَّهُ أَقْبَلَ يُرِيدُ الثَّغْرَ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يُمْكِنُ الْإِمْسَاكُ عَنْهُ، وَلَسْتُ آمَنُهُ أَنْ يُهْلِكَ كُلَّ مَا مَرَّ بِهِ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَيَقْتُلَ وَيَسْبِيَ، فَإِمَّا شَخَّصْتَ أَنْتَ، وَإِمَّا شَخَّصْتُ أَنَا.
فَقَالَ: بَلْ أُشَخِّصُ أَنَا، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ لِأَحْمَدَ بْنِ الْخَصِيبِ: انْظُرْ (إِلَى) مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَصِيفٌ، فَأَتِمَّهُ لَهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! قَالَ: مَا نَعَمْ؟ قُمِ السَّاعَةَ! وَقَالَ لِوَصِيفٍ: مُرْ كَاتِبَكَ أَنْ يُوَافِقَهُ إِلَى مَا يَحْتَاجُ وَيَلْزَمَهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ. فَقَامَا.
وَلَمْ يَزَلْ أَحْمَدُ بْنُ الْخَصِيبِ فِي جِهَازِهِ، حَتَّى خَرَجَ، وَانْتَخَبَ لَهُ الرِّجَالَ، فَكَانَ مَعَهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ، وَكَانَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ مُزَاحِمُ بْنُ خَاقَانَ، أَخُو الْفَتْحِ، وَكَتَبَ الْمُنْتَصِرُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ بِبَغْدَاذَ يُعْلِمُهُ ذَلِكَ، وَيَأْمُرُهُ أَنْ يَنْتَدِبَ النَّاسَ إِلَى الْغُزَاةِ، وَيُرَغِّبَهُمْ فِيهَا، وَأَمَرَ وَصِيفًا أَنْ يُوَافِيَ ثَغْرَ مَلَطْيَةَ، وَجَعَلَ عَلَى نَفَقَاتِ الْعَسْكَرِ، وَالْمَغَانِمِ، وَالْمَقَاسِمِ أَبَا الْوَلِيدِ الْحَرِيرِيَّ الْبَجَلِّيِّ.
وَلَمَّا سَارَ وَصِيفٌ كَتَبَ إِلَيْهِ الْمُنْتَصِرُ يَأْمُرُهُ بِالْمُقَامِ بِالثَّغْرِ أَرْبَعَ سِنِينَ يَغْزُو فِي أَوْقَاتِ الْغَزْوِ مِنْهَا، إِلَى أَنْ يَأْتِيَهُ رَأْيُهُ.
стр. 3131
ذِكْرُ خَلْعِ الْمُعْتَزِّ وَالْمُؤَيَّدِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خُلِعَ الْمُعْتَزُّ وَالْمُؤَيَّدُ ابْنَا الْمُتَوَكِّلِ مِنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ، وَكَانَ سَبَبُ خَلْعِهِمَا أَنَّ الْمُنْتَصِرَ لَمَّا اسْتَقَامَتْ لَهُ الْأُمُورُ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْخَطِيبِ لِوَصِيفٍ وَبُغَا: إِنَّا لَا نَأْمَنُ الْحِدْثَانَ، وَأَنْ يَمُوتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَلِيَ الْمُعْتَزُّ الْخِلَافَةَ، فَيُبِيدَ خَضْرَاءَنَا، وَلَا يُبْقِي مِنَّا بَاقِيَةً، وَالْآنَ الرَّأْيُ أَنْ نَعْمَلَ فِي خَلْعِ الْمُعْتَزِّ وَالْمُؤَيَّدِ.
فَجَدَّ الْأَتْرَاكُ فِي ذَلِكَ، وَأَلَحُّوا عَلَى الْمُنْتَصِرِ، وَقَالُوا: نَخْلَعُهُمَا مِنَ الْخِلَافَةِ، وَنُبَايِعُ لِابْنِكَ عَبْدِ الْوَهَّابِ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى أَجَابَهُمْ، وَأَحْضَرَ الْمُعْتَزَّ وَالْمُؤَيَّدَ، بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا مِنْ خِلَافَتِهِ، وَجُعِلَا فِي دَارٍ، فَقَالَ الْمُعْتَزُّ لِلْمُؤَيَّدِ: يَا أَخِي، (قَدْ أُحْضِرْنَا لِلْخَلْعِ) ، فَقَالَ: لَا أَظُنُّ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
فَبَيْنَمَا هَمَا كَذَلِكَ إِذْ جَاءَتِ الرُّسُلُ بِالْخَلْعِ، فَقَالَ الْمُؤَيَّدُ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، فَقَالَ الْمُعْتَزُّ: مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ، فَإِنْ أَرَدْتُمُ الْقَتْلَ فَشَأْنُكُمْ، فَأَعْلَمُوا الْمُنْتَصِرَ، ثُمَّ عَادُوا بِغِلْظَةٍ وَشِدَّةٍ، وَأَخَذُوا الْمُعْتَزَّ بِعُنْفٍ، وَأَدْخَلُوهُ بَيْتًا، وَأَغْلَقُوا عَلَيْهِ الْبَابَ، فَلَمَّا رَأَى الْمُؤَيَّدُ ذَلِكَ قَالَ لَهُمْ بِجُرْأَةٍ وَاستِطَالَةٍ: مَا هَذَا يَا كِلَابُ؟ قَدْ ضَرَيْتُمْ عَلَى دِمَائِنَا، تَثِبُونَ عَلَى مَوْلَاكُمْ هَذَا الْوُثُوبَ، دَعُونِي وَإِيَّاهُ حَتَّى أُكَلِّمَهُ! فَسَكَتُوا عَنْهُ، وَأَذِنُوا لَهُ فِي الِاجْتِمَاعِ بِهِ بَعْدَ إِذْنٍ مِنَ الْمُنْتَصِرِ بِذَلِكَ.
فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْمُؤَيَّدُ، وَقَالَ: يَا جَاهِلُ تَرَاهُمْ نَالُوا مِنْ أَبِيكَ - وَهُوَ هُوَ - مَا نَالُوا، ثُمَّ تَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ؟ اخْلَعْ وَيْلَكَ، لَا تُرَاجِعْهُمْ! فَقَالَ: وَكَيْفَ أَخْلَعُ وَقَدْ جَرَى فِي الْآفَاقِ؟ فَقَالَ: هَذَا الْأَمْرُ قَتَلَ أَبَاكَ، وَهُوَ يَقْتُلُكَ، وَإِنْ كَانَ فِي سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ أَنْ تَلِيَ لَتَلِيَنَّ. فَقَالَ: أَفْعَلُ.
فَخَرَجَ الْمُؤَيَّدُ وَقَالَ: قَدْ أَجَابَ إِلَى الْخَلْعِ، فَمَضَوْا، وَأَعْلَمُوا الْمُنْتَصِرَ، وَعَادُوا فَشَكَرُوهُ، وَمَعَهُمْ كَاتِبٌ، فَجَلَسَ، فَقَالَ لِلْمُعْتَزِّ: اكْتُبْ بِخَطِّكَ خَلْعَكَ! فَامْتَنَعَ، فَقَالَ الْمُؤَيَّدُ لِلْكَاتِبِ: هَاتِ قِرْطَاسَكَ! أَمْلِلْ عَلَيَّ مَا شِئْتَ، فَأَمْلَى عَلَيْهِ كِتَابًا إِلَى الْمُنْتَصِرِ يُعْلِمُهُ فِيهِ ضَعْفَهُ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ، وَأَنْ لَا يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَتَقَلَّدَهُ، وَكَرِهَ أَنْ يَأْثَمَ الْمُتَوَكِّلُ بِسَبَبِهِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعًا لَهُ، وَيَسْأَلُهُ الْخَلْعَ، وَيُعْلِمُهُ أَنَّهُ قَدْ خَلَعَ نَفْسَهَ، وَأَحَلَّ النَّاسَ مِنْ بَيْعَتِهِ،
стр. 3132
فَكَتَبَ ذَلِكَ، وَقَالَ لِلْمُعْتَزِّ: اكْتُبْ! فَأَبَى، فَقَالَ: اكْتُبْ وَيْلَكَ! [فَكَتَبَ] وَخَرَجَ الْكَاتِبُ عَنْهُمَا، ثُمَّ دَعَاهُمَا، فَدَخَلَا عَلَى الْمُنْتَصِرِ، فَأَجْلَسَهُمَا وَقَالَ: هَذَا كِتَابُكُمَا؟ فَقَالَا: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ لَهُمَا، وَالْأَتْرَاكُ وُقُوفٌ: أَتُرَانِي خَلَعْتُكُمَا طَمَعًا فِي أَنْ أَعِيشَ حَتَّى يَكْبُرَ وَلَدِي وَأُبَايِعَ لَهُ؟ وَاللَّهِ مَا طَمِعْتُ فِي ذَلِكَ (سَاعَةً) قَطُّ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ [لِي] فِي ذَلِكَ طَمَعٌ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَلِيَهَا بَنُو أَبِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَلِيَهَا بَنُو عَمِّي، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ، وَأَوْمَأَ إِلَى سَائِرِ الْمَوَالِي مِمَّنْ هُوَ قَائِمٌ عِنْدَهُ وَقَاعِدٌ، أَلَحُّوا عَلَيَّ فِي خَلْعِكُمَا، فَخِفْتُ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ أَنْ يَعْتَرِضَكُمَا بَعْضُهُمْ بِحَدِيدَةٍ فَيَأْتِيَ عَلَيْكُمَا، فَمَا تَرَيَانِي صَانِعًا [إِذَنْ] ؟ أَقْتُلُهُ! فَوَاللَّهِ مَا تَفِي دِمَاؤُهُمْ كُلُّهُمْ بِدَمِ بَعْضِكُمْ، فَكَانَتْ إِجَابَتُهُمْ إِلَى مَا سَأَلُوا أَسْهَلَ عَلَيَّ.
فَقَبَّلَا يَدَهُ وَضَمَّهُمَا، ثُمَّ إِنَّهُمَا أَشْهَدَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا الْقُضَاةَ، وَبَنِي هَاشِمٍ، وَالْقُوَّادَ، وَوُجُوهَ النَّاسِ، وَغَيْرَهُمْ، بِالْخَلْعِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ الْمُنْتَصِرُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ وَإِلَى غَيْرِهِ.
ذِكْرُ مَوْتِ الْمُنْتَصِرِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْمُنْتَصِرُ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَقِيلَ: يَوْمَ السَّبْتَ، (وَكُنْيَتُهُ أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ، وَقِيلَ: كُنْيَتُهُ أَبُو الْعَبَّاسِ، وَقِيلَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) .
وَكَانَتْ عِلَّتُهُ الذَّبْحَةُ فِي حَلْقِهِ أَخَذَتْهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، (لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ) .
وَقِيلَ: كَانَتْ عِلَّتُهُ مِنْ وَرَمٍ فِي مَعِدَتِهِ، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى فُؤَادِهِ فَمَاتَ، وَكَانَتْ عِلَّتُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ وَجَدَ حَرَارَةً، فَدَعَا بَعْضَ أَطِبَّائِهِ، فَفَصَدَهُ بِمِبْضَعٍ مَسْمُومٍ، فَمَاتَ مِنْهُ،
стр. 3133
وَانْصَرَفَ الطَّبِيبُ إِلَى مَنْزِلِهِ وَقَدْ وَجَدَ حَرَارَةً، فَدَعَا تِلْمِيذًا لِيَفْصِدَهُ، وَوَضَعَ مَبَاضِعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَسْتَخِيرَ أَجْوَدَهَا، فَاخْتَارَ ذَلِكَ الْمِبْضَعَ الْمَسْمُومَ، وَقَدْ نَسِيَهُ الطَّبِيبُ، فَفَصَدَهُ بِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ إِلَيْهِ نَظَرَ إِلَيْهِ فَعَرَفَهُ، فَأَيْقَنَ بِالْهَلَاكِ، وَوَصَّى مِنْ سَاعَتِهِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ قَدْ وَجَدَ فِي رَأْسِهِ عِلَّةً، فَقَطَرَ ابْنُ الطَّيْفُورِيِّ فِي أُذُنِهِ دُهْنًا، فَوَرِمَ رَأْسُهُ، فَمَاتَ.
وَقِيلَ: بَلْ سَمَّهُ ابْنُ الطَّيْفُورِيِّ فِي مَحَاجِمهِ فَمَاتَ.
وَقِيلَ: كَانَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ حِينَ أَفَضْتِ الْخِلَافَةُ إِلَيْهِ إِلَى أَنْ مَاتَ يَقُولُونَ: إِنَّمَا مُدَّةُ حَيَّاتِهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، مُدَّةَ شِيرَوَيْهِ بْنِ كِسْرَى، قَاتِلِ أَبِيهِ، يَقُولُهُ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْمُنْتَصِرَ كَانَ نَائِمًا فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، فَانْتَبَهَ وَهُوَ يَبْكِي وَيَنْتَحِبُ، فَسَمِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْبَازِيَارُ، فَأَتَاهُ، فَسَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ بُكَائِهِ، فَقَالَ: كُنْتُ نَائِمًا، فَرَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّ الْمُتَوَكِّلَ قَدْ جَاءَنِي، فَقَالَ: وَيَحَكَ يَا مُحَمَّدُ! قَتَلْتَنِي وَظَلَمْتَنِي، وَغَبَنْتَنِي خِلَافَتِي، وَاللَّهِ لَا مُتِّعْتَ بِهَا بَعْدِي إِلَّا أَيَّامًا يَسِيرَةً، ثُمَّ مَصِيرُكَ إِلَى النَّارِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذِهِ رُؤْيَا، وَهِيَ تَصْدُقُ وَتَكْذِبُ، بَلْ يُعَمِّرُكَ اللَّهُ، وَيَسُرُّكَ، ادْعُ بِالنَّبِيذِ وَخُذْ فِي اللَّهْوِ لَا تَعْبَأْ بِهَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ وَلَمْ يَزَلْ مُنْكَسِرًا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَذَكَرَ أَنَّ الْمُنْتَصِرَ كَانَ شَاوَرَ فِي قَتْلِ أَبِيهِ جَمَاعَةً مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَأَعْلَمَهُمْ بِمَذَاهِبِهِ، وَحَكَى عَنْهُ أُمُورًا قَبِيحَةً كَرِهْتُ ذِكْرَهَا، فَأَشَارُوا بِقَتْلِهِ، فَكَانَ كَمَا ذَكَرْنَا بَعْضَهُ.
وَكَانَ عُمْرُهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَيَوْمَيْنِ، وَقِيلَ: كَانَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ سَوَاءً.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِسَامَرَّا، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَنْشَدَ:
وَمَا فَرِحَتْ نَفْسِي بِدُنْيَا أَخَذْتُهَا ... وَلَكِنْ إِلَى الرَّبِّ الْكَرِيمِ أَصِيرُ
стр. 3134
وَصَلَّى عَلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُعْتَصِمِ بِسَامَرَّا، وَبِهَا كَانَ مَوْلِدُهُ.
وَكَانَ أَعْيَنَ، أَقْنَى، قَصِيرًا، مَهِيبًا.
وَهُوَ أَوَّلُ خَلِيفَةٍ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ عُرِفَ قَبَرُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ أُمَّهُ طَلَبَتْ إِظْهَارَ قَبْرِهِ.
وَكَانَتْ أُمُّهُ أُمَّ وَلَدٍ رُومِيَّةً.
ذِكْرُ بَعْضِ سِيرَتِهِ
كَانَ الْمُنْتَصِرُ عَظِيمَ الْحِلْمِ، رَاجِحَ الْعَقْلِ، غَزِيرَ الْمَعْرُوفِ، رَاغِبًا فِي الْخَيْرِ، جَوَادًا، كَثِيرَ الْإِنْصَافِ، حَسَنَ الْعِشْرَةِ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِزِيَارَةِ قَبْرِ عَلِيٍّ وَالْحُسَيْنِ ﵉، فَأَمَّنَ الْعَلَوِيِّينَ، وَكَانُوا خَائِفِينَ أَيَّامَ أَبِيهِ، وَأَطْلَقَ وُقُوفَهُمْ، وَأَمَرَ بِرَدِّ فَدَكَ إِلَى وَلَدِ الْحُسَيْنِ وَالْحَسَنِ ابْنَيْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵇.
وَذَكَرَ أَنَّ الْمُنْتَصِرَ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ كَانَ أَوَّلَ مَا أَحْدَثَ أَنْ عَزَلَ صَالِحَ بْنَ عَلِيٍّ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
قَالَ عَلَيٌّ: فَلَمَّا دَخَلْتُ أُوَدِّعُهُ، قَالَ لِي: يَا عَلِيٌّ! إِنِّي أُوَجِّهُكَ إِلَى لَحْمِي وَدَمِي، وَمَدَّ سَاعِدَهُ، وَقَالَ: إِلَى هَذَا أُوَجِّهُ بِكَ، فَانْظُرْ كَيْفَ تَكُونُ لِلْقَوْمِ، وَكَيْفَ تُعَامِلُهُمْ، يَعْنِي إِلَى آلِ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ أَمْتَثِلَ أَمْرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَقَالَ: إِذَنْ تَسْعَدُ عِنْدِي.
(وَمِنْ كَلَامِهِ: وَاللَّهِ مَا عَزَّ ذُو بَاطِلٍ وَلَوْ طَلَعَ الْقَمَرُ مِنْ جَبِينِهِ، وَلَا ذَلَّ ذُو حَقٍّ وَلَوْ أُصْفِقَ الْعَالَمُ عَلَيْهِ) .
стр. 3135
ذِكْرُ خِلَافَةِ الْمُسْتَعِينِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بُويِعَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُعْتَصِمِ بِالْخِلَافَةِ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُنْتَصِرَ لَمَّا تُوُفِّيَ اجْتَمَعَ الْمُوَالِي عَلَى الْهَارُونِيَّةِ مِنَ الْغَدِ، وَفِيهَا بُغَا الْكَبِيرُ، وَبُغَا الصَّغِيرُ، وَأَتَامِشُ، وَغَيْرُهُمْ، فَاسْتَحْلَفُوا قُوَّادَ الْأَتْرَاكِ، وَالْمَغَارِبَةِ، وَالْأَشْرُوسَنِّيَّةِ عَلَى أَنْ يَرْضَوْا بِمَنْ رَضِيَ بِهِ بُغَا الْكَبِيرُ، وَبُغَا الصَّغِيرُ، وَأُتَامِشُ، وَذَلِكَ بِتَدْبِيرِ أَحْمَدَ بْنِ الْخَصِيبِ، فَحَلَفُوا، وَتَشَاوَرُوا، وَكَرِهُوا أَنْ يَتَوَلَّى الْخِلَافَةَ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ الْمُتَوَكِّلِ لِئَلَّا يَغْتَالَهُمْ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُعْتَصِمِ، وَقَالُوا: لَا تَخْرُجُ الْخِلَافَةُ مِنْ وَلَدِ مَوْلَانَا الْمُعْتَصِمِ، فَبَايَعُوهُ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَيُكَنَّى أَبَا الْعَبَّاسِ، فَاسْتَكْتَبَ أَحْمَدَ بْنَ الْخَصِيبِ، وَاسْتَوْزَرَ أُوتَامُشَ.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ سَارَ الْمُسْتَعِينُ إِلَى دَارِ الْعَامَّةِ فِي زِيِّ الْخِلَافَةِ، وَحَمَلَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ بَيْنَ يَدَيْهِ الْحَرْبَةَ، وَصَفَّ وَاجِنُ الْأَشْرُوسَنِيُّ أَصْحَابَهُ صَفَّيْنِ، وَقَامَ هُوَ وَعِدَّةٌ مِنْ وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، وَحَضَرَ الدَّارَ أَصْحَابُ الْمَرَاتِبِ مِنَ الْعَبَّاسِيِّينَ وَالطَّالِبِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ.
فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَتْ صَيْحَةٌ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّارِعِ وَالسُّوقِ، وَإِذَا نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ فَارِسًا ذَكَرُوا أَنَّهُمْ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، وَمَعَهُمْ غَيْرُهُمْ مِنْ أَخْلَاطَ النَّاسِ وَالْغَوْغَاءِ وَالسُّوقَةِ، فَشَهَرُوا السِّلَاحَ، وَصَاحُوا: نَفِيرَ، يَا مَنْصُورُ! وَشَدُّوا عَلَى أَصْحَابِ الْأُشْرُوسَنِيِّ فَتَضَعْضَعُوا، وَانْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَتَحَرَّكَ مَنْ عَلَى بَابِ الْعَامَّةِ مِنَ الْمُبَيِّضَةِ وَالشَّاكِرِيَّةِ، وَكَثُرُوا، فَحَمَلَ عَلَيْهِمُ الْمَغَارِبَةُ، وَبَعْضُ الْأُشْروسَنِّيَّةِ، فَهَزَمُوهُمْ حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ دَرْبَ زَرَافَةَ، ثُمَّ نَشِبَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، فَقُتِلَ جَمَاعَةٌ، وَانْصَرَفَ
стр. 3136
الْأَتْرَاكُ بَعْدَ ثَلَاثِ سَاعَاتٍ، وَقَدْ بَايَعُوا الْمُسْتَعِينَ هُمْ وَمَنْ حَضَرَ مِنَ الْهَاشِمِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ.
وَدَخَلَ الْغَوْغَاءُ وَالْمُنْتَهِبَةُ دَارَ الْعَامَّةِ، فَانْتَهَبُوا الْخِزَانَةَ الَّتِي فِيهَا السِّلَاحُ، وَالدُّرُوعُ، وَالْجَوَاشِنُ، وَالسُّيُوفُ، وَالتُّرُسُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَكَانَ الَّذِينَ نَهَبُوا ذَلِكَ الْغَوْغَاءُ، وَأَصْحَابُ الْحَمَّامَاتِ، وَغِلْمَانُ أَصْحَابِ الْبَاقِلِّيِّ، وَأَصْحَابُ الْفُقَّاعِ، فَأَتَاهُمْ بُغَا الْكَبِيرُ، فِي جَمَاعَةٍ، فَأَجْلُوهُمْ عَنِ الْخِزَانَةِ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ عِدَّةً، وَكَثُرَ الْقَتْلُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَتَحَرَّكَ أَهْلُ السِّجْنِ بِسَامَرَّا، وَهَرَبَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ، ثُمَّ وَضَعَ الْعَطَاءَ عَلَى الْبَيْعَةِ، وَبَعَثَ بِكِتَابِ الْبَيْعَةِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، فَبَايَعَ لَهُ هُوَ وَالنَّاسُ بِبَغْدَاذَ.
ذِكْرُ ابْنِ مِسْكَوَيْهِ فِي كِتَابِ " تَجَارِبِ الْأُمَمِ " أَنَّ الْمُسْتَعِينَ أَخُو الْمُتَوَكِّلِ لِأَبِيهِ، وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ، إِنَّمَا هُوَ وَلَدُ أَخِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُعْتَصِمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَفِيهَا وَرَدَ عَلَى الْمُسْتَعِينِ وَفَاةُ طَاهِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ بِخُرَاسَانَ فِي رَجَبٍ، فَعَقَدَ الْمُسْتَعِينُ لِابْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ عَلَى خُرَاسَانَ، وَلِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ عَلَى الْعِرَاقِ، وَجَعَلَ إِلَيْهِ الْحَرَمَيْنِ، وَالشُّرْطَةَ، وَمَعَاوِنَ السَّوَادِ، وَأَفْرَدَهُ بِهِ.
وَفِيهَا مَاتَ بُغَا الْكَبِيرُ، فَعَقَدَ لِابْنِهِ مُوسَى عَلَى أَعْمَالِ أَبِيهِ كُلِّهَا، وَوَلِيَ دِيوَانَ الْبَرِيدِ.
وَفِيهَا وَجَّهَ أَنُوجُورَ التُّرْكِيَّ إِلَى أَبِي الْعَمُودِ الثَّعْلَبِيِّ، فَقَتَلَهُ بِكَفَرتُوثَى لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ.
стр. 3137
وَفِيهَا خَرَجَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَاقَانَ إِلَى الْحَجِّ، فَوَجَّهَ خَلْفَهُ رَسُولٌ يَنْفِيهِ إِلَى بَرْقَةَ، وَيَمْنَعُهُ مِنَ الْحَجِّ.
وَفِيهَا ابْتَاعَ الْمُسْتَعِينُ مِنَ الْمُعْتَزِّ وَالْمُؤَيَّدِ جَمِيعَ مَالِهِمَا وَأَشْهَدَا عَلَيْهِمَا الْقُضَاةَ وَالْفُقَهَاءَ، وَكَانَ الشِّرَاءُ بَاسِمِ الْحَسَنِ بْنِ الْمُخَلِّدِ لِلْمُسْتَعِينِ، وَتَرَكَ لِلْمُعْتَزِّ مَا يَتَحَصَّلُ مِنْهُ فِي السَّنَةِ عِشْرُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَلِلْمُؤَيَّدِ مَا يَتَحَصَّلُ مِنْهُ فِي السَّنَةِ خَمْسَةُ آلَافِ دِينَارٍ، وَجُعِلَا فِي حُجْرَةٍ فِي الْجَوْسَقِ، وَوَكَّلَ بِهِمَا، وَكَانَ الْأَتْرَاكُ حِينَ شَغَبَ الْغَوْغَاءُ أَرَادُوا قَتْلَهُمَا، فَمَنَعَهُمْ أَحْمَدُ بْنُ الْخَصِيبِ وَقَالَ: لَا ذَنْبَ لَهُمَا، وَلَكِنِ احْبِسُوهُمَا، فَحَبَسُوهُمَا.
وَفِيهَا غَضِبَ الْمَوَالِي عَلَى أَحْمَدَ بْنِ الْخَصِيبِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَاسْتُصْفِيَ مَالُهُ وَمَالُ وَلَدِهِ، وَنُفِيَ إِلَى أَقْرِيطِشَ.
وَفِيهَا صَرَفَ عَلِيَّ بْنَ يَحْيَى الْأَرْمَنِيَّ عَنِ الثُّغُورِ الشَّامِيَّةِ، وَعَقَدَ لَهُ عَلَى أَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
وَفِيهَا شَغَبَ أَهْلُ حِمْصَ عَلَى كَيْدَرَ عَامِلِهِمْ فَأَخْرَجُوهُ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمُ الْمُسْتَعِينُ الْفَضْلَ بْنَ قَارَنَ، فَأَخَذَهُمْ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَحَمَلَ مِنْهُمْ مِائَةً مِنْ أَعْيَانِهِمْ إِلَى سَامَرَّا.
وَفِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ وَصِيفٌ، وَكَانَ مُقِيمًا بِالثَّغْرِ الشَّامِيِّ، فَدَخَلَ بِلَادَ الرُّومِ، فَافْتَتَحَ حِصْنَ فرورية.
وَفِيهَا عَقَدَ الْمُسْتَعِينُ لِأُوتَامِشَ عَلَى مِصْرَ وَالْمَغْرِبِ، وَاتَّخَذَهُ وَزِيرًا.
وَفِيهَا عَقَدَ لِبُغَا الشَّرَابِيِّ عَلَى حُلْوَانَ، وَمَاسَبَذَانَ، وَمِهْرَجَانَ قَذَفَ، وَجَعَلَ الْمُسْتَعِينُ
стр. 3138
شَاهَكَ الْخَادِمَ عَلَى دَرِاهِ وَكُرَاعِهِ، وَحَرَمِهِ، وَحُرَّاسِهِ، وَخَاصِّ أُمُورِهِ، وَقَدَّمَهُ وَأُتَامِشَ (عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ) .
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الزَّيْنَبِيُّ.
(وَفِيهَا حَكَمَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو (أَيَّامَ الْمُنْتَصِرِ) .
وَخَرَجَ بِنَاحِيَةِ الْمَوْصِلِ (خَارِجِيٌّ) ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْمُنْتَصِرُ إِسْحَاقَ بْنَ ثَابِتٍ الْفَرَغَانِيَّ، فَأَسَرَهُ مَعَ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقُتِلُوا وَصُلِبُوا.
وَفِيهَا تَحَرَّكَ يَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ الصَّفَّارِ مِنْ سِجِسْتَانَ نَحْوَ هَرَاةَ.
[الْوَفَيَاتُ]
(وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ أَبُو مُحَمَّدٍ الرَّافِعِيُّ الزَّاهِدُ، وَكَانَ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ.
[بَقِيَّةُ الْحَوَادِثِ]
وَفِيهَا سَارَتْ سَرِيَّةٌ فِي الْأَنْدَلُسِ إِلَى ذِي تَرُوجَةَ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ قَدْ تَطَاوَلُوا إِلَى ذَلِكَ الْجَانِبِ، فَلَقِيَتْهُمُ السَّرِيَّةُ، فَأَصَابُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَقَتَلُوا كَثِيرًا مِنْهُمْ.
وَفِيهَا كَانَ بِصِقِلِّيَّةَ سَرَايَا لِلْمُسْلِمِينَ، فَغَنِمَتْ وَعَادَتْ، وَلَمْ يَكُنْ حَرْبٌ بَيْنَهُمْ تُذْكَرُ) .
[بَقِيَّةُ الْوَفِيَاتِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمَذَانِيُّ الْكُوفِيُّ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانَ مِنْ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ الْمُحَدِّثُ.
стр. 3139
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٤٩ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ غَزْوِ الرُّومِ وَقَتْلِ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى الْأَرْمَنِيِّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا جَعْفَرُ بْنُ دِينَارَ الصَّائِفَةَ، فَافْتَتَحَ حِصْنًا، وَمَطَامِيرَ، وَاسْتَأْذَنَهُ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْأَقْطَعُ فِي الْمَسِيرِ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَسَارَ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ مَلَطْيَةَ، فَلَقِيَهُ الْمَلِكُ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ مِنْ أَهْلِ الرُّومِ بِمَرْجِ الْأَسْقُفِّ، فَحَارَبَهُ مُحَارَبَةً شَدِيدَةً قُتِلَ فِيهَا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ خَلْقٌ كَثِيرٌ.
ثُمَّ أَحَاطَتْ بِهِ الرُّومُ، وَهُمْ خَمْسُونَ أَلْفًا، وَقُتِلَ عُمَرُ وَمِمَّنْ مَعَهُ أَلْفَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي مُنْتَصَفِ رَجَبٍ.
فَلَمَّا قُتِلَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ خَرَجَ الرُّومُ إِلَى الثُّغُورِ الْجَزَرِيَّةِ، وَكَلَبُوا عَلَيْهَا وَعَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَحَرَمِهِمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ يَحْيَى، وَهُوَ قَافِلٌ مِنْ أَرْمِينِيَّةَ إِلَى مَيَّارفَارِقِينَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِهَا، وَمِنْ أَهْلِ السِّلْسِلَةِ، فَنَفَرَ إِلَيْهِمْ، فَقُتِلَ فِي نَحْوٍ مِنْ أَرْبَعِ مِائَةِ رَجُلٍ وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِبَغْدَاذَ
وَفِيهَا شَغَبَ الْجُنْدُ وَالشَّاكِرِيَّةُ بِبَغْدَاذَ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْخَبَرَ لَمَّا اتَّصَلَ بِهِمْ وَبِسَامَرَّا وَمَا قَرُبَ مِنْهَا بِقَتْلِ عُمَرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَعَلِيِّ بْنِ يَحْيَى، وَكَانَا مِنْ شُجْعَانِ الْإِسْلَامِ، شَدِيدًا بَأْسُهُمَا، عَظِيمًا غَنَاؤُهُمَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ فِي الثُّغُورِ، شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مَعَ قُرْبِ مَقْتَلِ أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ، وَمَا لَحِقَهُمْ مِنَ اسْتِعْظَامِهِمْ قَتْلَ الْأَتْرَاكِ لِلْمُتَوَكِّلِ،
стр. 3140
وَاسْتِيلَائِهِمْ عَلَى أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، (يَقْتُلُونَ مَنْ يُرِيدُونَ مِنَ الْخُلَفَاءِ، وَيَسْتَخْلِفُونَ مَنْ أَحَبُّوا مِنْ غَيْرِ دِيَانَةٍ، وَلَا نَظَرٍ لِلْمُسْلِمِينَ) .
فَاجْتَمَعَتِ الْعَامَّةُ بِبَغْدَاذَ بِالصُّرَاخِ، وَالنِّدَاءِ بِالنَّفِيرِ، وَانْضَمَّ إِلَيْهِمُ الْأَبْنَاءُ، وَالشَّاكِرِيَّةُ تُظْهِرُ أَنَّهَا تَطْلُبُ الْأَرْزَاقَ، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ صَفَرَ، فَفَتَحُوا السُّجُونَ، وَأَخْرَجُوا مَنْ فِيهَا، وَأَحْرَقُوا أَحَدَ الْجِسْرَيْنِ وَقَطَعُوا الْآخَرَ، وَانْتَهَبُوا دَارَ بِشْرِ، وَإِبْرَاهِيمَ ابْنَيْ هَارُونَ، كَاتِبَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ أَخْرَجَ أَهْلُ الْيَسَارِ مِنْ بَغْدَادَ وَسَامَرَّا أَمْوَالًا كَثِيرَةً، فَفَرَّقُوهَا فِيمَنْ نَهَضَ إِلَى الثُّغُورِ، وَأَقْبَلَتِ الْعَامَّةُ مِنْ نَوَاحِي الْجِبَالِ، وَفَارِسٍ، وَالْأَهْوَازِ، وَغَيْرِهَا لِغَزْوِ الرُّومِ، فَلَمْ يَأْمُرِ الْخَلِيفَةُ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ وَلَمْ يُوَجِّهْ عَسْكَرَهُ.
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِسَامَرَّا
وَفِيهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَثَبَ نَفَرٌ مِنَ النَّاسِ لَا يُدْرَى مَنْ هُمْ بِسَامَرَّا، فَفَتَحُوا السِّجْنَ، وَأَخْرَجُوا مَنْ فِيهِ، فَبَعَثَ فِي طَلَبِهِمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَوَالِي، فَوَثَبَ الْعَامَّةُ بِهِمْ فَهَزَمُوهُمْ، فَرَكِبَ بُغَا، وَأُتَامَشُ، وَوَصِيفٌ، وَعَامَّةُ الْأَتْرَاكِ، فَقَتَلُوا مِنَ الْعَامَّةِ جَمَاعَةً، فَرُمِيَ وَصِيفٌ بِحَجَرٍ، فَأَمَرَ بِإِحْرَاقِ ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَانْتَهَبَ الْمَغَارِبَةَ، ثُمَّ سَكَنَ ذَلِكَ آخِرَ النَّهَارِ.
ذِكْرُ قَتْلِ أُتَامِشَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ أُتَامِشُ وَكَاتِبُهُ شُجَاعٌ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُسْتَعِينَ أَطْلَقَ يَدَ وَالِدَتِهِ، وَيَدَ أُتَامِشَ، وَشَاهَكَ الْخَادِمِ فِي بُيُوتِ الْأَمْوَالِ، وَأَبَاحَهُمْ (فِعْلَ) مَا أَرَادُوا، فَكَانَتِ الْأَمْوَالُ الَّتِي تَرِدُ مِنَ الْآفَاقِ يَصِيرُ مُعْظَمُهَا إِلَى هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ، فَأَخَذَ أُتَامِشُ أَكْثَرَ
стр. 3141
مَا فِي بُيُوتِ الْأَمْوَالِ، وَكَانَ فِي حِجْرِهِ الْعَبَّاسُ بْنُ الْمُسْتَعِينِ، وَكَانَ مَا فَضَلَ مِنْ هَؤُلَاءِ (الثَّلَاثَةِ) أَخَذَهُ أُتَامِشُ لِلْعَبَّاسِ فَصَرَفَهُ فِي نَفَقَاتِهِ، وَكَانَتِ الْمَوَالِي تَنْظُرُ إِلَى الْأَمْوَالِ تُؤْخَذُ وَهُمْ فِي ضِيقَةٍ، وَوَصِيفٌ وَبُغَا بِمَعْزِلٍ مِنْ ذَلِكَ، فَأَغْرَيَا الْمُوَالِيَ بأُتَامِشَ، وَأَحْكَمَا أَمْرَهُ، فَاجْتَمَعَتِ الْأَتْرَاكُ وَالْفَرَاغِنَةُ عَلَيْهِ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ أَهْلُ الدُّورِ وَالْكَرْخِ، فَعَسْكَرُوا فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَزَحَفُوا إِلَيْهِ وَهُوَ فِي الْجَوْسَقِ مَعَ الْمُسْتَعِينِ، وَبَلَغَهُ الْخَبَرُ، فَأَرَادَ الْهَرَبَ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ، وَاسْتَجَارَ بِالْمُسْتَعِينِ، فَلَمْ يُجِرْهُ، فَأَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ دَخَلُوا الْجَوْسَقَ، وَأَخَذُوا أُتَامِشَ، فَقَتَلُوهُ، وَقَتَلُوا كَاتِبَهُ شُجَاعًا، وَنُهِبَتْ دُورُ أُتَامِشَ، فَأَخَذُوا مِنْهُ أَمْوَالًا جَمَّةً وَغَيْرَ ذَلِكَ.
فَلَمَّا قُتِلَ استَوْزَرَ الْمُسْتَعِينُ أَبَا صَالِحٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ يَزْدَادَ، وَعَزَلَ الْفَضْلَ بْنَ مَرْوَانَ عَنْ دِيُونِ الْخَرَاجِ، وَوَلَّاهُ عِيسَى بْنُ فَرَّخَانشَاه، وَوَلِيَ وَصِيفٌ الْأَهْوَازَ، وَبُغَا الصَّغِيرُ فِلَسْطِينَ.
ثُمَّ غَضِبَ بُغَا الصَّغِيرُ عَلَى أَبِي صَالِحٍ، فَهَرَبَ إِلَى بَغْدَادَ، فَاسْتَوْزَرَ الْمُسْتَعِينُ مُحَمَّدَ بْنَ الْفَضْلِ الْجَرْجَرَائِيَّ، وَجَعَلَ عَلَى دِيوَانِ الرَّسَائِلِ سَعِيدَ بْنَ حُمَيْدٍ، فَقَالَ الْحَمْدُونِيُّ:
لَبِسَ السَّيْفَ سَعِيدٌ بَعْدَمَا ... كَانَ ذَا طِمْرَيْنِ لَا تَوْبَةَ لَهْ إِنَّ لِلَّهِ لِآيَاتٍ
،
وَذَا آيَةٌ لِلَّهِ فِينَا مُنْزَلَهْ
стр. 3142
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِيهَا قُتِلَ عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ بْنِ بَدْرٍ الشَّاعِرُ بِقُرْبِ حَلَبَ، كَانَ تَوَجَّهَ إِلَى الثَّغْرِ، فَلَقِيَهُ خَيْلٌ لِكَلْبَ، فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا مَا مَعَهُ، فَقَالَ وَهُوَ فِي السِّيَاقِ:
أَزِيدَ فِي اللَّيْلِ لَيلٌ أَمْ سَالَ ... فِي الصُّبْحِ سَيْلْ ذَكَرْتُ أَهْلَ دُجَيْلٍ
وَأَيْنَ مِنِّي دُجَيْلْ ... وَكَانَ مَنْزِلُهُ بِشَارِعِ دُجَيْلٍ.
وَفِيهَا عُزِلَ جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ عَنِ الْقَضَاءِ، وَوَلِيَهُ جَعْفَرُ بْنُ (مُحَمَّدِ) بْنِ عَمَّارٍ الْبُرْجُمِيُّ الْكُوفِيُّ، وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ.
وَفِيهَا أَصَابَ أَهْلَ الرَّيِّ زَلْزَلَةٌ شَدِيدَةٌ وَرَجْفَةٌ تَهَدَّمَتْ [مِنْهَا] الدُّورُ، وَمَاتَ خَلْقٌ مِنْ أَهْلِهَا، وَهَرَبَ الْبَاقُونَ فَنَزَلُوا ظَاهِرَ الْمَدِينَةِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامُ، وَهُوَ وَالِي مَكَّةَ.
(وَفِيهَا سَيَّرَ مُحَمَّدٌ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، جَيْشًا مَعَ ابْنِهِ إِلَى مَدِينَةِ أُلْبَةَ، وَالْقِلَاعِ مِنْ بَلَدِ الْفِرِنْجِ، فَجَالَتِ الْخَيْلُ فِي ذَلِكَ الثَّغْرِ، وَغَنِمَتْ، وَافْتَتَحَتْ بِهَا حُصُونًا مَنِيعَةً.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَغْلَبِ، صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ، ثَالِثَ عَشَرَ
стр. 3143
ذِي الْقِعْدَةِ، فَلَمَّا مَاتَ وَلِيَ أَخُوهُ زِيَادَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَغْلَبِ، فَلَمَّا وَلِيَ زِيَادَةُ اللَّهِ أَرْسَلَ إِلَى خَفَاجَةَ بْنِ سُفْيَانَ، أَمِيرِ صِقِلِّيَّةَ، يُعَرِّفُهُ مَوْتَ أَخِيهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى وِلَايَتِهِ) .
стр. 3144
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٥٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ ظُهُورِ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ الطَّالِبِيِّ وَمَقْتَلِهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْمُكَنَّى بِأَبِي الْحُسَيْنِ، ﵇، بِالْكُوفَةِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵃.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا الْحُسَيْنِ نَالَتْهُ ضِيقَةٌ، وَلَزِمَهُ دَيْنٌ ضَاقَ بِهِ ذَرْعًا، فَلَقِيَ عُمَرَ بْنَ فَرَجٍ، وَهُوَ يَتَوَلَّى أَمْرَ الطَّالِبِيِّينَ، عِنْدَ مَقْدِمِهِ مِنْ خُرَاسَانَ، أَيَّامَ الْمُتَوَكِّلِ، فَكَلَّمَهُ فِي صِلَتِهِ، فَأَغْلَظَ لَهُ عُمَرُ الْقَوْلَ، وَحَبَسَهُ، فَلَمْ يَزَلْ مَحْبُوسًا حَتَّى كَفَلَهُ أَهْلُهُ، فَأُطْلِقَ، فَسَارَ إِلَى بَغْدَادَ، فَأَقَامَ بِهَا بِحَالٍ سَيِّئَةٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى سَامَرَّا، فَلَقِيَ وَصِيفًا فِي رِزْقٍ يُجْرَى لَهُ، فَأَغْلَظَ لَهُ وَصِيفٌ، وَقَالَ: لِأَيِّ شَيْءٍ يُجْرَى عَلَى مِثْلِكَ؟
فَانْصَرَفَ عَنْهُ إِلَى الْكُوفَةِ، وَبِهَا أَيُّوبُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ (الْهَاشِمِيُّ) ، عَامِلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، فَجَمَعَ أَبُو الْحُسَيْنِ جَمْعًا كَثِيرًا مِنَ الْأَعْرَابِ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَتَى الْفَلُّوجَةَ، فَكَتَبَ صَاحِبُ الْبَرِيدِ بِخَبَرِهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، فَكَتَبَ مُحَمَّدٌ إِلَى أَيُّوبَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَحْمُودٍ السَّرَخْسِيِّ، عَامِلَهُ عَلَى مَعَاوِنِ السَّوَادِ، يَأْمُرُهُمَا بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى مُحَارَبَةِ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ، فَمَضَى يَحْيَى بْنُ عُمَرَ إِلَى بَيْتِ مَالِ الْكُوفَةِ يَأْخُذُ الَّذِي فِيهِ، وَكَانَ فِيمَا قِيلَ: أَلْفَيْ دِينَارٍ وَسَبْعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَأَظْهَرَ أَمْرَهُ بِالْكُوفَةِ، وَفَتَحَ السُّجُونَ وَأَخْرَجَ مَنْ فِيهَا، وَأَخْرَجَ الْعُمَّالَ عَنْهَا، فَلَقِيَهُ عَبْدُ بْنُ مَحْمُودٍ
стр. 3145
السَّرَخْسِيُّ فِيمَنْ مَعَهُ، فَضَرَبَهُ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ ضَرْبَةً عَلَى وَجْهِهِ أَثْخَنَهُ بِهَا، فَانْهَزَمَ عَبْدُ اللَّهِ، وَأَخَذَ أَصْحَابُ يَحْيَى (مَا كَانَ مَعَهُمْ مِنَ الدَّوَابِّ وَالْمَالِ.
وَخَرَجَ يَحْيَى) إِلَى سَوَادِ الْكُوفَةِ، وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الزَّيْدِيَّةِ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ النَّوَاحِي إِلَى ظَهْرِ وَاسِطَ، وَأَقَامَ بِالْبُسْتَانِ، فَكَثُرَ جَمْعُهُ، فَوَجَّهَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى مُحَارَبَتِهِ الْحُسَيْنَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُصْعَبٍ فِي جَمْعٍ مِنْ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَالْقُوَّةِ، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَنَزَلَ فِي وَجْهِهِ لَمْ يُقْدِمْ عَلَيْهِ، فَسَارَ يَحْيَى وَالْحُسَيْنُ فِي أَثَرِهِ، حَتَّى نَزَلَ الْكُوفَةَ وَلَقِيَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْخَطَّابِ الْمَعْرُوفُ بِوَجْهِ الْفُلْسِ، قَبْلَ دُخُولِهَا، فَقَاتَلَهُ، وَانْهَزَمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَى نَاحِيَةِ شَاهِيَّ، وَوَافَاهُ الْحُسَيْنُ، فَنَزَلَا بِشَاهِيَّ.
وَاجْتَمَعَتِ الزَّيْدِيَّةُ إِلَى يَحْيَى بْنِ عُمَرَ، وَدَعَا بِالْكُوفَةِ إِلَى الرِّضَى مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَأَحَبُّوهُ، وَتَوَلَّاهُ الْعَامَّةُ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يُوَلُّونَ أَحَدًا مِنْ بَيْتِهِ سِوَاهُ، وَبَايَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْكُوفَةِ مِمَّنْ لَهُ تَدْبِيرٌ وَبَصِيرَةٌ فِي تَشَيُّعِهِمْ، وَدَخَلَ فِيهِمْ أَخْلَاطٌ لَا دِيَانَةَ لَهُمْ.
وَأَقَامَ الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بِشَاهِيَّ، وَاسْتَرَاحَ، وَاتَّصَلَتْ بِهِمُ الْأَمْدَادُ، وَأَقَامَ يَحْيَى بِالْكُوفَةِ يُعِدُّ الْعُدَدَ، وَيُصْلِحُ السِّلَاحَ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الزَّيْدِيَّةِ، مِمَّنْ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِالْحَرْبِ، بِمُعَاجَلَةِ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَأَلَحُّوا عَلَيْهِ، فَزَحَفَتْ إِلَيْهِ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَجَبٍ، وَمَعَهُ الْهَيْصَمُ الْعِجْلِيُّ وَغَيْرُهُ، وَرِجَالُهُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ لَيْسَ لَهُمْ عِلْمٌ وَلَا شَجَاعَةٌ، وَأَسْرَوْا لَيْلَتَهُمْ، وَصَبَّحُوا الْحُسَيْنَ وَهُوَ مُسْتَرِيحٌ، فَثَارُوا بِهِمْ فِي الْغَلَسِ، وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُ الْحُسَيْنِ فَانْهَزَمُوا، وَوَضَعُوا فِيهِمُ السَّيْفَ، وَكَانَ أَوَّلُ أَسِيرٍ الْهَيْصَمَ الْعِجْلِيَّ، وَانْهَزَمَ رِجَالُهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ، وَأَكْثَرَهُمْ بِغَيْرِ سِلَاحٍ، فَدَاسَتْهُمُ الْخَيْلُ.
وَانْكَشَفَ الْعَسْكَرُ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ، وَعَلَيْهِ جَوْشَنُ، قَدْ تَقَطَّرَ بِهِ فَرَسُهُ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ ابْنٌ لِخَالِدِ بْنِ عِمْرَانَ، فَقَالَ لَهُ: خَيْرًا، فَلَمْ يَعْرِفْهُ، وَظَنَّهُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ لَمَّا رَأَى
стр. 3146
عَلَيْهِ الْجَوْشَنُ، فَأَمَرَ رَجُلًا، فَنَزَلَ إِلَيْهِ، فَأَخَذَ رَأْسَهُ، وَعَرَفَهُ رَجُلٌ كَانَ مَعَهُ، وَسَيَّرَ الرَّأْسَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، وَادَّعَى قَتْلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، فَسَيَّرَ مُحَمَّدٌ الرَّأْسَ إِلَى الْمُسْتَعِينِ، فَنُصِبَ بِسَامَرَّا لَحْظَةً، ثُمَّ حَطَّهُ، وَرَدَّهُ إِلَى بَغْدَادَ ; لِيُنْصَبَ بِهَا، فَلَمْ يَقْدِرْ مُحَمَّدٌ عَلَى ذَلِكَ; لِكَثْرَةِ مَنِ اجْتَمَعَ مِنَ النَّاسِ، فَخَافَ أَنْ يَأْخُذُوهُ، فَلَمْ يَنْصِبْهُ، وَجَعَلَهُ فِي صُنْدُوقٍ فِي بَيْتِ السِّلَاحِ.
وَوَجَّهَ الْحُسَيْنَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ بِرُؤُوسِ مَنْ قَتَلَ، وَبِالْأَسْرَى، فَحُبِسُوا بِبَغْدَاذَ، وَكَتَبَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ الْعَفْوَ عَنْهُمْ، فَأَمَرَ بِتَخْلِيَتِهِمْ، وَأَنْ تُدْفَنَ الرُّؤُوسُ وَلَا تُنْصَبَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ.
وَلَمَّا وَصَلَ الْخَبَرُ بِقَتْلِ يَحْيَى جَلَسَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَهْنَأُ بِذَلِكَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ دَاوُدُ بْنُ الْهَيْثَمِ أَبُو هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيُّ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ! إِنَّكَ لَتَهْنَأُ بِقَتْلِ رَجُلٍ لَوْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، حَيًّا لَعُزِّيَ بِهِ، فَمَا رَدَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ شَيْئًا، فَخَرَجَ دَاوُدُ وَهُوَ يَقُولُ:
يَا بَنِي طَاهِرٍ كُلُوهُ وَبِيئًا ... إِنَّ لَحْمَ النَّبِيِّ غَيْرُ مَرِيِّ
إِنَّ وِتْرًا يَكُونُ طَالِبَهُ اللَّهُ ... لَوِتْرٌ نَجَاحُهُ بِالْحَرِيِّ
وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ مَرَاثِيَ يَحْيَى لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ حُسْنِ السِّيرَةِ وَالدِّيَانَةِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ:
بَكَتِ الْخَيْلُ شَجْوَهَا بَعْدَ يَحْيَى ... وَبَكَاهُ الْمُهَنَّدُ الْمَصْقُولُ
وَبَكَتْهُ الْعِرَاقُ شَرْقًا وَغَرْبًا ... وَبَكَاهُ الْكِتَابُ وَالتَّنْزِيلُ
وَالْمُصَلَّى وَالْبَيْتُ وَالرُّكْنُ وَالْحِجْرُ ... جَمِيعًا لَهُ عَلَيْهِ عَوِيلُ
كَيْفَ لَمْ تَسْقُطِ السَّمَاءُ عَلَيْنَا يَوْمَ قَالُوا: أَبُو الْحُسَيْنِ قَتِيلُ ... وَبَنَاتُ النَّبِيِّ يُبْدِينَ شَجْوًا مُوجَعَاتٍ دُمُوعُهُنَّ هُمُولُ
قَطَعَتْ وَجْهَهُ سُيُوفُ الْأَعَادِي ... بِأَبِي وَجْهُهُ الْوَسِيمُ، الْجَمِيلُ
стр. 3147
إِنَّ يَحْيَى أَبْقَى بِقَلْبِي غَلِيلًا
سَوْفَ يُودِي بِالْجِسْمِ ذَاكَ الْغَلِيلُ ... قَتْلُهُ مُذَكِّرٌ لِقَتْلِ عَلِيٍّ وَحُسَيْنَ
،
وَيَوْمَ أُوذِيَ الرَّسُولُ
صَلَوَاتُ الْإِلَهِ وَقَفًا عَلَيْهِمْ ... مَا بَكَى مُوجَعٌ وَحَنَّتْ ثَكُولُ
ذِكْرُ ظُهُورِ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ الْعَلَوِيِّ
وَفِيهَا ظَهَرَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵇، بِطَبَرِسْتَانَ.
وَكَانَ سَبَبُ ظُهُورِهِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ لَمَّا ظَفِرَ بِيَحْيَى بْنِ عُمَرَ أَقْطَعَهُ الْمُسْتَعِينُ مِنْ ضَوَاحِي السُّلْطَانِ بِطَبَرِسْتَانَ قَطَائِعَ مِنْهَا قَطِيعَةٌ (قُرْبَ ثَغْرِ الدَّيْلَمِ، وَهَمَا: كُلَارُ وَشَالُوسُ، وَكَانَ بِحِذَائِهِمَا أَرْضٌ يَحْتَطِبُ مِنْهَا أَهْلُ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَتَرْعَى فِيهَا مَوَاشِيهِمْ، لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَيْهَا مِلْكٌ، إِنَّمَا هِيَ مَوَاتٌ، وَهِيَ ذَاتَ غِيَاضٍ، وَأَشْجَارٍ، وَكَلَأٍ، فَوَجَّهَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نَائِبَهُ لِحِيَازَةِ مَا أَقْطَعَ، وَاسْمُهُ جَابِرُ بْنُ هَارُونَ النَّصْرَانِيُّ، وَعَامِلُ طَبَرِسْتَانَ يَوْمئِذٍ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ خَلِيفَةُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرِ، وَكَانَ الْغَالِبُ عَلَى أَمْرِ سُلَيْمَانَ مُحَمَّدَ بْنَ أَوْسٍ الْبَلْخِيَّ، وَقَدْ فَرَّقَ مُحَمَّدٌ هَذَا أَوْلَادَهُ فِي مُدُنِ طَبَرِسْتَانَ، وَهُمْ أَحْدَاثٌ، سُفَهَاءُ، فَتَأَذَّى بِهِمُ الرَّعِيَّةُ وَشَكَوْا مِنْهُمْ، وَمِنْ أَبِيهِمْ، وَمِنْ سُلَيْمَانَ سُوءَ السِّيرَةِ.
ثُمَّ إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَوْسٍ دَخَلَ بِلَادَ الدَّيْلَمِ، وَهُمْ مُسَالِمُونَ لِأَهْلِ طَبَرِسْتَانَ، (فَسَبَى
стр. 3148
مِنْهُمْ وَقَتَلَ، فَسَاءَ ذَلِكَ أَهْلَ طَبَرِسْتَانَ) ، فَلَمَّا قَدِمَ جَابِرُ بْنُ هَارُونَ لِحِيَازَةِ مَا أَقْطَعُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَمَدَ فَحَازَ فِيهِ مَا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ أَرْضٍ مَوَاتٍ يَرْتَفِقُ بِهَا النَّاسُ، وَفِيهَا حَازَ كُلَارَ وَشَالُوسَ.
وَكَانَ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ يَوْمَئِذٍ أَخَوَانِ لَهُمَا بَأْسٌ وَنَجْدَةٌ يَضْبِطَانِهَا مِمَّنْ رَامَهَا مِنَ الدَّيْلَمِ، مَذْكُورَانِ بِإِطْعَامِ الطَّعَامِ وَبِالْإِفْضَالِ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا مُحَمَّدٌ، وَلِلْآخَرِ جَعْفَرٌ، وَهُمَا ابْنَا رُسْتُمَ، فَأَنْكَرَا مَا فَعَلَ جَابِرٌ مِنْ حِيَازَةِ الْمَوَاتِ، وَكَانَا مُطَاعَيْنِ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ، فَاسْتَنْهَضَا مَنْ أَطَاعَهُمَا لِمَنْعِ جَابِرٍ مِنْ حِيَازَةِ ذَلِكَ الْمَوَاتِ، فَخَافَهُمَا جَابِرٌ، فَهَرَبَ مِنْهُمَا، فَلَحِقَ بِسُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَخَافَ مُحَمَّدٌ وَجَعْفَرٌ وَمَنْ مَعَهُمَا مِنْ عَامِلِ طَبَرِسْتَانَ، فَرَاسَلُوا جِيرَانَهُمْ مِنَ الدَّيْلَمِ يُذَكِّرُونَهُمُ الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَيَعْتَذِرُونَ فِيمَا فَعَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَوْسٍ بِهِمْ مِنَ السَّبْيِ وَالْقَتْلِ، فَاتَّفَقُوا عَلَى الْمُعَاوَنَةِ وَالْمُسَاعَدَةِ عَلَى حَرْبِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَغَيْرِهِ.
ثُمَّ أَرْسَلَ ابْنَا رُسْتُمَ [وَمَنْ وَافَقَهُمَا] إِلَى رَجُلٍ مِنَ الطَّالِبِيينَ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كَانَ بِطَبَرِسْتَانَ، يَدْعُونَهُ إِلَى الْبَيْعَةِ لَهُ، فَامْتَنَعَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: لَكِنِّي أَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنَّا هُوَ أَقْوَمُ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنِّي، فَدَلَّهُمْ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ بِالرَّيِّ، فَوَجَّهُوا إِلَيْهِ، عَنْ رِسَالَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، يَدْعُونَهُ إِلَى طَبَرِسْتَانَ، فَشَخَّصَ إِلَيْهَا، فَأَتَاهُمْ وَقَدْ صَارَتْ كَلِمَةُ الدَّيْلَمِ وَأَهْلِ كُلَارَ، وَشَالُوسَ، وَالرَّوِيَّانِ عَلَى بَيْعَتِهِ، فَبَايَعُوهُ كُلُّهُمْ، وَطَرَدُوا عُمَّالَ ابْنِ أَوْسٍ عَنْهُمْ، فَلَحِقُوا بِسُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَانْضَمَّ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ أَيْضًا جِبَالُ طَبَرِسْتَانَ كَأَصْمَغَانَ، وَقَادُوسِيَانَ، وَلَيْثُ بْنُ قَتَادَ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ السَّفْحِ.
ثُمَّ تَقَدَّمَ الْحَسَنُ وَمَنْ مَعَهُ نَحْوَ مَدِينَةِ آمُلَ، وَهِيَ أَقْرَبُ الْمُدُنِ إِلَيْهِمْ، وَأَقْبَلَ ابْنُ أَوْسٍ مِنْ سَارِيَةَ لِيَدْفَعَهُ عَنْهَا، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَخَالَفَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَى آمُلَ فَدَخَلَهَا.
فَلَمَّا سَمِعَ ابْنُ أَوْسٍ الْخَبَرَ، وَهُوَ مَشْغُولٌ بِحَرْبِ مَنْ يُقَاتِلُهُ مِنْ أَصْحَابِ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ هِمَّةٌ إِلَّا النَّجَاءُ بِنَفْسِهِ، فَهَرَبَ، وَلَحِقَ بِسُلَيْمَانَ إِلَى سَارِيَةَ، فَلَمَّا اسْتَوْلَى الْحَسَنُ عَلَى آمُلَ كَثُرَ جَمْعُهُ، وَأَتَاهُ كُلُّ طَالِبِ نَهْبٍ وَفِتْنَةٍ، وَأَقَامَ بِآمُلَ أَيَّامًا، ثُمَّ سَارَ نَحْوَ
стр. 3149
سَارِيَةَ لِحَرْبِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ سُلَيْمَانُ، فَالْتَقَوْا خَارِجَ مَدِينَةِ سَارِيَةَ، وَنَشِبَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، فَسَارَ بَعْضُ قُوَّادِ الْحَسَنِ نَحْوَ سَارِيَةَ فَدَخَلَهَا، فَلَمَّا سَمِعَ سُلَيْمَانُ الْخَبَرَ انْهَزَمَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَتَرَكَ أَهْلَهُ وَعِيَالَهُ وَثِقْلَهُ وَكُلَّ مَا لَهُ بِسَارِيَةَ، وَاسْتَوْلَى الْحَسَنُ وَأَصْحَابُهُ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعِهِ، فَأَمَّا الْحَرِيمُ وَالْأَوْلَادُ فَجَعَلَهُمُ الْحَسَنُ فِي مَرْكِبٍ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى سُلَيْمَانَ بِجُرْجَانَ، وَأَمَّا الْمَالُ فَكَانَ قَدْ نُهِبَ وَتَفَرَّقَ.
وَقِيلَ: إِنَّ سُلَيْمَانَ انْهَزَمَ اخْتِيَارًا لِأَنَّ الطَّاهِرِيَّةَ كُلَّهَا كَانَتْ تَتَشَيَّعُ، فَلَمَّا أَقْبَلَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ إِلَى طَبَرِسْتَانَ تَأَثَّمَ سُلَيْمَانُ مِنْ قِتَالِهِ لِشِدَّتِهِ فِي التَّشَيُّعِ، وَقَالَ.
نُبِّئْتُ خَيْلَ ابْنِ زَيْدٍ أَقْبَلَتْ ... خَبَبًا تُرِيدُنَا لِتُحَسِّينَا الْأَمَرِّينَا
يَا قَوْمُ إِنْ كَانَتِ الْأَنْبَاءُ صَادِقَةً ... فَالْوَيْلُ لِي وَلِجَمِيعِ الطَّاهِرِينَا
أَمَّا أَنَا فَإِذَا اصْطَفَّتْ كَتَائِبُنَا ... أَكُونُ مِنْ بَيْنِهِمْ رَأْسَ الْمُوَالِينَا
فَالْعُذْرُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مُنْبَسِطٌ ... إِذَا احْتُسِبَتْ دِمَاءُ الْفَاطِمِيِّينَا
فَلَمَّا الْتَقَوُا انْهَزَمَ سُلَيْمَانُ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ طَبَرِسْتَانُ لِلْحَسَنِ وَجَّهَ إِلَى الرَّيِّ جُنْدًا مَعَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِهِ، يُقَالُ لَهُ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ أَيْضًا، فَمَلَكَهَا، وَطَرَدَ عَنْهَا عَامِلَ الطَّاهِرِيَّةِ، فَاسْتَخْلَفَ بِهَا رَجُلًا مِنَ الْعَلَوِيِّينَ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَانْصَرَفَ عَنْهَا.
وَوَرَدَ الْخَبَرُ عَلَى الْمُسْتَعِينِ، وَمُدَبِّرِ أَمْرِهِ وَصِيفٍ، وَكَاتِبِهِ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحِ بْنِ شِيرَزَادَ، فَوَجَّهَ إِسْمَاعِيلَ بْنَ فَرَاشَةَ فِي جُنْدٍ إِلَى هَمَذَانَ، وَأَمَرَهُ بِالْمُقَامِ بِهَا لِيَمْنَعَ خَيْلَ الْحَسَنِ عَنْهَا، وَأَمَّا مَا عَدَاهَا فَإِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ وَعَلَيْهِ الذَّبُّ عَنْهُ.
فَلَمَّا اسْتَقَرَّ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الطَّالِبِيُّ بِالرَّيِّ ظَهَرَتْ مِنْهُ أُمُورٌ كَرِهَهَا أَهْلُ الرَّيِّ، وَوَجَّهَ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ قَائِدًا مِنْ عِنْدِهِ يُقَالُ لَهُ: مُحَمَّدُ بْنُ مِيكَالَ (فِي جَمْعٍ مِنَ الْجُنْدِ إِلَى الرَّيِّ، وَهُوَ أَخُو الشَّاهِ بْنِ مِيكَالَ) ، فَالْتَقَى هُوَ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الطَّالِبِيُّ خَارِجَ الرَّيِّ، فَأُسِرَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَانْهَزَمَ جَيْشُهُ، وَدَخَلَ ابْنُ مِيكَالَ الرَّيَّ، فَأَقَامَ بِهَا، فَوَجَّهَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ عَسْكَرًا عَلَيْهِ قَائِدٌ يُقَالُ لَهُ وَاجِنُ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى الرَّيِّ خَرَجَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ مِيكَالَ، فَالْتَقَوْا، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ ابْنُ مِيكَالَ، وَالْتَجَأَ إِلَى الرَّيِّ مُعْتَصِمًا بِهَا،
стр. 3150
فَاتَّبَعَهُ وَاجِنُ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى قَتَلُوهُ، وَصَارَتِ الرَّيُّ إِلَى أَصْحَابِ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ.
فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ ظَهَرَ بِالرَّيِّ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى بْنِ حُسَيْنٍ الصَّغِيرِ ابْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵁ (وَإِدْرِيسُ بْنُ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) ، فَصَلَّى أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى بِأَهْلِ الرَّيِّ صَلَاةَ الْعِيدِ، وَدَعَا لِلرِّضَى مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، فَحَارَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ طَاهِرٍ، فَانْهَزَمَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَسَارَ إِلَى قَزْوِينَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَفِيهَا غَضِبَ الْمُسْتَعِينُ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ لِأَنَّهُ [كَانَ] بَعَثَ إِلَى الشَّاكِرِيَّةِ، فَزَعَمَ وَصِيفٌ أَنَّهُ أَفْسَدَهُمْ، فَنُفِيَ إِلَى الْبَصْرَةِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.
وَفِيهَا أُسْقِطَتْ مَرْتَبَةُ مَنْ كَانَتْ لَهُ مَرْتَبَةٌ فِي دَارِ الْعَامَّةِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةِ كَأَبِي الشَّوَارِبِ، وَالْعُثْمَانِيِّينَ.
وَأَخْرَجَ الْحَسَنَ بْنَ الْأَفْشِينِ مِنَ الْحَبْسِ.
وَفِيهَا عَقَدَ لِجَعْفَرِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى الْمَعْرُوفِ بِبَشَّاشَاتِ عَلَى مَكَّةَ.
وَفِيهَا وَثَبَ أَهْلُ حِمْصَ، وَقَوْمٌ مِنْ كَلْبَ، بِعَامِلِهِمْ، وَهُوَ الْفَضْلُ بْنُ قَارَنَ أَخُو مَازِيَارَ بْنِ قَارَنَ، فَقَتَلُوهُ، فَوَجَّهَ الْمُسْتَعِينُ إِلَى حِمْصَ مُوسَى بْنَ بُغَا فِي رَمَضَانَ، فَلَقِيَهُ أَهْلُهَا فِيمَا بَيْنَ حِمْصَ وَالرَّسْتَنَ، وَحَارَبُوهُ، فَهَزَمَهُمْ، وَافْتَتَحَ حِمْصَ، وَقَتَلَ أَهْلَهَا مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَأَحْرَقَهَا، وَأَسَرَ جَمَاعَةً مِنْ (أَهْلِهَا الْأَعْيَانِ) .
стр. 3151
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بِنِ عَمَّارٍ الْقَاضِي، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْحَوْرَانِيُّ التَّيْمِيُّ، قَاضِي الْبَصْرَةَ.
[بَقِيَّةُ الْحَوَادِثِ]
وَفِيهَا وَلِيَ أَحْمَدُ بْنُ الْوَزِيرِ قَضَاءَ سَامَرَّا.
وَفِيهَا وَثَبَ الشَّاكِرِيَّةُ وَالْجُنْدُ بِفَارِسَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَانْتَهَبُوا مَنْزِلَهُ، وَقَتَلُوا مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ قَارَنَ، وَهَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ.
وَفِيهَا وَجَّهَ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ [مِنْ خُرَاسَانَ] بِفِيلَيْنِ وَأَصْنَامٍ أَتَى بِهَا مِنْ كَابُلَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ جَعْفَرُ بْنُ الْفَضْلِ بِشَاشَاتَ، وَهُوَ وَالِي مَكَّةَ.
[بَقِيَّةُ الْوَفَيَاتِ]
(وَفِيهَا تُوُفِّيَ زِيَادَةُ اللَّهِ بْنُ الْأَغْلَبِ، أَمِيرُ إِفْرِيقِيَّةَ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ سَنَةً وَاحِدَةً وَسِتَّةَ أَيَّامٍ، وَلَمَّا مَاتَ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُ أَخِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَغْلَبِ) .
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْجَرَاجِرئِيُّ، وَزِيرُ الْمُتَوَكِّلِ
стр. 3152
وَالْفَضْلُ بْنُ مَرْوَانَ، وَزِيرُ الْمُعْتَصِمِ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِسُرَّ مَنْ رَأَى.
وَالْخَلِيعُ الشَّاعِرُ الْحُسَيْنُ بْنُ الضَّحَّاكِ، كَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بِالْأَخْبَارِ وَالْأَشْعَارِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْحَارِثُ بْنُ مُسْكِينَ قَاضِي مِصْرَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، (وَهُوَ مِنْ وَلَدِ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيِّ) .
وَنَصْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ الْحَافِظُ.
(وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو حَاتِمٍ سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ السِّجِسْتَانِيُّ اللُّغَوِيُّ، رَوَى عَنْ أَبِي زَيْدٍ، وَالْأَصْمَعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ.
وَقِيلَ: تُوُفِّيَ قَبْلَ سَنَةِ خَمْسِينَ [وَمِائَتَيْنِ] ، وَاللَّهُ تَعَالَى بِالْغَيْبِ أَعْلَمُ) .
стр. 3153
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٥١ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ قَتْلِ بَاغِرَ التُّرْكِيِّ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ بَاغِرُ التُّرْكِيُّ، قَتَلَهُ وَصِيفٌ وَبُغَا.
وَكَانَ السَّبَبُ أَنَّ بَاغِرَ كَانَ أَحَدَ قَتَلَةِ الْمُتَوَكِّلِ، فَزِيدَ فِي أَرْزَاقِهِ، فَأُقْطِعَ قَطَائِعَ، فَكَانَ مِمَّا أُقْطِعَ قُرًى بِسَوَادِ الْكُوفَةِ، فَتَضَمَّنَهَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَارُوسْمَا بِأَلْفَيْ دِينَارٍ، فَوَثَبَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، يُقَالُ لَهُ ابْنُ مَارَمَةَ، بِوَكِيلٍ لِبَاغِرَ، وَتَنَاوَلَهُ، فَحَبَسَ ابْنَ مَارَمَةَ، وَقُيِّدَ، ثُمَّ تَخَلَّصَ، وَسَارَ إِلَى سَامَرَّا، فَلَقِيَ دَلِيلَ بْنَ يَعْقُوبٍ النَّصْرَانِيَّ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ صَاحِبُ أَمْرِ بُغَا الشَّرَابِيِّ وَالْحَاكِمِ فِي الدَّوْلَةِ، وَكَانَ ابْنُ مَارَمَةَ صَدِيقًا لَهُ، وَكَانَ بَاغِرُ أَحَدَ قُوَّادِ بُغَا، فَمَنَعَهُ دَلِيلٌ مِنْ ظُلْمِ أَحْمَدَ بْنَ مَارَمَةَ، فَانْتَصَفَ لَهُ مِنْهُ، فَغَضِبَ بَاغِرُ وَبَايَنَ دَلِيلًا.
وَكَانَ بَاغِرُ شُجَاعًا يَتَّقِيهِ بُغَا وَغَيْرُهُ، فَحَضَرَ عِنْدَ بُغَا فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ سَنَةِ خَمْسِينَ [وَمِائَتَيْنِ] وَهُوَ سَكْرَانُ، وَبُغَا فِي الْحَمَّامِ، فَدَخَلَ إِلَيْهِ وَقَالَ: مَنْ قَتَلَ دَلِيلًا (يُقْتَلُ بِهِ) ، فَقَالَ لَهُ بُغَا: لَوْ أَرَدْتَ وَلَدَيَّ مَا مَنَعْتُكَ مِنْهُ، وَلَكِنِ اصْبِرْ، فَإِنَّ أُمُورَ الْخِلَافَةِ بِيَدِ دَلِيلٍ، وَأُقِيمُ غَيْرَهُ، (ثُمَّ افْعَلْ بِهِ مَا تُرِيدُ.
стр. 3154
وَأَرْسَلَ بُغَا إِلَى دَلِيلٍ يَأْمُرُهُ أَلَّا يَرْكَبَ، وَعَرَّفَهُ الْخَبَرَ، وَأَقَامَ فِي كِتَابَتِهِ غَيْرَهُ) ، وَتَوَهَّمَ بَاغِرُ أَنَّهُ قَدْ عَزَلَهُ، فَسَكَنَ بَاغِرُ، ثُمَّ أَصْلَحَ بَيْنَهُمَا بُغَا، وَبَاغِرُ يَتَهَدَّدُهُ، وَلَزِمَ بَاغِرُ خِدْمَةَ الْمُسْتَعِينِ، (فَقِيلَ ذَلِكَ لِلْمُسْتَعِينِ) .
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ نَوْبَةِ بُغَا فِي مَنْزِلِهِ قَالَ الْمُسْتَعِينُ: أَيُّ شَيْءٍ كَانَ إِلَى إِيتَاخَ مِنَ الْخِدْمَةِ؟ فَأَخْبَرَهُ وَصِيفٌ، فَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ تُجْعَلَ هَذِهِ الْأَعْمَالُ إِلَى بَاغِرَ، وَسَمِعَ دَلِيلٌ ذَلِكَ، فَرَكِبَ إِلَى بُغَا، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ فِي بَيْتِكَ، وَهُمْ فِي تَدْبِيرِ عَزْلِكَ، فَإِذَا عُزِلْتَ قُتِلْتَ.
فَرَكِبَ بُغَا إِلَى دَارِ الْخَلِيفَةِ فِي يَوْمِهِ، وَقَالَ لِوَصِيفٍ: أَرَدْتَ أَنْ تَعْزِلَنِي؟ فَحَلَفَ أَنَّهُ مَا عَلِمَ مَا أَرَادَ الْخَلِيفَةُ، فَتَعَاقَدَا عَلَى تَنْحِيَةِ بَاغِرَ مِنَ الدَّارِ وَالْحِيلَةِ عَلَيْهِ، فَأَرْجَفَا لَهُ أَنَّهُ يُؤَمَّرُ، وَيُخْلَعُ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ مَوْضِعَ بُغَا وَوَصِيفٍ، فَأَحَسَّ بَاغِرُ وَمَنْ مَعَهُ بِالشَّرِّ، فَجَمَعَ إِلَيْهِ الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ كَانُوا بَايِعُوهُ عَلَى قَتْلِ الْمُتَوَكِّلِ، وَمَعَهُمْ غَيْرُهُمْ، فَجَدَّدَ الْعَهْدَ عَلَيْهِمْ فِي قَتْلِ الْمُسْتَعِينِ، وَبُغَا، وَوَصِيفٍ، وَقَالَ: نُبَايِعُ عَلَى ابْنِ الْمُعْتَصِمِ، أَوِ ابْنِ الْوَاثِقِ، وَيَكُونُ الْأَمْرُ لَنَا كَمَا هُوَ لِهَذَيْنِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ.
وَانْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى الْمُسْتَعِينِ، فَبَعَثَ إِلَى بُغَا وَوَصِيفٍ، وَقَالَ لَهُمَا: أَنْتُمَا جَعَلْتُمَانِي خَلِيفَةً، ثُمَّ تُرِيدَانِ قَتْلِي؟ فَحَلَفَا أَنَّهُمَا مَا عَلِمَا بِذَلِكَ، فَأَعْلَمَهُمَا الْخَبَرَ، فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَخْذِ بَاغِرَ وَرَجُلَيْنِ مِنَ الْأَتْرَاكِ مَعَهُ، وَحَبْسِهِمْ، فَأَحْضَرُوا بَاغِرَ، فَأَقْبَلَ فِي عِدَّةٍ، فَعُدِلَ بِهِ إِلَى حَمَّامٍ وَحُبِسَ فِيهِ.
وَبَلَغَ الْخَبَرُ الْأَتْرَاكَ، فَوَثَبُوا عَلَى إِصْطَبْلِ الْخَلِيفَةِ، فَانْتَهَبُوهُ وَرَكِبُوا مَا فِيهِ، وَحَصَرُوا الْجَوْسَقَ بِالسِّلَاحِ، فَأَمَرَ بُغَا وَوَصِيفٌ بِقَتْلِ بَاغِرَ فَقُتِلَ.
стр. 3155
ذِكْرُ مَسِيرِ الْمُسْتَعِينِ إِلَى بَغْدَادَ
فَلَمَّا قُتِلَ بَاغِرُ وَانْتَهَى خَبَرُ قَتْلِهِ إِلَى الْأَتْرَاكِ الْمِشْغَبِينَ أَقَامُوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ، فَانْحَدَرَ الْمُسْتَعِينُ، وَبُغَا، وَوَصِيفٌ، وَشَاهَكُ الْخَادِمُ، وَأَحْمَدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ شِيرَزَادَ، وَدَلِيلٌ إِلَى بَغْدَادَ فِي حَرَّاقَةَ، فَرَكِبَ جَمَاعَةٌ مِنْ قُوَّادِ الْأَتْرَاكِ إِلَى هَؤُلَاءِ الْمِشْغَبِينَ فَسَأَلُوهُمُ الِانْصِرَافَ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَلَمَّا عَلِمُوا بِانْحِدَارِ الْمُسْتَعِينِ وَبُغَا وَوَصِيفٍ نَدِمُوا، ثُمَّ قَصَدُوا دَارَ دَلِيلٍ، وَدُورَ أَهْلِهِ وَجِيرَانِهِ، فَنَهَبُوهَا، حَتَّى صَارُوا إِلَى أَخْذِ الْخَشَبِ وَعَلِيقِ الدَّوَابِّ، فَلَمَّا قَدِمُوا بَغْدَادَ مَرِضَ ابْنُ مَارَمَةَ، فَعَادَهُ دَلِيلٌ، وَقَالَ لَهُ: مَا سَبَبُ عِلَّتِكَ؟ قَالَ: انْتَقَضَ عُقْرُ الْقَيْدِ، فَقَالَ دَلِيلٌ: لَئِنْ عَقَرَكَ الْقَيْدُ لَقَدْ نَقَضْتَ الْخِلَافَةَ، وَبَغَيْتَ الْفِتْنَةَ، وَمَاتَ ابْنُ مَارَمَةَ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي ذَلِكَ:
لَعَمْرِي لَئِنْ قَتَلُوا بَاغِرًا ... لَقَدْ هَاجَ بَاغِرُ حَرْبًا طَحُونَا
وَفَرَّ الْخَلِيفَةُ وَالْقَائِدَانِ ... بِاللَّيْلِ يَلْتَمِسُونَ السَّفِينَا
وَصَاحُوا بِمِنْشَارِ مَلَّاحِهِمْ
،
فَجَاءَهُمُ يَسْبِقُ النَّاظِرِينَا ... فَأَلْزَمَهُمْ بَطْنَ حَرَّاقَةٍ
وَصَوْتَ مَجَاذِيفِهِمْ سَائِرِينَا ... وَمَا كَانَ قَدَرُ ابْنِ مَارَمَّةِ
فَنَكْسِبُ فِيهِ الْحُرُوبَ الزَّبُونَا ... وَلَكِنْ دَلِيلٌ سَعَى سَعْيَةً
فَأَخْزَى الْإِلَهُ بِهَا الْعَالَمِينَا ... فَحَلَّ بِبَغْدَاذَ قَبْلَ الشُّرُوقِ
فَخَلَّ بِهَا مِنْهُ مَا يَكْرَهُونَا
следующие страницы →