← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بِنِ عَمَّارٍ الْقَاضِي، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْحَوْرَانِيُّ التَّيْمِيُّ، قَاضِي الْبَصْرَةَ. [بَقِيَّةُ الْحَوَادِثِ] وَفِيهَا وَلِيَ أَحْمَدُ بْنُ الْوَزِيرِ قَضَاءَ سَامَرَّا. وَفِيهَا وَثَبَ الشَّاكِرِيَّةُ وَالْجُنْدُ بِفَارِسَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَانْتَهَبُوا مَنْزِلَهُ، وَقَتَلُوا مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ قَارَنَ، وَهَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ. وَفِيهَا وَجَّهَ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ [مِنْ خُرَاسَانَ] بِفِيلَيْنِ وَأَصْنَامٍ أَتَى بِهَا مِنْ كَابُلَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ جَعْفَرُ بْنُ الْفَضْلِ بِشَاشَاتَ، وَهُوَ وَالِي مَكَّةَ. [بَقِيَّةُ الْوَفَيَاتِ] (وَفِيهَا تُوُفِّيَ زِيَادَةُ اللَّهِ بْنُ الْأَغْلَبِ، أَمِيرُ إِفْرِيقِيَّةَ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ سَنَةً وَاحِدَةً وَسِتَّةَ أَيَّامٍ، وَلَمَّا مَاتَ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُ أَخِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَغْلَبِ) . وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْجَرَاجِرئِيُّ، وَزِيرُ الْمُتَوَكِّلِ

стр. 3152

وَالْفَضْلُ بْنُ مَرْوَانَ، وَزِيرُ الْمُعْتَصِمِ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِسُرَّ مَنْ رَأَى. وَالْخَلِيعُ الشَّاعِرُ الْحُسَيْنُ بْنُ الضَّحَّاكِ، كَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بِالْأَخْبَارِ وَالْأَشْعَارِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْحَارِثُ بْنُ مُسْكِينَ قَاضِي مِصْرَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، (وَهُوَ مِنْ وَلَدِ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيِّ) . وَنَصْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ الْحَافِظُ. (وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو حَاتِمٍ سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ السِّجِسْتَانِيُّ اللُّغَوِيُّ، رَوَى عَنْ أَبِي زَيْدٍ، وَالْأَصْمَعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ. وَقِيلَ: تُوُفِّيَ قَبْلَ سَنَةِ خَمْسِينَ [وَمِائَتَيْنِ] ، وَاللَّهُ تَعَالَى بِالْغَيْبِ أَعْلَمُ) .

стр. 3153

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٥١ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ قَتْلِ بَاغِرَ التُّرْكِيِّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ بَاغِرُ التُّرْكِيُّ، قَتَلَهُ وَصِيفٌ وَبُغَا. وَكَانَ السَّبَبُ أَنَّ بَاغِرَ كَانَ أَحَدَ قَتَلَةِ الْمُتَوَكِّلِ، فَزِيدَ فِي أَرْزَاقِهِ، فَأُقْطِعَ قَطَائِعَ، فَكَانَ مِمَّا أُقْطِعَ قُرًى بِسَوَادِ الْكُوفَةِ، فَتَضَمَّنَهَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَارُوسْمَا بِأَلْفَيْ دِينَارٍ، فَوَثَبَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، يُقَالُ لَهُ ابْنُ مَارَمَةَ، بِوَكِيلٍ لِبَاغِرَ، وَتَنَاوَلَهُ، فَحَبَسَ ابْنَ مَارَمَةَ، وَقُيِّدَ، ثُمَّ تَخَلَّصَ، وَسَارَ إِلَى سَامَرَّا، فَلَقِيَ دَلِيلَ بْنَ يَعْقُوبٍ النَّصْرَانِيَّ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ صَاحِبُ أَمْرِ بُغَا الشَّرَابِيِّ وَالْحَاكِمِ فِي الدَّوْلَةِ، وَكَانَ ابْنُ مَارَمَةَ صَدِيقًا لَهُ، وَكَانَ بَاغِرُ أَحَدَ قُوَّادِ بُغَا، فَمَنَعَهُ دَلِيلٌ مِنْ ظُلْمِ أَحْمَدَ بْنَ مَارَمَةَ، فَانْتَصَفَ لَهُ مِنْهُ، فَغَضِبَ بَاغِرُ وَبَايَنَ دَلِيلًا. وَكَانَ بَاغِرُ شُجَاعًا يَتَّقِيهِ بُغَا وَغَيْرُهُ، فَحَضَرَ عِنْدَ بُغَا فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ سَنَةِ خَمْسِينَ [وَمِائَتَيْنِ] وَهُوَ سَكْرَانُ، وَبُغَا فِي الْحَمَّامِ، فَدَخَلَ إِلَيْهِ وَقَالَ: مَنْ قَتَلَ دَلِيلًا (يُقْتَلُ بِهِ) ، فَقَالَ لَهُ بُغَا: لَوْ أَرَدْتَ وَلَدَيَّ مَا مَنَعْتُكَ مِنْهُ، وَلَكِنِ اصْبِرْ، فَإِنَّ أُمُورَ الْخِلَافَةِ بِيَدِ دَلِيلٍ، وَأُقِيمُ غَيْرَهُ، (ثُمَّ افْعَلْ بِهِ مَا تُرِيدُ.

стр. 3154

وَأَرْسَلَ بُغَا إِلَى دَلِيلٍ يَأْمُرُهُ أَلَّا يَرْكَبَ، وَعَرَّفَهُ الْخَبَرَ، وَأَقَامَ فِي كِتَابَتِهِ غَيْرَهُ) ، وَتَوَهَّمَ بَاغِرُ أَنَّهُ قَدْ عَزَلَهُ، فَسَكَنَ بَاغِرُ، ثُمَّ أَصْلَحَ بَيْنَهُمَا بُغَا، وَبَاغِرُ يَتَهَدَّدُهُ، وَلَزِمَ بَاغِرُ خِدْمَةَ الْمُسْتَعِينِ، (فَقِيلَ ذَلِكَ لِلْمُسْتَعِينِ) . فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ نَوْبَةِ بُغَا فِي مَنْزِلِهِ قَالَ الْمُسْتَعِينُ: أَيُّ شَيْءٍ كَانَ إِلَى إِيتَاخَ مِنَ الْخِدْمَةِ؟ فَأَخْبَرَهُ وَصِيفٌ، فَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ تُجْعَلَ هَذِهِ الْأَعْمَالُ إِلَى بَاغِرَ، وَسَمِعَ دَلِيلٌ ذَلِكَ، فَرَكِبَ إِلَى بُغَا، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ فِي بَيْتِكَ، وَهُمْ فِي تَدْبِيرِ عَزْلِكَ، فَإِذَا عُزِلْتَ قُتِلْتَ. فَرَكِبَ بُغَا إِلَى دَارِ الْخَلِيفَةِ فِي يَوْمِهِ، وَقَالَ لِوَصِيفٍ: أَرَدْتَ أَنْ تَعْزِلَنِي؟ فَحَلَفَ أَنَّهُ مَا عَلِمَ مَا أَرَادَ الْخَلِيفَةُ، فَتَعَاقَدَا عَلَى تَنْحِيَةِ بَاغِرَ مِنَ الدَّارِ وَالْحِيلَةِ عَلَيْهِ، فَأَرْجَفَا لَهُ أَنَّهُ يُؤَمَّرُ، وَيُخْلَعُ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ مَوْضِعَ بُغَا وَوَصِيفٍ، فَأَحَسَّ بَاغِرُ وَمَنْ مَعَهُ بِالشَّرِّ، فَجَمَعَ إِلَيْهِ الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ كَانُوا بَايِعُوهُ عَلَى قَتْلِ الْمُتَوَكِّلِ، وَمَعَهُمْ غَيْرُهُمْ، فَجَدَّدَ الْعَهْدَ عَلَيْهِمْ فِي قَتْلِ الْمُسْتَعِينِ، وَبُغَا، وَوَصِيفٍ، وَقَالَ: نُبَايِعُ عَلَى ابْنِ الْمُعْتَصِمِ، أَوِ ابْنِ الْوَاثِقِ، وَيَكُونُ الْأَمْرُ لَنَا كَمَا هُوَ لِهَذَيْنِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ. وَانْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى الْمُسْتَعِينِ، فَبَعَثَ إِلَى بُغَا وَوَصِيفٍ، وَقَالَ لَهُمَا: أَنْتُمَا جَعَلْتُمَانِي خَلِيفَةً، ثُمَّ تُرِيدَانِ قَتْلِي؟ فَحَلَفَا أَنَّهُمَا مَا عَلِمَا بِذَلِكَ، فَأَعْلَمَهُمَا الْخَبَرَ، فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَخْذِ بَاغِرَ وَرَجُلَيْنِ مِنَ الْأَتْرَاكِ مَعَهُ، وَحَبْسِهِمْ، فَأَحْضَرُوا بَاغِرَ، فَأَقْبَلَ فِي عِدَّةٍ، فَعُدِلَ بِهِ إِلَى حَمَّامٍ وَحُبِسَ فِيهِ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ الْأَتْرَاكَ، فَوَثَبُوا عَلَى إِصْطَبْلِ الْخَلِيفَةِ، فَانْتَهَبُوهُ وَرَكِبُوا مَا فِيهِ، وَحَصَرُوا الْجَوْسَقَ بِالسِّلَاحِ، فَأَمَرَ بُغَا وَوَصِيفٌ بِقَتْلِ بَاغِرَ فَقُتِلَ.

стр. 3155

ذِكْرُ مَسِيرِ الْمُسْتَعِينِ إِلَى بَغْدَادَ فَلَمَّا قُتِلَ بَاغِرُ وَانْتَهَى خَبَرُ قَتْلِهِ إِلَى الْأَتْرَاكِ الْمِشْغَبِينَ أَقَامُوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ، فَانْحَدَرَ الْمُسْتَعِينُ، وَبُغَا، وَوَصِيفٌ، وَشَاهَكُ الْخَادِمُ، وَأَحْمَدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ شِيرَزَادَ، وَدَلِيلٌ إِلَى بَغْدَادَ فِي حَرَّاقَةَ، فَرَكِبَ جَمَاعَةٌ مِنْ قُوَّادِ الْأَتْرَاكِ إِلَى هَؤُلَاءِ الْمِشْغَبِينَ فَسَأَلُوهُمُ الِانْصِرَافَ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَلَمَّا عَلِمُوا بِانْحِدَارِ الْمُسْتَعِينِ وَبُغَا وَوَصِيفٍ نَدِمُوا، ثُمَّ قَصَدُوا دَارَ دَلِيلٍ، وَدُورَ أَهْلِهِ وَجِيرَانِهِ، فَنَهَبُوهَا، حَتَّى صَارُوا إِلَى أَخْذِ الْخَشَبِ وَعَلِيقِ الدَّوَابِّ، فَلَمَّا قَدِمُوا بَغْدَادَ مَرِضَ ابْنُ مَارَمَةَ، فَعَادَهُ دَلِيلٌ، وَقَالَ لَهُ: مَا سَبَبُ عِلَّتِكَ؟ قَالَ: انْتَقَضَ عُقْرُ الْقَيْدِ، فَقَالَ دَلِيلٌ: لَئِنْ عَقَرَكَ الْقَيْدُ لَقَدْ نَقَضْتَ الْخِلَافَةَ، وَبَغَيْتَ الْفِتْنَةَ، وَمَاتَ ابْنُ مَارَمَةَ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي ذَلِكَ: لَعَمْرِي لَئِنْ قَتَلُوا بَاغِرًا ... لَقَدْ هَاجَ بَاغِرُ حَرْبًا طَحُونَا وَفَرَّ الْخَلِيفَةُ وَالْقَائِدَانِ ... بِاللَّيْلِ يَلْتَمِسُونَ السَّفِينَا وَصَاحُوا بِمِنْشَارِ مَلَّاحِهِمْ ، فَجَاءَهُمُ يَسْبِقُ النَّاظِرِينَا ... فَأَلْزَمَهُمْ بَطْنَ حَرَّاقَةٍ وَصَوْتَ مَجَاذِيفِهِمْ سَائِرِينَا ... وَمَا كَانَ قَدَرُ ابْنِ مَارَمَّةِ فَنَكْسِبُ فِيهِ الْحُرُوبَ الزَّبُونَا ... وَلَكِنْ دَلِيلٌ سَعَى سَعْيَةً فَأَخْزَى الْإِلَهُ بِهَا الْعَالَمِينَا ... فَحَلَّ بِبَغْدَاذَ قَبْلَ الشُّرُوقِ فَخَلَّ بِهَا مِنْهُ مَا يَكْرَهُونَا

стр. 3156

فَلَيْتَ السَّفِينَةَ لَمْ تَأْتِنَا ... وَغَرَّقَهَا اللَّهُ وَالرَّاكِبِينَا وَأَقْبَلَتِ التُّرْكُ وَالْمُغْرِبُونَ ... وَجَاءَ الْفَرَاغِنَةُ الدَّارِعُونَا تَسِيرُ كَرَادِيسُهُمْ فِي السِّلَاحِ ... يَرْجُونَ خَيْلًا وَرَجْلًا بَنِينَا فَقَامَ بِحَرْبِهِمِ عَالِمٌ بِأَمْرِ ... الْحُرُوبِ تَوَلَّاهُ حِينَا فَجَدَّدَ سُورًا عَلَى الْجَانِبَيْنِ ... حَتَّى أَحَاطَهُمُ أَجْمَعِينَا وَأَحْكَمَ أَبْوَابَهَا الْمُصْمَتَاتِ ... عَلَى السُّورِ يَحْمِي بِهَا الْمُسْتَعِينَا وَهَيَّا مَجَانِيقَ خَطَّارَةً تُفِيتُ النُّفُوسَ، وَتَحْمِي الْعَرِينَا وَمَنَعَ الْأَتْرَاكُ النَّاسَ مِنَ الِانْحِدَارِ إِلَى بَغْدَادَ، وَأَخَذُوا مَلَّاحًا قَدْ أَكْرَى سَفِينَتَهُ، فَضَرَبُوهُ، وَصَلَبُوهُ عَلَى دَقْلِهَا، فَامْتَنَعَ أَصْحَابُ السُّفُنِ مِنَ الِانْحِدَارِ إِلَّا سِرًّا. وَكَانَ وُصُولُ الْمُسْتَعِينِ إِلَى بَغْدَادَ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِنَ الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَنَزَلَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ فِي دَارِهِ، ثُمَّ وَافَى بَغْدَادَ الْقُوَّادُ، سِوَى جَعْفَرٍ الْخَيَّاطِ، وَسُلَيْمَانِ بْنِ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ، وَقَدِمَهَا جُلَّةُ الْكُتَّابِ وَالْعُمَّالِ وَبَنِي هَاشِمٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ بُغَا وَوَصِيفٍ. ذِكْرُ الْبَيْعَةِ لِلْمُعْتَزِّ بِاللَّهِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بُويِعَ الْمُعْتَزُّ بِاللَّهِ، وَكَانَ سَبَبُ الْبَيْعَةِ لَهُ أَنَّهُ لَمَّا اسْتَقَرَّ الْمُسْتَعِينُ بِبَغْدَاذَ أَتَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ قُوَّادِ الْأَتْرَاكِ الْمِشْغَبِينَ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، وَأَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَجَعَلُوا مَنَاطِقَهُمْ فِي أَعْنَاقِهِمْ تَذَلُّلًا وَخُضُوعًا، وَسَأَلُوهُ الصَّفْحَ عَنْهُمْ وَالرِّضَا. قَالَ لَهُمْ: أَنْتُمْ أَهْلُ بَغِيٍ وَفَسَادٍ، وَاسْتِقْلَالٍ لِلنِّعَمِ، أَلَمْ تَرْفَعُوا إِلَيَّ فِي أَوْلَادِكُمْ فَأُلْحِقَهُمْ بِكُمْ، وَهُمْ نَحْوًا مِنْ أَلْفَيْ غُلَامٍ، وَفِي بَنَاتِكُمْ، فَأَمَرْتُ بِتَصْيِيرِهِنَّ فِي عِدَادِ الْمُتَزَوِّجَاتِ، وَهُنَّ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَغَيْرَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَجَبْتُكُمْ إِلَيْهِ، وَأَدْرَرْتُ عَلَيْكُمْ

стр. 3157

الْأَرْزَاقَ، فَعَمِلْتُمْ آنِيَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمَنَعْتُ نَفْسِي لَذَّتَهَا وَشَهْوَتَهَا إِرَادَةً لِصَلَاحِكُمْ وَرِضَاكُمْ، وَأَنْتُمْ تَزْدَادُونَ بَغْيًا وَفَسَادًا، فَعَادُوا وَتَضَرَّعُوا، وَسَأَلُوهُ الْعَفْوَ، فَقَالَ الْمُسْتَعِينُ: قَدْ عَفَوْتُ عَنْكُمْ وَرَضِيتُ. فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمْ، وَاسْمُهُ بَابِي بِكَّ: فَإِنْ كُنْتَ قَدْ رَضِيتَ فَقُمْ فَارْكَبْ مَعَنَا إِلَى سَامَرَّا، فَإِنَّ الْأَتْرَاكَ يَنْتَظِرُونَكَ، فَأَمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بَعْضَ أَصْحَابِهِ فَقَامَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: هَكَذَا يُقَالُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ قُمْ فَارْكَبْ مَعَنَا! فَضَحِكَ الْمُسْتَعِينُ وَقَالَ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ عُجْمٌ لَا يَعْرِفُونَ حُدُودَ الْكَلَامِ. وَقَالَ لَهُمُ الْمُسْتَعِينُ: تَرْجِعُونَ إِلَى سَامَرَّا، فَإِنَّ أَرْزَاقَكُمْ دَارَّةٌ عَلَيْكُمْ، وَأَنْظُرْ أَنَا فِي أَمْرِي، فَانْصَرَفُوا آيِسِينَ مِنْهُ، وَأَغْضَبَهُمْ مَا كَانَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى بَابِي بِكَّ، وَأَخْبَرُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ خَبَرَهُمْ، وَزَادُوا، وَحَرَّفُوا تَحْرِيضًا لَهُمْ عَلَى خَلْعِهِ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى إِخْرَاجِ الْمُعْتَزِّ، (وَكَانَ هُوَ وَالْمُؤَيَّدُ فِي حَبْسِ الْجَوْسَقِ، وَعَلَيْهِمَا مَنْ يَحْفَظُهُمَا، فَأَخْرَجُوا الْمُعْتَزَّ) مِنَ الْحَبْسِ، وَأَخَذُوا مِنْ شَعْرِهِ، وَكَانَ قَدْ كَثُرَ، وَبَايَعُوا لَهُ بِالْخِلَافَةِ، وَأَمَرَ لِلنَّاسِ بِرِزْقِ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمْ يَتِمَّ الْمَالُ، فَأُعْطُوا شَهْرَيْنِ لِقِلَّةِ الْمَالِ عِنْدَهُمْ. وَكَانَ الْمُسْتَعِينُ خَلَّفَ بَيْتِ الْمَالِ بِسَامَرَّا فِيهِ نَحْوَ خَمْسِ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَفِي بَيْتِ مَالِ أُمِّ الْمُسْتَعِينِ قِيمَةَ أَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَفِي بَيْتِ مَالِ الْعَبَّاسِ قِيمَةَ سِتِّمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ. وَكَانَ فِيمَنْ أُحْضِرَ لِلْبَيْعَةِ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ الرَّشِيدِ وَبِهِ نِقْرِسٌ، فِي مِحَفَّةٍ مَحْمُولًا، فَأُمِرَ بِالْبَيْعَةِ فَامْتَنَعَ، وَقَالَ لِلْمُعْتَزِّ: خَرَجْتَ إِلَيْنَا طَائِعًا، فَخَلَعْتَهَا وَزَعَمْتَ أَنَّكَ لَا تَقُومُ بِهَا، فَقَالَ الْمُعْتَزُّ: أُكْرِهْتُ عَلَى ذَلِكَ، وَخِفْتُ السَّيْفَ. فَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ: مَا عَلِمْنَا أَنَّكَ أُكْرِهْتَ، وَقَدْ

стр. 3158

بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ، فَنُرِيدُ أَنْ تُطْلِقَ نِسَاءَنَا، وَتَخْرُجَ عَنْ أَمْوَالِنَا، وَلَا نَدْرِي مَا يَكُونُ إِنْ تَرَكْتَنِي عَلَى أَمْرِي حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ، وَإِلَّا فَهَذَا السَّيْفُ. فَتَرَكَهُ الْمُعْتَزُّ. وَكَانَ مِمَّنْ بَايَعَ إِبْرَاهِيمُ الدَّيْرَجُ، وَعَتَّابُ بْنُ عَتَّابٍ، فَأَمَّا عَتَّابٌ فَهَرَبَ إِلَى بَغْدَادَ، وَأَمَّا الدَّيْرَجُ فَأَقَرَّ عَلَى الشُّرْطِ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَى الدَّوَاوِينِ، وَبَيْتِ الْمَالِ، وَالْكِتَابَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلَمَّا اتَّصَلَ بِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ خَبَرُ بَيْعَةِ الْمُعْتَزِّ وَتَوْجِيهُ الْعُمَّالِ أَمَرَ بِقَطْعِ الْمِيرَةِ عَنْ أَهْلِ سَامَرَّا، وَكَتَبَ إِلَى مَالِكِ بْنِ طَوْقٍ فِي الْمَسِيرِ إِلَى بَغْدَادَ هُوَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَجُنْدُهُ، وَكَتَبَ إِلَى نَجُوبَةَ بْنِ قَيْسٍ وَهُوَ عَلَى الْأَنْبَارِ فِي الِاحْتِشَادِ وَالْجَمْعِ، وَإِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عِمْرَانَ الْمَوْصِلِيِّ فِي مَنْعِ السُّفُنِ وَالْمِيرَةِ عَنْ سَامَرَّا، فَأُخِذَتْ سَفِينَةٌ بِبَغْدَاذَ فِيهَا أُرْزٌ وَغَيْرُهُ، فَهَرَبَ الْمَلَّاحُ، وَبَقِيَتِ السَّفِينَةُ حَتَّى غَرِقَتْ. وَأَمَرَ الْمُسْتَعِينُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بِتَحْصِينِ بَغْدَادَ، فَتَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ، فَأُدِيرَ عَلَيْهَا السُّورُ مِنْ دِجْلَةَ مِنْ بَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ إِلَى سُوقِ الثُّلَاثَاءِ، حَتَّى أَوْرَدَهُ دِجْلَةَ وَأَمَرَ بِحَفْرِ الْخَنَادِقِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ جَمِيعًا، وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ بَابٍ قَائِدًا، فَبَلَغَتِ النَّفَقَةُ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعِهِ ثَلَاثَمِائَةَ أَلْفٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَنَصَبَ عَلَى الْأَبْوَابِ الْمَنْجَنِيقَاتِ وَالْعَرَّادَاتِ، وَشَحَنَ الْأَسْوَارَ، وَفَرَضَ فَرْضًا لِلْعَيَّارِينِ، وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ عَرِيفًا اسْمُهُ يَبْنَوَيْهِ، وَعَمِلَ لَهُمْ تَرَاسًا مِنَ الْبَوَارِي الْمُقَيَّرَةِ، وَأَعْطَاهُمُ الْمَخَالِيَ لِيَجْعَلُوا فِيهَا الْحِجَارَةَ لِلرَّمْيِ، وَفَرَضَ أَيْضًا لِقَوْمٍ مِنْ خُرَاسَانَ قَدِمُوا حُجَّاجًا، فَسُئِلُوا الْمَعُونَةَ، فَأَعَانُوا. وَكَتَبَ الْمُسْتَعِينُ إِلَى عُمَّالِ الْخَرَاجِ بِكُلِّ بَلْدَةٍ أَنْ يَكُونَ حَمْلُهُمُ الْخَرَاجَ وَالْأَمْوَالَ إِلَى بَغْدَادَ، لَا يُحْمَلُ مِنْهَا إِلَى سَامَرَّا شَيْءٌ، وَكَتَبَ إِلَى الْأَتْرَاكِ، وَالْجُنْدِ الَّذِينَ بِسَامَرَّا،

стр. 3159

يَأْمُرُهُمْ بِنَقْضِ بَيْعَةِ الْمُعْتَزِّ، وَمُرَاجَعَةِ الْوَفَاءِ لَهُ، وَيُذَكِّرُهُمْ أَيَادِيَهُ عِنْدَهُمْ، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَالنَّكْثِ. ثُمَّ جَرَتْ بَيْنَ الْمُعْتَزِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مُكَاتَبَاتٌ وَمُرَاسَلَاتٌ يَدْعُو الْمُعْتَزَّ (مُحَمَّدًا إِلَى الْمُبَايَعَةِ، وَيُذَكِّرُهُ مَا كَانَ الْمُتَوَكِّلُ أَخَذَ لَهُ عَلَيْهِ مِنَ الْبَيْعَةِ بَعْدَ الْمُنْتَصِرِ، وَمُحَمَّدٌ يَدْعُو الْمُعْتَزَّ) إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى طَاعَةِ الْمُسْتَعِينِ، وَاحْتَجَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ. وَأَمَرَ مُحَمَّدٌ بِكَسْرِ الْقَنَاطِرِ، وَشَقِّ الْمِيَاهِ بِسُطُوحِ (الْأَنْبَارِ وَبَادُورِيَا لِيَقْطَعَ الْأَتْرَاكَ عَنِ الْأَنْبَارِ. وَكَتَبَ الْمُسْتَعِينُ وَالْمُعْتَزُّ إِلَى مُوسَى بْنِ بُغَا، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدْعُوهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ بِأَطْرَافِ الشَّامِ، كَانَ خَرَجَ لِقِتَالِ أَهْلِ حِمْصَ، فَانْصَرَفَ إِلَى الْمُعْتَزِّ، وَصَارَ مَعَهُ. وَقَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُغَا الصَّغِيرُ مِنْ سَامَرَّا إِلَى الْمُسْتَعِينِ، وَكَانَ قَدْ تَخَلَّفَ بَعْدَ أَبِيهِ، فَاعْتَذَرَ، وَقَالَ لِأَبِيهِ: إِنَّمَا قَدِمْتُ لِأَمُوتَ تَحْتَ رِكَابِكَ، فَأَقَامَ بِبَغْدَاذَ أَيَّامًا، ثُمَّ هَرَبَ إِلَى سَامَرَّا، فَاعْتَذَرَ إِلَى الْمُعْتَزِّ، وَقَالَ: إِنَّمَا سِرْتُ إِلَى بَغْدَادَ لِأَعْلَمَ أَخْبَارَهُمْ وَآتِيَكَ بِهَا. فَقَبِلَهُ الْمُعْتَزُّ، وَرَدَّهُ إِلَى خِدْمَتِهِ. وَوَرَدَ الْحَسَنُ بْنُ الْأَفْشِينِ بَغْدَادَ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ الْمُسْتَعِينُ، وَضَمَّ إِلَيْهِ جَمْعًا مِنَ الْأَشْرُوسَنِّيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. ذِكْرُ حِصَارِ الْمُسْتَعِينِ بِبَغْدَاذَ ثُمَّ إِنَّ الْمُعْتَزَّ عَقَدَ لِأَخِيهِ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ الْمُتَوَكِّلِ، وَهُوَ الْمُوَفَّقُ، لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، عَلَى حَرْبِ الْمُسْتَعِينِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَوَلَّاهُ ذَلِكَ، وَضَمَّ إِلَيْهِ الْجَيْشَ، وَجَعَلَ إِلَيْهِ الْأُمُورَ كُلَّهَا، وَجَعَلَ التَّدْبِيرَ إِلَى كَلْبَاتِكِينَ التُّرْكِيِّ، فَسَارَ فِي خَمْسِينَ أَلْفًا مِنَ

стр. 3160

الْأَتْرَاكِ وَالْفَرَاغِنَةِ، وَأَلْفَيْنِ مِنَ الْمَغَارِبَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ عُكْبَرَا صَلَّى بِهَا، وَخُطِبَ لِلْمُعْتَزِّ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى الْمُعْتَزِّ، فَذَكَرَ أَهْلُ عُكْبَرَا أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى خَوْفٍ شَدِيدٍ مِنْ مَسِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، وَمُحَارَبَتِهِمْ، فَانْتَهَبُوا الْقُرَى مَا بَيْنَ عُكْبَرَا وبَغْدَادَ، فَخَرِبَتِ الضِّيَاعُ، وَأَخَذَ النَّاسُ فِي الطَّرِيقِ. وَلَمَّا وَصَلَ أَبُو أَحْمَدَ إِلَى عُكْبَرَا هَرَبَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْ أَصْحَابِ بُغَا الصَّغِيرِ، وَوَصَلَ أَبُو أَحْمَدَ وَعَسْكَرُهُ بَابَ الشَّمَّاسِيَّةِ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ صَفَرَ، فَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ، يُعْرَفُ بِبَاذِنْجَانَةَ: يَا بَنِي طَاهِرٍ أَتَتْكُمْ جُنُودُ اللَّهِ وَالْمَوْتُ بَيْنَهَا مَشْهُورُ ... وَجُيُوشُ إِمَامِهِمْ أَبُو أَحْمَدَ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنَعِمَ النَّصِيرُ وَلَمَّا نَزَلَ أَبُو أَحْمَدَ بِبَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ وَلَّى الْمُسْتَعِينُ بَابَ الشَّمَّاسِيَّةِ الْحُسَيْنَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، وَجَعَلَ مَنْ هُنَاكَ مِنَ الْقُوَّادِ تَحْتَ يَدِهِ، فَلَمْ يَزَلْ هُنَاكَ مُدَّةَ الْحَرْبِ إِلَى أَنْ سَارُوا إِلَى الْأَنْبَارِ، فَلَمَّا كَانَ عَاشِرُ صَفَرَ وَافَتْ طَلَائِعُ الْأَتْرَاكِ إِلَى بَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ، فَوَقَفُوا بِالْقُرْبِ مِنْهُ، فَوَجَّهَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، وَالشَّاهَ بْنَ مِيكَالَ، وَبُنْدَارَ الطَّبَرِيَّ، فِيمَنْ مَعَهُمْ، وَعَزَمَ عَلَى الرُّكُوبِ لِقِتَالِهِمْ، فَأَتَاهُ الشَّاهُ فَأَعْلَمَهُ أَنَّ الْأَتْرَاكَ لَمَّا عَايَنُوا الْأَعْلَامَ وَالرَّايَاتِ قَدْ أَقْبَلَتْ نَحْوَهُمْ رَجَعُوا إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ، فَتَرَكَ مُحَمَّدٌ الرُّكُوبَ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ عَزَمَ مُحَمَّدٌ عَلَى تَوْجِيهِ الْجُيُوشِ إِلَى الْقَفَصِ لِيَعْرِضَهُمْ هُنَاكَ، وَلِيُرْهِبَ الْأَتْرَاكَ، وَرَكِبَ وَمَعَهُ وَصِيفٌ وَبُغَا فِي الدُّرُوعِ، وَمَضَى مَعَهُ الْفُقَهَاءُ وَالْقُضَاةُ، وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى الرُّجُوعِ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الطُّغْيَانِ وَالْعِصْيَانِ، وَيَبْذُلُ لَهُمُ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَزُّ وَلِيَّ الْعَهْدِ بَعْدَ الْمُسْتَعِينِ، فَلَمْ يُجِيبُوا، وَمَضَى نَحْوَ بَابِ قُطْرَبُّلَ، فَنَزَلَ عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ هُوَ وَوَصِيفٌ وَبُغَا، وَلَمْ يُمْكِنْهُ التَّقَدُّمُ لِكَثْرَةِ النَّاسِ فَانْصَرَفَ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَاهُ رُسُلُ وَجْهِ الْفُلْسِ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْقُوَّادِ، يُعْلِمُونَهُ أَنَّ التُّرْكَ قَدْ

стр. 3161

دَنَوْا، وَضَرَبُوا مَضَارِبَهُمْ بِرِقَّةِ الشَّمَّاسِيَّةِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: لَا تَبْدَأُوهُمْ بِقِتَالٍ، وَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَلَا تُقَاتِلُوهُمْ، وَادْفَعُوا الْيَوْمَ، فَوَافَى بَابَ الشَّمَّاسِيَّةِ مِنْهُمُ اثْنَا عَشَرَ فَارِسًا فَرَمَوْا بِالسِّهَامِ، وَلَمْ يُقَاتِلْهُمْ أَحَدٌ، فَلَمَّا طَالَ مُقَامُهُمْ رَمَاهُمُ الْمَنْجَنِيقِيُّ بِحَجَرٍ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ رَجُلًا، فَأَخَذُوهُ، وَرَجَعُوا. وَقَدِمَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ خَلِيفَةُ وَصِيفٍ التُّرْكِيِّ مِنْ مَكَّةَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَوَافَى الْأَتْرَاكُ فِي هَذَا الْيَوْمِ بَابَ الشَّمَّاسِيَّةِ، فَخَرَجَ الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْقُوَّادِ لِمُحَارَبَتِهِمْ، فَاقْتَتَلُوا وَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَجُرِحَ، وَكَانُوا فِي الْقَتْلَى وَالْجَرْحَى عَلَى السَّوَاءِ، وَانْهَزَمَ أَهْلُ بَغْدَادَ، وَثَبَتَ أَصْحَابُ الْبَوَارِي ثُمَّ انْصَرَفُوا، وَأَحْضَرَ الْأَتْرَاكُ مَنْجَنِيقًا، فَغَلَبَهُمْ عَلَيْهِ الْعَامَّةُ، فَأَخَذُوهُ. ثُمَّ سَارَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَتْرَاكِ إِلَى نَاحِيَةِ النَّهْرَوَانِ، فَوَجَّهَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَائِدَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي جَمَاعَةٍ، وَأَمَرَهُمَا بِالْمُقَامِ بِتِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَحِفْظِهَا مِنَ الْأَتْرَاكِ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ إِلَى بَغْدَادَ، وَأُخِذَتْ دَوَابُّهُمْ، فَدَخَلُوا بَغْدَادَ مُنْهَزِمِينَ، وَوَجَّهَ الْأَتْرَاكُ بِرُؤُوسِ الْقَتْلَى إِلَى سَامَرَّا، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى طَرِيقِ خُرَاسَانَ، وَانْقَطَعَ الطَّرِيقُ عَنْ بَغْدَادَ. وَوَجَّهَ الْمُعْتَزُّ عَسْكَرًا فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ فَسَارُوا إِلَى بَغْدَادَ، وَجَاوَزُوا قُطْرَبُّلَ، فَضَرَبُوا عَسْكَرَهُمْ هُنَاكَ، وَذَلِكَ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ صَفَرَ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ وَجَّهَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَسْكَرًا إِلَيْهِمْ، فَلَقِيَهُمُ الشَّاهُ بْنُ مِيكَالَ، فَتَحَارَبُوا، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ الْمُعْتَزِّ، وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ كَمِينٌ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَانْهَزَمُوا وَوَضَعَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ فِيهِمُ السَّيْفَ، فَقَتَلُوهُمْ أَكْثَرَ قَتْلٍ، وَلَمْ يَفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَنَهَبَ عَسْكَرَهُمْ جَمِيعَهُ، وَمَنْ سَلِمَ مِنَ الْقَتْلِ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي دِجْلَةَ لِيَعْبُرَ إِلَى عَسْكَرِ أَبِي أَحْمَدَ، فَأَخَذَهُ أَصْحَابُ السُّفُنِ، وَحَمَلُوا الْأَسْرَى وَالرُّؤُوسَ فِي الزَّوَارِيقِ، فَنَصَبَ بَعْضَهَا بِبَغْدَاذَ. وَأَمَرَ مُحَمَّدٌ لِمَنْ أَبْلَى فِي هَذَا الْيَوْمِ بِالْأَسْوِرَةِ، وَالْخِلَعِ، وَالْأَمْوَالِ، وَطُلِبَتِ الْمُنْهَزِمَةُ، فَبَلَغَ بَعْضُهُمْ أَوَانًا، وَبَعْضُهُمْ بَلَغَ سَامَرَّا، وَكَانَ عَسْكَرُ الْمُعْتَزِّ أَرْبَعَةَ آلَافٍ فَقُتِلَ مِنْهُمْ أَلْفَانِ، وَغَرِقَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ، وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ، فَخَلَعَ مُحَمَّدٌ عَلَى جَمِيعِ الْقُوَّادِ،

стр. 3162

عَلَى كُلِّ قَائِدٍ أَرْبَعَ خِلَعٍ، وَطَوْقًا وَسُوَارًا، مِنْ ذَهَبٍ. وَكَانَ عَوْدُ أَهْلِ بَغْدَادَ عَنْهُمْ مَعَ الْمَغْرِبِ، وَكَانَ أَكْثَرُ الْعَمَلِ فِي هَذَا الْيَوْمِ لِلْعَيَّارِينَ. وَرَكِبَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ صَفَرَ إِلَى الشَّمَّاسِيَّةِ، فَأَمَرَ بِهَدْمِ مَا وَرَاءِ سُورِهَا مِنَ الدُّورِ، وَالْحَوَانِيتِ، وَالْبَسَاتِينِ، مِنْ بَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ، لِيَتَّسِعَ عَلَى مَنْ يُحَارِبُ. وَقَدِمَ مَالٌ مِنْ فَارِسٍ وَالْأَهْوَازِ مَعَ منكجورَ الْأَشْرُوسَنِيِّ، فَوَجَّهَ أَبُو أَحْمَدَ الْأَتْرَاكَ لِأَخْذِهِ، فَوَجَّهَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ جَمَاعَةً لِحِفْظِ الْمَالِ، فَعَدَلُوا بِهِ عَنِ الْأَتْرَاكِ، فَقَدِمُوا بِهِ بَغْدَادَ، فَلَمَّا عَلِمَ الْأَتْرَاكُ بِذَلِكَ عَدَلُوا نَحْوَ النَّهْرَوَانِ، فَقَتَلُوا وَأَحْرَقُوا سُفُنَ الْجِسْرِ، وَهِيَ عِشْرُونَ سَفِينَةً، وَرَجَعُوا إِلَى سَامَرَّا. وَقَدِمَ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مَزِيدٍ، وَكَانَ الْمُسْتَعِينُ قَلَّدَهُ إِمْرَةَ الثُّغُورِ الْجَزَرِيَّةِ، كَانَ بِمَدِينَةِ بَلَدَ يَنْتَظِرُ الْجُنُودَ وَالْمَالَ لِيَسِيرَ إِلَى الثُّغُورِ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْتَعِينِ وَالْأَتْرَاكِ مَا ذَكَرْنَا، سَارَ مِنْ بَلَدَ إِلَى بَغْدَادَ عَلَى طَرِيقِ الرِّقَّةِ فِي أَصْحَابِهِ وَخَاصَّتِهِ، وَهُمْ زُهَاءَ أَرْبَعِ مِائَةٍ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ خَمْسَ خِلَعٍ، ثُمَّ وَجَّهَهُ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ لِمُحَارَبَةِ أَيُّوبَ بْنِ أَحْمَدَ، فَأُخِذَ عَلَى طَرِيقِ الْفُرَاتِ، فَحَارَبَهُ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، فَهَزَمَ مُحَمَّدٌ وَصَارَ إِلَى ضَيْعَتِهِ بِالسَّوَادِ، فَلَمَّا سَمِعَ مُحَمَّدٌ بِهَزِيمَتِهِ قَالَ: لَا يُفْلِحُ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ نَبِيٌّ يَنْصُرُهُ اللَّهُ بِهِ. وَكَانَتْ لِلْأَتْرَاكِ وَقْعَةٌ بِبَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ، فَقَاتَلُوا عَلَيْهِ قِتَالًا شَدِيدًا، حَتَّى كَشَفُوا مَنْ عَلَيْهِ وَرَمَوْا (بِهِ) الْمَنْجَنِيقَ بِالنَّارِ وَالنِّفْطِ، فَلَمْ يَحْرِقْهُ، ثُمَّ كَثُرَ الْجُنْدُ عَلَى الْبَابِ، فَأَزَالَهُمْ عَنْ مَوْقِفِهِمْ بَعْدَ قَتْلَى وَجَرْحَى، وَوَجَّهَ مُحَمَّدٌ الْعَرَّادَاتِ فِي السُّفُنِ فَرَمَوْهُمْ بِهَا رَمْيًا شَدِيدًا، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ نَحْوَ مِائَةٍ، وَكَانَ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ قَدْ صَارَ إِلَى السُّورِ، فَرَمَى بِكَلَّابٍ، فَتَعَلَّقَ بِهِ، فَأَخَذَهُ الْمُوَكَّلُونَ بِالسُّورِ وَرَفَعُوهُ فَقَتَلُوهُ، وَأَلْقَوْا رَأْسَهُ إِلَى الْأَتْرَاكِ، فَرَجَعُوا إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ. وَأَرَادَ بَعْضُ الْمُوَكَّلِينَ بِالسُّورِ أَنْ يَصِيحَ: يَا مُسْتَعِينُ، يَا مَنْصُورُ، فَصَاحَ: يَا مُعْتَزُّ، يَا

стр. 3163

مَنْصُورُ، فَظَنُّوهُ مِنَ الْمَغَارِبَةِ، فَقَتَلُوهُ. وَتَقَدَّمَ الْأَتْرَاكُ، فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، إِلَى بَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ، فَرُمِيَ الدَّرْغَمَانُ، مُقَدِّمُ الْمَغَارِبَةِ، بِحَجَرِ مَنْجَنِيقٍ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ شُجَاعًا، وَكَانَ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ يَجِيءُ فَيَكْشِفُ إِسْتَهُ، وَيَصِيحُ، وَيَضْرِطُ، ثُمَّ يَرْجِعُ، فَرَمَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ بِسَهْمٍ فِي دُبُرِهِ، فَجُرِحَ مِنْ خَلْفِهِ، فَخَرَّ مَيِّتًا. وَاجْتَمَعَتِ الْعَامَّةُ بِسَامَرَّا وَنَهَبُوا سُوقَيِ الْجَوْهَرِيِّينَ وَالصَّيَارِفَةِ وَغَيْرَهُمَا، فَشَكَا التُّجَّارُ ذَلِكَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ الْمُؤَيَّدِ، فَقَالَ لَهُمْ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تُحَوِّلُوا مَتَاعَكُمْ إِلَى مَنَازِلِكُمْ، وَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا، وَلَا أُنْكِرُ ذَلِكَ. وَقَدِمَ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الثُّغُورِ يَشْكُونَ بَلْكَاجُورَ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ بَيْعَةَ الْمُعْتَزِّ وَرَدَتْ عَلَيْهِ، فَدَعَا النَّاسَ إِلَى بَيْعَتِهِ، وَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ، فَمَنِ امْتَنَعَ ضَرَبَهُ وَحَبَسَهُ، وَأَنَّهُمُ امْتَنَعُوا وَهَرَبُوا، فَقَالَ وَصِيفٌ: مَا أَظُنُّهُ إِلَّا ظَنَّ أَنَّ الْمُسْتَعِينَ مَاتَ، وَقَامَ الْمُعْتَزُّ، فَقَالُوا: مَا فَعَلَهُ إِلَّا عَنْ عَمْدٍ، فَوَرَدَ كِتَابُ بَلْكَاجُورَ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرَ، يَذْكُرُ أَنَّهُ كَانَ بَايَعَ الْمُعْتَزَّ، فَلَمَّا وَرَدَ كِتَابُ الْمُسْتَعِينِ بِصِحَّةِ الْأَمْرِ جَدَّدَ لَهُ الْبَيْعَةَ، وَأَنَّهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَأَرَادَ مُوسَى بْنُ بُغَا أَنْ يَسِيرَ إِلَى الْمُسْتَعِينِ، فَامْتَنَعَ أَصْحَابُهُ الْأَتْرَاكُ مِنْ مُوَافَقَتِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَحَارَبُوهُ، فَقَتَلَ بَيْنَهُمْ قَتْلَى. وَقَدِمَ مِنَ الْبَصْرَةِ عَشْرُ سَفَائِنَ بَحَرِيَّةٍ، فِي كُلِّ سَفِينَةٍ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا مَا بَيْنَ نَفَّاطٍ وَغَيْرِهِ، فَمَرَّتْ إِلَى نَاحِيَةِ الشَّمَّاسِيَّةِ، فَرَمَى مَنْ فِيهَا بِالنِّيرَانِ إِلَى عَسْكَرِ أَبِي أَحْمَدَ، فَانْتَقَلُوا إِلَى مَوْضِعٍ لَا يَنَالُهُمْ شَيْءٌ مِنَ النَّارِ. وَلِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنْ صَفَرَ تَقَدَّمَ الْأَتْرَاكُ إِلَى أَبْوَابِ بَغْدَادَ، فَقَاتَلُوا عَلَيْهَا، فَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَدَامَ الْقِتَالُ إِلَى الْعَصْرِ.

стр. 3164

وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ عَمِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ كَافَرَكُونَاتٍ وَفَرَّقَهَا عَلَى الْعَيَّارِينَ، فَخَرَجُوا بِهَا إِلَى أَبْوَابِ بَغْدَادَ، وَقَتَلُوا مِنَ الْأَتْرَاكِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ رَجُلًا. وَلِأَرْبَعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ قَدِمَ مُزَاحِمُ بْنُ خَاقَانَ مِنْ نَاحِيَةِ الرَّقَّةِ، فَتَلَقَّاهُ النَّاسُ وَمَعَهُ زُهَاءَ أَلْفِ رَجُلٍ، فَلَمَّا وَصَلَ خَلَعَ عَلَيْهِ سَبْعَ خِلَعٍ، وَقَلَّدَهُ سَيْفًا. وَوَجَّهَ الْمُعْتَزُّ عَسْكَرًا يَبْلُغُونَ ثَلَاثَةَ آلَافٍ، فَعَسْكَرُوا بِإِزَاءِ عَسْكَرِ أَبِي أَحْمَدَ بِبَابِ قُطْرَبُّلَ، وَرَكِبَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي عَسْكَرِهِ، وَخَرَجَ مِنَ النَّظَّارَةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَحَاذَى عَسْكَرَ أَبِي أَحْمَدَ، فَكَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الْمَاءِ جَوْلَةٌ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي أَحْمَدَ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسِينَ رَجُلًا، وَمَضَى النَّظَّارَةُ فَجَازُوا الْعَسْكَرَ بِنِصْفِ فَرْسَخٍ، فَعَبَرَتْ إِلَيْهِمْ سُفُنٌ لِأَبِي أَحْمَدَ، فَنَالَتْ مِنْهُمْ، وَرَجَعَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَمَرَ ابْنَ أَبِي عَوْنٍ بِرَدِّ النَّاسِ، فَأَمَرَهُمْ بِالْعَوْدِ، فَأَغْلَظُوا لَهُ، فَشَتَمَهُمْ وَشَتَمُوهُ، وَضَرَبَ رَجُلًا مِنْهُمْ فَقَتَلَهُ، فَحَمَلَتْ عَلَيْهِ الْعَامَّةُ، فَانْكَشَفَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، فَأَخَذَ أَصْحَابُ أَبِي أَحْمَدَ أَرْبَعَ سَفَائِنَ، وَأَحْرَقُوا سَفِينَةً فِيهَا عَرَّادَةٌ لِأَهْلِ بَغْدَادَ. وَسَارَ الْعَامَّةُ إِلَى دَارِ ابْنِ أَبِي عَوْنٍ لِيَنْهَبُوهَا، وَقَالُوا مَايَلَ الْأَتْرَاكَ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَكَلَّمُوا مُحَمَّدًا فِي صَرْفِهِ، فَصَرَفَهُ، وَمَنَعَهُمْ مِنْ أَخْذِ مَالِهِ. وَلِإِحْدَى عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَصَلَ عَسْكَرُ الْمُعْتَزِّ الَّذِي سَيَّرَهُ إِلَى مُقَابِلِ عَسْكَرِ أَخِيهِ أَبِي أَحْمَدَ عِنْدَ عُكْبَرَا، فَأَخْرَجَ إِلَيْهِمُ ابْنُ طَاهِرٍ عَسْكَرًا، فَمَضَوْا حَتَّى بَلَغُوا قُطْرَبُّلَ وَبِهَا كَمِينُ الْأَتْرَاكِ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ، وَنَشِبَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، وَقُتِلَ بَيْنَهُمْ جَمَاعَةٌ، وَانْدَفَعَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ قَلِيلًا إِلَى بَابِ قُطْرَبُّلَ، وَالْأَتْرَاكُ مَعَهُمْ، فَخَرَجَ النَّاسُ إِلَيْهِمْ، فَدَفَعُوا الْأَتْرَاكَ حَتَّى نَحُّوهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى أَهْلِ بَغْدَادَ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَقُتِلَ مِنَ الْأَتْرَاكِ أَيْضًا خَلْقٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ تَقَدَّمَ الْأَتْرَاكُ إِلَى بَابِ الْقَطِيعَةِ، فَنَقَبُوا السُّورَ، فَقَتَلَ أَهْلُ بَغْدَادَ (أَوَّلَ خَارِجٍ مِنْهُ) ، وَكَانَ الْقَتْلُ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَكْثَرُهُ فِي الْأَتْرَاكِ، وَالْجِرَاحُ بِالسِّهَامِ فِي أَهْلِ بَغْدَادَ. وَنَدَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ النَّاسَ، فَخَرَجُوا مَعَهُ، وَأَمَرَ الْمُوَكَّلَ بِبَابِ قُطْرَبُّلَ

стр. 3165

أَلَّا يَدَعَ مُنْهَزِمًا يَدْخُلُهُ، وَنَشِبَتِ الْحَرْبُ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ، وَثَبَتَ أَسَدُ بْنُ دَاوُدَ حَتَّى قُتِلَ، وَكَانَ إِغْلَاقُ الْبَابِ عَلَى الْمُنْهَزِمِينَ أَشَدَّ مِنَ الْأَتْرَاكِ، فَأَخَذُوا مِنْهُمُ الْأَسْرَى، وَقَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وَحَمَلُوا الْأَسْرَى وَالرُّؤُوسَ إِلَى سَامَرَّا، فَلَمَّا قَارَبُوا مِنْهَا غَطَّوْا رُؤُوسَ الْأَسْرَى، فَلَمَّا رَآهُمْ أَهْلُ سَامَرَّا بَكَوْا وَضَجُّوا، وَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ، وَأَصْوَاتُ نِسَائِهِمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُعْتَزَّ فَكَرِهَ أَنْ تَغْلُظَ قُلُوبُ النَّاسِ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ لِكُلِّ أَسِيرٍ بِدِينَارٍ، وَأَمَرَ بِالرُؤُوسِ فَدُفِنَتْ. وَقَدِمَ أَبُو السَّاجِ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ. وَفِي سَلْخِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ جَاءَ نَفَرٌ مِنَ الْأَتْرَاكِ إِلَى بَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ، وَمَعَهُمْ كِتَابٌ مِنَ الْمُعْتَزِّ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَاسْتَأْذَنَهُ أَصْحَابُهُ فِي أَخْذِهِ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَإِذَا فِيهِ (تَذْكِيرُ مُحَمَّدٍ بِمَا) يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ حِفْظِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ (وَأَنَّ الْوَاجِبَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ) أَوَّلَ مَنْ يَسْعَى فِي أَمْرِهِ وَيُؤَكِّدَ خِلَافَتَهُ. (فَمَا رَدَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ جَوَابَ الْكِتَابِ) ، وَكَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَهُمْ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرَ، قُتِلَ مِنَ الْأَتْرَاكِ سَبْعُ مِائَةٍ وَمِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ثَلَاثُمِائَةٍ. وَفِي مُنْتَصَفِ رَبِيعٍ الْآخِرِ أُمِرَ أَبُو السَّاجِ، وَعَلِيُّ بْنُ فَرَاشَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ، بِالْمَسِيرِ إِلَى الْمَدَائِنِ، فَقَالَ أَبُو السَّاجِ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْجِدَّ مَعَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فَلَا تُفَرِّقْ قُوَّادَكَ، وَاجْمَعْهُمْ، حَتَّى تَهْزِمَ هَذَا الْعَسْكَرَ الْمُقِيمَ بِإِزَائِكَ، فَإِذَا فَرَغْتَ مِنْهُمْ فَمَا أَقْدَرَكَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ! فَقَالَ: إِنَّ لِي تَدْبِيرًا، وَيَكْفِي اللَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقَالَ أَبُو السَّاجِ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ! وَسَارَ إِلَى الْمَدَائِنِ وَحَفَرَ خَنْدَقَهَا، وَأَمَدَّهُ مُحَمَّدٌ بِثَلَاثَةِ آلَافِ فَارِسٍ وَأَلْفَيْ رَاجِلٍ.

стр. 3166

وَكَتَبَ الْمُعْتَزُّ إِلَى أَخِيهِ أَبِي أَحْمَدَ يَلُومُهُ لِلتَّقْصِيرِ فِي قِتَالِ أَهْلِ بَغْدَادَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ فِي الْجَوَابِ: لِأَمْرِ الْمَنَايَا عَلَيْنَا طَرِيقُ ... وَلِلدَّهْرِ فِينَا اتِّسَاعٌ وَضِيقُ وَأَيَّامُنَا عِبْرَةٌ لِلْأَنَامِ فَمِنْهَا الْبُكُورُ وَمِنْهَا الطُّرُوقُ ... وَمِنْهَا هَنَاتٌ تُشِيبُ الْوَلِيدَ وَيَخْذُلُ فِيهَا الصَّدِيقَ الصَّدُوقُ وَفِتْنَةُ دِينٍ لَهَا ذُرْوَةٌ تَفُوقُ الْعُيُونَ ، وَبَحْرٌ عَمِيقُ قَتَّالٌ مَتِينٌ ، وَسَيْفٌ عَتِيدٌ وَخَوْفٌ شَدِيدٌ ، وَحِصْنٌ وَثِيقُ وَطُولُ صِيَاحٍ ... لِدَاعِي الصَّبَاحِ السِّلَاحَ السِّلَاحَ فَمَا يَسْتَفِيقُ فَهَذَا طَرِيحٌ وَهَذَا جَرِيحٌ ... وَهَذَا حَرِيقٌ وَهَذَا غَرِيقُ وَهَذَا قَتِيلٌ وَهَذَا تَلِيلٌ وَآخَرُ يَشْدَخُهُ الْمَنْجَنِيقُ ... هُنَاكَ اغْتِصَابٌ وَثُمَّ انْتِهَابٌ وَدُورٌ خَرَابٌ وَكَانَتْ تَرُوقُ إِذَا مَا شَرَعْنَا إِلَى مَسْلَكٍ وَجَدْنَاهُ ... قَدْ سُدَّ عَنَّا الطَّرِيقُ فَبِاللَّهِ نَبْلُغُ مَا نَرْتَجِي وَبِاللَّهِ نَدْفَعُ مَا لَا نُطِيقُ وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ لِعَلِيِّ بْنِ أُمَيَّةَ فِي فِتْنَةِ الْأَمِينِ وَالْمَأْمُونِ. ذِكْرُ حَالِ الْأَنْبَارِ وَسَيَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى الْأَنْبَارِ نَجُوبَةَ بْنَ قَيْسٍ، فَأَقَامَ بِهَا، وَجَمَعَ بِهَا نَحْوًا مِنْ أَلْفَيْ رَجُلٍ، وَأَمَدَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِ مِائَةٍ، وَشَقَّ الْمَاءَ مِنَ الْفُرَاتِ إِلَى

стр. 3167

خَنْدَقِهَا، فَفَاضَ عَلَى الصَّحَارِي، فَصَارَ بَطِيحَةً وَاحِدَةً، وَقَطَعَ الْقَنَاطِرِ. وَسَيَّرَ الْمُعْتَزُّ جُنْدًا مَعَ عَلِيٍّ الْإِسْحَاقِيِّ نَحْوَ الْأَنْبَارِ، فَوَصَلُوا سَاعَةَ وُصُولِ مَدَدِ مُحَمَّدٍ وَقَدْ نَزَلُوا ظَاهِرَهَا، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، فَانْهَزَمَ مَدَدُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَرَجَعُوا فِي الطَّرِيقِ الَّذِي جَاؤُوا فِيهِ إِلَى بَغْدَادَ. وَكَانَ نَجُوبَةُ بِالْأَنْبَارِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا، فَلَمَّا بَلَغَهُ هَزِيمَةُ مَدَدِهِ، وَمَسِيرُ الْأَتْرَاكِ إِلَيْهِ، عَبَرَ إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَقَطَعَ الْجِسْرَ وَسَارَ نَحْوَ بَغْدَادَ، فَاخْتَارَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (إِنْفَاذَ) الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى الْأَنْبَارِ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْقُوَّادِ وَالْجُنْدِ، فَجَهَّزَهُمْ، وَأَخْرَجَ لَهُمْ رِزْقَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. وَخَرَجَ الْجُنْدُ وَعَرَضَهُمُ الْحُسَيْنُ، وَسَارَ عَنْ بَغْدَادَ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى، وَتَبِعَهُ النَّاسُ، وَالْقُوَّادُ، وَبَنُو هَاشِمٍ إِلَى الْيَاسِرِيَّةِ. وَكَانَ أَهْلُ الْأَنْبَارِ لَمَّا دَخَلَهَا الْأَتْرَاكُ قَدْ أَمِنُوهُمْ، فَفَتَحُوا دَكَاكِينَهُمْ، وَأَسْوَاقَهُمْ، وَوَافَاهُمْ سُفُنٌ مِنَ الرِّقَّةِ تَحْمِلُ الدَّقِيقَ وَالزَّيْتَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَانْتَهَبَهَا الْأَتْرَاكُ وَحَمَلُوهَا إِلَى مَنَازِلِهِمْ بِسَامَرَّا، وَوَجَّهُوا بِالْأَسْرَى وَبِالرُّؤُوسِ مَعَهَا. وَسَارَ الْحُسَيْنُ حَتَّى نَزَلَ دِمِمَّا، وَوَافَتْهُ طَلَائِعُ الْأَتْرَاكِ فَوْقَ دِمِمَّا، فَصَفَّ أَصْحَابَهُ مُقَابِلَ الْأَتْرَاكِ، بَيْنَهُمَا نَهْرٌ، وَكَانَ عَسْكَرُهُ عَشَرَةَ آلَافِ رَجُلٍ، (وَكَانَ الْأَتْرَاكُ فَوْقَ دِمِمَّا، فَصَفَّ أَصْحَابَهُ) ، وَكَانَ الْأَتْرَاكُ زُهَاءَ أَلْفِ رَجُلٍ، فَتَرَامَوْا بِالسِّهَامِ، فَجُرِحَ بَيْنَهُمْ عَدَدٌ، وَعَادَ الْأَتْرَاكُ إِلَى الْأَنْبَارِ، وَتَقَدَّمَ الْحُسَيْنُ فَنَزَلَ بِمَكَانٍ يُعْرَفُ بِالْقَطِيعَةِ، وَاسِعٍ يَحْمِلُ الْعَسْكَرَ، فَأَقَامَ فِيهِ يَوْمَهُ،

стр. 3168

ثُمَّ عَزَمَ عَلَى الرَّحِيلِ إِلَى قُرْبِ الْأَنْبَارِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ الْقُوَّادُ أَنْ يُنْزِلَ عَسْكَرَهُ بِهَذَا الْمَكَانِ بِالْقَطِيعَةِ لِسِعَتِهِ وَحَصَانَتِهِ، وَيَسِيرَ هُوَ وَجُنْدُهُ جَرِيدَةً، فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ لَهُ كَانَ قَادِرًا عَلَى نَقْلِ عَسْكَرِهِ، (وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ رَجَعَ إِلَى عَسْكَرِهِ) وَعَاوَدَ عَدُّوَهُ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ وَسَارَ مِنْ مَكَانِهِ. فَلَمَّا بَلَغَ الْمَكَانَ الَّذِي يُرِيدُ النُّزُولَ بِهِ أَمَرَ النَّاسَ بِالنُّزُولِ، فَأَتَتِ الْأَتْرَاكُ جَوَاسِيسَهُمْ، وَأَعْلَمُوهُمْ بِمَسِيرِهِ وَضِيقِ مَكَانِهِ، فَأَتَاهُمُ الْأَتْرَاكُ وَالنَّاسُ يَحُطُّونَ أَثْقَالَهُمْ، فَثَارَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ وَقَاتَلُوهُمْ فَقُتِلَ بَيْنَهُمْ قَتْلَى مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَحَمَلَ أَصْحَابُ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِمْ فَكَشَفُوهُمْ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَغَرِقَ مِنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ. وَكَانَ الْأَتْرَاكُ قَدْ كَمَّنُوا لَهُمْ كَمِينًا، فَخَرَجَ الْكَمِينُ عَلَى بَقِيَّةِ الْعَسْكَرِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَلْجَأٌ إِلَّا الْفُرَاتُ، وَغَرِقَ مِنْ أَصْحَابِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَقُتِلَ جَمَاعَةٌ وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ. وَأَمَّا الْفُرْسَانُ فَهَرَبُوا لَا يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ، وَالْقُوَّادُ يُنَادُونَهُمْ: الرَّجْعَةَ، فَلَمْ يَرْجِعْ أَحَدٌ، فَخَافُوا عَلَى نُفُوسِهِمْ، فَرَجَعُوا يَحْمُونَ أَصْحَابَهُمْ، وَأَخَذَ الْأَتْرَاكُ عَسْكَرَ الْحُسَيْنِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْخِلَعِ الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ، وَسَلَّمَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ سِلَاحٍ فِي السُّفُنِ، لِأَنَّ الْمَلَّاحِينَ حَذَرُوا السُّفُنَ، فَسَلَّمَ مَا مَعَهُمْ مِنْ سِلَاحٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَوَصَلَ الْمُنْهَزِمُونَ إِلَى الْيَاسِرِيَّةِ لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَلَقِيَ الْحُسَيْنَ رَجُلٌ مِنَ التُّجَّارِ مِمَّنْ ذَهَبَتْ أَمْوَالُهُمْ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَيَّضَ وَجْهَكَ، أُصْعِدْتَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، وَانْصَرَفْتَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ! فَتَغَافَلَ عَنْهُ. وَلَمَّا اتَّصَلَ خَبَرُ الْهَزِيمَةِ بِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ مَنَعَ الْمُنْهَزِمِينَ مِنْ دُخُولِ بَغْدَادَ، وَنَادَى: مَنْ وَجَدْنَاهُ بِبَغْدَاذَ مِنْ عَسْكَرِ الْحُسَيْنِ، بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ضُرِبَ ثَلَاثَمِائَةَ سَوْطٍ، وَأُسْقِطَ مِنَ الدِّيوَانِ، فَخَرَجَ النَّاسُ إِلَى الْحُسَيْنِ بِالْيَاسِرِيَّةِ، وَأَخْرَجَ إِلَيْهِمْ [ابْنُ] عَبْدِ اللَّهِ جُنْدًا آخَرَ، وَأَعْطَاهُمُ الْأَرْزَاقَ، وَأَمَرَ بَعْضَ النَّاسِ لِيَعْلَمَ مَنْ قُتِلَ، وَمَنْ غَرِقَ، وَمَنْ سَلِمَ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ.

стр. 3169

وَأَتَاهُمْ كِتَابُ بَعْضِ عُيُونِهِمْ مِنَ الْأَنْبَارِ يُخْبِرُهُمْ أَنَّ الْقَتْلَى كَانَتْ مِنَ التُّرْكِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْنِ، وَالْجَرْحَى نَحْوَ أَرْبَعِ مِائَةٍ، وَأَنَّ جَمِيعَ مَنْ أَسَرَهُ الْأَتْرَاكُ مِائَتَانِ وَعِشْرُونَ رَجُلًا، وَأَنَّهُ عَدَّ رُؤُوسَ الْقَتْلَى فَكَانَتْ سَبْعِينَ رَأْسًا، وَكَانُوا أَخَذُوا جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْأَسْوَاقِ فَأَطْلَقُوهُمْ، فَرَحَلَ الْحُسَيْنُ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَسَارَ حَتَّى عَبَرَ نَهَرَ أَرْبَقَ، فَلَمَّا كَانَ السَّبْتُ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْ رَجَبٍ أَتَاهُ إِنْسَانٌ فَأَعْلَمَهُ أَنَّ الْأَتْرَاكَ يُرِيدُونَ الْعُبُورَ إِلَيْهِ فِي عِدَّةِ مَخَاضَاتٍ، فَضَرَبَهُ، وَوَكَّلَ بِمَوَاضِعِ الْمَخَاضِ رَجُلًا مِنْ قُوَّادِهِ يُقَالُ لَهُ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى الْأَرْمَنِيُّ فِي مِائَتَيْ رَجُلٍ، فَأَتَى الْأَتْرَاكُ الْمَخَاضَةَ، فَرَأَوُا الْمُوكَلَ بِهَا، فَتَرَكُوهَا إِلَى مَخَاضَةٍ أُخْرَى، فَقَاتَلُوهُمْ، وَصَبَرَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَبَعَثَ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ أَنَّ الْأَتْرَاكَ قَدْ وَافَوُا الْمَخَاضَةَ، فَقِيلَ لِلرَّسُولِ: الْأَمِيرُ نَائِمٌ، فَأَرْسَلَ آخَرَ، فَقِيلَ لَهُ: الْأَمِيرُ فِي الْمَخْرَجِ، فَأَرْسَلَ آخَرَ، فَقِيلَ [لَهُ] : الْأَمِيرُ قَدْ عَادَ فَنَامَ، فَعَبَرَ الْأَتْرَاكُ، فَقَعَدَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ فِي زَوْرَقٍ وَانْحَدَرَ، وَهَرَبَ أَصْحَابُهُ مُنْهَزِمِينَ، وَقَتَلَ الْأَتْرَاكُ مِنْهُمْ وَأَسَرُوا نَحْوَ مِائَتَيْنِ، وَانْحَدَرَتْ عَامَّةُ السُّفُنِ فَسُلِّمَتْ، وَوَضَعَ الْأَتْرَاكُ السَّيْفَ، وَغَرِقَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَوَصَلَ الْمُنْهَزِمُونَ بَغْدَادَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَوَافَى بَقِيَّتُهُمْ فِي النَّهَارِ، وَاسْتَوْلَى الْأَتْرَاكُ عَلَى أَثْقَالِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَقُتِلَ عِدَّةٌ مِنْ قُوَّادِ الْحُسَيْنِ، فَقَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ فِي الْحُسَيْنِ: يَا أَحْزَمَ النَّاسِ رَأَيًا فِي تَخَلُّفِهِ ... عَنِ الْقِتَالِ خَلَطْتَ الصَّفْوَ بِالْكَدَرِ لَمَّا رَأَيْتَ سُيُوفَ التُّرْكِ مُصْلَتَةً ... عَلِمْتَ مَا فِي سُيُوفِ التُّرْكِ مِنْ قَدَرِ فَصِرْتَ مُضَجِّرًا ذُلًّا وَمَنْقَصَةً ... وَالنُّجْحُ يَذْهَبُ بَيْنَ الْعَجْزِ وَالضَّجَرِ وَلَحِقَ فِيهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْكُتَّابِ وَبَنِي هَاشِمٍ بِالْمُعْتَزِّ، فَمِنْ بَنِي هَاشِمٍ عَلِيُّ وَمُحَمَّدٌ ابْنَا الْوَاثِقِ وَغَيْرُهُمَا. ثُمَّ كَانَتْ بَيْنَهُمْ عِدَّةُ وَقَعَاتٍ، وَقُتِلَ فِيهَا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ جَمَاعَةٌ، وَدَخَلَ الْأَتْرَاكُ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْحُرُوبِ إِلَى بَغْدَادَ، ثُمَّ تَكَاثَرَ النَّاسُ عَلَيْهِمْ فَأَخْرَجُوهُمْ مِنْهَا.

стр. 3170

وَجَرَى بَيْنَ أَبِي السَّاجِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْأَتْرَاكِ (وَقْعَةٌ، فَهَزَمَهُمْ أَبُو السَّاجِ، ثُمَّ وَاقَعُوهُ أُخْرَى، فَتَخَلَّى عَنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَانْهَزَمَ، وَدَخَلَ الْأَتْرَاكُ الْمَدَائِنَ، وَخَرَجَتِ الْأَتْرَاكُ) الَّذِينَ بِالْأَنْبَارِ فِي سَوَادِ بَغْدَادَ مِنَ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، حَتَّى بَلَغُوا صَرْصَرَ وَقَصْرَ ابْنِ هُبَيْرَةَ. وَفِي ذِي الْقِعْدَةِ كَانَتْ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ، خَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ فِي جَمِيعِ الْقُوَّادِ وَالْعَسْكَرِ، وَنُصِبَ لَهُ قُبَّةٌ وَجَلَسَ فِيهَا، وَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَتِ الْأَتْرَاكُ وَدَخَلَ أَهْلُ بَغْدَادَ عَسْكَرَهُمْ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَهَرَبُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ لَا يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ، فَكُلَّمَا جِيءَ بِرَأْسٍ يَقُولُ بُغَا: ذَهَبَتِ الْمَوَالِي، وَسَاءَ ذَلِكَ مَنْ مَعَ بُغَا وَوَصِيفٍ مِنَ الْأَتْرَاكِ. وَوَقَفَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ يَرُدُّ الْأَتْرَاكَ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ لَمْ يَرْجِعُوا لَمْ يُبْقِ لَهُمْ بَقِيَّةً، وَتَبِعَهُمْ أَهْلُ بَغْدَادَ إِلَى سَامَرَّا، فَتَرَاجَعُوا إِلَيْهِ، وَإِنَّ بَعْضَ أَهْلِ بَغْدَادَ رَجَعُوا عَنِ الْمُنْهَزِمِينَ، فَرَأَى أَصْحَابُهُمْ أَعْلَامَهُمْ، فَظَنُّوهَا أَعْلَامَ الْأَتْرَاكِ قَدْ عَادَتْ، فَانْهَزَمُوا نَحْوَ بَغْدَادَ مُزْدَحِمِينَ، وَتَرَاجَعَ الْأَتْرَاكُ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَلَمْ يَعْلَمُوا بِهَزِيمَةِ أَهْلِ بَغْدَادَ، فَتَحَمَّلُوا عَلَيْهِمْ. وَفِي ذِي الْحِجَّةِ وَجَّهَ أَبُو أَحْمَدَ خَمْسَ سَفَائِنَ مَمْلُوءَةٍ طَعَامًا وَدَقِيقًا إِلَى ابْنِ طَاهِرٍ. وَفِي ذِي الْحِجَّةِ عَلِمَ النَّاسُ بِمَا عَلَيْهِ ابْنُ طَاهِرٍ مِنْ خَلْعِ الْمُسْتَعِينِ وَالْبَيْعَةِ لِلْمُعْتَزِّ، وَوَجَّهَ قُوَّادَهُ إِلَى أَبِي أَحْمَدَ، فَبَايَعُوهُ لِلْمُعْتَزِّ، وَكَانَتِ الْعَامَّةُ تَظُنُّ أَنَّ الصُّلْحَ جَرَى عَلَى أَنَّ الْخَلِيفَةَ الْمُسْتَعِينُ وَالْمُعْتَزَّ وَلِيُّ عَهْدِهِ. وَفِي ذِي الْحِجَّةِ أَيْضًا خَرَجَ رَشِيدُ بْنُ كَاوُسَ أَخُو الْأَفْشِينِ، وَكَانَ مُوكَلًا بِبَابِ السَّلَامَةِ، إِلَى الْأَتْرَاكِ، وَسَارَ مَعَهُمْ إِلَى أَبِي أَحْمَدَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى أَبْوَابِ بَغْدَادَ يَقُولُ لِلنَّاسِ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُعْتَزَّ، وَأَبَا أَحْمَدَ يَقْرَآنِ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ، وَيَقُولَانِ: مَنْ أَطَاعَنَا وَصَلْنَاهُ، وَمَنْ أَبَى فَهُوَ أَعْلَمُ.

стр. 3171

فَشَتَمَهُ النَّاسُ، وَعَلِمُوا بِمَا عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، فَعَبَرَتِ الْعَامَّةُ إِلَى الْجَزِيرَةِ الَّتِي حِذَاءَ دَارِهِ، فَشَتَمُوهُ أَقْبَحَ شَتْمٍ، ثُمَّ سَارُوا إِلَى بَابِ دَارِهِ فَفَعَلُوا بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقَاتَلُوا مَنْ عَلَى بَابِهِ حَتَّى كَشَفُوهُمْ، وَدَخَلُوا دِهْلِيزَ دَارِهِ، وَأَرَادُوا إِحْرَاقَ دَارِهِ فَلَمْ يَجِدُوا نَارًا، وَبَاتَ مِنْهُمْ بِالْجَزِيرَةِ جَمَاعَةٌ يَشْتُمُونَهُ وَهُوَ يَسْمَعُ، فَلَمَّا ذَكَرُوا اسْمَ أُمِّهِ ضَحِكَ، وَقَالَ: مَا أَدْرِي كَيْفَ عَرَفُوهُ، وَقَدْ كَانَ أَكْثَرُ جَوَارِي أَبِي لَا يَعْرِفُونَ اسْمَهَا. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ فَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَارَ مُحَمَّدٌ إِلَى الْمُسْتَعِينِ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَطْلُعَ إِلَيْهِمْ وَيُسْكِتَهُمْ، فَفَعَلَ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُخْلَعْ، وَلَمْ أَتَّهِمْهُ، وَوَعَدَهُمْ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمُ الْجُمْعَةَ، فَانْصَرَفُوا. ثُمَّ تَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَبَيْنَ أَبِي أَحْمَدَ مَعَ حَمَّادِ بْنِ إِسْحَاقَ (بْنِ حَمَّادِ) بْنِ يَزِيدَ، وَثَارَ قَوْمٌ مِنْ رَجَّالَةِ الْجُنْدِ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْعَامَّةِ، فَطَلَبَ الْجُنْدُ أَرْزَاقَهُمْ، وَشَكَتِ الْعَامَّةُ سُوءَ الْحَالِ، وَغَلَاءَ السِّعْرِ، وَقَالُوا: إِمَّا خَرَجْتَ، فَقَابَلْتَ، وَإِمَّا تَرَكْتَنَا، فَوَعَدَهُمُ الْخُرُوجَ، أَوْ فَتْحَ بَابِ الصُّلْحِ، ثُمَّ جَعَلَ عَلَى الْجُسُورِ وَبِالْجَزِيرَةِ وَبِبَابِ دَارِهِ الرِّجَالَ وَالْخَيْلَ، فَحَضَرَ الْجَزِيرَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، فَطَرَدُوا مَنْ كَانَ بِهَا، وَقَاتَلُوا النَّاسَ. وَأَرْسَلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى الْجُنْدِ يَعِدُهُمْ رِزْقَ شَهْرَيْنِ، وَأَمَرَهُمْ بِالنُّزُولِ، فَأَبَوْا وَقَالُوا: لَا نَفْعَلُ حَتَّى نَعْلَمَ نَحْنُ وَالْعَامَّةُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ نَحْنُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ الْعَامَّةَ قَدِ اتَّهَمُوكَ بِخَلْعِ الْمُسْتَعِينِ، وَالْبَيْعَةِ لِلْمُعْتَزِّ، وَتَوْجِيهِكِ الْقُوَّادَ بَعْدَ الْقُوَّادِ، وَيَخَافُونَ دُخُولَ الْأَتْرَاكِ وَالْمَغَارِبَةِ إِلَيْهِمْ، فَإِنْ يَفْعَلُوا بِهِمْ كَمَا عَمِلُوا فِي الْمَدَائِنِ وَالْأَنْبَارِ، فَهُمْ يَخَافُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَسَأَلُوا إِخْرَاجَ الْخَلِيفَةِ إِلَيْهِمْ لِيَرَوْهُ وَيُكَذِّبُوا مَا بَلَغَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى مُحَمَّدٌ ذَلِكَ سَأَلَ الْمُسْتَعِينَ الْخُرُوجَ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ إِلَى دَارِ الْعَامَّةِ، وَدَخَلَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ، فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، وَخَرَجُوا، فَأَعْلَمُوا النَّاسَ الْخَبَرَ، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ، فَأَمَرَ الْمُسْتَعِينُ بِإِغْلَاقِ الْأَبْوَابِ، وَصَعِدَ سَطْحَ دَارِ الْعَامَّةِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَعَهُ، فَرَآهُ النَّاسُ وَعَلَيْهِ الْبُرْدَةُ وَبِيَدِهِ الْقَضِيبُ، فَكَلَّمَ النَّاسَ، وَأَقْسَمَ عَلَيْهِمْ بِحَقِّ صَاحِبِ الْبُرْدَةِ إِلَّا انْصَرَفُوا (فَإِنَّهُ آمِنٌ) لَا بَأْسَ عَلَيْهِ مِنْ مُحَمَّدٍ، فَسَأَلُوهُ الرُّكُوبَ مَعَهُمْ وَالْخُرُوجَ مِنْ دَارِ مُحَمَّدٍ لِأَنَّهُمْ لَا يَأْمَنُونَهُ عَلَيْهِ، فَوَعَدَهُمْ ذَلِكَ.

стр. 3172

فَلَمَّا رَأَى ابْنُ طَاهِرٍ فِعْلَهُمْ عَزَمَ عَلَى النَّقْلَةِ عَنْ بَغْدَادَ إِلَى الْمَدَائِنِ، فَأَتَاهُ وُجُوهُ النَّاسِ، وَسَأَلُوهُ الصَّفْحَ، وَاعْتَذَرُوا بِأَنَّ ذَلِكَ فِعْلُ الْغَوْغَاءِ وَالسُّفَهَاءِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ رَدًّا جَمِيلًا. وَانْتَقَلَ الْمُسْتَعِينُ عَنْ دَارِهِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَأَقَامَ بِدَارِ رِزْقٍ الْخَادِمِ بِالرُّصَافَةِ، وَسَارَ بَيْنَ يَدَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (بِالْحَرْبَةِ) ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ بِالرُّصَافَةِ، فَأَمَرُوا الْقُوَّادَ وَبَنِي هَاشِمٍ بِالْمَسِيرِ إِلَى دَارِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْعَوْدِ مَعَهُ إِذَا رَكِبَ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَرَكِبَ مُحَمَّدٌ فِي جَمْعٍ وَتَعْبِئَةٍ، وَوَقَفَ لِلنَّاسِ وَعَاتَبَهُمْ، وَحَلَفَ أَنَّهُ مَا يُرِيدُ لِلْمُسْتَعِينِ، وَلَا لِوَلِيٍّ لَهُ، وَلَا لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ سُوءًا، وَأَنَّهُ مَا يُرِيدُ إِلَّا إِصْلَاحَ أَحْوَالِهِمْ، حَتَّى بَكَى (النَّاسُ) وَدَعَوْا لَهُ، (وَسَارَ إِلَى الْمُسْتَعِينِ) . وَكَانَ ابْنُ طَاهِرٍ مُجِدًّا فِي أَمْرِ الْمُسْتَعِينِ، حَتَّى غَيَّرَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَاقَانَ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّ هَذَا الَّذِي تَنْصُرُهُ، وَتَجِدُّ فِي أَمْرِهِ، مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ نِفَاقًا، وَأَخْبَثِهِمْ دِينًا، وَاللَّهِ لَقَدْ أَمَرَ وَصِيفًا وَبُغَا بِقَتْلِكَ، فَاسْتَعْظَمَا ذَلِكَ وَلَمْ يَفْعَلَاهُ، وَإِنْ كُنْتَ شَاكًّا فِي قَوْلِي فَسَلْ تُخْبَرْهُ، وَإِنَّ مِنْ ظَاهِرِ نِفَاقِهِ أَنَّهُ كَانَ بِسَامَرَّا لَا يَجْهَرُ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا صَارَ إِلَيْكَ جَهَرَ بِهَا مُرَاءَاةً لَكَ، وَتَرَكَ نُصْرَةَ وَلِيِّكَ، وَصِهْرِكَ، وَتَرْبِيَتِكَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامٍ كَلَّمَهُ بِهِ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْزَى اللَّهُ هَذَا، مَا يَصْلُحُ لِدِينٍ وَلَا لِدُنْيَا! ثُمَّ ظَاهَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بِأَحْمَدَ بْنِ إِسْرَائِيلَ، وَالْحَسَنِ بْنِ مَخْلَدٍ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَضْحَى صَلَّى الْمُسْتَعِينُ بِالنَّاسِ، ثُمَّ حَضَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ الْمُسْتَعِينِ وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالْقُضَاةِ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ كُنْتَ فَارَقْتَنِي عَلَى أَنْ تُنَفِّذَ أَمْرِي فِي كُلِّ مَا أَعْزِمُ عَلَيْهِ، وَخَطُّكَ عِنْدِي بِذَلِكَ، فَقَالَ الْمُسْتَعِينُ: أَحْضِرِ الرُّقْعَةَ، فَأَحْضَرَهَا، فَإِذَا فِيهَا

стр. 3173

ذِكْرُ الصُّلْحِ، وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْخَلْعِ، فَقَالَ: نَعَمْ أُمْضِ الصُّلْحَ، فَخَرَجَ مُحَمَّدٌ إِلَى ظَاهِرِ بَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ، فَضُرِبَ لَهُ مَضْرِبٌ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَجَاءَ أَبُو أَحْمَدَ فِي سَمِيرِيَّةَ، فَصَعِدَ إِلَيْهِ، فَتَنَاظَرَا طَوِيلًا، ثُمَّ خَرَجَا، فَجَاءَ ابْنُ طَاهِرٍ إِلَى الْمُسْتَعِينِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَذَلَ لَهُ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَيَقْطَعُ عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَنْ يَكُونَ مُقَامَهُ بِالْمَدِينَةِ، يَتَرَدَّدُ مِنْهَا إِلَى مَكَّةَ، وَيَخْلَعُ نَفْسَهُ مِنِ الْخِلَافَةِ، وَأَنْ يُعْطَى بُغَا وِلَايَةَ الْحِجَازِ جَمِيعِهِ، وَيُوَلَّى وَصِيفٌ الْجَبَلَ وَمَا وَالَاهُ، وَيَكُونُ ثُلْثُ مَا يُجْبَى مِنَ الْمَالِ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَجُنْدِ بَغْدَادَ، وَالثُّلْثَانِ لِلْمَوَالِي وَالْأَتْرَاكِ، فَامْتَنَعَ الْمُسْتَعِينُ مِنِ الْإِجَابَةِ إِلَى الْخَلْعِ، وَظَنَّ أَنَّ وَصِيفًا وَبُغَا مَعَهُ يُكَاشِفَانِ، فَقَالَ: النَّطْعُ وَالسَّيْفُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ طَاهِرٍ: أَمَّا أَنَا فَأَقْعُدُ، وَلَا بُدَّ لَكَ مِنْ خَلْعِهَا طَائِعًا أَوْ مُكْرَهًا! فَأَجَابَ إِلَى الْخَلْعِ. وَكَانَ سَبَبُ إِجَابَتِهِ إِلَى الْخَلْعِ أَنَّ مُحَمَّدًا وَبُغًا وَوَصِيفًا لَمَّا نَاظَرُوهُ فِي الْخَلْعِ أَغْلَظَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ وَصِيفٌ: أَنْتَ أَمَرْتَنَا بِقَتْلِ بَاغَرَ، فَصِرْنَا إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، وَأَنْتَ أَمَرْتَنَا بِقَتْلِ أُتَامِشَ، وَقُلْتَ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ بِنَاصِحٍ، وَمَا زَالُوا يُفْزِعُونَهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: وَقَدْ قُلْتَ لِي إِنَّ أَمْرَنَا لَا يَصْلُحُ إِلَّا بِاسْتِرَاحَتِنَا مِنْ هَذَيْنِ الِاثْنَيْنِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَذْعَنَ بِالْخَلْعِ، وَكَتَبَ بِمَا أَرَادَ لِنَفْسِهِ مِنَ الشُّرُوطِ، وَذَلِكَ لِإِحْدَى عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَجَمَعَ مُحَمَّدٌ الْفُقَهَاءَ وَالْقُضَاةَ، وَأَدْخَلَهُمْ عَلَى الْمُسْتَعِينِ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ صَيَّرَ أَمْرَهُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ أُخِذَ مِنْهُ جَوْهَرُ الْخِلَافَةِ. وَبَعَثَ ابْنُ طَاهِرٍ إِلَى قُوَّادِهِ لِيُوَافُوهُ، وَمَعَ كُلِّ قَائِدٍ عَشَرَةُ نَفَرٍ مِنْ وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، فَأَتَوْهُ فَمَنَّاهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: مَا أَرَدْتُ بِمَا فَعَلْتُ إِلَّا صَلَاحَكُمْ وَحَقْنَ الدِّمَاءِ. وَأَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْمُعْتَزِّ فِي الشُّرُوطِ الَّتِي شَرَطَهَا الْمُسْتَعِينُ لِنَفْسِهِ وَلِقُوَّادِهِ، لِيُوَقِّعَ الْمُعْتَزُّ عَلَيْهَا بِخَطِّهِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ إِلَى الْمُعْتَزِّ، فَمَضَوْا إِلَيْهِ، فَأَجَابَ إِلَى مَا طَلَبُوا، وَوَقَّعَ عَلَيْهِ بِخَطِّهِ،

стр. 3174

وَشَهِدُوا عَلَى إِقْرَارِهِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِمْ، وَوَجَّهَ مَعَهُمْ مَنْ يَأْخُذُ الْبَيْعَةَ عَلَى الْمُسْتَعِينِ، وَحُمِلَ إِلَى الْمُسْتَعِينِ أُمُّهُ وَعِيَالُهُ، بَعْدَمَا فَتَّشُوا، وَأَخَذُوا مَا مَعَهُمْ، وَكَانَ دُخُولُ الرُّسُلِ بَغْدَادَ مِنْ عِنْدِ الْمُعْتَزِّ لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ. ذِكْرُ غَزْوِ الْإِفْرِنْجِ بِالْأَنْدَلُسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، جَيْشًا مَعَ ابْنِهِ الْمُنْذِرِ إِلَى بِلَادِ الْمُشْرِكِينَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةَ، فَسَارُوا، وَقَصَدُوا الْمِلَاحَةَ، وَكَانَتْ أَمْوَالٌ لِذُرَيقٍ بِنَاحِيَةِ أُلْبَةَ وَالْقِلَاعِ، فَلَمَّا عَمَّ الْمُسْلِمُونَ بَلَدَهُمْ بِالْخَرَابِ وَالنَّهْبِ، جُمِعَ لِذُرَيْقٍ عَسَاكِرُهُ، وَسَارَ يُرِيدُهُمْ، فَالْتَقَوْا بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ فَجَّ الْمَرْكُوَّيْنِ، وَبِهِ تُعْرَفُ هَذِهِ الْغَزَاةُ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَبْعُدُوا، وَاجْتَمَعُوا بِهَضْبَةٍ بِالْقُرْبِ مِنْ مَوْضِعِ الْمَعْرَكَةِ، فَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَوَلَّى الْفِرِنْجُ مُنْهَزِمِينَ لَا يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ. وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ. وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ ثَانِيَ عَشَرَ رَجَبَ، وَكَانَ عَدَدُ مَا أُخِذَ مِنْ رُؤُوسِ الْمُشْرِكِينَ أَلْفَيْنِ وَأَرْبَعَ مِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَتِسْعِينَ رَأْسًا، وَكَانَ فَتْحًا عَظِيمًا، وَعَادَ الْمُسْلِمُونَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ رَجَعَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، صَرَفَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ، إِلَى طَبَرِسْتَانَ مِنْ جُرْجَانَ بِجَمْعٍ كَثِيرٍ، وَخَيْلٍ وَسِلَاحٍ، فَتَنَحَّى الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ طَبَرِسْتَانَ، وَلَحِقَ بِالدَّيْلَمِ، وَدَخَلَهَا سُلَيْمَانُ، وَقَصَدَ سَارِيَةَ، وَأَتَاهُ ابْنَانِ لَقَارَنَ بْنِ شَهْرَيَارَ، وَأَتَاهُ أَهْلُ آمُلَ وَغَيْرُهُمْ، مُنِيبِينَ مُظْهِرِينَ النَّدَمَ، يَسْأَلُونَ الصَّفْحَ، فَلَقِيَهُمْ بِمَا أَرَادُوا، وَنَهَى أَصْحَابَهُ عَنِ الْقَتْلِ وَالنَّهْبِ وَالْأَذَى. وَوَرَدَ كِتَابُ أَسَدِ بْنِ جَنَّدَانِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يُخْبِرُهُ أَنَّهُ لَقِيَ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ

стр. 3175

الطَّالِبِيَّ الْمُسَمَّى بِالْمُرَعَّشِيِّ، فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ رُؤَسَاءِ الْجَبَلِ، فَهَزَمَهُ وَدَخَلَ مَدِينَةَ آمُلَ. وَفِيهَا ظَهَرَ بِأَرْمِينِيَّةَ رَجُلَانِ، فَقَاتَلَهُمَا الْعَلَاءُ بْنُ أَحْمَدَ عَامِلُ بُغَا الشَّرَابِيِّ، فَهَزَمَهُمَا، فَصَعِدَا قَلْعَةً هُنَاكَ، فَحَصَرَهُمَا، وَنَصَبَ عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ، فَهُزِمَا مِنْهَا، وَخَفِيَ أَمْرَهُمَا عَلَيْهِ وَمَلِكَ الْقَلْعَةِ. وَفِيهَا حَارَبَ عِيسَى بْنُ الشَّيْخِ الْمُوَفَّقَ الْخَارِجِيَّ فَهَزَمَهُ وَأُسِرَ الْمُوَفَّقُ. وَفِيهَا وَرَدَ كِتَابُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يُخْبِرُ الطَّالِبِيَّ الَّذِي ظَهَرَ بِالرَّيِّ، وَمَا أَعَدَّ لَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ الْمُسَيَّرَةِ لَهُ، وَظَفِرَ بِهِ، وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، فَأَخَذَهُ أَسِيرًا، ثُمَّ سَارَ إِلَى الرَّيِّ بَعْدَ أَسْرِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى بْنِ الْحُسَيْنِ الصَّغِيرِ ابْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵇، وَإِدْرِيسَ بْنِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵇. وَفِيهَا انْهَزَمَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، وَكَانَ لَقِيَهُ فِي ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَعْيَانَ الْحَسَنِ ثَلَاثَمِائَةَ رَجُلٍ وَأَرْبَعِينَ رَجُلًا. وَفِيهَا خَرَجَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ يُوسُفَ الْعَلَوِيُّ ابْنُ أُخْتِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَنِيِّ. وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، وَأَحْمَدَ الْمُوَلَّدِ، وَأَيُّوبَ بْنِ أَحْمَدَ

стр. 3176

بِالسُّكَيْرِ مِنْ أَرْضِ بَنِي تَغْلِبَ، فَقُتِلَ بَيْنَهُمَا جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، فَانْهَزَمَ مُحَمَّدٌ وَنُهِبَ مَتَاعُهُ. وَفِيهَا غَزَا بَلْكَاجُورُ الرُّومَ، فَفَتَحَ مَطْمُورَةَ، وَغَنِمَ غَنِيمَةً كَثِيرَةً، وَأَسَرَ جَمَاعَةً مِنَ الرُّومِ. وَفِيهَا ظَهَرَ بِالْكُوفَةِ رَجُلٌ مِنَ الطَّالِبِيِّينَ اسْمُهُ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ [عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ] عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵇، وَاسْتَخْلَفَ بِهَا مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ حَسَنِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵇، يُكَنَّى أَبَا أَحْمَدَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْمُسْتَعِينُ مُزَاحِمَ بْنَ خَاقَانَ، وَكَانَ الْعَلَوِيُّ بِسَوَادِ الْكُوفَةِ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ وَمِنَ الزَّيْدِيَّةِ، وَأَجْلَى عَنْهَا عَامِلَ الْخَلِيفَةِ وَهُوَ أَحْمَدُ بْنُ نُضَيْرِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ مَالِكٍ الْخُزَاعِيِّ إِلَى قَصْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، وَاجْتَمَعَ مُزَاحِمٌ وَهِشَامُ بْنُ أَبِي دُلَفَ الْعِجْلِيُّ، فَسَارَ مُزَاحِمٌ إِلَى الْكُوفَةِ، فَحَمَلَ أَهْلَ الْكُوفَةِ الْعَلَوِيَّةِ عَلَى قِتَالِهِمَا، وَوَعَدَهُمُ النُّصْرَةَ، فَتَقَدَّمَ مُزَاحِمٌ وَقَاتَلَهُمْ، وَكَانَ قَدْ سَيَّرَ قَائِدًا مَعَهُ جَمَاعَةٌ، فَأَتَى أَهْلَ الْكُوفَةِ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَأَطْبَقُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ وَاحِدٌ، وَدَخَلَ الْكُوفَةَ، فَرَمَاهُ أَهْلُهَا بِالْحِجَارَةِ، فَأَحْرَقَهَا بِالنَّارِ، فَاحْتَرَقَ مِنْهَا سَبْعَةُ أَسْوَاقٍ حَتَّى خَرَجَتِ النَّارُ إِلَى السَّبِيعِ، ثُمَّ هَجَمَ عَلَى الدَّارِ الَّتِي فِيهَا الْعَلَوِيُّ، فَهَرَبَ، وَأَقَامَ مُزَاحِمٌ بِالْكُوفَةِ، فَأَتَاهُ كِتَابُ الْمُعْتَزِّ يَدْعُوهُ إِلَيْهِ، فَسَارَ إِلَيْهِ. وَفِيهَا ظَهَرَ إِنْسَانٌ عَلَوِيٌّ بِنَاحِيَةِ نِينَوَى مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ، فَلَقِيَهُ هِشَامُ بْنُ أَبِي دُلَفٍ

стр. 3177

فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِ الْعَلَوِيِّ جَمَاعَةً وَهَرَبَ فَدَخَلَ الْكُوفَةِ. وَفِيهَا ظَهَرَ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْأَرْقَطِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَعْرُوفُ بِالْكُرْكِيِّ، بِنَاحِيَةِ قَزْوِينَ، وَزَنْجَانَ، فَطَرَدَ عُمَّالَ طَاهِرٍ عَنْهَا. وَفِيهَا قَطَعَتْ بَنُو عَقِيلٍ طَرِيقَ جُدَّةٍ، فَحَارَبَهُمْ جَعْفَرٌ (بِشَاشَاتَ) فَقُتِلَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ نَحْوُ ثَلَاثُمِائَةُ رَجُلٍ، فَغَلَتِ الْأَسْعَارُ بِمَكَّةَ، وَأَغَارَتِ الْأَعْرَابُ عَلَى الْقُرَى. وَفِيهَا ظَهَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِمَكَّةَ، فَهَرَبَ جَعْفَرٌ (بِشَاشَاتَ) ، وَانْتَهَبَ إِسْمَاعِيلُ مُنْزِلَهُ وَمَنَازِلَ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ، وَقَتَلَ الْجُنْدَ وَجَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَخَذَ مَا كَانَ حَمَلَ لِإِصْلَاحِ الْقَبْرِ مِنَ الْمَالِ وَمَا فِي الْكَعْبَةِ وَخَزَائِنِهَا مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَخَذَ كُسْوَةَ الْكَعْبَةِ، وَأَخَذَ مِنَ النَّاسِ نَحْوًا مِنْ مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، وَخَرَجَ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ نَهَبَهَا، وَأَحْرَقَ بَعْضَهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بَعْدَ خَمْسِينَ يَوْمًا وَسَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَتَوَارَى عَامِلُهَا، ثُمَّ رَجَعَ إِسْمَاعِيلُ إِلَى مَكَّةَ فِي رَجَبٍ فَحَصَرَهُمْ حَتَّى تَمَاوَتَ أَهْلُهَا جُوعًا وَعَطَشًا، وَبَلَغَ الْخُبْزُ ثَلَاثَ أَوَاقٍ

стр. 3178

بِدِرْهَمٍ، وَاللَّحْمُ رَطْلٌ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ، وَشَرْبَةُ مَاءٍ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، وَلَقِيَ أَهْلُ مَكَّةَ مِنْهُ كُلَّ بَلَاءٍ. ثُمَّ سَارَ (إِلَى جُدَّةٍ بَعْدَ مَقَامِ سَبْعَةٍ وَخَمْسِينَ يَوْمًا، فَحَبَسَ عَنِ النَّاسِ الطَّعَامَ) ، وَأَخَذَ الْأَمْوَالَ الَّتِي لِلتُّجَّارِ وَأَصْحَابِ الْمَرَاكِبِ. ثُمَّ وَافَى إِسْمَاعِيلُ عَرَفَةَ وَبِهَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى بْنِ الْمَنْصُورِ الْمُلَقَّبُ بِكَعْبِ الْبَقَرِ، وَعِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيُّ صَاحِبُ جَيْشِ مَكَّةَ، كَانَ الْمُعْتَزُّ وَجَّهَهُمَا إِلَيْهَا، فَقَاتَلَهُمَا إِسْمَاعِيلُ، وَقَتَلَ مِنَ الْحَاجِّ نَحْوَ أَلْفٍ وَمِائَةٍ، وَسَلَبَ النَّاسَ، وَهَرَبُوا إِلَى مَكَّةَ، لَمْ يَقِفُوا بِعَرَفَةَ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا، وَوَقَفَ إِسْمَاعِيلُ وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى جُدَّةٍ فَأَفْنَى أَمْوَالَهَا. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ سَرِيٌّ السَّقْطِيُّ الزَّاهِدُ [الْوَفَيَاتُ] وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ بَهْرَامَ أَبُو يَعْقُوبَ الْكَوْسَجُ، الْحَافِظُ النَّيْسَابُورِيُّ، تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَلَهُ مُسْنَدٌ يُرْوَى عَنْهُ.

стр. 3179

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٥٢ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ خَلْعِ الْمُسْتَعِينِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَلَعَ الْمُسْتَعِينُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُعْتَصِمِ نَفْسَهُ مِنَ الْخِلَافَةِ، وَبَايَعَ لِلْمُعْتَزِّ بِاللَّهِ بْنِ الْمُتَوَكِّلِ، وَخُطِبَ لِلْمُعْتَزِّ بِبَغْدَاذَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَأَخَذَ لَهُ الْبَيْعَةَ عَلَى كُلِّ مَنْ بِهَا مِنَ الْجُنْدِ. وَكَانَ ابْنُ طَاهِرٍ قَدْ دَخَلَ عَلَى الْمُسْتَعِينِ وَمَعَهُ سَعِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَقَدْ كَتَبَ شُرُوطَ الْأَمَانِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! قَدْ كَتَبَ سَعِيدٌ كِتَابَ الشُّرُوطِ، فَأَكَّدَهُ غَايَةَ التَّوْكِيدِ، أَفَنَقْرَأُهُ عَلَيْكَ لِتَسْمَعَهُ، فَقَالَ الْمُسْتَعِينُ: لَا حَاجَةَ لِي إِلَى تَوْكِيدِهَا، فَمَا الْقَوْمُ بِأَعْلَمَ بِاللَّهِ مِنْكَ، وَلَقَدْ أَكَّدْتَ عَلَى نَفْسِكَ قَبْلَهُمْ، فَكَانَ مَا عَلِمْتُ، فَمَا رَدَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ شَيْئًا. فَلَمَّا بَايَعَ الْمُسْتَعِينُ لِلْمُعْتَزِّ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، نُقِلَ مِنَ الرُّصَافَةِ إِلَى قَصْرِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ بِالْمُحَرَّمِ وَمَعَهُ عِيَالُهُ وَأَهْلُهُ جَمِيعًا، وَوَكَّلَ بِهِمْ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْبُرْدَةَ، وَالْقَضِيبَ، وَالْخَاتَمَ، وَوَجَّهَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، وَمَنَعَ الْمُسْتَعِينَ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى مَكَّةَ، فَاخْتَارَ الْمُقَامَ بِالْبَصْرَةِ، فَقِيلَ لَهُ، إِنَّ الْبَصْرَةَ وَبِيَّةٌ، فَقَالَ: هِيَ أَوْبَأُ أَوْ تَرْكُ الْخِلَافَةِ! وَلِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنَ الْمُحَرَّمِ دَخَلَ بَغْدَادَ أَكْثَرُ مِنْ مِائَتَيْ سَفِينَةٍ فِيهَا صُنُوفُ التِّجَارَاتِ وَغَنَمٌ كَثِيرٌ.

стр. 3180

وَفِيهَا سَيَّرَ الْمُسْتَعِينُ إِلَى وَاسِطَ، وَاسْتَوْزَرَ الْمُعْتَزُّ أَحْمَدَ بْنَ أَبِي إِسْرَائِيلَ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَرَجَعَ أَبُو أَحْمَدَ إِلَى سَامَرَّا لِاثْنَتَيْ عَشْرَةً خَلَتْ مِنَ الْمُحَرَّمِ، فَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي خَلْعِ الْمُسْتَعِينِ: خُلِعَ الْخَلِيفَةُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ... وَسَيُقْتَلُ التَّالِي لَهُ أَوْ يُخْلَعُ وَيَزُولُ مُلْكُ بَنِي أَبِيهِ وَلَا يُرَى ... أَحَدٌ تَمَلَّكَ مِنْهُمْ يَسْتَمْتِعُ إِيهًا بَنِي الْعَبَّاسِ إِنَّ سَبِيلَكُمْ ... فِي قَتْلِ أَعْبُدِكُمْ سَبِيلٌ مَهْيَعُ رَقَّعْتُمُ دُنْيَاكُمْ فَتَمَزَّقَتْ ... بِكُمُ الْحَيَاةُ تَمَزُّقًا لَا يُرْقَعُ وَقَالَ الشُّعَرَاءُ فِي خَلْعِهِ كَالْبُحْتُرِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ أَبِي الْجَنُوبِ وَغَيْرِهِمَا فَأَكْثَرُوا. وَفِيهَا لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ انْصَرَفَ أَبُو السَّاجِ دُيودَادُ بْنُ دُيودُسْتَ إِلَى بَغْدَادَ، فَقَلَّدَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مُعَاوِنَ مَا سَقَى الْفُرَاتُ مِنَ السَّوَادِ، فَسَيَّرَ نُوَّابَهُ إِلَيْهَا لِطَرْدِ الْأَتْرَاكِ وَالْمَغَارِبَةِ عَنْهَا، ثُمَّ سَارَ أَبُو السَّاجِ إِلَى الْكُوفَةِ. ذِكْرُ حَالِ وَصِيفٍ وَبُغَا وَفِيهَا كَتَبَ الْمُعْتَزُّ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي إِسْقَاطِ اسْمِ وَصِيفٍ وَبُغَا وَمَنْ مَعَهُمَا مِنَ الدَّوَاوِينِ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَوْنٍ، وَهُوَ أَحَدُ قُوَّادِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَدْ وَعَدَ أَبَا أَحْمَدَ أَنْ يَقْتُلَ بُغَا وَوَصِيفًا، فَعَقَدَ لَهُ الْمُعْتَزُّ عَلَى الْيَمَامَةِ، وَالْبَحْرِينِ، وَالْبَصْرَةِ، فَكَتَبَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ بُغَا وَوَصِيفٍ إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ، وَحَذَّرُوهُمَا مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَرَكِبَا إِلَى مُحَمَّدٍ، وَعَرَّفَاهُ مَا ضَمِنَهُ ابْنُ أَبِي عَوْنٍ مِنْ قَتْلِهِمَا، وَقَالَ بُغَا، إِنَّ الْقَوْمَ قَدْ غَدَرُوا، وَخَالَفُوا مَا فَارَقُونَا عَلَيْهِ، وَاللَّهِ لَوْ أَرَادُوا أَنْ يَقْتُلُونَا مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ. فَكَفَّهُ وَصِيفٌ وَقَالَ: نَحْنُ فِي بُيُوتِنَا حَتَّى يَجِيءَ مَنْ يَقْتُلُنَا! وَرَجَعَا إِلَى مَنْزِلِهِمَا، وَجَمَعَا جُنْدَهَمَا، وَوَجَّهَ وَصِيفٌ أُخْتَهُ سُعَادَ إِلَى الْمُؤَيَّدِ، وَكَانَ فِي حِجْرِهَا، فَكَلَّمَ الْمُؤَيِّدُ الْمُعْتَزَّ فِي الرِّضَاءِ عَنْهُ، فَرَضِيَ عَنْ وَصِيفٍ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، وَتَكَلَّمَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ فِي بُغَا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِالرِّضَاءِ عَنْهُ، وَهُمَا بِبَغْدَاذَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ الْأَتْرَاكُ

стр. 3181

بِإِحْضَارِهِمَا إِلَى سَامَرَّا، فَكَتَبَ إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ، وَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدٍ لِيَمْنَعَهُمَا مِنْ ذَلِكَ، فَأَتَاهُمَا كِتَابُ إِحْضَارِهِمَا، فَأَرْسَلَاهُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَسْتَأْذِنَانِهِ، وَخَرَجَ وَصِيفٌ وَبُغَا وَفُرْسَانُهُمَا وَأَوْلَادُهُمَا فِي نَحْوِ أَرْبَعِ مِائَةِ إِنْسَانٍ، وَخَلَّفَا الثِّقْلَ وَالْعِيَالَ، فَوَجَّهَ ابْنُ طَاهِرٍ إِلَى بَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ مَنْ يَمْنَعُهُمْ، فَمَضَوْا إِلَى بَابِ خُرَاسَانَ، وَخَرَجُوا مِنْهُ، وَوَصَلَا سَامَرَّا، وَرَجَعَا إِلَى مَنْزِلِهِمَا مِنَ الْخِدْمَةِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِمَا، وَعَقَدَ لَهُمَا عَلَى أَعْمَالِهِمَا، وَرَدَّ الْبَرِيدَ إِلَى مُوسَى بْنِ بُغَا الْكَبِيرِ. ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بَيْنَ جُنْدِ بَغْدَادَ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ جُنْدِ بَغْدَادَ وَأَصْحَابِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّاكِرِيَّةَ وَأَصْحَابَ الْفُرُوضِ اجْتَمَعُوا إِلَى دَارِ مُحَمَّدٍ يَطْلُبُونَ أَرْزَاقَهُمْ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي كَتَبْتُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي إِطْلَاقِ أَرْزَاقِكُمْ، فَكَتَبَ فِي الْجَوَابِ، إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْجُنْدَ لِنَفْسِكَ فَأَعْطِهِمْ أَرْزَاقَهُمْ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُهُمْ لَنَا فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِمْ، فَشَغَبُوا عَلَيْهِ، وَأَخْرَجَ لَهُمْ أَلْفَيْ دِينَارٍ، فَفُرِّقَتْ فِيهِمْ، فَسَكَتُوا. ثُمَّ اجْتَمَعُوا فِي رَمَضَانَ أَيْضًا، وَمَعَهُمُ الْأَعْلَامُ وَالطُّبُولُ، وَضَرَبُوا الْخِيَامَ عَلَى بَابِ حَرْبٍ، وَعَلَى بَابٍ الشَّمَّاسِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا، وَبَنَوْا بُيُوتًا مِنْ بِوَارِيَّ وَقَصَبٍ، وَبَاتُوا لَيْلَتَهُمْ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا كَثُرَ جَمْعُهُمْ، وَأَحْضَرَ مُحَمَّدٌ أَصْحَابَهُ، فَبَاتُوا فِي دَارِهِ، وَشَحَنَ دَارَهُ بِالرِّجَالِ، وَاجْتَمَعَ إِلَى أُولَئِكَ (الْمِشْغَبِينَ) خَلْقٌ كَثِيرٌ، بِبَابِ حَرْبٍ، بِالسِّلَاحِ وَالْأَعْلَامِ وَالطُّبُولِ، وَرَئِيسُهُمْ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُونُ بْنُ الْمُوَفَّقِ، وَكَانَ مِنْ نُوَّابِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَاقَانَ، فَحَثَّهُمْ عَلَى طَلَبِ أَرْزَاقِهِمْ وَفَائِتِهِمْ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمْعَةِ أَرَادُوا أَنْ يَمْنَعُوا الْخَطِيبَ مِنَ الدُّعَاءِ لِلْمُعْتَزِّ، فَعَلِمَ الْخَطِيبُ (بِذَلِكَ) ، فَاعْتَذَرَ بِمَرَضٍ لَحِقَهُ، وَلَمْ يَخْطُبْ، فَمَضَوْا يُرِيدُونَ الْجِسْرَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمُ ابْنُ طَاهِرٍ عِدَّةً مِنْ قُوَّادِهِ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْفُرْسَانِ وَالرِّجَالِ، فَاقْتَتَلُوا، فَقَتَلَ بَيْنَهُمْ قَتْلَى، وَدَفَعُوا أَصْحَابَ ابْنِ طَاهِرٍ عَنِ الْجِسْرِ، فَلَمَّا رَأَى الَّذِينَ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ أَنَّ أَصْحَابَهُمْ أَزَالُوا أَصْحَابَ ابْنِ طَاهِرٍ (عَنِ الْجِسْرِ) حَمَلُوا يُرِيدُونَ الْعُبُورَ إِلَى أَصْحَابِهِمْ، وَكَانَ ابْنُ

стр. 3182

طَاهِرٍ قَدْ أَعَدَّ سَفِينَةً فِيهَا شَوْكٌ وَقَصَبٌ، فَأَلْقَى فِيهَا النَّارَ، وَأَرْسَلَهَا إِلَى الْجِسْرِ الْأَعْلَى فَأَحْرَقَتْ سُفُنَهُ، وَقَطَّعَتْهُ، وَصَارَتْ إِلَى الْجِسْرِ الْآخَرِ، فَأَدْرَكَهَا أَهْلُ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، فَغَرَّقُوهَا، وَعَبَرَ مَنْ [فِي] الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ إِلَى الْغَرْبِيِّ، وَدَفَعُوا أَصْحَابَ ابْنِ طَاهِرٍ إِلَى بَابِ دَارِهِ، وَقُتِلَ بَيْنَهُمْ نَحْوُ عَشَرَةِ أَنْفُسٍ، وَنَهَبَ الْعَامَّةُ مَجْلِسَ الشُّرْطِ، وَأَخَذُوا مِنْهُ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ أَصْنَافِ الْمَتَاعِ. وَلَمَّا رَأَى ابْنُ طَاهِرٍ أَنَّ الْجُنْدَ قَدْ ظَهَرُوا عَلَى أَصْحَابِهِ أَمَرَ بِالْحَوَانِيتِ الَّتِي عَلَى بَابِ الْجِسْرِ أَنْ تُحْرَقَ، فَاحْتَرَقَ لِلتُّجَّارِ مَتَاعٌ كَثِيرٌ، فَحَالَتِ النَّارُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَرَجَعَ الْجُنْدُ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ بِبَابِ حَرْبٍ، وَجَمَعَ ابْنُ طَاهِرٍ عَامَّةَ أَصْحَابِهِ، وَعَبَّأَهُمْ تَعْبِئَةَ الْحَرْبِ خَوْفًا مِنْ رَجْعَةِ الْجُنْدِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَوْدَةٌ، فَأَتَاهُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ رَجُلَانِ مِنَ الْجُنْدِ، فَدَلَّاهُ عَلَى عَوْرَةِ الْقَوْمِ، فَأَمَرَ لَهُمَا بِمِائَتَيْ دِينَارٍ، وَأَمَرَ الشَّاهَ بْنَ مِيكَالٍ وَغَيْرَهُ مِنَ الْقُوَّادِ فِي جَمَاعَةٍ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ، فَسَارَ إِلَى تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَكَانَ أَبُو الْقَاسِمِ، وَابْنُ الْخَلِيلِ، وَهُمَا الْمُقَدَّمَانِ عَلَى الْجُنْدِ، قَدْ خَافَا بِمُضِيِّ ذَيْنَكَ الرَّجُلَيْنِ، (وَقَدْ تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُمَا) ، فَسَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى نَاحِيَةٍ. وَأَمَّا ابْنُ الْخَلِيلِ فَإِنَّهُ لَقِيَ الشَّاهَ بْنَ مِيكَالَ وَمَنْ مَعَهُ، فَصَاحَ بِهِمْ، وَصَاحَ بِهِ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ، وَصَارَ فِي وَسَطِهِمْ، فَقُتِلَ، وَأَمَّا أَبُو الْقَاسِمِ فَإِنَّهُ اخْتَفَى، فَدُلَّ عَلَيْهِ فَأُخِذَ وَحُمِلَ إِلَى ابْنِ طَاهِرٍ، وَتَفَرَّقَ الْجُنْدُ مِنْ بَابِ حَرْبٍ، وَرَجَعُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ، وَقُيِّدَ أَبُو الْقَاسِمِ وَضُرِبَ ضَرْبًا مُبَرِّحًا، فَمَاتَ مِنْهُ فِي رَمَضَانَ. ذِكْرُ خَلْعِ الْمُؤَيَّدِ وَمَوْتِهِ فِي رَجَبٍ خَلَعَ الْمُعْتَزُّ أَخَاهُ الْمُؤَيَّدَ مِنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ بَعْدَهُ، وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ الْعَلَاءَ بْنَ أَحْمَدَ، عَامِلَ أَرْمِينِيَّةَ، بَعَثَ إِلَى الْمُؤَيَّدِ بِخَمْسَةِ آلَافِ دِينَارٍ لِيُصْلِحَ بِهَا أَمْرَهُ، فَبَعَثَ

стр. 3183

عِيسَى بْنَ فَرْخَانَشَاهَ إِلَيْهَا، فَأَخَذَهَا، فَأَغْرَى الْمُؤَيَّدُ الْأَتْرَاكَ بِعِيسَى، وَخَافَهُمُ الْمَغَارِبَةُ، فَبَعَثَ الْمُعْتَزُّ إِلَى الْمُؤَيَّدِ وَأَبِي أَحْمَدَ، فَأَخَذَهُمَا وَحَبَسَهُمَا، وَقَيَّدَ الْعَطَاءَ لِلْأَتْرَاكِ وَالْمَغَارِبَةِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ ضَرَبَهُ أَرْبَعِينَ مِقْرَعَةً، وَخَلَعَهُ بِسَامَرَّا، وَأَخَذَ خَطَّهُ بِخَلْعِ نَفْسِهِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ أَيْضًا فِي رَجَبٍ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنَ الشَّهْرِ. وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ الْأَتْرَاكِ أَعْلَمَتْ مُحَمَّدَ بْنَ رَاشِدٍ أَنَّ الْأَتْرَاكَ يُرِيدُونَ إِخْرَاجَ الْمُؤَيَّدِ مِنَ الْحَبْسِ، فَأَنْهَى ذَلِكَ إِلَى الْمُعْتَزِّ، فَذَكَرَ مُوسَى بْنُ بُغَا عَنْهُ فَقَالَ: مَا أَرَادُوهُ، إِنَّمَا أَرَادُوا أَنْ يُخْرِجُوا أَبَا أَحْمَدَ بْنَ الْمُتَوَكِّلِ لِأُنْسِهِمْ بِهِ وَكَانَ فِي الْحَرْبِ الَّتِي كَانَتْ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ دَعَا بِالْقُضَاةِ وَالْفُقَهَاءِ وَالْوُجُوهِ، فَأَخْرَجَ الْمُؤَيَّدُ إِلَيْهِمْ مَيِّتًا لَا أَثَرَ بِهِ، وَلَا جُرْحَ، وَحُمِلَ إِلَى أُمِّهِ، وَمَعَهُ كَفَنُهُ، وَأُمِرَتْ بِدَفْنِهِ. فَقِيلَ: إِنَّهُ أُدْرِجَ فِي لِحَافِ سَمُّورَ وَمُسِكَ طَرَفَاهُ حَتَّى مَاتَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ أُقْعِدَ فِي الثَّلْجِ، وَجُعِلَ عَلَى رَأْسِهِ مِنْهُ كَثِيرٌ، فَجُمِّدَ بَرْدًا. وَلَمَّا مَاتَ الْمُؤَيَّدُ نُقِلَ أَخُوهُ أَبُو أَحْمَدَ إِلَى مَحْبِسِهِ، وَكَانَا لِأَبٍ وَأُمٍّ. ذِكْرُ قَتْلِ الْمُسْتَعِينِ وَلَمَّا أَرَادَ الْمُعْتَزُّ قَتْلَ الْمُسْتَعِينِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُعْتَصِمِ، كَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَأْمُرُهُ بِتَسْلِيمِ الْمُسْتَعِينِ إِلَى سِيمَا الْخَادِمِ، فَكَتَبَ مُحَمَّدٌ إِلَى الْمُوكَلِينَ بِالْمُسْتَعِينِ بِوَاسِطَ فِي تَسْلِيمِهِ إِلَيْهِ، وَأَرْسَلَ أَحْمَدَ بْنَ طُولُونَ فِي تَسْلِيمِهِ، فَأَخَذَهُ أَحْمَدُ وَسَارَ بِهِ إِلَى الْقَاطُولِ، فَسَلَّمَهُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ صَالِحٍ، فَأَدْخَلَهُ سَعِيدٌ مَنْزِلَهُ، وَضَرَبَهُ حَتَّى مَاتَ. وَقِيلَ: بَلْ جَعَلَ فِي رِجْلِهِ حَجَرًا وَأَلْقَاهُ فِي دِجْلَةَ. وَقِيلَ: كَانَ قَدْ حَمَلَ مَعَهُ دَايَةً لَهُ تُعَادِلُهُ، فَلَمَّا أَخَذَهُ سَعِيدٌ ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ، فَصَاحَ، وَصَاحَتْ دَايَتُهُ، ثُمَّ قُتِلَ وَقُتِلَتِ الْمَرْأَةُ مَعَهُ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى الْمُعْتَزِّ، وَهُوَ يَلْعَبُ

стр. 3184

بِالشَّطْرَنْجِ، فَقِيلَ: هَذَا رَأْسُ الْمَخْلُوعِ! فَقَالَ: ضَعُوهُ حَتَّى أَفْرُغَ مِنَ الدُّسَتِ! فَلَمَّا فَرَغَ نَظَرَ إِلَيْهِ، وَأَمَرَ بِدَفْنِهِ، وَأَمَرَ لِسَعِيدٍ بِخَمْسِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَوَلَّاهُ مَعُونَةَ الْبَصْرَةِ. ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْأَتْرَاكِ وَالْمَغَارِبَةِ (وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مُسْتَهَلَّ رَجَبٍ كَانَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ الْأَتْرَاكِ وَالْمَغَارِبَةِ. وَسَبَبُهَا أَنَّ الْأَتْرَاكَ) وَثَبُوا بِعِيسَى بْنِ فَرْخَانَشَاهَ، فَضَرَبُوهُ، وَأَخَذُوا دَابَّتَهُ، وَاجْتَمَعَتِ الْمَغَارِبَةُ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ، وَنَصْرِ بْنِ سَعْدٍ، وَغَلَبُوا الْأَتْرَاكَ عَلَى الْجَوْسَقِ، وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْهُ، وَقَالُوا لَهُمْ: كُلُّ يَوْمٍ تَقْتُلُونَ خَلِيفَةً، وَتَخْلَعُونَ آخَر، وَتَعْمَلُونَ وَزِيرًا. وَصَارَ الْجَوْسَقُ وَبَيْتُ الْمَالِ فِي أَيْدِي الْمَغَارِبَةِ، وَأَخَذُوا الدَّوَابَّ الَّتِي كَانَ تَرَكَهَا الْأَتْرَاكُ، فَاجْتَمَعَ الْأَتْرَاكُ وَأَرْسَلُوا إِلَى الْكَرْخِ وَالدُّورِ مِنْهُمْ، فَاجْتَمَعُوا وَتَلَاقَوْا هُمْ وَالْمَغَارِبَةُ، وَأَعَانَ الْغَوْغَاءُ وَالشَّاكِرِيَّةُ الْمَغَارِبَةَ، فَضَعُفَ الْأَتْرَاكُ وَانْقَادُوا، فَأَصْلَحَ جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بَيْنَهُمْ، عَلَى أَنْ لَا يُحْدِثُوا شَيْئًا، وَكُلُّ مَوْضِعٍ يَكُونُ فِيهِ رَجُلٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ يَكُونُ فِيهِ رَجُلٌ مِنَ الْفَرِيقِ الْآخَرِ، فَمَكَثُوا مُدَيْدَةً، ثُمَّ اجْتَمَعَ الْأَتْرَاكُ، وَقَالُوا: نَطْلُبُ هَذَيْنِ الرَّأْسَيْنِ، فَإِنْ ظَفِرْنَا بِهِمَا فَلَا أَحَدَ يُنْطِقُ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ بِاجْتِمَاعِ الْأَتْرَاكِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ وَنَصْرِ بْنِ سَعْدِ، فَخَرَجَا إِلَى مَنْزِلِ مُحَمَّدِ بْنِ عَزُّونَ لِيَكُونَا عِنْدَهُ حَتَّى يَسْكُنَ الْأَتْرَاكُ ثُمَّ يَرْجِعَا إِلَى جَمْعِهِمَا، فَغَمَزَ بِهِمَا إِلَى الْأَتْرَاكِ، فَأَخَذُوهُمَا فَقَتَلُوهُمَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُعْتَزَّ، فَأَرَادَ قَتْلَ ابْنِ عَزُّونَ، فَكُلِّمَ فِيهِ، فَنَفَاهُ إِلَى بَغْدَادَ. ذِكْرُ خُرُوجِ مُسَاوِرٍ بِالْبَوَازِيجَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ (فِي رَجَبٍ) خَرَجَ مُسَاوِرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ مُسَاوِرٍ الشَّارِيُّ الْبَجَلِيُّ الْمَوْصِلِيُّ بِالْبَوَازِيجِ، وَإِلَى جَدِّهِ يُنْسَبُ فُنْدُقُ مُسَاوِرٍ بِالْمَوْصِلِ. وَكَانَ سَبَبُ خُرُوجِهِ أَنَّ شُرْطَةَ الْمَوْصِلِ، وَكَانَ يَتَوَلَّاهَا لِبَنِي عِمْرَانَ، وَأُمَرَاءَ

стр. 3185

الْمَوْصِلِ، لَزِمُوا إِنْسَانًا اسْمُهُ حُسَيْنُ بْنُ بِكِيرٍ، فَأَخَذَ ابْنًا لِمُسَاوِرٍ هَذَا اسْمُهُ حَوْثَرَةُ، فَحَبَسَهُ بِالْحَدِيثَةِ، وَكَانَ حَوْثَرَةُ جَمِيلًا، فَكَانَ حُسَيْنُ هَذَا يُخْرِجُهُ مِنَ الْحَبْسِ لَيْلًا وَيُحْضِرُهُ عِنْدَهُ، وَيَرُدُّهُ إِلَى الْحَبْسِ نَهَارًا، فَكَتَبَ حَوْثَرَةُ إِلَى أَبِيهِ مُسَاوِرٍ، وَهُوَ بِالْبَوَازِيجِ، يَقُولُ لَهُ: أَنَا بِالنَّهَارِ مَحْبُوسٌ وَبِاللَّيْلِ عَرُوسٌ، فَغَضِبَ لِذَلِكَ، وَقَلَقَ، وَخَرَجَ، وَبَايَعَهُ جَمَاعَةٌ، وَقَصَدَ الْحَدِيثَةَ، فَاخْتَفَى حُسَيْنُ بْنُ بَكِيرٍ، وَأَخْرَجَ مُسَاوِرٌ ابْنَهُ حَوْثَرَةَ مِنَ الْحَبْسِ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ مِنَ الْأَكْرَادِ وَالْأَعْرَابِ، وَسَارَ وَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ فَنَزَلَ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ. وَكَانَ الْوَالِيَ عَلَيْهَا عُقْبَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ بْنِ أَهْبَانَ الْخُزَاعِيُّ، وَأَهْبَانُ يُقَالُ إِنَّهُ مُكَلِّمُ الذِّئْبَ، وَلَهُ صُحْبَةٌ، فَوَافَقَهُ (عُقْبَةُ) مِنَ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، فَعَبَرَ دِجْلَةَ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْمَوْصِلِ إِلَى مُسَاوِرٍ، فَقَاتَلَا، فَقُتِلَا، وَعَادَ مُسَاوِرٌ، وَكَرِهَ الْقِتَالَ. وَكَانَ حَوْثَرَةُ بْنُ مُسَاوِرٍ مَعَهُمْ، فَسُمِعَ يَقُولُ: أَنَا الْغُلَامُ الْبَجَلِيُّ الشَّارِيُّ ... أَخْرَجَنِي جُورُكُمْ مِنْ دَارِي ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ حُمِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ الْعَطَّارُ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الطَّالِبِيِّينَ، إِلَى سَامَرَّا، فِيهِمْ: أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ (بْنِ الْحَسَنِ بْنِ جَعْفَرِ) بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو هَاشِمٍ دَاوُدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْجَعْفَرِيُّ فِي شَعْبَانَ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الطَّالِبِيِّينَ سَارَ مِنْ بَغْدَادَ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الشَّاكِرِيَّةِ إِلَى نَاحِيَةِ الْكُوفَةِ، وَكَانَتْ مِنْ أَعْمَالِ أَبِي السَّاجِ، وَكَانَ مُقِيمًا بِبَغْدَاذَ، فَأَمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْكُوفَةِ، فَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ خَلِيفَتَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى الْكُوفَةِ، فَلَمَّا صَارَ إِلَيْهَا رُمِيَ بِالْحِجَارَةِ، وَظَنُّوهُ جَاءَ لِحَرْبِ الْعَلَوِيِّ، فَقَالَ: لَسْتُ بِعَامِلٍ، إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ وُجِّهْتُ لِحَرْبِ الْأَعْرَابِ، فَكَفُّوا عَنْهُ. وَكَانَ أَبُو أَحْمَدَ الطَّالِبِيُّ الْمَذْكُورُ قَدْ وَلَّاهُ الْمُعْتَزُّ الْكُوفَةَ، بَعْدَمَا هَزَمَ مُزَاحِمَ بْنَ خَاقَانَ الْعَلَوِيَّ الَّذِي كَانَ وُجِّهَ لِقِتَالِهِ بِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَعَاثَ أَبُو أَحْمَدَ فِيهَا، وَآذَى

стр. 3186

النَّاسَ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ وَضِيَاعَهُمْ، فَلَمَّا أَقَامَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِالْكُوفَةِ لَاطَفَهُ وَاسْتَمَالَهُ، حَتَّى خَالَطَهُ أَبُو أَحْمَدَ، وَآكَلَهُ وَشَارَبَهُ، حَتَّى سَارَ بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مُتَنَزِّهًا إِلَى بُسْتَانٍ، فَأَمْسَى وَقَدْ عَبَّأَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَصْحَابَهُ، فَقَيَّدَهُ، وَسَيَّرَهُ إِلَى بَغْدَادَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَوُجِدَتْ مَعَ ابْنِ أَخٍ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ الْعَطَّارِ كُتُبٌ مِنَ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ، فَكَتَبَ بِخَبَرِهِ إِلَى الْمُعْتَزِّ، فَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِحَمْلِهِ وَحَمْلِ الطَّالِبِيِّينَ الْمَذْكُورِينَ إِلَى سَامَرَّا، فَحُمِلُوا جَمِيعًا. وَفِيهَا وَلِيَ الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ قَضَاءَ الْقُضَاةِ. (وَفِيهَا تَوَجَّهَ أَبُو السَّاجِ إِلَى طَرِيقِ خُرَاسَانَ مِنْ قِبَلِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) . وَفِيهَا عُقِدَ لِعِيسَى بْنِ الشَّيْخِ عَلَى الرَّمْلَةِ، وَأَنْفَذَ خَلِيفَتَهُ أَبَا الْمَغَرَّا إِلَيْهَا، وَعِيسَى هَذَا شَيْبَانِيٌّ، وَهُوَ عِيسَى بْنُ الشَّيْخِ بْنِ السَّلِيلِ، مِنْ وَلَدِ جَسَّاسِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ ذُهلَ بْنِ شَيْبَانَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى فِلَسْطِينَ جَمِيعِهَا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْأَتْرَاكِ بِالْعِرَاقِ مَا ذَكَرْنَاهُ تَغَلَّبَ عَلَى دِمَشْقَ وَأَعْمَالِهَا، وَقَطَعَ مَا كَانَ يُحْمَلُ مِنَ الشَّامِ إِلَى الْخَلِيفَةِ، وَاسْتَبَدَّ بِالْأَمْوَالِ. وَفِيهَا كَتَبَ وَصِيفٌ إِلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دُلَفَ الْعِجْلِيِّ بِتَوْلِيَتِهِ الْجَبَلَ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِخَلْعٍ، فَتَوَلَّى ذَلِكَ مِنْ قِبَلِهِ. وَفِيهَا قُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الشَّارِيُّ بِدِيَارِ رَبِيعَةَ، (قَتَلَهُ خَلِيفَةٌ لِأَيُّوبَ بْنِ أَحْمَدَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ) . وَفِيهَا أَغَارَ جِسَتَانُ صَاحِبُ الدَّيْلَمِ مَعَ أَحْمَدَ بْنَ عِيسَى بْنِ أَحْمَدَ الْعَلَوِيِّ،

стр. 3187

وَالْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَوْكَبِيُّ، عَلَى الرَّيِّ، فَقَتَلُوا، وَسَبَوْا، وَكَانَ بِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُزَيْرٍ، فَهَرَبَ مِنْهَا، فَصَالَحَهُمْ أَهْلُ الرَّيِّ عَلَى أَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَارْتَحَلُوا عَنْهَا، وَعَادَ ابْنُ عُزَيْرٍ، فَأَخَذَ أَحْمَدَ بْنَ عِيسَى وَبَعَثَ بِهِ إِلَى نَيْسَابُورَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ يُوسُفَ الطَّالِبِيُّ الَّذِي كَانَ فَعَلَ بِمَكَّةَ مَا فَعَلَ. [بَقِيَّةُ الْحَوَادِثِ] وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى بْنِ الْمَنْصُورِ. (وَفِيهَا سَيَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ [عَبْدِ الرَّحْمَنِ] صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ جَيْشًا إِلَى بِلَادِ الْعَدُوِّ، فَقَصَدُوا أُلْبَةَ، وَالْقِلَاعَ، وَمَدِينَةَ مَايَهَ وَقَتَلُوا مِنْ أَهْلِهَا عَدَدًا كَثِيرًا، ثُمَّ قَفَلَ الْجَيْشُ سَالِمِينَ. [بَقِيَّةُ الْوَفَيَاتِ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ بُنْدَارٌ [الْوَفَيَاتُ] . وَأَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الزَّمِنُ الْبَصْرِيَّانِ، وَهُمَا مِنْ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، فِي " الصَّحِيحِ "، وَكَانَ مَوْلِدُ بُنْدَارٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ.

стр. 3188

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٥٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ أَخْذِ كَرَجَ مِنْ أَبِي دُلَفٍ فِيهَا عَقَدَ الْمُعْتَزُّ لِمُوسَى بْنِ بُغَا الْكَبِيرِ فِي رَجَبٍ عَلَى الْجَبَلِ، فَسَارَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ مُفْلِحٌ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دُلَفٍ خَارِجَ هَمَذَانَ، فَتَحَارَبَا، وَكَانَ مَعَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا مِنَ الصَّعَالِيكِ وَغَيْرِهِمْ، فَانْهَزَمَ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَقَتَلَ أَصْحَابَهُ. فَلَمَّا كَانَ فِي رَمَضَانَ سَارَ مُفْلِحٌ نَحْوَ كَرَجَ، وَجَعَلَ لَهُ كَمِينَيْنِ، وَوَجَّهَ عَبْدُ الْعَزِيزِ عَسْكَرًا فِيهِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، فَقَاتَلَهُمْ مُفْلِحٌ، وَخَرَجَ الْكَمِينَانِ عَلَى أَصْحَابِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَانْهَزَمُوا، وَقُتِلُوا، وَأُسِرُوا، وَأَقْبَلَ عَبْدُ الْعَزِيزِ لِيُعِينَ أَصْحَابَهُ، فَانْهَزَمَ بِانْهِزَامِهِمْ، وَتَرَكَ كَرَجَ، وَمَضَى إِلَى قَلْعَةٍ لَهُ يُقَالُ لَهَا زُرَّ، فَتَحَصَّنَ بِهَا، وَدَخَلَ مُفْلِحٌ كَرَجَ، فَأَخَذَ أَهْلَ عَبْدِ الْعَزِيزٍ وَفِيهِمْ وَالِدَتُهُ. ذِكْرُ قَتْلِ وَصِيفٍ وَفِيهَا قُتِلَ وَصِيفٌ، وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّ الْأَتْرَاكَ وَالْفَرَاغِنَةَ وَالْأُشْرُوسَنِّيَّةَ شَغَبُوا، وَطَلَبُوا أَرْزَاقَهُمْ لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ بُغَا وَوَصِيفٌ وَسِيمَا، فَكَلَّمَهُمْ وَصِيفٌ، فَقَالَ لَهُمْ: خُذُوا التُّرَابَ، لَيْسَ عِنْدَنَا مَالٌ، وَقَالَ بُغَا: نَعَمْ! نَسْأَلُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَنَتَنَاظَرُ فِي دَارِ أَشْنَاسَ، فَدَخَلُوا دَارَ أَشْنَاسَ. وَمَضَى سِيمَا وَبُغَا إِلَى الْمُعْتَزِّ، وَبَقِيَ وَصِيفٌ فِي أَيْدِيهِمْ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ، وَوَجَأَهُ آخَرُ بِسِكِّينٍ، ثُمَّ ضَرَبُوهُ بِالطَّبْرَزِينَاتِ حَتَّى قَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا رَأْسَهُ

стр. 3189

وَنَصَبُوهُ عَلَى مِحْرَاكِ تَنُّورٍ، وَجَعَلَ الْمُعْتَزُّ مَا كَانَ إِلَى وَصِيفٍ إِلَى بُغَا الشَّرَابِيِّ، وَهُوَ بُغَا الصَّغِيرُ، وَأَلْبَسَهُ التَّاجَ وَالْوِشَاحَيْنِ. ذِكْرُ قَتْلِ (بُنْدَارٍ) الطَّبَرَيِّ وَفِيهَا قُتِلَ بُنْدَارُ الطَّبَرَيُّ، وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ (أَنَّ مُسَاوِرَ بْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْمَوْصِلِيَّ الْخَارِجِيَّ لَمَّا خَرَجَ بِالْبَوَازِيجِ، كَمَا ذَكَرْنَا) ، وَكَانَ طَرِيقُ خُرَاسَانَ إِلَى بُنْدَارٍ، وَمُظَفَّرِ بْنِ سَيْسَلٍ، وَكَانَا بِالدَّسْكَرَةِ، أَتَى الْخَبَرُ إِلَى بُنْدَارٍ بِمَسِيرِ مُسَاوِرٍ إِلَى كَرْخِ حَدَّانِ، فَقَالَ الْمُظَفَّرُ (فِي الْمَسِيرِ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِلْمُظَفَّرِ) : قَدْ أَمْسَيْنَا، وَغَدًا الْعِيدُ، فَإِذَا قَضَيْنَا الْعِيدَ سِرْنَا إِلَيْهِ. فَسَارَ بُنْدَارٌ طَمَعًا فِي أَنْ يَكُونَ الظَّفَرُ لَهُ، فَسَارَ لَيْلًا، حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى عَسْكَرِ مُسَاوِرٍ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَنْ يُبَيِّتَهُمْ، فَأَبَى وَقَالَ: حَتَّى أَرَاهُمْ وَيَرَوْنِي، فَأَحَسَّ بِهِ الْخَوَارِجُ، فَرَكِبُوا، وَاقْتَتَلُوا. وَكَانَ مَعَ بُنْدَارٍ ثَلَاثُمِائَةِ فَارِسٍ، وَمَعَ الْخَوَارِجِ سَبْعُ مِائَةٍ، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، وَحَمَلَ الْخَوَارِجُ حَمْلَةً اقْتَطَعُوا مِنْ أَصْحَابِ بُنْدَارٍ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ، فَصَبَرُوا لَهُمْ، وَقَاتَلُوهُمْ، حَتَّى قُتِلُوا جَمِيعًا، فَانْهَزَمَ بُنْدَارُ وَأَصْحَابُهُ، وَجَعَلَ الْخَوَارِجُ يُقَطِّعُونَهُمْ قِطْعَةً بَعْدَ قِطْعَةٍ، فَقَتَلُوهُمْ. وَأَمْعَنَ بُنْدَارٌ فِي الْهَرَبِ، فَطَلَبُوهُ، فَلَحِقُوهُ، فَقَتَلُوهُ، وَنَصَبُوا رَأْسَهُ، وَنَجَا مِنْ أَصْحَابِهِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ رَجُلًا، وَقِيلَ: مِائَةٌ. وَأَتَى الْخَبَرُ إِلَى الْمُظَفَّرِ، فَرَحَلَ نَحْوَ بَغْدَادَ، وَسَارَ مُسَاوِرُ نَحْوَ حُلْوَانَ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا، فَقَتَلَ مِنْهُمْ أَرْبَعَ مِائَةِ إِنْسَانٍ، وَقَتَلُوا مِنْ أَصْحَابِهِ جَمَاعَةً، وَقَتَلَ عِدَّةً مِنْ حُجَّاجِ خُرَاسَانَ كَانُوا بِحُلْوَانَ، وَأَعَانُوا أَهْلَهَا، ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ.

стр. 3190

وَقَالَ ابْنُ مُسَاوِرٍ فِي ذَلِكَ: فَجَعْتُ الْعِرَاقَ بِبُنَدَارِهَا ... وَحُزْتُ الْبِلَادَ بِأَقْطَارِهَا وَحُلْوَانُ صَبَّحْتُهَا غَارَةً ... فَقَتَّلْتُ أَغْرَارَ غَرَّارِهَا وَعُقْبَهُ بِالْمَوْصِلِ أَحْجَرْتُهُ ... وَطَوَّقْتُهُ الذُّلَّ فِي كَارِهَا ) ذِكْرُ مَوْتِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ وَفِي لَيْلَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ انْخَسَفَ الْقَمَرُ جَمِيعُهُ، وَمَعَ انْتِهَاءِ خُسُوفِهِ مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَكَانَتْ عِلَّتُهُ الَّتِي مَاتَ بِهَا قُرُوحًا أَصَابَتْهُ فِي حَلْقِهِ وَرَأْسِهِ فَذَبَحَتْهُ، وَكَانَتْ تَدْخُلُ فِيهَا الْفَتَايِلُ. وَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ وَأَصْحَابِهِ بِتَفْوِيضِ مَا إِلَيْهِ مِنَ الْوِلَايَةِ إِلَى أَخِيهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، فَلَمَّا مَاتَ تَنَازَعَ ابْنُهُ طَاهِرٌ وَأَخُوهُ عُبَيْدُ اللَّهِ (الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ، وَتَنَازَعَ عُبَيْدُ اللَّهِ وَأَصْحَابُ) طَاهِرٍ، حَتَّى سَلُّوا السُّيُوفَ، وَرَمَوْا بِالْحِجَارَةِ، وَمَالَتِ الْعَامَّةُ مَعَ أَصْحَابِ طَاهِرٍ) ، وَعَبَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى دَارِهِ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَعَبَرَ مَعَهُ الْقُوَّادُ لِاسْتِخْلَافِ مُحَمَّدٍ، فَكَانَ أَوْصَاهُ عَلَى أَعْمَالِهِ، ثُمَّ وَجَّهَ الْمُعْتَزُّ بَعْدَ ذَلِكَ الْخِلَعَ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ، فَأَمَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ لِلَّذِي أَتَاهُ بِالْخِلَعِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِأَعْمَالِ الْمَوْصِلِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ حَرْبٌ بَيْنَ سُلَيْمَانِ بْنِ عِمْرَانَ الْأَزْدِيِّ وَبَيْنَ عَنْزَةَ، وَسَبَبُهَا أَنَّ سُلَيْمَانَ اشْتَرَى نَاحِيَةً مِنَ الْمَرْجِ، فَطَلَبَ مِنْهُ إِنْسَانٌ مِنْ عَنْزَةَ اسْمُهُ بَرْهُونَةُ الشُّفْعَةَ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَيْهَا، فَسَارَ بَرْهُونَةُ إِلَى عَنْزَةَ، وَهُمْ بَيْنَ الزَّابَيْنِ، فَاسْتَجَارَ بِهِمْ وَبِبَنِي شَيْبَانَ،
следующие страницы →