Полный текст (6 163 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.
стр. 3186
النَّاسَ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ وَضِيَاعَهُمْ، فَلَمَّا أَقَامَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِالْكُوفَةِ لَاطَفَهُ وَاسْتَمَالَهُ، حَتَّى خَالَطَهُ أَبُو أَحْمَدَ، وَآكَلَهُ وَشَارَبَهُ، حَتَّى سَارَ بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مُتَنَزِّهًا إِلَى بُسْتَانٍ، فَأَمْسَى وَقَدْ عَبَّأَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَصْحَابَهُ، فَقَيَّدَهُ، وَسَيَّرَهُ إِلَى بَغْدَادَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَوُجِدَتْ مَعَ ابْنِ أَخٍ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ الْعَطَّارِ كُتُبٌ مِنَ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ، فَكَتَبَ بِخَبَرِهِ إِلَى الْمُعْتَزِّ، فَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِحَمْلِهِ وَحَمْلِ الطَّالِبِيِّينَ الْمَذْكُورِينَ إِلَى سَامَرَّا، فَحُمِلُوا جَمِيعًا.
وَفِيهَا وَلِيَ الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ قَضَاءَ الْقُضَاةِ.
(وَفِيهَا تَوَجَّهَ أَبُو السَّاجِ إِلَى طَرِيقِ خُرَاسَانَ مِنْ قِبَلِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) .
وَفِيهَا عُقِدَ لِعِيسَى بْنِ الشَّيْخِ عَلَى الرَّمْلَةِ، وَأَنْفَذَ خَلِيفَتَهُ أَبَا الْمَغَرَّا إِلَيْهَا، وَعِيسَى هَذَا شَيْبَانِيٌّ، وَهُوَ عِيسَى بْنُ الشَّيْخِ بْنِ السَّلِيلِ، مِنْ وَلَدِ جَسَّاسِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ ذُهلَ بْنِ شَيْبَانَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى فِلَسْطِينَ جَمِيعِهَا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْأَتْرَاكِ بِالْعِرَاقِ مَا ذَكَرْنَاهُ تَغَلَّبَ عَلَى دِمَشْقَ وَأَعْمَالِهَا، وَقَطَعَ مَا كَانَ يُحْمَلُ مِنَ الشَّامِ إِلَى الْخَلِيفَةِ، وَاسْتَبَدَّ بِالْأَمْوَالِ.
وَفِيهَا كَتَبَ وَصِيفٌ إِلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دُلَفَ الْعِجْلِيِّ بِتَوْلِيَتِهِ الْجَبَلَ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِخَلْعٍ، فَتَوَلَّى ذَلِكَ مِنْ قِبَلِهِ.
وَفِيهَا قُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الشَّارِيُّ بِدِيَارِ رَبِيعَةَ، (قَتَلَهُ خَلِيفَةٌ لِأَيُّوبَ بْنِ أَحْمَدَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ) .
وَفِيهَا أَغَارَ جِسَتَانُ صَاحِبُ الدَّيْلَمِ مَعَ أَحْمَدَ بْنَ عِيسَى بْنِ أَحْمَدَ الْعَلَوِيِّ،
стр. 3187
وَالْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَوْكَبِيُّ، عَلَى الرَّيِّ، فَقَتَلُوا، وَسَبَوْا، وَكَانَ بِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُزَيْرٍ، فَهَرَبَ مِنْهَا، فَصَالَحَهُمْ أَهْلُ الرَّيِّ عَلَى أَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَارْتَحَلُوا عَنْهَا، وَعَادَ ابْنُ عُزَيْرٍ، فَأَخَذَ أَحْمَدَ بْنَ عِيسَى وَبَعَثَ بِهِ إِلَى نَيْسَابُورَ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ يُوسُفَ الطَّالِبِيُّ الَّذِي كَانَ فَعَلَ بِمَكَّةَ مَا فَعَلَ.
[بَقِيَّةُ الْحَوَادِثِ]
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى بْنِ الْمَنْصُورِ.
(وَفِيهَا سَيَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ [عَبْدِ الرَّحْمَنِ] صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ جَيْشًا إِلَى بِلَادِ الْعَدُوِّ، فَقَصَدُوا أُلْبَةَ، وَالْقِلَاعَ، وَمَدِينَةَ مَايَهَ وَقَتَلُوا مِنْ أَهْلِهَا عَدَدًا كَثِيرًا، ثُمَّ قَفَلَ الْجَيْشُ سَالِمِينَ.
[بَقِيَّةُ الْوَفَيَاتِ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ بُنْدَارٌ [الْوَفَيَاتُ] .
وَأَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الزَّمِنُ الْبَصْرِيَّانِ، وَهُمَا مِنْ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، فِي " الصَّحِيحِ "، وَكَانَ مَوْلِدُ بُنْدَارٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ.
стр. 3188
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٥٣ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ أَخْذِ كَرَجَ مِنْ أَبِي دُلَفٍ
فِيهَا عَقَدَ الْمُعْتَزُّ لِمُوسَى بْنِ بُغَا الْكَبِيرِ فِي رَجَبٍ عَلَى الْجَبَلِ، فَسَارَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ مُفْلِحٌ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دُلَفٍ خَارِجَ هَمَذَانَ، فَتَحَارَبَا، وَكَانَ مَعَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا مِنَ الصَّعَالِيكِ وَغَيْرِهِمْ، فَانْهَزَمَ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَقَتَلَ أَصْحَابَهُ.
فَلَمَّا كَانَ فِي رَمَضَانَ سَارَ مُفْلِحٌ نَحْوَ كَرَجَ، وَجَعَلَ لَهُ كَمِينَيْنِ، وَوَجَّهَ عَبْدُ الْعَزِيزِ عَسْكَرًا فِيهِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، فَقَاتَلَهُمْ مُفْلِحٌ، وَخَرَجَ الْكَمِينَانِ عَلَى أَصْحَابِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَانْهَزَمُوا، وَقُتِلُوا، وَأُسِرُوا، وَأَقْبَلَ عَبْدُ الْعَزِيزِ لِيُعِينَ أَصْحَابَهُ، فَانْهَزَمَ بِانْهِزَامِهِمْ، وَتَرَكَ كَرَجَ، وَمَضَى إِلَى قَلْعَةٍ لَهُ يُقَالُ لَهَا زُرَّ، فَتَحَصَّنَ بِهَا، وَدَخَلَ مُفْلِحٌ كَرَجَ، فَأَخَذَ أَهْلَ عَبْدِ الْعَزِيزٍ وَفِيهِمْ وَالِدَتُهُ.
ذِكْرُ قَتْلِ وَصِيفٍ
وَفِيهَا قُتِلَ وَصِيفٌ، وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّ الْأَتْرَاكَ وَالْفَرَاغِنَةَ وَالْأُشْرُوسَنِّيَّةَ شَغَبُوا، وَطَلَبُوا أَرْزَاقَهُمْ لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ بُغَا وَوَصِيفٌ وَسِيمَا، فَكَلَّمَهُمْ وَصِيفٌ، فَقَالَ لَهُمْ: خُذُوا التُّرَابَ، لَيْسَ عِنْدَنَا مَالٌ، وَقَالَ بُغَا: نَعَمْ! نَسْأَلُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَنَتَنَاظَرُ فِي دَارِ أَشْنَاسَ، فَدَخَلُوا دَارَ أَشْنَاسَ.
وَمَضَى سِيمَا وَبُغَا إِلَى الْمُعْتَزِّ، وَبَقِيَ وَصِيفٌ فِي أَيْدِيهِمْ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ، وَوَجَأَهُ آخَرُ بِسِكِّينٍ، ثُمَّ ضَرَبُوهُ بِالطَّبْرَزِينَاتِ حَتَّى قَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا رَأْسَهُ
стр. 3189
وَنَصَبُوهُ عَلَى مِحْرَاكِ تَنُّورٍ، وَجَعَلَ الْمُعْتَزُّ مَا كَانَ إِلَى وَصِيفٍ إِلَى بُغَا الشَّرَابِيِّ، وَهُوَ بُغَا الصَّغِيرُ، وَأَلْبَسَهُ التَّاجَ وَالْوِشَاحَيْنِ.
ذِكْرُ قَتْلِ (بُنْدَارٍ) الطَّبَرَيِّ
وَفِيهَا قُتِلَ بُنْدَارُ الطَّبَرَيُّ، وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ (أَنَّ مُسَاوِرَ بْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْمَوْصِلِيَّ الْخَارِجِيَّ لَمَّا خَرَجَ بِالْبَوَازِيجِ، كَمَا ذَكَرْنَا) ، وَكَانَ طَرِيقُ خُرَاسَانَ إِلَى بُنْدَارٍ، وَمُظَفَّرِ بْنِ سَيْسَلٍ، وَكَانَا بِالدَّسْكَرَةِ، أَتَى الْخَبَرُ إِلَى بُنْدَارٍ بِمَسِيرِ مُسَاوِرٍ إِلَى كَرْخِ حَدَّانِ، فَقَالَ الْمُظَفَّرُ (فِي الْمَسِيرِ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِلْمُظَفَّرِ) : قَدْ أَمْسَيْنَا، وَغَدًا الْعِيدُ، فَإِذَا قَضَيْنَا الْعِيدَ سِرْنَا إِلَيْهِ. فَسَارَ بُنْدَارٌ طَمَعًا فِي أَنْ يَكُونَ الظَّفَرُ لَهُ، فَسَارَ لَيْلًا، حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى عَسْكَرِ مُسَاوِرٍ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَنْ يُبَيِّتَهُمْ، فَأَبَى وَقَالَ: حَتَّى أَرَاهُمْ وَيَرَوْنِي، فَأَحَسَّ بِهِ الْخَوَارِجُ، فَرَكِبُوا، وَاقْتَتَلُوا.
وَكَانَ مَعَ بُنْدَارٍ ثَلَاثُمِائَةِ فَارِسٍ، وَمَعَ الْخَوَارِجِ سَبْعُ مِائَةٍ، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، وَحَمَلَ الْخَوَارِجُ حَمْلَةً اقْتَطَعُوا مِنْ أَصْحَابِ بُنْدَارٍ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ، فَصَبَرُوا لَهُمْ، وَقَاتَلُوهُمْ، حَتَّى قُتِلُوا جَمِيعًا، فَانْهَزَمَ بُنْدَارُ وَأَصْحَابُهُ، وَجَعَلَ الْخَوَارِجُ يُقَطِّعُونَهُمْ قِطْعَةً بَعْدَ قِطْعَةٍ، فَقَتَلُوهُمْ.
وَأَمْعَنَ بُنْدَارٌ فِي الْهَرَبِ، فَطَلَبُوهُ، فَلَحِقُوهُ، فَقَتَلُوهُ، وَنَصَبُوا رَأْسَهُ، وَنَجَا مِنْ أَصْحَابِهِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ رَجُلًا، وَقِيلَ: مِائَةٌ.
وَأَتَى الْخَبَرُ إِلَى الْمُظَفَّرِ، فَرَحَلَ نَحْوَ بَغْدَادَ، وَسَارَ مُسَاوِرُ نَحْوَ حُلْوَانَ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا، فَقَتَلَ مِنْهُمْ أَرْبَعَ مِائَةِ إِنْسَانٍ، وَقَتَلُوا مِنْ أَصْحَابِهِ جَمَاعَةً، وَقَتَلَ عِدَّةً مِنْ حُجَّاجِ خُرَاسَانَ كَانُوا بِحُلْوَانَ، وَأَعَانُوا أَهْلَهَا، ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ.
стр. 3190
وَقَالَ ابْنُ مُسَاوِرٍ فِي ذَلِكَ:
فَجَعْتُ الْعِرَاقَ بِبُنَدَارِهَا ... وَحُزْتُ الْبِلَادَ بِأَقْطَارِهَا
وَحُلْوَانُ صَبَّحْتُهَا غَارَةً ... فَقَتَّلْتُ أَغْرَارَ غَرَّارِهَا
وَعُقْبَهُ بِالْمَوْصِلِ أَحْجَرْتُهُ ... وَطَوَّقْتُهُ الذُّلَّ فِي كَارِهَا
)
ذِكْرُ مَوْتِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ
وَفِي لَيْلَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ انْخَسَفَ الْقَمَرُ جَمِيعُهُ، وَمَعَ انْتِهَاءِ خُسُوفِهِ مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَكَانَتْ عِلَّتُهُ الَّتِي مَاتَ بِهَا قُرُوحًا أَصَابَتْهُ فِي حَلْقِهِ وَرَأْسِهِ فَذَبَحَتْهُ، وَكَانَتْ تَدْخُلُ فِيهَا الْفَتَايِلُ.
وَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ وَأَصْحَابِهِ بِتَفْوِيضِ مَا إِلَيْهِ مِنَ الْوِلَايَةِ إِلَى أَخِيهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، فَلَمَّا مَاتَ تَنَازَعَ ابْنُهُ طَاهِرٌ وَأَخُوهُ عُبَيْدُ اللَّهِ (الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ، وَتَنَازَعَ عُبَيْدُ اللَّهِ وَأَصْحَابُ) طَاهِرٍ، حَتَّى سَلُّوا السُّيُوفَ، وَرَمَوْا بِالْحِجَارَةِ، وَمَالَتِ الْعَامَّةُ مَعَ أَصْحَابِ طَاهِرٍ) ، وَعَبَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى دَارِهِ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَعَبَرَ مَعَهُ الْقُوَّادُ لِاسْتِخْلَافِ مُحَمَّدٍ، فَكَانَ أَوْصَاهُ عَلَى أَعْمَالِهِ، ثُمَّ وَجَّهَ الْمُعْتَزُّ بَعْدَ ذَلِكَ الْخِلَعَ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ، فَأَمَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ لِلَّذِي أَتَاهُ بِالْخِلَعِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ.
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِأَعْمَالِ الْمَوْصِلِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ حَرْبٌ بَيْنَ سُلَيْمَانِ بْنِ عِمْرَانَ الْأَزْدِيِّ وَبَيْنَ عَنْزَةَ، وَسَبَبُهَا أَنَّ سُلَيْمَانَ اشْتَرَى نَاحِيَةً مِنَ الْمَرْجِ، فَطَلَبَ مِنْهُ إِنْسَانٌ مِنْ عَنْزَةَ اسْمُهُ بَرْهُونَةُ الشُّفْعَةَ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَيْهَا، فَسَارَ بَرْهُونَةُ إِلَى عَنْزَةَ، وَهُمْ بَيْنَ الزَّابَيْنِ، فَاسْتَجَارَ بِهِمْ وَبِبَنِي شَيْبَانَ،
стр. 3191
وَاجْتَمَعَ مَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ، (وَنَهَبُوا الْأَعْمَالَ فَأَسْرَفُوا) .
وَجَمَعَ سَلِيمَانُ لَهُمْ بِالْمَوْصِلِ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَعَبَرَ الزَّابَ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ، (وَقُتِلَ فِيهَا كَثِيرٌ) ، وَكَانَ الظَّفَرُ لِسُلَيْمَانَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ بِبَابِ شَمْعُونَ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَأَدْخَلَ مِنْ رُؤُوسِهِمْ إِلَى الْمَوْصِلِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ رَأْسٍ، فَقَالَ حَفْصُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ قَصِيدَةً يَذْكُرُ فِيهَا الْوَقْعَةَ أَوَّلُهَا:
شَهِدَتْ مَوَاقِفَنَا نِزَارُ فَأَحْمَدَتْ ... كَرَّاتِ كُلِّ سَمَيْدَعٍ قَمْقَامِ
جَاؤُوا وَجِئْنَا لَا نَفَيْتُمْ صِلَّنَا ... ضَرْبًا يُطِيحُ جَمَاجِمَ الْأَجْسَامِ
وَهِيَ طَوِيلَةٌ.
وَفِيهَا كَانَ أَيْضًا بِأَعْمَالِ الْمَوْصِلِ فِتْنَةٌ وَحَرْبٌ قُتِلَ فِيهَا الْحَبَّابُ بْنُ بُكَيْرٍ التَّلِيدِيُّ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّيِّدِ بْنِ أَنَسٍ التَّلِيدِيَّ الْأَزْدِيَّ كَانَ قَدِ اشْتَرَى قَرْيَتَيْنِ [كَانَ] رَهَنَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التَّلِيدِيُّ عِنْدَهُ، وَكَرِهَ صَاحِبُهُمَا (أَنْ يَشْتَرِيَهُمَا، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الْحَبَّابِ بْنِ بُكَيْرٍ) ، فَقَالَ الْحَبَّابُ لَهُ: ائْتِنِي بِكِتَابٍ مِنْ بُغَا لِأَمْنَعَ عَنْهُمَا، وَأَعْطَاهُ دَوَابَّ وَنَفَقَةً، وَانْحَدَرَ إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى، وَأَحْضَرَ كِتَابًا مِنْ بُغَا إِلَى الْحَبَّابِ يَأْمُرُهُ بِكَفِّ يَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّيِّدِ عَنِ الْقَرْيَتَيْنِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا مَنْ مَنَعَ عَنْهُمَا مُحَمَّدًا، فَجَرَتْ بَيْنَهُمْ مُرَاسَلَاتٌ وَاصْطَلَحُوا.
فَبَيْنَمَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّيِّدِ وَالْحَبَّابُ بِالْبُسْتَانِ عَلَى شَرَابٍ لَهُمَا، وَمَعَهُمَا قَيْنَةٌ، قَالَ لَهَا الْحَبَّابُ غَنِّي بِهَذَا الشِّعْرِ:
مَتَّى تَجْمَعُ الْقَلْبَ الزَّكِيَّ وَصَارِمًا ... وَأَنْفًا حَمِيًّا تَجْتَنِبْكَ الْمَظَالِمُ
стр. 3192
فَغَنَّتِ الْجَارِيَةُ، فَغَضِبَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَالَ لَهَا بَلْ غَنِّي:
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ لَا تَأْخُذُونَهَا ... مُرَاغَمَةً مَا دَامَ لِلسَّيْفِ قَائِمُ
وَلَا صُلْحَ حَتَّى تُقْرَعَ الْبِيضُ بِالْقَنَا ... وَيُضْرَبُ بِالْبَيْضِ الْخِفَافِ الْجَمَاجِمُ
وَافْتَرَقَا وَقَدْ حَقَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَأَعَادَ الْحَبَّابُ التَّوْكِيلَ بِالْقَرْيَتَيْنِ، فَجَمَعَ مُحَمَّدٌ جَمْعًا، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ فِي الصُّلْحِ، وَأَجَابَا إِلَى ذَلِكَ، وَفَرَّقَ مُحَمَّدٌ جَمْعَهُ، فَأَبْلَغَ مُحَمَّدٌ أَنَّ الْحَبَّابَ قَالَ: لَوْ كَانَ مَعَ مُحَمَّدٍ أَرْبَعَةٌ لَمَا أَجَابَ إِلَى الصُّلْحِ، فَغَضِبَ لِذَلِكَ، وَجَمَعَ جَمْعًا كَثِيرًا، (وَسَارَ مُبَادِرًا) إِلَى الْحَبَّابِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْحَبَّابُ غَيْرَ مُسْتَعِدٍّ، فَاقْتَتَلُوا فَقُتِلَ الْحَبَّابُ وَمَعَهُ ابْنٌ لَهُ وَجَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِيهَا نُفِيَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ إِلَى الْبَصْرَةِ، ثُمَّ رُدَّ إِلَى بَغْدَادَ، فَأُنْزِلَ فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ بِقَصْرِ دِينَارَ، وَنُفِيَ أَيْضًا عَلِيُّ بْنُ الْمُعْتَصِمِ إِلَى وَاسِطَ، ثُمَّ رُدَّ إِلَى بَغْدَادَ.
وَفِيهَا مَاتَ مُزَاحِمُ بْنُ خَاقَانَ بِمِصْرَ فِي ذِي الْحِجَّةِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانِ الزَّيْنَبِيُّ.
وَفِيهَا غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ مِنْ نَاحِيَةِ مَلَطْيَةَ، فَانْهَزَمَ، وَأُسِرَ.
وَفِيهَا التَقَى مُوسَى بْنُ بُغَا وَالْكَوَكْبِيُّ الْعَلَوِيُّ (عِنْدَ قَزْوِينَ) ، فَانْهَزَمَ الْكَوَكْبِيُّ وَلَحِقَ بِالدَّيْلَمِ، وَكَانَ سَبَبُ الْهَزِيمَةِ أَنَّهُمْ لَمَّا اصْطَفُوا لِلْقِتَالِ جَعَلَ أَصْحَابُ الْكَوَكِبِيِّ تُرُوسَهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ، فَيَتَّقُونَ بِهَا سِهَامَ أَصْحَابِ مُوسَى، فَلَمَّا رَأَى مُوسَى أَنَّ سِهَامَ أَصْحَابِهِ لَا تَصِلُ إِلَيْهِمْ مَعَ فِعْلِهِمْ، أَمَرَ بِمَا مَعَهُ مِنَ النِّفْطِ أَنْ يُصَبَّ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالِاسْتِطْرَادِ لَهُمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَظَنَّ الْكَوَكْبِيُّ وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُمْ قَدْ انْهَزَمُوا، فَتَبِعَهُمْ، فَلَمَّا تَوَسَّطُوا النِّفْطَ أَمَرَ
стр. 3193
مُوسَى بِالنَّارِ فَأُلْقِيَتْ فِيهِ، فَالْتَهَبَ مِنْ تَحْتِ أَقْدَامِهِمْ، فَجَعَلَتْ تَحْرِقُهُمْ، فَانْهَزَمُوا فَتَبِعَهُمْ مُوسَى، وَدَخَلَ قَزْوِينَ.
وَفِيهَا (فِي ذِي الْحِجَّةِ) لَقِيَ مُسَاوِرٌ الْخَارِجِيُّ عَسْكَرًا لِلْخَلِيفَةِ (مُقَدِّمُهُمْ حُطُرْمُسُ) بِنَاحِيَةِ جَلَوْلَاءَ، فَهَزَمَهُ مُسَاوِرٌ.
وَفِيهَا سَارَ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ إِلَى بِلَادِ الْمُشْرِكِينَ، فَافْتَتَحُوا حُصُونَ جِرْنِيقَ، وَحَاصَرُوا فَوَثَبَ وَغَلَبَ عَلَى أَكْثَرِ أَسْوَارِهَا.
ذِكْرُ ابْتِدَاءِ دَوْلَةِ يَعْقُوبَ الصَّفَّارِ وَمُلْكِهِ هَرَاةَ وَبَوْشَنْجَ
وَكَانَ يَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ وَأَخُوهُ عَمْرٌو يَعْمَلَانِ الصُّفْرَ بِسِجِسْتَانَ، وَيُظْهِرَانِ الزُّهْدَ وَالتَّقَشُّفَ. وَكَانَ فِي أَيَّامِهِمَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ سِجِسْتَانَ يُظْهِرُ التَّطَوُّعَ بِقِتَالِ الْخَوَارِجِ، يُقَالُ لَهُ: صَالِحٌ الْمُطَّوِّعِيُّ، فَصَحِبَهُ يَعْقُوبُ، وَقَاتَلَ مَعَهُ، فَحَظِيَ عِنْدَهُ، فَجَعَلَهُ صَالِحٌ مَقَامَ الْخَلِيفَةِ عَنْهُ، ثُمَّ هَلَكَ صَالِحٌ، وَقَامَ مَقَامَهُ إِنْسَانٌ آخَرُ اسْمُهُ دِرْهَمٌ، فَصَارَ يَعْقُوبُ مَعَ دِرْهَمٍ كَمَا كَانَ مَعَ صَالِحٍ قَبْلَهُ.
ثُمَّ إِنَّ صَاحِبَ خُرَاسَانَ احْتَالَ لِدِرْهَمٍ لَمَّا عَظُمَ شَأْنُهُ وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ، حَتَّى ظَفِرَ بِهِ وَحَمَلَهُ إِلَى بَغْدَادَ، فَحَبَسَهُ بِهَا، ثُمَّ أُطْلِقَ، وَخَدَمَ الْخَلِيفَةَ بِبَغْدَاذَ.
وَعَظُمَ أَمْرُ يَعْقُوبَ بَعْدَ أَخْذِ دِرْهَمٍ، وَصَارَ مُتَوَلِّيًا أَمْرَ الْمُتَطَوِّعَةِ مَكَانَ دِرْهَمٍ، وَقَامَ بِمُحَارَبَةِ الشُّرَاةِ، (فَظَفِرَ بِهِمْ) ، وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهِمْ، حَتَّى كَادَ يُفْنِيهِمْ، وَخَرَّبَ قُرَاهُمْ، وَأَطَاعَهُ أَصْحَابُهُ بِمَكْرِهِ، وَحُسْنِ حَالِهِ وَرَأْيِهِ طَاعَةً لَمْ يُطِيعُوهَا أَحَدًا كَانَ مِنْ قَبْلِهِ، وَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُ، فَغَلَبَ عَلَى سِجِسْتَانَ، وَأَظْهَرَ التَّمَسُّكَ بِطَاعَةِ الْخَلِيفَةِ، وَكَاتَبَهُ، وَصَدَرَ عَنْ أَمْرِهِ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ هُوَ أَمَرَهُ بِقِتَالِ الشُّرَاةِ، وَمَلَكَ سِجِسْتَانَ وَضَبَطَ الطُّرُقَ وَحَفِظَهَا، وَأَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ
стр. 3194
الْمُنْكَرِ، فَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ، فَخَرَجَ عَنْ حَدِّ طَلَبِ الشُّرَاةِ، وَصَارَ يَتَنَاوَلُ أَصْحَابَ أَمِيرِ خُرَاسَانَ لِلْخَلِيفَةِ.
ثُمَّ سَارَ مِنْ سِجِسْتَانَ إِلَى هَرَاةَ مِنْ خُرَاسَانَ هَذِهِ السَّنَةَ لِيَمْلِكَهَا، وَكَانَ أَمِيرُ خُرَاسَانَ مُحَمَّدَ بْنَ طَاهِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَعَامِلُهُ عَلَى هَرَاةَ مُحَمَّدَ بْنَ أَوْسٍ الْأَنْبَارِيَّ، فَخَرَجَ مِنْهَا لِمُحَارَبَةِ يَعْقُوبَ فِي تَعْبِئَةٍ حَسَنَةٍ وَبَأْسٍ شَدِيدٍ وَزِيٍّ جَمِيلٍ، فَتَحَارَبَا وَاقْتَتَلَا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ ابْنُ أَوْسٍ، وَمَلَكَ يَعْقُوبُ هَرَاةَ وَبَشَنْجَ، وَصَارَتِ الْمَدِينَتَانِ فِي يَدِهِ، فَعَظُمَ أَمْرُهُ حِينَئِذٍ، وَهَابَهُ أَمِيرُ خُرَاسَانَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ الْأَطْرَافِ.
стр. 3195
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٥٤ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ مَقْتَلِ بُغَا الشَّرَابِيِّ
وَفِيهَا قُتِلَ بُغَا الشَّرَابِيُّ، وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ كَانَ يُحَرِّضُ الْمُعْتَزَّ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى بَغْدَادَ، وَالْمُعْتَزُّ يَأْبَى ذَلِكَ وَيَكْرَهُهُ، فَاتَّفَقَ أَنَّ بُغَا اشْتَغَلَ بِتَزْوِيجِ ابْنَتِهِ مِنْ صَالِحِ بْنِ وَصِيفٍ، فَرَكِبَ الْمُعْتَزُّ وَمَعَهُ أَحْمَدُ بْنُ إِسْرَائِيلَ إِلَى كَرْخِ سَامَرَّا، إِلَى بَايْكُبَاكَ التُّرْكِيِّ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُنْحَرِفِينَ عَنْ بُغَا.
وَكَانَ سَبَبُ انْحِرَافِهِ عَنْهُ أَنَّهُمَا كَانَا عَلَى شَرَابٍ لَهُمَا، فَعَرْبَدَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَاخْتَفَى بَايْكُبَاكُ مِنْ بُغَا، فَلَمَّا أَتَاهُ الْمُعْتَزُّ اجْتَمَعَ مَعَهُ أَهْلُ الْكَرْخِ وَأَهْلُ الدُّورِ، ثُمَّ أَقْبَلُوا مَعَ الْمُعْتَزِّ إِلَى الْجَوْسَقِ بِسَامَرَّا، وَبَلَغَ ذَلِكَ بُغَا، فَخَرَجَ فِي غِلْمَانِهِ وَهُمْ زُهَاءَ خَمْسِمِائَةِ إِنْسَانٍ مِنْ وَلَدِهِ وَقُوَّادِهِ، فَسَارَ إِلَى السِّنِّ، فَشَكَا أَصْحَابُهُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَسْفِ، وَأَنَّهُمْ خَرَجُوا بِغَيْرِ مَضَارِبَ وَلَا مَا يَلْبَسُونَهُ فِي الْبَرْدِ، وَأَنَّهُمْ فِي شِتَاءٍ، فَأَتَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، وَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِهِمْ، فَقَالَ: دَعْنِي حَتَّى أَنْظُرَ اللَّيْلَةَ.
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَكِبَ فِي زَوْرَقٍ، وَمَعَهُ خَادِمَانِ وَشَيْءٌ مِنَ الْمَالِ الَّذِي صَحِبَهُ، وَكَانَ قَدْ صَحِبَهُ تِسْعَ عَشْرَةَ بَدْرَةُ دَنَانِيرَ، وَمِائَةُ بَدْرَةِ دَرَاهِمَ، وَلَمْ يَحْمِلْ مَعَهُ سِلَاحًا، وَلَا سِكِّينًا، وَلَا شَيْئًا، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ عَسْكَرِهِ.
وَكَانَ الْمُعْتَزُّ، فِي غَيْبَةِ بُغَا، لَا يَنَامُ إِلَّا فِي ثِيَابِهِ وَعَلَيْهِ السِّلَاحُ، فَسَارَ بُغَا إِلَى الْجِسْرِ فِي الثُّلُثِ الْأَوَّلِ مِنَ اللَّيْلِ، فَبَعَثَ الْمُوَكَّلُونَ بِالْجِسْرِ يَنْظُرُونَ مَنْ هُوَ، فَصَاحَ بِالْغُلَامِ، فَرَجَعَ، وَخَرَجَ بُغَا فِي الْبُسْتَانِ الْخَاقَانِيِّ، فَلَحِقَهُ عِدَّةٌ مِنَ الْمُوَكَّلِينَ، فَوَقَفَ لَهُمْ بُغَا، وَقَالَ: أَنَا بُغَا، إِمَّا أَنْ تَذْهَبُوا
стр. 3196
مَعِي إِلَى صَالِحِ بْنِ وَصِيفٍ، وَإِمَّا أَنْ تَصِيرُوا مَعِي حَتَّى أُحْسِنَ إِلَيْكُمْ، فَتَوَكَّلَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَأَرْسَلُوا إِلَى الْمُعْتَزِّ بِالْخَبَرِ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقُتِلَ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى الْمُعْتَزِّ، وَنُصِبَ بِسَامَرَّا وبِبَغْدَاذَ، وَأَحْرَقَتِ الْمَغَارِبَةُ جَسَدَهُ، وَكَانَ أَرَادَ أَنْ يَخْتَفِيَ عِنْدَ صَالِحِ بْنِ وَصِيفٍ، فَإِذَا اشْتَغَلَ النَّاسُ بِالْعِيدِ وَكَانَ قَدْ قَرُبَ خَرَجَ هُوَ وَصَالِحٌ (وَوَثَبُوا بِالْمُعْتَزِّ) .
ذِكْرُ ابْتِدَاءِ حَالِ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ
كَانَتْ دِيَارُ مِصْرَ قَدْ أُقْطِعَهَا بَايْكُبَاكُ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ قُوَّادِ الْأَتْرَاكِ، وَكَانَ مُقِيمًا بِالْحَضْرَةِ، وَاسْتَخْلَفَ بِهَا مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ بِهَا.
وَكَانَ طُولُونُ وَالِدُ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ أَيْضًا مِنَ الْأَتْرَاكِ، وَقَدْ نَشَأَ هُوَ بَعْدَ وَالِدِهِ عَلَى طَرِيقَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ وَسِيرَةٍ حَسَنَةٍ، فَالْتَمَسَ بَايْكُبَاكُ مَنْ يَسْتَخْلِفُهُ بِمِصْرَ، فَأُشِيرَ عَلَيْهِ بِأَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ لِمَا ظَهَرَ عَنْهُ مِنْ حُسْنِ السِّيرَةِ، فَوَلَّاهُ وَسَيَّرَهُ إِلَيْهَا.
وَكَانَ بِهَا ابْنُ الْمُدَبِّرِ عَلَى الْخَرَاجِ، وَقَدْ تَحَكَّمَ فِي الْبَلَدِ، فَلَمَّا قَدِمَهَا أَحْمَدُ كَفَّ يَدَ ابْنِ الْمُدَبِّرِ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبَلَدِ، وَكَانَ بَايْكُبَاكُ قَدِ اسْتَعْمَلَ أَحْمَدَ بْنَ طُولُونَ عَلَى مِصْرَ وَحْدَهَا سِوَى بَاقِي الْأَعْمَالِ كَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَغَيْرِهَا، فَلَمَّا قَتَلَ الْمُهْتَدِي بَايْكُبَاكَ وَصَارَتْ مِصْرُ لِيَارْكُوجَ التُّرْكِيِّ وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ مَوَدَّةٌ مُتَأَكِّدَةٌ، اسْتَعْمَلَهُ عَلَى دِيَارِ مِصْرَ جَمِيعِهَا، فَقَوِيَ أَمْرُهُ، وَعَلَا شَأْنُهُ، وَدَامَتْ أَيَّامُهُ، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١] .
ذِكْرُ وَقْعَةٍ بَيْنَ مُسَاوِرٍ الْخَارِجِيِّ وَبَيْنَ عَسْكَرِ الْمَوْصِلِ
كَانَ مُسَاوِرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى أَكْثَرِ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ وَقَوِيَ أَمْرُهُ، فَجَمَعَ لَهُ الْحَسَنُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْعَدَوِيُّ التَّغْلِبِيُّ - وَكَانَ خَلِيفَةَ أَبِيهِ بِالْمَوْصِلِ - عَسْكَرًا كَثِيرًا مِنْهُمْ حَمْدَانُ بْنُ حَمْدُونَ جَدُّ الْأُمَرَاءِ الْحَمْدَانِيَّةِ، وَغَيْرُهُ، وَسَارَ إِلَى مُسَاوِرٍ وَعَبَرَ إِلَيْهِ نَهَرَ الزَّابِ، فَتَأَخَّرَ عَنْهُ مُسَاوِرٌ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَنَزَلَ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ وَادِي الذِّيَاتِ، وَهُوَ وَادٍ
стр. 3197
عَمِيقٌ، فَسَارَ الْحَسَنُ فِي طَلَبِهِ، فَالْتَقَوْا فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَاقْتَتَلُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ الْمَوْصِلِ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ، وَسَقَطَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي الْوَادِي، فَهَلَكَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنَ الْقَتْلَى، وَنَجَا الْحَسَنُ فَوَصَلَ إِلَى حَزَّةَ مِنْ أَعْمَالِ إِرْبِلَ الْيَوْمَ، وَنَجَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ السَّيِّدِ، فَظَنَّ الْخَوَارِجُ أَنَّهُ الْحَسَنُ فَتَبِعُوهُ، وَكَانَ فَارِسًا شُجَاعًا فَقَاتَلَهُمْ فَقُتِلَ، وَاشْتَدَّ أَمْرُ مُسَاوِرٍ وَعَظُمَ شَأْنُهُ وَخَافَهُ النَّاسُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ الرَّشِيدِ، وَهُوَ عَمُّ الْوَاثِقِ وَالْمُتَوَكِّلِ، وَعَمُّ أَبِي الْمُنْتَصِرِ وَالْمُسْتَعِينِ وَالْمُعْتَزِّ، وَكَانَ مَعَهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ إِخْوَتُهُ الْأَمِينُ، وَالْمَأْمُونُ، وَالْمُعْتَصِمُ، وَابْنَا أَخِيهِ الْوَاثِقُ وَالْمُتَوَكِّلُ ابْنَا الْمُعْتَصِمِ، وَأَبْنَاءُ ابْنَيْ أَخِيهِ، وَهُمُ الْمُنْتَصِرُ، وَالْمُسْتَعِينُ، وَالْمُعْتَزُّ.
وَفِيهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ تُوُفِّيَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵇ بِسَامَرَّا، وَهُوَ أَحَدُ مَنْ يَعْتَقِدُ الْإِمَامِيَّةُ إِمَامَتَهُ، (وَصَلَّى عَلَيْهِ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ) .
وَفِيهَا عَقَدَ صَالِحُ بْنُ وَصِيفٍ لِدِيُودَادَ عَلَى دِيَارِ مِصْرَ وَقِنَّسْرِينَ وَالْعَوَاصِمِ.
وَفِيهَا أَوْقَعَ مُفْلِحٌ بِأَهْلِ قُمٍّ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةَ عَظِيمَةً.
(وَفِيهَا عَاوَدَ أَهْلُ مَارِدَةَ مِنْ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ الْخِلَافَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ خَالَفُوا قَدِيمًا عَلَى أَبِيهِ، فَظَفِرَ بِهِمْ، وَتَفَرَّقَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا، فَلَمَّا كَانَ الْآنَ تَجَمَّعَ إِلَيْهَا مَنْ كَانَ فَارَقَهَا، فَعَادُوا إِلَى الْخِلَافِ وَالْعِصْيَانِ، فَسَارَ مُحَمَّدٌ إِلَيْهِمْ، وَحَصَرَهُمْ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، فَانْقَادُوا إِلَى التَّسْلِيمِ وَالطَّاعَةِ، فَنَقَلَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَى قُرْطُبَةَ، وَهَدَمَ سُورَ مَارِدَةَ، وَحَصَّنَ بِهَا الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ يَسْكُنُهُ الْعُمَّالُ دُونَ غَيْرِهِمْ.
стр. 3198
وَفِيهَا هَلَكَ أَرَدُونُ بْنُ رُدْمِيرَ صَاحِبُ جِلَّيقِيَّةَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ، وَوُلِّيَ مَكَانَهُ أُدْفُونُشُ، وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً.
وَفِيهَا انْكَسَفَ الْقَمَرُ كُسُوفًا كُلِّيًّا لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ ظَاهِرٌ.
وَفِيهَا كَانَ بِبِلَادِ الْأَنْدَلُسِ قَحْطٌ شَدِيدٌ، تَتَابَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ [وَمِائَتَيْنِ] إِلَى سَنَةِ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ [وَمِائَتَيْنِ] ، وَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمْ) .
وَفِيهَا وَصَلَ دُلَفُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دُلَفٍ الْعِجْلِيُّ إِلَى الْأَهْوَازِ وَجُنْدَيْسَابُورَ وَتُسْتَرَ، فَجَبَى بِهَا مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَكَانَ وَالِدُهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ.
وَفِي رَمَضَانَ سَارَ نُوشَرى إِلَى مُسَاوِرٍ الشَّارِي، فَلَقِيَهُ فَهَزَمَهُ، وَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ جَمَاعَةً كَثِيرَةً.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
[الْوَفَيَاتُ]
(وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قَطَنَ النَّحْوِيُّ الْقَيْرَوَانِيُّ بِهَا، وَكَانَ إِمَامًا فِي النَّحْوِ وَاللُّغَةِ، وَإِمَامًا بِالْعَرَبِيَّةِ، قِيلَ: مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ [وَمِائَتَيْنِ] وَهُوَ أَصَحُّ) .
стр. 3199
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٥٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ يَعْقُوبَ بْنِ اللَّيْثِ الصَّفَّارِ عَلَى كَرْمَانَ
وَفِيهَا اسْتَوْلَى يَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ الصَّفَّارُ عَلَى كَرْمَانَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ شِبْلٍ كَانَ عَلَى فَارِسَ، فَكَتَبَ إِلَى الْمُعْتَزِّ يَطْلُبُ كَرْمَانَ، وَيَذْكُرُ عَجْزَ الطَّاهِرِيَّةِ، وَأَنَّ يَعْقُوبَ قَدْ غَلَبَهُمْ عَلَى سِجِسْتَانَ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ قَدْ تَبَاطَأَ بِحَمْلِ خَرَاجِ فَارِسَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُعْتَزُّ بِوِلَايَةِ كَرْمَانَ، وَكَتَبَ إِلَى يَعْقُوبَ بْنِ اللَّيْثِ بِوِلَايَتِهَا أَيْضًا، يَلْتَمِسُ إِغْرَاءَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِصَاحِبِهِ لِيُسْقِطَ مَؤُونَةَ الْهَالِكِ عَنْهُ، وَيَنْفَرِدَ بِالْآخَرِ.
وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يُظْهِرُ طَاعَةً لَا حَقِيقَةَ لَهَا، وَالْمُعْتَزُّ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهَا، فَأَرْسَلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ طَوْقَ بْنَ الْمُغَلِّسِ إِلَى كَرْمَانَ، وَسَارَ يَعْقُوبُ إِلَيْهَا، فَسَبَقَهُ طَوْقٌ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَأَقْبَلَ يَعْقُوبُ حَتَّى بَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَرْمَانَ مَرْحَلَةٌ، فَأَقَامَ بِهَا شَهْرَيْنِ لَا يَتَقَدَّمُ إِلَى طَوْقٍ، وَلَا طَوْقٌ يَخْرُجُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَظْهَرَ الِارْتِحَالَ إِلَى سِجِسْتَانَ، فَارْتَحَلَ مَرْحَلَتَيْنِ، وَبَلَغَ طَوْقًا ارْتِحَالُهُ فَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ بَدَا لَهُ فِي حَرْبِهِ، وَتَرَكَ كَرْمَانَ، فَوَضَعَ آلَةَ الْحَرْبِ، وَقَعَدَ لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْمَلَاهِي.
وَاتَّصَلَ بِيَعْقُوبَ إِقْبَالُ طَوْقٍ عَلَى الشُّرْبِ، فَكَّرَ رَاجِعًا، فَطَوَى الْمَرْحَلَتَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ يَشْعُرْ طَوْقٌ إِلَّا بِغَبَرَةِ عَسْكَرِهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: غَبَرَةُ الْمَوَاشِي، فَلَمْ يَكُنْ بِأَسْرَعِ مِنْ مُوَافَاةِ يَعْقُوبَ، فَأَحَاطَ بِهِ وَأَصْحَابِهِ، (فَذَهَبَ أَصْحَابُهُ) يُرِيدُونَ الْمُنَاهَضَةَ وَالدَّفْعَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَقَالَ يَعْقُوبُ لِأَصْحَابِهِ: أَفْرِجُوا لِلْقَوْمِ! فَمَرُّوا هَارِبِينَ، وَخَلَّوْا كُلَّ مَا لَهُمْ، وَأَسَرَ يَعْقُوبُ طَوْقًا.
стр. 3200
وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ قَدْ سَيَّرَ مَعَ طَوْقٍ فِي صَنَادِيقَ قُيُودًا لِيُقَيِّدَ بِهَا مَنْ يَأْخُذُهُ مِنْ أَصْحَابِ يَعْقُوبَ، وَفِي صَنَادِيقَ أَطْوِقَةٌ وَأَسْوِرَةٌ لِيُعْطِيَهَا أَهْلَ الْبَلَاءِ مِنْ أَصْحَابِ نَفْسِهِ، فَلَمَّا غَنِمَ يَعْقُوبُ عَسْكَرَهُمْ رَأَى ذَلِكَ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا طَوْقُ؟ فَأَخْبَرَهُ، فَأَخَذَ الْأَطْوِقَةَ وَالْأَسْوِرَةَ، فَأَعْطَاهَا أَصْحَابَهُ، وَأَخَذَ الْقُيُودَ وَالْأَغْلَالَ، فَقَيَّدَ بِهَا أَصْحَابَ عَلِيٍّ، وَلَمَّا أَخْرَجَ يَدَ طَوْقٍ لِيَضَعَ فِيهَا الْغُلَّ رَآهَا يَعْقُوبُ وَعَلَيْهَا عِصَابَةٌ، فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ: أَصَابَتْنِي حَرَارَةٌ فَفَصَدْتُهَا. فَأَمَرَ بِنَزْعِ خُفِّ نَفْسِهِ، فَتَسَاقَطَ مِنْهُ كِسَرُ خُبْزٍ يَابِسَةٍ، فَقَالَ: يَا طَوْقُ! هَذَا خُفِّي لَمْ أَنْزِعْهُ مُنْذُ شَهْرَيْنِ مِنْ رِجْلِي، وَخُبْزِي فِي خُفِّي مِنْهُ آكُلُ، وَأَنْتَ جَالِسٌ فِي الشُّرْبِ؟ ثُمَّ دَخَلَ كَرْمَانَ وَمَلَكَهَا مَعَ سِجِسْتَانَ.
ذِكْرُ مُلْكِ يَعْقُوبَ فَارِسَ
وَفِيهَا، رَابِعَ جُمَادَى الْأُولَى، مَلَكَ يَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ فَارِسَ، وَلَمَّا بَلَغَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ شِبْلٍ بِفَارِسَ مَا فَعَلَهُ يَعْقُوبُ بِطَوْقٍ أَيْقَنَ بِمَجِيئِهِ إِلَيْهِ، وَكَانَ عَلِيٌّ بِشِيرَازَ، فَجَمَعَ جَيْشَهُ وَسَارَ إِلَى مَضِيقٍ خَارِجَ شِيرَازَ، مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ جَبَلٌ لَا يُسْلَكُ، وَمِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ نَهْرٌ لَا يُخَاضُ، فَأَقَامَ عَلَى رَأْسِ الْمَضِيقِ، وَهُوَ ضَيِّقٌ مَمَرُّهُ لَا يَسْلُكُهُ إِلَّا وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، وَهُوَ عَلَى طَرَفِ الْبَرِّ، وَقَالَ: إِنَّ يَعْقُوبَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْجَوَازِ إِلَيْنَا. فَرَجَعَ.
وَأَقْبَلَ يَعْقُوبُ حَتَّى دَنَا مِنْ ذَلِكَ الْمَضِيقِ، فَنَزَلَ عَلَى مِيلٍ مِنْهُ، وَسَارَ وَحْدَهُ وَمَعَهُ رَجُلٌ آخَرُ، فَنَظَرَ إِلَى ذَلِكَ الْمَضِيقِ وَالْعَسْكَرُ وَأَصْحَابُ [عَلِيِّ بْنِ] الْحَسَنِ يَسُبُّونَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ الظُّهْرَ سَارَ بِأَصْحَابِهِ حَتَّى صَارَ إِلَى طَرَفِ الْمَضِيقِ مِمَّا يَلِي كَرْمَانَ، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالنُّزُولِ وَحَطَّ الْأَثْقَالَ، فَفَعَلُوا، وَرَكِبُوا دَوَابَّهُمْ عُرْيًا، وَأَخَذَ كَلْبًا كَانَ مَعَهُ فَأَلْقَاهُ فِي الْمَاءِ، فَجَعَلَ يَسْبَحُ إِلَى جَانِبِ عَسْكَرِ [عَلِيِّ بْنِ] الْحُسَيْنِ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابُهُ قَدْ رَكِبُوا يَنْظُرُونَ إِلَى فِعْلِهِ، وَيَضْحَكُونَ مِنْهُ.
وَأَلْقَى يَعْقُوبُ نَفْسَهُ وَأَصْحَابَهُ فِي الْمَاءِ عَلَى خَيْلِهِمْ، وَبِأَيْدِيهِمُ الرِّمَاحُ، يَسِيرُونَ خَلْفَ الْكَلْبِ، فَلَمَّا رَأَى عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ أَنَّ يَعْقُوبَ قَدْ قَطَعَ عَامَّةَ النَّهْرِ تَحَيَّرَ فِي أَمْرِهِ، وَانْتَقَضَ عَلَيْهِ تَدْبِيرَهُ، وَخَرَجَ أَصْحَابُ يَعْقُوبَ مِنْ وَرَاءِ أَصْحَابِ عَلِيٍّ، فَلَمَّا خَرَجَ أَوَائِلُهُمْ هَرَبَ أَصْحَابُهُ إِلَى مَدِينَةِ شِيرَازَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَصِيرُونَ، إِذَا خَرَجَ يَعْقُوبُ وَأَصْحَابُهُ، بَيْنَ جَيْشِ يَعْقُوبَ وَالْمَضِيقِ، وَلَا يَجِدُونَ مَلْجَأً، فَانْهَزَمُوا، فَسَقَطَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ دَابَّتِهِ،
стр. 3201
كَبَا بِهِ الْفَرَسُ، فَأُخِذَ أَسِيرًا، وَأُتِيَ بِهِ إِلَى يَعْقُوبَ، فَقَيَّدَهُ، وَأَخَذَ كُلَّ مَا فِي عَسْكَرِهِ، ثُمَّ رَحَلَ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَدَخَلَ شِيرَازَ لَيْلًا، فَلَمْ يَتَحَرَّكْ أَحَدٌ، فَلَمَّا أَصْبَحَ نَهَبَ أَصْحَابُهُ دَارَ عَلِيٍّ وَدُورَ أَصْحَابِهِ، وَأَخَذَ مَا فِي بُيُوتِ الْأَمْوَالِ، وَجَبَى الْخَرَاجَ وَرَجَعَ إِلَى سِجِسْتَانَ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ جَرَى بَيْنَ يَعْقُوبَ الصَّفَّارِ وَبَيْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، بَعْدَ عُبُورِهِ النَّهْرَ، حَرْبٌ شَدِيدَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ جَمْعًا كَثِيرًا مِنَ الْمَوَالِي وَالْأَكْرَادِ وَغَيْرِهِمْ، بَلَغَتْ عِدَّتُهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا بَيْنَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، فَعَبَّأَ أَصْحَابَهُ مَيْمَنَةً، وَمَيْسَرَةً، وَوَقَفَ هُوَ فِي الْقَلْبِ، وَأَقْبَلَ الصَّفَّارُ فَعَبَرَ النَّهْرَ، فَلَمَّا صَارَ مَعَ عَلَيٍّ عَلَى أَرْضٍ وَاحِدَةٍ حَمَلَ هُوَ وَعَسْكَرُهُ حَمْلَةً وَاحِدَةً عَلَى عَسْكَرِ عَلِيٍّ، فَثَبَتُوا لَهُمْ، ثُمَّ حَمَلَ ثَانِيَةً، فَأَزَالَهُمْ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ، وَصَدَقَهُمْ فِي الْحَرْبِ، فَانْهَزَمُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ.
وَتَبِعَهُمْ عَلِيٌّ يَصِيحُ بِهِمْ، وَيُنَاشِدُهُمُ اللَّهَ لِيَرْجِعُوا، أَوْ لِيَقِفُوا، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ أَحَدٌ، وَقُتِلَ الرَّجَّالَةُ قَتْلًا ذَرِيعًا، وَأَقْبَلَ الْمُنْهَزِمُونَ إِلَى (بَابِ) شِيرَازَ مَعَ الْعَصْرِ، فَازْدَحَمُوا فِي الْأَبْوَابِ، فَتَفَرَّقُوا فِي نَوَاحِي فَارِسٍ، وَبَلَغَ بَعْضُهُمْ فِي هَزِيمَتِهِ إِلَى الْأَهْوَازِ.
فَلَمَّا رَأَى الصَّفَّارُ مَا لَقُوا مِنَ الْقَتْلِ أَمَرَ بِالْكَفِّ عَنْهُمْ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَقُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ.
وَكَانَ الْقَتْلَى خَمْسَةَ آلَافِ قَتِيلٍ، وَأَصَابَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ ثَلَاثُ جِرَاحَاتٍ، ثُمَّ أُخِذَ أَسِيرًا لَمَّا عَرَفُوهُ، وَدَخَلَ الصَّفَّارُ إِلَى شِيرَازَ، وَطَافَ بِالْمَدِينَةِ، وَنَادَى بِالْأَمَانِ فَاطْمَأَنَّ النَّاسُ، وَعَذَّبَ عَلِيًّا بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ، وَأَخَذَ مِنْ أَمْوَالِهِ أَلْفَ بَدْرَةٍ، (وَقِيلَ: أَرْبَعُ مِائَةِ بَدْرَةٍ) وَمِنَ السِّلَاحِ وَالْأَفْرَاسِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا لَا يُحَدُّ، وَكَتَبَ إِلَى الْخَلِيفَةِ بِطَاعَتِهِ، وَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً جَلِيلَةً، مِنْهَا عَشْرَةُ بِيزَانٍ بِيضٍ، وَبَازٌ أَبْلَقُ صِينِيٌّ، وَمِائَةُ مَنٍّ مِسْكًا وَغَيْرَهَا مِنَ الطَّرَائِفِ، وَعَادَ إِلَى سِجِسْتَانَ وَمَعَهُ عَلِيٌّ، وَطَوْقٌ، تَحْتَ الِاسْتِظْهَارِ، فَلَمَّا فَارَقَ بِلَادَ فَارِسَ أَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ عُمَّالَهُ إِلَيْهَا.
стр. 3202
ذِكْرُ خَلْعِ الْمُعْتَزِّ وَمَوْتِهِ
وَفِيهَا، فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ، لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ، خُلِعَ الْمُعْتَزُّ، وَلِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَعْبَانَ ظَهَرَ مَوْتُهُ.
وَكَانَ سَبَبُ خَلْعِهِ أَنَّ الْأَتْرَاكَ لَمَّا فَعَلُوا بِالْكُتَّابِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَمْ يُحَصَّلْ مِنْهُمْ مَالٌ، سَارُوا إِلَى الْمُعْتَزِّ يَطْلُبُونَ أَرْزَاقَهُمْ، وَقَالُوا: أَعْطِنَا أَرْزَاقَنَا حَتَّى نَقْتُلَ صَالِحَ بْنَ وَصِيفٍ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُعْطِيهِمْ، فَنَزَلُوا مَعَهُ إِلَى خَمْسِينَ أَلْفِ دِينَارٍ، فَأَرْسَلَ الْمُعْتَزُّ إِلَى أُمِّهِ يَسْأَلُهَا أَنْ تُعْطِيَهُ مَالًا لِيُعْطِيَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ.
فَلَمَّا رَأَى الْأَتْرَاكُ أَنَّهُمْ لَا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنَ الْمُعْتَزِّ شَيْءٌ، وَلَا مِنْ أُمِّهِ، وَلَيْسَ فِي بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ، اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ، وَكَلِمَةُ الْمَغَارِبَةِ، وَالْفَرَاغِنَةِ، عَلَى خَلْعِ الْمُعْتَزِّ، فَسَارُوا إِلَيْهِ وَصَاحُوا، فَدَخَلَ إِلَيْهِ صَالِحٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بُغَا الْمَعْرُوفُ بِأَبِي نَصْرٍ، وَبَايَكْبَاكَ فِي السِّلَاحِ، فَجَلَسُوا عَلَى بَابِهِ، وَبَعَثُوا إِلَيْهِ أَنِ اخْرُجْ إِلَيْنَا، فَقَالَ: قَدْ شَرِبْتُ أَمْسِ دَوَاءً، وَقَدْ أَفْرَطَ فِي الْعَمَلِ، فَإِنْ كَانَ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ فَلْيَدْخُلْ بَعْضُكُمْ! وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ أَمْرَهُ وَاقِفٌ عَلَى حَالِهِ، فَدَخَلَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، فَجَّرُوهُ بِرِجْلِهِ إِلَى بَابِ الْحُجْرَةِ، وَضَرَبُوهُ بِالدَّبَابِيسِ، وَخَرَقُوا قَمِيصَهُ، وَأَقَامُوهُ فِي الشَّمْسِ فِي الدَّارِ، فَكَانَ يَرْفَعُ رِجْلًا وَيَضَعُ أُخْرَى لِشِدَّةِ الْحَرِّ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَلْطِمُهُ وَهُوَ يَتَّقِي بِيَدِهِ، وَأَدْخَلُوهُ حُجْرَةً، وَأَحْضَرُوا ابْنَ أَبِي الشَّوَارِبِ وَجَمَاعَةً أَشْهَدُوهُمْ عَلَى خَلْعِهِ، وَشَهِدُوا عَلَى صَالِحِ بْنِ وَصِيفٍ أَنَّ لِلْمُعْتَزِّ وَأُمِّهِ وَوَلَدِهِ وَأُخْتِهِ الْأَمَانَ.
وَكَانَتْ أُمُّهُ قَدِ اتَّخَذَتْ فِي دَارِهَا سَرَبًا، فَخَرَجَتْ مِنْهُ هِيَ وَأُخْتُ الْمُعْتَزِّ، وَكَانُوا أَخَذُوا عَلَيْهَا الطَّرِيقَ، (وَمَنَعُوا أَحَدًا يَجُوزُ إِلَيْهَا) ، وَسَلَّمُوا الْمُعْتَزَّ إِلَى مَنْ يُعَذِّبُهُ، فَمَنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَطَلَبَ حَسْوَةً مِنْ مَاءِ الْبِئْرِ، فَمَنَعُوهُ، ثُمَّ أَدْخَلُوهُ سِرْدَابًا، وَجَصَّصُوا عَلَيْهِ، فَمَاتَ، فَلَمَّا مَاتَ أَشْهَدُوا عَلَى مَوْتِهِ بَنِي هَاشِمٍ وَالْقُوَّادَ، وَأَنَّهُ لَا أَثَرَ فِيهِ، وَدَفَنُوهُ مَعَ الْمُنْتَصِرِ.
وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ مِنْ لَدُنْ بُويِعَ إِلَى أَنْ خُلِعَ أَرْبَعَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ وَثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا.
стр. 3203
يَوْمًا، وَكَانَ عُمْرُهُ كُلُّهُ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً.
وَكَانَ أَبْيَضَ، أَسْوَدَ الشَّعْرِ، كَثِيفَهُ، حَسَنَ الْعَيْنَيْنِ وَالْوَجْهِ، أَحْمَرَ الْوَجْنَتَيْنِ، حَسَنَ الْجِسْمِ طَوِيلًا ; وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِسُرُّ مَنْ رَأَى، وَكَانَ فَصِيحًا، فَمِنْ كَلَامِهِ لَمَّا سَارَ الْمُسْتَعِينُ إِلَى بَغْدَاذَ، وَقَدْ أَحْضَرَ جَمَاعَةً لِلرَّأْيِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَمَا تَنْظُرُونَ إِلَى هَذِهِ الْعِصَابَةِ الَّتِي ذَاعَ نِفَاقُهَا؟
الْهَمَجِ، الْعُصَاةِ، الْأَوْغَادِ الَّذِينَ لَا مِسْكَةَ بِهِمْ، وَلَا اخْتِيَارَ لَهُمْ، وَلَا تَمْيِيزَ مَعَهُمْ، قَدْ زَيَّنَ لَهُمْ تَقَحُّمَ الْخَطَأِ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ، فَهُمُ الْأَقَلُّونَ وَإِنْ كَثُرُوا، وَالْمُذَمُّونَ إِذَا ذُكِرُوا، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِقُوَّادِ الْجُيُوشِ، وَسَدِّ الثُّغُورِ، وَإِبْرَامِ الْأُمُورِ، وَتَدْبِيرِ الْأَقَالِيمِ إِلَّا رَجُلٌ قَدْ تَكَامَلَتْ فِيهِ خِصَالٌ أَرْبَعٌ: حَزْمٌ يَتَّقِي بِهِ عِنْدَ مَوَارِدِ الْأُمُورِ حَقَائِقَ مَصَادِرِهَا، وَعِلْمٌ يَحْجِزُهُ عَنِ التَّهَوُّرِ، وَالتَّغْرِيرِ فِي الْأَشْيَاءِ إِلَّا مَعَ إِمْكَانِ فُرْصَتِهَا، وَشَجَاعَةٌ لَا تَفُضُّهَا الْمُلِمَّاتُ مَعَ تَوَاتُرِ حَوَائِجِهَا، وُجُودٌ يُهَوِّنُ تَبْذِيرَ الْأَمْوَالِ عِنْدَ سُؤَالِهَا، وَسُرْعَةُ مُكَافَأَةِ الْإِحْسَانِ إِلَى صَالِحِ الْأَعْوَانِ، وَثِقَلُ الْوَطْأَةِ عَلَى أَهْلِ الزَّيْغِ وَالْعُدْوَانِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْحَوَادِثِ إِذْ لَا تُؤْمَنُ حَوَادِثُ الزَّمَانِ.
وَأَمَّا الِاثْنَتَانِ فَإِسْقَاطُ الْحِجَابِ عَنِ الرَّعِيَّةِ، وَالْحُكْمُ بَيْنَ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ بِالسَّوِيَّةِ.
وَأَمَّا الْوَاحِدَةُ فَالتَّيَقُّظُ لِلْأُمُورِ، وَقَدِ اخْتَرْتُ لَهُمْ رَجُلًا مِنْ مَوَالِي أَحَدِهِمْ شَدِيدَ الشَّكِيمَةِ، مَاضِيَ الْعَزِيمَةِ، لَا تُبْطِرُهُ السَّرَّاءُ، وَلَا تُدْهِشُهُ الضَّرَّاءُ، وَلَا يَهَابُ مَا وَرَاءَهُ، وَلَا يَهُولُهُ مَا يَلْقَاهُ، فَهُوَ كَالْحَرِيشِ فِي أَصْلِ الْإِسْلَامِ إِنْ حُرِّكَ حَمَلَ، وَإِنْ نَهَشَ قَتَلَ، عُدَّتُهُ عَتِيدَةٌ، وَنِعْمَتُهُ شَدِيدَةٌ، يَلْقَى الْجَيْشَ فِي النَّفَرِ الْقَلِيلِ الْعَدِيدِ، بِقَلْبٍ أَشَدَّ مِنَ الْحَدِيدِ، طَالِبٌ لِلثَّأْرِ لَا تَفُلُّهُ الْعَسَاكِرُ، بَاسِلُ الْبَأْسِ، وَمُقْتَضِبُ الْأَنْفَاسِ، لَا يَعُوزُهُ مَا طَلَبَ، وَلَا يَفُوتُهُ مَنْ هَرَبَ، وَارِي الزِّنَادِ مُضْطَلِعُ الْعِمَادِ، لَا تُشْرِهُهُ الرَّغَائِبُ، وَلَا تُعْجِزُهُ
стр. 3204
النَّوَائِبُ، وَإِنْ وُلِّيَ كَفَى، وَإِنْ قَالَ وَفَى ; وَإِنْ نَازَلَ فَبَطَلٌ، وَإِنْ قَالَ فَعَلَ ; ظِلُّهُ لِوَلِيِّهِ ظَلِيلٌ، وَبَأْسُهُ فِي الْهِيَاجِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، يَفُوقُ مَنْ سَامَاهُ، وَيُعْجِزُهُ مَنْ نَاوَاهُ، وَيَتْعَبُ مَنْ جَارَاهُ، وَيَنْعِشُ مَنْ وَالَاهُ.
ذِكْرُ خِلَافَةِ الْمُهْتَدِي
وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنْ رَجَبٍ بُويِعَ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْوَاثِقِ، وَلُقِّبَ بِالْمُهْتَدِي بِاللَّهِ، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَأُمُّهُ رُومِيَّةٌ، وَكَانَتْ تُسَمَّى قُرْبَ، وَلَمْ يَقْبَلْ بَيْعَةَ أَحَدٍ، فَأَتَى بِالْمُعْتَزِّ فَخَلَعَ نَفْسَهُ، وَأَقَرَّ بِالْعَجْزِ عَمَّا أُسْنِدَ إِلَيْهِ، وَبِالرَّغْبَةِ فِي تَسْلِيمِهَا إِلَى ابْنِ الْوَاثِقِ، فَبَايَعَهُ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ.
ذِكْرُ الشَّغَبِ بِبَغْدَاذَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ شَغَبَتِ الْعَامَّةُ بِبَغْدَاذَ سَلْخَ رَجَبٍ، وَوَثَبُوا بِسُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ كِتَابَ الْمُهْتَدِي وَرَدَ سَلْخَ رَجَبٍ إِلَى سُلَيْمَانَ يَأْمُرُهُ بِأَخْذِ الْبَيْعَةِ لَهُ ; وَكَانَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ بِبَغْدَاذَ، وَكَانَ الْمُعْتَزُّ قَدْ سَيَّرَهُ إِلَيْهَا، كَمَا تَقَدَّمَ، فَأَرْسَلَ سُلَيْمَانُ إِلَيْهِ، فَأَخَذَهُ إِلَى دَارِهِ.
وَسَمِعَ مَنْ بِبَغْدَاذَ مِنَ الْجُنْدِ وَالْعَامَّةِ بِأَمْرِ الْمُعْتَزِّ، فَاجْتَمَعُوا إِلَى بَابِ دَارِ سُلَيْمَانَ، فَقَاتَلَهُمْ أَصْحَابُهُ، وَقِيلَ لَهُمْ: مَا يَرِدُ عَلَيْنَا مِنْ سَامَرَّا خَبَرٌ، فَانْصَرَفُوا.
وَرَجَعُوا الْغَدَ، وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، عَلَى ذَلِكَ، وَخُطِبَ لِلْمُعْتَزِّ بِبَغْدَاذَ، فَانْصَرَفُوا، وَبَكَّرُوا يَوْمَ السَّبْتِ، فَهَجَمُوا عَلَى دَارِ سُلَيْمَانَ، وَنَادَوْا بَاسِمِ أَبِي أَحْمَدَ، وَدَعَوْا إِلَى بَيْعَتِهِ، وَسَأَلُوا سُلَيْمَانَ أَنْ يُرِيَهُمْ أَبَا أَحْمَدَ، فَأَظْهَرَهُ لَهُمْ، وَوَعَدَهُمْ أَنْ يَصِيرَ إِلَى مَحَبَّتِهِمْ إِنْ تَأَخَّرَ عَنْهُمْ مَا يُحِبُّونَ، فَانْصَرَفُوا بَعْدَ أَنْ أَكَّدُوا عَلَيْهِ فِي حِفْظِ أَبِي أَحْمَدَ.
ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ مِنْ سَامَرَّا مَالٌ فَفُرِّقَ فِيهِمْ، فَرَضُوا، وَبَايَعُوا لِلْمُهْتَدِي لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ شَعْبَانَ وَسَكَنَتِ الْفِتْنَةُ.
стр. 3205
ذِكْرُ ظُهُورِ قَبِيحَةَ أُمِّ الْمُعْتَزِّ
قَدْ ذَكَرْنَا اسْتِتَارَهَا عِنْدَ قَتْلِ ابْنِهَا ; وَكَانَ السَّبَبُ فِي هَرَبِهَا وَظُهُورِهَا أَنَّهَا كَانَتْ قَدْ وَاطَأَتِ النَّفَرَ مِنَ الْكُتَّابِ الَّذِينَ أَوْقَعَ بِهِمْ صَالِحٌ عَلَى الْفَتْكِ بِصَالِحٍ، فَلَمَّا أَوْقَعَ بِهِمْ، وَعَذَّبَهُمْ، عَلِمَتْ أَنَّهُمْ لَا يَكْتُمُونَ عَنْهُ شَيْئًا، فَأَيْقَنَتْ بِالْهَلَاكِ، فَعَمِلَتْ فِي الْخَلَاصِ، وَأَخْرَجَتْ مَا فِي الْخَزَائِنِ إِلَى خَارِجِ الْجَوْسَقِ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَالْجَوَاهِرِ، وَغَيْرِهَا، فَأَوْدَعَتْهُ، وَاحْتَالَتْ، فَحَفَرَتْ سَرَبًا فِي حُجْرَةٍ لَهَا إِلَى مَوْضِعٍ يَفُوتُ التَّفْتِيشَ، فَلَمَّا خَرَجَتِ الْحَادِثَةُ عَلَى الْمُعْتَزِّ بَادَرَتْ فَخَرَجَتْ فِي ذَلِكَ السَّرَبِ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الْمُعْتَزِّ طَلَبُوهَا فَلَمْ يَجِدُوهَا، وَرَأَوُا السَّرَبَ، فَخَرَجُوا مِنْهُ، فَلَمْ يَقِفُوا عَلَى خَبَرِهَا، وَبَحَثُوا عَنْهَا فَلَمْ يَظْفَرُوا بِهَا.
ثُمَّ إِنَّهَا فَكَّرَتْ أَنَّ ابْنَهَا قُتِلَ، وَأَنَّ الَّذِي تَخْتَفِي عِنْدَهُ يَطْمَعُ فِي مَالِهَا وَفِي نَفْسِهَا، وَيَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى صَالِحٍ، (فَأَرْسَلَتِ امْرَأَةً عَطَّارَةً إِلَى صَالِحِ) بْنِ وَصِيفٍ، فَتَوَسَّطَتِ الْحَالَ بَيْنَهُمَا، وَظَهَرَتْ فِي رَمَضَانَ، وَكَانَتْ لَهَا أَمْوَالٌ بِبَغْدَاذَ، فَأَحْضَرَتْهَا، وَهِيَ مِقْدَارُ خَمْسِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَظَفِرُوا لَهَا بِخَزَائِنَ تَحْتَ الْأَرْضِ فِيهَا أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا دَارٌ تَحْتَ الْأَرْضِ، وَجَدُوا فِيهَا أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ وَثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَوَجَدُوا فِي سَفَطٍ قَدْرَ مَكُّوكٍ زُمُرُّدًا لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهُ، وَفِي سَفَطٍ آخَرَ مِقْدَارَ مَكُّوكٍ مِنَ اللُّؤْلُؤِ الْكِبَارِ ; وَفِي سَفَطٍ مِقْدَارَ كَيْلَجَةٍ مِنَ الْيَاقُوتِ الْأَحْمَرِ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ، فَحُمِلَ الْجَمِيعُ إِلَى صَالِحٍ، فَسَبَّهَا، وَقَالَ: عَرَّضَتِ ابْنَهَا لِلْقَتْلِ فِي خَمْسِينَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَعِنْدَهَا هَذِهِ الْأَمْوَالُ كُلُّهَا!
ثُمَّ سَارَتْ قَبِيحَةُ إِلَى مَكَّةَ، فَسُمِعَتْ وَهِيَ تَدْعُو بِصَوْتٍ عَالٍ عَلَى صَالِحِ بْنِ وَصِيفٍ، وَتَقُولُ: اللَّهُمَّ أَخْزِ صَالِحًا كَمَا هَتَكَ سِتْرِي، وَقَتَلَ وَلَدِي، وَشَتَّتَ شَمْلِي، وَأَخَذَ مَالِي، وَغَرَّبَنِي عَنْ بَلَدِي، وَرَكِبَ الْفَاحِشَةَ مِنِّي، وَأَقَامَتْ بِمَكَّةَ.
وَكَانَ الْمُتَوَكِّلُ سَمَّاهَا قَبِيحَةَ لِحُسْنِهَا وَجَمَالِهَا، كَمَا يُسَمَّى الْأَسْوَدُ كَافُورًا.
قَالَ: وَكَانَتْ أَمُّ الْمُهْتَدِي قَدْ مَاتَتْ قَبْلَ اسْتِخْلَافِهِ، وَكَانَتْ تَحْتَ الْمُسْتَعِينِ، فَلَمَّا قُتِلَ جَعَلَهَا الْمُعْتَزُّ فِي قَصْرِ الرُّصَافَةِ، فَمَاتَتْ، فَلَمَّا وَلِيَ الْمُهْتَدِي قَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَيْسَ لِي أُمٌّ أَحْتَاجُ لَهَا غَلَّةَ عَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ لِجَوَارِيهَا، وَخَدَمِهَا، وَالْمُتَّصِلِينَ بِهَا، وَمَا أُرِيدُ إِلَّا
стр. 3206
الْقُوتَ لِنَفْسِي وَوَلَدِي، وَمَا أُرِيدُ فَضْلًا إِلَّا لِإِخْوَتِي، فَإِنَّ الضَّائِقَةَ قَدْ مَسَّتْهُمْ.
ذِكْرُ قَتْلِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْرَائِيلَ وَأَبِي نُوحٍ
وَقِيلَ قُتِلَ أَحْمَدُ بْنُ إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ صَالِحٌ قَدْ عَذَّبَهُ بَعْدَ أَنْ أَخَذَهُ وَأَخَذَ مَالَهُ وَمَالَ الْحَسَنِ بْنِ مَخْلَدٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِضَرْبِهِ وَضَرْبِ أَبِي نُوحٍ ضَرْبَ التَّلَفِ، كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَمِائَةِ سَوْطٍ، فَمَاتَا وَدُفِنَا، وَبَقِيَ الْحَسَنُ بْنُ مَخْلَدٍ [فِي الْحَبْسِ] .
وَلَمَّا بَلَغَ الْمُهْتَدِيَ ضَرْبُهُمَا قَالَ: أَمَا عُقُوبَةٌ إِلَّا السَّوْطُ وَالْقَتْلُ، أَمَا يَكْفِي الْحَبْسُ؟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ! يُكَرِّرُ ذَلِكَ مِرَارًا.
ذِكْرُ وِلَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ بَغْدَاذَ وَشَغَبِ الْجُنْدِ وَالْعَامَّةِ بِهَا
وَفِي رَمَضَانَ وَثَبَ عَامَّةُ بَغْدَاذَ وَجُنْدُهَا بِمُحَمَّدِ بْنِ أَوْسٍ الْبَلْخِيِّ.
وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَوْسٍ قَدِمَ مِنْ خُرَاسَانَ مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ عَلَى الْجَيْشِ الْقَادِمِينَ مِنْ خُرَاسَانَ، وَعَلَى الصَّعَالِيكِ الَّذِينَ مَعَهُمْ، وَلَمْ تَكُنْ أَسْمَاؤُهُمْ فِي دِيوَانِ الْعِرَاقِ ; وَكَانَتِ الْعَادَةُ أَنْ يُقَامَ لِمَنْ يَقْدَمُ مِنْ خُرَاسَانَ بِالْعِرَاقِ مَا كَانَ لَهُمْ بِخُرَاسَانَ، وَيَكُونُ وَجْهُ ذَلِكَ مِنْ دَخْلِ ضِيَاعِ وَرَثَةِ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَيُكْتَبُ إِلَى خُرَاسَانَ لِيُعْطَى الْوَرَثَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عِوَضَهُ.
فَلَمَّا سَمِعَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِقُدُومِ سَلْمَانَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَمَصِيرِ الْأَمْرِ إِلَيْهِ، أَخَذَ مَا فِي بَيْتِ مَالِ الْوَرَثَةِ، وَأَخَذَ نُجُومًا لَمْ تَحِلَّ، وَسَارَ، فَأَقَامَ بِالْجُوَيْبِ، فِي شَرْقِيِّ دِجْلَةَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى غَرْبِيِّهَا، فَقَدِمَ سُلَيْمَانُ فَرَأَى بَيْتَ مَالِ الْوَرَثَةِ فَارِغًا، فَضَاقَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا، وَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مِنْ أَمْوَالِ جُنْدِ بَغْدَاذَ، وَتَحَرَّكَ الْجُنْدُ وَالشَّاكِرِيَّةُ فِي طَلَبِ الْأَرْزَاقِ.
وَكَانَ الَّذِينَ قَدِمُوا مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ أَوْسٍ مِنْ خُرَاسَانَ قَدْ أَسَاءُوا مُجَاوَرَةَ أَهْلِ بَغْدَاذَ،
стр. 3207
وَجَاهَرُوا بِالْفَاحِشَةِ، وَتَعَرَّضُوا لِلْحُرَمِ، وَالْغِلْمَانِ بِالْقَهْرِ، فَامْتَلَئُوا عَلَيْهِمْ غَيْظًا وَحَنَقًا، فَاتَّفَقَ الْعَامَّةُ مَعَ الْجُنْدِ، وَثَارُوا، وَأَتَوْا سِجْنَ بَغْدَاذَ، عِنْدَ بَابِ الشَّامِ، فَكَسَرُوا بَابَهُ، وَأَطْلَقُوا مَنْ فِيهِ، وَجَرَتْ حَرْبٌ بَيْنَ الْقَادِمِينَ مَعَ ابْنِ أَوْسٍ وَبَيْنَ أَهْلِ بَغْدَاذَ، فَعَبَرَ ابْنُ أَوْسٍ وَأَصْحَابُهُ وَأَوْلَادُهُ إِلَى الْجَزِيرَةِ، وَتَصَايَحَ النَّاسُ: مَنْ أَرَادَ النَّهْبَ فَلْيَلْحَقْ بِنَا! فَقِيلَ إِنَّهُ عَبَرَ إِلَى الْجَزِيرَةِ مِنَ الْعَامَّةِ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ نَفْسٍ، وَأَتَاهُمُ الْجُنْدُ فِي السِّلَاحِ، فَهَرَبَ ابْنُ أَوْسٍ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَتَبِعَهُ النَّاسُ، فَتَحَارَبُوا نِصْفَ نَهَارٍ حَرْبًا شَدِيدَةً، وَجُرِحَ ابْنُ أَوْسٍ، وَانْهَزَمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَتَبِعَهُمُ النَّاسُ حَتَّى أَخْرَجُوهُمْ مِنْ بَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ، وَانْتَهَبُوا مَنْزِلَهُ وَجَمِيعَ مَا كَانَ فِيهِ، فَقِيلَ: كَانَ قِيمَةُ ذَلِكَ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، وَأَخَذُوا لَهُ مِنَ الْأَمْتِعَةِ مَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَنَهَبَ أَهْلُ بَغْدَاذَ مَنَازِلَ الصَّعَالِيكِ مِنْ أَصْحَابِهِ.
فَأَرْسَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى ابْنِ أَوْسٍ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى خُرَاسَانَ، وَيُعْلِمُهُ أَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُ إِلَى الْعَوْدِ إِلَى بَغْدَاذَ، فَرَحَلَ إِلَى النَّهْرَوَانِ، فَنَهَبَ وَأَفْسَدَ، ثُمَّ أَتَى بَايِكْبَاكَ التُّرْكِيَّ، كَتَبَ إِلَيْهِ وُلَاةُ طَرِيقِ خُرَاسَانَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ.
وَكَانَ مُسَاوِرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَدِ اسْتَخْلَفَ رَجُلًا اسْمُهُ مُوسَى بِالدَّسْكَرَةِ وَنَوَاحِيهَا، فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ، وَإِلَيْهِ مَا بَيْنَ حُلْوَانَ وَالسُّوسِ عَلَى طَرِيقِ خُرَاسَانَ وَبَطْنِ جُوخَى.
وَفِيهَا أَمَرَ الْمُهْتَدِي بِإِخْرَاجِ الْقِيَانِ وَالْمُغَنِّينَ مِنْ سَامَرَّا، وَنَفَاهُمْ عَنْهَا، وَأَمَرَ أَيْضًا بِقَتْلِ السِّبَاعِ الَّتِي كَانَتْ بِدَارِ السُّلْطَانِ، وَطَرْدِ الْكِلَابِ، وَرَدَّ الْمَظَالِمَ، وَجَلَسَ لِلْعَامَّةِ، وَلَمَّا وَلِيَ كَانَتِ الدُّنْيَا كُلُّهَا بِالْفِتَنِ مَنْسُوخَةً.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ مُفْلِحٍ عَلَى طَبَرِسْتَانَ وَعَوْدِهِ عَنْهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ مُفْلِحٌ إِلَى طَبَرِسْتَانَ، فَحَارَبَ الْحَسَنَ بْنَ زَيْدٍ الْعَلَوِيَّ، فَانْهَزَمَ الْحَسَنُ وَلَحِقَ بِالدَّيْلَمِ، وَدَخَلَ مُفْلِحٌ الْبَلَدَ، وَأَحْرَقَ مَنَازِلَ الْحَسَنِ، وَسَارَ إِلَى الدَّيْلَمِ فِي
стр. 3208
طَلَبِهِ، ثُمَّ عَادَ عَنْ طَبَرِسْتَانَ بَعْدَ أَنْ دَخَلَهَا، وَهَزَمَ الْحَسَنَ بْنَ زَيْدٍ الْعَلَوِيَّ، وَعَادَ مُوسَى بْنُ بُغَا مِنَ الرَّيِّ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ قَبِيحَةَ أُمَّ الْمُعْتَزِّ لَمَّا رَأَتِ اضْطِرَابَ الْأَتْرَاكِ كَتَبَتْ إِلَى مُوسَى تَسْأَلُهُ الْقُدُومَ عَلَيْهِمْ، وَأَمَّلَتْ أَنْ يَصِلَ قَبْلَ أَنْ يَفْرِطَ فِي وَلَدِهَا فَارِطٌ، فَعَزَمَ عَلَى الِانْصِرَافِ، وَكَتَبَ مُفْلِحٌ يَأْمُرُهُ بِالِانْصِرَافِ عَنْ طَبَرِسْتَانَ إِلَيْهِ بِالرَّيِّ، فَوَرَدَ كِتَابُهُ إِلَى مُفْلِحٍ وَهُوَ قَدْ تَوَجَّهَ إِلَى أَرْضِ الدَّيْلَمِ فِي طَلَبِ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ الْعَلَوِيِّ، فَلَمَّا أَتَاهُ الْكِتَابُ رَجَعَ، فَأَتَاهُ مَنْ كَانَ هَرَبَ مِنَ الْحَسَنِ مِنْ أَهْلِ طَبَرِسْتَانَ، وَرَجَوُا الْعَوْدَ إِلَى بُيُوتِهِمْ، وَقَالُوا لَهُ: مَا سَبَبُ عَوْدِكَ؟ فَأَخْبَرَهُمْ بِكِتَابِ الْأَمِيرِ إِلَيْهِ يَعْزِمُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَتَهَيَّأْ لِمُوسَى الْمَسِيرُ عَنِ الرَّيِّ حَتَّى أَتَاهُ خَبَرُ قَتْلِ الْمُعْتَزِّ وَالْبَيْعَةِ لِلْمُهْتَدِي، فَبَايَعُوا الْمُهْتَدِي.
ثُمَّ إِنَّ الْمَوَالِيَ الَّذِينَ مَعَ مُوسَى بَلَغَهُمْ مَا أَخَذَ صَالِحُ بْنُ وَصِيفٍ مِنْ أَمْوَالِ الْكُتَّابِ وَأَسْلَابِ الْمُعْتَزِّ، فَحَسَدُوا الْمُقِيمِينَ بِسَامَرَّا، فَدَعَوْا مُوسَى بْنَ بُغَا بِالِانْصِرَافِ، وَقَدِمَ عَلَيْهِمْ مُفْلِحٌ وَهُوَ بِالرَّيِّ فَسَارَ نَحْوَ سَامَرَّا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُهْتَدِي يَأْمُرُهُ بِالْعَوْدِ إِلَى الرَّيِّ وَلُزُومِ ذَلِكَ الثَّغْرِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ يُعَرِّفَانِهِ ضِيقَ الْأَمْوَالِ عِنْدَهُ، وَيُحَذِّرَانِهِ غَلَبَةَ الْعَلَوِيِّينَ عَلَى مَا (يَجْعَلُهُ خَلْفَهُ) ، فَلَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ.
وَكَانَ صَالِحُ بْنُ وَصِيفٍ يُعَظِّمُ عَلَى الْمُهْتَدِي انْصِرَافَهُ، وَيَنْسُبُهُ إِلَى الْمَعْصِيَةِ وَالْخِلَافِ، وَيَتَبَرَّأُ إِلَى الْمُهْتَدِي مِنْ فِعْلِهِ، وَلَمَّا أَتَى الرُّسُلُ مُوسَى ضَجَّ الْمَوَالِي، وَكَادُوا أَنْ يَثِبُوا بِالرُّسُلِ، وَرَدَّ مُوسَى الْجَوَابَ يَتَعَذَّرُ بِتَخَلُّفِ مَنْ مَعَهُ عَنِ الرُّجُوعِ إِلَى قَوْلِهِ دُونَ وُرُودِ بَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَحْتَجُّ بِمَا عَايَنَ الرُّسُلُ، وَأَنَّهُ إِنْ تَخَلَّفَ عَنْهُمْ قَتَلُوهُ، وَسَيَّرَ مَعَ الرُّسُلِ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَدِمُوا سَامَرَّا سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ مُسَاوِرٍ عَلَى الْمَوْصِلِ
لَمَّا انْهَزَمَ عَسْكَرُ الْمَوْصِلِ مِنْ مُسَاوِرٍ الْخَارِجِيِّ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، قَوِيَ أَمْرُهُ، وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ، فَسَارَ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَقَصَدَ الْمَوْصِلَ، فَنَزَلَ بِظَاهِرِهَا عِنْدَ الدَّيْرِ الْأَعْلَى، فَاسْتَتَرَ أَمِيرُ الْبَلَدِ مِنْهُ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، لِضَعْفِهِ عَنْ مُقَاتَلَتِهِ، وَلَمْ يَدْفَعْهُ أَهْلُ الْمَوْصِلِ أَيْضًا
стр. 3209
(لِمَيْلِهِمْ إِلَى الْخِلَافِ) ، فَوَجَّهَ مُسَاوِرٌ جَمْعًا إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرِ الْبَلَدِ، فَأَحْرَقَهَا، وَدَخَلَ مُسَاوِرٌ الْمَوْصِلَ بِغَيْرِ حَرْبٍ، فَلَمْ يَعْرِضْ لِأَحَدٍ.
وَحَضَرَتِ الْجُمُعَةُ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ، وَحَضَرَ النَّاسُ، أَوْ مَنْ حَضَرَ مِنْهُمْ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَخَطَبَ عَلَيْهِ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْنَا، وَأَصْلِحْ وُلَاتَنَا! وَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ جَعَلَ إِبْهَامَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، ثُمَّ كَبَّرَ سِتَّ تَكَبِيرَاتٍ، ثُمَّ قَرَأَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَمَّا خَطَبَ جَعَلَ عَلَى دَرَجِ الْمِنْبَرِ مِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ يَحْرُسُهُ بِالسُّيُوفِ، وَكَذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُ خَافَ مَنْ أَهْلِ الْمَوْصِلِ، ثُمَّ فَارَقَ الْمَوْصِلَ، وَلَمْ يُقْدِمْ عَلَى الْمُقَامِ بِهَا لِكَثْرَةِ أَهْلِهَا، وَسَارَ إِلَى الْحَدِيثَةِ ; لِأَنَّهُ كَانَ اتَّخَذَهَا دَارَ هِجْرَتِهِ.
ذِكْرُ أَوَّلِ خُرُوجِ صَاحِبِ الزَّنْجِ
وَفِي شَوَّالٍ خَرَجَ فِي فُرَاتِ الْبَصْرَةِ رَجُلٌ، وَزَعَمَ أَنَّهُ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ [بْنِ عَلِيِّ] بْنِ عِيسَى بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵇، وَجَمَعَ الزَّنْجَ الَّذِينَ كَانُوا يَسْكُنُونَ السِّبَاخَ، وَعَبَرَ دِجْلَةَ، فَنَزَلَ الدِّينَارِيَّ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَانَ اسْمُهُ، فِيمَا ذُكِرَ، عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، وَنَسَبُهُ فِي عَبْدِ الْقَيْسِ، وَأُمُّهُ ابْنَةُ عَلِيِّ بْنِ رَحِيبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ (مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ قُرَى الرَّيِّ، وَكَانَ يَقُولُ: جَدِّي مُحَمَّدُ بْنُ حَكِيمٍ) مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ أَحَدُ الْخَارِجِينَ عَلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَعَ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، فَلَمَّا قُتِلَ زَيْدٌ هَرَبَ فَلَحِقَ بِالرَّيِّ، فَجَاءَ إِلَى قَرْيَةِ وَرْزَنِينَ وَأَقَامَ بِهَا.
وَإِنَّ أَبَا أَبِيهِ عَبْدَ الرَّحِيمِ رَجُلٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، كَانَ مَوْلِدُهُ بِالطَّالَقَانِ، وَقَدِمَ الْعِرَاقَ، وَاشْتَرَى جَارِيَةً سِنْدِيَّةً، وَأَوْلَدَهَا مُحَمَّدًا أَبَاهُ، وَكَانَ مُتَّصِلًا قَبْلُ بِجَمَاعَةٍ مِنْ حَاشِيَةِ الْمُنْتَصِرِ، مِنْهُمْ غَانِمٌ الشَّطْرَنْجِيُّ، وَسَعِيدٌ الصَّغِيرُ، وَكَانَ مَعَاشُهُ مِنْهُمْ وَمِنْ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ، وَكَانَ يَمْدَحُهُمْ وَيَسْتَمِيحُهُمْ بِشِعْرِهِ، (مِنْهُمْ، وَمِنْ غَيْرِهِمْ) .
ثُمَّ إِنَّهُ شَخَصَ مِنْ سَامَرَّا سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، فَادَّعَى بِهَا أَنَّهُ
стр. 3210
عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَدَعَا النَّاسَ بِهَجَرَ إِلَى طَاعَتِهِ، فَاتَّبَعَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَهْلِهَا وَمِنْ غَيْرِهِمْ، فَجَرَى بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ عَصَبِيَّةٌ قُتِلَ فِيهَا جَمَاعَةٌ.
وَكَانَ أَهْلُ الْبَحْرَيْنِ قَدْ أَحَلُّوهُ بِمَحَلِّ نَبِيٍّ، وَجَبَى الْخَرَاجَ، وَنَفَذَ فِيهِمْ حُكْمُهُ، وَقَاتَلُوا أَصْحَابَ السُّلْطَانِ بِسَبَبِهِ، فَوَتَرَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً، فَتَنَكَّرُوا لَهُ، فَانْتَقَلَ عَنْهُمْ إِلَى الْأَحْسَاءِ، وَنَزَلَ عَلَى قَوْمٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ تَمِيمٍ، يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو الشَّمَّاسِ، وَأَقَامَ فِيهِمْ، وَفِي صُحْبَتِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْبَحْرَيْنِ مِنْهُمْ: يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْرَقُ الْبَحْرَانِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ جَامِعٍ، وَهُوَ قَائِدُ جَيْشِهِ.
وَكَانَ يَنْتَقِلُ بِالْبَادِيَةِ، فَذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أُوتِيتُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ بِالْبَادِيَةِ آيَاتٍ مِنْ آيَاتِ إِمَامَتِي ظَاهِرَةً لِلنَّاسِ، مِنْهَا أَنِّي لُقِّنتُ سُوَرًا مِنَ الْقُرْآنِ، فَجَرَى بِهَا لِسَانِي فِي سَاعَةٍ، وَحَفِظْتُهَا فِي دَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ، مِنْهَا: سُبْحَانَ، وَالْكَهْفُ، وَصَادْ، وَمِنْهَا أَنِّي فَكَّرْتُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَقْصِدُهُ حَيْثُ أَتَيْتُ فِي الْبِلَادِ، فَأَظَلَّتْنِي غَمَامَةٌ، وَخُوطِبْتُ مِنْهَا، فَقِيلَ لِي: اقْصِدِ الْبَصْرَةَ.
وَقِيلَ عَنْهُ إِنَّهُ قَالَ لِأَهْلِ الْبَادِيَةِ: إِنَّهُ يَحْيَا بِهِ عُمَرُ الْعَلَوِيُّ أَبُو الْحَسَنِ الْمَقْتُولُ بِنَاحِيَةِ الْكُوفَةِ، فَخَدَعَ أَهْلَهَا، فَأَتَاهُ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، فَزَحَفَ بِهِمْ إِلَى الرُّومِ، مِنَ الْبَحْرَيْنِ، كَانَتْ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ، وَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ، قُتِّلُوا قَتْلًا كَثِيرًا، فَتَفَرَّقَتِ الْعَرَبُ عَنْهُ.
فَلَمَّا تَفَرَّقَتْ عَنْهُ سَارَ فَنَزَلَ الْبَصْرَةَ فِي بَنِي ضُبَيْعَةَ، فَاتَّبَعَهُ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ (كَبِيرَةٌ)
стр. 3211
مِنْهُمْ: عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ الْمُهَلَّبِيُّ، وَكَانَ قُدُومُهُ الْبَصْرَةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَجَاءٍ الْحَضَارِيُّ عَامِلُهَا، وَوَافَقَ ذَلِكَ فِتْنَةَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ بِالْبِلَالِيَّةِ، وَالسَّعْدِيَّةِ.
وَطَمَعَ فِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنْ تَمِيلَ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَطَلَبَهُ ابْنُ رَجَاءٍ، فَهَرَبَ، فَحَبَسَ جَمَاعَةً مِمَّنْ كَانُوا يَمِيلُونَ إِلَيْهِ، مِنْهُمْ: ابْنُهُ، وَزَوْجَتُهُ، وَابْنَةٌ لَهُ، وَجَارِيَةٌ حَامِلٌ مِنْهُ.
وَسَارَ يُرِيدُ بَغْدَاذَ، وَمَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَلْمٍ، وَيَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ جَامِعٍ، وَمُرْقُسُ الْقُرَيْعِيُّ، فَلَمَّا صَارَ بِالْبَطِيحَةِ نَذَرَ بِهِمْ (رَجُلٌ كَانَ يَلِي أَمْرَهَا، اسْمُهُ عُمَيْرُ بْنُ عَمَّارٍ، فَحَمَلَهُمْ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَوْفٍ عَامِلِ وَاسِطَ، فَخَلُصَ مِنْهُ) هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَدَخَلَ بَغْدَاذَ، فَأَقَامَ بِهَا حَوْلًا، فَانْتَسَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى بْنِ زَيْدٍ، فَزَعَمَ بِهَا أَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ آيَاتٌ عَرَفَ بِهَا مَا فِي ضَمَائِرِ أَصْحَابِهِ، وَمَا يَفْعَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَاسْتَمَالَ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ بَغْدَاذَ مِنْهُمْ: جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصُّوحَانِيُّ مِنْ وَلَدِ يَزِيدَ بْنِ صُوحَانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ، وَمُشْرِقٌ، وَرَقِيقٌ، غُلَامَا يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَسَمَّى مُشْرِقًا حَمْزَةَ، وَكَنَّاهُ أَبَا أَحْمَدَ، وَسَمَّى رَفِيقًا جَعْفَرًا، وَكَنَّاهُ أَبَا الْفَضْلِ.
وَعُزِلَ مُحَمَّدُ بْنُ رَجَاءٍ عَنِ الْبَصْرَةِ، فَوَثَبَ رُؤَسَاءُ الْبِلَالِيَّةِ، وَالسَّعْدِيَّةِ، فَأَخْرَجُوا مَنْ فِي الْحُبُوسِ، فَخَلَصَ أَهْلُهُ فِيهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَهُ خَلَاصُ أَهْلِهِ رَجَعَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَكَانَ رُجُوعُهُ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَمَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ، وَيَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، وَسُلَيْمَانُ، وَمَشْرِقٌ، وَرَقِيقٌ، فَوَافَوُا الْبَصْرَةَ، فَنَزَلَ بِقَصْرِ الْقُرَشِيِّ عَلَى نَهْرٍ يُعْرَفُ بِعَمُودِ ابْنِ الْمُنَجِّمِ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ وَكِيلٌ لِوَلَدِ الْوَاثِقِ فِي بَيْعِ السَّبَخِ، فَأَقَامَ هُنَالِكَ.
стр. 3212
وَذَكَرَ رَيْحَانُ أَحَدُ غِلْمَانِ السُّورَجِيِّينَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ صَحِبَهُ مِنْهُمْ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ مُوَكَّلًا بِغِلْمَانِ مَوْلَايَ أَنْقُلُ لَهُمُ الدَّقِيقَ، فَأَخَذَنِي أَصْحَابُهُ، فَسَارُوا بِي إِلَيْهِ، وَأَمَرُونِي أَنْ أُسَلِّمَ عَلَيْهِ بِالْإِمْرَةِ، فَفَعَلْتُ، فَسَأَلَنِي عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي جِئْتُ مِنْهُ، فَأَخْبَرْتُهُ، وَسَأَلَنِي عَنْ أَخْبَارِ الْبَصْرَةِ، فَقُلْتُ: لَا عِلْمَ لِي ; وَسَأَلَنِي عَنْ غِلْمَانِ السُّرْجِيِّينَ، وَعَنْ أَحْوَالِهِمْ، وَمَا يَجْرِي لَهُمْ، فَأَعْلَمْتُهُ، فَدَعَانِي إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: احْتَلْ فِيمَنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنَ الْغِلْمَانِ، وَأَقْبِلْ بِهِمْ إِلَيَّ، وَوَعَدَنِي أَنْ يَقُودَنِي عَلَى مَنْ آتِيهِ بِهِ، وَاسْتَحْلَفَنِي أَنْ لَا أُعْلِمَ أَحَدًا بِمَوْضِعِهِ، وَأَنْ أَرْجِعَ إِلَيْهِ، وَخَلَّى سَبِيلِي.
وَعُدْتُ إِلَيْهِ مِنَ الْغَدَاةِ، وَقَدْ أَتَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ غِلْمَانِ الدَّبَّاسِينَ، فَكَتَبَ فِي حَرِيرَةٍ: " ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] الْآيَةَ ; وَجَعَلَهَا فِي رَأْسِ مُرْدِيٍّ، وَمَا زَالَ يَدْعُو غِلْمَانَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَيُقْبِلُونَ إِلَيْهِ لِلْخَلَاصِ مِنَ الرِّقِّ وَالتَّعَبِ، فَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَخَطَبَهُمْ، وَوَعَدَهُمْ أَنْ يَقُودَهُمْ وَيُمَلِّكَهُمُ الْأَمْوَالَ، وَحَلَفَ لَهُمْ بِالْأَيْمَانِ أَنْ لَا يَغْدِرَ بِهِمْ، وَلَا يَخْذُلَهُمْ، وَلَا يَدَعُ شَيْئًا مِنَ الْإِحْسَانِ إِلَّا أَتَى بِهِ إِلَيْهِمْ، فَأَتَاهُ مَوَالِيهِمْ، وَبَذَلُوا لَهُ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ خَمْسَةَ دَنَانِيرَ لِيُسْلِمَ إِلَيْهِ عَبْدَهُ، فَبَطَحَ أَصْحَابَهُمْ، وَأَمَرَ كُلَّ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْعَبِيدِ، فَضَرَبُوا مَوَالِيَهُمْ، أَوْ وَكِيلَهُمْ، كُلَّ سَيِّدٍ خَمْسَمِائَةِ سَوْطٍ، ثُمَّ أَطْلَقَهُمْ فَمَضَوْا نَحْوَ الْبَصْرَةِ.
ثُمَّ رَكِبَ فِي سُفُنٍ هُنَاكَ، فَعَبَرَ دُجَيْلًا إِلَى نَهْرِ مَيْمُونٍ، فَأَقَامَ هُنَاكَ، وَلَمْ يَزَلْ هَذَا دَأْبُهُ يَتَجَمَّعُ إِلَيْهِ السُّودَانُ إِلَى يَوْمِ الْفِطْرِ، فَخَطَبَهُمْ، وَصَلَّى بِهِمْ، وَذَكَّرَهُمْ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الشَّقَاءِ وَسُوءِ الْحَالِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبْعَدَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَرْفَعَ أَقْدَارَهُمْ، وَيُمَلِّكَهُمُ الْعَبِيدَ وَالْأَمْوَالَ.
فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ يَوْمَيْنِ رَأَى أَصْحَابُهُ الْحُمَيْرِيَّ، فَقَاتَلُوهُ حَتَّى أَخْرَجُوهُ مِنْ دِجْلَةَ،
стр. 3213
وَاسْتَأْمَنَ إِلَى صَاحِبِ الزَّنْجِ رَجُلٌ (مِنْ رُؤَسَاءِ الزَّنْجِ) يُكَنَّى بِأَبِي صَالِحٍ، وَيُعْرَفُ بِالْقَصِيرِ، فِي ثَلَاثِمِائَةٍ مِنَ الزَّنْجِ، فَلَمَّا كَثُرُوا جَعَلَ الْقُوَّادَ فِيهِمْ مِنْهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: كُلُّ مَنْ أَتَى مِنْكُمْ بِرَجُلٍ فَهُوَ مَضْمُومٌ إِلَيْهِ.
وَكَانَ ابْنُ عَوْنٍ قَدْ نُقِلَ مِنْ وَاسِطَ إِلَى وِلَايَةِ الْأُبُلَّةِ وَكُوَرِ دِجْلَةَ، وَسَارَ قَائِدُ الزَّنْجِ إِلَى الْمُحَمَّدِيَّةِ، فَلَمَّا نَزَلَهَا وَافَاهُ أَصْحَابُ ابْنِ أَبِي عَوْنٍ، فَصَاحَ الزَّنْجُ: السِّلَاحَ، وَقَامُوا، وَكَانَ فِيهِمْ فَتْحٌ الْحَجَّامُ، فَقَامَ وَأَخَذَ طَبَقًا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنَ السُّورَجِيِّينَ يُقَالُ لَهُ بُلْبُلٌ، فَلَمَّا رَآهُ فَتْحٌ حَمَلَ عَلَيْهِ، وَحَذَفَهُ بِالطَّبَقِ الَّذِي بِيَدِهِ، فَرَمَى سِلَاحَهُ وَوَلَّى هَارِبًا، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَكَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً، وَمَاتَ بَعْضُهُمْ عَطَشًا، وَأَسَرَ مِنْهُمْ، وَأَمَرَ بِضَرْبِ أَعْنَاقِهِمْ.
ثُمَّ سَارَ إِلَى الْقَادِسِيَّةِ، فَنَهَبَهَا أَصْحَابُهُ بِأَمْرِهِ، وَمَا زَالَ يَتَرَدَّدُ إِلَى أَنْهَارِ الْبَصْرَةِ، فَوَجَدَ بَعْضُ السُّودَانِ دَارًا لِبَعْضِ بَنِي هَاشِمٍ، فِيهَا سِلَاحٌ بِالسَّيْبِ، فَانْتَهَبُوهُ، فَصَارَ مَعَهُمْ مَا يُقَاتِلُونَ بِهِ، فَأَتَاهُ، وَهُوَ بِالسَّبَبِ، جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يُقَاتِلُونَهُ، فَوَجَّهَ يَحْيَى بْنَ مُحَمَّدٍ فِي خَمْسِمِائَةِ رَجُلٍ، فَلَقَوُا الْبَصْرِيِّينَ، فَانْهَزَمَ الْبَصْرِيُّونَ مِنْهُمْ، وَأَخَذُوا سِلَاحَهُمْ، ثُمَّ قَاتَلَ طَائِفَةً أُخْرَى عِنْدَ قَرْيَةٍ تُعْرَفُ بِقَرْيَةِ الْيَهُودِ، فَهَزَمَهُمْ أَيْضًا، وَأَثْبَتَ أَصْحَابَهُ فِي الصَّحْرَاءِ.
ثُمَّ أَسْرَى إِلَى الْجَعْفَرِيَّةِ، فَوَضَعَ فِي أَهْلِهَا السَّيْفَ، فَقَتَلَ أَكْثَرَهُمْ، وَأَتَى مِنْهُمْ بِأَسْرَى فَأَطْلَقَهُمْ، وَلَقِيَ جَيْشًا كَبِيرًا لِلْبَصْرِيِّينَ مَعَ رَئِيسٍ اسْمُهُ عُقَيْلٌ، فَهَزَمَهُمْ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَكَانَ مَعَهُمْ سُفُنٌ، فَهَبَّتْ عَلَيْهَا رِيحٌ فَأَلْقَتْهَا إِلَى الشَّطِّ، فَنَزَلَ الزَّنْجُ وَقَتَلُوا مَنْ وَجَدُوا فِيهَا، وَغَنِمُوا مَا فِيهَا، وَكَانَ مَعَ الرَّئِيسِ (سُفُنٌ فَرَكِبَهَا وَنَجَا، فَأَنْفَذَ صَاحِبُ الزَّنْجِ فَأَخَذَهَا وَنَهَبَ مَا فِيهَا، ثُمَّ نَهَبَ) الْقَرْيَةَ الْمَعْرُوفَةَ بِالْمُهَلَّبِيَّةِ وَأَحْرَقَهَا، وَأَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ وَعَاثَ.
ثُمَّ لَقِيَهُ قَائِدٌ مِنْ قُوَّادِ الْأَتْرَاكِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو هِلَالٍ فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ عَلَى نَهْرِ الرَّيَّانِ، فَاقْتَتَلُوا، وَحَمَلَ السُّودَانُ عَلَيْهِ حَمْلَةً صَادِقَةً، فَقَتَلُوا صَاحِبَ عَلَمِهِ، فَانْهَزَمَ هُوَ
стр. 3214
وَأَصْحَابُهُ، وَتَبِعَهُمُ السُّودَانُ، فَقَتَلُوا مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هِلَالٍ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ رَجُلٍ، وَأَخَذُوا مِنْهُمْ أَسْرَى فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ.
ثُمَّ إِنَّهُ أَتَاهُ مَنْ أَخْبَرَهُ أَنَّ الزَّيْنَبِيَّ قَدْ أَعَدَّ لَهُ الْخُيُولَ، وَالْمُتَطَوِّعَةَ، وَالْبِلَالِيَّةَ، وَالسَّعْدِيَّةَ، وَهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَقَدْ أَعَدُّوا الْحِبَالَ لِيُكَتَّفَ مَنْ يَأْخُذُونَهُ مِنَ السُّودَانِ، وَالْمُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ أَبُو مَنْصُورٍ، وَأَخَذَ مَوَالِيَ الْهَاشِمِيِّينَ، فَأَرْسَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ فِي مِائَةِ أَسْوَدَ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِهِمْ، فَلَقِيَ طَائِفَةً مِنْهُمْ، فَهَزَمَهُمْ، وَصَارَ مَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْعَبِيدِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبَانٍ.
وَأَرْسَلَ طَائِفَةً أُخْرَى مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَتَوْا إِلَى مَوْضِعٍ فِيهِ أَلْفٌ وَتِسْعُمِائَةِ سَفِينَةٍ، وَمَعَهَا مَنْ يَحُفُّهَا، فَلَمَّا رَأَوُا الزَّنْجَ هَرَبُوا عَنْهَا، فَأَخَذَ الزَّنْجُ السُّفُنَ وَأَتَوْا بِهَا إِلَى صَاحِبِهِمْ، فَلَمَّا أَتَوْهُ قَعَدَ عَلَى نَشَزٍ مِنَ الْأَرْضِ.
وَكَانَ فِي السُّفُنِ قَوْمٌ حُجَّاجٌ أَرَادُوا أَنْ يَسْلُكُوا طَرِيقَ الْبَصْرَةِ، فَنَاظَرَهُمْ، فَصَدَّقُوهُ عَلَى قَوْلِهِ، وَقَالُوا لَهُ: لَوْ كَانَ مَعَنَا فَضْلُ نَفَقَةٍ لَأَقَمْنَا مَعَكَ، فَأَطْلَقَهُمْ، وَأَرْسَلَ طَلِيعَةً تَأْتِيهِ بِخَبَرِ ذَلِكَ الْعَسْكَرِ، فَأَتَاهُ خَبَرُهُمْ أَنَّهُمْ قَدْ أَتَوْهُ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ، فَأَمَرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَالِمٍ، وَعَلِيَّ بْنَ أَبَانٍ أَنْ يَقْعُدَا لَهُمْ بِالنَّخْلِ، وَقَعَدَ هُوَ عَلَى جَبَلٍ مُشْرِفٍ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ طَلَعَتِ الْأَعْلَامُ وَالرِّجَالُ، فَأَمَرَ الزَّنْجَ فَكَبَّرُوا، وَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ، وَحَمَلَتِ الْخُيُولُ، فَتَرَاجَعَ الزَّنْجُ حَتَّى بَلَغُوا الْجَبَلَ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ، ثُمَّ حَمَلُوا، فَثَبَتُوا لَهُمْ، وَقُتِلَ مِنَ الزَّنْجِ فَتْحٌ الْحَجَّامُ، وَصَدَقَ الزَّنْجُ الْحَمْلَةَ، فَأَخَذُوهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَخَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ سَالِمٍ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ، وَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ، وَانْهَزَمَ النَّاسُ، وَذَهَبُوا كُلَّ مَذْهَبٍ، وَتَبِعَهَمُ السُّودَانُ إِلَى نَهْرِ بَيَانٍ، فَوَقَعُوا فِي الْوَحْلِ، فَقَتَلَهُمُ السُّودَانُ، وَغَرِقَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ.
وَأَتَى الْخَبَرُ إِلَى الزُّنُوجِ بِأَنَّ لَهُمْ كَمِينًا، فَسَارُوا إِلَيْهِ، فَإِذَا الْكَمِينُ فِي (أَكْثَرِ مِنْ) أَلْفٍ مِنَ الْمَغَارِبَةِ، فَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ حَمَلَ السُّودَانُ عَلَيْهِمْ، فَقَتَلُوهُمْ أَجْمَعِينَ وَأَخَذُوا سِلَاحَهُمْ.
ثُمَّ وَجَّهَ أَصْحَابَهُ فَرَأَوْا مِائَتَيْ سَفِينَةٍ فِيهَا دَقِيقٌ فَأَخَذُوهُ، وَمَتَاعًا فَنَهَبُوهُ، وَنَهَبَ الْمُعَلَّى بْنُ أَيُّوبَ ثُمَّ سَارَ، فَرَأَى مَسْلَحَةَ الزَّيْنَبِيَّ فَقَاتَلُوهُ، فَقَاتَلَهُمْ، فَقَتَلَهُمْ أَجْمَعِينَ،
стр. 3215
فَكَانُوا مِائَتَيْنِ، ثُمَّ سَارَ فَنَهَبَ قَرْيَةَ مَيْزَرَانَ، وَرَأَى فِيهَا جَمْعًا مِنَ الزَّنْجِ فَفَرَّقَهُمْ عَلَى قُوَّادِهِ ; ثُمَّ سَارَ، فَلَقِيَهُ سِتُّمِائَةِ فَارِسٍ مَعَ سُلَيْمَانَ ابْنِ أَخِي الزَّيْنَبِيِّ، وَلَمْ يُقَاتِلْهُ، فَأَرْسَلَ مَنْ يَنْهَبُ، فَأَتَوْهُ بِغَنَمٍ وَبَقَرٍ، فَذَبَحُوا وَأَكَلُوا، وَفَرَّقَ أَصْحَابَهُ فِي انْتِهَابِ مَا هُنَاكَ.
ثُمَّ إِنَّ صَاحِبَ الزَّنْجِ سَارَ يُرِيدُ الْبَصْرَةَ، حَتَّى إِذَا قَابَلَ النَّهْرَ الْمَعْرُوفَ بِالرِّيَاحِيِّ أَتَاهُ قَوْمٌ مِنَ السُّودَانِ فَأَعْلَمُوهُ أَنَّهُمْ رَأَوْا فِي الرِّيَاحِيِّ بَارِقَةً، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَادَى السُّودَانُ: السِّلَاحَ السِّلَاحَ، وَأَمَرَ عَلِيَّ بْنَ أَبَانٍ بِالْعُبُورِ إِلَيْهِمْ، فَعَبَرَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ، وَقَالَ لَهُ: إِنِ احْتَجْتَ إِلَى مَدَدٍ فَاسْتَمِدَّنِي، فَلَمَّا مَضَى عَلِيٌّ صَاحَ الزَّنْجُ: السِّلَاحَ السِّلَاحَ، لِحَرَكَةٍ رَأَوْهَا فِي جِهَةٍ أُخْرَى، فَوَجَّهَ مُحَمَّدَ بْنَ سَالِمٍ، (فَرَأَى جَمْعًا، فَقَاتَلَهُمْ) مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ إِلَى آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ حَمَلَ الزُّنُوجُ حَمْلَةً صَادِقَةً، فَهَزَمُوهُمْ، وَقَتَلُوا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالْأَعْرَابِ زُهَاءَ خَمْسِمِائَةٍ، وَرَجَعُوا إِلَى صَاحِبِهِمْ.
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ فِي أَصْحَابِهِ، وَقَدْ هَزَمُوا مَنْ بِإِزَائِهِمْ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ، وَمَعَهُ رَأْسُ ابْنِ أَبِي اللَّيْثِ الْبِلَالِيِّ الْقَوَارِيرِيِّ مِنْ أَعْيَانِ الْبِلَالِيَّةِ، ثُمَّ سَارَ مِنَ الْغَدِ عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَنَهَى أَصْحَابَهُ عَنْ دُخُولِ الْبَصْرَةِ، فَتَسَرَّعَ بَعْضُهُمْ، فَلَقِيَهُمْ أَهْلُ الْبَصْرَةِ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ، وَانْتَهَى الْخَبَرُ إِلَيْهِ، فَوَجَّهَ مُحَمَّدَ بْنَ سَالِمٍ، (وَعَلِيَّ بْنَ أَبَانٍ) ، وَمُشْرِقًا، وَخَلْقًا كَثِيرًا، وَجَاءَ هُوَ يُسَايِرُهُمْ فَلَقُوا الْبَصْرِيِّينَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَصْحَابِهِ لِيَتَأَخَّرُوا عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي هُمْ فِيهِ، فَتَرَاجَعُوا، فَأَكَبَّ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْبَصْرَةِ فَانْهَزَمُوا، وَذَلِكَ عِنْدَ الْعَصْرِ، وَوَقَعَ الزُّنُوجُ فِي نَهْرٍ كَبِيرٍ، وَنَهْرِ شَيْطَانٍ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ، وَغَرِقَ جَمَاعَةٌ، وَتَفَرَّقَ الْبَاقُونَ، وَتَخَلَّفَ صَاحِبُهُمْ عَنْهُمْ، وَبَقِيَ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، فَنَجَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى.
ثُمَّ لَقِيَهُمْ وَهُمْ مُتَحَيِّرُونَ لِفَقْدِهِ، وَسَأَلَ عَنْ أَصْحَابِهِ، فَإِذَا لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا خَمْسُمِائَةِ رَجُلٍ، فَأَمَرَ بِالنَّفْخِ فِي الْبُوقِ الَّذِي يَجْتَمِعُونَ لِصَوْتِهِ، فَلَمْ يَأْتِهِ أَحَدٌ، وَكَانَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ قَدِ انْتَهَبُوا السُّفُنَ الَّذِي كَانَتْ لِلزُّنُوجِ، وَبِهَا مَتَاعُهُمْ، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَأَى أَصْحَابَهُ فِي أَلْفِ رَجُلٍ، وَأَرْسَلَ مُحَمَّدَ بْنَ سَالِمٍ إِلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَعِظُهُمْ، وَيُعْلِمُهُمْ مَا الَّذِي دَعَاهُ إِلَى الْخُرُوجِ، فَقَتَلُوهُ.
стр. 3216
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ جَمَعَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَحَشَدُوا لَمَّا رَأَوْا مِنْ ظُهُورِهِمْ عَلَيْهِ، وَانْتُدِبَ لِذَلِكَ رَجُلٌ يُعْرَفُ بِحِمَارٍ السَّاجِيِّ، وَكَانَ مِنْ غُزَاةِ الْبَحْرِ، وَلَهُ عِلْمٌ فِي رُكُوبِ السُّفُنِ، فَجَمَعَ الْمُتَطَوِّعَةَ، وَرُمَاةَ الْأَهْدَافِ، وَأَهْلَ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَمَنْ خَفَّ مَعَهُ مِنَ الْبِلَالِيَّةِ وَالسَّعْدِيَّةِ، وَمَنْ أَحَبَّ النَّظَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَشَحَنَ ثَلَاثَةَ مَرَاكِبَ، وَشَذَوَاتٍ مُقَابَلَةً، (وَجَعَلُوا يَزْدَحِمُونَ) ، وَمَضَى جُمْهُورُ النَّاسِ رَجَّالَةً، مِنْهُمْ مَنْ مَعَهُ سِلَاحٌ، وَمِنْهُ نَظَّارَةٌ، فَدَخَلَتِ الْمَرَاكِبُ فِي الْمَدِّ، وَالرَّجَّالَةُ عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ.
فَلَمَّا عَلِمَ صَاحِبُ الزَّنْجِ بِذَلِكَ وَجَّهَ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ مَعَ زُرَيْقٍ الْأَصْبَهَانِيِّ، فِي شَرْقِيِّ النَّهْرِ، كَمِينًا، وَطَائِفَةً مَعَ شِبْلٍ، وَحُسَيْنٍ الْحَمَّامِيِّ، فِي غَرْبِيِّهِ كَمِينًا، وَأَمَرَ عَلِيَّ بْنَ أَبَانٍ أَنْ يَلْقَى أَهْلَ الْبَصْرَةِ، وَأَنْ يَسْتَتِرَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ بِتِرَاسِهِمْ، وَلَا يُقَاتِلَ حَتَّى تَظْهَرَ أَصْحَابُهُ، وَتَقَدَّمَ إِلَى الْكَمِينَيْنِ، إِذْ جَاوَزَهُمْ أَهْلُ الْبَصْرَةِ أَنْ يَخْرُجُوا، وَيَصِيحُوا بِالنَّاسِ، وَبَقِيَ هُوَ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَدْ هَالَهُ مَا رَأَى مِنْ كَثْرَةِ الْجَمْعِ، فَسَارَ أَصْحَابُهُ إِلَيْهِمْ، وَظَهَرَ الْكَمِينَانِ مِنْ جَانِبَيِ النَّهْرِ وَمِنْ وَرَاءِ السُّفُنِ، وَالرَّجَّالَةِ، فَضَرَبُوا مَنْ وَلَّى مِنَ الرَّجَّالَةِ وَالنَّظَّارَةِ، فَغَرِقَتْ طَائِفَةٌ، وَقُتِلَتْ طَائِفَةٌ، وَهَرَبَ الْبَاقُونَ إِلَى الشَّطِّ، فَأَدْرَكَهُمُ السَّيْفُ، فَمَنْ ثَبَتَ قُتِلَ، وَمَنْ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ غَرِقَ، فَهَلَكَ أَكْثَرُ ذَلِكَ الْجَمْعِ، فَلَمْ يَنْجُ إِلَّا الشَّرِيدُ، وَكَثُرَ الْمَفْقُودُونَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَعَلَا الْعَوِيلُ مِنْ نِسَائِهِمْ، وَهَذَا يَوْمُ الْبَيْدَاءِ الَّذِي أَعْظَمَهُ النَّاسُ.
وَكَانَ فِيمَنْ قُتِلَ جَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ لَا يُحْصَى، وَجُمِعَتْ لِلْخَبِيثِ الرُّءُوسُ، فَأَتَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُولِينَ، فَأَعْطَاهُمْ مَا عَرَفُوا، وَجَمَعَ الرُّءُوسَ الَّتِي لَمْ تُطْلَبْ، وَجَعَلَهَا فِي خَزِينَةٍ، فَأَطْلَقَهَا فَوَافَتِ الْبَصْرَةَ، فَجَاءَ النَّاسُ وَأَخَذُوا كُلَّ مَا عَرَفُوهُ مِنْهَا، وَقَوِيَ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ، وَتَمَكَّنَ الرُّعْبُ فِي قُلُوبِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِنْهُ، وَأَمْسَكُوا عَنْ حَرْبِهِ.
стр. 3217
وَكَتَبَ النَّاسُ إِلَى الْخَلِيفَةِ بِخَبَرِ مَا كَانَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ جُعْلَانُ التُّرْكِيُّ مَدَدًا، وَأَمَرَ أَبَا الْأَحْوَصِ الْبَاهِلِيَّ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْأُبُلَّةِ وَالِيًا، وَأَمَدَّهُ بِقَائِدٍ مِنَ الْأَتْرَاكِ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ.
وَأَمَّا الْخَبِيثُ صَاحِبُ الزَّنْجِ فَإِنَّهُ انْصَرَفَ بِأَصْحَابِهِ إِلَى سَبْخَةٍ فِي آخِرِ النَّهَارِ، وَهِيَ سَبْخَةُ أَبِي قُرَّةَ، وَبَثَّ أَصْحَابَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا لِلْغَارَةِ وَالنَّهْبِ، فَهَذَا مَا كَانَ مِنْهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ وَبَيْنَ مُسَاوِرٍ الشَّارِيِّ، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ الْخَلِيفَةِ.
وَفِيهَا مَاتَ الْمُعَلَّى بْنُ أَيُّوبَ.
وَفِيهَا وَلِيَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ بَغْدَاذَ وَالسَّوَادَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَكَانَ قُدُومُهُ مِنْ خُرَاسَانَ فِيهِ أَيْضًا، فَسَارَ إِلَى الْمُعْتَزِّ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَسَارَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَقَالَ ابْنُ الرُّومِيِّ:
مَنْ عَذِيرِي مِنَ الْخَلَائِقِ ضَلُّوا ... فِي سُلَيْمَانَ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ
(عَوَّضُوهُ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ بِغَدَا ... ذَ كَأَنْ قَدْ أَتَى بِفَتْحٍ جَلِيلِ
مَنْ يَخُوضُ الرَّدَى إِذَا كَانَ مَنْ فَ ... رَّ أَثَابُوهُ بِالْجَزَاءِ الْجَمِيلِ
)
يَعْنِي هَزِيمَةَ سُلَيْمَانَ مِنَ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ الْعَلَوِيِّ.
وَفِيهَا أَخَذَ صَالِحُ بْنُ وَصِيفٍ أَحْمَدَ بْنَ إِسْرَائِيلَ، وَالْحَسَنَ بْنَ مَخْلَدٍ، وَأَبَا نُوحٍ عِيسَى بْنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَيَّدَهُمْ، وَطَالَبَهُمْ بِالْأَمْوَالِ.
стр. 3218
وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ الْأَتْرَاكَ طَلَبُوا أَرْزَاقَهُمْ، فَقَالَ صَالِحٌ لِلْمُعْتَزِّ: هَؤُلَاءِ يَطْلُبُونَ أَرْزَاقَهُمْ، وَلَيْسَ فِي بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ، وَقَدْ ذَهَبَ هَؤُلَاءِ الْكُتَّابُ بِالْأَمْوَالِ، وَكَانَ أَحْمَدُ وَزِيرُ الْمُعْتَزِّ، وَالْحُسَيْنُ وَزِيرُ أُمِّ الْمُعْتَزِّ، وَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ بْنُ إِسْرَائِيلَ: يَا عَاصِي ابْنَ الْعَاصِي، فَتَرَاجَعَا الْكَلَامَ، فَسَقَطَ صَالِحٌ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَرَشَّ عَلَى وَجْهِهِ الْمَاءَ.
وَبَلَغَ ذَلِكَ أَصْحَابَهُ، وَهُمْ بِالْبَابِ، فَصَاحُوا صَيْحَةً وَاحِدَةً، وَاخْتَرَطُوا سُيُوفَهُمْ، وَدَخَلُوا عَلَى الْمُعْتَزِّ، فَدَخَلَ وَتَرَكَهُمْ، وَأَخَذَ صَالِحٌ أَحْمَدَ بْنَ إِسْرَائِيلَ، وَابْنَ مَخْلَدٍ، وَعِيسَى، فَأَثْقَلَهُمْ بِالْحَدِيدِ، وَحَمَلَهُمْ إِلَى دَارِهِ، فَقَالَ الْمُعْتَزُّ لِصَالِحٍ، قَبْلَ أَنْ يَحْمِلَهُمْ: هَبْ لِي أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ كَاتِبِي، فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ ضَرَبَهُمْ، وَأَخَذَ خُطُوطَهُمْ بِمَالٍ جَزِيلٍ قُسِّطَ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمْ شَيْءٌ، وَقَامَ جَعْفَرُ بْنُ مَحْمُودٍ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
وَفِيهَا، فِي رَجَبٍ، ظَهَرَ عِيسَى بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ الْحَسَنِيَّانِ بِالْكُوفَةِ، فَقَتَلَا بِهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ عِيسَى.
وَفِيهَا، فِي ذِي الْقَعْدَةِ حُبِسَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ الْقَاضِي، وَوُلِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَائِلٍ الْبَصْرِيُّ قَضَاءَ سَامَرَّا فِي ذِي الْحَجَّةِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ عَلِيُّ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ.
وَفِيهَا ظَهَرَ بِمِصْرَ إِنْسَانٌ عَلَوِيٌّ ذُكِرَ أَنَّهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَبَاطَبَا، وَكَانَ ظُهُورُهُ بَيْنَ بُرْقَةَ، وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَسَارَ إِلَى الصَّعِيدِ، وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ، وَادَّعَى الْخِلَافَةَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ طُولُونَ جَيْشًا، فَقَاتَلُوهُ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ عَنْهُ، وَثَبَتَ هُوَ فَقُتِلَ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى مِصْرَ.
стр. 3219
[الْوَفَيَاتُ]
(وَفِيهَا تُوُفِّيَ خَفَاجَةُ بْنُ سُفْيَانَ أَمِيرُ صِقِلِّيَةَ فِي رَجَبٍ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ، وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَلَمَّا وَلِيَ مُحَمَّدٌ سَيَّرَ عَمَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سُفْيَانَ إِلَى سَرَقُوسَةَ، فَأَهْلَكَ زَرْعَهَا وَعَادَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو أَحْمَدَ عُمَرُ بْنُ شِمْرِ بْنِ حَمْدُوَيْهِ الْهَرَوِيُّ اللُّغَوِيُّ، وَكَانَ إِمَامًا فِي الْأَشْعَارِ، وَرَوَى عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، وَالرِّيَاشِيِّ، وَغَيْرِهِمَا) .
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ كَرَّامِ بْنِ عَرَّافِ بْنِ حِزَابَةَ بْنِ الْبَرَاءِ، صَاحِبُ الْمَقَالَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي التَّشْبِيهِ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِالشَّامِ، وَهُوَ مِنْ سِجِسْتَانَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ
стр. 3220
قَاضِي مَكَّةَ، وَكَانَ سَقَطَ مِنْ سَطْحٍ، فَمَكَثَ يَوْمَيْنِ وَمَاتَ، وَكَانَ عُمْرُهُ أَرْبَعًا وَثَمَانِينَ سَنَةً.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، صَاحِبُ الْمُسْنَدِ، تُوُفِّيَ فِي ذِي الْحَجَّةِ وَعُمْرُهُ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً.
وَأَبُو عُثْمَانَ عَمْرُو بْنُ بَحْرٍ الْجَاحِظُ، وَهُوَ مِنْ مُتَكَلِّمِي الْمُعْتَزِلَةِ.
وَعَلِيُّ بْنُ الْمُثَنَّى بْنِ يَحْيَى بْنِ عِيسَى الْمَوْصِلِيُّ وَالِدُ أَبِي يَعْلَى صَاحِبِ الْمُسْنَدِ.
(وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدٌ سَحْنُونٌ الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ الْقَيْرَوَانِيُّ بِهَا) .
стр. 3221
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٥٦ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ وُصُولِ مُوسَى بْنِ بُغَا إِلَى سَامَرَّا وَاخْتِفَاءِ صَالِحٍ
وَفِيهَا فِي ثَانِي عَشَرَ الْمُحَرَّمِ دَخَلَ مُوسَى بْنُ بُغَا إِلَى سَامَرَّا وَقَدْ عَبَّأَ أَصْحَابَهُ، وَاخْتَفَى صَالِحُ بْنُ وَصِيفٍ، وَسَارَ مُوسَى إِلَى الْجَوْسَقِ، وَالْمُهْتَدِي جَالِسٌ لِلْمَظَالِمِ، فَأُعْلِمَ بِمَكَانِ مُوسَى، فَأَمْسَكَ سَاعَةً عَنِ الْإِذْنِ لَهُ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ وَلِمَنْ مَعَهُ، فَدَخَلُوا، فَتَنَاظَرُوا، وَأَقَامُوا الْمُهْتَدِيَ مِنْ مَجْلِسِهِ، وَحَمَلُوهُ عَلَى دَابَّةٍ مِنْ دَوَابِّ الشَّاكِرِيَّةِ، وَانْتَهَبُوا مَا كَانَ فِي الْجَوْسَقِ، وَأَدْخَلُوا الْمُهْتَدِيَ دَارَ يَاجُورَ.
وَكَانَ سَبَبُ أَخْذِهِ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: إِنَّمَا سَبَبُ هَذِهِ الْمُطَاوَلَةِ (حِيلَةٌ عَلَيْكُمْ) حَتَّى يَكْبِسَكُمْ صَالِحٌ بِجَيْشِهِ ; فَخَافُوا مِنْ ذَلِكَ، فَأَخَذُوهُ، فَلَمَّا أَخَذُوهُ قَالَ لِمُوسَى بْنِ بُغَا: اتَّقِ اللَّهَ، وَيْحَكَ، فَإِنَّكَ قَدْ رَكِبْتَ أَمْرًا عَظِيمًا ; فَقَالَ لَهُ مُوسَى: وَتُرْبَةِ الْمُتَوَكِّلِ مَا نُرِيدُ إِلَّا خَيْرًا ; وَلَوْ أَرَادَ بِهِ خَيْرًا لَقَالَ وَتُرْبَةِ الْمُعْتَصِمِ وَالْوَاثِقِ، ثُمَّ أَخَذُوا عَلَيْهِ الْعُهُودَ أَنْ لَا يُمَايِلَ صَالِحًا، وَلَا يُضْمِرَ لَهُمْ إِلَّا مِثْلَ مَا يُظْهِرُ ; ثُمَّ جَدَّدُوا لَهُ الْبَيْعَةَ، ثُمَّ أَصْبَحُوا، وَأَرْسَلُوا إِلَى صَالِحٍ لِيَحْضُرَ وَيُطَالِبُوهُ بِدِمَاءِ الْكُتَّابِ، وَالْأَمْوَالِ الَّتِي لِلْمُعْتَزِّ وَأَسْلَابِهِ، فَوَعَدَهُمْ ; فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ رَأَى أَنَّ أَصْحَابَهُ قَدْ تَفَرَّقُوا وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا بَعْضُهُمْ، فَهَرَبَ وَاخْتَفَى.
стр. 3222
ذِكْرُ قَتْلِ صَالِحِ بْنِ وَصِيفٍ
وَفِيهَا قُتِلَ صَالِحُ بْنُ وَصِيفٍ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ، وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ الْمُهْتَدِيَ لَمَّا كَانَ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ أَظْهَرَ كِتَابًا زَعَمَ أَنَّ امْرَأَةً دَفَعَتْهُ إِلَى سِيمَا الشَّرَابِيِّ، وَقَالَتْ: إِنَّ فِيهِ نَصِيحَةً، وَإِنَّ مَنْزِلَهَا بِمَكَانِ كَذَا، فَإِنْ طَلَبُونِي فَأَنَا فِيهِ. وَطُلِبَتِ الْمَرْأَةُ فَلَمْ تُوجَدْ.
وَقِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَدْرِ مَنْ أَلْقَى الْكِتَابَ.
وَدَعَا الْمُهْتَدِي الْقُوَّادَ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ وَهْبٍ، فَأَرَاهُمُ الْكِتَابَ، فَزَعَمَ سُلَيْمَانُ أَنَّهُ خَطُّ صَالِحٍ، فَقَرَأَهُ عَلَى الْقُوَّادِ، فَإِذَا فِيهِ أَنَّهُ مُسْتَخْفٍ بِسَامَرَّا، وَإِنَّمَا اسْتَتَرَّ طَلَبًا لِلسَّلَامَةِ وَإِبْقَاءِ الْمُوَالِي، وَطَلَبًا لِانْقِطَاعِ الْفِتَنِ، وَذَكَرَ مَا صَارَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِ الْكُتَّابِ، وَأُمِّ الْمُعْتَزِّ، وَجِهَةَ خُرُوجِهَا، وَيَدُلُّ فِيهِ عَلَى قُوَّةِ نَفْسِهِ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ قِرَاءَتِهِ وَصَلَهُ الْمُهْتَدِي بِالْحَثِّ عَلَى الصُّلْحِ، وَالِاتِّفَاقِ، وَالنَّهْيِ عَنِ التَّبَاغُضِ وَالتَّبَايُنِ، فَاتَّهَمَهُ الْأَتْرَاكُ بِأَنَّهُ يَعْرِفُ مَكَانَ صَالِحٍ وَيَمِيلُ إِلَيْهِ، وَطَالَ الْكَلَامُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ اجْتَمِعُوا بِدَارِ مُوسَى بْنِ بُغَا دَاخِلَ الْجَوْسَقِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى خَلْعِ الْمُهْتَدِي، فَقَالَ لَهُمْ بَايِكْبَاكُ: إِنَّكُمْ قَتَلْتُمُ ابْنَ الْمُتَوَكِّلِ، وَهُوَ حَسَنُ الْوَجْهِ، سَخِيُّ الْكَفِّ، فَاضِلُ النَّفْسِ، وَتُرِيدُونَ قَتْلَ هَذَا، وَهُوَ مُسْلِمٌ يَصُومُ وَلَا يَشْرَبُ النَّبِيذَ، مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ! وَاللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمْ هَذَا لَأَلْحَقَنَّ بِخُرَاسَانَ (لِأُشِيعَ أَمْرَكُمْ هُنَاكَ) .
فَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِالْمُهْتَدِي، فَتَحَوَّلَ مِنْ مَجْلِسِهِ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا، وَقَدْ لَبِسَ ثِيَابًا نِظَافًا وَتَطَيَّبَ، ثُمَّ أَمَرَ بِإِدْخَالِهِمْ عَلَيْهِ، فَدَخَلُوا فَقَالَ لَهُمْ: بَلَغَنِي مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، وَلَسْتُ كَمَنْ تَقَدَّمَنِي مِثْلَ الْمُسْتَعِينِ، وَالْمُعْتَزِّ، وَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ إِلَيْكُمْ إِلَّا وَأَنَا مُتَحَنِّطٌ، وَقَدْ أَوْصَيْتُ إِلَى أَخِي بِوَلَدِي، وَهَذَا سَيْفِي وَاللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ بِهِ مَا اسْتَمْسَكَ قَائِمُهُ بِيَدِي، وَاللَّهِ لَئِنْ سَقَطَ مِنِّي شَعْرَةٌ لِيَهْلِكَنَّ وَلَيَذْهَبَنَّ أَكْثَرُكُمْ.
كَمْ هَذَا الْخِلَافُ عَلَى الْخُلَفَاءِ، وَالْإِقْدَامُ، وَالْجُرْأَةُ عَلَى اللَّهِ! سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ مَنْ قَصَدَ الْإِبْقَاءَ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ كَانَ إِذَا بَلَغَهُ هَذَا مِنْكُمْ دَعَا بِالنَّبِيذِ فَشَرِبَهُ مَسْرُورًا بِمَكْرُوهِكُمْ،
стр. 3223
حَتَّى تَعْلَمُوا أَنَّهُ وَصَلَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ دُنْيَاكُمْ، أَمَا إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّ بَعْضَ الْمُتَّصِلِينَ بِكُمْ أَيْسَرُ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِي وَوَلَدِي (سَوْأَةٌ لَكُمْ) ، يَقُولُونَ: إِنِّي أَعْلَمُ بِمَكَانِ صَالِحٍ، وَهَلْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ مِنَ الْمَوَالِي؟ فَكَيْفَ الْإِقَامَةُ مَعَهُ إِذَا سَاءَ رَأْيُكُمْ فِيهِ؟ وَإِذَا أَبْرَمْتُمُ الصُّلْحَ فِيهِ كَانَ (ذَلِكَ مَا أُنْفِذُهُ لِجَمِيعِكُمْ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ فَشَأْنَكُمْ، وَاطْلُبُوا صَالِحًا، وَأَمَّا أَنَا فَمَا أَعْلَمُ مَكَانَهُ) .
قَالُوا: فَاحْلِفْ لَنَا عَلَى ذَلِكَ! قَالَ: أَمَّا الْيَمِينُ فَنَعَمْ، وَلَكِنَّهَا تَكُونُ بِحَضْرَةِ بَنِي هَاشِمٍ، وَالْقُضَاةِ غَدًا إِذَا صَلَّيْتُ الْجُمُعَةَ ; ثُمَّ قَالَ لِبَايِكْبَاكَ وَلِمُحَمَّدِ بْنِ بُغَا: قَدْ حَضَرْتُمَا مَا عَمِلَهُ صَالِحٌ فِي أَمْوَالِ الْكُتَّابِ، وَأُمِّ الْمُعْتَزِّ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا فَقَدْ أَخَذْتُمَا مِثْلَهُ، فَأَحْفَظَهُمَا ذَلِكَ، ثُمَّ أَرَادُوا خَلْعَهُ، وَإِنَّمَا مَنَعَهُمْ خَوْفُ الِاضْطِرَابِ وَقِلَّةُ الْأَمْوَالِ، فَأَتَاهُمْ مَالٌ مِنْ فَارِسٍ عَشَرَةُ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَخَمْسُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا كَانَ سَلْخُ الْمُحَرَّمِ انْتَشَرَ الْخَبَرُ فِي الْعَامَّةِ أَنَّ الْقَوْمَ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى خَلْعِ الْمُهْتَدِي وَالْفَتْكِ بِهِ، وَأَنَّهُمْ قَدْ أَرْهَقُوهُ، وَكَتَبُوا الرِّقَاعَ وَرَمَوْهَا فِي الطُّرُقِ وَالْمَسَاجِدِ، مَكْتُوبٌ فِيهَا: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ ادْعُوا اللَّهَ لِخَلِيفَتِكُمُ الْعَدْلِ، الرِّضَا، الْمُضَاهِي لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَأَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ عَلَى عَدُوِّهِ، وَيَكْفِيَهُ مَئُونَةَ ظَالِمِهِ، وَتَتِمَّ النِّعْمَةُ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ بِبَقَائِهِ، فَإِنَّ الْأَتْرَاكَ قَدْ أَخَذُوهُ بِأَنْ يَخْلَعَ نَفْسَهُ، وَهُوَ يُعَذَّبُ مُنْذُ أَيَّامٍ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنْ صَفَرٍ تَحَرَّكَ الْمَوَالِي بِالْكَرْخِ وَالدُّورِ، وَبَعَثُوا إِلَى الْمُهْتَدِي، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ بَعْضَ إِخْوَتِهِ لِيُحَمِّلُوهُ رِسَالَةً، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ أَخَاهُ أَبَا الْقَاسِمِ عَبْدَ اللَّهِ، فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّهُمْ سَامِعُونَ مُطِيعُونَ، وَأَنَّهُمْ بَلَغَهُمْ أَنَّ مُوسَى، وَجَمَاعَةً مَعَهُ يُرِيدُونَهُ عَلَى الْخَلْعِ، وَأَنَّهُمْ يَبْذُلُونَ دِمَاءَهُمْ دُونَ ذَلِكَ (وَمَا هُمْ دُونَ ذَلِكَ) ، وَشَكَوْا تَأَخُّرَ أَرْزَاقِهِمْ، وَمَا صَارَ مِنَ الْأَقْطَاعِ، وَالزِّيَادَاتِ، وَالرُّسُومِ إِلَى قُوَّادِهِمُ الَّتِي قَدْ أَجْحَفَتْ بِالْخَرَاجِ وَالضِّيَاعِ، مَا قَدْ أَخَذُوا النِّسَاءَ وَالدُّخَلَاءَ، فَكَتَبُوا بِذَلِكَ كِتَابًا، فَحَمَلَهُ
стр. 3224
إِلَى الْمُهْتَدِي وَكَتَبَ جَوَابَهُ بِخَطِّهِ: قَدْ فَهِمْتُ كِتَابَكُمْ، وَسَرَّنِي مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ طَاعَتِكُمْ، فَأَحْسَنَ اللَّهُ جَزَاءَكُمْ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ خَلَّتِكُمْ وَحَاجَتِكُمْ فَعَزِيزٌ عَلَيَّ ذَلِكَ، وَلَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنَّ صَلَاحَكُمْ يُهَيَّأُ بِأَنْ لَا آكُلَ وَلَا أَشْرَبَ وَلَا أُطْعِمَ وَلَدِي إِلَّا الْقُوتَ، وَلَا أَكْسُوَهُ) إِلَّا سَتْرَ الْعَوْرَةِ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ مَا صَارَ إِلَيَّ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الْإِقْطَاعَاتِ وَغَيْرِهَا فَأَنَا أَنْظُرُ فِي ذَلِكَ وَأُصَرِّفُهُ إِلَى مَحَبَّتِكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَقَرَءُوا الْكِتَابَ وَكَتَبُوا، بَعْدَ الدُّعَاءِ، يَسْأَلُونَ أَنْ يَرُدَّ الْأُمُورَ فِي الْخَاصِّ وَالْعَامِّ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، لَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ مُعْتَرِضٌ، وَأَنْ يَرُدَّ رُسُومَهُمْ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَيَّامَ الْمُسْتَعِينِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَلَى كُلِّ تِسْعَةٍ عَرِيفٌ، وَعَلَى كُلِّ خَمْسِينَ خَلِيفَةٌ، وَعَلَى كُلِّ مِائَةٍ قَائِدٌ، وَأَنْ يُسْقِطَ النِّسَاءَ وَالزِّيَادَاتِ، وَلَا يَدْخُلَ مَوْلًى فِي مَالِهِ وَلَا غَيْرُهُ، وَأَنْ يُوضَعَ لَهُمُ الْعَطَاءُ كُلَّ شَهْرَيْنِ، وَأَنْ تُبْطَلَ الْإِقْطَاعَاتُ، وَذَكَرُوا أَنَّهُمْ سَائِرُونَ إِلَى بَابِهِ لِيَقْضِيَ حَوَائِجَهُمْ، وَإِنْ بَلَغَهُمْ أَنَّ أَحَدًا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ أَخَذُوا رَأْسَهُ، وَإِنْ سَقَطَ مِنْ رَأْسِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ شَعْرَةٌ قَتَلُوا بِهَا مُوسَى بْنَ بُغَا وَبَايِكْبَاكَ وَيَاجُورَ وَغَيْرَهُمْ.
وَأَرْسَلُوا الْكِتَابَ مَعَ أَبِي الْقَاسِمِ، وَتَحَوَّلُوا إِلَى سَامَرَّا، فَاضْطَرَبَ الْقُوَّادُ جِدًّا ; وَقَدْ كَانَ الْمُهْتَدِي قَعَدَ لِلْمَظَالِمِ، وَعِنْدَهُ الْفُقَهَاءُ، وَالْقُضَاةُ، وَقَامَ الْقُوَّادُ فِي مَرَاتِبِهِمْ، فَدَخَلَ أَبُو الْقَاسِمِ إِلَيْهِ بِالْكِتَابِ، فَقَرَأَهُ لِلْقُوَّادِ قِرَاءَةً ظَاهِرَةً، وَفِيهِمْ مُوسَى، وَكَتَبَ جَوَابَهُ بِخَطِّهِ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى مَا سَأَلُوا، وَدَفَعَهُ إِلَى أَبِي الْقَاسِمِ، فَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ لِمُوسَى بْنِ بُغَا، وَبَايِكْبَاكَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ بُغَا: وَجِّهُوا مَعِي رُسُلًا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِمْ عَنْكُمْ ; فَوَجَّهُوا مَعَهُ رُسُلًا، فَوَصَلُوا إِلَى الْأَتْرَاكِ، وَهُمْ زُهَاءُ أَلْفِ فَارِسٍ، وَثَلَاثَةُ آلَافِ رَاجِلٍ، وَذَلِكَ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِنْ صَفَرٍ، فَأَوْصَلَ الْكِتَابَ، وَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَجَابَكُمْ إِلَى مَا سَأَلْتُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: هَؤُلَاءِ رُسُلُ الْقُوَّادِ إِلَيْكُمْ، يَعْتَذِرُونَ مِنْ شَيْءٍ إِنْ كَانَ بَلَغَكُمْ عَنْهُمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا أَنْتُمْ إِخْوَةٌ، وَأَنْتُمْ مِنَّا وَإِلَيْنَا، وَاعْتَذَرَ عَنْهُمْ.
стр. 3225
فَكَتَبُوا إِلَى الْمُهْتَدِي يَطْلُبُونَ خَمْسَةَ تَوْقِيعَاتٍ، تَوْقِيعًا بِخَطِّ الزِّيَادَاتِ، وَتَوْقِيعًا بِرَدِّ الْإِقْطَاعَاتِ، وَتَوْقِيعًا بِإِخْرَاجِ الْمَوَالِي الْبَرَّانِيِّينَ مِنَ الْخَاصَّةِ إِلَى الْبَرَّانِيِّينَ، وَتَوْقِيعًا بِرَدِّ الرُّسُومِ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ أَيَّامَ الْمُسْتَعِينِ، وَتَوْقِيعًا بِرَدِّ الْبَلَاجِيِّ، ثُمَّ يَجْعَلُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْجَيْشَ إِلَى أَحَدِ إِخْوَتِهِ، أَوْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَرَى لِيَرْفَعَ إِلَيْهِمْ أُمُورَهُمْ، وَلَا يَكُونُ رَجُلًا مِنَ الْمَوَالِي، وَأَنْ يُحَاسِبَ صَالِحَ بْنَ وَصِيفٍ، وَمُوسَى بْنَ بُغَا عَمَّا عِنْدَهُمَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَيَجْعَلَ لَهُمُ الْعَطَاءَ كُلَّ شَهْرَيْنِ، لَا يُرْضِيهِمْ إِلَّا ذَلِكَ، وَدَفَعُوا الْكِتَابَ إِلَى أَبِي الْقَاسِمِ، وَكَتَبُوا كِتَابًا آخَرَ إِلَى الْقُوَّادِ مُوسَى وَغَيْرِهِ [ذَكَرُوا فِيهِ] أَنَّهُمْ كَتَبُوا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا كَتَبُوا، وَأَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُمْ شَيْئًا مِمَّا طَلَبُوا إِلَّا أَنْ يَعْتَرِضُوا عَلَيْهِ، وَأَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَمْ يُوَافِقُوهُمْ، وَأَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ شَاكَهُ شَوْكَةٌ، وَأُخِذَ مِنْ رَأْسِهِ شَعْرَةٌ، أَخَذُوا رُءُوسَهُمْ جَمِيعًا، وَلَا يُقْنِعُهُمْ إِلَّا أَنْ يَظْهَرَ صَالِحٌ، وَيَجْتَمِعَ هُوَ وَمُوسَى بْنُ بُغَا حَتَّى يَنْظُرَ أَيْنَ الْأَمْوَالُ.
فَلَمَّا قَرَأَ الْمُهْتَدِي الْكِتَابَ أَمَرَ بِإِنْشَاءِ التَوْقِيعًاتِ الْخَمْسَةِ عَلَى مَا سَأَلُوا، وَسَيَّرَهَا إِلَيْهِمْ مَعَ أَبِي الْقَاسِمِ وَقْتَ الْمَغْرِبِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ بِإِجَابَتِهِمْ إِلَى مَا طَلَبُوا، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ مُوسَى بْنُ بُغَا (كَذَلِكَ، وَأَذِنَ) فِي ظُهُورِ صَالَحٍ، وَذَكَرَ أَنَّهُ أَخُوهُ وَابْنُ عَمِّهِ، وَأَنَّهُ مَا أَرَادَ مَا يَكْرَهُونَ، فَلَمَّا قَرَءُوا الْكِتَابَيْنِ قَالُوا قَدْ أَمْسَيْنَا، وَغَدًا نُعَرِّفُكُمْ رَأْيَنَا، فَافْتَرَقُوا.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ رَكِبَ مُوسَى مِنْ دَارِ الْخَلِيفَةِ، وَمَعَهُ مِنْ عَسْكَرِهِ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةِ رَجُلٍ، فَوَقَفَ عَلَى طَرِيقِهِمْ، وَأَتَاهُمْ أَبُو الْقَاسِمِ، فَلَمْ يَعْقِلْ مِنْهُمْ جَوَابًا إِلَّا كُلُّ طَائِفَةٍ يَقُولُونَ شَيْئًا، فَلَمَّا طَالَ الْكَلَامُ انْصَرَفَ أَبُو الْقَاسِمِ، فَاجْتَازَ بِمُوسَى بْنِ بُغَا وَهُوَ فِي أَصْحَابِهِ، فَانْصَرَفَ مَعَهُ.
ثُمَّ أَمَرَ الْمُهْتَدِي مُحَمَّدَ بْنَ بُغَا أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهِمْ مَعَ أَخِيهِ أَبِي الْقَاسِمِ، فَسَارَ فِي خَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ، وَرَجَعَ مُوسَى إِلَى مَكَانِهِ بُكْرَةً، وَتَقَدَّمَ أَبُو الْقَاسِمِ وَمُحَمَّدُ بْنُ بُغَا فَوَاعَدَاهُمْ عَنِ الْمُهْتَدِي، وَأَعْطَيَاهُمْ تَوْقِيعًا فِيهِ أَمَانُ صَالِحِ بْنِ وَصِيفٍ، مُوَكَّدًا غَايَةَ التَّوْكِيدِ، فَطَلَبُوا أَنْ يَكُونَ مُوسَى فِي مَرْتَبَةِ بُغَا الْكَبِيرِ، وَصَالِحٌ فِي مَرْتَبَةِ أَبِيهِ، وَيَكُونَ الْجَيْشُ (فِي يَدِ مَنْ)
следующие страницы →