← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٥٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ وُصُولِ مُوسَى بْنِ بُغَا إِلَى سَامَرَّا وَاخْتِفَاءِ صَالِحٍ وَفِيهَا فِي ثَانِي عَشَرَ الْمُحَرَّمِ دَخَلَ مُوسَى بْنُ بُغَا إِلَى سَامَرَّا وَقَدْ عَبَّأَ أَصْحَابَهُ، وَاخْتَفَى صَالِحُ بْنُ وَصِيفٍ، وَسَارَ مُوسَى إِلَى الْجَوْسَقِ، وَالْمُهْتَدِي جَالِسٌ لِلْمَظَالِمِ، فَأُعْلِمَ بِمَكَانِ مُوسَى، فَأَمْسَكَ سَاعَةً عَنِ الْإِذْنِ لَهُ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ وَلِمَنْ مَعَهُ، فَدَخَلُوا، فَتَنَاظَرُوا، وَأَقَامُوا الْمُهْتَدِيَ مِنْ مَجْلِسِهِ، وَحَمَلُوهُ عَلَى دَابَّةٍ مِنْ دَوَابِّ الشَّاكِرِيَّةِ، وَانْتَهَبُوا مَا كَانَ فِي الْجَوْسَقِ، وَأَدْخَلُوا الْمُهْتَدِيَ دَارَ يَاجُورَ. وَكَانَ سَبَبُ أَخْذِهِ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: إِنَّمَا سَبَبُ هَذِهِ الْمُطَاوَلَةِ (حِيلَةٌ عَلَيْكُمْ) حَتَّى يَكْبِسَكُمْ صَالِحٌ بِجَيْشِهِ ; فَخَافُوا مِنْ ذَلِكَ، فَأَخَذُوهُ، فَلَمَّا أَخَذُوهُ قَالَ لِمُوسَى بْنِ بُغَا: اتَّقِ اللَّهَ، وَيْحَكَ، فَإِنَّكَ قَدْ رَكِبْتَ أَمْرًا عَظِيمًا ; فَقَالَ لَهُ مُوسَى: وَتُرْبَةِ الْمُتَوَكِّلِ مَا نُرِيدُ إِلَّا خَيْرًا ; وَلَوْ أَرَادَ بِهِ خَيْرًا لَقَالَ وَتُرْبَةِ الْمُعْتَصِمِ وَالْوَاثِقِ، ثُمَّ أَخَذُوا عَلَيْهِ الْعُهُودَ أَنْ لَا يُمَايِلَ صَالِحًا، وَلَا يُضْمِرَ لَهُمْ إِلَّا مِثْلَ مَا يُظْهِرُ ; ثُمَّ جَدَّدُوا لَهُ الْبَيْعَةَ، ثُمَّ أَصْبَحُوا، وَأَرْسَلُوا إِلَى صَالِحٍ لِيَحْضُرَ وَيُطَالِبُوهُ بِدِمَاءِ الْكُتَّابِ، وَالْأَمْوَالِ الَّتِي لِلْمُعْتَزِّ وَأَسْلَابِهِ، فَوَعَدَهُمْ ; فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ رَأَى أَنَّ أَصْحَابَهُ قَدْ تَفَرَّقُوا وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا بَعْضُهُمْ، فَهَرَبَ وَاخْتَفَى.

стр. 3222

ذِكْرُ قَتْلِ صَالِحِ بْنِ وَصِيفٍ وَفِيهَا قُتِلَ صَالِحُ بْنُ وَصِيفٍ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ، وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ الْمُهْتَدِيَ لَمَّا كَانَ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ أَظْهَرَ كِتَابًا زَعَمَ أَنَّ امْرَأَةً دَفَعَتْهُ إِلَى سِيمَا الشَّرَابِيِّ، وَقَالَتْ: إِنَّ فِيهِ نَصِيحَةً، وَإِنَّ مَنْزِلَهَا بِمَكَانِ كَذَا، فَإِنْ طَلَبُونِي فَأَنَا فِيهِ. وَطُلِبَتِ الْمَرْأَةُ فَلَمْ تُوجَدْ. وَقِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَدْرِ مَنْ أَلْقَى الْكِتَابَ. وَدَعَا الْمُهْتَدِي الْقُوَّادَ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ وَهْبٍ، فَأَرَاهُمُ الْكِتَابَ، فَزَعَمَ سُلَيْمَانُ أَنَّهُ خَطُّ صَالِحٍ، فَقَرَأَهُ عَلَى الْقُوَّادِ، فَإِذَا فِيهِ أَنَّهُ مُسْتَخْفٍ بِسَامَرَّا، وَإِنَّمَا اسْتَتَرَّ طَلَبًا لِلسَّلَامَةِ وَإِبْقَاءِ الْمُوَالِي، وَطَلَبًا لِانْقِطَاعِ الْفِتَنِ، وَذَكَرَ مَا صَارَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِ الْكُتَّابِ، وَأُمِّ الْمُعْتَزِّ، وَجِهَةَ خُرُوجِهَا، وَيَدُلُّ فِيهِ عَلَى قُوَّةِ نَفْسِهِ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ قِرَاءَتِهِ وَصَلَهُ الْمُهْتَدِي بِالْحَثِّ عَلَى الصُّلْحِ، وَالِاتِّفَاقِ، وَالنَّهْيِ عَنِ التَّبَاغُضِ وَالتَّبَايُنِ، فَاتَّهَمَهُ الْأَتْرَاكُ بِأَنَّهُ يَعْرِفُ مَكَانَ صَالِحٍ وَيَمِيلُ إِلَيْهِ، وَطَالَ الْكَلَامُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ اجْتَمِعُوا بِدَارِ مُوسَى بْنِ بُغَا دَاخِلَ الْجَوْسَقِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى خَلْعِ الْمُهْتَدِي، فَقَالَ لَهُمْ بَايِكْبَاكُ: إِنَّكُمْ قَتَلْتُمُ ابْنَ الْمُتَوَكِّلِ، وَهُوَ حَسَنُ الْوَجْهِ، سَخِيُّ الْكَفِّ، فَاضِلُ النَّفْسِ، وَتُرِيدُونَ قَتْلَ هَذَا، وَهُوَ مُسْلِمٌ يَصُومُ وَلَا يَشْرَبُ النَّبِيذَ، مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ! وَاللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمْ هَذَا لَأَلْحَقَنَّ بِخُرَاسَانَ (لِأُشِيعَ أَمْرَكُمْ هُنَاكَ) . فَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِالْمُهْتَدِي، فَتَحَوَّلَ مِنْ مَجْلِسِهِ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا، وَقَدْ لَبِسَ ثِيَابًا نِظَافًا وَتَطَيَّبَ، ثُمَّ أَمَرَ بِإِدْخَالِهِمْ عَلَيْهِ، فَدَخَلُوا فَقَالَ لَهُمْ: بَلَغَنِي مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، وَلَسْتُ كَمَنْ تَقَدَّمَنِي مِثْلَ الْمُسْتَعِينِ، وَالْمُعْتَزِّ، وَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ إِلَيْكُمْ إِلَّا وَأَنَا مُتَحَنِّطٌ، وَقَدْ أَوْصَيْتُ إِلَى أَخِي بِوَلَدِي، وَهَذَا سَيْفِي وَاللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ بِهِ مَا اسْتَمْسَكَ قَائِمُهُ بِيَدِي، وَاللَّهِ لَئِنْ سَقَطَ مِنِّي شَعْرَةٌ لِيَهْلِكَنَّ وَلَيَذْهَبَنَّ أَكْثَرُكُمْ. كَمْ هَذَا الْخِلَافُ عَلَى الْخُلَفَاءِ، وَالْإِقْدَامُ، وَالْجُرْأَةُ عَلَى اللَّهِ! سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ مَنْ قَصَدَ الْإِبْقَاءَ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ كَانَ إِذَا بَلَغَهُ هَذَا مِنْكُمْ دَعَا بِالنَّبِيذِ فَشَرِبَهُ مَسْرُورًا بِمَكْرُوهِكُمْ،

стр. 3223

حَتَّى تَعْلَمُوا أَنَّهُ وَصَلَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ دُنْيَاكُمْ، أَمَا إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّ بَعْضَ الْمُتَّصِلِينَ بِكُمْ أَيْسَرُ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِي وَوَلَدِي (سَوْأَةٌ لَكُمْ) ، يَقُولُونَ: إِنِّي أَعْلَمُ بِمَكَانِ صَالِحٍ، وَهَلْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ مِنَ الْمَوَالِي؟ فَكَيْفَ الْإِقَامَةُ مَعَهُ إِذَا سَاءَ رَأْيُكُمْ فِيهِ؟ وَإِذَا أَبْرَمْتُمُ الصُّلْحَ فِيهِ كَانَ (ذَلِكَ مَا أُنْفِذُهُ لِجَمِيعِكُمْ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ فَشَأْنَكُمْ، وَاطْلُبُوا صَالِحًا، وَأَمَّا أَنَا فَمَا أَعْلَمُ مَكَانَهُ) . قَالُوا: فَاحْلِفْ لَنَا عَلَى ذَلِكَ! قَالَ: أَمَّا الْيَمِينُ فَنَعَمْ، وَلَكِنَّهَا تَكُونُ بِحَضْرَةِ بَنِي هَاشِمٍ، وَالْقُضَاةِ غَدًا إِذَا صَلَّيْتُ الْجُمُعَةَ ; ثُمَّ قَالَ لِبَايِكْبَاكَ وَلِمُحَمَّدِ بْنِ بُغَا: قَدْ حَضَرْتُمَا مَا عَمِلَهُ صَالِحٌ فِي أَمْوَالِ الْكُتَّابِ، وَأُمِّ الْمُعْتَزِّ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا فَقَدْ أَخَذْتُمَا مِثْلَهُ، فَأَحْفَظَهُمَا ذَلِكَ، ثُمَّ أَرَادُوا خَلْعَهُ، وَإِنَّمَا مَنَعَهُمْ خَوْفُ الِاضْطِرَابِ وَقِلَّةُ الْأَمْوَالِ، فَأَتَاهُمْ مَالٌ مِنْ فَارِسٍ عَشَرَةُ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَخَمْسُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا كَانَ سَلْخُ الْمُحَرَّمِ انْتَشَرَ الْخَبَرُ فِي الْعَامَّةِ أَنَّ الْقَوْمَ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى خَلْعِ الْمُهْتَدِي وَالْفَتْكِ بِهِ، وَأَنَّهُمْ قَدْ أَرْهَقُوهُ، وَكَتَبُوا الرِّقَاعَ وَرَمَوْهَا فِي الطُّرُقِ وَالْمَسَاجِدِ، مَكْتُوبٌ فِيهَا: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ ادْعُوا اللَّهَ لِخَلِيفَتِكُمُ الْعَدْلِ، الرِّضَا، الْمُضَاهِي لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَأَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ عَلَى عَدُوِّهِ، وَيَكْفِيَهُ مَئُونَةَ ظَالِمِهِ، وَتَتِمَّ النِّعْمَةُ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ بِبَقَائِهِ، فَإِنَّ الْأَتْرَاكَ قَدْ أَخَذُوهُ بِأَنْ يَخْلَعَ نَفْسَهُ، وَهُوَ يُعَذَّبُ مُنْذُ أَيَّامٍ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنْ صَفَرٍ تَحَرَّكَ الْمَوَالِي بِالْكَرْخِ وَالدُّورِ، وَبَعَثُوا إِلَى الْمُهْتَدِي، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ بَعْضَ إِخْوَتِهِ لِيُحَمِّلُوهُ رِسَالَةً، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ أَخَاهُ أَبَا الْقَاسِمِ عَبْدَ اللَّهِ، فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّهُمْ سَامِعُونَ مُطِيعُونَ، وَأَنَّهُمْ بَلَغَهُمْ أَنَّ مُوسَى، وَجَمَاعَةً مَعَهُ يُرِيدُونَهُ عَلَى الْخَلْعِ، وَأَنَّهُمْ يَبْذُلُونَ دِمَاءَهُمْ دُونَ ذَلِكَ (وَمَا هُمْ دُونَ ذَلِكَ) ، وَشَكَوْا تَأَخُّرَ أَرْزَاقِهِمْ، وَمَا صَارَ مِنَ الْأَقْطَاعِ، وَالزِّيَادَاتِ، وَالرُّسُومِ إِلَى قُوَّادِهِمُ الَّتِي قَدْ أَجْحَفَتْ بِالْخَرَاجِ وَالضِّيَاعِ، مَا قَدْ أَخَذُوا النِّسَاءَ وَالدُّخَلَاءَ، فَكَتَبُوا بِذَلِكَ كِتَابًا، فَحَمَلَهُ

стр. 3224

إِلَى الْمُهْتَدِي وَكَتَبَ جَوَابَهُ بِخَطِّهِ: قَدْ فَهِمْتُ كِتَابَكُمْ، وَسَرَّنِي مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ طَاعَتِكُمْ، فَأَحْسَنَ اللَّهُ جَزَاءَكُمْ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ خَلَّتِكُمْ وَحَاجَتِكُمْ فَعَزِيزٌ عَلَيَّ ذَلِكَ، وَلَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنَّ صَلَاحَكُمْ يُهَيَّأُ بِأَنْ لَا آكُلَ وَلَا أَشْرَبَ وَلَا أُطْعِمَ وَلَدِي إِلَّا الْقُوتَ، وَلَا أَكْسُوَهُ) إِلَّا سَتْرَ الْعَوْرَةِ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ مَا صَارَ إِلَيَّ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الْإِقْطَاعَاتِ وَغَيْرِهَا فَأَنَا أَنْظُرُ فِي ذَلِكَ وَأُصَرِّفُهُ إِلَى مَحَبَّتِكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَقَرَءُوا الْكِتَابَ وَكَتَبُوا، بَعْدَ الدُّعَاءِ، يَسْأَلُونَ أَنْ يَرُدَّ الْأُمُورَ فِي الْخَاصِّ وَالْعَامِّ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، لَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ مُعْتَرِضٌ، وَأَنْ يَرُدَّ رُسُومَهُمْ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَيَّامَ الْمُسْتَعِينِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَلَى كُلِّ تِسْعَةٍ عَرِيفٌ، وَعَلَى كُلِّ خَمْسِينَ خَلِيفَةٌ، وَعَلَى كُلِّ مِائَةٍ قَائِدٌ، وَأَنْ يُسْقِطَ النِّسَاءَ وَالزِّيَادَاتِ، وَلَا يَدْخُلَ مَوْلًى فِي مَالِهِ وَلَا غَيْرُهُ، وَأَنْ يُوضَعَ لَهُمُ الْعَطَاءُ كُلَّ شَهْرَيْنِ، وَأَنْ تُبْطَلَ الْإِقْطَاعَاتُ، وَذَكَرُوا أَنَّهُمْ سَائِرُونَ إِلَى بَابِهِ لِيَقْضِيَ حَوَائِجَهُمْ، وَإِنْ بَلَغَهُمْ أَنَّ أَحَدًا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ أَخَذُوا رَأْسَهُ، وَإِنْ سَقَطَ مِنْ رَأْسِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ شَعْرَةٌ قَتَلُوا بِهَا مُوسَى بْنَ بُغَا وَبَايِكْبَاكَ وَيَاجُورَ وَغَيْرَهُمْ. وَأَرْسَلُوا الْكِتَابَ مَعَ أَبِي الْقَاسِمِ، وَتَحَوَّلُوا إِلَى سَامَرَّا، فَاضْطَرَبَ الْقُوَّادُ جِدًّا ; وَقَدْ كَانَ الْمُهْتَدِي قَعَدَ لِلْمَظَالِمِ، وَعِنْدَهُ الْفُقَهَاءُ، وَالْقُضَاةُ، وَقَامَ الْقُوَّادُ فِي مَرَاتِبِهِمْ، فَدَخَلَ أَبُو الْقَاسِمِ إِلَيْهِ بِالْكِتَابِ، فَقَرَأَهُ لِلْقُوَّادِ قِرَاءَةً ظَاهِرَةً، وَفِيهِمْ مُوسَى، وَكَتَبَ جَوَابَهُ بِخَطِّهِ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى مَا سَأَلُوا، وَدَفَعَهُ إِلَى أَبِي الْقَاسِمِ، فَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ لِمُوسَى بْنِ بُغَا، وَبَايِكْبَاكَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ بُغَا: وَجِّهُوا مَعِي رُسُلًا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِمْ عَنْكُمْ ; فَوَجَّهُوا مَعَهُ رُسُلًا، فَوَصَلُوا إِلَى الْأَتْرَاكِ، وَهُمْ زُهَاءُ أَلْفِ فَارِسٍ، وَثَلَاثَةُ آلَافِ رَاجِلٍ، وَذَلِكَ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِنْ صَفَرٍ، فَأَوْصَلَ الْكِتَابَ، وَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَجَابَكُمْ إِلَى مَا سَأَلْتُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: هَؤُلَاءِ رُسُلُ الْقُوَّادِ إِلَيْكُمْ، يَعْتَذِرُونَ مِنْ شَيْءٍ إِنْ كَانَ بَلَغَكُمْ عَنْهُمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا أَنْتُمْ إِخْوَةٌ، وَأَنْتُمْ مِنَّا وَإِلَيْنَا، وَاعْتَذَرَ عَنْهُمْ.

стр. 3225

فَكَتَبُوا إِلَى الْمُهْتَدِي يَطْلُبُونَ خَمْسَةَ تَوْقِيعَاتٍ، تَوْقِيعًا بِخَطِّ الزِّيَادَاتِ، وَتَوْقِيعًا بِرَدِّ الْإِقْطَاعَاتِ، وَتَوْقِيعًا بِإِخْرَاجِ الْمَوَالِي الْبَرَّانِيِّينَ مِنَ الْخَاصَّةِ إِلَى الْبَرَّانِيِّينَ، وَتَوْقِيعًا بِرَدِّ الرُّسُومِ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ أَيَّامَ الْمُسْتَعِينِ، وَتَوْقِيعًا بِرَدِّ الْبَلَاجِيِّ، ثُمَّ يَجْعَلُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْجَيْشَ إِلَى أَحَدِ إِخْوَتِهِ، أَوْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَرَى لِيَرْفَعَ إِلَيْهِمْ أُمُورَهُمْ، وَلَا يَكُونُ رَجُلًا مِنَ الْمَوَالِي، وَأَنْ يُحَاسِبَ صَالِحَ بْنَ وَصِيفٍ، وَمُوسَى بْنَ بُغَا عَمَّا عِنْدَهُمَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَيَجْعَلَ لَهُمُ الْعَطَاءَ كُلَّ شَهْرَيْنِ، لَا يُرْضِيهِمْ إِلَّا ذَلِكَ، وَدَفَعُوا الْكِتَابَ إِلَى أَبِي الْقَاسِمِ، وَكَتَبُوا كِتَابًا آخَرَ إِلَى الْقُوَّادِ مُوسَى وَغَيْرِهِ [ذَكَرُوا فِيهِ] أَنَّهُمْ كَتَبُوا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا كَتَبُوا، وَأَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُمْ شَيْئًا مِمَّا طَلَبُوا إِلَّا أَنْ يَعْتَرِضُوا عَلَيْهِ، وَأَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَمْ يُوَافِقُوهُمْ، وَأَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ شَاكَهُ شَوْكَةٌ، وَأُخِذَ مِنْ رَأْسِهِ شَعْرَةٌ، أَخَذُوا رُءُوسَهُمْ جَمِيعًا، وَلَا يُقْنِعُهُمْ إِلَّا أَنْ يَظْهَرَ صَالِحٌ، وَيَجْتَمِعَ هُوَ وَمُوسَى بْنُ بُغَا حَتَّى يَنْظُرَ أَيْنَ الْأَمْوَالُ. فَلَمَّا قَرَأَ الْمُهْتَدِي الْكِتَابَ أَمَرَ بِإِنْشَاءِ التَوْقِيعًاتِ الْخَمْسَةِ عَلَى مَا سَأَلُوا، وَسَيَّرَهَا إِلَيْهِمْ مَعَ أَبِي الْقَاسِمِ وَقْتَ الْمَغْرِبِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ بِإِجَابَتِهِمْ إِلَى مَا طَلَبُوا، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ مُوسَى بْنُ بُغَا (كَذَلِكَ، وَأَذِنَ) فِي ظُهُورِ صَالَحٍ، وَذَكَرَ أَنَّهُ أَخُوهُ وَابْنُ عَمِّهِ، وَأَنَّهُ مَا أَرَادَ مَا يَكْرَهُونَ، فَلَمَّا قَرَءُوا الْكِتَابَيْنِ قَالُوا قَدْ أَمْسَيْنَا، وَغَدًا نُعَرِّفُكُمْ رَأْيَنَا، فَافْتَرَقُوا. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ رَكِبَ مُوسَى مِنْ دَارِ الْخَلِيفَةِ، وَمَعَهُ مِنْ عَسْكَرِهِ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةِ رَجُلٍ، فَوَقَفَ عَلَى طَرِيقِهِمْ، وَأَتَاهُمْ أَبُو الْقَاسِمِ، فَلَمْ يَعْقِلْ مِنْهُمْ جَوَابًا إِلَّا كُلُّ طَائِفَةٍ يَقُولُونَ شَيْئًا، فَلَمَّا طَالَ الْكَلَامُ انْصَرَفَ أَبُو الْقَاسِمِ، فَاجْتَازَ بِمُوسَى بْنِ بُغَا وَهُوَ فِي أَصْحَابِهِ، فَانْصَرَفَ مَعَهُ. ثُمَّ أَمَرَ الْمُهْتَدِي مُحَمَّدَ بْنَ بُغَا أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهِمْ مَعَ أَخِيهِ أَبِي الْقَاسِمِ، فَسَارَ فِي خَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ، وَرَجَعَ مُوسَى إِلَى مَكَانِهِ بُكْرَةً، وَتَقَدَّمَ أَبُو الْقَاسِمِ وَمُحَمَّدُ بْنُ بُغَا فَوَاعَدَاهُمْ عَنِ الْمُهْتَدِي، وَأَعْطَيَاهُمْ تَوْقِيعًا فِيهِ أَمَانُ صَالِحِ بْنِ وَصِيفٍ، مُوَكَّدًا غَايَةَ التَّوْكِيدِ، فَطَلَبُوا أَنْ يَكُونَ مُوسَى فِي مَرْتَبَةِ بُغَا الْكَبِيرِ، وَصَالِحٌ فِي مَرْتَبَةِ أَبِيهِ، وَيَكُونَ الْجَيْشُ (فِي يَدِ مَنْ)

стр. 3226

هُوَ فِي يَدِهِ، وَأَنْ يَظْهَرَ صَالِحُ بْنُ وَصِيفٍ، وَيُوضَعَ لَهُمُ الْعَطَاءُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ قَوْمٌ: قَدْ رَضِيَنَا ; وَقَالَ قَوْمٌ: لَمْ نَرْضَ ; فَانْصَرَفَ أَبُو الْقَاسِمِ وَمُحَمَّدُ بْنُ بُغَا عَلَى ذَلِكَ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ إِلَى الْكَرْخِ، وَالدُّورِ وَسَامَرَّا. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ رَكِبَ بَنُو وَصِيفٍ فِي جَمَاعَةٍ مَعَهُمْ، وَتَنَادَوْا: السِّلَاحَ، وَنَهَبُوا دَوَابَّ الْعَامَّةِ، وَعَسْكَرُوا بِسَامَرَّا، وَتَعَلَّقُوا بِأَبِي الْقَاسِمِ، وَقَالُوا: نُرِيدُ صَالِحًا! وَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُهْتَدِيَ، فَقَالَ لِمُوسَى: يَطْلُبُونَ صَالِحًا مِنِّي كَأَنِّي أَنَا أَخْفَيْتُهُ، إِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُظْهِرُوهُ. ثُمَّ رَكِبَ مُوسَى، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْقُوَّادِ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَبَلَغَ عَسْكَرُهُ أَرْبَعَةَ آلَافِ فَارِسٍ، وَعَسْكَرُوا، وَتَفَرَّقَ الْأَتْرَاكُ وَمَنْ مَعَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْكَرْخِيِّينَ وَلَا لِلدُّورِيِّينَ فِي هَذَا الْيَوْمِ حَرَكَةٌ، وَجَدَّ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ فِي طَلَبِ ابْنِ وَصِيفٍ، وَاتَّهَمُوا جَمَاعَةً بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ غُلَامًا دَخَلَ دَارًا وَطَلَبَ مَاءً لِيَشْرَبَهُ، فَسَمِعَ قَائِلًا يَقُولُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ تَنَحَّ، فَإِنَّ غُلَامًا يَطْلُبُ مَاءً، فَسَمِعَ الْغُلَامُ الْكَلَامَ، فَجَاءَ إِلَى عَيَّارٍ فَأَخْبَرَهُ، فَأَخَذَ مَعَهُ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ، وَجَاءَ إِلَى صَالِحٍ، وَبِيَدِهِ مِرْآةٌ وَمُشْطٌ، وَهُوَ يُسَرِّحُ لِحْيَتَهُ، فَأَخَذَهُ، فَتَضَرَّعَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: لَا يُمْكِنُنِي تَرْكُكَ وَلَكِنِّي أَمُرُّ بِكَ عَلَى دِيَارِ أَهْلِكَ وَقُوَّادِكَ، وَأَصْحَابِكَ، فَإِنِ اعْتَرَضَكَ مِنْهُمُ اثْنَانِ أَطْلَقْتُكَ. فَأُخْرِجَ حَافِيًا لَيْسَ عَلَى رَأْسِهِ شَيْءٌ، وَالْعَامَّةُ تَعْدُو خَلْفَهُ، وَهُوَ عَلَى بِرْذَوْنٍ بِأُكَافٍ، فَأَتَوْا بِهِ نَحْوَ الْجَوْسَقِ، فَضَرَبَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ مُوسَى عَلَى عَاتِقِهِ، ثُمَّ قَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا رَأْسَهُ، وَتَرَكُوا جُثَّتَهُ، وَوَافَوْا بِهِ دَارَ الْمُهْتَدِي قَبْلَ الْمَغْرِبِ، فَقَالُوا لَهُ فِي ذَلِكَ: فَقَالَ وَارُوهُ، ثُمَّ حُمِلَ رَأْسُهُ وَطِيفَ بِهِ عَلَى قَنَاةٍ، وَنُودِيَ عَلَيْهِ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ قَتَلَ مَوْلَاهُ. وَلَمَّا قُتِلَ أَنْزَلَ مُوسَى رَأْسَ بُغَا الصَّغِيرَ، وَسُلِّمَ إِلَى أَهْلِهِ لِيَدْفِنُوهُ، وَلَمَّا قُتِلَ صَالِحٌ قَالَ السَّلُولِيُّ لِمُوسَى بْنِ بُغَا: أَخَذْتَ وَتَرَكَ مِنْ فِرْعَوْنَ حِينَ طَغَى ... وَجِئْتَ إِذْ جِئْتَ يَا مُوسَى عَلَى قَدَرِ

стр. 3227

ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ بَاغٍ أَخُو حَسَدٍ يَرْمِيكَ بِالظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ عَنْ وَتَرِ ... وَصِيفٌ فِي الْكَرْخِ مَمْثُولٌ بِهِ وَبُغَا بِالْجِسْرِ مُحْتَرِقٌ بِالنَّارِ وَالشَّرَرِ ... وَصَالِحُ بْنُ وَصِيفٍ بَعْدَ مُنْعَفِرٍ بِالْحِيرِ جُثَّتُهُ وَالرُّوحُ فِي سَقَرِ ذِكْرُ اخْتِلَافِ الْخَوَارِجِ عَلَى مُسَاوِرٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَالَفَ إِنْسَانٌ مِنَ الْخَوَارِجِ اسْمُهُ عُبَيْدَةُ مِنْ بَنِي زُهَيْرٍ الْعَمْرَوِيُّ عَلَى مُسَاوِرٍ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ خَالَفَهُ فِي تَوْبَةِ الْمُخْطِئِ، فَقَالَ مَسَاوِرٌ: نَقْبَلُ تَوْبَتَهُ ; وَقَالَ عُبَيْدَةُ: لَا نَقْبَلُ، فَجَمَعَ عُبَيْدَةُ جَمْعًا كَثِيرًا وَسَارَ إِلَى مُسَاوِرٍ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ مَسَاوِرٌ مِنَ الْحَدِيثَةِ، فَالْتَقَوْا بِنَوَاحِي جُهَيْنَةَ، بِالْقُرْبِ مِنَ الْمَوْصِلِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ [وَمِائَتَيْنِ] ، وَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، فَتَرَجَّلَ مِنْ عِنْدِهِ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، عَرْقَبُوا دَوَابَّهُمْ، فَقُتِلَ عُبَيْدَةُ، وَانْهَزَمَ جَمْعُهُ، فَقُتِلَ أَكْثَرُهُمْ، وَاسْتَوْلَى مُسَاوِرٌ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْعِرَاقِ، وَمَنَعَ الْأَمْوَالَ عَنِ الْخَلِيفَةِ، فَضَاقَتْ عَلَى الْجُنْدِ أَرْزَاقُهُمْ، فَاضْطَرَّهُمْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ سَارَ إِلَيْهِ مُوسَى بْنُ بُغَا، وَبَايِكْبَاكُ، وَغَيْرُهُمَا فِي عَسْكَرٍ عَظِيمٍ، فَوَصَلُوا إِلَى السِّنِّ، فَأَقَامُوا بِهِ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى سَامَرَّا، لِمَا نَذْكُرُهُ مِنْ خَلْعِ الْمُهْتَدِي. فَلَمَّا وَلِيَ الْمُعْتَمِدُ الْخِلَافَةَ سَيَّرَ مُفْلِحًا إِلَى مُسَاوِرٍ فِي عَسْكَرٍ كَبِيرٍ، حَسَنِ الْعُدَّةِ، فَلَمَّا قَارَبَ الْحَدِيثَةَ (فَارَقَهُمْ مُسَاوِرٌ، وَقَصَدَ جَبَلَيْنِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا زَيْنِي، وَلِلْآخَرِ عَامِرٌ، وَهُمَا بِالْقُرْبِ مِنَ الْحَدِيثَةِ، فَتَبِعَهُ مُفْلِحٌ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ مُسَاوِرٌ وَهُوَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ فَارِسٍ، فَاقْتَتَلَ هُوَ وَمُفْلِحٌ. وَكَانَ مُسَاوِرٌ قَدِ انْصَرَفَ عَنْ حَرْبِ عُبَيْدَةَ (وَقَدْ جَمَعَ كَثِيرًا) مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَقُوا مُفْلِحًا بِجَبَلِ زَيْنِي، فَلَمْ يَصِلْ مُفْلِحٌ مِنْهُ إِلَى مَا يُرِيدُهُ، (فَصَعِدَ رَأْسَ الْجَبَلِ فَاحْتَمَى

стр. 3228

بِهِ) ، وَنَزَلَ مُفْلِحٌ فِي (أَصْلِ الْجَبَلِ) ، وَجَرَى بَيْنَهُمَا وَقَعَاتٌ كَثِيرَةٌ، ثُمَّ أَصْبَحُوا يَوْمًا، وَطَلَبُوا مُسَاوِرًا، فَلَمْ يَجِدُوهُ، وَكَانَ قَدْ نَزَلَ لَيْلًا مِنْ غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي فِيهِ مُفْلِحٌ، لَمَّا أَيِسَ مِنَ الظَّفَرِ لِضَعْفِ أَصْحَابِهِ مِنَ الْجِرَاحِ، (فَحَيْثُ لَمْ) يَرَهُ مُفْلِحٌ سَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَسَارَ مِنْهَا إِلَى دِيَارِ رَبِيعَةِ سِنْجَارٍ، وَنَصِيبِينَ، وَالْخَابُورِ، فَنَظَرَ فِي أَمْرِهَا، ثُمَّ (عَادَ إِلَى) الْمَوْصِلِ، فَأَحْسَنَ السِّيرَةَ فِي أَهْلِهَا، وَرَجَعَ عَنْهَا فِي رَجَبٍ مُتَأَهِّبًا لِلِقَاءِ مُسَاوِرٍ. (فَلَمَّا قَارَبَ الْحَدِيثَةَ فَارَقَهَا مُسَاوِرٌ، وَكَانَ قَدْ عَادَ إِلَيْهَا عِنْدَ غَيْبَةِ مُفْلِحٍ، فَتَبِعَهُ مُفْلِحٌ، فَكَانَ مُسَاوِرٌ) يَرْحَلُ عَنِ الْمَنْزِلِ، فَيَنْزِلُهُ مُفْلِحٌ، فَلَمَّا طَالَ الْأَمْرُ عَلَى مُفْلِحٍ، وَتَوَغَّلَ فِي الْجِبَالِ وَالشِّعَابِ، وَالْمَضَايِقِ (وَرَاءَ مُسَاوِرٍ) ، وَلَحِقَ الْجَيْشُ الَّذِي مَعَهُ مَشَقَّةٌ، وَنَصَبٌ، عَادَ عَنْهُ، فَتَبِعَهُ مَسَاوِرٌ يَقْفُو أَثَرَهُ، وَيَأْخُذُ كُلَّ مَنْ يَنْقَطِعُ عَنْ سَاقَةِ الْعَسْكَرِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَقَاتَلُوهُ، ثُمَّ عَادُوا وَلَحِقُوا مُفْلِحًا، وَوَصَلُوا الْحَدِيثَةَ، فَأَقَامَ بِهَا مُفْلِحٌ أَيَّامًا، وَانْحَدَرَ أَوَّلَ شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَى سَامَرَّا، فَاسْتَوْلَى حِينَئِذٍ مَسَاوِرٌ عَلَى الْبِلَادِ، وَجَبَى خَرَاجَهَا، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ، اشْتَدَّ أَمْرُهُ. ذِكْرُ خَلْعِ الْمُهْتَدِي وَمَوْتِهِ (فِي رَجَبٍ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْهُ) ، خُلِعَ الْمُهْتَدِي، وَتُوُفِّيَ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْهُ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْكَرْخِ وَالدُّورِ مِنَ الْأَتْرَاكِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ،

стр. 3229

تَحَرَّكُوا فِي أَوَّلِ رَجَبٍ لِطَلَبِ أَرْزَاقِهِمْ، فَوَجَّهَ الْمُهْتَدِي إِلَيْهِمْ أَخَاهُ أَبَا الْقَاسِمِ، وَكَيْغَلَغَ وَغَيْرَهُمَا، فَسَكَّنُوهُمْ، فَرَجَعُوا، وَبَلَغَ أَبَا نَصْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ بُغَا أَنَّ الْمُهْتَدِيَ قَالَ لِلْأَتْرَاكِ: إِنَّ الْأَمْوَالَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَمُوسَى ابْنَيْ بُغَا، فَهَرَبَ إِلَى أَخِيهِ وَهُوَ بِالسِّنِّ مُقَابِلَ مُسَاوِرٍ الشَّارِيِّ، فَكَتَبَ الْمُهْتَدِي إِلَيْهِ أَرْبَعَةَ كُتُبٍ يُعْطِيهِ الْأَمَانَ، فَرَجَعَ هُوَ وَأَخُوهُ حَيْسُونٌ، فَحَبَسَهُمَا، وَمَعَهُمَا كَيْغَلَغَ، وَطُولِبَ أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بُغَا بِالْأَمْوَالِ، فَقُبِضَ مِنْ وَكِيلِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَقُتِلَ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ رَجَبٍ، وَرُمِيَ بِهِ فِي بِئْرٍ فَأَنْتَنَ، فَأَخْرَجُوهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْحَسَنُ بْنُ الْمَأْمُونِ. وَكَتَبَ الْمُهْتَدِي إِلَى مُوسَى بْنِ بُغَا، لَمَّا حَبَسَ أَخَاهُ أَنْ يُسَلِّمَ الْعَسْكَرَ إِلَى بَايِكْبَاكَ وَيَرْجِعَ إِلَيْهِ، وَكَتَبَ إِلَى بَايِكْبَاكَ أَنْ يَتَسَلَّمَ الْعَسْكَرَ، وَيَقُومَ بِحَرْبِ مُسَاوِرٍ الشَّارِيِّ، وَقَتْلِ مُوسَى بْنِ بُغَا وَمُفْلِحٍ، فَسَارَ بَايِكْبَاكُ بِالْكِتَابِ إِلَى مُوسَى، فَقَرَأَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: لَسْتُ أَفْرَحُ بِهَذَا، فَإِنَّهُ تَدْبِيرٌ عَلَيْنَا جَمِيعِنَا، فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ مُوسَى: أَرَى أَنْ تَسِيرَ إِلَى سَامَرَّا، وَتُخْبِرَهُ أَنَّكَ فِي طَاعَتِهِ وَنُصْرَتِهِ عَلَيَّ وَعَلَى مُفْلِحٍ، فَهُوَ يَطْمَئِنُّ إِلَيْكَ، ثُمَّ تُدِبِّرُ فِي قَتْلِهِ. فَأَقْبَلَ إِلَى سَامَرَّا، فَوَصَلَهَا وَمَعَهُ يَارْكُوجُ، وَأَسَارْتَكِينُ، وَسِيمَا الطَّوِيلُ، وَغَيْرُهُمْ، فَدَخَلُوا دَارَ الْخِلَافَةِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَجَبٍ، فَحَبَسَ بَايِكْبَاكَ وَصَرَفَ الْبَاقِينَ، فَاجْتَمَعَ أَصْحَابُ بَايِكْبَاكَ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأَتْرَاكِ، وَقَالُوا: لِمَ حُبِسَ قَائِدُنَا، وَلِمَ قُتِلَ أَبُو نَصْرِ بْنُ بُغَا؟ وَكَانَ عِنْدَ الْمُهْتَدِي صَالِحُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ الْمَنْصُورِ، فَشَاوَرَهُ فِيهِ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ أَحَدٌ مِنْ آبَائِكَ مَا بَلَغْتَهُ مِنَ الشَّجَاعَةِ، وَقَدْ كَانَ أَبُو مُسْلِمٍ أَعْظَمَ شَأْنًا عِنْدَ أَهْلِ خُرَاسَانَ مِنْ هَذَا عِنْدَ أَصْحَابِهِ، وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَعْبُدُهُ، فَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ طُرِحَ رَأْسُهُ حَتَّى سَكَتُوا، فَلَوْ فَعَلْتَ مِثْلَ ذَلِكَ سَكَتُوا. فَرَكِبَ الْمُهْتَدِي، وَقَدْ (جُمِعَ لَهُ جَمِيعُ) الْمَغَارِبَةِ، وَالْأَتْرَاكِ، وَالْفَرَاغِنَةِ، فَصَيَّرَ فِي

стр. 3230

الْمَيْمَنَةِ مَسْرُورًا الْبَلْخِيَّ، وَفِي الْمَيْسَرَةِ يَارْكُوجَ، وَوَقَفَ هُوَ فِي الْقَلْبِ مَعَ أَسَارْتَكِينَ وَطَبَايْغُوَا، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْقُوَّادِ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ بَايِكْبَاكَ، وَأَلْقَى رَأْسَهُ إِلَيْهِمْ عَتَّابُ بْنُ عَتَّابٍ، فَحَمَلُوا عَلَى عَتَّابٍ فَقَتَلُوهُ، وَعَطَفَتْ مَيْمَنَةُ الْمُهْتَدِي وَمَيْسَرَتُهُ بِمَنْ فِيهَا مِنَ الْأَتْرَاكِ، فَصَارُوا مَعَ إِخْوَانِهِمُ الْأَتْرَاكِ، فَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ عَنِ الْمُهْتَدِي، وَقُتِلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ. فَقِيلَ: قُتِلَ سَبْعُمِائَةٍ وَثَمَانُونَ رَجُلًا، وَقِيلَ: قُتِلَ مِنَ الْأَتْرَاكِ نَحْوُ أَرْبَعَةِ آلَافٍ. وَقِيلَ: أَلْفَانِ. وَقِيلَ: أَلْفٌ. وَقِيلَ مِنْ أَصْحَابِ الْمُهْتَدِي خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَوَلَّى مُنْهَزِمًا، وَبِيَدِهِ السَّيْفُ، وَهُوَ يُنَادِي: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ! أَنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، قَاتِلُوا عَنْ خَلِيفَتِكُمْ! فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ مِنَ الْعَامَّةِ إِلَى ذَلِكَ، فَسَارَ إِلَى بَابِ السِّجْنِ، فَأَطْلَقَ مَنْ فِيهِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُمْ يُعِينُونَهُ، فَهَرَبُوا وَلَمْ يُعِنْهُ أَحَدٌ، فَسَارَ إِلَى دَارِ أَحْمَدَ بْنِ جَمِيلٍ صَاحِبِ الشُّرْطَةِ، فَدَخَلَهَا وَهُمْ فِي أَثَرِهِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَأَخْرَجُوهُ، وَسَارُوا بِهِ إِلَى الْجَوْسَقِ عَلَى بَغْلٍ فَحُبِسَ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ خَاقَانَ، (وَقَبَّلَ الْمُهْتَدِي يَدَهُ، فِيمَا قِيلَ، مِرَارًا عَدِيدَةً) ، وَجَرَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَهُوَ مَحْبُوسٌ، كَلَامٌ كَثِيرٌ أَرَادُوهُ فِيهِ عَلَى الْخَلْعِ، فَأَبَى وَاسْتَسْلَمَ لِلْقَتْلِ، فَقَالُوا: إِنَّهُ كَتَبَ بِخَطِّهِ رُقْعَةً لِمُوسَى بْنِ بُغَا، وَبَايِكْبَاكَ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْقُوَّادِ، أَنَّهُ لَا يَغْدِرُ بِهِمْ، وَلَا يَغْتَالُهُمْ، وَلَا يَفْتِكُ بِهِمْ، وَلَا يَهُمُّ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ مَتَى فَعَلَ ذَلِكَ فَهُمْ فِي حِلٍّ مِنْ بَيْعَتِهِ، وَالْأَمْرُ إِلَيْهِمْ (يُقْعِدُونَ مَنْ) شَاءُوا. فَاسْتَحَلُّوا بِذَلِكَ تَقَضِّيَ أَمْرِهِ، فَدَاسُوا خَصْيَتَيْهِ، وَصَفَقُوهُ فَمَاتَ، وَأَشْهَدُوا عَلَى

стр. 3231

مَوْتِهِ أَنَّهُ سَلِيمٌ لَيْسَ بِهِ أَثَرٌ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الْمُنْتَصِرِ. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ خَلْعِهِ وَمَوْتِهِ أَنَّ أَهْلَ الْكَرْخِ وَالدُّورِ اجْتَمَعُوا وَطَلَبُوا أَنْ يَدْخُلُوا إِلَى الْمُهْتَدِي، وَيُكَلِّمُوهُ بِحَاجَاتِهِمْ، فَدَخَلُوا الدَّارَ، وَفِيهَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بُغَا، وَغَيْرُهُ مِنَ الْقُوَّادِ، فَخَرَجَ أَبُو نَصْرٍ مِنْهَا، وَدَخَلَ أَهْلُ الْكَرْخِ وَالدُّورِ، وَشَكَوْا حَالَهُمْ إِلَى الْمُهْتَدِي، وَهُمْ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُعْزَلَ مِنْهُمْ أُمَرَاؤُهُمْ، وَأَنْ يَصِيرَ الْأَمْرُ إِلَى إِخْوَتِهِ، وَأَنْ يَأْخُذَ الْقُوَّادَ وَكُتَّابَهُمْ بِالْمَالِ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِمْ، فَوَعَدَهُمْ بِإِجَابَتِهِمْ إِلَى مَا سَأَلُوهُ، فَأَقَامُوا يَوْمَهُمْ فِي الدَّارِ، فَحَمَلَ الْمُهْتَدِي إِلَيْهِمْ مَا يَأْكُلُونَ. وَسَارَ مُحَمَّدُ بْنُ بُغَا إِلَى الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَأَصْبَحُوا مِنَ الْغَدِ يَطْلُبُونَ مَا سَأَلُوهُ، فَقِيلَ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا أَمْرٌ صَعْبٌ، وَإِخْرَاجُ الْأَمْرِ عَنْ يَدِ هَؤُلَاءِ الْقُوَّادِ لَيْسَ بِسَهْلٍ، فَكَيْفَ إِذَا جَمَعَ إِلَيْهِ مُطَالَبَتَهُمْ بِالْأَمْوَالِ؟ فَانْظُرُوا فِي أُمُورِكُمْ، فَانْظُرُوا فِي أُمُورِكُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَصْبِرُونَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ إِلَى أَنْ نَبْلُغَ غَايَتَهُ، وَإِلَّا فَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يُحْسِنُ لَكُمُ النَّظَرَ، فَأَبَوْا إِلَّا مَا سَأَلُوهُ، فَدَعَوْا إِلَى أَيْمَانِ الْبَيْعَةِ عَلَى أَنْ يُقِيمُوا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَأَنْ يُقَاتِلُوا مَنْ قَاتَلَهُمْ، وَيَنْصَحُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ، فَأُخِذَتْ عَلَيْهِمْ أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ. ثُمَّ كَتَبُوا إِلَى أَبِي نَصْرٍ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَعَنِ الْمُهْتَدِي يُنْكِرُونَ خُرُوجَهُ عَنِ الدَّارِ بِغَيْرِ سَبَبٍ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا قَصَدُوا لِيَشْكُوا حَالَهُمْ، وَلَمَّا رَأَوُا الدَّارَ فَارِغَةً أَقَامُوا فِيهَا، فَرَجَعَ فَحَضَرَ عِنْدَ الْمُهْتَدِي، فَقَبَّلَ رِجْلَهُ وَيَدَهُ وَوَقَفَ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْأَمْوَالِ وَمَا يَقُولُهُ الْأَتْرَاكُ، فَقَالَ: وَمَا أَنَا وَالْأَمْوَالُ؟ قَالَ: وَهَلْ هِيَ إِلَّا عِنْدَكَ وَعِنْدَ أَخِيكَ وَأَصْحَابِكُمَا؟ ثُمَّ أَخَذُوا بِيَدِ مُحَمَّدٍ وَحَبَسُوهُ، وَكَتَبُوا إِلَى مُوسَى بْنِ بُغَا، وَمُفْلِحٍ بِالِانْصِرَافِ إِلَى سَامَرَّا، وَتَسْلِيمِ الْعَسْكَرِ إِلَى قُوَّادٍ ذَكَرُوهُمْ، وَكَتَبُوا إِلَى الْأَتْرَاكِ الصِّغَارِ فِي تَسَلُّمِ الْعَسْكَرِ مِنْهُمَا، وَذَكَرُوا مَا جَرَى لَهُمْ، وَقَالُوا: إِنْ أَجَابَ مُوسَى وَمُفْلِحٌ إِلَى مَا أَمَرَ بِهِ مِنَ الْإِقْبَالِ إِلَى سَامَرَّا، وَتَسْلِيمِ الْعَسْكَرِ، وَإِلَّا فَشُدُّوهُمَا وَثَاقًا، وَاحْمِلُوهُمْ إِلَى الْبَابِ. وَأَجْرَى الْمُهْتَدِي عَلَى مَنْ أُخِذَتْ عَلَيْهِ الْبَيْعَةُ كُلِّ رَجُلٍ دِرْهَمَيْنِ، فَلَمَّا وَصَلَتِ الْكُتُبُ إِلَى عَسْكَرِ مُوسَى أَخَذَهَا مُوسَى، وَقُرِئَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى النَّاسِ، وَأَخَذُوا عَلَيْهِمُ الْبَيْعَةَ بِالنُّصْرَةِ

стр. 3232

لَهُمْ، وَسَارُوا نَحْوَ سَامَرَّا، فَنَزَلُوا عِنْدَ قَنْطَرَةِ (الرَّقِيقِ لِإِحْدَى) عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَجَبٍ، وَخَرَجَ الْمُهْتَدِي وَعَرَضَ النَّاسَ. وَعَادَ مِنْ يَوْمِهِ، وَأَصْبَحَ النَّاسُ مِنَ الْغَدِ وَقَدْ دَخَلَ مِنْ أَصْحَابِ مُوسَى زُهَاءَ أَلْفِ فَارِسٍ، مِنْهُمْ كَوْبَكِينُ وَغَيْرُهُ، وَعَادَ، وَخَرَجَ الْمُهْتَدِي فَصَفَّ أَصْحَابَهُ، وَفِيهِمْ مَنْ أَتَى مِنْ أَصْحَابِ مُوسَى، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مُوسَى (يُرِيدُ أَنْ يُوَلِّيَ) نَاحِيَةً يَنْصَرِفُ إِلَيْهَا، وَأَصْحَابُ الْمُهْتَدِي يُرِيدُونَ أَنْ يَجِيءَ إِلَيْهِمْ لِيُنَاظِرَهُمْ عَلَى الْأَمْوَالِ، فَلَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى شَيْءٍ. وَانْصَرَفَ عَنْ مُوسَى خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَعَدَلَ هُوَ وَمُفْلِحٌ يُرِيدَانِ طَرِيقَ خُرَاسَانَ، وَأَقْبَلَ بَايِكْبَاكُ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْقُوَّادِ، فَوَصَلُوا إِلَى الْمُهْتَدِي، فَسَلَّمُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالِانْصِرَافِ، وَحَبَسَ بَايِكْبَاكَ، وَقَتَلَهُ، وَلَمْ يَتَحَرَّكْ أَحَدٌ، وَلَا تَغَيَّرَ شَيْءٌ إِلَّا تَغَيُّرًا يَسِيرًا، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ. فَلَمَّا كَانَ الْأَحَدُ أَنْكَرَ الْأَتْرَاكُ مُسَاوَاةَ الْفَرَاغِنَةِ لَهُمْ فِي الدَّارِ، وَدُخُولَهُمْ مَعَهُمْ، وَرُفِعَ أَنَّ الْفَرَاغِنَةَ إِنَّمَا تَمَّ لَهُمْ هَذَا بِعَدَمِ رُؤَسَاءِ الْأَتْرَاكِ، فَخَرَجُوا مِنَ الدَّارِ بِأَجْمَعِهِمْ، وَبَقِيَتِ الدَّارُ عَلَى الْفَرَاغِنَةِ، وَالْمَغَارِبَةِ، فَأَنْكَرَ الْأَتْرَاكُ ذَلِكَ، وَأَضَافُوا إِلَيْهِ طَلَبَ بَايِكْبَاكَ، فَقَالَ الْمُهْتَدِي لِلْفَرَاعِنَةِ وَالْمَغَارِبَةِ مَا جَرَى مِنَ الْأَتْرَاكِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنْ كُنْتُمْ تَظُنُّونَ فِيكُمْ قُوَّةً فَمَا أَكْرَهُ قُرْبَكُمْ، وَإِلَّا أَرْضَيْنَاهُمْ مِنْ قَبْلِ تَفَاقُمِ الْأَمْرِ! فَذَكَرُوا أَنَّهُمْ يَقُومُونَ بِهِ، فَخَرَجَ بِهِمُ الْمُهْتَدِي وَهُمْ فِي سِتَّةِ آلَافٍ، مِنْهُمْ مِنَ الْأَتْرَاكِ نَحْوُ أَلْفٍ وَهُمْ أَصْحَابُ صَالِحِ بْنِ وَصِيفٍ، وَكَانَ الْأَتْرَاكُ فِي عَشَرَةِ آلَافِ، فَلَمَّا الْتَقَوُا انْهَزَمَ أَصْحَابُ صَالِحٍ، وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ كَمِينٌ لِلْأَتْرَاكِ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ الْمُهْتَدِي، وَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ إِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوُا الْمُهْتَدِيَ بِدَارِ أَحْمَدَ بْنِ جَمِيلٍ قَاتَلَهُمْ، فَأَخْرَجُوهُ، وَكَانَ بِهِ أَثَرُ طَعْنَةٍ، فَلَمَّا رَأَى الْجُرْحَ أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَيْهِمْ، وَأَرَادُوهُ عَلَى خَلْعٍ، فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهُمْ، فَمَاتَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَأَظْهَرُوهُ لِلنَّاسِ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ. وَكَانُوا قَدْ خَلَعُوا أَصَابِعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ مِنْ كَعْبَيْهِ، وَفَعَلُوا بِهِ غَيْرَ شَيْءٍ حَتَّى مَاتَ ;

стр. 3233

وَطَلَبُوا مُحَمَّدَ بْنَ بُغَا، فَوَجَدُوهُ مَيِّتًا، فَكَسَرُوا عَلَى قَبْرِهِ أَلْفَ سَيْفٍ. وَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَةِ الْمُهْتَدِي أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا وَخَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَكَانَ عُمْرُهُ ثَمَانِيًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَكَانَ وَاسِعَ الْجَبْهَةِ، أَسْمَرَ، رَقِيقًا، أَشْهَلَ، جَهْمَ الْوَجْهِ، عَرِيضَ الْبَطْنِ، عَرِيضَ الْمَنْكِبَيْنِ، قَصِيرًا، طَوِيلَ اللِّحْيَةِ، وَمَوْلِدُهُ بِالْقَاطُولِ. ذِكْرُ بَعْضِ سِيرَةِ الْمُهْتَدِي كَانَ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ مِنْ أَحْسَنِ الْخُلَفَاءِ (مَذْهَبًا، وَأَجْمَلِهِمْ طَرِيقَةً، وَأَظْهَرِهِمْ وَرَعًا، وَأَكْثَرِهِمْ عِبَادَةً) . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْكَافِيُّ: جَلَسَ الْمُهْتَدِي لِلْمَظَالِمِ، فَاسْتَعْدَاهُ رَجُلٌ عَلَى ابْنٍ لَهُ، فَأَمَرَ بِإِحْضَارِهِ، فَأُحْضِرَ وَأَقَامَهُ إِلَى جَانِبِ خَصْمِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ الرَّجُلُ لِلْمُهْتَدِي: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَنْتَ إِلَّا كَمَا قِيلَ: حَكَّمْتُمُوهُ فَقَضَى بَيْنَكُمْ ... أَبْلَجُ مِثْلُ الْقَمَرِ الزَّاهِرِ لَا يَقْبَلُ الرِّشْوَةَ فِي حُكْمِهِ ... وَلَا يُبَالِي غَبْنَ الْخَاسِرِ فَقَالَ الْمُهْتَدِي: أَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الرَّجُلُ فَأَحْسَنَ اللَّهُ مَقَالَتَكَ، وَأَمَّا أَنَا فَمَا جَلَسْتُ حَتَّى قَرَأْتُ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] الْآيَةَ، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ بَاكِيًا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ الْهَاشِمِيُّ: كُنْتُ عِنْدَ الْمُهْتَدِي بَعْضَ عَشَايَا شَهْرِ رَمَضَانَ، فَقُمْتُ لِأَنْصَرِفَ، فَأَمَرَنِي بِالْجُلُوسِ، فَجَلَسْتُ حَتَّى صَلَّى الْمُهْتَدِي بِنَا الْمَغْرِبَ، وَأَمَرَ بِالطَّعَامِ فَأُحْضِرَ، وَأُحْضِرَ طَبَقٌ خِلَافٌ عَلَيْهِ رَغِيفَانِ، وَفِي إِنَاءٍ مِلْحٌ، وَفِي

стр. 3234

آخَرَ زَيْتٌ، وَفِي آخَرَ خَلٌّ، فَدَعَانِي إِلَى الْأَكْلِ، وَأَكَلْتُ مُقْتَصِرًا ظَنًّا مِنِّي أَنَّهُ يُحْضِرُ طَعَامًا جَيِّدًا، فَلَمَّا رَأَى أَكْلِي كَذَلِكَ قَالَ: أَمَا كُنْتَ صَائِمًا؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: أَفَلَسْتَ تُرِيدُ عَشَاءَكَ، فَلَيْسَ هَهُنَا غَيْرُ مَا تَرَى. فَعَجِبْتُ مِنْ قَوْلِهِ، وَقُلْتُ: وَلِمَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَدْ أَسْبَغَ اللَّهُ عَلَيْكَ النِّعْمَةَ وَوَسَّعَ رِزْقَهُ! فَقَالَ: إِنَّ الْأَمْرَ عَلَى مَا وَصَفْتُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَكِنِّي فَكَّرْتُ فِي أَنَّهُ كَانَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَغِرْتُ لِبَنِي هَاشِمٍ أَنْ لَا يَكُونَ فِي خُلَفَائِهِمْ مِثْلُهُ وَأَخَذْتُ نَفْسِي بِمَا رَأَيْتَ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ عَنْ بَعْضِ الْهَاشِمِيِّينَ: إِنَّ الْمُهْتَدِيَ وَجَدُوا لَهُ سَفَطًا فِيهِ جُبَّةُ صُوفٍ، وَكِسَاءٌ، وَبُرْنُسٌ كَانَ يَلْبَسُهُ بِاللَّيْلِ، وَيُصَلِّي فِيهِ، وَيَقُولُ: أَمَا يَسْتَحِي بَنُو الْعَبَّاسِ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِمْ مِثْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟ وَكَانَ قَدْ أَطَّرَحَ الْمَلَاهِيَ، وَحَرَّمَ الْغِنَاءَ وَالشَّرَابَ، وَمَنَعَ أَصْحَابَ السُّلْطَانِ عَنِ الظُّلْمِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَضِيَ عَنْهُ. ذِكْرُ خِلَافَةِ الْمُعْتَمِدِ عَلَى اللَّهِ لَمَّا أُخِذَ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ وَحُبِسَ أُحْضِرَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ فِتْيَانٍ، وَكَانَ مَحْبُوسًا بِالْجَوْسَقِ، فَبَايَعَهُ النَّاسُ، فَبَايَعَهُ الْأَتْرَاكُ، وَكَتَبُوا بِذَلِكَ إِلَى مُوسَى بْنِ بُغَا وَهُوَ بِخَانِقِينَ، فَحَضَرَ إِلَى سَامَرَّا فَبَايَعَهُ، وَلُقِّبَ الْمُعْتَمِدَ عَلَى اللَّهِ. ثُمَّ إِنَّ الْمُهْتَدِيَ مَاتَ ثَانِيَ يَوْمِ بَيْعَةِ الْمُعْتَمِدِ، وَسَكَنَ النَّاسُ. وَاسْتَوْزَرَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ يَحْيَى بْنِ خَاقَانَ.

стр. 3235

ذِكْرُ أَخْبَارِ صَاحِبِ الزَّنْجِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سُيِّرَ جُعْلَانُ لِحَرْبِ صَاحِبِ الزَّنْجِ بِالْبَصْرَةِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْبَصْرَةِ نَزَلَ بِمَكَانٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ الزَّنْجِ فَرْسَخٌ، وَخَنْدَقَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ، وَأَقَامَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فِي خَنْدَقَةٍ، وَجَعَلَ يُوَجِّهُ الزَّيْنَبِيَّ وَبَنِي هَاشِمٍ وَمَنْ خَفَّ لِحَرْبِهِمْ هَذَا الْيَوْمَ الَّذِي تَوَاعَدَهُمْ جُعَلَانُ لِلِقَائِهِ، فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ إِلَّا الرَّمْيُ بِالْحِجَارَةِ وَالنُّشَّابِ، وَلَا يَجْدُ جُعَلَانُ إِلَى لِقَائِهِ سَبِيلًا، لِضِيقِ الْمَكَانِ عَنْ مَجَالِ الْخَيْلِ، وَكَانَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ جُعْلَانَ خَيَّالَةً. فَلَمَّا طَالَ مُقَامُهُ فِي خَنْدَقِهِ أَرْسَلَ صَاحِبَ الزَّنْجِ أَصْحَابَهُ إِلَى مَسَالِكِ الْخَنْدَقِ، فَيُبَيِّتُوا جُعْلَانَ، وَقَتَلُوا مِنْ أَصْحَابِهِ جَمَاعَةً، وَخَافَ الْبَاقُونَ خَوْفًا شَدِيدًا. وَكَانَ الزَّيْنَبِيُّ قَدْ جَمَعَ الْبِلَالِيَّةَ، وَالسَّعْدِيَّةَ وَوَجَّهَ بِهِمْ مِنْ مَكَانَيْنِ، وَقَاتَلُوا الْخَبِيثَ، فَظَفِرَ بِهِمْ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، فَتَرَكَ جُعْلَانُ خَنْدَقَهُ وَانْصَرَفَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَظَهَرَ عَجْزُهُ لِلسُّلْطَانِ، فَصَرَفَهُ عَنْ حَرْبِ الزَّنْجِ، وَأَمَرَ سَعِيدًا الْحَاجِبَ بِمُحَارَبَتِهِمْ. وَتَحَوَّلَ صَاحِبُ الزَّنْجِ، بَعْدَ ذَلِكَ، مِنَ السَّبْخَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا، وَنَزَلَ بِنَهْرِ أَبِي الْخَصِيبِ، وَأَخَذَ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ مَرْكَبًا مِنْ مَرَاكِبِ الْبَحْرِ، وَأَخَذُوا مِنْهَا أَمْوَالًا كَثِيرَةً لَا تُحْصَى، وَقُتِلَ مَنْ فِيهَا، وَنَهَبَهَا أَصْحَابُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَخَذَ لِنَفْسِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ النَّهْبِ. ذِكْرُ دُخُولِ الزَّنْجِ الْأُبُلَّةِ وَفِيهَا دَخَلَ الزَّنْجُ الْأُبُلَّةَ، فَقَتَلُوا فِيهَا خَلْقًا كَثِيرًا وَأَحْرَقُوهَا. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ جُعْلَانَ لَمَّا تَنَحَّى عَنْ خَنْدَقِهِ إِلَى الْبَصْرَةِ أَلَحَّ شَنَّا صَاحِبُ الزَّنْجِ بِالْغَارَاتِ عَلَى الْأُبُلَّةِ، وَجَعَلَتْ سَرَايَاهُ تَضْرِبُ إِلَى نَاحِيَةِ نَهْرِ مَعْقِلٍ، وَلَمْ يَزَلْ يُحَارِبُ إِلَى يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ، فَافْتَتَحَهَا، وَقُتِلَ أَبُو الْأَحْوَصِ (وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ الطُّوسِيِّ) ، وَأَضْرَمَهَا نَارًا وَكَانَتْ مَبْنِيَّةً بِالسَّاجِ، فَأَسْرَعَتِ النَّارُ فِيهَا، وَقُتِلَ مِنْ أَهْلِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَحَوَوُا الْأَمْوَالَ الْعَظِيمَةَ، وَكَانَ مَا أَحْرَقَتِ النَّارُ أَكْثَرَ مِنَ الَّذِي نَهَبَ.

стр. 3236

ذِكْرُ أَخْذِ الزَّنْجِ عَبَّادَانَ وَفِيهَا أَرْسَلَ أَهْلُ عَبَّادَانَ إِلَى صَاحِبِ الزَّنْجِ فَسَلَّمُوا إِلَيْهِ حِصْنَهُمْ. وَكَانَ الَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا فَعَلَ بِأَهْلِ الْأُبُلَّةِ مَا فَعَلَ خَافَ أَهْلُ عَبَّادَانَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَأَهْلِيهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ، فَكَتَبُوا إِلَيْهِ يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يُسَلِّمُوا إِلَيْهِ الْبَلَدَ، فَأَمَّنَهُمْ، وَسَلَّمُوهُ إِلَيْهِ، فَأَنْفَذَ أَصْحَابَهُ إِلَيْهِمْ، وَأَخَذُوا مَا فِيهِ مِنَ الْعَبِيدِ وَالسِّلَاحِ، فَفَرَّقَهُ فِي أَصْحَابِهِ. ذِكْرُ أَخْذِهِمُ الْأَهْوَازَ وَلَمَّا فَرَغَ الْعَلَوِيُّ الْبَصْرِيُّ مِنَ الْأُبُلَّةِ وَعَبَّادَانَ طَمِعَ فِي الْأَهْوَازَ، فَاسْتَنْهَضَ أَصْحَابَهُ نَحْوَ جَيٍّ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَهْلُهَا، وَهَرَبُوا مِنْهُمْ، فَدَخَلَهَا الزَّنْجُ، وَقَتَلُوا مَنْ رَأَوْا بِهَا، وَأَحْرَقُوا وَنَهَبُوا، وَأَخْرَبُوا مَا وَرَاءَهَا إِلَى الْأَهْوَازِ، فَلَمَّا بَلَغُوا الْأَهْوَازَ هَرَبَ مَنْ فِيهَا مِنَ الْجُنْدِ وَمِنْ أَهْلِهَا، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْقَلِيلُ، فَدَخَلُوا وَأَخْرَبُوهَا، وَكَانَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُدَبِّرِ مُتَوَلِّي الْخَرَاجِ، فَأَخَذُوهُ أَسِيرًا بَعْدَ أَنْ جُرِحَ، وَنُهِبَ جَمِيعُ مَالِهِ، وَذَلِكَ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ بِالْأَهْوَازِ، وَعَبْدَانَ، وَالْأُبُلَّةِ، خَافَهُ أَهْلُ الْبَصْرَةِ، وَانْتَقَلَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا فِي الْبُلْدَانِ. ذِكْرُ عَزْلِ عِيسَى بْنِ الشَّيْخِ عَنِ الشَّامِ وَوِلَايَتِهِ أَرْمِينِيَّةَ لَمَّا اسْتَوْلَى ابْنُ الشَّيْخِ عَلَى دِمَشْقَ، وَقَطَعَ الْحَمْلَ عَنْ بَغْدَاذَ، اتَّفَقَ أَنَّ ابْنَ الْمُدَبِّرِ حَمَلَ مَالًا مِنْ مِصْرَ إِلَى بَغْدَاذَ، مِقْدَارَ سَبْعِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَأَخَذَهَا عِيسَى بْنُ الشَّيْخِ. فَأَرْسَلَ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَيْهِ حُسَيْنُ الْخَادِمُ يُطَالِبُهُ بِالْمَالِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ عَلَى الْجُنْدِ، فَأَعْطَاهُ حُسَيْنٌ عَهْدَهُ عَلَى أَرْمِينِيَّةَ لِيُقِيمَ الدَّعْوَةَ لِلْمُعْتَمِدِ، (وَكَانَ قَدِ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، فَأَخَذَ

стр. 3237

الْعَهْدَ، وَأَقَامَ الدَّعْوَةَ لِلْمُعْتَمِدِ) ، وَلَبِسَ السَّوَادَ، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ الشَّامَ تَكُنْ بِيَدِهِ. فَأَنْقَذَ الْمُعْتَمِدُ أَمَاجُورَ، وَقَلَّدَهُ دِمَشْقَ وَأَعْمَالَهَا، فَسَارَ إِلَيْهَا فِي أَلْفِ رَجُلٍ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهَا أَنْهَضَ عِيسَى إِلَيْهِ وَلَدَهُ مَنْصُورًا فِي عِشْرِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، فَلَمَّا الْتَقَوُا انْهَزَمَ عَسْكَرُ مَنْصُورٍ وَقُتِلَ مَنْصُورٌ، فَوَهَنَ عِيسَى، وَسَارَ إِلَى أَرْمِينِيَّةَ عَلَى طَرِيقِ السَّاحِلِ وَوَلَّى أَمَاجُورَ دِمَشْقَ. ذِكْرُ ابْنِ الصُّوفِيِّ الْعَلَوِيِّ وَخُرُوجِهِ بِمِصْرَ وَفِيهَا ظَهَرَ بِصَعِيدِ مِصْرَ إِنْسَانٌ عَلَوِيٌّ، ذُكِرَ أَنَّهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵇، وَيُعْرَفُ بِابْنِ الصُّوفِيِّ، وَمَلَكَ مَدِينَةَ إِسْنَا، وَنَهَبَهَا، وَعَمَّ شَرُّهُ الْبِلَادَ. فَسَيَّرَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ طُولُونَ جَيْشًا، فَهَزَمَهُ الْعَلَوِيُّ، وَأَسَرَ الْمُقَدَّمَ عَلَى الْجَيْشِ، فَقَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَصَلَبَهُ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ ابْنُ طُولُونَ جَيْشًا آخَرَ، فَالْتَقَوْا بِنُوَاحِي إِخْمِيمَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ الْعَلَوِيُّ، وَقُتِلَ كَثِيرٌ مِنْ رِجَالِهِ، وَسَارَ هُوَ حَتَّى دَخَلَ الْوَاحَاتِ. وَسَيَرِدُ ذِكْرُهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ ظُهُورِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَلَى الْكُوفَةِ وَخُرُوجِهِ عَنْهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ الْعَلَوِيُّ بِالْكُوفَةِ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَأَزَالَ عَنْهَا نَائِبَ الْخَلِيفَةِ، وَاسْتَقَرَّ بِهَا. فَسُيِّرَ إِلَيْهِ الشَّاهُ بْنُ مِيكَالَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الشَّاهُ، وَقُتِلَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَنَجَا الشَّاهُ. ثُمَّ وَجَّهَ الْمُعْتَمِدُ إِلَى مُحَارَبَتِهِ كِيجُورَ التُّرْكِيَّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُ إِلَى الطَّاعَةِ، وَيَبْذُلَ لَهُ الْأَمَانَ، فَسَارَ (كِيجُورُ فَنَزَلَ بِشَاهِي، وَأَرْسَلَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ يَدْعُوهُ إِلَى

стр. 3238

الطَّاعَةِ، وَبَذَلَ لَهُ الْأَمَانَ) ، فَطَلَبَ عَلِيٌّ أُمُورًا لَمْ يُجِبْهُ إِلَيْهَا كِيجُورُ، فَتَنَحَّى عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ عَنِ الْكُوفَةِ إِلَى الْقَادِسِيَّةِ، فَعَسْكَرَ بِهَا، وَدَخَلَ كِيجُورُ إِلَى الْكُوفَةِ ثَالِثَ شَوَّالٍ مِنَ السَّنَةِ، وَمَضَى عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ إِلَى خَفَّانَ، وَدَخَلَ بِلَادَ بَنِي أَسَدٍ، وَكَانَ قَدْ صَاهَرَهُمْ، وَأَقَامَ هُنَاكَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى جُنْبُلَاءَ. وَبَلَغَ كِيجُورَ خَبَرُهُ، فَأَسْرَى إِلَيْهِ مِنَ الْكُوفَةِ سَلْخَ ذِي الْحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ، فَوَاقَعَهُ، فَانْهَزَمَ عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، وَطَلَبَهُ كِيجُورُ فَفَاتَهُ، وَقَتَلَ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَسَرَ آخَرِينَ، وَعَادَ كِيجُورُ إِلَى الْكُوفَةِ ; فَلَمَّا اسْتَقَامَتْ أُمُورُهَا عَادَ إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى بِغَيْرِ أَمْرِ الْخَلِيفَةِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ نَفَرًا مِنَ الْقُوَّادِ، فَقَتَلُوهُ بِعُكْبَرَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا تَقَدَّمَ سَعِيدُ بْنُ صَالِحٍ (الْحَاجِبُ) لِحَرْبِ صَاحِبِ الزَّنْجِ مِنْ قِبَلِ السُّلْطَانِ. وَفِيهَا تَحَارَبَ مُسَاوِرٌ الْخَارِجِيُّ، وَأَصْحَابُهُ مُوسَى بْنُ بُغَا (بِنَاحِيَةِ خَانِقِينَ، وَكَانَ مُسَاوِرٌ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، وَكَانَ أَصْحَابُ مُوسَى بْنِ بُغَا) نَحْوَ مِائَتَيْنِ فَالْتَقَوْا بِمُسَاوِرٍ، وَقَتَلُوا مِنْ أَصْحَابِهِ جَمَاعَةً كَثِيرَةً. وَفِيهَا وَثَبَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاصِلِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ، وَرَجُلٌ مِنْ أَكْرَادِهَا يُقَالُ لَهُ أَحْمَدُ بْنُ اللَّيْثِ، بِالْحَارِثِ بْنِ سِيمَا، عَامِلِ فَارِسَ، فَحَارَبَاهُ وَقَتَلَاهُ، وَغَلَبَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاصِلٍ عَلَى فَارِصَ.

стр. 3239

وَفِيهَا وُجِّهَ مُفْلِحٌ لِحَرْبِ مُسَاوِرٍ. وَفِيهَا غَلَبَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ الطَّالِبِيُّ عَلَى الرَّيِّ فِي رَمَضَانَ، فَسَارَ مُوسَى إِلَى بْنِ بُغَا الرَّيَّ فِي شَوَّالٍ وَشَيَّعَهُ الْمُعْتَمِدُ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبُخَارِيُّ الْجُعْفِيُّ صَاحِبُ الْمُسْنَدِ الصَّحِيحِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ.

стр. 3240

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٥٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ عَوْدِ أَبِي أَحْمَدَ الْمُوَفَّقِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى لَمَّا اشْتَدَّ أَمْرُ الزَّنْجِ، وَعَظُمَ شَرُّهُمْ، وَأَفْسَدُوا فِي الْبِلَادِ، أَرْسَلَ الْمُعْتَمِدُ عَلَى اللَّهِ إِلَى أَخِيهِ أَبِي أَحْمَدَ الْمُوَفَّقِ، فَأَحْضَرَهُ مِنْ مَكَّةَ، فَلَمَّا حَضَرَ عَقَدَ لَهُ عَلَى الْكُوفَةِ، وَطَرِيقِ مَكَّةَ، الْحَرَمَيْنِ، وَالْيَمَنِ، ثُمَّ عَقَدَ لَهُ عَلَى بَغْدَاذَ، وَالسَّوَادِ، وَوَاسِطَ، وَكُوَرِ دِجْلَةَ، وَالْبَصْرَةِ، وَالْأَهْوَازِ، وَفَارِسَ، وَأَمَرَ أَنْ يَعْقِدَ لِيَارْكُوجَ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَكُوَرِ دِجْلَهَ، وَالْبَحْرَيْنِ، وَالْيَمَامَةِ مَكَانَ سَعِيدِ بْنِ صَالِحٍ، فَاسْتَعْمَلَ يَارْكُوجُ مَنْصُورَ بْنَ جَعْفَرٍ الْخَيَّاطَ عَلَى الْبَصْرَةِ وَكُوَرِ دِجْلَةَ إِلَى مَا يَلِي الْأَهْوَازَ. ذِكْرُ انْهِزَامِ الزَّنْجِ مِنْ سَعِيدٍ الْحَاجِبِ وَفِيهَا (فِي رَجَبٍ) أَوْقَعَ سَعِيدٌ الْحَاجِبُ بِجَمَاعَةٍ مِنَ الزَّنْجِ، فَهَزَمَهُمْ، وَاسْتَنْقَذَ مَا مَعَهُمْ (مِنَ النِّسَاءِ، وَالنَّهْبِ، وَجُرِحَ سَعِيدٌ عِدَّةَ جِرَاحَاتٍ. وَبَلَغَهُ الْخَبَرُ بِجَمْعٍ آخَرَ مِنْهُمْ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَلَقِيَهُمْ، فَهَزَمَهُمْ أَيْضًا، وَاسْتَنْفَذَ مَا مَعَهُمْ) ، فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ تَأْخُذُ الزَّنْجِيَّ فَتَأْتِي بِهِ عَسْكَرَ سَعِيدٍ، فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهَا. وَعَسْكَرَ سَعِيدٌ بِهَطْمَةَ، ثُمَّ عَبَرَ إِلَى غَرْبِ دِجْلَةَ، فَأَوْقَعَ بِصَاحِبِ الزَّنْجِ عِدَّةَ وَقَعَاتٍ،

стр. 3241

ثُمَّ عَادَ إِلَى مُعَسْكَرِهِ بِهَطْمَةَ، فَأَقَامَ إِلَى ثَانِي رَجَبٍ، وَعَامَّةِ شَعْبَانَ. ذِكْرُ خَلَاصِ ابْنِ الْمُدَبِّرِ مِنَ الزَّنْجِ وَفِيهَا تَخَلَّصَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُدَبِّرِ مِنْ حَبْسِ الزَّنْجِ، وَكَانَ سَبَبُ خَلَاصِهِ أَنَّهُ كَانَ مَحْبُوسًا فِي بَيْتِ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَحْرَانِيِّ، وَوَكَّلَ بِهِ رَجُلَيْنِ، مَنْزِلُهُمَا مُلَاصِقُ الْمَنْزِلِ الَّذِي فِيهِ إِبْرَاهِيمُ، فَضَمِنَ لَهُمَا مَالًا، وَرَغَّبَهُمَا، فَعَمِلَا سَرَبًا إِلَى الْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ إِبْرَاهِيمُ، فَخَرَجَ هُوَ وَابْنُ أَخٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ أَبُو غَالِبٍ وَرَجُلٌ هَاشِمِيٌّ. ذِكْرُ انْهِزَامِ سَعِيدٍ مِنَ الزَّنْجِ وَوِلَايَةِ مَنْصُورِ بْنِ جَعْفَرٍ الْبَصْرَةَ وَفِيهَا أَوْقَعَ الْعَلَوِيُّ صَاحِبُ الزَّنْجِ بِسَعِيدٍ، وَكَانَ يُسَيِّرُ إِلَيْهِ جَيْشًا، فَأَوْقَعُوا بِهِ لَيْلًا، وَأَصَابُوا مَقْتَلَةً مِنْ أَصْحَابِ سَعِيدٍ، فَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَحْرَقُوا عَسْكَرَهُ، (فَضَعُفَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ) ، فَأَمَرَ بِالْمَسِيرِ إِلَى بَابِ الْخَلِيفَةِ. وَنَزَلَ بُفْرَاجُ بِالْبَصْرَةِ، فَسَارَ سَعِيدٌ عَنِ الْبَصْرَةِ، وَأَقَامَ بِهَا بُفْرَاجُ يَحْمِي أَهْلَهَا، فَرَدَّ السُّلْطَانُ أَمْرَهَا إِلَى مَنْصُورِ بْنِ جَعْفَرٍ الْخَيَّاطِ، بَعْدَ سَعِيدٍ الْحَاجِبِ، وَكَانَ مَنْصُورٌ يُبَذْرِقُ السُّفُنَ، وَيَحْمِيَهَا، وَسَيَّرَهَا إِلَى الْبَصْرَةِ، فَضَاقَتِ الْمِيرَةُ عَلَى الزَّنْجِ، فَجَمَعَ مَنْصُورٌ الشَّذَا فَأَكْثَرَ مِنْهَا، وَسَارَ نَحْوَ صَاحِبِ الزَّنْجِ، فَكَمَنَ لَهُ صَاحِبُ الزَّنْجِ، فَلَمَّا أَقْبَلْ خَرَجُوا عَلَيْهِ، فَقَتَلُوا فِي أَصْحَابِهِ مَقْتَلَهً عَظِيمَةً، وَغَرِقَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَحَمَلُوا مِنْ رُءُوسِ أَصْحَابِهِ إِلَى الْبَحْرَانِيِّ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الزُّنُوجِ بِنَهْرِ مَعْقِلٍ. ذِكْرُ انْهِزَامِ جَيْشِ الزَّنْجِ بِالْأَهْوَازِ وَفِيهَا أَرْسَلَ صَاحِبُ الزَّنْجِ جَيْشًا مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبَانٍ لِقَطْعِ قَنْطَرَةِ أَرْبَكَ، فَلَقِيَهُمْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سِيمَا مُنْصَرِفًا مِنْ فَارِسَ، فَأَوْقَعَ بِجَيْشِ الْعَلَوِيِّ فَهَزَمَهُمْ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ، وَجُرِحَ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ. ثُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ سَارَ قَاصِدًا نَهْرَ جَيٍّ، فَأَمَرَ كَاتِبَهُ شَاهِينَ بْنَ بِسْطَامٍ بِالْمَسِيرِ عَلَى

стр. 3242

طَرِيقٍ آخَرَ لِيُوَافِيَهُ بِنَهْرِ جَيٍّ، بَعْدَ الْوَقْعَةِ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبَانٍ ; وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ قَدْ سَارَ مِنَ الْوَقْعَةِ فَنَزَلَ بِالْخَيْزُرَانِيَّةِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُ بِإِقْبَالِ شَاهِينَ إِلَيْهِ، فَسَارَ نَحْوَهُ، فَالْتَقَيَا وَقْتَ الْعَصْرِ بِمَوْضِعٍ بَيْنَ جَيٍّ وَنَهْرِ مُوسَى، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ صَدَمَهُمُ الزَّنْجُ صَدْمَةً صَادِقَةً فَهَزَمُوهُمْ، وَقَتَلُوا شَاهِينَ وَابْنَ عَمٍّ لَهُ، وَقُتِلَ مَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ. فَلَمَّا فَرَغَ الزَّنْجُ مِنْهُمْ أَتَاهُمُ الْخَبَرُ بِقُرْبِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سِيمَا مِنْهُمْ، فَسَارَ عَلَيٌّ نَحْوَهُ، فَوَافَاهُ وَقْتَ الْعَشَاءِ الْآخِرَةِ، فَأَوْقَعَ بِإِبْرَاهِيمَ دَفْعَةً أُخْرَى شَدِيدَةً قَتَلَ فِيهَا جَمْعًا كَثِيرًا. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ: وَكَانَ أَصْحَابِي قَدْ تَفَرَّقُوا بَعْدَ الْوَقْعَةِ مَعَ شَاهِينَ، وَلَمْ يَشْهَدْ مَعِي حَرْبَ إِبْرَاهِيمَ غَيْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا، وَانْصَرَفَ عَلِيٌّ إِلَى جَيٍّ. ذِكْرُ أَخْذِ الزَّنْجِ الْبَصْرَةَ وَتَخْرِيبِهَا لَمَّا سَارَ سَعِيدٌ عَنِ الْبَصْرَةِ ضَمَّ السُّلْطَانُ عَمَلَهُ إِلَى مَنْصُورِ بْنِ جَعْفَرٍ الْخَيَّاطِ، وَكَانَ مِنْهُ مَا ذَكَرْنَا، وَلَمْ يَعُدْ مَنْصُورٌ لِقِتَالِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى تَخْفِيرِ الْقَيْرَوَانَاتِ وَالسُّفُنِ، فَامْتَنَعَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْعَلَوِيِّ، فَتَقَدَّمَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبَانٍ بِالْمَقَامِ بِالْخَيْزُرَانِيَّةِ لِيَشْغَلَ مَنْصُورًا عَنْ تَسْيِيرِ الْقَيْرَوَانَاتِ، فَكَانَ بِنَوَاحِي جَيٍّ، وَالْخَيْزُرَانِيَّةِ، وَشَغَلَ مَنْصُورًا، فَعَادَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ إِلَى الضِّيقِ، وَأَلَحَّ أَصْحَابُ الْخَبِيثِ عَلَيْهِمْ بِالْحَرْبِ صَبَاحًا وَمَسَاءً. فَلَمَّا كَانَ فِي شَوَّالٍ أَزْمَعَ الْخَبِيثُ عَلَى جَمْعِ أَصْحَابِهِ لِدُخُولِ الْبَصْرَةِ، وَالْجِدِّ فِي إِخْرَابِهَا لِضَعْفِ أَهْلِهِ وَتَفَرُّقِهِمْ، وَخَرَابِ مَا حَوْلَهُمْ مِنَ الْقُرَى، ثُمَّ أَمَرَ مُحَمَّدَ بْنَ يَزِيدَ الدَّارِمِيَّ، وَهُوَ أَحَدُ مَنْ صَحِبَهُ بِالْبَحْرَيْنِ، أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْأَعْرَابِ لِيَجْمَعَهُمْ، فَأَتَاهُ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَأَنَاخُوا بِالْقِنْدَلِ، وَوَجَّهَ إِلَيْهِمُ الْعَلَوِيُّ سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى الشَّعْرَانِيَّ، وَأَمَرَهَمْ بِتَطَرُّقِ الْبَصْرَةِ وَالْإِيقَاعِ بِهَا لِيَتَمَرَّنَ الْأَعْرَابُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ أَنْهَضَ عَلِيَّ بْنَ أَبَانٍ،

стр. 3243

وَضَمَّ إِلَيْهِ طَائِفَةً مِنَ الْأَعْرَابِ، وَأَمَرَ بِإِتْيَانِ الْبَصْرَةِ مِنْ نَاحِيَةِ بَنِي سَعِيدٍ، وَأَمَرَ يَحْيَى بْنَ مُحَمَّدٍ الْبَحْرَانِيَّ بِإِتْيَانِهَا مِمَّا يَلِي نَهْرَ عُدَيٍّ، وَضُمَّ إِلَيْهِ سَائِرُ الْأَعْرَابِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ وَاقَعَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ، وَبُفْرَاجُ يَوْمَئِذٍ بِالْبَصْرَةِ، فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْجُنْدِ، فَأَقَامَ يُقَاتِلُهُمْ يَوْمَيْنِ وَمَالَ النَّاسُ نَحْوَهُ. وَأَقْبَلَ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ مَعَهُ نَحْوَ الْجِسْرِ، فَدَخَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ وَقْتَ صَلَاةِ الْجُمُعَةَ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ شَوَّالٍ، فَأَقَامَ يَقْتُلُ وَيَحْرِقُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَيْلَةَ السَّبْتِ، وَيَوْمَ السَّبْتِ، وَغَادَى يَحْيَى الْبَصْرَةَ يَوْمَ الْأَحَدِ، فَتَلَقَّاهُ بُفْرَاجُ وَبَرِّيَّةُ فِي جَمْعٍ فَرَدُّوهُ، فَرَجَعَ يَوْمَهُ ذَلِكَ. ثُمَّ غَادَاهُمُ الْيَوْمَ الْآخَرَ، فَدَخَلَ وَقَدْ تَفَرَّقَ الْجُنْدُ، وَهَرَبَ بَرِّيَّةُ، وَانْحَازَ بُفْرَاجُ وَمَنْ مَعَهُ، وَلَقِيَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى الْمُهَلَّبِيُّ، فَاسْتَأْمَنَهُ لِأَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَأَمَّنَهُمْ، فَنَادَى مُنَادِي إِبْرَاهِيمَ: مَنْ أَرَادَ الْأَمَانَ فَلْيَحْضُرْ دَارَ إِبْرَاهِيمَ، فَحَضَرَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ قَاطِبَةً، حَتَّى (مَلَئُوا الرِّحَابَ) فَلَمَّا رَأَى اجْتِمَاعَهُمُ انْتَهَزَ الْفُرْصَةَ لِئَلَّا يَتَفَرَّقُوا، فَغَدَرَ بِهِمْ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِقَتْلِهِمْ، فَكَانَ السَّيْفُ يَعْمَلُ فِيهِمْ، وَأَصْوَاتُهُمْ مُرْتَفِعَةٌ بِالشَّهَادَةِ، فَقَتَلَ ذَلِكَ الْجَمْعَ كُلَّهُ، وَلَمْ يَسْلَمَ إِلَّا النَّادِرُ مِنْهُمْ، ثُمَّ انْصَرَفَ يَوْمَهُ ذَلِكَ إِلَى الْحَرْبِيَّةِ. وَدَخَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ الْجَامِعَ فَأَحْرَقَهُ، وَأُحْرِقَتِ الْبَصْرَةُ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ، مِنْهَا الْمِرْبَدُ، وَزَهْرَانُ، وَغَيْرُهُمَا، وَاتَّسَعَ الْحَرِيقُ مِنَ الْجَبَلِ إِلَى الْجَبَلِ، وَعَظُمَ الْخَطْبُ، وَعَمَّهَا الْقَتْلُ وَالنَّهْبُ وَالْإِحْرَاقُ، وَقَتَلُوا كُلَّ مَنْ رَأَوْهُ بِهَا، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْيَسَارِ أَخَذُوا مَالَهُ وَقَتَلُوهُ ; وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا قَتَلُوهُ لِوَقْتِهِ، بَقُوا كَذَلِكَ عِدَّةَ أَيَّامٍ. ثُمَّ أَمَرَ يَحْيَى أَنْ يُنَادَى بِالْأَمَانِ لِيَظْهَرُوا، فَلَمْ يَظْهَرْ أَحَدٌ ; ثُمَّ انْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى الْخَبِيثِ، فَصَرَفَ عَلِيَّ بْنَ أَبَانٍ عَنْهَا، وَأَقَرَّ يَحْيَى عَلَيْهَا لِمُوَافَقَتِهِ هَوَاهُ فِي كَثْرَةِ الْقَتْلِ،

стр. 3244

وَصَرَفَ عَلِيًّا لِإِبْقَائِهِ عَلَى أَهْلِهَا، فَهَرَبَ النَّاسُ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَصَرَفَ الْخَبِيثُ جَيْشَهُ عَنِ الْبَصْرَةِ. فَلَمَّا أَخْرَبَ الْبَصْرَةَ انْتَسَبَ إِلَى يَحْيَى بْنِ زَيْدٍ، وَذَلِكَ لِمَصِيرِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعَلَوِيِّينَ إِلَيْهِ، وَكَانَ فِيهِمْ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى بْنِ زَيْدٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ نِسَائِهِمْ، فَتَرَكَ الِانْتِسَابَ إِلَى عِيسَى بْنِ زَيْدٍ، وَانْتَسَبَ إِلَى يَحْيَى بْنِ زَيْدٍ، قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ حَسَنٍ النَّوْفَلِيُّ: كَذَبَ ابْنُ يَحْيَى لَمْ يُعْقِبْ غَيْرَ بِنْتٍ مَاتَتْ وَهِيَ تَرْضَعُ. ذِكْرُ مَسِيرِ الْمُولَّدِ لِحَرْبِ الزَّنْجِ وَفِيهَا، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، أَمَرَ الْمُعْتَمِدُ أَحْمَدَ الْمُوَلَّدَ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْبَصْرَةِ لِحَرْبِ الزَّنْجِ، فَنَزَلَ الْأُبُلَّةَ، وَجَاءَ بَرِّيَّةُ فَنَزَلَ الْبَصْرَةَ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَسَيَّرَ الْعَلَوِيَّ إِلَى حَرْبِ الْمُوَلَّدِ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ، فَسَارَ إِلَيْهِ فَقَاتَلَهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ وَطَّنَ الْمُوَلَّدَ نَفْسَهُ عَلَى الْمُقَامِ، فَكَتَبَ الْعَلَوِيُّ إِلَى يَحْيَى يَأْمُرُهُ بِتَبْيِيتِ الْمَوْلَّدِ، وَوَجَّهَ إِلَيْهِ الشَّذَا مَعَ أَبِي اللَّيْثِ الْأَصْفَهَانِيِّ، فَبَيَّتَهُ، وَنَهَضَ الْمُوَلَّدُ فَقَاتَلَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَمِنَ الْغَدِ إِلَى الْعَصْرِ، ثُمَّ انْهَزَمَ عَنْهُ. وَدَخَلَ الزَّنْجُ عَسْكَرَهُ فَغَنِمُوا مَا فِيهِ، فَاتَّبَعَهُ يَحْيَى إِلَى الْجَامِدَةِ، فَأَوْقَعَ بِأَهْلِهَا، وَنَهَبَ تِلْكَ الْقُرَى جَمِيعَهَا، وَسَفَكَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّمَاءِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى نَهْرِ مَعْقِلٍ. ذِكْرُ قَصْدِ يَعْقُوبَ فَارِسَ، وَمَلْكِهِ بَلْخَ، وَغَيْرِهَا وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ يَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ إِلَى فَارِسَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمُعْتَمِدُ يُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُوَفَّقُ بِوِلَايَةِ بَلْخَ، وَطَخَارِسْتَانَ، وَسِجِسْتَانَ، وَالسِّنْدِ، فَقَبِلَ ذَلِكَ وَعَادَ، وَسَارَ إِلَى بَلْخَ وَطَخَارِسْتَانَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَلْخَ نَزَلَ بِظَاهِرِهَا، وَخَرَّبَ نُوشَادَ، وَهِيَ أَبْنِيَةٌ كَانَ بَنَاهَا دَاوُدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مَابَنْجُورَ خَارِجَ بَلْخَ. ثُمَّ سَارَ يَعْقُوبُ مِنْ بَلْخَ إِلَى كَابُلَ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَقَبَضَ عَلَى زِنْبِيلٍ، وَأَرْسَلَ رَسُولًا إِلَى الْخَلِيفَةِ، وَمَعَهُ هَدِيَّةٌ جَلِيلَةُ الْمِقْدَارِ، وَفِيهَا أَصْنَامٌ أَخَذَهَا مِنْ كَابُلَ وَتِلْكَ الْبِلَادِ،

стр. 3245

وَسَارَ إِلَى بُسْتَ فَأَقَامَ بِهَا سَنَةً. وَسَبَبُ إِقَامَتِهِ أَنَّهُ أَرَادَ الرَّحِيلَ، فَرَأَى بَعْضَ قُوَّادِهِ قَدْ حَمَلَ بَعْضَ أَثْقَالِهِ، فَغَضِبَ وَقَالَ: أَتَرْحَلُونَ قَبْلِي؟ وَأَقَامَ سَنَةً، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى سِجِسْتَانَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى هَرَاةَ، وَحَاصَرَ مَدِينَةَ كَرُوخَ حَتَّى أَخَذَهَا، ثُمَّ سَارَ إِلَى بُوشَنْجَ، وَقَبَضَ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ طَاهِرِ (بْنِ الْحُسَيْنِ الْكَبِيرِ، وَأَنْفَذَ إِلَيْهِ مُحَمَّدَ بْنَ طَاهِرِ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَسَأَلَهُ إِطْلَاقَهُ (وَهُوَ عَمُّ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ بْنِ طَاهِرٍ) ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَبَقِيَ فِي يَدِهِ. ذِكْرُ مُلْكِ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ الْعَلَوِيِّ جُرْجَانَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَصَدَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ الْعَلَوِيُّ صَاحِبُ طَبَرِسْتَانَ جُرْجَانَ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ أَمِيرَ خُرَاسَانَ، لَمَّا بَلَغَهُ مِنْ عَزْمِ الْحَسَنِ عَلَى قَصْدِ جُرْجَانَ قَدْ جَهَّزَ الْعَسَاكِرَ فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا أَمْوَالًا كَثِيرَةً، وَسَيَّرَهَا إِلَى جُرْجَانَ لِحِفْظِهَا، فَلَمَّا قَصَدَهَا الْحَسَنُ لَمْ يَقُومُوا لَهُ، وَظَفِرَ بِهِمْ وَمَلَكَ الْبَلَدَ، وَقَتَلَ كَثِيرًا مِنَ الْعَسَاكِرِ، وَغَنِمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مَا عِنْدَهُمْ. وَضَعُفَ حِينَئِذٍ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ، وَانْتَقَضَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي كَانَ يَجِيءُ خَرَاجُهَا إِلَيْهِ، فَلَمْ يَبْقَ فِي يَدِهِ إِلَّا بَعْضُ خُرَاسَانَ، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ مَفْتُونٌ مُنْتَقَضٌ بِالْمُتَغَلِّبِينَ فِي نَوَاحِيهَا، وَالشُّرَاةِ الَّذِينَ يَعِيثُونَ فِي عَمَلِهِ، فَلَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُمْ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ تَغَلُّبِ يَعْقُوبَ الصَّفَّارِ عَلَى خُرَاسَانَ، كَمَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا أَخَذَ أَحْمَدُ الْمُوَلَّدُ سَعْدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ سَعْدٍ الْبَاهِلِيَّ، وَكَانَ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَى الْبَطَائِحِ، وَأَفْسَدَ الطَّرِيقَ، وَحُمِلَ إِلَى سَامَرَّا، فَضُرِبَ سَبْعَمِائَةِ سَوْطٍ فَمَاتَ، وَصُلِبَ مَيِّتًا. وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْفَضْلُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ.

стр. 3246

وَفِيهَا وَثَبَ بُسَيْلٌ الْمَعْرُوفُ بِالصَّقْلَبِيِّ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ الصَّقْلَبِيُّ، وَهُوَ مِنْ بَيْتِ الْمَمْلَكَةِ، لِأَنَّ أُمَّهُ صَقْلَبِيَّةٌ، عَلَى مِيخَائِيلَ بْنِ تُوفِيلَ مَلِكِ الرُّومِ، فَقَتَلَهُ ; وَكَانَ مُلْكُ مِيخَائِيلَ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَمَلَكَ بُسَيْلُ الرُّومَ. وَفِيهَا أَقْطَعَ الْمُعْتَمِدُ مِصْرَ وَأَعْمَالَهَا لِيَارْكُوجَ التُّرْكِيِّ، فَأَقَرَّ عَلَيْهَا أَحْمَدَ بْنَ طُولُونَ. وَفِيهَا فَارَقَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي دُلَفٍ الرَّيَّ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ، وَأَخْلَاهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ الْعُلْوِيُّ صَاحِبُ طَبَرِسْتَانَ الْقَاسِمَ بْنَ عَلِيِّ (بْنِ الْقَاسِمِ) بْنِ عَلِيٍّ الْعَلَوِيَّ الْمَعْرُوفَ بِدُلَيْسٍ، فَغَلَبَ عَلَيْهَا، فَأَسَاءَ السِّيرَةَ فِي أَهْلِهَا جِدًّا، وَقَلَعُوا أَبْوَابَ الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ مِنْ حَدِيدٍ، وَسَيَّرَهَا إِلَى الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ، وَبَقِيَ كَذَلِكَ نَحْوَ ثَلَاثِ سِنِينَ. وَفِيهَا خَرَجَ عَلِيُّ بْنُ مُسَاوِرٍ الْخَارِجِيُّ، وَخَارِجِيٌّ آخَرُ اسْمُهُ طَوْقٌ مِنْ بَنِي زُهَيْرٍ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، فَسَارَ إِلَى أَذْرَمَةَ، فَحَارَبَهَا أَهْلُهَا، فَظَفِرَ بِهِمْ، فَدَخَلَهَا بِالسَّيْفِ، وَأَخَذَ جَارِيَةً بِكْرًا فَجَعَلَهَا فَيْئًا، وَافْتَضَّهَا فِي الْمَسْجِدِ، فَجَمَعَ عَلَيْهِ الْحَسَنُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدَوِيُّ جَمْعًا كَثِيرًا، فَحَارَبَهُ فَقَتَلَهُ، وَقَطَعَ رَأْسَهُ وَأَنْفَذَهُ إِلَى سَامَرَّا. (وَفِيهَا قُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ خَفَاجَةَ أَمِيرُ صِقِلِّيَّةَ، قَتَلَهُ خَدَمُهُ نَهَارًا، وَكَتَمُوا قَتْلَهُ، فَلَمْ يُعْرَفْ إِلَّا مِنَ الْغَدِ. وَكَانَ الْخَدَمُ الَّذِينَ قَتَلُوهُ قَدْ هَرَبُوا، فَطُلِبُوا فَأُخِذُوا، وَقُتِلَ بَعْضُهُمْ، وَلَمَّا قُتِلَ اسْتَعْمَلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْأَغْلَبِ عَلَى صِقِلِّيَةَ أَحْمَدَ بْنَ يَعْقُوبَ بْنِ الْمَضَّاءِ بْنِ سَلَمَةَ فَلَمْ تَطُلْ أَيَّامُهُ، وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ) .

стр. 3247

[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ الْعَبْدِيُّ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ بِسُرَّ مَنْ رَأَى. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْفَضْلِ الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَرَجِ الرِّيَاشِيُّ اللُّغَوِيُّ، مِنْ كِبَارِهِمْ، وَرَوَى عَنِ الْأَصْمَعِيِّ وَغَيْرِهِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ الْخَطَّابِ الْمَوْصِلِيُّ، وَكَانَ (مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ) .

стр. 3248

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٥٨ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ قَتْلِ مَنْصُورِ بْنِ جَعْفَرٍ الْخَيَّاطِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ مَنْصُورُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخَيَّاطُ، وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّ الْعَلَوِيَّ الْبَصْرِيَّ لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَمْرِ الْبَصْرَةِ أَمَّرَ عَلِيَّ بْنَ أَبَانٍ بِالْمَسِيرِ إِلَى جَيٍّ لِحَرْبِ مَنْصُورِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَهُوَ يَلِي يَوْمَئِذٍ الْأَهْوَازَ، وَأَقَامَ بِإِزَائِهِ شَهْرًا، وَكَانَ مَنْصُورٌ فِي قِلَّةٍ مِنَ الرِّجَالِ، فَأَتَى عَسْكَرَ عَلِيٍّ وَهُوَ بِالْخَيْزُرَانِيَّةِ. ثُمَّ إِنَّ الْخَبِيثَ صَاحِبَ الزَّنْجِ، وَجَّهَ إِلَى عَلِيٍّ بِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ شَذَاةً مَشْحُونَةً بِجُلَّةِ أَصْحَابِهِ، وَوَلَّى أَمَرَهُمْ أَبَا اللَّيْثِ الْأَصْبِهَانِيَّ، وَأَمَرَهُ بِطَاعَةِ عَلِيٍّ، فَلَمَّا صَارَ إِلَيْهِ خَالَفَهُ، وَاسْتَبَدَّ عَلَيْهِ، وَجَاءَ مَنْصُورٌ كَمَا كَانَ يَجِيءُ لِلْحَرْبِ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَبُو اللَّيْثِ، عَنْ غَيْرِ إِذْنِ عَلِيٍّ، فَظَفِرَ بِهِ مَنْصُورٌ، وَبِالشَّذَوَاتِ الَّتِي مَعَهُ، وَقَتَلَ فِيهَا مِنَ الْبِيضِ وَالزَّنْجِ خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَفْلَتَ أَبُو اللَّيْثِ، وَرَجَعَ إِلَى الْخَبِيثِ. ثُمَّ إِنَّ عَلِيًّا وَجَّهَ طَلَائِعَ يَأْتُونَهُ بِخَبَرِ مَنْصُورٍ، وَأَسْرَى إِلَى وَالٍ كَانَ لِمَنْصُورٍ عَلَى كَرْنَبَا، فَقَتَلَهُ وَقَتَلَ أَكْثَرَ أَصْحَابِهِ، وَغَنِمَ مَا كَانَ مَعَهُمْ وَرَجَعَ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ مَنْصُورًا، فَأَسْرَى إِلَى الْخَيْزُرَانِيَّةِ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ، فَتَحَارَبُوا إِلَى الظُّهْرِ، ثُمَّ انْهَزَمَ مَنْصُورٌ، وَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَانْقَطَعَ عَنْهُمْ، وَأَدْرَكَتْهُ طَائِفَةٌ مِنَ الزَّنْجِ،

стр. 3249

فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ، وَقَاتَلَهُمْ حَتَّى تَكَسَّرَ رُمْحُهُ، وَفَنِيَ نُشَّابُهُ، ثُمَّ حَمَلَ حِصَانَهُ لِيَعْبُرَ فِي النَّهْرِ، وَلَمْ يَعْبُرْهُ. وَكَانَ سَبَبُ وُقُوعِهِ أَنَّ بَعْضَ الزَّنْجِ رَآهُ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَعْبُرَ النَّهْرَ، فَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي النَّهْرِ قَبْلَ مَنْصُورٍ وَتَلَقَّى الْفَرَسَ حِينَ وَثَبَ فَنَكَصَ، فَلَمَّا سَقَطَ فِي النَّهْرِ قَتَلَهُ الْأَسْوَدُ، وَأَخَذَ سَلَبَهُ، وَقَتَلَ مَعَهُ أَخُوهُ خَلَفَ بْنَ جَعْفَرٍ وَغَيْرَهُ، فَوَلِيَ يَارْكُوجُ مَا كَانَ إِلَى مَنْصُورِ بْنِ جَعْفَرٍ مِنَ الْعَمَلِ. ذِكْرُ مَسِيرِ أَبِي أَحْمَدَ إِلَى الزَّنْجِ وَقَتْلِ مُفْلِحٍ وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، عَقَدَ الْمُعْتَمِدُ لِأَخِيهِ أَبِي أَحْمَدَ عَلَى دِيَارِ مِصْرَ، وَقِنَّسْرِينَ، وَالْعَوَاصِمِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ وَعَلَى مُفْلِحٍ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَسَيَّرَهُمَا إِلَى حَرْبِ الزَّنْجِ بِالْبَصْرَةِ، وَرَكِبَ الْمُعْتَمِدُ مَعَهُ يُشَيِّعُهُ، وَسَارَ نَحْوَ الْبَصْرَةِ، وَنَازَلَ الْعَلَوِيَّ وَقَاتَلَهُ. وَكَانَ سَبَبُ تَسْيِيرِهِ مَا فَعَلَهُ بِالْبَصْرَةِ، وَأَكْبَرَ النَّاسُ ذَلِكَ، وَتَجَهَّزُوا إِلَيْهِ وَسَارُوا فِي عُدَّةٍ حَسَنَةٍ كَامِلَةٍ، وَصَحِبَهُ مِنْ سُوقَةِ بَغْدَاذَ خَلْقٌ كَثِيرٌ. وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ بِجَيٍّ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَسَارَ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَحْرَانِيُّ إِلَى نَهْرِ الْعَبَّاسِ، وَمَعَهُ أَكْثَرُ الزُّنُوجِ، فَبَقِيَ صَاحِبُهُمْ فِي قِلَّةٍ مِنَ النَّاسِ، وَأَصْحَابِهِ يُغَادُونَ الْبَصْرَةَ وَيُرَاوِحُونَهَا لِنَقْلِ مَا نَالُوهُ مِنْهَا، فَلَمَّا نَزَلَ عَسْكَرُ أَبِي أَحْمَدَ بِنَهْرِ مَعْقِلٍ، احْتَفَلَ مَنْ فِيهِ مِنَ الزُّنُوجِ إِلَى صَاحِبِهِمْ مَرْعُوبِينَ، وَأَخْبَرُوهُ بِعُظْمِ الْجَيْشِ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِمْ مِثْلُهُ، وَأَحْضَرَ رَئِيسَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَسَأَلَهُمَا عَنْ قَائِدِ الْجَيْشِ فَلَمْ يَعْرِفَاهُ، فَجَزِعَ، وَارْتَاعَ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبَانٍ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ فِيمَنْ مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى أَتَاهُ بَعْضُ قُوَّادِهِ، فَأَخْبَرَهُ بِمَجِيءِ الْعَسْكَرِ وَتَقَدُّمِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَيْسَ فِي وُجُوهِهِمْ مَنْ يَرُدُّهُمْ مِنَ الزُّنُوجِ، وَكَذَّبَهُ، وَسَبَّهُ، وَأَمَرَ فَنُودِيَ فِي الزُّنُوجِ

стр. 3250

بِالْخُرُوجِ إِلَى الْحَرْبِ، فَخَرَجُوا، فَرَأَوْا مُفْلِحًا قَدْ أَتَاهُمْ فِي عَسْكَرٍ لِحَرْبِهِمْ، فَقَاتَلَهُمْ، فَبَيْنَمَا مُفْلِحٌ يُقَاتِلُهُمْ إِذْ أَتَاهُ سَهْمُ غَرْبٍ لَا يُعْرَفُ مَنْ رَمَى بِهِ، فَأَصَابَهُ، فَرَجَعَ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَقَتَلُوا فِيهِمْ قَتْلًا ذَرِيعًا، وَحَمَلُوا الرُّءُوسَ إِلَى الْعَلَوِيِّ، وَاقْتَسَمَ الزَّنْجُ (لُحُومَ الْقَتْلَى) . وَأُتِيَ بِالْأَسْرَى، فَسَأَلَهُمْ عَنْ قَائِدِ الْجَيْشِ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ أَبُو أَحْمَدَ، وَمَاتَ مُفْلِحٌ مِنْ ذَلِكَ السَّهْمِ، فَلَمْ يَلْبَثِ الْعَلَوِيُّ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى وَافَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ. ثُمَّ إِنَّ أَبَا أَحْمَدَ رَحَلَ نَحْوَ الْأُبُلَّةِ لِيَجْمَعَ مَا فَرَّقَتْهُ الْهَزِيمَةُ، ثُمَّ سَارَ إِلَى نَهْرِ أَبِي الْأَسَدِ، وَلَمَّا عَلِمَ الْخَبِيثُ كَيْفَ قُتِلَ مُفْلِحٌ، وَلَمْ يَرَ أَحَدًا يَدَّعِي قَتْلَهُ، زَعَمَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ، وَكَذَبَ فَإِنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُ. ذِكْرُ قَتْلِ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَحْرَانِيِّ وَفِيهَا أُسِرَ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَحْرَانِيُّ قَائِدُ صَاحِبِ الزَّنْجِ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا سَارَ نَحْوَ نَهْرِ الْعَبَّاسِ لَقِيَهُ عَسْكَرُ أَصْعَجُورَ عَامِلِ الْأَهْوَازِ بَعْدَ مَنْصُورٍ، وَقَاتَلَهُمْ، وَكَانَ أَكْثَرَ مِنْهُمْ عَدَدًا، فَنَالَ ذَلِكَ الْعَسْكَرُ مِنَ الزَّنْجِ بِالنُّشَّابِ، وَجَرَحُوهُمْ، فَعَبَرَ يَحْيَى النَّهْرَ إِلَيْهِمْ، فَانْحَازُوا عَنْهُ، وَغَنِمَ سُفُنًا كَانَتْ مَعَ الْعَسْكَرِ، فِيهَا الْمِيرَةُ، وَسَارُوا بِهَا إِلَى عَسْكَرِ صَاحِبِ الزَّنْجِ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي فِيهِ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ، لِتَحَاسُدٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَحْيَى. وَوَجَّهَ يَحْيَى طَلَائِعَهُ إِلَى دِجْلَةَ، فَلَقِيَهُمْ جَيْشُ أَبِي أَحْمَدَ الْمُوَفَّقِ سَائِرِينَ إِلَى نَهْرِ أَبِي الْأَسَدِ، فَرَجَعُوا إِلَى عَلِيٍّ، فَأَخْبَرُوهُ بِمَجِيءِ الْجَيْشِ، فَرَجَعَ مِنَ الطَّرِيقِ الَّذِي كَانَ سَلَكَهُ، وَسَلَكَ نَهْرَ الْعَبَّاسِ، وَعَلَى فَمِ النَّهْرِ شَذَوَاتٌ لِحَمِيَّةٍ مِنْ عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ، فَلَمَّا رَآهُمْ يَحْيَى رَاعَهُ ذَلِكَ، وَخَافَ أَصْحَابُهُ فَنَزَّلُوا السُّفُنَ (وَعَبَرُوا النَّهْرَ، وَلَقِيَ يَحْيَى وَمَنْ مَعَهُ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَقَاتَلَهُمْ هُوَ وَذَلِكَ النَّفَرُ) الْيَسِيرُ، فَرَمَوْهُمْ بِالسِّهَامِ، فَجُرِحَ ثَلَاثَ جِرَاحَاتٍ ; فَلَمَّا جُرِحَ تَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ عَنْهُ، (وَلَمْ يُعْرَفْ حَتَّى يُؤْخَذَ) ، فَرَجَعَ حَتَّى دَخَلَ بَعْضَ السُّفُنِ

стр. 3251

وَهُوَ مُثْخَنٌ بِالْجِرَاحِ. وَأَخَذَ أَصْحَابُ السُّلْطَانِ الْغَنَائِمَ، وَأَخَذُوا السُّفُنَ، وَعَبَرُوا إِلَى سُفُنٍ كَانَتْ لِلزَّنْجِ فَأَحْرَقُوهَا، وَتَفَرَّقَ الزَّنْجُ عَنْ يَحْيَى بَقِيَّةَ نَهَارِهِمْ، فَلَمَّا رَأَى (تَفَرُّقَهُمْ رَكِبَ سُمَيْرِيَّةً، وَأَخَذَ مَعَهُ طَبِيبًا لِأَجْلِ الْجِرَاحِ، وَسَارَ فِيهَا، فَرَأَى) الْمَلَّاحُونَ سُمَيْرِيَّاتِ السُّلْطَانِ، فَخَافُوا، فَأَلْقَوْا يَحْيَى وَمَنْ مَعَهُ عَلَى الْأَرْضِ، فَمَشَى وَهُوَ مُثْقَلٌ، وَقَامَ الطَّبِيبُ الَّذِي مَعَهُ فَأَتَى أَصْحَابَ السُّلْطَانِ فَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَهُ. فَأَخَذُوهُ وَحَمَلُوهُ إِلَى أَبِي أَحْمَدَ، فَحَمَلَهُ أَبُو أَحْمَدَ إِلَى سَامَرَّا، فَقُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ، ثُمَّ قُتِلَ، فَجَزِعَ الْخَبِيثُ، وَالزُّنُوجُ عَلَيْهِ جَزَعًا كَبِيرًا، وَقَالَ لَهُمْ: لَمَّا قُتِلَ يَحْيَى اشْتَدَّ جَزَعِي عَلَيْهِ، فَخُوطِبْتُ أَنَّ قَتْلَهُ كَانَ خَيْرًا لَكَ، إِنَّهُ كَانَ شَرِهًا. ذِكْرُ عَوْدِ أَبِي أَحْمَدَ إِلَى وَاسِطَ وَفِيهَا انْحَازَ أَبُو أَحْمَدَ مِنْ مَوْضِعِهِ إِلَى وَاسِطَ ; وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا سَارَ إِلَى نَهْرِ أَبِي الْأَسَدِ كَثُرَتِ الْأَمَرَاضُ فِي أَصْحَابِهِ، وَكَثُرَ فِيهِمُ الْمَوْتُ، فَرَجَعَ إِلَى بَاذَاوَرْدَ فَأَقَامَ بِهَا، وَأَمَرَ بِتَجْدِيدِ الْآلَاتِ، وَإِعْطَاءِ الْجُنْدِ أَرْزَاقَهُمْ، وَإِصْلَاحِ السُّمَيْرِيَّاتِ وَالشَّذَا، وَشَحَنَهَا بِالْقُوَّادِ، وَعَادَ إِلَى عَسْكَرِ صَاحِبِ الزَّنْجِ، وَأَمَرَ جَمَاعَةً مِنْ قُوَّادِهِ بِقَصْدِ مَوَاضِعَ سَمَّاهَا مِنْ نَهْرِ أَبِي الْخَصِيبِ وَغَيْرِهِ، وَبَقِيَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ، فَمَالَ أَكْثَرُ الْخَلْقِ، حِينَ الْتَقَى النَّاسُ وَنَشِبَتِ الْحَرْبُ، إِلَى نَهْرِ أَبِي الْخَصِيبِ، وَبَقِيَ أَبُو أَحْمَدَ فِي قِلَّةِ أَصْحَابِهِ، فَلَمْ يَزَلْ عَنْ مَوْضِعِهِ خَوْفًا أَنْ يَطْمَعَ الزَّنْجُ. وَلَمَّا رَأَى الزَّنْجُ قِلَّةَ مَنْ مَعَهُ طَمِعُوا فِيهِ، وَكَثُرُوا عَلَيْهِ، وَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ عِنْدَهُ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ وَالْجِرَاحُ، وَأَحْرَقَ أَصْحَابُ أَبِي أَحْمَدَ مَنَازِلَ الزُّنُوجِ، وَاسْتَنْقَذُوا مِنَ النِّسَاءِ جَمْعًا كَثِيرًا، ثُمَّ أَلْقَى الزَّنْجُ جِدَّهُمْ نَحْوَهُ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو أَحْمَدَ ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّ الْحَزْمَ فِي الْمُحَاجَزَةِ، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالرُّجُوعِ إِلَى سُفُنِهِمْ عَلَى مَهَلٍ وَتُؤَدَةٍ. (وَاقْتَطَعَ الزَّنْجُ) طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَقَتَلُوا مِنَ الزَّنْجِ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ قُتِلُوا جَمِيعُهُمْ، وَحُمِلَتْ رُءُوسُهُمْ إِلَى قَائِدِ الزَّنْجِ، وَهِيَ مِائَةُ رَأْسٍ وَعَشْرَةُ أَرْؤُسٍ، فَزَادَ ذَلِكَ فِي عُتُوِّهِ.

стр. 3252

وَنَزَلَ أَبُو أَحْمَدَ فِي عَسْكَرِهِ بِبَاذَاوَرْدَ، فَأَقَامَ يُعَبِّئُ أَصْحَابَهُ لِلرُّجُوعِ إِلَى الزَّنْجِ، فَوَقَعَتْ نَارٌ فِي أَطْرَافِ عَسْكَرِهِ، فِي يَوْمِ رِيحٍ عَاصِفٍ، فَاحْتَرَقَ كَثِيرٌ مِنْهُ، فَرَحَلَ مِنْهَا إِلَى وَاسِطَ، فَلَمَّا نَزَلَ وَاسِطَ تَفَرَّقَ عَنْهُ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ، فَسَارَ مِنْهَا إِلَى سَامَرَّا، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى وَاسِطَ، لِحَرْبِ الْعَلَوِيِّ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُوَلَّدِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا وَقَعَ الْوَبَاءُ فِي كُوَرِ دِجْلَةَ، فَهَلَكَ مِنْهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ بِبَغْدَاذَ، وَوَاسِطَ، وَسَامَرَّا، وَغَيْرِهَا. وَفِيهَا قُتِلَ سِرِسْجَارِسُ بِبِلَادِ الرُّومِ مَعَ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَفِيهَا كَانَتْ هَدَّةٌ عَظِيمَةٌ هَائِلَةٌ بِالصَّيْمَرَةِ، ثُمَّ سُمِعَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ هَدَّةٌ أَعْظَمُ مِنَ الْأُولَى، فَانْهَدَمَ أَكْثَرُ الْمَدِينَةِ، وَتَسَاقَطَتِ الْحِيطَانُ، وَهَلَكَ مِنْ أَهْلِهَا زُهَاءُ عِشْرِينَ أَلْفًا. وَفِيهَا مَاتَ يَارْكُوجُ التُّرْكِيُّ فِي رَمَضَانَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ أَبُو عِيسَى بْنُ الْمُتَوَكِّلِ، وَكَانَ صَاحِبَ مِصْرَ، وَمُقْطِعَهَا، وَدُعِيَ لَهُ فِيهَا قَبْلَ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ اسْتَقَلَّ أَحْمَدُ بِمِصْرَ. وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ (أَصْحَابِ) مُوسَى بْنِ بُغَا وَأَصْحَابِ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ الْعَلَوِيِّ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ الْحَسَنِ.

стр. 3253

وَفِيهَا أَسَرَ مَسْرُورٌ الْبَلْخِيُّ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ مُسَاوِرٍ الشَّارِيِّ، وَسَارَ مَسْرُورٌ إِلَى الْبَوَازِيجِ، فَلَقِيَ مُسَاوِرًا هُنَاكَ، فَكَانَ فِيهَا بَيْنَهُمَا وَقْعَةٌ أُسِرَ فِيهَا مِنْ أَصْحَابِ مَسْرُورٍ جَمَاعَةٌ، ثُمَّ انْصَرَفَ فِي ذِي الْحِجَّةِ إِلَى سَامَرَّا، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى عَسْكَرِهِ بِحَدِيثَةِ الْمَوْصِلِ جُعْلَانَ. وَفِيهَا رَجَعَ أَكْثَرُ النَّاسِ مِنَ الْقَرْعَاءِ خَوْفَ الْعَطَشِ، وَسَلِمَ مَنْ سَارَ إِلَى مَكَّةَ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْفَضْلُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ الْحَسَنِ. (وَفِيهَا أُوقِعَ بِأَعْرَابٍ بِتِكْرِيتَ كَانُوا أَعَانُوا مُسَاوِرًا الشَّارِيَّ) . وَفِيهَا أَوْقَعَ مَسْرُورٌ الْبَلْخِيُّ بِالْأَكْرَادِ الْيَعْقُوبِيَّةِ، فَهَزَمَهُمْ، وَأَصَابَ فِيهَا. وَفِيهَا صَارَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاصِلٍ فِي طَاعَةِ السُّلْطَانِ، وَسَلَّمَ فَارِسَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْفَيَّاضِ. وَفِيهَا أُسِرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الزَّنْجِ كَانَ فِيهِمْ قَاضٍ كَانَ لَهُمْ بِعَبَّادَانَ، فَحُمِلُوا إِلَى سَامَرَّا، فَضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ الذُّهْلِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ، وَلَهُ مَعَ الْبُخَارِيِّ حَادِثَةٌ ظَلَمَهُ بِهَا حَسَدًا لَهُ، لَيْسَ هَذَا مَكَانُ ذِكْرِهَا. وَفِيهَا تُوُفِّيَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيُّ الْوَاعِظُ فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَكَانَ عَابِدًا صَالِحًا صَحِبَ أَبَا يَزِيدَ، وَغَيْرَهُ.

стр. 3254

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٥٩ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ دُخُولِ الزَّنْجِ الْأَهْوَازَ وَفِيهَا، فِي رَجَبٍ، دَخَلَتِ الزَّنْجُ الْأَهْوَازَ، وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ الْعَلَوِيَّ أَنْفَذَ عَلِيَّ بْنَ أَبَانٍ الْمُهَلَّبِيَّ، وَضَمَّ إِلَيْهِ الْجَيْشَ الَّذِي كَانَ مَعَ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَحْرَانِيِّ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى الشَّعْرَانِيِّ، وَسَيَّرَهُ إِلَى الْأَهْوَازِ. وَكَانَ الْمُتَوَلِّي لَهَا بَعْدَ مَنْصُورِ بْنِ جَعْفَرٍ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَصْعَجُورُ، فَبَلَغَهُ خَبَرُ الزَّنْجِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، وَالْتَقَى الْعَسْكَرَانِ بِدَشْتِ مَيْسَانَ، فَانْهَزَمَ أَصْعَجُورُ، وَقُتِلَ مَعَهُ ثَيْرَكُ، وَجُرِحَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَغَرِقَ أَصْعَجُورُ، وَأُسِرَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فِيهِمُ الْحَسَنُ بْنُ هَرْثَمَةَ، وَالْحَسَنُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَحُمِلَتِ الرُّءُوسُ، وَالْأَعْلَامُ، وَالْأَسْرَى إِلَى الْخَبِيثِ، فَأَمَرَ بِحَبْسِ الْأَسْرَى، وَدَخَلَ الزَّنْجُ الْأَهْوَازَ، فَأَقَامُوا يُفْسِدُونَ فِيهَا، وَيَعِيثُونَ إِلَى أَنْ قَدِمَ مُوسَى بْنُ بُغَا. ذِكْرُ مَسِيرِ مُوسَى بْنِ بُغَا لِحَرْبِ الزَّنْجِ وَفِيهَا، فِي ذِي الْقَعْدَةِ أَمَرَ الْمُعْتَمِدُ مُوسَى بْنَ بُغَا بِالْمَسِيرِ إِلَى حَرْبِ صَاحِبِ الزَّنْجِ، فَسَيَّرَ إِلَى الْأَهْوَازِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُفْلِحٍ، وَإِلَى الْبَصْرَةِ إِسْحَاقَ بْنَ كَنْدَاجِيقَ، وَإِلَى بَاذَاوَرْدَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سِيمَا، وَأَمَرَهُمْ بِمُحَارَبَةِ صَاحِبِ الزَّنْجِ. فَلَمَّا وَلِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَهْوَازَ سَارَ إِلَى مُحَارَبَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبَانٍ، فَتَوَاقَعَا، فَانْهَزَمَ

стр. 3255

عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ اسْتَعَدَّ، وَعَادَ إِلَى عَلَيٍّ، فَأَوْقَعَ بِهِ وَقْعَةً عَظِيمَةً قَتَلَ فِيهَا مِنَ الزَّنْجِ قَتْلًا ذَرِيعًا، وَأَسَرَ خَلْقًا كَثِيرًا، وَانْهَزَمَ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ، وَالزَّنْجُ، ثُمَّ أَرَادَ رَدَّهُمْ فَلَمْ يَرْجِعُوا مِنَ الْخَوْفِ الَّذِي دَخَلَهُمْ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ; فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَذِنَ لَهُمْ بِالِانْصِرَافِ، فَانْصَرَفُوا إِلَى مَدِينَةِ صَاحِبِهِمْ. وَوَافَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ حِصْنَ مَهْدِيٍّ لِيُعَسْكِرَ بِهِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ صَاحِبُ الزَّنْجِ عَلِيَّ بْنَ أَبَانٍ، فَوَاقَعَهُ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، وَمَضَى يُرِيدُ الْمَوْضِعَ الْمَعْرُوفَ بِالدَّكَّةِ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سِيمَا بِالْبَاذَاوَرْدِ، فَوَاقَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ، فَهَزَمَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ، ثُمَّ وَاقَعَهُ ثَانِيَةً، فَهَزَمَهُ إِبْرَاهِيمُ، فَمَضَى عَلِيٌّ فِي اللَّيْلِ وَمَعَهُ الْأَدِلَّاءُ فِي الْآجَامِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى نَهْرِ يَحْيَى. وَانْتَهَى خَبَرُهُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ طَاشْتُمُرَ فِي جَمْعٍ مِنَ الْمَوَالِي، فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ لِامْتِنَاعِهِ بِالْقَصَبِ وَالْحَلَافِيِّ، فَأَضْرَمَهَا عَلَيْهِ نَارًا، فَخَرَجُوا مِنْهَا هَارِبِينَ، فَأَسَرَ مِنْهُمْ أَسْرَى، وَانْصَرَفَ أَصْحَابُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِالْأَسْرَى وَالظَّفَرِ. ثُمَّ سَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ نَحْوَ عَلِيِّ بْنِ أَبَانٍ بِمَكَانٍ نَزَلَ فِيهِ، فَكَتَبَ عَلِيٌّ إِلَى صَاحِبِ الزَّنْجِ يَسْتَمِدُّهُ، فَأَمَدَّهُ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ شَذَاةٍ، وَوَافَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَتَوَاقَعَا يَوْمَهُمَا، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ انْتَخَبَ عَلِيٌّ مِنْ أَصْحَابِهِ جَمَاعَةً مِمَّنْ يَثِقُ بِهِمْ وَسَارَ، وَتَرَكَ عَسْكَرَهُ لِيُخْفِيَ أَمْرَهُ، وَأَتَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ وَرَائِهِ فَبَيَّتَهُ، فَنَالَ مِنْهُ شَيْئًا يَسِيرًا، وَانْحَازَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَخَذَ عَلِيٌّ مِنْهُمْ أَرْبَعَ شَذَوَاتٍ، وَأَتَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ دَوْلَابَ فَأَقَامَ بِهِ. وَسَارَ طَاشْتُمُرُ إِلَى عَلِيٍّ، فَوَافَاهُ وَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ عَلِيٌّ إِلَى نَهْرِ السِّدْرَةِ، وَكَتَبَ يَسْتَمِدُّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَخْبَرَهُ بِانْهِزَامِ عَلِيٍّ عَنْهُ، فَأَتَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَوَاقَعَ عَلِيًّا بِنَهْرِ السِّدْرَةِ وَقْعَةً عَظِيمَةً، فَانْهَزَمَ عَلِيٌّ إِلَى الْخَبِيثِ، وَعَسْكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِلُنْبَانَ، فَكَانَ هُوَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سِيمَا يَتَنَاوَبَانِ الْمَسِيرَ إِلَى عَسْكَرِ الْخَبِيثِ فَيُوقِعَانِ بِهِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ كَنْدَاجِيقَ بِالْبَصْرَةِ، وَقَدْ قَطَعَ الْمِيرَةَ عَنِ الزَّنْجِ، فَكَانَ صَاحِبُهُمْ يَجْمَعُ أَصْحَابَهُ يَوْمَ مُحَارَبَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ

стр. 3256

وَإِبْرَاهِيمَ، فَإِذَا انْقَضَتِ الْحَرْبُ سَيَّرَ طَائِفَةً مِنْهُمْ إِلَى الْبَصْرَةِ، (يُقَاتِلُ بِهِمْ إِسْحَاقَ) ، فَأَقَامُوا كَذَلِكَ بِضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا إِلَى أَنْ صُرِفَ مُوسَى بْنُ بُغَا عَنْ حَرْبِ الزَّنْجِ، وَوَلِيَهَا مَسْرُورٌ الْبَلْخِيُّ، فَانْتَهَى الْخَبَرُ بِذَلِكَ إِلَى الْخَبِيثِ. ذِكْرُ مُلْكِ يَعْقُوبَ نَيْسَابُورَ وَفِيهَا، فِي شَوَّالٍ، دَخَلَ يَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ نَيْسَابُورَ، وَكَانَ سَبَبُ مَسِيرِهِ إِلَيْهَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ السِّجْزِيَّ كَانَ يُنَازِعُ يَعْقُوبَ بِسِجِسْتَانَ، فَلَمَّا قَوِيَ عَلَيْهِ يَعْقُوبُ هَرَبَ مِنْهُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، فَأَرْسَلَ يَعْقُوبُ يَطْلُبُ مِنِ ابْنِ طَاهِرٍ أَنْ يُسَلِّمَهُ إِلَيْهِ فَلَمْ يَفْعَلْ، فَسَارَ نَحْوَهُ إِلَى نَيْسَابُورَ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهَا، وَأَرَادَ دُخُولَهَا، وَجَّهَ مُحَمَّدَ بْنَ طَاهِرٍ يَسْتَأْذِنُهُ فِي تَلَقِّيهِ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، فَبَعَثَ بِعُمُومَتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَتَلَقَّوْهُ. ثُمَّ دَخَلَ نَيْسَابُورَ فِي شَوَّالٍ، فَرَكِبَ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ، فَدَخَلَ إِلَيْهِ فِي مَضْرِبِهِ، فَسَاءَلَهُ، ثُمَّ وَبَّخَهُ عَلَى تَفْرِيطِهِ فِي عَمَلِهِ، وَقَبَضَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى نَيْسَابُورَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَذْكُرُ تَفْرِيطَ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ فِي عَمَلِهِ، وَأَنَّ أَهْلَ خُرَاسَانَ سَأَلُوهُ الْمَسِيرَ إِلَيْهِمْ، وَيَذْكُرُ غَلَبَةَ الْعَلَوِيِّينَ عَلَى طَبَرِسْتَانَ، وَبَالَغَ فِي هَذَا الْمَعْنَى، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَأَمَرَ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى مَا أُسْنِدَ إِلَيْهِ، وَأَلَّا يَسْلُكَ مَعَهُ مَسْلَكَ الْمُخَالِفِينَ. وَقِيلَ كَانَ سَبَبُ مُلْكِ يَعْقُوبَ نَيْسَابُورَ مَا ذَكَرْنَاهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ [وَمِائَتَيْنِ] مِنْ ضَعْفِ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ أَمِيرِ خُرَاسَانَ، فَلَمَّا تَحَقَّقَ يَعْقُوبُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الدَّفْعِ سَارَ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ يُعْلِمُهُ أَنَّهُ قَدْ عَزَمَ عَلَى قَصْدِ طَبَرِسْتَانَ لِيُمْضِيَ مَا أَمَرَهُ الْخَلِيفَةُ فِي الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ الْمُتَغَلِّبِ عَلَيْهَا، وَأَنَّهُ لَا يَعْرِضُ لِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ، وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ أَسْبَابِهِ. وَكَانَ بَعْضُ خَاصَّةِ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، وَبَعْضُ أَهْلِهِ لَمَّا رَأَوْا إِدْبَارَ أَمْرِهِ مَالُوا إِلَى يَعْقُوبَ، فَكَاتَبُوهُ، وَاسْتَدْعَوْهُ، وَهَوَّنُوا عَلَى مُحَمَّدٍ أَمْرَ يَعْقُوبَ (مِنْ نَيْسَابُورَ) ، فَأَعْلَمُوهُ أَنَّهُ لَا خَوْفَ عَلَيْهِ مِنْهُ، وَثَبَّطُوهُ عَنِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، فَرَكَنَ مُحَمَّدٌ إِلَى قَوْلِهِمْ، حَتَّى قَرُبَ

стр. 3257

يَعْقُوبُ مِنْ نَيْسَابُورَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ قَائِدًا مِنْ قُوَّادِهِ يُطَيِّبُ قَلْبَهُ، وَأَمَرَهُ بِمَنْعِهِ عَنْ الِانْتِزَاحِ عَنْ نَيْسَابُورَ إِنْ أَرَادَ ذَلِكَ. ثُمَّ وَصَلَ يَعْقُوبُ إِلَى نَيْسَابُورَ رَابِعَ شَوَّالٍ وَأَرْسَلَ أَخَاهُ عَمْرَو بْنَ اللَّيْثِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، فَأَحْضَرَهُ عِنْدَهُ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَقَيَّدَهُ، وَعَنَّفَهُ عَنْ إِهْمَالِهِ عَمَلَهُ، وَعَجْزِهِ عَنْ حِفْظِهِ، ثُمَّ قَبَضَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَكَانُوا نَحْوًا مِنْ مِائَةٍ وَسِتِّينَ رَجُلًا، وَحَمَلَهُمْ إِلَى سِجِسْتَانَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى خُرَاسَانَ، وَرَتَّبَ فِي الْأَعْمَالِ نُوَّابَهُ. وَكَانَتْ وِلَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً وَشَهْرَيْنِ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ. ذِكْرُ ظُهُورِ ابْنِ الصُّوفِيِّ بِمِصْرَ ثَانِيًا وَفِيهَا عَادَ ابْنُ الصُّوفِيِّ الْعَلَوِيُّ فَظَهَرَ بِمِصْرَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ [وَمِائَتَيْنِ] ظُهُورَهُ وَهَرَبَهُ إِلَى الْوَاحَاتِ، فَأَحَمَّ نَفْسَهُ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى نَفْسِهِ، فَتَبِعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَسَارَ بِهِمْ إِلَى الْأَشْمُونِينَ، فَوُجِّهَ إِلَيْهِ جَيْشٌ عَلَيْهِمْ قَائِدٌ يُعْرَفُ بِابْنِ أَبِي الْغَيْثِ، فَوَجَدَهُ قَدْ أَصْعَدَ إِلَى لِقَاءِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُمَرِيِّ، وَسَنَذْكُرُ بَعْدُ هَذَا. فَلَمَّا وَصَلَ الْعَلَوِيُّ إِلَى الْعُمَرِيِّ الْتَقَيَا، فَكَانَ بَيْنَهُمَا قِتَالٌ شَدِيدٌ، أَجْلَتِ الْوَقْعَةُ عَنِ انْهِزَامِ الْعَلَوِيِّ، فَوَلَّى مُنْهَزِمًا إِلَى أَسْوَانَ، فَعَاثَ فِيهَا، وَقَطَعَ كَثِيرًا مِنْ نَخْلِهَا. فَسَيَّرَ إِلَيْهِ ابْنُ طُولُونَ جَيْشًا، وَأَمَرَ بِطَلَبِهِ أَيْنَ كَانَ، فَسَارَ الْجَيْشُ فِي طَلَبِهِ فَوَلَّى هَارِبًا إِلَى عَيْذَابَ، وَعَبَرَ الْبَحْرَ إِلَى مَكَّةَ، وَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مَكَّةَ بَلَغَ خَبَرُهُ إِلَى وَالِيهَا، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَحَبَسَهُ، ثُمَّ سَيَّرَهُ إِلَى ابْنِ طُولُونَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مِصْرَ أُمِرَ بِهِ فَطِيفَ بِهِ فِي الْبَلَدِ، ثُمَّ سَجَنَهُ مُدَّةً وَأَطْلَقَهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ. ذِكْرُ حَالِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُمَرِيِّ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُمَرِيِّ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَكَانَ سَبَبُ ظُهُورِهِ بِمِصْرَ أَنَّ الْبِجَاةَ أَقْبَلَتْ يَوْمَ الْعِيدِ، فَنَهَبُوا وَقَتَلُوا وَعَادُوا غَانِمِينَ، وَفَعَلُوا ذَلِكَ مَرَّاتٍ، فَخَرَجَ هَذَا الْعُمَرِيُّ غَضَبًا لِلَّهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَكَمَنَ لَهُمْ فِي طَرِيقِهِمْ،

стр. 3258

فَلَمَّا عَادُوا خَرَجَ عَلَيْهِمْ، وَقَتَلَ مُقَدَّمَهُمْ وَمَنْ مَعَهُ، وَدَخَلَ بِلَادَهُمْ فَنَهَبَهَا، وَقَتَلَ فِيهِمْ فَأَكْثَرَ، وَنَهَبُوا وَسَبَوْا مَا لَا يُحْصَى، وَتَابَعَ عَلَيْهِمُ الْغَارَاتِ حَتَّى أَدَّوْا إِلَيْهِ الْجِزْيَةَ، وَلَمْ يَفْعَلُوهَا قَبْلَ ذَلِكَ. وَاشْتَدَّتْ شَوْكَةُ الْعُمَرِيِّ، وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ، فَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُهُ ابْنَ طُولُونَ سَيَّرَ إِلَيْهِ جَيْشًا كَثِيفًا، فَلَمَّا الْتَقَوْا تَقَدَّمَ الْعُمَرِيُّ، وَقَالَ لِمُقَدَّمِ الْجَيْشِ: إِنَّ ابْنَ طُولُونَ لَا يَعْرِفُ خَبَرِي، لَا شَكَّ، عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ لِلْفَسَادِ، وَلَمْ يَتَأَذَّ بِي مُسْلِمٌ وَلَا ذِمِّيٌّ، وَإِنَّمَا خَرَجْتُ طَلَبًا لِلْجِهَادِ، فَاكْتُبْ إِلَى الْأَمِيرِ أَحْمَدَ عَرِّفْهُ كَيْفَ حَالِي، فَإِنْ أَمَرَكَ بِالِانْصِرَافِ فَانْصَرِفْ، وَإِلَّا إِنْ أَمَرَكَ بِغَيْرِ ذَلِكَ كُنْتَ مَعْذُورًا. فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، وَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ جَيْشُ ابْنِ طُولُونَ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهِ أَخْبَرُوهُ بِحَالِ الْعُمَرِيِّ فَقَالَ: كُنْتُمْ أَنْهَيْتُمْ حَالَهُ إِلَيَّ، فَإِنَّهُ نُصِرَ عَلَيْكُمْ بِبَغْيِكُمْ، وَتَرَكَهُ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ مُدَّةٍ وَثَبَ عَلَى الْعُمَرِيِّ غُلَامَانِ لَهُ فَقَتَلَاهُ، وَحَمَلَا رَأْسَهُ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ، فَلَمَّا حَضَرَا عِنْدَهُ سَأَلَهُمَا عَنْ سَبَبِ قَتْلِهِ، فَقَالَا: أَرَدْنَا التَّقَرُّبَ إِلَيْكَ بِذَلِكَ، فَقَتَلَهُمَا، وَأَمَرَ بِرَأْسِ الْعُمَرِيِّ فَغُسِّلَ، وَكُفِّنَ، وَدُفِنَ. ذِكْرُ مَا كَانَ هَذِهِ السَّنَةَ بِالْأَنْدَلُسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، إِلَى طُلَيْطِلَةَ فَنَازَلَهَا وَحَصَرَهَا، وَكَانَ أَهْلُهَا قَدْ خَالَفُوا عَلَيْهِ، وَطَلَبُوا الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ، وَأَخَذَ رَهَائِنَهُمْ. وَفِيهَا خَرَجَ أَهْلُ طُلَيْطُلَةَ إِلَى حِصْنِ سَكْيَانَ، وَكَانَ فِيهِ سَبْعُمِائَةَ رَجُلٍ مِنَ الْبَرْبَرِ، وَكَانَ أَهْلُ طُلَيْطُلَةَ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، فَلَمَّا الْتَحَمَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمُ انْهَزَمَ أَحَدُ مُقَدَّمِي أَهْلِهَا، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَبِيبٍ، فَتَبِعَهُ أَهْلُ طُلَيْطُلَةَ فِي الْهَزِيمَةِ، وَإِنَّمَا انْهَزَمَ لِعَدَاوَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُقَدَّمٍ آخَرَ اسْمُهُ طُرَيْشَةُ مِنْ أَهْلِ طُلَيْطُلَةَ، فَأَرَادَ أَنْ يُوهِنَهُ فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا انْهَزَمُوا قَتَلُوا الْبِرْقِيلَ (؟) . وَفِيهَا عَادَ عَمْرُو بْنُ عَمْرُوسَ إِلَى طَاعَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ مُخَالِفًا عَلَيْهِ عِدَّةَ سِنِينَ، فَوَلَّاهُ مَدِينَةَ أَمَشْقَةَ، وَحَصَرَ مُحَمَّدٌ حُصُونَ بَنِي مُوسَى، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى بَنْبَلُونَةَ فَوَطِئَ أَرْضَهَا وَعَادَ.

стр. 3259

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ (وَفِيهَا سَارَتْ سَرِيَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ إِلَى مَدِينَةٍ سَرَقُوسَةَ، فَصَالَحَهَا أَهْلُهَا عَلَى أَنْ أَطْلَقُوا الْأَسْرَى الَّذِينَ كَانُوا عِنْدَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ أَسِيرًا، فَلَمَّا أَطْلَقُوهُمْ عَادَتْ عَنْهُمْ) . وَفِيهَا قُتِلَ كِيجُورُ، وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْكُوفَةِ، فَسَارَ عَنْهَا إِلَى سَامَرَّا بِغَيْرِ إِذَنٍ، فَأُمِرَ بِالرُّجُوعِ فَأَبَى، فَحُمِلَ إِلَيْهِ مَالٌ لِيُفَرِّقَهُ فِي أَصْحَابِهِ فَلَمْ يَقْنَعْ بِهِ، وَسَارَ حَتَّى أَتَى عُكْبَرَا، فُوُجِّهَ إِلَيْهِ مِنْ سَامَرَّا عِدَّةٌ مِنَ الْقُوَّادِ فَقَتَلُوهُ، وَحَمَلُوا رَأْسَهُ إِلَى سَامَرَّا. وَفِيهَا غَلَبَ شَرْكَبُ الْحِمَارُ عَلَى مَرْوَ، وَنَاحِيَتِهَا وَنَهَبَهَا. وَفِيهَا انْصَرَفَ يَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ عَنْ بَلْخَ، فَأَقَامَ بِقَهِسْتَانَ، وَوَلَّى عُمَّالَهُ هَرَاةَ، وَبُوشَنْجَ، وَبَاذَغِيسَ، وَانْصَرَفَ إِلَى سِجِسْتَانَ. وَفِيهَا فَارَقَ عَبْدُ اللَّهِ السِّجْزِيُّ يَعْقُوبَ، وَحَاصَرَ نَيْسَابُورَ وَبِهَا مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ (قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهَا يَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ، فَوَجَّهَ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ) إِلَيْهِ الرُّسُلَ وَالْفُقَهَاءَ، فَاخْتَلَفُوا بَيْنَهُمَا، ثُمَّ وَلَّاهُ الطَّبَسَيْنِ، وَقُهِسْتَانَ. وَفِيهَا غَلَبَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ عَلَى قُومِسَ وَدَخَلَهَا أَصْحَابُهُ.

стр. 3260

وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ بَيَانٍ، وَوَهْسُوذَانَ بْنِ جُسْتَانَ الدَّيْلَمَيِّ، وَانْهَزَمَ وَهْسُوذَانُ. وَفِيهَا نَزَلَتِ الرُّومُ عَلَى سُمَيْسَاطَ، ثُمَّ نَزَلُوا عَلَى مَلْطِيَّةَ، (وَقَاتَلَهُمْ أَهْلُهَا) ، فَانْهَزَمَتِ الرُّومُ، وَقُتِلَ بِطْرِيقُ الْبَطَارِقَةِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ الْمَعْرُوفُ بِبَرِّيَّةَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُوسَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زَكَرِيَّاءَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ حَيُّوَيْهِ. وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرُوسَ بْنِ يُونُسَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ دِينَارٍ الْكُوفِيُّ التَّغْلِبِيُّ، وَكَانَ شِيعِيًّا ضَعِيفَ الْحَدِيثِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ الطَّائِيُّ الْمَوْصِلِيُّ، وَكَانَ مُحَدِّثًا، (وَمِمَّنْ رَوَى عَنْهُ أَبُوهُ عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ) .
следующие страницы →